العظة السادسة عشرة فاشترى يوسف كل أرض مصر لفرعون – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة السادسة عشرة فاشترى يوسف كل أرض مصر لفرعون – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة السادسة عشرة فاشترى يوسف كل أرض مصر لفرعون – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة السادسة عشرة فاشترى يوسف كل أرض مصر لفرعون – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

حول الآية القائلة: “فاقتنى يوسف كل أرض المصريين لفرعون. لقد باع المصريون أرضهم لفرعون، لأن الجوع اشتد عليهم، فصارت الأرض لفرعون وأما الشعب فقد استعبد من أقصى حد مصر إلى أقصاه. “

مصر بلد العبودية

1 بشهادة الكتاب لا يوجد مصري حر، لأن فرعون قد “استعبد الشعب” دون أن يترك أحداً حراً على أرض مصر، وأقمع الحرية في كل البلد. لأجل هذا على الأرجح مكتوب: “أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية[1].” لقد صارت مصر إذاً هي بيت العبودية، والأسوأ من ذلك أنها صارت بيت العبودية الإرادية. ولكن حين يخبرنا الكتاب أن العبرانيين قد استعبدوا وأنهم، إذ حرموا من حريتهم، اضطروا لاحتمال نير السلطة، يذكرنا أنهم قد اقتيدوا له بالعنف.

ومكتوب في الواقع: “كان المصريون يكرهون بني إسرائيل وكانوا يخضعون بني إسرائيل بالقوة والعنف وجعلوا حياتهم مرة بأعمال قاسية، طين ولبن وكل عمل في الحقل أذلوهم به قسرا، مستعبدين إياهم.[2]” لاحظ جيداً أنه مكتوب أن العبرانيين قد استعبدوا “عنفاً”، لقد كانوا في الواقع يملكون حرية طبيعية لا يمكن نزعها منهم لا بسهولة ولا بالحيلة وإنما فقط بالعنف.

وعلى العكس، لقد استعبد فرعون الشعب المصري بسهولة ولم يقل إنه استخدم العنف لأن المصريين كانوا ينحدرون من تلقاء نفسهم نحو الحياة المنحطة وسرعان ما يصيرون عبيداً لكل أنواع الرذائل. انظر جلياً في أصلهم: سترى أن جدهم حام الذي سخر من عورة أبيه[3] قد استحق هذا الحكم: أن يكون ابنه كنعان عبد إخوته[4] لكي ما تشهد عبوديته بانحلال أخلاقه. فليس إذن بدون سبب أن فساد النسل يعيد إنتاج فساد الذرية الأصلي[5].

أما العبرانيون، فإن استعبدوا أو كانوا ضحايا طغيان المصريين، فيكون ذلك بالعنف والإجبار. لذلك فهم قد تحرروا من “بيت العبودية” وأعيدوا لحريتهم الفطرية التي كانوا قد فقدوها رغماً عنهم. وهكذا، نصت الشرائع الإلهية على أن كل من يشتري عبداً عبرانياً لا يبقيه إلى الأبد في العبودية: فست سنين يخدمه، وفي السابعة يذهب حراً[6]. ولم يأمر بأي شيء مماثل بالنسبة للمصريين: فالشريعة الإلهية لا تبالي في أي موضع بحرية المصريين لأنهم قد فقدوها بإرادتهم، فتركتهم الشريعة للنير الأبدي الذي لمصيرهم وللعبودية الدهرية.

عبودية الخطية

۲ وإذا ما فسرنا هذا بشكل روحي، فسنعرف ماهية عبودية المصريين لأن خدمة المصريين ليست هي إلا الاستعباد للنقائص الجسدية، والخضوع للشياطين. ولا يخضع أحد لهذه العبودية بدواع خارجية، ولكنه يقاد إليها بكسل الروح وشهوات وملذات الجسد التي تخضع لها الروح ضعفا. وعلى العكس، فمن يهتم بحرية النفس ويحافظ على نبل الروح عن طريق الأفكار السماوية، فهذا يكون من بني إسرائيل ولا يفقد حريته إلى الأبد، حتى وإن أخضع الفترة من الزمن عنفاً.

وفوق ذلك، يشرح مخلصنا، متحدثاً عن الحرية والعبودية، في الإنجيل هكذا: “إن كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية[7]” ويقول بالمقابل “إنكم إن ثبتم في كلامي تعرفون الحق، والحق يحرركم”[8].

المصريون أخضعوا أنفسهم للعبودية

وقد نسأل: من أين ليوسف أن يعيد ملك كل الأرض لفرعون وأن يضع رجل قديس في خدمة فرعون هذه العبودية الشاملة المحكومة بالخطية، كما شرحنا للتو؟ يمكننا أن نرد بأن الكتاب نفسه يبرر وظيفة الرجل القديس قائلاً إن المصريين أنفسهم هم الذين باعوا أنفسهم وممتلكاتهم[9]. فلا يقع الخطأ إذا على عاتق القائم بالإدارة حين يتخذ إجراءات مناسبة يستحقها مرؤوسوه. وستجد أن بولس الرسول أيضاً قد قام بعمل شبيه حين تسلم إلى الشيطان من صار بسبب تصرفاته السيئة غير أهل برفقة القديسين “حتى لا يجدف[10]“.

ومن المؤكد أنه لا يمكن لأحد أن يقول إن بولس الرسول هو من تصرف بقسوة بطرده هذا الرجل من الكنيسة وبتسليمه إلى الشيطان، ولكن الخطأ يقع بلا أدنى شك على من استحق بسلوكه ألا يكون له مكان في الكنيسة ويسلم لرفقة الشيطان. وهكذا ألصق يوسف؛ إذ كان يعلم أنه لا يوجد لدى المصريين لا حرية العبرانيين ولا نبل إسرائيل، بالسيد المناسب لهم، عبيدا يستحقونه.

وسأذهب إلى أبعد من ذلك، فإنك ستجد في أفعال الحكم الإلهي شيئاً مشابهاً؛ أنصت إلى موسى: “حين فرق العلي للأمم ونصب تخوم الشعوب، أقامهم حسب عدد ملائكة الله وصار يعقوب هو قسم الرب. إسرائيل نصيب ميراثه”[11]، فإنك ترى أن منطقة نفوذ الملائكة تحدد تبعاً لاستحقاقات كل شعب ولكن أن “نصيب الرب” هو شعب إسرائيل.

المجاعة هي كارثة للأشرار وليس للأبرار

3 والآن يقول الكتاب: “باع المصريون أرضهم لفرعون، لأن الجوع اشتد عليهم.[12]” ويبدو لي أنه يوجد هنا توبيخ للمصريين، لأنك لن تجد بسهولة في الكتاب بالنسبة إلى العبرانيين أن “الجوع قد اشتد عليهم” وبالرغم من أنه مكتوب أن المجاعة قد اشتدت في الأرض[13]، إلا أنه لم يذكر أن الجوع قد اشتد على يعقوب أو على أبنائه ولكنه قال إن الجوع اشتد على المصريين.

لأن الجوع يصيب الأبرار ولكنه لا يشتد عليهم، ولذلك هم يتمجدون به كما فعل بولس الرسول الذي نراه يشكر الرب عن طيب قلب وسط التجارب التي من هذا النوع في الجوع والعطش، في البرد والعري.[14]” فما هو تدريب للفضيلة بالنسبة إلى الأبرار، هو إذن عقاب على الخطية بالنسبة إلى الأشرار وهكذا مذكور أنه في وقت إبراهيم: “حدث جوع في الأرض، فانحدر أبرآم إلى مصر ليسكن هناك، لأن الجوع قد اشتد في الأرض.[15]

فبالتأكيد، إذا كان الكتاب يستخدم أسلوباً غير دقيق كما يزعم البعض، فكان يمكنه إن يقول إن إبراهيم قد نزل إلى مصر ليسكن فيها لأن الجوع قد اشتد عليه، ولكن انظر دقة وحرص لغة الكتاب، فعند الحديث عن القديسين يقول الكتاب إن الجوع “اشتد على الأرض أما عند الحديث عن الأشرار، فيقول إنهم هم الذين اشتد الجوع عليهم. إذن لم تشتد المجاعة لا على إبراهيم ولا يعقوب ولا على أبنائه، ولكن إن كان قد اشتد الجوع فيقول الكتاب إنه اشتد على الأرض.

غير أنه يذكر أنه في زمن إسحق كان في الأرض جوع غير الجوع الأول الذي حدث في أيام إبراهيم.[16]” فقد اشتد هذا الجوع قليلاً جداً على إسحق حتى إن الرب قال له: “لا تنزل إلى مصر. لكن اسكن في الأرض التي أريك، أقم في هذه الأرض وأنا أكون معك.[17]

الله يهتم بإطعام الأبرار

أعتقد أن هذا السبب هو الذي جعل النبي يقول بعد هذا الوقت بكثير: “كنت فتى وقد شخت، ولم أر الصديق تخلي عنه، ولا ذريته تلتمس خبزها[18]“، وفي موضع آخر “الرب لا يهلك الصديق جوعاً.[19]” وتؤكد كل هذه الشواهد أن الأرض من الممكن أن تعاني من الجوع وكذلك “الذين لا يفتكرون إلا في الأرضيات[20]“، ولكن الذين طعامهم أن يفعلوا إرادة الآب الذي في السموات”[21]، والذين يغذون نفسوهم ب”الخبز الذي نزل من السماء[22]” فهؤلاء لا يمكن أبداً أن يعانوا من عوز المجاعة.

مثال إيليا

ولذلك لا يستخدم الكتاب عمداً تعبير “اشتد الجوع عليهم عند الحديث عن الذين لديهم علم الله من خلال معرفته، ويحصلون على غذاء الحكمة السماوية. ففي سفر الملوك الثالث نجد نفس الحذر للحديث عن المجاعة: فإذ اشتد الجوع على الأرض كقول إيليا لأخاب: تحي هو الرب إله الجنود، إله إسرائيل الذي أقف أمامها إنه لا يكون في هذه السنين طل ولا مطر على الأرض إلا عند قولي[23]“، فحينئذ عهد الرب إلي الغربان أن تقوت النبي وأمر النبي أن يشرب من ماء نهر كريث.

ومرة أخرى في صرفة صيدا كلف أرملة بإطعام إيليا النبي، ولم يكن لديها طعام إلا ليوم واحد، ولكن حين قدم هذا الطعام، لم ينعدم أبداً وينفد ولكنه فاض لأن الدقيق في الكوار والزيت في الكوز لم ينقصا، كقول الرب، طالما كان هناك ما يقوت النبي[24].

مثال إليشع

وستجد نفس الشيء أيضاً في زمن إليشع النبي حين صعد بنهدد ملك سوريا إلى السامرة وحاصرها: “وكان جوع شديد في السامرة حتى صار رأس الحمار بخمسين من الفضة، وربع القاب من زبل الحمام بخمس من الفضة[25]“، ولكن حدث بغتة تغير مذهل في صوت النبي الذي قال: “اسمع كلام الرب. هكذا يقول الرب: في مثل هذا الوقت غداً تكون كيلة الدقيق بشاقل، وكيلتا الشعير بشاقل في باب السامرة[26].”

أنت ترى إذا ما ينجم عن هذه النصوص: حين يسود الجوع على الأرض، ليس فقط لا يصيب الأبرار، بل على العكس، هم الذين يحددون سبيل النجاة من الكارثة الخطيرة.

الجوع إلى كلمة الرب

4 وبما أنك صرت الآن تفهم أن الكتاب المقدس يحافظ بدقة، في أغلب نصوصه، على مثل هذا التدقيق في اللغة، فلتنتقل إلى المعنى الرمزي والمجازي الذي تعلمنا إياه أقوال الأنبياء أنفسهم. ويعلن واحد من الأنبياء الاثني عشر صراحة أن الأمر يتعلق بوضوح وبالتأكيد بجوع روحي، حين يقول: “هوذا أيام تأتي، يقول الرب، أرسل جوعاً في الأرض، لا جوعاً للخبز، ولا عطشاً للماء، بل جوعاً لاستماع كلام الرب[27].”

هل تلاحظ أي جوع يشتد على الخطاة؟ أتدرك ما هي المجاعة التي تشتد على الأرض؟ إن هؤلاء الذين من الأرض ولا يميلون إلا إلى الأرضيات[28]“، والذين لا يستطيعون أن يقبلوا ما يأتي من روح الله[29]” فهم يعانون من الجوع إلى كلمة الله” هم لا يستمعون التعاليم الشريعة ويتجاهلون تحذيرات الأنبياء ويجهلون تشجيع الرسل ولا يختبرون التأثير الشافي للإنجيل، لذلك يقال عنهم بحق إن الجوع “اشتد على الأرض.[30]

وليمة الحكمة

أما بالنسبة للأبرار وللذين “يلهجون في ناموس الرب نهاراً وليلاً[31]” فإن “الحكمة ترتب مائدتها وتذبح ذبحها وتمزج خمرها في الكأس وتنادي بصوت عال[32]. لا لكي يأتي الجميع ولا لكي يقيم عندها الموسرون أو الأغنياء أو حكماء هذا العالم، ولكن كما يقول الكتاب حتى يأتي إليّ عديمو الفهم[33]” أي “متواضعو القلب[34]“، الذين تعلموا من المسيح أن يكونوا “ودعاء ومتواضعي القلب”، الذين يقال عنهم في موضع آخر “مساكين بالروح[35]“، ولكنهم أغنياء بالإيمان، حتى يأتي هؤلاء إلى وليمة الحكمة ويجددون قواهم بطعامها ويصمدون “للجوع الذي اشتد على الأرض”.

فلتحرص إذاً أنت أيضاً ألا تكون أحد هؤلاء المصريين الذين يشتد الجوع عليهم. لا تدع نفسك تسقط في اهتمامات هذا الدهر، أو تتقيد بقيود البخل أو تلين بفرط الشهوات: ستصير بذلك غريباً عن طعام الحكمة التي لا تكف كنائس الرب عن تقديمها، لأنك إن أغلقت أذنيك عما يقرأ أو عما يشرح في الكنيسة، فستشعر بلا أدنى شك بالجوع إلى كلمة الله. ولكن إن احتفظت، بكونك منحدراً من ذرية إبراهيم، بنبل النسل الإسرائيلي، فإن الشريعة والأنبياء هم الذين لا يكفون عن إطعامك ويقدم لك الرسل ولائم فاخرة.

تدعوك الأناجيل إذاً للاتكاء في حضن إبراهيم وإسحق ويعقوب “في ملكوت الآب[36]” ولتأكل هناك من “شجرة الحياة[37]” وتشرب من خمر “الكرمة الحقيقية[38]“، “الخمر الجديدة مع المسيح في ملكوت أبيه[39]“، لأنه لا يمكن لتبني العرس ما دام العريس معهم[40]” أن يصوموا عن هذه الأطعمة ولا أن يشعروا بالجوع إليها[41].

كهنة فرعون وكهنة الرب

5 وفيما بعد يخبرنا الكتاب أن أرض الكهنة المصريين لم تنتقل تحت سيطرة فرعون وأنهم لم يبيعوا أنفسهم كما فعل باقي المصريين. علاوة على ذلك، كان الكهنة يأخذون قمحاً أو هداياً أخرى مباشرة من فرعون وليس من يوسف. ولذلك لم يبيعوا أرضهم الفرعون؛ إذ حسبوا أقرب إليه من الآخرين[42]. وهذا يدل على أنهم أكثر انحرافاً من الآخرين، إذ إن هذه العلاقة الوثيقة مع فرعون سمحت بألا يصيبهم أي تغيير وبأن يحتفظوا بملكية قميئة.

ومثلما يقول الرب للذين كانوا متقدمين في الإيمان والقداسة: “لا أعود أسميكم عبيداً بل أحباء[43]“، هكذا أيضاً قال فرعون للكهنة كما لو كانوا قد وصلوا لأعلى مراتب الفساد والكهنوت الهلاك: “لا أعود أسميكم عبيداً بل أحباء”

هل تريد أن تعرف ما يميز كهنة الرب عن كهنة فرعون؟ أعطى فرعون أراضي لكهنته في حين لا يعطي الرب لكهنته نصيبا على الأرض ولكنه يقول لهم: “أنا نصيبك.[44]” وأنتم الذين تقرأون هذا النص، فلتلاحظوا كل كهنة الرب وفرقوا بينهم: الذين لهم نصيب على الأرض ويعكفون على مشاغل واهتمامات أرضية، ألا يبدو أنهم كهنة فرعون أكثر من كونهم كهنة الرب؟ لأن فرعون يريد أن يمتلك كهنته أراضي ويجدون في زراعة الأرض لا النفس، وأن يكرسوا أنفسهم للحقول لا للشريعة. ولننصت على العكس ما يأمر به المسيح ربنا كهنته: “كل واحد لا يترك جميع ما له، لا يقدر أن يكون تلميذي”[45].

التخلي عن ثروات العالم

أقول ذلك وأنا أرتعد؛ إذ إنني أنا قبل كل شيء هو المشتكي على نفسي وأنا الذي ينطق بإدانتي. فالمسيح ينكر التلميذ الذي يراه يمتلك شيئاً والذي لا يترك جميع ما له. فكيف نسلك إذن؟ كيف يمكننا سواء أن نقرأ نحن أنفسنا هذه المتطلبات أو نفسرها للشعب في حين، ونحن مازلنا بعيدين عن ترك ما لنا، نريد أيضاً أن نمتلك ما لم نملكه أبداً قبل مجيئنا إلى المسيح؟ فهل أمام تأنيب ضميرنا نستطيع أن نخفي أو نتخلى عن أن ننادي بالمكتوب[46]؟ إنني لا أريد أن أحمل نفسي خطية مزدوجة.

إنني أعترف، وأقوم بذلك علانية قدام الشعب الذي يسمعني، أن هذه الأوامر مكتوبة في الكتاب المقدس حتى وإن أقررت أني لم أتبعها بعد[47]. ولكن بما أننا على الأقل قد أنذرنا بها فلنسرع في اتباعها، لنسرع في التحول من كهنة فرعون الذين ممتلكاتهم على الأرض إلى كهنة الرب الذين لا يكون نصيبهم على الأرض والذين “نصيبهم هو الرب.[48]” وإنه عن هؤلاء قال: “كفقراء ونحن نغني كثيرين، كأن لا شيء لنا ونحن نملك كل شيء[49]“، فهذا هو بولس الرسول الذي يجد في هذا الحال سبباً للفخر.

هل تريد أن تسمع أيضاً إعلانات بطرس عن نفسه؟ اسمعوه يقوم مع يوحنا بهذا الاعتراف الذي يخص كليهما: “ليس لي فضة ولا ذهب، ولكن الذي لي فإياه أعطيك: باسم يسوع المسيح قم وامش.[50]” هنا هي إذا ثروات كهنة المسيح، ها هو سخاء من لا شيء لهم الوافر والثمين. وهذه الثروات لا يمكن أن يهبها امتلاك الأرض.

شعب مصر وشعب إسرائيل

6 لقد قمنا بمقارنة كهنة بكهنة. لنقارن الآن، إذا أردتم، الشعب المصري بالشعب الإسرائيلي. يقول الكتاب فيما يلي إنه بعد المجاعة والعبودية، صار شعب مصر يدفع لفرعون خمس غلته[51]، وكان بالمقابل شعب إسرائيل يقدمون العشر فقط للكهنة. لاحظ أن الكتاب المقدس هنا أيضاً يستند في تحديد هذه النسبة إلى سبب هام. فلاحظ أن الشعب المصري يدفع جزية وفقا للعدد خمسة: هذا العدد يشير في الواقع إلى الحواس الخمس الجسدية التي كان الشعب الجسدي [المصريون] عبداً لها، لأن المصريين كانوا يتلذذون دائما بالأشياء المرئية والحسية.

أما شعب إسرائيل فهو على العكس يكرم العدد عشرة وهو عدد الكمال[52]: فقد أخذ في الواقع كلمات الشريعة العشر؛ وإذ التزم بفضيلة الوصايا العشر، استقبل الأسرار التي يجهلها هذا العالم وعطايا السخاء الإلهي. ويكرم العدد عشرة في العهد الجديد أيضاً: فينمو ثمر الروح إلى عشر فضائل[53] ويقدم الخادم الأمين للسيد عشر وزنات كنتاج لعمله ويأخذ إمارة عشر مدن[54].

ولكن هناك خالق واحد لكل الأشياء، والمسيح وحده هو أصلها وبدؤها، لذلك كان الشعب يقدم عشر غلته للخدام والكهنة، ولكنه يقدم أبكاره “لبكر كل خليقة[55]“، والبكور إلى من هو بدء كل شيء، الذي كتب عنه: “هو البداءة[56]“، بكر كل خليقة.[57]

وهكذا إذن ندرك من كل هذا، الفرق بين شعب مصر وشعب إسرائيل، والفرق بين كهنة مصر وكهنة الرب. لتدخل إلى نفسك ولتتساءل إلى أي شعب تنتمي وبأي نوع كهنة ترتبط. فإن كنت لا تزال عبداً للحواس الجسدية، إن كنت لا تزال تدفع الفريضة وفقاً للعدد خمسة، إن كنت تنظر “الأشياء الوقتية التي تري” ولا تنظر “الأشياء الأبدية التي لا ترى[58]

فأنا أقر أنك في عداد شعب مصر ولكن إن لم تكف عن ألا يكون نصب عينيك وصايا الناموس العشر ووصايا العهد الجديد التي تحدثنا عنها تواً، إن قدمتها عشوراً، إن ذبحت بروح الإيمان أبكار فهمك الخاص للبكر من بين الأموات”[59]، إن قدمت بكورك لمن هو “بدء كل شيء، فإنك تكون آنذاك “إسرائيلياً حقيقياً لا غش فيه[60]“.

أما عن كهنة الرب، فإن دخلوا إلى أنفسهم وتحرروا من النشاط الأرضي ومن التملك في هذا العالم، فيمكنهم حقا أن يقولوا للرب: “ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك[61]” وأن يسمعوه يقول: “إنكم أنتم الذين تبعتموني، في القيامة العامة، متى جاء ابن الإنسان في ملكوته، تجلسون أنتم أيضاً على إثني عشر كرسياً وتحكمون على أسباط إسرائيل الإثني عشر.[62]

المكوث بالقرب من الله

۷ لنر الآن ما يقوله موسى: “وسكن إسرائيل في مصر، في أرض جاسان[63].” فجاسان تعني “قرب” أو “جوار” وهو ما يثبت أن إسرائيل، حتى ولو سكن في مصر، إلا أنه ليس بعيداً عن الله، بل قريب جداً منه ومتحد معه، كقول الله نفسه “أنا أنزل معك إلى مصر، وأكون معك[64].”

ونحن إذا، حتى وإن بدا أننا قد نزلنا إلى مصر، حتى وإن خضنا صراعات وحروب هذا العالم بحكم حالتنا الجسدية، حتى وإن سكنا وسط عبيد فرعون، فإننا إذا كنا بالقرب من الله وثابرنا على التأمل في وصاياه وطلبنا بعناية “فرائضه وأحكامه[65]“. لأن هذا هو ما يعنيه المكوث دائماً بالقرب من الله والتفكر في أمور الله وطلب ما هو لله[66]“. فحينئذ يكون الله معنا على الدوام بالمسيح يسوع ربنا “الذي له المجد إلى أبد الآبدين. آمين.[67]

[1] انظر: خر 20: 2.

[2] انظر: خر 1: 12-14.

[3] انظر: تك 9: 22.

[4] انظر: تك 9: 25.

[5] إن مصر التي يتحدث عنها أوريجينيس مستخدما كافة الرموز والاستعارات المرتبطة بهذا الاسم، ليست بوجه عام سوی بلد الفراعنة المذكور في الكتاب المقدس والمنتمي لماض قد تم محوه منذ زمن بعيد. إلا أن كاديو (R.Cadiou) في كتابه “شباب أوريجينيس” قد أعزي الصرامة التي يظهرها أوريجينيس هنا تجاه بلد مولده إلى ما شعر به من ألم عندما طرده البابا ديميتريوس من كنيسة الإسكندرية.

ولكن نلاحظ أنه في وقت إلقاء هذه العظة كان قد مر أكثر من عشرين عاما على هذا الطرد، وبالتالي فقد كان للاستياء الذي في نفس أوريجينيس الوقت الكافي ليهدأ. أما قديما، فقد كتب في الجزء السادس من تعليقه على إنجيل القديس يوحنا عقب ما حدث له مباشرة أن عدو الخير قد أثار ضده “كل رياح الفساد التي في مصر.” ولكن في عظاتنا هذه، وفي الوقت الذي كان فيه أوريجينيس ذائع الصيت ويتمتع بامتيازات كثيرة في قيصرية، لم يكن هناك داع للعودة مرة أخرى لحالة الاستياء التي عانى منها قديما لبعض الوقت.

[6] انظر: خر۲۱: ۲.

[7] انظر: يو 8: 34.

[8] انظر: يو 8: 31-32.

[9] انظر: تك 47: 20.

[10] انظر: 1كو 5: 5؛ 1تي 1: 20.

[11] انظر: تث 32: 8-9.

[12] انظر: تك 47: 20.

[13] انظر: تك 43: 1.

[14] انظر: 2كو 11: 27.

[15] انظر: تك 12: 10.

[16] انظر: تك 26: 1.

[17] انظر: تك 26: 2-3.

[18] انظر: مز 36: 25 (حسب السبعينية).

[19] انظر: أم 10: 3.

[20] انظر: في ۳: ۱۹.

[21] انظر: مت ۷: ۲۱.

[22] انظر: يو 6: 51، 59.

[23] انظر: ۳ مل ۱۷: ۱ (حسب السبعينية).

[24] انظر: ۳ مل ۲:۱۷ وما بعده (حسب السبعينية).

[25] انظر: 4 مل 6: 25 (حسب السبعينية).

[26] انظر: 4 مل ۷: ۱ (حسب السبعينية).

[27] انظر: عا ۸: ۱۱.

[28] انظر: في ۳: ۱۹.

[29] انظر: ۱ کو ۲: 14.

[30] انظر: تك 43: ۱.

[31] انظر: مز 1: 2.

[32] انظر: أم 9: 2-6.

[33] انظر: أم 9: 4؛ مت 11: 25، 28.

[34] انظر: مت 11: 29.

[35] انظر: مت 5: 3؛ يع 2: 5.

[36] انظر: مت 8: 11.

[37] انظر: رؤ 2: 7.

[38] انظر: يو 15: 1.

[39] انظر: مت 26: 29.

[40] انظر: لو 5: 34؛ مت 9: 15.

[41] عن أكل الكلمة وعلاقته بالإفخارستيا عند أوريجينيس، ارجع إلى:

  1. DE LUBAC, Histoire et Esprit, p. 363- 373.

[42] انظر: تك 47: ۲۲.

[43] انظر: يو 15: 15.

[44] انظر: عد 18: 20.

[45] انظر: لو 14: 33.

[46] يبدو أن أوريجينيس كان يوبخ نفسه على عدم عيش حياة الفقر التي ينبغي أن يعيشها كل تلميذ للمسيح “متنازلا عن كل ماله ” وقد حدد أوريجينيس في العظات على سفر اللاويين 15: ۲ متطلبات هذا الفقر. وحيث كان من الضروري السكن في منازل وكان لازما في بعض الأحيان القيام بمصروفات كبيرة، فلا يبدو أن أوريجينيس كان معترضا على هذا لأن ما يعنيه هو بناء البيت الروحي من خلال المحبة.

لكننا سنعيد قراءة ما كتبه إيريناؤس في “ضد الهرطقات” (4: 30: 1، 3) والذي أثار نفس القضية وقدم ردا عمليا: الدي كل منا مال كثير أو قليل. قد اقتناه بمال الظلم، فمن أين أتت المنازل التي نسكن فيها والملابس التي نرتديها…؟” ويقر إيرينيوس بأن “التاجر يمارس التجارة ليكسب منها قوته ” ولكن إيرينيوس في نفس الوقت يوضح أن هذا الملك الذي يتأتي من مال الظلم، يمكننا من القيام بأعمال الخير.

[47] هذا الحديث يظهر أمانة أوريجينيس الشديدة تجاه التعليم والحياة حسب هذا التعليم.

[48] انظر: مز 118: 57 (حسب السبعينية).

[49] انظر: 2كو 6: 10.

[50] انظر: أع 3: 6.

[51] انظر: تك 47: 24.

[52] لاحظ أن التأملات حول الأرقام والتي اهتم بها أتباع فلسفة فيثاغورس، كانت مهمة بالنسبة لفيلو ولكل مدرسة الإسكندرية. انظر المعاني الخاصة بالأعداد ۳۰۰، ۱۰۰، 50 و۱ في العظة (۲: 5) ولطالما حصل العدد ۱۰ على شرف خاص، فالعدد ۱۰ هو العدد الكامل.

[53] انظر: غل 5: ۲۲.

[54] انظر: لو 19: 16-17.

[55] انظر: كو 1: 15.

[56] انظر: كو 1: 18.

[57] انظر: كو 1: 15.

[58] انظر: 2كو 4: 18.

[59] انظر: كو 1: 18.

[60] انظر: يو 1: 47.

[61] انظر: مت 19: 27.

[62] انظر: مت 19: 28.

[63] انظر: تك 47: 27.

[64] انظر: تك 46: 4؛ 26: 3.

[65] انظر: تث 12: 1.

[66] انظر: في 2: 21.

[67] انظر: غل 1: 5.

العظة السادسة عشرة فاشترى يوسف كل أرض مصر لفرعون – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

أخوة يوسف يصعدون من أرض مصر، ويعقوب يعلم أن يوسف لا يزال حياً

أخوة يوسف يصعدون من أرض مصر، ويعقوب يعلم أن يوسف لا يزال حياً

أخوة يوسف يصعدون من أرض مصر، ويعقوب يعلم أن يوسف لا يزال حياً

العظة الخامسة عشرة أخوة يوسف يصعدون من أرض مصر، ويعقوب يعلم أن يوسف لا يزال حياً – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

على الآية القائلة: “فصعدوا من مصر وجاءوا إلى أرض كنعان، إلى

 يعقوب أبيهم، وأخبروه قائلين: يوسف حي بعد، وهو متسلط على

كل أرض مصر[1].”

المعنى الرمزي للصعود والنزول

1 يجب علينا حين نقرأ الكتاب المقدس أن نلاحظ في كل فقرة استخدام الفعلين “صعد” و”نزل”. ومع قليل من الانتباه، سنكتشف أنه لم يقل أبدا تقريباً نزل عند الحديث عن مكان مقدس، ولا قال “صعد” عند الحديث عن الأماكن غير المستحبة. وتثبت هذه الملاحظات أن الكتاب المقدس لم يكتب بأسلوب غير حاذق وغير متقن كما يظن الكثيرون، ولكنه كتب وفقاً أسلوب يلائم التعليم الإلهي ويتطابق مع الحقائق والمعاني السرية[2] أكثر من تطابقه مع القصص التاريخية.

ستجد إذن مكتوباً أن الذين ولدوا من إبراهيم قد نزلوا إلى مصر، في حين أن بني إسرائيل قد “صعدوا” من مصر. وقد قيل عن إبراهيم نفسه: “فصعد أبرآم من مصر إلى البرية مع امرأته وكل ما كان له، ولوط معه[3]“، وبعد ذلك قيل عن إسحق وظهر له الرب وقال له: لا تنزل إلى مصر.[4]” ولكن يروى أن الإسماعيليين، الذين كانوا يحملون أطياباً ولاذناً وبلساناً وهم أيضاً من نسل إبراهيم، قد نزلوا إلى مصر[5]، وقد نزل” يوسف معهم، وفقا للكتاب، إلى مصر. ويقول الكتاب فيما بعد: “وإذ رأي يعقوب أنه يباع قمح في مصر، قال لبنيه: لماذا تقفون مكتوفي الأيدي؟ ها إني قد علمت أنه يوجد قمح في مصر. “انزلوا إلى هناك واشتروا لنا ما نأكله لنحيا ولا نموت[6]“، وبعد ذلك بقليل: “نزل إخوة يوسف إلى مصر ليشتروا قمحاً.[7]” وحين شجن شمعون في مصر ورجع إخوته التسعة إلى أبيهم بعد إطلاق سراحهم، لم يقل إنهم “صعدوا من مصر ولكن إنهم “حملوا القمح على حميرهم ومضوا من هناك[8]“، فلم يكن مناسباً القول بأنهم “صعدوا”؛ إذ إن أخاهم قد سجن في مصر وهم كانوا يعانون معه؛ إذ كانوا قلقين بالروح والقلب، موثقين، إن جاز التعبير، برباطات المحبة. ولكن حين استعادوا أخيهم وحين أعلن يوسف عن حقيقته وقدم له بنيامين، مضوا فرحين وحينئذ قال الكتاب “فصعدوا من مصر وجاءوا إلى أرض كنعان، إلى يعقوب أبيهم[9].” هذا هو الوقت الذي قالوا فيه لأبيهم: “ابنك يوسف حي، وهو الذي يحكم كل أرض مصر.[10]” نحن مجبرون أن نقول إنهم قد صعدوا من اهتمامات دنيئة وحقيرة إلى اهتمامات أخرى شريفة وسامية، وهي تعلن أن يوسف لا يزال حياً وأنه يحكم مصر كلها.

هذا هو إذا ما ورد إلى ذهننا في الوقت الحاضر حتى الآن حول أفعال “الصعود والنزول هذه، ولكن يمكن لكل من يهمهم هذا أن ينتهزوا الفرص ليجمعوا من الكتاب عدداً أكبر من الفقرات التي تؤيد هذا التفسير.

موت الخطية

۲ ولكن لنر كيف يمكننا أن نفهم هذا القول: “ابنك يوسف حي.[11]” ولا أظن أن هذا القول قد قيل بالمعنى المألوف. فإذا افترضنا مثلا أن يوسف كانت قد غلبته الشهوة الجسدية وأنه أخطأ مع امرأة سيده[12]، فلا أعتقد أن البطاركة، كانوا ليعلنوا لأبيه: “يوسف ابنك حي”، لأنه بعد جرم مثل هذا لما كان بالتأكيد حياً: “النفس التي تخطئ هي تموت.[13]” وتعلمنا سوسنة نفس الشيء حين تقول: “لقد أحاط بي الضيق من كل جهة، فإني إن فعلت هذا. أي إن أخطأت. فهو لي موت. وإن لم أفعل فلا أنجو من أيديكما.[14]” فأنت ترى إذا أنها هي أيضاً تعتبر الخطية كالموت. كما أن وصية الله للإنسان الأول كانت تحتوي أيضاً على نفس التعليم: “اليوم الذي تأكلان منها موتاً تموتان.[15]” وعندما خالف الإنسان الوصية، مات. لأن النفس التي أخطأت ماتت واتهمت الحية بخداعها إياها قائلة: “لن تموتا.[16]” هذا هو ما كان يجب قوله عن كلام أبناء إسرائيل ليعقوب: “ابنك يوسف حي.[17]

نور الروح

وبعد ذلك يخبرنا الكتاب بأقوال شبيهة حين يقول: “فانتعشت روح يعقوب أبيهم، وقال إسرائيل: إنه لشيء عظيم لي أن يوسف ابني حي بعد.[18]” الكلمة اللاتينية انتعشت الروح (resuscitatus) هي في اليونانية تعني “اشتعلت ثانية” أكثر مما تعني “انتعشت” أو تعني “أضرمت من جديد[19]“. ونستخدم هذه الكلمة حين تضعف أي نار حتى تبدو أنها تنطفئ ثم إذا أضرمناها وعادت، نقول إنها اشتعلت ثانية. وحين يخفت ضوء المصباح ويبدو أنه سينطفئ فإذا ألهبناه بسكبنا زيتاً، فنقول أيضاً، حتى وإن لم يكن التعبير ملائماً، إن المصباح اشتعل ثانية. ويمكننا أن نستخدم تعبيرات مشابهة بالنسبة إلى المشعل أو الأنوار الأخرى التي من هذا النوع.

هذا الأسلوب في الحديث يبدو إذا أنه يشير إلى تحول مشابه في يعقوب. لأنه طالما كان بعيداً عن يوسف ولم يصله أي خبر أنه لا يزال حياً، كانت روحه تضعف بشكل ما بداخله والنور الذي كان بداخله كان يظلم بالفعل بسبب نقص الغذاء. ولكن حين جاء أناس ليخبروه بأن يوسف كان حياً – أي ليقولوا له إن “الحياة كانت نور الناس[20]” . اشتعلت ثانية روحه بداخله واستعاد النور الحقيقي بداخله كل بهائه.

۳ ويمكن للنار الإلهية أن تنطفئ أحياناً حتى عند القديسين والمؤمنين. اسمع إذا نصيحة بولس الرسول، فقد كان يقول لهؤلاء الذين يستحقون الحصول على مواهب الروح والنعمة: “لا تطفئوا الروح”[21]. كما لو كان يعقوب قد اختبر شيئاً مشابهاً لما أوصى بولس بتجنبه ثم استعاد قواه عند سماع خبر أن يوسف لا يزال حياً، ومكتوب عنه: “فاشتعلت روح يعقوب، وقال إسرائيل: إنه لشيء عظيم بالنسبة لي أن يوسف ابني حي بعد”[22].

ويجب ملاحظة أن الذي “اشتعلت روحه”، هذه الروح التي كانت تبدو شبه مطفأة، يدعى يعقوب، أما الذي قال: “إنه لشيء عظيم بالنسبة لي أن يوسف ابني حي بعد”، كما لو كان يفهم ويرى أن الحياة المذخرة في يوسف (يوسف نا) الروحي هي شيء عظيم، فهذا لا يدعى بعد يعقوب وإنما إسرائيل، أي الذي يرى بالروح الحياة الحقيقية التي هي المسيح الإله الحقيقي.

السيطرة على مصر

وقد تأثر يعقوب ليس فقط بمعرفة أن “يوسف ابنه حي” ولكن على الأخص بتلقي خبر أنه هو الذي كان متسلطاً على كل مصر[23]“، لأن حكم مصر هو شيء عظيم في نظره. فعندما تزدري بإغراءات الجسد وتهرب من الفسق وتكبح وتلجم كل شهوات الجسد، فذاك هو “التسلط على كل مصر”، وهذا هو ما يجده إسرائيل عظيماً ويثير إعجابه. أما أي من كان متسلطاً على بعض نقائص جسده واستسلم مع ذلك وخضع لنقائص أخرى، فهذا لا ينتقل قطعاً ليتسلط على كل أرض مصر ولكن ليحكم على سبيل المثال ربما مدينة واحدة أو مدينتين أو ثلاثة. أما يوسف الذي لم يتمكن أي انفعال شهواني من أن يغلبه، فكان سيدا وحاكما الكل مصر.

الكذب هو ظلام النفس

وهكذا إذاً، فإن إسرائيل الذي اشتعلت روحه ثانية. وليس يعقوب. هو الذي قال: “إنه لشيء عظيم بالنسبة لي أن يوسف ابني حي بعد. أذهب وأراه قبل أن أموت.[24]” وهناك أيضاً تفصيل لا يجب إغفاله وهو أن الكتاب يقول إن الروح -باعتبارها أفضل جزء في النفس. وليست النفس هي التي أحييت أو اشتعلت من جديد. لأنه حتى لو لم ينطفئ كلياً بريق النور الذي كان بداخله حين قدم له أبناؤه قميص يوسف الملطخ بدم الجدي، وحين انخدع بكذبتهم حتى إنه “مزق ثيابه، ووضع مسحاُ على حقويه، وناح على ابنه وأبى أن يتعزي” وقال: “إني سأنزل إلى ابني نائحاً إلى الهاوية[25]“، فحتى لو لم ينطفئ حينئذ النور تماماً بداخله، كما سبق وقلنا، فقد خفت على الأقل كثيراً، بما أنه قد خدع من أبنائه ومزق ثيابه وناح دون فائدة وطلب الموت ورغب في أن ينزل للهاوية نائحاً. لذلك هو ينعش روحه ويشعلها من جديد، حيث كان من المنطقي أن سماعه الحقيقة قد أشعل وألهب ثانية النور الذي كان قد حجبه خداع الكذب.

تفسير اسمي يعقوب وإسرائيل

4 ولكن بما أننا قد سبق وقلنا إن يعقوب هو من “اشتعلت روحه وإن إسرائيل هو من قال: “إنه لشيء عظيم بالنسبة لي أن يوسف ابني حي[26]“، فيمكنك أنت أيضاً أيها المستمع منطلقاً من الآية القائلة “وقال: لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل، لأنك غلبت وصرت مقتدراً بين الناس[27]“، يمكنك عند تصفح الكتاب المقدس كله، أن تجد هذا الفرق في التسمية. فعلى سبيل المثال، حين يقول عرفني اسمك[28]“، لا يدعى من يجهل الاسم هنا إسرائيل، ولكن يعقوب. وبالمقابل، عندما لا يأكل البطاركة العرق الذي على حق الفخذ”[29]، لا يدعون بني يعقوب ولكن بني إسرائيل. أما بالنسبة للذي “إذ رفع عينيه نظر عيسو مقبلاً ومعه أربع مئة رجل” والذي “سجد سبع مرات” أمام الزاني المستبيح[30]، أمام الرجل الذي لأكلة واحدة “باع حق بكوريته[31]“، فهذا لا يدعى إسرائيل ولكن يعقوب. وحين قدم له هدايا قائلاً “إن وجدت نعمة في عينيك فاقبل هذه الهدايا من يدي، لأني رأيت وجهك كما يرى وجه الله[32]“، لم يكن إسرائيل بل يعقوب. وعندما علم بأن دينا ابنته قد تدنست، لم يدع إسرائيل ولكن يقول الكتاب: فسكت يعقوب حتى عودة أبنائه[33]” ولكنك أنت أيضاً، كما سبق وقلت، تستطيع بقليل من الانتباه، أن تستخرج ملاحظات شبيهة.

في القراءة الحالية إذاً، فإن إسرائيل. وليس يعقوب. هو من يقول: تكفي يوسف ابني حي بعد[34]“، وحين أتى إلى بئر القسم وذبح ذبيحة الإله أبيه إسحق[35]“، لم يدع يعقوب بل إسرائيل. وإذا كنت تتساءل لماذا لم يقل الله له، متحدثاً معه في الرؤيا ليلاً: “إسرائيل إسرائيل[36]” ولكن “يعقوب يعقوب”، فإن ذلك على الأرجح بسبب أنه كان لي وأنه لم يكن بعد مستحقاً لسماع صوت الله إلا في رؤيا وليس بشكل مباشر. وعندما ذهب إلى مصر لم يقل الكتاب: إسرائيل بل: يعقوب وبنيه معه[37]“، وعندما وقف أمام فرعون ليباركه[38] دعي يعقوب وليس إسرائيل، حيث إن فرعون لم يحصل على بركة إسرائيل. لأن يعقوب وليس إسرائيل هو الذي قال لفرعون إن “أيام حياته قليلة وردية[39]“، ولم يكن ممكناً أبداً بالتأكيد أن يقول إسرائيل ذلك. بعد ذلك وعلى العكس، إسرائيل. وليس يعقوب. هو الذي قيل عنه إنه: “دعا ابنه يوسف وقال له: إن وجدت نعمة في عينيك فضع يدك تحت فخذي واصنع معي معروفا وأمانة.[40]” ولم يكن من سجد أمام رأس عصا يوسف[41] هو يعقوب بل إسرائيل. ثم حين بارك أبناء يوسف، دعي إسرائيل[42]، وحين جمع بنيه حوله قال: تعالوا معا لأنبئكم بما يصيبكم في آخر الأيام، اجتمعوا، يا بني يعقوب، واصغوا إلى إسرائيل أبيكم.[43]” وقد تتساءل لماذا دعي من اجتمعوا “بني يعقوب” في حين دعي من يباركهم إسرائيل قد يعني ذلك أن تقدمهم لم يوصلهم بعد المستوى استحقاقات إسرائيل، لذلك دعوا “بني يعقوب” باعتبارهم [في رتبة] أدنى، بينما دعي هو إسرائيل وهو الذي كان بالفعل كاملاً والذي أعطي البركات في معرفة تامة بالمستقبل. وبالتأكيد قد يبدو محيراً أن يقال إن المحنطين المصريين قد حنطوا إسرائيل[44]” وليس يعقوب. أعتقد أن الكتاب أراد أن يشير من هنا إلى عيب الذين يمقتون كل حس للخير وكل بصيرة في الفكر السماوي، والذين، من أجل هذا، يجدون أنفسهم وقد نسب لهم دفن إسرائيل، فالقديسون بالنسبة للأثمة هم أموات ومدفونون.

هذا هو إذن، على قدر ما بدرت الأشياء لذهننا الآن، ما كان يجب أن نقوله عن الفرق بين يعقوب وإسرائيل.

النزول إلى مصر والصعود من مصر

5 ويبدو من المناسب بعد ذلك اعتبار وفحص ما قاله الله الإسرائيل نفسه في الرؤيا وكيف أرسله إلى مصر مقوياً ومشجعاً إياه كما لو كان ذاهباً إلى المعارك. يقول في الواقع: “لا تخف من النزول إلى مصر[45]“، وهو ما يعني: عندما تتقابل مع “رئاسات وسلاطين وولاة عالم الظلمة هذا[46]“، الذين ترمز لهم مصر[47]، لا تخف ولا ترتعد، وإذا أردت أن تعرف لماذا لا يجب أن تخاف، فأنصت إلى وعدي “لأني أجعلك أمة عظيمة هناك، أنا أنزل معك إلى مصر، وأنا بنفسي في النهاية أرجعك من هناك.[48]” لأن الذي يصاحبه الله في المعركة، لا يخشى “أن ينزل إلى مصر، ولا يخشى مواجهة صراعات هذا العالم ولا المعارك مع الشياطين التي تقاومه. أنصت على سبيل المثال إلى بولس الرسول: “أنا تعبت أكثر من جميعهم. ولكن لا أنا، بل نعمة الله التي معي[49]“، ففي أورشليم وحين قامت فتنة ضده وكان يخوض بصلابة معركة عظيمة للتبشير بكلمة الرب، وقف الرب بجانبه وقال له، في كلمات مشابهة للكلمات الموجهة الآن لإسرائيل: “لا تخف يا بولس لأنك كما شهدت لي في أورشليم، هكذا ينبغي أن تشهد لي في رومية أيضاً.[50]

ولكنني أعتقد أن هناك سراً أعمق مختفياً في هذه الآية، لأن هذا القول يذهلني: “إني أجعل منك أمة عظيمة، أنا أنزل معك إلى مصر، وأنا بنفسي في النهاية أرجعك من هناك[51]“. فمن ذا الذي صار إذاً أمة عظيمة في مصر وعاد منها في النهاية؟ نعتقد أن الأمر يتعلق بيعقوب والذي نحن بصدده، إلا أن ذلك ليس صحيحا لأنه لم يعد في النهاية من مصر؛ إذ إنه قد مات فيها. وليس من المقبول القول بأن الله قد أعاد يعقوب لأن جسده قد أرجع. فإذا اعتقدنا ذلك، لن يكون صحيحاً أن “الله ليس إله أموات بل إله أحياء[52]” ومن ثم لا يجب أن نفهم هذه العودة باعتبارها عودة شخص ميت ولكن نقر بأنها تخص أشخاصا أحياء وفي كامل القوة. فلنتساءل إذن إن لم يكن هذا رمز نزول الرب إلى هذا العالم ونموه إلى “أمة عظيمة” أي لكنيسة الأمم، ولعودته إلى الآب عند إتمام تدبير كل شيء، أو أيضاً رمزاً لـ”الإنسان الأول[53]” الذي نزل إلى مصر وسط المعارك عندما تعرض لمعاناة وشقاء هذا العالم؛ إذ قد طرد من عذوبة الجنة، وحين جعله يتكهن بالمعركة ضد الحية من خلال هذه الكلمات: “أنت تترصد رأسها، وهي تترصد عقبك[54]” ومن خلال هذه الكلمات أيضاً التي قيلت للمرأة: “أضع عداوة بينك وبينها، وبين نسلك ونسلها.[55]” ولكن الله لا يترك الذين يكونون في هذه المعركة، فهو دائما معهم: وهو يسر بهابيل ويوبخ قايين، ويستجيب لأخنوخ[56]، ويجعل نوح يبني فلك النجاة وقت الطوفان[57]، ويخرج إبراهيم من بيت أبيه وعشيرته[58]، ويبارك إسحق[59] ويعقوب[60]، ويخرج بني إسرائيل من مصر[61]، ويكتب ناموس الحرف بواسطة موسى ويكمله في نقائصه بواسطة الأنبياء. هذا هو ما يعنيه أن يكون معهم في مصر.

أما عن الآية: “وأنا أرجعك في النهاية[62]” فأعتقد أنها تعني، كما سبق وقلنا منذ قليل، أنه في آخر الدهور[63]، نزل ابنه الوحيد “إلى الجحيم[64]” من أجل خلاص العالم وأعاد من هناك “الإنسان الأول فلا ينبغي أن نفهم أن القول الموجه للص: “اليوم تكون معي في الفردوس[65]” قد قيل له فقط بل إلى كافة القديسين الذين نزل (الابن الوحيد) من أجلهم إلى الجحيم. فإنه إذا قد تحقق فيه، أكثر مما في يعقوب، هذا القول: “وأنا أرجعك في النهاية من هناك”.

6 فكل منا يدخل أيضاً إلى مصر ووسط المعارك على هذا المنوال ومن خلال نفس الطريق، وإن كان مستحقاً أن يبقى الرب دائماً معه، فيجعل الرب منه “أمة عظيمة”. لأن عدد الفضائل وفيض العدل هما الأمة العظيمة التي قيل إن القديسين يكثرون وينمون فيها. كما يتحقق أيضاً في كل واحد فينا هذا القول: “وأنا أرجعك في النهاية من هناك.[66]” فالنهاية في الواقع تعني اكتمال الأشياء والعمل بالفضائل. لذلك كان يقول قديس آخر: “لا ترجعني في نصف أيامي[67]“، كما يشهد الكتاب أيضاً عن البطريرك العظيم إبراهيم أنه: “مات شبعان أياماً[68]“. وهكذا فإن القول: “أنا أرجعك من هناك في النهاية هو كما لو كان يقول: “بما أنك جاهدت الجهاد الحسن حفظت الإيمان، أكملت السعي[69]“، فسأرجعك من هذا العالم إلى التطويب المستقبلي وإلى كمال الحياة الأبدية وإكليل البر الذي يهبه الرب في آخر الأيام لجميع الذين يحبونه.[70]

“ويضع يوسف يده على عينيك”

۷ لكن لنرى كيف ينبغي أن نفهم هذه الآية: ويضع يوسف يده على عينيك.[71]” أعتقد أن هناك الكثير من الأسرار ذات المعاني العميقة المختفية وراء هذه العبارة والتي يجب أن نستعرضها ونتابعها في وقت آخر. إلا أنه سيكون من المفيد الآن القول بأن بعض أسلافنا قد رأوا هنا [في هذه الآية] إشارة إلى نبوءة. لأن يربعام هذا الذي صنع عجلي ذهب[72] وأراد أن يقود الشعب إلى عبادتهم كان من سبط يوسف: إذ قد وضع هنا وبشكل ما يديه على عيني إسرائيل فأعماهما وأغلقهما لكي لا يريا فساده. لذلك قيل: “كل هذا من أجل إثم يعقوب، ومن أجل خطية بيت إسرائيل. ما هو ذنب يعقوب؟ أليس هو السامرة[73]؟”

ولكن إذا أكد أحد أنه لا يليق جعل هذه الكلمات، التي يشير فيها الله إلى المستقبل في شكل شهادة بر، تعبر عن فعل مستوجب التوبيخ، فنقول إذا إن يوسف الحقيقي، ربنا ومخلصنا، على غرار الفعل الذي قام بمقتضاه بوضع يده الجسدية على عيني الأعمى وأعاد له البصر الذي كان قد فقده، هكذا أيضاً قد مد يديه الروحيتين على أعين الناموس التي كان قد أعماها فهم الكتبة والفريسيين الجسدي وأعاد لها البصر لكي يكتشف هؤلاء الذين يكشف لهم الرب الكتب[74] الرؤية والفهم الروحي للناموس.

فليشأ الرب يسوع أن يضع يديه على أعيننا” نحن أيضاً حتى نحول أنظارنا لا “إلى الأشياء التي ترى، بل إلى التي لا ترى[75]“. فليفتح لنا أعيناً لا تتأمل في الأشياء الحاضرة ولكن في الأشياء الأتية، وليكشف لنا نظرة القلب هذه التي تمكننا أن نعاين الله في الروح، بربنا يسوع المسيح الذي له “المجد والسلطان إلى أبد الآبدين[76]” آمين.

[1] انظر: تك 45: 25-26.

[2] لاحظ تكرار هذه الفكرة في عظات أخرى (4: ۳؛ ۷: ۱؛ ۱۰: ۲؛ 3:14؛ 16: 3).

[3] انظر: تك 13: 1.

[4] انظر: تك 26: 2.

[5] انظر: تك 37: 25 وما بعده.

[6] انظر: تك 42: 1-2.

[7] انظر: تك 42: 3.

[8] انظر: تك 42: 26.

[9] انظر: تك 45: 25.

[10] انظر: تك 45: 26.

[11] انظر: تك 45: 26.

[12] انظر: تك 39: 7 وما بعده.

[13] انظر: حز 18: 4.

[14] انظر: دا 13: 22.

[15] انظر: تك 2: 17.

[16] انظر: تك 3: 4.

[17] انظر: تك 45: 26.

[18] انظر: تك 45: ۲۷ – ۲۸.

[19] هذا التفسير أضافه روفينوس وهو ضروري لفهم تعليق أوريجينيس غير أن روفينوس قد أسهب في الكلام خلال هذه الفقرة.

[20] انظر: يو 1: 4.

[21] انظر: 1تس 5: 19.

[22] انظر: تك 45: 27-38.

[23] انظر: تك 45: 26.

[24] انظر: تك 45: ۲۸.

[25] انظر: تك 37: 31-35.

[26] انظر: تك 45: 28.

[27] انظر: تك 32: 28.

[28] انظر: تك 32: 29.

[29] انظر: تك 32: 32.

[30] انظر: تك 33: 1، 3.

[31] انظر: تك 25: 33؛ عب 12: 16.

[32] انظر: تك 33: 10.

[33] انظر: تك 34: 5.

[34] انظر: تك 45: ۲۸.

[35] انظر: تك 46: ۲.

[36] انظر: تك 46: ۱.

[37] انظر: تك 46: 6.

[38] انظر: تك 47: ۷.

[39] انظر: تك 47: 9.

[40] انظر: تك 47: ۲۹.

[41] انظر: تك 47: ۳۱.

[42] انظر: تك 48: 14.

[43] انظر: تك 49: 1-2.

[44] انظر: تك 50: 3.

[45] انظر: تك 46: 3.

[46] انظر: أف 6: 12.

[47] ارجع إلى العظة 16: ۱ حول هذا المعنى المعطى لمصر.

[48] انظر: تك 46: 3-4.

[49] انظر: 1كو 15: 10.

[50] انظر: أع 23: 11.

[51] انظر: تك 46: 3-4.

[52] انظر: مت ۲۲: ۳۲.

[53] انظر: حك ۷: ۱.

[54] انظر: تك 3: 15.

[55] انظر: تك 3: 15. يوجه الله في سفر التكوين هذه الكلمات اللحية لا للإنسان: “هذا (نسل المرأة) يستهدف رأسك وأنت تستهدفي عقبه.” كذلك هو يقول للحية وليس للمرأة: “أضع عداوة…” وهنا يوفق أوريجينيس، الذي يستشهد معتمدا على ذاكرته، بين هذا الاستشهاد وبين كلامه.

[56] انظر: تك 5: ۲۲.

[57] انظر: تك 6: 14.

[58] انظر: تك 12: 1.

[59] انظر: تك 25: 11.

[60] انظر: تك ۳۲: ۲۷، ۲۹.

[61] انظر: خر 14: ۳۰.

[62] انظر: تك 46: 4.

[63] انظر: العظة ۲: ۳.

[64] انظر: أفي 4: ۹.

[65] انظر: لو ۲۳: 43.

[66] انظر: تك 46: 4.

[67] انظر: مز ۱۰۱: ۲۰ (حسب السبعينية).

[68] انظر: تك 25: 8.

[69] انظر: ۲ تي 4: ۷.

[70] انظر: ۲ تي 4: 8 ؛ يع 1: ۱۲.

[71] انظر: تك 46: 4.

[72] انظر: ۳ مل ۱۲: ۲۸ (حسب السبعينية).

[73] انظر: مي 1: 5.

[74] انظر: لو 24: 32.

[75] انظر: ۲ کو 4: ۱۸.

[76] انظر: رؤ 5: ۱۳.

أخوة يوسف يصعدون من أرض مصر، ويعقوب يعلم أن يوسف لا يزال حياً

ظهور الله لإسحق – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

ظهور الله لإسحق – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

ظهور الله لإسحق – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الرابعة عشرة ظهور الله لإسحق – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

والعهد بين إسحق وأبيمالك

ظهور الله لإسحق عند بئر سبع

العهد الذي قطعه مع أبيمالك

تنوع طرق الإشارة للمسيح في الكتاب المقدس

1 مكتوب في النبي من قبل الرب الذي يتكلم: “وبيد الأنبياء أخذت أمثالاً[1]“، وهو ما يعني أن ربنا يسوع المسيح، على الرغم من أنه وحيد بجوهره وابن الله بالكامل، فإنه يبدو متنوعاً ومتعدداً في صور وأساليب حديث الكتاب[2]. وهكذا، على سبيل المثال، أتذكر أني شرحت في الأحاديث السابقة[3] أن إسحق المقدم كمحرقة كان رمزاً للمسيح في حين أن الكبش أيضاً كان صورة له.

بل وأذهب إلى أبعد من ذلك وأقول إن المسيح هو المصور في الملاك الذي كلم إبراهيم والذي قال له: “لا تمد يدك إلى الغلام[4]” لأنه يقول مرة ثانية: “إني من أجل أنك تممت هذا القول، أباركك[5]” ويقول الكتاب إنه الخروف أو الحمل الذي يذبح للفصح[6]، ويعرفه أيضاً كراعي الخراف[7]، غير أنه يصوره في رئيس الكهنة الذي يقدم الذبيحة[8].

وبصفته كلمة الله يسمى العريس[9]، وبصفته حكمة الله يسمى العروس كما يقول النبي متحدثا باسمه: “وضع لي تاجاً على رأسي كما لعريس، وأعطاني زينة كما لعروس[10]“. وهناك رموز أخرى كثيرة سيكون من المطول جداً شرحها الآن.

إسحق هو رمز الله الكلمة في الناموس

ويجب أن نؤمن أنه اقتداء بالرب الذي يأخذ الشكل المناسب لكل ظرف. وفقاً للزمان والمكان. فإن القديسين أيضاً، الذين كانوا صورته، قد تكيفوا مع الزمان والمكان والظروف ليصوروا أسراره. هذا هو ما نراه الآن يحدث في إسحق الذي قرأوه لنا تواً في الكتاب: ثم صعد بعد ذلك إلى بئر القسم، فظهر له الرب في تلك الليلة وقال له: أنا إله إبراهيم أبيك. لا تخف لأني معك، وأباركك وأكثر نسلك من أجل إبراهيم أبيك[11].”

وقد أشار لنا بولس الرسول إلي رمزين في إسحق: الأول عندما قال إن إسماعيل بن هاجر يمثل الشعب بحسب الجسد وإسحق الشعب المؤمن[12]، والآخر حين يكتب: “لم يقل: وفي أنسالك كأنه عن كثيرين، بل في نسلك كأنه عن واحد: الذي هو المسيح[13]“، فإسحق هو إذن رمز للشعب ورمز للمسيح. فمن المؤكد أن المسيح، باعتباره كلمة الله، يتحدث ليس فقط في الأناجيل ولكن أيضاً في الناموس والأنبياء، إلا أنه يعلم في الناموس المبتدئين وين الأناجيل يعلم الكاملين[14]. ومن ثم يمثل إسحق هنا “الكلمة” الذي في الناموس أو الأنبياء.

صعود إسحق

۲ “صعد إسحق إذاً إلى بئر القسم وظهر له الرب.[15]” لقد سبق أن قلنا[16] إن جمال الهيكل والفرائض الإلهية التي كانت تقام فيه هو بمثابة “صعود للشريعة، والتقدم الذي أحرزه الأنبياء من الممكن أن يدعى أيضاً صعوداً”. وربما لذلك قيل إن “إسحق قد صعد إلى بئر القسم وظهر له الرب هناك.” فبالأنبياء “أقسم الرب. ولن يندم – أنه هو نفسه كاهناً إلى الأبد على رتبة ملكي صادق”[17]. لقد ظهر له الله إذا عند بئر القسم مؤكداً الوعود التي كان لا بد وأن تتحقق فيه.

خيمة إسحق

فرفع هناك مذبحاً ودعا باسم الرب. ونصب هناك خيمته، وحفر عبيد إسحق بئراً في ذلك الموضع.[18]” وفي الناموس، يرفع إسحق أيضاً مذبحاً وينصب خيمته، أما في العهد الجديد، فهو لا ينصب خيمة وإنما يبني بيتاً ويضع أساسات. أنصت إلى الحكمة وهي تتحدث عن الكنيسة: “الحكمة بنت بيتاً لها ووضعت سبعة أعمدة في القاعدة.[19]” أنصت أيضاً إلى بولس الرسول حول نفس الموضوع: “فإنه لا يستطيع أحد أن يضع أساساً آخر غير الذي وضع، الذي هو يسوع المسيح[20].”

فعندما تكون هناك خيمة، فمن الواضح أنها سوف تزول يوما ما، حتى وإن تم تثبيتها جيداً، ولكن حين تكون هناك أساسات ويكون البيت مبنيا على الصخر” فهذا البيت لا يزول أبداً لأنه “مؤسس على الصخر.[21]

غير أن إسحق يحفر بئراً هنا أيضاً، ويحفر دون توقف إلى أن يتدفق “ينبوع الماء الحي[22]” ويفرح مجرى النهر مدينة الله[23]“.

أبيمالك وإسحق الفلسفة والإيمان

۳ ولكن أبيمالك، هذا الرجل الذي كان قد حيا إبراهيم منذ قليل، ها هو يصل الآن من جرار مع أصحابه عند إسحق: “وقال لهم إسحق: لماذا أتيتم إلي، أنتم الذين أبغضتموني، وصرفتموني من عندكم؟ فأجابوه: إننا قد رأينا بوضوح أن الرب معك، فقلنا: ليكن هناك حلفاً بيننا وبينك، ولنقطع معك عهداً أن لا تصنع بنا شراً[24]“، إلى باقي ما جاء في الإصحاح. أبيمالك هذا، وفقاً لما أراه، لم يكن دائما في سلام مع إسحق، ولكنه تارة يختلف معه وأخرى يطلب الصلح معه.

وإذا تذكرتم، فنحن قد قلنا عنه في العظات السابقة[25] إنه يقوم بدور العلماء وحكماء هذا العالم الذين، من خلال دراسة الفلسفة، توصلوا إلى معرفة قدر كبير من الحقيقة، فيمكنكم من هنا أن تدركوا كيف لا يمكن لأبيمالك أن يكون في خلاف دائم ولا في سلام دائم مع إسحق الذي يرمز إلى “كلمة الله” الموجود في الناموس. لأن الفلسفة لا تتعارض في كل شيء مع ناموس الله، وهي أيضاً لا تتفق معه في كل شيء. فالكثير من الفلاسفة في الواقع يكتبون أنه يوجد إله واحد خالق كل الأشياء: وهم في ذلك يتفقون مع ناموس الله.

بل إن بعضهم قد أضاف أن الله صنع كل شيء ويدير الكل بكلمته وأن كلمة الله يحكم كل شيء، متفقين في ذلك ليس فقط مع الناموس ولكن أيضاً مع الأناجيل. والفلسفة المسماة أخلاقية وطبيعية تعتقد في مجملها تقريباً فيما نعتقده نحن، إلا أنها تختلف معنا حين تقول إن المادة شريكة مع الله في الأزلية[26]

وتختلف حين تؤيد أن الله لا يهتم بالكائنات الفانية لكن عنايته تنحصر فقط على السماوات البعيدة، كما تختلف معنا حين تجعل مجرى الحياة وقت الميلاد يعتمد على موقع النجوم[27]، ويختلفون حين يقولون إن هذا العالم أبدي ولن يكون له نهاية. وهناك أيضاً العديد من النقاط الأخرى التي إما يتفقون أو يختلفون معنا عليها. لذلك يصور أبيمالك، باعتباره رمزا لحكماء هذا العالم، تارة في صلح مع إسحق وتارة في خلاف معه.

أبيمالك وأحزات وفيكول: المنطق والطبيعة والأخلاق

وأنا لا أعتقد أن الروح القدس الذي كتب ذلك، قد اهتم بإضافة أن هناك شخصين آخرين قد أتيا مع أبيمالك: أحزات صهره وفيكول قائد جيشه[28]. واسم أحزات يعني “من يقبض”، وفيكول “فم الكل” وأبيمالك يعني “أبي ملك”. ويبدو لي أن هؤلاء الثلاثة يمثلون الفلسفة في جملتها والتي تنقسم عندهم إلى ثلاثة أجزاء: المنطق والطبيعة والأخلاق، أي الفلسفة العقلية والطبيعية والأخلاقية.

فأبيمالك يرمز إلى الفلسفة العقلية التي تعترف بأن الله هو أب كل الكائنات، والفلسفة الطبيعية هي التي تثبت وتقبض كل شيء معتمدة على أشكال الطبيعية نفسها، وهي التي يظهرها أحزات أو “القابض” أما الفلسفة الأخلاقية فهي الموجودة في فم الكل وتخص الجميع وهي التي بسبب تشابه القواعد المشتركة تتواجد في فم الجميع، ويمثلها فيكول الذي يعني اسمه: فم الكل.

تلك الشخصيات التي تهذبت بهذا النوع من العلوم، قد أتت إذاً لتجد ناموس الله وقالوا له: “إننا قد رأينا أن الرب معك، فقلنا: ليكن حلف، بيننا وبينك، ونقطع معك عهداً لئلا تصنع بنا شراً، لكن كما أننا لم نلعنك، كذلك (لا تلعننا)، أنت المبارك من الرب.[29]

شخصية المجوس

هذه الشخصيات الثلاثة التي تطلب السلام مع “كلمة الله” وترغب في أن تستبق بعهد الاشتراك معه من الممكن أن تمثل المجوس الذين تعلموا من كتب آبائهم وتقاليد أجدادهم[30]، وجاءوا من المشرق وقالوا: “إننا قد رأينا[31] الملك الذي ولد[32] ورأينا أن الله معه[33] فأتينا لنعبده.[34]” ولكن كل ضليع في هذه العلوم، حين يرى أن “الله كان في المسيح ليصالح العالم معه[35]“، وحين يدهش لعظمة أعمال الله يجب أن يقول: “إننا قد رأينا أن الرب معك، فقلنا: ليكن بيننا حلف[36].” فحين يقترب هذا الشخص في الواقع من ناموس الله، لا بد وأن يقول: “حلفت وصممت أن أحفظ وصاياك.[37]

مأدبة إسحق هي مأدبة الكاملين

4 لكن ماذا طلبوا؟ لقد قالوا “أن لا تصنع بنا شراً، لكن كما أننا لم نلعنك كذلك لا تلعننا، أنت المبارك من الرب.[38]” ويبدو لي أنهم يطلبون من هنا مغفرة الخطايا خشية أن يصيبهم شر هم يلتمسون بركة وليس حركة بالمقابل. وانظروا ما جاء فيما بعد. يقول الكتاب: “فصنع لهم إسحق مأدبة كبيرة، فأكلوا وشربوا[39]“، فمن المؤكد أن خادم الكلمة “مدين للحكماء والجهلاء[40]“، فإذا ولأنه يصنع مأدبة للحكماء، يقول الكتاب إنه صنع لهم لا مأدبة صغيرة بل “كبيرة”.

أما أنت، فإذا كنت لم تعد طفلاً صغيراً، ولم تعد تحتاج إلى “لبن، وإذا أظهرت أحاسيس مختبرة وأصبحت قادراً بعد الكثير من التعليم على فهم كلمة الله[41]، فهناك لك أيضاً “مأدبة كبيرة”.

لن يعدوا لك كطعام بقول[42] الضعفاء ولن يغذوك بلبن الأطفال، ولكن سيقدم لك خادم الكلمة “مأدبة كبيرة”، وسوف يحدثك عن الحكمة التي يوصي بها بين الكاملين ويكرز لك “بحكمة الله، السرية والخفية”، “التي لم يعلمها أحد من رؤساء هذا الدهر[43]“، كما سيكشف لك المسيح في هيئة الذي هو “مذخر فيه جميع كنوز الحكمة.[44]” هو يصنع لك إذن “مأدبة كبيرة ويأكل معك بنفسه ما لم تدفعه حالتك ليقول “وأنا لم أستطع أن أكلمكم كروحيين، بل كجسديين كأطفال في المسيح.[45]

مأدبة أهل كورنثوس

وهو يقول ذلك للكورنثيين ويضيف: “فإنه إذ فيكم حسد وانشقاق، ألستم جسديين وسلوككم بشري؟”[46]، ولم يصنع لهم بولس الرسول مأدبة كبيرة، حتى إنه حين كان عندهم وكان محتاجاً لم يكن “عالة على أحد”، ولم يأكل مجاناً الخبز من أحد، ولكنه كان يكسب بنفسه قوته هو وكل رفقائه “عاملاً ليل نهار بيدي.[47]” لقد كان أهل كورنثوس إذاً دون المستوى المطلوب حتى يصنع لهم مأدبة كبيرة وحتى إن المبشر بكلمة الله لم يستطع أن يصنع أصغر وجبة.

أما الذين يعرفون أن ينصتوا بشكل أكثر كما والذين يظهرون روحاً مدربة ومتمرنة[48] على سماع كلمة الله فهناك “مأدبة كبيرة حيث يأكل معهم إسحق؛ وإذ لا يكتفي بالأكل فقط، يقوم ويعدهم بقسم بالصلح في المستقبل[49].

مأدبة الحكمة

لنطلب إذاً نحن أيضاً أن نقترب من كلمة الله بحالة الروح والإيمان المرجوين كي تتفضل لكلمة الله وتقيم لنا “مأدبة كبيرة، لأن “الحكمة ذبحت ذبائحها، مزجت خمرها في الإناء وأرسلت عبيدها[50]” لكي يأتوا لمأدبتها بكل من يجدوه.

وبعد قبولنا في مأدبة الحكمة، يكفي ألا نلبس من جديد ثياب الحماقة: فلا نكون هناك لابسين ثوب الخيانة، ولا مدنسين بسواد الخطايا بل لنقبل الكلمة في الطهارة وبساطة القلب، ولنشرع في خدمة الحكمة الإلهية التي هي المسيح يسوع ربنا الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين.[51]

[1] انظر: هو 12: 11.

[2] أكد أوريجينيس بشدة على وحدة ابن الله في ظل تنوع المسميات والصور والمظاهر التي يعطيها إياه الكتاب المقدس. فإن ذكرنا للجوانب المختلفة التي نتناول من خلالها ابن الله بكونه حياة ونورا وحقا…إلخ أو كحمل وراع وطبيب وطريق… إلخ، كل هذا لا يمس وحدة شخص يسوع المسيح.

[3] ارجع إلى العظة 8: 1، 6، 9.

[4] انظر: تك 22: 12.

[5] انظر: تك 22: 16-17.

[6] انظر: 1كو 5: 7.

[7] انظر: يو 10: 11، 14؛ عب 13: 20.

[8] انظر: عب 5: 6.

[9] انظر: مثلاً مت 9: 15.

[10] انظر: إش 61: 10.

[11] انظر: تك 26: 23-24.

[12] انظر: غل 4: ۲۲.

[13] انظر: غل 3: 16.

[14] في عظات أوريجينيس على سفر اللاويين 1: 4، لا نرى نوعين فقط من المسيحيين بل ثلاثة: المبتدئين والمتقدمين في طريق الكمال والكاملين.

[15] انظر: تك 26: 23-24.

[16] ارجع إلى العظة 5: 5.

[17] انظر: مز 109: 4 (حسب السبعينية).

[18] انظر: تك 26: 25.

[19] انظر: ام 9: 1.

[20] انظر: 1كو 3: 11.

[21] انظر: مت 7: 24.

[22] انظر: تك 26: 19.

[23] انظر: مز 45: 5 (حسب السبعينية).

[24] انظر: تك 26: 26-29.

[25] انظر العظة 6: 2.

[26] نرى تلميحاُ واضحاً عن مبدأ عدم أزلية الخليقة.

[27] يقر أوريجينيس ومعاصروه بأن النجوم تخضع في بعض الأحيان لتأثير الشياطين. ولكن حين يتعلق الأمر بتأثير النجوم على الحياة البشرية، فمع التسليم بأن الإنسان حر ومسئول وذو قيمة، يستنكر أوريجينيس تماما الضرورة العمياء التي يدعيها علماء الفلك للتأثير على الأفعال الإنسانية.

[28] انظر: تك 26: 26.

[29] انظر: تك 26: 28-29.

[30] كان أوريجينيس مقتنعا بأن المجوس كان لديهم نص نبوات بلعام التي كانت تعلن ظهور نجم في يعقوب ورجل في إسرائيل (عد 24: 17)، فيقول في عظاته على سفر العدد ۱۳: ۷: “كان المجوس لديهم هذا النص عندهم، وأيضاً عندما ولد المسيح عرفوا النجم وفهموا أن النبوة قد تمت”.

[31] انظر: تك 26: 28.

[32] انظر: مت 2: 2.

[33] انظر: تك 26: 28.

[34] انظر: مت 2: 2.

[35] انظر: 2كو 5: 19.

[36] انظر: تك 26: 28.

[37] انظر: مز 118: 106 (حسب السبعينية).

[38] انظر: تك 26: 29.

[39] انظر: تك 26: 30.

[40] انظر رو 1: 14.

[41] انظر: عب 5: 12 وما بعده.

[42] انظر: رو 14: 2.

[43] انظر: 1كو 2: 6-8.

[44] انظر: كو 2: 3.

[45] انظر: 1كو 3: 1-2.

[46] انظر: 1كو 3: 3.

[47] انظر: ۱ کو 4: ۱۲.

[48] انظر: عب 5: 14.

[49] انظر: تك 26: 31.

[50] انظر: أم ۹: ۱- ۳.

[51] انظر: ۱ بط 4: ۱۱؛ رؤ 1: 6.

العظة الرابعة عشرة ظهور الله لإسحق – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثالثة عشرة آبار إسحق – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثالثة عشرة آبار إسحق – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثالثة عشرة آبار إسحق – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثالثة عشرة آبار إسحق – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

الآبار التي حفرها اسحق وطمرها الفلسطينيون

إسحق والفلسطينيون

1 ونستمر في ذكر أعمال البطاركة المعتادة فيما يتعلق بالآبار[1]. ها هو إسحق، وفقا للكتاب، بعد أن “باركه الرب وصار عظيماً جداً[2]“، قد شرع في عمل هام: “فأخذ يحفر آباراً، هذه الآبار التي حفرها عبيده في أيام إبراهيم أبيه، ولكن سدها الفلسطينيون وملأوها تراباً.[3]” لقد سكن أو “عند بئر الرؤيا[4]“، وإذ استنار ببئر الرؤيا، حاول أن يحفر آباراً أخرى، لا آباراً جديدة أولاً، ولكن الآبار التي حفرها أباه إبراهيم.

وبعد أن حفر البئر الأولى يقول الكتاب “حسده الفلسطينيون[5]“، إلا أنه لم يدع نفسه يخاف من غيرتهم ولم يستسلم أمام حسدهم: “لقد حفر من جديد الآبار التي حفرها عبيد إبراهيم أبيه، والتي سدها الفلسطينيون بعد موت إبراهيم أبيه، ودعاها بنفس الأسماء التي دعاها بها أبوه.[6]” وهكذا فقد حفر الآبار التي كان قد حفرها أبوه والتي ملأها الفلسطينيون بالتراب بسوء نية.

وحفر أيضاً آباراً جديدة في وادي جرار، لا هو بل عبيده، ويقول الكتاب المقدس: “فوجد هناك بئر ماء حي، ولكن خاصم رعاة جرار رعاة إسحق قائلين إن الماء كان لهم. فدعا اسم البئر ظلم لأنهم تصرفوا بظلم معه.[7]” ولكن رحل إسحق أمام شرهم “وحفر من جديد بئراً أخرى وتخاصموا عليها أيضاً، فدعا اسمها عداوة. ثم رحل وحفر أيضاً بئراً أخرى لم يتخاصموا عليها، فدعا اسمها رحبة، لأنه قال: الآن قد أرحب لنا الله وأثمرنا في الأرض”[8].

الأسرار الكامنة في هذا النص

يقول الرسول القديس بحق معتبراً عظمة الأسرار: “ومن يستطيع إذن أن يدركها؟[9]” وبنفس الطريقة. أو بالحري بطريقة مختلفة طالما أننا أدنى منه. إذ نلاحظ نحن أيضاً هذا المقدار من العمق في أسرار الآبار، نقول: “ومن يستطيع إذن أن يدركها؟ نعم، من ذا الذي يقدر أن يشرح كما ينبغي أسرار هذه الآبار التي بهذا القدر من العمق، والأعمال المتعلقة بها؟ لنتضرع إذن إلى آب الكلمة الحي لكي يتفضل بوضع كلامه في فمنا[10] حتى نستطيع أن نقدم لعطشكم القليل من الماء الحي[11] المستقي من هذه الآبار الفنية والكثيرة.

إسحق الجديد

2 هناك إذن الآبار التي قد حفرها عبيد إبراهيم ولكن الفلسطينيون قد ملأوها تراباً، وقد شرع إسحق برفع ردم هذه الآبار أولاً. إن الفلسطينيين يكرهون المياه ويحبون التراب، أما إسحق فيحب المياه وهو يبحث دائماً عن آبار ويزيل ردم الآبار القديمة كما أنه يحفر آباراً جديدة.

انظر إلى “إسحقنا” الذي تقدم نفسه ذبيحة لأجلنا[12]“. لقد جاء إلى وادي جرار الذي يعني اسمه “حائط السياج” أو “حاجز، وقد جاء لينقض الحائط الفاصل أي العداوة، “في جسده[13]“، جاء ليرفع حائط السياج أي الخطية التي تفصل بيننا وبين الله، حائط السياج الذي يرتفع بيننا وبين الفضائل السمائية، جاء “ليجعل من الاثنين واحداً[14]، والخروف الذي ضل أرجعه على منكبيه إلى الجبل وأعاده إلى “التسعة والتسعين الآخرين الذين لم يضلوا.[15]” فيريد إسحق هذا إذن، أي مخلصنا، بعدما أصبح في وادي جرار، وقبل كل شيء، أن يزيل ردم الآبار التي كان قد حفرها عبيد أبيه، يريد أن يجدد آبار الناموس والأنبياء التي سدها الفلسطينيون.

الفلسطينيون الجدد

لكن من هم هؤلاء الذين يملأون الآبار تراباً؟ إنهم بلا شك هؤلاء الذين يعطون الناموس معنى أرضياً جسدانياً، وينكرون أن له مدلولاً روحياً ومستيكياً، بحيث لا يرتوون منه ولا يدعون الآخرين يرتوون. اسمع إسحق، أي ربنا يسوع متحدثا في الأناجيل: “ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون لأنكم خطفتم مفتاح المعرفة، فما دخلتم أنتم والذين يريدون أن يدخلوا منعتموهم[16].” هؤلاء هم إذن الذين ملأوا “الآبار التي حفرها خدام إبراهيم تراباً، هم يعلمون الناموس بشكل جسدي ويلوثون مياه الروح القدس[17]، فهؤلاء يملكون أباراً لا ليخرجوا منها ماء ولكن ليلقوا فيها تراباً. هذه هي الآبار التي يحاول إسحق أن يحفرها. لنر كيف شرع في ذلك.

طريقة إسحق الجديدة

ومثل خدام إسحق، استمعوا إلى رسل ربنا الذين يقول الكتاب إنهم كانوا يجتازون بين الزروع يوم السبت ويقطفون السنابل ويأكلونها وهم يفركونها في أيديهم[18].” ويوجد هنا انعكاس لهؤلاء الذين قد سدوا آبار أبيه[19]، [حيث قالوا]: “هوذا تلاميذك يفعلون ما لا يحل فعله في السبت[20].” ولكنه، حتى يفرغ عقلهم المملوء تراباً، يقول لهم: “أما قرأتم ما فعله داود حين جاع هو والذين معه، كيف دخل عند أبياثار رئيس الكهنة وأكل هو وخدامه خبز التقدمة، الذي لم يحل أكله إلا للكهنة فقط[21]؟”، ويضيف: “فلو فهمتم هذا القول: إني أريد رحمة لا ذبيحة، لما حكمتم على الأبرياء[22]“.

أما هم، فبماذا أجابوه؟ لقد أخذوا يتشاجرون مع خدامه وقالوا: “هذا الإنسان ليس من الله؛ إذ إنه لا يحفظ السبت.[23]” هذه إذا هي الطريقة التي حفر بها إسحق الآبار التي كان قد حفرها خدام أبيه[24].

الآبار التي حفرها إبراهيم ترمز إلى العهد القديم

وموسى الذي حفر بئر الشريعة هو خادم أبيه، وداود وسليمان والأنبياء وكل الذين كتبوا أسفار العهد القديم، التي ردمها التفسير الأرضي والبدائي لليهود، هم أيضاً خدام أبيه. وإذ أراد “إسحقنا” الجديد أن ينقي هذا التفسير[25] ويثبت أن جميع ما قاله “الناموس والأنبياء[26]” كان عنه، خاصمه الفلسطينيون. ولكنه رحل، فهو لا يمكنه أن يبقى مع الذين لا يريدون مياها في آبارهم، بل تراباً، ويقول لهم: “هوذا بيتكم يترك لكم خراباً.[27]

بئر إسحق يرمز إلى العهد الجديد

حفر إسحق إذا أو بالحري خدامه آباراً جديدة. خدام إسحق، متى ومرقس ولوقا ويوحنا وبطرس ويعقوب ويهوذا وبولس الرسول: الكل سقاة من العهد الجديد[28]. ولكن بالنسبة لهذه الآبار أيضاً يتشاجر “الذين لا يقدرون إلا الأرضيات[29]“، والذين لا يحتملون لا أن نكتشف بئراً جديدة ولا أن ننقي البئر القديمة. هؤلاء هم من يقاومون الآبار الإنجيلية وهم أعداء الآبار الرسولية، ولأنهم يعترضون على كل شيء ويتنازعون بصدد كل شيء لذلك قيل لهم: “بما أنكم حكمتم أنكم غير مستحقين لنعمة الله، هوذا من الآن نتوجه إلى الأمم.[30]

فهم سر الثالوث

3 وبعد ذلك حفر إسحق بئرا ثالثة دعاها “رحبة”، قائلاً: “إنه الآن قد أرحب لنا الرب وأثمرنا في الأرض.[31]” حقا لقد وضع إسحق في الرحب في وقتنا هذا وتعاظم اسمه على الأرض كلها حين أوصل من أجلنا معرفة الثالوث إلى كمال أثرها[32].

لأنه قديماً “لم يكن الله معروفاً إلا في يهوذا ولم يكن اسمه يدعى إلا في إسرائيل[33]“، في حين الآن فقد ذاع عبر كل الأرض صوتهم وإلى أقصى المسكونة أقوالهم[34]؛ وإذ انتشروا في العالم أجمع، حفر خدام إسحق فيه آباراً وأظهروا للجميع “الماء الحي[35]“، “معمدين جميع الأمم باسم الأب والابن والروح القدس[36]“، لأن “للرب الأرض وكل ملئها[37].”

المعنى الروحي للنص الكتابي

وبالتالي فإن أي واحد منكم يقدم كلمة الله، يحفر بذلك بئراً ويبحث عن الماء الحي” الذي يستطيع أن يعزي به مستمعيه. وإن شرعت أنا أيضاً في شرح أقوال القدامى، وإن بحثت عن معنى روحي لها، إن حاولت أن أرفع البرقع عن الناموس وأن أثبت أن المكتوب له معنى رمزياً[38]، فأنا من جهتي بذلك أحفر آباراً. ولكن سوف يثير الحال محبي “الحرف” افتراءات ضدي وينصبون فخاخاً، وسوف يدبرون فوراً إجراءات عدائية وملاحقات[39]، منكرين أن الحقيقة من الممكن أن تبقى في مكان آخر غير الأرض[40].

أما نحن، فإن كنا خداماً لإسحق، فلنحب آبار الماء الحي والمنابع، لنبتعد عن هؤلاء المزعجين والكذابين، ولنتركهم في الأرض التي يحبونها، ولنصر، شارحين تارة من القديم وطوراً من الجديد، مشابهين لكاتب الإنجيل هذا، الذي قال الرب عنه إنه يخرج من كنزه جدا وعتقاء.[41]

عجز العلوم الوثنية

وإن كان بين من يسمعني أخطب الآن أحد المنكبين على الآداب الدنيوية، فربما يفكر هكذا أو يقول: “أنت تقتبس منا ما تقوله وهذا علم مهنتنا، وهذه البلاغة التي تتكلم وتعلم بها تخصنا”، ويخاصمني مثل الفلسطيني الذي يقول: “لقد حفرت بئرك في أرضي” متخيلاً أنه يطالب بحق ما هو خاص به.

وأجيب على ذلك بأن كل الأراضي تحتوي على مياه، ولكن من كان فلسطينياً “ولا يقدر إلا الأرضيات[42]“، لا يعرف أن يكتشف ماء في أي أرض، ولا يعرف أن يكتشف الحكمة وصورة الله في كل نفس، ولا يدرك أنه من الممكن أن يكون عند الجميع إيمان وتقوى ووازع ديني. فماذا يجديك التعلم إن لم تعرف كيف تستخدمه، وبماذا تفيدك الكلمة إن لم تستطع الكلام؟

هنا تحديداً يكمن عمل خدام إسحق: فهم يحفرون “آبار ماء حي” في كل أرض، أي أنهم يبشرون بـ “كلمة الله” لكل نفس ويجتنون ثمراً.

بولس خادم إسحق الجديد

هل تريد أن ترى في النهاية أية آبار كبيرة حفرها خادم واحد من خدام إسحق في أرض غريبة؟ انظر إلى بولس الرسول الذي “من أورشليم وما حولها إلى إليريكون، قد أوصل إنجيل الله إلى كل موضع.[43]” ولكنه تعرض لاضطهادات الفلسطينيين عند كل بئر من هذه الآبار، اسمعه حين يقول: “أية مضايقات في إيقونية ولسترة[44]“، أية مضايقات في أفسس[45]! كم مرة ضرب وكم مرة رُجم[46]؟ كم مرة صارع الوحوش؟ إلا أنه ثابر إلى أن وصل إلى السعة[47]” أي إلى أن أقام كنائس على امتداد الأرض كلها.

الظمأ الروحي قبل مجيء إسحق الحقيقي

هكذا إذا فإن الآبار التي حفرها إبراهيم، أي كتابات العهد القديم، قد امتلأت ترابا بواسطة الفلسطينيين، الذين نعتبرهم معلمين الأردياء أو كتبة وفريسيين أو أيضاً القوى المعادية، وشدت قنواتهم لكي لا تتمكن من إعطاء أبناء إبراهيم للشرب منها. نعم، هذا الشعب لا يستطيع أن يشرب من هذه الكتابات، يؤلمه “العطش لكلمة الله[48]“، حتى مجيء إسحق الذي يفتح الآبار التي سيشرب منها خدامه.

فلنشكر المسيح ابن إبراهيم المكتوب عنه: “كتاب سلسلة نسب يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم[49]“، الذي جاء وفتح لنا الآبار لأن هذه هي الآبار التي فتحها للذين كانوا يقولون: “أ لم يكن قلبنا ملتهبا فينا حين كان يكشف لنا الكتب[50]؟ وهكذا فتح هذه الآبار، ويقول الكتاب إنه “دعاها بأسماء كالأسماء التي دعاها بها إبراهيم أبوه[51]“، فهو في الواقع لم يغير أسماء الآبار.

يسوع المسيح يعطي معنى جديدا للشريعة

قد نتعجب من أن موسي لا يزال يسمى عندنا موسى وكذلك كل نبي من الأنبياء، وفي الواقع، لم يغير المسيح أسماءهم ولكنه غير طريقة فهمها. لقد غيرها المسيح بحيث أصبحنا لا نهتم بعد “بالخرافات اليهودية[52]” وبالأنساب التي لا حد لها[53]“، لأن هذه الأمور “تُصرف المسامع عن الحق، وتحولها إلى الخرافات.[54]

لقد فتح الآبار إذاً وعلمنا ألا نبحث عن الله في مكان محدد، ولكن أن نعرف أنه “على كل الأرض تقرب لاسمه ذبيحة[55]“، فالآن هو الوقت الذي فيه “الساجدون الحقيقيون يعبدون الآب”، وليس في أورشليم، ولا على جبل جرزيم، بل بالروح والحق[56]. ” فالله لا يسكن إذن في مكان محدد على الأرض، ولكنه يسكن في القلب. هل تبحث عن مسكن الله؟ قلب نقي، هذا هو مسكنه. لأنه يقول إنه سيقيم في هذا المسكن حين يقول: “إني سأسكن وأسير بينهم، وهم يكونون شعبي وأنا أكون إلههم، يقول الرب.[57]

الروح، بئر الماء الحي

ويتفق أن كل نفس منا تحتوي على بئر ماء حي، وأنه مخبأ بداخلها شيء من الحس السماوي وصورة الله. هذه هي البئر التي سدها الفلسطينيون، أي القوى المعادية، بالتراب. وبأي تراب؟ بالمشاعر الجسدية والأفكار الأرضية ولذلك قد لبسنا صورة الترابي[58]

وإذن فحين كنا نلبس صورة الترابي، قام الفلسطينيون بسد آبارنا، ولكن الآن وقد جاء إسحق الجديد (إسحقنا)، فلنستقبل مجيئه ونحفر آبارنا، لنرفع التراب منها، ولننقها من كل القاذورات ومن كل فكر موحل وأرضي، وسنجد فيها الماء الحي، هذا الماء الذي يقول عنه الرب: “من آمن بي تجري من بطنه أنهار ماء حي[59]. لاحظ كم أن الرب كريم: لقد طمر الفلسطينيون الآبار وتشاجروا معنا على مجار مائية شحيحة وهزيلة، فرد لنا الرب مكانها منابع وأنهاراً.

صورة الله داخل الروح

4 أنتم إذا، يا من تنصتون إليّ اليوم، إذا قبلتم بإيمان ما تسمعون، فيعمل إسحق بداخلكم أنتم أيضاً ويطهر قلوبكم من المشاعر الأرضية. وإذ ترون أن مثل هذه الأسرار العميقة مخبأة في الكتاب المقدس، فإنكم تتقدمون في الفهم، وترتقون في المشاعر الروحية وتصيرون بدوركم معلمين وتنبع منكم أنهار ماء حي.[60]

بيد أن كلمة الله هو هناك وفعله الحالي هو أن يزيح التراب من كل نفس من نفوسكم، وأن يفتح ينبوعك[61]“، فهو في الواقع بداخلك ولا يأتي من الخارج كما أن “ملكوت الله بداخلك[62].” والمرأة التي أضاعت درهمها، فإنها لم تجده خارجاً ولكن في بيتها: لقد “أوقدت سراجها وكنست بيتها[63]” من القاذورات والأوساخ التي تراكمت فيه زماناً طويلاً بواسطة الكسل والغباء، وهناك وجدت درهمها.

أما أنت، فإذا أضأت سراجك، إذا التجأت لإنارة الروح القدس، ورأيت “النور في نوره[64]“، فستجد الدرهم بداخلك، لأنه قد وضعت فيك صورة الملك السماوي. ففي البداية عندما خلق الله الإنسان “عمله على صورته وشبهه[65]“، ولم يضع هذه الصورة بالخارج ولكنه بداخله. وهي لا يمكن أن تظهر فيك طالما كان بيتك ممتلئاً بالقاذورات والأوساخ.

نبع المعرفة هذا كان بداخلك لكن لم يكن من الممكن أن يتدفق لأن الفلسطينيين كانوا قد ملأوه بالتراب وعملوا فيك “صورة الترابي[66]“، وهكذا لبست قديما صورة الترابي، لكن الآن بعد ما سمعته للتو؛ وإذ تخلصت بواسطة كلمة الله من كتلة التراب الكبيرة هذه التي كانت تضايقك، فلتجعل “صورة الله تنبلج فيك.

صورة الله والخطية

هذه إذاً هي الصورة التي قال الأب للابن عنها: “لنعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا[67]“. إن رسام تلك الصورة هو ابن الله[68]، وهو رسام بهذه الجودة وهذه القدرة بحيث لصورته أن تظلم بفعل الإهمال ولكنها لا تتلف بفعل المكر. تبقى صورة الله دائما فيك[69] حتى وإن وضعت عليها “صورة الترابي”

أنت رسام تلك الصورة [لصورة الترابي]. فهل أكمدتك الشهوة؟ فها أنت قد وضعت لوناً أرضياً. هل يلهبك الطمع؟ فها قد مزجت لونا آخر. هل صيرك الغضب قاسياً؟ ها إنك تضيف لوناً ثالثاً. والكبرياء أيضاً يضيف لونا آخر، وكذلك العقوق. وهكذا فإنك ترسم أنت بنفسك من خلال كل نوع من أنواع المكر، ومن خلال تجميع الألوان المختلفة، “صورة الترابية التي لم يضعها الله فيك.

ولذا يجب علينا أن نتضرع إلى من يقول بالنبي ها أنا أمحو كغيم ذنوبك وكدخان خطاياك[70]“، وحين يكون قد محى فيك كل هذه الألوان المأخوذة من الخبث، فحينئذ تسطع فيك “الصورة التي خلقها الله. أنت ترى إذا كيف أن الكتاب المقدس يعمد إلى أساليب في التعبير وإلى رموز ليعلم النفس أن تعرف ذاتها وأن تتطهر.

كتابة الخطية وكتابة الروح القدس

هل تريد أن ترى أيضاً شكلاً آخر لهذه الصورة؟ إذن، فهناك الصك الذي يكتبه الله والصك التي نكتبه نحن. أما نحن فنكتب صك الخطية. اسمع الرسول: “إذ محا الصك المكتوب ضدنا مع أحكامه، والذي كان ضداً لنا، قد أزاله مسمراً إياه بالصليب[71].” هذا الصك الذي يتحدث عنه كان “وثيقة بخطايانا، لأن كل واحد منا يعتبر مدينا بخطاياه ويكتب صك (الإقرار) بخطيئته[72]. وفي محكمة الله التي يصف دانيال النبي جلستها، يقول إن هناك “أسفاراً مفتوحة”[73] تحتوي دون أدنى شك على خطايا البشر.

فنحن قد كتبناها إذاً بخطايانا. وفي الإنجيل، ويمثل ذلك في المثل الإنجيلي الذي لوكيل الظلم[74] الذي يقول لكل مدين: “خذ صكك واجلس واكتب: ثمانين[75]“، وما يليه. أنت ترى إذا أنه قد قيل لكل مدين “خذ صكك”، ويبرز من هنا أن صكنا هو صك خطايا. أما الله فيكتب صك العدل لأن الرسول يقول ذلك: “إنكم رسالة مكتوبة لا بحبر بل بروح الله الحي، لا في ألواح حجرية بل في ألواح لحمية، في قلوبكم[76].”

فلديك إذا بداخلك صك الله، صك الروح القدس، ولكن إذا أخطأت، فإنك توقع إقراراً بالخطية. لاحظ أنك حين أتيت إلى صليب السيد المسيح وإلى نعمة المعمودية، فإن إقرارك بالدين قد سُمر على الصليب[77] ومحي في ماء المعمودية، فلا تُعد كتابة ما تم محوه ولا تعد ما تم إبطاله: لا تحتفظ بداخلك سوى برسالة الله، وكتابة الروح القدس وحدها هي التي ينبغي أن تبقى بداخلك.

لنحفر آبارنا مع إسحق الجديد

لكن لنرجع إلى إسحق ونحفر معه آبار ماء حي. يمكن للفلسطينيين أن يثيروا اعتراضات ونزاعات، فعلينا ألا نتوقف عن المثابرة مع إسحق في حفر الآبار حتى يقال لنا نحن أيضاً: “اشرب مياها من آنيتك ومن آبارك[78]” ولنحفر حتى تفيض مياه البئر على ساحاتنا[79]“، لكي لا يكفي علم الكتاب لنا نحن فقط ولكن لكي نعلم الآخرين ونثقفهم، لكي ما يشرب البشر والبهائم أيضاً.

اسمعوا أيها الحكماء واسمعوا أيها البسطاء: “معلم الكنيسة مدين للحكماء كما للجهلاء[80]“، فيجب عليه أن يسقي البشر وأن يسقي البهائم[81] لأن النبي قال: “يا رب أنت تخلص الناس والبهائم[82].” من أجل هذا، فليتفضل الرب نفسه، يسوع المسيح مخلصنا وينيرنا ويطهر قلوبنا له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين[83].”

[1] لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها أوريجينيس عن رمزية الآبار، فهذا الموضوع من الموضوعات المحببة لديه، والذي تناوله كثيرا بالتفسير الرمزي. ونجد الملاحظات الأولى لهذا الموضوع في التعليق على إنجيل يوحنا (آبار السامرية)، وأيضاً في بعض التلميحات السريعة في التعليق على سفر نشيد الأنشاد، ولكنه تناول هذا الموضوع بتعمق أكثر في عظاته على سفر التكوين (۷: 5؛ ۲:۱۰؛ ۳ :۱۱؛ ۱۲: 5؛ ۱۳)

كما نجد الحديث عن هذا الموضوع أيضاً في العظة ۱۲ من عظات أوريجينيس على سفر الخروج، التي تتناول جميع نصوص الكتاب المقدس التي ورد فيها ذكر الآبار لكي يوضح الاستمرارية الموجودة بين مياه العهد القديم ومياه العهد الجديد. ونلاحظ أن الأفكار المعبر عنها من خلال هذا الموضوع هي ذاتها دائما، فالآبار عنده ترمز إلى الكتاب المقدس وإلى النفس التي تثابر على تعاليم الكتاب وأن الكمال الروحي يعتمد على المواظبة على حفرها.

[2] انظر: تك 26: 12، 13.

[3] انظر: تك 26: 18.

[4] انظر: تك 24: 62.

[5] انظر: تك 26: 14.

[6] انظر: تك 26: 18.

[7] انظر: تك 26: 19-20.

[8] انظر: تك 26: 21-22.

[9] انظر: 2كو 2: 16.

[10] انظر: أف 6: 19.

[11] انظر: تك 26: 19؛ يو 4: 10.

[12] انظر: أف 5: ۲.

[13] انظر: أف ۲: 14.

[14] انظر: أف ۲: 14.

[15] انظر: مت 18: 12؛ لو 6:15.

[16] انظر: لو ۱۱: 52 ومت ۲۳: ۱۳.

[17] نفس التعبير ورد في العظة 10: 2.

[18] انظر: لو 6: ۱.

[19] إذا كان إسحق هو رمز للمسيح فإن أبيه هو رمز للأب.

[20] انظر: مت 12: 2.

[21] انظر: مت 12: 3-4.

[22] انظر: مت 12: 7؛ هو 6: 6.

[23] انظر: يو 9: 16.

[24] نستطيع أن نلاحظ في هذا الجزء الطريقة التي يستشهد بها أوريجينيس بنصوص الكتاب المقدس. فقد قصت الأناجيل الثلاثة حادثة السنابل المفروكة، وقد حرص أوريجينيس على ذكر كل من الثلاثة، مقتبسا من كل واحدة تأملا مختلفا. ونراه يضيف نصا من إنجيل القديس يوحنا والذي يمكن أن يرجع معناه للواقعة. ومن الجدير بالذكر هنا أن الاستشهادات وإن كانت دقيقة إلا أنها ليست هي النص حرفيا كلمة بكلمة، لأن أوريجينيس يستشهد بلا شك اعتمادا على الذاكرة، دون أن يعتبر نفسه مطالبا بالحرفية.

[25] لا تكتمل حقيقة العهد القديم بالنسبة لأوريجينيس في التفسير الحرفي والتاريخي له، وإنما في إظهار اكتماله وإتمام نبواته ورموزه في المسيح. لذلك يعتبر الشرح (الرمزي أو المجازي أو الروحي) الذي قدمه أوريجينيس تفسيرا للأشياء القديمة بالأشياء الجديدة؛ للأشياء المرئية السابقة بالأشياء غير المرئية الحاضرة؛ ولعالم اليهود الجسدي بعالم المسيحيين الروحي. وهو يتمثل إجمالا في إيجاد تطابق بين العهدين.

[26] انظر: مت 7: 12؛ يو 5: 46.

[27] انظر: مت ۲۳: ۳۸.

[28] هناك قائمة شبيهة في عظات أوريجينيس على يشوع ۷: ۱.

[29] انظر: في ۳: ۱۹.

[30] انظر: أع ۱۳: 46؛ 18: 6.

[31] انظر: تك 26: 23.

[32] نرى نفس هذا الفكر في القداس المنسوب إلى القديس غريغوريوس الذي يخاطب المسيح إسحق الجديد الذي أعطانا معرفة الثالوث القدوس: “أيها الكائن السيد الرب، الإله الحق من الإله الحق. الذي أظهر لنا نور الأب. الذي أنعم علينا بمعرفة الروح القدس الحقيقية “

[33] انظر: مز 75: 2 (حسب السبعينية).

[34] انظر: مز 18: 5 (حسب السبعينية).

[35] انظر: تك 26: 19.

[36] انظر: مت 28: 19.

[37] انظر: مز 23: 1 (حسب السبعينية).

[38] انظر: غل 4: 24.

[39] يشكو أوريجينيس من أعدائه ومضايقاتهم المستمرة له (انظر أيضاً العظة 6: 3)، حيث قد عرضه تفضيله للتفسير الروحي لهجوم مزدوج من فريقين. الفريق الأول: المتمسكون بالحرف واليهود والإيبيونيون والمسيحيون المقاومين للتفسير الرمزي.

ويبدو، من خلال ملاحظة احتياطات وإعدادات أوريجينيس الخطابية للرد عليهم في عظاته، أن نسبة لا يستهان بها من الشعب كانت تنتمي لهذا الفريق. والفريق الثاني: المثقفون الوثنيون الذين كانوا يعتقدون أنهم يحتكرون الحق في استخدام الرمزية، وقد اتهموا أوريجينيس بانتحال أساليبهم، أو على الأقل باستخدامها بلا حق من أجل تفسير الكتاب المقدس.

[40] نكتشف من تلك الملاحظة، تأثر أوريجينيس بطريقة أفلاطون في التعبير عن أفكاره. فإن كان أفلاطون يقول إن الأشياء الأرضية هي ظل الأفكار الأبدية، هكذا أيضاً الأشياء المكتوبة في العهد القديم هي بالنسبة لأوريجينيس ظل الحقائق فوق الطبيعية التي عاشتها الكنيسة في العهد الجديد. ونلاحظ الاستخدام المتكرر لكلمة “أرضي” (terrenus) للإشارة إلى المعنى الضيق الذي يعطيه الفريسيون ومن يحاكيهم للكتاب المقدس.

[41] انظر: مت 13: 52.

[42] انظر: في 3: 19.

[43] انظر: رو 15: 19.

[44] انظر: 2تي 3: 11.

[45] انظر: ۱ کو 15: ۳۲.

[46] انظر: 1كو 15: 32.

[47] انظر: 2كو 11: 25.

[48] انظر: 2صم 22: 20؛ مز 17: 20 (حسب السبعينية).

[49] انظر: مت 1: 1.

[50] انظر: لو 24: 32.

[51] انظر: تك 26: 18.

[52] انظر: تي 1: 14.

[53] انظر: 1تي 1: 4.

[54] انظر: 2تي 4: 4.

[55] انظر: ملا 1: 11.

[56] انظر: يو 4: 20-23.

[57] انظر: 2كو 6: 16؛ لا 26: 12.

[58] انظر: 1كو 15: 49.

[59] انظر: يو 7: 38.

[60] انظر: يو 7: 38.

[61] لقد ذكر أوريجينيس سابقا أن الآبار تمثل الكتاب المقدس، ولكنه هنا يذكر أنها تمثل النفس. والفكرتان ليستا قريبتين، ولكنهما مرتبطتان ارتباطا وثيقا في فكر أوريجينيس. فالنفس والكتاب المقدس ينبضان بنفس الحياة ويسكنهما نفس اللوغوس الذي يبعث فيهما كنوزه في ظواهر محجوبة نوعا ما في حالة الكتاب المقدس، وفي عمق الحياة الداخلية في حالة النفس.

وفي كلتا الحالتين، تظهر نفس الحياة الروحية المتحدرة من حياة الله ذاتها، فالثالوث هو مستوى المياه العميق الذي لا ينضب والذي يتغذى منه هذان البئران. ولهذا يجب حتما أن يفسر الكتاب المقدس بمعنى روحي مثلما يجب للنفس أن تحمل فيها صورة إلهية.

[62] انظر: لو 17: 21.

[63] انظر: لو 15: 8.

[64] انظر: مز 35: 10 (حسب السبعينية).

[65] انظر: تك 1: 26؛ تك 5: 1.

[66] انظر: ۱ کو 15: 49.

[67] انظر: تك 1: 26.

[68] نجد صدى هذه الفكرة عند ق. أثناسيوس في كتاب تجسد الكلمة ۳: ۳.

[69] نرى هنا التعليم الآبائي الشرقي في أن الصورة الإلهية تظلم أو تتشوه ولكنها لا تنعدم من الإنسان.

[70] انظر: إش 44: ۲۲

[71] انظر: کو ۲: 14.

[72] لاحظ العلاقة بين الصك الذي نكتبه بخطايانا والصورة الإلهية التي خلقها الله فينا. وقد ذكر أوريجينيس أن الخطايا تغطي تلك الصورة ولا تجعلها تسطع فينا. فالصورة هي هبة من الله وبالخطية تتوارى تلك الصورة ونصبح مدينين “بسبب الخطايا” باستعادة إشراقها فينا.

[73] انظر: دا 7: 10.

[74] انظر: لو 16: 8.

[75] انظر: لو 16: 7.

[76] انظر: 2كو 3: 2-3.

[77] انظر: كو 2: 14.

[78] انظر: أم 5: 15.

[79] انظر: أم 5: 16.

[80] انظر: رو 1: 14.

[81] إن المستمعين إلى أوريجينيس لا يشعرون بالإهانة حين يتم تشبيه بعضهم بالبهائم، فهم يعلمون جيدا أن البعض “كامل” والبقية ليست كذلك كما جاء في الكتاب المقدس: لأن القديسو” العهد القديم .هم رمز “للكاملين” في حين ينطبق غالبا ما قيل عن الحيوانات، على المبتدئين”. والبهائم التي أدخلها نوح إلى الأجزاء السفلية من الفلك هي النفوس القاسية التي لم تسكنها بعد حلاوة الإيمان (العظة ۲: ۳)، أما الجمال التي كانت تصاحب خادم إسحق فهي النفوس غير المهذبة التي تبدو جاهلة وعنيدة أمام الأسرار المسيحية (العظة 10: 2).

[82] انظر: مز 35 : ۷ (بحسب السبعينية).

[83] انظر: 1 بط 4: 11؛ رؤ 1: 6.

العظة الثالثة عشرة آبار إسحق – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الحادية عشر زواج إبراهيم من قطورة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الحادية عشر زواج إبراهيم من قطورة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الحادية عشر زواج إبراهيم من قطورة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

وإقامة اسحق عند بئر الرؤيا

عمر إبراهيم وقت زواجه الثاني

1 يقدم لنا دائماً الرسول القديس فرصاً لاكتشاف المعنى الروحي ويعطي المسيحيين المتحمسين إرشادات. صحيح أنها قليلة ولكن لا غنى عنها. ليعرفهم أن “الناموس روحي[1]” دائماً. ويقول، متحدثاً في مقطع عن إبراهيم وسارة: “دون أن يضعف في إيمانه، لم يعتبر أن جسده قد صار مماتاً؛ إذ كان ابن نحو مئة سنة، ولا مماتية مستودع سارة.[2]

هذا الرجل الذي قال عنه الرسول إن جسده قد همد عند بلوغه مائة عام، وإنه أنجب إسحق بقوة الإيمان أكثر مما بسبب خصوبة الجسد، هوذا الكتاب يخبرنا الآن إنه قد اتخذ امرأة تدعى قطورة وأنجب منها أبناء كثيرين فيما كان عمره يناهز مائة وسبع وثلاثون عاماً[3]، لأن سارة امرأته كانت تصغره، وفقا للكتاب، بعشرة أعوام[4]، وأنها ماتت حين كانت تبلغ مائة وسبعاً وعشرين عاماً[5]، مما يعني أن إبراهيم كان قد تجاوز المائة والسبع والثلاثين عاما حين تزوج قطورة.

التفسير الروحي لهذا الزواج

الحكمة

ماذا نستطيع أن نستنتج من ذلك؟ هل يجب إن نعتقد إن بطريركاً عظيماً مثل إبراهيم كان قد شعر بمثيرات الجسد؟ أ يجب أن نظن أن ما قيل عنه مماتاً من زمن بعيد من جهة الحركات الطبيعية، قد أحس الآن إغراء الجسد وقد انبعث فيه من جديد؟ أ ولا يكون بالأحرى لزيجات البطاركة، كما سبق وقلنا كثيراً، معنى سري ومقدس، كما يشير إلى ذلك أيضاً من قال عن الحكمة “إني عزمت أن أتخذها لي زوجة.[6]

لقد فكر إبراهيم على الأرجح في شيء مثل هذا، فبالرغم من أنه كان حكيماً، إلا أنه كان يعلم أن الحكمة ليس لها حدود، وأن الشيخوخة لا تشير إلى الحد الذي يتم فيه التوقف عن التعلم[7]. فمتى يستطيع من اعتاد أن يقيم زواجه بالطريقة التي أشرنا إليها أعلاه، أي أن يظل عادة في اتحاد مع الفضيلة، أن يوقف اتحاداً من هذا النمط؟ ويجب اعتبار موت سارة أيضاً بمثابة إتمام الفضيلة. فمن يمتلك فضيلة متممة وكاملة يجب عليه دائماً أن يثابر في البحث والدراسة، فإن هذه الدراسة هي التي يدعوها التعبير الإلهي “زوجته”.

الذرية الروحية

أظن أن هناك بسبب ذلك لعنة في الناموس للأعزب والرجل العقيم. فقد قيل في الواقع: “ملعون من لا يترك نسلاً في إسرائيل.[8]” فإذا فهمنا هذا الكلام عن النسل الجسدي، فسيبدو كل متبتلي الكنيسة وقد شملتهم اللعنة. وماذا أقول عن متبتلي الكنيسة؟ فالقديس يوحنا نفسه “الأعظم بين المولودين من النساء[9]“، والعديد من القديسين الآخرين لم يتركوا ذرية جسدية؛ إذ إنه لم يخبرنا بأنهم حتى قد تزوجوا، ولكن من المؤكد أنهم قد تركوا ذرية روحية وأبناء روحيين وأن الحكمة كانت زوجة لهم جميعاً، مثل بولس الرسول الذي “ولد أبناء بالإنجيل.[10]

إذا تزوج إبراهيم من قطورة وهو شيخ وجسده كان قد صار مماتاً بالفعل. أما أنا فأعتقد أنه من الأفضل من أجل السبب الذي ذكرناه سابقاً. الزواج عندما يكون الجسد مماتاً وعندما تكون الأعضاء مماتة[11]“، لأن حواسنا تكون قادرة بشكل أكبر على استقبال الحكمة عندما تتحمل موت الرب يسوع في جسدنا[12]” المائت.

رائحة المسيح الذكية

إن اسم قطورة -التي اختارها إبراهيم زوجة له في شيخوخته. يعني البخور أو الرائحة الذكية. وهو نفسه كان يقول، وفقاً لقول بولس الرسول: “لأننا رائحة المسيح الذكية[13]“. ” فلنر كيف نصير رائحة المسيح: إن الخطية شيء رائحته كريهة، وقد تم تشبيه الخطاة بالخنازير[14] وهم يتمرغون في خطاياهم كما في قمامة منتنة، ويقول داود النبي كخاطئ تائب: “حُبُرُ ضربي منتنة ومتقيحة.[15]

۲ أي واحد منكم لا يحمل إذا رائحة الخطية ولكن يحمل على العكس رائحة البر وعذوبة الرحمة؟ كل من يقدم للرب بلا انقطاع بخور صلاة “غير منقطعة[16]“، ويقول: “لتصعد صلاتي إليك كالبخور قدامك. ليكن رفع يدي كذبيحة المساء[17]“، فذاك يكون قد اتخذ قطورة زوجة له.

تعدد الزوجات عند الآباء البطاركة يرمز لتعدد الفضائل

هذه في رأيي هي أفضل طريقة لشرح عرس الشيوخ، فنحن بذلك نتفهم جيداً كون البطاركة قد أقاموا زيجات في نهاية حياتهم، في سن متأخرة، وهكذا يبدو لي من الضروري ذكر الأبناء الذين أنجبوهم. فبالنسبة إلى هذا النوع من الزيجات ولمثل هذا النسل، يكون الشباب أقل قدرة من الشيوخ، لأنه كلما كان الجسد منها كانت قوة الروح أكبر، وكنا جديرين بمعانقة الحكمة. هكذا يخبرنا الكتاب أن ألقانة البار كان لديه زوجتان في نفس الوقت[18]، الواحدة تدعى فننة، والأخرى حنة، أي الاهتداء والنعمة. وقد أنجب أولاً أولاداً من فننة، أي الهداية، وبعد ذلك من حنة التي ترمز للنعمة.

ويشير الكتاب في الواقع رمزياً إلى تقدم القديسين من خلال الزيجات. لذلك تستطيع أنت أيضاً، إن أردت أن تكون عريساً في زواج من هذا النوع (أي تتحد مع إحدى هذه الفضائل). فإذا مارست على سبيل المثال لفضيلة الضيافة من قلب متسع فسيبدو أنك قد اتخذتها زوجة لك، وإذا أضفت إليها العناية بالفقراء فسيبدو أنك قد اقتنيت زوجة ثانية. وإن تعلقت بالصبر واللطف وبالفضائل الأخرى، فسيبدو أنك قد حصلت على زوجات بمقدار الفضائل التي تمتلكها. لذلك يشير الكتاب إلى أن بعض البطاركة كان لديهم أكثر من زوجة في نفس الوقت، وأن هناك آخرين قد اتخذوا لهم زوجات أخرى بعد وفاة الزوجة الأولى[19]. وهو يريد أن يشير من هنا بشكل رمزي إلى أن هناك أشخاصاً يمكنهم أن يمارسوا العديد من الفضائل في نفس الوقت، في حين أن هناك أشخاصا آخرين يجب أن يصلوا [بالفضائل] الأولى إلى الكمال قبل البدء في الفضائل التالية. وسليمان الملك الذي قال له الرب: “لم يكن حكيم مثلك قبلك، ولا يكون من بعدك[20]“، كان لديه العديد من الزوجات في نفس الوقت، لأن الرب كان قد أعطاه حكمة غزيرة “مثل رمل البحر[21]” ليحكم شعبه بالحكمة[22]، وكان يمكنه ممارسة أكثر من فضيلة في آن واحد.

الزوجات الأجنبيات رمز للعلوم الوثنية

وإن كنا نحن أيضاً. على هامش تعاليم ناموس الله بالطبع. قد اتصلنا أيضاً ببعض العلوم الدنيوية التي تبدو آتية من الخارج مثل الأدب على سبيل المثال أو النحو، ومثل الهندسة والحساب أو حتى الجدلية، وإذا جعلنا كل تلك العلوم المأخوذة من خارج تعاليمنا تتعاون واعتمدناها من أجل الدفاع عن حقيقة شريعتنا، فسيبدو بذلك أننا قد اتخذنا لنا زوجات أجنبيات أو حتى سراري[23]. وإذا كان النقاش وتقديم البراهين ودحض المناقضين يسمح، من جهة هذه الزيجات، باجتذاب بعض منهم للإيمان، وإن أقنعناهم. مستخدمين علومهم وأساليبهم الخاصة بشكل أفضل منهم[24]. بتلقي فلسفة المسيح الحقة وتقوى الله الحقيقية، فإننا نكون قد أنجبنا أبناء[25] من الجدلية أو من البلاغة كما من أجنبيات أو سراري[26].

وهكذا إذاً، فإن الشيخوخة لا تعيق أحداً عن عقد مثل هذه الزيجات أو إنجاب أبناء بهذه الطريقة. يضاف إلى ذلك أن هذه الذرية الطاهرة تتناسب بصورة أكبر مع السن الناضجة. وهكذا اتخذ إبراهيم قطورة زوجة له، وهو مسن جداً وكما يقول الكتاب تشيخ ومتقدم في الأيام[27]“.

ذرية إبراهيم

ولكن في المعطيات التاريخية، لا يجب أن يفوتنا ما هي وكيف تكون الذرية التي نشأت عن هذا الزواج. فإذا ما احتفظنا بهذه [المعطيات] في ذاكرتنا، نستطيع بصورة أسهل أن نفهم ما يقوله الكتاب عن الأمم المختلفة. فالكتاب يقول على سبيل المثال إن موسى قد اتخذ بنتاً من بنات يثرون كاهن مديان زوجة له[28]، ومديان هذا هو أحد أبناء قطورة وإبراهيم[29]. فنحن نعلم إذن أن زوجة موسى هي من نسل إبراهيم ولم تكن أجنبية، أو حين يذكر الكتاب “ملكة قيدار[30]” فينبغي أن نعرف أن قيدار أيضاً هو من نسل قطورة وإبراهيم[31]. وستقوم في نسل إسماعيل باكتشافات مماثلة. فستستخرج عند البحث في هذه الأنساب الكثير من المعلومات التي فلتت من آخرين. ولكن بالنسبة لنا، فلنؤجل هذا الموضوع إلى مرة أخرى ولنسرع إلى متابعة القصة.

موت إبراهيم

3 يقول الكتاب “وحدث بعد موت إبراهيم أن الله بارك إسحق ابنه، وسكن عند بئر الرؤيا[32]“. فماذا يمكننا أن نضيف، حول موت إبراهيم، إلى ما يحتويه قول الرب في الأناجيل: “وأما من جهة قيامة الأموات، أفما قرأتم كيف يتحدث الكتاب في أمر العليقة: إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب؟! الله ليس هو إله الأموات بل إله الأحياء، لأن الجميع أحياء أمامه؟[33]” لنرجو إذن لأنفسنا موتاً من هذا النوع حتى إذ نكون أمواتاً عن الخطية نحيا لله.[34]” لأننا يجب أن نفهم موت إبراهيم هكذا: لقد وسع أحضانه حتى أن كل القديسين الذين يأتون من جهات العالم الأربع، “تحملهم الملائكة إلى حضن إبراهيم.[35]

بئر الرؤيا

لكن لنرى الآن كيف بارك الرب، بعد موت إبراهيم، إسحق ابنه، وما هي تلك البركة. يقول الكتاب: “بارك الله إسحق، وسكن عند بئر الرؤيا[36]“. هذه هي كل البركة التي أعطاها الرب لإسحق؛ أنه أسكنه عند بئر الرؤيا. وهي في الحقيقة بركة هامة لمن يستطيع أن يفهم؛ فليعطني الرب إياها أنا أيضاً حتى أستحق أن أسكن “عند بئر الرؤيا”!

من ذا الذي يمكنه أن يعرف ويفهم الرؤيا التي رآها إشعياء بن آموص[37]؟ ومن يستطيع أن يعرف رؤيا ناحوم[38]؟ ومن يقدر أن يفهم فحوى رؤيا يعقوب التي رآها في بيت إيل حين كان ذاهباً إلى ما بين النهرين، حين قال لها هو بيت الله، وباب السماء[39]“؟ إن كان هناك أحد يستطيع أن يعرف ويفهم كل الرؤى التي في الناموس أو في الأنبياء، فهذا يسكن “عند بئر الرؤيا” ولكن تأمل بأكثر انتباه في أن البركة الكبيرة التي استحق إسحق أن ينالها من الرب كانت أنه تسكن قرب بئر الرؤيا”. أما نحن، فمتى يمكننا أن نستحق ألا نفعل شيئا سوى المرور عبر بئر الرؤيا؟ لقد استحق إسحق أن يظل في الرؤيا وأن يسكن هناك، ونحن بالكاد يمكننا، بفضل إنارة رحمة ربنا، أن ندرك أو أن يخطر فقط ببالنا مقتطفات من كل رؤيا.

غير أنني إن استطعت أن أدرك معنى واحداً من رؤى الله، فسيبدو أنني قد قضيت يوماً بالقرب من بئر الرؤيا. وإن استطعت أن أصل إلى شيء منها ليس فقط بحسب الحرف ولكن أيضاً بحسب الروح، فسيبدو أنني قد قضيت يومين بالقرب من بئر الرؤيا. وإذا دخلت حتى إلى المعنى الأخلاقي، فأكون قد أقمت ثلاثة أيام هناك. وعلى كل حال، إن كنت مواظباً. حتى دون أن أفهم كل شيء. على سماع الكتاب المقدس، وكنت أتأمل في ناموس الله نهاراً وليلاً[40]“، وإن لم أتوقف أبداً عن البحث والتنقيب والفحص وعن أن أصلي إلى الله وأن أطلب الفهم ممن يعلم الإنسان المعرفة[41]“، وهو ما يحدث قبل كل شيء، فسأسكن أنا أيضاً بالقرب من بئر الرؤيا[42]. أما، على العكس، إن تهاونت وإن لم أطبق كلمة الله في حياتي الخاصة والتي كثيراً ما أذهب إلى الكنيسة لسماعها، مثلما أرى البعض منكم يأتي فقط إلى الكنيسة في الأعياد، فمثل هؤلاء لا يسكنون عند بئر الرؤيا. وأخشى من جانبي ألا يشرب المهملون هكذا، حتى عندما يذهبون إلى الكنيسة، من بئر الحياة وألا يستعيدون قواهم، بل ينشغلون بالأعمال التي تهمهم جداً وبالهموم التي يحملونها معهم ويبتعدون عن آبار الكتاب بالعطش[43].

لتسرعوا إذن ولتبذلوا الجهود المرجوة لكي تحل عليكم بركة الرب التي ستجعلكم قادرين على السكن بالقرب من بئر الرؤيا، ولكي يفتح الرب أعينكم وتبصروا بئر الرؤيا وتأخذوا منه “الماء الحي[44]” الذي يصير فيكم “ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية[45].” ولكن ألا نذهب إلى الكنيسة إلا نادراً، وألا نستقي إلا نادراً من ينابيع الكتاب، وأن نغادر على الفور من هناك؛ وإذ ننشغل بأمور أخرى وننسى ما قد سمعناه، فهذا ليس السكن عند بئر الرؤيا.

دعني أريك من هو الذي لا يبتعد أبداً عن بئر الرؤيا: هو بولس الرسول. لقد كان يقول: “نحن جميعاً نتأمل مجد الرب بوجه مكشوف.[46]” وأنت إذا، إن فحصت على الدوام رؤى الأنبياء وإن رغبت باستمرار في التعلم، وتأملت هذه الرؤي وبقيت فيها، فتنال أنت أيضاً بركة الرب وتسكن عند بئر الرؤيا. وسيظهر لك أنت أيضاً الرب “على الطريق ويعلن لك معنى الكتب وستقول حينئذ: ” لم يكن قلبنا ملتهبا فينا حينما كان يكشف لنا الكتب[47]؟” ولكنه يظهر اللذين تتجه أفكارهم نحوه ويكون هو موضوع تأملاتهم ويحيون في “ناموسه نهاراً وليلاً[48]“، “له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين.[49]

[1] انظر: رو ۷: 14.

[2] انظر: رو 4: ۱۹.

[3] انظر: تك 25: 1 وما بعده.

[4] انظر: تك 17: 17.

[5] انظر: تك 23: 1.

[6] انظر: حك ۸: ۹.

[7] المقصود أن إبراهيم كان قد وصل لدرجة عالية من الحكمة ولكن هذا الكمال النسبي كان هو دافعه في السعي للوصول لدرجة أعلى من الكمال لأن الحكمة التي اكتسبها كانت تتيح له رؤية أعمق، فالحكمة التي لا تنضب هي ما يجب عليه أن يتتبعها طوال حياته.

[8] انظر: تث 7: 14؛ 25: 5-10.

[9] انظر: مت ۱۱: ۱۱.

[10] انظر: ۱ کو 4: 15.

[11] انظر: كو 3: 5.

[12] انظر: 2كو 4: 10.

[13] انظر: 2كو 2: 15.

[14] انظر: مت 8: 30.

[15] انظر: مز 37: 6 (حسب السبعينية).

[16] انظر: 1تس 5: 17.

[17] انظر: مز 140: 2 (حسب السبعينية).

[18] انظر: 1صم 1: 2 وما بعده.

[19] انظر: تك 16: 3؛ 25: 1.

[20] انظر: ۲ أخ ۱۲:۱؛ ۳ مل ۳: ۱۳ (حسب السبعينية).

[21] انظر: تك 22: 17.

[22] انظر: 2أخ 1: 11.

[23] انظر: نش 6: 7.

[24] انظر العظة 6: ۳ والعظة 14: 3.

[25] يشير هنا أوريجينيس إلى أن حكمة العالم التي اكتسبها، كانت طعما مفيدا جدا لجذب النفوس لحكمة الله. وهذه الأجنبيات وهذه السراري هي التي كان ينال منهن الكثير من الأبناء الروحيين.

[26] عن فائدة العلوم الدنيوية، ارجع إلى عظاته على سفر الخروج ۱۱: 6 وعظاته على سفر العدد ۲۰: ۳. انظر أيضاً الكنيسة وثقافة العصر، دكتور سامح فاروق، مركز باناريون للتراث الآبائي، الطبعة الأولى، القاهرة 2015.

[27] انظر: تك 24: 1.

[28] انظر: خر ۲: ۲۱.

[29] انظر: تك 25: ۲.

[30] انظر: إر 30: 23.

[31] انظر: تك 25: 13.

[32] انظر: تك 25: 11.

[33] انظر: مز 12: 26-27؛ لو 20: 37-38.

[34] انظر: رو 6: 10.

[35] انظر: لو 16: 22.

[36] انظر: تك 25: 11.

[37] انظر: إش 1: 1 وما بعده.

[38] انظر: نا 1: 1 وما بعده.

[39] انظر: تك 28: 17.

[40] انظر: مز ۱: ۲.

[41] انظر: مز ۹۳: ۱۰ (بحسب السبعينية).

[42] كلمة الرؤيا هذه، بعدما وسعها أوريجينيس لتشمل رؤى الأنبياء و”حالة رؤيا” إسحق، لا تعني بعد ذلك إلا إدراك الأسرار. وتصبح “الرؤيا” هي إدراك ما يحتويه الكتاب.

[43] حول إهمال المسيحيين الذهاب للكنيسة وسماع كلمة الرب، ارجع إلى العظة ۱۰: ۱.

[44] انظر: تك 26: 19.

[45] انظر: يو 4: 14.

[46] انظر: ۲ کو 3: ۱۸.

[47] انظر: لو 24: 32.

[48] انظر: مز 1: 2.

[49] انظر: 1بط 4: 11؛ رؤ 1: 6.

العظة الثانية عشرة العظة الثانية عشرة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثانية عشرة العظة الثانية عشرة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثانية عشرة العظة الثانية عشرة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

الله هو الذي يفتح أعيننا لنعاين أسراره

1 أثناء كل قراءة “نقرأ فيها موسى[1]“، يجب علينا أن نطلب من آب الكلمة أن يتمم فينا أيضاً قول المزامير هذا: “أرفع الحجاب عن عيني فأتأمل عجائب ناموسك[2].” فإن لم يفتح هو بنفسه أعيننا فكيف يمكننا أن نعاين الأسرار العظيمة المصورة في البطاركة، والتي تمثلها تارة الآبار، وطورا العرس، تارة الولادة وطورا العقم؟

النساء العاقرات في العهد القديم

تخبرنا القراءة الحاضرة أن “إسحق طلب طلبة لأجل رفقة امرأته لأنها كانت عاقراً، فاستجاب له الرب، وحبلت. وكان الولدان يتزاحمان في بطنها[3].” اسأل نفسك أولاً لماذا يخبرنا الكتاب أن الكثير من النساء القديسات كن عاقرات مثل سارة[4]، ورفقة التي نتحدث عنها اليوم، وراحيل أيضاً المفضلة من إسرائيل كانت عاقراً[5]، وأيضاً حنة أم صموئيل، وفقاً للكتاب[6]. ويذكر في الأناجيل أيضاً عقم أليصابات[7]. وقد ذكر وصف شرفي واحد لكل هؤلاء النساء وهو أنهن قد أنجبن جميعاً أبناء قديسين في نهاية عقمهن. وهكذا إذاً فإن رفقة، وفقا لآيتنا، كانت عاقراً ولكن تصلي إسحق لأجل امرأته إلى الرب الذي استجاب له، وحبلت رفقة. وكان الولدان يتزاحمان في بطنها.[8]” هل رأيت ما حبل به هذا العقم؟ يتحرك أبناء العاقر قبل أن يولدوا، وتحمل في بطنها من كانت قد صرفت النظر عن النسل أمماً وشعوباً. وهكذا يقول الكتاب: “فمضت رفقة لتسأل الرب فقال لها الرب: في بطنك أمتان، ومن أحشائك يفترق شعبان”[9]. وسيكون من المطول جداً الآن أن نفحص بالتفصيل تفسير تزاحم الولدين وهما لا يزالان بعد في رحم أمهما، كما أنه سيكون من المطول جداً شروح وأقوال الرسول المليئة بالألغاز في هذا الشأن: أي سر وأية دوافع تحتوي عليه، ولماذا قيل عن الولدين قبل أن يولدا أو أن يعملا في هذا العالم أي خير أو شر[10]: “شعب يتغلب على شعب، والأكبر يخدم الأصغر[11]“، ولماذا قبل أن يولدا من بطن أمهما، نقرأ عند النبي “أحببت يعقوب وأبغضت عيسو؟[12]” كل ذلك يفوق قدرتي على التعبير ويفوق إدراككم.

“فمضت لتسأل الرب”

۲ لنرى بالأحرى الآن معنى هذا القول: “فمضت رفقة لتسأل الرب.[13]” لقد مضت. فأين ذهبت؟ هل مضت من مكان لم يكن الرب فيه إلى مكان كان يوجد فيه؛ لأن هذا هو ما تشير إليه هذه الكلمات: فمضت لتسأل الرب”، ألا يوجد الله في كل مكان؟ ألم يقل بنفسه: “أنا أملأ السماء والأرض، يقول الرب[14]“؟ فإلى أين إذن مضت رفقة؟ أظن أنها لم تمض من مكان إلى آخر، لكنها انتقلت من حياة إلى حياة أخرى، ومن عمل إلى عمل آخر، من الجيد إلى الأفضل وتقدمت من النافع إلى الأكثر نفعاً، وأسرعت مما هو مقدس إلى ما هو أكثر قداسة. لأنه من غير المعقول أن نعتقد أن رفقة. التي تثقفت في بيت إبراهيم الحكيم مع زوج يتمتع بأعظم تعليم وهو إسحق. كانت بهذه الدرجة من البساطة والجهل حتى تعتقد أن الرب كان محتجزاً في مكان ما وتذهب لتسأله هناك عن معنى تزاحم الولدين في بطنها. ولكن هل تريد أن تتأكد من أنها عادة عند القديسين حين يدركون أن الله يريهم أمرا ما، أن يقولوا إنهم يمضون” أو أنهم “يعبرون”؟ فموسى، إذ رأى العليقة تشتعل دون أن تحترق، أبصر الرؤيا بتعجب وقال: “سأعبر وأرى تلك الرؤيا.[15]” وهو لم يكن يقصد بالطبع أن يقول إنه سيجتاز مسافة معينة أو يتسلق جبال أو يهرول وسط منحدرات الوديان الوعرة.

لقد كانت الرؤيا قريبة جداً، قدامه وأمام عينيه، ولكنه يقول: “سأعبر ليظهر أنه مدعو من خلال الرؤيا السماوية إلى الارتفاع إلى حياة أسمى وإلى العبور من الوضع الذي كان فيه إلى وضع أفضل. وهكذا إذن، تقول آيتنا الآن عن رفقة إنها “مضت لتسأل الرب[16]“، وينبغي أن نفسر ذلك، كما قلنا، على أنها لم تمش بأرجلها لتمضي ولكن بتقدم الروح.

ومن ثم أنت أيضاً، إذا أخذت في تثبيت ناظريك لا على الأشياء التي ترى، بل على التي لا ترى[17]“، أي لا على الأمور الجسدية بل الروحية، لا على الأمور الحاضرة ولكن على الأتية، فسنقول عنك إنك قد “مضيت لتسأل الرب.” وإذا ابتعدت عن سلوكك القديم وعن معاشرة من كنت تحيا معهم في الدناءة والعار واشتركت في أعمال شريفة وتقوية، وعندما نفتش عنك وسط رفقاء الخزي وزمرة الأشرار ولا نجدك هناك، فسنقول عنك أنت أيضاً: “لقد مضى ليسأل الرب.[18]

وهكذا إذن، لا يمضي القديسون من مكان إلى آخر ولكن من حياة إلى أخرى ومن التعاليم الأولى إلى تعاليم أسمى.

أبناء رفقة يمثلون الفضائل والرذائل بداخل كل منا

3 فقال الرب لها إذن: “في بطنك أمتان، ومن أحشائك يفترق شعبان: شعب يتسلط على شعب، والأكبر يخدم الأصغر.[19]” واليهود أنفسهم دون أن يكون لهم الإيمان، يعرفون كيف أن “شعباً”، أي الكنيسة، “قد تسلط على شعب”، أي المجمع، وكيف أن “الأكبر يخدم الأصغر”، وأعتقد أنه من غير المجدي متابعة هذه المفاهيم الجلية والمألوفة للجميع، ولكن إن أردتم ذلك، فلنضف ما يمكن أن يبني ويقف كل واحد من المستمعين.

أعتقد أنه يمكن القول بأنه يوجد داخل كل واحد منا “أمتان وشعبان، لأنه إن كان شعب الفضيلة يوجد فينا فإنه يوجد أيضاً شعب الرذيلة: “من قلبنا تخرج الأفكار الشريرة، الزنى، السرقة، الشهادة الزور[20]“، وأيضاً “المكر، التحزب، البدع، الغيرة، الحسد، السكر، وأمثال هذه[21]. هل ترى أي شعب شرير موجود بداخلنا؟ لكن إن كنا مستحقين أن نردد قول القديسين هذا: “يا رب حبلنا بمخافتك وولدنا وأظهرنا على الأرض روح خلاصك[22]“، فإنه يوجد إذا أيضاً فينا شعب آخر مولود في الروح، لأن ثمار الروح هي: المحبة الفرح، السلام، طول الأناة، الصلاح، اللطف، التعفف[23]“، وأمثال هذه. إذاً أنت ترى الشعب الآخر الموجود هو أيضاً فينا، ولكنه أصغر، في حين أن الشعب الأول أكبر. الأشرار دائما أكثر من الصالحين، والرذائل أكثر من الفضائل. ولكننا إن كنا نشبه رفقة وكنا مستحقين أن نحبل من إسحق – أي كلمة الله . فحينئذ “يتسلط فينا أيضاً شعب على شعب، والأكبر يخدم الأصغر”، فيخدم الجسد الروح، وتتراجع الرذائل أمام الفضائل.

ويقول الكتاب: “وكملت الأيام لتلد وكان في بطنها توأمان.[24]” إن تعبير: “وكملت الأيام لتلد” يستخدم تقريباً فقط بالنسبة للنساء القديسات. فقد استخدم مع رفقة وأليصابات[25] أم يوحنا المعمدان، والعذراء مريم[26] والدة ربنا يسوع المسيح[27]. لذلك يشير هذا النوع من الولادة في رأيي إلى حالة مميزة وغير شائعة، كما يشير اكتمال الأيام إلى منشأ ذرية كاملة.

يعقوب يحل محل عيسو

4 ويقول الكتاب: “فخرج الأول وكان أصهب[28]، كله أشعث كفروة شعر، فدعوا اسمه عيسو، وبعد ذلك خرج أخوه ويده قابضة بعقب عيسو، فدعي اسمه يعقوب.[29]” ويخبرنا مقطع آخر من الكتاب أن “يعقوب قد حل محل عيسو في رحم أمه[30]” والدليل على ذلك هو أن يد يعقوب كانت قابضة بعقب أخيه عيسو.

خرج إذا عيسو هذا من رحم أمه كله أشعث كفروة شعر[31]“، أما يعقوب فكان على العكس أملس وأجرد. لذا حصل يعقوب على اسمه من فعل أنه صارع أو لأنه حل محله، أما عيسو فقد دعي، حسب رأي من يفسرون الأسماء العبرية، إما بسبب صهبته وإما نسبة للأرض، [وهو يعني] الأصهب أو الترابي، أو أيضاً المختلق وفقا لبعض المفسرين. وأما امتيازات الميلاد هذه ولماذا حل يعقوب محل أخيه، ولماذا ولد أملس وعريان بينما قد حبل بهما كلاهما بالتأكيد، كما يقول الرسول، “من رجل واحد”، “إسحق أبونا[32]” أو لماذا كان عيسو كله أشعث وصعب المراس، وإذا جاز التعبير مغطى بنجاسة الخطية والشر، فهذا ليس في نيتي أن أشرحه لأنني إن أردت أن أحفر عميقاً وأن أكتشف الماء الحي[33] المخفي، فسيأتي الفلسطينيون[34] على الفور لمخاصمتي وسيثيرون ضدي شجارات ومنازعات وسيملأون آباري بترابهم ووحلهم. وفي الحقيقة، إذا تركني هؤلاء الفلسطينيون وشأني، فسأقترب من ربي، من ربي الكثير الصبر الذي يقول “من يقبل إليّ لا أرفضه[35]” سأقترب ومثل تلاميذه الذين قالوا له: “يا رب، من أخطأ، هذا أم أبواه حتى ولد أعمى[36]؟” سأسأله أنا أيضاً: يا رب من أخطأ، عيسو هذا أم أبواه حتى يولد كله أشعث وصعب المراس وحتى يحل أخوه محله في رحم أمه؟ ولكن إن تظاهرت بالسؤال وبفحص القول الإلهي في هذا الشأن، فسيخاصمني الفلسطينيون وينازعونني، لذلك سوف نترك هذه البئر وندعوها “العداوة” وسنحفر بئرا أخرى.

الشعير والقمح في الكتاب المقدس

5 يقول الكتاب المقدس بعد ذلك: “زرع إسحق الشعير وحصد مئة ضعف، وباركه الرب، فتعاظم هذا الرجل وكان يتزايد أكثر وأكثر حتى صار عظيما جداً[37]“. لماذا زرع إسحق شعيراً ولم يزرع قما؟ ولماذا بورك بسبب زرعه الشعير؟ ولماذا تعاظم “حتى صار عظيماً”؟ من الواضح إذن أنه لم يكن بعد عظيماً ولكن بعد أن زرع شعيراً وحصد مئة ضعف فحينئذ أصبح “عظيماً جداً”.

إن الشعير هو عادة طعام البهائم أو العبيد في الحقول، وله مظهر خشن يعطي من يلمسه إحساسا بوخز الإبر. فإسحق هو [رمز] الكلمة الإلهية، تلك الكلمة التي تزرع الشعير في الناموس والقمح في الأناجيل. فهو يعد القمح طعاماً للكاملين والروحيين والشعير للجهلاء والبهائم[38]“، لأنه مكتوب “الناس والبهائم تخلص يا رب.[39]” لقد زرع إسحق إذا شعيراً، مثل كلمة الناموس، ومع ذلك حصل على “مئة ضعف[40]” شعير، لأنك تجد في الناموس أيضاً شهداء يحصدون “مئة ضعف.[41]” أما ربنا الذي هو إسحق الأناجيل، فقد كان يطعم الرسل بما هو أكثر كمالاً، في حين كان يخاطب الجموع بأشياء سهلة وبسيطة.[42] هل تريد الدليل على أنه كان يقدم بنفسه أطعمة من شعير للمبتدئين مكتوب في الأناجيل أن المسيح أعطى الجموع ليأكلوا مرة أخرى[43]. لكن الذين أطعمهم أول مرة، أي المبتدئين، فهؤلاء أطعمهم “أرغفة شعير[44]“، ثم بعد ذلك قدم لهم، حين تقدموا بالفعل في الكلام والتعليم، خبراً من القمح[45].

البركة التي نالها إسحق

ولكن الكتاب يقول بعد ذلك: “بارك الرب إسحق، وصار عظيماً جداً[46]” لقد كان إسحق الفعلي صغيراً في الناموس، ولكنه مع الوقت صار عظيماً. مع الوقت صار عظيماً بالأنبياء. فطالما كان في الناموس فقط، فهو لا يكون بعد عظيماً لأن الناموس قد حجب ببرقع[47]. وقد تعاظم إذن بعد ذلك بواسطة الأنبياء، وحين يتمكن من طرح البرقع، فحينئذ يكون عظيماً جداً. عندما تطرح حرفية الناموس مثل القش من الشعير، ويظهر أن “الناموس روحي[48]“، فعندئذ يتعاظم إسحق ويصير “عظيماً جداً”.

خبز الكلمة الإلهية

انظر كيف أن الرب أيضاً في الأناجيل لم يكسر سوى عدد قليل من الخبزات، ولكن انظر كم الآلاف التي أنعشها وكم سلة فاضلة بقيت[49]! فطالما كانت الخبزات كاملة، لا يشبع أحد، ولا ينتعش أحد، ولا يبدو أن الخبزات نفسها تزيد. انظر إذاً الآن عدد الخبزات القليل الذي نكسره: فنحن لا نأخذ سوى بعض الكلمات من الكتاب المقدس للعالم كله فتشبع آلاف الأشخاص، ولكن إن لم يكن هذا الخبز قد كسر، إن لم يكن قد قطع إلى قطع، لما أمكن أن يصل معناه للعالم كله. عندما نبدأ في استكشاف كل تفصيل بعناية وتعمقه، فحينئذ تأخذ الجموع منه بقدر ما تستطيع وما لم تستطع أن تأخذه يجب أن نجمعه ونضعه جانبا لكي “لا يضيع شيء.[50]” إذاً نحن أيضاً نحتفظ بما لم تستطع الجموع أن تأخذه ونجمعه في “قفف وسلال” لننظر، حين كسرنا منذ قليل الخبز فيما يخص يعقوب وعيسو، كم الكسر المهمة التي تبقت منه؛ لقد جمعناها بعناية حتى لا تضيع واحتفظنا بها في ” قفف” أو “سلال” إلى أن يقول لنا الرب ما يجب فعله بها.

الشرب من منابع الماء الحي

لنأكل من هذا الخبز الآن بقدر الإمكان أو لنستق من هذه الآبار لنحاول أن ننفذ أياً ما توصي به الحكمة حين تقول “اشرب الماء من ينابيعك وآبارك وليكن ينبوعك لك وحدك.[51]” لتحاول إذن، أنت، يا من تسمعني، أن تكون لك بئر وينبوع. وهكذا، حين تأخذ سفر الكتاب، يجب أن تنتج أي تفسير، حتى وفقا لفكرك الخاص، وحاول أن تشرب أنت أيضاً، وفقا لما تتعلمه في الكنيسة، من ينبوع روحك. فيوجد بداخلك مصدر “الماء الحي”[52]، والقنوات التي لا تنضب، والأنهار المملوءة من الفهم العاقل، شريطة ألا تسد بالتراب والردم. ولكن لتسرع في حفر وإخراج القاذورات، أي طرد كسل الروح والتخلص من فتور القلب[53]. أنصتوا إلى ما يقوله الكتاب: “انخس العين، فتسيل دموعاً وانخس القلب فيعطي الفهم.[54]” نق روحك أنت أيضاً لكي تشرب يوماً مياهاً من ينابيعك[55]، وتستقي الماء الحي من آبارك[56]. لأنك إن أخذت كلمة الله في داخلك، إن أخذت من يسوع الماء الحي وإن أخذته بإيمان، فتصير [الكلمة] فيك “ينبوع ماء ينبع إلى الحياة الأبدية[57]” بالمسيح يسوع ربنا “الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين[58]“.

[1] انظر: ۲ کو 3: 15.

[2] انظر: مز ۱۸:۱۱۸ (حسب السبعينية).

[3] انظر: تك 25: 21-22.

[4] انظر: تك ۱۱: ۳۰.

[5] انظر: تك ۲۹: ۳۱.

[6] انظر: 1 صم ۱: ۲.

[7] انظر: لو 1: 7.

[8] انظر: تلك 25: ۲۱ -۲۲.

[9] انظر: تك 25: 22-23.

[10] انظر: رو 9: 11.

[11] انظر: تك 25: 23.

[12] انظر: ملا 1: 2، 3؛ رو 9: 13.

[13] انظر: تك 25: 22.

[14] انظر: إر 23: 24.

[15] انظر: خر 3: 3.

[16] انظر: تك 25: 22.

[17] انظر: 2كو 4: 18.

[18] انظر: تك 25: 22.

[19] انظر: تك 25: 23.

[20] انظر: مت 15: 19.

[21] انظر: غل 5: ۲۰- ۲۱.

[22] انظر: إش 26: 18.

[23] أنظر: غل 5: 22: 23.

[24] انظر: تك 25: 24.

[25] انظر: لو 1: 57.

[26] انظر: لو 2: 16.

[27] انظر: العظة 3: 7.

[28] الأصهب هو ذو اللون الأصفر الضارب إلى شيء من الحمرة والبياض.

[29] انظر: تك 25: 25-26.

[30] انظر: هو 12: 4.

[31] انظر: تك 25: 27.

[32] انظر: رو 9: 10.

[33] انظر: تك 26: 19.

[34] قد يكون هؤلاء الفلسطينيون الغامضون هم مؤيدي المعنى الحرفي.

[35] انظر: يو 6: 37.

[36] انظر: يو 9: 2.

[37] انظر: تك 26: 12 (لاحظ أن ذكر الشعير قد ورد فقط في الترجمة السبعينية).

[38] ارجع إلى أوريجينيس في تعليقه على إنجيل يوحنا ۱۳: ۳۳.

[39] انظر: مز 35: 7 (حسب السبعينية).

[40] انظر: مت ۱۳: 8.

[41] ارجع إلى عظات أوريجينيس على يشوع ۲: ۱ “أنت ترى ثمار الأرض الجيدة تتضاعف في الكنيسة إلى ثلاثين وستين ومئة للواحد، أقصد الأرامل والعذارى والشهداء”

[42] انظر: مت 13: 34 وما بعده.

[43] انظر: مت 15: 32 وما بعده.

[44] انظر: يو 6: 9؛ مت14: 19 وما بعده.

[45] القديس يوحنا هو فقط الذي ذكر أرغفة الشعير (يو 6: 9- ۱۳ ) ولكنه لم يذكر معجزة ثانية الإشباع الجموع، بينما الرسولان متى ومرقس اللذان قصا كلتا المعجزتين، فقد استخدما في كل منهما مصطلح الخبز العادي الذي كان من قمح (مت 14: 17؛ 15: 36؛ مر 6: 41، 44؛ 8: 4، 5). أما القديس لوقا فقد ذكر فقط أرغفة القمح (لو 9: 13، 16).

[46] انظر: تك 26: 12-13.

[47] انظر: 2كو 3: 14.

[48] انظر: رو 7: 14.

[49] انظر: مت 14: 19 وما بعده؛ مت 15: 36 وما بعده؛ 16: 9.

[50] انظر: يو 6: 12.

[51] انظر: أم 5: 15، 18.

[52] انظر: تك 26: 19.

[53] ارجع إلى عظات أوريجينيس على سفر العدد ۱:۱۲ “تحتاج آبار نفوسنا في الحقيقة إلى حافر آبار ليحفرها، ويجب تنظيفها وإزالة كل ما هو أرضي، حتى تبعث سحب الأفكار المنطقية التي أخفاها الله فيها مياها نقية وصادقة.”

[54] انظر: سي 22: 19. يتعلق الأمر بلا شك بالفطنة الروحية.

[55] انظر: أم 5: 15.

[56] انظر: تك 26: 19.

[57] انظر: يو 4: 14.

[58] انظر: 1بط 4: 11؛ رؤ 1: 6.

العظة العاشرة رفقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة العاشرة رفقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة العاشرة رفقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

خرجت لتستقي ماءً والتقت خادم إبراهيم

عتاب للمستمعين غير المواظبين على الحضور

1 يقول الكتاب كان الولد يكبر[1]” ويتقوى، أي أن “الفرح[2]” كان يكبر بالنسبة لإبراهيم الذي كان لا يهتم بالأشياء التي ترى، بل بالتي لا ترى[3].” ولم يكن إبراهيم في الواقع يستمد سعادته من الأشياء الحاضرة ولا من ثروات العالم ولا من أحداث الدهر. هل تريد أن تعرف من أين كان إبراهيم يستمد سعادته؟ أنصت إلى الرب الذي يقول لليهود: “أبوكم إبراهيم اشتهى بأن يرى يومي فرأى وفرح.[4]” وهكذا إذاً ما كان يجعل إسحق يكبر[5] هو ما كان يزيد الفرح عند إبراهيم وهو هذه الرؤية ليوم المسيح والرجاء الموضوع فيه. فلتصيروا أنتم أيضاً مثل إسحق وتكونوا فرح أمكم الكنيسة!

ولكنني أخشى أن تلد الكنيسة أبناءها بعد في الحزن والتنهدات. فهل تظنون أنها لا تحزن ولا تتنهد عندما لا تأتون لتسمعوا كلمة الله وتذهبون بالكاد إلى الكنيسة في أيام الأعياد؟ وتأتون إليها أيضاً للتمتع بالاحتفال والاستفادة من الغفران العام أكثر مما تأتون رغبة في سماع الكلمة[6]. فماذا عليّ أن أفعل إذن، أنا الذي وكلت إليّ خدمة الكلمة[7]؟ أنا الذي أخذت من الرب، على الرغم من أنني “عبد بطال[8]“، “العلوفة لأوزعها على آل السيد[9]” لكن اسمع نهاية ما قاله الرب “ليوزع العلوفة في حينها[10]“، فماذا عليّ أن أفعل إذن؟ أين ومتى سأجد الوقت المناسب لكم؟ فأنتم تضيعون الجزء الأكبر من وقتكم، إن لم يكن وقتكم كله، في اهتمامات عالمية، وتقضون جزءًا منه في الساحة والآخر في الأعمال. الواحد لديه وقت لحقله، والآخر لقضاياه، ولا يوجد أحد، ما خلا عدد قليل جداً، لديه الوقت السماع كلمة الله.

ولكن لماذا أعاتبكم على مشاغلكم؟ ولماذا أشكو من الغائبين؟ حتى حين تكونون هناك وتجلسون في الكنيسة، فإنكم لا تكونون منتبهين وتثرثرون في ترهات مألوفة وتديرون القفا لكلمة الله أو للقراءات المقدسة. أخشى أن يوجه الرب لكم أنتم أيضاً هذا الكلام الذي قيل بالنبي: “أداروا لي القفا لا الوجه[11]“. فماذا يجب أن أفعل، أنا الذي وكلت إليّ خدمة الكلمة؟

الإهمال يعيق استقبال كلمة الله

إن ما نقرأه لكم مليء بالأسرار، ويجب تفسيره من خلال أسرار الرمز. هل أستطيع أن أدخل “درر[12]” كلمة الله في آذان صماء ولا تصفي؟ ليست هذه هي طريقة الرسول، اسمع ما يقوله: “أنتم الذين تقرأون الناموس لا تسمعون الناموس، لأنه كان لإبراهيم ابنان[13]“، ثم يضيف “هذه الأشياء لها معنى رمزي[14].” فهل كشف عن أسرار الناموس للذين لا يقرأون ولا يسمعون كلا، فقد كان يكتفي بأن يقول لمن كانوا يقرأون الناموس: “لستم تسمعونه[15]” فكيف إذن أستطيع أن أكشف وأفشي أسرار الناموس والرموز التي علمنا إياها الرسول لأشخاص لا يعرفون لا أن يسمعوا ولا أن يقرأوا الناموس؟

قد أبدو لكم صارماً للغاية، غير أنني لا أستطيع أن “أملط بالجبس حائطا[16]” ينهار، لأنني أخشى كلمة الكتاب هذه: “يا شعبي، مطوبوك مضلون، ويقلبون طرق مسالكك[17]“، وأنذركم كأولادي الأحباء[18]“. إني أتعجب من كونكم غير متعلمين بعد طريق المسيح وأنكم حتى لم تسمعوا “أن الطريق الذي يؤدي إلى الحياة ضيق ومنحصر وليس واسعاً ورحباً.” إذاً “ادخلوا من الباب الضيق[19]“، واتركوا السعة للذين يهلكون. لقد تناهى الليل وتقارب النهار[20]“، “فاسلكوا كأولاد نور.[21]” “الوقت قصير، ولا يوجد غير شيء واحد ينبغي عمله، ليكن الذين لهم كأن[22] ليس لهم، والذين يستعملون هذا العالم كأنهم لا يستعملونه[23]“. ويوصي الرسول بالصلاة “بلا انقطاع[24]“، فكيف يمكنكم، أنتم الذين لا تحضرون الصلوات، أن تتمموا “بلا انقطاع ما تهملونه باستمرار؟ لكن الرب يوصي أيضاً: اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة[25]“، فإذا كان الذين يسهرون ويصلون ولا يكفون عن المثابرة في كلمة الله لا يفلتون مع ذلك من التجربة، فماذا عمن لا يأتون إلى الكنيسة إلا في الأعياد؟ “إذا كان الصديق بالجهد يخلص، فالخاطئ والأثيم أين يظهران[26]؟”

وليس لدي الميل في الحديث عما قد قرأناه تواً، فالرسول يقول فيما يتعلق بالآيات الشبيهة إننا “لا يمكن أن نشرحها بالكلام؛ إذ قد صرتم ضعفاء حتى تفهموا[27].”

رفقة النفس الجالسة عند ينابيع الكتاب المقدس

۲ فلنفحص مع ذلك ما قرئ لنا منذ قليل. يقول الكتاب “كانت رفقة تأتي لتستقي ماء مع بنات المدينة.[28]” ففي كل يوم كانت رفقة تذهب إلى الآبار، وكل يوم كانت تستقي ماء، ولأنها كانت تقضي وقتا كل يوم عند الآبار، فقد أمكن بسبب ذلك أن يجدها خادم إبراهيم وأن تتحد بالزواج مع إسحق. فهل تعتقد أن هذه مجرد أساطير وأن الروح القدس يروي قصصاً في الكتاب المقدس[29]؟ إن هذا يعد تعليماً للنفوس وعقيدة روحية تثقفك وتعلمك أن تأتي كل يوم إلى آبار الكتاب المقدس[30] وإلى مياه الروح القدس وأن تستقي منها على الدوام وتحمل لنفسك منها إناء ممتلئاً. هكذا فعلت القديسة رفقة التي لما استطاعت أن تتزوج بطريركاً بهذا المقدار من العظمة كإسحق، “المولود من الموعد[31]“، لو لم تكن تستقي هذه المياه ولو لم تستق منها كمية بحيث أمكنها أن تعطي ليس فقط أهل بيتها ليشربوا ولكن أيضاً خادم إبراهيم، وليس فقط أن تعطي الخادم ليشرب ولكن أن تفيض المياه التي سحبتها من الآبار لدرجة أنه أمكنها أن تسقي الجمال أيضاً “حتى فرغت من الشرب[32]“، كما يقول الكتاب.

زواج رفقة من إسحق يمثل اتحاد الروح بالمسيح

إن كل شيء في الكتاب المقدس هو سر المسيح يريد أن يخطبك لنفسه أنت أيضاً. وإليك يوجه كلامه بالنبي حين يقول: “وأخطبك لنفسي إلى الأبد. وأخطبك لنفسي في الأمانة والرحمة فتعرفين الرب.[33]” فإذ يريد إذا أن يخطبك لنفسه، يرسل لك الرب هذا الخادم، وهذا الخادم هو الكلمة النبوية التي بدون أن تقبلها أولاً لن تستطيع الاقتران بالمسيح.

لتدرك مع ذلك أنه بدون تمرن وبدون معرفة لا يقدر أحد أن يقبل كلمة الأنبياء. ويقبلها بالمقابل من يعرف أن يسحب الماء من أعماق البئر ومن يعرف أن يسحب كمية بحيث تكفي حتى للذين يبدو أنهم بلا عقل وضالين والذين ترمز لهم الجمال، ويمكن لهذا أن يقول إذاً “إني مديون للحكماء والجهلاء.[34]” باختصار، لقد قال الخادم في نفسه: “الفتاة التي تقول من بين هذه البنات اللاتي تأتين لتستقين ماء اشرب وأنا أسقي جمالك، هي تكون زوجة سيدي[35].” هكذا إذن، إذ أبصرت رفقة. وهذا الاسم يعني الصبر. الخادم إبراهيم وتأملت عن كثب الكلمة النبوية “أنزلت الجرة[36]“. التي كانت تحملها على كتفها. وهي نزل في الواقع الغرور المتعالي الذي للخطابة اليونانية وتنحني إلى اتضاع وبساطة الكلام النبوي وتقول: “اشرب وأنا أسقي جمالك[37].”

المسيح الذي هو الماء الحي يطلب أن يشرب

۳ قد تقول: إذا كان الخادم يمثل الكلمة النبوية فمن أين لرفقة أن تعطيه ليشرب في حين أنه هو الذي يجب أن يفعل ذلك؟ انتبه، فهو يفعل على الأرجح مثل الرب يسوع. فيسوع هو “خبز الحياة[38]” وهو يطعم النفوس الجائعة، إلا أنه يعلن أنه جائع هو أيضاً حين يقول: “أني جعت فأطعمتموني[39]“، وبالمثل أيضاً، هو “الماء الحي[40]” ويعطي جميع العطاش ليشربوا، إلا أنه يقول بنفسه للسامرية: “أعطيني لأشرب[41]” وهكذا يكون بالنسبة إلى الكلمة النبوية، فهي تروي العطاش غير أن الكتاب يقول إنها هي التي ترتوي بإزائهم حين تكون موضوع التدريبات والرعاية الساهرة من جانب مسيحيين غيورين.

إذاً، النفس التي من هذا النوع والتي تعمل كل شيء بصبر، وتكون أيضاً متحمسة وتستند إلى تعليم بهذا القدر من العظمة، والتي تعودت أن تسحب مياه العلم من الأعماق، فهذه النفس يمكن أن تتزوج في عرس المسيح. وعليه، فإذا لم تذهب [أنت] كل يوم بالقرب من الآبار، وإذا لم تستق من المياه كل يوم، فلن تعجز فقط عن أن تسقي الآخرين، ولكنك أنت أيضاً سوف تعاني من العطش الكلمة الله.[42]” أنصت لما يقوله الرب في الأناجيل: “من عطش فليقبل ويشرب[43]“، ولكن أنت، وفقا لما أراه “لست جائعا ولا عطشان إلى البر[44]“، فكيف سيمكنك أن تقول “كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه، هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله، عطشت نفسي إلى الإله الحي. متى أجيء وأتراءى قدام وجهه[45]؟”

عتاب جديد للمهملين

أرجوكم، يا من تواظبون على الحضور إلى هذا المكان الذي يسمعون فيه الكلمة، تحلوا بالصبر حتى نوبخ قليلاً المهملين والكسالى. تحلوا بالصبر؛ إذ إننا نتحدث عن رفقة، أي عن الصبر يجب علينا أن نهب بالصبر من يهملون المحفل ويتحاشون سماع كلمة الله، وهم لا يشتهون لا “خبز الحياة[46]” ولا “الماء الحي[47]” ولا يخرجون من المحلة ولا يتقدمون من بينهم الذي من طين[48]” ليجمعوا المن[49] ولا يأتون إلى الصخرة ليشربوا من “الصخرة الروحية، والصخرة هي المسيح[50]” كما يقول الرسول. تحلوا إذن بالقليل من الصبر لأننا نتحدث إلى المهملين والمرضى”. فلا يحتاج الأصحاء إلى طبيب، بل المرضى[51]“.

قولوا لي أنتم، يا من لا تأتون إلى الكنيسة إلا في أيام العيد، أليست الأيام الأخرى هي أيام أعياد[52]؟ أليست كلها أيام الرب؟ فهذا خاص باليهود أن تكون لهم أيام محددة وقليلة للاحتفال بالأعياد، لذلك يقول الله لهم: “لست أطيق رؤوس شهوركم وسبوتكم ويوم كفارتكم. صيامكم واعتكافكم وأعيادكم بغضتها نفسي[53]“. يبغض الله إذن من يعتقدون أنه لا يوجد سوى يوم واحد ليكون يوم عيد للرب. أما المسيحيون فهم يأكلون كل يوم لحم الحمل أي أنهم يأخذون كل يوم جسد الكلمة لأن المسيح “فصحنا المسيح قد ذبح.[54]” وبما أن شريعة الفصح تأمر بأن يؤكل في المساء[55] فقد تألم المسيح في مساء العالم[56] حتى تأكل أنت بلا انقطاع جسد الكلمة، لأنه المساء دائماً بالنسبة لك إلى أن يأتي النهار. وإن كنت منتبهاً أثناء هذه السهرة، وإن قضيت حياتك في “البكاء والأصوام[57]” وفي إتمام كل عمل للبر، فستستطيع أن تقول أنت أيضاً: “في المساء يمتد النواح وفي الصباح التهلل[58]“، لأنك ستبتهج بالصباح، أي بالدهر الآتي إذا كنت قد جنيت في الدهر الحاضر “ثمر البر[59]” في الدموع والألم. تعالوا إذن ولنشرب، في الوقت المناسب، من “بئر الرؤيا” التي يتجول إسحق عنده ويتقدم للتدرب”[60].

لاحظ أهمية الأمور التي تقع بالقرب من المياه. لذلك يدعوك أن تأتي كل يوم إلى مياه كلمة الله وأن تمكث بالقرب من آباره كما كانت رفقة تفعل التي قيل عنها: “وكانت فتاة جميلة جداً، وعذراء لم يعرفها أي رجل[61].” ويقول الكتاب “هوذا قد خرجت نحو المساء لتستقي ماء.[62]

عذرية رفقة

4 لم يقل الكتاب هذا عن رفقة دون سبب. ولكن هناك شيء يدهشني: ماذا يعني القول: “وكانت فتاة، عذراء، لم يعرفها أي رجل[63]“؟ كما لو أن الفتاة العذراء يمكن أن تكون شيئا آخر غير امرأة لم تعرف رجلاً وماذا يمكن أن تعني بالنسبة للفتاة العذراء، إضافة أنه “لم يعرفها رجل؟ هل يمكن إذا أن تكون هناك عذراء قد سبق لها أن عرفت رجلاً؟ كثيرا ما أوضحت سابقاً[64] أنه لا يجب أن نرى في هذه المقاطع قصتنا تاريخية، ولكن سلسلة من الأسرار أعتقد إذا أن إشارة مثل هذه هي ذات قيمة هنا. فإذا كان المسيح يدعى عريس النفس الذي تقترن به النفس التي تأتي إلى الإيمان، فحين تتحول النفس على العكس إلى الجحود يدعى العريس الذي تتزوجه “العدو الذي يزرع الزوان على الحنطة[65].” ومن ثم لا يكفي النفس أن تكون عفيفة بالجسد ولكن يجب أيضاً ألا يكون هذا الزوج الشرير قد عرفها، لأنه من الممكن أن نحافظ على عذرية الجسد، ولكن أن نعرف هذا الزوج الشرير الذي هو الشيطان وأن نستقبل في قلبنا سهام الشهوة، وأن نفقد بذلك طهارة النفس. ولأن رفقة إذا كانت عذراء مقدسة جسداً وروحاً[66]، فقد أكثر الكتاب من مدحها وقال: “كانت عذراء لم يعرفها أي رجل[67]. “

حلي رفقة

ذهبت رفقة إذا إلى الماء في “وقت المساء[68]” لقد تحدثنا منذ قليل عن المساء، ولكن لاحظ حرص الخادم: فهو لا يريد أن يأخذ كزوجة لسيده إسحق سوى عذراء يكون قد وجدها فاضلة وحسنة المظهر. ولم يكفه أن تكون عذراء بل يجب أيضاً ألا يكون قد عرفها أي رجل، وكان يجب أن يجدها وهي تستقي ماء، فهو لا يريد أن يخطب لسيده فتاة أخرى. ولم يكن الخادم ليعطيها الحلي دون ذلك، وهي كانت بلا “أقراط” ولا “أساور”[69] بل باقية على طبيعتها، دون زينة. فهل ينبغي أن نعتقد أن والد رفقة، وهو رجل غني، لم يكن لديه أساور أو أقراط ليلبسها لابنته؟ هل كان يتصف بهذا القدر من اللامبالاة أو البخل حتى أنه لم يعط زينة لابنته؟ كلا، ولكن رفقة لا تريد أن تتزين بذهب بتوئيل، فزينة رجل ظالم وجاهل لا تناسبها. ولكنها تطلب حليها من بيت إبراهيم لأن “الصبر يجد زينته في بيت الحكيم. فلم تكن أذنا رفقة لتجد زينتها لو لم يأت خادم إبراهيم بنفسه ليزينها، ولا تحصل يداها على زينة أخرى غير ما بعثه إسحق لأنها تريد أن تستقبل في أذنيها كلاما ذهبياً وتمسك في يديها بأعمال كلها من ذهب. ولكنها ما كانت تستطيع لا أن تحصل ولا أن تستحق كل ذلك ما لم تكن قد أتت إلى الآبار لتستقي ماء؛ وأنت، يا من لا تريد أن تأتي إلى المياه ولا أن تستقبل في آذانك كلمات الأنبياء الذهبية، كيف تقدر أن تحمل زينة التعليم، وزينة الأعمال وزينة الأخلاق؟

البئر هي المكان المختار لإقامة العرس الروحي

5 يجب أن نمر من هنا لأن الوقت الآن ليس مناسباً للتعقيب، بل لبناء كنيسة الله ولتحريك المستمعين الكسالى والعاطلين من خلال نماذج القديسين والتفاسير المستيكية. وصلت إذاً رفقة، التي تبعت الخادم، إلى إسحق، وفي الواقع تصل الكنيسة التي تبعت الكلمة النبوية إلى المسيح، وأين تجده؟ يقول الكتاب: “عند بئر القسم، فيما هو يتجول.[70]” وهكذا نحن لا نبتعد في أي حال من الأحوال عن الآبار ولا نستغني عن المياه، فنحن نجد رفقة بجانب بئر[71]، ورفقة قد وجدت بدورها إسحق عند البئر حيث أبصرته هناك للمرة الأولى وهناك “نزلت عن الجمل[72]“، وهناك ترى إسحق الذي أشار إليه الخادم.

هل تعتقد أن الكتاب لم يذكر إشارات أخرى عن الآبار؟ يعقوب هو أيضاً قد جاء إلى بئر ووجد راحيل هناك، وهناك بدت له راحيل حسنة الصورة وحسنة المنظر[73]“، كما أنه عند البئر أيضاً وجد موسى صفورة ابنة رعوئيل[74]. ألا تفهم بعد، أن كل ذلك قد قيل بمعنى روحي؟ وهل تظن أن مجيء البطاركة دائما إلى الآبار وحدوث زيجاتهم عند المياه يعد مصادفة؟ من يفكر بهذه الطريقة هو “إنسان طبيعي ولا يدرك ما لروح الله[75].” فليبق هناك من يريد، وليبق طبيعياً” من يريد، أما أنا فعلى أثر ما قاله بولس الرسول، أقول إن هذه الأشياء “رمزية[76]” وأقول إن عرس القديسين هو اتحاد النفس مع “كلمة الله: “وأما من اتحد بالرب فهو روح واحد معه[77]“. ولكن من المؤكد أن اتحاد النفس مع “الكلمة” لا يمكن أن يتحقق إلا إذا تركنا أنفسنا لنتعلم من الأسفار الإلهية التي يدعوها الكتاب مجازاً آباراً۔ فأي واحد يأتي إلى هذه الآبار ويستقي ماء، أي يدرك-إذ يتأمل في الكتاب -معنى ومدلولاً أكثر عمقاً، فهذا سيجد عرساً يليق بالله حيث تصير روحه متحدة بالله.

وهي (النفس التي ترمز لها رفقة) تنزل عن الجمل[78]“، أي أنها تبتعد عن الرذائل وترفض المشاعر الطائشة وتتحد بإسحق، لأنه يليق لإسحق أن ينتقل من الفضيلة إلى الفضيلة” ابن “الفضيلة التي هي سارة، قد اقترن الآن واتحد مع “الصبر الذي هو رفقة. وهذا هو الانتقال من الفضيلة إلى الفضيلة”[79]، “ومن الإيمان إلى الإيمان”[80].

ولكن، لنأت إلى الأناجيل ونرى حين تعب الرب نفسه من السير أين طلب أن يستريح؟ يقول الكتاب “لقد جاء إلى بئر وجلس على الحافة[81]“. وكما ترى فإن الأسرار تتقابل في كل مكان، كما أن هناك توافقاً في الرموز بين العهدين الجديد والقديم. هناك [في العهد القديم] يذهب [الآباء] إلى الآبار ومياهها ليجدوا عرائس، [وفي الجديد] تتحد الكنيسة مع المسيح في حميم الماء أيضاً[82].

فأنت ترى كم الأسرار الذي يحصرنا! فيجب على الأقل أن تدفعك [تلك الأسرار] إلى الإنصات والحضور إلى المحافل. وإذا كنا قد عبرنا سريعاً بشكل مختصر على بعض هذه الأسرار، فيجب عليك عندما تعيد القراءة وتبحث أن تنقب أنت أيضاً بنفسك وأن تجد. ثابر على الأقل في البحث عن أسرار الكتاب حتى يأخذك كلمة الله؛ إذ يجدك أنت أيضاً عند الماء، ويتحد معك لكي تصير معه روحاً واحداً[83]“، في المسيح يسوع ربنا “الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين[84]“.

[1] انظر: تك 21: 8.

[2] وفقا لأصل كلمة إسحق كما فسرها أوريجينيس سابقا. ارجع إلى العظة ۷: ۱.

[3] انظر:۲۰ کو 4: ۱۸.

[4] انظر: يو 8: 56.

[5] انظر: تك ۲۱: 8.

[6] هل يمكن أن يكون هذا النص هو إشارة إلى وجود أيام محددة لمنح الغفران العام. وماذا كانت طبيعة هذا الغفران في قيصرية؟ هل كان يتمثل في رفع التأديبات؟ أو هل كان غفرانا للخطايا المعتادة؟ الحقيقة أننا لا نعلم على وجه الدقة.

[7] انظر: ۱ کو ۹: ۱۷.

[8] انظر: لو 17: 10.

[9] انظر: لو 12: 42.

[10] انظر: لو 12: 42.

[11] انظر: إر ۳۹: ۳۳.

[12] انظر: مت ۷: 6.

[13] انظر: غل 4: 21-22.

[14] انظر: غل 4: 24.

[15] انظر: غل 4: 21.

[16] انظر: حز: 13: 10.

[17] انظر: إش 3: 12.

[18] انظر: 1كو 4: 14.

[19] انظر: مت 7: 13-14.

[20] انظر: رو 13: 12.

[21] انظر: أف 5: 8.

[22] لم يقل بولس الرسول في 1كو 7: 29: “الذين لهم” ولكنه قال “الذين لهم نساء.”

[23] انظر: 1كو 7: 29، 31.

[24] انظر: 1تس 5: 17.

[25] انظر: مر 14: 38؛ مت 26: 41.

[26] انظر: أم 11: 31؛ 1بط 4: 18.

[27] انظر: عب 5: ۱۱.

[28] انظر: تك 24: 15-16.

[29] هذا هو نفس اعتراض ابيليس. ارجع إلى العظة ۲: ۲.

[30] يقول أوريجينيس في عظاته على سفر العدد ۲:۱۲ “هذا السفر الذي بين أيدينا وهذا التعليم الذي قرئ لنا هما نفسيهما آبار، وفي نفس الوقت معهما أيضا كل الكتاب المقدس والناموس والأنبياء والكتابات الإنجيلية والرسولية يكونون معا بئرا واحدة.

[31] انظر: غل 4: ۲۳.

[32] انظر: تك 24: 22.

[33] انظر: هو ۲: ۱۹- ۲۰.

[34] انظر: رو 1: 14.

[35] انظر: تك 24: 14.

[36] انظر: تك 24: 18.

[37] انظر: تك 24: 14.

[38] انظر: يو 6: 35، 48.

[39] انظر: مت 25: 35.

[40] انظر: يو 7: 38.

[41] انظر: يو 4: 7.

[42] انظر: عا ۸: ۱۱.

[43] انظر: يو ۷: ۳۷.

[44] انظر: مت 5: 6.

[45] انظر: مز 41: ۲-۳ (حسب السبعينية).

[46] انظر: يو 6: 35، 48.

[47] انظر: يو 7: 38.

[48] انظر: أي 4: 19.

[49] انظر: خر 16: 13 وما بعده

[50] انظر: 1كو 10: 4.

[51] انظر: لو 5: 31.

[52] ارجع إلى عظات أوريجينيس على سفر العدد ۳:۲۳ حيث يقول إنه لا يوجد لمن يسعى إلى الكمال والقداسة أيام أعياد وأيام بلا عيد، لكن البار يجب أن يحتفل بعيد دائم.

[53] انظر: إش 1: 13 – 14.

[54] انظر: ۱ کو 5: ۷.

[55] انظر: خر 16: 8.

[56] ارجع إلى عظات أوريجينيس على سفر الخروج ۷: ۸ “جاء الرب في مساء عالم وقت أفوله، وكان موشكا على الانتهاء، لكنه قد صنع من جديد بمجيئه، من هو “شمس البر”، يوما جديدا لمن يؤمنوا. وقد خلق، إذا صح القول، يومه صباحا، إذ قد أنار للعالم نورا جديدا للعلم. لقد قدم صباحه، باعتباره “شمس البر”، ويشبع بالخبز في هذا الصباح من يتسلمون وصاياه.”

[57] انظر: يؤ ۲: ۱۲.

[58] انظر: مز 29: 6 (حسب السبعينية).

[59] انظر: يع 3: 18؛ في 1: 11؛ عب 12: 11.

[60] انظر: تك 24: 62-63.

[61] انظر: تك 24: 16.

[62] انظر: تك 24: 15: 11.

[63] انظر تك 24: 16.

[64] ارجع إلى العظة 8: 1، وفي نهاية هذه العظة ۱۰.

[65] انظر: مت ۱۳: 25.

[66] انظر: ۱ کو 7: 34.

[67] انظر: تك 24: 16.

[68] انظر: تك 24: 11.

[69] انظر: تك 24: 22.

[70] انظر: تك 24: 62.

[71] انظر: تك 24: 16

[72] انظر: تك 24: 64.

[73] انظر: تك 29: 17.

[74] انظر: خر ۲: ۱۰ وما بعده.

[75] انظر: 1كو 2: 14.

[76] انظر: غل 4: 24.

[77] انظر: ۱ کو 6: ۱۷.

[78] انظر: تك 24: 64.

[79] انظر: مز ۸۳: ۸ (حسب السبعينية).

[80] انظر: رو ۱: ۱۷.

[81] انظر: يو 4: 6.

[82] هذه إشارة واضحة إلى المعمودية، التي تأخذ حقيقتها الروحية رونقا وبريقا جديدين بفعل هذه المقارنة الرائعة مع مياه العرس في العهد القديم.

[83] انظر: ۱ کو 6: ۱۷.

[84] انظر: ۱ بط 4: 11؛ رؤ 1: 6.

العظة التاسعة تجديد وعود الله لإبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة التاسعة تجديد وعود الله لإبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة التاسعة تجديد وعود الله لإبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

الكتاب المقدس بحر من الأسرار

1 كلما تقدمنا في قراءتنا، تجمعت الأسرار أمامنا. فمن يبحر على مركب صغير لا يخشى الكثير طالما بقى بالقرب من الشاطئ، ولكن حين يتجه تدريجياً إلى عرض البحر، فإذا حدث وأن رفعته الأمواج المتعاظمة في أعالي البحار، أو طرح في الأعماق حين تنفلق [تلك الأمواج]، فحينئذ يستولي على روحه رعب شديد ويرتعش خوفاً لكونه عهد هذا المركب الصغير للأمواج العارمة. هذا هو موقفنا تقريباً، نحن الذين نجرؤ ونتقدم، ونحن أدنياء بالاستحقاقات وضعفاء بالروح، في محيط واسع من الأسرار. ولكن إذا تفضل الرب بصلواتكم بمنحنا النسيم المواتي الذي لروحه القدوس بعد رحلة موافقة للكلمة[1] فسوف نصل إلى ميناء الخلاص.

إبراهيم يتلقى وعودا جديدة

لنرى الآن إذاً مضمون القراءة التي قاموا لنا بها. “ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء قائلاً: بذاتي أقسمت، يقول الرب، أني من أجل أنك تممت هذا القول، ولم تمسك ابنك حبيبك من أجلي، أباركك وأكثرك. ويكون نسلك كثيراً كنجوم السماء وكرمل البحر الذي لا يمكن إحصاؤه.[2]” تتطلب هذه الأقوال مستمعاً مجتهداً ومنتبهاً، فهذا الكلام جديد: “ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء[3]“، إلا أن ما يلي ليس بجديد، لأنه قد سبق وأن قيل “أباركك[4]“، وسبق وأن وعد وأكثرك[5]” كما سبق أيضاً وأن أعلن أن “نسلك يكون كثيراً كنجوم السماء وكرمل البحر[6]” فما هي الزيادة في هذه الدعوة الثانية الآتية من السماء؟ ما هو الشيء الجديد الذي يضاف إلى الوعود القديمة؟ أية مكافأة إضافية تمنحها هذه الكلمات من أجل أنك تممت هذا القول[7]“، وبعبارة أخرى: لأنك قدمت ابنك ولأنك لم تمسك ابنك الوحيد؟ فإنني لا أرى أي شيء مضاف، فقد تكررت نفس الوعود السابقة. ولكن أليس من العبث إذن. كما يعتقد -أن يكرر نفس الأشياء عدة مرات؟ ولكن على العكس، فهذا ضروري لأن كل ما يحدث إنما يحدث بشكل سري.

المعنى الذي حملته الوعود الجديدة

إن كان إبراهيم لم يعش إلا في الجسد[8]، وإن لم يكن أبا سوى للشعب الذي ولده في الجسد، لكان يكفي وعد واحد فقط. ولكن ليثبت أنه كان لا بد أن يكون أولاً أبا الذين اختتنوا في الجسد، تلقى عند ختانه وعداً لا بد وأنه كان يخص أهل الختان. ثم، حيث كان يجب أيضاً أن يكون أبا للذين هم من الإيمان[9]” والذين أتوا إلى الميراث من خلال آلام المسيح، فقد تلقى من جديد في وقت آلام إسحق وعداً لا بد وأنه يخص الشعب الذي خلص بآلام المسيح وقيامته.

ويبدو أن الكتاب يكرر نفس الأشياء ولكنها مختلفة. فقد قدمت الوعود الأولى التي تخص الشعب الأول على الأرض، فيقول الكتاب في الواقع “ثم أخرجه إلى خارج -أي خارج الخيمة. وقال له انظر إلى نجوم السماء. أيمكنك عد كثرتها؟ وأضاف: هكذا يكون نسلك[10]“، لكن عندما تكرر الوعد في المرة الثانية، يشير أن الصوت قد جاءه “من السماء[11].” هكذا قدم الوعد الأول من الأرض والثاني من السماء. ألا تبدو في ذلك إشارة واضحة لقول الرسول هذا: “الإنسان الأول، المأخوذ من الأرض ترابي، والإنسان الثاني، الآتي من السماء سماوي؟[12]” الوعد الذي يخص شعب الإيمان يأتي إذا من السماء والآخر من الأرض.

لماذا أضاف الله قسما إلى وعده؟

ولا يوجد في الوعد الأول سوى القول [فقط]، أما في الوعد الآخر فقد كان هناك قسم. لقد شرح الرسول القديس ذلك، كاتباً إلى العبرانيين، في هذه الكلمات: “إذ أراد الله أن يظهر لورثة الموعد ثبات تدابيره الذي لا يتغير، أدخل القسم[13]“، وأيضاً “الناس يقسمون بأعظم منهم[14]“، ولكن الله إذ لم يكن له أعظم يقسم به[15]“، “أقسم بذاتي قال الرب.[16]” ليس هذا أن الله كان مجبراً على أن يقسم، فمن يستطيع أن يطلب منه قسماً[17]؟ ولكن كما شرح بولس الرسول، فهذا لكي يظهر لمؤمنيه من هنا “ثبات تدابيره الذي لا يتغير[18].” وبالمثل يقول النبي أيضاً في موضع آخر “أقسم الرب ولن يندم: أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق[19].”

ثبات الوعود الجديدة

وفي النهاية، وعند الوعد الأول، لم يعط سبب هذا الوعد، فيقول الكتاب فقط إن الله أخرج إبراهيم وأراه نجوم السماء وقال: هكذا يكون نسلك[20]“، ولكنه الآن يضيف السبب الذي من أجله يؤكد الله بقسم ثبات وعده. فيقول الكتاب في الواقع من أجل أنك تممت هذا القول، ولم تمسك ابنك[21]“، فهو يثبت إذن أنه بسبب التقدمة أو آلام الابن فإن الوعد ثابت بشدة، مدللا بذلك على أنه بسبب آلام المسيح يبقى الوعد مضموناً بشدة لجمهور الأمم الذي هو “ابن إبراهيم بالإيمان.[22]

 حالات مشابهة في الكتاب المقدس

هل هذا هو المقطع الوحيد الذي يكون فيه ما يحدث في المرة الثانية أكثر ثباتاً من المرة الأول في كثير من مرات أخرى، ستجد صورا أولية لأسرار شبيهة، فقد كسر موسى وطرح لوحي الشريعة الأولين بحسب الحرف[23]، وأخذ شريعة ثانية بحسب الروح، وكانت الشريعة الثانية أكثر تأكيداً من الأولى. كما أنه هو نفسه، بعد أن حوى كل الشريعة في أربعة أسفار، كتب من جديد سفر التثنية الذي يدعى “الشريعة الثانية”. وكان إسماعيل أولاً[24] وإسحق ثانياً ويبقى في الثاني شكلاً مشابهاً من التفوق. وستجد أمثلة شبيهة في عيسو ويعقوب[25]، وفي منسي وأفرايم[26]، وفي [نماذج] أخرى كثيرة.

التفسير الأخلاقي

التجديد الداخلي

۲ لنستعد الآن حواسنا ولنشرح الآن بالتفصيل المعنى الأخلاقي. يقول الرسول، كما سبق أن ذكرنا أعلاه: “الإنسان الأول المأخوذ من الأرض ترابي. الإنسان الثاني، الآتي من السماء، سماوي. كما هو الترابي هكذا الترابيون أيضاً، وكما هو السماوي هكذا السماويون أيضاً، وكما لبسنا صورة الترابي، لنلبس أيضاً صورة السماوي”[27]. أنت ترى منطقه: إذا بقيت في ما كان أولاً، في ما يأتي من الأرض، فستطرح إلا إذا تغيرت وتبت وأخذت صورة السماوي؛ إذ تصير سماوياً. ونفس القصد في موضع آخر حين يقول: “إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله ولبستم الجديد الذي خلق حسب الله[28]”، ونفس الشيء أيضاً حين يقول في مقطع آخر: “هوذا الأشياء العتيقة قد مضت، الكل قد صار جديداً[29]“. فالله يجدد إذاً وعوده لكي يظهر لك أنه يجب عليك أنت أيضاً أن تتجدد. وهو لا يبقى في الأشياء العتيقة لكي لا تبقى أنت “إنسانا عتيقا[30]“، وهو ينطق بهذه الأقوال من السماء لكي تحصل أنت أيضاً على “صورة السماوي”[31].

لأنه ماذا يجديك أن يجدد الله وعوده إن لم تتجدد أنت؟ وأن يتكلم من السماء إن كنت تسمع من الأرض؟ وماذا يجديك أن يرتبط الله بقسم إذا كنت تعتبر هذا كما لو أنك تسمع قصة عادية؟ لماذا لا تلاحظ أن الله قد استخدم من أجلك طرقاً للتصرف لا تبدو على الإطلاق أنها تتناسب مع طبيعته الخاصة؟ فإذا كان الكتاب يقول إن الله قد قام بقسم، فذلك حتى تنصت بخوف ورعدة وتبحث في هذا الخوف عما هو ضروري لدرجة أن نقول إن الله قد أقسم لأجله. فهذا يحدث إذن حتى تكون منتبها ومحترساً، وحتى تكون؛ إذ تعرف أن هناك وعداً معداً لك في السموات، متيقظاً و تسأل نفسك إلى أي مدى أنت مستحق للوعود الإلهية.

التفسير الروحي

ارتباط الوعد بالمسيح…

على أية حال يشرح الرسول آيتنا قائلا: “أعطى الله الوعد لإبراهيم ولنسله. لم يقل: ولأنساله كأنه عن كثيرين، بل كأنه عن واحد فقط: ولنسلك، الذي هو المسيح[32]“. فالمسيح إذا هو المكتوب عنه: “وأكثر نسلك ويصير كثيرا كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر[33]“. فلمن إذا نحتاج أن نشرح بعد كيف يكثر نسل المسيح ونحن نرى التبشير بالإنجيل يمتد من أقصى الأرض إلى أقصاها[34]“، وأنه لا يوجد تقريبا مكان بعد لم يحصل على بذار الكلمة؟ لقد صورت هذه الحقيقة مقدما في بداية العالم حين قيل لآدم: “انموا وأكثروا[35]“، وهذا نفسه يوضح الرسول أنه “قد قيل نسبة إلى المسيح والكنيسة”[36].

… وبنسل المسيح

أما من جهة القول: “كثيراً كنجوم السماء وما يلي “وكالرمل الذي على شاطئ البحر الذي لا يمكن عده[37]“، فقد يقول البعض أن صورة العدد السماوي يتناسب مع جماعة المسيحيين وصورة رمل البحر مع الشعب اليهودي. وأعتقد بالأحرى أننا من الممكن أن نطبق على الشعبين كلا المثلين. فقد كان هناك في الشعب اليهودي الكثير من الأبرار والأنبياء الذين يمكن أن نقارنهم بحق بنجوم السماء[38]“. وبالمقابل، هناك في شعبنا الكثير ممن ليس لديهم ميل إلا للأرضيات[39]” والذين حماقتهم “أثقل من رمل البحر[40]“، وأعتقد أنه يجب أن نحسب ضمنهم جموع الهراطقة. إلا أننا يجب ألا نظن أننا في أمان لأن الأمثلة الأرضية تنطبق على أي واحد منا، طالما لم ينزع “صورة الترابي” ويلبس “صورة السماوي.[41]

وقد تصور الرسول، على الأرجح في ثورة أفكاره، القيامة في الأجساد الترابية والسماوية: “مجد الأجساد السماوية شيء، ومجد الأجساد الترابية آخر. حتى أن نجماً يمتاز عن نجم في المجد، هكذا يكون أيضاً بالنسبة إلى قيامة الأموات.[42]” ولمن يعرف أن يسمع، يقدم الرب نفس التنبيه حين يقول: “فليضئ نوركم قدام الناس؛ وإذ يروا أعمالكم الحسنة يمجدوا أباكم الذي في السماوات[43].”

كيفية إتمام المسيح للوعد الإلهي

۳ فالمسيح هو بعينه نسل إبراهيم وابن إبراهيم. هل تريدوا أن تقتنعوا بذلك أكثر من خلال أقوال الكتابة اسمعوا المكتوب في الإنجيل: “كتاب سلسلة نسب يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم.[44]” ففيه يتم إذاً قول الكتاب هذا: “ويرث نسلك مدن الأعداء.[45]” فكيف إذاً ورث المسيح مدن الأعداء؟ بلا أدنى شك لأن “صوت” الرسل “قد ذاع في جميع الأرض، وفي العالم كله أقوالهم[46]“، ولذلك أثير غضب الملائكة الذين يحفظون تحت سلطانهم كل أمة. لأنه تحين فرق العلي الشعوب حسب عدد ملائكة الله، فحينئذ صار يعقوب نصيبه. وإسرائيل قسمة ميراثه[47]“، وقد أثار المسيح. الذي قال له الآب “اسألني فأعطيك الأمم ميراثا لك، وأقاصي الأرض ملكك[48]“. غضب الملائكة بانتزاعه منهم القدرة والسيطرة التي كانت لهم على الأمم، لذلك مكتوب “قام ملوك الأرض، وتآمر الرؤساء[49] على الرب وعلى مسيحه[50]” لذلك هم يقاوموننا نحن أيضاً ويثيرون علينا حروباً ومعارك، وهو ما جعل رسول المسيح يقول “ليس علينا أن نصارع لحما ودما، بل الرؤساء، السلاطين، وولاة هذا العالم.[51]” فيجب علينا إذن أن نسهر ونتصرف بحذر “لأن خصمنا كأسد زائر، يجول حولنا ملتمسا من يبتلعه[52]” وإن لم نقاومه “راسخين في الإيمان[53]” فإنه يسبينا، وإذا حدث لنا ذلك نكون قد أنكرنا عمل الذي “سمر الرياسات والسلاطين على الصليب، ظافراً بهم بجسارة فيه[54]“، والذي جاء ليخلص المأسورين[55].” فلنتبع بالحري إيمان المسيح، الذي ظفر بهم، ولنحطم القيود التي أخضعونا بها لسلطانهم. وهذه القيود التي يمسكونا بها هي شهواتنا ونقائصنا: فهي تربطنا إلى أن “نصلب جسدنا مع نقائصه وشهواته[56]“، ونكون بذلك قد “قطعنا قيودهم، وطرحنا بعيداً عنا نيرهم[57]” وهكذا إذن احتل “نسل إبراهيم مدن الأعداء[58]“، نسل إبراهيم أي ذرية الكلمة وبعبارة أخرى التبشير بالإنجيل والإيمان بالمسيح.

ولكنني أسألكم: هل قام الرب بعمل جائر منتزعاً الأمم من سلطان الأعداء ومعيداً إياهم تحت سلطانه إلى الإيمان به؟ كلا البتة، لأنه قديماً كان “إسرائيل قسم الرب[59]“، إلا أن الأعداء اجتذبوا إسرائيل إلى الخطية بعيداً عن الله، وقال الله لهم بسبب خطاياهم: ها أنتم قد تمزقتم بخطاياكم، وتفرقكم تحت السماء بسبب خطاياكم.[60]” ولكنه قال لهم بعد ذلك مرة ثانية: “حتى وإن كنتم قد تفرقتم من أقصى السماء إلى أقصاها، فمن هناك أجمعكم، يقول الرب”[61]. ولأن “رؤساء هذا العالم[62]” كانوا الأوائل في اجتياح “نصيب الرب”، فقد لزم أن ينزل “الراعي الصالح[63]” إلى الأرض، تاركاً في الأعالي التسع والتسعين خروفاً، ويبحث عن الخروف الوحيد الذي ضل، وكان لا بد، إذا وجده ووضعه على منكبيه، أن يقوده إلى أعلى، إلى حظيرة الكمال[64].

غلبة المسيح بداخلنا

ولكن ما الفائدة بالنسبة لي إذا ورث نسل إبراهيم الذي هو المسيح[65]” “مدن الأعداء[66]” ولم يملك مدينتي الخاصة، إن كانت في مدينتي الخاصة، أي في نفسي التي هي “مدينة الملك العظيم[67]“، لا تحفظ شرائع هذا الملك ولا قوانينه؟ ماذا يجديني أن يكون الملك العظيم قد أخضع العالم كله وملك “مدن الأعداء إن لم يكن منتصراً على أعدائه، وإن لم يدمر “الناموس الذي يحارب في أعضائي ناموس ذهني، ويسبيني إلى ناموس الخطية[68]؟”

ليجتهد كل واحد منا لكي يكون المسيح في نفسنا كما في جسدنا، منتصراً على الأعداء ويمتلك فضلا عن ذلك مدينة نفسنا. بهذا الشكل ننتمي إلى نصيبه، إلى نصيبه المختار المشابه ” المجد النجوم السماء[69]“، ونقدر أن نحصل نحن أيضاً على بركة إبراهيم بالمسيح ربنا “الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين[70].”

[1] هي في اللاتينية (uerbum)، وقد قمنا في هذا المقطع كما في العديد من المقاطع الأخرى، بترجمتها إلى “كلمة”، محتفظين بذلك بالإمكانية الدائمة للاشارة إلى “كلمة الله”. فإذا تبينا في هذه العبارة أن الرب هنا مقصود به “الأب” كما نجده أيضاً يذكر صراحة “الروح القدس”، فسنفهم بلا صعوبة أن (uerbum) يمكن أن تأخذ معنى كلمة الله”، وستكون إذا “الرحلة المناسبة للكلمة” هي التدبير الإلهي للتجسد.

[2] انظر: تك ۲۲: 15 – ۱۷.

[3] انظر: تك ۲۲: 15.

[4] انظر: تك 22: 17؛ تك 12: 2.

[5] انظر: تك 22: 17.

[6] انظر: تك 22: 17؛ تك 13: 16.

[7] انظر: تك 22: 16.

[8] انظر: غل 4: ۲۹.

[9] انظر: غل ۳: ۹.

[10] انظر: تك 15: 5.

[11] انظر: تك ۲۲: 15.

[12] انظر: ۱ کو 15: 47.

[13] انظر: عب 6: 17.

[14] انظر: عب 6: 16.

[15] انظر: عب 6: ۱۳.

[16] انظر: تك 22: 16.

[17] ارجع إلى فيلو في (203 ,PHILON , Leg . Alleg . III): “لقد كان حسنا أن يؤكد وعده بقسم وبقسم يليق بالله، أنت تدرك أن الله لا يقسم بأحد آخر لأنه لا يوجد شيء أعلى منه، ولكنه يقسم بذاته، الأفضل في كل الكائنات.”

[18] انظر: عب: 6: 17.

[19] انظر: مز 4:۱۰۹ (حسب السبعينية).

[20] انظر: تك 15: 15.

[21] انظر: تك 22: 16

[22] انظر: رو 4: 16

[23] انظر: خر 32: 19.

[24] انظر: تك 17: 19-21.

[25] انظر: تك 25: 25 وما بعده.

[26] انظر: تك 41: 51-52.

[27] انظر: ۱ کو 15: 47 – 49.

[28] انظر: كو ۳: ۹- ۱۰.

[29] انظر: ۲ کو 5: ۱۷.

[30] انظر: رو 6: 6.

[31] انظر: ۱ کو 15: 49.

[32] انظر: غل 3: 16.

[33] انظر: تك 22: 17.

[34] انظر: رو 10: 18.

[35] انظر: تك 1: 28.

[36] انظر: أف 5: ۳۲.

[37] انظر: تك 22: 17.

[38] انظر العظة ۱: ۷.

[39] انظر: في ۳: ۱۹.

[40] انظر: أي 6: ۳.

[41] انظر: ۱ کو 15: 49.

[42] انظر: 1كو 15: 40-42.

[43] انظر: مت 5: 16.

[44] انظر: مت 1: 1.

[45] انظر: تك 22: 17.

[46] انظر: مز 18: 5 (حسب السبعينية)؛ رو 10: 18.

[47] انظر: تث ۸:۳۲ -۹. لاحظ أن تكليف الملائكة بقيادة شعوب الأرض باستثناء بني إسرائيل قد ورد في الترجمة السبعينية فقط. وكان هذا هو الاعتقاد السائد في التقليد اليهودي وفي بداية المسيحية. فالعالم بعد السقوط كان تحت قبضة الشرير ولكن في المسيح انتزع منه هذا السلطان.

[48] انظر: مز ۲: ۸.

[49] الترجمة الحرفية: أمراء.

[50] انظر: مز ۲: ۲.

[51] انظر: أف 6: ۱۲.

[52] انظر: ۱ بط 5: ۸.

[53] انظر: ۱ بط 5: ۹.

[54] انظر: کو ۲: 14 – 15.

[55] انظر: لو 4: ۱۸.

[56] انظر: غل 5: 24.

[57] انظر: مز ۲: ۳.

[58] انظر: تك 22: 17.

[59] انظر: سي 17: 17؛ تث 32: 9.

[60] انظر: 2 عز 11: 8 (حسب السبعينية).

[61] انظر: نح 1: 9؛ تث 30: 4.

[62] انظر: يو 16: 11.

[63] انظر: يو 10: 11.

[64] انظر: مت 18: 12؛ لو 15: 4-5.

[65] انظر: غل 3: 16.

[66] انظر: تك 22: 17.

[67] انظر: مز 47: 3 (حسب السبعينية)؛ مت 5: 35.

[68] انظر: رو 7: 23.

[69] انظر: 1كو 15: 41.

[70] انظر: 1بط 4: 11؛ رؤ 1: 6.

العظة الثامنة ذبيحة إبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثامنة ذبيحة إبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثامنة ذبيحة إبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

إبراهيم يقدم ابنه اسحق

اختبار إيمان المؤمنين

1 افتحوا آذانكم هنا، أنتم يا من اقتربتم من الله، ويا من تفتخرون بكونكم مؤمنين، وتأملوا بعناية أكبر كيف يتم، في القصة التي قرأت لنا تواً، اختبار إيمان المؤمنين. ويقول الكتاب: “وحدث بعد هذا الكلام أن الله امتحن إبراهيم وقال له: إبراهيم، إبراهيم. فقال: هأنذا[1].” لاحظوا كل تفصيل من الكتاب، ففي كل تفصيل هناك كنز وذلك لمن يعرف أن يحفر عميقاً، وربما أيضاً في الأماكن التي لا نظن أن جواهر الأسرار النفيسة تختبئ فيها[2].

اسم إبراهيم ووعد الله له

الرجل الذي نتحدث عنه كان يدعى أولاً أبرآم، ولا نقرأ في أي موضع أن الله قد دعاه بهذا الاسم أو أنه قال له: أبرآم، أبرآم. فلم يكن من الممكن أن يدعوه الله بالاسم الذي كان سوف ينتزعه منه، ولكنه دعاه بالاسم الذي أعطاه له بنفسه. ولم يكتف بدعوته مرة واحدة بهذا الاسم بل قام بتكراره. وحين أجاب إبراهيم: “هأنذا”، قال له: “خذ ابنك العزيز، الذي تحبه، إسحق، وقدمه لي. واذهب إلى المنطقة المرتفعة وقربه هناك محرقة على أحد الجبال الذي أريك[3]” وقد فسر الله لماذا أعطاه اسماً ودعاه إبراهيم، فيقول الكتاب: “لأني أجعلك أبا لجمهور من الشعوب[4]” وقد أعطاه الله هذا الوعد في الوقت الذي كان لديه فيه إسماعيل ابناً، ولكنه أكد له أن الوعد سيتحقق في ابن سيولد من سارة. لقد أيقظ في قلبه إذا محبة ابنه ليس فقط بدافع النسل ولكن أيضاً برجاء الوعود.

إيمان إبراهيم

وها أن هذا الابن الذي بالنسبة له [أي لإبراهيم] تستند عليه هذه المواعيد العظيمة والعجيبة، هذا الابن الذي بسببه أخذ اسم إبراهيم، أن “الرب يأمر بأن يقدمه له محرقة على أحد الجبال” فماذا تقول عن هذا، يا إبراهيم؟ أي نوع من الأفكار يختلج في قلبك؟ لقد تكلم صوت الله ليزعزع إيمانك ويختبره. فماذا تقول عن هذا الأمر؟ وما رأيك فيه؟ هل تقاوم؟ هل تجتر أفكارك وتحسب في قلبك هكذا: إذا كان الوعد قد أعطي لي في إسحق، وإذا قدمته محرقة، فلن يكون لي بعد وعد لأنتظره؟ ألن تقف بالحري على هذا الاستدلال الآخر وتقول إن من أعطاك الوعد لا يمكن أن يكذب[5] وإنه مهما حدث سيبقى الوعد؟

في الحقيقة ولأنني “الأصغر[6]“، فأنا لا أستطيع استبطان أفكار بطريرك بهذه العظمة، ولا أن أعرف ما هي الأفكار التي تولدت بداخله وأية مشاعر أثارها صوت الله الذي جاء ليجربه بأمره أن يذبح ابنه الوحيد. ولكن بما أن “أرواح الأنبياء خاضعة للأنبياء[7]“، فأعتقد أن بولس الرسول الذي كان قد عرف بالروح مشاعر إبراهيم وأفكاره قد أعلمنا بها قائلاً: “لم يتعثر إبراهيم في إيمانه حين قدم ابنه الوحيد الذي تستند عليه المواعيد، وحسب أن الله قادر بما يكفي حتى يقيمه من الأموات[8]“. لقد سلمنا الرسول إذاً أفكار رجل أمين، حاسباً أن الإيمان بالقيامة قد بدأ يظهر حينئذ بالفعل من جهة إسحق. فقد كان إبراهيم إذا يتوقع أن يقوم إسحق وكان يعتقد أن ما لم يكن قد حدث أبداً من قبل سوف يتحقق. فكيف إذن يمكن أن يكونوا “أبناء إبراهيم[9]“، من لا يؤمنون بأن ما قد آمن إبراهيم بتحقيقه المستقبلي في إسحق قد حدث بالفعل في المسيح؟ بل لنتحدث بوضوح أكثر، كان إبراهيم يعلم أنه كان رمزاً للحقيقة الآتية وكان يعلم أن السيد المسيح سيولد من نسله ليقدم ذبيحة، أكثر حقيقة، عن العالم كله ويقوم من الأموات.

 

“خذ ابنك”

۲ يقول الكتاب كان الله يمتحن إبراهيم وقال له: خذ ابنك العزيز، الذي تحبه[10]“، كما لو كان لم يكتف بقول “ابنك فأضاف قائلا: “العزيز. فليكن! و[لكن] لماذا أضاف أيضاً: “الذي تحبه؟ أنت ترى أن الامتحان صعب: فتعبيرات الحنان والمحبة التي تكررت عدة مرات إنما تؤجج المشاعر الأبوية، حتى عند تذكر حبه الحي تتردد يد الأب في ذبح الابن وتثور كل جيوش الجسد ضد إيمان الروح. يقول: “خذ إذن ابنك العزيز، الذي تحبه، إسحق[11].” لا بأس، يا رب، أن تذكر أباً بابنه، ولكن أن تضيف “العزيز لذاك الذي تأمر بذبحه، فهذا وحده ما يكفي لعذاب الأب؛ ولكنك تضيف من جديد: “الذي تحبه، وها هي ثلاثة أمثال أكثر من العذابات للأب؛ فلماذا ينبغي أيضاً أن تذكر باسم إسحق؟ ألم يكن إبراهيم يعلم إذا أن ابنه، ابنه العزيز، ابنه الذي يحبه، كان يدعى إسحق ولكن لماذا يضيف ذلك في هذا الوقت؟ ذلك حتى يتذكر إبراهيم أنك سبق وقلت له: “في إسحق يكون النسل الذي سيحمل اسمك، وفي إسحق تتحقق لك المواعيد.[12]” إذا كان الاسم مذكوراً فهذا ليوحي له بالارتياب في الوعود التي أعطيت له في هذا الاسم. ولكن كل ذلك لأنه كان يمتحن إبراهيم. يمتحن إبراهيم.

“اذهب للمكان الذي أريك إياه”

3 وماذا حدث بعد ذلك يقول الكتاب: “اذهب إلى المنطقة المرتفعة، على أحد الجبال الذي أريك، وقدمه هناك محرقة[13]” لاحظوا في هذا التفصيل كيف تزداد التجربة. “اذهب إلى المرتفعة، ألم يكن ممكناً أن يقاد إبراهيم مع ابنه أولاً إلى هذه المرتفعة، ويؤتى به أولاً على الجبل الذي كان الرب قد اختاره ثم يسمع هناك القول بتقديم ابنه؟ فقد قال له أولاً إنه يجب أن يقدم ابنه ثم أخذ بعد ذلك الأمر بالذهاب إلى المرتفعة وأن يصعد الجبل. فبأي قصد كان ذلك؟ ذلك حتى يتمزق إبراهيم بأفكاره وهو متقدم على الطريق وطوال المسير، وحتى يتعذب بالتناوب بالوصية التي تحصره وبحب ابنه الوحيد الذي يثور[14]. فمن أجل هذا إذا ألزمه أيضاً بالطريق وبصعود الجبل أيضاً حتى يفسح الوقت، أثناء كل هذه الأفعال، للمواجهة بين مشاعر الحنان الأبوي والإيمان، بين محبة الله ومحبة الجسد، بين إغراء الخيرات الحاضرة وانتظار الخيرات الآتية. لقد أرسل إبراهيم إذا إلى “المرتفعة، إلا أن “المرتفعة” لا تكفي بالنسبة لبطريرك سيتمم من أجل الرب عملاً عظيماً بهذا المقدار، فأمره بالصعود إلى الجبل أيضاً، أي أن يترك الأمور الأرضية؛ إذ يرتفع بالإيمان، ويصعد نحو الأمور العلوية.

إبراهيم في الطريق

4 “فقام إبراهيم إذاً باكراً وشد على حماره وشقق حطبا للمحرقة، وأخذ ابنه إسحق واثنين من غلمانه، ووصل في اليوم الثالث إلى الموضع الذي حدده له الله[15]” قام إبراهيم باكراً. وربما أراد الكتاب بإضافة كلمة “باكراً” أن يظهر أنه كان هناك نور أولي يبرق بالفعل في قلبه. وشد على حماره وأعد الحطب وأخذ ابنه. فهو لم يتمهل ولم يتردد ولم يتحدث مع أي شخص عن نيته ولكنه انطلق على الفور في الطريق.

ويقول الكتاب “ووصل في اليوم الثالث إلى الموضع الذي حدده له الرب[16]“. أترك الآن المعنى المستيكي الذي يحتوي عليه هذا اليوم الثالث جانباً وأتطلع إلى حكمة وقصد من يمتحنه. وهكذا، ففي الوقت الذي كان يجب أن يتم فيه كل شيء على الجبال، لم تكن هناك أية جبال في المنطقة المحيطة، وامتد السفر لمدة ثلاثة أيام، مزق القلق المزعج خلالها أحشاء الأب. وفي أثناء مهلة امتدت بهذا المقدار لا بد وأن كان إبراهيم يتأمل ابنه، ويتناول الطعام معه، ولا بد وأن كان الصبي يحتضنه أثناء هذه الليالي كلها ويقترب إلى صدره ويرتاح على قلبه. أنت ترى أن التجربة في أوجها، ومع ذلك يتناسب اليوم الثالث دائما وبشكل خاص مع الأسرار: فعندما أخرج الشعب من أرض مصر، فإنه في اليوم الثالث قدم ذبيحة لله وفي اليوم الثالث تطهر[17]، وحدثت قيامة الرب في اليوم الثالث[18]، وكثير من الأسرار الأخرى محتواة في هذا اليوم الثالث.

الحوار مع الخدم

5 يقول الكتاب “أبصر إبراهيم الموضع؛ إذ نظر من بعيد وقال لغلاميه: اجلسا أنتما ههنا مع الحمار، وأما أنا والغلام فنذهب إلى هناك، وبعدما نسجد نرجع إليكما[19].” صرف إبراهيم خادميه فلم يكن باستطاعتهما الصعود معه إلى المكان الذي عينه الله للمحرقة. ويقول: “اجلسا أنتما ههنا مع الحمار، وأما أنا والغلام فنذهب إلى هناك، وعندما نسجد نرجع إليكما[20].” قل لي، يا إبراهيم، هل تقول الحقيقة للغلامين بتأكيدك أنك ستسجد وبأنك سترجع مع الصبي، أم أنك تخدعهما؟ فإن كنت تقول الحقيقة، فإنك لن تقدم إذاً ابنك محرقة، ولكن إن كنت تخدعهما، فهذا لا يليق ببطريرك عظيم. فما هي إذن المشاعر التي تكشفها تلك الأقوال؟ يرد إبراهيم: أنا أقول الحقيقة وأقدم ابني محرقة، لذلك أنا أحمل من جهة الحطب معي وسأرجع إليكما من جهة أخرى مع الصبي لأني أؤمن وهذا هو إيماني “أن الله قادر بما يكفي ليقيمه من الأموات.[21]

الإعداد للمحرقة

6 ويقول الكتاب بعد ذلك “فأخذ إبراهيم حطبا للمحرقة ووضعه على ابنه إسحق، وأخذ بيده النار والسيف. فذهبا كلاهما معا[22].” أن يحمل إسحق بنفسه الخشب للمحرقة فهذا رمز للمسيح الذي تحمل بنفسه صليبه[23]“، غير أن حمل الحطب للمحرقة هو عمل الكاهن، فقد صار إذا هو نفسه الذبيحة والكاهن في ذات الوقت، والقول الذي يلي ذلك يتعلق بهذا السر: “وذهبا كلاهما معا، ففي الوقت الذي كان إبراهيم يحمل فيه النار والسكين ليذبح، لم يكن إسحق يسير خلفه ولكن معه، مظهراً بذلك أنه يقوم معه بالمثل بالوظيفة الكهنوتية.

وماذا بعد؟ يكمل الكتاب “قال إسحق لأبيه إبراهيم: يا أبي[24].” ها هو فعلاً في تلك اللحظة وفي كلام الابن صوت التجربة. أتتصور إلى أي درجة يستطيع صوت الابن هذا الذي سيذبح أن يقلب الأحشاء الأبوية؟ لذلك فبالرغم من صلابة إيمانه، فقد رد لابنه كلمة محبة وأجاب: “ماذا يا ابني؟” فقال إسحق “هوذا النار والحطب، ولكن أين الشاة للمحرقة؟” فأجاب “سيتعهد الله بالشاة للمحرقة، يا ابني[25].” يذهلني هذا الرد السديد والحكيم بما يكفي الذي لإبراهيم. لست أعلم ما كان يراه إبراهيم بالروح لأنه لا يتحدث عن الحاضر بل عن المستقبل قائلا “سيتعهد الله بالشاة[26]” يرد على ابنه الذي كان يستعلم عن الحاضر بالمستقبل، ذلك أن الرب نفسه كان لا بد وأن يتعهد بالشاة في شخص المسيح، لأن “الحكمة نفسها بنت لها بيتا[27]” وهو ذاته “قد وضع نفسه حتى الموت.[28]” وكل ما ستقرأه عن المسيح ستكتشف أنه قد قام به طوعاً وليس إجباراً.

 

في مكان تقديم الذبيحة

۷ “فواصلا كلاهما طريقهما، وأتيا إلى الموضع الذي حدده له الله[29]“. حين أتى موسى إلى الموضع الذي أراه الله إياه لم يكن لديه إذن بالصعود لكن قيل له أولاً: “حل سيور نعلي قدميك[30].” أما بالنسبة لإبراهيم وإسحق فلا شيء من مثل هذا، لقد صعدا دون أن يتركا أحذيتهما. والسبب في ذلك هو على الأرجح أن موسى وعلى الرغم من أنه كان “عظيماً[31]” إلا أنه كان قادماً من مصر وكانت لديه رباطات مائتة معقودة عند رجليه. أما عند إبراهيم وإسحق، فليس هناك مثل هذه الرباطات، ولكنهما “أتيا إلى الموضع المحدد”.

وقد بني إبراهيم المذبح ووضع عليه الحطب وربط الصبي واستعد ليذبحه[32]. أنتم هنا في كنيسة الله عدد كبير من الآباء الذين يسمعونني. لنر؛ هل حصل أحد منكم، عند رواية القصة وحدها، ما يكفي من الحزم ومن قوة النفس ليتخذ. في حالة إذا ما أفقده الموت العام والذي لا يفلت منه أحد ابناً وحيداً ومحبوباً بحنو – إبراهيم كمثال ويضع عظمة النفس هذه نصب عينيه؛ فهو لا يلزمك بهذه الحركة البطولية بأن تقيد ابنك بنفسك وتقهره وتعد السيف وتذبح بنفسك ابنك الوحيد، فهو لا يطلب منك كل هذه الفروض، ولكن على الأقل كن موطد العزم بالروح، وإذ تكون ثابتاً بالإيمان قدم بفرح ابنك لله. لتكن كاهن حياة ابنك: لا يجب على الكاهن الذي يقوم بالذبح لله أن يبكي. فهل تريد أن ترى أن هذا مطلوب منك؟ يقول الرب في الإنجيل “لو كنتم أولاد إبراهيم، لكنتم تعملون أعمال إبراهيم.[33]” وإذن! ها هو عمل الإبراهيم. اعملوا الأعمال التي عملها إبراهيم ولكن دون حزن “لأن الله يحب من يعطي بسرور.[34]” وإن كنتم مهيئين مثله لله، فسيقال لكم أنتم أيضاً “اصعد إلى المرتفعة وتسلق الجبل الذي أريك وهناك قدم لي ابنك[35].” “قدم ابنك” لا في أعماق الأرض ولا في “وادي الدموع[36]“، ولكن على قمم الجبال المرتفعة. أثبت أن إيمانك بالله أقوى من تعلقاتك الجسدية، لأن الكتاب يقول إن إبراهيم كان يحب ابنه إسحق، ولكنه جعل محبة الله قبل محبة الجسد، ووجد نفسه لا في أحشاء جسدية ولكن في أحشاء المسيح[37]“، أي في أحشاء الكلمة الإلهي والحقيقة والحكمة.

ذبيحة الطاعة

۸ ويقول الكتاب “مد إبراهيم يده ليأخذ السيف ويذبح ابنه، وناداه ملاك الرب من السماء وقال: إبراهيم، إبراهيم. فأجاب: هأنذا، فقال له الملاك: لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئاً، لأني الآن علمت أنك تخاف الله[38]” يؤاخذنا البعض عادة فيما يتعلق بهذه العبارة[39] على أن الله يقول إنه يعلم الآن أن إبراهيم يخاف الله، كما لو كان يجهله من قبل. كان الله يعلم هذا ولم يفته ذلك لأنه يعرف كل الأشياء قبل كونها[40]“، ولكن قد كتبت هذه الأشياء من أجلك أنت لأنك أنت أيضاً تؤمن بالله ولكن إذا لم تتمم “أعمال الإيمان[41]“، إذا لم تطع جميع الوصايا حتى وإن كانت أصعب، إذا لم تقدم ذبيحة وتثبت أنك لا تفضل “أباً أو أماً أو ابناً[42]” على الله، فلن يعترف بك كخائف الله ولن يقال عنك: “لأني الآن علمت أنك تخاف الله.[43]

غير أنه لا بد أن نأخذ بالاعتبار أن الكتاب قد وضع هذا القول إلى إبراهيم في فم ملاك وأن ما يتبع يظهر بوضوح أن هذا الملاك هو الرب[44]. ونستنتج من ذلك أنه إذا كان قد تعرف كإنسان من خلال ما بدا منه[45] بيننا نحن البشر، فهو بالمثل بين الملائكة قد غرف من خلال ما بدا منه كملاك، وتفرح الملائكة في السماء اقتداء به الخاطئ واحد يتوب[46]“، ويفتخرون بتقدم البشر، لأنهم بمثابة مديري أنفسنا، هم الذين، “ما دمنا أولادا[47]“، وكلنا إليهم كما إلى أوصياء ووكلاء إلى الوقت المحدد من الآب[48]“. هم أنفسهم أيضاً إذاً؛ إذ يرون تقدم كل واحد منا يقولون “الآن علمت أنك تخاف الله[49]“. فلدي على سبيل المثال رغبة الاستشهاد[50]، لن يستطيع ملاك أن يقول لي من أجل ذلك: “إني الآن علمت أنك تخاف الله لأن شهوة الروح لا يعلمها إلا الله وحده. ولكن إذا خضت الحروب واعترفت الاعتراف الحسن[51]، واحتملت بقوة كل ما يصيبني، فحينئذ يستطيع ملاك أن يقول لي ليثبتني ويقويني: “إني الآن علمت أنك تخاف الله”.

لكن لنعتبر أن هذه الأقوال قد قيلت لإبراهيم وأنه قد أعلن أنه يخاف الله. لماذا؟ لأنه لم يمسك ابنه. أما نحن، فلنقارن هذا بكلمات الرسول “الذي لم يمسك ابنه، بل أسلمه لأجلنا أجمعين[52]“. انظر كيف أن الله يتعامل مع البشر بكرم عظيم: لقد قدم إبراهيم الله ابناً فانياً دون أن يموت، أما الله فقد سلم من أجل البشر ابناً أبدياً للموت. فماذا نقول نحن عن هذا؟ “ماذا نرد للرب من أجل كل حسناته؟[53]” الله الأب بسببنا “لم يمسك ابنه[54]“، فقولوا لي من منكم سيسمع يوما صوت الملاك يقول له: “أنا الآن علمت أنك خائف الله، لأنك لم تمسك ابنك[55]” أو ابنتك أو زوجتك، ولم تمسك مالك أو أمجاد هذا الدهر وطموحات هذا العالم، ولكنك احتقرت لكل ذلك، وحسبت كل الأشياء نفاية حتى تربح المسيح[56]“، وتبعت كل شيء وأعطيته الفقراء وتبعت كلمة الله؟[57]” نعم قولوا لي من منكم سيسمع من فم ملائكة قولا مثل هذا؟ لقد سمع إبراهيم هذا القول وقيل له: “من أجلي لم تمسك ابنك الحبيب”[58].

الكبش. رمز المسيح الكاهن والذبيحة

9 يقول الكتاب “وإذ التفت إلى الوراء، نظر إبراهيم وإذا كبش ممسكاً في الغابة بقرنيه[59].” أعتقد أننا قلنا سابقاً إن إسحق كان يرمز للمسيح[60]، ولكن هنا يبدو الكبش أيضاً أنه يرمز للمسيح. ومن المثير للاهتمام أن نعرف كيف أن هذين الرمزين، إسحق الذي لم يذبح قط والكبش المذبوح يتطابقان مع المسيح.

المسيح هو كلمة الله، ولكن “الكلمة صار جسداً[61]“، وبالتالي هناك في المسيح شيء يأتي من فوق وآخر أخذ من الطبيعة البشرية ومن الأحشاء البتولية. لقد تألم المسيح إذاً ولكن كان هذا في الجسد، لقد تحمل الموت ولكنه تحمله في الجسد[62] والذي الكبش هنا هو رمز له. وقد قال القديس يوحنا بالمثل أيضاً “هوذا حمل الله، هوذا من يرفع خطية العالم[63]. ” أما “الكلمة على العكس، والذي هو المسيح بحسب الروح[64]، والذي إسحق هو صورة له، فقد ظل في عدم الفساد[65].” لذلك هو ذبيحة ورئيس كهنة في ذات الوقت. فهو حسب الروح يقدم الذبيحة لأبيه، وحسب الجسد هو نفسه مقدم على مذبح الصليب، لأنه كما قيل عنه “هوذا حمل الله، هوذا من يرفع خطية العالم[66]“، فقد قيل عنه أيضاً “أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق.[67]” وهكذا إذاً كان “الكبش ممسكا في الغابة بقرنيه”[68].

بركة تقديم الذبيحة

۱۰ يقول الكتاب فأخذ الكبش وقدمه محرقة عوضاً عن إسحق ابنه، فدعا إبراهيم اسم ذلك الموضع: الرب يرى”[69]. إن درب الفهم الروحي مفتوح علناً لمن يعرف أن يسمع، لأن كل هذه الأعمال تؤول إلى الرؤية. وقد قيل في الواقع إن “الرب يرى”، ولكن الرؤية التي يراها الله هي رؤية روحية، حتى تتأمل أنت أيضاً في أمور الكتاب بشكل روحي. وكما أنه لا يوجد في الله أي شيء مادي، هكذا لا ينبغي أن تجد أي شيء مادي في كل هذا. ولكنك تستطيع أن تلد روحياً أنت أيضاً إسحق كابن حين تحمل كثمر الروح “الفرح والسلام”[70].

هذا الابن لن تلده في النهاية. على غرار سارة، المكتوب عنها أنها ولدت إسحق بينما كانت عادة النساء قد انقطعت لديها[71]. إلا إذا انقطعت أيضاً في نفسك الإمكانيات النسائية[72] لدرجة ألا يكون لديك بعد الآن أي شيء نسائي ولا متأنث في نفسك، ولكن تسلك برجولة وبرجولة “تنطق حقويك”، وإلا إذا كان صدرك محمياً “بدرع البر، وإذا كنت مزوداً بخوذة الخلاص” وبسيف الروح[73].” فإذا انقطعت إذاً في نفسك الإمكانيات النسائية، فإنك تلد، مع امرأتك التي هي الفضيلة والحكمة، الفرح والتهليل. لكنك تلد الفرج حين تعتقد أن كل شيء يقع عليك في التجارب المتنوعة، هو فرح[74]“، وهذا الفرح تقدمه ذبيحة للرب.

وعندما تتقرب من الله في الفرح، يرد لك من جديد ما قدمته له ويقول لك: سترونني من جديد ويفرح قلبكم، ولن يسلب أحد فرحكم منكم.[75]” وهكذا إذاً ما تقدمه للرب يرد لك مرات عديدة[76]. هذا هو ما تشير إليه الأناجيل، وإن اختلف التشبيه، في المثل الذي تقول فيه أن رجلاً أخذ وزنة ليستثمرها ويعود لرب الأسرة بالمال. فإذا أتيت بعشر وزنات للخمسة التي تاجرت بها فيعطيك إياها ويتركها لك. اسمع ما يقوله الكتاب، تخذوا منه هذه الوزنة وأعطوها لمن له العشر وزنات[77]“. وهكذا يبدو إذا أننا نتاجر من أجل الرب ولكن الأرباح تعود إلينا، ويبدو أننا نقدم ذبائح للرب ولكن نحن الذين سنحصل بالمقابل على ما نقدمه. فالله في الواقع لا يحتاج إلى شيء ولكنه يريد أن نكون نحن أغنياء، كما يريد أن يكون تقدمنا في كل شيء.

ويبرز لنا ذلك أيضاً بشكل مجاني في ما حدث لأيوب. فهو، بينما كان غنياً، قد فقد هو أيضاً كل ممتلكاته من أجل الرب. ولكن من أجل أنه صمد ببسالة في معارك الصبر وأبدى خلقاً كريماً في كل آلامه وقال: “الرب أعطى، الرب أخذ، لقد حدث كما أراد الرب، فليكن اسم الرب مباركا[78]“، فانظر ما كتب عنه في النهاية: يقول الكتاب “وأخذ ضعف ما كان قد فقده.[79]” وهكذا أنت ترى أن فقدان شيء من أجل الله، هو استعادته مرات عديدة. وتضمن لك الأناجيل أكثر من ذلك أيضاً بما أنها تعدك “بمئة مثل وفوق ذلك “بالحياة الأبدية[80]” في المسيح يسوع ربنا “الذي له المجد والقوة إلى أبد الآبدين. آمين”[81].

 

[1] انظر: تك 22: 1.

[2] هذه العظة الرائعة تنبض بالمشاعر العميقة وتقدم لنا بأسلوب بسيط، بدون مغالاة أدبية، الصراع المأسوي الذي دار في نفس إبراهيم بين مشاعر الأبوة من جهة وواجب طاعة الله من جهة أخرى. وتعتبر هذه العظة مستندا قيما يمكننا من خلاله التعرف على شخصية أوريجينيس، فهو لم يكن فقط إخصائيا في الجدال أو معلما لا يكل للدين أو رجلا متلهفا الرؤية الله، ولكنه له أيضاً قلب حساس ورحيم، و روح تكشف أصداؤها الرقيقة والمتحفظة في ذات الوقت عن الغني والكرم. وقد تأثرت بهذه العظة أجيال كثيرة من المفسرين والرجال الروحيين، ويكفي أن نذكر هنا بعض الكتاب الذين اقتبسوا منه. فقد استلهم القديس غريغريوس النيصي في GREGOIRE DE NYSSE Orat De detaite 568 – 573  46 Filii et Spiritus Sancti , PG من أوريجينيس وصف المخاوف الأبوية، ولكن أسلوبه كان أكثر تعقيدا من أسلوب أوريجينيس فانصرف، إذا صح القول، إلى تضخيم المشاعر؛ انظر على الأخص الوصف التمثيلي للحظات الأخيرة حين كان السيف معلقا على رأس إسحق. أما القديس يوحنا ذهبي الفم في Sur la Prov. De Dieu X, 8-18, SC 79, p. 154-163,CHRYSOSTOME، فقد عبر بنفس النبرة المنفعلة عما أطلق عليه “طغيان الطبيعة” عند إبراهيم. وأكد القديس كيرلس السكندري في CYRILLE D ‘ ALEXANDRIE , Hom , Pasch . V , 6 – 7 , PG 77, 489- 497 على طاعة إبراهيم التي سيمت على محبة الجسد، وقدم ثانية العديد من أجزاء عظتنا هذه (أرسل الله الامتحان الإبراهيم وهو يعلم منفذه، وكان إبراهيم يؤمن بالقيامة). ويسجل القديس أمبروسيوس في AMBROISE , De Abrah . I , 66 – 79, CSEL 32, I, ،التفاصيل التي تجعل الامتحان أكثر إيلاما. أما القديس أغسطينوس فيAUGUSTIN, Enarr. In Ps. 30, serm. 2, 9, PL 36, 244-245 ; Ciu. Dei, طريقة أوريجينيس41, 510-511 PL ,32 ,16 فلم يعلق على تقديم إسحق ذبيحة بنفس ولكنه ركز على إسحق بالأخص کرمز للمسيح.

[3] انظر: تك 22: 2.

[4] انظر: تك 17: 5.

[5] انظر: عب 6: 18.

[6] انظر: 1كو 15: 9.

[7] انظر: 1كو 14: 32.

[8] انظر: عب 11: 17، 19.

[9] انظر: تك 22: 1-2.

[10] انظر: تك 22: 1-2.

[11] انظر: تك ۲۲: ۲.

[12] انظر: تك ۲۱: ۱۲؛ رو۹: ۷، ۸؛ عب ۱۸:۱۱؛ غل ۳: 16، ۱۸؛ غل 4: ۲۳.

[13] انظر: تك ۲۲: ۲.

[14] المقصود هنا هو الحب وليس الابن الوحيد.

[15] انظر: تك 22: 3.

[16] انظر: تك 22: 3.

[17] انظر: خر 19: 11، 15، 16؛ 24: 5.

[18] انظر: مت 27: 63؛ مر 8: 31.

[19] انظر: تك 22: 4-5.

[20] انظر: تك 22: 5.

[21] انظر: عب 11: 19.

[22] انظر: تك 22: 6.

[23] انظر: يو 19: 17.

[24] انظر: تك 22: 7.

[25] انظر: تك 22: 7-8.

[26] انظر: تك 22: 8.

[27] انظر: أم ۹: ۱.

[28] انظر: في 2: 8.

[29] انظر: تك 22: 8-9.

[30] انظر: خر 3: 5.

[31] انظر: خر 11: 3.

[32] انظر: تك 22: 9، 10.

[33] انظر: يو ۸: ۳۹.

[34] انظر: ۲ کو ۹: ۷.

[35] انظر: تك 22: 2.

[36] انظر: مز ۷:۸۳ (حسب السبعينية).

[37] انظر: في 1: 8.

[38] انظر: تك 22: 10-12.

[39] المقصود هنا هو مرکیان. ارجع إلى العظة 4: 6.

[40] انظر: دا 13: 42.

[41] انظر: 2 تس 1: 11.

[42] انظر: مت 10: 37.

[43] انظر: تك 22: 12.

[44] هذه الفكرة ستتكرر لاحقاً في العظة 14: 1.

[45] انظر: في 2: 7.

[46] انظر: لو 15: 10.

[47] انظر: غل 4: 3.

[48] انظر: غل 4: 2.

[49] انظر: تك 22: 12.

[50] في هذا الوقت كانت فكرة الاستشهاد تسيطر على المجتمع المسيحي، انظر ما ورد سابقا في العظة ۷: ۳.

[51] انظر: 1 تي 6: ۱۲.

[52] انظر: رو ۸: ۳۲.

[53] انظر: مز 115: ۳ (بحسب السبعينية).

[54] انظر: رو ۸: ۳۲.

[55] انظر: تك ۲۲: ۱۲.

[56] انظر: في ۳: ۸.

[57] انظر: مت 19: 21.

[58] انظر: تك ۲۲: ۱۲.

[59] انظر: تك 22: 13.

[60] تلميحات سريعة إلى هذا الرمز وردت في نهاية رقم 1، وبداية رقم 6.

[61] انظر: يو 1: 14.

[62] يؤكد أوريجينيس أن السيد المسيح إله وانسان في نفس الوقت. والتعبير عن هذا التعليم، مهما كان بسيطا، إلا أنه لا يقود لا إلى الآريوسية ولا إلى الدوسيتية.

[63] انظر: يو ۱: ۲۹.

[64] المقصود هنا هو اللاهوت، لأن أوريجينيس كان يريد أن يميز في المسيح الواحد بين اللاهوت الذي لا يموت (والذي يرمز له إسحق والناسوت الذي مات (والذي يرمز له الكبش).

[65] انظر: 1كو 15: 42.

[66] انظر: يو۱: ۲۹.

[67] انظر: مز 4:۱۰۹ (حسب السبعينية).

[68] انظر: تك 22: 12.

[69] انظر: تك 22: 13-14.

[70] انظر: غل 5: ۲۲.

[71] انظر: تك 18: 11.

[72] انظر: تث ۳۱: 6.

[73] انظر: أف 6: 14، 17.

[74] انظر: يع 1: ۲.

[75] انظر: يو 16: ۲۲، ۱۷.

[76] ارجع إلى عظات أوريجينيس على سفر العدد 12: 3.

[77] انظر: مت ۲۰: 16 إلى باقي الإصحاح؛ لو 19: 24.

[78] انظر: أي 1: ۲۱.

[79] انظر: أي 42: 10.

[80] انظر: مت ۱۹: ۲۹.

[81] انظر: 1بط 4: 11؛ رؤ 1: 6.

العظة السابعة ميلاد اسحق وفطامه – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة السابعة ميلاد اسحق وفطامه – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة السابعة ميلاد اسحق وفطامه – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

الروح القدس لا يسعى إلى “سرد القصص”

1 يقرأون لنا موسى في الكنيسة. فلنطلب إلى الرب، وفقا لقول بولس الرسول، حتى لا يكون عندنا أيضاً “حين يقرأ موسی، برقا يغطي قلبنا.[1]

لقد قرأنا تواً أن إبراهيم ولد ابنه إسحق حين كان يبلغ من العمر مائة عام[2]. “وقالت سارة: من يعلن لإبراهيم أن سارة ترضع ابنا[3]؟” ثم يقول الكتاب “وإبراهيم ختن إسحق الولد في اليوم الثامن[4]“، لم يحتفل إبراهيم بميلاد هذا الولد ولكنه احتفل بيوم الفطام وصنع وليمة عظيمة[5]” وماذا بعد؟ هل نعتقد أن الروح القدس قد قصد أن يكتب قصصاً ويروي كيف تم فطام الولد وأنه كانت هناك وليمة عظيمة وكيف لعب الولد وكيف كان يعمل الأشياء الطفولية الأخرى؟ أم بالأحرى يجب أن نعتقد أن الروح القدس قد أراد أن يعطينا من هنا تعليماً إلهياً خليق بالجنس البشري أن يعرفه من فم الله؟

الفطام الروحي

اسم إسحق يعني الضحك أو الفرح، فمن ذا يلد ابناً كهذا؟ هو بالتأكيد من قال عن هؤلاء الذين ولدهم بالإنجيل: “لأنكم أنتم فرحي وإكليل مجدي[6]“، وحين يفطم مثل هؤلاء البنين نصنع وليمة وتكون هناك فرحة عظيمة، بسبب هؤلاء الذين لا يحتاجون بعد إلى لبن بل إلى طعام قوي، الذين بحسب قدرتهم على التناول، لديهم الحواس مدربة على تمييز الخير والشر[7]“. تُقام وليمة عظيمة لمثل هؤلاء عند الفطام. لكن لا يمكن أن تقام وليمة ولا أن تكون هناك بهجة بالنسبة للذين يقول عنهم الرسول: “أعطيتكم لبنا للشرب لا طعاماً قوياً لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون والآن أيضاً لا تستطيعون ولم أستطع أن أكلمكم كروحيين بل كجسديين، كأطفال في المسيح[8]“. وعلى من يريدون أن تفسر الكتابات الإلهية بالتفسير الحر أن يقولوا لنا ماذا يعني: “أعطيتكم لبناً للشرب لا طعاماً قوياً لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون والآن أيضاً لا تستطيعون ولم أستطع أن أكلمكم كروحيين بل كجسديين، كأطفال في المسيح[9]” هل يمكننا أن نأخذ هذه الآية حرفياً؟

تفسير القديس بولس الرسول

2 لكن لنعد الآن إلى الموضوع الأساسي الذي ابتعدنا عنه. لقد فرح إبراهيم وصنع وليمة عظيمة يوم فطام ابنه إسحق”. ثم يلعب إسحق، وهو يلعب مع إسماعيل، فاغتاظت سارة من أن ابن الجارية يلعب مع ابن المرأة الحرة، وتصورت أن هذا اللعب هو لهلاكها، وقدمت هذه المشورة الإبراهيم: “اطرد الجارية وابنها، لأن ابن الجارية لا يرث مع ابني إسحق[10]“. وليس أنا الذي سيشرح كيف ينبغي فهم كل ذلك ولكن قد سبق الرسول وشرحه قائلا: “قولوا لي، أنتم الذين تقرأون الناموس: ألستم تسمعون الناموس؟ لأنه مكتوب أنه كان لإبراهيم ابنان، واحد من الجارية والآخر من الحرة، لكن الذي من الجارية ولد حسب الجسد، والذي من الحرة فبالموعد. وكل ذلك رمز[11].” فماذا إذا؟ ألم يولد إسحق إذن بحسب الجسد؟ ألم تلده سارة؟ ألم يتم ختانه؟ ألم يلعب مع إسماعيل بالجسد؟ هذا هو تحديداً ما يدهش في تفسير الرسول: أن ما حدث بلا شك في الجسد يعتبره رمزياً. ومن هنا نتعلم كيف نتعامل مع باقي المقاطع، ولا سيما التي لا تقدم فيها القصة التاريخية شيئاً جديراً بالناموس الإلهي[12].

الفرق بين سارة وهاجر

إذاً إسماعيل، ابن الجارية، وُلد “حسب الجسد”، في حين أن إسحق، ابن المرأة الحرة، لم يولد بحسب الجسد ولكن “بحسب الموعد” ويقول الرسول بصددهم إن هاجر ولدت للعبودية[13]” شعباً جسدياً، في حين أن سارة، المرأة الحرة، ولدت شعباً غير جسدي ولكن شعباً دعي في الحرية[14]، “الحرية التي حرره المسيح بها[15]“. لقد قال المسيح نفسه في الواقع: “إن حرركم الابن فبالحقيقة تصيرون أحراراً[16].” ولنر ما يضيفه الرسول في عرضه: “ولكن كما كان حينئذ ابن الجسد يضطهد ابن الروح، هكذا الآن أيضاً[17]. ” انظر كيف يعلمنا الرسول أنه في كل شيء الجسد يقاوم الروح سواء كان الشعب الجسدي اليهود الذي يقاوم الشعب الروحي (المسيحيين)، أو الذين بيننا لا يزالون جسديين ويقاومون الروحيين. لأنك أنت أيضاً إن عشت “حسب الجسد” وإن سلكت “حسب الجسد” تكون ابنا لهاجر، وبالتالي أنت تقاوم من يعيشون “حسب الروح”. لكن إذا بحثا أيضاً داخل أنفسنا لوجدنا أن “الجسد له شهوات مضادة للتي للروح والروح ضد شهوات للجسد، وهذان يقاوم أحدهما الآخر[18]“، ولوجدنا أن “هناك ناموساً في أعضائنا يقاوم ناموس ذهننا، ويسبينا إلى ناموس الخطية[19].” فهل ترى كيف أن حروب الجسد ضد الروح خطيرة؟ وهناك أيضاً حرب أخرى قد تكون أشد من كل ذلك، وهي التي تأتي من أن الذين يفهمون الناموس جسدياً يقاومون الذين يفهمونه روحياً ويضطهدونهم. لماذا؟ لأن “الإنسان الطبيعي لا يقبل ما الروح الله، هي عنده جهالة، ولا يقدر أن يفهم أنه إنما يحكم فيه بالروح[20].

ولكن إذا كنت تحمل داخلك “ثمر الروح الذي هو: الفرح، المحبة السلام، طول الأناة[21]“، فأنت تريد. إذ لا تكون مولوداً بحسب الجسد ولكن بحسب الوعد – أن تكون إسحق، وأنت ابن المرأة الحرة[22]، شرط أن تستطيع القول مثل بولس الرسول “إن كنا نسلك في الجسد، فلسنا حسب الجسد نحارب . لأن أسلحة محاربتنا ليست جسدية، بل قادرة أمام الله على هدم حصون. ونهدم ظنوناً وكل علو يرتفع ضد معرفة الله[23]“. وإن تمكنت من أن تكون مستأهلاً الآن ينطبق عليك أيضاً باستحقاق قول الرسول “وأما أنتم فلستم في الجسد تعيشون بل في الروح إن كان روح الله يسكن فيكم[24]“، وإن كنت تحيا إذاً بهذا الشكل، فلا تكون مولوداً حسب الجسد بل بحسب الروح بمقتضى الموعد، وتصير وارث المواعيد كما قيل “ورثة الله ووارثون مع المسيح[25]“، ولن تكون وارثاً مع الذي تولد حسب الجسد” ولكن وارثاً مع المسيح، لأننا “إن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد، فالآن لا نعرفه بعد هكذا[26].”

إسحق يلهو مع إسماعيل

۳ غير أننا إذا توقفنا عند المكتوب، فلا أدرك ما الذي دفع سارة أن تأمر بطرد ابن الجارية. فقد كان يلعب مع ابنها إسحق، فأي ضرر أو أذي كان من الممكن أن يسببه له أثناء اللعب؟ وكما لو لم يكن مقبولاً، في هذه السن، أن يلعب ابن الجارية مع ابن المرأة الحرة ثم أنني أندهش أيضاً من أن الرسول قد أكد أن هذا اللعب كان اضطهاداً حين يقول: “ولكن كما كان حينئذ الذي ولد حسب الجسد يضطهد الذي حسب الروح، هكذا الآن أيضاً[27]“؛ إذ إنه لا توجد إشارة إلى أي اضطهاد لإسماعيل ضد إسحق سوى لعب الأطفال الوحيد هذا. ولكن لنرى المعنى الذي أعطاه بولس الرسول لهذا اللعب وما أغاظ سارة.

لقد سبق أن قلنا في أثناء تفسير روحي إن سارة كانت تمثل الفضيلة[28]، وعليه، إذا خادع الجسد، الذي شغل دوره إسماعيل الذي ولد حسب الجسد، الروح التي هي إسحق، وجذبه بخدع مغرية، وإذا استماله بالملذات، وأضعفه بالشهوة، فإن مثل هذا اللعب بين الجسد والروح ينال على الأخص من سارة التي هي “الفضيلة”، ويرى بولس الرسول أن مثل هذه المخادعات تعد اضطهاداً مضنياً جداً.

فلا تظن إذن، أنت يا من تسمع، أنه لا يوجد اضطهاد إلا حين يرغمك عنف الوثنيين على أن تذبح للأوثان[29]، ولكن إذا حدث وجذبتك شهوة الجسد، إذا أغواك جمال المتعة الحسية، فاهرب منها، أنت يا من هو ابن الفضيلة، كما من اضطهاد شديد جداً. لذلك يقول الرسول أيضاً “اهربوا من الزنا[30]“، وبالمثل إن خدعك الظلم ليجعلك تحكم حكماً جائراً اعتباراً لشخص قوي[31] تؤثر فيك مكانته، فيجب عليك أن تفهم أنك تحت ستار اللعب ضحية اضطهاد الظلم المخادع. وبالمثل، بالنسبة لكل أنواع الشرور، مهما بدت حلوة ولطيفة وأشبهت اللعب، فاعتبرها بمثابة اضطهاد للروح بما أن الفضيلة هي التي أضيرت في كل هذا.

 ابن الجارية وابن المرأة الحرة

4 هناك إذا ابنان لإبراهيم: “واحد من الجارية والآخر من الحرة[32]“، الاثنان ابنان لإبراهيم وإن لم يكن كلاهما ابني المرأة الحرة، لذلك وإن لم يصر من ولد من الجارية وارثاً مع ابن المرأة الحرة، فإنه قد حصل مع ذلك هو أيضاً على خيرات ولم يصرف خالياً، فهو أيضاً قد حصل على بركة، ولكن ابن المرأة الحرة قد نال الموعد. لقد صار هو أيضاً “أمة كبيرة[33]” ولكن الآخر قد صار الشعب المختار.

ومن الناحية الروحية إذاً، كل من يقبلون بالإيمان إلى معرفة الله يمكنهم أن يدعوا أبناء الإبراهيم، ولكن هناك بينهم من يلتصقون بالله حباً، وآخرون خوفاً ورعباً من الدينونة القادمة. لذلك يقول يوحنا الرسول: “من خاف فهو ليس كاملاً في المحبة، بل المحبة الكاملة تطرد الخوف[34]“، إذا من كان كاملاً في المحبة” فهو يولد من إبراهيم وهو ابن المرأة الحرة، أما من يحفظ الوصايا خوفاً من الدينونة العتيدة وخشية من العذاب القادم وليس عن محبة كاملة، فهذا يكون هو أيضاً ابنا لإبراهيم وينال أيضاً خيرات أي جزاء أعماله. لأن “كل من أعطى فقط أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد باسم تلميذ، فإنه لا يضيع أجره[35]“. ولكنه مع ذلك أدنى من الكامل الذي يخدم لا في عبودية الخوف بل في حرية المحبة. وقد أسمعنا الرسول أمراً مشابهاً حين قال: “ما دام الوارث قاصراً، لا يفرق شيئاً عن العبد، مع كونه صاحب الجميع، بل هو تحت أوصياء أو وكلاء إلى الوقت المحدد من الأب[36]” يكون إذا طفلاً من “يتناول اللبن ولا يقدر أن يتذوق كلام البر ولا أن يتناول الطعام القوي[37]” الذي للحكمة الإلهية وعلم الناموس، ومن لا يستطيع أن “يقارن الروحيات بالروحيات[38]“، ومن لا يقدر أيضاً أن يقول “لما صرت رجلاً تركت ما للطفل[39]“، فهذا إذا “لا يفرق شيئا عن العبد[40]“. ولكن إن اتجه نحو الكمال “تاركاً التعليم الأولي عن المسيح[41]“، وطلب ما فوق، حيث المسيح جالس عن يمين الله، ويهتم بما فوق لا ما على الأرض[42]“، إن لم تتعلق أنظاره بالأشياء التي ترى، بل بالتي لا ترى[43]“، إن لم يتبع في الكتابات الإلهية “الحرف الذي يقتل ولكن “الروح الذي يحيي[44]“، فحينئذ يكون دون أدنى شك من بين هؤلاء الذين لم يأخذوا روح عبودية ليكونوا بعد في الخوف، بل روح تبني فيه يصرخون: يا أبا الآب[45]“.

قربة الماء التي كانت بحوزة هاجر في الصحراء

5 لنرى الآن ما فعله إبراهيم بعد أن عبرت سارة عن سخطها. لقد طرد الجارية وابنها ولكنه أعطاها مع ذلك قربة ماء[46]، فالأم في الواقع لا تملك بئر ماء حي ولم يكن الابن قادراً على أن يسحب الماء من بئر[47]. أما إسحق، فلديه آبار مياه والتي من أجلها خاض حروباً مع الفلسطينيين[48]. لكن إسماعيل كان يشرب من قربة وهذه القربة تنفذ بطبيعة الحال، ولذلك عطش ولم يجد آباراً.

أما أنت “نظير إسحق، ابن الموعد[49]“، “اشرب مياه ينابيعك، لا تفض مياهك خارج آبارك، لتجري مياهك على ساحاتك.[50]” غير أن “الذي ولد حسب الجسد[51]“، يشرب الماء من القرية، والماء نفسه ينقصه كما ينقص في الكثير من المناسبات. القربة هي حرف الناموس التي يشرب منها هذا الشعب الجسدي ويستخرج منها معناه [أي معنى الحرف]، وكثيرا ما يغيب عنه هذا الحرف ولا يمكن أن يكون له تفسيراً؛ ويبدو التفسير التاريخي في الكثير من الموضوعات قاصراً[52]. أما الكنيسة فهي تشرب من المنابع الإنجيلية والرسولية التي لا تنضب أبداً والتي تتدفق على ساحاتها” لأنها تفيض دائماً وتسيل في مساحات التفسير الروحي الواسعة. وهي تشرب أيضاً من الآبار حين تنقل وتنقب عن معنى أكثر عمقاً في الناموس. وأعتقد أيضاً أن ربنا ومخلصنا، إكراما لهذا السر، كان يتكلم مع السامرية، حين كان يقول لها كما لو كان يتحدث مع هاجر نفسها: “كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً، ولكن من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد[53]“. فقالت هذه المخلص: “يا سيد أعطني من هذا الماء، لكي لا أعطش ولا آتي إلى هنا لأستقي[54]“، فقال لها الرب: “من يؤمن بي يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى الحياة الأبدية[55]“.

الله يفتح أعين هاجر

6 إذا كانت هاجر هائمة على وجهها في الصحراء مع ولدها وكان الولد يبكي، فطرحته هاجر على الأرض قائلة: “لا أريد أن أنظر موت ابني[56]“، ثم، حين ترك الولد وكأنه قد أوشك على الموت بالفعل وحين بكي، اقترب منها ملاك الرب وفتح أعين هاجر فأبصرت بئر ماء حي[57]“. فكيف نوفق هذا مع القصة؟ أين نجد أن أعين هاجر كانت مغلقة وانفتحت بعد ذلك؟ أليس التفسير الروحي والسري هنا أوضح من النهار؟ ها هو [التفسير الروحي والسري]: إن الشعب الذي يحيا بحسب الجسد قد رفض ويرقد في الجوع والعطش، وهو يعاني ليس من جوع إلى الخبز ولا من عطش إلى الماء ولكن من عطش إلى كلمة الله[58]، إلى أن تنفتح عيون المجمع، السبب الذي لأجله يقول الرسول أن هناك “سراً” هو أن “العمى قد أصاب جزءًا من إسرائيل إلى أن تدخل جموع الأمم، وحينئذ سيخلص جميع إسرائيل.[59]” هذا هو إذا العمى عند هاجر التي ولدت حسب الجسد، والذي يبقى فيها إلى أن يرفع ملاك الله “برقع الحرف[60]” وترى الماء “الحي”. واليوم يرقد اليهود حول البئر نفسه لكن أعينهم مغلقة ولا يستطيعون الشرب من آبار الناموس والأنبياء.

ولنحترس نحن أيضاً لأننا كثيراً ما نرقد حول بئر الماء الحي، أي الكتابات الإلهية، ونتوه في وسطها. نحن لدينا الأسفار ونقرأ فيها، ولكننا لا نذهب حتى نصل إلى المعنى الروحي. وإذا كان لا بد من الدموع ومن الصلاة المستمرة حتى يفتح لنا الرب أعيننا، فذلك لأن الأعميين الجالسين عند أريحا لما تكن أعينهما لتنفتحان لو لم يكونا قد دعوا الرب بصراخهما[61]. ولكن ماذا أقول حتى يفتح أعيننا وهي مفتوحة بالفعل لأن يسوع قد جاء ليفتح عيون العمي[62]. لقد فُتحت أعيننا إذن ورفع البرقع الذي كان يغطي حرف الناموس، لكنني أخشى أن نغلقها نحن بأنفسنا من جديد بنوم أعمق، حين نتوقف عن السهر في الفهم الروحي، ولا ننشغل بنزع النوم عن أعيننا ولا بتأمل الروحيات فنصبح في خطر التوهان مع الشعب الجسداني على الرغم من موقفنا الذي يجعلنا قريباً جداً من الماء نفسه. ولكن لنسهر بالحري إذن مع النبي قائلين: “لن أعطي نعاساً لعيني ولا غفوة لأجفاني ولا راحة لرأسي، إلا حين أجد موضعا للرب، ومسكنا لإله يعقوب[63]“، “له المجد والقوة إلى أبد الآبدين. آمين[64]“.

[1] انظر: ۲ کو 3: 15.

[2] انظر: تك ۲۱: 5.

[3] انظر: تك 21: 7.

[4] انظر: تك ۲۱: 4.

[5] انظر: تك ۲۱: ۸.

[6] انظر: ۱ تس ۲: ۲۰، ۱۹.

[7] انظر: عب 5: 12، 14.

[8] انظر: 1كو 3: 1-2.

[9] انظر: 1كو 3: 1-2.

[10] انظر: تك 21: 10.

[11] انظر: غل 4: 21-24.

[12] يريد أوريجينيس أن يوضح أن القصة التاريخية والرمز متكاملان. وهو يرى أن التفسير الحرفي لا يقدم دائما المعنى السامي الذي يسعى للوصول إليه. ومنذ ظهور أول ترجمة لتلك العظات باللغة الفرنسية، تم تناول مفهوم أوريجينيس لمعاني الكتاب المقدس العديد من المرات.

[13] انظر: غل 4: 24.

[14] انظر: غل 5: ۱.

[15] انظر: غل 5: ۱۳.

[16] انظر: يو ۸: 36.

[17] انظر: غل 4: ۲۹.

[18] انظر: غل 5: ۱۷

[19] انظر: رو ۷: ۲۳.

[20] انظر: ۱ کو ۲: 14.

[21] انظر: غل 5: ۲۲.

[22] انظر: غل 4: ۲۳، ۳۰.

[23] انظر: 2كو 10: 3-5.

[24] انظر: رو ۸: ۹.

[25] انظر: رو 8: 17.

[26] انظر: 2كو 5: 16.

[27] انظر: غل 4: ۲۹.

[28] ارجع إلى العظة 6: ۱.

[29] يجب الإشارة إلى هذا التلميح الواضح جدا للاضطهادات الوثنية، فقد كان المجتمع المسيحي في هذا الوقت يعيش تحت وطأة هذا التهديد، وهو ليس اضطهادا وهميا؛ إذ إن أوريجينيس نفسه قد تعرض لآثاره عقب سنة ۲۰۰م. وقد كتب أوريجينيس كتاب “الحث على الاستشهاد” في بداية اضطهاد الإمبراطور مکسیمیان (۲۳۰۵م : ۲۳۸م). وتأتي العظات على سفر التكوين في عصر الإمبراطور داكيوس. وسيقول أوريجينيس لاحقا في العظة ۸: ۸ على سبيل المثال: “عندي شهوة الاستشهاد”.

[30] انظر: 1كو 6: 18.

[31] انظر: لا 19: 15.

[32] انظر: غل 4: ۲۲.

[33] انظر: تك 21: 13.

[34] انظر: 1 يو 4: ۱۸.

[35] انظر: مت 10: 42.

[36] انظر: غل 4: 1-2.

[37] انظر: عب 5: 13، 14.

[38] انظر: ۱ کو ۲: ۱۳.

[39] انظر 1كو 13: 11.

[40] انظر: غل 4: ۱.

[41] انظر: عب 6: ۱.

[42] انظر: كو 3: 1-2.

[43] انظر: 2كو 4: 18.

[44] انظر: 2كو 3: 6.

[45] انظر: رو 8: 15.

[46] انظر: تك ۲۱: 14.

[47] انظر: تك 21: 19.

[48] انظر: تك 26: 15 وما بعده وانظر لاحقا العظة (۱۳: ۱).

[49] انظر: غل 4: ۲۸.

[50] انظر: أم 5: 15 – 16.

[51] انظر: غل 4: ۲۹.

[52] انظر بعض الأمثلة الفقرات التي يبدو فيها التفسير التاريخي قاصرا في العظة ۲: 6.

[53] انظر: يو 4: 13 – 14.

[54] انظر: يو 4: 15.

[55] انظر: يو 6: 47؛ يو 4: 14.

[56] انظر: تك 21: 14، 16,

[57] انظر: تك 21: 19.

[58] انظر: عا ۸: ۱۱.

[59] انظر: رو ۱۱: 25. لاحظ اختلاف كلمة “العمى” التي استخدمها أوريجينيس عن كلمة “القساوة” الواردة في نص الكتاب المقدس.

[60] انظر: ۲ کو 3: 16.

[61] انظر: مت ۲۰: ۳۰.

[62] انظر: إش 42. 7.

[63] انظر: مز 131: 4-5 (حسب السبعينية).

[64] انظر: 1بطر 4: 11: رؤ 1: 6.

Exit mobile version