بعل امرأة واحدة – الرد على الفهم الخاطيء – توماس رفعت

بعل امرأة واحدة – الرد على الفهم الخاطيء – توماس رفعت

بعل امرأة واحدة – الرد على الفهم الخاطيء – توماس رفعت

 

منذ أيام قليلة كتب أحدهم هذه الكلام محاولا ان يقول ان المسيح ليس هو الذي وضع شريعة الزوجة الواحدة بل بولس الرسول؟

 

الرد

السيد المسيح هو من وضع شريعة الزوجة الواحدة

“فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى؟” (مت 19: 4).

 

لنرى تفسير القمص انطونيوس فكرى للنص

خلقهما ذكرًا وأنثى= الرب هنا يقرر شريعة الزوجة الواحدة، فالله خلق امرأة واحدة لآدم، بالرغم من حاجته لزيادة النسل في الأرض ولأن الله خلق امرأة واحدة لآدم، فكيف يطلقها أو يختار غيرها.

 

ثم يكمل الرب ويقول

مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا.

 

تفسير القمص انطونيوس فكرى

يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته= الرابطة الزوجية أقوى من كل الروابط العائلية ولا تفك. فإن كان الرجل لا يمكنه تغيير أباه وأمه مهما سببوا له من المتاعب، فهو إذًا لا يمكنه تغيير امرأته التي ترك أباه وأمه بسببها.

 

ويعلق وليام ماكدونالد على تلك الاعداد

أوضح ربنا با قصد الله من البداية بان يكون للرجل زوجة واحدة حية، فالله الذي خلق ذكرا وانثى قرر ان العلاقة ان العلاقة الزوجية يجب

ان تحل محل العلاقة الابوية، وقد سبق وأعلن ان الزواج هو عملية اتحاد بين شخصين، لذلك فالترتيب الإلهي يقضى بأن الرباط المقرر من الله لا يحله أي قرار بشرى.

 

 والرب نفسه يقول في مرقص 10: 11

فقال لهم: «من طلق امراته وتزوج بأخرى يزني عليها. 12 وان طلقت امرأة زوجها وتزوجت باخر تزني».

فالرب يمنع أي من الزوجين ان يطلق الاخر ويتزوج بشخص اخر، سواء رجل او امراه، والرب الذي يمنع طلاق أحد الزوجين وزواجه من اخر لغير علة الزنى، ان يمنع تعدد الزواج.

 

لندخل الان على النص الذي طرحه المعترض

فيجب ان يكون الاسقف بلا لوم، بعل امرأة واحدة (تي 3: 2)

ليكن الشمامسة كل بعل امرأة واحدة (تي 3: 12)

النصوص تتكلم أولا عن الأساقفة والشمامسة، ولكن لا تعنى كما قال المعترض، تعدد الزوجات، بل تعنى ان الاسقف المتزوج إذا ماتت امراته، لا يتزوج بعدها، يقول وليام ماكدونالد

 

بعل امرأة واحده: لقد فهم هذا الامر بطرق مختلفة: اقترح بعضهم ضرورة ان يكون الاسقف متزوجا، وحجتهم ان الرجل الاعزب تعوزه الخبرة الكافية لمعالجة مشاكل عائلية عندما تظهر.

 

اخرون قالوا ان بعل امراه واحده تعنى انه لا يحق لأسقف ان يتزوج ثانيه بعد في حال وفاة زوجته الأولى، وهذا التفسير الجازم قد يعكس بعض الأفكار المتشددة عن قداسة العلاقة الزوجية، وبحسب التفسير الثالث، ان هذه الكلمات تحظر على الاسقف الطلاق، ولهذا الرأي قيمة عظيمة، مع كونه لا يكاد يظهر التفسير الكامل.

 

ويقول رأي اخر بانه ينبغي الا يكون الاسقف مذنبا في أي شكل من عدم الأمانة او الشذوذ في زواجه، يجب ان تكون حياته الأخلاقية فوق كل الشبهات، ان هذا الامر صحيح بكل تأكيد، وذلك بمعزل عن أي معنى أخر قد يفيده هذا النص.

 

وتفسير اخر يقول انه لا يحق لأسقف ان يكون بعلا لعدة زوجات، وقد يكون التفسير مستهجنا عندنا، لكنه لا يخلو من قيمة عظيمة، ففي أيامنا قد يحدث ان رجلا عنده زوجات ينال الخلاص بفضل العمل الإرسالي، وربما له اربع زوجات عند اهتدائه، ويطلب من الكنيسة ان يعتمد ويقبل في الكنيسة المحلية، فكيف على المرسل ان يتصرف عندئذ؟، يجيب احدهم انه ينبغي عليه التخلص من ثلاث من زوجاته، الا ان هذا العمل يشكل صعوبة جمة، فقد يحار من يطلق من نسائه، لأنه يحبهن جميعهن، فالحل الإلهي ان يسمحون للرجل ان يعتمد، ويصبح مقبولا في الكنيسة، ولكن لا يحق له ان يكون شيخا في الكنيسة مادام متزوجا بأكثر من زوجة واحدة.

 

تفسير القمص انطونيوس فكري

بعل امرأة واحدة = لا تعني أنه يجب أن يكون بعل امرأة واحدة، بل أن لا يكون له أكثر من امرأة واحدة، فاليهود كانوا يسمحون بالزواج من اكثر من امرأة، وكان اليهودي إذا آمن بالمسيحية يظل محتفظاً بزوجتيه. أما الأسقف فلا يجب أن يكون له أكثر من زوجة وإن ماتت زوجته الأولى لا يكون متزوجاً بامرأة ثانية، الرسول يريد لمنصب الأسقفية أكثر الناس عفة. والكنيسة فضلت أن يكون منصب الأسقف للرهبان البتوليين بعد ذلك. وبولس نفسه كان بتولا غير متزوج.

 

تفسير الكنيسة القبطية

بعل امرأة واحدة: تزوج مرة واحدة أو لم يتزوج بعد الترمل، فهذا يعلن عفته باكتفائه بزواج واحد.

 

تفسير القمص تادرس يعقوب ملطي

ب. بعل امرأة واحدة: لم يضع الرسول هذا الأمر قاعدة بأنه يجب أن يكون له امرأة واحدة، إنما يمنع أن تكون له أكثر من امرأة واحدة، إذ كان يُسمح لليهود بالزواج الثاني (بعد وفاة الأولى أو تطليقها) بل وأن يكون له زوجتان في وقتٍ واحد.

 

القديس يوحنا الذهبي الفم:

بمعنى آخر لا يلزم الرسول الأسقف أن يكون متزوجًا لكنه يرفض سيامة من يتزوج للمرة الثانية حتى وإن كانت الأولى قد ماتت أو طُلقت. إنه يكتب في بدء انطلاق الكنيسة حيث كان تعدد الزوجات مباحًا وشائعًا عند الأمم، فإن دخل أحدهم الإيمان المسيحي لا يُقام أسقفًا إن كان قد سبق فتزوج أكثر من مرة. لقد أراد أن يختار الأسقف أكثر الناس عفة ونقاوة. أما وقد انفتح باب الرهبنة فقد وجد بيننا بتوليين لذلك صار الأسقف يُسام من بين البتوليين.

 

فكل هذه التفسيرات لا تؤيد رأي الأخ المعترض، فهي تقول انه غير مسموح لشخص تزوج مره أخرى بعد وفاة زوجته ان يسيم أسقفا، او ان كان أسقفا بالفعل وماتت زوجته، غير مسموح له ان يتزوج بعدها.

 

ولكن لكي نضرب رأى المعترض الضربة القاضية من داخل الكتاب المقدس نفسه، بل ومن نفس الرسالة التي بنى عليها اعتراضه في تيموثاوس الأولى 5: 9

 

لِتُكْتَتَبْ أَرْمَلَةٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ عُمْرُهَا أَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ سَنَةً، امْرَأَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ.

فعلى الرغم من ان الارملة زوجها متوفى الا انها تكتب انها زوجة رجل واحد، فما قاله الأخ المعترض ما هو الا انه اقتطع نصا واعطاه معنى وفكر مختلفا تماما، عن روح الكتاب المقدس.

بعل امرأة واحدة – الرد على الفهم الخاطيء – توماس رفعت

العظة الحادية عشر زواج إبراهيم من قطورة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الحادية عشر زواج إبراهيم من قطورة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الحادية عشر زواج إبراهيم من قطورة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

وإقامة اسحق عند بئر الرؤيا

عمر إبراهيم وقت زواجه الثاني

1 يقدم لنا دائماً الرسول القديس فرصاً لاكتشاف المعنى الروحي ويعطي المسيحيين المتحمسين إرشادات. صحيح أنها قليلة ولكن لا غنى عنها. ليعرفهم أن “الناموس روحي[1]” دائماً. ويقول، متحدثاً في مقطع عن إبراهيم وسارة: “دون أن يضعف في إيمانه، لم يعتبر أن جسده قد صار مماتاً؛ إذ كان ابن نحو مئة سنة، ولا مماتية مستودع سارة.[2]

هذا الرجل الذي قال عنه الرسول إن جسده قد همد عند بلوغه مائة عام، وإنه أنجب إسحق بقوة الإيمان أكثر مما بسبب خصوبة الجسد، هوذا الكتاب يخبرنا الآن إنه قد اتخذ امرأة تدعى قطورة وأنجب منها أبناء كثيرين فيما كان عمره يناهز مائة وسبع وثلاثون عاماً[3]، لأن سارة امرأته كانت تصغره، وفقا للكتاب، بعشرة أعوام[4]، وأنها ماتت حين كانت تبلغ مائة وسبعاً وعشرين عاماً[5]، مما يعني أن إبراهيم كان قد تجاوز المائة والسبع والثلاثين عاما حين تزوج قطورة.

التفسير الروحي لهذا الزواج

الحكمة

ماذا نستطيع أن نستنتج من ذلك؟ هل يجب إن نعتقد إن بطريركاً عظيماً مثل إبراهيم كان قد شعر بمثيرات الجسد؟ أ يجب أن نظن أن ما قيل عنه مماتاً من زمن بعيد من جهة الحركات الطبيعية، قد أحس الآن إغراء الجسد وقد انبعث فيه من جديد؟ أ ولا يكون بالأحرى لزيجات البطاركة، كما سبق وقلنا كثيراً، معنى سري ومقدس، كما يشير إلى ذلك أيضاً من قال عن الحكمة “إني عزمت أن أتخذها لي زوجة.[6]

لقد فكر إبراهيم على الأرجح في شيء مثل هذا، فبالرغم من أنه كان حكيماً، إلا أنه كان يعلم أن الحكمة ليس لها حدود، وأن الشيخوخة لا تشير إلى الحد الذي يتم فيه التوقف عن التعلم[7]. فمتى يستطيع من اعتاد أن يقيم زواجه بالطريقة التي أشرنا إليها أعلاه، أي أن يظل عادة في اتحاد مع الفضيلة، أن يوقف اتحاداً من هذا النمط؟ ويجب اعتبار موت سارة أيضاً بمثابة إتمام الفضيلة. فمن يمتلك فضيلة متممة وكاملة يجب عليه دائماً أن يثابر في البحث والدراسة، فإن هذه الدراسة هي التي يدعوها التعبير الإلهي “زوجته”.

الذرية الروحية

أظن أن هناك بسبب ذلك لعنة في الناموس للأعزب والرجل العقيم. فقد قيل في الواقع: “ملعون من لا يترك نسلاً في إسرائيل.[8]” فإذا فهمنا هذا الكلام عن النسل الجسدي، فسيبدو كل متبتلي الكنيسة وقد شملتهم اللعنة. وماذا أقول عن متبتلي الكنيسة؟ فالقديس يوحنا نفسه “الأعظم بين المولودين من النساء[9]“، والعديد من القديسين الآخرين لم يتركوا ذرية جسدية؛ إذ إنه لم يخبرنا بأنهم حتى قد تزوجوا، ولكن من المؤكد أنهم قد تركوا ذرية روحية وأبناء روحيين وأن الحكمة كانت زوجة لهم جميعاً، مثل بولس الرسول الذي “ولد أبناء بالإنجيل.[10]

إذا تزوج إبراهيم من قطورة وهو شيخ وجسده كان قد صار مماتاً بالفعل. أما أنا فأعتقد أنه من الأفضل من أجل السبب الذي ذكرناه سابقاً. الزواج عندما يكون الجسد مماتاً وعندما تكون الأعضاء مماتة[11]“، لأن حواسنا تكون قادرة بشكل أكبر على استقبال الحكمة عندما تتحمل موت الرب يسوع في جسدنا[12]” المائت.

رائحة المسيح الذكية

إن اسم قطورة -التي اختارها إبراهيم زوجة له في شيخوخته. يعني البخور أو الرائحة الذكية. وهو نفسه كان يقول، وفقاً لقول بولس الرسول: “لأننا رائحة المسيح الذكية[13]“. ” فلنر كيف نصير رائحة المسيح: إن الخطية شيء رائحته كريهة، وقد تم تشبيه الخطاة بالخنازير[14] وهم يتمرغون في خطاياهم كما في قمامة منتنة، ويقول داود النبي كخاطئ تائب: “حُبُرُ ضربي منتنة ومتقيحة.[15]

۲ أي واحد منكم لا يحمل إذا رائحة الخطية ولكن يحمل على العكس رائحة البر وعذوبة الرحمة؟ كل من يقدم للرب بلا انقطاع بخور صلاة “غير منقطعة[16]“، ويقول: “لتصعد صلاتي إليك كالبخور قدامك. ليكن رفع يدي كذبيحة المساء[17]“، فذاك يكون قد اتخذ قطورة زوجة له.

تعدد الزوجات عند الآباء البطاركة يرمز لتعدد الفضائل

هذه في رأيي هي أفضل طريقة لشرح عرس الشيوخ، فنحن بذلك نتفهم جيداً كون البطاركة قد أقاموا زيجات في نهاية حياتهم، في سن متأخرة، وهكذا يبدو لي من الضروري ذكر الأبناء الذين أنجبوهم. فبالنسبة إلى هذا النوع من الزيجات ولمثل هذا النسل، يكون الشباب أقل قدرة من الشيوخ، لأنه كلما كان الجسد منها كانت قوة الروح أكبر، وكنا جديرين بمعانقة الحكمة. هكذا يخبرنا الكتاب أن ألقانة البار كان لديه زوجتان في نفس الوقت[18]، الواحدة تدعى فننة، والأخرى حنة، أي الاهتداء والنعمة. وقد أنجب أولاً أولاداً من فننة، أي الهداية، وبعد ذلك من حنة التي ترمز للنعمة.

ويشير الكتاب في الواقع رمزياً إلى تقدم القديسين من خلال الزيجات. لذلك تستطيع أنت أيضاً، إن أردت أن تكون عريساً في زواج من هذا النوع (أي تتحد مع إحدى هذه الفضائل). فإذا مارست على سبيل المثال لفضيلة الضيافة من قلب متسع فسيبدو أنك قد اتخذتها زوجة لك، وإذا أضفت إليها العناية بالفقراء فسيبدو أنك قد اقتنيت زوجة ثانية. وإن تعلقت بالصبر واللطف وبالفضائل الأخرى، فسيبدو أنك قد حصلت على زوجات بمقدار الفضائل التي تمتلكها. لذلك يشير الكتاب إلى أن بعض البطاركة كان لديهم أكثر من زوجة في نفس الوقت، وأن هناك آخرين قد اتخذوا لهم زوجات أخرى بعد وفاة الزوجة الأولى[19]. وهو يريد أن يشير من هنا بشكل رمزي إلى أن هناك أشخاصاً يمكنهم أن يمارسوا العديد من الفضائل في نفس الوقت، في حين أن هناك أشخاصا آخرين يجب أن يصلوا [بالفضائل] الأولى إلى الكمال قبل البدء في الفضائل التالية. وسليمان الملك الذي قال له الرب: “لم يكن حكيم مثلك قبلك، ولا يكون من بعدك[20]“، كان لديه العديد من الزوجات في نفس الوقت، لأن الرب كان قد أعطاه حكمة غزيرة “مثل رمل البحر[21]” ليحكم شعبه بالحكمة[22]، وكان يمكنه ممارسة أكثر من فضيلة في آن واحد.

الزوجات الأجنبيات رمز للعلوم الوثنية

وإن كنا نحن أيضاً. على هامش تعاليم ناموس الله بالطبع. قد اتصلنا أيضاً ببعض العلوم الدنيوية التي تبدو آتية من الخارج مثل الأدب على سبيل المثال أو النحو، ومثل الهندسة والحساب أو حتى الجدلية، وإذا جعلنا كل تلك العلوم المأخوذة من خارج تعاليمنا تتعاون واعتمدناها من أجل الدفاع عن حقيقة شريعتنا، فسيبدو بذلك أننا قد اتخذنا لنا زوجات أجنبيات أو حتى سراري[23]. وإذا كان النقاش وتقديم البراهين ودحض المناقضين يسمح، من جهة هذه الزيجات، باجتذاب بعض منهم للإيمان، وإن أقنعناهم. مستخدمين علومهم وأساليبهم الخاصة بشكل أفضل منهم[24]. بتلقي فلسفة المسيح الحقة وتقوى الله الحقيقية، فإننا نكون قد أنجبنا أبناء[25] من الجدلية أو من البلاغة كما من أجنبيات أو سراري[26].

وهكذا إذاً، فإن الشيخوخة لا تعيق أحداً عن عقد مثل هذه الزيجات أو إنجاب أبناء بهذه الطريقة. يضاف إلى ذلك أن هذه الذرية الطاهرة تتناسب بصورة أكبر مع السن الناضجة. وهكذا اتخذ إبراهيم قطورة زوجة له، وهو مسن جداً وكما يقول الكتاب تشيخ ومتقدم في الأيام[27]“.

ذرية إبراهيم

ولكن في المعطيات التاريخية، لا يجب أن يفوتنا ما هي وكيف تكون الذرية التي نشأت عن هذا الزواج. فإذا ما احتفظنا بهذه [المعطيات] في ذاكرتنا، نستطيع بصورة أسهل أن نفهم ما يقوله الكتاب عن الأمم المختلفة. فالكتاب يقول على سبيل المثال إن موسى قد اتخذ بنتاً من بنات يثرون كاهن مديان زوجة له[28]، ومديان هذا هو أحد أبناء قطورة وإبراهيم[29]. فنحن نعلم إذن أن زوجة موسى هي من نسل إبراهيم ولم تكن أجنبية، أو حين يذكر الكتاب “ملكة قيدار[30]” فينبغي أن نعرف أن قيدار أيضاً هو من نسل قطورة وإبراهيم[31]. وستقوم في نسل إسماعيل باكتشافات مماثلة. فستستخرج عند البحث في هذه الأنساب الكثير من المعلومات التي فلتت من آخرين. ولكن بالنسبة لنا، فلنؤجل هذا الموضوع إلى مرة أخرى ولنسرع إلى متابعة القصة.

موت إبراهيم

3 يقول الكتاب “وحدث بعد موت إبراهيم أن الله بارك إسحق ابنه، وسكن عند بئر الرؤيا[32]“. فماذا يمكننا أن نضيف، حول موت إبراهيم، إلى ما يحتويه قول الرب في الأناجيل: “وأما من جهة قيامة الأموات، أفما قرأتم كيف يتحدث الكتاب في أمر العليقة: إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب؟! الله ليس هو إله الأموات بل إله الأحياء، لأن الجميع أحياء أمامه؟[33]” لنرجو إذن لأنفسنا موتاً من هذا النوع حتى إذ نكون أمواتاً عن الخطية نحيا لله.[34]” لأننا يجب أن نفهم موت إبراهيم هكذا: لقد وسع أحضانه حتى أن كل القديسين الذين يأتون من جهات العالم الأربع، “تحملهم الملائكة إلى حضن إبراهيم.[35]

بئر الرؤيا

لكن لنرى الآن كيف بارك الرب، بعد موت إبراهيم، إسحق ابنه، وما هي تلك البركة. يقول الكتاب: “بارك الله إسحق، وسكن عند بئر الرؤيا[36]“. هذه هي كل البركة التي أعطاها الرب لإسحق؛ أنه أسكنه عند بئر الرؤيا. وهي في الحقيقة بركة هامة لمن يستطيع أن يفهم؛ فليعطني الرب إياها أنا أيضاً حتى أستحق أن أسكن “عند بئر الرؤيا”!

من ذا الذي يمكنه أن يعرف ويفهم الرؤيا التي رآها إشعياء بن آموص[37]؟ ومن يستطيع أن يعرف رؤيا ناحوم[38]؟ ومن يقدر أن يفهم فحوى رؤيا يعقوب التي رآها في بيت إيل حين كان ذاهباً إلى ما بين النهرين، حين قال لها هو بيت الله، وباب السماء[39]“؟ إن كان هناك أحد يستطيع أن يعرف ويفهم كل الرؤى التي في الناموس أو في الأنبياء، فهذا يسكن “عند بئر الرؤيا” ولكن تأمل بأكثر انتباه في أن البركة الكبيرة التي استحق إسحق أن ينالها من الرب كانت أنه تسكن قرب بئر الرؤيا”. أما نحن، فمتى يمكننا أن نستحق ألا نفعل شيئا سوى المرور عبر بئر الرؤيا؟ لقد استحق إسحق أن يظل في الرؤيا وأن يسكن هناك، ونحن بالكاد يمكننا، بفضل إنارة رحمة ربنا، أن ندرك أو أن يخطر فقط ببالنا مقتطفات من كل رؤيا.

غير أنني إن استطعت أن أدرك معنى واحداً من رؤى الله، فسيبدو أنني قد قضيت يوماً بالقرب من بئر الرؤيا. وإن استطعت أن أصل إلى شيء منها ليس فقط بحسب الحرف ولكن أيضاً بحسب الروح، فسيبدو أنني قد قضيت يومين بالقرب من بئر الرؤيا. وإذا دخلت حتى إلى المعنى الأخلاقي، فأكون قد أقمت ثلاثة أيام هناك. وعلى كل حال، إن كنت مواظباً. حتى دون أن أفهم كل شيء. على سماع الكتاب المقدس، وكنت أتأمل في ناموس الله نهاراً وليلاً[40]“، وإن لم أتوقف أبداً عن البحث والتنقيب والفحص وعن أن أصلي إلى الله وأن أطلب الفهم ممن يعلم الإنسان المعرفة[41]“، وهو ما يحدث قبل كل شيء، فسأسكن أنا أيضاً بالقرب من بئر الرؤيا[42]. أما، على العكس، إن تهاونت وإن لم أطبق كلمة الله في حياتي الخاصة والتي كثيراً ما أذهب إلى الكنيسة لسماعها، مثلما أرى البعض منكم يأتي فقط إلى الكنيسة في الأعياد، فمثل هؤلاء لا يسكنون عند بئر الرؤيا. وأخشى من جانبي ألا يشرب المهملون هكذا، حتى عندما يذهبون إلى الكنيسة، من بئر الحياة وألا يستعيدون قواهم، بل ينشغلون بالأعمال التي تهمهم جداً وبالهموم التي يحملونها معهم ويبتعدون عن آبار الكتاب بالعطش[43].

لتسرعوا إذن ولتبذلوا الجهود المرجوة لكي تحل عليكم بركة الرب التي ستجعلكم قادرين على السكن بالقرب من بئر الرؤيا، ولكي يفتح الرب أعينكم وتبصروا بئر الرؤيا وتأخذوا منه “الماء الحي[44]” الذي يصير فيكم “ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية[45].” ولكن ألا نذهب إلى الكنيسة إلا نادراً، وألا نستقي إلا نادراً من ينابيع الكتاب، وأن نغادر على الفور من هناك؛ وإذ ننشغل بأمور أخرى وننسى ما قد سمعناه، فهذا ليس السكن عند بئر الرؤيا.

دعني أريك من هو الذي لا يبتعد أبداً عن بئر الرؤيا: هو بولس الرسول. لقد كان يقول: “نحن جميعاً نتأمل مجد الرب بوجه مكشوف.[46]” وأنت إذا، إن فحصت على الدوام رؤى الأنبياء وإن رغبت باستمرار في التعلم، وتأملت هذه الرؤي وبقيت فيها، فتنال أنت أيضاً بركة الرب وتسكن عند بئر الرؤيا. وسيظهر لك أنت أيضاً الرب “على الطريق ويعلن لك معنى الكتب وستقول حينئذ: ” لم يكن قلبنا ملتهبا فينا حينما كان يكشف لنا الكتب[47]؟” ولكنه يظهر اللذين تتجه أفكارهم نحوه ويكون هو موضوع تأملاتهم ويحيون في “ناموسه نهاراً وليلاً[48]“، “له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين.[49]

[1] انظر: رو ۷: 14.

[2] انظر: رو 4: ۱۹.

[3] انظر: تك 25: 1 وما بعده.

[4] انظر: تك 17: 17.

[5] انظر: تك 23: 1.

[6] انظر: حك ۸: ۹.

[7] المقصود أن إبراهيم كان قد وصل لدرجة عالية من الحكمة ولكن هذا الكمال النسبي كان هو دافعه في السعي للوصول لدرجة أعلى من الكمال لأن الحكمة التي اكتسبها كانت تتيح له رؤية أعمق، فالحكمة التي لا تنضب هي ما يجب عليه أن يتتبعها طوال حياته.

[8] انظر: تث 7: 14؛ 25: 5-10.

[9] انظر: مت ۱۱: ۱۱.

[10] انظر: ۱ کو 4: 15.

[11] انظر: كو 3: 5.

[12] انظر: 2كو 4: 10.

[13] انظر: 2كو 2: 15.

[14] انظر: مت 8: 30.

[15] انظر: مز 37: 6 (حسب السبعينية).

[16] انظر: 1تس 5: 17.

[17] انظر: مز 140: 2 (حسب السبعينية).

[18] انظر: 1صم 1: 2 وما بعده.

[19] انظر: تك 16: 3؛ 25: 1.

[20] انظر: ۲ أخ ۱۲:۱؛ ۳ مل ۳: ۱۳ (حسب السبعينية).

[21] انظر: تك 22: 17.

[22] انظر: 2أخ 1: 11.

[23] انظر: نش 6: 7.

[24] انظر العظة 6: ۳ والعظة 14: 3.

[25] يشير هنا أوريجينيس إلى أن حكمة العالم التي اكتسبها، كانت طعما مفيدا جدا لجذب النفوس لحكمة الله. وهذه الأجنبيات وهذه السراري هي التي كان ينال منهن الكثير من الأبناء الروحيين.

[26] عن فائدة العلوم الدنيوية، ارجع إلى عظاته على سفر الخروج ۱۱: 6 وعظاته على سفر العدد ۲۰: ۳. انظر أيضاً الكنيسة وثقافة العصر، دكتور سامح فاروق، مركز باناريون للتراث الآبائي، الطبعة الأولى، القاهرة 2015.

[27] انظر: تك 24: 1.

[28] انظر: خر ۲: ۲۱.

[29] انظر: تك 25: ۲.

[30] انظر: إر 30: 23.

[31] انظر: تك 25: 13.

[32] انظر: تك 25: 11.

[33] انظر: مز 12: 26-27؛ لو 20: 37-38.

[34] انظر: رو 6: 10.

[35] انظر: لو 16: 22.

[36] انظر: تك 25: 11.

[37] انظر: إش 1: 1 وما بعده.

[38] انظر: نا 1: 1 وما بعده.

[39] انظر: تك 28: 17.

[40] انظر: مز ۱: ۲.

[41] انظر: مز ۹۳: ۱۰ (بحسب السبعينية).

[42] كلمة الرؤيا هذه، بعدما وسعها أوريجينيس لتشمل رؤى الأنبياء و”حالة رؤيا” إسحق، لا تعني بعد ذلك إلا إدراك الأسرار. وتصبح “الرؤيا” هي إدراك ما يحتويه الكتاب.

[43] حول إهمال المسيحيين الذهاب للكنيسة وسماع كلمة الرب، ارجع إلى العظة ۱۰: ۱.

[44] انظر: تك 26: 19.

[45] انظر: يو 4: 14.

[46] انظر: ۲ کو 3: ۱۸.

[47] انظر: لو 24: 32.

[48] انظر: مز 1: 2.

[49] انظر: 1بط 4: 11؛ رؤ 1: 6.

Exit mobile version