العظة السادسة أبيمالك وسارة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة السادسة أبيمالك وسارة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة السادسة أبيمالك وسارة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

كيف أراد أبيمالك ملك الفلسطينيين أن يتخذ سارة زوجة له

رواية الحادثة

1 تروي قصة سفر التكوين، التي قرأت لنا تواً، بعد ظهور ثلاثة الرجال، وعقب تدمير سدوم وصون لوط. سواء بسبب حسن استضافته للملاكين أو بفضل قرابته لإبراهيم -أن “إبراهيم رحل من هناك إلى أرض الجنوب[1]“، وجاء عند ملك الفلسطينيين. ووفقاً للقصة، فقد اتفق إبراهيم مع سارة امرأته على ألا تقول إنها زوجته بل أخته[2]، حتى أخذها أبيمالك الملك ليتزوجها. ولكن الله دخل إلى أبيمالك ليلاً وقال له: “أنت لم تمس هذه المرأة، وأنا لم أسمح لك بأن تمسها[3]” إلى آخره. وبعد ذلك ردها أبيمالك إلى زوجها وعاتب في نفس الوقت إبراهيم على أنه لم يخبره بالحقيقة. ووفقا للقصة أيضاً، فقد صلى إبراهيم لأبيمالك، بصفته نبي، “فشفى الرب أبيمالك وامرأته وجواريه[4]“. وقد اهتم الله القدير بشفاء جواري أبيمالك أيضاً لأنه كما يقول الكتاب “قد صيرهن عواقر حتى لا تلدن[5]“. وبسبب صلاة إبراهيم استطعن أن يلدن.

وجوب تفسير هذا النص روحياً

إن كل من لا يريد أن يدرك ويفهم هذه الرواية إلا بحسب الحرف فمن الأفضل له أن يجتمع مع اليهود من أن يجتمع مع المسيحيين. ولكن إن أراد أن يكون مسيحاً وأن يكون تلميذاً لبولس الرسول، فليسمعه يقول إن “الناموس روحي[6]“، ويعلن أنه حين كان [الناموس] يتحدث عن إبراهيم وزوجته وبنيه، فهذه كانت “أشياء مجازية[7].” ولكن بالطبع ليس من السهل على أي منا أن يتمكن من إيجاد أي أنواع من المجاز تحتوي هذه النصوص عليها، إلا أننا يجب أن نصلي حتى يرفع البرقع عن قلبنا، نحن الذين نجتهد كي “نتوجه إلى الرب[8]” لأن “الرب هو الروح[9]“، وحتى يرفع بنفسه برقع الحرف ويطلق نور الروح، وهكذا نستطيع أن نقول “ونحن ناظرین مجد الرب بوجه مكشوف، نتغير إلى الصورة عينها المشعة أكثر فأكثر، كما من روح الرب[10]“.

 سارة رمز الفضيلة

أعتقد إذا أن سارة التي يعني اسمها “متقدم أو “مبدأ مسيطر” تمثل الفضيلة الأخلاقية[11]. وقد اقترنت إذاً هذه الفضيلة وارتبطت بالرجل الحكيم الوفي، مثل الحكيم الذي قال من جانبه عن الحكمة: “التمست أن أتخذها لي عروساً[12].” لذلك قال الله الإبراهيم: “كل ما تقوله لك سارة تممه[13]“، وهذا القول لا يختص بالعلاقة الجسدية، لأن الله قد قال للمرأة هذه العبارة بخصوص زوجها: “وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك[14].” فإذا كان الكتاب المقدس قد جعل الرجل سيد المرأة، فكيف أمكنه أن يقول هذه المرة للرجل: “كل ما تقوله لك سارة تممه[15]؟ ” ذلك أنه حين نتخذ الفضيلة زوجة لنا، فيجب أن نتمم كل ما توحي به.

الفضيلة من الممكن نقلها للآخرين

لا يريد إبراهيم إذن أن تُدعى الفضيلة زوجته، فطالما دعونا الفضيلة زوجة فهي تكون شخصية ولا يمكن نقلها لأحد. وطالما كنا نسير نحو الكمال، فمن الطبيعي أن تكون الفضيلة الأخلاقية فينا وتكون ملكنا الخاص، ولكن حين نصير كاملين بما يكفي بحيث تكون قادرين على تعليم الآخرين أيضاً[16]، فيجب ألا نحتفظ بعد بالفضيلة كزوجة في أحضاننا ولكن نقدمها كأخت للزواج بآخرين يشتهونها. وهكذا ستقول الكلمة الإلهية لهؤلاء الكاملين “قل عن الحكمة أنها أختك.[17]” لهذا السبب قال إبراهيم أيضاً عن سارة إنها أخته، فإنه إذ وصل بالفعل إلى الكمال، ترك إذا الفضيلة لمن يشتهيها.

نقاء القلب هو شرط الوصول إلى الفضيلة الروحية

۲ ومع ذلك، لقد أراد فرعون هو أيضاً قديماً أن يأخذ سارة، لكنه لم يطلبها “بقلب نقي[18]“، فإن الفضيلة لا يمكن أن تعطى إلا بنقاوة قلب. لذا يخبرنا الكتاب أن “الرب ضرب فرعون بضربات مخيفة وعظيمة[19]“. ولا يمكن في الواقع أن تسكن الفضيلة مع المدمر (فرعون) لأنه هكذا يفسر اسمه في لغتنا. ولكن لنتأمل في كلام أبيمالك للرب: “أنت تعلم، يا سيد، أني بقلب نقي فعلت هذا[20]“، فأبيمالك هذا يتصرف بشكل مختلف تماماً عن فرعون، فهو ليس جاهلاً ولا فظاً، ويعلم أنه لا بد من قلب نقي[21] للاستعداد للفضيلة. لذلك فلأنه أراد أن يأخذ الفضيلة بقلب نقي، شفاه الله بصلاة إبراهيم، وليس هو فقط بل وجواريه أيضاً.

الفضيلة الطبيعية هي استعداد للفضيلة الإلهية

لكن ماذا يعني ما أضافه الكتاب ولم يدعه الرب يمسها؟” فإذا كانت سارة تمثل الفضيلة الروحية وإذا كان أبيمالك “بقلب نقي” قد أراد أن يتخذ من الفضيلة زوجة له، فلماذا يقول الكتاب إن “الرب لم يدعه يمسها؟” إن اسم أبيمالك يعني (أبي ملك). ويبدو لي إذا أن أبيمالك يمثل مجتهدي وحكماء هذا الدهر المنكبين على الفلسفة، دون أن يصلوا بعد لا بشكل كامل ولا تام إلى مثال التقوى ولكنهم يعرفون أن الله هو أب وملك كل الأشياء، أو بعبارة أخرى أنه خلق هذا الكون وأنه يديره. وعلى هذا الصعيد الأخلاقي، أي على صعيد الفلسفة الأخلاقية، يجب الاعتراف بأن هؤلاء الأشخاص قد نموا لدرجة معينة من نقاوة القلب وبأنهم بحثوا بكل قدرتهم وبكل حماستهم عن إلهام الفضيلة الإلهية، ولكن الله لم يسمح لهم أن يمسوها”، لأنه لم يكن إبراهيم. الذي بالرغم من عظمته ليس سوى خادم. بل المسيح هو المعين لإعطاء هذه النعمة للأمم. لذلك فبالرغم من تعجل إبراهيم في أن يتم فيه وبه ما قيل له “ويتبارك في نسلك جميع الأمم[22]“، فإن الوعد قد تحقق في إسحق، أي في المسيح وفقا لما يقوله الرسول: “لم يقل: وفي أنساله كأنه عن كثيرين، بل كأنه عن واحد: وفي نسلك الذي هو المسيح.[23]

امرأة أبيمالك رمز الفلسفة

3 ومع ذلك، “شفي الله أبيمالك وامرأته وجواريه[24]” وفي رأيي أنه ليس دون سبب أن الكتاب، إذ لم يكتف بالإشارة إلى امرأة أبيمالك، قد ذكر أيضاً جواريه، ولا سيما في هذا المقطع لشفاهم الله فولدن لأنه كان قد صيرهن عواقر حتى لا يلدن[25]“. وعلى قدر ما نستطيع أن يكون لنا رأي حول مثل هذه المقاطع الصعبة، أعتقد أنه بإمكاننا أن نجعل من امرأة أبيمالك لرماح للفلسفة الطبيعية ومن جواريها [رمزاً] للنظريات الجدلية المتنوعة التي تختلف بحسب المدارس[26]“.

موت الناموس ومجيء المسيح سمح للأمم باقتناء الفضيلة

ويود إبراهيم مع ذلك أن ينقل أيضاً للأمم هبة الفضيلة الإلهية، ولكن لم يحن الوقت بعد لنعمة الله أن تنتقل من الشعب الأول إلى الأمم. لأن الرسول يقول، من وجهة نظر أخرى وبشكل آخر: “فإن المرأة مرتبطة بالناموس ما دام زوجها حياً. ولكن إن مات الزوج فهي حرة من الناموس، بحيث إنها لا تكون زانية إن صارت لزوج آخر[27].” فيجب إذن أن يموت حرف الناموس أولاً حتى تتزوج النفس بالروح؛ إذ قد صارت حرة إذاً، وتفوز بزواج العهد الجديد. ولكن الزمن الذي نعيش فيه هو زمن دعوة الأمم وموت الناموس، حتى تستطيع النفوس الحرة التي حررت من ناموس الزوج أن تتحد بعريس جديد، وهو المسيح. وإذا أردت أن أظهر لك كيف أن الناموس قد مات، فتأمل وانظر: أين هي الذبائح الآن؟ أين هو المذبح وأين الهيكل؟ أين التطهيرات؟ أين إجلال الفصح؟ ألم يمت الناموس إذاً في كل هذه الأشياء[28]؟ أو فليحتفظ إذاً أصدقاء ومؤيدي الحرف، إن استطاعوا، بحرف الناموس[29].

ووفقاً لأسلوبنا المجازي إذاً، فإن فرعون، أي الإنسان النجس المهلك، لم يكن يستطيع على الإطلاق أن يتخذ سارة، أي الفضيلة، زوجة له. أما أبيمالك، أي الإنسان ذي الحياة النقية والفلسفية، فكان بإمكانه أن يفعل ذلك لأنه سعى في طلبها “بقلب نقي[30]” ولكن “الوقت لم يكن قد أتى بعد[31]“، لذلك تبقى الفضيلة عند إبراهيم، وتبقى في الختان، إلى أن يأتي الوقت الذي تنتقل فيه الفضيلة الكلية والكاملة إلى كنيسة الأمم في المسيح يسوع ربنا الذي فيه يسكن جسدياً كل ملء اللاهوت.[32]

 ولادة أبناء الكنيسة

والآن يلد بيت أبيمالك وجواريه؛ إذ قد شفاهم الرب، أبناء للكنيسة. فهذا في الواقع هو الوقت الذي فيه “العاقر تلد” ويكون فيه “أولاد المهجورة أكثر من التي لها زوج[33]“، لأن الرب قد فتح رحم العاقر وقد أصبحت ولوداً لدرجة أن تلد “أمة دفعة واحدة[34].” ولكن القديسين أيضاً ينادون ويقولون: “يا رب، في مخافتك حبلنا وولدنا ووضعنا روح خلاصك على الأرض[35]“، وهذا هو ما جعل بولس الرسول بطريقة شبيهة يقول: “يا أولادي الذين ألدهم من جديد إلى أن يتصور المسيح فيكم[36]“. هؤلاء إذا هم البنون الذين تلدهم، هؤلاء هم الأبناء الذين تلدهم كل كنيسة الله، لأن “من يزرع في الجسد فمن الجسد يحصد الفساد[37]“، لكن هؤلاء هم بنو الروح، من يقول عنهم بولس الرسول: “المرأة ستخلص بالولادة، شرط أن يثبت أولادها في الإيمان والعفة[38].”

فلتفهم إذاً كنيسة الله هكذا قصص النسل والولادة. ولتبين هكذا أفعال البطاركة بتفسيرات لائقة وجديرة بالاحترام. ولا تفسد أقوال الروح القدس بخرافات حمقاء ويهودية[39]، ولكن تنسب لها معنى شريفاً تماماً، أخلاقياً تماماً ونافعاً! وإلا، فأي بناء لنا من أن نقرأ أن إبراهيم، هذا البطريرك العظيم، لم يكذب فقط على أبيمالك الملك ولكن أيضا سلمه حرمة زوجته؟ هل يوجد تنويراً في الاعتقاد بأن زوجة بطريرك بهذه العظمة، كادت تتدنس بموافقة زوجها؟ ليعتقد اليهود ذلك ومعهم محبي الحرف[40] وليس الروح. أما نحن فلنقرن الروحيات بالروحيات[41]“، ولنصر روحيين في كل من أعمالنا وفكرنا في المسيح يسوع ربنا “الذي له المجد والقوة إلى أبد الآبدين. آمين.[42]

[1] انظر: تك 20: 1.

[2] انظر: تك ۲۰: ۲ وما بعده.

[3] انظر: تك 20: 6، 9.

[4] انظر: تك 20: 17.

[5] انظر: تك 20: 18.

[6] انظر رو 7: 14.

[7] انظر: غل 4: 24.

[8] انظر: 2كو 3: 16.

[9] انظر: 2كو 3: 17.

[10] انظر: 2كو 3: 18.

[11] لقد كان هذا هو التفسير الشائع، فنجد فيلو يقول في (PHILON , De . Abraham, 99): “لقد سمعت أن الرجل هو رمزيا الروح المثابرة على عملها… وأن المرأة كانت الفضيلة – إذ إن اسمها بالكلدانية سارة وباليونانية “ملكة” – بما أنه لا يوجد شيء اسمي أو مختص بالقيادة أكثر من الفضيلة.” كما نجد ديديموس يعتبر المرأة رمزا للوصية.

[12] انظر: حك 8: 2.

[13] انظر: تك 21: 12.

[14] انظر: تك 3: 16.

[15] انظر: تك ۲۱: ۱۲.

[16] انظر: ۲ تي ۲: ۲.

[17] انظر: أم ۷: 4.

[18] انظر: تك 20: 5.

[19] انظر: تك 12: 17.

[20] انظر: تك 20: 4-5.

[21] انظر: تك 20: 5.

[22] انظر: تك 22: 18.

[23] انظر: غل 3: 16.

[24] انظر: تك 20: 17.

[25] انظر: تك 20: 17-18.

[26] حول دور الفلسفة الطبيعية بالنسبة لناموس الله، انظر العظة 14: 3.

[27] انظر رو 7: 2-3.

[28] انظر عظات أوريجينيس على يشوع ۲: ۱ “إذا رأيت أورشليم خربة، والمذبح خال، ولم تر في أي مكان لا ذبائح ولا تقدمات ولا الكهنة ولا رؤساء كهنة ولا طقوس اللاويين: حين ترى توقف كل ذلك، قل: أن موسى خادم الرب قد مات.”

[29] هؤلاء المدافعين عن الحرف سيتم توبيخهم بنفس الكلمات في نهاية هذه العظة وفي العظة ۱۳: ۳. ويشعر القارئ أنهم دائما حاضرون في فكر أوريجينيس وهو يوجه كلامه إليهم حتى لو لم يقل ذلك صراحة. وكان أوريجينيس حريصا على فصل المسيحية، الدين الروحي، عن التفسير الحرفي للكتاب المقدس الذي يعد بالنسبة له رجوعا لدين ميت.

[30] انظر: تك 20: 5.

[31] انظر: يو 7: 6.

[32] انظر: كو 2: 9.

[33] انظر: غل 4: ۲۷؛ إش 54: ۱.

[34] انظر: إش 66: ۸.

[35] انظر: إش 26: 18.

[36] انظر: غل 4: ۱۹.

[37] انظر: غل 6: ۸.

[38] انظر: ۱ تي ۲: 15.

[39] انظر: 1 تي 4: ۷؛ تي 1: 14.

[40] انظر: ۲ کو 3: 6.

[41] انظر: ۱ کو ۲: ۱۳.

[42] انظر: ۱ بط 4: ۱۱.

العظة الخامسة لوط وبناته – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الخامسة لوط وبناته – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الخامسة لوط وبناته – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

ضيافة لوط

1 كان الملاكان المرسلان لإهلاك سدوم يتوقان إلى الوفاء بما أوكل إليهما في أسرع وقت، معتنين أولاً بمضيفهما لوط لينقذاه، نظراً إلى حسن ضيافته، من النار الوشيكة التي ستدمر كل شيء.

اسمعوا هذا يا من تغلقون بابكم في وجه الغرباء. اسمعوا يا من تتحاشون الضيف كعدو. كان لوط يعيش في سدوم، ولا يذكر الكتاب عنه أي عمل حسن آخر قام به سوى تلك الاستضافة. فقد أفلت من النيران المدمرة، وأفلت من الحريق، لسبب وحيد وهو أنه قد فتح بيته للضيوف. فقد دخل الملاكان إلى بيته المضياف، أما النيران فهي التي دخلت المنازل غير المضيافة.

الكمال الناقص عند لوط

لنتأمل أقوال الملاكين لمضيفهما في مقابل حسن ضيافته: “خلص حياتك عند الجبل لئلا تهلك[1]. كان لوط بالتأكيد مضيافاً، فهو الذي، بشهادة الكتاب المقدس، نجا من الموت لأجل استضافته للملاكين[2]. إلا أنه لم يكن كاملاً لدرجة أن يتمكن من الصعود على الجبل فور خروجه من سدوم، لأنه للكاملين فقط أن يقولوا: رفعت عيني إلى الجبال، من حيث سيأتيني العون”[3]. وإجمالاً فإن لوط لم يكن شريراً لدرجة أن يهلك مع مستوطني سدوم، ولم يكن أيضاً باراً بما فيه الكفاية بحيث يقدر أن يسكن مع إبراهيم على المرتفعات، وإلا ما كان إبراهيم قد قال له: “إن ذهبت يمينا فأنا أذهب شمالا، وإن ذهبت شمالاً فأنا أذهب يميناً[4]“. وما كانت مساكن سدوم لتناسبه. لقد كان لوط إذاً على نحو ما في الوسط بين الكاملين والهالكين، وإذ يعلم أنه لم يكن من القوة ما يجعله يتسلق الجبل، اعتذر باحترام وتواضع قائلاً: “وأنا لا أقدر أن أخلص في الجبل، ولكن هوذا مدينة صغيرة جدا، هناك أنجو. وهي ليست صغيرة تماماً[5]” فدخل إلى مدينة صوغر الصغيرة جداً حيث نجا[6]، وبعد ذلك صعد إلى الجبل مع ابنتيه[7].

هل من الممكن أن تسترد سدوم طهارتها؟

وعند الخروج من سدوم، لم يتمكن [لوط] من الصعود إلى الجبل، على الرغم من أن الكتاب قال عن سدوم قبل هلاكها، حينما اختار لوط أن يسكن فيها، إنها كانت “كجنة الله وكأرض مصر[8]” ولكن، لنخرج قليلاً عن الموضوع: أي تشابه من الممكن أن يكون بين جنة الله وأرض مصر حتى تقارن أيضاً سدوم بهما؟ هذا هو رأيي: قبلما أخطأت، كانت سدوم مثل “جنة الله طالما كانت تحتفظ ببساطة الحياة التي بلا لوم، ولكن حين بدأت تذبل وتظلم في نجاسات الخطايا، صارت “مثل أرض مصر.”

ولكننا نتساءل أيضاً، حيث إن النبي يقول: “أختك سدوم سترجع إلى حالتها القديمة[9]“، إذا ما كان هذا الرجوع يستوجب أن تعود سدوم مثل جنة الله أم فقط مثل أرض مصر؟ إنني أشك من ناحيتي أنه يمكن لخطايا سدوم أن تزال ولجرائمها أن تطهر بشكل كامل بحيث نستطيع أن نقارنها، عقب رجوعها، ليس فقط بأرض مصر ولكن أيضاً بجنة الله، إلا أن هؤلاء الحريصين على تأكيد هذا الأمر سيرهقوننا جداً بإصرارهم على الكلمة التي أضيفت إلى الوعد، لأن الكتاب لم يقل أن “سدوم سترجع بلا زيادة، ولكن أن “سدوم سترجع إلى حالتها القديمة[10]“، وسيؤكدون أن حالتها القديمة ليست أنها كانت مثل “أرض مصر” ولكن “كجنة الله[11].”

امرأة لوط

۲ لكن لنعد إلى لوط، فقد هرب من خراب سدوم مع امرأته وابنتيه، وكان قد أخذ من الملاكين توصية بعدم النظر إلى الوراء[12] وتوجه إلى صوغر. ولكن ها هي امرأته تنسى الأمر وتنظر إلى الوراء” وتخالف الشريعة الموضوعة، وتحولت إلى تمثال ملح[13].” قولوا لي هل كان هناك، من جهة هذه المرأة وفي هذه النظرة إلى الوراء، خطية كافية لتستحق الموت الذي كانت قد نجت منه بفضل الله؟ وبالنسبة لهذه المرأة ذات الروح المضطربة، ما الذي جعل فعل النظر إلى الوراء، حيث زفير النيران العجيب والمرعب، بهذه الخطورة؟ ولكن بما أن “الناموس روحي[14]” وأن ما حدث للقدماء “أصابهم مثالاً[15]“، لنر إذا ما كان لوط الذي لم ينظر خلفه، يمثل العقل والإرادة الصلبة، في حين تمثل زوجته هنا الجسد[16]، لأن الجسد هو الذي ينظر باستمرار ناحية الرذائل، وفي حين تنزع الإرادة نحو الخلاص، ليظلا هو الذي ينظر إلى الوراء ويبحث عن الملذات. لذلك قال الرب: “كل من يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء لا يصلح لملكوت الله[17]“، ويضيف “تذكروا امرأة لوط”[18]. يبدو إذن أن الكتاب ذكر أنها تحولت إلى تمثال ملح ليشير إلى عدم حكمتها، فالملح يرمز إلى الحرص الذي انعدم لديها.

وواصل لوط إذاً إلى صوغر، وهناك، بعد أن استعاد القوة التي لم يستطع أن يحوزها في سدوم، صعد إلى الجبل ومكث هناك، وفقاً النص الكتاب، هو وابنتاه معه[19]“.

التفسير الحرفي لخطية لوط: الثمالة

3 تأتي بعد ذلك هذه القصة الشهيرة، حيث نرى ابنتي لوط تستعدان للاتحاد خلسة مع أبيهما[20]. ولست أدري هنا إن كانت الأعذار التي من الممكن أن نعطيها للوط كافية لإعفائه من أي خطأ، ولا أظن بالأكثر أننا ينبغي أن نحمله ذنوباً لدرجة أن نحمله ذنب زنا بهذه الخطورة، لأنني أعلم أنه لم يعتد لا بالحيلة ولا بالعنف على عفة ابنتيه، ولكنه سقط بالأحرى في الشرك، وتم خداعه من خلال حيلة ماهرة، إلا أن ابنتيه ما كانتا قد خدعتاه لو لم يكن قد ترك نفسه يسكر. لذلك فهو يبدو لي مذنباً جزئياً ومعذوراً جزئياً، معذور لأنه لم يتورط في خطية شهوة وفجور، ولا يمكن أن نوبخه لا على أنه أرادها ولا على أنه جعل شريكاً فيها، ولكنه مذنب لأنه ترك نفسه ليخدع، ولأنه أحب الخمر كثيراً وذلك لمرتين بدلاً من مرة واحدة[21]. ويبدو لي أن الكتاب المقدس نفسه يلتمس له العذر بشكل ما عندما يقول: “ولم يعلم متى اضطجع معهما ومتى قام[22]“، ولم يقل ذلك عن ابنتيه اللتين خدعتا أبيهما بعلم ومهارة. أما لوط، فقد استغرق في النوم تحت تأثير الخمر بحيث لم يتبين أنه قد اضطجع لا مع ابنته الكبرى ولا مع الابنة الصغرى.

اسمعوا عواقب السكر. اسمعوا أية جرائم يسببها السكر اسمعوا واحترسوا، أنتم الذين لا يمثل هذا الشر لديكم خطية ولكن [تعتبروه مجرد] عادة. لقد خدع السكر من لم تخدعه سدوم، وقامت نساء متقدات بحرق من لم تحرقه نيران الكبريت المدمرة. لقد خدع لوط إذن بالحيلة بلا قصد، لذلك فهو يشغل نوعاً من المكانة المتوسطة بين الخطاة والأبرار، هو الذي لكونه من أسرة إبراهيم لم يسكن في سدوم لعند خرابها. لأنه إن كان قد استطاع أن يهرب من سدوم كما يقول الكتاب، فهو يدين بذلك لحكمة إبراهيم أكثر بكثير مما لاستحقاقاته الشخصية. فالكتاب يقول في الواقع: وحدث أنه لما أخرب الله مدن سدوم أنه ذكر إبراهيم، وأخرج لوطا من هذه الدائرة.[23]

 خطأ أبنتي لوط: خطايا الجسد

4 أما بالنسبة إلى نية ابنتيه، فأعتقد أنه لا بد من فحصها عن كثب أكثر، حتى لا ننسب لهما ذنباً أكثر مما يمكن تصوره. يخبرنا الكتاب في الواقع أنهما قالتا الواحدة للأخرى: “أبونا قد شاخ بالفعل، وليس في الأرض أحد ليدخل علينا كعادة كل الأرض. هلم نسقي أبانا خمراً ولنضطجع معه، ولنحيي من أبينا نسلاً[24]” وبالرجوع إلى ما قاله الكتاب عنهما، يبدو أنه يعذرهما أيضاً بشكل ما. لأننا نرى أن ابنتي لوط كانت لديهما بعض المعرفة عن نهاية العالم التي ستأتي بالنار، ولكن كمعرفة الفتيات، كانت معرفتهما غير كاملة وناقصة.

فهما لم تعرفا أنه إلى جانب بلدة سدوم التي دمرتها النيران، كان هناك أيضاً الكثير من المساحات السليمة في العالم وقد سمعتا أنه في نهاية الدهر سوف تدمر الأرض وكل العناصر من شدة النار[25]. لقد رأتا النار وشاهدنا حريق الكبريت ونظرتا دمار كل شيء، ورأتا أيضاً أن والدتهما لم تنج، فتصورتا أن هناك شيئاً ما يحدث شبيها بما تعرفاه عن زمن نوح، وأنهما قد بقيتا وحيدتين مع أبيهما لضمان ذرية البشر. لذلك أتتهما الرغبة في تجديد الجنس البشري، واعتقدتا أن العالم الجديد لا بد وأن يأتي منهما. ولذلك، وهما يعلمان جيداً أن خداع أبيهما والاتحاد معه هما خطية كبيرة، فقد بدا لهما على الرغم من ذلك أنه إثم أعظم، كما اعتقدتا، أن تبددا الأمل في نسل بشري من خلال الحفاظ على عفتهما. لذلك فقد نفذتا تدبيرهما بذنب هو في رأيي أقل، خاصة وأن الأمل والدوافع هما أكبر. لقد بددتا حزن والدهما وتغلبنا على عناده بواسطة الخمر. وإذ دخلتا كل منهما لليلة واحدة إلى أبيهما، حبلتا منه دون علمه.

ولم تكررا ذلك ولم ترغبا في ذلك مرة أخرى، فهل يمكننا في كل ذلك أن نبرهن لهما عن ذنب فجور أثيم أو عن ارتكاب إجرامي للمحارم؟ هل يمكننا وصف ما لم يحدث سوى مرة واحدة بأنه رذيلة؟ إنني أخشى أن أقول رأيي بصراحة. نعم فأنا أخشى أن يكون ارتكابهما المحارم أكثر عفة من عفة الكثير من النساء.

فلتفحص النساء المتزوجات أنفسهن ولتتساءلن إن كانت لا تلتمسن أزواجهن إلا من أجل إنجاب الأطفال، وإن كانت تتوقف عن ذلك عندما تحمل[26]. إن ابنتي لوط اللتين نعتقد أنهما مذنبتان بارتكاب المحارم، لم تطلبا الاتحاد الزيجي بمجرد أن حملتا. فهناك نساء. ونحن لا نوبخ كل النساء دون تمييز ولكن البعض منهن اللائي لا يتوقفن عن المواظبة على الشهوة بإفراط مثل الحيوانات، ولن أشبههن أيضاً حتى بالبهائم؛ إذ إن أنثى البهائم تعرف على الأقل كيف تمتنع عن الذكور أثناء حملها. هذه الأنواع من الذكور يستنكرها أيضاً الكتاب عندما يقول: “لا تكونوا كالفرس والبغل الذين بلا فهم[27]“، وأيضاً: “صاروا حصنا معلوفة[28].” أما أنتم يا شعب الله، “الذين يحبون المسيح في عدم فساد[29]“، فافهموا كلام الرسول عندما يقول: “سواء كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون أي شيء آخر، فافعلوا كل شيء لمجد الله[30]“. من خلال هذا الجزء من الآية: “أو تفعلون أي شيء آخر الذي يلي الشرب والأكل، أشار الرسول في أسلوب مملوء احتشاما إلى الأفعال غير اللائقة التي للزواج، مظهرا أنها أيضاً تتم لمجد الله، بشرط ألا يتم السعي إليها إلا بقصد النسل.

التفسير الرمزي

إلى هنا نكون قد عرضنا قدر ما استطعنا سواء أخطاء لوط وابنتيه أو ما يجعلهما في المقابل معذورين.

5 ولكن من جهة الرمز، فأعرف بعضاً قد أرادوا أن يعطوا لوط دور الرب، وأن يجعلوا من ابنتيه [رمزاً] للعهدين. وأنا أشك في أن يتمسك أحد ممن يعرف أقوال الكتاب حول الموآبيين والعمونيين، الذين بالنسب هم من نسل لوط، بطيب خاطر بهذا التفسير، لأنه كيف نطبق على المسيح أن الذين من نسله حتى “الجيل الثالث والرابع[31]” “لن يدخلوا في جماعة الرب[32]؟”

لوط: رمز للشريعة

أما بالنسبة لنا، وبقدر ما نستطيع أن نرتئي، فنحن نجعل لوط رمزاً للناموس، ولا يجب أن نري ذلك غريباً لأنه إذا كانت كلمة “ناموس” مؤنثة عندنا، إلا أنها مذكرة في اللغة اليونانية[33]. أما فيما يخص زوجته، فنجعلها رمزاً للشعب الذي خرج من مصر وعبر البحر الأحمر وهرب من ملاحقات فرعون كما لو كانت حرائق سدوم. ولكن هذا الشعب. إذ تحسر على اللحم وعلى “ثوم وبصل وخيار مصر[34]“. نظر إلى الوراء وسقط في الصحراء، صائراً هو أيضاً تذكاراً للشهوة في قلب الصحراء[35]. ويكون الناموس هنا إذاً بالنسبة إلى هذا الشعب الأول، مثل لوط الذي فقد زوجته وتركها لأنها نظرت إلى الوراء.

ومنطلقاً من هناك، جاء لوط ليسكن في صوغر والتي يقول عنها: “هذه المدينة صغيرة جداً، فتنجو نفسي فيها، وهي ليست صغيرة للغاية[36]“. فلنر طبقا للشريعة ما تعنيه “مدينة صغيرة جداً وليست صغيرة للغاية” إن كلمة “مدينة” تطلق من جهة “نمط الحياة التي يعيشها عدد كبير من البشرة، بسبب أن المدينة توحد وتضم حياة كثيرين[37]. وعليه، فإن الذين يحيون في الناموس لهم حياة حقيرة وضعيفة طالما يفهمون الناموس حسب الحرف. لأنه لا يوجد شيء عظيم في حفظ الأهلة والسبت والختان وتمييز الأطعمة جسدياً. ولكن إن فهمناها روحياً، فإن هذه الشعائر نفسها التي كانت بحسب الحرف ضعيفة وقاصرة، لا تكون بعد ضعيفة بل عظيمة.

ابنتا لوط: رمز الشعب المنساق وراء شهوات الجسد

بعد ذلك يصعد لوط إذاً إلى الجبل ويسكن في المغارة”، كما يقول الكتاب هو وابنتاه[38]“. ويمكننا أن نتصور أن الناموس أيضاً قد صعد، لأن الهيكل الذي بناه سليمان قد أضاف له زينة، فقد أصبح [الناموس] هو “بيت الله، بيت صلاة[39]“، ولكن الأشرار الذين كانوا ساكنين فيه قد جعلوا منه “مغارة لصوص[40]“.

سكن لوط إذا في المغارة مع ابنتيه، ومما لا شك فيه أنهما أي الابنتين هما من يشير إليهما النبي عندما يقول إن أهولة وأهوليبة هما أختان. أهولة هي أورشليم وأهوليبة هي السامرة[41]، وإذ انقسم الشعب إلى إثنين، صار كابنتين للناموس. وإذ أرادتا أن يتكاثر النسل الأرضي وأن تتوطد قوات المملكة الأرضية من خلال نسل وافر، فقد أنعسا وأناما أبيهما، أي أنهما أخفتا وأظلمتا حسه الروحي، ولم تحتفظا سوى بالحس الجسدي. لذلك حملتا وأنجبتا بنيناً بحيث يكون ذلك دون علم الأب ودون أن يعرفهما. لم يكن لا روح الناموس ولا إرادته أن يلد نسلاً جسدياً ولكن ينام الناموس حتى يمكن لمثل هذا النسل الذي لن يدخل في جماعة الرب” أن يولد. وفي الواقع يقول الكتاب: “لا يدخل العمونيون ولا الموآبيون في جماعة الرب حتى الجيل الثالث والرابع وإلى الأبد[42]“، مما يعني أن نسل الناموس الجسدي لا يدخل إلى كنيسة المسيح لا إلى الجيل الثالث بسبب الثالوث، ولا إلى الجيل الرابع بسبب الأناجيل الأربعة، ولا إلى آخر الدهر ولكن ربما فقط عقب هذا الدهر الحاضر حين تكون جموع الأمم قد دخلت وهكذا سيخلص جميع إسرائيل.[43]

هذا هو ما وجدناه، عند تعمقنا بقدر استطاعتنا في المعنى الرمزي، حول لوط وامرأته وابنتيه. ولكننا لا ننوي أن نمنع من يستطيعون من أن يجدوا تفسيراً أكثر عمقاً لهذا السر.

عظة أخلاقية

6 أما بالنسبة لشرحنا الذي قمنا به منذ قليل في عرض أخلاقي، والذي فيه جعلنا من لوط [رمزاُ] للعقل والإرادة الصلبة، ومن زوجته التي نظرت للوراء لرمزا للجسد المنكب على الشهوات ومتع الحواس، فأنت يا من تستمع إلي، لا تأخذه [أي الشرح] بتهاون، لأنك يجب أن تكون محترساً: فحين تهرب بعيداً عن نيران الدهر وتنجو من حريق الجسد، حتى حين تتجاوز “مدينة صوغر الصغيرة جداً وهي ليست صغيرة تماماً[44]” مما يمثل مكانة متوسطة وتقدماً بالنسبة لمدينة، وحين تصل إلى ارتفاع العلم[45] كما على بعض قمم الجبال، فحذار عندئذ من إشراك هاتين الفتاتين اللتين لا تتركانك واللتين تصاحبانك حتى عندما تكون قد تسلقت الجبل، أقصد المجد الباطل وأخته الكبرى، الكبرياء. حذار من أن توثق إنك بحبائلهما في حين تظن أنك لا تشعر أو تلاحظ شيئاً؛ إذ تكون غافلاً ونائماً. وإذا كان الكتاب قد دعاهما “ابنتين” فذلك لأنهما لا تأتياننا من الخارج ولكنهما تتولدان من داخلنا وتشكلان بطريقة ما جزءًا مكملاً لأفعالنا. فلتسهر إذا بأقصى جهدك، ولتتحاش أن توجد لهما أبناء، لأن الذين سيولدون منهما “لن يدخلون إلى كنيسة الرب[46]” وبالنسبة لك، إن كنت تريد نسلاً، فأقمه في الروح لأن “من يزرع في الروح فمن الروح يحصد الحياة الأبدية[47]” وإن ابتغيت من تصاحبه، فلتصاحب الحكمة وقل إن الحكمة هي أختك[48]“، حتى تقول الحكمة عنك: “من يصنع مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمي[49]“، فهذه الحكمة هي ربنا يسوع المسيح “الذي له المجد والقوة إلى أبد الآبدين. آمين”.

[1] انظر: تك 19: 17.

[2] انظر: عب ۱۳: ۲.

[3] انظر: مز ۱۲۰: ۱ (بحسب السبعينية).

[4] انظر: تك 13: 9.

[5] انظر: تك 19: 19-20.

[6] انظر: تك 19: 23.

[7] انظر: تك 19: 30.

[8] انظر: تك 13: 10.

[9] انظر: حز 16: 55.

[10] نظر: حز 16: 55.

[11] ترك الإتمام الحرفي لقول الكتاب المقدس أوريجينيس متحيرا، حيث يؤكد سفر التكوين۱۳: ۱۰ أن أرض سدوم، عندما جاء لوط ليقيم فيها، كانت “مثل جنة الله ومثل أرض مصر” وقد قال حزقيال 16: 55 إن سدوم سترجع إلى حالتها الأولى. إلا أنه بعد مضي ما يقرب من ۳۰۰۰ عام، لم ترجع سدوم إلى ما كانت عليه. والحقيقة أن طول الفترة المنقضية هو ما جعل أوريجينيس متحيرا وهو ما دفعه للتساؤل عما إذا كان هذا الرجوع سيحدث بالفعل، ولكنه كان يميل رغما عن ذلك إلى فكرة رجوع سدوم نظرا للتطبيقات الروحية التي كان يستخلصها من هذه الفكرة. انظر عظاته في سفر حزقيال۱۲: 3 ، حيث نلمس نفس نبرة التردد الموجودة هنا.

[12] انظر: تك 19: 17.

[13] انظر: تك 19: 26.

[14] انظر: رو ۷: 14.

[15] انظر: 1كو 10: 11.

[16] أشار فيلو إلى أن امرأة لوط التي صارت عمود ملح ترمز إلى الإحساس عند الإنسان، الذي يترك الفضيلة ويتوجه نحو المجد الباطل والغني والقوة والجمال.

De fuga et inu. 122; Leg. Alleg. 3, 213

[17] انظر: لو 9: 62.

[18] انظر: لو 17: 32.

[19] انظر: تك 19: 30.

[20] انظر: تك 19: 31-38.

[21] حاول المفسرون المسيحيون في عصر أوريجينيس إيجاد الأعذار للوط وابنتيه. وكانت الأعذار التي قدموها هي نفسها لعدة قرون بعد ذلك. فنجد إيرينيوس (ضد الهرطقات 4: ۳۱: ۱) يعذر لوطا “لأنه لم يرتكب هذا الزنا لا بإرادته ولا بشهوة جسدية منه ولم يكن لديه لا رؤية ولا فكر عن هذا الفعل.” أما (ابنتا لوط) فقد تصورتا بسذاجة أن كل البشر قد هلكوا مثل أهل سدوم، و أن غضب الله قد احتدم على الأرض كلها. لذلك يمكن التماس العذر لهما إذ إنهما اعتقدنا أنه لم يبق سواهما مع أبيهما لحفظ الجنس البشري، وأنه لهذا السبب قد خدعتا والدهما. أما أوريجينيس فقد استشهد في (ضد کلسوس 4: 45) بالنظرية الرواقية التي تقول إن الحكيم الذي بقي وحيدا مع ابنته عقب الكارثة العامة، كان مسموحا الله بالاتحاد معها لاستمرار الجنس البشري. إلا أن البعض قد وجد في تصرف الفتاتين فعلا مشيئا. فيضيف أوريجينيس: “إن الكتاب المقدس لم يؤيد بوضوح في واقع الأمر ما فعلتاه ابنتا لوط، ولكنه في نفس الوقت لم يدنهما ولم يلمهما.” وبعد أوريجينيس جاء القديس يوحنا ذهبي الفم (عظات على سفر التكوين 44: 4-5) ليعطي، مع الكثير من الاحتياطات الخطابية، نفس الأعذار للوط وابنتيه. ولم يختلف فيما بعد كل من ثيؤدوریت وأمبروسيوس وأغسطينوس عن تلك الآراء كثيراً.

[22] انظر: تك 19: 35.

[23] انظر: تك 19: 29.

[24] انظر: تك19: 31-32.

[25] انظر: 2بط 3: 12.

[26] انظر: العظة 3: 6.

[27] انظر: مز 31: 9 (بحسب السبعينية).

[28] انظر: إر 5: 8.

[29] انظر: أف 6: 24.

[30] انظر: 1كو 10: 31.

[31] انظر: خر 34: 7.

[32] انظر: تث 23: 3.

[33] من الواضح أن هذه الملاحظة ترجع إلى روفينوس. وكان لأوغسطينوس نفس هذا الفكر بعد قرن ونصف من أوريجينيس في كون لوط هو رمز الشريعة.

[34] انظر: ع 11: 5.

[35] انظر: مز 105: 14 (حسب السبعينية).

[36] انظر: تك 19: 20.

[37] هذا التعريف مستوحى من أفلاطون (الجمهورية ۲: ۱۱): “تجمع كثرة الاحتياجات العديد من البشر في نفس المكان، فيتحدوا ليساعدوا بعضهم البعض: ولقد أعطينا هذا المجتمع اسم مدينة”.

[38] انظر: تك 19: 30.

[39] انظر: إش 56: 7؛ لو 19: 46.

[40] انظر: إر 7: 11؛ مت 21: 13.

[41] انظر: حز ۲۳: 4. لينتبه القارئ إلى أن الكتاب المقدس يجعل أهولة رمزا للسامرة وأهوليبة لأورشليم.

[42] انظر: تث 23: 3؛ خر 34: 7.

[43] انظر: رو 11: 25-26.

[44] انظر: تك 19: 20.

[45] المقصود بالعلم هنا هو الكمال الأخلاقي، علم الحياة الروحية المطبقة، وليس العلم النظري.

[46] انظر: خر 34: 7؛ تث 23: 3.

[47] انظر: غل 6: 8.

[48] انظر: أم 7: 4.

[49] انظر: مت 12: 50.

العظة الرابعة ظهور الله لإبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الرابعة ظهور الله لإبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الرابعة ظهور الله لإبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الرابعة ظهور الله لإبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

الله يظهر لإبراهيم

1 لقد قرئ لنا الآن ظهور آخر لله لإبراهيم، وهو الذي حدث بهذه الطريقة: يقول الكتاب المقدس “ظهر الله لإبراهيم إذ كان جالساً عند باب خيمته عند بلوطة ممرا، وهوذا ثلاثة رجال قد وقفوا فوقه[1]. وإذ رفع عينيه، رأى إبراهيم وهوذا ثلاثة رجال كانوا فوقه، فخرج لملاقاتهم[2]

لنقارن أولاً – إن شئتم – هذا الظهور بذلك الذي حدث للوط: “ثلاثة رجال” جاءوا إلى إبراهيم ووقفوا فوقه في حين أن “اثنين” جاءا إلى لوط وجلسا في الساحة”[3]. انظر هل كانت هذه الأمور، بتدبير من الروح القدس، لا تتم إلا وفقاً للاستحقاقات: فقد كان في الواقع لوط أدنى من إبراهيم. فإن لم يكن أدنى لما كان انفصل عن إبراهيم ولما قال [إبراهيم] له: “إن ذهبت يميناً أذهب أنا شمالاً، وإن ذهبت شمالاً أذهب أنا يميناً[4]” وإن لم يكن أدنى، لما لاءمته بلد وحياة سدوم.

الضيوف

جاء إذاً ثلاثة رجال لإبراهيم في منتصف النهار[5]“، وجاء اثنان للوط “في المساء[6]“، لأن لوط لم يستقبل نور الظهيرة العظيم، أما إبراهيم فكان قادراً على استقبال بهاء النور الكامل. لنر الآن كيف استقبل كل من إبراهيم ولوط القادمين ولنقارن استعدادات الضيافة عند كل منهما. لاحظ مع ذلك أولاً أن عند إبراهيم كان الرب حاضراً أيضاً مع الملاكين، بينما أتى إلى لوط الملاكان فقط. وماذا قالا: “أرسلنا الرب لندمر المدينة ونهلكها[7]” فاستقبل لوط إذاً من كانت مهمتهما الإهلاك و لم يستقبل من كان قادراً على أن يخلص، بينما استقبل إبراهيم من يخلص ومن يهلك في نفس الوقت.

حماس إبراهيم

ولنر الآن استقبال كل منهما [إبراهيم ولوط]. يقول الكتاب “رآهم إبراهيم وركض لملاقاتهم.[8]” لاحظ على الفور سرعة وحماس إبراهيم حين يتعلق الأمر بواجباته، فهو يركض للقاء الضيوف وعقب اللقاء يقول الكتاب “أسرع إبراهيم بالرجوع إلى خيمته إلى سارة وقال لامرأته: تعالي سريعا إلى الخيمة[9]” إن كل تفصيلة توضح الحماسة  في الاستقبال. هناك سرعة وهمة في كل شيء دون أي تكاسل.

فيقول إذا لزوجته سارة: “اركضي سريعاً إلى الخيمة واسكبي ثلاث كيلات دقيقاً سمياً واصنعي خبز ملة[10]“. وفي اللغة اليونانية تستخدم الكلمة لتشير إلى الخبز المخفي وغير المرئي[11]“.

ويقول الكتاب “ركض بنفسه للماشية وأخذ عجلا[12]” أي عجل؟ أول عجل أتى على الأرجح؟ كلا، بل عجل “جيد ورخص[13].” لقد صنع كل شيء بسرعة، ولكنه مع ذلك لم ينس أن الأعظم والأهم هما الذي ينبغي تقديمهما للرب ولملائكته. فأخذ إذاً، أو بالأحرى اختار، من قطيعه عجلاً “جيداً ورخصاً” وأعطاه لخادمه. وتقول الآية فأسرع الخادم في إعداده[14].” إبراهيم يجري، وزوجته تسارع، والغلام يسرع؛ إذ لا يوجد متوان في بيت الحكيم[15].

يقدم إبراهيم إذا العجل ومعه الخبز والدقيق واللبن والزبد[16]“. هذه هي واجبات الضيافة بالنسبة لإبراهيم وسارة. لنرى لوط الآن في المقابل: ليس لدي لوط لا دقيق سميذ ولا خبز أبيض، ليس لديه سوى دقيق فقط، وهو لم يتعلم أن يسكب ثلاث كيلات من دقيق سميذ ولا يستطيع أن يقدم للواصلين الخبز الخفي والسري[17].

الوليمة

۲ لكن لنتابع الآن. ماذا فعل إبراهيم مع الثلاثة الرجال الذين توقفوا فوقه[18]“؛ لاحظ ما يعنيه سياق العبارة نفسه: أتوا “فوقه”[19] وليس أمامه، فقد كان إبراهيم خاضعاً لمشيئة الرب، لذلك تنص الآية على أن الله كان واقفا “فوقه”.

وقد قدم لضيوفه خبراً مرشوشاً عليه ثلاث كيلات دقيق سميذ[20]“، فقد استقبل ثلاثة رجال و رش على الخبز “ثلاث كيلات دقيق سميذ”. وكل ما يفعله إبراهيم له طابع سري، وكل شيء يحتوي على أسرار. وقدم العجل، ها هو سر آخر، فالعجل نفسه ليس جامداً ولكنه “جيد ورخص. فما الذي من الممكن أن يكون بهذه الرقة وبهذا الجود إلا من “وضع نفسه من أجلنا حتى الموت[21]“، ومن “أعطى حياته[22] لأجل أحبائه؟[23]” إنه “العجل المسمن[24]” الذي يذبحه الآب ليستقبل ابنه التائب. لأن الآب هكذا أحب العالم حتى أعطى ابنه الوحيد[25]” من أجل حياة هذا العالم.

إلا أن الحكيم [إبراهيم] مع ذلك كان يعرف من الذين قام باستقبالهم. فيذهب لملاقاة الثلاثة، ولكنه لا يعبد منهم إلا واحداً فقط قائلاً: “انزل إلى عبدك وتبرد تحت هذه الشجرة[26] .”

 غسل الأرجل

ولكن كيف يحدث أن يضيف أيضاً كما لو كان يتحدث إلى بشر: “دعوني أحضر ماء وأغسل لكم أرجلكم[27]؟” ذلك أن إبراهيم، أبا الأمم ومعلمها، يعلمك بذلك كيف يجب عليك أن تستقبل ضيوفك وأنك ينبغي أن تغسل أرجلهم. إلا أنه قد تم التعبير عن ذلك بطريقة سرية. فقد كان يعلم أن أسرار الرب لا يمكن تناولها دون غسل الأرجل[28]. ولكن لم يفُته أبداً أهمية هذه الوصية التي أعلنها المخلص: “من لا يقبلكم، انفضوا تراب أرجلكم شهادة عليهم.

الحق أقول لكم: ستكون هناك [حالة] أقل صعوبة لأرض سدوم يوم الدين مما لتلك المدينة[29]. لقد أراد إبراهيم إذاً أن يأخذ زمام المبادرة ويغسل أرجل ضيوفه حتى لا يبقى بها أي غبار قد يشهد بقلة إيمانه “يوم الدينونة. لذلك قال إبراهيم الحكيم لضيوفه: “ليؤخذ قليل ماء واغسلوا أرجلكم.[30]

 بلوطة ممرا

۳ لكن لنرى الآن مضمون ما يتبع. يقول الكتاب المقدس إن إبراهيم نفسه كان واقفا بالقرب منهم تحت الشجرة[31].” نحن نطلب آذاناً مختونة لإدراك قصص من هذا النوع. لأنه لا يجب الاعتقاد أن الروح القدس قد صرف اهتماما بالغاً في ذكر المكان الذي كان إبراهيم واقفاً فيه في أسفار الشريعة، لأنه ماذا يفيدني، أنا الذي أتيت لسماع ما يعلمه الروح القدس للجنس البشري، أن أسمع أن إبراهيم كان واقفا تحت شجرة[32]؟” لنر بالأحرى ما هي تلك الشجرة التي كان إبراهيم واقفاً تحتها حيث قدم طعاما للرب ولملاكيه.

يقول الكتاب “تحت شجرة ممرا[33]” وكلمة “ممرا” تعني في لغتنا “رؤية” أو “فطنة. أتفهم إذن أي نوع من الأماكن يمكن أن يحل فيه الرب ويحضر وليمة؟ لقد حسنتا في عينيه رؤية إبراهيم وفطنته. ذلك أن إبراهيم كان نقي القلب، قادراً على معاينة الله[34]. ففي مثل هذا المكان، في مثل هذا القلب، يمكن للرب أن يأتي ليحضر وليمة مع ملاكيه. ثم أن النبي قديما كان يدعى “الرائي”[35].

 

سارة زوجة إبراهيم

4 ماذا قال إذا الرب لإبراهيم: “أين سارة امرأتك؟” فرد إبراهيم: “هناك، في الخيمة، فقال الرب: “إني أرجع إليك بعد عام، في مثل هذا الوقت، ويكون لسارة امرأتك ابن. لكن سارة كانت تسمع في باب الخيمة وهي وراء إبراهيم[36]“. فلتتعلم النساء، من خلال أمثلة البطاركة، أن تتبعن أزواجهن. لأنه ليس بدون سبب أن ذُكر أن سارة كانت واقفة وراء إبراهيم[37]“: ذلك ليوضح أنه إذا كان الرجل يسير للأمام باتجاه الرب، فيجب على المرأة أن تتبعه.

أقول يجب أن تتبع بالقدر الذي ترى فيه أن زوجها يقف أمام الرب. ومن وجهة نظر مختلفة، فلنصعد إلى مستوى أعلى من التفسير، ولنقل إن الرجل يمثل عقلنا في حين أن جسدنا، المرتبط به [أي بالعقل] ارتباطاً وثيقاً. كما بزوج، تمثله المرأة. فليتبع إذن الجسد العقل دائماً، ولا نتوان أبداً بحيث ينقاد العقل ويستعبد للجسد المهتز وسط النجاسة والملذات. إذا كانت سارة تقف خلف إبراهيم[38]“.

ولكن يمكننا نحن أيضاً أن نجد معنى سرياً في هذا المقطع إذا تذكرنا في سفر الخروج كيف كان الرب يسير بالأمام في شكل عمود نار ليلاً وفي عمود سحاب نهاراً[39]” وكيف كان محفل الرب يتبع من خلف. وهذا إذن ما أفهم به أن سارة كانت تتبع أو بالأحرى كانت تقف خلف إبراهيم.

ماذا يقول الكتاب بعد ذلك يقول “كان كلاهما شيخين – أي مسنين . ومتقدمين في الأيام[40]” من ناحية العمر الجسدي، لقد عاش الكثيرون من قبلهما أطول منهما، ومع ذلك لم يدع أي منهم “شيخا”، وهو ما يثبت أن هذه التسمية لا تعطى للقديسين بسبب طول أعمارهم ولكن بسبب نضجهم[41].

نزول الله على الأرض

5 فماذا حدث بعد هذا الطعام الغني الذي قدمه إبراهيم لله ولملاكيه تحت شجرة الرؤيا؟ لقد رحل الضيوف، وتقول الآية “وكان إبراهيم ماشيا معهم ليشيعهم. فقال الرب: لن أخفي عن عبدي إبراهيم ما أنا فاعله، إبراهيم يكون أمة كبيرة وقوية، ويتبارك فيه جميع أمم الأرض، لأنه [أي الرب] كان يعرف أنه [أي إبراهيم] سيوصي بنيه أن يحفظوا طرق الرب بعملهم البر والعدل حتى يتمم الرب لإبراهيم ما قد وعده به.

فقال [لرب]: إن الصراخ الذي يصعد من سدوم وعمورة هو في أوجه، وخطاياهم عظيمة جدا، لقد نزلت إذاً لأرى إذا كانت خطاياهم قد وصلت إلى مداها وفقا لصراخهم الآتي إلي، وإلا فأعرف (أعرفهم)[42].” هذه هي أقوال الكتاب الإلهي، فلنر إذا الآن ما يستحق أن يفهم في هذا الجزء.

تقول الآية “نزلت لأرى[43]“، فحين تتوجه الكلمات الإلهية إلى إبراهيم، لا يقول الكتاب إن الله تنزل” ولكن إنه يقف “فوقه” كما سبق أن شرحنا أعلاه في المقطع: “وقف ثلاثة رجال فوقه[44]“، أما الآن وإذ يتعلق الأمر بأناس خطاة، يقول الكتاب إن الله “ينزل”. ولكن احترس من تصور صعود أو نزول مكاني.

فإن هذا الأمر كثيراً ما يتواجد في الكلمات الإلهية، في سفر ميخا النبي على سبيل المثال، “هوذا قد خرج الرب من مسكنه المقدس ونزل ويمشي على شوامخ الأرض.[45]” ” إذن يقول إن الله ينزل” حين يريد أن يعتني بالضعف البشري. ولا بد أن نفهم ذلك بشكل خاص عن ربنا ومخلصنا الذي لم يتمسك بلهفة بمساواته مع الله، لكنه أخلى نفسه آخذاً حالة عبد[46].”

هو إذاً قد نزل لأنه “ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء[47].” فالرب في الواقع قد نزل ليس فقط ليعتني بالذي لنا ولكن كي يحمله أيضاً، لأنه أخذ حالة عبدا، وبالرغم من أنه ذو طبيعة غير مرئية من قبل مساواته للاب[48]، فقد لبس مع ذلك شكلا مرئيا وغرف كإنسان من خلال كل ما بدا منه[49]“.

ولكن في “نزوله”، هو بالنسبة للبعض بالأسفل، وعندما يصعد هو للبعض الآخر بالأعلى، لأنه بعدما اختار الرسل “صعد إلى جبل عال منفردين وحدهم. وتغيرت هيئته قدامهم[50]“. وهكذا، فبالنسبة لمن يعلمهم أسرار ملكوت السموات[51]، هو في الأعلى، أما بالنسبة للجموع والفريسيين الذين يوبخهم على خطاياهم، فهو في الأسفل، وهو معهم حيث يوجد “عشب[52]“. فتجلي السيد المسيح لم يكن من الممكن أن يتم في الأسفل، ولكنه يصعد لأعلى مع هؤلاء الذين كانوا يستطيعون أن يتبعوه وهناك تغيرت هيئته.

 

حول الادعاء “بجهل الله”

6 “لقد نزلت إذا لأرى إذا كانت خطاياهم قد وصلت إلى مداها وفقاً لصراخهم الأتي إلي، وإلا فأعرف (أعرفهم)[53]“. فيما يخص هذه الآية، يهاجم الهراطقة[54] عادة إلهي قائلين: “ما أجهل إله الشريعة هذا ألم يكن قادراً على معرفة ما يحدث في سدوم؟ أكان بحاجة أن ينزل ليرى ويرسل أشخاصا ليعلموه؟” لكن لنشهر في وجوههم، نحن الملزمون بخوض معارك الرب، “سيف كلمة الله ولنهجم عليهم ولتثبت في المعركة وأحقاؤنا ممنطقة بالحق”، لنثبت ونحن “لابسون درع البر[55]” أمام صدام السهام المسمومة التي لمجادلاتهم الفارغة، ولنطلقها بعد أن نلوح بها ونسددها بعناية أكبر بالمقابل في اتجاههم.

هذا هو نمط معارك الرب التي خاضها داود والبطاركة الآخرون. فلنثبت ضد الأعداء من أجل إخواننا، لأنه “خير لي أن أموت[56]” من أن أترك الهراطقة يخطفون ويسلبون بعضاً من إخوتي، ويسبون بتلميحاتهم اللفظية المملوءة مكراً الأطفال والرضع في المسيح[57]“، ولكنهم لن يستطيعوا أن يمسوا الكاملين ولن يجرؤوا على القدوم للمعركة. نحن إذا سنبدأ، مبتدئين بالتضرع للرب وبمساعدة صلواتكم، معركة الكلمة ضدهم.

 

المعنى المقصود بعبارة “جهل الله”

نحن نقول إذاً بثقة، وفقاً للكتاب المقدس، إن الله لا يعرف كل البشر، فالله لا يعرف الخطية ولا يعرف الخطاة. هو لا يعرف هؤلاء الذين ابتعدوا عنه. اسمع الكتاب: “يعلم الرب الذين هم له. وليبعد عن الإثم من يدعو باسم الرب[58]“. يعرف الرب الذين له، ولكنه لا يعرف لا الأشرار ولا الأثمة. اسمعوا المخلص: “ابتعدوا عني أنتم كلكم يا فاعلي الإثم، إني لا أعرفكم[59]” وبولس الرسول أيضاً: “إن كان أحد بينكم نبياً أو غنياً في المواهب الروحية، فليعرف أن ما أكتبه إليكم هو من الرب.

ولكن من يجهل، فإنه يُجهل[60]“. ونحن في هذا القول لا نتخيل أي شيء فيه تجديف على الله كما تفعلون أنتم، ولا ننسب عدم المعرفة له، ولكن تفسيرنا هو أن من كان سلوكهم لا يليق بالله يكونون أيضاً غير مستحقين لمعرفة الله[61]، لأن الله يرى أنه من غير المناسب أن يعرف الانسان الذي يبتعد عنه ويجهله، لذلك يقول بولس الرسول أن “من يجهل يُجهل[62]“.

وهكذا إذن يعبر الكتاب هنا بنفس الطريقة بالنسبة إلى سكان سدوم: إذا كان سلوكهم (الشرير) هو في أوجه بحسب الصراخ الذي صعد إلى الله[63] فليحسبوا غير مستحقين لمعرفته. ولكن إذا كان عندهم بعض من التوبة، وإذا تمكنا من أن نجد بينهم على الأقل عشرة أبرار[64]، فحينئذ يعرفهم الله. لذلك قال: “وإلا فأعرف (أعرفهم)[65]” ولم يقل “لأعرف ماذا يفعلون”، ولكن لأعرفهم هم أنفسهم وأجعلهم مستحقين لمعرفتي، إن وجدت أبراراً، إن وجدت تائبين، إن وجدت منهم من هم في الحالة المرجوة لكي أعرفهم.

وفي النهاية؛ إذ لم يوجد منهم أي إنسان تائب، باستثناء لوط، فهو وحده الذي عُرف، والوحيد الذي نجا من الحريق[66]. ورغم التحذيرات، لم يتبعه لا أصهاره ولا جيرانه ولا أقاربه. فلم يرد أحد أن يعرف رأفة الله ولم يرد أحد أن يلجأ إلى رحمته، لذلك لم يعرف أي منهم.

هذا هو ما يجب قوله في مواجهة من “يصعدون كلام إثم[67]“، أما نحن فلنهتم بأن تثمر أعمالنا وسلوكنا بحيث تكون مستحقين المعرفة الله، وبحيث يشاء الله ويعرفنا، ونحسب مستحقين لمعرفة ابنه يسوع المسيح ولمعرفة الروح القدس، ونستحق إذ يعرفنا الثالوث القدوس، أن نعرف بدورنا تماماً وكلية وكاملاً سر الثالوث القدوس بإعلان الرب يسوع المسيح الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمین[68]

[1] لاحظ أن التعبير المستخدم هو “فوقه” وليس “أمامه”، ووجب الحفاظ على هذا الفارق الدقيق أثناء الترجمة لأن أوريجينيس سوف يقوم لاحقا بالتعليق عليه: فالأمر يختص برؤيا ترفع رأس إبراهيم

[2] انظر: تك 18: 1-2.

[3] انظر تك 19: 1.

[4] انظر: تك 13: 9.

[5] انظر: تك 18: 1.

[6] انظر: تك 19: 1.

[7] انظر: تك 19: 13.

[8] انظر: تك 18: 2.

[9] انظر: تك 18: 6.

[10] انظر: تك ۱۸: 6. كان خبز الملة خبز على حجارة محماة. [المترجم]

[11] هذه الملحوظة لا يمكن أن تكون إلا من روفينوس.

[12] انظر: تك 18: 7.

[13] انظر: تك 18: 7.

[14] انظر: تك 18: 7.

[15] ارجع إلى (PHILON , De Abrah, 108-109): “تعجل إبراهيم حينئذ كل شيء وهو مملوء فرحا في نفسه حتى لا يرجئ الاستقبال وقال لامرأته: أسرعي واصنعي بثلاث کیلات خبز ملة. وقد أسرع هو نفسه بالذهاب إلى البقر وأخذ عجلا رخصا وجيدا وأعطاه الغلام فذبحه وأعده في أقصر مهلة. لأنه لا يوجد أحد في بيت الحكيم يتوانى في حب البشر؛ الرجال والنساء، العبيد والأحرار، يسارعون لخدمة الضيوف.” (.Trad . J . Gorez , p .69).

[16] انظر: تك 18: 8.

[17] تطيل العظة ۱۳: ۳ على سفر اللاويين شرح معنى هذا الخبز السري الذي يحتوي على علم الأسرار الإلهية. ووفقا لكليمندس (CLEMENT, Strom, 5, 12 ) الذي أخذ نفس كلمات فيلو (PHILON , De sacrif . Ab et Cain, 60) “يشير هذا الخبز الخفي إلى أنه يجب إخفاء الكلمة السرية الحقيقية والمقدسة التي عن غير المخلوق وأعماله ” وبالنسبة إلى أمبروسيوس، يحتوي هذا الخبز على تعليم مخفي في الخميرة التي خبأتها المرأة في العجين كما ذكر الرب يسوع في المثل” (35 ,9 .De Cain et Ab)، وهو تعليم لا يجب تسليمه للآذان الساذجة (.De Abrah, 5, 38).

[18] انظر: تك 18: 1.

[19] وفقاً للترجمة السبعينية

[20] انظر: تك 18: 6.

[21] انظر: في 2: 8.

[22] انظر: 1يو 3: 16.

[23] انظر: يو 15: 13.

[24] انظر: لو 15: 23.

[25] انظر: يو 3: 16.

[26] انظر: تك 18: 3، 4.

[27] انظر: تك 18: 4.

[28] انظر: يو 13: 6.

[29] انظر: مر 6: 11؛ مت 10: 15.

[30] انظر: تك 18: 4.

[31] انظر: تك 18: 8.

[32] انظر: تك ۸ : ۱۸ . لا يريد الروح القدس أن “يحكي قصطا” ولكنه يعلم، وتوجد تعاليمه في ثنايا التاريخ وذلك لمن يهتم بالبحث فيه. ارجع إلى العظة 6: 3؛ ۷: ۱؛ ۷: 6؛ ۱۰: ۲؛ ۱۰: 4؛ 15: 1.

[33] انظر: تك 18: 1.

[34] انظر: مت 5: ۸.

[35] انظر: 1صم 9: 9.

[36] انظر: تك 18: 9.

[37] انظر: تك 18: 9.

[38] انظر: تك 18: 9.

[39] انظر: خر 13: 21.

[40] انظر: تك 18: 11.

[41] ارجع إلى العظة 3: 3.

[42] انظر: تك 18: 16-21.

[43] انظر: تك 18: 21.

[44] انظر: تك 18: 2.

[45] انظر: مي 1: 3.

[46] انظر: في 2: 7.

[47] انظر: يو 3: 13.

[48] هذه العبارة تتعارض مع زعم البعض عن وجود تراتبية في الأقانيم عند أوريجينيس.

[49] انظرك في 2: 7.

[50] انظر: مر 9: 2.

[51] انظر: مت 13: 11.

[52] انظر: مت 14: 19.

[53] انظر: تك 18: 16-21.

[54] هذه هي إحدى اعتراضات ماركيون التي رد عليها أوريجينيس في عظاته الأخرى.

[55] انظر: أف 6: 14-17.

[56] انظر: 1كو 9: 15.

[57] انظر: 1كو 3: 1، 2.

[58] انظر: 2تي 2: 19 وانظر أيضاً عد 16: 5.

[59] انظر: مت 7: 23.

[60] انظر: 1كو 14: 37-38.

[61] انظر: (Select . in Ps . 1 , 6 , PG12 , 1100 A): ” الله لا يعرف الشر، ليس لأنه غير قادر على فهم وإدراك كل شيء بفكره (فمن الإثم التفكير في الله بهذه الطريقة) ولكن لأن الشر غير أهل بمعرفة الله .

[62] انظر: 1كو 14: 38.

[63] انظر: تك 18: 21.

[64] انظر: تك 18: 32.

[65] انظر: تك 18: 21.

[66] انظر: تك ۱۹.

[67] انظر: مز ۷۲: ۸ (بحسب السبعينية).

[68] انظر: ۱ بط 4: ۱۱.

العظة الرابعة ظهور الله لإبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثالثة ختان إبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثالثة ختان إبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثالثة ختان إبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

ختان إبراهيم

العظة الأولى – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

 

إشكالية إنسانية الله في الكتاب المقدس

1 نحن نقرأ في العديد من مقاطع الكتاب المقدس أن الله يتكلم مع البشر. وعلى ذلك، اعتقد اليهود، وحتى بعض من خاصتنا[1]، أنه يجب فهم الله كإنسان، أي لديه من الإنسان الأعضاء والهيئة الخارجية. لكن الفلاسفة ازدروا بذلك باعتباره أساطير وتخيلات من نوع التلفيقات الشعرية. هذا هو ما كنت أود بداية أن أحدثكم به في كلمات قليلة ثم أعود إلى ما تم قراءته.

لنتوجه إذاً في البداية إلى الذين من الخارج الذين يزعجوننا بقولهم إنه لا يليق أن يكون الإله سام، غير مرئي وغير مادي كإلهنا سلوك بشري. لأنكم، وفقا لما يقولون، إذا نسبتم له استخدام الكلمات، فيجب أن تعطوه من هنا أيضاً فما ولسانا والأعضاء الأخرى اللازمة للكلام، وفي تلك الحالة تكونون قد تركتم الإله غير المرئي وغير الجسدي. وعن طريق تعقيد وإكثار الحجج التي من هذا النوع يربكون قومنا، ولذا نحن بمعونة صلواتكم سنقوم بالقدر الذي سيسمح به الرب بالرد عليهم بإيجاز.

الله ليس له جسد

۲ بالنسبة لنا، نحن نعتبر أن الله غير مادي، عالي قدير وغير مرئي، ونحن نعلن أيضاً وفقاً لتعليم أكيد وثابت[2] أن الله يهتم بالكائنات الفانية وأنه لا شيء لا في السماء ولا على الأرض يتم دون عنايته. انتبها فنحن نقول دون عنايته وليس “دون إرادته”. لأنه إذا كانت هناك أشياء كثيرة تحدث دون إرادته[3] فإنه لا يوجد شيء يحدث دون عنايته. فإن العناية الإلهية هي التي ينظم الله بها الكون ويديره ويدبر كل الأشياء، أما الإرادة فهي التي من خلالها يريد الله أو لا يريد شيء ما. ولكن لتعبر عن هذا الموضوع، إذ أنه طويل وواسع جداً.

إن كان الله يدبر، كما نؤمن نحن، كل شيء ويدير كل شيء، فينتج عن ذلك أنه يعلم البشر بمشيئته وبما هو نافع لهم. وإذا لم يفعل ذلك، فلن يكون هو من يوفر احتياجات الإنسان ولا من يهتم بالكائنات الفانية. إذاً، بما أن الله يعلن للبشر عما يريدهم أن يفعلوه، فأي سلوك بالحري يجب أن نقول إنه يتبعه ليعلن ذلك؟ ألن يكون هو السلوك الذي يستخدمه البشر ويعرفونه؟ لأننا إذا قلنا على سبيل المثال إن الله يلزم الصمت، الأمر الذي نراه متوافقاً مع طبيعته، فكيف نظن أنه قد أعلن عن شيء بواسطة هذا الصمت؟ ولكننا في الحقيقة نقول إن الله قد تكلم حتى يدرك البشر. الذين يعرفون أنه من خلال تلك الوسيلة يعلن الشخص عن إرادته للآخر. أن الأقوال التي ينقلها لهم الأنبياء هي إشارات لمشيئة الله. وعلى كل حال، نحن لا نعلم إن كانت مشيئة الله محتواة فيها أي في تلك الأقوال إلا إذا قيل إن الله هو الذي عبر عنها، لأنه غير وارد على الإطلاق أن يستخدم الصمت للدلالة على المشيئة بين البشر. ولكن خلافا لخطأ اليهود، أو حتى البعض منا الذين يضلون معهم[4]، فنحن لن نذهب في حديثنا إلى الاعتقاد بأنه بسبب الضعف البشري الذي لا يمكنه سماع الله إلا حسب الواقع والكلمات التي يعرفها، فإن الله يتعامل في ذلك بأعضاء شبيهة لأعضائنا وبسلوك بشري. فهذا غريب على إيمان الكنيسة.

أعمال الله بعبارات بشرية

لكن القول إن الله يتحدث إلى الإنسان، فهذا يعني إما أنه يلهم قلب القديسين أو أنه يوصل دوي صوت لآذانهم. وهكذا فهو عندما يريد أن يظهر علمه بأقوال كل واحد وأفعاله فيقول إنه “سمع”، وعندما يريد أن يظهر أننا ارتكبنا عملاً جائراً يقول إنه “غضب”، وحين يريد إقناعنا بنكران حسناته يقول إنه “يندم. وعلى الرغم من أنه يتحدث عن كل هذا باعتباره سلوكاً بشرياً إلا أنه في الحقيقة لا يستخدم أعضاء جسدية. لأن الجوهر الإلهي بسيط ولا يتكون من أعضاء جسدية ولا مجموعات عضوية أو حالات عاطفية، ولكن حتى يمكن للبشر إدراك عمل القوى الإلهية، يجب أن يقدم بواسطة ألفاظ ترتبط بالأعضاء البشرية أو يتم التعبير عنه عن طريق مشاعر معروفة جيداً [للبشر]. وهكذا فإننا نقول إن الله “غضب”، أو إنه يسمع” أو “يتكلم.

وإذا كان الصوت الإنساني يعرف بأنه هواء “مقروع”[5] أي مرتد من اللسان، فإن صوت الله يمكن أن يعرف أيضاً بأنه هواء مقروع سواء بالقوة أو سواء بالمشيئة الإلهية. وهذا ما يجعل أنه حين يصدر صوت آتياً من الله فإن الدوي لا يصل إلى آذان الجميع، ولكن فقط إلى آذان من يخصهم. ويمكنك أن تعرف من هذا أن الدوي لا ينتج عن حركة اللسان، وإلا لكنا سمعنا كالمعتاد، ولكنه محكوم بقصد المشيئة السماوية[6].

وبالإضافة إلى ذلك يمكننا القول بأن كلمة الله لطالما وجهت حتى دون أي دوي صوت إلى الأنبياء والبطاركة وإلى قديسين آخرين كما تعلمنا ذلك بإسهاب جميع الأسفار المقدسة، ففي هذه الحالة، وينقل ذلك بإيجاز، يعلم العقل المستنير بروح الله من خلال عبارات شفهية[7]. هذا إذا هو السبب في قولنا إن الله يتكلم ليعلمنا، عندما يعلن مشيئته بإحدى الطريقتين اللتين ذكرناهما تواً.

وسنعرض الآن بعض النقاط على ما تمت قراءته آخذين في الاعتبار تلك الشروح.

الله يوجه حديثه لإبراهيم بصورة تتابعية مليئة بالأسرار

۳ هناك الكثير من الأقوال التي تحدث بها الله إلى إبراهيم، ولكن ليست كلها موجهة إلى نفس الشخص؛ إذ إن هناك أقوالاً موجهة إلى أبرآم وأخرى إلى إبراهيم، أي أن بعضها قد تم عقب تغيير اسمه والبعض الآخر تم حين كان يجاوب أيضاً باسمه بالميلاد.

في البداية وقبل تغيير اسمه، يوجه الله إلى أبرآم الوحي التالي: “اترك أرضك وعشيرتك وبيت أبيك[8].” لا توجد هنا أية وصية بالنسبة إلى عهد الله والختان. لأنه طالما كان يدعى أبرآم ويحمل اسم ولادته الجسدية، لم يكن في استطاعته أن يتسلم لا عهد الله ولا العلامة المميزة التي للختان. ولكن بمجرد أن ترك أرضه وعشيرته، بدأت أقوال أكثر سرية لمكتنفة بالأسرار توجه له وهذه أولاً: “فلا يدعي اسمك بعد أبرآم بل يكون اسمك إبراهيم[9]” وحينذاك استقبل عهد الله والختان كعلامة مميزة للإيمان[10]، والذي لم يكن ممكنا أن يأخذه طالما كان في بيت أبيه وسط عائلته الجسدية وطالما كان يجاوب باسم أبرام. وبالمثل، فإنه طالما كان في البيت الأبوي ويسكن مع اللحم والدم[11]، لم يًدع لا هو ولا زوجته بلقب شيخ، ولكنه استحق بمجرد أن رحل لقبي “إبراهيم وشيخ”، ويقول الكتاب: “لقد كان إبراهيم وزوجته المذهلة شيخين” أي مسنين ومتقدمين في الأيام[12]“. فكم من الأشخاص قد عاشوا من قبلهم حياة أطول من حياتهما، تسعمائة عام وأكثر، والبعض قد عاش أقل قليلاً حتى الطوفان[13]، ولم ينل أي منهم لقب “شيخ”، فهذه الكلمة عند إبراهيم لا تشير إلى شيخوخة الجسد ولكن إلى نضوج القلب[14]. وفي هذا المعنى قال الرب لموسى: “اختر شيوخاً تعلم أنت بنفسك أنهم شيوخ[15].” فلنتأمل بانتباه أكثر مقولة الرب: إلام يمكن أن تشير هذه الإضافة: “الذين تعلم بنفسك أنهم شيوخ”؟ ألم يكن جلياً للكل أن من له جسدياً عمر كبير يكون شيخاً، أي مسناً؟ لماذا إذن تم تكليف موسى فقط، نبي بهذه الأهمية، بالاعتناء بهذا البحث الخاص؟ ولماذا يجعل الاختيار يقع، لا على من يعرفهم الآخرون ولا على من يعرفه جموع غير المتعلمين، ولكن على من يختاره نبي ممتلئ من الله؟ إن ذلك يعني أن الأمر لا يتعلق بالحكم على مظهرهم أو عمرهم ولكن على روحهم. وهكذا كان إذاً إبراهيم وسارة “الشيخان” المغبوطان اللذان نتحدث عنهما.

إبراهيم يقيم العهد

في البداية وقبل أي شيء تم تغيير اسميهما الأصليين وهما اسما مولديهما الجسدي. “لما وصل أبرام لعمر التسع والتسعين سنة ظهر الرب له وقال له: أنا الله. كن مستحقاً لرضاي وبلا عيب، فأقيم عهداً بيني وبينك. وسقط إبراهيم على وجهه وسجد أمام الله. وتكلم الله حينئذ معه هكذا: أنا هو. هوذا عهدي معك، ستكون أبا لجمهور من الأمم، وكل الأمم تتبارك فيك. فلا يدعى اسمك بعد أبرآم بل يكون اسمك إبراهيم[16]“. وبعدما أعطاه هذا الاسم قال ثانية لساعته: “وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك. وهذا هو العهد الذي تحفظه بيني وبينك، وبين نسلك من بعدك[17]“. ثم يضيف: يختتن منكم كل ذكر، فتختنون في لحم غرلتكم”[18].

هل يقتصر العهد مع الله على الختان الجسدي؟

4 وهكذا، وبما أننا قد وصلنا إلى هذا المقطع، فإنني أريد أن أبحث إذا كان الإله العلي القدير، الذي يحكم السماء والأرض، حين أراد أن يقيم عهده مع رجل قديس، قد جعل أساس مسألة بهذه العظمة يرتكز على اقتطاع غرلة اللحم عند هذا الرجل وعند الذين من نسله القادم ويقول: “فيكون عهدي في لحمك[19]“. هل كان الختان إذا هو الشيء الذي منحه “سيد السماء والأرض[20]” كضمان لعهد أبدي للإنسان الوحيد الذي اختاره من بين كل الفانيين؟ وقد وضع معلمو وأحبار المجمع اليهودي مجد القديسين في هذا فقط [أي الختان الجسدي]. ولكن ليأتوا ليسمعوا. إذا أرادوا. كيف تكرم كنيسة المسيح التي قالت بالنبي القائل: “بالنسبة لي يا الله، قد كرم أحباؤك[21]“، ليأتوا ويسمعوا كيف تكرم الكنيسة أصدقاء عريسها وأي مجد تنسبه لهم عندما تذكر أعمالهم العظيمة.

ونحن إذاً، المقتنعين بتعاليم بولس الرسول، نقول إن الكثير من الأشياء تحدث كرمز وكصورة للحقيقة الآتية[22]: وبنفس الطريقة كان هذا الختان الجسدي رمزاً للختان الروحي الذي كان من الصواب ومن المناسب أن يعطيه إله المجد[23]” كوصية للبشر. اسمعوا إذن كيف يعلم القديس بولس، “معلم الأمم في الإيمان والحق[24]“، كنيسة المسيح عن سر الختان: “احترسوا من القطع. وهو يتحدث هنا عن اليهود الذين يحملون هذا القطع في اللحم. لأننا نحن الختان، نحن الذين نعبد الله بالروح، ولا نضع ثقتنا في الجسد.[25]” هذه هي إحدى آيات بولس الرسول حول الختان. وها هي آية أخرى: “ليس اليهودي هو من يبدو كذلك، وليس الختان هو الذي نراه في اللحم هو ختاناً، بل اليهودي هو من يكون كذلك في الخفاء بختان[26] القلب بالروح لا بحسب الحرف[27].” ألا يبدو لك الحديث عن هذا الختان بالنسبة إلى القديسين وأحباء الله مناسب أكثر مما عن اقتطاع لحم؟

ولكن حداثة هذا القول يمكن أن تنفر ليس فقط اليهود ولكن أيضاً البعض من إخواننا، حيث سيبدو أن بولس الرسول يتخيل شيئاً مستحيلاً بتعظيمه “ختان القلب”، لأن ما هي وسيلة ختان عضو مغروس في عمق الأحشاء ومحجوباً حتى عن أعين البشر؟ لنرجع إذاً إلى أقوال الأنبياء حتى يزال، بصلواتكم، الستار عن كل تلك الأسئلة. يقول حزقيال النبي: “أي غريب أغلف القلب وأغلف اللحم لا يدخل مقدسي[28]” وفي موضع آخر أيضاً يقول النبي مبكتاً: “كل الغرباء غلف الجسد، أما بني إسرائيل فغلف القلوب[29]“، مما يشير إذن أننا لن ندخل إلى قدس الله ما لم نختتن بالقلب وباللحم.

اعتراض المتمسكين بالمعنى الحرفي

5 ولكن يبدو أنني أهاجم بسبب تفسيري، لأنه حول تصريح النبي هذا، يستوقفني اليهودي على الفور ويقول لي: “يشير النبي هنا إلى الختانين، ختان الجسد وختان القلب. فلا يوجد مجال للمجاز هنا حيث يطالب بنوعي الختان”.

ساعدوني بصلواتكم حتى تتفضل “كلمة الله الحي[30]” وتأتي إليَّ “عند افتتاح شفتي[31]“، وحتى نتمكن بذلك تحت قيادتها، من أن ننفذ من طريق الاعتراض الضيق إلى فضاء الحقيقة الواسع، لأنه يجب علينا أن نفحم ليس فقط اليهود الجسديين حول ختان الجسد ولكن أيضاً البعض من الذين قبلوا اسم المسيح ظاهرياً والذين مع ذلك يرون ضرورة ختان الجسد مثل الإبيونيين[32] والذين يضلون معهم بفقر روح مماثل.

نقد بعض التفسيرات الحرفية

لنستخدم إذاً مقاطع العهد القديم التي يلجأون إليها بطيب خاطر. مكتوب في إرميا النبي ها أن آذان هذا الشعب غلفاء[33]“. اسمع يا إسرائيل قول النبي، فهو ينادي لك بخزي عظيم وينسب لك خطأً كبيراً. أنت متهم بأن آذانك غلف. فلماذا إذن، عند سماعك تلك الأقوال، لم تأخذ السيف وتقطع أذنيك؟ لأن الله سيتهمك ويدينك لأن أذنيك ليسا مختونين؟ ولن أسمح لك باللجوء إلى المجاز الذي يعنينا والذي علم به بولس الرسول. ماذا تنتظر إذن لتقطع أذنيك؟ اقطع آذانك، اقتطع هذه الأعضاء التي خلقها الله لمنفعة الحواس وجمال الإنسان[34]، لأنك هكذا تفهم الأقوال الإلهية.

ولكنني سوف أعرض لك شيئاً آخر لن تقدر على معارضته، فنحن نقرأ في سفر الخروج، ووفقا للأسفار المستخدمة في الكنيسة، أن موسى يرد على الرب قائلاً: “فلتبحث يا رب عن شخص آخر لترسله، لأن صوتي ضعيف ولساني مرتبك[35]“. ولكن أنتم، في النسخ العبرية تقرأون: “أما أنا، فإني أغلف الشفاه” وهكذا فإنه وفقاً لنسخكم التي تقولون إنها أكثر أصالة، فإنكم لديكم ختان للشفاه. إذاً إذا كان موسى، وفقا لكم، يعلن آنذاك أنه غير مستحق لأنه غير مختون الشفاه، فمن الواضح أنه يشير هنا إلى أن الإنسان المختون الشفتين يكون أكثر استحقاقاً وأكثر قداسة. فلتضعوا إذن السكين على شفاهكم وتقطعوا هذا اللحم الذي يكسو الفم بما أنه هكذا يحلو لكم فهم الأقوال الإلهية. أما إذا أرجعتم ختان الشفاه  إلى التفسير الرمزي، وإذا قلتم على الرغم من كل شيء إن ختان الأذن هو تعبير مجازي و يؤخذ بصورة رمزية، فلماذا لا تلجئون بالمثل أيضاً للمجاز عندما يتعلق الأمر بختان الغرلة؟

لكن لنترك هؤلاء الناس، الذين كالأصنام “لهم آذان ولا يسمعون، ولهم أعين ولا يبصرون[36]” أما أنتم يا شعب الله، الشعب الذي اقتناه، الشعب المختار لكي يخبر بفضائل الرب[37]“، فاقبلوا الختان الحقيقي الذي لكلمة الله في آذانكم، على شفاهكم، في قلبكم، في غرلة لحمكم وفي كافة أعضائكم دون استثناء.

الختان الروحي للآذان

لتكن آذانكم مختونة كما يقول الرب، بعدم الإصغاء إلى صوت المغتابين، بعدم سماع أقوال المجدف والنمام، بإغلاقها أمام الوشايات الكاذبة والكذب والإثارة. سدوها وأغلقوها فلا تسمع كلام الدماء[38]” أو لا تنفتح للأغاني الفاسقة وألحان المسرح، ولا تستقبل كلاما خلا بالحياء، ولتتحول عن كل فساد. هذا هو الختان الذي تختن به كنيسة المسيح آذانا أولادها. وفي رأيي أن الرب كان يطلب من مستمعيه آذان مثل هذه: “من له أذنان للسمع فليسمع[39]“. لأنه لا يستطيع أحد أن يسمع أقوال الحكمة والحق الطاهرة، بآذان غير مختونة وغيرطاهرة.

الختان الروحي للشفاه

ولنأت، إن شئتم، إلى ختان الشفاه، فأخال أن شفاهنا غير مختونة[40] عندما لا نقلع عن اللغة والمداعبات التي لا تليق[41]، عندما نغتاب الخيرون، عندما نشكو أقرباءنا، عندما نثير المنازعات، عندما نذيع افتراءات، عندما نفسد ما بين إخوة بعضهم متفوهين بأكاذيب، عندما نقول كلاما بطالاً غير لائق متأثراً بلغة العصر وفاسقاً وغير موافق وظالماً وعنيفاً ومجدفاً، وباختصار كل ما لا يليق بإنسان مسيحي. ولكن عندما نمنع فمنا عن كل ذلك وندبر أقوالنا بعدل[42]” وعندما نمتنع عن الثرثرة ونمسك لساننا ونضبط أقوالنا، فحينئذ نعرف بحق بأن شفاهنا مختونة. وبينما من يتكلمون كلام ظلم ويحتقرون السماء[43] ،” كما يفعل الهراطقة، لا يشتهرون إلا بكونهم غير طاهرين وغير مختوني الشفاه. ففي المقابل، يكون طاهراً ومختوناً من يخبر دائما بكلمة الله ويقدم تعليماً سليماً تؤيده قواعد إنجيلية ورسولية. هذه هي إذا الطريقة التي يقدم بها ختان الشفاه في كنيسة الله.

الختان الروحي للحم

6 والآن كما وعدنا، لنر كيف يجب أن نفهم أيضاً ختان اللحم. فما من أحد يجهل أن العضو الذي يوجد به الغلف يستخدم في الوظائف الطبيعية وهي المجامعة وإقامة النسل. فعندما نعرف إذاً كيف نضبط أنفسنا في حركات هذه الطبيعة، وعندما لا نتجاوز الحدود التي أقامتها الشرائع، وعندما لا نعرف غير زوجتنا الشرعية، وعندما لا نقترب منها إلا في الأوقات المحددة المشروعة وفقط من أجل إنجاب الأطفال[44]، فإننا نكون مختونين في غرلة لجمنا. ولكن إذا ألقينا بأنفسنا في كافة أنواع الشهوة وأحطنا أنفسنا من كل جانب بعلاقات أثيمة، واستسلمنا جامحين في دوامة الفجور، فنكون غير مختونين في غرلة لحمنا. إن كنيسة المسيح، المحصنة بنعمة من صلب من أجلها، تمتنع ليس فقط عن العلاقات المحرمة والمجرمة ولكن أيضاً عن العلاقات المسموح بها والشرعية، وبصفتها عروس المسيح الطاهرة، فهي تزهر في شكل عذاري عفيفات وطاهرات يتم فيهن ختان غرلة اللحم الحقيقي واللاتي يحفظن حقاً عهد الله وعهده الأبدي في جسدهن.

الختان الروحي للقلب

لم يبق لنا سوى تفسير ختان القلب. فعندما نشتعل برغبات شهوانية وشهوات دنيئة، ولكي أختصر، عندما “نزني في قلبنا[45]” نكون “غير مختوني القلب[46]” ولكن أيضاً عندما نستقبل في عقلنا أفكاراً هرطوقية، وعندما نهيج أفكار تجديف في قلبنا ضد علم المسيح، نكون غير مختوني القلب”، أما عندما نحتفظ بنقاوة الإيمان في كل استقامة ضمير نكون مختوني القلب، ونستحق سماع: طوبى لأنقياء القلب لأنهم سيعاينون الله.[47]

الختان الروحي لكل أعضاء الجسد

ومع ذلك أجرؤ على إضافة تعبيرات مشابهة إلى تعبيرات الأنبياء هذه. لأنه إن كان يجب ختان الآذان، والشفاه، والقلب وغرلة اللحم بالمعنى الذي سبق أن حددناه، فيمكننا كذلك القول بأن أيدينا أيضاً وأرجلنا ونظراتنا وحاسة الشم لدينا واللمس تحتاج إلى ختان. لأنه لكي يكون “إنسان الله كاملا[48]” تماما يجب أن تختتن كل أعضائه: اليدان حتى تمتنعا عن النشل والسرقة والقتل وتنفتحان فقط على أعمال الرب. كما يجب ختان الرجلين حتى لا تكونا سريعتين لسفك الدم[49]“، ولئلا تدخلا “مجلس الأشرار[50]” ولكن كي تتحركا فقط للأعمال التي يريدها الله. كما يجب ختان العينين حتى لا تشتهيان ما للقريب ولئلا تنظران إلى امرأة بشهوة[51]. لأننا إذا أطلنا نظرات شهوانية وتطفلية على تقاطيع الجسم الأنثوية نكون غير مختونين بالعينين. وإن أكلنا أو شربنا، سواء كنا نأكل أو نشرب، لمجد الله[52]” كما يطلب بولس الرسول، نكون مختونين في حاسة التذوق لدينا. ولكن إذا عملنا لأنفسنا “إلا لبطننا[53]” وصيرنا أنفسنا عبيدا لملذات النهم، فأقول إن حاسة التذوق لدينا غير مختونة. وإن أخذنا “رائحة المسيح الذكية[54]” وبحثنا عن “عطر حلاوة[55]” في أعمال الرحمة، فتكون حاسة الشم لدينا مختونة. أما إذا تقدمنا ونحن “مدهونين بأطيب العطور[56]” فحينئذ تكون حاسة الشم لدينا غير مختونة.

ومن هنا يجب أن نقول أيضاً إن كل عضو من أعضائنا، عندما تكون مجتهدة في الوظائف التي يريدها الله، فإنه يكون مختونا. العلامة أوريجانوس . عظات على سفر التكوين ولكن عندما تخالف الشرائع التي وكلت إلهياً إليها، فيجب اعتبارها بأنها غير مختونة. وأعتقد أن ذلك هو معنى هذا القول الذي لبولس الرسول: “كما سلمتم أعضاءكم كعبيد للإثم للنجاسة هكذا الآن سلموا أعضاءكم كعبيد للبر للتقديس[57]“. وفي الواقع حين كانت أعضاؤنا تخدم الإثم، لم تكن مختونة ولم يكن فيها عهد الله، إلا أنها حين أخذت تخدم البر للتقديس، تحقق فيها الوعد الذي أعطي لإبراهيم، لأنه حينئذ تطبع شريعة الله وعهده علامتهما فيها. وهذه هي حقاً “علامة الإيمان[58]” التي تضم ميثاق عهد أبدي بين الله والإنسان. إنه هذا الختان الذي أعطاه يسوع (يشوع) “بسكاكين من حجر[59]” لشعب الله. ولكن ما هو السكين الذي من حجر[60]؟ ما هو “السيف” الذي ختن به شعب الله؟ اسمعوا ما يقوله بولس الرسول: “لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من أي سيف ذي حدين، وخارقة إلى أن تفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ، وهي تميز ميول وأفكار القلب[61]“. هذا هو إذاً السيف الذي يجب أن يختننا، هذا السيف الذي يقول عنه الرب يسوع: “ما جئت لأجلب السلام على الأرض بل السيف[62].”

الختان الروحي هو الأنسب لإقامة العهد مع الله

ألا يبدو لك ختان من هذا النوع لائقاً أكثر من أجل إقامة عهد الله؟ قارن من فضلك شروحنا التي قدمناها بخرافاتكم اليهودية وقصصكم المثيرة للاشمئزاز، وسل نفسك عما إذا كانت تعليماتكم، أم التعليمات التي تكرز بها كنيسة المسيح، هي التي يحفظ فيها الختان بطريقة لائقة بالله. ألا تدرك أنت نفسك أن ختان الكنيسة شريف ومقدس ولائق بالله في حين أن ختانكم مخز ومنفر وكريه وأنه يخل بالحياء بطريقته ومظهره الخارجي؟

“فيكون الختان وعهدي في لحمك[63]“، هكذا يقول الله إبراهيم. فإن كانت إذا هذه هي حياتنا بحيث تكون قد حققت التوازن والاتحاد بين كافة الأعضاء لدرجة أن كل حركاتنا تنتج بالاتفاق مع شرائع الله، فحينئذ “يكون عهد الله في لحمنا[64]” حقاً.

فلتُستخدم الشروح المختصرة التي قدمناها حول نصوص من العهد القديم في إفحام من يتكلون على ختان اللحم، وفي المساهمة أيضاً في بناء كنيسة الله.

الختان الروحي في العهد الجديد

۷ ولكني أصل من هنا إلى العهد الجديد الذي يحتوي على كمال كل شيء، والذي أريد أن أثبت بواسطته كيف يمكننا نحن أيضاً أن نحمل عهد ربنا يسوع المسيح في لحمنا[65]. لأنه لا يكفي قول الشيء بكلمة فقط أو بقول ولكن يجب إتمامه بالأفعال. وفي الواقع يقول يوحنا الرسول: “كل روح يعترف أن يسوع قد جاء في الجسد فهو من الله[66]” عجباً! هل من الممكن أن يعترف إنسان خاطئ، شخص يسلك سلوكاً رديئاً، بأن يسوع قد جاء في الجسد”، وسيفعل ذلك وهو يبدو، حسب الظاهر، أنه في روح الله؟ لا، فليس هذا هو من يحمل عهد الله في اللحم، ولكن [فقط] في الكلام. هذا إذاً سوف يسمع فوراً: أيها الإنسان، أنت تخدع نفسك، إن “قوام ملكوت الله ليس في الكلام، بل في القوة[67].”

إنني أبحث إذاً كيف يمكن أن يتحقق عهد المسيح في لحمي[68]. إن أمت أعضائي الأرضية[69]“، يكون لدي عهد المسيح في لحمي. وإذا تحملت في جسدي باستمرار موت يسوع المسيح[70]” يكون عهد المسيح في جسدي. لأننا “إن حملنا التجربة معه فسنملك أيضاً معه[71]، وإذا كنت قد صرت واحدا معه بموت شبيه لموته[72]“، فإنني أظهر أن عهده هو في لحمي. لأنه ما فائدة أن نقول إن يسوع لم يأت إلا في الجسد الذي أخذه من القديسة مريم العذراء وألا نظهر أيضاً أنه قد جاء في جسدي أنا؟ ولكنني أظهر ذلك بالذات إن تحولت أعضائي الآن وقدمتها عبيداً للبر للتقديس” بينما كنت من قبل قد قدمتها عبيدا للإثم للنجاسة[73]” أنا أظهر أن عهد الله هو في جسدي إذا استطعت أن أقول مثل بولس الرسول: “أنا مصلوب مع المسيح، وإن عشت فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ[74]“، وإذا استطعت أن أقول مثله: “أما أنا، فأني حامل في جسدي سمات ربي يسوع المسيح[75]” ولكنه [أي بولس الرسول] كان يظهر حقاً أن عهد الله كان في لحمه حين قال: “من سيفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع؟ الشدة أم الضيق أم الخطر أم السيف[76]؟” لأننا إن اكتفينا بالاعتراف بالرب يسوع بالقول وإن لم تظهر أن “عهده في لحمنا[77]” بالطريقة التي شرحناها تواً، فسيبدو أننا نسلك نحن أيضاً بذلك كاليهود الذين يتصورون أنهم يعترفون بالله بواسطة علامة الختان فقط في حين أنهم ينكرونه بأعمالهم.

أما نحن فليعطنا الرب أن “نؤمن في قلبنا ونعترف بالفم[78]” وأن نؤكد بالأعمال أن “عهد الله هو في جسدنا”، حتى ” إذ يرى الناس أعمالنا الحسنة، يمجدوا أبانا الذي في السماوات[79]“، بالمسيح يسوع ربنا “الذي له المجد إلى أبد الآبدين. آمين[80].”

 

 

[1] انظر (Selecta in Genesim, PG 12, 93 AB) حيث يفند أوريجانوس فكر ميليتون (Meliton) الذي يقول إن الله كان له جسد.

[2] هذه إشارة واضحة تتكرر عند أوريجانوس عن التعليم المسلم.

[3] الأمور التي تحدث دون إرادته لا تعني أنها تحدث رغما عنه ولكن المقصود أن البعض يفعلونها بفضل الحرية التي أعطاها لهم الله رغم أنها لا تتفق مع إرادته ولكن بسماح منه.

[4] أشار أوريجانوس في العديد من المرات إلى ميل بعض المسيحيين للتفكير مثل اليهود (ارجع إلى آخر هذه العظة)، الأمر الذي يعد إشارة لسطوة حقيقية لليهودية في هذه الفترة من القرن الثالث حيث لم تكن المسيحية قد تخلصت نهائيا من بقايا الفكر اليهودي المهجور.

[5] تعريف من الفلسفة الرواقية، وهو يعني أن الهواء يمر عبر الفم ويصطدم (أو يقرع) باللسان فيحدث الصوت.

[6] ارجع إلى ق. باسيليوس (BASIL , In hexaem, 2: 7): “فيما يتعلق بالله، عندما نتحدث عن صوت وقول وأمر، فإننا لا نتخيل القول الإلهي بكونه صوتا صادرا من أعضاء قادرة على إنتاجه ولا بكونه الهواء الصادر من اللسان، ولكننا نعتقد أنه الدفع الناتج عن الإرادة الإلهية الذي يجعله الكاتب مدركا بالنسبة إلى من يعلمهم، عارضا إياه تحت أعراض وصية.”

[7] يعد هذا شرحا ممتازا للفكرة، فالعقل هو الذي يستقبل الاتصال الإلهي، ويعني ذلك أن تتكون بداخله مفاهيم وأفكار تترجم بالضرورة إلى كلمات.

[8] انظر: تك 12: 1.

[9] انظر: تك 17: 5.

[10] انظر: رو 4: 11.

[11] انظر: غل 1: 16.

[12] انظر: تك 18: 11.

[13] يشير الإصحاح الخامس من سفر التكوين بعد الطوفان إلى أعمار تسعة أشخاص بدءا من : آدم وحتى لامك. وقد عاشوا جميعا لأكثر من 100 عام باستثناء كل من: مهلائيل (895 عاما) وأخنوخ (365 عاما الذي اختطف) ولامك والد نوح (۷۷۷ عاما). فهؤلاء فقط هم من يتحدث عنهم أوريجانوس في هذه العظة. أما الأسماء الواردة في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين، فهي ليست موضوع خلاف، فقد جاءت بعد الطوفان ويبلغ متوسط أعمارهم 400 عام فقط.

[14] نفس الفكرة ترد في العظة 4: 4.

[15] انظر: عد 11: 16.

[16] انظر: تك 17: 1-5.

[17] انظر: تك 17: 7.

[18] انظر: تك 17: 10-11.

[19] انظر: تك 17: 13.

[20] انظر: تك 24: 3.

[21] انظر: مز 138: 17 (بحسب السبعينية).

[22] انظر: 1كو 10: 11.

[23] انظر: مز ۲۷: ۳ (بحسب السبعينية).

[24] انظر: 1تي 2: 7.

[25] انظر: في 3: 2، 3.

[26] سيكون من المفيد ان نسترجع الشاهد رو ۲: ۲۹ في مضمونه الصحيح كما نجده في عظات أوريجانوس على سفر العدد ۱ : ۱۱ ، وتفسيره لرسالة رومية ۲: ۱۲ حيث ستسند حجج أوريجانوس الذي يستهدف الختان وليس اليهودي.

[27] انظر: رو 2: 28-29.

[28] انظر: حز 44: 9.

[29] انظر: إر 9: 25.

[30] أنظر 1بط 1: 23.

[31] انظر: أف 6: 19.

[32] الإبيونيون: هم جماعة من اليهود المسيحيين الذين أعلنوا إيمانهم بالمسيحية مع استمرارهم في ممارسة الطقوس اليهودية. ويعني اسمهم بالعبرية (الفقراء). وقد وصفهم أوريجانوس جيدا في ضد کیلسوس ۲: ۱.

[33] انظر: إر 6: 10.

[34] نلاحظ هنا صدى التعاليم الرواقية.

[35] انظر: خر 4: 10؛ 13.

[36] انظر: مز 113: 13، 14؛ 134: 16، 17 (حسب السبعينية).

[37] انظر: 1بط 2: 9، 10.

[38] انظر: إش 33: 15.

[39] انظر: مت 13: 9.

[40] انظر: خر 6: 30.

[41] انظر: أف 5: 4.

[42] انظر: مز ۱۱۱: 5 (حسب السبعينية).

[43] انظر: مز 72: 8 (حسب السبعينية).

[44] يبدو من هذا المقطع ومن مقطع آخر شبيه في العظة ه: 4، أن الهدف الأوحد من الزواج في نظر أوريجانوس” هو الإنجاب. قد يبدو ذلك نوعا من التشدد الأخلاقي، ولكن ذلك ليس إلا وجها واحدا فقط من فكر أوريجانوس، فمجموع النصوص عن الزواج التي يمكن أن نستخلصها من عمله لا يترك لنا هذا الانطباع: ارجع إلى:

  1. CROUZEL, Introduction aux Homelies sur S. Luc (SC 87, p. 33)

[45] انظر: مت 5: 28.

[46] انظر: حز 44: 9.

[47] انظر: مت 5: 8.

[48] انظر: 2تي 3: 17.

[49] انظر: إش 59: 7.

[50] انظر: مز 1: 1.

[51] انظر: مت 5: 28.

[52] انظر: 1كو 10: 31.

[53] انظر: في 3: 19.

[54] انظر: 2كو 2: 15.

[55] انظر: مثلاً خر 29: 4.

[56] انظر عا 6: 6؛ نش 4: 14.

[57] انظر: رو 6: 19.

[58] انظر: تك 17: 11.

[59] انظر: يش 5: 2.

[60] يقول أوريجانوس إن الحجر الذي صنع منه يشوع السكاكين هو تلك “الصخرة” أي المسيح” (تي 3: 3). ولا يجد أوريجانوس هنا أي صعوبة في تحويل هذا “السكين” إلى “سیف” حتى يستطيع أن يأتي بالاستشهادات المناسبة من الرسالة إلى العبرانيين ومن إنجيل متى.

[61] انظر: عب 4: 12.

[62] انظر: مت 10: 34.

[63] انظر: تك 17: 13.

[64] انظر: تك 17: 13.

[65] انظر: تك 17: 13.

[66] انظر: 1يو 4: 2.

[67] انظر: 1كو 4: 20.

[68] انظر: تك 17: 13.

[69] انظر: كو 3: 5.

[70] انظر: 2كو 4: 10.

[71] انظر: 2تي 2: 12.

[72] انظر: رو 6: 5.

[73] انظر: رو 6: 19.

[74] انظر: غل 2: 20.

[75] انظر: غل 6: 17.

[76] انظر: رو 8: 35.

[77] انظر: تك 17: 13.

[78] انظر: رو 10: 9-10.

[79] انظر: مت 5: 16.

[80] انظر: غل 1: 5.

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

فلك نوح

العظة الأولى – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثالثة ختان إبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

التفسير الحرفي

1 في بدء الحديث عن الفلك الذي بناه نوح بأمر الله، لنر أولاً ما قيل عنه حرفياً ولنعرض المسائل التي اعتاد الكثيرون طرحها كأمور معارضة، ولنبحث لها عن حل بناء على ما نقله لنا القدماء فبهذه الطريقة، وعقب وضع تلك الأسس، نستطيع أن نرتفع من نص التاريخ[1] إلى المعنى المستيكي الرمزي للفهم الروحي، وإذا كان هناك أي سر، ندركه بفضل الرب الذي يكشف لنا علم كلمته.

وها هي إذاً الآية نفسها: “وقال الرب لنوح: نهاية كل بشر قد أتت أمامي، لأن الأرض مملوءة ظلماً بسببهم. فسأهلكهم مع الأرض. اصنع لنفسك إذاً فلكاً من خشب مربع، تهيئ كوى وكوى[2] في الفلك، وتطليه بالقار من داخل ومن خارج.

هكذا تصنع الفلك: تصنع الفلك حاسباً ثلاث مئة ذراع لطول الفلك، وخمسين ذراعا لعرضه، وثلاثين ذراعا لارتفاعه. والقمة تكملها في ذراع واحد. وتضع باب الفلك في الجانب. وتجعل الجزء السفلي طابقين والجزء العلوي ثلاثة طوابق” وبعد ذلك ببضع كلمات، يقول الكتاب: “وفعل نوح حسب كل ما أمره به الله الرب، هكذا فعل.[3]

هيئة الفلك[4]

نحن نتساءل بداية، كيف يجب النظر في هيئة الفلك نفسه وشكله، فبقدر ما يبرز من الوصف أتصور الفلك رباعي الزوايا، يرتفع وهو يضيق تدريجيا من الأسفل إلى القمة حتى يصل من الصغر هنا إلى قياس ذراع واحد. وقيل إنه جعل القاعدة ثلاث مئة ذراع طولاً، وخمسين ذراعاً عرضاً، بينما أقامه بارتفاع ثلاثين ذراعاً ولكن يصغر [الفلك] إلى قمة ضيقة جداً بحيث لم يبلغ طوله وعرضه سوى ذراع واحد.

المساكن الداخلية[5]

وبالنسبة للداخل، يتكون ما يسمى بالجزء السفلي من طابقين أي إنه يضم ارتفاعاً مزدوجاً من المساكن، ولكن يتكون الجزء العلوي من “ثلاثة طوابق فيمكننا القول بأنه قد بني في الفلك ارتفاع ثلاثي من غرف عليا. ويبدو أن هذا الفصل بين المساكن قد تم حتى يمكن توزيع أنواع الحيوانات المختلفة في كل مسكن بسهولة أكبر والاحتفاظ بالحيوانات الوديعة والضعيفة منها بمنأى عن الوحوش الشرسة. وتسمى إذا هذه المساكن المنفصلة “بالكوى”.

مواد البناء

قيل إن (الأخشاب المستخدمة) كانت أخشاباً مربعة وذلك حتى تتلائم مع بعضها البعض بسهولة أكبر ولمنع أي تسرب للمياه أثناء اجتياح الطوفان، في حين تم سد الفجوات من الداخل ومن الخارج بالقار.

الطوابق

يخبرنا التقليد[6]، وهو أمر محتمل الحدوث، أن أسفل الفلك المبني على الارتفاع المزدوج، كما قلنا قبلاً، قد سمي من جانبه ذو طابقين، بينما الجزء الأعلى قيل إنه ذو ثلاثة طوابق، وقد صنع الأسفل مزدوجاً من أجل السبب الآتي: فجميع الحيوانات أمضت في الفلك عاماً كاملاً، وكان بالتأكيد من الضروري توفير المؤن لهم طوال العام، ولكن أيضاً [يجب] إنشاء أماكن لتلقي نتاج الهضم بحيث لا تتضايق الحيوانات ذاتها، وكذلك على الأخص الأفراد، من رائحة الزبل غير المحتملة.

فيخبرنا إذن أن الجزء الأدنى في القعر كان محفوظا للضروريات التي من هذا النوع، وأن الجزء الذي كان يوجد فوقه مباشرة كان مخصصاً لحفظ الغذاء. لأنه بالنسبة إلى الحيوانات التي تتغذى عادة على اللحوم، كان يبدو من الضروري إدخال عدد أكبر جداً من الحيوانات التي تستخدم لحومها كغذاء، وتسمح للحيوانات الأخرى بالبقاء من أجل الحفاظ على السلالة. كما كان ينبغي من أجل الحيوانات الأخرى الاحتفاظ بنوع الأغذية الذي يتطلبها نظامها الطبيعي.

إذاً فكما يخبرنا فقد كانت الأجزاء السفلية المسماة “بـ ذات الطابقين” مخصصة لهذا الغرض، أما الأجزاء العليا فقد كانت مخصصة لإقامة الحيوانات: هناك في الأسفل كانت تأوي الحيوانات المتوحشة والمفترسة والثعابين، وفوقها مباشرة كانت هناك حظائر الحيوانات الأكثر هدوءً، وأخيراً فوق الجميع في القمة وضع مسكن البشر، كما هو طبيعي بالنسبة لهم، وهم الذين بالكرامة وبالعقل يتفوقون على الكل. وهكذا، فالإنسان الذي يتسلط على جميع الكائنات التي على الأرض، كما نعرف، بعقله وبحكمته، قد أقيم موضعياً في مكان أسمى فوق كل كائنات الفلك الحية.

الباب

ويخبرنا التقليد أيضاً أن الباب الذي صُنع، كما يقول الكتاب، في الجانب كان يوجد في مكان ما بحيث كانت تحته الأجزاء السفلية التي يطلق عليها “ذات الطابقين”، وبحيث سميت الأجزاء العليا ذوات الطوابق الثلاثة بأنها “عليا” بالنسبة إلى موضع الباب. وإذ دخلت كل الحيوانات من هنا، تم توزيعها بعد ذلك في أماكنها الخاصة، كما قلنا أعلاه، مع الأخذ في الاعتبار الفصل المطلوب.

ولكن لم تكن الطرق البشرية هي التي تضمن حماية الباب. إذ كيف، عندما أغلق الباب ولم يكن أحد خارج الفلك، تمكن من طلائه بالقار من الخارج؟ كان ينبغي بالتأكيد أن تعمل القدرة الإلهية حتى لا تتغلغل المياه من ممر لم تحمه يد الإنسان.

لذا، بعدما قال الكتاب بالنسبة إلى كل الباقي أن نوح هو الذي صنع الفلك وأدخل فيه الحيوانات، وكذلك أبناءه مع زوجاتهم، لم يقل، عندما يتعلق الأمر بالباب أن نوحاً قد أغلق باب الفلك، ولكنه قال: “الرب الإله من الخارج أغلق باب الفلك” وهكذا “حدث الطوفان[7]” ولنلاحظ مع ذلك أن بعد الطوفان حين أرسل نوح “الغراب ليرى إن كانت المياه قد انحسرت من على وجه الأرض[8]“، لم يقل الكتاب إن نوحاً فتح الباب ولكنه فقط فتح “الطاقة”.

المؤن

أدخل نوح إلى الفلك غذاء لكافة الحيوانات التي دخلت معه، ولنسمع الكلام الذي قاله الرب لنوح: “وأنت خذ من كافة الأغذية التي تؤكل واذخرها بالقرب منك لتستخدم كغذاء لك وكذلك لهم.[9]” وفعل نوح ما أمره به الرب. اسمع نص الكتاب: “وفعل نوح كل ما أمره به الرب الإله، هكذا فعل.[10]

أماكن التبرز

إن كان الكتاب لم يقل شيئاً عن الأماكن المخصصة لزبل الحيوانات، في حين يتحدث التقليد عنها، فيبدو أنه قد تم بحق السكوت حول هذه النقطة وتبعاتها، في حين يكفي العقل ليعلمها. وكما أن تعليم مثل هذا هو أقل استحقاقاً من أن ينسجم مع الفهم الروحي، لذا كان الكتاب محقاً في أن يسكت عنه، وهو الكتاب الذي شغله الأساسي هو أن يوافق رواياته مع المعاني الرمزية.

إتقان الفلك وكماله

ولكن، ومع الوضع في الاعتبار الظروف التي فرضتها الأمطار والطوفان، لم يكن ممكناً أن يعطى الفلك شكلاً مناسباً أكثر من الشكل الذي كان يسمح لمياه الأمطار أن تسيل من القمة كما من سقف ضيق عند قمته، والذي كان يحتفظ بالتوازن تاركاً الجوانب الأربعة تغوص بعمق تحت المياه على هذا النحو، لا تستطيع لا قوة الرياح ولا تلاطم الأمواج ولا تهيج الحيوانات التي كانت بالداخل أن تميل الفلك ولا أن تغرقه.

اعتراضات أبيليس

۲ لكن في ظل وجود كل هذا التكوين المجمع بمهارة شديدة، يبدي البعض اعتراضات وخاصة أبيليس”[11] (Apelles) الذي بسبب أنه تلميذ ماركيون (Marcion) لم يخترع هرطقة أخرى غير تلك التي أخذها عن معلمه. إذا يبالغ أبيليس، في رغبته أن يتهم كتابات موسى بأنها لا تحوي شيئا من الحكمة الإلهية ولا من عمل الروح القدس، في الأقوال التي من هذا النوع، ويدعي أنه من المستحيل تماماً أن يتمكن حيز بهذا الصغر من احتواء كل تلك الأنواع من الحيوانات مع الغذاء الذي كان يلزمها لمدة عام كامل.

وحيث إنه قد أدخل إلى الفلك وفقا للكتاب “زوجاً زوجاً[12]” من جميع الحيوانات النجسة أي زوجا من الذكور وكذلك زوجا من الإناث. وهذا ما يشير إليه تكرار الكلمة. وسبعة أزواج سبعة أزواج[13]“، أي سبعة أزواج من كافة الحيوانات الطاهرة، فيقول: كيف أمكن أن يحدث أن الحيز الذي ذكره الكتاب استطاع أن يحتوي فقط على الأقل على أربعة أفيال وبعد أن أبدى هكذا نفس الاعتراض بالنسبة لكل نوع من الحيوانات، ختم بهذه الكلمات: “من الواضح إذا أن القصة قد تم اختراعها. وبما أن الأمر هكذا، فمن الواضح أن هذا الكتاب ليس من الله”.

الرد على الاعتراض

وللرد على ذلك الاعتراض سوف نطلع المستمعين بما تعلمناه من الرجال الاختصاصيين طويلي الباع في التقاليد العبرانية ومن المعلمين القدماء. كان القدماء يقولون إذن إن موسى الذي كان، كما يؤكد الكتاب ذلك، “مهذباً بكل الحكمة المصرية”[14]، قد استخدم هنا عدد الأذرع كما يفعل في علم الهندسية الذي برع فيه المصريون بوجه خاص[15].

والواقع أن علماء الهندسة لهم أسلوب في العد يطلقون عليه “الأسس والجذور” يمثل الذراع بمقتضاه ستة أذرع بالنسبة للمجسم والمربع بموجب الاختزال العام للأرقام، أو [الذراع] يمثل ثلاثمائة بموجب اختزال متقدم جداً. فإذا استخدمنا هذا الأسلوب في العد، فسوف نجد أن الفلك كان له أبعاد من حيث الطول والعرض كافية لتحتوي حقا براعم ما سيعاد تكوينه في العالم بأكمله، والكائنات التي ستكون الأصل الذي ستتدفق منه حياة الكائنات الحية جميعها.

ها هو ما كنا ينبغي علينا قوله من وجهة النظر التاريخية في مواجهة من يبحثون عن مهاجمة كتابات العهد القديم، متعللين بأنها تحتوي على أشياء مستحيلة وغير معقولة.

التفسير الروحي

۳ لنطلب في البداية الآن إلى الوحيد القادر أن يرفع البرقع عند قراءة العهد القديم[16]، ولنحاول أن نبحث أي نوع من البنيان الروحي يحتوي عليه بناء الفلك الهائل هذا.

الطوفان، صورة لمجيء المسيح

بقدر ما تسمح لي ضآلة ذهني، أعتقد أن الطوفان الذي وضع في ذلك الحين نهاية العالم، يمثل نهاية العالم التي يجب بالحقيقة أن تحدث. وقد أعلن ذلك الرب بنفسه حين قال: “في أيام نوح كان الناس يشترون ويبيعون ويبنون ويتزوجون ويزوجون بناتهم وجاء الطوفان الذي أهلكهم جميعا: هكذا سيكون أيضاً مجيء ابن الإنسان.[17]

ففي هذه الآية يظهر جلياً أن الرب يصف بنفس الأسلوب الواحد الطوفان الذي سبق ونهاية العالم التي يعلنها بالنسبة إلى المستقبل. هكذا إذن، كما قيل آنذاك لنوح القديم أن يصنع فلكاً ويدخل معه ليس فقط أبناءه وذويه وإنما أيضا حيوانات من كل نوع، كذلك عند انقضاء الدهور[18] قال الأب لـ “نوحنا” (our Noah) الذي هو بالحقيقة البار[19] الوحيد، والكامل الوحيد، الرب يسوع المسيح، أن يصنع لنفسه فلكاً من خشب مربع وأن يعطيه أبعاداً ممتلئة بالأسرار السماوية. هذا ما يشار إليه في المزمور الذي يقول فيه: “اسأل فأعطيك الأمم ميراثا لك وأقاصي الأرض ملكا لك.[20]

 الفلك ومساكنه، الإيمان ومظاهره

لقد بنى إذن فلكاً وأعد فيه “كوى” أي أنواعاً من مأوى لاستقبال أنواع الحيوانات المختلفة. ويقول النبي حول ذلك: “هلم يا شعبي ادخل مخابئك، اختبئ بضع لحظات حتى تعبر شدة غضبي[21]“، هناك إذا مقابلة بين هذا الشعب الذي خلص في الكنيسة وبين هذه الكائنات: البشر والحيوانات التي خلصت في الفلك[22]. ولكن لا يتساوى الأمر لا في الاستحقاق ولا في التقدم في الإيمان بالنسبة للجميع.

لذا لا يشتمل الفلك على نفس المسكن للجميع، ولكن الجزء الأسفل فيه ذو طابقين والأعلى ذو ثلاثة طوابق، وأقام به كوى. هذا يدل على أنه في الكنيسة، بالرغم أن الكل محتوى داخل إيمان واحد، واغتسل في معمودية واحدة، إلا أنهم لا يتقدمون معاً ولا بنفس القدر ولكن كل واحد في رتبته[23].”

الكائنات المختلفة المحبوسة في الفلك: درجات الكمال

ومن يميلون بحياتهم إلى العلم العاقل والقادرين ليس فقط على قيادة أنفسهم ولكن أيضاً على تعليم الآخرين[24]، هم عدد ضئيل جداً يحقق صورة العدد القليل للذين خلصوا مع نوح والذين اتحدوا به بأوثق قرابة، تماماً كما يمتلك ربنا يسوع المسيح، نوح الحقيقي، عدداً صغيراً من الأصدقاء، عدد صغير من الأبناء ومن الأقارب الذين يشاركون كلمته ويمكنهم تلقي حكمته. هؤلاء هم من أقيموا في أسمى مرتبة ووضعوا في قمة الفلك.

أما هذا الجمع من الحيوانات أو الوحوش غير العاقلة فتلبث في الجزء السفلي، وبينهم في الجزء الأسفل، الذين لم تهدئ حلاوة الإيمان عنف وحشيتهم. ولكن فوقهم بقليل، هناك من يحتفظون على الرغم من ذلك بالكثير من البساطة والبراءة دون أن يكونوا عقلاء بالكامل.

نوح الحقيقي: يسوع المسيح

وهكذا كلما اتجهنا صعوداً من خلال طوابق الشقق المختلفة، نصل إلى نوح ذاته. نوح يعني “الراحة” أو “العادل[25]” -الذي هو المسيح يسوع. لأن كلمات لامك أبيه لا تتوافق مع نوح القديم: “هذا يريحنا من أتعابنا ومن عمل أيدينا المؤلم ومن الأرض التي لعنها الرب الإله[26]“، فكيف إذن نعتبره أمراً صحيحاً أن نوح القديم قد أراح لامك أو الشعب الذي كان يوجد على الأرض في ذلك الوقت

كيف كان يمكن أن يتوقف التعب والعمل المؤلم في زمن نوح، وكيف كان يمكن أن تمحى اللعنة التي نطق بها الرب على الأرض عندما يظهر بالأحرى أن الغضب الإلهي قد تزايد وأخبرنا أن الله قال: “ندمت أني عملت الإنسان على الأرض[27]” وأنه قال أيضاً: “سأبيد كل جسد على الأرض[28]” وخاصة عندما يقدم موت الأحياء الدليل على النكبة الأكبر؟

ولكن انظروا ربنا يسوع المسيح: لقد قيل عنه: “هذا هو حمل الله، هذا الذي يرفع خطية العالم[29]“، وفي موضع آخر: “صار من أجلنا لعنة ليفتدينا من لعنة الناموس[30]“؛ وفي موضع آخر أيضاً هو الذي يقول: “تعالوا إلى يا جميع المتعبين وثقيلي الأحمال وأنا أجددكم فتجدوا راحة نفوسكم[31]“.” أنتم ترون أنه هو الذي أعطى حقاً الراحة للبشر وهو من خلص الأرض من اللعنة التي أتت عليها من قبل الرب الإله. هكذا إذن قيل لهذا الـ “نوح” الروحي، الذي أعطى الراحة للبشر والذي رفع خطية العالم: “اصنع لنفسك فلكاً من خشب مربع”[32].

الخشب المربع: دعائم الإيمان

4 لنر اذاً ما هي هذه الأخشاب المربعة. الخشب المربع هو ذلك الخشب الذي لا يميل بأي شكل والذي، مهما قلبناه من أي جانب فإنه يحتفظ دائما بصلابة بتوازنه. هذه الأخشاب هي التي تحتمل بالداخل ثقل الحيوانات وضغط المياه بالخارج. وهي تمثل في رأيي الأحبار والمعلمين وغيوري الإيمان الذين في الكنيسة، الذين يعزون الشعب الموجود بالداخل بكلمة الإنذار والتعليم، من ناحية، ومن ناحية أخرى يقاومون بقوة الكلمة وبحكمة العقل مهاجمي الخارج، سواء كانوا وثنيين أو هراطقة، كما يقاومون من يثيرون أمواج الاعتراضات وعواصف المجادلات[33].

هل تريدون أن تروا أن الكتاب الإلهي يعرف “أخشاباً” عاقلة؟ لنذكر أنفسنا بالمكتوب في حزقيال النبي: “وكان في السنة الحادية عشرة في الشهر الثالث في أول يوم من الشهر أن كلام الرب كان إليّ قائلاً: يا ابن الإنسان، قل لفرعون ملك مصر وجموعه: بمن تشبه نفسك في عظمتك؟ هوذا آشور كان سرواً على لبنان، جميل الأغصان، وارف الظل، طويل القامة، رأسه مرتفع إلى الغمام. عظمته المياه، وكبره البحر، وأتى بكل أنهاره من حوله وأرسل فيض مياهه لكل أشجار السهل. فلذلك ارتفعت قامته أعلى من جميع أشجار السهل[34].”

وبعد بضع كلمات يقول: “الكثير من سرو جنة الله والصنوبر لا يشبه أغصانه والأرز لا يساوي فروعه. لم تشبهه أية شجرة في جنة الله وجميع أشجار جنة نعيم الله حسدته[35]“. هل لاحظتم عن أي نوع من الأشجار يتكلم النبي؟ وكيف يصف سرو لبنان الذي لا يمكن مقارنته بجميع أشجار جنة الله الأخرى. ويضيف حتى في النهاية أن كل أشجار جنة الله تحسده. ووفقا للمفهوم الروحي، هو يريد بالتأكيد أن يوضح أن الأشجار العاقلة التي في جنة الله هي التي يصف أن لديها غيرة من الشجر الذي على جبل لبنان.

وهكذا. ولكننا نقولها اعتراضاً. لاحظوا أنه يجب ربما فهم الآية: “ملعون من الله كل من علق على خشبة”[36] بنفس المعنى المستخدم في موضع آخر: “ملعون الرجل الذي يضع رجاءه في الإنسان[37].” فعلينا أن نعلق بالله وحده دون آخر حتى ولو ادعى أنه من جنة الله.

كما يقول ذلك بولس الرسول أيضاً: “عندما نبشركم نحن أو ملاك من السماء بإنجيل آخر غير الذي بشرناكم به فليكن أناثيما[38]” ولكن لنؤجل الحديث هذا الموضوع إلى مرة أخرى.

 

القار: التقديس الداخلي والخارجي

لقد رأيتم ما هي الأخشاب المربعة التي وضعها نوح الروحي لأجل الذين هم في الداخل كجدار وحماية ضد المياه التي تضرب الفلك من الخارج. هذه الأخشاب مطلية بالقار من الداخل ومن الخارج[39]“، فالمسيح مؤسس الكنيسة، لا يريد أن تكونوا كالذين يظهرون من خارج أبراراً في أعين الناس والذين من داخل هم قبور موتى[40]“؛ ولكنه يريد أن تكونوا قديسين بالجسد في الخارج وطاهرين بالقلب في الداخل، منتبهين من كل ناحية ومحميين بفضيلة العفة والنقاوة. هذا ما يعنيه أن يكون المرء مطلياً بالقار من الداخل ومن الخارج.

الطول والعرض والارتفاع. أبعاد أسرار المسيح

5 بعد ذلك يذكر طول الفلك وعرضه وارتفاعه ويعطي تلك الأبعاد بعض الأرقام التي اختصت بأسرار عظيمة[41]. ولكن قبل الحديث عن الأرقام، لنرى ما يقصده الكتاب بالطول والعرض والارتفاع. لقد قال الرسول في فقرة كان يتحدث فيها عن سر الصليب بطريقة سرية أكثر: “حتى تعرفون الطول والعرض والعلو والعمق[42].” العمق والعلو هما سيان، إلا أن في العلو يبدو الفضاء محسوباً من أسفل إلى أعلى، بينما يبدأ قياس العمق من أعلى ويهبط إلى أسفل. فسمعنا إذا روح الله بحق، بواسطة موسى وبولس الرسول في ذات الوقت، أسراراً عظيمة بالرمز.

أما بولس فلأنه كان يبشر بسر نزول المسيح فقد استخدم لفظ العمق حتى يبين أن المسيح جاء من المناطق العليا إلى المناطق السفلى؛ أما موسى فعلى العكس، فلأنه يصف عودة الذين ردهم المسيح من المناطق السفلى إلى المناطق السماوية منتزعا إياهم من الدمار وهلاك الدهر كما من موت الطوفان، فلا يذكر العمق في أبعاد الفلك ولكن الارتفاع، كأنما ليشير إلى أن الأمر يتعلق بمكان نرتفع فيه من المناطق الأرضية الوضيعة إلى المناطق السماوية والمرتفعة.

معاني الأعداد

أما بالنسبة إلى الأعداد، فهي ثلاثمائة ذراع للطول وخمسون للعرض وثلاثون للارتفاع.

الثلاثمائة هي ثلاثة في مئة والعدد مئة يشير إلى تمام كل شيء وإلى الكمال، وهو يحوي سر مجموعة المخلوقات العاقلة، كما نقرأ ذلك في الأناجيل حيث يقول إن: “من كان له مئة خروف وأضاع واحدا منهم ترك إذن التسعة والتسعين على الجبل ونزل ليبحث عن الضال. وإذ وجده حمله على منكبيه وأعاده إلى التسعة والتسعين التي لم تضل[43]“.

ولأن العدد مئة هذا الذي لمجموعة المخلوقات العاقلة لا ينشأ من تلقاء ذاته ولكنه يتحدر من الثالوث ونال من الأب بالابن والروح القدس[44] طول العمر، أي نعمة الخلود، فلذلك يعطينا الكتاب هذا العدد مضروباً في ثلاثة، كما هو طبيعي بالنسبة لمن ينمو إلى الكمال بنعمة الثالوث، والذي بمعرفة بالثالوث يعيد إلى جماعة الثلاثمائة من ترك نفسه يضل بجهله بعيداً عن جماعة المئة[45].

أما العرض فقد خصه بالعدد خمسين، وهو العدد المختص بالعتق والغفران، فوفقاً للناموس[46]، كان هناك عتق يتم في السنة الخمسين، أي إنه إذا تم رهن أي من الممتلكات، كان يرد آنذاك، وإذا وقع رجل حر في العبودية كان يستعيد حريته، والمدين ينال إبراء من دينه، والمنفي كان يعود إلى وطنه. لذا فقد أعطى المسيح، نوح الروحي، في فلكه، أي في الكنيسة، التي يخلص فيها الجنس البشري من الدمار، العدد خمسين للعرض وهو عدد العتق، لأنه لو لم يكن قد وهب المؤمنين مغفرة الخطايا، لما امتد “عرض” الكنيسة عبر العالم.

ويحتوي العدد ثلاثون الذي للارتفاع على سر شبيه مثل العدد ثلاثمائة. فما كان يمثله منذ قليل العدد مئة، يمثله الآن العدد عشرة مضروبا في ثلاثة.

ولكن قمة كل البناء تتقلص إلى الرقم واحد: فليس هناك إلا “إله واحد، الأب، الذي منه تأتي كل الأشياء، ورب واحد[47]” ولا يوجد سوى إيمان واحد للكنيسة، ومعمودية واحدة وجسد واحد وروح واحد[48]” وتنزع كافة المخلوقات إلى الغاية الوحيدة التي للكمال الإلهي[49].

ولكن أنتم أيضا الذين تسمعون، لو دأبتم على مهل في قراءة الكتاب المقدس فستجدون أن الكثير من الإنجازات الكبيرة تختبئ في رقمي ثلاثين وخمسين. فيوسف كان في الثلاثين حين خرج من السجن وتبوأ حكم مصر كلها[50] حتى يبعد، بفطنة إلهية، كارثة المجاعة التي كانت تهددهم. ويخبرنا أن يسوع كان في الثلاثين[51] من عمره حين ذهب ليعتمد وحين رأى السموات مفتوحة وروح الله نازل عليه في هيئة حمامة[52]“.

في ذلك الوقت بدأ سر الثالوث ينكشف لأول مرة. وستكتشفون الكثير من الأحداث المشابهة لذلك. كما ستجدون أيضا أن يوم الخمسين كان مخصصا لتكريس الحصاد الجديد[53] وأنه قد تم اقتطاع جزء من خمسين من غنائم المديانيين[54] للرب. وأيضاً أن إبراهيم قد انتصر على أهل سدوم بثلاثمئة رجل[55]، وأنه بالثلاثمئة رجل الذين رشفوا الماء بألسنتهم أحرز جدعون نصرته[56].

الباب: دينونة الله

أما الباب فلا هو في الواجهة الأمامية ولا هو أعلى الفلك ولكنه في الجانب مائلاً لأنه وقت الغضب الإلهي. مكتوب أن يوم الرب هو يوم غضب وسخط[57]“، ويمكن للبعض أن يخلص ولكن هناك الكثيرون الذين يدينهم سلوكهم ومصيرهم الهلاك والموت. وإذا كان الباب قد وضع مائلاً فهذا لكي يذكرنا بقول النبي هذا: “إن سلكتم معي باعوجاج فسوف أسير معكم بسخط معوج[58]“.

الطوابق السماء والأرض والجحيم

لنفحص بعد ذلك الفقرة التي تشير بشكل منفصل إلى كل من الجزء الأسفل ذي الطابقين والجزء الأعلى ذي الثلاثة الطوابق. وقد يقصد أن يشير من هنا لما يقوله الرسول أنه “ستجثو باسم يسوع كل ركبة من الكائنات التي في السماوات وعلى الأرض والجحيم”[59]، ويعني أن الجزء الأسفل في الفلك هو نفسه ما يقصده الرسول بكائنات الجحيم، وأن ما يأتي فوقه مباشرة هو نفس ما يقصده بكائنات الأرض.

أما الجزء العلوي الذي يقال إنه ذو ثلاثة طوابق والذي نسكنه جميعاً فهو ما يقصده بكائنات السماء. ولكن من بين هؤلاء يجب أن نميز من تسمح لهم استحقاقاتهم، وفقا للرسول بولس أن “يصعدوا إلى السماء الثالثة[60]“. أما عن الكوى والكوى، ولأنها عددها كبير في الفلك، فهي تشير إلى أن هناك في بيت الأب منازل كثيرة[61]“.

تعايش الحيوانات معا اتحاد الجميع في الملكوت

ولكي نفسر [وجود] الحيوانات والوحوش والبهائم وشتى الأحياء الأخرى، فأي صورة أخرى نأخذها غير تلك التي أعطاها لنا إشعياء النبي حين قال إن في ملكوت المسيح الذئب والحمل، الفهد والجدي، الأسد والثور، سوف تذهب معاً للمرعى وصغارها تأكل الكلأ ما، بل حتى الطفل الصغير أحد الذين قال المخلص عنهم: “إن لم ترجعوا وتصيروا مثل هذا الولد فلن تدخلوا ملكوت الله[62]“، ذلك الطفل، يدخل يده في وكر الأفعوان دون أن يشعر بأي أذى[63].

ألا يمكننا أن نتناول أيضاً الصورة المتحققة بعد الآن في الكنيسة، كما يعلم بطرس بذلك حين نقل لنا ما شاهده في رؤيا، حيث ظهرت كل الدواب (ذوات الأربع) ووحوش الأرض وطيور السماء محتواة في الملاءة الواحدة التي للإيمان[64] والمربوطة بالجوانب الأربعة التي للأناجيل؟

التفسير الأخلاقي

6 ولكن بما أنه بالنسبة للفلك، الذي نسعى جاهدين لوصفه، جاء أمر الله أن يبنى لا على طابقين فقط ولكن على ثلاثة طوابق، فلنهتم نحن أيضاً بإضافة تفسير ثالث إلى التفسير المزدوج الذي سبق وفقا للوصية الإلهية.

 المعنى الأخلاقي

التفسير الأول الذي بدأنا به هو في الواقع تفسير تاريخي، وقد وضع كأساس في الأسفل، أما التفسير الثاني، التفسير المستيكي، فقد كان أعلى وأسمى. فلنحاول إن أمكن أن نرفق به التفسير الثالث وهذا يكون أخلاقياً. ولنلاحظ مع ذلك خاصية ألا وهي أن الكتاب المقدس لم يقل إن الفلك كان ذا طابقين فقط دون أن يضيف شيئاً، كما لم يقل إنه كان ذا ثلاثة طوابق فقط دون إضافة؛ ولكن بعد أن قال: ذا طابقين” أضاف “و ذا ثلاثة طوابق.

هذا لا يكون، كما يبدو لي دون سر نفس التفسير الذي بين يدينا الآن لأن مصطلح “ذو ثلاثة طوابق” يشير إلى هذا التفسير الثلاثي. ولكن حيث إن التسلسل المنطقي في الكتابات الإلهية بالنسبة لوجهة النظر التاريخية لا يستقيم دائما بل ويغيب أحياناً، هكذا، حين يقول مثلاً: “أشواك تنبت في يد السكران[65]“، أو حين يقول فيما يتعلق بالهيكل الذي بناه سليمان “ولم يسمع في بيت الله صوت المعول والمنحت[66]

أو أيضاً في سفر اللاويين حين “يأمر بفحص برص الجدران والجلود وخيوط النسيج بواسطة الكهنة لكي يطهروه[67]“، فبسبب تلك المقاطع ومقاطع أخرى مشابهة، لا يتكون الفلك فقط من مجموعة من ثلاثة طوابق ولكن أيضاً من مجموعة من طابقين، حتى نعرف أن الكتابات الإلهية لا تحتوي دائما على ثلاثة معاني للشرح، بما أن المعنى التاريخي لا يقدم لنا دائماً، ولكن أحياناً معنيين فقط. ولنحاول إذا أيضاً شرح المعنى الثالث ألا وهو وجهة النظر الأخلاقية.

الفلك وأبعاده

إن كان هناك أحد قادر، رغم نمو الشر وفيض الرذائل، على أن يتحول عن الأمور الزائلة، الفانية والباطلة، ليستمع إلى كلمة الله وإلى الوصايا السماوية، فإن هذا يبنى في قلبه فلك الخلاص ويكرس بداخله “مكتبة” الكلمة الإلهية[68]، إن جاز القول، ويعطيها كطول وعرض وارتفاع الإيمان والمحبة والرجاء.

وهو يبسط الإيمان بالثالوث من أجل طول الحياة والخلود، أما عرض المحبة، فيقيمه بمشاعر اللطف والصلاح، وأما ارتفاع الرجاء فيرفعه إلى الحقائق السماوية العلوية، لأنه إن عاش على الأرض فإنه “في السموات مسكنه[69]. أما بالنسبة إلى مجموع أعماله فهو يرجعها إلى هدف واحد لأنه يعرف أن “الجميع يركضون ولكن واحد فقط ينال الجعالة[70]“، وذلك من لن يتشتت في تنوع الأفكار وتقلب الروح.

الأخشاب المربعة والقار والحيوانات

وهو لا يبني هذه المكتبة من أخشاب خام خشنة، ولكن من أخشاب مربعة مسطحة ومستقيمة، أي لا من كتب المؤلفين الدنيويين ولكن من كتب الأنبياء والرسل، لأن هؤلاء هم الذين؛ إذ تنقلوا بالتجارب المتنوعة وشذبوا واقتطعوا كل رذائلهم، فإن الحياة لديهم مهذبة ومتوازنة من كل جانب. أما مؤلفو الكتب الدنيوية فمن الممكن أن نطلق عليهم “أخشاباً مرتفعة” وأخشاباً ظليلة”.

فإن “تحت كل خشبة مرتفعة وظليلة يتهم إسرائيل بأنه قد زنا[71]“. بما أنهم يجاهرون بتعاليم رفيعة ويستخدمون أساليب مزخرفة، دون أن يعملوا وفقاً لكلامهم، فلا نستطيع أن نطلق عليهم “أخشاب مربعة[72]“، لأن السلوك لديهم ليس متوافقاً مع أقوالهم بأي شكل.

أنت إذاً إن صنعت فلكاً، إن جمعت مكتبة، فلتضم بها كتابات الأنبياء والرسل أو من اتبعوهم في خط الإيمان المستقيم. اصنعها مزدوجة وثلاثية الطوابق. تعلم بواسطتها الروايات التاريخية، اعلم بواسطتها “السر العظيم[73]” الذي يتم في المسيح وين الكنيسة، واعرف بواسطتها كيف تصحح أيضاً عاداتك وتزيل عيوبك، وتطهر نفسك وتجردها من كل الرباطات التي تأسرها، مقيما فيها كوي وكوى من أجل الفضائل المتنوعة والتقدم[74].

وبالتأكيد ستطليها بالقار من الداخل ومن الخارج[75]“، “حاملاً الإيمان في قلبك ومعترفا به بفمك[76]“، حاملاً العلم بالداخل والأعمال بالخارج ومتقدماً بالقلب الطاهر بالداخل وبالجسد المتعفف بالخارج.

في هذا الفلك إذاً، لنضع “مكتبة الأسفار الإلهية أو النفس المؤمنة من وجهة نظر أخلاقية مؤقتاً. عليك أيضاً إدخال حيوانات من كل نوع، لا طاهرة فقط ولكن أيضا نجسة. أما الحيوانات الطاهرة فمن السهل علينا القول بأنه يمكن تفسيرها كالذاكرة والعلم والذكاء والفحص والتمييز وكل الملكات المشابهة الأخرى التي نطبقها على ما نقرأ. وأما بالنسبة للحيوانات النجسة فمن الصعب إبداء الرأي بشأنها؛ إذ لاحظنا أنه يشير إليها بزوج زوج[77]

ومع ذلك فإن لم يكن التعرض لمثل تلك المقاطع الصعبة أمراً متهوراً، فأعتقد أن الشهوة والغضب الطبيعيين لدى كل النفوس، يجب أن تسمى نجسة حين تؤدي بالإنسان إلى الخطية، ولكن حيث إننا لا نستطيع لا أن نوفر النسل بدون الشهوة ولا الإصلاح والتعليم بدون الغضب، فنقول إنهما ضروريان ويجب الاحتفاظ بهما[78]. قد يبدو هذا الكلام لا يتعلق بالمعنى الأخلاقي ولكن بالمعنى الطبيعي، ومع هذا فقد تحدثنا بما تقدم من أجل البناء[79].

ومن يستطيع على مهل مقارنة أجزاء الكتاب المقدس بنفسه وربط “الروحيات بالروحيات[80]” فإنه سيجد بلا شك في هذا المقطع الكثير من الخفيات التي لسر عميق وخفي يمنعنا الوقت القصير المتبقي وكذلك تعب المستمعين من عرضها الآن.

ولكن لنطلب رحمة الله العلي القدير حتى لا يجعلنا “نسمع فقط[81]” كلمته ولكن “أن نعمل بها”، وليسكب على نفوسنا أيضاً طوفان مائه وليهدم فينا كما يريد ما ينبغي هدمه ويحيي بالمثل فينا ما ينبغي إحياؤه بالمسيح ربنا وبروحه القدوس، له المجد لأبد الآبدين آمين.

 

[1] هناك خلط لدى أوريجانوس (أو روفينوس) بين كلمتي حرفي وتاريخي.

[2] المقصود بها مساكن لأن الكوة هي فتحة غير نافذة في الجدار.

[3] انظر: تك 6: ۲۲، ۲۲.

[4] هنا نجد في أكثر من مئة سطر، المقطع اليوناني الوحيد الذي بقي لنا من العظات على سفرالتكوين لأوريجانوس، وقد حفظه لنا بروكوبس وتقليد (Chaines) ولكن مع وجود اختلاف طفيف بينها. ونحن لا يمكن أن نعتبر أن هذا النص هو بالضبط ما قدمه أوريجانوس؛ إذ نجده يحتوي على مقاطع لديديموس الضرير في تعليقه على سفر التكوين، والذي يستلهم بلا شك من أوريجانوس.

وهكذا يعتبر نص روفينوس هو ترجمة مباشرة لنص أوريجانوس، تحترم أفكار أوريجانوس لكن يرجع التعبير عنها وتنظيمها إلى روفينوس. وحيث إن الترجمة التي نوردها هنا هي ترجمة روفينوس فقد التزمنا بها أيضا في هذا الجزء.

[5] نجد في العديد من مخطوطات (Chaines) رسما في الهامش يمثل الفلك بشكله الهرمي وطابقيه السفليين وطوابقه الثلاثة العليا وتقسيمه.

[6] إنه واحد من عدة تقاليد تسلمها أوريجانوس من بعض اليهود الذين بالإسكندرية أو خلال رحلاته إلى فلسطين.

[7] انظر: تك 7: 16-18.

[8] انظر: تك 8: 6، 8.

[9] انظر: تك 6: 21.

[10] انظر: تك 6: 22.

[11] نحو القرن الثاني كتب أبيليس سلسلة من الجدالات الشكلية” تكون مجموعة من الاعتراضات ضد الكتاب المقدس. وقد تسربت بعض اعتراضاته بين المؤمنين وزرعت بلبلة. (ارجع إلى العظة 3: ۱)

[12] انظر: تك 6: 9

[13] انظر: تك 7: 2.

[14] انظر: اع 7: 22.

[15] كانت فكرة أن المصريين قد برعوا في الهندسة فكرة شائعة عند القدماء. ووفق العديد من الباحثين فإن المصريين هم من اخترعوا الهندسة.

[16] انظر: 2كو 3: 14.

[17] انظر: لو 17: 26-27؛ مت 24: 27.

[18] يمثل انقضاء الدهر بالنسبة لأوريجانوس ليس مجرد الحدث الأخير لمجي المسيح الثاني، ولكنه العصر الحالي ككل الذي بدأ بمجيء ابن الإنسان أي التجسد. ومن هنا جاء استخدام صيغة الماضي الذي يدهشنا. ارجع إلى العظة 15: 5 “في نهاية الدهر، نزل ابن الله الوحيد إلى الجحيم.”

[19] انظر: تك 6: ۹.

[20] انظر: مز ۲: ۸.

[21] انظر إش 26: 20.

[22] انظر: ترتليان ( 24, TERTULLIEN , De idol): “لنر إن كان هناك مكان بالكنيسة وفقا لما صوره الفلك بالنسبة للغراب والعقاب والذئب والكلب والثعبان. ولكن من المؤكد أن الفلك لا يحوي أي وثني”. وطبقا لهيبوليتوس (HIPPOLYTE, Philos. 9, 12): “يقول سابيليوس إن فلك نوح كان صورة الكنيسة، نرى فيه كلابا وذئائا وغربانا وكافة أنواع الحيوانات الطاهرة والنجسة. وكان يقول إنه لا بد أن يكون هكذا أيضا في الكنيسة.”

[23] انظر 1كو 15: 23.

[24] انظر 2تي 2: 2.

[25] كثيرا ما كان أوريجانوس يعود إلى المعنى الاشتقاقي للأعلام كما ورد في معاجم أسماء الأعلام القديمة. وسوف نلتقي فيما يلي بالعديد من أصول الكلمة هذه. وهي تبدو مبتكرة بالنسبة لفقهاء اللغة اليوم، لكنها كانت تؤخذ آنذاك كما هو شائع.

[26] انظر: تك 5: 29.

[27] انظر: تك 6: 7.

[28] انظر: تك 6: 7، 12.

[29] انظر: يو 1: 29.

[30] انظر: غل 3: 13.

[31] انظر: مت 11: 28-29.

[32] انظر: تك 6: 14.

[33] لاحظ تدرج وظائف التعليم. أولا غيورو الإيمان الذين يبدو أن دورهم يتمثل في توبيخ وتحذير الفاترين، ثم يأتي المعلمون المتولون مهمة التعليم بالمعنى الحرفي للكلمة، وأخيرا هناك الأحبار ويمكن أن يقوموا بالوظائف السابق ذكرها (العظة 13: 4) ولكن ترجع إليهم بشكل خاص مهمة الدفاع عن الإيمان ضد الهراطقة والوثنيين.

[34] انظر: حز 31: 1-5.

[35] انظر: حز ۳۱: ۸-۹. هذا الاستشهاد من حز 3: 1-5، ۸۔ ۹ موجود دون حذف في المقاطع عند ديديموس بنفس الهدف وهو أن يثبت أن الكتاب المقدس يتحدث عن” أشجار عاقلة” ويمكننا أن نتبين اختلافات طفيفة بين النصين.

[36] انظر: تث 21: 23.

[37] انظر: إر 17: 5.

[38] انظر: غل 1: 8.

[39] انظر: تك 6: 14.

[40] انظر: مت 23: 27.

[41] كثيرا ما يظهر مفهوم السر هذا في فكر أوريجانوس. لقد جاء العهد الجديد بالإعلان عن سر المسيح، ولكن هذا السر لا ينكشف مرة واحدة أمام المؤمن. بل هو منتشر ومخفي في كل مكان في الكتاب المقدس ومتناثر في قصص ورموز لا حصر لها. والحرفية هي التي تبقي الكتاب في الظل، كما يغطي البرقع وجه موسى (العظة ۲: ۳؛ 6: ۱؛ 7: 1، ۷: 6؛ ۱۲: ه؛ ۱۳: ۳؛ 15: 7). ولذا يجب إزالة البرقع حتى ينكشف سر الكتاب.

وتضاعف الدراسة الدقيقة والمثابرة والتي على نور الإيمان من نقاط الاتصال مع هذا السر. كل نقطة اتصال تكون إذا مثل سر خاص وجزء من السر الواحد. والكتاب المقدس هو محيط من الأسرار (العظة ۹: ۱) التي ينبغي الكشف عنها واحدة فواحدة.

[42] انظر: اف 3: 18.

[43] انظر: لو 15: 4-5؛ مت 18: 12-13.

[44] تعتبر هذه هي الصورة التمهيدية للمفهوم الذي يرد عند معظم الآباء الشرقيين وهو أن عمل الله الثالوث هو “من الآب بالابن في الروح القدس”.

[45] يجب أن يتساءل القارئ باستمرار في كل فقرة شبيهة، إلى أي مدى يمكن أن تتطابق ترجمة روفينوس الذي كان يكتب بعد الجدال عن الثالوث، مع لغة أوريجانوس. ومن المؤكد أن أوريجانوس كان يجد من جهة الأرقام، أن شرح رمزيتها هو أمر مفيد.

ويأتي أوريجانوس بعد فيلو، الذي كان يسر بهذا النوع، وبعد كيلمندس السكندري، الذي قدم بالفعل معنى أبعاد الفلك (475.Strom . VI , 11 , 86 – 87 : GCS 15 , p)، وسنجد أنه قد جاءت أيضا معنی الأرقام ۳۰۰ و ۱۰۰ و 50 و ۳۰ و۱ وفقا لمقارنات كتابية في العظة 16: 16.

[46] انظر: لا 25: 10.

[47] انظر 1كو 8: 6.

[48] انظر: أف 4: 4، 5.

[49] ارجع إلى عظاته على سفر العدد 21: 2 “من جهة القمة المحصورة والضيقة، فهي مكان الإنسان العاقل. ومن جهة أخرى، تقام القبة على ذراع واحد لأن الكل يرجع إلى الوحدة؛ لكن الوحدة نفسها تشير إلى سر الثالوث بعدد ثلثمائة ذراع ويوضع الإنسان بجانب هذا الرمز باعتباره عاقلا وقادرا على استقبال الله .”

[50] انظر: تك 41: 46.

[51] انظر: لو 3: 23؛ مت 3: 16.

[52] انظر: مر 1: 10.

[53] انظر: لا 23: 16؛ تث 16.

[54] انظر: عد 31: 28، 30.

[55] انظر: تك 14: 14.

[56] انظر: قض 7: 6، 8.

[57] انظر: صف 1: 15.

[58] انظر: لا 16: 27-28.

[59] انظر: في 2: 10.

[60] انظر: 2كو 12: 2.

[61] انظر: يو 14: 2.

[62] انظر: مت 18: 3.

[63] انظر: إش 11: 6-8.

[64] انظر: أع 10: 11-12.

[65] انظر: أم 26: 9.

[66] انظر: اصم 6: 7.

[67] انظر: لا 14: 34؛ 13: 48.

[68] ارجع إلى عظاته على سفر الخروج ۹: 4 “ليعمل كل واحد فينا من ذاكرته فلكا ومكتبة الكتب الإلهية لأن النبي يعتبر أن من يحفظون في ذاكرتهم وصايا الله لينفذوها هم مطوبون.”

[69] انظر: في 3: 20.

[70] انظر: 1كو 9: 24.

[71] انظر: إر 2: 20؛ 3: 6.

[72] انظر: تك 6: 14.

[73] انظر: أف 5: 32.

[74] نرى هنا الثمرة الثلاثية مصاغة بإتقان وهي التطبيق بالمعنى الحرفي والرمزي والأخلاقي.

[75] انظر: تك 6: 14.

[76] انظر: رؤ 10: 10.

[77] انظر: تك 6: 19.

[78] ارجع إلى العظة 1: 17.

[79] اهتمام أوريجانوس بالتأمل والاقتباسات التي يأخذها من الفلسفات الوثنية تعطي بعض المستمعين الأقل خبرة انطباعا أنه يتحدث کرواقي أو علماني أكثر من كونه معلما مسيحيا۔ وهو ينكر ذلك ويشرح رأيه بالفعل في العظات ۱: ۱۷، ۲۳. وفي موضع آخر (العظة 13: 3) يذكر أن المعلمين الوثنيين هم الذين يتهموه باستعمال حججهم وأساليبهم.

[80] انظر: 1كو 2: 13.

[81] انظر: يع 1: 22.

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثالثة ختان إبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

الخليقة

اليوم الأول[1]

“في البدء”

1“في البدء خلق الله السماء والأرض”[2]. ما هو بدء كل شيء إلا يسوع المسيح ربنا و”مخلص جميع الناس”[3] “بكر كل خليقة[4]“؟ إذاً في هذا البدء، بمعنى في “كلمته” “خلق الله السموات والأرض، كما يقول يوحنا البشير في بداية إنجيله: “في البدء كان الكلمة وكان الكلمة عند الله وكان الكلمة الله. كان هذا في البدء عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان.[5]” وهو لا يتكلم هنا عن بدء زمني ولكنه يقول إن السماء والأرض وكل ما خلق قد خلق “في البدء” أي في المخلص[6].

الظلمة

وكانت الأرض محتجبة ولا شكل لها، وكانت الظلمة تغطي الهاوية، وروح الله يرف على المياه”[7] كانت الأرض محتجبة ولا شكل لها قبل أن يقول الله “ليكن نور”[8] وقبل أن يفصل النور عن الظلمة وفقاً لما يشير إليه ترتيب السرد. بعد ذلك أمر الله بأن يكون هناك جلد وهذا أسماه “سماء”. وحين نصل إلى تلك النقطة سنوضح الفرق بين الجلد والسماء ولماذا أطلق على الجلد السماء. ولكن الآن يقال: “كانت الظلمة تغطي الهاوية”[9]، فما هي تلك الهاوية؟ بالتأكيد هي الهاوية التي سيكون فيها[10] “إبليس وملائكته”[11]. على الأقل هذا أيضاً مذكور بوضوح في الإنجيل، حين قيل عن المخلص: “إن الشياطين الذين كان يطردهم كانوا يطلبون إليه ألا يأمرهم بالذهاب إلى الهاوية.”[12]

لهذا يبدد الله الظلمة طبقا للنص الكتابي القائل: “وقال الله ليكن نور فكان نور. ورأى الله أن النور كان حسناً وفصل الله النور عن الظلمة. وسمى الله النور نهاراً وسمى الظلمة ليلاً. وكان مساء وكان صباح: يوماً واحداً.”[13]

الزمن

وطبقا للحرف، فإن الله أطلق على النور نهاراً وعلى الظلمة ليلاً ولكن طبقاً للمعنى الروحي، دعونا نرى بعدما “صنع السماء والأرض” في ذلك “البدء الذي تحدثنا عنه سابقاً، وبعد أن قال أيضاً إنه كان نور ثم فصل النور عن الظلمة وأطلق على النور نهاراً وعلى الظلمة ليلاً، وبعد أن قال إنه كان مساء وكان صباح، لماذا لم يقل الله “اليوم الأول”[14] لكن “يوم واحد”[15]؟ ذلك لأن الزمن لم يكن موجوداً قبل كون العالم. ولكن الزمن بدأ يوجد مع الأيام التالية. فاليوم الثاني والثالث والرابع وكل الأيام الأخرى بدأت تشير إلى الزمن.

اليوم الثاني

السماء والجلد[16]

۲ وقال الله: “ليكن جلد في وسط المياه وليفصل المياه من المياه. وكان كذلك. فعمل الله الجلد[17]” وبعدما خلق السماء، يخلق الله الآن الجلد. في الواقع هو خلق السماء أولاً التي قال عنها: “السماء كرسيي”[18]، ثم بعد ذلك خلق الجلد، أي السماء الجسدية. فمن الواضح أن كل جسد يكون صلباً ومتماسكاً وهذا ما يفسر أن الجلد “فصل بين المياه التي فوق السماء من المياه التي تحتها.”[19]

وحيث أن كل ما كان الله سيصنعه كان مكوناً من روح وجسد، فلهذا قد قيل إن السماء، أي كل مادة روحية يعتمد عليها الله، كما على كرسي، قد خلقت في “البدء” وقبل كل شيء. ولكن السماء الأخرى، أي الجلد، هي جسدية. لهذا فإن السماء الأولى التي وصفناها بأنها روحية هي روحنا، التي هي بالضرورة روحية، أي إنساننا الروحي الذي يرى الله ويتأمله. ولكن الأخرى، التي هي السماء الجسدية والتي يطلق عليها جلد، فهي إنساننا الخارجي الذي يرى بأعين الجسد.

وكما أطلق على الجلد سماء لأنه يفصل بين المياه التي فوقه عن تلك التي تحته، هكذا الإنسان، الذي هو كائن في جسد، إن استطاع أن يفصل ويميز بين المياه العليا التي “فوق الجلد” والمياه التي “تحت الجلد” فسوف يسمى هو أيضاً سماء أي “إنساناً سماوياً[20]” كقول الرسول بولس: “فإن مسكننا هو في السماء[21]

هذا إذا هو ما تحويه ألفاظ الكتاب ذاتها: “فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه الذي فوق الجلد. ودعا الله الجلد سماء ورأى الله أن هذا حسن، وكان مساء وكان صباح، وكان ذلك يوما ثانياً[22]

المياه العليا

وليهتم كل واحد منكم إذن بأن يصير من يفصل الماء الذي هو في الأعلى عن الماء الذي بالأسفل حتى يصل إلى الفهم والمشاركة في الماء الروحي الذي هو “فوق الجلد”، ويجري من بطنه أنهار ماء حي تنبع إلى الحياة الأبدية”[23]، مبتعداً بلا شك ومفصولاً عن الماء السفلي أي عن ماء الهاوية الذي يضع الكتاب فيه الظلمة وحيث يسكن “رئيس هذا العالم[24]” و”التنين العدو “مع ملائكته”[25] كما سبق وقلنا.

وهكذا إذاً بالاشتراك في الماء العالي الذي هو فوق السموات يصبح كل مؤمن سماوياً بمعنى أن يركز ذهنه في الأشياء العليا والسامية ولا يكون أي شيء من أفكاره في الأرض، ولكن تكون كلها في السماء، و “يطلب ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الآب”[26]. حينئذ هذا الإنسان نفسه سيحسبه الله مستحقاً للمديح الموجود في النص القائل: “ورأى الله أن هذا كان حسناً”[27]

اليوم الثالث

تصبح أرضا خصبة

ثم ما عرضه في التكملة عن اليوم الثالث يلحق بذات المعني. والواقع أن الكتاب يقول: “وقال الله: ليجتمع الماء الذي تحت السماء إلى كتلة واحدة ولتظهر اليابسة[28]. وكان كذلك”[29].

لنسعى نحن إذن إلى جمع الماء الذي تحت السماء” وأن نزيلها بعيداً عنا حتى تظهر بعد ذلك “اليابسة” أي أعمالنا التي نعملها بالجسد “حتى إذ يرى الناس أعمالنا الحسنة يمجدوا أبانا الذي في السموات”[30]. لأننا إن لم نفصل عنا المياه التي تحت السماء، أي الخطايا ونقائص جسدنا فلن تتمكن يابستنا من الظهور ولن يكون لها الثقة بأنها تسير نحو النور. “كل من يفعل الشر يكره النور ولا يأتي إلى النور خشية أن تدينه أعماله، ولكن من يتمم الحق يأتي إلى النور حتى تظهر أعماله ونراها بما أنها قد عملت في الله”[31]. وهذه الثقة لن تعطى لنا إن لم نطرح ونقطع بعيداً عنا، مثل المياه، نقائص الجسد التي هي أسباب الخطايا. وحين يتم ذلك فإن اليابسة فينا لن تظل “يابسة” كما سنرى فيما يلي.

يقول الكتاب في الواقع ليجتمع الماء الذي تحت السماء إلى كتلته ولتظهر اليابسة. ودعا الله اليابسة أرضاً ومجتمع المياه دعاه بحراً”[32]. وكما أن اليابسة حين تنفصل عن المياه، كما قلنا منذ قليل، لا تبقى يابسة” ولكنها تدعى منذ ذاك “أرضا”، هكذا أيضا أجسادنا، إن حدث مثل هذا الانفصال فيها، فلن تظل “يابسة”، بل سوف تدعى “أرضاً” حيث سيمكنها بعد الآن أن تنتج ثمراً لله.

والله حين “خلق في البدء السماء والأرض خلق فقط فيما بعد الجلد واليابسة ودعا الجلد “سماء” معطياً إياه اسم سماء التي كان قد خلقها قبلاً. ودعا اليابسة “أرضا” لأنه أعطاها القدرة على أن تنتج ثمراً. إذاً إن ظل أحد يابساً بسبب إثمه ولم ينتج ثمراً بل “شوكاً وحسكاً”[33] كما لو كان ينتج “غذاء للنار[34]” فسوف يصير هو نفسه “طعاماً للنار” بسبب ما ينتجه. أما إن فصلته غيرته اليقظة عن مياه الهاوية التي هي أفكار الشياطين، وإذا بدا كأرض تنتج ثمراً، فيجب عليه أن يترجى معاملة بنفس الطريقة، لأن الله يدخله إلى “أرض يفيض فيها اللبن والعسل[35].”

الإتيان بثمر

۳ ولكن دعونا نرى مما يلي ما هي الثمار التي يأمر الله “الأرض” التي أعطاها هو نفسه هذا الاسم بإنتاجها. “ورأى الله أن ذلك حسن. وقال الله: لتنبت الأرض عشب الحقول يحمل بذراً كجنسه وكهيئته، وشجرا ذا ثمر ينتج ثمراً يحوي بذره بداخله كهيئته على الأرض. وكان كذلك”[36]. ومن الواضح لو تمسكنا بحرفية النص، إنه توجد هنا الثمار التي أنتجتها الأرض حينما لم تعد بعد “اليابسة”

ولكن دعونا نرجع إلى أنفسنا من جديد. فها نحن الآن “أرض” ولم نعد بعد “يابسة”، فلنأت إذاً لله بثمار وفيرة ومتنوعة حتى نكون نحن أيضاً مباركين من الآب الذي يقول: ها إن رائحة ابني كرائحة حقل مثمر باركه الرب”[37]، وحتى يتحقق فينا قول الرسول: “حين تشرب أرض المطر الآتي عليها مراراً كثيرة وتنتج عشباً صالحاً للذين يزرعونها، فستنال بركات من الله. ولكن الأرض التي تنبت شوكاً وحسكاً تبدو نوعيتها رديئة وقريبة من اللعنة وننتهي بإحراقها”[38].

4 “فأخرجت الأرض عشب الحقول يحمل بذراً كجنسه وكهيئته، وشجراً ذا ثمر يعمل ثمراً يحوي بذره بداخله كجنسه على الأرض. ورأى الله ذلك أنه كان حسنا. وكان مساء وكان صباح، وكان هذا اليوم الثالث[39].” فالله يأمر الأرض ألا تنبت فقط “عشب الحقول ولكن أيضا “البذار” حتى يمكن أن تنتج ثمراً باستمرار. ولم يأمر بأن تنبت فقط شجراً ذا ثمر” ولكن أيضا شجراً “يحمل ثماراً تحوي بداخلها بذرها كجنسها” وذلك حتى تستطيع بفضل هذه البذار التي بداخلها أن تؤتي ثمراً باستمرار.

وبالمثل، علينا نحن أيضا أن نأتي بثمر وأن تكون في أنفسنا البذار، أي أن نحوي في قلوبنا بذور كل الأعمال الحسنة وجميع الفضائل التي إذ تكون مغروسة في أرواحنا هكذا تجعلنا نتمم ببر كل الأعمال التي نعملها. لأن ثمار هذه البذار هي أعمالنا حين تأتي من كنز قلبنا الصالح”[40].

لأننا إن سمعنا الكلمة وبعد سماعها تنبت أرضنا في الحال عشبا، وإن “جف هذا العشب”، قبل أن ينضج ويأتي بثمر، فإن أرضنا سوف يطلق عليها أرضاً “صخرية”[41]، ولكن إن ترسخت الكلمة في قلبنا بجذور عميقة حتى تعطي ثمرة الأعمال وتحوي بذار الخيرات العتيدة، فحينئذ تعطي أرض كل منا بالحقيقة ثمراً كطاقتها “الواحدة مائة، والأخرى ستين، والأخرى ثلاثين للواحدة[42]“. ولكن بدا لنا من الضروري أن نلفت النظر إلى أن ثمرنا لا يجب أن يحوي “شقاقا”[43] أي زوانا في أي مكان، وأنه لا يجب أن يكون على جوانب الطريق”[44] بل يجب أن يكون مزروعاً على الطريق ذاته، على هذا الطريق الذي يقول: “أنا هو الطريق”[45] حتى لا تأكل طيور السماء”[46] ثمارنا ولا كرمنا. ومع ذلك إن استحق أحد منا أن يكون كرمة[47]، فليحترس من أن يحمل “أشواكا” بشكل العناقيد، وإلا فإن تلك الكرمة لن تشذب ولن تقلم، ولن تحصل “السحب” على الأمر (من الله) بأن تسقط عليها الأمطار، بل بالعكس سوف تترك “قفراً” حتى تنبت فيها الأشواك “[48].

اليوم الرابع

الأنوار: المسيح والكنيسة

5 وبعد ذلك تستحق السماء من الآن أن تكون مزودة بأنوار. فقال الله: “لتكن أنوار في جلد السماء لتضيء على الأرض وتفصل النهار عن الليل[49]“. فكما أمر الله أن تكون هناك أنوار في الجلد الذي يدعى سماء، حتى تفصل بين النهار والليل هكذا يمكن أن يحدث لنا أيضا شرط أن نجاهد حتى ندعي ونصير سماء؛ فيكون لنا في أنفسنا مثل أنوار لتنير لنا المسيح وكنيسته. فالمسيح هو “نور العالم[50]” هو الذي ينير الكنيسة أيضا بنوره[51]. فكما نقول إن القمر يحصل على نوره من الشمس حتى يتمكن الليل ذاته من أن يستنير به، هكذا أيضاً الكنيسة إذ تحصل على نورها من المسيح، تنير كل من هم في ليل الجهالة. ولكن إن تقدم أحد حتى صار “ابنا للنهار” سائرا بأمانة كما في وضح النهار”[52]، “كابن للنهار وابن للنور[53]“، فهذا ينيره المسيح ذاته كشمس النهار.

6 “لتكن علامات ولتحدد الأزمنة والأيام والسنين، ولتكن أنوار في جلد السماء لتنير الأرض. وكان كذلك[54] ” فكما أن الأنوار التي نراها في السماء قد وضعت لتكون “علامات ولتحدد الأزمنة والأيام والسنين” وتنير من الجلد من هم في الأرض، هكذا المسيح؛ إذ ينير كنيسته يعطي أيضاً علامات من خلال تعاليمه، حتى نعلم لدى استقبال العلامة كيف نتجنب “الغضب الآتي[55]” بحيث لا يفاجئنا “يوم الرب كلص[56]“، بل يسمح لنا بالحري أن نصل إلى سنة نعمة الرب[57]“.

فالمسيح إذاً هو “النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آت إلى هذا العالم[58]“، وتصير الكنيسة المستنيرة بنوره هي نفسها “نور العالم وتنير “الذين في الظلمة[59]“، كما يؤكد ذلك المسيح نفسه حين يقول لتلاميذه: “أنتم نور العالم[60]“. وينجم من هنا أن المسيح هو نور الرسل، والرسل بدورهم هم نور العالم، فهم في الواقع الكنيسة الحقيقية بسبب أنهم بلا دنس ولا غضن ولا شيء من مثل ذلك”، وفقا لقول بولس الرسول أن الله “أراد أن يظهر أمامه كنيسة مجيدة بلا دنس ولا غضن ولا شيء من مثل ذلك[61]“.

۷ “وعمل الله نورين عظيمين، النور الأكبر ليتسلط في النهار والنور الأصغر ليتسلط في الليل، وعمل أيضا النجوم. ووضعها الله في جلد السماء حتى تضيء على الأرض لتتسلط في النهار وفي الليل وحتى تفصل بين النور والظلمة. ورأى الله أن ذلك حسن. وكان مساء وكان صباح، وكان هذا اليوم الرابع[62]“. وكما أن الشمس والقمر، وفقا للكتاب المقدس، هما النوران العظيمان في جلد السماء هكذا أيضاً المسيح والكنيسة بداخلنا. ولكن أضاف الله نجوماً في الجلد، فيجب علينا نحن أيضاً أن نرى ما يمثل النجوم في داخلنا أي في سماء قلوبنا. فموسى نجم فينا يضيء وينيرنا بأعماله وكذلك إبراهيم وإسحق ويعقوب وإشعياء وإرميا وحزقيال وداود ودانيال وكل من شهدت لهم الكتب المقدسة بأنهم كانوا مرضيين لله[63]. وكما أن كل “نجم يختلف عن نجم في العظمة[64]” هكذا كل قديس بمقدار عظمته يسبغ نوره علينا.

وكما أن الشمس والقمر ينيران أجسادنا، هكذا ينير المسيح والكنيسة عقولنا. على الأقل هما ينيرانها، إن لم نكن عمياناً روحياً. لأنه كما أن الشمس والقمر لا يشعان نورهما على العميان الجسديين الذين لا يمكنهم أن يستقبلوا النور، هكذا المسيح يمد أرواحنا بنوره، ولكنه لن ينيرنا إلا لو لم يمنعه عمى عقلنا. فإن كان هذا هو الحال، فينبغي أولاً أن العميان يتبعون المسيح قائلين وصارخين: ارحمنا يا ابن داود[65]“، فبعد أن ينالوا من المسيح نفسه الإبصار، يمكن بعد ذلك أن يشرق عليهم بهاء نوره.

وأيضاً الذين يبصرون لا يستنيرون بالمسيح بالتساوي ولكن كل واحد على القدر الذي يستطيع به تلقي النور. فإن عيون جسدنا لا تنيرها الشمس بالتساوي ولكن كلما صعدنا إلى أماكن مرتفعة وكلما وضعنا المرصد في مكان عال حيث تتأمل النظرة من خلاله شروق الشمس، تمكننا من إدراك بريقها وحرارتها بصورة أفضل. وهكذا كلما اقتربت عقولنا بصعودها وارتفاعها من المسيح وتعرضت بمزيد من القرب لبريق ضيائه، أشعت أيضاً بنوره بصورة أكثر روعة وأكثر لمعانا، كما يقول الله ذاته هذا من خلال النبي: “اقتربوا إلي فأقترب إليكم، يقول الرب[66]“، ويقول أيضاً: “أنا إله يقترب ولست إلهاً بعيداً”[67].

ومع ذلك فنحن لا نقترب إليه جميعنا بنفس الأسلوب “ولكن كل منا يذهب إليه حسب إمكاناته الخاصة.[68]” إما نذهب إليه مع الجموع وهو يشبعنا بأمثاله[69] فقط لئلا يجعلنا الصوم الطويل نخور في الطريق[70]، أو نظل باستمرار وبلا نهاية جالسين عند قدميه لا نهتم إلا بسماع كلمته دون أن ندع أنفسنا نضطرب “باهتمامات الخدمة الكثيرة”، “مختارين النصيب الأفضل الذي لن ينزع منا”[71]. وعند الاقتراب هكذا منه[72] نأخذ أكثر من نوره. ولو بقينا معه مثل الرسل بلا انقطاع في كل تجاربه[73] دون أن نبتعد عنه ولو إلى قليل، فهو يوضح ويفسر لنا سراً ما قاله للجموع[74] وينيرنا بنور أكبر بكثير وحتى لو استطعنا أن نذهب معه إلى قمة الجبل كبطرس ويعقوب ويوحنا[75] فلن نستنير فقط بنور المسيح، ولكن أيضا بصوت الآب ذاته.

 اليوم الخامس

الزواحف والطيور: الأفكار الطيبة والأفكار السيئة

۸ “وقال الله: لتنتج المياه بين الحيوانات الحية كائنات تزحف وطيور تطير على الأرض في جلد السماء. وكان كذلك[76]” وحسب التفسير الحرفي تنتج المياه “الكائنات التي تزحف” “والطيور” عند أمر الله، وهكذا نعلم من هو خالق هذه الكائنات التي نراها. ولكن لنرى كيف يحدث الشيء ذاته في جلد سمائنا، أي في الحقيقة الثابتة التي لعقلنا وقلبنا.

أتصور حينما استنارت عقولنا بالمسيح شمسنا، فإنها تحصل بعد ذلك على الأمر بأن تظهر من المياه التي بها “كائنات تزحف” وطيور تطير بمعنى أن تعرض للنور الأفكار الجيدة والأفكار الرديئة، حتى تعمل الفصل بين الجيدة والرديئة، بما أنها جميعها تأتي من القلب. لأن من قلوبنا تخرج. كما من المياه الأفكار الجيدة والرديئة. لنعرض إذاً، على كلمة الله وبأمره، الأفكار الجيدة والرديئة أمام نظر الله وحكمه حتى إذ نستنير به نستطيع أن نفصل الرديء عن الجيد، أو بعبارة أخرى أن نبعد عنا ما يزحف على الأرض ويقدم اهتمامات أرضية.

أما الكائنات الأفضل، أي “الطيور”، فلندعها تطير ليس فقط “على الأرض” ولكن أيضاً في “جلد السماء”. أو بعبارة أخرى لنعد إلى فكر واعتبار المخلوقات الأرضية وكذلك السماوية التي فينا كي نتمكن من فهم أن الكائنات الزاحفة هي العنصر الضار فينا. فلو نظرنا “لامرأة باشتهاء[77]” فهذا نوع من الزواحف السامة ولكن إن كان لدينا الشعور بالتعفف فحتى لو هامت بنا سيدة مصرية عاشقة، فنصير كالطيور تاركين بين يديها الثياب المصرية ونهرب بلا توقف من الفخاخ الدنيئة[78]. وإن كان فينا ميل للسرقة فهذا أيضاً من الزواحف الكريهة، ولكن إذا فكرنا وإن كنا لا نملك سوى “فلسين صغيرين” لتقديمهما كصدقة “عطية لله[79]” فهذه الفكرة هي طير لا يفكر في الأرضيات، بل يتجه بأقصى سرعة ممكنة إلى جلد السماء. وإن سلمنا بفكرة أنا لا ينبغي أن نحتمل آلام الاستشهاد فهذا نوع من الزواحف السامة، ولكن إن تكونت لدينا الفكرة المتعقلة بأننا يجب أن نجاهد حتى الموت من أجل الحق[80] فهذا يكون طيراً وصل من الأرض إلى الأعالي[81]. وعلينا التفكير بالمثل بالنسبة لباقي أنواع الخطايا والفضائل ونميز الزواحف والطيور التي تحصل مياهنا على الأمر بإبرازها حتى نحكم عليها في إطار نظرة الله.

9 “وخلق الله الحيوانات المائية العظيمة وكل كائن حي من الحيوانات الدبابة التي أنتجتها المياه كجنسها وكل طائر ذي جناح كجنسه[82].” وفيما يتعلق بهذه المخلوقات، كما فيما يتعلق بمن تحدثنا عنها للتو، علينا أيضا أن نفهم أننا يجب أن ننتج “حيوانات مائية عظيمة وكذلك “حيوانات دبابة كجنسها يجب في رأيي أن نرى في الحيوانات المائية العظيمة: الأفكار الآثمة والتصرفات الشنيعة المخالفة لله. ومع ذلك فكل تلك الأفكار يجب أن نظهرها بالنسبة إلى الله ونعرضها أمامه حتى يسمح لنا بتقسيم وفصل الجيد من الرديء وحتى يعين الرب لكل منا مكانه كما سنرى فيما بعد.

۱۰ “ورأى الله أنها كانت حسنة. وباركها الله قائلا: أثمري وأكثري واملأي المياه التي في البحار وليكثر الطير على الأرض. وكان مساء وكان صباح وكان هذا اليوم الخامس[83]” أخذت “الحيوانات المائية العظيمة وكذلك “كل كائن حي من جميع الحيوانات الدبابة التي أنتجتها المياه الأمر بأن تبقى هناك حيث يسكن “التنين الذي صنعه الله ليسخر منه[84]“. ولكن الطيور عليها أن تكثر على الأرض التي كانت قبلا “اليابسة”، والتي تدعى الآن “أرضا”، كما قلنا عاليه.

المنفعة من وراء الشر

ومن الممكن أن نتساءل: لماذا تمثل الحيوانات المائية العظيمة والكائنات الدبابة الشر بينما الطيور تمثل الخير في حين أنه قيل عنهما معا: “ورأى الله أنها حسنة[85]“؟ ذلك لأنه بالنسبة للقديسين، فحسنة هي الكائنات التي تضادهم، لأنهم يستطيعون أن يغلبوها وعندما يغلبونها يصير لهم مجد أعظم عند الله. وفي نهاية المطاف، حين طلب إبليس من الرب أن يسلطه على أيوب[86]، فقد كانت مهاجمات العدو بالنسبة لأيوب سبب مجد مضاعف بعد النصرة[87]، والدليل على ذلك أنه قد استعاد ضعف ما كان قد فقده في هذا العالم، كما أنه مستعد جداً لأن يستعيده دون أدنى شك بذات الأسلوب في السماء. ومن ناحية أخرى يقول بولس الرسول: “لا يكلل أحد إن لم يحارب قانونياً[88]“. فكيف تكون هناك حرب بدون عدو؟ فجمال النور وروعته لن يلاحظا إن لم تأت ظلمة الليل. هل نمتدح هؤلاء بسبب عفتهم إن لم ندن أولئك بسبب فسقهم؟ هل نمجد هؤلاء بسبب شجاعتهم لو لم يكن هناك جبناء ومرتعدون؟ تناول ما هو مر فتصير حينئذ الحلاوة ألذ. تأمل شيئاً مظلماً يبدو لك الشيء المنير أكثر جاذبية. فباختصار، تأمل الأشرار يظهر مجد الأبرار الأكثر تألقاً. ولهذا يقول الكتاب عنها جميعا: “ورأى الله أنها حسنة[89]“.

ولكن لماذا لم يكتب أن الله قال إنها حسنة بل قال “ورأى الله أنها حسنة”؟ لأن الله رأى فائدتها والسبب الذي سمح لها. مع كونها حسنة في ذاتها. بأن تجعل الصالحين يصلون إلى الكمال. لذا قال: “أثمري وأكثري واملأي المياه التي في البحار وليكثر الطير على الأرض[90]“، وهذا يعني أن الحيوانات المائية العظيمة والكائنات التي تزحف يجب أن تكون في البحر كما قلنا عاليه وأما الطيور فيجب أن تكون على الأرض.

اليوم السادس

حيوانات الأرض: الإنسان الأرضي

۱۱ “وقال الله: “لتنتج الأرض الحيوان الحي كجنسه: البهائم والدبابات ووحوش الأرض كجنسها. وكان كذلك. فعمل الله وحوش الأرض كجنسها وجميع الكائنات التي تزحف على الأرض كجنسها ورأى الله أنها حسنة[91].” التفسير الحرفي هنا لا يمثل صعوبة. لأنه يقول بوضوح إن الله هو الذي خلق الكائنات الحية والبهائم والوحوش وثعابين الأرض. أما بالنسبة إلى المعنى الروحي، فمن المفيد أن نربط هذا المقطع بالتفسيرات السابقة.

منذ قليل، كانت الآية تنص على: “لتنتج المياه بين الحيوانات الحية كائنات تزحف وطيور تطير فوق الأرض في جلد السماء.[92]” أما الآن فتنص على: لتخرج الأرض حيوانات حية كجنسها: البهائم والدبابات ووحوش الأرض كجنسها” ففيما يتعلق بالكائنات التي تخرجها المياه سبق وقلنا إنها يجب أن تفسر بتحركات وأفكار عقولنا والتي تأتي من عمق قلبنا. أما الآن فيما يتعلق بأية: “لتخرج الأرض حيوانات حية كجنسها: البهائم والدبابات ووحوش الأرض كجنسها[93]“، فأعتقد أننا ينبغي أن نرى فيها تحركات إنساننا الخارجي، أي الإنسان الجسداني والأرضي. وإجمالاً لا يذكر الطيور في الفقرات التي ترتبط بالجسد، ولكنه يذكر فقط البهائم والدبابات ووحوش الأرض. لأنه حسب رأي الرسول أن “البر لا يسكن جسدي[94]” وأن “حكمة الجسد هي عداوة لله[95]” فهذه بالتأكيد هي وحوش الأرض، أي جسدنا المخلوق، التي أوصى من جهتها الرسول أيضا هذه الوصية: “فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض، الزنا والنجاسة والدعارة والبخل وعبادة الأوثان… إلخ[96]“.

إذا بأمر الله وبواسطة كلمته عملت كل الأشياء المنظورة وأنشأ هذا الكون المرئي الهائل، ومن ناحية أخرى وفي الوقت ذاته وبصورة رمزية تم تحديد العناصر التي يمكنها أن تجمل هذا العالم الأصغر الذي هو الإنسان[97]، وحينئذ خلق الإنسان نفسه كما سيعرفنا ذلك ما يلي

خلق الإنسان

۱۲ وقال الله: “لنعمل الإنسان على صورتنا وشبهنا وليتسلط على أسماك البحر وطيور السماء وعلى الكائنات الحية وعلى كل الأرض وعلى كل الكائنات التي تدب على الأرض[98]“. وتبعا لتفسيراتنا السابقة، فإن الإنسان كما وصفناه هو من يتلقى من الله أمراً بالتسلط على الوحوش التي ذكرناها سالفاً، أي الطيور والوحوش الدبابة والبهائم وكل ما عداها. وقد قلنا ما هو التفسير الرمزي الذي يجب أن نعطيه لها حين شرحنا أن الماء، أي عقل الإنسان، قد تلقى أمرا بإنتاج الحس الروحي، والأرض بإنتاج الحس الجسدي بحيث إن الروح تتسلط على الحيوانات وليس العكس. لأن الله يريد أن “العمل” العظيم[99] هذا، وهو الإنسان، الذي من أجله خلق الكون كله[100]، لا يكون فقط غير ملوث وغير مصاب من قبل ما ذكرناه عاليه، ولكن أيضاً أن يتسلط عليها. ولكن دعونا الآن نرى بكلمات الوحي ذاتها من أي نوع من الكائنات الحية يصنف الإنسان.

عظمة الإنسان

إن جميع المخلوقات الأخرى خلقت بأمر إلهي، هذا هو ما يقوله الكتاب: “وقال الله: ليكن جلد[101]“، وقال الله: “لتجتمع المياه التي تحت السماء في كتلة واحدة ولتظهر اليابسة[102]“، وقال الله: لتخرج الأرض عشب الحقول[103].” ويعبر الكتاب بنفس الطريقة بالنسبة لكافة المخلوقات الأخرى. ولكن لنر ما هي المخلوقات التي صنعها الله بنفسه، ولنقس بها عظمة الإنسان: “في البدء عمل الله السموات والأرض[104]“، وأيضاً: “عمل نورين عظيمين[105]” والآن أيضاً: “لنعمل الإنسان[106]“. هذه فقط هي المخلوقات دون غيرها التي تحددت كعمل الله الشخصي. فالله لم يعمل سوى السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والآن الإنسان، وأما جميع الباقي فيقول الكتاب إنه عًمل بناء على أمره. فلننظر من هنا ما هي عظمة الإنسان، فهو يجعله مساو لأعظم العناصر وللعناصر الرئيسة. فهو يكرم مثل السماء، ولذلك فله الوعد “بملكوت السموات”، وهو أيضاً يكرم مثل الأرض، ولذا يأمل أن يدخل إلى أرض جيدة، في “أرض الأحياء حيث يتدفق اللبن والعسل[107].” وهو أيضاً يكرم كالشمس والقمر ولذا قد وعد بأن يضيء كالشمس في ملكوت الله[108]

۱۳ بل أتبين في وضع الإنسان شيئاً أسمى أيضاً، لا أجده في أي موقع آخر: “وعمل الله الإنسان، على صورة الله عمله[109]” وهذا لم يذكر لا عن السماء ولا الأرض ولا عن الشمس أو القمر.

الإنسان شبيه الله

بالتأكيد ذلك الإنسان الذي وفقاً للكتاب “عًمل على صورة الله لا نقصده إنساناً جسدياً. فالواقع أن نموذج الجسد لا يحوي صورة الله. ولم يقل إن الإنسان الجسدي قد “عُمل” ولكن إنه “صُنع كما ينص الكتاب فيما يلي. يقول الكتاب: “وصنع الله الإنسان أي شكله من طمي الأرض[110]. أما من عُمل “على صورة الله” فهو إنساننا الداخلي، غير المرئي، غير الجسدي، غير القابل للفساد وغير المائت. لأننا من هذه الصفات نعرف بدقة أكثر صورة الله[111]. فالتصور بأن الإنسان الجسدي هو الذي عمل حسب صورة الله وشبهه، هو الافتراض أن الله نفسه جسدي وأنه يمتلك شكل بشري، ومثل هذه الفكرة عن الله تعد وبكل وضوح تجديفاً. حاصل الكلام، فإن هؤلاء البشر الجسديون، الذين يجهلون معنى اللاهوت، حينما يقرأون عن الله في الكتاب: “السماء عرشي والأرض موطئ لقدمي[112]“، يتصورون أن الله له جسد ضخم حتى إنه يمد قدميه من السماء حيث هو جالس حتى الأرض. وإن كانت لديهم تلك الأفكار فذلك لأنه تنقصهم الآذان المطلوبة لسماع كلام الله المذكور في الكتاب عن الله باستحقاق. فكلمة “السماء عرشي” تفسر كما ينبغي عن الله عندما نعلم أن الله يستريح ويسكن في الذين “مسكنهم في السموات[113]“، أما من كان لهم سلوك أرضي بعد، فنجد فيهم الجزء الأخير من نعمته، كما يشار إلى ذلك بأسلوب مجازي من خلال ذكر القدمين.

فإذا كان من بينهم من وضعوا جهادهم وحماسهم في أن يصيروا سماويين من خلال قداسة الحياة وعمق الفكر، فهؤلاء يصبحون هم أنفسهم أيضا عرشا لله، بعد أن جعلوا أولا سماويين بسلوكهم، وهم يقولون: “أقامنا مع المسيح وأجلسنا معه في السماوات[114].” وأما الذين “كنزهم في السماء[115]” فهؤلاء يمكن أن يطلق عليهم سماويين وكذلك عرشاُ الله لأنه “حيث يكون كنزهم هناك يكون قلبهم[116]“، والله لا يكتفي بأن يستند عليهم ولكنه يسكن أيضاً فيهم[117]. وإن كان هناك من يصلون إلى درجة أن يستطيعوا القول: “أم أنكم تبحثون عن برهان أن المسيح هو الذي يتكلم فيّ[118]“، فلا يكتفي الله بأن يسكن في هؤلاء فقط، ولكنه يسير في وسطهم أيضاً. ولهذا فالكاملون إذ صاروا سماويين أو أصبحوا سماوات، فإنهم يخبرون بمجد الله[119]” كما يقول في المزمور، لهذا أيضا التلاميذ الذين كانوا من السماوات قد أرسلوا ليخبروا بمجد الله ويأخذوا اسم “بوانرجس أي ابني الرعد[120]“، حتى تؤكد لنا قوة الرعد أنهم حقاً من السماوات.

إذاً “عمل الله الإنسان، على صورة الله عمله[121]“. فعلينا أن نرى ما هي صورة الله ونبحث على شبه أية صورة خلق الإنسان، لأنه لم يقل إن الله عمل الإنسان على صورته أو على شبهه، ولكن أنه “عمله على صورة الله فما هي إذا صورة الله الأخرى هذه التي عمل الإنسان على شبهها؟ لهذه الصورة لا يمكن أن تكون إلا مخلصنا: هو بكر كل خليقة[122]” ومكتوب عنه أنه “بهاء النور الأبدي والرسم المرئي لجوهر الله[123]“، ويقول هو عن نفسه: “أنا في الآب والآب فيّ[124]” ومن رآني فقد رأى الآب أيضاً[125].” والواقع أن من يرى صورة شخص يرى الشخص الذي تمثله الصورة. وهكذا، نحن نرى الله عن طريق كلمة الله الذي هو صورة الله. وهكذا يحق ما يقوله إن: “من رآني فقد رأي الآب أيضاً”.

فالإنسان خلق إذا على شبه هذه الصورة. ولهذا، مخلصنا، الذي هو صورة الله، إذ تحركت مشاعر الشفقة لديه من أجل الإنسان الذي عًمل على شبهه، والذي رآه ينحل من صورته ليلبس صورة اللئيم، أخذ هو نفسه صورة إنسان، بدافع الشفقة، وجاء إليه كما يشهد بذلك أيضا الرسول حين يقول: “مع إنه كان الله بحاله، لم يتمسك بلهفة بمساواته مع الله، لكنه أخلى نفسه آخذاً حالة العبد، صائرا في شبه الناس، وإذ عًرف كإنسان من خلال كل ما بدا منه، وضع نفسه حتى الموت[126]

فكل من يأتون إليه ويجتهدون في أن يكونوا مشاركين لتلك الصورة العاقلة[127] بتقدمهم، “يتجددون يوما بعد يوم حسب الإنسان الداخلي[128]” على صورة من صنعهم، وهكذا يمكنهم أن يصيروا تشبيهين بجسد مجده[129]“، ولكن كل واحد بحسب قدراته. لقد تشكل الرسل من جديد على شبهه حتى قال عنهم هو نفسه: “إني ذاهب لأبي وأبيكم، إلهي وإلهكم[130]“، وقد طلب هو نفسه إلى الآب من أجل تلاميذه حتى يعاد لهم الشبه القديم قائلا: “أيها الآب اعمل بحيث يكونوا واحداً فينا، كما أننا أنت وأنا واحد[131].”

فلتكن إذن أعيننا دوماً على صورة الله هذه حتى يمكننا أن شكل من جديد على شبهه. فإن كان الإنسان المخلوق على صورة الله قد صار مشابها لإبليس بالخطية، بنظره، على عكس طبيعته، إلى صورة إبليس، فكم بالأحرى لو نظر إلى صورة الله التي خلقه الله حسب شبهها، فهو سينال بالكلمة وبقوته الشكل الذي أعطى له بالطبيعة. وإن وجد أحد أنه يشبه أكثر إبليس منه إلى الله، فلا ييأس من أنه يمكنه استعادة شكل صورة الله، بما أن المخلص لم يأت ليدعو الأبرار بل الخطاة إلى التوبة[132].” فمتى كان عشاراً[133] وبالطبع كانت صورته تشبه إبليس، ولكن بمجيئه إلى صورة الله وإلى ربنا ومخلصنا وباتباعها، تم تغييره إلى شبه صورة الله. ويعقوب ابن زبدي ويوحنا أخوه[134] “كانا صيادين[135]” وشخصين عديمي العلم[136]“، ومن الواضح أنهما كانا بناء على ذلك يشبهون بالأحرى صورة إبليس، ولكن باتباعهما هما أيضاً لصورة الله صارا مشابهين له مثل باقي التلاميذ. وبولس كان يضطهد[137] صورة الله ذاتها ولكنه حين استطاع أن يرى جمالها وعظمتها، حولته تلك الرؤيا إلى شبهها إلى درجة عالية، حتى إنه قال: “أم أنتم تبحثون عن البرهان على أن المسيح هو الذي يتكلم فيّ[138]؟

“خلقهما ذكرا وأنثى”

14 “ذكراً وأنثى خلقهم وباركهم الله قائلا أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض وكونوا أسيادها[139].” إنه من المثير للاهتمام أن نبحث هنا بتفسير حرفي لماذا يقول الكتاب: “خلقهما ذكرا وأنثى” في حين لم تكن المرأة قد خلقت بعد. بلا شك. هكذا أعتقد أنه بسبب البركة التي أعطاهما الله إياها قائلا: “أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض، فيقول الكتابة، مستبقاً ما كان سوف يحدث: “ذكراً وأنثى خلقهما”، لأن الرجل لا يستطيع أن يثمر ولا أن يتكاثر إلا بالمرأة. وحتى لا يكون هناك إذاً تردد في الإيمان بحلول تلك البركة، يقول: “ذكرا وأنثى خلقهما”، فعلى هذا النحو، إذ يرى الرجل أن النمو والتكاثر ينتج من أن المرأة مرتبطة به، فيمكنه أن يحتفظ بثقة أكبر في البركة الإلهية. فلو كان الكتاب قد قال: “أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض وكونوا أسيادها” دون أن يضيف أنه “خلقهما ذكرا وأنثى” لظل الإنسان حتما متشككا في البركة الإلهية، مثلما فعلت مريم التي جاوبت على بركة الملاك: “كيف يحدث هذا بما إني لست أعرف رجلا[140]؟” ولكن إذا كان الكتاب يقول مستبقا: “خلقهما ذكرا وأنثى” فربما أيضاً لأن كل أعمال الله مقدمة بكونها متحدة ومنجمعة كالسماء والأرض والشمس والقمر، فقد أراد الكتاب من هنا إذاً أن يوضح أن الإنسان أيضاً هو عمل الله وأنه لم يخلق دون الاتفاق والارتباط اللازمين له.

كل ذلك لم يقم بشيء سوى الإجابة على مشكلة التفسير الحرفي.

15 ولكن دعونا نرى أيضا بالمعنى المجازي كيف خلق الإنسان ذكراً وأنثى على صورة الله. إنساننا الداخلي مكون من روح ونفس. لنقل أن الروح هي الذكر، ويمكن أن تعتبر النفس هي الأنثى. فإن تفاهما واتفقا فيما بينهما يثمران ويكثران باتحادهما فيلدان – كأبناء – الأعمال الصالحة والأفكار والتأملات المفيدة التي يمكن بها الأرض ويكونون أسيادها، أي أنهما إذ يتحكمان في ميول الجسد يحولانها إلى مقاصد أسمى ويكونون أسيادها بعدم تساهلهما مع أي تمرد للجسد ضد إرادة الروح. أما إن هبطت النفس المتحدة بالروح والمقترنة بها، إذا جاز التعبير، أحياناً إلى الشهوات المادية ومالت إلى متعة الجسد، فبدت أنها تطيع إنذارات الروح الخلاصية حيناً وتستسلم للرذائل الجسدية حيناً آخر، فإن هذه النفس الملوثة، كما من زنا جسدي، لا يمكنها أن تثمر ولا أن تتكاثر بشكل شرعي، بما أن كلمة الكتاب تعلن أن “أبناء الزنا لا يصلون إلى كمالهم[141]“، فمثل هذه النفس التي تهمل الارتباط بالروح وتستسلم بكاملها إلى ميول الجسد وإلى الشهوات الجسدية كما لو كانت قد ابتعدت عن الله بوقاحة، فتلك النفس ستسمع الصوت القائل لها: “اتخذت وجه امرأة زانية وبذلت نفسك دون حياء للجميع[142]” وستعاقب إذا كزانية ويأمر الرب بإعداد مذبحة أبنائها[143].

16 “وتسلطوا على سمك البحر وعلى طيور السماء وعلى الخيل والحمير وعلى كل الحيوانات التي على الأرض وعلى الزواحف التي تدب على الأرض[144].” لقد سبق وأن فسرنا ذلك بالمعنى الحرفي[145] حين تعرضنا لآية: “وقال الله: لنعمل الإنسان” والباقي تم تفسيره حين قال: “ليتسلطوا على سمك البحر وعلى طيور السماء. إلخ[146]

أما بالمعنى المجازي، فما يبدو لي هو أن ما تشير إليه الأسماك والطيور والحيوانات والزواحف التي على الأرض هو ما قد سبق وقلناه أيضاً أعلاه، أي سواء ما ينتج عن تدابير النفس وفكر القلب أو ما يتولد من الشهوات المادية وحركات الجسد. وفي هذه جميعها يمارس القديسون الذين يحفظون بركة الرب تسلطهم من خلال قيادة الإنسان بالكامل طبقاً لإرادة الروح، أما الخطاة فهم على العكس تحت سيادة ما ينشأ عن نقائص الجسد وشهواته.

غذاء الإنسان

۱۷ “وقال الله ها قد أعطيتكم كل عشب يبذر بذراً على سطح الأرض كلها وكل شجر فيه ثمر ببذر يبذر، هذا يكون لكم طعاماً ولكل حيوانات الأرض وكل طير السماء وكل الدبابات التي تدب على الأرض والتي فيها نفس حية.[147]” وبالمعنى التاريخي، هذه العبارة تشير بوضوح إلى أن الله في البدء سمح باستخدام العشب كطعام، أي الخضراوات وثمار الأشجار ولكن فيما بعد، حين تم العهد مع نوح بعد الطوفان سمح الله للإنسان أن يتغذى على اللحوم. وسوف نفسر لاحقاً أسباب ذلك بشكل أفضل في موقعها. أما بالمعنى المجازي، فالعشب وثمار الأرض التي وهبت للإنسان كطعام يمكن أن تفسر على أنها الأهواء الجسدية. فالغضب والطمع هما إذا أفرع الجسد[148]، وثمر هذه الأفرع، أي العمل، بالنسبة لنا نحن الكائنات العاقلة كما بالنسبة لوحوش الأرض، هو مشترك، لأننا حين نحتد بحق، أي من أجل توبيخ شخص مذنب وإصلاحه من أجل خلاصه، فنحن هنا نتغذى من ثمرة الأرض هذه وغذاؤنا هو الإحتداد الجسدي الذي يردع الخطية ويستعيد العدالة.

وربما يبدو [لكم] أني قد استنتجت هذا من أعماقي أكثر مما استنتجته من سلطان الكتاب الإلهي، ولكن ارجعوا إلى سفر العدد وتذكروا ما عمله الكاهن فينحاس؛ إذ رأى امرأة زانية من مديان سلمت نفسها لفعل النجاسة مع رجل من بني إسرائيل أمام أعين الجميع، وإذ امتلأ من الغضب ومن الغيرة المقدسة، أمسك بسيف وطعن كل منهما به في صدريهما[149]. هذا التصرف حسب له براً من قبل الله، وفقا لكلمة الرب: “فينحاس هدأ غضبي وسوف يحسب له هذا براً[150]“. فهذا الطعام، أي الغضب الأرضي قد صار إذن غذاءنا حين نستخدمه بتعقل من أجل العدل. ولكن حين يوصل الغضب إلى أعمال مخالفة للصواب كمعاقبة الأبرياء، أو كالثورة في وجه من لم يفعلوا أي سوء، يكون هذا الطعام من أجل بهائم الحقل وثعابين الأرض وطيور السماء لأن الشياطين أيضاً تتغذى على نفس هذا الطعام، الذين يقتاتون أعمالنا السيئة ويفضلونها. وقايين مثال لنا على هذا النوع من الأعمال، هو الذي من غضبه وغيرته قتل أخاه البريء[151]. ويجب أن نقول ذلك عن الشهوة وعن كل الأهواء التي من هذا النوع. لأنه عندما تشتهي نفسنا وتنضني تائقة للإله الحي[152]“، فيكون الاشتهاء هو طعامنا. ولكن إذا نظرنا امرأة غريبة لنشتهيها[153] أو إذا اشتهينا أي شيء يملكه القريب[154] هنا تصبح الشهوة طعاما حيوانياً. ومن الممكن أن نعطي مثالا لذلك: شهوة آخاب وما فعلته إيزابل من أجل كرم نابوت اليزرعيلى[155].

ويجب بالتأكيد أن نلاحظ حذق الكتاب المقدس حتى في اختيار الكلمات، فبينما قال حين كان الأمر يتعلق بالبشر: “قال الله: ها قد أعطيتكم كل عشب يبزر بزراً على الأرض وكل شجر على الأرض: هذا يكون لإطعامكم[156]“، لم يقل ذلك حين كان الأمر يتعلق بالبهائم: “إني أعطيتها كل هذا طعاما لها” لكن: هذا يستخدم طعاما لها[157]“، وباتباع المعنى الروحي الذي عرضناه، يجب نفهم أن هذه الغرائز قد أعطاها الله للإنسان ومع ذلك فهو يعلن أنها تستخدم أيضا طعاماً لبهائم الأرض. هذا هو السبب إذن في أن الكتاب الإلهي قد استخدم أسلوباً حذراً للغاية: فيخبر بالنسبة للبشر أن الله قال: “أعطيتكم هذا طعاما[158]“، أما عندما يأتي إلى البهائم، يقول إن هذا يستخدم أيضاً طعاماً للبهائم والطيور والثعابين، ليعني أن هذا لا يأتي كأمر من قبل شخص، وإنما كنوع من الإعلان من قبل شخص.

أما نحن، فلنعكف وفقا لقول بولس الرسول “على القراءة[159]“، حتى نستطيع، حسب كلماته الخاصة، “أن نأخذ فكر المسيح[160]” ونعرف “ما أعطاه الله لنا[161]“، وما أعطاه طعاما لنا لا يجب أن نجعل منه طعاما للخنازير أو للكلاب[162]. لكن لنهيئ بداخلنا طعاما يجعلنا مستحقين لاستقبال كلمة وابن الله في قلوبنا، الذي يأتي مع أبيه والذي يريد أن يقيم فينا مسكنه[163] في الروح القدس[164] الذي يجب قبل كل شيء أن نكون له هيكلاً[165] بقداستنا. له المجد الدائم إلى دهر الدهور آمين[166].

 

 

 

[1] العناوين الجانبية من وضع مترجم النسخة الفرنسية.

[2] انظر: تك 1: 1.

[3] انظر: 1 تي 4: ۱۰.

[4] انظر: كو 1: 15.

[5] انظر: یو ۱: ۳

[6] هناك شروحات أجزل ومتنوعة أكثر وأدق في:

In principio, Commentaire sur S. Jean, I, 90-124, SC 120, p. 106 – 125

ويتعلق الأمر هنا بالنسبة إلىأوريجانوس بحفظ دور الكلمة في الخلق كل شيء به كان”، وأيضا بتأكيد لا زمنية البدء بحيث يمكن أن يطابق عرض الكتاب المقدس لبداية الخليقة مع الوجود المسبق للعالم المعقول (المدرك بالعقل لا بالحواس). وسنلاحظ بعد قليل (في نهاية الفقرة 1) أنأوريجانوس يعبر بوضوح عن فكرة أن ’’يوم الخليقة الأول” لا يحسب في الزمن. فبالنسبة له، تكون مخلوقات اليوم الأول (“السماء” و”الأرض” كما يفهمهما) موضوعة إذا خارج الزمن، في الوجود المسبق. ارجع إلى:

In principio, Interpretations des premiers versets de la Genese, Paris, Etudes augustiniennes, 1973; chez Origene, p. 88-92, par P. Nautin.

[7] انظر: تك 1: ۲ (حسب نص الترجمة السبعينية للعهد القديم). ومن الجدير بالذكر أن النص

الذي يعتمد عليه العلامةأوريجانوس في عظاته على سفر التكوين وفي كل اقتباساته من العهد القديم هو نص الترجمة السبعينية. كما أنه في بعض الأحيان يعتمد على الذاكرة فلا

تأتي اقتباساته حرفية.

[8] انظر: تك 1: 3.

[9] انظر: تك 1: ۲.

[10] يذكر النص كلمة “سوف” (erit) بدلا من كلمة “كان” (erat) وحيث وضعناأوريجانوس في مناخ خليقة ما قبل الزمن، تكون الهاوية التي يصفها أيضا من نفس الطبيعة هي موجودة قبل الزمن. لكن هل كان (erat) بالفعل إبليس وملائكته فيها (وهذا يطابق الفكر الأوريجيني)، أم يجب انتظار أن يكون الزمن قد أتم عمله الذي سوف. (erit) تحدث فيه المعركة ضد إبليس، وهذا ما تمكن روفينوس من تصوره من خلال سفر الرؤيا ( ۹: ۱۲ و ۲۰ : ۳). وفي مكان آخر في هذه العظات نجد أن الهاوية هي مسكن إبليس الدائم (راجع العظة 4: 4).

[11] انظر: رؤ 12: 9؛ 20: 3 (انظر مت 25: 41).

[12] انظر: لو ۸: ۳۱.

[13] انظر: تك 1: ۳. 5.

[14] اقرأ، بالتزامن مع عظة أوريجينيس:

De opificio mundi de PHILON (en français dans “ Les œuvres de Philon d’Alexandrie’’, ed. Du Cerf, Paris, I, trad.R. Arnaldez, 1961).

[15] انظر: تك 1: 5.

[16] لتتبع شرح وفكرأوريجانوس عن رمزية السماء هذه والجلد والمياه، انظر:

  1. PÉPIN, Théologie cosmique et théologie chrétienne, PUF Paris 1964, le chap. VI de la 4 partie, p. 390-417.

[17] انظر: تك 1: 6- ۷.

[18] انظر: إش 66: ۱.

[19] انظر: تك 1: 7.

[20] انظر: اکو 15: 4۷.

[21] انظر: في ۳: ۲۰.

[22] انظر: تك 1: ۷۔ ۸.

[23] انظر: يو ۷: ۳۸؛ 4: 14.

[24] انظر: يو 12: 31. حرفيا “أمير هذا العالم.”

[25] انظر: رؤ 12: 7؛ 2: 3.

[26] انظر كو 3: 1.

[27] انظر تك 1: 8.

[28] حرفياً: العنصر اليابس”.

[29] انظر تك 1: 9.

[30] انظر متى 5: 16.

[31] انظر: يوحنا 3: 20-21.

[32] انظر تك 1: 9.

[33] انظر: تك 3: 18؛ عب 6: 8.

[34] انظر: إش 9: 19.

[35] انظر خر 3: 8؛ 33: 3.

[36] انظر تك 1: 10-11.

[37] انظر: تك 27: 27.

[38] انظر: عب 6: 7-8.

[39] انظر: تك 1شك 12-13.

[40] انظر: لو 6: 45.

[41] انظر: مت 13: 5-6، 20.

[42] انظر: مت 13: 8، 23.

[43] انظر: مت 13: 25.

[44] انظر: لو 8: 5.

[45] انظر: يو 14: 6.

[46] انظر: مت 13: 4؛ لو 8: 5.

[47] إن الطريقة التي يشير بهاأوريجانوس هنا إلى المراتب الروحية هي غير دقيقة. فهو لا يعطي تصنيفات محددة وواضحة المعالم لتلك المراتب التي يقترحها من خلال الصور الكتابية. ويبدو أن حالة “الكرم” هنا متفوقة عن حالة “الأرض”، لكن لا توجد أية اشارة الطبيعة هذا التفوق. وفي مواضع آخرى، يميزأوريجانوس المراتب وفقا للفرق الذي يجده بين نوح وحيوانات الفلك (العظة ۲: ۳)؛ وبين إبراهيم ولوط (العظة 4: ۱)؛ وبين إسحق وإسماعيل (العظة ۷: ۲)؛ وبين رفقة وجمالها (العظة ۱۰: ۲)؛ وبين الأرض واليابسة (العظة ۱: ۲)؛ وبين الأرض والسماء (العظة ۱: ۲). ونعتقد أنه سيكون من غير المجدي أن نبحث هنا عن شيء أخر بخلاف مجرد تمييز الخبرة بين مسيحيين كاملين تقريباً.

[48] انظر: إش 5: 2، 6.

[49] انظر تك 1: 14.

[50] انظر يو 8: 12.

[51] انظر: يو 8: 12.

[52] انظر: رو 13: 13.

[53] انظر 1تس 5: 5.

[54] انظر: تك 1: 14-15.

[55] انظر: 1تس 1: 10؛ مت 3: 7؛ لو 3: 7.

[56] انظر: 1تس 5: 4.

[57] انظر: إش 61: 2.

[58] انظر: يو 1: 9.

[59] انظر: رو 2: 19.

[60] انظر: مت 5: 14.

[61] انظر: أف 5: 27.

[62] انظر: تك 1: 16-19.

[63] انظر: عب 11: 5. ارجع إلى العظة ۹: ۲ “كان هناك في الشعب اليهودي الكثير من الأبرار والأنبياء الذين يمكن أن نقارنهم بحق مع نجوم السماء.”

[64] انظر: 1كو 15: 41.

[65] انظر: مت 9: 27.

[66] انظر: زك 1: 3.

[67] انظر: ار 23: 23.

[68] انظر: مت 25: 15.

[69] انظر: مت 13: 34.

[70] انظر: مت 15: 32؛ مر 8: 3.

[71] انظر: لو 10: 39 وما بعده.

[72] انظر: مت 13: 36.

[73] انظر لو 22: 28.

[74] انظر: مر 4: 34.

[75] انظر: مت 17: 1-3.

[76] انظر: تك 1: 20.

[77] انظر: مت 5: 28.

[78] انظر: تك 39: 7 وما بعده.

[79] انظر: لو 21: 2.

[80] انظر: سي 4: 28.

[81] موضوع الاستشهاد الذي يظهر هنا ليس بلاغة محضة، ولكنه يجعلنا نفهم أن الاضطهاد في ذلك الزمان كان يمكن أن يبعث من حين لآخر. وبعد بضعة سنوات، ختم أوريجينيسن الدرس الرمزي الذي يستخلصه اليوم من عرضه، بآلامه الخاصة.

[82] انظر: تك 1: 21.

[83] انظر: تك 1: 21-23.

[84] انظر: مز ۱۰۳: ۲۹. هذا هو المزمور رقم ۱۰۳ بحسب نص السبعينية ويقابله مزمور رقم 104 في النص العبري الماسوري وهو النص الذي أخذت عنه الترجمة البيروتية.

[85] انظر: تك 1: 21.

[86] انظر: أي 1: 9.

[87] انظر: أي 42: 10.

[88] انظر 2تي 2: 5.

[89] انظر: تك 1: 21.

[90] انظر: تك 1: 22.

[91] انظر: تك 1: 24-25.

[92] انظر: تك 1: 20.

[93] انظر: تك 1: 24.

[94] انظر رو 7: 10.

[95] انظر رو 8: 7

[96] انظر: كو 3: 5.

[97] “العالم المصغر” هو فكرة أرسطوطالية وكثيراً ما يرجع إليها فيلو.

[98] انظر: تك 1: 26.

[99] انظر أف 2: 10.

[100] LACTANCE, De ira Dei, 13, CSEL, p. 99

“إذا تفحصنا إدارة العالم الكونية، فسنفهم مدى عظمة الحقيقة الموجودة في اعتقاد الرواقيين الذين يقولون إن العالم قد أنشئ من أجلنا”

CISERON, De nat. deor. II, 62, 154:

“كل ما هو في العالم قد اعد وانجز من أجل خير البشر” ويرفضأوريجانوس فكر كیلسوس الذي لا يقبل أن يكون الله قد صنع كل شيء من أجل الإنسان.

[101] انظر: تك 1: 6.

[102] انظر: تك 1: 9.

[103] انظر: تك 1: 11.

[104] انظر: تك 1: 1.

[105] انظر: تك 1: 16.

[106] انظر: تك 1: 26.

[107] انظر: خر 3: 8؛ 33: 3.

[108] انظر: مت 13: 43.

[109] انظر: تك 1: 27.

[110] انظر: تك 2: 7.

[111] يرجعأوريجانوس من أجل شرح أكثر تفصيلا للإنسان المخلوق على صورة الله في تعليقات على سفر التكوين. لكن الجزء الأكبر من هذه التعليقات مفقود اليوم باستثناء ربما المقطع الطويل الذي على البردية التي تملكها جامعة جيسين (Giessen).

[112] انظر: إش 66: 1.

[113] انظر:: في 3: 20.

[114] انظر: أف 2: 6.

[115] انظر: مت 19: 21.

[116] انظر: لو 12: 34.

[117] انظر: 2كو 6: 16.

[118] انظر: 2كو 13: 3.

[119] انظر: مز 18: 1 (بحسب السبعينية).

[120] انظر: مر 3: 17.

[121] انظر: تك 1: 27.

[122] انظر: كو 1: 15.

[123] انظر: عب: 1: 3.

[124] انظر: يو 14: 10.

[125] انظر: يو 14: 9.

[126] انظر: في 2: 6-8.

[127] تعادل “عاقلة” هنا تقريبا “روحية” أو حتى “إلهية”. ويقال “عاقل” عن كل من يتطابق مع مبادئ العقل المستنير بالروح القدس. “المعرفة العقلية” هي المعرفة التي تجعلنا نتشارك مع كلمة وحكمة الله (العظة ۳: ۲). “المخلوقات العقلية” هي المخلوقات التي تستمد حياتها من الثالوث (العظة ۲: 5). “الحس العقلي” هو الحس الذي يسمح لنا بأن نسود على شهوات الجسد وأن نقف بلا انقطاع أمام الله العظة 4: 14؛ العظة ۱۲: 5)، وألا ننظر إلى الوراء وأن نكون على الدوام متجهين صوب الخلاص (العظة 5: ۲)؛ وهو الذي يجعل الماء الحي الذي للحياة الأبدية ينبع فينا (العظة 12: 5)، وهو انعكاس صورة الله فينا (العظة ۱۳: 3). وعلى العكس فإن الذين لم يضئ عندهم الإيمان بعد هم كائنات محرومة من العقل (العظة ۲: ۳).

[128] انظر: 2كو 4: 16.

[129] انظر في 3: 21.

[130] انظر: يو 20: 17.

[131] انظر: يو 17: 21-22.

[132] انظر: لو 5: 32.

[133] انظر: مت 10: 3.

[134] انظر: مت 4: 21.

[135] انظر: مت 4: 18.

[136] انظر: أع 4: 13.

[137] انظر: 1تي 1: 13.

[138] انظر: 2كو 13: 3.

[139] انظر: تك 1: 27-28.

[140] انظر: لو 1: 34.

[141] انظر: حك 3: 16.

[142] انظر: إر 3: 3.

[143] انظر: إش 14: 21.

[144] انظر: تك 1: 28.

[145] ارجع إلى العظة 1: 12.

[146] انظر: تك 1: 26.

[147] انظر: تك: 1: 29-30.

[148] أي التي يتغذى عليها.

[149] انظر: عد 25: 7-8.

[150] انظر: عد 25: 11-12؛ مز 105: 31 (بحسب السبعينية).

[151] انظر: تك 3: 8.

[152] انظر: مز 83: 3 (بحسب السبعينية).

[153] انظر: مت 5: 28.

[154] انظر: خر 20: 17.

[155] انظر: 1صم 21.

[156] انظر: تك 1: 29.

[157] انظر: تك 1: 30.

[158] انظر: تك 1: 29.

[159] انظر: 1تي 4: 13.

[160] انظر: 1كو 2: 16.

[161] انظر: 1كو 2: 12.

[162] انظر: مت 7: 6.

[163] انظر: يو 14: 23.

[164] هذه العبارة تذكر مصطلح “في الروح القدس” حينما تتكلم عن عمل الثالوث معنا. وسنجد في (العظة ۲: 5) عبارة “من الأب بالابن والروح القدس” وهي كلها تعتبر بدايات لما استقر في القرن الرابع: “من الأب بالابن في الروح القدس.

[165] انظر: 1كو 6: 19.

[166] انظر: رو 11: 36.

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

تفسير الكتاب المقدس عند الآباء

تفسير الكتاب المقدس عند الآباء

تفسير الكتاب المقدس عند الآباء

الكتاب المقدس هو حياة الكنيسة ودستورها يُفسَّر من خلال عظات آبائها وسيرهم، فنتعرف من خلالهم على السيد المسيح الذي هو رأس الكنيسة، فالآباء هم الذين أُعطوا أن يفسّروا لنا الكتاب المقدس بنعمة الروح القدس العامل فيهم، فآبؤنا هم الذين اقتنوا روح الرب القدّوس، الذي منحهم الاستنارة لكي يفسّروا كلمة الحق باستقامةٍ، يساعدنا على تحويل الكلام الإلهيّ إلى غذاء قابل للهضم يتغذى به كل واحد منا على قدر قامته.

فكما يقول القديس أُغسطينوس نحن لم نعرف الكتاب المقدس إلاَّ من خلال الكنيسة والآباء هم الكنيسة، فهم الذين جعلوا الكتب في متناول أيدينا، وأن الكلمة الإلهيّة لا تنفصل عن كلمة الآباء الذين يفسّرونها .. أن يقولوا: هذا حق وذلك باطل، صار بإمكانهم أن يَفصلوا، باستقامةٍ كلمة الحق.

الكتاب المقدّس هو كلمة الله، فمَن يستطيع أن يفسّره لنا غيره؟ فلما كان لا يعرف الله إلاَّ روح الله القدوس العامل في الآباء القديسين، لذا منحهم الاستنارة لتفسير الكتاب المقدس.

إن ما يُميّز الكنيسة الأرثوذكسية – سِرّ وحدتها – يرجع أن تفسيرها للكتاب المقدس مبنيُّ على أُسس آبائية، فلولا تفسيرات الآباء لكان لكل واحد تفسيره حسب رؤيته الشخصية كما يدعو البروتستانت إلى ذلك، وهذا هو سبب انقسامهم لطوائف عدة، لكن لكي نحافظ على “الإيمان الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ” (يه3)، لابد أن يكون فهمنا للكتاب المقدّس مبنياً على تسليم آبائيّ فيكون لنا سقف فوق رؤوسنا لا نعلو عنه، وإطار نلتزم به حتى يكون لنا سياجاً واقياً.

فمع تعدد التأملات، هناك في الوقت نفسه وَحْدَة في الروح، وحدة في الكلمة، وحدة في عمل الله، وهذا ليس بغريب طالما الروح واحد، وهذا ما يرفضه بعض الدارسين اليوم، مما يقودهم إلى الضلال الذي إذا تمادوا فيه يؤدي بهم إلى سلسلة لا تنتهي من الهرطقات.

كتابنا لا ينفصل عن خبرات الآباء القديسين وتعاليمهم، وسيرهم لا تنفصل عن الكتاب المقدس معاشاً ومُشخَّصاً في حياتهم، إذاً نحن نقرأ ونفهم ونتعلم في إطار التعليم الآبائيّ الأصيل.

يقول القديس أثناسيوس الرسوليّ: [“الذين يبعثون بالهرطقات الباطلة فيستخدمون كلمات الكتاب المقدس، لكنهم لا يتمسكون بما تسلمناه من القديسين، ناظرين إلى أن ما يتسلموه من القديسين هو من تقاليد الناس، هذا خطأ إذ هم لا يعرفون مَن هم القديسين ولا ما هي قوتهم؟! لذلك مدح معلمنا القديس بولس الرسول أهل كورنثوس، لأن أفكارهم كانت متفقة مع التقاليد التي سلمهم إياها.

وقد وبخ الرب اليهود قائلاً لهم: “وأنتم أيضاً لماذا تتعدون وصية الله بسبب تقليدكم؟!” وذلك لأنهم غيَّروا الوصايا التي استلموها من الله بحسب فهمهم مفضلين اتباع تقاليد الناس.

أما القديس بولس الرسول فقد أصدر توجيهاته إلى أهل غلاطية الذين كانوا في خطر من هذا، كاتباً لهم يقول: “إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»[1]].

معنى كلمة تفسير

كلمة تفسير مصطلح يونانيّ αίϵѵημρϵ҅، يعني: ترجمة من لغة أجنبية إلى لغة معروفة عند القاريء، أو عَرض جوهر الأمور بطريقة سهلة وواضحة.

ويرتبط هذا المصطلح بالأمور الدينية لدى اليونانيين، فهو مرتبط باسم الأله “هرمس ςημρϵ҅ ” إله المعرفة والكلام عند اليونايين القدماء، لذا نجد أهل لسترة يدعون بولس بـــ “هرمس”، “إِذْ كَانَ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ فِي الْكَلاَمِ” (أع 12:1)، وهرمس عند الغنوسيين هو الحامل للكلام الشفهيّ، والمكتوب أيضاً المساعد للبشر على المعرفة الصحيحة وفهم الأمور المعقدة، لذا كان هرمس المفسر لإرادة ومشيئة الإلهة[2].

هذا وقد كان اليونانيون في حاجة إلى التفسير الرمزيّ، لمساعدتهم في فهم الأعمال الدينية والأدبيّة للشعراء والكُتَّاب القُدامَى، أمثال هوميروس الذي كتب روايتين هامتين هما الإلياذة والأوديسيّة، وقد كان لهما تأثير على الفلسفة الهيلينية[3]، لقد كان هذا المنهج التفسيريّ لأعمال الأدباء وليد الاعتقاد بأن هناك حكمة سِريّة تختفي وراء النص اللغويّ، والكلمات ما هي إلاَّ ستار أو حجاب يُغطي الحقيقة المخفية والتي مصدرها إلهام إلهيّ[4].

في المدرسة الرواقية[5] قُسِّم المنهج التفسيريّ إلى نظامين وهما:

الرمزيّة الطبيعية: وهي التي تختص بالإلهة والعالم.

الرمزيّة الإخلاقيّة: وهي التي تختص بواجبات الإنسان.

 

انتقال أسلوب التفسير الرمزيّ من اليونانية إلى اليهودية والمسيحية

انتقل المنهج التفسيريّ من اليونانية إلى اليهودية والمسيحية، ولكننا نجد أن هناك فروقاً بينهما[6] كالآتي:-

1- الرمزيّة اليونانية ليس لها قواعد او قوانين تحدها إطلاقاً، بل للكاتب حرية مطلقة في تطبيق التفسير، بينما في اليهودية والمسيحية الرمزيّة لها إطار محدَّد تتحرك في داخله، وخليفية تاريخيّة، واتجاه محدد وهو خطة الله للخلاص.

2- التفسير في البيئة اليونانية عملية ثانوية قليلة الأهمية تُوضّحِ حقيقة فقط، بينما في اليهودية والمسيحية ليس فقط إعلان حقيقة مَعرفية، بل تمتد إلى أن تملأ الحياة والفكر من واقع الكتاب المقدس “اَلْكلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ روُحٌ وَحَيَاةُ” (يو 63:6).

التفسير في اليهودية

في البيئة اليهودية كان الناموسيون والكتبة هم المفسرون للكتاب المقدس، فيما يختص بالناموس وتطبيقاته والحيَاة اليومية مستعيناً بتقليد الشيوخ، وتُعُد أهم كتب التفسير والتقليد في اليهودية هي:-

  1. المدراش[7]:-

وهو يوضح التفسير والنتيجة، كما يتم تفسير الأدب المدراشيّ عن طريق قواعد تفسير محددة مثل السبعة قواعد التي صاغها الرّابي هليل (حوالي 30 ق.م)، وقد اتسعت بعد ذلك لتصل إلى 32 قاعدة تفسيرية في القرن الثاني الميلاديّ[8].

ويتناول المدراش تفسير الكتاب المقدس على النحو التالي:

1- التفسير الحرفيّ للنص أو (Peshat).

2- التفسير الرمزيّ للنص القانونيّ أو (Remez) وهو الأسلوب المتبع في الشروحات التي تتناول الشريعة أو الهَلَكا.

3- التفسير الرمزيّ للنصوص التاريخيّة والشعرية والنبوية (Darush)، وهو الأسلوب المتبع في الهَجَدة.

4- التفسير الصوفيّ للنص أو(Sod)، وقد انتشر بصورة خاصة بعد سقوط أورشليم في أيدي الرومان عام (71م)، عندما أسس الرابي “هلّيل Hillel مدرسة “الكابالا  Cabalaخارج أسوار أورشليم، وقد وصلتنا هذه التفاسير الصوفية من خلال كتابات الآباء في القرون الأربعة الأولى.

5- علم التفسير الأرقام Gematria.

6- علم تفسير الألفاظ Notarikon، وهو يُبسط معاني بعض الألفاظ التي استخدمت في المدراش لتُلخص عبارة ما أو جملة بكاملها: والعبارة إخثيس ΥΣϴΧІ مثلاً، التي اُستخدمتْ في الكنيسة الأولى تلخيصاً للجملة: يسوع المسيح ابن الله المخلِّص،ρ ́ηԏωΣ σόʼɩΥ ϵόςϴ ςόԏσɩΧρ ς ̂ѵοσηІ وهذا مثال على اقتباس الآباء الأولين أسلوب النوتاريكون (علم تفسير الألفاظ).

7- علم تفسير الألفاظ الذي يقوم على استخدام كلمة واحدة ليضع الكلمة ذاتها في لفظة جديدة، (وهذا الأسلوب اُستخدم في زمن الاضطهاد منعاً لوقوع النصوص الكتابيّة وخاصة النبوية منها – كسفر الرؤيا – في أيدي غير المؤمنين، ومن ثمَّ إساءة تفسيرها واستغلالها سياسياً)، وهذا العلم يُسمَّى “التيمورا Temoorsh، ومثال ذلك نجد سفر الرؤيا (رؤ 16:16) عدة ألفاظ، مثلاً: “فجمعهم إلى الموضع الذي يُدعَى بالعبرانية هرمجدون”، وهرمجدون= روما هجدول أي روما الكبيرة.

مثال على التفاسير اليهودية للربان هليل:

لو جاء الفصح اليهوديّ يوم سبت، فهل من تعارض بين الاحتفال بالفصح وعمل ما يستلزم لذلك، مع الاحتفاظ بوصية الراحة في السبت!!

هنا تُفسَّر على أساس تطبيق مبدأ من الأصغر إلى الأكبر، فراحة السبت وصية مقدسة، والفصح أمر مقدس أيضاً، حيث إن التقدمة الصباحية والمسائية تُقدم في الهيكل يوم السبت، ولا يمكن أن تُبطل تقدمة المساء والصباح بحجة احترام راحة يوم السبت، فكم بالأحرى يسري هذا الأمر على تقدمة حمل الفصح.

كذلك استخدم السيد المسيح القواعد التفسيرية للرابونيين، فمثلاً عندما كان يسير مع تلاميذه بين الزروع، يوم السبت، وكان التلاميذ يقطفون السنابل، قال له الفريسيون: “انْظُرْ لِمَاذَا يَفْعَلُونَ فِي السَّبْتِ مَا لاَ يَحِلُّ؟” (مر 24:2)

أجابهم السيد المسيح مطبقاً قاعدة التفسير من الأصغر للأكبر “فَقَالَ لَهُمْ أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ احْتَاجَ وَجَاعَ هُوَ وَالَّذِينَ مَعَهُ” (مر 25:2)، فقد طبق هذا القانون الذي فعله داود حين جاء إلى أخيمالك الكاهن، هو والذين معه وكانوا جياع، ولم يكن هناك أكل، فأكلوا خبز التقدمة الذي لا يحل أكله إلاَّ للكهنة (1صم21: 1-6)، على ما فعله التلاميذ يوم السبت[9].

  1. التلمود תּלּמּךּךּ[10]

التلمود هو مجموعة تفاسير الناموس والتوراة. يحتلّ التلمود مكانةً هامة داخل الديانة اليهودية، فهو يُعَدُّ من أهم الكتب الدينية عند اليهود، وهو الثمرة الأساسيّة للشريعة الشفوية، أي تفسير الحاخامات للشريعة المكتوبة (التوراة)، والتلمود مُصنَّف للأحكام الشرعية أي مجموعة القوانين الفقهية اليهودية، وسِجل للمناقشات التي دارت في الحلقات التلمودية الفقهية اليهودية حول المواضيع القانونية والوعظية.

وقد أصبح التلمود مرادفاً للتعليم القائم على أساس الشريعة الشفوية السماعية، وقبلت إلى جانب الشرائع المدوّنة في أسفار موسى الخمسة،[11] وقد اُستخدمت الموسيقى كطريقة فعّالة في حفظ التلمود قاموا بتلحينه[12]. توجد نسحتان من التلمود وهما: التلمود الفلسطينيّ والتلمود البابليّ، وقد كتبتا في أوقات متباعدة، واختلفتا في المضمون وأسلوب العرض واللغة[13]:-

التلمود الفلسطينيّ :-

وينسبه اليهود خطأ إلى أورشليم (القدس) فيقولون “الأورشليميّ، مع أن القدس كانت قد خلت من المدارس الدينيّة بعد هدم الهيكل الثاني، وهكذا فقد تمّ تجميعه في بلدة إريز Erez في إسرائيل وليس في أورشليم، وقد كانت لغته هي الأرامية الغربية[14]، وعمل الحاخامات على إنشاء مدارسهم في يفنه وصفورية وطبرية، كما أطلق يهود العراق على التلمود الفلسطينيّ اسم “تلمود أرض يسرائيل”، وأطلقوا عليه أحياناً اسم “تلمود أهل الغرب” نظراً لوقوع فلسطين إلى الغرب من العراق.

يرجع تاريخ التلمود الفلسطينيّ إلى منتصف القرن الرابع للميلاد، وكُتب على يد الربان يوحنان بن نبحة مؤسس أكاديمية طبرية، وهو يكتفي بالشرح أو التحاليل لنص المشنا مع سرد مناقشة غير مطوّلة بين الأحبار، ويعتبر المرجع الفصل في كلِّ نظرية فقهية ومعاملة تشريعية، وهو يتميّز بالاقتضاب.

التلمود البابليّ:-

وهو نتاج الأكاديميات اليهودية في العراق، وتبلغ حجم مادته ثلاثة أضعاف التلمود الفلسطينيّ، مما جعله يحتل منزلةً رفيعةً ويغدو مرجعاً هاماً لا غنى عنه، ومن صفاته انه يفتح باب النقاش واسعاً، فلا تنتهي إلى قول مرجّح، لذا قال عنه الرابي ‘سحق “إن التلمود البابلي هو التلمود القانوني، لأنه اُستُكمِل بعد تلمود أورشليم بمائة وخمسين سنة”[15].

أقسام التلمود[16] :-

يُقسَّم التلمود إلى قسمين رئيسيين وهما: المشنا والجمارا.

المشنا Mishnah :-

وهي مجموعة قوانين اليهود السياسية والحقوقية والمدنية والدينية (التفاسير التشريعية للناموس)، التي تتضمّن القواعد والأحكام بغير نقاش غالباً، والمشنا أشبه ما تكون بالكتاب القانونيّ أو مصَّنف الأحكام الشرعية والفقهية التي تدعى “هالاغا” أي المذهب أو المسلك أو الطريق الذي يذكّر بالأحكام والفرائض والتشريعات الواردة في أسفار “الخروج واللاويين والتثنية والاشتراع”، ويوضح الحلال والحرام والطهارة والنجاسة وغيرها ممّا ورد ذكره في التوراة وفسّره الفقهاء اليهود، ووضعوا له حدوداً وقيوداً تلائم حاجة العصر الذي كانوا يعيشون فيه.

الجمارا Gemara :-

الجمارا – أو الإضافات – مجموعة أخرى ضُمَتْ إلى المشنا واستقلتْ بهذا الاسم، وأصلها من عمل المعلّمين الذين كانوا في عصر الربانيّ يهوذا ولم يكونوا أعضاء في مجلسه، فقد عملوا من جانبهم على جمع روايات أقل شهرة، كما جمعوا الروايات التي استبعدها يهوذا من مشناه، ولكن هذه لم تكن قليلة الأهمية، ولم يمكن التخلي عنها، ومنها أقوال وروايات نَتَجَتْ عن مدرسة عقيبا وإسماعيل، ونُسِجَتْ حولها شروح وتفاسير في أقوال المعلمين Amoraim

فرأى الدارسون أن يجمعوا ذلك كله مع بعض الأحكام الشرعية Halachath، والإجابات عن المشاكل التي عرضت، كل ذلك جُمع أخيراً وكون الجمارا، وهي بمعنى الإنهاء والإنجاز، وهي، كما هو واضح، وسعت المشنا، أنها تحوي أحكاماً ومواداً ليست في المشنا، منها القديم الذي لم يأخذه يهوذا، ومنها المُستحدَث.

لم تُجمع الجمارا إلاَّ بعد 300 عام من اكتمال المشنا، وقد ثار جِدال طويل بين المفسرين حول المواد التي تكوّنت منها الجمارا، وبالرغم من كونها مُجمّعة من الروايات الشفوية والمشنا، كان يراد لها أن تكون معتمدة على نصوص التوراة، وقد كُتبت باللغة الآرامية.

من المشنا والجمارا معاً يتألف التلمود الذي هو نتيجة تفاعل الشريعة المكتوبة مع أوضاع الحيَاة المتغيرة والحاجات الطارئة، فهو يُعتبَر بمثابة سجل حافل يُبيِّن خلال المناقشات والشروحات والأمثلة والردود والروايات، كيف كان اليهود يحاولون تطبيق الوصايا والفرائض التوراتية في حياتهم اليومية، وحين يصطدم التطبيق العمليّ بالنصوص المقدسة تبدأ المشكلة بالظهور وتكثر الاجتهادات، بينما يتصاعد البحث عن الحلول والمخارج.

التفسير في المسيحية

استخدم الآباء في الكنيسة الأولى التفسير بمعنى شرح، يهتم بتوضيح نص أو صياغته بالنسبة لمشاكل عصرهم اللاهوتيّة أو السلوكيّة.

التفسير موهبة يذكرها معلمنا القديس بولس الرسول في موهبة ترجمة الألسنة “لآخر ترجمة السنة” (1كو 1″12)، “أَلَعَلَّ لِلْجَمِيعِ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ؟ أَلّعَلَّ الْجَمِيعَ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يُتَرْجِمُونَ؟ ɩσѵοѵ́ϵѵμηρϵɩδ” (1كو 30:12).

وتتضح أهمية التفسير من خلال حديث فيلبس مع الخصيّ الحبشيّ “فَبَادَرَ إِلَيْهِ فِيلُبُّسُ يَقْرَأُ النبيّ إِشَعْيَاءَ فَسَأَلَهُ: «أَلَعَلَّكَ تَفْهَمُ مَا أَنْتَ تَقْرَأُ؟» فَأَجَابَ: «كَيْفَ يُمْكِنُنِي إِنْ لَمْ يُرشِدْنِي أَحَدٌ؟». وَطَلَبَ إِلَى فِيلُبُّسَ أَنْ يَصْعَدَ وَيَجْلِسَ مَعَهُ” (أع8 :30، 31)، والرب يسوع نفسه فسّر لتلاميذه بعض الأمثلة، وفسَّر لتلميذي عمواس “الأُمُورَ الْمُخْتصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ” (لو 27:24).

دور الآباء في تفسير الكتاب المقدس:-

نحن لا نعرف الكتاب المقدس إلاَّ من خلال الكنيسة، لذلك يقول القديس أغسطينوس: “لو لم يحركني سلطان الكنيسة الجامعة لما آمنت بالإنجيل”[17]، كذلك يقول القديس باسيليوس: “إن الكنيسة هي صوت الإنجيل الحيّ”، فمن خلال الكنيسة نستلم الأسفار القانونية ونميّزها عن الأصفار المنحولة.

التعليم حُفظ لطريقة حية في الكنيسة، لأن الروح أعطى ذلك للآباء، والكنيسة كانت تُعلِّم “مشافهة” وأودعت كلمة الله ووطدتها في النفوس “فصوت الإنجيل الحيّ” لم يكن مجرد تلاوة لكلمات الكتاب، بل كان إعلاناً لكلمة الله كما سُمعت وحُفظت في الكنيسة بقوة الروح الذي يفعل فيها دائماً ويحييها، فيرى القديس إيريناؤس أن الرسل هم الذين حملوا ملء الحقيقة إلى الكنيسة: “فكل ما يتصل بالحقيقة أودع في أيديهم بأكثر وفرة”[18]

فالكنيسة والكتاب لا ينفصلان ولا يتنقضان. فالكتاب، أي فهمه الصحيح موجود في الكنيسة فقط، لأن الروح يوجهها ويرشدها، ولذلك أكد العلاَّمة أوريجانوس وحدة الكنيسة والكتاب، وكانت مهمة المفسّر عنده هي الإعلان عن كلمة الروح فيقول: “يجب أن ننتبه عندما نُعلم لئلاّ نقدم تفسيرنا الخاص بدلاً من تفسير الروح القدس”[19]، هذا الأمر يبقى مستحيلاً خارج التقليد الرسوليّ المحفوظ في الكنيسة. فالعلاَّمة أوريجانوس شدّد على التفسير “الجامع” للكتاب، كما هو مقدّم في الكنيسة: “لنصغ في الكنيسة إلى كلمة الله التي تُقدَّم على نحو جامع”[20]، أما الهراطقة فيتجاهلون “قصد” الكتاب الحقيقيّ، ويقول أيضاً: “فالذين يقدمون كلام الله من دون أن يُقرنوه بقصد الكتاب وبحقيقة الإيمان ويزرعون قمحاً يحصدون شوكاً”[21].

يقول القديس كيرلس عمود الدين: “إنه من الصعب جداً أن نشرح الأسرارالإلهيّة، حيث إنها تنتمي إلى العالم الروحيّ، بينما الطبيعة البشرية الفاسدة والذهن المريض لا يسمحان بمعاينة المجد الإلهيّ معاينة كاملة”[22]، كما يؤكد على أن يكون المفسّر على وعي بالأساسيّات التي ستساعده على فهم الأسرار الإلهيّة، هذه الأساسيّات تتعلق بإيمان الكنيسة.

يرى القديس إيريناؤس أن تفسير الكتاب المقدس ينبغي أن يُشرَح على أساس الكتاب نفسه، حيث يقول في كتابه ضد الهرطقات: “تفسيرات نصوص الكتب المقدسة لا يمكن شرحها إلاَّ من الكتب المقدسة نفسها”[23]، وهذا يعني أننا لا يمكن أن نأخذ آية ونشرحها منفصلة عن الكتاب المقدس، فالكتاب المقدس بعهديه وَحْدَة واحدة لا تتجزأ.

كما يوضح القديس إيريناؤس ذلك في المثل الآتي: صورة جميلة لملك من الفسيفساء صنعها فنان ماهر ورصعها بأحجار كريمة، قام الهراطقة بتقطيع هذه الصورة الجميلة إلى قطع، ثم حاولوا إعادة تجميعها ولكن ليس إلى صورة الملك، بل إلى صورة كلب أو ثعبان، ثم زعموا أن هذه هي الصورة التي رسمها الفنان الأول، ويعللون ذلك بأن الحجارة المستخدمة، هي الحجارة عينها التي استخدمها الفنان الأول”[24]، حيث إنهم يبررون هرطقتهم بآيات كتابية، لكن ليس في المعنى السليم الذي اُستخدمت فيه بل يبترون عبارات تخدم هرطقتهم.

يقول القديس إيريناؤس أيضاً “هذه هي طريقتهم (أي الهراطقة) التي لم يتنبأ بها الأنبياء، ولا الرّب علّم بها، ولا الرسل سلّموها لنا، فهم يفتخرون بصوت عالٍ أنهم يعرفون أكثر من الآخَرين، وهم يستندون في هذا إلى مصادر خارج الكتاب المقدس”[25]، “أنهم يحاولون أن يجعلوا أمثال الرّب أو أقوال الأنبياء أو كلمات الرسل، تتوافق مع أقوالهم بطريقة تجعل الناس يصدقونهم حتى لا يبدو تلفيقهم أنه بدون مرجع، فهم يتجاهلون نظام الكتب المقدسة وترابطها مع بعضها، وبتجاهلهم لهذا الترابط الذي يكمن فيه أساس الحق، فإنهم يفككون أعضاء الحق”[26].

هذا هو عمل الهراطقة في الكتاب المقدس، يأخذون آية ويهملون باقي النصوص، أو يأخذون جملة من موضوع ما بما يخدم بدعتهم ويتفق مع رغباتهم الدنيئة، فالتقليد يهاجمونه تماماً لأنه يجمع النموذج “أي الوسيلة التي توصلنا إلى الهدف، أي الخلاص غاية إيمانكم هو خلاص نفوسكم”.

مدارس تفسير الكتاب المقدس:

هناك منهجان لتفسير الكتاب المقدس …

1- منهج مدرسة الإسكندرية اللاهوتيّة:

اشتهرت مدرسة الإسكندرية – التي كانت معقل العالم المسيحيّ الأول – بالتفسير الرمزيّ Allegorical، استخدم القديس أكْلِمَنْضُس هذا النوع من التفسير؛ إذ نرى أن التفسير الرمزيّ للكتاب المقدس يشبه بتولية العذراء، حتى بعد أن ولدت المسيح، كذلك الكتاب المقدس يلد لنا الحق الذي نأخذ منه التأملات ولا يزال بتولاً[27].

نَظَّمَ أوريجانوس قواعد هذا التفسير، ومن القواعد التي وضعها أوريجانوس أننا نفهم الكتاب المقدس بثلاث طرق[28]:-

التفسير الحرفيّ أو المعنى السطحي وهو يناسب البسطاء من المسيحيّين.

التفسير السلوكيّ “الأخلاقيّ” وهو للتهذيب ودرجة أعلى من التفسير الحرفيّ.

التفسير الروحيّ Typology  ويتهذّب به الكاملون.

كما يقول العلاَّمة أوريجانوس: “إن هناك علاقة بين المستويات الثلاثة وبين خلق الله للإنسان نفساً وجسداً وروحاً، فالمعنى الحرفيّ يقابل مستوى الجسد Body وهو يناسب البسطاء من المسيحيّين، والتفسير السلوكيّ أو الأخلاقيّ يقابل مستوى النفس Soul  ونستشفه من الأحداث ونعيش به، والتفسير الروحيّ يقابل مستوى الروح Spirit، وهو خاص بالكاملين الذين يكتشفون فيه المفاهيم الروحيّة العميقة ويتلاقون مع المسيح”[29].

التفسير الروحيّ يشير إلى الطبيعة الإلهيّة، بينما الحرفيّ والتاريخيّ إلى الطبيعة البشرية للكلمة المتجسد، وكل منهما يعملان بغير اختلاط ولا انفصال، وكل منهما يشير إلى الآخَر، فالتفسير الروحيّ يشير إلى اللاهوت، والتفسير الحرفيّ يشير إلى الناسوت الذي يقودنا إلى ألوهيته، ويُعطي مصداقية تاريخية لحقيقة التجسد.

كما يرى العلاَّمة أوريجانوس أن التفسير أحياناً يكون على مرحلتين فقط وليس ثلاثة، فقد يخلو النص من التفسير الحرفيّ الذي يقابل الجسم، ويكون ذلك عندما يكون الكلام مجازياً، ويعتمد في ذلك على الستة أجاجين المستخدمة في التطهير كانت تسع لمطرين أو ثلاثة: “سِتَّةُ أَجْرَانٍ مِنْ حِجَارَةً مَوْضُوعَةً هُنَاكَ حَسَبَ تَطْهِيرِ الْيَهُودِ يَسَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِطْرَينِ أَوْ ثلاَثَةً” (يو 6:2) فيقول “الذين يدعوهم الرسول (يقصد معلّمنا القديس بولس الرسول) يهوداً في الباطن (راجع رو 29:2) أنهم تطهّروا بكلام الأسفار، لأنهم يسعون تارة مطرين أي يتقبلون فهم النفس والروح، وأحياناً ثلاثة حينما يمكن أن يحتمل النص … فالاجاجين الستة الذين تطهروا وهم في العالم، أننا نقرأ أن العالم وكلّ ما فيه قد اكتمل في ستة أيام”[30].

التفسير الرمزي:-

يرى القديس أكْلِمَنْضُس السكندريّ أن الثوب الملون الذي أعطاه يعقوب أبو الآباء ليسوف الصديق إشارة إلى المعرفة المتنوعة[31]، كما يفسر قول السيد المسيح “وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتاً أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَباً أَوْ أُمَاً أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَداً أَوْ حُقُولاً مِنْ أَجْلِ اسْمِي يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ وَيَرِثُ الحَيَاة الأَبَدِيَّةَ” (مت 29:19)، بأن الأب يعني ترك الحق المدنيّ، وترك الأم يشير إلى الموطن أو القوت[32].

ويفسّر عدد عبيد إبراهيم الذين أُسروا، وكان عددهم “318 عبداً”، بأنهم إشارة إلى صليب السيد المسيح فعدد 300 يُكتب T، وال 18 تكتب IH، ال318 تُكتب [IHT] صليب يسوعَ المسيح.

كذلك العلاَّمة أوريجانوس يرى أن ابنة فرعون التي انتشلت موسى بعد أن وضعتْه أمه في سفط مطليّ بالقار، تشير إلى كنيسة الأمم التي جاءت إلى النهر لتغتسل من خطاياها، فالنهر يشير إلى المعمودية، وموسى الموضوع في سفط مطلي بالقار، يشير إلى الناموس الذي وقع أسيراً في يد الأمة اليهودية، حتى تحرّر وجاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله فيقول إن ابنة فرعون: “بحضورها إلى مياه المعمودية تأخذ الكنيسة الناموس “موسى” الذي كان مختبئاً في صفط من البرديّ ومطليّ بالحمرة والقار”[33].

كما يفسرّ قول السيد المسيح عندما سأله تلميذه يوحنا: “رَبِّي أَيْنَ تَمْكُثُ؟ فَقَالَ لَهُمَا تَعَالَيَا وَانْظُرَا. فَأَتَيَا وَنَظَرَا أَيْنَ كَانَ يَمْكُثُ وَمَكَثَا عِنْدَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ. وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ (يو1 38 ،39)، فيقول العلاَّمة أوريجانوس (تعاليا) دعوة للعمل، (انظرا) دعوة للتأمل؛ فالسيد المسيح يدعو البشريّة للحياتين معاً العملّية والتأملية[34].

كذلك فسَّر قول يوحنا المعمدان عن السيد المسيح “هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي الَّذِي صَارَ قُدَّامِي الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقِّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ” (يو 27:1)، يقول أوريجانوس: “إن هذا الحذاء هو سر التجسد؛ حيث ظهر الله في اللحم والدم بإنسانية كاملة، وأن يوحنا المعمدان حسب نفسه غير أهلٍ لإدراك هذا السر”.

في تفسير أوريجانوس لقول موسى النبيّ لفرعون “فنذهب ثلاثة أيام في البرية نذبح للرب إلهنا” (خر 3:5)، إن الطريق الذي يقطعونه في مسيرة ثلاثة أيام هو طريق الرب الذي قال عن نفسه “أنا هو الطريق والحق والحّيّاة”، فهذه الثلاثة أيام كما جاءت في رومية “لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبَّ يَسُوعَ وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ خَلَصْتَ” (رو 9:10)، لذلك يرى أن فرعون الذي قال لموسى لا تذهبوا بعيداً؛ كان كالشيطان يريد أن يعطل المؤمنين عن طريق الخلاص، وعلى نفس المنوال سار إبراهيم ثلاثة أيام لكي يقدّم ابنه إسحق[35].

كما يرى في قضيب اللوز مثال قويّ لنظريته، فالغلاف الخارجيّ المر الذي يسقط عند نضوج اللوزة، يمثل المستوى الحرفيّ الذي عاق اليهود عن بلوغ المعرفة الحقيقية، والغلاف الداخليّ السميك الذي لابد أن نكسره لكي نصل إلى الثمرة الحقيقية، يشير هذا الغلاف إلى التفسير الأخلاقيّ أو السلوكيّ، الثمرة الداخلية التي تؤكل، تشير إلى التفسير الروحيّ الذي هو غذاء الحيَاة الأبدية[36].

كما فسّر معجزة شفاء ابنة خادم الملك (يو4 : 36-53)، فخادم الملك هو إبراهيم الذي تضرّع إلى السيد المسيح، لكي يشفي ابنه إسرائيل المريض بمرض عضال.

كذلك فسّر إقامة لعازر من الأموات، بأن لعازر هو المسيحيّ الذي يريد أن يرجع إلى الحيَاة الأممية، والذي يُشار إليها في المعجزة بالقبر، بينما الأقمطة واللفائف التي رُبط بهما يشيران إلى الخطايا، وبالتوبة يمكن للإنسان أن يخرج من القبر، أما مسألة بقائه مربوطاً حتى بعد أن يخرج من القبر تشير إلى مهمة الكنيسة في أن تحل المربوطين.

التفسير الرمزي وخطورته:-

اعتمدت مدرسة التفسير الرمزيّ للكتاب المقدس على آية “لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلَكِنَّ الرُّوحَ يُحْيي” (2كو 6:3)، لهذا بَاَلَغَ أوريجانوس في التفسير الرمزيّ للكتاب المقدس على أساس أن حرّفية الناموس قاتلة بسبب عصيان الكلّ له، أما روح الإنجيل فهو واهب الحيّاة.

كما كان أوريجانوس مغالياً في استخدام المعنى الرمزيّ للأسماء والأعداد لدرجة أنه أهمل التفسير الحرفيّ بعد ذلك حيث قال: (أن التفسير الحرفيّ يقابل الجسد وأن الكتاب المقدس ليس له جسد)، وصل لدرجة أنه أنكر بعض الحقائق مثل وجود حروب دموية، أو فلك نوح، أو كذب إبراهيم بقوله عن ساراي أنها أخته؛ مظهراً أن هذه الحقائق لها تدابير باطنية تحمل رموزاً روحية، لم تقبل الكنيسة هذه الطريقة الرمزيّة بهذا الشكل المتطرف، ومع ذلك ينبغي الإقرار بالتأثير القويّ لــ “فيلو اليهودي” على كل المقالات في القرون الأولى.

وأيضاً التلاميذ بسبب رغبتهم في أن يعرفوا وقت حدوث ما قاله الرب، توسلوا إليه قائلين “قل لنا متى ستكون هذه الأمور، وما هي علامة مجيئك؟” (مت 3:24)، أرادوا أيضاً أن يعرفوا زمنها (مت 36:24)، وذلك لكي لا يضلوا، وأيضاً لكي يتمكنوا من تعليم الآخَرين، فإنهم بعد أن عرفوا، فقد صححوا أفكار الذين كانوا على وشك الضلال من أهل تسالونيكي[37]”.

والقديس كيراس عمود الدين من بين الذين أشادوا بهذه المدرسة، كذلك القديس ديديموس الضرير الذي له ثلاث طرق متلازمة في تفاسير الكتاب المقدس، ألا وهي التفسير الحرفيّ ويعقبه التفسير التاريخيّ ثم التفسير الرمزيّ، فكان يقرأ فقرة ثم يفسرها تفسيراً حرفياً ثم تاريخياً ثم روحياً، وفي أغلب الأحيان كان يتحاشى التفسير التاريخيّ فهو لا يرى أن يعمل عمل مؤرخ.

كذلك خارج الإسكندرية نجد أن كلّ من القديس باسيليوس الكبير، والقديس غريغوريوس النزينزيّ قد اتخذا العلاَّمة أوريجانوس مُعلماً لهما[38]، وسارا على مدرسته التفسيرية، كما كان هيسيخيوس الأورشليميّ أيضاً يتبع نفس المدرسة.

2- منهج مدرسة انطاكية:

تبنّت مدرسة التفسير الحرفيّ Literalist Interpretation ، وقد قام به لوكيانوس في النصف الثاني من القرن الثالث، كرد فعل للمبالغة في التفسير الرمزيّ.

وقد كانت مدرسة أنطاكية مشابهة لمدرسة الإسكندرية، إذ كانت تقوم على الجهود الفردية للمعلمين، ولم يكن لها منهج أو تخطيط علميّ، ولكنها لم تكن مستديمة يتعاقب عليها المدرسون على التوالي كمدرسة الإسكندرية، لكنها كانت تتبنى اتجاهاً لاهوتياً، وبالأخص تتميز بنمط مُعَّين في تفسير الكتاب المقدس[39].

قاومتِ المدرسة الأنطاكية التفسير الرمزيّ لمدرسة الإسكندرية، معتمدة فقط على التفسير الحرفيّ (حقيقيّ أو مجازيّ) وهو المنهج اللغويّ أو الحرفيّ، التاريخيّ. يقوم هذا المنهج على التفسير البسيط حسبما تشرحه اللغة، لذا دعي “المنهج اللغوي أو الحرفيّ”. كما قام على تأكيد الحقائق التاريخيّة كما وردتْ في الكتاب المقدس كحقائق واقعية وليست أعمالاً مجازية رمزية، لذا سمى أيضاً بالمنهج التاريخيّ، مستبعدة تماماً المعنى الروحيّ الذي استبدلوه بالتعليم الأخلاقيّ.

ومن مشاهير المدرسة، نسطور الهرطوقيّ الذي أُدين في مجمع أفسس سنة (431م)، وديؤدور أسقف طرسوس، وثيؤدور أسقف موبسويست، وأهم عظماء هذه المدرسة مارِ أفرام السريانيّ، القديس يوحنا ذهبيّ الفم، العلاّمة ترتليانوس.. ويقول المستشرق الفرنسيّ L.Le Camus: إنَّ تيودور ويوحنا فم الذهب وتيودوريت ساروا على طريقة مار أفرام في شرح الكتاب، وهو يأخذ الحقائق الواردة في الكتاب المقدس خاصة العهد القديم كحقائق واقعية فهي ترفض الرمزيّة .Allegorism

ومع ذلك ظهر لدى آباء أنطاكية ما يُعرَف بالثيؤريا Theoria، وهو نوع من الرمزيّة والتأمل، يقوم على أساس ما يُسمى بالنمطية Tipology بشرط ألاَّ تكون الرمزيّة اجتهاداً شخصياً، ويتضح ذلك من الأمثلة الآتية:-

يفسر مارِ افرام السريانيّ ما جاء في نبوءة إشعياء “لأُنشِدَنَّ عَنْ حَبِيبِي نَشِيدَ مُحِبِّي لِكَرْمِهِ. كَانَ لِحَبِيبِي كَرْمٌ عَلَى أَكَمَةٍ خَصِبَةٍ. فَنَقَبَهُ وَنَقَّى حِجَارَتَهُ وَغَرَسَهُ كَرْمَ سَوْرَقَ وَبَنَى بُرْجاً فِي وَسَطِهِ وَنَقَرَ فِيهِ أَيْضاً مِعْصَرَةً فَانْتَظَرَ أَنْ يَصْنَعَ عِنَباً فَصَنَعَ عِنَباً رَدِيئاً. وَالآنَ يَا سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ وَرِجَالَ يَهُوذَا احْكُمُوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَرْمِي. مَاذَا يُصْنَعُ أَيْضاً لِكَرْمِي” (إش5 :1-4)، حيث يشبّه إشعياء إسرائيل بكرم نصبه الله وسيَّجه وبنى في وسطه برجاً وحفر فيه معصرة، ولكن عوض أن يُعطي الكرم أعطى حصرماً، فرذله صاحب الكرم،

يقول مارِ أفرام: “كان لله حبيبي كرم في رابية خصبة، حرثه بالخيرات والآداب، وحوَّطه بسياج شريعته وغرس فيه أغصان كرمه وهم الصدّيقون والنسّاك، وبنى برجاً في وسطه أعني مملكة ومحكمة، وحفر فيه معصرة أعني كهنوتاً وذبيحةً، وانتظر أن يُثمر عنباً أعني أعمالاً صالحة، فأثمر حصرماً برياً وخرنوباً أعني أعمالاً رديئةً… ولهذا يقول الرّب إنّي أقوّض برجه فيكون معرضّاً للنهب والسلب.. وأخرق جدار شريعته فيصبح مدوساً تطأه الشهوات التي كلف بها..”.

كما يُفسِّر هذه الآية “وَأَجْعَلُهُ خَرَاباً لاَ يُقْضَبُ وَلاَ يُنْقَبُ” (إش 6:5) بهذه العبارة: “فمعناه أنّه تعالى يتخلّى عن الاهتمام به. وقوله اوصي السحاب لا يمطر عليه مطراً معناه أنَّه يمنع الأنبياء عن أن يتنّبؤا له…”[40].

في هذا النموذج نرى جليّاً طريقة مارِ أفرام في التقيّد بالنصّ الكتابيّ، وتفسيره بالمعنى الحرفيّ الذي ينسجم أكثر مع الواقع والحقيقة.

فسَّر القديس مارِ أفرام السريانيّ معجزة تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل، بقوله “إن في الخمر دخول عجيب للطبيعة البشرية في رحم العذراء (دون زرع بشر)”، كما يرى أن مريض بركة بيت حسدا لم يُشفَ لعدم الكفاية الخلاصية للناموس، وأن المولود أعمى الذي اغتسل في بركة سلوام إشارة إلى المعمودية المقدسة التي نحصل منها على الخلاص[41].

يعتمد منهج الثيؤريا على أن معاني عبارات الكتاب المقدس لها معنى حرفيّ؛ وتقبل التفسير بالثيؤريا دون أن يكون لها معنى رمزيّ فقط، وجود ثاؤريا لحدث أو بعض آيات الكتاب المقدس يكون فيه شيء من التطابق وليس اجتهادياً، مثل وجود نص صريح عن الحيّة النحاسية “وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الحيّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ. هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإنسان” (يو 14:3)، ومن الأمثلة على ذلك منهج القديس يوحنا ذهبيّ الفم …

منهج القديس يوحنا ذهبيّ الفم:-

على الرغم من أن القديس يوحنا ذهبيّ الفم يتبع مدرسة أنطاكية، حيث لم يستخدم الرمزيّة خاصة في العهد القديم، وفي نفس الوقت لم يهاجم مدرسة الإسكندرية، إلاَّ أنه يرى[42]:-

1- توجد عبارات في الكتاب المقدس لا تُفسَّر إلاَّ بتفسير رمزيّ مثل سفر نشيد الأناشيد، أو عبارات مثل يد الرب، عينا الرب، يمين الرب، نزل الرب …

2- عبارات تقبل الاثنين معاً الحرفيّ والثاؤريا، فيؤكد ذهبيّ الفم على أن ذبح إسحق حقيقة تاريخية، وفي نفس الوقت فيه رمز للصليب[43]، كما أن نهر الأردن يُشير إلى المعمودية؛ ولكنه في نفس الوقت حقيقة، وعبور شعب بني إسرائيل فيه، قصة واقعية وليست رمزية فقط.

في تفسير القديس يوحنا ذهبيّ الفم للمزمور 150 “سبحوا الله بالطبل والمزمار”، يشرحها بطريقة روحية، فيشير إلى إماتة الجسد، حيث إن الطُّبول تُصنَع من جلود الحيّوانات الميّتة، والمزمار إلى التأمل في السماء، ولكنه لا يتغاضى عن التفسير الحرفيّ فيرجع ويقول: “أما أنا فأعتقد أن النص يعني تنازل الله لقبولنا بضعفنا البشريّ فيجب أن نُسبح مجده بفرح مستخدمين هاتين الآلتين”[44].

3- عبارات آخرى لا تقبل إلاَّ التفسير الحرفيّ فقط، مثل عبارة “خبزنا كفافنا أعطنا اليوم”، إذ يرى القديس يوحنا ذهبيّ الفم أنها لا تُفسَّر إلاَّ حرفياً، فالله يقدّم وصية لأُناس لهم جسد، وهذا الجسد له احتياجات[45]، وهو بذلك على العكس مِن العلاَّمة أوريجانوس الذي يرى أن الخبز هو خبز الطعام الباقي وليس الماديّ.

في تفسير ذهبيّ الفم لقول السيد المسيح في الموعظة على الجبل “طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ” (مت 5:5)، نجد أن القديس يوحنا ذهبيّ الفم يرفض أيَّ تفسير رمزيّ لها، ولا يقبل إلاَّ التفسير الحرفيّ، فيقول: “أخبروني عن إيِّ أرض يتكلّم الرّب؟

يقول البعض إنها أرض رمزية، كلا ليس الأمر كذلك، لأننا لا نجد في الكتاب المقدس كله أيَّ ذكر لأرض رمزية، فما معنى القول إذن؟ إن الرب يعد لنا مكافأة حسيّة، مثلما يقول معلّمنا القديس بولس الرسول أيضاً “أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِي أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ” (أف 2:6)، ويُضيف: “لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَار عَلَى الأَرْضِ” (أف 3:6)، والرّب نفسه يقول للص اليمين “الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ” (لو 43:23)، فهو لا يعدنا بالبركات العتيدة فقط، بل وبالحاضرة أيضاً، لأجل الذين يسعون إليها من سامعيه ذوي الطبيعة الأرضية جداً”[46].

كذلك قول السيد المسيح أيضاً: “كُنْ مُرَاضِياً لِخَصْمِكَ سَرِيعاً مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي الطَّرِيق لِئَلاَّ يُسَلِّمَكَ الْخَصْمُ إِلَى الْقَاضِي وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الشُّرَطِيِّ فَتُلْقَى فِي السِّجْنِ” (مت 25:5)، يفسرها القديس يوحنا ذهبيّ الفم قائلاً: “يبدو لي أنه يتحدّث عن قضاة هذا العالم، والطريق إلى محكمة العدل، وعن هذا السجن”[47].

الآباء والربط بين العهدين:

يقول السيد المسيح في حديثه في الموعظة على الجبل “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْيِيَاءَ مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأَكَمِّلَ” (مت 17:5) والكنيسة تقرأ العهد القديم بجانب العهد الجديد: “كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحي بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ والتَّوْبِيخِ لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ” (2تي 16:3).

لقد شهد السيد المسيح للعهد القديم بقوله “لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ” (يو 35:10)، وقال للفريسيين “وَأَنْتُمْ أَيْضاً لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصِيَّةَ اللَّهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ؟” (مت 3:15)، يقصد بوصية الله الناموس، كما قال أيضاً “فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَو نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ” (مت 18:5)، لقد ربط المسيح بين ضلال اليهود وابتعادهم عن كلمة الله – العهد القديم في ذلك الوقت

حين قال “تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللَّهِ… أَفَمَا قَرَأْتُمْ مَا قِيلَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ” (مت22 :29 ،31)، “فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّنونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي” (يو 39:5)، كما استشهد به السيد المسيح في التجربة على الجبل “مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإنسان بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللَّهِ” (مت 4:4)، “مَكْتُوبٌ أَيْضاً: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ” (مت 7:4)، مَكْتُوبٌ: لِلرَّبَّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ” (مت 10:4).

السيد المسيح طبّق الناموس في حياته على الأرض، فاُختتن في اليوم الثامن، وقدّموا عنه زوجي يمام أو فرخي حمام بعد أربعين يوماً من ميلاده تتميماً لشريعة التطهير، كذلك كان يدخل المجامع اليهودية، وقال للأبرص بعد شفائه بأن يذهب “أّرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ وَقَدِّمْ عَنْ تَطْهِيرِكَ مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى شَهِادَةً لَهُمْ” (مر 44:1).

† العهد القديم يحوي رموزاً ونبوات عن المخلِّص؛ ولهذا يخلُص معلّمنا القديس بولس الرسول إلى الحقيقة العظيمة “إِذاً قَدْ كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ، لِكَيْ نَتَبَرَّرَ بِالإيمان” (غل 24:3)، كذلك حديث السيد المسيح مع تلميذي عمواس “ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ” (لو 27:24)، وفي حديثه مع التلاميذ في العلية بعد القيامة “قَاَلَ لَهُمْ: هَذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وِأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ أُنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَاَلأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ” (لو 44:24)، “حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ” (لو24 : 44 ،45).

ويتحدّث السيد المسيح عن ألوهيته وموته وقيامته على أنها أمور مذكورة في الكتب، أي العهد القديم، وقد أشار إلى ذلك السيد المسيح مرّات عديدة، منها نبؤة معلمنا داود النبيّ في (مز 1:110) بأنه ربه، قال “كَيْفَ يَقُولُ الْكَتَبَةُ إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟ لأَنَّ دَاوُدَ نَفْسَهُ قَالَ بِالروُّحِ الْقُدُسِ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مِوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ فَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَدْعُوهُ رَبّاً. فَمِنْ أَيْنَ هُوَ ابْنُهُ؟” (مر12 :35-37)،

خاصة في (مز22) و(إش53) “وَأَخَذَ الاِثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ: هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَسَيَتِمُّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بِالأَنْبِيَاءِ عَنِ ابْنِ الإنسان لأَنَّهُ يُسَلَّمُ إِلَى الأُمَمِ وَيُسْتَهْزَأُ بِهِ وَيُشْتَمُ وَيُتْفَلُ عَلَيْهِ وَيَجْلِدُنَهُ وَيَقْتُلُونَهُ وَفِي الثَّالِثِ يَقُومُ” (لو18: 31-33).

ولكننا في نفس الوقت نجد أن السيد المسيح صَحَّحَ مفاهيم اليهود حول الناموس:

اليهود فهموا الناموس فهماً حرفياً، مثال ذلك الختان، الذي لم يُفهَم سوى على أنه مجرّد عمليّة ظاهرية، تمس الجسد فقط دون الروح، عاشوا حرف الوصية بدون روحها “لأَنَّ الْيَهُودِيَّ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ هُوَ يَهُودِيّاً وَلاَ الْخِتَانُ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ فِي اللَّحْمِ خِتَاناً بَلِ الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِيُّ وَخِتانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ هُوَ الْخِتَانُ الَّذِي مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ بَلْ مِنَ اللهِ” (رو 2: 28 ،29)،

فماذا ينفعك الختان في حالة عدم عملك بالناموس: “فَإِنَّ الْخِتَانَ يَنْفَعُ إِنْ عَمِلْتَ بِالنَّامُوسِ. وَلَكِنْ إِنْ كُنْتَ مُتَعَدِّياً النَّامُوسَ فَقَدْ صَارَ خِتَانُكَ غُرْلَةً!” (رو 25:2)، فحين أن الأمميّ الذي يعمل بالناموس الطبيعيّ، غرلته تصبح ختاناً “إِذاً إِنْ كَانَ الأَغْرَلُ يَحْفَظُ أَحْكَامَ النَّامُوسِ أَفَمَا اُحْسَبُ غُرْلَتُهُ خِتَاناً؟” (رو 26:2).

السيد المسيح صحّح مفهوم الوصيّة، أوضح لهم أهميّة الروح لا الحرف، حيث اقتصرت معرفة اليهوديّ بالناموس على العلم والمعرفة الحرفيّة به، والافتخار بأن لهم ناموس وأنهم أولاد إبراهيم “أَبُونَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: لِوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمِ!” (يو39:8)،

فمثلاً السيد المسيح أوضح في كلامه عن السبت المفهوم الصحيح للوصية “ثُمَّ قَالَ لَهُمُ: السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإنسان لاَ الإنسان لأَجْلِ السَّبْتَ إِذاً ابْنُ الإنسان هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضاً” (مر2: 27 ،28)، “وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ تَحَرَّرْنَا مِنَ النَّامُوسِ إِذْ مَاتَ الَّذِي كُنَّا مُمْسَكِينَ فِيهِ حَتَّى نَعْبُدَ بِجِدَّةِ الرُّوحِ لاَ بِعِتْقِ الْحَرْفِ” (رو 6:7)، تحرّرنا ليس من الناموس، بل من الفهم الخاطيء للناموس.

السيد المسيح لم ينقض وصايا العهد القديم بل عمق الوصية، نقل حدودها، كانت الوصية في العهد القديم تُناسب حالة الشعب اليهوديّ الذي أفرّزه الرب من وسط أمم تعبد الأوثان…

“قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عِلِى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ” (مت5 :21 ،22).

“قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرِأةٍ لِيَشْتَهِيهَا فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ” (مت5 : 27 ،28).

“وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَقِ. وَأمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنّى يَجْعَلُهَا تَزْنِي وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي” (مت5 :31 ،32)

“أَيْضاً سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَتَحْنَثُ بَلْ لأَوْفِ لِلرَّبَّ أَقْسَامَكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ لاَ بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللَّهِ. وَلاَ بِالأَرْضِ لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ وَلاَ بِأُورُشَلِيمَ لأَنَّهَا مَدِينَةُ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ. وَلاَ تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ لأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَجْعَلَ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ. بَلْ لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ لاَ لاَ. وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرِّيرِ” (مت5 :33-37).

“سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌ بِسِنً. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضاً” (مت5 :38 ،39).

“سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْل الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُنَكُمْ” (مت5 :43 ،44).

منذ وقت مبكر استشهد الآباء بنصوص من العهد القديم ومن أمثلة ذلك:

† يُورد القدّيس أكْلِمَنْضُس الرومانيّ في رسالته إلى كورنثوس الكثير من الاستشهادات الكتابيّة من العهدين القديم والجديد[48]، كذلك في الرسالة الثانية إلى المتبتلين: (المنسوبة إليه) يقول: “… لنبحث ونختبر ذلك الناموس (العهد القديم) والعهد الجديد” (7:2)، فهُنا كاتب الرسالة يحثنا على قراءة الكتب المقدسة العهدين معاً.

† يقتبس القديس بوليكاربوس من الأسفار القانونية: “لا تتأخروا عن عمل الرحمة لأن الصدقة تخلّص من الموت” (الرسالة إلى فيلبي10) الواردة في (طوبيا 11:4).

† الرسالة المنسوبة لبرناباس (القرن الثاني) توضح أن المسيحيّين هم الورثة الحقيقيون للعهد القديم؛ لأن اليهود لم يفهموه، كما أنهم فسروه حرفياً لا روحياً، واهتموا بشكليته فقط، أما المسيحيّون فهم الذين فهموه فهماً روحياً، كما أنه يَذكرُ عن العهد القديم “إنه كتاَبنا، أما هم ففقدوه إلى الأبد” (6:4 ،7)

كما يقول أيضاً: “لم يكن الناموس لليهود، فقد تلقاه موسى ولكنهم لم يستحقوه وإنما أُعد للمسيحيين منذ البدء، وإذا كان موسى قد تلقاه فإنه لم يكن إلاَّ خادماً، أما نحن فتسلَّمناه من السيد نفسه أننا أهل الميراث ولأن السيد تألم لأجلنا” (4:14).

† العلاَّمة القديس بنتينوس، يذكر عنه تلميذه القديس أكْلِمَنْضُس الإسكندريّ “كان كالنحلة الحقيقية التي تجمع رحيق الأزهار، من المروج النبوية والرسوليّة (أي أسفار العهد القديم والجديد) ليغرس في نفوس سامعيه ذخيرة معرفة غير فاسدة”[49].

† القديس أكْلِمَنْضُس السكندريَ يتناول في كتاب (المتفرقات الكتاب السادس ف 125:25) الاتفاق بين شريعة العهد القديم وشريعة العهد الجديد.

† ذكر بلاديوس في كتاب مشاهير الرجال عن القديس ديديموس الضرير: “لقد فهم ديديموس كل نصوص العهد القديم والجديد، وكان راسخاً بدرجة كبيرة في شرح الإيمان، وأنه بالبراهين القاطعة وبالدراسة العميقة تجاوز السابقين عليه جميعاً.

† محاولة الماركيونيين قطع العهد الجديد عن جذوره في القديم، فقُوبلتْ هذه المحاولة بمقاومة نشيطة وأٌدينت من الكنيسة العظمى.

† يروي يوستين الشهيد في دفاعه أنه انجذب للمسيحية بقراءة العهد القديم، وقد حاول في حواره مع تريفو أن يُثبت حقيقة المسيحية من العهد القديم، كما يرفض الاقتراح بأن العهد القديم هو فقط صلة ربط بين الكنيسة والهيكل اليهوديّ، بالنسبة له العكس صحيح تماماً، حيث إنه لم يعد العهد القديم ينتمي لليهود بل هو يخص الكنيسة وحدها.

وبالتالي كنيسة المسيح هي إسرائيل الجديدة الحقيقية الوحيدة، لم تكن إسرائيل القديمة سوى كنيسة غير نامية، بحسب استعمالها في كنيسة الفترة الأولى، كلمة “الكتب” ذاتها عنَت قبل كل شيء العهد القديم، وبهذا المعنى تُستعمَل بشكل جليّ في قانون الإيمان “كما في الكتب

أي بحسب نبوءات الشريعة القديمة ووعودها، كما يذكر لنا أيضاً قراءة العهد القديم في الليتورجيات فيقول “إنه في اليوم الذي يُدعى يوم الرب ( ̑ηκαɩρѵK) يجتمع الشعب كله وتُقرأ أسفار العهد القديم، والرسل (كتابات العهد الجديد)، بحسب ما يسمح الوقت، وحينمت ينتهي المعلِّم من الكلام يُعطى رئيس الاجتماع (رئيس الكهنة) الإفخاريستيّ عظة يحثنا فيها على الاقتداء بسير أولئك القديسين”[50].

† يُوصي آباء الكنيسة بضرورة قراءة العهد القديم، فيقول ذهبيّ الفم “كل الكتاب يهب تعزية للذين يُصغون إليه، كما يرى أن مسيحياً بغير معرفة الكتب المقدسة (العهدين) كعامل بغير أدوات”[51]، كما يقول “العهدان مرتبطان معاً، ومتضافران كل منهما مع الآخر”[52]، كما يقول “نستطيع أن ننال تعزية وفيرة ليست في العهد الجديد وحده، إنما في العهد القديم أيضاً”[53].

كذلك يرى أن الذي ليس على دراية بالكتب المقدسة يشبه “مَن يعمل في منجم بغير خبرة في هذا الفن، فإنه يخلط بين الأشياء النفيس والتراب، بل ويضيع عمله هباءاً …هكذا الذين لا يفهمون الكتاب المقدس، ولا يراعون خصوصياته وقوانينه، بل يسيرون في كل نقطة من محتوياته بإهمال من غير حكمةـ يمزجون الذهب مع التراب، ولا يكتشفون الكنز المخفى داخله”[54].

وفي رده على المانويين يعارض إدّعائهم في وجود فرق شاسع بين العهد القديم والعهد الجديد، حيث أنهم يقولون أن إله التدبير (العهد) القديم صارم وعادل، في حين أن إله العهد الجديد هو إله الحُب. فيؤكد القديس يوحنا على إن المُشرع في الاثنين (العهدين) هو مُشرع واحد، فالعهد القديم هو ممهد ومسبق للعهد الجديد، فوصايا السيد المسيح تُكمل الشريعة اليهودية[55].

† يُعبِر القديس أُغسطينوس عن موقف الآباء من العهد القديم بقوله “العهد الجديد هو إتمام العهد القديم”، يسوع المسيح هو المسيّا الذي تكلَم عنه الأنبياء، فيه تحققت كل الوعود والنبوات. فالناموس والإنجيل متلائمان، فمن هنا نرى أن الكتاب المقدس بعهديه وَحْدَة واحدة، فالسيد المسيح هو محور نبوات العهد القديم.

ويقول أيضاً “إن العهدين القديم والجديد يمثلان وحدة لا انفصال فيها، إذ يُعبِّران عن خطة العناية الإلهيّة، ويقودان إلى المسيح“، وكان في تفسيره لأحداث الكتاب المقدس يربط بين العهدين، فيبرهن على سمو العهد الجديد في علاقته بالعهد القديم، فعندما فسّر معجزة تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل، أظهر أن النبوة في العهد القديم لها طعم المياه لو فُهمت مستقلة، ولها طعم الخمر لو فُهمت ونُسبت إلى المسيح.

كذلك عندما فسّر معجزة شفاء مريض بركة بيت حسدا، فسرها على أن البركة تُشير إلى الشعب اليهوديّ، والأعمدة الخمسة هم أسفار موسى الخمسة التي ليست لها إمكانية لشفاء البشر، “لأنه بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه، لأن بالناموس معرفة الخطية” (رو 20:3)، ولكن الخلاص والتبرير تم بالسيد المسيح الذي جاء وشفى المريض بدون الناموس دون الماء والبركة.

كما يُفسِّر معجزة إقامة لعازر من الأموات بأن لعازر الميت هو الإنسان الخاطيء، وأن الحجر الذي كان على القبر هو الناموس، وقول السيد المسيح “ارفعوا الحجر” (يو 39:11) تعني “أكرزوا بالنعمة”، كما أن قول السيد المسيح لتلاميذه “حلوه ودعوه يذهب” (يو 39:11)، هو منح لسلطان حل الخطايا على الأرض[56].

يقول القديس كيرلس الأورشليميّ “الكتب المقدسة الإلهيّة المُوحى بها: كل العهد القديم والعهد الجديد، هي التي تُعلّمنا، فإن إله العهدين هو واحد، فقد أُخبرنا في العهد القديم عن المسيح الذي يظهر في العهد الجديد، والذي قادنا من خلال الشريعة وأنبياء إلى مدرسة المسيح، إذ “كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ” (غل 24:3)، إذا سمعتَ أحد الهراطقة ينطق بشر على الناموس والأنبياء أجبْه بكلمات المخلِّص، إذ جاء يسوع لا لينقض الناموس بَلْ ليكمله (مت 17:5)”[57].

تفسير الكتاب المقدس والكنيسة الأولى

 

 

[1]  – القديس أثناسيوس الرسوليّ الرسالة الفصحية الثانية. N & P .N . F .ser. 2,vol. 4 – Festal Letters:2.

[2]  – د. جوزيف موريس فلتس – الآباء والكتاب المقدس – مقدمة كتاب شرح وتفسير آباء الكنيسة لأناجيل وأحاد السنة التوتية – مؤسسة القديس باسيليوس – ص 20.

[3]  – رشدي حنا عبد السيد – الفلسفة اليونانية القديمة – مقدمة عامة ص 5.

[4]  – جورج عوض ابراهيم – تفسيرات الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى – دورية مركز دراسات الآباء – السنة التاسعة العدد17، يناير 2007، ص81.

[5]  – الفيلسوف زينو Zeno  مؤسس المدرسة الرواقية في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الثالث قبل الميلاد.

[6]  – جورج عوض ابراهيم – نفس المرجع السابق ص 82.

[7]  – Midrash  اسم عبريّ من الفعل العبريّ “دَرَش” ويعني “درس وبحث وفحص بدقة تامة”، وكان شائعاً في القرن الأول الميلاديّ، وهو شرح للمنهج التفسيري المتبع في التليمود، ويختص فيه بالنصوص التفسيرية العقائدية، وهي تتناول شرحِ الأحداث التاريخية والنبوات والكتب الشعرية في العهد القديم، ولم يكن للمدراش شكل تفسيريّ يشرح النصّ الكتابيّ آية آية، إلا أنه في أغلب الأحيان توسيع وإسهاب لهذا النصّ في طريقة تقويّة تبني المومنين.

[8]  – القاموس الموسوعيّ للعهد الجديد – فيرلين د. فيربروج – الناشر دار الكلمة 2006 ص 241.

[9]  – جورج عوض ابراهيم – تفسير الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى 2 – دورية مركز الدراسات الآباء – يوليو 2006 – ص73.

[10]  – التلمود كلمة مشتقة من الجذر العبريّ الذي يعني الدراسة والتعلّم، كما في عبارة«دراسة الشريعة»، وتعود كل من كلمة «تلمود» العبرية وكلمة «تلميذ» العربية إلى أصل سامي واحد.

[11]  – روجيه غارودي “فلسطين أرض الرسالات السماوية” – ترجمة قصي أتاسي – ميشيل واكيم – الطبعة الأولى 1988 دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر.

[12]  – راهب من دير البراموس – التلمود نشأته وتاريخه – الطبعة الثانية 2002 – ص18.

[13]  – قصة الحضارة – و.ل.دبوراتت – 1975، ج3، المجلد الرابع، ص 10-39.

[14]  – راهب من دير البراموس – التلمود – مرجع السابق – ص 70.

[15]  – راهب من دير البراموس – التلمود – مرجع السابق – ص 62.

[16]  – راهب من دير البراموس – التلمود – مرجع السابق – ص36-38، التلمود كتاب اليهود المقدس، دار قتيبة، دمشق 2006.

[17] – V.f.epistolum fundaminti 6.

[18]  – ضد الهراطقة 3، 4، 1

[19]  – تفسير رومية 1، 3، 1.

[20]  – في تفسير اللاويين، العظة 4، 5

[21]  – في تفسير إرميا العظة 7، 3

[22]  – شرح إنجيل يوحنا11 – ترجمة مركز دراسات الآباء PG74. 646AB   

[23]  – ضد الهرطقات 12:9:AH3  

[24]  – ضد الهرطقات 9:1: AH1

[25]  – على نفس هذا المنوال مَن يترجمون كتابات غريبة دون إفراز أو من يتأثرون بفكر فلسفي غريب أو تعاليم هرطوقية داخل ثوب مزيف

[26]  – ضد الهرطقات 1:8: AH1

[27] – Strom. 7:16.

[28] – العلاَّمة أوريجانوس – في المباديء 4-2-4 – ترجمة الاب جورج خوام البوليسي – منشورات المكتبة البوليسية – 2002 –ص 387.

[29] – العلاَّمة أوريجانوس – نفس المرجع السابق – ص 387.

[30]  – العلاَّمة أوريجانوس – نفس المرجع السابق – ص 389.

[31] – Strom. 4.5

[32] – Strom. 4.4

[33] – In Exod. Hom, 2.4.

[34] – In Joan. t2, c29.

[35] – In Exod. Hom, 3.3.

[36]  – القمص تادرس يعقوب ملطي – آباء مدرسة الإسكندرية الأولون 2001 – ص 153.

[37] – ضد الأريوسيين 54:1.

[38] – دياكون مجدي وهبة – آباء الكنيسة والكتاب المقدس – دورية مركز دراسات الآباء – يناير 1998 .ص 55.

[39] – P Schaff , History of chrision church,1910, vol. 2,p.816.

[40] – مُعرَّباً من مخطوطة في مكتبة دير الشرفة ترجع إلى القرن الثاني عشر.

[41]  – تفسير المعجزات في إنجيل يوحنا عند آباء الكنيسة ومعلميها 2 – الكتاب الشهريّ – بيت التكريس مارس 2006 – ص26

[42]  – عن القمص تادرس يعقوب ملطي – القديس يوحنا ذهبيّ الفم 1980 – ص 141 .. In Ps. , hom 9:4

[43] – In Psalm . PG55 :209.

[44] – In thes. , hom3. عن القمص تادرس يعقوب ملطي- القديس يوحنا ذهبيّ الفم 1980 – ص 138.

[45] – In Mat. , hom 19:8.

[46] – In Mat. , hom 15:5.

[47] – In Mat. , hom 16:13.

[48]  مشكاة الطلاب في حل مكشلات الكتاب – طبعة 1929 ص168.

[49] – Clem. Stromata 1:1.

[50]  – الدفاع 67:1.

[51]  – القمص تادرس يعقوب ملطي – القديس يوحنا ذهبيّ الفم – 1980 – ص

[52] – In Mat, home 47:7.

[53]  – De Paralyt.  عن القمص تادرس يعقوب ملطي – القديس يوحنا ذهبيّ الفم – 1980 – ص 135.

[54] – In Jon, hom 40:1.

[55] – J. Quasten.Patrology. Vol. 3, P.437.

[56]  – تفسير المعجزات في إنجيل يوحنا عند آباء الكنيسة ومعلميها 2 – الكتاب الشهريّ – بيت التكريس مارس 2006 – ص24

[57]  – القديس كيرلس الأورشليميّ – مقالات لطالبي العماد 33:4 – عن القس تادرس يعقوب ملطي – كيرلس الأورشليميّ 1970 – ص 123،124.

تفسير الكتاب المقدس عند الآباء

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

Exit mobile version