فيما يلي جزء من سلسلة قصيرة من البنود الإيمانية المتعلقة بولادة المسيح. بالنسبة إلى البعض، لا تُعتَبَر هذه المواد ايمانية على الاطلاق لأنها تركز بشكل رئيسي على التاريخ. ولكن يجب ان نُبقي في ذهننا ان يسوع الذي نعبده وُلد فعلا في زمن ما. وذلك الطفل الذي في المذود قد صُلب بحق … وبالتأكيد قام من الموت. يختلف الكتاب المقدس عن الاسفار المقدسة لأديان اخرى لأنه يدعو إلى تحقيق تاريخي. وعندما يجتاز الاختبار -كما يفعل بالتأكيد دائما، لا محالة -يغرس في قلب المؤمن قدرا أكبر من الإخلاص لمن نسميه ابن الله.
السنة التي ولد فيها يسوع
في نصف الكرة الغربي، نقسم الوقت بولادة يسوع المسيح. لكن هل حقا عاش على أرضنا؟ إذا كان الامر كذلك، فمتى وُلد؟ منذ فترة، بدأت محادثة مع رجل ادّعى ان الله غير موجود. كان ملحدا. ولكن ليس مجرد ملحد، كما تفهم. كما أصر ان يسوع المسيح لا وجود له ابدا! هذا الرجل كان قوياً.
الآن صديقي الملحد لديه إيمان لا يصدق -إيمان أعمى يمكنني أن اقول إن حماسته الدينية ستجلب الكثير من الخزي للعديد من الإنجيليين. لكن الدليل على ان يسوع المسيح غزا التاريخ لا يقتصر على الاكتفاء شهادة العهد الجديد -مهما كان ذلك دليلا دامغا! اعداء المسيحية ادّعوا انه عاش -وأنه صنع المعجزات! فالوثائق اليهودية القديمة مثل المشناه ويوسيفوس -بالإضافة إلى المؤرخين الامميين في القرن الاول -مثل تالوس وسرابيون وتاسيتوس -تشهد كلها ان الشخص المدعو المسيح عاش في فلسطين ومات تحت حكم بيلاطس البنطي. كما يقول ف ف بروس ان يسوع هو حقيقة تاريخية مثل يوليوس قيصر.
من المنطقي الآن أن يسوع المسيح لو عاش، فلا بد أنه ولد. تخبرنا الاناجيل انه وُلد قبيل موت هيرودس الكبير. يمكن تحديد موت هيرودس بشكل مؤكد.
يذكر يوسيفوس خسوف القمر قبيل موت هيرودس. وقد حدث ذلك في الثاني عشر أو الثالث عشر من مارس عام 4 قبل الميلاد، كما يخبرنا يوسيفوس أن هيرودس قد مات قبل عيد الفصح. حدث هذا العيد في 11 أبريل، في نفس العام، 4 قبل الميلاد، من التفاصيل الأخرى التي قدمها يوسيفوس، يمكننا أن نحدد أن وفاة هيرودس الكبير حدثت بين 29 مارس و4 أبريل في 4 قبل الميلاد.
قد يبدو غريبا أن نقترح أن يسوع المسيح ولد في موعد لا يتجاوز 4 قبل الميلاد بما أن قبل الميلاد تعني قبل المسيح لكن تقويمنا الحديث الذي يقسم الوقت بين قبل الميلاد وبعد الميلاد لم يُخترَع حتى 525 بعد الميلاد. في ذلك الوقت، طلب البابا يوحنا الأول من راهب يدعى ديونيسيوس إعداد تقويم موحد للكنيسة الغربية. لسوء الحظ، فقد فقد ديونيسيوس فرق بين قبل وبعد الميلاد على الأقل أربع سنوات!
والآن يخبرنا متى ان هيرودس قتل اطفال بيت لحم بعمر سنتين فما دون. من خلال مجموعة متنوعة من المؤشرات الزمنية الأخرى، يمكننا أن نكون واثقين نسبيا أن المسيح ولد في أواخر 5 أو أوائل 4 قبل الميلاد
صديقي الملحد يسخر من هذه المرونة يقول: “إذا كنتم لا تعرفون متى وُلد يسوع بالضبط، فكيف تعرفون انه عاش حقا؟”. هذا ليس سؤالا منطقيا ابدا! في ذلك اليوم اتصلت بأمي لأتمنى لها عيد ميلاد سعيد “أمي، كم شمعة على كعكة عيد الميلاد هذا العام؟” لقد تنهدت: “لا أعرف يا بني -لم أعد أتعقب هذا بعد الآن”. وبعد دقائق قليلة من المحادثة السعيدة، اقفلنا الخط.
الآن، بالطبع، لا أستطيع أن أكون متأكدا، لكنني أعتقد أن تلك كانت أمي على الطرف الآخر من الهاتف. فهي لا تستطيع أن تتذكر كم تبلغ من العمر (وهي ليست خرفة ولا كبيرة السن)، ولكن هذا لا يجعلها من نسج خيالي، أليس كذلك؟ لأنه إذا كانت مجرد شبح، إذن في الدقائق الثلاث الأخيرة، كنت تقرأ لا شيء على الإطلاق.
في الخامس والعشرين من ديسمبر القادم معظم الآباء سيكذبون على أبنائهم بشأن القديس نيكولاس العجوز بعضنا سيحتفل بولادة مخلصنا. لكن هل هو حقا ولد في هذا اليوم؟ هل وُلد يسوع حقا في 25 ديسمبر؟ تقريبا كل شهر في التقويم يقترحه علماء الكتاب المقدس. فلماذا نحتفل بمولده في ديسمبر؟
تقليد 25 ديسمبر في الواقع قديم جدا. قال هيبوليتوس، في القرن الثاني بعد الميلاد، أن هذا هو عيد ميلاد المسيح. وفي الوقت نفسه، في الكنيسة الشرقية، كان 6 يناير هو التاريخ المُتَّبَع.
ولكن في القرن الرابع، قال يوحنا ذهبي الفم أن 25 ديسمبر هو التاريخ الصحيح ومنذ ذلك اليوم وحتى الآن، احتفلت الكنيسة في الشرق، وكذلك في الغرب، 25 ديسمبر كتاريخ رسمي لولادة المسيح.
في العصر الحديث، تم تحدي التاريخ التقليدي. يشير العلماء المعاصرون إلى انه عندما وُلد يسوع، كان الرعاة يراقبون خرافهم في التلال المحيطة ببيت لحم. يخبرنا لوقا ان ملاكا ظهر ‹ لبعض الرعاة الذين بقوا في الحقول يسهرون على رعيتهم ليلا › (٢: ٨). ويرى بعض العلماء أن الخراف تُجلب عادة تحت الغطاء (في الحظائر) من نوفمبر إلى مارس.
كذلك، لم يكونوا عادة في الميدان في الليل. ولكن لا يوجد دليل قوي على هذا. وفي الواقع، تشير المصادر اليهودية الباكرة ان الخراف المحيطة ببيت لحم كانت خارج البيت طوال السنة. لذا يمكنكم أن تروا، الخامس والعشرين من ديسمبر يتناسب مع التقاليد والسرد الإنجيلي بشكل جيد. ولا يوجد اعتراض سليم على ذلك.
والآن من المُعتَرَف به ان الخراف المحيطة ببيت لحم كانت الاستثناء وليس القاعدة. لكنَّ هذه الخراف لم تكن خرافا عادية. لقد كانوا كبش التضحية ففي اوائل الربيع كانوا سيُذبحون في عيد الفصح.
والله في البداية كشف ولادة المسيح لهؤلاء الرعاة الرعاة الذين حموا الخراف الوديعة التي ستموت قريبا نيابة عن الآثمين. كيف رأوا الطفل؟ أيمكن أن يعرفوا؟ ربما نُخِسوا في قلوبهم بشيء يُشبه ما قاله يوحنا المعمدان لاحقا: “هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم!”.
طبعا، لا يمكننا ان نكون على يقين تام من يوم ولادة المسيح. على الأقل ليس هذا الجانب من السماء ولكن الموعد في وقت مبكر من الشتاء يبدو معقولا كأي تخمين آخر. والخامس والعشرين من ديسمبر كان الأبرز لثمانية عشر قرناً وبدون المزيد من الأدلة، فلا يبدو أن هناك سبباً وجيهاً لتغيير تاريخ الاحتفال الآن.
يمكننا أن نلوم الكنيسة القديمة على جزء كبير من عدم معرفتنا تحديدا كما ترى، لم يحتفلوا بولادة المسيح على الإطلاق. بالنسبة لهم لم يكن هذا ذا أهمية، فقد اهتموا بموته وقيامته أكثر بكثير.
ولكن الانسان الحديث قد قلب ذلك. الطفل الذي يرقد في المذود ليس مؤذياً ولا مهدداً لكن رجل يموت على صليب رجل يدعي أنه إله ذلك الرجل تهديد إنه يطالب بولائنا! لا يمكننا تجاهله. يجب أن نقبله أو نرفضه إنه لا يترك لنا أي حل وسط.
في موسم عيد الميلاد هذا، ألقوا نظرة فاحصة على مشهد المهد مرة أخرى. أزل نظارتك الوردية ربما يمكنك ان تشم الكريهة، شاهد الحيوانات الباردة المرتجفة وهي تمثل نظام التضحية في العهد القديم. إنها رموز الموت لكنها مجرد ظلال للطفل الذي في وسطهم لقد ولد ليموت ليحيا كل من يؤمن به
زيارة المجوس
عندما ولد يسوع المسيح، جاء الرجال -المعروفون باسم المجوس -من الشرق لعبادته. فهل كَانُوا رجالا حكماء… أم منجمين؟ يستهل متى اصحاحه الثاني بهذه الكلمات: “الآن بعدما وُلد يسوع في بيت لحم اليهودية في ايام هيرودس الملك، ها هم مجوس من المشرق وصلوا إلى اورشليم قائلين: ‹ اين هو الذي وُلد ملكا لليهود؟ لِأَنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي ٱلشَّرْقِ، وَجِئْنَا لِعِبَادَتِهِ ›».
من كان هؤلاء الرجال الحكماء من الشرق؟ لم يخبرنا متى أي شيء تقريبا عنهم -لم يذكر أسمائهم، ولا كم عددهم -ولا حتى من أي بلد جاءوا. فهم يختفون في غموض من حيث أتوا. ومع ان متى لا يخبرنا الكثير، فقد ملأ المسيحيون الغيورين جدا في تاريخ الكنيسة الفراغات بشكل جازم. وبحلول القرن السادس الميلادي، تم إعطاء هؤلاء الغرباء.
عروش وأسماء: غاسبار، وملكيور، وبالتازار كانت الأسماء المزعومة لهؤلاء الملوك المزعومين. ولكن هذا لا علاقة له بالقصة الكتابية: فنحن لا نعرف حقاً ما هي أسمائهم ـ ولا حتى عددهم. قد يكون هناك ثلاثة أو ثلاثمائة على حد علمنا ولكن هناك شيء واحد نعرفه على وجه اليقين: أنهم لم يكونوا من الملوك. المجوس القدماء كانوا مستشارين سياسيين للملوك الشرقيين لكن لم يكن بينهم أي دم ملوكي.
ولكن أليس صحيحا أن المجوس كانوا منجمين؟ ألم يأمر الله بالموت للمنجمين في العهد القديم؟ “ليس دائماً” و”نعم” هما الأجوبة. ففي التثنية ١٧، يأمر الله شعبه بأن يقتلوا جميع المنجمين بالرجم. لن يكون لجين ديكسون فرصة للنجاة في مثل هذه الثيوقراطية! حقيقة أنها … وغيرها من أمثالها … يتم التسامح معها بشكل مريح … حتى أنها تحظى باحترام كبير! –في أمريكا الحديثة فهذا لأن أمريكا تعيش عصر ما بعد المسيحية في أحسن الأحوال.
لكن ماذا عن هذه المجوس القدامى؟ هل كانوا منجمين؟ فقد تبعوا نجما إلى بيت لحم. يمكننا ان نجيب عن هذا السؤال بثلاث طرائق:
اولا، لم يكن كل المجوس منجمين، لأن دانيال النبي كان رئيس المجوس في بلاط نبوخذنصر. ولا شك ان كثيرين من المجوس، من خلال تأثيره، اضطلعوا بواجباتهم الدينية والسياسية كعبّادٍ للإله الحقيقي الأوحد.
ثانيا، هناك بعض علماء الكتاب المقدس الذين يعتقدون أن إشعياء تنبأ بأن نجمة ستظهر عند ولادة المسيح. وإذا كان هذا التفسير صحيحا، فمن الواضح ان المجوس الذين عبدوا الملك المولود حديثا كانوا يتبعونه في درب دانيال، لأنه لا شك انه علّمهم من أشعياء.
ثالثا، على الرغم من أن قليلين يعتقدون أن “النجم” الذي رأوه كان ظاهرة طبيعية -مثل اقتران زحل والمشتري -هذا لا يمكن أن يفسر كيف وقف النجم فوق بيت لحم. من الواضح أن النجم كان من أصل خارق للطبيعة. إذا كان الامر كذلك، فلا علاقة له على الارجح بالتنجيم
لذلك، لم يشترك المجوس على الارجح في مثل هذه الحماقة الخرافية. إذا كان الامر كذلك، فقد كانوا حقا رجالا حكماء. رأيت ملصقا ذات يوم كتب عليه “الحكماء ما زالوا يبحثون عنه” في الحقيقة، ذلك لَيسَ دقيقَ جداً. يقول لنا الكتاب المقدس: “لا أحد يطلب الله ولا واحدا”. ولكن اذ هو يقودنا إلى نفسه هكذا نصبح حكماء. سيكون صحيح أكثر إذا قلنا إن الحكماء ما زالوا يعبدونه
أطفال بيت لحم
كان قتل هيرودس الكبير لأطفال بيت لحم من أبشع الفظائع في تاريخ البشرية. لكن هل حدث ذلك حقاً؟ في الاصحاح الثاني من انجيل متى، نقرأ انه عندما سمع هيرودس الكبير بولادة المسيّا، “كان مضطربا -وكل اورشليم معه”. ولاحقا، عندما لم يخبره الحكماء، غضب وأمر بذبح جميع الاولاد في بيت لحم ونواحيها حتى عمر سنتين!
تتبادر إلى ذهننا ثلاثة اسئلة فيما نتأمل في هذه الحادثة القاسية: اولا، كم عدد الاطفال الذين قتلهم هيرودس فعلا؟ ثانيا، كم كان عمر يسوع عندما حدث ذلك؟ وأخيرا، لماذا لا يسجل أي مؤرخ قديم آخر هذه الجريمة؟ بعبارة أخرى، هل حدث ذلك حقا؟
كم طفلاً قتل هيرودس؟ وقد اقترح بعض العلماء ما يصل إلى 200 شخص! ولكن أغلبهم يرفضون مثل هذه الأرقام. بيت لحم كانت مجتمعا صغيرا تقريبا ضاحية من ضواحي القدس والقرية نفسها -والريف المحيط بها -لا يكاد يوجد بها أكثر من 30 رضيعا من الذكور دون سن الثانية. يضع معظم العلماء اليوم العدد بين 20 و30.
لكن هذا لو أن الأطفال فقط قتلوا وفي الواقع، يمكن ان يعني النص اليوناني في متى ٢: ١٦ ‹ اطفالا › -لا مجرد ‹ اطفال اولاد ›. ومن الناحية النفسية، ربما لم يكلف أتباع هيرودس عناء التحقق من جنس ضحاياهم. قد يصل العدد إلى 50 أو 60.
ثانيا، كم كان عمر يسوع عندما حدث ذلك؟ وفقاً لأفضل دليل زمني، لا يمكن أن يكون عمره أكثر من ثلاثة أو أربعة أشهر. من المرجح أنه ولد في شتاء الخامس أو الرابع قبل الميلاد –هيرودس توفي في أوائل ربيع الرابع قبل الميلاد. إذن لماذا قتل هيرودس جميع الأطفال حتى سن الثانية؟ الجواب عن السؤال الثالث قد يساعدكم على الاجابة عن هذا السؤال.
ثالثا، لماذا لا يُسجَّل هذا الحدث خارج الكتاب المقدس؟ على وجه التحديد، لماذا لم يذكرها يوسيفوس، المؤرخ اليهودي في القرن الاول؟
يخبرنا يوسيفوس الكثير عن هيرودس. أفضل كلمة لوصف حكمه هي “سفاح”. قتل والد زوجته المفضلة، أغرق شقيقها، وحتى قتلها هي! وأعدم واحدا من أكثر أصدقائه ثقة، حلاقه، و300 من القادة العسكريين -كل ذلك في عمل يوم واحد! ثم قتل ثلاثة من أبنائه، واشتبه فيهم بالخيانة. ويخبرنا يوسيفوس أن “هيرودس ارتكب مثل هذه الجرائم على (اليهود) كما لا يمكن حتى لوحش أن يفعل لو كان لديه القدرة على الحكم على البشر” (آثار اليهود 17:310). قتل الأطفال ليس من المستبعَد على مثل هذا الملك القاسي وقتلهم حتى عمر السنتين ليتأكد من أنه جعل الطفل يسوع في صفوف الموتى بسبب غيرته المجنونة على السلطة.
ربما حذف يوسيفوس قتل الأطفال لأحد سببين: أولا، لم يكن صديقا للمسيحية وتركها عمدا؛ أو الثاني، قبل وفاة هيرودس مباشرة حبس 3000 من مواطني الأمة البارزين وأعطى أوامر بإعدامهم في ساعة وفاته. فقد اراد ان يتأكد ان يكون نوح عند موته… وقد انشغلت اسرائيل كثيرا بذلك حتى ان قتل بعض الاطفال لم يكن ليُلاحظ.
فقد ظن هيرودس انه انتصر على ملك اليهود. لكنَّ ذلك كان مجرد رمز إلى النصر الذي ظن الشيطان انه سيحققه عندما كان يسوع ميتا على صليب روماني. لكنَّ القبر الفارغ برهن ان تلك الجمعة المظلمة هي اسوأ هزيمة للشيطان!
خاتمة
لقد بحثنا في عدة جوانب من ولادة يسوع المسيح في هذه الدراسة القصيرة. الآن، نريد أن نضع كل ذلك معا. في شتاء 5 أو 4 قبل الميلاد، غزا الله التاريخ متخذا شكل الرجل. ولد في بلدة صغيرة جنوب القدس مباشرة. حتى ان بيت لحم، التي تعني ‹ بيت الخبز ›، استحقت اسمها ليلة شتاء وحيدة. لأنه هناك وُلد في تلك البلدة خبز الحياة.
وضعت والدته الملك الرضيع في مذود -أو حوض تغذية -لأن غرفة الضيوف التي كانوا يقيمون فيها كانت مشغولة. ولم يحتفل بولادة هذا الملك في تلك الليلة سوى امه وزوجها وعدد قليل من الرعاة. كان الرعاة في الحقول المحيطة ببيت لحم يحرسون الحملان التي ستموت في الفصح القادم ظهر لهم ملاك وأعطاهم إعلان الولادة: “اليوم في مدينة داود وُلد لكم مخلص، الذي هو المسيح الرب” (لوقا 2، 11). في إيمانهم البسيط، هرعوا لرؤية ملكهم المولود حديثا.
بفترة قصيرة بعد ولادة المسيَّا، وصل مجوس من الشرق إلى اورشليم وسألوا الملك هيرودس اين سيولد ملك اليهود الحقيقي. عرف اللاهوتيون في بلاط هيرودس الكتاب المقدس جيدا – فقالوا في “بيت لحم”. ومن المفارقات انهم برغم معرفتهم للكتب المقدسة فلمو يؤمنوا بها حتى انهم لم يكلفوا أنفسهم عناء السفر خمسة أو ست كيلومترات إلى بيت لحم لرؤية المسيَّا الخاص بهم. غير ان هيرودس آمن بالكتب المقدسة ولهذا السبب أرسل فيلقا من القتلة السفاحين إلى بيت لحم لذبح الأطفال الأبرياء، على أمل تدمير منافسه على عرشه. لكنه كان متأخراً جداً المجوس كان قد جاءوا ورحلوا ويسوع الآن في أمان في مصر.
والمجوس آمنوا بالكتاب المقدس لقد سافروا مئات الأميال لعبادة هذا الطفل لقد توجهوا إلى بيت لحم من خلال ظاهرة سماوية خارقة للطبيعة -ومن خلال الكتب المقدسة. فكما يظهر، كان دانيال النبي قد علَّم اسلافهم عن المسيَّا الآتي… فَلَمَّا رَأَوْا الْوَلَدَ سَقَطُوا وَعَبَدُوهُ هذا كان الرب الله المتجسد لم يكن بوسعهم فعل شيء آخر.
وأعطوه هدايا ذهب ولبان ومر كانت هذه هدايا غير تقليدية بأى معايير. الذهب بالطبع كلنا نفهم لكن اللبان والمر كانا غريبين فربما قرأوا نبوة اشعيا التي تقول: “ستأتي امم إلى نورك، وملوك إلى قيامتك… يجلبون ذهبا ولبانا ويحملون بشارة… “(اش ٦٠: ٣، ٦) وهذا ما يفسر اللبان وليس المرّ.
اما المرّ فكان عطرا كاللبان. ولكن على عكس اللبان، تفوح رائحة المرّ من الموت. في العالم القديم، كان يستخدم للتحنيط، وربما يسوع نفسه تم تحنيطه بهذا العطر (يو 19 :39)
إذا كان المجوس يفكرون في موت يسوع عندما جلبوا المرّ، فلا شك أنهم عرفوا ذلك من نبوة دانيال (9:24-27). في الفصل التاسع من دانيال نقرأ أن ‘المسيح سيقطع’ وهذا ‘سيكفِّر عن الظلم’ وفي النهاية ‘يجلب البر الأبدي’ (9، 26، 24) حتى عند ولادة مخلصنا، كان ظل الصليب يسقط على وجهه.
لم يصدق اللاهوتيون في بلاط هيرودس الاسفار المقدسة. لقد كانوا حمقى آمن هيرودس لكنه رفض الاطاعة كان رجلا مجنوناً الرعاة البسطاء والمجوس المهابون آمنوا بهذا المخلص الرضيع عسى ان نلحق بركابهم.
إن السيد المسيح هو ملك الملوك، ورب الأرباب. وقد أراد بميلاده في بيت لحم أن يعلمنا الاتضاع، وأن الكرامة الحقيقية تنبع من الداخل وليس من المظاهر الخارجية. فالحب مجد، والكراهية عار. فليس المجد في الملابس الثمينة الغالية الثمن أو الذهب. فالإنسان الأصيل هو الذي معدنه مثل الذهب، هذا هو الإنسان الذي له المجد الداخلي. وهذا هو أول درس يعلمه لنا السيد المسيح من ميلاده في حظيرة للأغنام. وهناك دروس أخرى هامة من الممكن أن نتعلمها من قصة الميلاد.
هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم
لقد ولد السيد المسيح في وسط الأغنام لأنه هو حمل الله، وكما قال يوحنا المعمدان “هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو1: 29). فكان من الطبيعي أن الخروف الذي سيحمل خطية العالم، والذي سيذبح من أجل خلاصنا؛ أن يولد في وسط الأغنام أو الخرفان. وبالأخص في مدينة بيت لحم حيث المراعى الكثيرة.
فبيت لحم كانت تُربَى فيها الأغنام حيث المراعى الكثيرة. كما أنها كانت قريبة من أورشليم. وأيضاً يوجد بها هيكل سليمان الذي كانت تقدم فيه ذبائح لغفران خطايا الشعب في العهد القديم. وهذا الغفران كان رمزاً للغفران الحقيقي الذي تم بذبيحة الصليب، وذلك عندما سفك المسيح دمه على الصليب، ومات من أجل خطايانا، ثم قام من الأموات، وصعد إلى السموات. فكان من الطبيعي أن الحمل يولد في وسط الحملان. وهذه نبوة واضحة جداً عن أنه حمل الله الذي يحمل خطية العالم كله.
معنى الفداء
أمر الله إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده إسحق، فأخذ إبراهيم ابنه إسحق وربطه، ووضعه على الحطب حتى يذبحه، فمنعه الله وأرسل إليه خروفاً، فأخذه إبراهيم وذبحه عوضاً عن إسحق حسب أمر الرب. أي أنه قد فدى إسحق بهذا الخروف، وهذا هو معنى الفداء.
إن السيد المسيح قد جاء لكي يقدم نفسه فدية أو ذبيحة من أجلنا. وكان الدافع لهذه التضحية هو محبته لنا. وذلك لكي يوفى الدين الذي علينا بسبب الخطية. فبميلاد السيد المسيح في وسط الحملان، أراد أن يوضح لنا من أول لحظة لميلاده في العالم، أنه لم يأتِ لكي يتنعم بالحياة على الأرض، بل لكي يقدم نفسه ذبيحة. ففي الميلاد نرى الصليب بطريقة رمزية واضحة في الأحداث المحيطة بالميلاد.
الرب راعيّ فلا يعوزني شيء
إن السيد المسيح هو الراعي، وهو الحمل أيضاً. فمن الطبيعي أن يكون الراعي في وسط الأغنام. لأنه إن لم يولد في وسط الغنم فمن الذي سوف يرعاهم؟!! إن وجوده في وسط الحملان أو الغنم؛ يعلن أنه هو الراعي الحقيقي، وكما يقول المزمور “الرب يرعاني فلا يعوزني شيء. في مراع خضر يربضني، على مياه الراحة يوردني، يرد نفسي، يهديني إلى سُبُل البر من أجل اسمه” (مز22: 1-3).
فمن الذين بشرهم الملاك بميلاد السيد المسيح في ليلة ميلاده؟ إن المجوس قد أتوا بعد فترة عندما ظهر لهم النجم في المشرق، وأتوا وقدموا هداياهم. فمن الذين احتفلوا بميلاد السيد المسيح في ليلة ميلاده؟!! إلى جوار السيدة العذراء القديسة مريم والدة الإله، وخطيبها القديس يوسف النجار الذي كلفه الله برعاية السيدة العذراء والطفل المولود، وطبعاً لم يكن متزوجاً من العذراء بمعنى الزواج الجسدي؛ لكنه كان حارساً وخادماً للطفل المولود لكي يؤدى رسالته، وإلى أن يكبر هذا الطفل وتبدأ فيما بعد خدمته من أجل خلاص العالم.
بشارة الملاك للرعاة
“وكان في تلك الكورة رعاة متبدين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم. وإذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب أضاء حولهم، فخافوا خوفاً عظيماً. فقال لهم الملاك: لا تخافوا؛ فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب. إنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب. وهذه لكم العلامة تجدون طفلاً مقمطاً مضجعاً في مذود. وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين. المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة” (لو2: 8-14).
فالذين بُشروا بميلاد السيد المسيح، ونظروا هذه المناظر السماوية العظيمة، وسمعوا البشارة المفرحة بميلاد المخلص؛ هم الرعاة الذين يرعون الغنم. لأن هؤلاء هم زملاء السيد المسيحراعى الخراف العظيم وراعى الرعاة ومن الطبيعي أن يحتفل السيد المسيح بميلاده في وسط زملائه.
أنا هو الراعي الصالح
لقد ولد السيد المسيح في وسط الأغنام. لأنه هو الراعي. والذين أتوا لكي يباركوا لولادته هم زملاؤه الرعاة. فمسألة أن السيد المسيح هو الراعي مسألة خطيرة جداً، وهامة جداً. لأنه هو نفسه قال “أنا هو الراعي الصالح. والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف” (يو10: 11). وأيضاً قال “لهذا يحبني الآب لأني أضع نفسى لآخذها أيضاً” (يو10: 17).
وقد كرر السيد المسيح أنه هو الراعي الصالح، وأكد أنه قد أتى لكي يقدم الرعاية الحقيقية باعتباره أنه هو الله الظاهر في الجسد. وهو الله الراعي الحقيقي. كما قال داود النبي “الرب يرعاني فلا يعوزني شئ” (مز22: 1). فكان لابد أن السيد المسيح يكون هو الراعي. لأن الرعاة الذين هم كهنة إسرائيل كانوا قد أهملوا الرعاية. فكان لابد أن يأتي رئيس كهنة جديد يكون هو الراعي.
إن رعاة إسرائيل هم الذين صلبوا السيد المسيح. لذلك تغير الكهنوت من كهنوت العهد القديم الهاروني إلى كهنوت العهد الجديد على رتبة ملكي صادق. أي كهنوت السيد المسيح الذي يقدم فيه جسده ودمه في العهد الجديد بعد إتمام الفداء. خبز وخمر حاضر على المذبح، نتناول منه من أجل غفران خطايانا، ونيل الحياة الأبدية. فالسيد المسيح هو نفسه الذي أسس سر العشاء الرباني في ليلة صلبه، وأعطاه لتلاميذه وقال “اصنعوا هذا لذكرى” (لو22: 19) أي تذكاراً حياً معاشاً لموته على الصليب وقيامته من بين الأموات.
لماذا اختار الملاك الرعاة؟
إن هناك فرق بين راعٍ ساهرٍ على حراسة الرعية؛ وبين راعٍ يبدد الرعية. وهنا نسأل ما هو السبب في اختيار الملاك لهؤلاء الرعاة إلى جوار أنهم كانوا ساهرين؟السبب إن هؤلاء الرعاة كانوا يبحثون عن الخلاص. والدليل على ذلك؛ أنه عند ذهاب السيدة العذراء مريم إلى الهيكل لكي تقدم السيد المسيح بعد أربعين يوماً من ميلاده، وقفت حنّة النبية بنت فنوئيل، وتكلمت عن المسيح مع جميع المنتظرين فداءً في أورشليم.
أي أن روح الله قد أعلن لها أن هذا هو المخلص.. بمجرد دخول السيد المسيح الهيكل، تكلم روح الله على فم حنّة النبية، وبدأت تتحدث عن أنه هو خلاص إسرائيل، وخلاص العالم “وكانت نبية حنّة بنت فنوئيل من سبط أشير.. فهي في تلك الساعة وقفت تسبح الرب وتكلمت عنه مع جميع المنتظرين فداءً في أورشليم” (لو2: 36-38).
إن الروح القدس كان يحرك بعض الأشخاص في وقت ميلاد السيد المسيح، فكما بشر الملاك العذراء مريم والروح القدس حل عليها، كذلك امتلأت أليصابات من الروح القدس وقالت للسيدة العذراء “مباركة أنت في النساء ومباركة هي ثمرة بطنك. فمن أين لي هذا أن تأتى أم ربى إلىَّ” (لو1: 42- 43).
وكذلك امتلأ زكريا من الروح القدس عند ميلاد يوحنا المعمدان، وفتح فمه وقال “مبارك الرب إله إسرائيل لأنه افتقد وصنع فداءً لشعبه. وأقام لنا قرن خلاص في بيت داود فتاه” (لو1: 68- 69). فالروح القدس كان يعمل في أشخاص كثيرين وقت أحداث الميلاد، قبله وخلاله وبعده.
إن حدث ميلاد السيد المسيح، ومجيئه إلى العالم، هو بداية تحقيق وعد الله لخلاص البشرية. فقال زكريا أبو يوحنا المعمدان “مبارك الرب إله إسرائيل لأنه افتقد وصنع فداء لشعبه” (لو1: 68) لأن الله قد تذكر وعده المقدس، لذلك فإن كلمة زكريا تعنى “الله تذكّر”، واسم يوحنا يعنى “الله تحنن” واسم يسوع يعنى “الله يخلص”. أي أن الله قد تذكّر.. الله قد تحنن.. الله قد خلّص. فعندما قال زكريا “مبارك الرب إله إسرائيل لأنه افتقد وصنع فداء لشعبه” (لو1: 68). أكمل وقال “ليصنع رحمة مع آبائنا ويذكر عهده المقدس” (لو1: 72).
إن الله لم ينس وعده، لكنه كان ينتظر الوقت المناسب. وذلك بعد أن يكون قد أعد كل شئ. وقد كُتبت نبوات كثيرة في الكتب المقدسة تمهد لمجيء المخلّص، ورموز كثيرة. لأن تجسد كلمة الله، أو ظهور الله الكلمة في الجسد، لم يكن شيئاً بسيطاً لكي يقدر الإنسان أن يفهمه، أو أن يستوعبه. فكان لابد أن يمهد الله برموز وأحداث كثيرة. كما أنه كما ينبغي أن ينتظر حتى يجد الإنسانة المباركة جداً التي تستحق أن تكون والدة الإله وهي القديسة العذراء مريم. ولأسباب كثيرة انتظرت البشرية عدة آلاف من السنين حتى أتم الله وعده.
يقول الكتاب “القسم الذي حلف لإبراهيم أبينا” (لو1: 73).
فالقسم قد أعطاه الله لإبراهيم؛ فكان لابد أن ينتظر حتى يأتي إبراهيم، وعندما أتى إبراهيم. كان قد مر عدة آلاف من السنين. فهذا يوضح أنه كان لابد من حدوث بعض المراحل لكي عندما يتم الخلاص، يكون إتمام الخلاص هو تحقيق لوعود قالها الله، ونبوات كتبها الأنبياء القديسون، وسجلوها في كتب العهد القديم.
إن الروح القدس كان يعمل في شخصيات كثيرة. ومن بين هذه الشخصيات الرعاة الساهرون على حراسة رعيتهم. ولكن ليس فقط لأنهم كانوا ساهرين، ولكن يوجد أسباب أخرى.. فزكريا أبو يوحنا المعمدان عندما تكلم عن ما ذكرته الكتب المقدسة قال “كما تكلم بفم أنبيائه القديسين الذين هم منذ الدهر. خلاص من أعدائنا ومن أيدى جميع مبغضينا. ليصنع رحمة مع آبائنا ويذكر عهده المقدس. القسم الذي حلف لإبراهيم أبينا” (لو1: 70-73). أي أنه كان شخصاً يعيش ويدرس نبوات الأنبياء التي تتحدث عن مجيء المخلّص.
وأيضاً الأرملة القديسة التي عاشت في الهيكل أربع وثمانين سنة، وذلك بعد ترملها بسبعة سنين من زواجها. فهذه الأرملة كانت خلال هذه الأربع والثمانين سنة لا تفارق الهيكل. وكما يقول الكتاب “وهي أرملة نحو أربع وثمانين سنة لا تفارق الهيكل عابدة بأصوام وطلبات ليلاً ونهاراً” (لو2: 37).
فقد ظلت أربع وثمانين سنة لا تفارق الهيكل. وذلك في المكان المخصص للنساء، وليس في الأماكن الخاصة بالكهنة. وقد كانت أثناء هذه السنين تدرس، وتستمع إلى الصلوات اليومية، والقراءات المقدسة، وتقرأ في الأسفار المقدسة. أي أنها كانت متفرغة للعبادة أربع وثمانين سنة. لذلك عمل الروح القدس في داخلها، في نفس الوقت الذي كانت تعيش فيه كل هذه المعاني التي تتكلم عن مجيء المخلص، وميلاد السيد المسيح.
إن الحدث الذي رأته بعينها قد عاشته بقلبها. أي إنها قد رأته بعينى قلبها قبل أن تراه بعينيها الطبيعية. فتقابل الإحساس الذي عاشته في داخلها مع المنظر الذي رأته بعينيها. وعندما يتقابل شيئان يسرى التيار. مثلما يحدث عند غلق الدائرة الكهربية يصير من الممكن أن يسرى التيار. فالروح هو الذي تكلم على لسانها بدون أن يعلمها أحد.
الرعاة كانوا ينتظرون الخلاص
إن هؤلاء الرعاة كانوا ينقادون بالروح القدس، فما الذي كان من الممكن أن يتحدثوا فيه أثناء سهرهم ليلاً؟ من المؤكد أنهم كانوا يتحدثون في النبوات وفى الأسفار المقدسة. فمثلاً من الممكن أن يقولوا إنهم يرعون الأغنام التي تقدم منها ذبائح كثيرة في الهيكل، وهذه الذبائح ترمز إلى الخلاص الذي وعد به الله. لكن متى سيأتي المخلص؟!
يقول الكتاب إن حنّة بنت فنوئيل تكلمت عنه مع جميع المنتظرين فداءً في أورشليم. إن الله يعلن لمن ينتظره، ولكن الذي لا يهمه لماذا يعلن له؟!! فهؤلاء الرعاة كانوا ينتظرون مجيء المخلّص لذلك يقول الكتاب “وكان في تلك الكورة رعاة متبدين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم” (لو2: 8). وبالأخص أنهم كانوا في بيت لحم اليهودية مدينة داود، ومن المعروف أن المسيح هو من نسل داود حسب الجسد، لذلك فهؤلاء الناس كانت المزامير هي تسليتهم.
إن التسبحة التي نقولها في كل ليلة في الكنيسة مليئة في أجزاء كثيرة بالمزامير والتسابيح والنبوات التي تتحدث عن الخلاص، وعن عمل الله في حياة البشر. والتسبحة نفسها غير المزامير بها أجزاء من الأسفار المقدسة. فمثلاً الهوس الأول تسبحة موسى النبي وأخته مريم النبية مع شعب إسرائيل عند عبور البحر الأحمر. وقد كانت رمزاً للخلاص، ورمزاً للمعمودية.
إن الرعاة بكل تأكيد كانوا يسبحون، لذلك عندما كانت هناك تسبحة على الأرض، كان هناك تسبيحاً في السماء فيقول الكتاب “وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين: المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة” (لو2: 13-14).
إن كلمة “بالناس المسرة” معناها باللغة اليونانية “المسرة في قلوب الناس الصالحين”. فالملائكة فرحوا بما حدث في قلب الرعاة عندما سمعوا بشرى الخلاص. والمسيح هو رئيس السلام، وهو صانع السلام. لأنه هو الذي سيصالح الله مع البشر، ويصالح الإنسان مع أخيه الإنسان، ويصالح الإنسان مع نفسه. وكذلك هو الذي قال “طوبى لصانعى السلام لأنهم أبناء الله يدعون” (مت5: 9).
إن الرعاة كانوا يسبحون ويتأملون ويصلون، لذلك ظهر لهم الملائكة. فمن يريد أن يحيا مع الملائكة حياة الصداقة والعشرة الحقيقية، يجب أن تمتلئ حياته بالصلاة، والتسبيح، والتأمل في الأسفار المقدسة.
يقول سفر أشعياء “ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه” (أش53: 7). ولذلك نقول في القداس الغريغوري [أتيت إلى الذبح مثل حمل حتى إلى الصليب] ويقول الكتاب أيضاً “أما الرب فسُرَّ بأن يسحقه بالحزن ان جعل نفسه ذبيحة إثم يرى نسلاً تطول أيامه ومسرة الرب بيده تنجح” (أش53: 10). وأيضاً “حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين” (أش53: 12).. “وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا” (أش53: 5). فالرعاة كانوا قد قرأوا هذا الكلام ويرددونه. وكانوا يسألون الرب متى سيرسل الحمل الحقيقي الذي يحمل خطايا العالم كله؟
أهمية السهر الروحي
إن هذه القلوب الساهرة المنتظرة المترقبة عمل الله؛ هي التي سيرسل الله إليها ملائكته. فالله لم يرسل ملائكته إلى الأشخاص المترفهين أو المتنعمين. بل أرسل إلى أناس يجلسون في العراء، وهم ساهرين على رعاية أغنامهم. وهذه هي أهمية السهر في الحياة الروحية، وأهمية السهر في الصلاة، وأهمية السهر في الكنيسة والتسبيح.
إن هؤلاء كانوا رعاة للأغنام. والله كان يريد أن يرى رعاة للشعب. ويرى رعاية حقيقية. فيقول بفم نبيه حزقيال “يا ابن آدم تنبأ على رعاة إسرائيل، تنبأ وقل لهم هكذا قال السيد الرب للرعاة: ويل لرعاة إسرائيل الذين كانوا يرعون أنفسهم. ألا يرعى الرعاة الغنم؟! تأكلون الشحم وتلبسون الصوف وتذبحون السمين ولا ترعون الغنم.
المريض لم تقووه والمجروح لم تعصبوه والمكسور لم تجبروه والمطرود لم تستردوه والضال لم تطلبوه بل بشدة وبعنف تسلطتم عليهم. فتشتتت بلا راعٍ وصارت مأكلاً لجميع وحوش الحقل وتشتتت. ضلّت غنمى في كل الجبال وعلى كل تلٍ عالٍ وعلى كل وجه الأرض تشتتت غنمى ولم يكن من يسأل أو يفتش” (حز34: 2-6). فالله كان حزيناً أن رعاة بنى إسرائيل كانوا قد أهملوا الغنم، وأهملوا الرعاية، وبحثوا عن ملذاتهم الشخصية، وظلموا الخراف. لذلك قال بطرس الرسول للرعاة “ولا كمن يسود على الأنصبة بل صائرين أمثلة للرعية” (1بط5: 3).
أنا أرعى غنمي وأربضها يقول السيد الرب
يقول الرب للرعاة “هكذا قال السيد الرب هأنذا على الرعاة وأطلب غنمي من يدهم وأكفهم عن رعى الغنم ولا يرعى الرعاة أنفسهم بعد فأخلص غنمي من أفواههم فلا تكون لهم مأكلاً. لأنه هكذا قال السيد الرب هأنذا أسأل عن غنمي وأفتقدها. كما يفتقد الراعي قطيعه يوم يكون في وسط غنمه المشتتة هكذا أفتقد غنمي وأخلصها من جميع الأماكن التي تشتتت إليها في يوم الغيم والضباب.. أنا أرعى غنمى وأربضها يقول السيد الرب” (حز34: 10-15).
إذن الرب هو الراعي الحقيقي وقال السيد المسيح “أنا هو الراعي الصالح والراعى الصالح يبذل نفسه عن الخراف” (يو10: 11). فقد جاء السيد المسيح لكي يشفى الجراح، ويقيم البشرية من سقطتها. ويعيد آدم إلى الفردوس مرة أخرى. ولكن ذلك لمن يقبل محبته، ويقبل خلاصه. كما هو مكتوب “وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه” (يو1: 12).
وهنا يظهر العلاقة الوثيقة بين ليلة ميلاد السيد المسيح، وبين إعلان الرب عن نفسه أنا هو الراعي. وذلك سواء في العهد القديم عندما قال “أنا أرعى غنمي وأربضها يقول السيد الرب” (حز34: 15)، أو كلام السيد المسيح عندما بدأ خدمته الخلاصية وعندما بدأ يتكلم عن نفسه باعتباره أنه هو الراعي الصالح وقال “وأنا أضع نفسي عن الخراف” (يو10: 15).
الأدلة أن الرعاة كانوا مرشدين من الروح القدس
ومن الأدلة أن هؤلاء الرعاة كانوا مرشدين من الروح القدس؛ إنهم استجابوا لإعلان الملاك عندما قال “لا تخافوا فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب، أنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب” (لو2: 10-11). أي أن الذي تنتظرونه قد حدث فاذهبوا وانظروا بأنفسكم “وهذه لكم العلامة تجدون طفلاً مقمطاً مضجعاً في مذود” (لو2: 12).
فهل من الممكن أن يوضع طفل في مذود للغنم؟!! إن المذود هو المكان الذي يوضع فيه أكل الأغنام. فلماذا يوضع الطفل في المذود؟!! لقد وضع في المذود لأنه لم تجد العذراء مريم مكان في البيت. فعندما ذهبت مع يوسف إلى بيت لحم لكي تكتتب يقول الكتاب “وبينما هما هناك تمت أيامها لتلد. فولدت ابنها البكر وقمطته وأضجعته في المذود إذ لم يكن لهما موضع في المنزل” (لو2: 6-7).
إن الله لم يجد له مكاناً في قلوب البشر، فولد في وسط الأغنام لكي يقول للبشر أنتم الذين رفضتمونى في حياتكم من الممكن أن الحيوانات تكون أكثر قبولاً لي إذا جلست في وسطهم. لكن أنا قد جئت لتحويل حياتكم من حيوانات إلى بشر لأن الإنسان قد خلق على صورة الله، فأنا أريد أن أحول هذه الحظيرة إلى كنيسة في العهد الجديد.
وبالفعل فإن كنيسة بيت لحم قد بُنيت في مكان المذود الذي ولد فيه السيد المسيح وأصبحت كنيسة عظيمة ضخمة في بيت لحم اسمها كنيسة المهد. فلم تعد حظيرة للخراف غير الناطقة لكن أصبحت حظيرة للخراف الناطقة أي البشر من شعب الله.
“ولما مضت عنهم الملائكة إلى السماء قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض لنذهب الآن إلى بيت لحم وننظر هذا الأمر الواقع الذي أعلمنا به الرب. فجاءوا مسرعين ووجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعاً في المذود” (لو2: 15-16).
فكيف عرف الرعاة في أي حظيرة وُلد السيد المسيح؟!! إن بيت لحم كلها هي مدينة الأغنام، فقد كان كل عمل داود هو رعاية الغنم فكيف عرفوا أين هي الحظيرة إن كان لم يظهر لهم نجم، أو ذهب معهم ملاك؟!!
إن المجوس قد احتاجوا للنجم لكي يرشدهم إلى مكان وجود الطفل يسوع، وكان ذلك بعد فترة من ميلاد السيد المسيح، بدليل أن هيرودس عندما حسب المدة وتحقق زمان النجم الذي ظهر حسب المدة من ساعة ظهور النجم حتى ذهاب المجوس فوجد هذه المدة حوالي سنتين فأرسل وذبح كل الأطفال من سن سنتين فما دون. فالمجوس لم يأتوا في ليلة ميلاد السيد المسيح. ولكن في بعض صور الميلاد يضعوا المجوس بها.
لكن هذا ليس أكثر من تجميع لأحداث الميلاد في صورة واحدة، وفى بعض الأحيان يقوم البعض بعمل مذود به تماثيل في ليلة عيد الميلاد وذلك من أجل فرحة الأطفال الصغار، ولكن يجب أن يوضع هذا المذود خارج الكنيسة لأن الكنيسة القبطية لا يجب أن يدخلها أي تماثيل بل أيقونات فقط بما في ذلك مغارة الميلاد التي تُعمل من أجل الأطفال.
ولكن الرعاة ذهبوا في نفس ليلة ميلاده، فكيف عرفوا مكان الحظيرة؟!! لقد عرفوا لأن الروح القدس كان يرشدهم “فجاءوا مسرعين ووجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعاً في المذود. فلما رأوه أخبروا بالكلام الذي قيل لهم عن هذا الصبي” (لو2: 16-17).
ولي خراف أخر ليست من هذه الحظيرة
وكما أعلن الله عن ميلاد ابنه الوحيد للرعاة الذين يمثلون الشخصيات التي كان من الممكن أن يتعامل معها الله نظراً لأمانتهم في وسط شعب إسرائيل المنتظر الخلاص. أيضاً بدأ الله يتعامل مع الأمم، إذ قال السيد المسيح “ولى خراف أخر ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتى بتلك أيضاً فتسمع صوتي وتكون رعية واحدة وراعٍ واحد” (يو10: 16).
فهنا يتكلم عن نفسه أنه هو الراعي الصالح. والمقصود هنا بالخراف الأُخر الأمم وليس اليهود، ولا نسل يعقوب أبو الأسباط الأثنى عشر، ولا نسل اسحق، ولا نسل إبراهيم، لكن الأمم. وكما قال سمعان الشيخ “نور إعلان للأمم ومجداً لشعبك إسرائيل” (لو2: 32).
فليس الخلاص الذي أتى الله لكي يعلنه مسألة تخص شعب إسرائيل فقط. وإن كان قد قال “لأن الخلاص هو من اليهود” (يو4: 22) لكن المقصود في هذه العبارة الأخيرة أن الله كان قد وعد إبراهيم أن بنسله تتبارك جميع قبائل الأرض. فالسيد المسيح من نسل إبراهيم. لكن البركة لجميع قبائل الأرض. وفى سفر أشعياء “أنا الرب قد دعوتك بالبر فأمسك بيدك وأحفظك وأجعلك عهداً للشعب ونوراً للأمم. لتفتح عيون العمى لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة” (أش42: 6-7).
نوراً تجلى للأمم
إن السيد المسيح في نظر الآب هو الابن الوحيد الذي سُرّت به نفسه وكما يقول الكتاب “هوذا فتاى الذي اخترته حبيبي الذي سُرّت به نفسي. أضع روحي عليه فيخبر الأمم بالحق” (مت12: 18). وأيضاً في سفر الأعمال قال “ولتُجرَ آيات وعجائب باسم فتاك القدوس يسوع” (أع4: 30).
فكلمة “نوراً للأمم” تعنى أن الخلاص ليس لشعب إسرائيل فقط، وإن كان الله قد ذكر هذا الكلام في العهد القديم. وكان اليهود يعتبرون أنفسهم أنهم شعب الله الخاص. والله نفسه كان يتحدث إليهم باعتبارهم شعبه الخاص. ويقول الكتاب “والآن هكذا يقول الرب خالقك يا يعقوب وجابلك يا إسرائيل لا تخف لأني فديتك، دعوتك باسمك، أنت لي. إذا اجتزت في المياه فأنا معك، وفى الأنهار فلا تغمرك. إذا مشيت في النار فلا تلذع واللهيب لا يحرقك. لأني أنا الرب إلهك قدوس إسرائيل مخلصك” (أش43: 1-3).
فكان الكلام موجهاً لإسرائيل. لكن في خلال كلامه في الإصحاح السابق بنفس السفر يقول “نوراً للأمم”. وكذلك عند حمل سمعان الشيخ السيد المسيح قال “نوراً تجلى للأمم ومجداً لشعبك إسرائيل” (لو2: 32). فمن الواضح أن الله له قصد في أن يدعو الأمم إلى ميراث الحياة الأبدية، وإلى أن يكونوا رعية مع شعب إسرائيل الذي يقبل ويؤمن بمسيحه. فتكون رعية واحدة لراعٍ واحد.
تعامل الله مع الأمم
لقد بدأ الله يتعامل مع الأمم في وقت ميلاد السيد المسيح بطريقة لطيفة جداً. فقد كان يوجد أشخاص حكماء في بلاد المشرق أي ناحية فارس، ويسمون المجوس. وهم حكماء المملكة. وكان عملهم رؤية الأفلاك، وحساب الأزمنة.. وكان بعضهم يعمل في التنجيم. فعندما أُخذ شعب إسرائيل إلى السبي من مملكة بابل، وأصبحوا تحت حكم مملكة فارس، كان دانيال النبي موجوداً في البلاد في ذلك الوقت.
وقد اختاره الملك لأنه وجد فيه “روح الآلهة القدوسين” على حسب قوله، والمقصود روح الله. وعيَّنه كبيراً للمجوس أي كبيراً للحكماء. وفى هذه الأيام كتب دانيال النبي السفر وبه نبوات كثيرة عن السيد المسيح. مثل النبوة التي قال فيها “سبعون أسبوعاً قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الإثم وليؤتى بالبر الأبدي ولختم الرؤيا والنبوة ولمسح قدوس القدوسين” (دا9: 24).
المجوس يترقبون مجيء المخلص
إن النبوات التي في سفر دانيال كانت تتكلم عن ميعاد ميلاد السيد المسيح. فيقول سبعون أسبوعاً أي 490 سنة ونطرح منها أسبوع فيكون 483 سنة والسيد المسيح كان يجب أن يبدأ خدمته الكهنوتية وعمره 30 سنه وذلك حسب الشريعة، وبهذه الطريقة يمكن حساب ميعاد ميلاد السيد المسيح. والمجوس حسب النبوات كانوا يترقبون ظهور علامة لهم. لذلك ظهر لهم ملاك في صورة نجم. أي كائن سماوي كان يتحرك وغير ثابت. فإن كان هذا نجماً عادياً في السماء، سيكون بعيداً جداً وكان غير ممكن أن يحدد المكان بالتحديد.
ولكن هذا النجم جاء ونزل فوق حيث كان الصبي. لقد كان هذا ملاكاً وليس نجماً عادياً. ولكن لأنهم يرصدون حركة النجوم، فقد رأوا هذا النجم أنه نجم غريب. ورأوا علامات مميزة ففهموا أنه نجم لملك عظيم، أو أنه ملك كبير في الأرض. وبالنسبة للنبوة التي كانت عندهم في سفر دانيال. فإن دانيال النبي كان كبيراً للمجوس. أي أن المجوس كانوا تلاميذاً له ومع تسلسل الأجيال. وعندما رأوا المنظر بدأوا يفهمون.
إن الروح القدس كان لا يعمل في المجوس بنفس الصورة التي كان يعمل بها مع الرعاة ولكن ليس معنى هذا أنه لا يعمل نهائياً. ولكنه كان يتدرج معهم وذلك من خلال الأمور التي كانوا يستطيعون فهمها. فبالنسبة لهم كان سفر دانيال مثل أسفار الحكمة، أي أحكم الحكماء. فعندما نتذكر قصة نبوخذ نصر الملك عندما أخبره دانيال النبي بالحلم، وفسّر له الحلم وعيّنه كبيراً للمجوس فكل هذه الأمور تجعلهم يثقون في نبوات دانيال النبي.
إن الله كان يتعامل مع المجوس على حسب تفكيرهم. لذلك ظهر لهم الملاك على هيئة نجم وعندما قادهم إلى بلاد اليهودية، ذهبوا إلى العاصمة أورشليم وإذا النجم قد اختفى. وهنا بدأوا يسألون الناس، وذهبوا إلى هيرودس الملك يسألون أين هو المولود ملك اليهود فإننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له.
وبدأ هيرودس الملك يضطرب وأرسل لإحضار رؤساء الكهنة ليسألهم أين يولد المسيح “فقالوا له في بيت لحم اليهودية لأنه هكذا مكتوب بالنبي وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل” (مت2: 5-6).
واضطرب هيرودس وقرر أن يقتل هذا الطفل المولود الذي سوف يأخذ الملك منه وذلك حسب نظرته للعالم. ولكن السيد المسيح قال “مملكتي ليست من هذا العالم” (يو18: 36). فعندما خرج المجوس من عند الملك ظهر لهم النجم مرة أخرى. وهنا بدأ الإعلان السماوي يرجع إلى قيادتهم مرة أخرى.
وعندما وصلوا إلى البيت نزل النجم الذي كان يقودهم ثم اقترب من البيت. فعرفوا أن المولود هو ملك اليهود أو ملك ملوك الأرض أو ملك الملوك ورب الأرباب في السموات وما على الأرض حسب تفسير حلم الملك نبوخذ نصر الذي فسّره له دانيال النبي وكتبه في السفر المعروف باسمه.
الروح القدس يرشد المجوس إلى أنواع الهدايا
عندما بدأ المجوس يستعدون لرحلتهم اختاروا بعض الهدايا لكي يقدموها للملك المولود فاختاروا ثلاث هدايا وهي: ذهب ولبان ومر. فالمر له مذاق مر، ولكن رائحته عطرية. واعتبروا أن هذه أنواع من الهدايا التي أحياناً تقدم لبعض الناس في بعض المناسبات. ولكن بالنسبة للسيد المسيح كان لها مدلول عقائدي، ومدلول لاهوتي، ومدلول روحي، ومدلول نبوي.
فمن الواضح أن الروح القدس هو الذي أرشد المجوس إلى اختيار هذه الهدايا. ونلاحظ في صورة الميلاد أنها تكون بها ثلاثة من المجوس فقط. لكن من الممكن أن يكونوا أكثر من ثلاثة أشخاص لأن الكتاب لم يذكر أنهم ثلاثة مجوس. ولكن الهدايا فقط هي التي ثلاثة. فهم مجموعة من الحكماء أتت من بلاد فارس من رحلة طويلة. ولكن الذين قدموا الهدايا هم ثلاثة أشخاص.
لماذا ثلاث هدايا؟
إن اختيار عدد الهدايا ثلاثة هي إشارة إلى أن هذا المولود واحد من الأقانيم الثلاثة التي لإله واحد في الجوهر مثلث الأقانيم. فعدد الهدايا رمز وإشارة إلى السيد المسيح، ونوع الهدايا ذهب يرمز إلى أن السيد المسيح هو ملك، واللبان يرمز إلى إن السيد المسيح هو كاهن، والمر يرمز إلى أن السيد المسيح سوف يتألم من أجل خلاص العالم.
فهو ملك وكاهن ونبي ولكن ليس نبي مثل باقي الأنبياء الذين سبقوه. ولكن هو رب الأنبياء. فهو ظهر في الهيئة كإنسان، ولكن في نفس الوقت هو ملك الملوك ورب الأرباب فإذا تكلمنا عنه كملك فهو ليس ملكاً عادياً. ولكنه ملك الملوك ورب الأرباب. وإذا قيل عنه نشيد فلا يقال نشيد عادى، بل يقال نشيد الأناشيد. وإذا كان هو كاهن فهو رئيس الكهنة الأعظم. الذي كهنوته كهنوت أبدى لا يزول.
وإذا كنا نتكلم عنه كنبى فهو ليس مجرد نبى عادى. فمثلاً تنبأ عن موته, وعن خراب أورشليم، وعن قيامته في اليوم الثالث. وقد تحققت كل هذه النبوات في حينها. وتنبأ أيضاً عن نهاية العالم. وسيتم ذلك لأن السيد المسيح هو الذي تنبأ بها.
وأهم نبوة قيلت “ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يسلم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت ويسلمونه إلى الأمم. فيهزأون به ويجلدونه ويتفلون عليه ويقتلونه وفى اليوم الثالث يقوم” (مر10: 33-34).
وكانت هذه هي أهم نبوة قالها السيد المسيح. وهذه النبوة كانت عن آلامه لذلك ارتبط المر بمعنى النبوة عند السيد المسيح أي أن المر إشارة إلى أنه نبى. أو أنه قد تنبأ عن موته وعن آلامه الخلاصية. فاللبان يرمز إلى الكهنوت لأن الكاهن يقدم ذبيحة البخور. وحتى عند الوثنيين فهم يبخرون للأوثان.
لذلك فإن مسألة التبخير وارتباطها بالكهنوت، مسألة معروفة من العهد القديم عند شعوب كثيرة. ولكن عندنا نحن لها مدلول روحى خاص. بل إن السيد المسيح نفسه كان رائحة بخور عطرة ونقول عنه أيضاً }هذا الذي أصعد ذاته ذبيحة مقبولة عن خلاص جنسنا فاشتمه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجثة{ (لحن “فى إيتاف إنف vaietafenf” الذي يقال يوم الجمعة العظيمة ويقال بلحن آخر في تسبحة يوم الأحد).
فالسيد المسيح أصعد ذاته رائحة رضا وسرور لله الآب في طاعة كاملة. وفى سيرته العطرة كرئيس كهنة قدم الذبيحة المقبولة التي قبلها الآب السماوى، وبها كفَّر عن كل خطايا البشرية لكل الذين يؤمنون باسمه ويؤمنون بخلاصه ويقبلون أن يتشبهوا بموته وقيامته عندما يدفنون في المعمودية مع المسيح ويقومون فيها أيضاً معه.
إن السيد المسيح عندما يتكلم من حيث إنه قد تنبأ فلابد أن نتذكر أنه ليس مجرد نبى، ولكنه الله الكلمة المتجسد، وهو ابن الله الوحيد. لكن من الطبيعي إذ ظهر في الهيئة كإنسان أن يقول بعض الأمور التي تنبأ بها. وحينما تحدث نتأكد أنه كان يتكلم كلام الله. وليس مجرد كلاماً عادياً مثل أي إنسان عادى. فقد كانت نبوته عن موته على الصليب وقيامته من بين الأموات شيئاً هاماً جداً بالنسبة للكنيسة لهذا فحينما ظهر السيد المسيح بعد القيامة قال لتلاميذه “أما كان ينبغي أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده” (لو24: 26).
كيف تعامل الروح القدس مع المجوس؟
إن الروح القدس قد تدرج مع المجوس. ففي البداية أرشدهم إلى اختيار أنواع الهدايا التي يقدمونها ثم ظهر لهم نجم لكي يرشدهم إلى الطريق. ولكن بعد أن سجدوا للسيد المسيح الإله الكلمة ومخلّص العالم. بدأت علاقة الله معهم تكون أقوى من الأول، وبدأ الله يتعامل معهم بإعلانات سماوية واضحة فيقول الكتاب “ثم إذ أوحى إليهم في حلم أن لا يرجعوا إلى هيرودس انصرفوا في طريق أخرى إلى كورتهم” (مت2: 12).
وذلك لأن هيرودس كان يريد قتل الطفل، ولكن الله أوحى إليهم أن ينصرفوا في طريق آخر. وبذلك نرى الروح القدس قد بدأ يعمل في حياتهم بصورة أقوى عن طريق الوحي. وهذا معناه أن الله يدعو الأمم إلى معرفته عن طريق مجيء السيد المسيح إلى العالم. ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين.
العظة الرابعة عشرة ظهور الله لإسحق – عظات أوريجانوس على سفر التكوين
والعهد بين إسحق وأبيمالك
ظهور الله لإسحق عند بئر سبع
العهد الذي قطعه مع أبيمالك
تنوع طرق الإشارة للمسيح في الكتاب المقدس
1 مكتوب في النبي من قبل الرب الذي يتكلم: “وبيد الأنبياء أخذت أمثالاً[1]“، وهو ما يعني أن ربنا يسوع المسيح، على الرغم من أنه وحيد بجوهره وابن الله بالكامل، فإنه يبدو متنوعاً ومتعدداً في صور وأساليب حديث الكتاب[2]. وهكذا، على سبيل المثال، أتذكر أني شرحت في الأحاديث السابقة[3] أن إسحق المقدم كمحرقة كان رمزاً للمسيح في حين أن الكبش أيضاً كان صورة له.
بل وأذهب إلى أبعد من ذلك وأقول إن المسيح هو المصور في الملاك الذي كلم إبراهيم والذي قال له: “لا تمد يدك إلى الغلام[4]” لأنه يقول مرة ثانية: “إني من أجل أنك تممت هذا القول، أباركك[5]” ويقول الكتاب إنه الخروف أو الحمل الذي يذبح للفصح[6]، ويعرفه أيضاً كراعي الخراف[7]، غير أنه يصوره في رئيس الكهنة الذي يقدم الذبيحة[8].
وبصفته كلمة الله يسمى العريس[9]، وبصفته حكمة الله يسمى العروس كما يقول النبي متحدثا باسمه: “وضع لي تاجاً على رأسي كما لعريس، وأعطاني زينة كما لعروس[10]“. وهناك رموز أخرى كثيرة سيكون من المطول جداً شرحها الآن.
إسحق هو رمز الله الكلمة في الناموس
ويجب أن نؤمن أنه اقتداء بالرب الذي يأخذ الشكل المناسب لكل ظرف. وفقاً للزمان والمكان. فإن القديسين أيضاً، الذين كانوا صورته، قد تكيفوا مع الزمان والمكان والظروف ليصوروا أسراره. هذا هو ما نراه الآن يحدث في إسحق الذي قرأوه لنا تواً في الكتاب: ثم صعد بعد ذلك إلى بئر القسم، فظهر له الرب في تلك الليلة وقال له: أنا إله إبراهيم أبيك. لا تخف لأني معك، وأباركك وأكثر نسلك من أجل إبراهيم أبيك[11].”
وقد أشار لنا بولس الرسول إلي رمزين في إسحق: الأول عندما قال إن إسماعيل بن هاجر يمثل الشعب بحسب الجسد وإسحق الشعب المؤمن[12]، والآخر حين يكتب: “لم يقل: وفي أنسالك كأنه عن كثيرين، بل في نسلك كأنه عن واحد: الذي هو المسيح[13]“، فإسحق هو إذن رمز للشعب ورمز للمسيح. فمن المؤكد أن المسيح، باعتباره كلمة الله، يتحدث ليس فقط في الأناجيل ولكن أيضاً في الناموس والأنبياء، إلا أنه يعلم في الناموس المبتدئين وين الأناجيل يعلم الكاملين[14]. ومن ثم يمثل إسحق هنا “الكلمة” الذي في الناموس أو الأنبياء.
صعود إسحق
۲ “صعد إسحق إذاً إلى بئر القسم وظهر له الرب.[15]” لقد سبق أن قلنا[16] إن جمال الهيكل والفرائض الإلهية التي كانت تقام فيه هو بمثابة “صعود للشريعة، والتقدم الذي أحرزه الأنبياء من الممكن أن يدعى أيضاً صعوداً”. وربما لذلك قيل إن “إسحق قد صعد إلى بئر القسم وظهر له الرب هناك.” فبالأنبياء “أقسم الرب. ولن يندم – أنه هو نفسه كاهناً إلى الأبد على رتبة ملكي صادق”[17]. لقد ظهر له الله إذا عند بئر القسم مؤكداً الوعود التي كان لا بد وأن تتحقق فيه.
خيمة إسحق
فرفع هناك مذبحاً ودعا باسم الرب. ونصب هناك خيمته، وحفر عبيد إسحق بئراً في ذلك الموضع.[18]” وفي الناموس، يرفع إسحق أيضاً مذبحاً وينصب خيمته، أما في العهد الجديد، فهو لا ينصب خيمة وإنما يبني بيتاً ويضع أساسات. أنصت إلى الحكمة وهي تتحدث عن الكنيسة: “الحكمة بنت بيتاً لها ووضعت سبعة أعمدة في القاعدة.[19]” أنصت أيضاً إلى بولس الرسول حول نفس الموضوع: “فإنه لا يستطيع أحد أن يضع أساساً آخر غير الذي وضع، الذي هو يسوع المسيح[20].”
فعندما تكون هناك خيمة، فمن الواضح أنها سوف تزول يوما ما، حتى وإن تم تثبيتها جيداً، ولكن حين تكون هناك أساسات ويكون البيت مبنيا على الصخر” فهذا البيت لا يزول أبداً لأنه “مؤسس على الصخر.[21]“
غير أن إسحق يحفر بئراً هنا أيضاً، ويحفر دون توقف إلى أن يتدفق “ينبوع الماء الحي[22]” ويفرح مجرى النهر مدينة الله[23]“.
أبيمالك وإسحق الفلسفة والإيمان
۳ ولكن أبيمالك، هذا الرجل الذي كان قد حيا إبراهيم منذ قليل، ها هو يصل الآن من جرار مع أصحابه عند إسحق: “وقال لهم إسحق: لماذا أتيتم إلي، أنتم الذين أبغضتموني، وصرفتموني من عندكم؟ فأجابوه: إننا قد رأينا بوضوح أن الرب معك، فقلنا: ليكن هناك حلفاً بيننا وبينك، ولنقطع معك عهداً أن لا تصنع بنا شراً[24]“، إلى باقي ما جاء في الإصحاح. أبيمالك هذا، وفقاً لما أراه، لم يكن دائما في سلام مع إسحق، ولكنه تارة يختلف معه وأخرى يطلب الصلح معه.
وإذا تذكرتم، فنحن قد قلنا عنه في العظات السابقة[25] إنه يقوم بدور العلماء وحكماء هذا العالم الذين، من خلال دراسة الفلسفة، توصلوا إلى معرفة قدر كبير من الحقيقة، فيمكنكم من هنا أن تدركوا كيف لا يمكن لأبيمالك أن يكون في خلاف دائم ولا في سلام دائم مع إسحق الذي يرمز إلى “كلمة الله” الموجود في الناموس. لأن الفلسفة لا تتعارض في كل شيء مع ناموس الله، وهي أيضاً لا تتفق معه في كل شيء. فالكثير من الفلاسفة في الواقع يكتبون أنه يوجد إله واحد خالق كل الأشياء: وهم في ذلك يتفقون مع ناموس الله.
بل إن بعضهم قد أضاف أن الله صنع كل شيء ويدير الكل بكلمته وأن كلمة الله يحكم كل شيء، متفقين في ذلك ليس فقط مع الناموس ولكن أيضاً مع الأناجيل. والفلسفة المسماة أخلاقية وطبيعية تعتقد في مجملها تقريباً فيما نعتقده نحن، إلا أنها تختلف معنا حين تقول إن المادة شريكة مع الله في الأزلية[26]
وتختلف حين تؤيد أن الله لا يهتم بالكائنات الفانية لكن عنايته تنحصر فقط على السماوات البعيدة، كما تختلف معنا حين تجعل مجرى الحياة وقت الميلاد يعتمد على موقع النجوم[27]، ويختلفون حين يقولون إن هذا العالم أبدي ولن يكون له نهاية. وهناك أيضاً العديد من النقاط الأخرى التي إما يتفقون أو يختلفون معنا عليها. لذلك يصور أبيمالك، باعتباره رمزا لحكماء هذا العالم، تارة في صلح مع إسحق وتارة في خلاف معه.
أبيمالك وأحزات وفيكول: المنطق والطبيعة والأخلاق
وأنا لا أعتقد أن الروح القدس الذي كتب ذلك، قد اهتم بإضافة أن هناك شخصين آخرين قد أتيا مع أبيمالك: أحزات صهره وفيكول قائد جيشه[28]. واسم أحزات يعني “من يقبض”، وفيكول “فم الكل” وأبيمالك يعني “أبي ملك”. ويبدو لي أن هؤلاء الثلاثة يمثلون الفلسفة في جملتها والتي تنقسم عندهم إلى ثلاثة أجزاء: المنطق والطبيعة والأخلاق، أي الفلسفة العقلية والطبيعية والأخلاقية.
فأبيمالك يرمز إلى الفلسفة العقلية التي تعترف بأن الله هو أب كل الكائنات، والفلسفة الطبيعية هي التي تثبت وتقبض كل شيء معتمدة على أشكال الطبيعية نفسها، وهي التي يظهرها أحزات أو “القابض” أما الفلسفة الأخلاقية فهي الموجودة في فم الكل وتخص الجميع وهي التي بسبب تشابه القواعد المشتركة تتواجد في فم الجميع، ويمثلها فيكول الذي يعني اسمه: فم الكل.
تلك الشخصيات التي تهذبت بهذا النوع من العلوم، قد أتت إذاً لتجد ناموس الله وقالوا له: “إننا قد رأينا أن الرب معك، فقلنا: ليكن حلف، بيننا وبينك، ونقطع معك عهداً لئلا تصنع بنا شراً، لكن كما أننا لم نلعنك، كذلك (لا تلعننا)، أنت المبارك من الرب.[29]“
شخصية المجوس
هذه الشخصيات الثلاثة التي تطلب السلام مع “كلمة الله” وترغب في أن تستبق بعهد الاشتراك معه من الممكن أن تمثل المجوس الذين تعلموا من كتب آبائهم وتقاليد أجدادهم[30]، وجاءوا من المشرق وقالوا: “إننا قد رأينا[31] الملك الذي ولد[32] ورأينا أن الله معه[33] فأتينا لنعبده.[34]” ولكن كل ضليع في هذه العلوم، حين يرى أن “الله كان في المسيح ليصالح العالم معه[35]“، وحين يدهش لعظمة أعمال الله يجب أن يقول: “إننا قد رأينا أن الرب معك، فقلنا: ليكن بيننا حلف[36].” فحين يقترب هذا الشخص في الواقع من ناموس الله، لا بد وأن يقول: “حلفت وصممت أن أحفظ وصاياك.[37]“
مأدبة إسحق هي مأدبة الكاملين
4 لكن ماذا طلبوا؟ لقد قالوا “أن لا تصنع بنا شراً، لكن كما أننا لم نلعنك كذلك لا تلعننا، أنت المبارك من الرب.[38]” ويبدو لي أنهم يطلبون من هنا مغفرة الخطايا خشية أن يصيبهم شر هم يلتمسون بركة وليس حركة بالمقابل. وانظروا ما جاء فيما بعد. يقول الكتاب: “فصنع لهم إسحق مأدبة كبيرة، فأكلوا وشربوا[39]“، فمن المؤكد أن خادم الكلمة “مدين للحكماء والجهلاء[40]“، فإذا ولأنه يصنع مأدبة للحكماء، يقول الكتاب إنه صنع لهم لا مأدبة صغيرة بل “كبيرة”.
أما أنت، فإذا كنت لم تعد طفلاً صغيراً، ولم تعد تحتاج إلى “لبن، وإذا أظهرت أحاسيس مختبرة وأصبحت قادراً بعد الكثير من التعليم على فهم كلمة الله[41]، فهناك لك أيضاً “مأدبة كبيرة”.
لن يعدوا لك كطعام بقول[42] الضعفاء ولن يغذوك بلبن الأطفال، ولكن سيقدم لك خادم الكلمة “مأدبة كبيرة”، وسوف يحدثك عن الحكمة التي يوصي بها بين الكاملين ويكرز لك “بحكمة الله، السرية والخفية”، “التي لم يعلمها أحد من رؤساء هذا الدهر[43]“، كما سيكشف لك المسيح في هيئة الذي هو “مذخر فيه جميع كنوز الحكمة.[44]” هو يصنع لك إذن “مأدبة كبيرة ويأكل معك بنفسه ما لم تدفعه حالتك ليقول “وأنا لم أستطع أن أكلمكم كروحيين، بل كجسديين كأطفال في المسيح.[45]“
مأدبة أهل كورنثوس
وهو يقول ذلك للكورنثيين ويضيف: “فإنه إذ فيكم حسد وانشقاق، ألستم جسديين وسلوككم بشري؟”[46]، ولم يصنع لهم بولس الرسول مأدبة كبيرة، حتى إنه حين كان عندهم وكان محتاجاً لم يكن “عالة على أحد”، ولم يأكل مجاناً الخبز من أحد، ولكنه كان يكسب بنفسه قوته هو وكل رفقائه “عاملاً ليل نهار بيدي.[47]” لقد كان أهل كورنثوس إذاً دون المستوى المطلوب حتى يصنع لهم مأدبة كبيرة وحتى إن المبشر بكلمة الله لم يستطع أن يصنع أصغر وجبة.
أما الذين يعرفون أن ينصتوا بشكل أكثر كما والذين يظهرون روحاً مدربة ومتمرنة[48] على سماع كلمة الله فهناك “مأدبة كبيرة حيث يأكل معهم إسحق؛ وإذ لا يكتفي بالأكل فقط، يقوم ويعدهم بقسم بالصلح في المستقبل[49].
مأدبة الحكمة
لنطلب إذاً نحن أيضاً أن نقترب من كلمة الله بحالة الروح والإيمان المرجوين كي تتفضل لكلمة الله وتقيم لنا “مأدبة كبيرة، لأن “الحكمة ذبحت ذبائحها، مزجت خمرها في الإناء وأرسلت عبيدها[50]” لكي يأتوا لمأدبتها بكل من يجدوه.
وبعد قبولنا في مأدبة الحكمة، يكفي ألا نلبس من جديد ثياب الحماقة: فلا نكون هناك لابسين ثوب الخيانة، ولا مدنسين بسواد الخطايا بل لنقبل الكلمة في الطهارة وبساطة القلب، ولنشرع في خدمة الحكمة الإلهية التي هي المسيح يسوع ربنا الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين.[51]“
[2] أكد أوريجينيس بشدة على وحدة ابن الله في ظل تنوع المسميات والصور والمظاهر التي يعطيها إياه الكتاب المقدس. فإن ذكرنا للجوانب المختلفة التي نتناول من خلالها ابن الله بكونه حياة ونورا وحقا…إلخ أو كحمل وراع وطبيب وطريق… إلخ، كل هذا لا يمس وحدة شخص يسوع المسيح.
[26] نرى تلميحاُ واضحاً عن مبدأ عدم أزلية الخليقة.
[27] يقر أوريجينيس ومعاصروه بأن النجوم تخضع في بعض الأحيان لتأثير الشياطين. ولكن حين يتعلق الأمر بتأثير النجوم على الحياة البشرية، فمع التسليم بأن الإنسان حر ومسئول وذو قيمة، يستنكر أوريجينيس تماما الضرورة العمياء التي يدعيها علماء الفلك للتأثير على الأفعال الإنسانية.
[30] كان أوريجينيس مقتنعا بأن المجوس كان لديهم نص نبوات بلعام التي كانت تعلن ظهور نجم في يعقوب ورجل في إسرائيل (عد 24: 17)، فيقول في عظاته على سفر العدد ۱۳: ۷: “كان المجوس لديهم هذا النص عندهم، وأيضاً عندما ولد المسيح عرفوا النجم وفهموا أن النبوة قد تمت”.
المجوس هم كهنة زرادشت فى بلاد مادى وفارس. وكانوا معروفين بلباسهم الخاص وسكناهم المنفرد عن بقية الناس. وكانوا أيضًا علماء الأمة الفارسية يعلّمون الفلسفة والفلك، كما اشتغلوا بالتنجيم ورصد حركات النجوم وعلاقتها بأحداث الأرض. وقد وصفهم دانيال بالحكمة (أنظر دا20:1). ويُرجح أنهم عرفوا عن ولادة المسيح :
أ ـ إما من اليهود وقت أن كانوا مسبيين فى بلاد فارس من (القرن 6 ق.م). أو من دانيال النبى الذى صار رئيسًا للمجوس مدة من الزمن أثناء السبى (أنظر دا8:4ـ9، 11:5). وعرفوا نبوته القائلة: ” إنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعًا” (25:9) أى حوالى 490 عامًا حين يُحسب اليوم بعام. وبناء على هذه المعرفة كانوا ينتظرون مجيئه فى تلك الأيام. ولذا أظهر الله لهم علامة مجيئه فى شكل نجم[2].
ب ـ أو بسبب أنهم ـ حسب رأى يوسابيوس القيصرى ـ من نسل بلعام بن بعور الذى استدعاه الموآبيون لكى يلعن بنى إسرائيل، فنطق بنبوة عن مجيء المسيا: ” أراه ولكن ليس الآن أبصره ولكن ليس قريبًا، يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل فيحطم طرفى موآب ويهلك كل بنى الوغى” (عد17:24). ولذلك كانوا يراقبون النجوم ويعتقدون أن كوكبًا سيظهر عند ميلاده بظهور هذا النور العجيب[3].
ج ـ وربما كان المجوس أساسًا من اليهود الذين بقوا فى بابل بعد السبى، وكانوا يعرفون نبوات العهد القديم عن مجيء المسيح[4].
د ـ ومن المحتمل أنهم من الشرقيين المهتمين بالتنجيم ودراسة المخطوطات القديمة وقد وقعت بين أيديهم نسخ من العهد القديم بعد سبى اليهود لبلادهم[5].
هـ ـ كما من الجائز أن تكون قد وصلتهم رسالة خاصة من الله قادتهم إلى المسيح.
2 ـ زمن زيارة المجوس للطفل يسوع :
بعض الآباء والكُتّاب الكنسيين في القرن الرابع (إبيفانيوس ـ يرونيموس ـ يوسابيوس) يأخذون بالرأى القائل إن المجوس أتوا فى السنة الثانية لميلاد السيد المسيح، أما القديس يوحنا ذهبى الفم فيقول إن النجم ظهر للمجوس قبل الميلاد بسنتين وإنهم وصلوا أورشليم وقت الميلاد[6].
والرأى الأول يرتب الحوادث هكذا :
1 ـ أن الطفل وُلد فى بيت لحم (أنظر مت4:2ـ6).
2 ـ وفى نفس الوقت ظهر نجمه فى المشرق للمجوس (انظر مت1:2ـ2)
3 ـ وأن الطفل خُتن بعد ميلاده بأسبوع (أنظر لو21:2).
4 ـ ثم قُدم إلى الهيكل بأورشليم بعد أربعين يومًا من ولادته (انظر لو22:2).
5 ـ ثم ذهبت الأسرة إلى الناصرة كما فى (لو39:2).
6 ـ وإن أفراد الأسرة ربما كانوا يزورون بيت لحم لكونها مسقط رأسهم (انظر لو4:2) من وقت إلى آخر.
7 ـ والمجوس أتوا إلى أورشليم بعد الميلاد بسنتين حيث كانت الأسرة فى ذلك الوقت فى أحد بيوت بيت لحم وكان الطفل يسوع ابن سنتين. ولذا قال الإنجيلى متى إن المجوس أتوا إلى “البيت” ولم يقل “المذود” (انظر 11:2) وأنهم رأوا “الصبى” ولم يقل “الطفل” (انظر 11،9:2)، وأن هيرودس قتل جميع الصبيان الذين فى بيت لحم من ابن سنتين فما دون (انظر مت16:2).
8 ـ ثم أن الأسرة بعد هذه الزيارة مباشرة، هربت إلى مصر.
أما الرأى الثانى فيرى صاحبه ـ ذهبى الفم ـ أن التسميات: البيت، المذود، الصبى، الطفل هى مجرد استبدالات لفظية ويفترض الآتى :
1 ـ أن النجم قد ظهر للمجوس قبل ميلاد المسيح بزمن طويل (سنتان على الأقل) لأنه كان ينبغى أن يقضى المجوس وقتًا طويلاً فى رحلتهم. فلو ظهر لهم النجم فى المشرق عند ولادة المسيح فى فلسطين لما استطاعوا أن يروه فى المهد إذ المسافة التى يلزم أن يقطعوها هى بعيدة جدًا. كما أن الطاغية هيرودس قتل الأطفال من ابن سنتين فما دون بحسب زمان ظهور النجم الذى تحققه من المجوس وليس حسب زمن الميلاد، كما أن غضب هيرودس ورعبه جعلاه يضيف الكثير على الزمان المحسوب من أجل أن يضمن عدم نجاة أحد (أنظر مت16،7:2).
2 ـ أن المجوس جاءوا إلى بيت لحم وقت الميلاد وزاروا الطفل وهو رضيع.
3 ـ أن العائلة توجهت فورًا إلى مصر.
4 ـ ثم إلى الناصرة بعد موت هيرودس (أنظر مت19:2ـ23). أما قول إنجيل لوقا أنهم ذهبوا إلى مدينتهم الناصرة بعدما أكملوا كل شئ حسب ناموس الرب (أنظر 39:2) فلا يعنى حتمًا أنهم ذهبوا إليها بعد الأربعين، بل بعد رجوعهم من مصر.
ويبدو لنا أن الرأى الأول هو الأرجح بسبب الدقة التاريخية فى ترتيب الأحداث. وغالبًا أن المجوس جاءوا فى موكب عظيم يتقدمهم ثلاثة من كبارهم يحملون الهدايا للملك العجيب ولذلك أحدث دخولهم أورشليم حركة غير عادية فى المدينة (أنظر مت3:2). هذا وإن كان بعض المفسرين يقدر عددهم بقدر هداياهم الثلاث (الذهب واللبان والمر) ويذكرونهم بالاسم: ملخيور وبلتاصار وكاسبار.
ثانيًا: الهروب إلى مصر :
بالعودة إلى الإنجيل حسب متى (1:2ـ13) نرى أن المجوس بعد دخولهم أورشليم وسؤالهم عن مكان المولود ملك اليهود، استدعاهم هيرودس سرًا ـ لأنه كان فى حسبانه أن اليهود يهتمون بأمر هذا الطفل المولود ـ واستعلم منهم عن زمن ظهور نجم الطفل، ثم أرسلهم إلى بيت لحم بعد معرفته أنها مكان مولد المسيح ـ وفقًا للنبوات ـ من رؤساء الكهنة ليبحثوا بالتدقيق عن الصبى وأن يخبروه بعد ذلك عن مكان وجوده.
ومرة أخرى نجد أن النجم الذى قادهم من بلاد المشرق إلى أورشليم، هو نفسه يقودهم من أورشليم إلى بيت لحم وبالتحديد إلى البيت الذى كان فيه الصبى مع مريم أمه. فلما رأوا الصبى خروا وسجدوا له، ثم فتحوا كنوزهم وقدّموا له هدايا ذهبًا ولبانًا ومرًا. ثم إذ أُوحى إليهم فى حلم أن لا يرجعوا إلى هيرودس انصرفوا فى طريق أخرى إلى كورتهم. وبعدما انصرفوا إذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف فى حلم قائلاً: “ قم وخذ الصبى وأمه وأهرب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبى ليهلكه ” (مت13:2).
هذا هو الحلم أو الرؤيا الثانية التى تلقاها يوسف من الله، كشف الله له فى الحلم الأول أن خطيبته مريم حُبلى من الروح القدس وأن مولودها هو المسيا الذى سيخلص شعبه من خطاياهم (انظر مت20:1ـ21). أما الحلم الثانى فقد عرّفه كيف يحافظ على حياة الصبى من الشر المزمع أن يرتكبه هيرودس الملك.
ومع أن يوسف لم يكن هو الأب الطبيعى ليسوع، إلاّ أنه كان هو المسئول عن حماية الصبى وسلامته، إذ نلاحظ أن الملاك هنا لا يخاطب مريم وإنما يخاطب يوسف. كما أنه يقول: ” قم خذ الصبى وأمه واهرب…“، ولا يضيف ” امرأتك ” كما فى الحلم الأول، وإنما قال ” أمه ” فقط، فطالما أن الولادة قد تمت، وانتفى الشك من جهة يوسف، وأشرق فى قلبه نور الإيمان، فإن الملاك يتكلم معه بصراحة مؤكدًا كلامه فى الحلم الأول.
ومن الجدير الإشارة إليه هنا أن يوسف لم يتعثر عند سماعه هذا الأمر من الملاك، ولم يقل إن هذا الأمر صعب . قد قلت لى ” إنه سيخلص شعبه..” (مت21:1)، وها هو الآن لا يستطيع أن يخلص نفسه، وها نحن مضطرون إلى الهرب والرحيل إلى بلاد نائية. إن كل هذا جاء على خلاف الوعد.
لم يقل شيئًا من هذا إطلاقًا ولا حتى سأل الملاك عن موعد رجوعه من مصر، على الرغم من أن كلام الملاك له كان مبهمًا ” وكن هناك حتى أقول لك..“. كان هذا الرجل ذو إيمان لا يضعف، ولم يتباطئ فى حمل المسئولية بل أطاع وخضع لساعته متحملاً بفرح كل المحن. وقام ليلاً وأخذ الصبى وأمه وانصرف إلى مصر (مت14:2). إن الله محب البشر الصالح يمزج الأتعاب الشاقة فى حياتنا بحلاوة التعزية.
فلا يشاء أن نظل فى تعب مستمر، ولا فى راحة دائمة، لكنه يسمح لنا بفترات أحزان كما يمتعنا أيضًا بفترات فرح. وهذا ما يجب أن نلاحظه فى يوسف البار: فقد رأى العذراء حاملاً فقلق وبدأ يداخله الشك. ولكن فى الحال وقف به الملاك وبدد شكه ونزع عنه خوفه. وعندما عاين الطفل مولودًا امتلأ فرحًا عظيمًا ثم حلّ به القلق حينما اضطربت المدينة وامتلأ الملك غضبًا عند سماعه بميلاد ملك اليهود.
وبعد الاضطراب جاء الفرح بظهور النجم وسجود المجوس. ثم بعد السرور عاد الخوف والخطر ” لأن هيرودس يطلب نفس الصبى ” بحسب تعبير الملاك. ومن جديد أمر الملاك يوسف أن يهرب ويسير فى طريق المنفى، ويلتزم يوسف بالهروب إلى مصر. هذه هى صورة الحياة التقوية الحقة، هى مزيج مستمر من الضيقات مع الأفراح يسمح بها الرب لأجل تزكيتنا وبنياننا روحيًا[7].
لم يكن الذهاب إلى مصر أمرًا غريبًا، إذ كان بها العديد من الجاليات اليهودية فى كثير من المدن الرئيسية هناك. وقد بدأت هذه الجاليات فى فترة السبى الكبير (ق6 ق.م.) (أنظر مثلاً إر44،43). ووصلت إلى أعداد كبيرة فى القرن الأول الميلادى كانت متركزة فى بابليون مصر القديمة والأسكندرية، وجزء منها فى صعيد مصر.
وهناك تشابه يسترعى النظر بين الهروب إلى مصر؛ وما نجده فى تاريخ إسرائيل.
فعندما كانت إسرائيل أمة ناشئة ـ بنى يعقوب ـ ذهبت إلى مصر على أثر المجاعة الشديدة. وهكذا ذهب يسوع فى طفولته هاربًا من اضطهاد هيرودس. كما أن اضطهاد فرعون ـ الذى لم يكن يعرف يوسف ـ لأطفال بنى إسرائيل وقتلهم، لم يكن إلاّ نبوة على الواقع والتاريخ لاضطهاد هيرودس ـ الذى لم يكن يعرف يسوع ـ وقتله لأطفال بيت لحم.
وحينما قال هوشع النبى: ” من مصر دعوت ابنى” (1:11). كان قوله هذا تاريخيًا عن حدث مضى، وهو ذاته نبويًا عن حدث آتٍ. أى أن الهروب إلى مصر والعودة منها لم يحدث صدفة وبدون غاية، بل تم كل شئ بعناية إلهية ووفقًا للتدبير الإلهى الذى أخبر عنه الأنبياء.
هذه النبوة قالها هوشع النبى متخذًا من عودة إسرائيل من مصر مصدرًا للتعبير المسيانى لدعوة المسيح الابن الوحيد من مصر ” لما كان إسرائيل غلامًا أحببته ومن مصر دعوت ابنى” (1:11)، فهو هنا يعتبر إسرائيل وخروجه من مصر مثالاً لخروج الابن الوحيد المحبوب بعد تغربه فى مصر.
أما الرحلة إلى مصر وتواجد العائلة المقدسة فيها وتحديد المواضع التى عبرت عليها أثناء الرحلة وأقامت فيها، من شمال مصر إلى جنوبها فقد احتفظ لنا التقليد بالكثير منها. وعلى أى حال فقد تباركت أرض مصر بنزول الطفل يسوع فى حضن أمه ويوسف البار. وكما نزل يوسف ابن يعقوب إلى مصر واختزن القمح لإحياء العالم الجائع، هكذا نزل الخبز الحى النازل من السماء ليتغرب فى مصر لتُحفظ حياته من يد الناقمين حتى يضمن الحياة للعالم.
وكما أن نشيد الكرمة الذى قاله داود بالروح عن خروج إسرائيل من مصر وعن تأكيد اختياره كابن له “ كرمة من مصر نُقلت … يا إله الجنود اطلع من السماء وأنظر وتعهد هذه الكرمة والغرس الذى غرسته يمينك والابن الذى اخترته لنفسك” (مز8:80و14و15). هذا الدعاء تحقق عمليًا بنزول المسيح إلى مصر كونه هو “الكرمة الحقيقية” (انظر يو1:15). والابن الوحيد (انظر يو18:1). كذلك كان نزول الحمل الحقيقى وفصحنا المسيح الذى ذُبح لأجلنا (أنظر يو29:1، 1كو7:5)، إلى مصر ما هو إلاّ تطابق مع الفصح الأول الذى تم فى مصر (انظر خر12، ورؤ8:11).
ولما قال الملاك ليوسف ” قم وخذ الصبى وأمه واهرب إلى مصر” لم يعدهما بأن يرافقهما لا فى الذهاب ولا فى الإياب مبينًا أن أعظم رفيق لهما هو الصبى نفسه، الذى عند ظهوره غيّر كل ما فى العالم .
أما السؤال: لماذا هرب السيد المسيح؟[8]
فيمكن الإجابة عليه بالآتى :
1 ـ الملاك نفسه أدلى بسبب الهرب عندما قال ” لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبى ليهلكه” (مت13:2). وترجع الأسباب الرئيسية لرغبة هيرودس فى التخلص من الطفل المولود: لعلمه أن كثير من اليهود يكرهونه لأصله الأدومى ويعتبرونه مغتصبًا للحكم. وأن الشعب يتوقع مجيء المسيا (أنظر لو15:3) وأغلب اليهود كانوا ينتظرون المسيح محررًا حربيًا وسياسيًا عظيمًا (أنظر مثلاً يو15:6). وربما سأل سائل ألم يكن من الممكن أن يقع الطفل بين يدى هيرودس ولا يستطيع أن يُجهز عليه؟
بالطبع كان يمكن ولكن لو حدث شئ مثل هذا ما كان يمكن أن يُقال بعد عن السيد إنه اتخذ جسدًا حقيقيًا، ولما ثبتت حقيقة التجسد. بمعنى آخر أنه لو كان المسيح قد صنع فى أول حياته هذه المعجزة لما صدّق أحد بعد أنه إنسان أيضًا. وهكذا فإن هروب السيد المسيح من الشر أكد حقيقة تجسده. وتأمل معى كيف تبدو الألوهية مخفية هنا تحت ظواهر البشرية الوضيعة.
2 ـ كما أن الإنجيلى متى لم يلبث أن قال لنا سبب آخر وهو: ” لكى يتم ما قيل من الرب بالنبى القائل من مصر دعوت ابنى “.
هذا وإن اعترض البعض على هذه النبوة زاعمين أنها عن إسرائيل، نجيبهم بأن الأنبياء كان من عادتهم أن يقولوا أشياء عن أشخاص، ولكنها تتم فى سواهم، خذ مثلاً ما قيل عن شمعون ولاوى: ” أقسمهما فى يعقوب وأفرقهما فى إسرائيل ” (تك7:49).
إلاّ أن هذه النبوة تمت فى ذريتهما لا فيهما بالذات (أنظر عد2:35ـ8، يش1:19ـ9، 3:21ـ8)، وما تنبأ به اسحق ليعقوب بالبركات ” ليُستعبد لك شعوب وتسجد لك قبائل كن سيدًا لأخوتك وليسجد لك بنو أمك ” (تك29:27)، لم تتم إلاّ فى ذريته (انظر 2صم6،2:8، 19:10، 14:8، 1مل15:11 ـ16، تك8:49). وكيف يمكن أن يكون هو المقصود بها وقد كان يخاف من أخيه عيسو وكثيرًا ما كان يسجد قدامه؟. ثم من أحق أن يُدعى ابن الله؟ أذاك الذى سجد للعجل الذهبى وضحى بأبنائه للشياطين أم الذى هو ابنه بالطبيعة .
وأنظر كيف يعبّر الإنجيلى عن فكره، حينما يقول: ” لكى يتم ما قيل…” مبينًا أن هذا القول لم يتم إلاّ بذهاب المسيح إلى مصر وعودته منها.
وليس من قبيل الصدفة، أن هذا الأمر يتسبب في تطويب السيدة العذراء ويزيد كرامتها. لأن الشيء الذى استطاع شعب برمته أن يناله من المديح لنفسه، نالته هى بمفردها. فاليهود كانوا يذكرون بالفخر خروجهم من مصر ويتباهون به (أنظر مثلاً عا7:9)، هذا الفخر الشعبى حازته البتول وحدها.
3 ـ هروبه كممثل للبشرية يقدم لنا منهجًا روحيًا أساسه عدم مقاومة الشر بالشر، بل علينا أن نحب أعدائنا ونبارك لاعنينا وأن نحسن إلى مبغضينا ونصلى لأجل الذين يسيئون إلينا (أنظر مت44:5). فالنار لا تُطفأ بالنار بل بالماء.
4 ـ لكى نتعلم توقع المحن والمكايد فى حياتنا ومنذ البداية. فإذا امعنت النظر معى فيما جرى للمسيح وهو بعد فى اللفائف، حينما وُلِدَ، ثار ثائر طاغية، واضطربت مدينة بأكملها وحدث هرب وانتقال إلى خارج الوطن، فقد هرب مع أمه ويوسف النجار إلى بلاد الأمم دون ذنب ما. دقق النظر فى هذا حتى إذا ما كنت مكلفًا بخدمة روحية، ثم اعترضتك عقبات فلا تضطرب ولا تيأس بل تحملها بصدر رحب.
5 ـ أيضًا كان إرسال الصبى إلى مصر، وعودة المجوس إلى بلاد فارس، مقدمة لتبشير المسكونة. لأن مصر وبابل كانتا تصطليان بنار الوثنية، فأعلن المسيح منذ البدء أنه سيصلحهما كليهما.
وهنا يليق بنا أن نقف قليلاً لنسجل كيف أن كنيستنا القبطية الأرثوذكسية قد وضعت بارشاد الروح القدس هذا الفصل من الإنجيل ـ إنجيل الهروب إلى مصر ـ (مت13:2ـ23) في قراءات الأحد الأول من شهر طوبة (وهو الأحد الذي يلى عيد الميلاد مباشرة 29 كيهك)، وكأنها تريد أن تعلن بذلك أن مجيء السيد المسيح إلى أرض مصر هو إشارة إلى إعلان المخلص المولود حديثًا للأمم. ومما يؤكد هذه الفكرة، أن القراءات الأخرى لذلك اليوم كلها تدور أيضًا حول الإعلان للأمم.
فالبولس يركز على أنه وإن كان يسوع يسوع صار خادم الختان من أجل صدق الله، إلاّ أن الأمم أيضًا قد مجدّوا الله من أجل الرحمة (انظر رو4:15ـ19).
والكاثوليكون بدوره من (1يو1:3ـ11) يكشف عظمة محبة الله التى جعلت كل من يؤمن به من الأمم في آسيا الصغرى الذي كتب إليهم يوحنا الرسول، يصيرون أبناء الله.
أيضًا فصل سفر الأعمال (24:14، 3:15)، يخبرنا كيف أن رجوع الأمم كان سبب سرور عظيم لجميع الاخوة.
ثم يأتى المزمور (2:98ـ3) ليقول صراحة إن كل أقاصى الأرض رأت خلاص إلهنا.
6 ـ وأخيرًا، بلا شك كان يمكن للسيد أن يلتجئ إلى مدينة فى اليهودية أو الجليل، لكنه أراد تقديس أرض مصر وليقيم فى وسط الأرض الأممية مذبحًا له. فى هذا يقول إشعياء النبى: ” هوذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر فترتجف أوثان مصر من وجهه… فى ذلك اليوم يكون مذبح للرب فى وسط أرض مصر وعمود للرب عند تخمها… فيُعرف الرب فى مصر ويعرف المصريون الرب فى ذلك اليوم ويقدمون ذبيحة وتقدمة وينذرون للرب نذرًا ويوفون به” (إش21،19،1:19). وتأمل معى هذا الأمر المدهش أن فلسطين تتآمر عليه بينما مصر تتلقاه وتجعله بمنجى من الأخطار.
يقول القديس يوحنا ذهبى الفم: [ إذا ما طفت صحراء مصر تجدها أجمل جنات العالم، إنك ترى فيها أجواقًا كثيرة من الملائكة بشكل بشرى، وفرقًا من الشهداء وجماعات من العذراى لا تُحصى، ترى طغيان الشيطان قد كُسرت شوكته، والمسيح يتجلى بكل مجده. مصر هذه أم الشعراء والفلاسفة وعلماء الفلك التى ابتدعت كل ضروب السحر ونقلته إلى سائر الأمم، تراها الآن تجعل فخرها فى الصيادين … والصليب فى طليعة كل شئ … إنك ترى فى كل مكان من تلك البلاد جيش المسيح وقطيعه الملكى وحياة القوات السماوية … فمن يعرف مصر القديمة محاربة الله، الحمقاء … يدرك حق الإدراك قدرة المسيح][9].
لهذه الأسباب.. ولأسباب أخرى استطرد فى ذكرها كُتّاب آخرون، صار دخول السيد المسيح أرض مصر عيدًا عظيمًا تُعيد له الكنيسة القبطية بكل فرح فى 24 بشنس (1 يونيو) من كل عام .
ثالثًا : قتل أطفال بيت لحم : (مت16:12ـ18)
اضطرب هيرودس الملك وغضب جدًا عندما رأى أن المجوس قد سخروا به وعادوا إلى كورتهم ولم يرجعوا إليه ليخبروه عن مكان الصبى. لأنه ربما ظن، إنه إذا كان المسيح هو الوارث الحقيقى للعرش، فسيكون هذا كفيلاً بإثارة المتاعب له، كما أنه ربما خشى من التفاف الشعب اليهودى ـ فى المستقبل ـ حول هذه الشخصية التى تنبأت عنها الكتب.
لم يكن يحق لهيرودس أن يغضب ويُقدِم على أمور لا قِبلَ له على إتمامها، غير أنه لم يحبس عنان نفسه. وهذا الغضب الذى بات يغلى فى صدره ـ من المجوس الذين خدعوه ـ صب جامه على الصبيان الأبرياء. مجددًا فى فلسطين تلك المأساة التى جرت وقائعها قديمًا فى مصر (أنظر خر15:1ـ22) إذ أرسل وقتل جميع الصبيان الذين فى بيت لحم وفى كل تخومها من ابن سنتين فما دون بحسب الزمان الذى تحققه من المجوس.
قتل هيرودس ملك اليهود، كل الأولاد دون سن سنتين، فى محاولة مستميتة لقتل يسوع، الملك المولود. لقد لطخ يديه بالدم، أما يسوع فلم يُصبه أى ضرر. كان هيرودس ملكًا معينًا من البشر، أما الرب يسوع فقد كان ملكًا بتعيين إلهى. ولا يمكن لأحد أن يعرقل خطط الله، وكل من يُقدم على هذا، لا يضّر فى النهاية إلاّ نفسه.
كان هيرودس يخشى أن يأخذ عرشه الملك المولود، فهو لم يفهم إطلاقًا السبب الذى من أجله جاء المسيح. لم يكن الرب يسوع يريد أن يأخذ عرش هيرودس، ولكنه أراد أن يكون ملكًا على حياة هيرودس، لم يرد أن يأخذ منه حياته الزمنية بل أن يهبه حياة أبدية.
وإذا كان البعض يتهم العناية الإلهية بأنها لم تبال بأمر قتل الصبيان نقول[10] إن المسيح لم يكن السبب فى قتل أولئك الصبيان، بل قسوة الملك هيرودس، فالمعروف عنه تاريخيًا أنه كان محترفًا القتل ولم يتورّع عن قتل حتى أولاده عندما أحس أنهم ينازعونه فى العرش. فإذا كان هذا الملك جحودًا فليس ذلك ذنب طبيب النفوس الحكيم الذى لم يدع وسيلة ليُصلح بها ما فسد من خُلق هذا المريض، إن النفس متى كانت غبية لا ينفعها الدواء الذى يعطيه الله نفسه.
ألم يعلم هيرودس أن المولود إلهيًا؟ ألم يدعو هو نفسه رؤساء الكهنة وكتبة الشعب وسألهم عن مكان ميلاده؟ وهؤلاء بدورهم ألم يوضحوا له النبوة التى أخبرت من قبل عن هذه الحوادث؟ ألم يرَ الأمور القديمة وكيف تنطبق على الأمور الحديثة؟ ألم يسمع من المجوس أن نجمًا يثبت النبوة؟ ثم لماذا لم يحترم غيرة الأممين؟ ولا شعر بالرهبة أمام صدق النبوة؟ ولماذا لم يستخلص بنفسه من كافة هذه الأمور أن ما جرى له مع المجوس لم يكن خدعة منهم وإنما كان فعل قدرة إلهية قد دبرت كل ما يجب أن يكون؟ وببساطة لماذا لم يدرك النهاية من البداية؟ ولنفرض أن المجوس قد خدعوه فلماذا يقتل الصبيان ولا ذنب لهم؟
ولكن إذا كان هذا الرجل ظالمًا فلماذا سمح الله بالظلم ؟ لماذا سمح ملك السلام أن تحدث هذه الكارثة بسبب ميلاده؟ ولماذا فى الوقت الذى فيه انطلقت الملائكة بالتسبيح تطوب البشرية لتمتعها بالسلام السماوى، وجاء الغرباء يحملون الهدايا إلى طفل المذود ؟ يُسمع صوت نوح وبكاء وعويل كثير فى الرامة وراحيل تبكى على أولادها ولا تريد أن تتعزى؟
أقول إنه تُوجد قاعدة عامة تُطبق على كل ضيقة نتعرض لها مثل هذه. وهى أن كثيرين يظلمون ولا أحد يطيق الظلم. وأن ما نعانيه ظلمًا من أى إنسان يحسبه الله لتزكية إيماننا وزيادة مكافأتنا ـ ولتوضيح هذا الأمر، نقدم هذا المثل: لنفرض أن عبدًا مدين بمال كثير لسيده وأن هذا العبد اعتدى عليه أُناس أشرار فسلبوا جزءً كبيرًا من مقتناياته، فلو أن سيده ـ القادر على صد السالب الطماع، لم يستوف ماله، وحسب مسئولاً عن سداد الأشياء المسلوبة، فهل يكون هذا العبد مظلومًا؟ كلا. وما قولك لو عوض عليه بأكثر مما فقده؟ ألاّ يربح عندئذ ربحًا عظيمًا.
ولعلك تقول أية خطيئة ارتكبها هؤلاء الأطفال؟ ولماذا يحل بهم الظلم؟
قد تقول إنهم كانوا يستطيعون أن يحوزوا مكافآت كثيرة لو أمد الله في عمرهم. لكن ليس بالشيء القليل المكافأة التى استحقوها بموتهم لأجل قضية مثل هذه. ولو كان قد قُيض لهم أن يكونوا فيما بعد رجالاً عظامًا لما سمح الله للموت أن ينتزعهم. فالله الذى يحتمل بطول أناته أولئك الذين تنقضى حياتهم فى الإثم، لا يسمح بالأحرى بأن يهلك أولئك الصبيان قبل الأوان لو كانوا قد أُعدوا لأعمال عظيمة.
كما أن الانتقام لم يلبث أن حلّ بهيرودس، وأنزل به أشد العقوبة، جزاء ما اقترفته يداه. لأن المأساة التى اجتاحت يومئذ بيت لحم ليست أمرًا ضئيلاً إذ أن الصبيان انتُزعوا من ثدى أمهاتهم وأُخذوا إلى تلك المجزرة الظالمة الرهيبة .
هذه هى بعض الأسباب التى لدينا لا كلها. إنما يوجد غيرها بعيدة المنال يعلم بها ذاك الذى يضبط الكل.
ويبدو لنا أن عمل هيرودس الفظيع فى قتل أطفال بيت لحم الذكور يشبه قتل فرعون الذكور من شعب إسرائيل بلا رحمة، (أنظر خر1) فالنية السيئة واحدة والتنفيذ الإجرامى مطابق. وكان الخوف على موسى وهو فى المهد رضيعًا من سيف فرعون هو نفس الخوف على يسوع الطفل من سيف هيرودس.
وكنيستنا المقدسة إذ وضعت أمامها كل ما سبق جعلت يوم 3 طوبة (11 يناير) تذكارًا لاستشهاد أطفال بيت لحم.
” حينئذِ تم ما قيل بإرميا النبى القائل صوت سُمع فى الرامة نوح وبكاء وعويل كثير. راحيل تبكى على أولادها ولا تريد أن تتعزى لأنهم ليسوا بموجودين ” (مت17:2ـ18).
إذ وصف الإنجيلى متى لقرائه تلك المجزرة الهائلة الظالمة الوحشية، يعود ويعزيهم قائلاً إن تلك الحوادث لم تتم بدون إذن من الله وبغير علمه بل سبق فعرفها وأخبر عنها بواسطة نبيه. فلا نضطرب ولا تهن عزيمتنا إبان المحن بل بالحرى علينا أن نحوّل بصرنا إلى عنايته التى يتعذر وصفها فهو يعلم ما نعانيه ويُدرك استعدادنا ويعتنى بنا، ويتدخل فى الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة.
والإنجيلى أيضًا إذ يبين لنا أن ذلك الجرح كان بليغًا لا يبرأ بقوله: ” .. ولا تريد أن تتعزى لأنهم ليسوا بموجودين“. يريد أن يعلمنا كذلك أن لا نضطرب حينما يحلّ بنا ما يخالف وعد الله. فذاك الذى جاء لخلاص شعبه بل لخلاص العالم ماذا كانت أوائله: أمه تلجأ إلى الهرب، وطنه يقع فى شدائد لا يمكن التغلب عليها، قتل أشد مرارة من كل قتل، بكاء وعويل كثير ونحيب فى كل مكان. لكن لا نقلق لأن الله يأذن دائمًا بأن تتم تدابيره بما يناقضها، إذ يعطينا بذلك دليلاً قاطعًا على قدرته.
كانت راحيل زوجة ليعقوب، أب الآباء، الذى من أبنائه الاثنى عشر جاء أسباط إسرائيل الاثنى عشر، وكانت راحيل أم يوسف وبنيامين ولما ماتت أثناء ولادتها لبنيامين دُفنت بالقرب من بيت لحم (أنظر تك19:35). فلما كان قبرها داخلاً فى نصيب ابنها بنيامين (الرامة) (أنظر يش25:18) وبنيامين هو الجد الأكبر لأهل الرامة. كان الإنجيلى على صواب عندما يدعو الصبيان المقتولين، أولاد راحيل (أنظر إر15:31).
وراحيل هنا فى (إر15:31) يصورها النبى وكأنها مازالت حية تعيش وتراقب الجماعة البائسة من الشعب التى جُمعت فى الرامة تمهيدًا لنقلهم إلى السبى فى بابل. وبينما هى تسمع صراخهم وعويلهم، صورها إرميا على أنها أخذت تنوح عليهم وكانت تنوح بمرارة لأن نسلها يُنتزع من أحضانها ولم يعودوا موجودين إذ يُرحلون للأسر (أنظر2مل5:17ـ6 و2أى14:36ـ21).
والآن يأتى القديس متى ليصوّر نحيب راحيل على أولادها أطفال بيت لحم الذين ذُبحوا ولم يعودوا بموجودين ولكن ليس بعد بسيف ملك بابل بل بسيف ملك اليهودية. أما الطفل الذى ركز عليه الطاغية هيرودس فقد نجا من الموت وهرب إلى مصر بإرادته لكي يموت في الوقت المناسب ويخلص العالم بموته وقيامته.
رابعًا: العودة من مصر والسكنى فى الناصرة :
” فلما مات هيرودس إذا ملاك الرب قد ظهر في حلم ليوسف في مصر قائلاً: قم وخذ الصبي وأمه وأذهب إلى أرض إسرائيل لأنه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبي. فقام وأخذ الصبي وأمه وجاء إلى أرض إسرائيل. ولكن لما سمع أن أرخيلاوس يملك على اليهودية عوضًا عن هيرودس أبيه خاف أن يذهب إلى هناك وإذ أوحي إليه في حلم أنصرف إلى نواحي الجليل، وأتى وسكن في مدينة يُقال لها ناصرة لكي يتم ما قيل بالأنبياء أنه سيدعى ناصريًا” (مت19:2ـ23).
هذا هو الحلم الثالث ليوسف (أنظر مت20:1و13:2) وفيه يأمره ملاك الرب أن يأخذ الصبى وأمه ويرجع إلى أرض إسرائيل، ذاكرًا السبب لأن الذين كانوا يطلبون نفس الصبى قد ماتوا. ومن المعروف ـ تاريخيًا ـ أن هيرودس بعد مذبحة أطفال بيت لحم، مرض مرضًا خطيرًا وسافر إلى شرقى الأردن للاستشفاء بحماماتها، ثم عاد إلى أريحا أسوأ مما كان عليه قبلاً. ومات هناك سنة 4 ق.م. وهو فى السبعين من عمره، بعد ملك دام أربعًا وثلاثين سنة.
وإذا كان الطفل يسوع قد هرب إلى مصر مع يوسف وأمه فى نفس السنة التى مات فيها هيرودس (ربما قبل الوفاة بشهور) فإن نزوله إلى مصر بعد زيارة المجوس مباشرة وبقائه فيها لم يدم كثيرًا .
ومعروف أنه بموت هيرودس خلفه ثلاثة من أولاده. الأول (أكبرهم) أرخيلاوس[11] على اليهودية والسامرة وأدومية (أنظر مت22:2)، والثانى هيرودس أنتيباس رئيس ربع على الجليل وبيرية (أنظر لو1:3)، والثالث فيلبس رئيس ربع على المناطق الشمالية مثل أيطورية وتراخونيتس (أنظر لو1:3).
كانت طاعة يوسف لأمر الملاك حاضرة دائمًا، فقام وأخذ الصبى وأمه من مصر وعاد إلى أرض إسرائيل . ولابد أن الرحلة كانت ميسّرة بعناية القدير. وربما كانت النية مبيّتة على الاستقرار فى بيت لحم لكون يوسف ومريم من بيت داود وعشيرته (أنظر لو4:2)، ولقربها من أورشليم. ولكن عند وصوله إلى أرض إسرائيل عَلِمَ أن أرخيلاوس يملك على اليهودية عوضًا عن هيرودس أبيه، فخاف. ولكى يتجنب هذا الخطر انصرف إلى نواحى الجليل فى الشمال وأتى وسكن فى مدينة الناصرة[12].
ولعل ذهاب يوسف إلى الناصرة، وهى بلدة ليست بذات قيمة وليس فقط هى وإنما كل منطقة الجليل (أنظر يو46:1، 52:7). بجانب رغبته فى تجنب الشر، أراد الله به أن يحطم من البداية ما اتسم به اليهود من افتخارهم بنسبهم إلى أسباط معينة، وإلى بلاد ذات شهرة. وأن يظهر لنا أنه ليس بمحتاج إلى الأمور الخاصة بالبشر ولكى نعلم أنه لا يجب علينا أن نزدرى بأي شئ.
وهكذا عاد يوسف ومعه الطفل وأمه إلى الناصرة وطنهم السابق. فالإنجيلى لوقا يخبرنا أن يوسف ومريم لم يصعدا إلى بيت لحم لسبب آخر إلاّ للاكتتاب (انظر لو3:2ـ5 ” وبينما هى هناك تمت أيامها لتلد فولدت ابنها البكر“). فضلاً عن أنه لم يكن لهما هناك منزل يقيمون فيه (أنظر لو7:2) ولذا فبعد أن أكملا ما صعدا لأجله عادا إلى الناصرة. كما يذكر لوقا أيضًا أنه بعد أن أكملوا كافة مراسم التطهير فى هيكل أورشليم عادوا أيضًا إلى مدينتهم الناصرة (أنظر لو39:2). وهو يقول هذا مخبرًا عن الزمن الذى سبق النزول إلى مصر لأن يوسف لم يذهب بهما إلى هناك قبل التطهير.
“لكى يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيُدعى ناصريًا “.
لا توجد فى العهد القديم نبوة بهذا النص ولذا لم يذكر القديس متى اسم نبى بالذات، بل قال ” ما قيل بالأنبياء”، وقد يعنى هذا:
أ ـ أنها نبوة شفهية لم ترد مكتوبة فى الأسفار بل تناقلتها الأجيال شفهيًا. وقد أثبت الكتاب أن هناك نبوات نطق بها الأنبياء شفهيًا ولم يسجلها الوحى مثل نبوة يونان عن رد تخم إسرائيل ” من مدخل حماة إلى بحر العربة..” أى استرداد ما كان حزائيل الآرامى قد اغتصبه. ولم ترد هذه إلاّ عند إتمامها إذ قيل ” حسب كلام الرب ـ عن يد عبده يونان بن أمتاى ” (2مل25:14).
كما ورد فى سفر طوبيت أن نينوى ستخرب كما تكلم عنها يونان (أنظر طو4:14) بينما لم يذكر سفر يونان إلاّ تهديد نينوى بالخراب الذى رُفع عنها حين تابت. كما أورد العهد الجديد فى رسالة يهوذا نبوة أخنوخ النبى وهى غير واردة فى العهد القديم ” وتنبأ عن هؤلاء أيضًا أخنوخ السابع من آدم قائلاً: هوذا قد جاء الرب فى ربوات قديسيه ليصنع دينونة على الجميع..” (آية14 ـ15)[13].
ب ـ وهناك رأى آخر يقول إن كلمة “ناصرة” مأخوذة من الكلمة العبرية Natzar ومعناها “غصن”. كما يُقال إن مدينة الناصرة كانت مُحاطة بأشجار قصيرة ولذا سُميت “غصن”. كما أن هناك أيضًا النبوات التى فيها تسمى السيد المسيح “بالغصن”، كقول إشعياء مثلاً: ” ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله ” (1:11). أى أن السيد المسيح سُمى “غصن” والناصرة تعنى “غصن” ولذا دُعى ” ناصريًا” وعليه يكون الأنبياء الذين عناهم متى والذين أوردوا هذه التسمية هم إشعياء(2:4، 1:11) وإرميا(5:23، 15:33) وزكريا(8:3، 12:6)[14].
ج ـ يُضاف إلى كل هذا أن السيد المسيح صرف فى الناصرة الجزء الأكبر من الثلاثين سنة الأولى من حياته (أنظر لو23:3، مر9:1) وربما لهذا السبب لُقب بيسوع ” الناصرى ” نسبة إليها. ولقد جاء هذا اللقب على لسان الشياطين فى اعترافها به أنه قدوس الله (أنظر مر24:1) وسمعه عنه بارتيماوس الأعمى من الجمع الغفير فى أريحا (أنظر مر 46:10ـ47). وعرّفته الجموع بهذا اللقب عندما دخل أورشليم وارتجت المدينة كلها سأله من هذا ؟ (مت11،10:21).
وأيضًا كان عنوان صليبه وعلة موته ” يسوعالناصرى ملك اليهود” (يو19:19). كما أن بطرس الرسول دعا السيد المسيح بالناصرى (أنظر أع22:2)، وكذلك بولس (أنظر أع9:26). بل إن يسوع نفسه استخدم هذا اللقب لنفسه وقت ظهوره لشاول الطرسوسى ” … وسمعت صوتًا قائلاً لى شاول شاول لماذا تضطهدنى فأجبت من أنت يا سيد، فقال لى أنا يسوعالناصرى الذى أنت تضطهده ” (أع7:22ـ8).
كما أن تلاميذ المسيح لُقبوا “بالناصريين” (أنظر أع5:24) وقد شاع هذا اللقب حتى اليوم. فالذى يقبل الإيمان بالمسيح ويعتمد يعتبر أنه “تنصر” والمعنى أنه صار تابعًا ليسوع الناصرى .
———————————-
1 مجوس: كلمة فارسية تعنى كهنة، وبالرغم من أنه فى أيام دانيال كان يُفصل بين المجوس والسحرة (أنظر مثلاً دا10:2)، إلاّ أن لفظ مجوسى كان يُستعمل أحيانًا فى وقت بدء المسيحية ليعنى ساحرًا، وكان منهم سيمون الساحر (أع9:8)، وباريشوع (أع6:13) اللذان يوصف الواحد منهما فى بعض الترجمات بكلمة “ساحر” وفى أخرى بكلمة “مجوسى”. أنظر الأنبا أثناسيوس، إنجيل متى، بنى سويف 1985، ص 103ـ104؛ وأيضًا قاموس الكتاب المقدس ص 842.
2 أنظر الأنبا أثناسيوس، إنجيل متى، بنى سويف 1985، ص104.
3 الأنبا أثناسيوس: المرجع السابق ص 104.
4 أنظر قاموس الكتاب المقدس ص 842.
5 المرجع السابق
6 أنظر القديس يوحنا ذهبى الفم، شرح إنجيل متى، الجزء الأول، ترجمة عدنان طرابلسى، لبنان 1996، ص94.
7 أنظر القديس يوحنا ذهبى الفم، “عظة فى هرب المسيح إلى مصر”، كتاب خطيب الكنيسة الأعظم، للأب إلياس كويتر المخلصى، لبنان 1988، ص 399.
8 أنظر القديس يوحنا ذهبى الفم ، المرجع السابق، ص398ـ400.
10 القديس يوحنا ذهبى الفم: المرجع السابق، ص404ـ406.
11 الكلمة ” أرخيلاوس ” يونانية وتعنى “حاكم الشعب”. وقد حدث عند ارتقائه العرش أن قام اليهود بثورة ضده فى أورشليم، أخمدها هو بالقوة. ويظهر من مثل “الأمناء” (لو12:19ـ27) أن الرب يسوع يشير إلى ما حدث عندما تسلم أرخيلاوس مقاليد الحكم. وبسبب سوء حكمه خلعه أغسطس قيصر من ملكه فى سنة 6 م ونفاه إلى بلاد الغال. وبعد ذلك تولى الحكم فى اليهودية والسامرة ولاة رومانيون من أمثال بيلاطس البنطى وغيره. أنظر قاموس الكتاب المقدس ص 46.
12 الناصرة: هى مدينة فى الجليل (أنظر لو26:1، مر9:1) تقوم على جبل مرتفع (أنظر لو18:4، 29) وتبعد حوالى 86 ميلاً (حوالى 137كم) إلى الشمال من أورشليم. ولم تكن المدينة قديمًا ذات أهمية بل كانت محتقرة ربما لأن موقعها عند تقاطع طرق القوافل التجارية جعل سكانها يختلطون بأناس من الأمم. وربما لأن الحامية الرومانية المنوط بها حماية منطقة الجليل، كانت تعسكر فيها (أنظر يو46:1).
فى الناصرة ظهر الملاك لمريم يبشرها بالحبل الإلهى (أنظر لو26:1) وإليها عادت مريم مع يوسف من مصر (أنظر مت23:2) وفيها نشأ المسيح وترعرع (أنظر لو16:4). ولكنه ما إن بدأ رسالته حتى رفضه أهلها مرتين (أنظر لو16:4ـ30، مت54:13ـ58، مر1:6ـ6). أنظر قاموس الكتاب المقدس ص 946ـ947.
كان المجوس عادتاً يختاروا كمستشارين للملوك. بسبب قدرتهم علي التنبؤ . (1)
ومن المرجح ان هؤلاء المجوس هم من بلاد فارس .وانهم كانوا من ضمن الفئة الكهنوتية.ولهم باعاً طويلاً مع التنجيم مثل ما جاء في دانيال 2 : 2 ويبدوا ان وفد المجوس عند الذهاب للاراضي المقدسة كانت زياره غير مألوفه . (2)
ربما درس المجوس ما جاء في نص سفر العدد 24 : 17 وظلوا منتظرين ولاده ملك اليهود . (3)
فالمجوس هم رجال حكماء من قبيله في بلاد فارس .ويبدوا انهم قبيله كهنوتية مثل كهنة اللاويين.وكانوا مقربين للملوك .(4)
وكلمة المجوس تشير الي طائفة كهنوتية من الفرس .ومن العجيب ان المؤرخ فيلو اشار الي بلعام باعتباره من المجوس .ومن سياق متي 2 نفهم ان المجوس هم منجمين.(5)
كان المجوس مختصين بالظواهر الطبيعية التي تتنبأ بميلاد الملوك.(6)
المراجع
1-MacDonald, W., & Farstad, A. (1997, c1995). Believer’s Bible Commentary: Old and New Testaments (Mt 1:25-2:3). Nashville: Thomas Nelson.
2-Adeyemo, T. (2006). Africa Bible commentary (1136). Nairobi, Kenya; Grand Rapids, MI.: WordAlive Publishers; Zondervan.
3- Cabal, T., Brand, C. O., Clendenen, E. R., Copan, P., Moreland, J., & Powell, D. (2007). The Apologetics Study Bible: Real Questions, Straight Answers, Stronger Faith (1405). Nashville, TN: Holman Bible Publishers.
4- Believer’s Study Bible. 1997, c1995. C1991 Criswell Center for Biblical Studies. (electronic ed.) (Mt 2:1). Nashville: Thomas Nelson.
5- Gardner, R. B. (1991). Matthew. Believers Church Bible commentary (45). Scottdale, Pa.: Herald Press.
6- Whitlock, L. G., Sproul, R. C., Waltke, B. K., & Silva, M. (1995). Reformation Study Bible, the: Bringing the light of the Reformation to Scripture: New King James Version. Includes index. (Mt 2:1). Nashville: T. Nelson