كتاب هل إله العهد القديم إله شرير؟ بول كوبان PDF

كتاب هل إله العهد القديم إله شرير؟ بول كوبان PDF

كتاب هل إله العهد القديم إله شرير؟ بول كوبان PDF

كتاب هل إله العهد القديم إله شرير؟ بول كوبان PDF

تحميل الكتاب PDF

دفاع عن وحي العهد القديم بخصوص الكنعانيين العنف في العهد القديم – برايان شيلتون – ترجمة: كريستينا هديب

دفاع عن وحي العهد القديم بخصوص الكنعانيين العنف في العهد القديم – برايان شيلتون – ترجمة: كريستينا هديب

دفاع عن وحي العهد القديم بخصوص الكنعانيين العنف في العهد القديم – برايان شيلتون – ترجمة: كريستينا هديب

من أكثر الحجج تداولا في أوساط المشككين الجدد ضد وحي العهد القديم هي أن الرب في سفر التثنية أمر الشعب الاسرائيلي بابادة الكنعانيين: “ألا تستبق منها نسمة ما بل تحرمها تحريما: …والكنعانيين… كما أمرك الرب إلهك.” (تثنية 20: 16-17)  16وأمَّا مُدُنُ هؤلاءِ الأُمَمِ الّتي يُعطيها لكُمُ الرّبُّ إلهُكُم مُلْكا، فلا تُبقوا أحدا مِنها حيًّا 17بل تُحَلِّلونَ إبادَتَهُم، وهُمُ الحِثِّيّونَ والأموريُّونَ والكنعانِـيُّونَ والفِرزِّيُّونَ والحوِّيُّونَ واليَبوسيُّونَ، كما أمركُمُ الرّبُّ إلهُكُم.

في حين أن شعوبا أخرى ذكرت في هذا السياق لكن هذا المقال سيسلط الضوء على الكنعانيين. كيف يتم الرد على الاتهام القائل بأن العهد القديم غير موحى به بسبب وجود وصايا إلهية بفناء بعض الشعوب كالكنعانيين؟ يهدف المقال التالي إلى الرد على هذا الاتهام ويهدف أيضا إلى تقديم حجج تبرهن أن الوصية الإلهية بدمار الكنعانيين عند التمعن بفهمها جيدا تنسجم تماما مع صفات الصلاح والعدل التي يتسم بها الرب وبالتالي فإن هذه النصوص الكتابية موحى بها.

أولا سيورد المقال حججا لإثبات صلاح الرب وسيتطرق إلى المسؤولية الأخلاقية التي يلقي الرب بها على عاتق جميع الشعوب بمن فيهم الكنعانيين. ثم سيتقصى المقال عدل الرب فيما يختص بمجتمعات كالمجتمع الكنعاني. يتناول الجزء الأول من المقال صلاح الرب والمسؤولية الأخلاقية.

صلاح الرب والمسؤولية الأخلاقية

ينكر النقاد فكرة أن العهد القديم موحى به لأن وصية الرب بدمار الكنعانيين تتنافى مع صلاحه فيبدو للبعض أن هذه الوصية تسهم في زيادة غموض مسألة وجود الشر وصلاح الرب. يقول ر. أ. توري في هذا السياق: “أشياء قليلة في الكتاب المقدس قد تستوقف القارئ الذكي وتجعل الملحدين يتفاخرون مثل وصية الرب بفناء بعض الشعوب.” يكمن التحدي العظيم للقارئ المعاصر في أن هذه الوصايا تعزو صفة الشر لإله صالح وخير.

بمعنى آخر، هل يمكن لإله العهد القديم الذي يوصي بمثل هذه الوصايا أن يكون هو نفسه الآب الذي يقول ابنه “أحبوا أعداءكم وصلوا لأجل الذين يضطهدونكم لكي تكون أبناء أبيكم الذي في السموات”؟ (متى 5: 44-45).

قبل أن نتطرق لطبيعة الوحي بنصوص العهد القديم المذكورة أعلاه، علينا أولا أن نعرف مفهوم “صلاح الرب” الذي ينطوي على عدة أوجه ليست بالبساطة التي يظنها المشكك العادي. يقدم ميلارد. ج. إريكسون تعريفا استثنائيا حيث يقول إن “النقاء الأخلاقي” للرب والذي يشكل عنصرا من “صلاح الرب” يتضمن الأبعاد التالية: القداسة، البر، والعدل. والعدل يرتبط بطبيعة الرب الصالحة وسيتم معالجته في الجزء التالي من المقال في حين أن هذا الجزء سيناقش قداسة الرب وبره.

إن القداسة هي أولى نواحي النقاء الأخلاقي للرب والتي يصفها إريكسون بأنها تتضمن ما “دعاه لويس بيركفوت بجلال وقداسة الله.. والنواحي الأخرى من قداسته.. كنقائه المطلق وصلاحه.” بما أن يهوه هو الرب القدوس، لا يمكنه التسامح مع الشر. كما يقول النبي حبقوق للرب عينان: “أَطْهَرُ مِنْ أَنْ تَنْظُرَا الشَّرَّ، وَلاَ تَسْتَطِيعُ النَّظَرَ إِلَى الْجَوْرِ” (حبقوق 13:1). كما أن يسوع يعلن أنه في يوم الدينونة الأخير أولئك الذين ارتكبوا الشر سوف يخرجون إلى “قيامة الدينونة.”

الجانب الثاني من من نقاء الرب الأخلاقي يتعلق ببر الرب الذي يصفه إريكسون بأنه: “قداسة الله فيما يختص بعلاقته مع الكائنات الأخرى.” ولكن إن كان هذا هو الحال، فهل ناقض الرب قداسته بعد أن أمر بفناء الكنعانيين؟ لا يبدو هذا الأمر وارداً إن ارتكب الكنعانييون الشرور وكانوا مدركين لشرهم.

سوف يتوسع الجزء المقبل من المقال في الحديث عن شرور الكنعانيين بالتطرق إلى العدالة. بما أن الرب قدوس وبار، على المرء أن يستاءل: إن ارتكب الكنعانييون شرور عظيمة فهل يا ترى “كانوا على دراية بما يفعلون؟” يظهر القديس بولس أن: “غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ. إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ.” (رومية 1: 18-19) وبالتالي فإن جميع الشعوب تخضع لحساب الرب.

ويشير بول كوبان أن الكنعانيين أعطوا وقتا كافيا لتغيير مسلكهم. “بناءا على النص الكتابي، كان يهوه مستعدا للانتظار 430 عاما…بمعنى آخر، في أيام إبراهيم لم يكن الزمان قد حان بعد لمحاسبة الكنعانيين. لم تحن الساعة لطردهم ولكي “تقذفهم الأرض.” (لاويين 18: 25). يمكن بالتالي الوصول للخلاصة إلى أن الكنعانيين لم يكونوا مدركين فحسب لأفعالهم (وهم لذلك أشرار حقا) لكنهم منحوا فرصا عدة لتغيير سلوكهم.

يهوه يظهر حكما على أنه إله المغفرة فقد غفر لأهل نينوى بعد توبتهم بحسب سفر يونان. بناءا على الأدلة المطروحة، فإن الكنعانيين كانوا مسؤولين عن زوالهم. تطرق القسم السابق إلى أول صفتين في نقاء الرب الأخلاقي والقسم المقبل سيعالج الصفة الثالثة: عدالة الله.

عدالة الله وشر الكنعانيين

يقول نورمان جايزلر: “يدعي نقاد الإنجيل أن مثل هذا التدمير القاسي للممتلكات والأرواح البريئة لا يمكن أن يكون مبررا أخلاقيا. يبدو أنه يناقض وصية الرب بعدم قتل الأناس الأبرياء.” بالطبع، هذا الاتهام لا يأخذ في الاعتبار عدالة الله. يقول إريكسون أن الرب لا يتصرف وحسب “بالاتفاق مع شريعته لكنه أيضا يقدم ملكوته طبقا لهذه الشريعة… عدالته هي بره ومطلبه بأن يلتزم الخلق الواعي بهذه المعايير أيضا.” يورد الإنجيل عدة إشارات إلى حيادية الرب (لاويين 19: 15، لوقا 20: 21، أعمال: 10: 34، رومية 2: 11، غلاطية 2: 6، أفسس 6: 9، كولوسي 3: 25، ويعقوب 2:1).

كما يقول سمعان بطرس أن الرب يرجىءعودة المسيح لأنه: “يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُولاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ.” كما ورد سابقا، أعطي الكنعانيون فرصا للتوبة لكنهم لم يغتنموها مما يعني أنهم بالفعل أشرار ولكن على المرء أن يتساءل: “ما مدى شر الكنعانيين؟”

يتجلى شر الكنعانيين أولا في عبادتهم للأصنام. يقول تشيشلوم في حديثه عن الكنعانيين أنهم: “كانوا يؤمنون أن بعل كان ملكا بين الآلهة (تحت السلطة المطلقة للإله الأعلى إل) وبمساعدة الإلهة عانات هزم بعل البحر الهائج والموت… كان مصدر الخصوبة البشرية والازدهار الزراعي.

لهذا كان بعل مغريا جدا بالنسبة لشعب إسرائيل.” أظهر يهوه قوته على مصر من خلال إصداره لعدة أحكام تختص بالآلهة المصريين. لذلك حسب تشيسموث، كان على الناس الإدراك أن “تحدي سلطته الملكية بمثابة انتحار.”

ثانيا، كان الكنعانيون أشرارا في ممارساتهم. يشير كوبان إلى نواح معينة من شرور الكنعانيين في قوله إن “الآلهة الكنعانيين مارسوا سفاح القربى… الزنى (ممارسة الجنس في المعبد)، إتيان الحيوانات، والممارسات الشاذة (أيضا ممارسة الجنس في المعبد)، وأيضا التضحية بالأطفال كانت مباحة… فلنضف إلى ذلك تعطش آلهة الكنعانيين إلى الدماء والعنف.

عانات باعتبارها راعية الجنس والحرب مثلا.. كانت تشرب من دماء ضحاياها وتجلس محاطة بالجثث. والكنعانييون أنفسهم لم يكونوا بريئين البتة حيث انخرطوا أيضا في ممارسات آلهتهم. بالمختصر، كان الكنعانيون مجتمعا شريرا مارس تأثيرا لا يستهان به على شعب الله.

لا يمكن لصلاح الله أن يسمح للشر بالاستمرار ولكن ذلك لا يعني أن الرب كان سعيدا بإصدار تلك الأوامر. كما يقول ويليام، يبدو أن “الأوامر الإلهية يمكن أن تطلق بقلب مثقل أشد الثقل… فالأمر والسماح نسبيان وليسا ضدان متعاكسان.”

بالإضافة إلى ذلك، وكما يوضح كوبان “يجب الالتفات إلى دليل علم الآثار القوي الذي يشير إلى أن المدن الكنعانية المستهدفة مثل أريحا وآي لم تكن مدنا مكتظة بالسكان من الأطفال والنساء بل حصون عسكرية وحاميات من أجل حماية المدنيين غير المحاربين في البلد الموجود على التل… ومن حين لآخر كانت توجد نساء من اللواتي يشرفن على الحانات في تلك القلاع.” قد يدعي الناقد أن أوامر تقضي بإبادة أو طرد بعض الشعوب هي أوامر شريرة.

ولكن من أجل فهم شرور وفساد المجتعمات العاصية يتوجب طرح السؤال التالي: “هل يمكن أن يبقى الله صالحا وفي آن معا يسمح لهذا الشر بالاستمرار من دون عقاب؟” تتداخل طبيعة الله الصالحة مع عدله. كان الله محقا في الدعوة إلى الحرب ضد الكنعانيين حيث غالبا ما يستخدم الرب شعوبا كأداة لإحقاق حقه (رومية 4: 13).

إن لم يكن ذاك هو الحال فسيستمر الشر بلا حياء ويستشري في مجتمعات مجاورة وبالنهاية سيغلف العالم أجمع. يمكن القول إنه لم يكن للرب أن يحفظ صلاحه من دون أن يأمر بهزيمة مجتمع شرير.

الخلاصة:

أظهرت هذه الدراسة أن نصوص الكتاب المقدس التي تتناول أوامر الرب بالقضاء على الكنعانيين هي نصوص موحى بها حيث بينت الدراسة أن هذه الأوامر تتماشى مع بر الله وعدله. لأن الرب صالح فلا يمكنه أن يسمح للشر بأن يستمر. كان الكنعانييون كما رأينا شعبا شريرا بعبادته الأصنام وانحلاله الجنسي وعنفه الشديد. لذلك كان الله محقا حين أمربغزوهم وبناءا على ذلك تحتفظ نصوص العهد القديم الجدلية بموثوقية إيحائية حيث تظهر أن إله العهد القديم هو نفسه إله العهد الجديد.

 

 المراجع

Berkof، Louis. Systematic Theology. Grand Rapids: Eerdmans، 1953. In Millard J. Erickson. Christian Theology، 2nd Edition. Grand Rapids: Baker Academic، 1998.

Chisholm، Robert B، Jr. “Yahweh Versus the Canaanite Gods: Polemic in Judges and 1 Samuel 1-7.” Bibliotheca Sacra 164، no. 654 (April 1، 2007): 165-180. Accessed February 12، 2015. ATLA Religion Database with ATLASerials، EBSCOhost.

Copan، Paul. “Are Old Testament Laws Evil?” In God is Great، God is Good. Edited by William Lane Craig and Chad Meister. Downers Grove: IVP، 2009.

__________. Is God a Moral Monster? Making Sense of the Old Testament God. Grand Rapids: Baker، 2011.

Erickson، Millard J. Christian Theology، 2nd Edition. Grand Rapids: Baker Academic، 1998.

Geisler، Norman L. Baker Encyclopedia of Christian Apologetics، Baker Reference Library. Grand Rapids، MI: Baker، 1999.

Torrey، R. A. Difficulties in the Bible: Alleged Errors and Contradictions. Willow Grove: Woodlawn Publishing، 1998.

Williams، Stephen N. “Could God have commanded the slaughter of the Canaanites?” Tyndale Bulletin 63، no. 2 (January 1، 2012): 161-178. Accessed February 12، 2015. ATLA Religion Database with ATLASerials, EBSCOhost.

دفاع عن وحي العهد القديم بخصوص الكنعانيين العنف في العهد القديم – برايان شيلتون – ترجمة: كريستينا هديب

هل إله العهد القديم قاسي وعنيف؟ ترجمة: ايفيت سابا

هل إله العهد القديم قاسي وعنيف؟ ترجمة: ايفيت سابا

هل إله العهد القديم قاسي وعنيف؟ ترجمة: ايفيت سابا

الرب يحبك. ماذا تستنتج عندما تدرك هذه الحقيقة؟ هذه الحقيقة تشير إلى أن الله هو بجوارك. فلا يتوجب عليك أن تقلق في مسيرتك في الحياة. ولكن يعتقد البعض أن الله يحبهم وحدهم فقط دون الاخرين.

 

ولذلك هم يتناسون أن الله يحب أيضا أصدقاؤهم وأعداؤهم ومنافسيهم أيضا. قد لا يروقهم أن ينجح غيرهم في الحياة وبطريقة ما يعتقدون أن حب الله لهم يعني أن شروق الشمس وغروبها هو لأجلهم فقط لا غير. نجد هذا التفكير عند الفريسيين إذ كانوا يعتقدون أن الله يحب اليهود فقط وهذا صحيح ولكنهم كانوا يتوهمون أن الله أحب فقط الذكور فقط من اليهود وكانوا يحتقرون. المرأة والمتحولين جنسيا وغير اليهود.

 

ونسوا إدراك محبة الله وعنايته الشاملة. وهو نفس السبب الذي لم يدركه البيض والطبقة العليا في الهند أن العبيد والمنبوذون هم بشر أيضا. …. وهذه أمثلة على سوء تفسير رسالة الله ويعود السبب في هذا إلى الوضع السياسي والاجتماعي الذي ينشأ فيه المرء.

 

وأعتقد أن هذا الأمر ينطبق على عدة أمثلة في العنف في العهد القديم. فعلى سبيل المثال عندما جلب الله مجموعة من العبيد من مصر وأعطاهم ارض الموعد. نتساءل ماذا كانت أرادة الرب في هذا الأمر؟ هل كان الله فعلا يؤيد طرد سكان تلك الأرض؟ أعتقد إن الرب أراد أن يقدم لجماعة من العبيد المتجولة وطناُ إلى جانب السكان الموجودين في هذه المناطق فلم يكن الرب مؤيدا لاقتلاعهم من أرضهم.

 

هذا مثال على سوء تفسير رسالة الرب. بعبارة أخرى، قام اليهود بتفسير سخاء الرب معهم على أنه تمييز ومحاباة لهم تماما مثلما فعل الفريسيون في محبة الرب من باب الشوفنيية الذكورية المزروعة فيهم.

 

في نفس الوقت، نجد عدة مقاطع من الكتاب المقدس تشير إلى إقرار الله كما تظهر النصوص بالقضاء على جماعة ما من البشر. بالإضافة إلى التفسير الخاطيء المشار إليه أعلاه فانه يمكن المناقشة أن الله حاول أن يبلغ الكنعانيين رسالته باحتواء جحافل جماعات العبيد القادمة ولكنهم اظهروا ترددا في إفساح المكان.

 

تماما كما تفعل الدول المزدهرة التي لا تريد استقبال اللاجئين الأفارقة أو السوريين أو عدم رغبة الهند الجديدة في إيواء اللاجئين من الروهينجا…. بكلمات أخرى، هنالك سوء تفسير في نفس الوقت من قبل الكنعانيين وبهذا فانهم يقفون في طريق تحقيق خطة الله لإيواء اللاجئين

وهنا يبدو أن الله قد اقر عقوبة على تلك الجماعة.

 

ومهما كانت الفلسفة التي تتبناها، فان هذه الاستثناءات تبدو واضحة فلنأخذ على سبيل المثال، دعاة البيئة ومحبي الحيوانات، فانهم محقون في قولهم إن جميع الكائنات الحية لها قيمة جوهرية وبالتالي فان لها حقاُ في أن تعيش وأن قيمتها لا تستند على مدى فائدتها للإنسان وبالتالي لا يحق للإنسان أن يقتلها ولكن هل يمكن أن نعيش وفقا لهذه المقولة؟

 

فعلى سبيل المثال، فيروس كورونا المتناهي الصغر … انه كائن حي ويتمتع كبقية الكائنات الحية بقيمته الجوهرية ولكن بما انه يؤذي الإنسان فإننا نحتاج إلى التخلص منه وبالتالي نقوم باستخدام معقمات لقتله والا فانه سيقتلنا (أرجو ألا يصاب به أحد منا). حتى في حالة شخص يريد أن يعيش دون أن يقتل أي كائن حي فانه سيتوجب عليه قتل هذا الفيروس لكي يبقى هو. وبالتالي هنالك حالات يتوجب فيها خرق الفلسفة الأساسية التي يؤمن بها الفرد.

 

وبالتالي، حتى عندما يتوقع الرب أن يعيش شعب الله في انسجام وسلام فلا يتوقع أن يجعلوا من اللا عنف صنما، أذاً هناك حالات قد يضطر فيها إلى القتل مثل عقوبة الإعدام وحتى القضاء التام عليهم سواء كنت تخدم في القوات المسلحة أو إن لم يعد هناك خيار آخر.

 

ولكن يتم اللجوء إليهما في حالة الخيار النهائي فقط: أن الشخص الذي اختبر محبة الله الشاملة كان النبي يونان.

 

“أَفَلاَ أَشْفَقُ أَنَا عَلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنِ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رِبْوَةً مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ يَمِينَهُمْ مِنْ شِمَالِهِمْ، وَبَهَائِمُ كَثِيرَةٌ؟».” (يونان 4: 11).

 

الخلاصة هي أن الله محبة وأرادته أن يعيش الجميع بانسجام ولا يريد إيذاء أحد مع وقوع استثناءات أحيانا ولكن غاية الله هي المحبة تلك المحبة التي تجسدت في يسوع المسيح.

 

هل يقر الله العنف؟

يتساءل الكثيرون إن كان الله قد أقر النهب الكامل لمجتمع ما، فانه لا يشمل الشعوب التي عاشت حياة في شر ومعصية بل انه يشمل أيضًا الأبرياء مثل الأطفال.

 

ومع ذلك فإننا نرى صورة مختلفة تماما لله في العهد الجديد حيث يخبرنا يسوع بان الآب يشرق شمسه على الأبرار والأشرار ويرسل المطر على الأبرار والخطأة (متى 45.5) وكذلك نرى في مواقع عدة أخرى بأن يسوع يصف الله بانه إله محب، يحب الخطأة ويكره الخطيئة. بمعنى آخر فان يسوع قد اظهر محبة الله وأكدها.

 

أن كان يسوع هو لله المتجسد وأن الله محبة، حتى أن العهد القديم يدعم هذا القول. يقول الله في تك 32: 1 انه حتى لو أن الله وجد عشرة أبرياء في المدينة فانه لن يتم تدمير المدينة….. وفي سفر يونان، لم يكن النبي قادراُ على قبول النعمة الإلهية وان الله يمكن أن يغفر للخطأة. ولهذا السبب، أعتقد أن المهم هو ليس كلام الله فحسب بل تفسير الناس لكلام الله.

 

فكيفية تلقي شخص أو جماعة لرسالة الله مرتبط بترتيبات اجتماعية سياسية وفكرية معقدة تسيطر على فهم الناس. فعلى سبيل المثال، كان التعذيب العلني للمجرمين أمراُ مقبولا اجتماعيا حتى القرن الماضي. فكان من عادة الناس التجمع بأعداد كبيرة ليشهدوا عمليات الشنق وقطع الرؤوس والإعدام بالمقصلة التي كانت تتم علنا.

 

ولكن الآن، فان الناس في عدة أماكن في العالم يمقتون أساليب العقاب هذه التي تصدر بحق أعتى المجرمين. ففي هذه الأيام تأقلم تفكيرنا بحيث أصبحنا نرفض أي شكل من أشكال العنف فحتى رؤية حادث ما، قد يؤدي إلى أصابتنا باضطرابات ما بعد الصدمة لان أنظمتنا المعرفية قد تغيرت….. لقد رقت قلوبنا.

 

وتذكروا أن الأحداث وقعت قبل ألفي عام… حينها كان القتل أمراُ مثل ممارسة الرياضة فكانت الناس تجد تسلية في رؤية منازلات ومصارعات تؤدي إلى الموت فكانت الحلبة تشهد نزالات بين المصارعين

حينها لم تكن الجماهير تهتف لتحقيق هدف في مباراة كرة قدم، بل كانوا يهتفون لإراقة دم خصومهم. وبالتالي، فان أغلب أحداث التوراة كتبت في مثل هذه الفترة حيث كان العنف أمراُ عادياُ وهذا يؤثر على كيفية تفسير الرسالة.

 

حينها كان النمط العلني للعقاب يعتبر رادعاُ إضافة إلى كونه عقاباُ، ورأوا ذلك ضرورياُ للحفاظ على النظام في المجتمع فمن المحتم أن كل الرسائل الإلهية كانت تفهم ضمن هذا السياق.

 

إليكم هذا المثال الفرضي: السيد جون سكير ويؤذي الاخرين حينما يكون ثملاً. لنر ردة الفعل في زمنين:

  • زمن التوراة
  • الزمن الحاضر

 

في زمن التوراة:

إن قال الله أنا أكره السيد جون لأنه سكير، كان اعتقاد البشر أن الله يكره السيد جون وكانوا يفترضون أن إجراءات العقاب يجب أن تشتمل على العنف بالضرورة وأحيانا موته (في بعض الحالات القصوى) تمتد إلى عائلته كلها. وكان من المفترض أن هذه الإجراءات تعمل عمل إنذار للحفاظ على النظام في المجتمع. وقتها كانت الناس تعمل وفق قناعة بان مشاركتها في إجراءات العقوبة العنيفة هي مشاركة في إنجاز مهمة الله.

 

في وقتنا الحالي:

الآن، هذه الناس تعارض استخدام التعذيب والقتل ضمن إجراءات العقاب وعليه.. أن قال الله الآن أنا أكره السيد جون لأنه سكير، فإننا نعلم أن الله حقيقة يحب السيد جون ولكنه لا يوافق على أسلوب حياته. وسنقول إن أساليب الله الإصلاحية تتضمن برامج إعادة تأهيل مناسبة وإننا بصفتنا شعب الله فان مهمتنا هي مساعدة السيد جون على التخلص من الإدمان باستخدام كل الأساليب الدينية والطبية والنفسية.

 

وعليه، نرى انه طرأ تغيير على فهمنا لكيفية عمل الله. ليس لأن الله تغيير بل لأن مفهومنا الحضاري قد تغيير. وسيكون تفسيرنا لرسائل الله متماشيا مع مفاهيمنا الحضارية الجديدة. وعليه فإن الكثير من محبة الله ونعمته قد ضاعت في ترجمة البشر لها.

 

 

المرجع:

Does God sanction violence? Is God cruel?

هل إله العهد القديم قاسي وعنيف؟ ترجمة: ايفيت سابا

لماذا قتل إيليا كل انبياء البعل ال 450؟ – العنف في العهد القديم – ترجمة: مينا خليل

لماذا قتل إيليا كل انبياء البعل ال 450؟ – العنف في العهد القديم – ترجمة: مينا خليل

لماذا قتل إيليا كل انبياء البعل ال 450؟ – العنف في العهد القديم – ترجمة: مينا خليل

لماذا قتل إيليا كل انبياء البعل ال 450؟ – العنف في العهد القديم – ترجمة: مينا خليل

ايليا نفذ الشريعة وقانون الله لإسرائيل في تثنية 13 يتكلم انه ان قام نبي كذاب ليضل الشعب. يحكم عليه بالقتل لأنه لا يفسد اسرائيل بل يعتبر كخائن خيانة عظمة لدولة اسرائيل. وفي هذا الزمن يحاكم الخائن لأي دولة بالإعدام. بالإضافة الي الممارسات التي تتبعها من يتبعون عبادة البعل من تقديم ذبائح بشرية وغيره مما يصنف كجرائم يعاقب عليها القانون الحالي بالإعدام. اعمال الشر والجرائم التي ارتكبها انبياء البعل تستوجب حكم الموت.

12 ان سَمِعْتَ عَنْ إِحْدَى مُدُنِكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ لِتَسْكُنَ فِيهَا قَوْلاً:

13 قَدْ خَرَجَ أُنَاسٌ بَنُو لَئِيمٍ مِنْ وَسَطِكَ وَطَوَّحُوا سُكَّانَ مَدِينَتِهِمْ قَائِلِينَ: نَذْهَبُ وَنَعْبُدُ آلِهَةً أُخْرَى لَمْ تَعْرِفُوهَا.

14 وَفَحَصْتَ وَفَتَّشْتَ وَسَأَلْتَ جَيِّدًا وَإِذَا الأَمْرُ صَحِيحٌ وَأَكِيدٌ، قَدْ عُمِلَ ذلِكَ الرِّجْسُ فِي وَسَطِكَ،

15 فَضَرْبًا تَضْرِبُ سُكَّانَ تِلْكَ الْمَدِينَةِ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَتُحَرِّمُهَا بِكُلِّ مَا فِيهَا مَعَ بَهَائِمِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ.

(سفر التثنية 13: 12-15)

فالشريعة لا تامر قتل الانسان العادي الذي يعبد اوثان او انبياء الامم فلم يقتل ايليا انبياء السواري بل اتي بهم الي الكرمل ليقول لهم ان انبياء البعل يقدمون ذبائح ويضلون الشعب فانا فقاضي احكم عليهم بحكم الاعدام. وأنتم ايضاً كاذبين فلا تقعوا في نفس الامر حتى لا يصيبكم نفس الجزاء.

فالتشريع اختص بمن يقود اسرائيل الي الهاوية وهم الذين كانوا يقدمون ذبائح فالتضحية بأشخاص أفضل من الهلاك الجماعي لإسرائيل. فإيليا قال امسكوا انبياء البعل أي انه ترك انبياء السواري وهذا ما يذكروا ملوك الاول 22: 6 كان اخاب يريد ان يحارب ارام ويذكر انبياء السواري الأربعمائة.

حينما نذهب الي دولة ينبغي احترام قوانينها. فان كان القانون ينص على ان أي تمرد او خيانة للدولة عقوبته الاعدام. فكاي مواطن عادي سألتزم بالقانون. اسرائيل في ذلك الوقت رئيسها هو يهوه نفسه. وهو الذي وضع قوانين لحمايتها في شعوب الغاب شعوب ما قبل التاريخ الذي فيها القوي يأكل الضعيف. ولعزل أي شخص يسبب فساد او سقوط لإسرائيل إذا لم يلتزم به أحد يطبق عليه القانون وهو يشبه ما يسمي اليوم بالخيانة العظمي.

لقد تقدم إيليا بعد ان حاول انبياء البعل من ان يسألوا البعل ان ينزل نار بدون اي نتيجة وفي اقل من دقيقه عندما صلي إيليا الى الله. فقد أرسل الله نارا من السماء وقد اندهش الجموع ووقعوا على وجوههم يصرخون.

فَلَمَّا رَأَى جَمِيعُ الشَّعْبِ ذلِكَ سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَقَالُوا: «الرَّبُّ هُوَ اللهُ! الرَّبُّ هُوَ اللهُ! (ملوك الأول 18:39).

كان يمكن لهذه النار ان تنزل على انبياء البعل لكن كانت النار هي نار اشارة الي قبول الذبيحة.

تم القتل بواسطة الموجودين هناك ولكن لأسباب لغويه من الممكن ان تقرا ان ايليا قد قتل انبياء البعل لأنه من أصدر الحكم حتى يضعوا للموت.

لماذا اختار ايليا نهر قيشون بدل من جبل الكرمل؟ من الممكن ان نخمن انه لم يرد ان يدنس المكان الذي قبلت فيه الذبيحة عندما اظهر الله قدسيته بمعجزه.

وفي ضوء هذا يمكن ان نرى ان رد فعل الناس من حكم ايليا كان مفهوم ومقبول جدا وايضا هذا متفق عليه طبق شريعة موسى حيث ان كان امرا بالغ الأهمية وله العقوبة الشديدة ان يسئ المرء في حق قدسيه الله وحقيقته.

يقول كتاب

Clarke, A. (1999). Clarke’s Commentary: First Kings (electronic ed.). Logos Library System; Clarke’s Commentaries (1 Ki 18:40). Albany, OR: Ages Software.

لا تتركوا أحد منهم يهرب لقد ارتكبوا جريمة ضد الدولة والشعب من خلال ادخالهم العبادة الوثنية واسقاط شريعة الله ارضاً. وكان اخاب حاضر وقد وافق على هذا العمل كنوع من العدالة.

يقول كتاب

Patterson, R. D., & Austel, H. J. (1988). 1, 2 Kings. In F. E. Gaebelein (Ed.), The Expositor’s Bible Commentary, Volume 4: 1 & 2 Kings, 1 & 2 Chronicles, Ezra, Nehemiah, Esther, Job (F. E. Gaebelein, Ed.) (145). Grand Rapids, MI: Zondervan Publishing House.

ان هذه الجرائم في حق الانسانية والله تستحق هذه العقوبة بحسب تثنية 7: 2 – 6 وتثنية 13: 13 – 15 وتثنية 17: 2 – 5.

لماذا قتل إيليا كل انبياء البعل ال 450؟ – العنف في العهد القديم – ترجمة: مينا خليل

الشك ف الكمين – هل إله العهد القديم إله دماء؟ 2

الشك ف الكمين – هل إله العهد القديم إله دماء؟ 2

الشك ف الكمين – هل إله العهد القديم إله دماء؟ 2

الشك ف الكمين – هل إله العهد القديم إله دماء؟ 1

الشك ف الكمين – هل إله العهد القديم إله دماء؟ 1

الشك ف الكمين – هل إله العهد القديم إله دماء؟ 1

كيف يقتل الرب رجلاً خاف أن يقع تابوت العهد على الأرض؟ – ديفيد لامب

كيف يقتل الرب رجلاً خاف أن يقع تابوت العهد على الأرض؟ – ديفيد لامب (بتصرف)

كيف يقتل الرب رجلاً خاف أن يقع تابوت العهد على الأرض؟ – ديفيد لامب (بتصرف)

كيف يقتل الرب رجلاً خاف أن يقع تابوت العهد على الأرض؟ – ديفيد لامب (بتصرف)

يتناول الباحث ديفيد لامب قصة موت عزة عند لمس التابوت ويوضح الاسباب بطريقة منطقية وموضوعية بعيداً عن السطحية في الحديث. بشكل جذاب وعصري.

هل إله العهد القديم سيء الطبع؟

جاء سام وقال لأمه في 2009 “كلما قرأت العهد القديم أجد ان الله سيء الطبع. لكن في العهد الجديد ليس غاضب على الاطلاق لكن محب ” كان هذا الحديث فكاهة تلفزيونية. فهل إله العهد القديم غاضب حقاً وسيء الطبع؟

يلعب اثنين من الرجال الجولف. قس ورجل كبير من الكنيسة. القس ضرب الكرة ضربة جيدة ووقعت أسفل الممر. بينما الرجل الكبير ضربها بشكل سيء فوقعت في البحيرة. ثم صاح وقال اللعنة فقدتها.

ثم قال له القس كن حذر من ان تلعن الله والا سيضربك الرب بالبرق.

في الثقب المقابل ضرب القس الكره على بعد خمس اقدام. والمسن ضربها على الارض الخضراء وقال بصياح اللعنة “فقدتها ” فحذره القس مرة اخري كن حذر والا سوف يضربك الله بالبرق.

وفي المرة الثالثة نجح القس في ضرب الكورة لكن المسن ضربها بعيد عند الغابة وصاح اللعنة فقدتها. وعلى الفور اظلمت الدنيا والرياح جاءت والبرق اومض في السماء ولم يضرب المسن ذو الاسنان المكسورة بل ضرب القس. ويسمع الرجل المسن كلمة من السماء اللعنة لقد “فقد”

فان كان هناك تصور شعبي في الذهن ان الله غاضب يجب ان يضرب من لديه الاعتقاد بهذا بالبرق لان فعلته تافهة هو جعل الله كالمجنون. بالطبع هذه النكتة ولها العديد من الاشكال مثل البيسبول او الصيد ايضاً بالبحث في جوجل.

فسوف نناقش فكرة الحب الالهي والغضب الالهي. من خلال مقاطع العهد القديم سنفهم لماذا يغضب الله. كيف يغضب وما معني الغضب.

لماذا ضرب الرب عزة؟ في صموئيل الثاني 6: 1 – 8

سقط تابوت العهد في ايدي الفلسطينيين في صموئيل الاول. واخيرا نجح داود في استعادة التابوت المفقود وإرجاعه الي أورشليم مع جميع الرجال المختارين. في موكب من ثلاثين الفاً وخرج داود مع جميع الناس من بعلة يهوذا ليصعدوا من هناك تابوت الله. الذي يجلس عليه الكروبيم فحملوا تابوت الرب على عربة جديدة واخرجوه من بيت أبيناداب وكان عزة وأخيو، ابنا أبيناداب يسوقان العجلة الجديدة. وكان أخيو يسير أمام التابوت.

وداود وكل بيت إسرائيل يلعبون أمام الرب بكل أنواع الآلات من خشب السرو، بالعيدان وبالرباب وبالدفوف وبالجنوك وبالصنوج. ولما انتهوا إلى بيدر ناخون مد عزة يده إلى تابوت الله وأمسكه، لأن الثيران انشمصت فحمي غضب الرب على عزة، وضربه الله هناك لأجل غفلة، فمات هناك لدى تابوت الله. فاغتاظ داود لأن الرب اقتحم عزة اقتحاما، وسمى ذلك الموضع «فارص عزة» إلى هذا اليوم.

سنركز على هذه الكلمات المتكررة في هذا المقطع من صموئيل الثاني 6 “كل” “غضب ” “الرب “.

الاحتفالات شملت موكب كبير من الرقص والاحتفال. فجأة اهتزت العربة والثيران تعثرت على استكمال المسيرة. وكان عزة يسير بجوار التابوت. يحاول ان يجعل التابوت ثابت. لكن الرب غضب على عزة ومات على الفور.

ما الذي يدفع الله لهذا الغضب؟ فلم يكن عزة يفعل شيء سوي انه يريد حماية تابوت العهد من الوقوع. بالتأكيد ما فعلة عزة لا يستحق ان يموت. لماذا قتله الرب؟ حتى ديفيد اغتاظ من الرب لأجل هذا الامر. هذا مثل يعطينا سمعة سيئة لإله العهد القديم.

بالدراسة حول سؤال لماذا غضب الله؟ نجد ان هناك ثلاثة اسباب رئيسية.

اولا: حمل التابوت. قال الرب للإسرائيليين عن كيفية حمل تابوت العهد ولم يطيعوه. وقد اوصي الرب عدم نقلة على عربة بل كان يحمل تابوت العهد الكهنة من خلال حلقات ذهبية.

خروج 25: 10 – 15

10 «فيصنعون تابوتا من خشب السنط، طوله ذراعان ونصف، وعرضه ذراع ونصف، وارتفاعه ذراع ونصف. 11 وتغشيه بذهب نقي. من داخل ومن خارج تغشيه، وتصنع عليه إكليلا من ذهب حواليه. 12 وتسبك له أربع حلقات من ذهب، وتجعلها على قوائمه الأربع. على جانبه الواحد حلقتان، وعلى جانبه الثاني حلقتان. 13 وتصنع عصوين من خشب السنط وتغشيهما بذهب. 14 وتدخل العصوين في الحلقات على جانبي التابوت ليحمل التابوت بهما. 15 تبقى العصوان في حلقات التابوت. لا تنزعان منها.

وسفر العدد 4

15 ومتى فرغ هارون وبنوه من تغطية القدس وجميع أمتعة القدس عند ارتحال المحلة، يأتي بعد ذلك بنو قهات للحمل ولكن لا يمسوا القدس لئلا يموتوا. ذلك حمل بني قهات في خيمة الاجتماع.

وسفر العدد 7

7 اثنتان من العجلات وأربعة من الثيران أعطاها لبني جرشون حسب خدمتهم، 8 وأربع من العجلات وثمانية من الثيران أعطاها لبني مراري حسب خدمتهم بيد إيثامار بن هارون الكاهن. 9 وأما بنو قهات فلم يعطهم، لأن خدمة القدس كانت عليهم، على الأكتاف كانوا يحملون.

وتثنية 10

8 في ذلك الوقت أفرز الرب سبط لاوي ليحملوا تابوت عهد الرب، ولكي يقفوا أمام الرب ليخدموه ويباركوا باسمه إلى هذا اليوم.

فالله كان توجهاته واضحة فلا يوجد نص غامض لما يريده الرب في حمل التابوت وطريقة نقلة. وكانت اسرائيل دائما تنقله بالطريقة الصحيحة. ونجد هذا في (التثنية 31: 9 , 25. ويشوع 3: 3 , 15 , 17. ويشوع 4: 9 , 10 , 18، ويشوع 6: 6 ويشوع 8: 33 وصموئيل الاول 4: 4)

قد يري البعض ان الرب مصاب بقلق في نقل تابوت العهد يشبه الوسواس القهري. وحساسية شديده. لكن هذا القياس قد يساعدنا على فهم الاحتياطات في ذلك الزمن. كان التعامل مع تابوت العهد خطير بطبيعته. مثل التعامل مع المواد المشعة او النووي حالياً. ان كان الناس لا يأخذون الحذر عند نقل البلوتونيوم. يموت الناس. فقد تكلمت اللجنة التنظيمية النووية الامريكية NRC عن مبادئ نقل البلوتونيوم يشبه تماماً ما جاء في اسفار موسي الخمسة في نقل تابوت العهد.

بإمكانك فحص موقع NRC لتري تعليمات نقل البلوتونيوم. فالله أعطى التحذيرات. ولقد مات العديد من الناس بسبب البولوتونيوم في خليج المكسيك في ابريل 2010؟ فالله يريد حماية اسرائيل من التهور مع التابوت. لان الله أقوى من البلوتونيوم.

فعلي الرغم من قول الرب لهم في التثنية والخروج وسفر العدد لم يسمعوا وصاياه. ربما يقول البعض قد نسوا هذا امر غير منطقي فاذا درست التابوت ستجد انه من الصعب النسيان لوجود حلقات على الجوانب. بحيث من اول نظرة تنظر تعرف انه يجب ان يحمل بواسطة اكتاف الكهنة. ونحن نعلم الطريقة الصحيحة لحمله.

لان بعد حادث عزة قد حملوا التابوت بشكل صحيح بثلاثة أشهر وهذا ما نجده في صموئيل الثاني 6: 13.

وكان كلما خطا حاملو تابوت الرب ست خطوات يذبح ثورا وعجلا معلوفا.

وفي سفر اخبار الايام الاول اعلان واضح أنى الرب كان غاضباً لعدم حمل التابوت بشكل صحيح في اخبار الايام الاول 15: 11 – 13

11 ودعا داود صادوق وأبياثار الكاهنين واللاويين: أوريئيل وعسايا ويوئيل وشمعيا وإيليئيل وعميناداب، 12 وقال لهم: «أنتم رؤوس آباء اللاويين، فتقدسوا أنتم وإخوتكم وأصعدوا تابوت الرب إله إسرائيل إلى حيث أعددت له. 13 لأنه إذ لم تكونوا في المرة الأولى، اقتحمنا الرب إلهنا، لأننا لم نسأله حسب المرسوم».

ثانيا: يجب علينا ان نلاحظ توقيت غضب الرب. يخبرنا النص ان كل اسرائيل كانت حاضرة في صموئيل الثاني 6: 1 , 2 , 5. كان حشد من 30 ألف شخص يرون هذا الحدث. ويهوه لا يريد ان يرسل رسالة معناها ان الطاعة اختيارية لمن يري هذا الحدث. فبسبب عصيان بني اسرائيل فقدوا تابوت العهد وقتل منهم 30 ألف اسرائيلي بحسب صموئيل الاول 4: 10. فاظهر الرب غضبة في هذا التوقيت ليشد انتباه الناس. وهذا بالفعل ما حدث من لفت انتباه داود وبقية الامة.

واستجاب الشعب لطاعة امر الرب وأصبح التابوت يحمل بالطريقة الصحيحة. وهذا ما جاء في صموئيل الثاني 6: 13 وصموئيل الثاني 15: 29 وملوك الاول 2: 26 وملوك الثاني 8: 3).

لذلك تصرف الرب منطقي لان الاسرائيليين ينبغوا ان يكونوا وعيين حذرين. موت عزة بالطبع قاسي. والرب حذرهم سابقاً ان من يلمس التابوت سوف يموت بحسب سفر العدد 4: 15

15 ومتى فرغ هارون وبنوه من تغطية القدس وجميع أمتعة القدس عند ارتحال المحلة، يأتي بعد ذلك بنو قهات للحمل ولكن لا يمسوا القدس لئلا يموتوا. ذلك حمل بني قهات في خيمة الاجتماع.

فكان لا ينبغي على عزة ان يلمس التابوت. وطوال فترة العهد القديم كان هناك تحذير بالخطر لقدسية حضور الرب. كما جاء في خروج 3: 5، خروج 19: 16 وخروج 33: 20 وقضاة 6: 22-23 وملوك الاول 19: 11 – 12 وايوب 41: 10 ومزمور 76: 7 وملاخي 3: 2.

فلو كان عصيان اسرائيل هو سبب وحيد لغضب الرب. يمكننا ان نفكر انو قاسي لكن السببين التالين سيساعدوننا على شرح شدة الجريمة.

السبب الثاني وضع التابوت على عربة لم يكن فقط عصيان بل هو ايضاً اهانة. ولفهم هذا أكثر ينبغي علينا ان نرجع لما يمثله التابوت ووجود الله كما جاء في خروج 25: 22 ولاويين 16: 2 وصموئيل الاول 4: 4. نجد ان هذه النصوص تبرز لنا رعاية غير عادية لتابوت العهد.

فكان تكريم الملوك بالحمل والنقل على عربة. والملك سليمان كان يحمل ايضاً على عربة بحسب سفر النشيد 3: 7 وكما حدث مع الحاكم السوري انطاكيوس الخامس في مكابين الثاني 9: 8. فكان الحمل على عربة اشارة الي التعامل الملكي للملك. فلم يكن وضع التابوت على عربة اهانة. لكن هم كانوا يحتفلون بعودة التابوت فوضعوه على عربة. وكأن التابوت هو بضاعة تنقل عليها. فالعربة ينقل عليها الحبوب بحسب ما جاء في عاموس 2: 13 ومعدات الخيمة سفر العدد 7: 7 – 8. لكن في هذه الحادثة كان الفلسطينيون هم من جاءوا بفكرة عربة التابوت بحسب ما جاء في صموئيل الاول 6: 8 – 11. وبالتالي هم مشوا وراء افكار الفلسطينيون.

وتركوا وصايا الرب فلا ينبغي الحكم على الرب انه مجنون!

عندما كنت في الكلية كنا انا واصدقائي ذاهبون الي السينما ولم يكن لدينا مساحة كافية في السيارة فكنت احيانا اركب في الصندوق الخلفي للسيارة فهو مريح بالنسبة لي. عن داخل السيارة لوجود مساحة أكبر. فكنت أتساءل لماذا لا نضع الناس في صندوق السيارة الخلفي؟ هل لأنه مخصص للبضائع او الجثث. ولذلك المقاعد الامامية للبشر. ماذا سيكون إذا وضعنا تابوت عهد الرب في صندوق السيارة. وجلسنا قدام.

ماذا سيكون إذا جاء الرئيس الامريكي الي بلده واتوا بسيارة وقالو له ستركب في صندوق السيارة. هل يمكن ان يكون غاضب؟ هذا ما فعلته اسرائيل بالأساس. كان ينبغي عليهم ان يعرفوا ما فعلوه من اهانة الي الرب. لذلك غضب الرب. كانوا بحاجة الي التعامل مع تابوت العهد ليس مجرد صندوق مربع. لكن بمعني رمزي عميق انه يمثل حضور الرب وسطهم. ويستحق الاحترام. والتابوت يمثل أكثر من ذلك.

ثالثاً: عدم احترام اسرائيل للتابوت كان سبب مرئي لعدم الاهتمام بعلاقتهم بالرب. فالتابوت لا يرمز فقط لحضور الرب بل الي علاقته بشعبة وهذا ما جاء عن تابوت العهد في أكثر من موضع

سفر العدد 10: 33 وسفر العدد 14: 44 وتثنية 10: 8 وتثنية 31: 9 ويشوع 3: 3 وصموئيل الاول 4: 3 , 4 , 5، وارميا 3: 16) فالتابوت يحتوي على نسخة من الوصايا العشر بحسب التثنية 10: 1 – 5.

1 «في ذلك الوقت قال لي الرب: انحت لك لوحين من حجر مثل الأولين، واصعد إلي إلى الجبل، واصنع لك تابوتا من خشب. 2 فأكتب على اللوحين الكلمات التي كانت على اللوحين الأولين اللذين كسرتهما، وتضعهما في التابوت. 3 فصنعت تابوتا من خشب السنط، ونحت لوحين من حجر مثل الأولين، وصعدت إلى الجبل واللوحان في يدي. 4 فكتب على اللوحين مثل الكتابة الأولى، الكلمات العشر التي كلمكم بها الرب في الجبل من وسط النار في يوم الاجتماع، وأعطاني الرب إياها. 5 ثم انصرفت ونزلت من الجبل ووضعت اللوحين في التابوت الذي صنعت، فكانا هناك كما أمرني الرب.

وهو يحتوي على وصايا تشير الي حب الرب وحب الاخرين.

بشكل عام نجد العلاقة بين الرب واسرائيل علاقة شريك وعلاقة عهد والتزامات. ونجد عصيان اسرائيل وعدم احترام للأبوة ولطبيعة العلاقة. مما يبرز عقاب مفاجئ ويأخذ الرب كشريك تدابير للحصول على اهتمامهم من جديد. فالمتزوجين لديهم خاتم الزواج وعندما فقدت الخاتم لمدة شهرين كنت استاء لغيابة لأنه يحمل معني رمزي. فقد شعب الرب التابوت واستولي عليه الفلسطينيين بأفعالهم الشريرة.

والله لا يريدهم من خلال هذه الحادثة ان يفقدوه مره اخري. كما هو الحال لخاتم زواجي وقال انهم يريدوهم ان يكونوا أكثر حرصاً. كان بالفعل ما حدث مع عزة امر فعال. من حادث عزة نعلم ان الرب يحمي وصاياه وعلاقته وشرفة مع شعبة. هل تريد ان يكون الله غير متحمس لوجود علاقة معك؟

مصير عزة في يد الرب فما لاقاه ليس هو النهاية. لكن الاهم هو رجوع الشعب لاحترام حضور الرب.

المرجع:

God Behaving Badly? David T. Lamb P16 : 23

كيف يقتل الرب رجلاً خاف أن يقع تابوت العهد على الأرض؟ – ديفيد لامب (بتصرف)

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 12 – الحكمة آنذاك والآن

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 12 – الحكمة آنذاك والآن

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 12 – الحكمة آنذاك والآن

·     طبيعة الحكمة.

·     الحكمة في سفر الأمثال.

·     استخدامات سفر الأمثال السليمة والخاطئة

·     بعض الإرشادات الحياتية

 

الحكمة: هي تطبيق الحق في حياة الإنسان في ضوء التجربة

تُعد الحكمة العبرية من أنواع النصوص التي لم يعتدها معظم المؤمنين المعاصرين. ومع أن جزءاً لا يُستهان به من الكتاب المقدس قد خُصص لتدوين أقوال الحكمة، إلا أننا نرى بعض المؤمنين وفي مرات كثيرة يُسيئون فهم هذه الأقوال أو يسيئون تطبيقها، وبذلك تفوتهم الفائدة التي أرادها الله لهم. ولكن، إذا ما أحسنت كدارس فهم الأمثال والحِكم وأحسنت استخدامها، فستكون لك مصدر عون على السلوك المسيحي. أما فيما لو أسأت استخدامها، فستؤدي بك إلى الأنانية والسلوك المادي قصير النظر، وهذا بالضبط عكس ما قصده الله منها.

هناك أسفار في الكتاب المقدس تُعرف بأسفار الحكمة مثل سفر الجامعة وسفر الأمثال وسفر أيوب. علاوة على ذلك وكما أشرنا في الفصل السابق، فهناك عدد من المزامير يندرج تحت باب الحكمة أيضاً.

طبيعة الحكمة

ماهي الحكمة بالضبط؟ إليك هذا التعريف الموجز عنها: الحكمة هي تطبيق الحق في حياة الإنسان في ضوء التجربة. هذا التعريف يحمل من المنطق ما يكفي لعدم إيقاع المؤمنين في الحيرة، لكن المشكلة هي أن أقوال الحكمة الموجودة في العهد القديم قد تبدو في كثير من الأحوال وكأنها تنتهي بنا إلى إساءة فهم. وهدف هذا الفصل هنا هو مساعدتك على تنقية مفهومك للحكمة وتطبيقك لها.

إساءة استخدام أدب الحكمة

للأسف الشديد لقد تمت وبشكل عام إساءة استخدام أسفار الحكمة عبر ثلاث طرق:

أولاً: اعتاد الكثير من الناس على قراءة تلك الأسفار قراءة جزئية؛ لذلك نراهم قد أخفقوا في رؤية الرسالة الشاملة التي قصدها الكاتب عندما أوحي إليه بالكتابة. صحيح أن مقتطفات وشذرات كثيرة من الحكمة تبدو عميقة وعملية وذلك عند أخذها بدون سياقها، لكن من السهل أيضاً إساءة تطبيقها.

خذ على سبيل المثال التعليم الوارد في سفر الجامعة بخصوص أنه “للولادة وقت وللموت وقت” (3: 2)، لقد كان القصد منه في قرينته تقديم إيضاح ساخر عن عبث الحياة كلها؛ إذ مهما بلغت درجة سعادة حياتك أو بؤسها، فستموت حتماً عندما يحين الوقت. وللأسف يطيب للكثير من الناس أن يفسروا هذا الجزء بمفهوم قدرية كل الأشياء في حياتنا إلا أن القرينة لا تشير أبداً إلى مثل هذا القصد.

ثانياً: كثيراً ما قد يسيء الناس فهم اصطلاحات الحكمة وأنواعها وأساليبها وقوالبها الأدبية. فنراهم وقد أعطوا الاصطلاحات المستخدمة في الكتاب المقدس في سياق أدب الحكمة تعريفات خاطئة. فعلى سبيل المثال تأمل في أمثال 14: 7 “اذهب من قدام رجل جاهل إذ لا تشعر بشفتي معرفة”.

فهل يعني هذا عدم وجوب اختلاط المؤمنين بالمتخلفين والأميين؟ كلا على الإطلاق، فكلمة جاهل في سفر الأمثال عنت في الأساس الإنسان غير العارف الرب، إذ هي تشير إلى غير المؤمن الذي يعيش بأنانيته وبحسب نزواته والذي لا يعترف بوجود أي سلطة فوقه إلا نفسه. أما جملة “اذهب من قدام…” فقد ارتبطت ارتباطاً كلياً بالسبب الذي من أجله علينا أن نذهب من قدام هذا الإنسان غير العارف الرب والسبب هو “إذ لا تشعر بشفتي معرفة”. وبكلمات أخرى يُعلّمنا هذا المثل أنه إن كنا نسعى إلى المعرفة فعلينا ألا نطلبها من الجاهل.

 

كان الحكيم آنذاك يتصف بالعملية بدرجة كبيرة إذ لم يكن هدفه مجرد اقتناء معرفة نظرية.

ثالثاً: كثيراً ما يُفق الناس في اتباع خط سير النقاش في أحاديث الحكمة؛ لذلك نراهم يحاولون الحياة وفق طريقة ما والقصد منها إظهار ما هو خطأ. تأمل في أيوب 15: 20 “الشرير هو يتلوى كل أيامه، وكل عدد السنين المعدودة للعاتي”. هل يمكنك أن تفهم من هذا الكلام أن الوحي يعُلّم بأن الشرير لا يمكن أن يكون سعيداً حقاً؟ من المؤكد طبعاً أن أيوب لم يكن يقصد ذلك أبداً بل لقد كان يلغي هذه الفكرة وبإصرار.

فالعدد السابق جاء على لسان أحد الذين عينوا أنفسهم مدين لأيوب وهو أليفاز الذي كان يحاول إقناعه بأن شقاءه ناجم عن كونه شريراً. وفي موقع لاحق من سفر أيوب يثبت الله صحة كلام أيوب ويدين أقوال أليفاز، إلا أنه ما لم تتابع الجدل بجملته فلن تعرف ذلك.

وهنا وفي هذا الفصل سنناقش الفرق بين أدب الحكمة وغيره من أنواع النصوص، ومن ثم سنذكر بعض الملاحظات المفيدة حول هذا الموضوع.

مَن الحكيم؟

سبق أن قلنا إن الحكمة هي تطبيق الحق في حياة الإنسان في ضوء التجربة والاختبار، ولكن هناك جانباً شخصياً للحكمة إذ ليست الحكمة أمراً نظرياً، أو أمراً تجريدياً، لكنها عادة ما تأتي إلى حيز الوجود فقط عندما يقوم الإنسان بالتفكير والعمل بحسب الحق الذي سبق وتعلمه بالتجربة؛ لذلك فنحن نرى العهد القديم وقد أكد على وجود بعض الناس الذين اتصفوا بالحكمة أكثر من غيرهم، وآخرين كانوا قد كرسوا أنفسهم لاقتناء الحكمة بحيث يكننا تسميتهم حكماء.

كان الحكيم آنذاك يتصف بالعملية بدرجة كبيرة إذ لم يكن هدفه مجرد اقتناء معرفة نظرية. فقد كان يهتم بالقدرة على إعداد الخطط التي ستساعده على تحقيق النتائج المرجوة في الحياة. فالهدف كان الوصول إلى حياة مسئولية وناجحة. كانت الحكمة تستخدم وتطبق أحياناً في النواحي الفنية مثل البناء (بصلئيل مهندس خيمة الاجتماع الذي سمي حكيماً في خروج 31: 3) أو الملاحة (حز 27: 8-9).

كانت الحكمة أيضاً هدف الذين طلب إليهم اتخاذ قرارات تتعلق بالصالح العام للآخرين. لقد تم وصف القادة السياسيين مثل يشوع (تث 34: 9)، وداود (2صم 14: 20) وسليمان (1مل 3: 9 إلى آخره) كي يكون حكمهم فاعلاً وناجحاً. وما يذكرنا بالجانب الشخصي للحكمة هو الحديث عن القلب الإنساني كنقطة ارتكاز الحكمة (انظر 1مل 3: 9، 12). إن القلب في العهد القديم يشير إلى القدرات الأدبية والإدارية وكذلك الذهنية.

إذاً لقد ركز أدب الحكمة على الناس ومسلكهم، وعلى مدى نجاحهم في تطبيق الحق، وعما إذا كانوا قادرين على التعلم من تجاربهم. وهنا نقول ليست القضية قضية سعينا لنتعلم كيف نكون حكماء، بقدر ما هي سعينا لأن نزداد حكمة. فكل مَن يسعى لتطبيق الحق الإلهي يومياً والتعلّم من تجاربه، يمكنه في نهاية الأمر أن يصير حكيماً أيضاً.

هناك خطر كبير قد نجده في الإنسان الذي يسعى إلى كسب الحكمة من أجل تحقيق مصلحته الشخصية، أو يسعى لكسبها بطريقة لا تُكرم الله قبل أي اعتبار أخر. والكتاب المقدس يقول: “ويل للحكماء في أعين أنفسهم” (إش 5: 21). علاوة على ذلك فإن حكمة الله دائماً تفوق حكمة البشر (إش 29: 13-14).

معلمو الحكمة:

كرّس بعض بني إسرائيل في القديم أنفسهم ليس فقط لاقتناء الحكمة، بل أيضاً لتعليم الآخرين كيفية اقتنائها. وقد سُمي هؤلاء المعلمون “حكماء” مع أنهم تبوأوا في نهاية الأمر مناصب في جماعة إسرائيل شبيهة بتلك التي للكاهن أو للنبي (إر 18: 18).

هذه الطبقة من الحكماء – من الرجال والنساء – ظهرت في بداية حقبة النظام الملكي في إسرائيل على أقل تقدير (حوالي عام 1000 ق.م انظر 1صم 14: 2)، وقد عمل هؤلاء الحكماء كمُعلّمين ومرشدين لأولئك الذين جاءوا إليهم في طلب حكمتهم. وقد أوحى الله إلى بعض أولئك بكتابة أجزاء من العهد القديم. ونلاحظ أن أولئك الحكماء قد قاموا بعملهم وكانوا بمثابة أولياء أمور أي في محل الوالد بالنسبة لكل إنسان ابتغى نيل الحكمة منهم.

لاحظ أن الله قد جعل يوسف (أباً) لفرعون حتى قبل الخروج (تك 45: 8)، وبعد ذلك سميت دبورة النبية (أماً) في إسرائيل (قض 5: 7). لذلك كثيراً ما كان يخاطب الحكيم في سفر الأمثال تلميذه بقوله يا ابني. لقد أرسل الآباء أولادهم ليتعلموا من أولئك المُعلّمين أساليب الحياة الحكيمة وتطبيقاتها، كما اعتاد المعلمون آنذاك على تعليم تلاميذهم كأولادهم.

الحكمة في البيت:

كانت الحكمة عادة ما تُعلّم في البيت أكثر من أي مكان آخر. ويقوم الأهل اليوم. من دون أن يدركوا ذلك، بتعليم أولادهم كل أنواع الحكمة.

فكلما خاطب أحد الأبوين ابنه أو ابنته بالقول: لا تلعب في الشارع، أو اختر اصدقاءك جيداً، أو احرص على ارتداء ثياب كافية للبرد وما إلى ذلك، فإن الأب أو الأم هنا يقومان في واقع الأمر بتعليم الحكمة للأولاد. لأن كل أب يريد ويهدف لولده أو لابنته بأن يكونا سعيدين، ومعتمدين على أنفسهما ونافعين للآخرين. وكل أب أو أم يصرفان الوقت الثمين في صقل مسلك الأبناء وتوجيههم والتحدث إليهم دائماً عن الكيفية التي يجب أن يتصرفوا بها.

يمكننا أن نرى هذا النوع من النصائح العملية وفي سفر الأمثال وبشكل خاص. إلا أنه يخضع نصائحه كلها لحكمة الله تماماً كما كان يتوجب على الآباء المؤمنين أن يفعلوا ذلك. نعم قد تكون النصيحة عملية جداً وخاصة بالأمور الاجتماعية، لكن لا ينبغي أبداً لهذه النصيحة أن تخفق في الإقرار بأن أفضل أمر يمكن للإنسان تحقيقه هو عمل مشيئة الله.

الحكمة بين الزملاء:

إن واحدة من الطرق التي يمكن أن يستخدمها الإنسان لصقل معرفته وبالتالي مسلكه هي النقاش والجدل. وأحياناً يستطيع التوصل إلى هذا النوع من الحكمة عن طريق حديث طويل سواء أكاناً خطاباً موجهاً للآخرين ليقرأه وليُعلقوا عليه (كسفر الجامعة) أم حواراً بين عدة أشخاص يودون معرفة آراء بعضهم البعض حول الحقيقة والحياة (كسفر أيوب).

وهنا نشير إلى أن نوع الحكمة، الذي يسيطر على سفر الأمثال يسمى عادة بالحكمة المثلية بينما يُطلق على الحكمة الواردة في كل من سفر الجامعة وسفر أيوب الحكمة التأملية التي هي في الواقع عملية وتجريبية أكثر منها مجرد حكمة نظرية.

الحكمة في قالب الشعر:

لقد قام كل من التلاميذ والمعلمين على حد سواء في أزمنة العهد القديم باستخدام أساليب أدبية متنوعة لتساعدهم على تذكر حكمتهم. وقد أوحى الله أيضاً بأجزاء الحكمة في الكتاب المقدس بحسب تلك الأساليب وذلك لجعلها سهلة التعلّم والحفظ. وكما أشرنا في الفصلين السابقين فإن الشعر يمتاز بدقة الكلمات وتنسيق الإيقاع، والصفات البلاغية اللازمة لجعله أكثر قرباً للذاكرة من النثر، وهكذا صار الشعر أيضاً وسيلة العهد القديم في إبراز الحكمة.

لذلك نرى أن أسفار الأمثال والجامعة وأيوب، وبعض مزامير الحكمة وغير ذلك من أجزاء أخرى من الحكمة في العهد القديم – في معظمها مؤلفة شعراً. ومن بين الأساليب الأدبية المستخدمة على وجه الخصوص، هناك التوازي سواء أكان ترادفياً (انظر أم 7: 4) أو تضادياً (أم 10: 1) أو صورياً (أم 21: 16) أو تطريزياً (أم 31: 10-31) أو جناساً (جا 3: 1-8) أو كان تعاقباً عددياً (أم 30: 15-31). إضافة إلى مقارنات أخرى لا حصر لها كالتشبيه والمجاز (انظر أي 32: 19) كما أننا قد نجد في كتابات الحكمة الأمثال والرموز والأحاجي الصورية وأساليب شعرية أخرى.

محدودية الحكمة:

من المهم أن نتذكر أن حكمة العالم القديم لم تكن كلها صالحة أو مستقيمة، فقد كان يوجد في جميع أرجاء الشرق الأدنى القديم طبقة من المعلمين والكتبة الحكماء الذين حظوا بتأييد من ملوكهم غالباً في سبيل القيام بجمع وتأليف وترتيب أمثال وأحاديث الحكمة. وقد شابه الكثير منها إلى حد كبير كتابات الحكمة في العهد القديم، إلا أنها افتقرت إلى التركيز على الرب كالمصدر الأول للحكمة (أم 2: 5، 6) وعلى الغرض من هذه الحكمة، ألا هو إرضاء الرب (أم 3: 7). علاوة على ذلك فإن حكمتهم لم تكن تغطي في مادتها جميع جوانب الحياة.

ولأن الحكمة عملية جداً فهي لا تميل إلى التركيز على الأمور اللاهوتية أو التاريخية الهامة جداً والموجودة في أماكن أخرى في الكتاب المقدس. والمهارة في الحكمة لا تضمن استخدامها بشكل سليم. فنصيحة يوناداب الحكيمة لأمنون كانت في الواقع ذات دوافع شريرة (2صم 13: 3) وحكمة سليمان العظيمة (1مل 3: 12؛ 4: 29-34) ساعدته في كسب الثروة والقوة لكنها لم تساعده في البقاء أميناً للرب في آخر سنيه (1مل 11: 4). فما لم نُخضع حكمتنا لطاعة الله فهي لن تحقق الغايات السليمة التي قصدها العهد القديم.

 

الحكمة في سفر الأمثال

يعتبر سفر الأمثال المكان الرئيسي السليم لاستقاء الحكمة التدبيرية أي الحكمة المختصة بالقواعد والأنظمة التي يمكن للناس استخدامها لإدارة حياتهم بنجاح ومسؤولية. وبالتباين مع سفر الجامعة الذي يستخدم الأسلوب التأملي الساخر كنقيض لإبراز الحكمة، وبالتباين مع سفر أيوب الذي يستخدم الحكمة التأملية حول عدم إنصاف الحياة في هذا العالم، ركزت حكمة سفر الأمثال في معظمها على المواقف العملية.

وهنا من باب التعميم، يفيدنا أن نلاحظ بأن سفر الأمثال يعلم عادة ما يمكن أن نسميه القيم الأساسية أو المحافظة. فليس هناك والدان يودان رؤية أولاهما تعساء أو فاشلين أو وحيدين أو مرفوضين اجتماعياً أو مخالفين للقوانين المرعية أو فاسدين أخلاقياً أو حمقى أو مفلسين. وليس من باب الأنانية أو عدم الواقعية أن يتمنى الأب لابنه أن ينعم بقسط معقول من النجاح والقبول الاجتماعي وسد الاحتياجات، والاستقامة الأخلاقية.

وسفر الأمثال مليء بمجموعة من النصائح البليغة لهذه الغاية بالتحديد. طبعاً ليس هناك مَنْ أو ما يضمن لشاب بأن حياته تسير دائماً على ما يرام. وما يفيدنا به سفر الأمثال فيما لو غضضنا النظر عن العوامل الخارجية، هو احتواؤه على مواقف وأنماط سلوكية أساسية تساعد الإنسان على النمو إلى مرحلة النضح المسؤول.

وقد عمل سفر الأمثال باستمرار على تقديم مفارقة شديدة بين حياة الحكمة وحياة الحماقة وإظهار ما الذي يميز حياة الأحمق؟ فحياة الأحمق تميزت بأمور مثل العنف والجريمة (أم 1: 10-19؛ 4: 14-19) والقيام بالتعهدات الطائشة (6: 1-5) والكسل (6: 6-11) واللؤم والغش (6: 12-15) والفساد والفجور الممقوت لدى الرب والضار بالحياة المستقيمة (2: 16-19؛ 5: 3-20؛ 6: 23-35؛ 7: 4-27؛ 9: 13-18؛ 23: 26-28).

علاوة على ذلك حث سفر الأمثال على أمور أخرى كالاهتمام بالفقراء (22: 22، 27) واحترام الحكام (23: 1-3؛ 24: 21-22) وأهمية تأديب البنين (23: 13، 14) واحترام الأبوين (23: 22-25).

أما اللغة الدينية الخصوصية فقلما نجدها مستخدمة في سفر الأمثال، وعلى الرغم من وجودها فيه (انظر 1: 7؛ 3: 5-12، 15: 3، 8-9، 11؛ 16: 1-9، 22: 9، 23؛ 24: 18، 21 …. إلخ) إلا أنها لا تضفي على السفر. ومعنى هذا أنه ليس من المفروض عمل كل شيء في حياتنا بصفة روحية كي تكون مقبولة وصحيحة على مثال أن يقوم الأب بتوجيه نصيحة لابنه بخصوص ارتداء ملابس ثقيلة في الشتاء.

استخدامات سفر الأمثال السليمة والخاطئة

يحسن بنا أن نتذكر بأن الأمثال التي تدعى بالعبرانية مشاليم تعني استعارات أو أمثال أو أقوال مستنبطة خصيصاً. فالمثل هو تعبير مختصر ومحدد عن الحق. ولكما كان القول مختصراً ضعف احتمال كونه كامل الدقة وشامل النطاق. وكلنا يعلم بأن البيانات المفصّلة والمسهبة والطويلة، والمعقدة الأوصاف ليست فقط عسيرة الفهم بل هي أيضاً عملياُ مستحيلة الحفظ على الناس. لذلك فقد تمت صياغة الأمثال بأسلوب أخّاذ كي يتم حفظها بسهولة.

في الحقيقة إن الكثير من الأمثال في اللغة العبرية تتميز بالإيقاع أو القافية أو غير ذلك من الصفات الأدبية التي جعلتها سهلة الحفظ. تأمل في هذين المثلين “اسأل عن الجار قبل الدار” أو “الرفيق قبل الطريق”. إن تشابه الكلمات وانتهاءها بالقافية الواحدة، واستخدام التناسق اللفظي باختلاف المعنى عناصر ساعدت في جعل مثل هذه الأمثال سهلة الحفظ والفهم.

فهي لن تُنسى بالسهولة التي يمكن أن ننسى بها الجمل التالية: “قبل أن تضع نفسك في وضع ما ادرس الإمكانيات والاختيارات المترتبة عليه”، أو “هناك أهمية كبيرة لانتقاء الصحبة السليمة لأنها تلعب دوراً كبيراً في بلوغ الهدف”.

نعم هذه الجمل تميزت بدقة أكبر، لكن ينقصها الواقع والفاعلية التي للأمثال المشهورة، ناهيك عن كونها صعبة من حيث التذكر. إن مَثَل “اسأل عن الجار قبل الدار” هو قول بليغ غير دقيق ومن السهل إساءة فهم محتواه، ومن الجائز أن يظن السامع بأنه ينطبق فقط على الباحثين عن دار للإيجار. وهو لا يخبرنا عن ماذا نسأل أو كيف نسأل أو مَنْ نسأل، ولم يقصد به حتى مجرد استخدامه في مسألة الإيجار والاستئجار.

هكذا كان الأمر مع الأمثال العبرية. إذ وجب فهمها باعتدال والأخذ بها بحسب القصد المراد منها. فهي لا تصرح بكل ما يتعلق بالحق لكنها تشير إليه، وهي إذا ما أُخذت حرفياً غالباً ما ستكون غير دقيقة في نواحيها الفنية، إلا أنها كإشارات سهلة الحفظ، لا يضاهيها شيء من حيث توجيه السلوك المعين. تأمل في أمثل 6: 27-29:

“أَيَأْخُذُ إِنْسَانٌ نَارًا فِي حِضْنِهِ وَلاَ تَحْتَرِقُ ثِيَابُهُ؟ أَوَ يَمْشِي إِنْسَانٌ عَلَى الْجَمْرِ وَلاَ تَكْتَوِي رِجْلاَهُ؟ هكَذَا مَنْ يَدْخُلُ عَلَى امْرَأَةِ صَاحِبِهِ. كُلُّ مَنْ يَمَسُّهَا لاَ يَكُونُ بَرِيئًا”.

قد يعترض أحدهم بأن السطر الأخير ليس واضحاً ويتساءل: ما الذي سيحدث فيما لو أن موظف بنك لمس عن غير قصد يد امرأة رجل آخر أثناء تسليمه النقود لها؟ هل سيعاقب؟ ألا يوجد مَنْ ارتكب الزنى وهرب بلا عقاب؟ كل هذه التساؤلات صحيحة لكنها تحيد عن الهدف. فسفر الأمثال يميل إلى استخدام اللغة الرمزية والتعبير عن الأشياء بالإيحاء بدلاً من التفصيل.

والعبرة التي يتوجب علينا استخلاصها من هذا المثل هي أن مَنْ يرتكب الزنى يكون كمن يلعب بالنار. وأن الله، عاجلاً أم آجلاً، في الحياة الحاضرة أو العتيدة، سيحرص أن ينال الزاني عاقبة آثامه. أما كلمة “يمس” الواردة في السطر الأخير فيمكننا فهمها وكأنها ترد على سبيك لطف التعبير (انظر اكو 7: 1 راجع أيضاً الفصل الثاني من هذا الكتاب)، هذا إن أردنا لرسالة الروح القدس أن تبقى واضحة. وهكذا لا ينبغي أن نأخذ سفر الأمثال بأسلوب حرفي مبالغ فيه أو بشكل كلي إذا ما أردنا لرسالته أن تفيدنا. فعلى سبيل المثال تأمل أمثال 9: 13-18.

هذا المثل أيضاً بليغ، لأنه يتضمن قصة رمزية كاملة في أعداد قليلة. إن حياة الحمق هنا، هي بعكس حياة الحكمة ويُشار إليها بزانية تحاول إغواء عابري الطريق للدخول إلى بيتها. والجاهل شُبه بذلك المعجب الذي أغوته الملذات المحظورة (عدد 17)، أما النتيجة النهائية للحماقة فهي ليست بحياة طولية أو ناجحة أو سعيدة بل هي الموت.

إن رسالة هذه القصة الرمزية الموجزة هي: ابتعد عن الحماقة، لا يغويك أحد، أعرض عن الإغراءات التي تبدو جذابة للجُهال ثم ذكرها بعدة طرق في أمثال أخرى. والإنسان الحكيم التقي ذو الأخلاق الحميدة هو الإنسان الذي يسعى ليعيش حياة خالية من الأنانية والحماقة. إن أمثالاً كهذه قريبة من أمثال العهد الجديد، في كونها تعبر عن الحق بطريقة رمزية. إليك مثالاً آخر يساعد على تركيز بحثنا في سفر الأمثال.

“كُلُّ طُرُقِ الإِنْسَانِ نَقِيَّةٌ فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ،

وَالرَّبُّ وَازِنُ الأَرْوَاحِ.”(أم 16: 2)

لعل هذا النوع من الأمثال هو أكثر الأنواع التي يُساء فهمها. فإن لم تعرف بأن سفر الأمثال يميل عادة لأن يقدم أقوالاً تشير إلى الحق بأساليب رمزية، فسيفترض بأن أمثال 16: 3 هو وعد مباشر وقاطع من الله يمكن دائماً تطبيقه. ومفاده أنه إن ألقى الإنسان خططه على الله، فلا بد لهذه الخطط أن تنجح. وطبعاً هذا التفسير سيُخيب أمل الذين يفكرون بهذا الأسلوب؛ لأنه من الممكن لهؤلاء أن يقدموا لله خططاً أنانية حمقاء وفي حال نجاحها، ولو لفترة قصيرة قد يفترضون بأن الله باركها فعلاً.

فمثلاً يمكن أن نسلم لله زواجاً متهوراً أو قراراً طائشاً يتعلق بالعمل أو حتى قراراً مهنياً غير مدروس – ثم ينتهي بنا المطاف إلى الفشل. وقد يقوم إنسان ما بائتمان من الله على خطة معينة سرعان ما تبوء بالفشل فيعتقد أن الله قد تخلى عن وعده وتراجع عن كلمته الموحى بها.

وفي حالات كهذه للأسف نجد الناس وقد أخفقوا في إدراك أن سفر الأمثال ليس باتاً أو مطلقاً، ولا هو قابل للتطبيق في كل وقت، ولا هو وعد صارم بل هو بمثابة حق عام إذ هو يعلن بأن الذين يسلمون حياتهم لله ويحيون بحسب مشيئته سينجحون إنما بحسب مفهوم الله للنجاح. أما بحسب مفهوم العالم للنجاح فقد تأتي النتيجة عكسية. ولعل قصة أيوب خير مثل على ذلك.

 فعندما نأخذ هذه الأمثال بحسب مقاصدها على أنها بند خاص يتعلق بالتنويه للحق، عندئذ فقط تصبح هذه الأمثال هامة ونافعة للحياة.

بعض الإرشادات الحياتية

نقدم الآن وفي غاية الإيجاز بعض الإرشادات لفهم حكمة الأمثال:

أولاً: لا يجب فهم الأمثال فهماً حرفياً

فالأمثال تقدم طريقاً حكيماً لبلوغ الأهداف العملية المرجوة، ولكنها تفعل ذلك بطرق لا يمكن اعتمادها كسند أكيد للنجاح. وعلى الأرجح فإن الإنسان سينال ما حُدد من بركات أو مكافأة أو فرص مذكورة في سفر الأمثال إذا ما اتبع السبل الحكيمة للتصرف والموجودة في اللغة الرمزية والشعرية للسفر. لكن سفر الأمثال لا يعلّم أبداً عن النجاح الآلي.

تذكر بأن من ضمن أهداف الله في وضعه لكل من سفري الجامعة وأيوب في الكتاب المقدس هو تذكرينا بأنه هناك القليل جداً من الآلية فيما يتعلق بأحداث حياتنا سواء الجيدة منها أو السيئة. تأمل في الأمثال التالية: أمثال 22: 26-27؛ 29: 12؛ 15: 25).

وهنا وإذا ما تطرفت في اعتبار المثلين الأولين (22: 26-27) وصية مطلقة مانعة من الله فقد تنتهي إلى عدم شراء بيت في حياتك، وذلك لتجنب الرهن لحين دفع ديونك. أو قد تفترض بأن الله سيجازيك بفقدان كل ممتلكاتك بما فيا فراشك إن لم تف بدينك.

إن قيامك بالتفسير الحرفي والمتطرف سيفقدك الهدف من المثل الذي يبين من خلال الشعر والرمز حقيقة وجوب التعامل مع الديون بحذر؛ لأن الحرمان من العقار المرهون أمر مؤسف جداً. والمثل يضع هذه الحقيقة في إطار تعابير ضيقة ومحددة: صفق الكف، فقدان الفراش…إلخ.

والمقصود منها ليس التعبير عن شيء حرفي عملي بل الإشارة إلى مبدأ أعم من ذلك. ففي أزمنة الكتاب المقدس كان الأتقياء يدينون ويستدينون دونما انتهاك لهذا المثل وذلك لأنهم سبق وأن فهموا المراد منه. فقد كانوا معتادين على الأمثال وبالتالي علموا بأن مثل هذا المثل يوضح كيفية إجراء الدين وليس تجنب كل أشكال الديون تجنباً تاماً.

أما المثل الثاني أعلاه (29: 12) فيجب أيضاً عدم الأخذ بحرفيته. فهو لا يضمن على سبيل المثال بأنك إن كنت موظفاً حكومياً فسوف تعتبر حتماً شريراً بحجة أن رئيسك يصغي لأكاذيب بعض المحيطين به.

إن هذا المثل يهدف إلى رسالة أخرى وهي: إن الحاكم المولع بسماع الأكاذيب بدلاً من الحق، سيقوم بالتدريج بإحاطة نفسه بزمرة من الناس تنقل له ما يريد سماعه، وعليه فستكون المحصلة النهائية فساداً إدارياً. أما الحاكم الذي يُصر على سماع الحقيقة بالرغم من إيلامها فسيساعده هذا على إبقاء حكومته طاهرة. وهذا المبدأ هو المقصود بكلمات المثل التي تستخدم طريقة مجازية لا حرفية دقيقة.

أما المثل الثالث (15: 25) فلعله أكثر الأمثال بُعداً عن الحرفية. فنحن نعلم من تجربتنا الخاصة كما من شهادة الكتاب المقدس أن هناك بيوتاً لأشخاص متكبرين ما زالت قائمة، وأن هناك الكثير من الأرامل ممن تم استغلالهن من قبل الدائنين الجشعين أو بالاحتيال (انظر مر 12: 40؛ أي 24: 2-3… إلخ).

إذن ما الذي يعنيه هذا المثل إن لم يكن يقصد نقل الانطباع بأن الله في الحقيقة هو مدمر للبيوت أو حارس للتخوم؟ إن هذا المثل يعني أن الله يقاوم المتكبرين ويقف إلى جانب المساكين (الأرامل والأيتام والغرباء: كل هذه التعابير تمثل شريحة الناس الذين لا نصير لهم، انظر تث 14: 29؛ 1.6: 11؛ 26: 12، 13… إلخ).

ولدى مقارنة هذا المثل بأمثال 23: 10-11 ولوقا 1: 52-53 يصبح معناه أوضح. إنه مثل مُصغر عن أمثال العهد الجديد، وهو يشير ليس إلى مجرد البيت والأرملة لكن إلى المبدأ العام القائل بأن الله في النهاية سيصحح المعوجات في العالم بإنزال المتكبرين عن كراسيهم وتعويض كل الأبرياء المتألمين (انظر مت 5: 3، 4).

ثانياً: يجب أن تقرأ الأمثال كمجموعة

ويجب فهم كل مثل من أمثال الوحي بالتوازن مع الأمثال الأخرى وبالمقارنة مع باقي الكتاب المقدس. وكما يوضح لنا المثال الثالث أعلاه (15: 25)، أنه كلما قرأ الفرد المثل بمعزل عن الأمثال الأخرى كلما كان تفسير ذلك المثل أقل وضوحاً. فإدا ما قمت بقراءة مثل ما على حدة، وأسأت فهمه، فقد يؤدي بك ذلك إلى مواقف أو تصرفات خاطئة مما لو قمت بقراءة سفر الأمثال ككل. علاوة على ذلك عليك الحذر من ألا تؤدي بك اهتمامات الأمثال العملية إلى التفكير بالأمور المادية والروح العالمية.

احذر أيضاً من أن تربط نفسك بنوع الحكمة التي اعتنقها رفقاء أيوب فجعلوا النجاح في الحياة العالمية أمراً معادلاً للتقوى في عيني الله. فمثل هذه الحكمة تعد بمثابة فهم غير متوازن لأمثال منتقاة. كذلك لا تحاول أن تجد لك في سفر الأمثال مبررات لتحيا حياة أنانية أو لتقوم بأعمال لا تتناسب وتعاليم الكتاب المقدس الأخرى.

وتذكر بأن الأمثال كثيراً ما قد تم جمعها معاً بطرق مختلفة مما قد يجعل القارئ يقفز من موضوع لآخر أثناء قراءتها، مع ضرورة أخذ الحذر والحيطة تجنباً لإساءة التفسير.

تأمل أيضاً في المثلين التاليين:

“اَلْحَكِيمُ يَتَسَوَّرُ مَدِينَةَ الْجَبَابِرَةِ، وَيُسْقِطُ قُوَّةَ مُعْتَمَدِهَا”

(أم 21: 22)

“فَمُ الأَجْنَبِيَّاتِ هُوَّةٌ عَمِيقَةٌ. مَمْقُوتُ الرَّبِّ يَسْقُطُ فِيهَا”

(أم 22: 14)

فإن كنت حكيماً فهل كنت ستخرج لقتال مدينة قوية التحصين وهكذا تقدم عملاً صالحاً لله؟ وإن كنت قد أحزنت الله فهل هناك خطر من أن تسقط داخل فم امرأة أجنبية؟

معظم الناس سيجيبون بالنفي على هذين السؤالين وسيضيفون قائلين بأنه مهما كان معنى هذا الكلام فلا يمكن له أن يعني المعنى السابق. لكن الكثير من الناس للأسف يصرون على أخذ أمثال 22: 26 بمعنى حرفي وذلك لمنع المؤمنين من الاستدانة. وكثيراً أيضاً ما يقول البعض بأن أمثال 6: 20 يعني وجوب طاعة المؤمن لأبويه مهما بلغ عمره وبصرف النظر عن الخطأ الماثل في تلك النصيحة.

وهنا نقول إذا ما أخفق الناس في خلق توازن بين الأمثال من جهة وبقية الكتاب المقدس من جهة أخرى ناهيك عن الفطرة السليمة فإنهم للأسف سيظلمون أنفسهم والآخرين.

في المثل الأول أعلاه (21: 22) يمكننا أن نستخلص أن الحكمة قادرة على أن تكون أقوى من القوة العسكرية. ربما جاء هذا التصريح بصيغة المبالغة؛ لكم من حيث الأسلوب فهو لا يختلف عن أن نقول في عصرنا بأن القلم أقوى من حد السيف.

إذ هذا المثل ليس بأمر بل هو تصوير رمزي مجازي لقوة الحكمة، وفقط عندما يربط الدارس هذا المثل بالأمثال الكثيرة التي تتغنى بفوائد الحكمة وفاعليتها. (انظر 1: 1-6؛ 2-3؛ 8؛ 22: 17-29 وغيرها)، عندها يتمكن من فهم رسالتها. وفي هذه الحالة تكون القرينة الكاملة أمراً جوهرياً للقيام بالتفسير.

أما المثل الثاني (22: 14) فهو يحتاج لأن يقارن أيضاً مع القرينة بكاملها؛ إذ أن هناك عدداً كبيراً من الأمثال يشدد على أهمية توخي الحرص في التفكير والكلام (انظر 15: 1؛ 16: 10، 21، 23-24؛ 18: 4 وغيرها) وبمعنى آخر إن الذي يورط الإنسان هو كلامه وذلك أكثر بكثير من إصغائه (انظر مت 15: 11، 15-20). إلا أنه بإمكانه دائماً السيطرة على ما يخرج من فمه.

هنا يمكننا إعادة صياغة هذا المثل على الشكل التالي: إن أنواع الأعمال والأقوال التي تقوم بها الأجنبية (العاهرة) تحمل عليك من الخطر ما يوازي سقوطك في حفرة عميقة. فإن أردت تجنب غضب الله، عليك أن تتجنب مثل هذه الأمور. إن استيعابك للقرينة العامة لكل الأمثال سيساعدك في عدم الوقوع في الخطأ عند تفسيرها.

ثالثاً: التركيب اللغوي للأمثال قصد به أن تكون سهلة الحفظ

كلما كان التعبير عن مبدأ ما مختصراً في كلماته كلما جاء بصيغة مبالغة، وكلما احتاج إلى مزيد من الفطرة السليمة والحكم الصائب كي يفسر بشكل سليم – وكان فاعلاً وسهلاً للحفظ، في الوقت ذاته لاستعادة المعرفة التي تحول الأمثال نقلها والتي يمكن تذكرها وليس الفلسفة القادرة على استقطاب إعجاب الناقد.

وهكذا تستخدم الأمثال كثيراً من العناصر الشعرية والتصوير المفعم بالحيوية. ولقد صممت أمثال كثيرة إما لطبع صورة ما في ذهنك (والعقل عادة ما يسترجع الصور بشكل أفضل من تذكر المعلومات النظرية) أو لتتضمن أصواتاً تُسر الآذان (التكرار، السجع، ترتيب الحروف الأولى لأبيات القصيدة…إلخ). تأمل في أمثال 15: 19 كمثال على استخدام اللغة المجازية:

“طَرِيقُ الْكَسْلاَنِ كَسِيَاجٍ مِنْ شَوْكٍ،

وَطَرِيقُ الْمُسْتَقِيمِينَ مَنْهَجٌ”

إن نوع الزرع الموجود في الطرق المحببة للكسالى ليس هو المقصود من هذه اللغة، بل الإشارة إلى أمور أبعد من ذلك، وهي مبدأ أن الكد والاجتهاد أفضل من الكسل.

إن تصور المرأة الفاضلة في أمثال 31: 10-31 هو نتيجة لترتيب الحروف الأولى لأبيات القصيدة. فكل عدد يبدأ بحرف موفق للترتيب الأبجدي لحروف اللغة العبرية، وهذا أمر سهل الحفظ وتستسيغه أذن الشخص العبري، لكنه يظهر للناقد الثاقب أو للذي يقرأ حرفياً بأن مجموعة هذه الأوصاف مستحيلة على أية امرأة من جنس البشر.

إلا أنه إن استطاع القارئ إدراك أن وصفاً كالوارد في 31: 22 مصمم عن عمد للتشديد، من خلال صيغة المبالغة، على البهجة التي تدخلها المرأة الفاضلة إلى قلوب أفراد عائلتها، عندها تكون حكمة هذه الأمثال قد حققت غرضها بكفاءة. وهكذا تعلق الكلمات (والصور) في ذهن قارئ النص، وتقدم له إرشادات نافعة عند الحاجة. هذا هو ما قصد الله عمله بواسطة الأمثال.

رابعاً: حاجة بعض الأمثال إلى “ترجمة” تعكس بيئتنا وثقافتنا

هناك عدد لا بأس به من الأمثال التي تُعبّر عن الحق بناء على ممارسة ومبادئ لم تعد معروفة، مع أنها كانت سائدة عند بني إسرائيل في العهد القديم. وإن لم نقم بالتفكير بهذه الأمثال في ضوء ما يناظرها في عصرنا الحديث (بمعنى أن نقوم بترجمتها بكل حرص لما يناظرها من ممارسات ومبادئ في يومنا هذا)، فقد يبدو معناها غير واضح لنا أو غير مختص بنا (انظر الفصل الرابع). تأمل في هذين المثلين (أم 22: 11؛ 25: 24)

“مَنْ أَحَبَّ طَهَارَةَ الْقَلْبِ، فَلِنِعْمَةِ شَفَتَيْهِ يَكُونُ الْمَلِكُ صَدِيقَهُ” (أم 22: 11)

“اَلسُّكْنَى فِي زَاوِيَةِ السَّطْحِ، خَيْرٌ مِنِ امْرَأَةٍ مُخَاصِمَةٍ فِي بَيْتٍ مُشْتَرِكٍ” (أم 25: 24)

وذلك لأن معظمنا يعيش في مجتمعات لا يحكمها ملوك. وأيضاً لم يعد السكن على سطح البيوت مألوفاً في زمننا كما كان في أزمنة الكتاب المقدس، (انظر يش 2: 6). فهل نقول إذاً إن قراءة هذه الأمثال مضيعة للوقت؟ لا طبعاً وعلى الإطلاق خاصة إن استطاع الدارس رؤية الأمور عبر المجتمعات وباللغة الحضارية الخاصة بكل منها.

إن الرسالة الجوهرية للمثل الأول (22: 11) سهلة الاستيعاب شريطة إدراك أن ما يناظر قول المثل “كون الملك صديقه” في أيامنا هذه يصبح شبيهاً بهذا القول “سيكون له تأثير إيجابي على الناس الذين يشغلون مراكز القيادة”.

وهذا المعنى الذي كان المثل يقصده. فكلمة “ملك” هنا مجاز مرسل يُعبر عن كل القادة. إن لغة هذا المثل الرمزية قد استخدمت خصيصاً للإشارة إلى أن القادرة والمسؤولين عادة يتأثرون بالصدق وبالحرص في الكلام.

أما معنى المثل الثاني المذكور أعلاه (25: 24) فهو صعب على الفهم وخاصة إذا قمنا بعمل الترجمة اللازمة له من ثقافة أو مجتمع ذلك العصر إلى ثقافتنا ومجتمعنا نحن.

إذاً يمكننا إعادة صياغته بالشكل التالي: “السكنى في حجرة ضيقة خير من العيش في بيت واسع مع زوجة ما كان ينبغي الزواج بها أبداً”.

تذكر بأن معظم النصائح في سفر الأمثال قد أعطيت لشبان في مقتبل حياتهم، وكانت بمثابة حكمة بالنسبة لهم. ولا يقصد المثل بالحرف أن يقترح عليك ما ينبغي أن تفعله، كرجل متزوج، إذا كانت امرأتك من النوع المخاصم. لكن ما يقصده هو أن تتوخى الحذر عند انتقاء شريك أو شريكة الحياة.

فالاختيار السليم هو ما يدعونا له هذا المثل عبر الحضارات المتوالية، وعندما يتم فهمه جيداً، نرى نصيحة جيدة وصالحة (انظر مت 19: 3-11؛ 1كو 7: 1-14، 25-40). على الجميع أن يدركوا أن الزواج المتسرع، المبني على الجاذبية المظهرية، قد يؤول إلى زواج غير سعيد.

إليك أدناه، لفائدتك، قائمة موجزة ببعض القواعد التي من شأنها أن تساعدك على الاستخدام السليم لسفر الأمثال وعلى بلوغ النية والغرض اللذين أوحى بهما الله في هذا السفر.

1-كثيراً ما تكون الأمثال رمزية أو مجازية بحيث تشير إلى أبعد من معناها الظاهري.

2-الأمثال مادة عملية إلى درجة كبيرة وليست عبارة عن نظريات لاهوتية.

3-لقد تمت صياغة الأمثال لتكون سهلة الحفظ.

4-لم يقصد منها أن تدعم السلوك الأناني بل العكس تماماً.

5-قد تحتاج الأمثال التي تعكس عادة حضارة قديمة إلى ترجمة تقود على ما يناظرها في ضوء ثقافتنا كي لا تفقد معناها.

6-ليست الأمثال صكوك ضمان، بل هي إرشادات شعرية للسلوك الحسن.

7-قد تستخدم الأمثال لإيصالها رسالتها، لغة خاصة للغاية، أو صيغ مبالغة، أو أي نوع آخر من الأساليب البلاغية.

8-عادة ما تقدم الأمثال النصيحة الجيدة لكيفية التعامل بحكمة مع جوانب معينة بحياتنا، لكنها ليست شمولية في نطاقها.

9-قد تؤدي سوء استخدام الأمثال إلى تأييد نوع من الحياة المادية المتطرفة. أما عند حسن استخدامها، فهي عادة ما تقدم نصائح عملية للحياة اليومية.

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 12 – الحكمة آنذاك والآن

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 4 – الرسائل – التفسير الحياتي

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 4 – الرسائل – التفسير الحياتي

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 4 – الرسائل – التفسير الحياتي

·       أساليبنا التفسيرية الحياتية المتداولة.

·       القاعدة الأساسية.

·       القاعدة الثانية.

·       المسألة الأولى: التطبيق الممتد.

·       المسألة الثانية: الأمور غير المشابهة.

·       المسألة الثالثة: النسبية البيئية أو الحضارية.

·       المسألة الرابعة: اللاهوت المقدم لمهمة محددة.

 

نعود الآن إلى ما كنا قد أشرنا إليه سابقاً حول أسئلة التفسير الحياتي، وإلى ما تعنيه لنا هذه النصوص؟ هذا السؤال هو النقطة الحاسمة لكل أمر، فبالمقارنة مع مهمتنا في تقديم تفسير حياتي جيد، تظل عملية التفسير الاستنتاجي سهلة نسبياً؛ لأن التفسير الاستنتاجي حتى وإن واجهتنا بعض الاختلافات في الرأي فيه حول عدد من النقاط، إلا أن معظم الناس على الأقل متفقون فيه على المعنى العام، حتى الاحتمالات الموضوعية والتي قد تفرضها القرينتان التاريخية والأدبية يمكن أن نجدها ضمن حدود معينة.

فعلى سبيل المثال: لا يمكن لبولس الرسول أن يكون قد قصد أمراً لم يسمع به هو أو قراؤه، وعلى هذا الأساس فالمعنى الذي أراده بولس الرسول لابد له من أن يكون معنى ممكناُ يتناسب مع القرن الأول الميلادي.

 

إن القضية الكبرى بين المؤمنين بالكتاب المقدس ككلمة الله تتمثل في مشكلات النسبية البيئية.

وهنا يلفت انتباهنا ما يلي: لا يوجد إجماع على الأمور التي تحدد معنى التفسير الحياتي والذي يعني تعلّم رؤية المعنى في بيئتنا وظروفنا المعاصرة. فجميع الناس يمارسون التفسير الحياتي حتى وإن كانوا لا يعلمون شيئاً عن التفسير الاستنتاجي. وهنا نقول: إنه لا عجب إذاً إن وجدنا اختلافات كثيرة في التفسير بين المسيحيين.

وما نريد فعله في هذا الفصل قبل كل شيء، هو تقديم وشرح مختلف أساليب التفاسير الحياتية الشائعة بين المسيحيين وإظهار حسناتها ومساوئها، ثم مناقشة وإعطاء إرشادات لعدة مجالات قد تبدو فيها هذه الأساليب الشائعة غير ملائمة؛ لأن القضية الكبرة بين المؤمنين بالكتاب المقدس ككلمة الله تتمثل في مشكلات النسبية البيئية، أو بمعنى آخر: ما هو بيئي من بيئة قُراء الكتاب المقدس الأصليين – يختص بالقرن الأول وحده، وما يسمو فوق البيئة غير محصور ضمن بيئة قُراء الكتاب المقدس الأصليين – هو كلمة تصلح لكل العصور.

ونحن بدورنا سنولي هذه القضية العناية اللازمة.

أساليبنا التفسيرية الحياتية المتداولة

ما الذي نفعله جميعنا عندما نقرأ رسائل العهد الجديد؟ بكل بساطة، ترانا نستخدم فطرتنا السليمة في التعامل مع النص محاولين تطبيق ما نستطيع تطبيقه على حالتنا الشخصية، وما لا يبدو منطبقاً علينا نتركه ببساطة في حدود القرن الأول.

فعلى سبيك المثال ليس فينا مِنْ شعر يوماُ بدعوة الروح القدس إياه للسفر إلى ترواس كي يجلب رداءً لبولس الرسول من بيت كاربس وليحضره إليه في سجن رومية (2تي 4: 13) مع أن هذا المقطع يظهر لنا بوضوح ذلك الأمر. ولكن فهم معظم المسيحيين لمقطع آخر من نفس الرسالة هو أن يخبرهم بضرورة احتمال المشقات في أزمنة الضيق…. كجندي صالح ليسوع المسيح (2 تي 2: 3) وهنا لن يقوم أي منا بالتساؤل والجدال عما تم عمله بشأن هذه المقطعين – بل سيجاهد الكثيرون منا ساعين لطاعة المقطع الثاني طاعة حقيقة.

وهنا جدير بنا القول بأن معظم مشاكلنا – واختلافاتنا – تنجم عن تلك النصوص التي تقع بين اعتقاد البعض منا بوجوب الطاعة الكاملة لما دُون فيها بينما يظل الآخرون غي متأكدين تماماً من هذا الأمر.

أما الصعوبات التي تواجهنا في التفسير الحياتي فهي متعددة، لكنها جميعها ترتبط بأمر واحد وهو عدم ثباتنا على مبدأ واحد. وهذا بعينه سبب الخلل الكبير في أسلوبنا التفسيري الحياتي المتداول. فترانا ودون أن نقصد ذلك بالضرورة، نجلب إلى الرسائل ونضمنها حين قراءتنا لها تراثنا اللاهوتي، ومعاييرنا الثقافية والبيئية أو همومنا الراهنة. أما ما ينجم عن عملنا هذا فهو كل أنواع التفاسير الانتقائية الممكنة أو دوران حول نصوص معينة دون أخرى.

ومن المشوق على سبيل المثال، أن نلاحظ بأن الكثيرين من الإنجيليين الغربيين المحافظين، يوافقون على موقفنا المشترك من تيموثاوس الثانية 2: 2 و4: 13، غير أن البيئة الثقافية لمعظم أولئك المؤمنين أنفسهم تجعلهم يبدون حجتهم ضد طاعة ما جاء في تيموثاوس الأولى 5: 23 “لا تكن فيما بعد شرَّاب ماء، بل استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة”.

وهم يقولون لنا عن هذا الأمر إنه متعلق بتيموثاوس فقط وليس بنا، بحجة أن الماء في ذلك الوقت لم يكن مأموناً للشرب، او قد يجادل البعض في أن الخمر في ذلك الحين كان يعني عصير العنب – مع أن الواحد منا لربما يتعجب كيف كان لهذا أن يحصل وأساليب الحفظ والتبريد الحالية لم تكن معروفة آنذاك!

وهنا نسأل: لماذا تعد هذه الكلمة في تيموثاوس الأولى 5: 23 محصورة بتيموثاوس نفسه، بينما الحث على الاستمرار والثبات في الكلمة في تيموثاوس الثانية 3: 14-16 عام وشامل، مع أن هذه الآية هي وصية موجهة إلى تيموثاوس فقط، لكنها صارت وصية لجميع الناس في كل زمان وكل مكان؟

انتبه قد تكون كدارس محقاً في تجاوز تيموثاوس الأولى 5: 23 بدعوى أن ليس لها تطبيق شخصي في حاضرنا. ولكن على أي أساس تفسيري حياتي يمكنك أن تبني هذا؟

خذ مثلاً آخر: المشاكل التي واجهها الكثيرون من المؤمنين التقليديين في أواخر عقد الستينات وبداية عقد السبعينات. آنذاك كان قد أصبح الشعر الطويل للشباب رمزاً لبداية حقبة جديدة. لكن أن يتخذ المسيحيون هذا الشكل كان بمثابة مخالفة لله نفسه في ضوء ما جاء في كورنثوس الأولى 11: 14 “أم ليست الطبيعة نفسها تُعلِّمكم أن الرجل أن كان يرخي شعره فهو عيب له”.

ومع هذا فإن معظم الذين تمسكوا بهذه الآية ضد شكل الشباب هذا كانوا قد سمحوا للنساء بقص شعورهن قصيراً (على الرغم من عدد 15 من النص ذاته)، ولم يُصروا على ضرورة تغطية النساء لرؤوسهن أثناء العبادة.

هذان المثالان يعرضان ببساطة كيف يمكن للبيئة الثقافية أن تُملي علينا ما هي الفطرة السليمة. إلا أنه يوجد أمور أخرى تملي أيضاً علينا الفطرة السليمة كالتراث اللاهوتي، على سبيل المثال.

فكيف يمكن أن نفسر منع النساء من التكلم في الكنيسة وفي كثير من الكنائس بناءً على ورد في 1كورنثوس 14: 34، 35 وفي الوقت نفسه يجادل كثير من الكنائس نفسها ضد كل شيء آخر ورد في الأصحاح 14 بحجة أنه لا يمت للقرن العشرين بصلة! كيف يمكن أن يكون العددان 34 و35 صالحين لكل زمان وحضارة أو ثقافة بينما الأعداد 1، 5 أو 26، 32 أو 39، 40 والتي تعطي تعليمات تتعلق بالتنبؤ والتكلم بألسنة تختص بكنيسة القرن الأول فقط؟!

والآن هل لاحظت كيف أن مفاهيمنا اللاهوتية المسبقة تجعل الكثيرين منا يرون مفاهيمهم في متى بعض النصوص الكتابية، بينما نقوم بالدوران حول نصوص أخرى والابتعاد عنها.

لاحظ أيضاً مدى السهولة التي يرى بها مسيحيو القرن العشرين تقاليد أنظمتهم الكنسية بين سطور رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس ورسالته إلى تيطس. ومع هذا فإن عدد الكنائس التي تمارس القيادة الجماعية قليل جداً (1تي 5: 17؛ تي 1: 5)، فتيموثاوس لم يكن راعياً للكنيسة هناك بل كان موفداً مؤقتاً من قبل بولس ليضع الأمور في نصابها ويصحح بعض المساوئ فيها. حتى الكنائس التي تقوم فعلياً بالاهتمام بالأرامل في الكنيسة يحسب النص الوارد في تيموثاوس الأولى 5: 3-15 أقل بكثير.

والآن هل لاحظت أن مفاهيمنا اللاهوتية المسبقة تجعل الكثيرين منا يرون مفاهيمهم في متي بعض النصوص الكتابية، بينما نقوم بالدوران حول نصوص أخرى والابتعاد عنها.

يفاجأ بعض المسيحيين تماماً لدى اكتشافهم أن مسيحيين آخرين يدعمون معمودية الأطفال من نصوص مثل كورنثوس الأولى 1: 16؛ 7: 14 أو كولوسي 2: 11-12، أو ان آخرين يجدون لهم برهاناً على مجيء المسيح الثاني على مرحلتين في تسالونيكي الثانية 2: 1، أو أن آخرين ما زالوا يجدون لأنفسهم دليلاً على أن التقديس هو عمل ثان للنعمة، بناء على تيطس 3: 5.

إن الذين يؤمنون بحرية إرادة المؤمن ومسؤوليته يصابون بنوع من الحرج عند قراءة رومية 8: 30؛ 9: 18-24، غلاطية 1: 15، أفسس 1: 4-5، وفي المقابل فالذين يؤمنون بالاختيار وسلطان الله المطلق لهم طرقهم في الدوران حول كورنثوس الأولى 10: 1-13، بطرس الثانية 2: 20-22، عبرانيين 6: 4-6. في الواقع، ومن خلال خبرتنا في التدريس نرى أن الطلاب الذين ينتمون إلى هاتين المدرستين اللاهوتيتين قلما يتساءلون عن معنى تلك النصوص، فهم فقط يريدون معرفة كيف يجيبون على هذه النصوص!

نحن نفقد الكثير من قرائنا بسبب ما قلناه في الفقرات القليلة السابقة، ومع ذلك فغايتنا هي محاولة توضيح عمق المشكلة فقط، وتبيان مدى احتياج الدارس إلى التكلم مع الآخرين حول هذه القضية الخطيرة.

وهنا نسأل: ما هي الإرشادات المطلوبة لتأسيس قواعد تفسير أكثر رسوخاً في تفسير الرسائل؟

 

القاعدة الأساسية

هل تذكر بأننا قد وضعنا مقدمة منطقية في بداية الفصل الأول على هيئة قاعدة أساسية تقول: “بأنه لا يمكن للنص أن يعني لنا أمراً إن لم يكن قد عناه فعلاً لقرائه الأصليين أو لكاتبه”. هذه المقدمة تفسر سبب وأهمية إتمام التفسير الاستنتاجي قبل أي أمر آخر. وتؤكد على ضرورة تكرارنا لها لأننا في ذلك قد نجد على الأقل ترسيخاً لما يحدد المعنى. ربما لن تخدمنا هذه القاعدة دائماً في إيجاد ما يعنيه النص، لكنها على الأقل ستساعدنا في وضع حدود لما نقوم بتفسيره فلا نعطي للنص ما لا يمكن أن يعنيه.

القاعدة الثانية

أما القاعدة الأساسية الثانية فنقول: “بأننا كلما اشتركنا أكثر مع خلفية أو محيط القرن الأول في مواقف حياتية مشابهة لحياتهم صارت كلمة الله لنا اليوم هي نفسها كما كانت لهم آنذاك”. هذه القاعدة عادة ما تجعل معظم النصوص والأوامر الموجهة للقراء الأصليين في الرسائل – تناسب قراء القرن الحالي على نفس مستوى قراء القرن الأول. فلا يزال صحيحاً أن “الجميع أخطأوا”… وأن “المسيح مات لأجلنا”… وأن الله يقول: “فالبسوا كمختاري الله القديسين المحبوبين أحشاء رأفات ولطفاً وتواضعاً ووداعة وطول أناة” (كو 3: 12).

والتحذير هنا هو في ضرورة قيامنا بالتفسير الاستنتاجي بشكل جيد حتى تتكون لدينا تلك الثقة بأن أحوالنا وأمورنا هي مشابهة حقاً لأحوال وأمور القراء الأصليين.

فعلى سبيل المثال، من المهم جداً ولخدمة تفسيرنا ملاحظة أن الدعوى القضائية المذكورة في كورنثوس الأولى 6: 1-11 كانت بين أخين مؤمنين أمام قاض وثني في الساحة العامة في مدينة كورنثوس. وهنا يمكننا أن نجادل قائلين: إن القصد من النص لن يتغير فيما لو كان القاضي شخصاً مؤمناً أو لو كانت المحاكمة قد حدثت داخل دار المحكمة، النقطة التي يشير إليها بولس الرسول كخطأ هو أن يتخاصم أخان من الكنيسة لدرجة أن يلجأ إلى التقاضي خارج الكنيسة وهذا هو القصد من النص كما واضح تماماً في الأعداد 6-11.

من جهة أخرى يحق للدارس أن يتساءل فيما إذا كان الأمر ينطبق على شخص مسيحي له دعوى قضائية على مؤسسة ما في عالمنا الحديث لأنه وفي هذه الحالة لن تكون جميع الأمور مشابهة لمثلنا. إذاً دارس النص في هذا الشأن يجب أن يأخذ بعين الاعتبار مناشدة الرسول بولس بالالتزام بعدم الانتقام (عدد 7) على مثال الرب يسوع.

حتى الآن قد يبدو أن كل ما قيل سهل إلى حد معين. إلا أن مسألة كيفية تطبيق نص مثل كورنثوس الأولى 6: 1-11 تطبيقاً يتجاوز حدود تفاصيله الخاصة تظل إحدى المسائل التي تحتاج إلى مناقشة وبحث. وقد خصصنا ما تبقى من هذا الفصل لمعالجة أربع من هذه المسائل.

المسألة الأولى:

التطبيق الممتد

هل يصح أن نقوم بمد تطبيق النص إلى قرائن أخرى، أو جعل نص ما ينطبق على محيط مختلف كلياً عن محيط وبيئة القرن الأول؟

مثال: قد يقال بأنه حتى وإن كان نص كورنثوس الأولى 3: 16-17 موجهاً إلى الكنيسة في كورنثوس فإنه يمثل المبدأ التالي وهو: أن ما خصصه الله لنفسه بسكنى الروح القدس هو مقدس، وأن مَنْ يُفسد هذا سيقع تحت دينونة الله الشديدة.

والسؤال هنا: ألا يمكن تطبيق هذا المبدأ اليوم على المسيحي كفرد، لإظهار أن الله سيُدين الشخص الذي يسئ إلى جسده؟

وأيضاً كورنثوس الأولى 3: 10-15 موجهة إلى أولئك المسئولين في بنيان الكنيسة، وفيها يحذر بولس الرسول من الخسارة التي سيلاقيها كل مِنْ يبني رديئاً. فبما أن هذا النص نفسه يتكلم عن الدينونة والخلاص كمَنْ سيخلص كما بنار، ألا يحق لنا استخدامه لتوضيح قضية ضماه سلامة المؤمن أبدياً؟

هنا نجيب بما يلي: إن كانت هذه التطبيقات تعد تطبيقات سليمة، فمعنى هذا أننا تلقائياً نقوم بتجاوز التفسير الاستنتاجي تجاوزاً كلياً. وفضلاً عن ذلك، فإنه من الخطأ تطبيق نص كورنثوس الأولى 3: 16-17 على شخص ما كفرد، وعلى هذا الأساس ما الفائدة من التفسير الاستنتاجي إذاً؟ ولماذا لا نبدأ ببساطة من هنا والآن؟! وإن كنا في كلتا الحالتين عرضة للخطأ.

وهكذا عندما تصادفنا أمور مشابهة لهذه الأمثلة السالفة، فإن كلمة الله لنا في مثل تلك النصوص ينبغي أن تنحصر دائماً بالنية والقصد الأصلي الذي كتبت من أجله. إلا أنه يجب التنبير على أن التطبيق الممتد عادة ما يحق إجراؤه إذا كان منصوصاً عنه بوضوح، ففي مقاطع كتابية أخرى يكون التطبيق فيها هو القصد من المقطع.

لكن في كورنثوس الثانية 6: 14 نجد حالة أكثر تعقيداً، وهي الآية التي تقول: “لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين” وقد تم تفسير هذا النص بمنع زواج طرف مسيحي بطرف غير مؤمن. لكن من خلال التفسير الاستنتاجي قلما استُخدِم النير كمجاز أو كاستعارة لمسألة الزواج في القرن الأول الميلادي، ولا يوجد في النص أية إشارة أو قرينة تدل على أن الزواج هو المقصود هنا.

ومشكلتنا في هذا المثال تتلخص في عدم قدرتنا على معرفة الشيء الذي يمنعه النص الأصلي. الذي هو على الأرجح يشير وبطريقة ما إلى الوثنية أو ربما ينبه إلى منع حضور الاحتفالات الوثنية (انظر كورنثوس الأولى 10: 14-22)، إذن لا يمكننا أن نمد مبدأ هذا النص. إننا لسنا متأكدين من معناه الأصلي لكن قد يصح التطبيق الممتد في هذا النص لأن هذا المبدأ في الحقيقة هو مبدأ كتابي يمكن استخلاصه في نصوص أخرى بمعزل عن هذا النص.

المسألة الثانية:

الأمور غير المشابهة

لهذه المسألة علاقة بنوعين من النصوص في الرسائل: (1) النصوص التي تتعلق بأمور القرن الأول والتي لا نجد لها نظيراً في أغلب الأحوال في هذا القرن الحالي. (2) النصوص التي تعالج مشكلات يمكن أن تحدث في القرن الحالي لكن احتمال حدوثها نادر. إذاً ما الذي يمكن عمله بهذه النصوص، وكيف يمكن لها أن تتكلم إلينا؟

هذا مثال على النوع الأول نراه في كورنثوس الأولى 8-10 حيث يتحدث الرسول بولس عن مواضيع ثلاثة:

  • أ‌- مؤمنون يتجادلون بشأن حقهم في الاستمرار بالانضمام إلى جيرانهم الوثنيين في الولائم داخل المعابد الوثنية (انظر 8: 10؛ 10: 14-22).
  • ب‌- طعن مؤمني كورنثوس في سلطة بولس الرسولية (انظر 9: 1-23).
  • ت‌- الذبائح المقدمة للأصنام والتي كانت تباع في الأسواق العامة (10: 23-11: 1)

يشير التفسير الاستنتاجي السليم لهذه المقاطع بأن بولس الرسول قد عالج هذه المسائل كما يلي:

  • منعهم تماماً من المشاركة في ولائم الأوثان بسبب مبدأ حجر العثرة (8: 7-13)، لأن مثل هذه الأطعمة لا تليق مع الحياة في المسيح التي تعاش حول عشاء الرب (10: 16، 17)، ولأن الاشتراك في مثل هذه الأطعمة يعنى الاشتراك فيما هو شيطاني (10: 19-22).
  • يدافع بولس عن حقه في الدعم المالي كرسول، على الرغم من تخليه عن هذا الحق، ويدافع أيضاً عن تصرفاته حول المسائل التي لا تُحدث فرقاً في نظر الله (9: 19-23).

  • أما رأيه في المسألة الثالثة فهو: أنه يمكن شراء وأكل ما ذبح للأوثان إن كان معروضاً للبيع في الأسواق، ويمكن أكله بحرية في منزل شخص آخر. وفي القرينة الأخيرة يشير إلى أن المؤمن يستطيع رفض الأكل منه إن كان هذا يسبب عثرة لشخص آخر. وعلى هذا يمكن للإنسان أكل كل شيء لمجد الله، لكن لا ينبغي عمل أي أمر بقصد الإساءة إلى الآخرين.

لكن مشكلتنا في هذا النص هي أن هذا النوع من العبادة الوثنية غير معروف في كثير من البلدان المعاصرة مما يجعل المشكلتين رقم 1، 3 غير موجودتين. بالإضافة إلى أنه لم يعد لدينا رسل بمرتبة بولس ممن أسسوا الكنائس الجديدة، ومارسوا سلطتهم الرسولية عليها (9: 1-2 انظر أيضاً كورنثوس الثانية 10: 16)، وممن رأوا الرب المُقام فعلياً (9: 1 انظر أيضاً 15: 8).

أما النوع الثاني فيمكننا توضيحه من خلال النصين التاليين: النص الأول يتحدث عن قضية الرجل المتهم بزنا المحارم (1كو 5: 1-11) والنص الثاني يتحدث عن الناس الذين كانوا يسكرون في عشاء مرتبط بعشاء الرب (1كو 11: 17-22). وهنا نقول: إنه يمكن لهذه الأمور أن تحدث في مجتمعاتنا لكنها بعيدة الاحتمال إلى حد كبير. والسؤال هو: كيف يمكن لمشكلات القرن الأول هذه أن تفيد مسيحيي القرن الحالي؟

نحن نقترح أن تأخذ عملية التفسير الحياتي هنا خطوتين:

أولاً: إجراء عملية التفسير الاستنتاجي بانتباه خاص للتمكن من سماع ما قالته كلمة الله للقراء الأصليين حقاً ولما تقوله لنا. وفي معظم الحالات المماثلة، نرى أنه قد تم فعلاً تحديد مبدأ واضح، وهذا المبدأ نادراً ما يتعدى إطاره التاريخي الذي سبق أن طُبق فيه.

ثانياً: نقطة هامة جداً، إذ ينبغي علينا احترام مبدأ الزمن فلا يمكن لنا أن نطبق التفسير الاستنتاجي بشكل عشوائي على أي نوع أو على كل نوع من المواقف. إنما علينا الإصرار على ضرورة تطبيقه فقط في الحالات التي تنطوي على مشابهة أصيلة.

دعنا نوضح هاتين الخطوتين:

أولاً: مَنعَ بولس الرسول المشاركة في ولائم المعابد بناء على مبدأ حجر العثرة، لكن لاحظ أن هذا الأمر لا يشير إلى المنع لمجرد أن يستاء مسيحي آخر مما نفعله. إن مبدأ العثرة يشير إلى أمر يقوم به أحد المؤمنين وهو مرتاح الضمير، لكن بسبب عمله هذا وقناعته هذه، يدفع آخر لفعل نفس الأمر بدون راحة ضمير. وهكذا لا يظل الأمر مجرد إزعاج أو إساءة إلى المؤمن بل يسمى عملاً مدمراً لأنه يستميل إلى محاكاة عمل شخص آخر. ولهذا يجب تطبيق هذا المبدأ فقط عند وجود مشابهة حقيقية بين الحالات.

ثانياُ: مَنعَ بولس الرسول في النهاية منعاً كلياً المشاركة في الولائم المقامة في الهياكل الوثنية، لأن الاشتراك في هذه الولائم معناه المشاركة بما هو شيطاني. وعلى هذا الأساس يُعد هذا المنع معياراً للمشاركة في كل أشكال الروحانية الشيطانية كالسحر والشعوذة والتنجيم… إلخ. أما المبدأ القائل أن: “الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون” (1كو 9: 14) فهو يظل بالتأكيد قابلاً للتطبيق على الخدام الراهنين كونه مذكوراً في آيات كتابية أخرى (انظر 1تي 5: 17-18).

المشكلة بالنسبة لنا هنا هي في مدى قدرة الدارس على التمييز بين المسائل الهامة والأخرى التي لا تُحدث فرقاً. وهي مشكلة عويصة لأن المتعارف عليه عادة في حضارة أو بيئة ما يختلف عن بيئة أخرى ويتغير من مجتمع مسيحي إلى آخر، تماماً كما في القرن الميلادي الأول.

ففي بعض مجتمعات القرن الحالي تشمل قائمة مثل تلك الأمور الثياب من حيث: الألوان، ارتداء النساء للبنطلون، طول ثياب النساء، أدوات التجميل، الحلي، المجوهرات، وسائل الترفيه والتسلية، الأفلام السينمائية، والتليفزيون والرقص ولعب الورق، والطعام والشراب.

فكما كان الأمر مع الذين أدانوا حرية بولس الرسول بشأن مسألة ما ذُبح للأوثان، كذلك الأمر مع الذين يظنون بأن الامتناع عن أي من هذه الأمور المذكورة أعلاه هو عنوان القداسة أمام الله، والسبب هو أن هذه الأمور في نظرهم هي مسائل ذات قيمة لدى الله.

لكن ما الذي يجعل أمراً ما غير ذي قيمة، ذا قيمة؟

نقترح التالي كمجرد إرشادات:

على الناس الذين يختلفون تماماً بشأن هذه المسائل أن لا يحكموا على بعضهم البعض أو يدينوا الآخرين.

يمكن الإبقاء على عدم أهمية المسائل التي قللت الرسائل بالفعل من أهميتها مثل: الطعام، الشراب، حفظ الأيام (كو 2: 16-32).

هذه المسائل ذات الشأن القليل ليست أدبية في صلبها، بل حضارية – حتى إن نشأت عن حضارة دينية، لذا فالمسائل التي تميل إلى التغيير بين حضارة وأخرى حتى بين المؤمنين الحقيقيين يمكن أن تُعد مسائل ثانوية (كالرّقص في بعض البيئات، ومنعه في غيرها، على سبيل المثال).

إن قائمة الخطايا المذكورة في الرسائل (انظر رو 1: 29-30؛ 1كو 5: 22؛ 6: 9-10؛ 2تي 3: 2-4) لا تشمل أبداً أموراً تختلف من بيئة أو ثقافة إلى بيئة أو ثقافة أخرى. علاوة على ذلك فإن ما يُقابل هذه المسائل قوائم متنوعة للوصايا المسيحية (أنظر رو 12؛ اف 5؛ كو3… إلخ) والتي لا تختلف من بيئة إلى أخرى.

ومع إدراكنا التام بعدم موافقة الجميع على تقييمنا للأمور ومع ذلك وبحسب رومية 14، فإن على الناس الذين يختلفون تماماً بشأن هذه المسائل أن لا يحكموا على بعضهم البعض أو يدينوا الآخرين، وعلى الشخص الحر أيضاً ألا يتباهى بحريته، وعلى مَنْ يتبنى قناعة راسخة بهذه الأمور ألا يدين غيره.

المسألة الثالثة:

النسبية البيئية أو الحضارية

هذا هو المجال الذي تقع فيه معظم صعوبات واختلافات أيامنا الحاضرة. هذه المشكلة تظهر بوضوح لأن كلمة الله السرمدية قد أُعطيت لنا ضمن إطار تاريخي مُحدد المعالم.

وتتلخص المشكلة في الخطوات التالية:

الرسائل كتبت في القرن الأول؛ ولذلك فهي مرهونة بلغة وثقافة هذا القرن الذي عالج حالات خاصة بكنيسة القرن الأول.

كثير من الحالات الخاصة في الرسائل مرهون بمحيط القرن الأول بحيث يدرك الجميع مدى قلة أو عدم وجود تطبيق شخصي ككلمة من الله موجهة إلى القراء اليوم، ماعدا ما يمكن استخلاصه منها من مبادئ يمكن أن تطبق في القرن الحالي.

هناك نصوص أخرى مرهونة جداً بظروف وموافق القرن الأول، لكن يمكن ترجمتها وتطبيقها في وقتنا الحالي إذا ما تشابهت الظروف والمواقف.

هناك نصوص أخرى تبدو وكأن لها أموراً مشابهة، وهنا نسأل ألا يمكن أن تكون هي الأخرى مرهونة بمحيط القرن الأول وتحتاج إلى أن تترجم في ضوء الأوضاع الجديدة أم ينبغي تركها ببساطة ضمن خلفية أو بيئة القرن الأول؟

والجوار هو أن المسيحيين يقومون إلى حد معين على الأقل بترجمة نصوص الكتاب المقدس إلى خلفيات جديدة دون أن يصرحوا بذلك.

ولعل هذا هو السبب الذي جعل الإنجيليين في القرن الحالي يبقون على ما ورد في تيموثاوس الأولى 5: 23 “استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة” في إطار القرن الأول، ولا يصرون على تغطية الرأس أو الشعر الطويل عند النساء، ولا يمارسون القبلة المقدسة. غير أن كثيرين من أولئك الإنجيليين أنفسهم يستاؤون لو دافع أحدهم عن قيام المرأة بالتعليم في الكنيسة (بحضور الرجال) بناءً على تلك الأسس.

كثيراً ما حاول بعضهم رفض فكرة النسبية البيئية بمجملها مما أدى بهم إلى تبني بيئة القرن الأول كمعيار إلهي؛ لكن رفضاً كهذا عادة ما يكون محدوداً في نجاحه.

قد نراهم يُبقون بناتهم في البيت وينكرون عليهن التعليم العالي ويقوم الأب بترتيب زواجهن، لكنهم عادة ما يسمحون لهن بتعلُّم القراءة والخروج بين الناس بدون غطاء رأس. والمراد قوله هنا هو أن أمر الثبات على المبدأ هو غاية في الصعوبة؛ إذ لا يوجد هناك ما يسمى بالبيئة التي رسمها الله. فالبيئات في الحقيقة متغيرة والتغيير قائم ليس فقط بين بيئة القرن الأول وبيئة القرن الحالي، لكن حتى بين مختلف البيئات في هذا القرن ذاته لأنها مختلفة عن بعضها البعض بلا حدود.

فبدلاً من رفض هذا المبدأ نقترح الاعتراف بوجود درجة من النسبية البيئية والحضارية. ولإتمام إجراء تفسير حياتي مقبول. فالنسبية البيئية والحضارة نتيجة طبيعية لا مفر منها ناشئة عن وجود أسباب لكتابة الرسائل، ولكي يكون التفسير الحياتي للشخص مقبولاً فلا بد له من أن يكون في إطار خطوط توجيهية محددة.

وهنا نرغب في اقتراح التوجيهات التالية للمساعدة على التمييز بين الأمور التي تتصل بالبيئة من جهة وتلك التي تتجاوز بيئتها أو محيطها الأصلي من جهة أخرى ليكون لدينا معيار يفيد كل المؤمنين في كل العصور.

على الشخص أن يفرق بين مركز رسالة الكتاب المقدس وبين ما يتبعه وما هو ملحق به. لا نقصد بهذا أن ننادي بلائحة قانونية أصغر ضمن اللائحة القانونية العامة لأسفار الكتاب المقدس (بمعنى أن نرفع شأن أجزاء من العهد الجديد لتكون معياراً لأجزاء أخرى) بل ما نعنيه هو حماية الإنجيل من التحول إلى شريعة من خلال عادات حضارية أو دينية من جهة، والسعي لحفظ الإنجيل نفسه من التغيير حتى يتماشى مع كل تعبير بيئي يمكن تصوره من جهة أخرى.

وعلى هذا الأساس يكون سقوط الجنس البشري، والفداء من هذا السقوط كعمل نعمة الله بواسطة موت المسيح وقيامته، واكتمال عمل الفداء هذا بمجيء السيد المسيح مرة أخرى… إلخ، كل هذه الوقائع تكوِّن جزءاُ واضحاً من مركز رسالة الكتاب المقدس، أما القبلة المقدسة وغطاء رأس المرأة وخدمات ومواهب الروح القدس فهي تكوِّن الجزء التابع أو الملحق لهذا المركز.

وبالتالي على الشخص أيضاً ملاحظة الفرق بين ما يعده العهد الجديد نفسه أمراً أخلاقياً بطبيعته وبين ذلك الذي لا يحسبه كذلك، فالأمور ذات الطبيعة الأخلاقية المتأصلة تكون مطلقة وسارية على كل حضارة أو بيئة، أما الأمور التي ليست أخلاقية في طبيعتها فتظل تعبيرات ثقافية خاضعة للتغير من بيئة إلى أخرى.

فقوائم الخطايا التي يسردها بولس الرسول على سبيل المثال، لا تحتوي أبداً على أمور ذات طبيعة بيئية. بالطبع، قد تكون بعض هذه الخطايا سائدة في مجتمع ما أكثر من شيوعها في مجتمع آخر لكن لا يوجد مطلقاً ما يمكن أن نعتبره تصرفات مسيحية. وعليه فالزنى والأوثان والسكر والشذوذ الجنسي والسرقة والطمع… إلخ (1كو 6: 9، 10) كأفعال تبقى دائماً خطية. والمسيحيون لم يضعوا أفضلية لأي من هذه الخطايا لأنها ليست خيارات أخلاقية.

فالرسول بولس يقول بوحي من الروح القدس: “وهكذا كان أناس منكم. لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع المسيح وبروح إلهنا” (1كو 6: 11).

كذلك إن نظرنا إلى الجهة الأخرى فسنرى أن عملية عسل الأرجل أو تبادر القبلة المقدسة أو الأكل مما ذبح للأوثان أو غطاء رأس المرأة عند الصلاة أو التنبؤ أو تفضيل بولس الرسول الشخصي للبتولية على الزواج أو تعليم المرأة في الكنيسة ليس كلها مسائل أخلاقية في الأساس لكنها أمور تتحدد فقط باستخدامها السليم أو سوء استخدامها في قرائن معينة كأن يكون الأمر متعلقاً بعدم الطاعة أو نقص المحبة.

وهنا على الشخص أن يراعي وبعناية بالغة الأمور التي يتحدث عنها العهد الجديد باستمرار وأن يلاحظ الأمور التي يختلف فيها حكم العهد الجديد. ومن المسائل التي يؤكد عليها العهد الجديد بشكل ثابت ومستمر: المحبة كرد الفعل الأخلاقي الأساسي للمسيحي، وعدم الانتقام. أيضاً العهد يبيِّن مدى خطأ الحقد والقتل والسرقة والشذوذ الجنسي والسُكر وكل أنواع المفاسد الجنسية.

وبالتالي قد يختلف حكم العهد الجديد على مواقف وأمور أخرى بسبب اختلاف البيئات مثل: خدمة المرأة في الكنيسة (انظر رو 16: 1، 2) حيث كانت فيبي خادمة في كنيسة كنخريا. وفي رومية 16: 7 حيث يرد اسم يونياس وهو اسم مؤنث وليس مذكراً – ضمن الرسل وفي رومية 16: 3 حيث كانت بريسكلا معاونة لبولس الرسول في الخدمة – وهي نفس الكلمة اليونانية التي أطلقها بولس الرسول في وصف أبلوس في: كورنثوس الأولى 3:9؛ فيلبي 4: 2-3؛ كورنثوس الأولى 11: 5.

ومن جهة أخرى ينادي بولس الرسول بصمت النساء في الكنيسة (1كو 14: 34-35). وفي تيموثاوس الأولى 2: 12 ينادي بأن لا تُعلِّم المرأة في الكنيسة في وجود الرجال.

كذلك الحال مع موضوع التقييم السياسي لروما (انظر رو 13: 1-5؛ 1بط 2: 13-14 وقابلها مع الأصحاحات 13-18 من سفر الرؤيا)، وموضوع احتفاظ الشخص بثروته (لو 12: 33؛ 18: 22 قابل هذه الأعداد مع تيموثاوس الأولى 6: 17-19)، أو أكل الطعام المقدم للأوثان (1كو 10: 22-29 بالمقابل مع أع 15: 29؛ رؤ 2: 14، 20).

لأن هذه المسائل بالذات تبدو بيئية أكثر منها أخلاقية؛ إذاً لا ينبغي على الشخص الانزعاج لعدم وجود حكم موحد فيها. وهنا وخاصة في العهد الجديد لا ينبغي على الشخص ممارسة التفسير الاستنتاجي كوسيلة لإثبات اتحاد المواقف.

من المهم في العهد الجديد أن تكون لدينا القدرة على التمييز بين ما هو مبدأ وما هو تطبيق خاص.

من المهم في العهد الجديد أن تكون لدينا القدرة على التمييز بين ما هو مبدأ وما هو تطبيق خاص. فبإمكان كاتب الرسائل مثلاً دعم تطبيق نسبي بمبدأ مطلق، غير أن عمله هذا لا يجعل من التطبيق أمراً مطلقاً. فمثلاً في كورنثوس الأولى 11: 2-16 يدعم بولس الرسول المبدأ القائل بأن على الإنسان ألا يفعل أي شيء يصرف الانتباه عن مجد الله (هو يشير بشكل خاص لموضوع الخروج عن العرف السائد) عندما تجتمع الكنيسة للعبادة (العددان 7، 10). ثم يضع هنا بولس الرسول تطبيقاً نسبياً (كغطاء الرأس) على المبدأ المطلق الذي هو عدم صرف الانتباه عن مجد الله، وهو يعيد ويكرر احتكامه إلى العرف والطبيعة (الأعداد 6، 13-14، 16).

فإن كان على المرأة في المجتمعات الغربية أن تُطيع النص حرفياً (غطاء الرأي الذي هو بمثابة تطبيق نسبي) فسيكون في معظم الكنائس الأمريكية هذا التطبيق وبتأكيد شبه كامل مسيء إلى روح النص، لأن تغطية الراس هذه ستؤدي إلى لفت الانتباه (عكس المبدأ تماماً) الذي هو مطلق حيث أن غطاء الرأس أمر غير معروف إطلاقاً في المجتمعات الأمريكية. مما قد يؤدي إلى تشكيل عثرة لبعض الناس أثناء العبادة.

على الشخص أن يبقى منتبهاً لماهية الاختلافات البيئية المحتمل وجودها بين القرنين الأول والحالي والتي لا يمكن لها أن تظهر بوضوح مباشرة. فعلى سبيل المثال: لتحديد دور المرأة في كنيسة القرن الحالي، على الشخص أن يأخذ في الحسبان قلة الفرص التعليمية التي كانت متاحة للنساء في القرن الأول بينما يعد تعليم النساء في مجتمعاتنا المعاصرة أمراً طبيعياً تماماً. وقد تؤثر معرفتنا للفروق والاختلافات بين القرنين الأول والحالي على فهمنا لنصوص مثل تيموثاوس الأولى 2: 9-15.

مثال آخر تختلف الديمقراطية الحالية كثيراً عن نوع الحكومة التي تحدَّث عنها بولس الرسول في رومية 13: 1-7. فمن مسلمات الديمقراطية أن يتم فيها تغيير القوانين الرديئة وإقصاء المسؤولين الأردياء. إذاً من الضروري أن تؤثر معرفتنا للديمقراطية اليوم في كيفية فهمنا لرومية 13 في عالمنا اليوم.

المسألة الرابعة:

اللاهوت المقدم لمهمة محددة

تحدثنا في نصنا السابق بأن الرسائل هي رسائل مناسبات أو كتبت كرد على مناسبات، وبالتالي فإن اللاهوت المقدَّم في هذه الرسائل هو لاهوت مقدَّم لمهمة محددة.

وما نريد ذكره هنا هو بعض التحذيرات الواجب مراعاتها أثناء الخوض في هذا اللاهوت:

بما أن الرسائل هي رسائل مناسبات إذاً علينا الاعتراف ببعض القصور الذي ينتابنا أثناء فهمنا اللاهوتي. فعلى سبيل المثل ومن أجل جعل مؤمني كورنثوس يرون مدى سخافة أن يحتكم أخَّان مؤمنان إلى محكمة وثنية يقول بولس الرسول بأن القديسين سيدينون العالم والملائكة في أحد الأيام (1كو 6: 2-3)، لكن النصوص لا تذكر شيئاً أكثر من ذلك.

وهكذا فإننا نؤكد وكجزء من الأمور الإسخاتولوجية المسيحية، (والتي تعني مفهومنا للأمور التي ستحدث عند انقضاء الدهر) بأن القديسين سيشاركون بالمحاكمة التي ستحدث في اليوم الأخير، لكننا وبكل بساطة لا نعلم ما الذي يعنيه هذا أو كيف سيتم تنفيذه فيما عدا التوكيد نفسه، كل شيء آخر يبقى من قبيل الحدس أو التخمين ليس إلا.

قد تنشأ بعض مشاكلنا اللاهوتية مع الرسائل أحياناً لأننا نقوم بطرح أسئلتنا على النصوص التي تقدم لنا أجوبة على أسئلتهم هم فقط باعتبار أن أسئلتهم هي سبب ومناسبة كتابة هذه الرسائل. فمثلاً لو طالبنا هذه النصوص بأن تُجيب مباشرة على قضية الإجهاض، الاستنساخ… إلخ. إذاً فنحن نسعى لجعل هذه الرائل تجيب على أسئلة تخص العصر الحالي. وهي قد تجيب أحياناً على تلك الأسئلة، لكنها غالباً ما لا تجيب وذلك لأن هذه الأسئلة لم تطرح في ذلك الزمان.

هناك مثل واضح على ذلك نجده في العهد الجديد نفسه. ويدور حول مسألة الطلاق. فبولس الرسول في هذا المثال يقول: “لا أنا بل الرب” (1كو 7: 10) قاصداً بذلك أن الرب يسوع نفسه قد أجاب على هذه المسألة مسبقاً، أما بالنسبة للسؤال المطروح في البيئة اليونانية حول ما إذا كان على المسيحي أن يطلق امرأته الوثنية فواضح بأنه لم تتح ليسوع مناسبة للتحدث عن هذا الأمر. لذا فالقضية بكل بساطة كانت خارج نطاق المجتمع اليهودي للمسيح.

أما بولس الرسول فكان عليه أن يجيب على تلك المسألة بنفسه لذلك نراه يقول “أنا لا الرب” (ع12). إن إحدى المشكلات التي تواجهنا هي أننا نحن أنفسنا لا نملك سلطة بولس الرسولية ولا الوحي الذي حظي به.

فالطريقة الوحيدة التي يمكننا بها معالجة مثل هذه القضايا قائمة على أساس لاهوت كتابي كامل، وهذا بدوره – أي اللاهوت الكتابي الكامل – يشمل فهمنا لعملية الخلق، السقوط، الفداء، وانتهاء الدهر. مما يعني بأنه علينا النظر إلى لاهوت الكتاب المقدس نظرة شاملة ككل. ولن نجد أي إثبات نصي طالما أنه ليس هناك أية نصوص مباشرة مختصة بالمسألة.

إذاً مما سبق وقدمناه، كان بعض اقتراحاتنا حول تقديم تفسير حياتي جيد عند قراءة وتفسير “الرسائل”، هادفين مباشرة إلى بلوغ مستوى أفضل من الدقة والترابط قاصدين دعوتنا جميعاً إلى مزيد من الطاعة لما نسمعه من كلمة الله ولما نفهمه.

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 4 – الرسائل – التفسير الحياتي

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 10 – الأنبياء – تطبيق العهد في إسرائيل

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 10 – الأنبياء – تطبيق العهد في إسرائيل

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 10 – الأنبياء – تطبيق العهد في إسرائيل

·         طبيعة النبوة

·         وظيفة النبوة

·         مهمة التفسير الاستنتاجي

·         بعض الاقتراحات التفسيرية

·         المنظور النبوي للأحداث المتعاقبة

إن أسفار الكتاب المقدس التي تندرج تحتَ هذا النوع من أنواع النصوص يزيد عددها عن أسفار أي نصوص أخرى. فهناك أربعة أنبياء كبار (أشعياء، إرميا، حزقيال، دانيال) واثنا عشر نبياً صغيراً (آخر اثنا عشر سفراً بالعهد القديم) وقد كُتِبَتْ جميعاً ما بين 760 – 430 تقريباً ق.م.، وتحتوي على عدد كبير من الرسائل الإلهية. أما الأنبياء الصغار فقد تم تسميتهم كذلك لأن أسفارَهم جاءت قصيرةً نسبياً بالمقارنة مع أسفار الأنبياء الكِبار الطويلة. وهنا نقول بأن هاتين التسميتين لا علاقةَ لهما إطلاقاً بأهمية تلك الأسفار.

طبيعة النبوة

قبل البدء بدراسة مسألة النبوة وطبيعتها، علينا التنبيه أولاً إلى أن الأسفار النبوية تُعَدُّ من أكثر أجزاء الكتاب المقدس صعوبةً من حيث التفسير أو الفهم. وأسباب ذلك تعود إلى إساءة فهم وظيفة تلك الأسفار وصياغتها. وهنا يجدرُ بنا الانتباه إلى بعض الملاحظات الأولية قبل الخوض في بحث هاتين النقطتين.

من أهم مفاتيح فهمِنا للأنبياء هو أن نرى أنَّ نبواتِهم قد تَحَقَّقَتْ فعلاً.

معنى النبوة

إن أول صعوبةٍ تواجهُ معظم القراء اليوم عند قراءتِهم لأسفار النبوة عادةً تنشأ من عدم الدقة في الفهم المُسَبَّق لكلمة “نبوة” إن أن معنى هذه الكلمة عند أغلب الناس هو ما تورده معظم القواميس أولاً عند تعريف هذه الكلمة، وهو (التنبؤ أو التَكَهُّن بأمورٍ قبلَ حدوثِها)، لذلك فالكثيرون يميلون للرجوع إلى الأنبياء فقط من أجل الحصول أو الاطِّلاعِ على النبوات التي أَخْبَرَتْ عن مجيء السيد المسيح أو عن سمات عصرِ العهدِ الجديد فقط – وكأن هَمَّ الأنبياءِ الرئيسي كان التَكَهُّن بأحداثٍ بعيدةٍ في زمنِها عن يومهِم هم.

لكن الحقيقة أن التعامل مع الأسفارِ النبوية بهذه الطريقةِ لَهُوَ نوعٌ من الانتقائيةِ الكبيرة. وحول هذا الأمر، تأَمَّلْ الأرقامَ التالية: إن نبواتِ العهدِ القديمِ عن المَسِيَّا تَقِلُّ عن 2% من مجموعِ النبوات. أما النبوات التي تصِفُ عصرَ العهد الجديد بشكلٍ خاص فتَقِلُّ عن 5% وما يتعلقُ بأحداثٍ مستقبلية فتَقِلُّ عن 1%.

لقد قامَ الأنبياءُ حقاً بإعلانِ المستقبل، لكنهُ كان مستقبلاً مباشراً لإسرائيل، ويهوذا، وللأمم الأخرى المحيطةِ بهما، ولم يكنْ المستقبل الخاص بنا نحنُ. لذلك، فإن واحداً من أهم مفاتيح فهمِنا للأنبياء هو أن نرى أن نبواتِهم قد تَحَقَّقَتْ فعلاً، بمعنىً آخر، علينا العودة والنظر إلى الأزمنةِ السابقةِ، التي مع كونِها ماضياً بالنسبةِ لنا فهي كانتْ مستقبلاً بالنسبةِ لهم.

الأنبياء كَمُتَحَدِّثينَ باسم الله

إن النظرَ إلى الأنبياءِ كَمُجَرَّد متنبئينَ عن المستقبل يجعلُنا نُغْفلُ عملَهم الأساسي، الذي يتمثلُ في التكلُّمِ إلى مُعاصرِيهم باسم الله. كما أنَّ ما يُسَبِّبُ الكثيرَ من الصعوباتِ لنا في فهم النبوات هو طبيعتها الكلامية أو الشفهية؛ إذ نحنُ نلاحظُ فقط تركيز هذه الأسفار على الرسائل الإلهية المكتوبة لنا من خلال الأنبياء في الوقت الذي لا يتمُّ فيه التركيز على سيرتِهم الذاتية.

في أسفارِ الأنبياء، نحنُ نسمعُ عن الله بواسطةِ الأنبياء، بينما لا نسمعُ إلا القليل عن سِيَرِ الأنبياءِ أنفسِهم.

مثلاً، إن من بين مئاتِ الأنبياء في إسرائيل، هناكَ ستَّةَ عشر نبياً فقط اختارهم الله ليتكلموا برسائل إلهية للناس تَمَّ فيما بعد جَمْعُها وكتابتٌها في أسفار. بالإضافةِ إلى أنبياء آخرين، مثل إيليا وأليشع، نعلم أنهم قد قاموا بدورٍ فَعَّالٍ في نقل كلمة الله إلى شعبِهِ وإلى أُمَمٍ أخرى غير بني إسرائيل. إلا أن ما نعرفٌه عن هؤلاء الأنبياء هو أكثر مِمَّا نعرفُهُ عن نَصِّ كلامِهِم. فما فعلوهُ وُصِفَ لنا بتفصيلٍ أكبرَ جداً مما قد قالوه، وما قالوه تَمَّ ورودُه بتحديدٍ وبوضوحٍ في قرينةِ عصرِهِم على يَدِّ كُتَّابِ قصص العهد القديم التي ظهرَ فيها هؤلاء الأنبياء.

لكن، وبالنسبةِ لأنبياءَ قليلين فقط مثل “جاد” (1 صم 22، 2 صم 24) و”ناثان” (2 صم 7، 12؛ 1 مل 1)، أو “خلدة” (2 مل 22: 14)، نجدُ جمعاً ما بين النبوة والسيرة الذاتية ونرى نظيراً لهذا الأمر في حالة يونان النبي وبدرجةٍ أقل في حالة دانيال النبي. لكن، وبصورةٍ عامةٍ، فنحنُ نسمع في قصص العهد القديم عن الأنبياء ونسمع عن الله بواسطتِهم، لكن ما نسمعُه منهم أقل مما نسمعه عنهم وعن سيرتهم.

أما في أسفارِ الأنبياء، فنحنُ نسمعُ عن الله بواسطةِ الأنبياء بينما لا نسمعُ إلى القليل عن سِيَرِ الأنبياء أنفسهم. ولَعَلَّ هذا الفرق الوحيد يُفَسِّرُ معظم المشكلات التي يواجهها الناسُ عادةً عند محاولتِهم فهمَ ما تقوله الأسفارُ النبوية في العهد القديم.

علاوةً على ذلك، فهل لاحظتَ قبلاً مدى صعوبةِ قراءةَ أحد الأسفارِ النبوية الطويلة في جلسةٍ واحدةٍ؟ ما السبب في رأيك؟  أولاً، نحنُ نعتقدُ أن هذه الأسفار على الأرجح لم يُقْصَدْ بها أن تُقْرَأَ بتلك الطريقة. فهي في معظمِها تجميع لرسائل إلهية شفهية، وهي كثيراً ما تخلو مما يحدد لها بداياتٍ أو نهايات. كما أننا كثيراً ما نقرأُها بدون معرفةِ خلفيتها التاريخية، إضافةً إلى أن معظم الرسائل الإلهية الشفهية قد قِيلَتْ شِعراً، ونحنُ سنسهبُ في الحديث عن هذا الأمرِ لاحقاً.

مشكلة التاريخ:

إن مسألةَ البعدِ التاريخي تُعَدُّ مشكلةً أخرى تزيدُ في تعقيدِ فهمِنا للأسفارِ النبوية. فنحنُ – كقُرَّاء معاصرين – نجدُ صعوبةً في فهم كلمة الله في وقتنا الحاضر، كما تَكَلَّمَ بها الأنبياء، أكثرَ بكثيرٍ مما وجدَهُ بنو إسرائيل الذين سمعوا النبواتِ مباشرةً. فالأمورُ الواضحةُ عندَهم، مبهمةٌ عندَنا.

لماذا؟ من ناحيةٍ، لأن للسامعينَ المباشرينَ لكلام النبي امتيازاً واضحاً على أولئكَ الذين يقرأونَ كلامَهُ منقولاً إليهم (انظرْ ما قُلناهُ عن الأمثالِ في الفصل الثامن). ومن ناحيةٍ أخرى فإن الصعوباتِ الحقيقية التي نواجهها ليستْ بسبب أننا لم نكن السامعين المباشرين لها فقط، ولكن لكونِنا بعيدين أيضاً عن الحياةِ الثقافيةِ والتاريخيةِ والدينيةِ لشعب إسرائيل القديم، الأمرُ الذي يسبب لنا صعوبةً كبيرةً جداً في وضع الكلماتِ التي نطقَ بها الأنبياءُ ضمن قرينتِها التاريخية؛ إذ كثيراً ما يصعُبُ علينا إدراكَ ما كانوا يشيرونَ إليه ولماذا.

وظيفة النبوة

لمحاولةِ فهم كلام الله لنا من خلال هذه الاسفار ذات الوحي الإلهي، يجدُرُ بنا أولاً أن نفهمَ وبوضوح دورَ ووظيفةَ النبي في إسرائيل قديماً. والتركيز الشديد على أمورٍ ثلاثة:

كان الأنبياءُ كوسطاء تطبيق العهد: لقد قَدَمْنا شرحاً في الفصل السابق عن أن ناموس بني إسرائيل كان قد شُكِّلَ كعهدٍ بين الله وشعبِهِ. وهو كعهدٍ، لم يحتوِ على مجرد قواعد ينبغي الالتزامُ بها، بل نَصَّ أيضاً على أنواع عقوباتٍ كان الله يُنزلها حتماً على شعبِهِ إن لم يحفظوا الناموس، إضافةً إلى الفوائد التي كانوا يجنونها إن هم حفظوه.

وكثيراً ما سُمِّيَتْ هذه العقوبات “بلعنات” العهد والفوائد “ببركاتِه”. لكن هذه التسمية ليستْ بذات أهمية، فالذي يهم هو أن الله لم يقُمْ فقط بمجرد إعطاء الناموس، لكنه كان ينفذه. لقد كان موسى النبي وسيط شريعة الله عندما أعلن الله أولاً عن هذه الشريعة. وبالتالي فهو نموذج للأنبياء باعتبارهم وسطاء الله أو المتحدثين باسمِه فيما يتعلق بالعهد. فبواسطتِهم يُذَكِّرُ الله الأجيال من بعد موسى بأنه إذا ما تَمَّ حفظُ الشريعة، فالبركة قادمةٌ وإلا فالعقابُ سَيَحِلُّ.

وأنواعُ البركات التي سَتَحِلُّ على بني إسرائيل لحفظِهم العهد نجدُها في سفر اللاويين 26: 1 – 13، التثنية 4: 32 – 40، 28: 1 – 14، مع وجود تحذير يرافقُ تلك البركات أنَّه إن لم يُطِعْ بنو إسرائيل شريعة الله فستنتهي تلكَ البركات. أما أنواع اللعنات التي عادةً ما ستنزل ببني إسرائيل إذا قاموا بانتهاك الشريعة فنجدها في لاويين 26: 14 – 39 وتثنية 4: 15 – 28، تثنية 28: 15 – 32 : 42).

لذا عليكَ أن تتذكرَ دائماً بأن الأنبياء لم يخترعوا البركات أو اللعنات التي أعلنوها. نعم، ربما قاموا بصياغة تلك البركات واللعنات بأساليب روائية، كما أوحى لهم الروح القدس. لكنهم وبكامل الصدق قاموا بنقل ما جاءهم من كلمة الله ولم يقدموا كلامهم هم..

فقد قام الله من خلالهم بإعلان قصدِه في تطبيق عهده للبركة أو للعنَّة بناءً على أمانة بني إسرائيل ودائماً وِفقَ أُسُس شروط البركات واللعنات الواردة في لاويين 26 وتثنية 4 وتثنية 28 – 32. إن قراءتَك لتلك الأصحاحات من أسفار الشريعة ستقودُكَ لفهمٍ أكبر للسبب الذي دعا الأنبياء لأن يقولوا ما قالوه.

باختصار، هذا ما ستكتشفه: إذ يحتوي الناموس على أنواعٍ معينة من البركات الجماعية الناتجة عن الالتزام بالعهد: وهي الحياة، والصحة والازدهار والوفرة الزراعية، والكرامة، والأمان. وتندرج معظم البركات المذكورة تحت إحدى تلك الفئات السِتِّ العامة. أما وفيما يتعلق باللعنات، فالناموس يصف عقوبات جماعية تنحصر في الأمور التالية: الموت والوبأ والقحط والمجاعة والخطر والدمار والهزيمة والسبي والعَوَز والخِزْي. ومعظم اللعنات عادةً ما تندرج في إطار تلك القائمة.

تنطبق هذه الأنواع على ما يُعلنُه الله من خلال الأنبياء. فعلى سبيل المثال عندما يعلن الله عن وعده بالبركة للشعب (وليس لأحد الأفراد) بواسطة عاموس النبي، فهو يفعل ذلك من خلال تشبيهات تتعلق بالوفرة الزراعية والحياة والصحة والازدهار والإكرام والأمان (عا 9: 11 – 15). وعندما يعلِنُ عن جزائه بالهلاك للأمة العاصية في أيام هوشع النبي، فهو يفعل ذلك مستنداً إلى اللعنات العشر التي ذُكِرَتْ سابقاً (انظر هو 8: 14؛ 9: 3). إذ كثيراً ما تكون هذه اللعنات مَجَازيةً مع أنها يمكن أن تكون حرفيةً أيضاً.

لكنها دائماً جماعية أو مشتركة، أي تقع على الأمة ككل. فالبركات واللعنات لا تتضمن أي ازدهار أو مجاعة لأي فردٍ بالذات. وتاريخياً، فإن غالبية ما أعلَنَهُ الأنبياء في القرن الثامن والسابع ومطلع القرن السادس قبل الميلاد كان لعنةً، وذلك لأن الهزيمةَ الكُبرى والدمارَ اللذينِ لحقا بالمملكة الشمالية لم يحدُثا إلا عام 722 ق.م. وأما ما لحقَ بالمملكة الجنوبية (يهوذا) فقد حصلَ عام 587 ق.م. وهكذا كان العقابُ قريباً من بني إسرائيل شمالاً وجنوباً خلال تلك الحِقبة.

لذلك فقد كان من الطبيعي أن تسبقَ تلك الأحداث كلماتُ اللعنةِ لا البركة، لأن الله كان يريد لهم أن يتوبوا. أما في فترة ما بعد الدمار الذي لحق بالمملكتين الشمالية والجنوبية، أي بعد عام 587 ق.م.، فكثيراً ما أوحى الله إلى الأنبياء بالتنبؤ بالبركات بدل اللعنات. والسبب في ذلك هو أن الله بعد ما أتَمَّ عقابَه لتلك الأمة، عاد فواصل خُطَّتَه الأساسية وهي إظهار الرجمة (انظر تث 4: 25 – 31) لعمل وصف إجمالي لهذا التسلسل.

قم أثناء قراءتِك للأسفار النبوية بتأملِها مستخدماً هذا النمط البسيط:

  • التعريف بخطية بني إسرائيل أو بمحبة الله لهم.
  • التنبؤ باللعنة أو البركةِ اعتماداً على حالة الشعب.

هذا النمط هو ما قام الأنبياءُ بنقلِهِ عادةً وفي أغلب الأوقات بحسب ما أُوحِيَ لهم من قِبَل الله.

رسالة الأنبياء هذه لم تنبُعْ منهم، بل من الله وحده: فهو الذي أقامهم (انظر خر 3: 1؛ إش 6؛ إر: 1؛ حز 1 – 3؛ هو 1: 2؛ عا 7: 14 – 15؛ يون 1: 1 … إلخ.). وإذاً ما تَجَرَّأَ نبيٌ بانتحالِ هذه الوظيفةِ لنفسِهِ، فهذا سببٌ كافٍ لجعلِهِ نبياً كَذَّاباً (انظر إر 14: 14؛ 23: 21). فالأنبياء كانوا يستجيبون لدعوة الله. والكلمة العبرية “نبي”، كما في العربية، مشتقةٌ من فعلٍ في اللغةِ السامية معناهُ “دعا”، وستلاحظُ أثناء قراءتِكَ لأسفارِ الأنبياءِ أنهم يَسْتَهِلُّونَ رسائلَهم أو يختمونَها أو يذكرونَ في سياقِها التذكيرَ التالي: “هكذا يقولُ الرَّبُ” أو “يقولُ الرَّبُ”.

وفي غالبية الوقتِ كانت الرسائلُ النبويةُ تُنْقَلُ مباشرةً كما تَسَلَّمَها الأنبياءُ من الرَّبِ وبضميرِ المُتَكَلِّم كأن اللهُ يتحدث عن نفسِهِ باستخدام “أنا” أو “ياء المتكلم”.

في غالبيةِ الوقتِ، كانت الرسائلُ النبوية تُنْقَلُ مباشرةً كما تَسَلَّمَها الأنبياءُ من الرَّبِ بضميرِ المتكلم، كأن الله يتحدثُ عن نفسِهِ باستخدامِ “أنا” أو “ياء المتكلم”.

ولأخذ مثالٍ أوضح، اقرأ الأصحاحين 27 و28 من إرميا. تأمل في صعوبةِ مهمة إرميا المتعلقةِ بإيصال الرسالةِ إلى شعب يهوذا، تلك الرسالة التي تقتضي الخضوع لجيوش العدو البابلي، وذلك فيما إذا أراد الشعب إرضاء الرَّب. لقد اعْتَبَرَ معظم سامعي إرميا رسالتَهُ هذه بمثابةِ خيانةً لشعبِهِ. مع أن إرميا، وعند نقلِهِ الرسالةَ، أعلنَ لسامعيه وبكلِ وضوحٍ بأنهم لم يكونوا يستمعونَ إلى وجهةِ نظرِهِ هو في الأمر، بل إلى رسالةِ الله. بدأ إرميا بتذكيرهِم قائلاً: “هكذا قال الرَّبُ لي” (27: 2)، ثم اقتبسَ أمرَ الله له قائلاً: “أرسلْها” (27: 3) “وأوصِهُم …” (27: 4)، وعادَ فأكملَ قائلاً: “هكذا يقولُ الرَّبُ”، فكلمةُ إرميا إذاً كانت كلمةَ الله وقتد تم تسليمُها لهم بسلطان الله (28: 15، 16) وليس بسلطانِ إرميا.

وهنا جديرٌ بالذكرِ أن نقولَ بأن الأنبياءَ، وباعتبارِهِم وُسَطاءَ لنقلِ كلمةَ الله لبني إسرائيل ولأممٍ أخرى قد تَقَلَّدوا نوعاً من المنصبِ الاجتماعي، إذ كانوا بمثابةِ السفراءَ للبلاطِ السماوي، ناقلين المشيئةً الإلهية ذات السيادةِ العُليا إلى الشعب. ولم يكنْ الأنبياءُ بحدِّ ذاتِهم لا مُصْلِحينَ اجتماعيين، ولا مفكرين دينيين. فالإصلاحُ الاجتماعي والفكر الديني اللذانِ أرادَ الله أن ينقلَهُما إلى الشعب، كان قد تَمَّ إعلانُهما في ناموسِ العهد. وبصرفِ النظرِ عن الجماعةِ التي خالَفَتْ تلكَ الشرائعَ، كانت كلمةُ الله تحملُ العقابَ لها من خلالِ النبي.

فإذا كانَ المذنبُ بانتهاكِ العهدِ من الملوك (2 صم 12: 1 – 14؛ 24: 11 – 17؛ هو 1: 4) أو من رجالِ الدين (هو 4: 4 – 11؛ عا 7: 17؛ ملا 2: 1 – 9) أو من أيِّ طائفةٍ أخرى، كان النبي ينقلُ رسالةَ الله باللعنةِ على الأمةِ أو على الشعبِ نقلاً أميناً. وفي الواقعِ لقد قامَ الأنبياءُ بموجبِ كلمة الله بتنصيبِ الملوكِ وخلعِهِم (1 مل 19: 16؛ 21: 17 – 22) وبإعلانِ الحربِ (2 مل 3: 18 – 19؛ 2 أخ 20: 14 – 17؛ هو 5: 5 – 8) أو بمقاومتِها (إر 27: 8 – 22).

رسالةُ الأنبياءِ ليستْ جديدةً: فلقد أوحى الله إلى الأنبياءِ بتقديمِ المضمون الجوهري للتحذيراتِ والوعود (البركات واللعنات) التي يتضمنها العهد. لذلك فإننا عندما نقرأُ كلماتِ الأنبياءِ، فما نقرأُهُ ليسَ عبارةً عن أمرٍ جديد في جوهرِهِ، لكنهُ الرسالةَ نفسَها التي نقلَها الله في الأصلِ ومن البدءِ بواسطةِ موسى. إلا أن الهيئةَ أو الصيغةَ التي تُنْقَلُ بها الرسالةُ قد تتغيرُ فعلياً. لقد أقامَ اللهُ الأنبياءَ لجذبِ انتباهَ الشعبِ الذي أُرْسِلوا إليه.

وجذبُ هذا الانتباهِ قد يتطلبُ إعادةَ صياغةٍ، أو تركيبُ شيءٍ قد سبقَ للشعبِ وسمعوهُ مراتٍ كثيرةً حتى يتَّسِمَ هذا الشيءُ بنوعٍ من الجِدِّية. لكن هذا لا يُعني على الإطلاقِ أن اللهَ يبادرُ برسالةٍ جديدةٍ أو بإعلانِ تعاليمَ لم يسبقْ أن تضَمَّنَتْها أو أَعْلَنَتْها أسفارُ الشريعةِ الخمسة. ولأخذِ مثالٍ على هذا الحفظِ للرسالةِ الإلهيةِ الأصليةِ، تأمَّلْ في النصف الأول من هوشع 4: 2، لقد تَفَشَّى في الأرض “لعنٌ وكذبٌ وقتلٌ وسرقةٌ وفِسْقٌ”.

في هذا العددِ، الذي هو جزءٌ من وصفٍ مسهبٍ لخطيةِ بني إسرائيل أيامَ هوشع (750 – 722 ق.م.) نجدُ تلخيصاً لخمسٍ من الوصايا العشر، كلُّ واحدةٍ نجدُها في كلمةٍ من هذه الكلماتِ الأولى: “اللعنةُ”، وهي الوصيةُ الثالثةُ من الوصايا العشر “لا تنطقْ باسمِ الربِّ إلهِكَ باطلاً” (خر 20: 7؛ تث 5: 11). والثانية “الكذِب”، وهي الوصيةُ التاسعة “لا تشهد على قريبِكَ شهادةَ زورٍ” (خر 20: 16؛ تث 5: 20). الثالثة هي “القتل”، وهي الوصيةُ السادسة “لا تقتل” (خر 20: 13؛ تث 5: 17).

الرابعة “السرقة”، وهي الوصيةُ الثامنةُ “لا تسرقْ” (خر 20: 15؛ تث 5: 18). أما الخامسةُ والأخيرةُ فهي “الزنا”، وهي الوصيةُ السابعةُ من الوصايا العشر “لا تزنِ” (خر 20: 14؛ تث: 5: 18).

وما تجدرُ ملاحظتُه هنا أيضاً هو ما يفعلُهُ النبيُّ المُلْهَمُ وما لا يفعلُه. بمعنى أن هوشع لم يقتبسْ الوصايا العشر حرفياً. فهو يذكرُ خمساً منها فقط، وكلُّ واحدةٍ بكلمةٍ، بما يشبهُ إلى حَدٍّ كبيرٍ ما فعلَهُ السيدُ المسيح في لو 18: 20. لكنَّ مجردُ ذِكْر خمسٍ منها، حتى وإن لم تكُنْ حسَبَ ترتيبِ ورودِها في الأصلِ، يُعَدُّ طريقةً فعالةً جداً في إبلاغِ بني إسرائيل بأنَّهُم قد خالفوا الوصايا العشر. لأنَّهُ، وعند سماعِهِم للوصايا الخمس، سيتساءلون: وماذا عن بَقِيَّةِ الوصايا؟ ماذا عن ترتيبِها؟ فالوصايا كما جاءت في الأصل هي ….

وهكذا سيبدأُ السامعون بالتفكيرِ في الوصايا العشر مُذَكِّرينَ أنفسَهُم بما قد دعاهم ناموسُ العهدِ إليه بشأن البِرِّ الأساسي. وهنا نرى أن هوشع لم يقُمْ بتغيير شيءٍ من الناموس، بل كما فعلَ السيدُ المسيح، كَرَّرَ فقط خمساً من الوصايا من أجل إحداثِ التأثيرَ ذاتَهُ. ولكنه قامَ بطبعِ الناموسِ في أذهانِ سامعيه بطريقةٍ أحدَثَتْ أثراً ربما لم يَكُنْ ليحدُثَ فيما لو أنه أعادَ عليهم ذِكْرَ الوصايا كلمةً كلمةْ.

هناكَ أيضاً سؤالٌ ثانٍ يتعلقُ بالنبواتِ الخاصةِ بالمَسِيَّا: هل هذه النبواتُ جديدةٌ؟ لا، على الإطلاق. بالتأكيدِ، إن تفاصيلَ حياةِ ودور المَسِيَّا التي نجدها في قصائد العبد في إشعياء 42، 49، 50، 53 قدْ تُعَدُّ جديدةً. لكنْ لم تكُنْ هذه هي المَرَّةُ الأولى التي كشفَ اللهُ بها للناسِ عن فكرةِ المَسِيَّا من خلالِ الأنبياء. بل في الحقيقةِ كان هذا الكشفُ قد بدأَ أصلاً بالناموس.

وإلا فكيفَ كان يمكنُ ليسوعَ المسيحِ أن يَصِفَ حياتَهُ كإتمامٍ لما هو مكتوبٌ في ناموسِ موسى والأنبياءِ والمزامير (لو 24: 44)؟ إن من بين مقاطع ناموس موسى الأخرى التي تتكلمُ عن خدمةِ المَسِيَّا هناك مقطعٌ بارزٌ وشهيرٌ في تثنية 18: 18 “أقيمُ لهم نبياً من وسطِ إخوتِهمْ مثلك، وأجعلُ كلامي في فَمِهِ فيُكَلِّمُهم بكل ما أوصيهِ بهِ”.

وكما أن يوحنا 1: 54 أيضاً يُذَكِّرُنا أن الناموسَ قد سبقً وتكلَّمَ عن المسيح، فلمْ يكُنْ جديداً أن يتكلمَ الأنبياءُ عنهُ. ولم يكُنْ يلزمُ للشكلِ أو الأسلوبِ أو الخصوصيةِ التي صاغَ بها أولئكَ الأنبياءُ ما أَوْحَى اللهُ لهم من نبواتٍ – لم يكن يلزم أن يكونَ محصوراً بما قد احْتَوَتْهُ أسفارُ الشريعةِ الخمسة. لأن الحقيقةَ الجوهريةَ هي في أن سيكونُ هناكَ عهدٌ جديدٌ سيأتي به نَبِيٌّ جديدٌ (على حَدِّ تعبيرِ سفر التثنية). هذه الحقيقةُ كانتْ في الواقع أمراً ليس بالجديد.

مهمة التفسير الاستنتاجي

الحاجةُ إلى المساعدةِ الخارجية

سبقَ أن ذَكَرْنا في الفصلِ الأول بأن هناكَ اعتقاداً شائعاً مُفادُهُ أن كلَّ ما في الكتابِ المقدس لابدَ وأن يكونَ واضحاً لكلِّ من يقرأه، بدونَ دراسةٍ أو مساعدةٍ خارجيةٍ من أي نوع. وأساس هذا الاعتقاد هو: إن كان اللهُ قد كتبَ الكتابَ المقدسَ من أجلِنا، فالمُفْتَرَضُ بنا هو أن نفهَمَهُ بالتمامِ من أولِ قراءةٍ له، طالما أن الروحُ القُدُس فينا.

لكن مثل هذه الفكرةِ ليستْ صحيحةً. فبعْضُ الأجزاءِ من الكتابِ المقدس واضحةٌ ومباشرةٌ، وأجزاءٌ أخرى غيرُها ليستْ كذلك. وبموجبِ الحقيقةِ القائلةِ بأن أفكارَ اللهِ ليستْ كأفكارِنا نحنُ البشر (مز 92: 5؛ إش 55: 8)، فليسَ مستغرباً إن احتاجَتْ بعضُ مقاطعِ الكتابِ المقدسِ وقتاً ودراسةً متأنيةً لكي نفهمَها.

وهذا الوقتُ وهذا الجهدُ الدراسي هما ما تحتاجُهُ الأسفارُ النبويةُ. إذ كثيراً ما يقرأُ الناسُ هذه الأسفارَ قراءةً عابرةً وكأن القراءةَ السطحيةَ لكتاباتِ الأنبياءِ ستمنحَهُم مستوىً رفيعاً من الفهم. وطبعاً هذا الأسلوبُ لا ينفعُ مع الأسفارِ النبويةِ.

نحنُ نحتاجُ لأن نُكَرِّرَ هنا، وبصفةٍ خاصةٍ فيما يتعلقُ بتفسيرِ الأنبياءِ، أنواعَ المساعداتِ المتوفرةِ لك. مثل القواميسِ أو موسوعاتِ الكتابِ المقدس التي تُوْرُدُ مقالاتٍ على الخلفيةِ التاريخيةِ لكلِّ سِفرٍ وعن مواضيعِهِ الرئيسيةِ، أيضاً المعالمَ الخاصةَ التي يشتملُ عليها والنقاط التفسيرية التي يجب على القارئُ مراعاتُها. وهنا نوصيكَ بأن تَتَعَوَّدَ على القيامِ بهذا النوعِ من القراءةِ قبلَ أن تبدأَ دراستَكَ لأي سفرٍ نبوي. إذْ تحتاجُ لأن تعرفَ عن خلفيةِ الموضوعِ قبلَ أن تتمكنَ من فهمِ القصد من الكثيرِ مما قالَهُ النبي.

لقد جاءتْ كلمةُ الله من خلال الأنبياءِ إلى الناسِ في ظروفٍ معينةٍ، ولَعَلَّ مقدارُ قيمةِ هذه النبواتِ بالنسبةِ لنا يعتمدُ جزئياً على مدى مقدرتِنا على استيعابِ تلك الظروفِ بحيثُ نستطيعُ بدورِنا نحنُ أن نُطَبِّقَ النبواتِ على ظروفِنا.

المصدرُ الثاني للمساعدةِ هو كُتُبُ التفسير، التي تتميزُ بإعطاءِ مقدماتٍ وافية لكلِّ سفرٍ، وهي مُكَوَّنةٌ بعضُ الشيء على نمطِ قواميسِ الكتاب المقدس، وإن كانت مراتٍ كثيرةٍ أقلَّ فائدةٍ من حيثُ تنظيم المعلومات. لكن الأهم من هذا أنها تقدمُ تفسيراً لمعنى كل آيةٍ على حِدّة. وقد تزيدُ أهمية هذه التفسيراتِ إن كنتَ تدرسُ، وبعنايةٍ، مقطعاً صغيراً من أحد الأسفارِ النبويةِ، جزءاً يَقِلُّ عن أصحاح، وذلك في جلسةٍ منفصلة.

أما المصدرُ الثالثُ للمساعدةِ فهو مقدماتُ الأسفارِ، وهي عادةً تعطي للقارئ نظرةً عامةً على الكتابِ المقدس. وما يميز هذه الكتب هو أنها تجمعُ بين ما تقدمه القواميسُ وكتبُ التفسير. لكن، بدونَ الدخولِ في تفاصيلٍ كثيرةٍ، سواءً في الخلفياتِ المختلفةِ لِلْنَصِّ أو في شرحِ النصِّ آيةً آيةْ. فمقدماتُ الأسفارِ هدفُها تقديم مساعدةٍ إرشاديةٍ في وقتٍ قصير.

القرينةُ التاريخية

هل تذكرُ دراستَنا للقرينةِ التاريخيةِ ليسوعَ المسيحِ في الفصلِ السابع، والتي تناولَتْ كلاً من القرينةِ التاريخيةِ العامةِ التي أتى فيها السيدُ المسيحُ، والقرينةِ التاريخيةِ الخاصةِ لأيٍ من أقوالِهِ أو أفعالِهِ؟ هكذا الأمرُ أيضاً مع دراسةِ الأسفارِ النبوية. فالقرينةُ التاريخيةُ العامةُ تتناولُ المجالَ الأوسعَ والأشملَ (حقبتها الزمنية)، بينما القرينةُ الخاصةُ تتناولُ ما يتعلقُ بكل رسالةٍ إلهيةٍ فردية.

            ولكي تتمكنَ من عملِ التفسيرِ الاستنتاجي جيداً، عليكَ فهمُ نوعي القرينةِ التاريخية لكل الأسفارِ النبوية

  1. القرينةُ العامة: تجدرُ الملاحظةُ هنا إلى أن أسفارَ العهدِ القديم النبوية السبعةُ عشر جاءتْ ضِمنَ نطاقٍ ضيقٍ من المشهدِ الشاملِ لتاريخِ بن إسرائيل (حوالي 760 – 430 ق.م.). وهنا نسألُ: ما السببُ في عدم وجودِ أسفارٍ نبويةٍ في ايامِ إبراهيم؟ ألَمْ يتكلمُ اللهُ إلى شعبِهِ وعالمِهم قبل 760 ق.م.؟ الجوابُ هو: نعم، بالطبعِ تكلَّمَ اللهُ ولدينا في الكتابِ المقدس أمورٌ كثيرةُ عن تلكَ العصورِ، إضافةً إلى الأمورِ التي تتعلقُ بالأنبياء (1 مل 17؛ 2 مل 13).
  2. علاوةً على ذلك، تَذَكَّرْ أن اللهَ قد تَحَدَّثَ إلى إسرائيلَ خصيصاً بواسطة الناموس، ذلك الناموسُ الذي كان من شأنِهِ أن يسودَ على كل ما بَقِيَ من تاريخِ الأمةِ إلى الوقتِ الذي حَلَّ فيه العهدُ الجديدُ مَحَلَّهُ (إر 31: 31 – 34).

وهنا نجدُ سؤالاً أخرَ يدركنا، وهو: إذن، لماذا هذا التركيزُ في تدوينِ الكلمةِ النبويةِ خلالَ القرونِ الثلاثةِ ما بينَ عاموس (حوالي 760 ق.م.)، وهو أقدمُ الأنبياءُ الكُتَّابُ، وملاخي (حوالي 430 ق.م.) وهو آخرهم؟ والجوابُ هو: إن تلكَ الحِقْبَةَ من تاريخ إسرائيل دَعَتْ، وبشكلٍ خاص، إلى إيجادِ وسطاء من أجل تطبيقِ العهد، وكان هذا عينُهُ هو مهمةُ الأنبياء. هناكَ عاملٌ آخرٌ واضحٌ، وهو أن الله رغِبَ في أن تُدَوَّنَ كلُّ تحذيراتِ اللعنةِ ووعودُ البركةِ التي أعلَنَها بواسطة الأنبياء أثناء تلك الحقبة البالغة الأهمية، وذلك من أجلِ التاريخِ اللاحق.

تميزت تلك السنونُ بأمورٍ ثلاثة:

  • تغيراتٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ واقتصاديةٍ واجتماعيةٍ عنيفةٍ لم يسبقْ لها مثيل.
  • مستوىً رهيبٍ من الخيانةِ الدينيةِ والاستخفافِ بالعهدِ الموسوي الأصلي.
  • تنقلاتٍ سكانيةٍ وتغييراتٍ في الحدودِ الإقليمية. وهنا نرى أن الناسَ كانوا في حاجةٍ إلى كلمتهِ من جديدٍ في ظِلِّ تلكِ الظروف. لذا أقامَ اللهُ الأنبياءَ وأعلنَ كلمتَه.

عندما تستخْدِمُ القواميسَ والتفاسيرَ والمقدماتِ الكتابيةَ، ستلاحظُ أن إسرائيلَ كانتْ بحلول عام 760 ق.م. أمةً دائمةَ الانقسام بسبب الحربِ الأهليةِ الطويلةِ الأمَدْ. فقد كانت الاسباطُ الشماليةُ – واسمها إسرائيل، وأحياناً أفرايم – منفصلةً عن السبطِ الجنوبي المُسَمَّى يهوذا. فالمملكةُ الشماليةُ، التي فاقتْ بكثيرٍ في ارتدادِها عن عهدِ الله مملكةَ يهوذا، كانت آيلةً إلى السقوطِ بسببِ خطيئتِها قدامَ الله. وفيها قامَ كلٌّ من عاموس بدايةً (بحوالي 760) وهوشع بدايةً (بحوالي 755) بإعلانِ السقوطِ الوشيك.

وفعلاً وقعَتْ المملكةُ الشماليةُ في براثنِ الدولةِ العُظْمى في الشرق الأوسطِ آنذاك وهي مملكة آشور في عام 722 ق.م.، بعدها ازدادَ إثمُ يهوذا بالتزامنِ مع قيامِ قوةٍ عُظمى أخرى، هي مملكةُ بابل. وشَكَّلَ هذانِ الأمرانِ المادةَ التي كتبَ عنها أنبياءٌ كثيرون بما فيهم إشعياء وإرميا ويوئيل وميخا وناحوم وحبقوق وصفنيا.

ولقد تَمَّ أيضاً تدمير مملكةِ يهوذا لعدم إطاعتِها لله. وكان ذلك عام 587 ق.م. ثم قام بعدها كلٌّ من حزقيال ودانيال وحجي وزكريا وملاخي بإعلانِ مشيئة الله الخاصةَ بِرَدِّ الشعب (بدءاً من عودتِهم من السبي عام 538 ق.م.) وإعادةِ ترسيخِ العقيدة. وكان كلُّ هذا ينسجمُ مع ما جاءَ في تثنية 4: 25 – 31.

لقد تكلمَ الأنبياءُ مباشرةً عن هذه الأحداث وبشكلٍ مُطَوَّل. إن لم تُلِمّْ بهذه الأحداث وغيرِها التي وَقَعَتْ ضمنَ تلك الحقبة، والتي يزيدُ عددُها عن أن يُذْكَرَ في هذا المقام، فرما لن تتمكنَ من أن تتابعَ بشكلٍ جيدٍ ما قالَهُ الأنبياء، فقد تكلَّمَ اللهُ من خلال التاريخِ وعن التاريخ. ولكي نتمكنَ من فهمِ كلمة الله، علينا أن نعرفَ شيئاً عن هذا التاريخ.

  1. القرينةُ الخاصة: كل رسالةٍ إلهية نبوية قد سُلِّمَتْ أصلاً ضمنَ خلفيةٍ تاريخيةٍ معينة. فلقد تكلم الله من خلال الأنبياء إلى الناسِ في وقتٍ وزمانٍ معينين، وفي ظل ظروفٍ معينةٍ. فإذا ما استطعتَ تحديدَ ومعرفةَ التاريخ وهُوِيَّةِ المستمعين، والحالةِ التي كانت سائدةً، فستسهمُ هذه المعرفةُ جوهرياً في استيعابِ الرسالةِ الإلهية.

اقرأ هوشع 5: 8 – 10، فهو عبارةٌ عن رسالةٍ إلهيةٍ موجزةٍ وقائمةٍ بذاتِها إلى جانب رسائل إلهية أخرى. وإذا عُدْتَ إلى كتابِ تفسيرٍ جيد، فستجدُه قد وصفَ لك تلك الرسالة الإلهية باعتبارِها رسالةً من رسائل الحرب. وهذا النوع من الرسائل الإلهية هدفُهُ إعلانُ دينونة الله وإنزالُها من خلالِ المعارك. إليكَ مثلاً العناصر المعتادة لمثل هذا الأسلوب: التحذير، وصف الهجوم، والتنبؤ بالهزيمة. وبالإضافةِ إلى معرفتِكَ للأسلوبِ، فمن المفيدِ أيضاً أن تعرفَ وتحددَ المعركةَ المقصودة.

كان التاريخ هو 724 ق.م. تقريباً ومن سمعوا الرسالةَ الإلهيةَ هم شعب المملكةِ الشمالية (المدعوون أفرايم هنا) الذين تكلم إليهم هوشع. ولقد كانتْ رسالةُ الله موجهةً بالتحديد إلى مدن معينة على الطريق من أورشليم عاصمة يهوذا إلى مركز عبادة بني إسرائيل الزائف، بيت إيل (بيت أون). والحالة كانت حالة حربٍ حيث قامت مملكة يهوذا بالرد على الهجوم الذي قامت به عليها كلٌ من مملكة إسرائيل وسورية واجتاحتا خلاله مملكة يهوذا (انظر 2 مل 16: 5).

وهنا نرى أنه قد تم صَدُّ المعتدين وردُّهم على أعقابِهم بمساعدة قوة أشور العُظمى (2 مل 16: 7 – 9). وقد قام الله بواسطة هوشع بإذاعة التحذير مجازياً في مدنٍ تقع ضمن أرضِ بنيامين (عدد 8)، هذه المدن كانت جزءاً من المملكة الشمالية. لقد كان الدمارُ أكيداً (عدد 9) لأن يهوذا كانت ستحِلُّ في الأراضي التي ستجتاحها (بإزاحةِ حجارة الحدود إذا جاز التعبير)، لكن يهوذا أيضاً ستنالُ ما تستحقه؛ لأن غضبَ الله سيقع عليهما معاً لأجل تلك الحرب ولأجل ممارستِها الوثنية (2 مل 16: 2 – 4).

لقد كانت مملكتا إسرائيل ويهوذا في عهدٍ مع الله يُحَرِّمُ عليهما مثل تلك الحرب المُهلِكة للطرفين. وكان الله مزمعاً أن يعاقبهما على انهاكِهما للعهدِ معه.

إن الإلمامَ بهذه الحقائق البسيطة سيؤثرُ كثيراً على قدرتِكَ على فهمِ وتقدير الرسالةِ الإلهية الواردةِ في هوشع 5: 8 – 10. عُدْ إلى كتبِ التفسيرِ أو مقدماتِ الكتاب المقدس التي بين يديكَ أثناء قراءتِكَ لأسفارِ الأنبياء، وكما ينبغي دائماً، حاول اثناءَ قراءتِك لها أن تلاحظَ التاريخَ وهُوِيَّةَ المستمعين والحالة التي أحاطتْ بالرسالةِ الإلهية.

عزل النبوات الفردية عن بعضها البعض

وعندما تصل كدارسٍ إلى الدراسةِ الفعلية أو القراءةٍ الاستنتاجية الدقيقة لأسفار النبوة، فإن أولَ أمرٍ عليكَ فعلُهُ هو اعتبار الرسالة الإلهية بمثابةِ وحداتِ فكرٍ (تماماً كما تعلمتَ أن تُفَكِّرَ بحسب الفقراتِ أثناءَ دراستِكَ للرسائل). وهذه ليست بالمهمة السهلة دائماً، إل أن إدراكَ صعوبَتِها والحاجة إلى القيامِ بها هما البدايةُ لاستكشافاتٍ مثيرة.

ففي معظم الأوقاتِ ستجدُ أن ما قالَهُ الأنبياءُ عادةً يأتي في اسفارِهِم في شكلٍ متواصل، بمعنى أن الكلامَ الذي قالوهُ في أوقاتٍ وأماكنَ مختلفةٍ على مَرِّ سِنِيِّ خدمتِهم قد تم جمعُهُ وتدوينُه كله بدون أي تقسيماتٍ تشيرُ إلى بداياتِ أو نهاياتِ تلك الرسائل الإلهية.

علاوةً على ذلك، فحتى عندما تتمكن من افتراض نقطة بداية وحدةٍ ما، وذلك من خلال التغيير الرئيسي للموضوع، يبقى هناك عدم وضوحٍ (من جهةِ عَنْوَنَةِ الأحداثِ ونقاط الانتقالِ مثلاً) مما قد يُحَيِّرُكَ فتتساءل: هل قيلتْ هذه النبوة إلى نفس المستمعين في اليومِ ذاته أم أنها قيلت بعد عدة سنوات – أو ربما قبل عدة سنوات – أو لجماعةٍ أخرى من المستمعين تحتَ ظروفٍ مختلفةٍ؟ إن الإجابةَ على مثل هذا السؤال ستؤثرُ على عملية فهمِكَ للنص.

أيضاً تتميز بعض أجزاء الكتب النبوية بالاستثناءات. ففي سفر حجي مثلا، وفي الأصحاحاتِ الأولى لسفر زكريا ستجدُ تاريخاً لكلِّ نبوة. وبمساعدةِ قاموس الكتاب المقدس أو كتب التفسير أو المقدمات ستتمكنُ من تتبع تَقَدُّم هذه النبوات بسهولةٍ وِفْقَ قرينتِها التاريخية. كما أن بعض النبوات التي قد تجدها في أسفارٍ أخرى وبشكلٍ خاص في سفرِ إرميا وسفر حزقيال قد تمَّ فعلاً تأريخها وترتيبها وِفْقَ خلفيةٍ معينة وضعَها النبي بوحيٍ من روح الله.

لكن، وللأسف، لا يكون الأمرُ كذلك في معظم الأوقات. فعلى سبيل المثال، اقرأ عاموس 5 واسأل نفسَكَ ما إذا كان هذا الأصحاح كلُّه نبوةً (رسالةً) أو وحدةً واحدة.

فإن كانت النبوةُ واحدةً، لماذا نرى فيها إذن كل تلك التغييرات في المواضيع: رثاء لدمار إسرائيل (الأعداد 1 – 3)، الدعوة لطلب وجه الله حتى لا يموتوا (الأعداد 5 – 6، 14)، هجومٌ على الظلم الاجتماعي (الأعداد 7 – 13)، التنبؤ بالألم والشقاء – وصف يوم الرب (الأعداد 18 – 20)، انتقاد للعبادةِ المنافقة (21 – 24)، ونظرةٌ موجزةٌ على تاريخ إثم إسرائيل الذي سيصلُ إلى قِمَّتِهِ بالتنبؤ بالسبي (25 – 27)؟ وإن لم تكنْ نبوةً واحدةً، كيف يمكن فهمُ أجزاءها؟ هل كل منها منفصلٌ عن الآخر؟

هل ينبغي ضمُّ بعضَها إلى بعضِه؟ وإذا كان الأمر كذلك، فبأيةِ طريقةٍ؟ وما الوسيلة؟

في واقع الأمر، يحتوي الأصحاح 5 من عاموس على ما اتُّفِقَ في تقسيمه إلى نبواتٍ ثلاث. فالأعداد 1 – 3 تمثل نبوة أو رسالةَ رثاء، وحدة واحدة تعلن الدينونة، والأعداد 4 – 17 تُشَكِّلُ نبوةً (وحدةً) واحدة (مع كونِها معقدةً) للدعوةِ إلى البركةِ والتحذيرِ من العقاب. إذن التغيير الطفيف في الموضوعاتِ لا يُعني بدايةَ نبوةٍ جديدةٍ في كل حالة. ومن جهةٍ أخرى، فإن تقسيماتِ الأصحاح لا تناظرُ كلَّ نبوةٍ (وحدةٍ) على حِدَه، وهنا يمكننا فصل أو عزل النبوات (الوحدات) من خلال الانتباه إلى أشكالِها المعروفة والمختلفة (انظر أدناه).

إن النبوات الثلاث جميعها في عاموس 5 قد قِيْلَتْ في أواخرِ عهد يربعام ملك إسرائيل (793 – 753 ق.م.) وقيلت إلى شعبٍ ظَنَّ أنَّ أمر هلاكِ الأمة مستبعدٌ بسبب الازدهارِ النسبي الذي كانت تتمتعُ به، وأن مجرد التفكير في عملية انتهاء وجود تلكَ الأمة خلالَ جيلٍ واحدٍ كان أمراً لا يخطرُ على البال. سيفيدكَ أثناء القراءة العودةُ إلى القواميس والتفاسير والمقدمات للكتابِ المقدس؛ لذلك لا تحاول إعاقةَ نفسك عبثاً بتحليل الأمور دونَ الرجوع إلى تلك المراجع.

أشكال الأقوال النبوية

ما أن عزل وفصل النبوات (الوحدات) أو الرسائل الفردية هو أحد مفاتيح فهم الأسفار النبوية، فمن المهن أن تعرف شيئاً عن الأشكال المختلفة التي استخدمها الأنبياء لصياغة نبواتهم. إن معرفة هذه الأشكال أو الأساليب مطلبٌ مُسْبَقٌ كي تتمكنَ من تحديد النبوات (الوحدات) تحديداً سليماً. وكما أن الكتاب المقدس كله مؤلفٌ من أنواعٍ مختلفةٍ من النصوص، هكذا أيضاً قام الأنبياء بتوظيف أشكالٍ أدبيةٍ متنوعةٍ في خدمةِ الرسائل الإلهية التي أوحى الله بها إليهم. يمكن لكتب التفاسير أن تبين وتشرح هذه الأشكال. ولقد قمنا بانتقاء ثلاثة من أكثر الأشكالِ شيوعاً لنساعدَ في تنبيهِكَ إلى أهمية إدراكِ الأساليب الأدبية المستخدمة وتفسيرها على نحوٍ سليم.

  1. المحاكمة: هنا نقترحُ عليكَ أولاً قراءةَ إشعياء 3: 13 – 26، فهذه الأعداد تتضمن صيغةً أدبيةً مجازيةً تُدعى “محاكمةُ العهد”، فهنا كما في الأعداد التي لا حصرَ لها من مجازات أدب المحاكمات في أسفارِ الأنبياء (مثل هوشع 2: 2 – 7؛ 4: 1 – 19 … إلخ)، يمكن أن تتخيل الله كالمُدَّعي أو المُدَّعي العام أو القاضي في محاكمة ضد إسرائيل التي تقف في قفص الاتهام. والصيغة الكاملة للمحاكمة عادةً ما تحتوي على استدعاءاتٍ واتهام ودليل وقرار بالحكم، رغم أن هذه العناصر قد تكون ضمنيةً أحياناً وليستْ صريحةً. في إشعياء 3 تتحد هذه العناصرُ على الشكل التالي: تجتمعُ هيئةُ المحكمة وتُقامُ الدعوى على إسرائيل (13، 14).

    تُتْلى لائحةُ الاتهام (14 ب – 16). وبما أن الأدلةَ تُثبتُ جُرمَ إسرائيل بوضوحٍ، يتم إعلان حكم الإدانة (17 – 26). وحيث أن العهد قد انتُهِكَ فستنزلُ بإسرائيل رجالاً ونساءً بعضُ العقوباتِ الواردةِ في العهد: الوبأ والعَوَز والحرمان والموت. وهنا نرى أن الأسلوب الرمزي لذلك المجاز كان طريقةً مثيرةً وفاعلةً في إبلاغ بني إسرائيل بأنهم سوف ينالون جزاءَ عصيانهم، وأن عقابهم سيكونُ شديداً. إن هذا الشكل الأدبي الخاص يساعدُ كثيراً في إيصال الرسالة.

  2. الويل: هناك شكلٌ أدبيٌ شائعٌ آخر هو “نبوة الويلات”. “الويل” كلمةٌ كان يصرخُ بها بنو إسرائيل القدامى عند حدوث الكارثة أو الموت، أو في أثناء نوحهم في الجنازات. فبواسطة الأنبياء يقوم الله بالتنبؤ بالهلاك الوشيك مستخدماً كلمة ويل، وما كان يمكنُ لأي إسرائيلي أن تفوته دلالة استخدام تلك الكلمة.

إن نبوات الويلات تحتوي، ضمنياً أو تصريحياً، على عناصر ثلاثة تُشَكِّلُ في مجملِها سمة هذا الأسلوب:

  • إعلان عن ضيق (ككلمة ويل على سبيل المثال)
  • سبب ذلك الضيق
  • نبوة الهلاك

اقرأ حبقوق 2: 6 – 8 لترى إحدى المرات العديدة التي يذكر فيها هذا السفرُ النبوي رسالةَ ويلٍ ضد البابليين. لقد كانت مملكة بابل تلك الدولة الوحشية والقوة الاستعمارية العُظمى في الهلال الخصيب قديماً، وكانت تُعِدُّ الخططَ لمحاربةِ مملكة يهوذا وسحقها في أواخر القرن السابع قبل الميلاد، عندئذٍ تكلم حبقوق بكلام الله ضدهم.

وبعملية تصوير وتشخيص بابل كَلِصٍّ ومغتصِبٍ (السبب) تُعلنُ النبوةُ الويلَ، وتتنبأ بالكارثة (عندما يقوم على بابل كل الذين وقعوا في قبضتِها). هذه النبوة أيضاً مجازيةٌ (مع أنه ليست كل رسائل الويلات كذلك، انظر ميخا 2 – 1؛ صفنيا 2: 5 – 7).

  1. الوعد: على الرغم مما سبق، فهناكَ أيضاً أسلوبٌ أدبيٌ نبوي شائعٌ آخر هو رسالة الخلاص، أي الوعد. وستتمكن من تمييز هذا الأسلوب كلما صادفتك العناصر التالية:
  • إشارةٌ إلى المستقبل
  • ذِكرٌ لتغييرٍ جوهري
  • وذكرٌ للبركة

تُعَدُّ الفقرة من عاموس 9: 11 – 15 نموذجاً رائعاً لرسالة الوعد، إذ هي تتضمنُ العناصرُ التالية: ذِكرٌ للمستقبل كما في ذلك اليوم (عدد 11)، والتغيير الجوهري الموصوف بإعادة بناء مظلة داوود الساقطة (عدد 11)، وترقية إسرائيل إلى مركزٍ أعلى من ذلك الي لأدوم (عدد 12)، والعودة من السبي (العددان 14، 15). أما البركة فتأتي بواسطة عناصر العهد المذكورة: الحياة، الصحة، الازدهار، الوفرة الزراعية، الإكرام، الإيمان. إن جميع هذه العناصر مشمولةٌ في عاموس 9: 11 – 15 مع أن الصحة متَضمَّنةٌ وليس مُصَرَّحٌ بها.

إن التشديد الرئيسي كان على الوفرة الزراعية. فالمحصول، على سبيل المثال، سيكون وفيراً بحيث لن يستطيع الحصادون إنهاء عملهم عندما يحين موعد الزراعة من جديد (عدد 13). ولمزيدٍ من الأمثلة على رسائل الوعد، اقرأ هوشع 2: 16 – 20؛ 2: 21 – 23؛ إشعياء 45: 1 – 7؛ إرميا 31: 1 – 9.

نأملُ ومن خلال هذه الأمثلة الموجزة أن تتمكنَ من تكوين فكرةٍ عن الكيفية التي يمكنكَ بها إدراك أشكال الأقوال النبوية بما قد يساعدك في استيعاب رسالة الله بدقةٍ أكثر. ويمكنك التعلم أكثر عن هذه الأساليب بالاستعانةِ بكتب التفسير الجيدة (انظر الملحق آخر الكتاب).

النبوات كأشعار

أما الشعر عند بني إسرائيل قديماً فقد كان وسيلةَ تَعَلُّمٍ واسعةَ الانتشار. فكثيرٌ من الأمور التي كان من المهم حفظُها كانت تُصاغُ في قالبٍ شعري. لقد وجدَ الإسرائيليون أن هذه الأمور التي تُكتَبُ شعراً عادةً ما تكون أسهل للحفظ والتذكر في عصر كانت فيه مهارات القراءةِ والكتابةِ قليلة، ولم تكنْ فيه المكتبات أو الملكية الخاصة للكتب معروفةً، ولقد تكلم الله كثيراً من خلال أنبيائه بواسطة الشعر. فقد كان الشعبُ معتاداً على الشعر، وبالتالي كان يمكنُه تذَكُّرُ النبوات التي كانت ترسِلُ رنينَها في الآذان.

حتى القصائد النثرية التي يستخدمها الأنبياء أحياناً كانت تحتوي على أسلوبٍ رسمي خاص يحملُ تلكَ الصفاتِ نفسَها، وإنْ أقلَّ تماسكاً وتناغماً. ولكون تلك القصائد النثرية ذات طابع أدبي منتظم ومميز أكثر من لغة الكلام المعتاد، فهي أيضاً سهلة الحفظ والتذكر. وعلى سبيل التبسيط، دعنا نتكلم عن هذا النوع من الأدب بإدراجِهِ تحت مصطلح الشعر.

وهنا، فمن المفيد أن تقرأَ مقدمةً للشِعْرِ العبري قبل قيامك بقراءة الأسفارِ النبوية، مثلاً قاموس الكتاب المقدس. وإن أردتَ نموذجاً للفوائدِ التي يمكنُ أن تجنيها من معرفة وظيفة الشعر العبري، فهناك ثلاثة ملامح من الأسلوبِ المتكرر لشعر العهد القديم:

  • التوازي المترادف، يقوم الشطرُ الثاني بإعادةِ أو تعزيز ما جاء في الشطر الأول، كما في إشعياء 44: 22

“قد محوتُ كغيمٍ ذنوبَكَ وكسحابةٍ خطاياكَ”

  • التوازي العكسي (الطِبَاق). وهنا يناقض الشطرُ الثاني الفكرةَ الواردةَ في الشطر الأول، كما في هوشع 7: 14.

” لا يصرخونَ إليَّ بقلوبِهِم حينما يولولون على مضاجِعهِم”

  • أما التوازي التركيبي فيقومُ فيه الشطرُ الثاني بعمل زياداتٍ على ما جاء في الشطر الذي سبَقَهُ، بحيثُ يُضْفي على المعنى معلوماتٍ جديدةٍ، كما في عوبديا 21:

“ويصعدُ مخلَّصونَ على جبلِ صهيونَ

            ليدينوا جبلَ عيسو

            ويكونُ للرَّبِّ المُلكُ”

تحذير: النبي كمُتَنَبِئٍّ عن المستقبل

لقد أشرنا في مطلع هذا الفصل إلى أن المهمةَ الأساسيةَ للأنبياء لم تكنُ التنبؤ بالمستقبل البعيد. ومع أنهم قاموا حقاً بالتنبؤ بأحداثٍ مستقبلية، إلا أن ذلك المستقبل، وفي أغلبِ الأحوال، هو الآن في طي الماضي. أي أنهم قد تنبأوا بالدينونة القادمة أو الخلاصِ العتيد المتعَلِّق بمستقبل بني إسرائيل القريب نسبياً، وليس بمستقبلِنا نحنُ.

لذلك علينا الاحتراس لأنه إن كُنَّا نريدُ أن نرى نبواتِهم وقد تحقَّقتْ فعلاً، علينا العودة إلى الوراء، أي إلى الزمن الذي كان بالنسبةِ لهم مستقبلاً وقد صارَ الآن بالنسبةِ لنا ماضياً. غيرر أن هذا التفسير الحياتي يحتاجُ مِنَّا إلى توضيح.

وكمثالٍ على أن رسائل الأنبياء قد تَرَكَّزَتْ بالفعل على المستقبل القريب لا البعيد، نقترحُ عليكَ قراءةَ الأصحاحات 25 – 39 من سفر حزقيال. لاحظ بأن النبوات (الوحدات) المتنوعة المشمولة في هذا الجزء الكبير من السفر تتناول مصير الأمم الأخرى، مع أن أمة إسرائيل مشمولةٌ أيضاً فيها. وهنا تجدر ملاحظة أن الله يشير إلى مصير تلك الأمم، وأن تحقيق النبوات قد تم في خلال عقودٍ من وقتِ إعطائها، أي أن معظمها قد تحقق خلال القرن السادس قبل الميلاد. بالطبعِ هناك استثناءاتٌ خاصةٌ لذلك.

فلقد وصفَ حزقيال 37: 15 – 28 عصرَ العهدِ الجديد، والبركاتِ التي سيسكبها الله على الكنيسة بواسطة المَسِيَّا، مع أن معظم النبوات، بما فيها نبوات الأصحاحين 38 و39 كانت تتعلق بأزمنةِ وأحداثِ العهد القديم (راجع كتب تفاسير حول هذه الأصحاحات).

إن حماسَكَ الشديد لرؤية أحداث العهد الجديد في نبوات العهد القديم قد يؤدي بكَ إلى نتائج غريبة. فمثلاً، ما وردَ في إشعياء 49: 23 “بالوجوهِ إلى الأرضِ يسجدونَ لكَ” قد بدا فعلاً شبيهاً بما قد فعلَهُ المجوسُ الذين زاروا الطفلَ يسوع (مت 2: 1 – 11)، إلى حدٍّ جعلَ الكثيرين يفترضون أن كلماتِ إشعياء كانت عن المَسِيَّا.

لكن مثل هذا التفسير للأسفِ مخفقٌ لتجاهلِه القرينة (فقد تم ذِكرُ ملوكٍ وملكاتٍ، وموضوعُ هذا المقطع هو عودةُ إسرائيل بعد السبي البابلي)، ولتجاهلِه القصدَ (إن لغةّ هذه النبوةِ – الوحدة – تهدفُ لإظهارِ عظمة إسرائيل عندما يَرُدُّها الله)، وتجاهلِه الأسلوب (لأن الشعرَ يرمزُ إلى احترام الأمم من خلال تصوير حكامِه كحاضنين لإسرائيل، يلمسون غبارَ رِجْلَيّ الأُمَّة)، وتجاهلِه للألفاظ (فقد كان المجوسُ حكماءَ أو علماءَ فَلَك، وليسوا ملوكاً).

إذاً علينا الحذرُ من جعل النبوات، أو أي جزءٍ من أجزاءِ الكتابِ المقدس، تقول ما نريدُ نحنُ منها أن تقولُهُ. وعلينا بالأولى أن نُصغي لما يريد الله فعلاً قولَهُ.

وهنا نُنَوِّهُ إلى أن بعض النبوات المتعلقة بالمستقبل القريب قد صِيْغَتْ في إطارِ خلفيةِ المستقبل العظيمِ الذي يتعلق بالأيامِ الأخيرة، وأحياناً قد تبدو هذه النبوات ملائمةً لذلكَ المستقبل. بالطبعِ سنتحدثُ عن هذا الموضوع ثانيةً، لكن في الفصل 13 من هذا الكتاب. أما الآن، فدعنا ندركُ أن السببَ في ذلكَ يعودُ إلى تصوير الكتاب المقدس لله وهو يعملُ في التاريخِ الزمني في ضوءِ خُطَّتِهِ الشاملة لكامل التاريخ الإنساني.

وعليه، ينبغي أخذُ الوقت الزمني في ضوء الوقتِ الأبدي. وقد يبدو الأمرُ كَمَنْ ينظرُ إلى قِصَّتين، الأصغرُ منهما أمام الأكبر، فيعطي في البدايةِ نظرةً من الأمام، ثم، ومن منظورِ التاريخِ اللاحقِ، ينظرُ إليهما من أحدِ الجوانبِ فيرى المسافةَ الزمنيةَ التي تفصلُ بينهما.

المنظورُ النبوي للأحداثِ المتعاقبة

نطرةٌ مستقيمةٌ من الأمام – نظرةٌ جانبية

هناكَ إذن في أسفارِ الأنبياء بعضُ الأمورِ التي قد تَخُصُّ الأحداثَ الأخيرةَ للدهر (انظر يؤ 3: 1 – 3؛ صف 3: 8 – 9؛ زك 14: 9). غير أن العقوباتِ الزمنية التي كثيراً ما تَرِدُ عادةً مقترنةً مع تلكَ الأحداثِ الأخيرة لا ينبغي أن نَزُّجَ بها في المستقبل.

أيضاً يجدرُ بنا الإشارةُ إلى نقطةٍ أُخرى، وهي أن اللغةَ المتعلقة بالأُخْرَوِيَّات كثيراً ما تكونُ مجازيةً في طبيعتِها. وقد تُعَبِّرُ هذه المجازاتُ أحياناً عن لغةِ أحداثِ الأيامِ الأخيرة بواسطةِ الشِّعْر، لكنها لا تهدفُ بالضرورةِ إلى التنبؤ عن تلكَ الأحداثِ فِعْلياً. يمكنُكَ أن تجدَ مثالاً على ذلك في حزقيال 37: 1 – 14.

فمثلاً باستخدام كلمة “قيامةُ الموتى” يمكننا أن نعرفَ أن هذا سيحدثُ في نهايةِ الدهر. أما أن يستخدم الله حزقيال للتنبؤ بعودة الشعب من السبي في بابل في القرن السادس قبل الميلاد (الأعداد 12 – 14) فإن حادثةً مثل هذه تُعَدُّ ماضياً بالنسبةِ لنا (كما هي موصوفةٌ في عزرا 1 – 2) يتم التنبؤ بها مجازاً بلغةٍ أُخْرَوِيَّة – أي الكلمات التي نقصدُ بها أواخر الأيام – كما لو أنها كانت حادثةً من أحداثِ وقتِ النهاية.

تنبيه: مدلولاتُ النبوة ومدلولاتُها الثانية

ستجدُ في مواضعٍ كثيرةٍ في العهد الجديد إشاراتٍ إلى مقاطع العهد القديم قد لا تبدو بأنها تشيرُ إلى ما يقولُه العهد الجديد عنها، أي أن هذه المقاطع قد تبدو ذاتَ معنىً واضحٍ ووثيقٍ بمحيطِها الأصلي في العهد القديم، ومع ذلك فهي قد تُسْتَخْدَمُ مرتبطةً بمعنىً مختلفٍ من قِبَلِ أحد كُتَّابِ العهد الجديد.

كمثالٍ على ذلك، تَأّمَّلْ في قِصَّتَيّ إعطاء موسى وبني إسرائيل الماءَ مُعْجِزِيَّاً من صخورِ البرية، مَرَّةً في رفيديم (خر 17: 1 – 7) وأخرى في قادِش (عد 20: 1 – 13). تبدو هاتانِ القصتان في قرينتيهما الأصليتين بسيطتين وفي غايةِ الوضوح. لكنَّ بولس الرسول في 1 كورنثوس 10: 4 يُشَبِّهُ اختبارَ بني إسرائيل باعتبارِهِ لقاء مع المسيح، إذ يقول “لأنهم كانوا يشربون من صخرةٍ روحيةٍ تابَعَتْهُم، والصخرةُ كانت المسيح”.

لكن العهد القديم، وفي كِلْتا القصتين، لم يُشِرْ إلى الصخرةِ إلا لكونِها مجرد صخرةٍ عادية. لقد أعطى بولس الرسول الصخرةَ مدلولاً ثانياً مُعَرِّفَاً إياها بأنها السيد المسيح. إن مثل هذا المدلول الثاني يُسَمَّى بالمعنى الأكمل.

فلو فَكَّرْنا بعمقٍ لوجدنا أن بولس الرسول قد رسمَ لنا تشبيهاً، وكأنه يقول: في الواقع إن الصخرةَ بالنسبةِ لهم كان كالمسيحِ لنا – كما أنها مصدر عونٍ لهم كذلك وبالطريقةِ نفسِها الأمورُ الروحيةُ هي مصدرُ عونٍ لنا. وهنا نجد أن لغة المجاز قد طَغَتْ على ما يقوله بولس الرسول في الأعداد 2 – 4.. لقد أرادَ لقُرَّائه أن يفهموا أن اختبار الإسرائيليين في البرية هي بمثابةِ استعارةٍ يمكن أن يشبه بها اختبارَهم الخاص بالمسيح، وخاصةً حول عشاء الرب.

من المُرَجَّحِ أننا نحنُ كقُرَّاء معاصرين لن نتمكنَ بأنفسِنا من ملاحظة كل التشبيه الذي وصفه بولس.

فلو من يقُمْ بولس الرسول بكتابةِ تلك الكلمات، هل كان بمقدورِنا أن نُفَسِّرَ معنى السحابةِ والبحرِ بالمعمودية (عدد 2)؟ أو المسيح بالصخرة (عدد 4)؟ وبكلماتٍ أخرى، هل كان باستطاعتِنا وحدنا أن نحدد بيقين ذلك المعنى الأكمل أو المدلول الثاني؟ والجواب هو: كَلَّا، فلقد أَوْحَى الروحُ القدس إلى بولس بأن يقومَ بهذا الربطِ التشبيهي بين تجربة بني إسرائيل في البرية والحياة في المسيح دون اتِّبَاع القواعد العامة للقرينة والنِيَّة والأسلوب والألفاظ (راجع أعلاه عنوان: النبي كُمُتَنَبِّئٍ عن المستقبل).

لقد قاد الروح القدس بولسَ الرسول لوصف حقيقة نوال الإسرائيليين للماء من الصخر أكثر من مَرَّةٍ وذلك بلغةٍ رمزيةٍ غير معتادة، حيث قال أن صخرةً روحيةً تابعتهم. كذلك يوجد الكثير من التفاصيل الأخرى المتعلقة باللغة التي يصف بها بولس الرسول أموراً في 1 كورنثوس 10: 1 – 4، وهي تُعتبرُ غيرَ معتادةٍ إلى حَدٍّ كبير (مثلاً عندما قال: أباءنا جميعهم (عدد 11) أو طعاماً وشراباً روحيين (عدد 3، 4).

وهنا نقولُ: ولأننا بطبيعة الحال لسنا كُتَّاباً أُوْحِيَ لنا بكتابة الكتاب المقدس، فمن غير المسموحِ لنا بأن نعملَ ما قد عملَه بولس الرسول. فالروح القدس نفسه الذي أوحى لأحد كُتَّاب العهد القديم أن يكتبَ مجموعةً معينةً من الكلمات أو مقطعاً ما، قادرٌ على أن يوحي

لأننا بطبيعةِ الحال لسنا كُتَّاباً أُوْحِيَ لنا بكتابةِ الكتاب المقدس، فمن غير المسموح لنا أن نعمل ما قد عملَهُ بولس الرسول

لكاتبٍ من كُتَّابِ العهد الجديد أن يتجاوز الاعتبارات المعتادة للقرينة والقصد والأسلوب والألفاظ وأن يعلنَ وجود معنىً أكمل لمقطع العهد القديم. أما نحنُ فلسنا ممن أُوحي لهم. ما لم يُضِف العهد الجديد معنىً أشمل على مقطعٍ ما أو مجموعةٍ من الكلمات، فلا ينبغي لنا أن نفسرَ تلك المقاطع من العهد القديم هكذا وببساطةٍ بناءً على سُلْطَتِنا الخاصة.

أن وسائل دراسة الكتاب المقدس ككتب التفسير والموسوعات والقواميس الكتابية والكتب المقدسة ذات الشواهد الكتابية – كل هذه تميلُ إلى تحديد المقاطع النبوية في العهد القديم التي لها مدلولٌ ثانٍ في العهد الجديد. وإليكَ بعض المواضيع الشهيرة التي يُضفي عليها العهدُ الجديدُ مدلولاً ثانياً: متى 1: 22 – 23 (إش 7: 14)، متى 2: 15 (هو 11: 1)، متى 2: 17 – 18 (إر 31: 15)، يوحنا 12: 15 (زك 9: 9).

سنكتفي الآن بعرض أحد تلك المقاطع النبوية لتوضيح ظاهرة المدلول الثاني: متى 2: 15، نقرأ في هوشع 11: 1 ما يلي:

            ” لَمَّا كان إسرائيلُ غلاماً أحببتُهُ، ومن مِصرَ دعوتُ ابني”

إن القرينةَ في هوشع هي إنقاذ بني إسرائيل من مصر بواسطةِ الخروج. والقصد هو إظهار كيف أن محبة الله لشعب إسرائيل هي مثل محبة الابن. والأسلوبُ كان أسلوباً ترادُفي، كالشعر المتوازي، بحيثُ يكون “ابني” مرتبطاً مع أُمَّة إسرائيل. والألفاظ كانت مجازيةً، فقد صَوَّرَتْ إسرائيل بلا شكٍ كابنٍ. أما الأُقْنومُ الثاني في الثالوث، أي المسيح، فلا إشارةٌ له بالمعنى الواضح المباشر لهذه الآية. ولم تكن الآية 2: 15 في مَتّى البشير موجودةً في الكتاب المقدس، لما خطرُ في بالِنا على الإطلاق اعتبار آية هوشع نبوةً عن يسوع الناصري.

لكن كان لمَتَّى امتيازٌ لا نملكه نحن، فلقد حَظِيَ بوحيٍ ذي سُلْطان من الروحِ نفسه الذي أَوْحَى لهوشع بكتابة الآية 11: 1، ولقد قامَ الروحُ نفسه بقيادةِ مَتَّى إلى إعادة استخدام كلمات هوشع بقرينةٍ وقصدٍ وأسلوبٍ وألفاظٍ مختلفةٍ وإلى ربطِها مع كلماتٍ أخرى تختصُ بالمَسِيَّا. لقد قام الروح القدس بغرسِ تلك الكلمات في سفر هوشع استعداداً لإعادة استخدامِها بشأنِ الأحداثِ المختصة بحياة يسوع المسيح.

والبشير مَتَّى لم يقُمْ باستخدام تلك الكلمات عن يسوع قياسياً على أساس مبدأ أو عملية التفسير والتفسير الاستنتاجي، لكنه استعارَ تلك الكلمات من قرينتها الأصلية وأعطاها مدلولاً جديداً كاملاً وهو صاحبُ سُلْطَةٍ بعملِ ذلك. أما نحنُ فلا يَسَعْنا إلَّا قراءة وقبول ما قام به.

فائدة التشديد الثنائي على المُعْتَقَدِ القويم والتطبيق العملي القويم:

الأرثوذكسية تُعني: المُعتقد القويم. والأرثوبراكسية تُعني: التطبيق القويم. فلقد قامَ الله من خلال الأنبياء بدعوةِ شعب إسرائيل ويهوذا القديم للموازنةِ ما بين المعتقد القويم والتطبيق القويم. وهذا الأمرُ بالطبعِ ظلَّ المبدأ الذي يُطالِب به العهد الجديد أيضاً (انظر يع 1: 27؛ 2: 18؛ أف 2: 8 – 10).

والذي أرادَهُ الله من إسرائيل ويهوذا هو بصورةٍ عامةٍ ما كان يريدُه مِنَّا. لقد ظل الأنبياء بمثابةِ مُذَكِّرين دائمين لنا بعزم الله على تطبيقِ عهدِهِ. فلأولئكَ الذين يطيعون شَرْطَي العهد الجديد (محبة الله ومحبة القريب)، فإن النتيجة الأخيرة هي البركة على الرغم من عدم ضمان كون تلك النتائج في هذه الحياة مُشَجِّعَةً جداً. أما لمن لا يطيعون، فالنتيجةُ لن تكونَ سوى لعنة، بصرف النظر عن مدى تَنُعُّم الإنسان أثناء حياتِه على الأرض، وما زال تحذيرُ ملاخي سارياً (ملا 4: 6).

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 10 – الأنبياء – تطبيق العهد في إسرائيل

Exit mobile version