خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 12 – الحكمة آنذاك والآن

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 12 – الحكمة آنذاك والآن

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 12 – الحكمة آنذاك والآن

·     طبيعة الحكمة.

·     الحكمة في سفر الأمثال.

·     استخدامات سفر الأمثال السليمة والخاطئة

·     بعض الإرشادات الحياتية

 

الحكمة: هي تطبيق الحق في حياة الإنسان في ضوء التجربة

تُعد الحكمة العبرية من أنواع النصوص التي لم يعتدها معظم المؤمنين المعاصرين. ومع أن جزءاً لا يُستهان به من الكتاب المقدس قد خُصص لتدوين أقوال الحكمة، إلا أننا نرى بعض المؤمنين وفي مرات كثيرة يُسيئون فهم هذه الأقوال أو يسيئون تطبيقها، وبذلك تفوتهم الفائدة التي أرادها الله لهم. ولكن، إذا ما أحسنت كدارس فهم الأمثال والحِكم وأحسنت استخدامها، فستكون لك مصدر عون على السلوك المسيحي. أما فيما لو أسأت استخدامها، فستؤدي بك إلى الأنانية والسلوك المادي قصير النظر، وهذا بالضبط عكس ما قصده الله منها.

هناك أسفار في الكتاب المقدس تُعرف بأسفار الحكمة مثل سفر الجامعة وسفر الأمثال وسفر أيوب. علاوة على ذلك وكما أشرنا في الفصل السابق، فهناك عدد من المزامير يندرج تحت باب الحكمة أيضاً.

طبيعة الحكمة

ماهي الحكمة بالضبط؟ إليك هذا التعريف الموجز عنها: الحكمة هي تطبيق الحق في حياة الإنسان في ضوء التجربة. هذا التعريف يحمل من المنطق ما يكفي لعدم إيقاع المؤمنين في الحيرة، لكن المشكلة هي أن أقوال الحكمة الموجودة في العهد القديم قد تبدو في كثير من الأحوال وكأنها تنتهي بنا إلى إساءة فهم. وهدف هذا الفصل هنا هو مساعدتك على تنقية مفهومك للحكمة وتطبيقك لها.

إساءة استخدام أدب الحكمة

للأسف الشديد لقد تمت وبشكل عام إساءة استخدام أسفار الحكمة عبر ثلاث طرق:

أولاً: اعتاد الكثير من الناس على قراءة تلك الأسفار قراءة جزئية؛ لذلك نراهم قد أخفقوا في رؤية الرسالة الشاملة التي قصدها الكاتب عندما أوحي إليه بالكتابة. صحيح أن مقتطفات وشذرات كثيرة من الحكمة تبدو عميقة وعملية وذلك عند أخذها بدون سياقها، لكن من السهل أيضاً إساءة تطبيقها.

خذ على سبيل المثال التعليم الوارد في سفر الجامعة بخصوص أنه “للولادة وقت وللموت وقت” (3: 2)، لقد كان القصد منه في قرينته تقديم إيضاح ساخر عن عبث الحياة كلها؛ إذ مهما بلغت درجة سعادة حياتك أو بؤسها، فستموت حتماً عندما يحين الوقت. وللأسف يطيب للكثير من الناس أن يفسروا هذا الجزء بمفهوم قدرية كل الأشياء في حياتنا إلا أن القرينة لا تشير أبداً إلى مثل هذا القصد.

ثانياً: كثيراً ما قد يسيء الناس فهم اصطلاحات الحكمة وأنواعها وأساليبها وقوالبها الأدبية. فنراهم وقد أعطوا الاصطلاحات المستخدمة في الكتاب المقدس في سياق أدب الحكمة تعريفات خاطئة. فعلى سبيل المثال تأمل في أمثال 14: 7 “اذهب من قدام رجل جاهل إذ لا تشعر بشفتي معرفة”.

فهل يعني هذا عدم وجوب اختلاط المؤمنين بالمتخلفين والأميين؟ كلا على الإطلاق، فكلمة جاهل في سفر الأمثال عنت في الأساس الإنسان غير العارف الرب، إذ هي تشير إلى غير المؤمن الذي يعيش بأنانيته وبحسب نزواته والذي لا يعترف بوجود أي سلطة فوقه إلا نفسه. أما جملة “اذهب من قدام…” فقد ارتبطت ارتباطاً كلياً بالسبب الذي من أجله علينا أن نذهب من قدام هذا الإنسان غير العارف الرب والسبب هو “إذ لا تشعر بشفتي معرفة”. وبكلمات أخرى يُعلّمنا هذا المثل أنه إن كنا نسعى إلى المعرفة فعلينا ألا نطلبها من الجاهل.

 

كان الحكيم آنذاك يتصف بالعملية بدرجة كبيرة إذ لم يكن هدفه مجرد اقتناء معرفة نظرية.

ثالثاً: كثيراً ما يُفق الناس في اتباع خط سير النقاش في أحاديث الحكمة؛ لذلك نراهم يحاولون الحياة وفق طريقة ما والقصد منها إظهار ما هو خطأ. تأمل في أيوب 15: 20 “الشرير هو يتلوى كل أيامه، وكل عدد السنين المعدودة للعاتي”. هل يمكنك أن تفهم من هذا الكلام أن الوحي يعُلّم بأن الشرير لا يمكن أن يكون سعيداً حقاً؟ من المؤكد طبعاً أن أيوب لم يكن يقصد ذلك أبداً بل لقد كان يلغي هذه الفكرة وبإصرار.

فالعدد السابق جاء على لسان أحد الذين عينوا أنفسهم مدين لأيوب وهو أليفاز الذي كان يحاول إقناعه بأن شقاءه ناجم عن كونه شريراً. وفي موقع لاحق من سفر أيوب يثبت الله صحة كلام أيوب ويدين أقوال أليفاز، إلا أنه ما لم تتابع الجدل بجملته فلن تعرف ذلك.

وهنا وفي هذا الفصل سنناقش الفرق بين أدب الحكمة وغيره من أنواع النصوص، ومن ثم سنذكر بعض الملاحظات المفيدة حول هذا الموضوع.

مَن الحكيم؟

سبق أن قلنا إن الحكمة هي تطبيق الحق في حياة الإنسان في ضوء التجربة والاختبار، ولكن هناك جانباً شخصياً للحكمة إذ ليست الحكمة أمراً نظرياً، أو أمراً تجريدياً، لكنها عادة ما تأتي إلى حيز الوجود فقط عندما يقوم الإنسان بالتفكير والعمل بحسب الحق الذي سبق وتعلمه بالتجربة؛ لذلك فنحن نرى العهد القديم وقد أكد على وجود بعض الناس الذين اتصفوا بالحكمة أكثر من غيرهم، وآخرين كانوا قد كرسوا أنفسهم لاقتناء الحكمة بحيث يكننا تسميتهم حكماء.

كان الحكيم آنذاك يتصف بالعملية بدرجة كبيرة إذ لم يكن هدفه مجرد اقتناء معرفة نظرية. فقد كان يهتم بالقدرة على إعداد الخطط التي ستساعده على تحقيق النتائج المرجوة في الحياة. فالهدف كان الوصول إلى حياة مسئولية وناجحة. كانت الحكمة تستخدم وتطبق أحياناً في النواحي الفنية مثل البناء (بصلئيل مهندس خيمة الاجتماع الذي سمي حكيماً في خروج 31: 3) أو الملاحة (حز 27: 8-9).

كانت الحكمة أيضاً هدف الذين طلب إليهم اتخاذ قرارات تتعلق بالصالح العام للآخرين. لقد تم وصف القادة السياسيين مثل يشوع (تث 34: 9)، وداود (2صم 14: 20) وسليمان (1مل 3: 9 إلى آخره) كي يكون حكمهم فاعلاً وناجحاً. وما يذكرنا بالجانب الشخصي للحكمة هو الحديث عن القلب الإنساني كنقطة ارتكاز الحكمة (انظر 1مل 3: 9، 12). إن القلب في العهد القديم يشير إلى القدرات الأدبية والإدارية وكذلك الذهنية.

إذاً لقد ركز أدب الحكمة على الناس ومسلكهم، وعلى مدى نجاحهم في تطبيق الحق، وعما إذا كانوا قادرين على التعلم من تجاربهم. وهنا نقول ليست القضية قضية سعينا لنتعلم كيف نكون حكماء، بقدر ما هي سعينا لأن نزداد حكمة. فكل مَن يسعى لتطبيق الحق الإلهي يومياً والتعلّم من تجاربه، يمكنه في نهاية الأمر أن يصير حكيماً أيضاً.

هناك خطر كبير قد نجده في الإنسان الذي يسعى إلى كسب الحكمة من أجل تحقيق مصلحته الشخصية، أو يسعى لكسبها بطريقة لا تُكرم الله قبل أي اعتبار أخر. والكتاب المقدس يقول: “ويل للحكماء في أعين أنفسهم” (إش 5: 21). علاوة على ذلك فإن حكمة الله دائماً تفوق حكمة البشر (إش 29: 13-14).

معلمو الحكمة:

كرّس بعض بني إسرائيل في القديم أنفسهم ليس فقط لاقتناء الحكمة، بل أيضاً لتعليم الآخرين كيفية اقتنائها. وقد سُمي هؤلاء المعلمون “حكماء” مع أنهم تبوأوا في نهاية الأمر مناصب في جماعة إسرائيل شبيهة بتلك التي للكاهن أو للنبي (إر 18: 18).

هذه الطبقة من الحكماء – من الرجال والنساء – ظهرت في بداية حقبة النظام الملكي في إسرائيل على أقل تقدير (حوالي عام 1000 ق.م انظر 1صم 14: 2)، وقد عمل هؤلاء الحكماء كمُعلّمين ومرشدين لأولئك الذين جاءوا إليهم في طلب حكمتهم. وقد أوحى الله إلى بعض أولئك بكتابة أجزاء من العهد القديم. ونلاحظ أن أولئك الحكماء قد قاموا بعملهم وكانوا بمثابة أولياء أمور أي في محل الوالد بالنسبة لكل إنسان ابتغى نيل الحكمة منهم.

لاحظ أن الله قد جعل يوسف (أباً) لفرعون حتى قبل الخروج (تك 45: 8)، وبعد ذلك سميت دبورة النبية (أماً) في إسرائيل (قض 5: 7). لذلك كثيراً ما كان يخاطب الحكيم في سفر الأمثال تلميذه بقوله يا ابني. لقد أرسل الآباء أولادهم ليتعلموا من أولئك المُعلّمين أساليب الحياة الحكيمة وتطبيقاتها، كما اعتاد المعلمون آنذاك على تعليم تلاميذهم كأولادهم.

الحكمة في البيت:

كانت الحكمة عادة ما تُعلّم في البيت أكثر من أي مكان آخر. ويقوم الأهل اليوم. من دون أن يدركوا ذلك، بتعليم أولادهم كل أنواع الحكمة.

فكلما خاطب أحد الأبوين ابنه أو ابنته بالقول: لا تلعب في الشارع، أو اختر اصدقاءك جيداً، أو احرص على ارتداء ثياب كافية للبرد وما إلى ذلك، فإن الأب أو الأم هنا يقومان في واقع الأمر بتعليم الحكمة للأولاد. لأن كل أب يريد ويهدف لولده أو لابنته بأن يكونا سعيدين، ومعتمدين على أنفسهما ونافعين للآخرين. وكل أب أو أم يصرفان الوقت الثمين في صقل مسلك الأبناء وتوجيههم والتحدث إليهم دائماً عن الكيفية التي يجب أن يتصرفوا بها.

يمكننا أن نرى هذا النوع من النصائح العملية وفي سفر الأمثال وبشكل خاص. إلا أنه يخضع نصائحه كلها لحكمة الله تماماً كما كان يتوجب على الآباء المؤمنين أن يفعلوا ذلك. نعم قد تكون النصيحة عملية جداً وخاصة بالأمور الاجتماعية، لكن لا ينبغي أبداً لهذه النصيحة أن تخفق في الإقرار بأن أفضل أمر يمكن للإنسان تحقيقه هو عمل مشيئة الله.

الحكمة بين الزملاء:

إن واحدة من الطرق التي يمكن أن يستخدمها الإنسان لصقل معرفته وبالتالي مسلكه هي النقاش والجدل. وأحياناً يستطيع التوصل إلى هذا النوع من الحكمة عن طريق حديث طويل سواء أكاناً خطاباً موجهاً للآخرين ليقرأه وليُعلقوا عليه (كسفر الجامعة) أم حواراً بين عدة أشخاص يودون معرفة آراء بعضهم البعض حول الحقيقة والحياة (كسفر أيوب).

وهنا نشير إلى أن نوع الحكمة، الذي يسيطر على سفر الأمثال يسمى عادة بالحكمة المثلية بينما يُطلق على الحكمة الواردة في كل من سفر الجامعة وسفر أيوب الحكمة التأملية التي هي في الواقع عملية وتجريبية أكثر منها مجرد حكمة نظرية.

الحكمة في قالب الشعر:

لقد قام كل من التلاميذ والمعلمين على حد سواء في أزمنة العهد القديم باستخدام أساليب أدبية متنوعة لتساعدهم على تذكر حكمتهم. وقد أوحى الله أيضاً بأجزاء الحكمة في الكتاب المقدس بحسب تلك الأساليب وذلك لجعلها سهلة التعلّم والحفظ. وكما أشرنا في الفصلين السابقين فإن الشعر يمتاز بدقة الكلمات وتنسيق الإيقاع، والصفات البلاغية اللازمة لجعله أكثر قرباً للذاكرة من النثر، وهكذا صار الشعر أيضاً وسيلة العهد القديم في إبراز الحكمة.

لذلك نرى أن أسفار الأمثال والجامعة وأيوب، وبعض مزامير الحكمة وغير ذلك من أجزاء أخرى من الحكمة في العهد القديم – في معظمها مؤلفة شعراً. ومن بين الأساليب الأدبية المستخدمة على وجه الخصوص، هناك التوازي سواء أكان ترادفياً (انظر أم 7: 4) أو تضادياً (أم 10: 1) أو صورياً (أم 21: 16) أو تطريزياً (أم 31: 10-31) أو جناساً (جا 3: 1-8) أو كان تعاقباً عددياً (أم 30: 15-31). إضافة إلى مقارنات أخرى لا حصر لها كالتشبيه والمجاز (انظر أي 32: 19) كما أننا قد نجد في كتابات الحكمة الأمثال والرموز والأحاجي الصورية وأساليب شعرية أخرى.

محدودية الحكمة:

من المهم أن نتذكر أن حكمة العالم القديم لم تكن كلها صالحة أو مستقيمة، فقد كان يوجد في جميع أرجاء الشرق الأدنى القديم طبقة من المعلمين والكتبة الحكماء الذين حظوا بتأييد من ملوكهم غالباً في سبيل القيام بجمع وتأليف وترتيب أمثال وأحاديث الحكمة. وقد شابه الكثير منها إلى حد كبير كتابات الحكمة في العهد القديم، إلا أنها افتقرت إلى التركيز على الرب كالمصدر الأول للحكمة (أم 2: 5، 6) وعلى الغرض من هذه الحكمة، ألا هو إرضاء الرب (أم 3: 7). علاوة على ذلك فإن حكمتهم لم تكن تغطي في مادتها جميع جوانب الحياة.

ولأن الحكمة عملية جداً فهي لا تميل إلى التركيز على الأمور اللاهوتية أو التاريخية الهامة جداً والموجودة في أماكن أخرى في الكتاب المقدس. والمهارة في الحكمة لا تضمن استخدامها بشكل سليم. فنصيحة يوناداب الحكيمة لأمنون كانت في الواقع ذات دوافع شريرة (2صم 13: 3) وحكمة سليمان العظيمة (1مل 3: 12؛ 4: 29-34) ساعدته في كسب الثروة والقوة لكنها لم تساعده في البقاء أميناً للرب في آخر سنيه (1مل 11: 4). فما لم نُخضع حكمتنا لطاعة الله فهي لن تحقق الغايات السليمة التي قصدها العهد القديم.

 

الحكمة في سفر الأمثال

يعتبر سفر الأمثال المكان الرئيسي السليم لاستقاء الحكمة التدبيرية أي الحكمة المختصة بالقواعد والأنظمة التي يمكن للناس استخدامها لإدارة حياتهم بنجاح ومسؤولية. وبالتباين مع سفر الجامعة الذي يستخدم الأسلوب التأملي الساخر كنقيض لإبراز الحكمة، وبالتباين مع سفر أيوب الذي يستخدم الحكمة التأملية حول عدم إنصاف الحياة في هذا العالم، ركزت حكمة سفر الأمثال في معظمها على المواقف العملية.

وهنا من باب التعميم، يفيدنا أن نلاحظ بأن سفر الأمثال يعلم عادة ما يمكن أن نسميه القيم الأساسية أو المحافظة. فليس هناك والدان يودان رؤية أولاهما تعساء أو فاشلين أو وحيدين أو مرفوضين اجتماعياً أو مخالفين للقوانين المرعية أو فاسدين أخلاقياً أو حمقى أو مفلسين. وليس من باب الأنانية أو عدم الواقعية أن يتمنى الأب لابنه أن ينعم بقسط معقول من النجاح والقبول الاجتماعي وسد الاحتياجات، والاستقامة الأخلاقية.

وسفر الأمثال مليء بمجموعة من النصائح البليغة لهذه الغاية بالتحديد. طبعاً ليس هناك مَنْ أو ما يضمن لشاب بأن حياته تسير دائماً على ما يرام. وما يفيدنا به سفر الأمثال فيما لو غضضنا النظر عن العوامل الخارجية، هو احتواؤه على مواقف وأنماط سلوكية أساسية تساعد الإنسان على النمو إلى مرحلة النضح المسؤول.

وقد عمل سفر الأمثال باستمرار على تقديم مفارقة شديدة بين حياة الحكمة وحياة الحماقة وإظهار ما الذي يميز حياة الأحمق؟ فحياة الأحمق تميزت بأمور مثل العنف والجريمة (أم 1: 10-19؛ 4: 14-19) والقيام بالتعهدات الطائشة (6: 1-5) والكسل (6: 6-11) واللؤم والغش (6: 12-15) والفساد والفجور الممقوت لدى الرب والضار بالحياة المستقيمة (2: 16-19؛ 5: 3-20؛ 6: 23-35؛ 7: 4-27؛ 9: 13-18؛ 23: 26-28).

علاوة على ذلك حث سفر الأمثال على أمور أخرى كالاهتمام بالفقراء (22: 22، 27) واحترام الحكام (23: 1-3؛ 24: 21-22) وأهمية تأديب البنين (23: 13، 14) واحترام الأبوين (23: 22-25).

أما اللغة الدينية الخصوصية فقلما نجدها مستخدمة في سفر الأمثال، وعلى الرغم من وجودها فيه (انظر 1: 7؛ 3: 5-12، 15: 3، 8-9، 11؛ 16: 1-9، 22: 9، 23؛ 24: 18، 21 …. إلخ) إلا أنها لا تضفي على السفر. ومعنى هذا أنه ليس من المفروض عمل كل شيء في حياتنا بصفة روحية كي تكون مقبولة وصحيحة على مثال أن يقوم الأب بتوجيه نصيحة لابنه بخصوص ارتداء ملابس ثقيلة في الشتاء.

استخدامات سفر الأمثال السليمة والخاطئة

يحسن بنا أن نتذكر بأن الأمثال التي تدعى بالعبرانية مشاليم تعني استعارات أو أمثال أو أقوال مستنبطة خصيصاً. فالمثل هو تعبير مختصر ومحدد عن الحق. ولكما كان القول مختصراً ضعف احتمال كونه كامل الدقة وشامل النطاق. وكلنا يعلم بأن البيانات المفصّلة والمسهبة والطويلة، والمعقدة الأوصاف ليست فقط عسيرة الفهم بل هي أيضاً عملياُ مستحيلة الحفظ على الناس. لذلك فقد تمت صياغة الأمثال بأسلوب أخّاذ كي يتم حفظها بسهولة.

في الحقيقة إن الكثير من الأمثال في اللغة العبرية تتميز بالإيقاع أو القافية أو غير ذلك من الصفات الأدبية التي جعلتها سهلة الحفظ. تأمل في هذين المثلين “اسأل عن الجار قبل الدار” أو “الرفيق قبل الطريق”. إن تشابه الكلمات وانتهاءها بالقافية الواحدة، واستخدام التناسق اللفظي باختلاف المعنى عناصر ساعدت في جعل مثل هذه الأمثال سهلة الحفظ والفهم.

فهي لن تُنسى بالسهولة التي يمكن أن ننسى بها الجمل التالية: “قبل أن تضع نفسك في وضع ما ادرس الإمكانيات والاختيارات المترتبة عليه”، أو “هناك أهمية كبيرة لانتقاء الصحبة السليمة لأنها تلعب دوراً كبيراً في بلوغ الهدف”.

نعم هذه الجمل تميزت بدقة أكبر، لكن ينقصها الواقع والفاعلية التي للأمثال المشهورة، ناهيك عن كونها صعبة من حيث التذكر. إن مَثَل “اسأل عن الجار قبل الدار” هو قول بليغ غير دقيق ومن السهل إساءة فهم محتواه، ومن الجائز أن يظن السامع بأنه ينطبق فقط على الباحثين عن دار للإيجار. وهو لا يخبرنا عن ماذا نسأل أو كيف نسأل أو مَنْ نسأل، ولم يقصد به حتى مجرد استخدامه في مسألة الإيجار والاستئجار.

هكذا كان الأمر مع الأمثال العبرية. إذ وجب فهمها باعتدال والأخذ بها بحسب القصد المراد منها. فهي لا تصرح بكل ما يتعلق بالحق لكنها تشير إليه، وهي إذا ما أُخذت حرفياً غالباً ما ستكون غير دقيقة في نواحيها الفنية، إلا أنها كإشارات سهلة الحفظ، لا يضاهيها شيء من حيث توجيه السلوك المعين. تأمل في أمثل 6: 27-29:

“أَيَأْخُذُ إِنْسَانٌ نَارًا فِي حِضْنِهِ وَلاَ تَحْتَرِقُ ثِيَابُهُ؟ أَوَ يَمْشِي إِنْسَانٌ عَلَى الْجَمْرِ وَلاَ تَكْتَوِي رِجْلاَهُ؟ هكَذَا مَنْ يَدْخُلُ عَلَى امْرَأَةِ صَاحِبِهِ. كُلُّ مَنْ يَمَسُّهَا لاَ يَكُونُ بَرِيئًا”.

قد يعترض أحدهم بأن السطر الأخير ليس واضحاً ويتساءل: ما الذي سيحدث فيما لو أن موظف بنك لمس عن غير قصد يد امرأة رجل آخر أثناء تسليمه النقود لها؟ هل سيعاقب؟ ألا يوجد مَنْ ارتكب الزنى وهرب بلا عقاب؟ كل هذه التساؤلات صحيحة لكنها تحيد عن الهدف. فسفر الأمثال يميل إلى استخدام اللغة الرمزية والتعبير عن الأشياء بالإيحاء بدلاً من التفصيل.

والعبرة التي يتوجب علينا استخلاصها من هذا المثل هي أن مَنْ يرتكب الزنى يكون كمن يلعب بالنار. وأن الله، عاجلاً أم آجلاً، في الحياة الحاضرة أو العتيدة، سيحرص أن ينال الزاني عاقبة آثامه. أما كلمة “يمس” الواردة في السطر الأخير فيمكننا فهمها وكأنها ترد على سبيك لطف التعبير (انظر اكو 7: 1 راجع أيضاً الفصل الثاني من هذا الكتاب)، هذا إن أردنا لرسالة الروح القدس أن تبقى واضحة. وهكذا لا ينبغي أن نأخذ سفر الأمثال بأسلوب حرفي مبالغ فيه أو بشكل كلي إذا ما أردنا لرسالته أن تفيدنا. فعلى سبيل المثال تأمل أمثال 9: 13-18.

هذا المثل أيضاً بليغ، لأنه يتضمن قصة رمزية كاملة في أعداد قليلة. إن حياة الحمق هنا، هي بعكس حياة الحكمة ويُشار إليها بزانية تحاول إغواء عابري الطريق للدخول إلى بيتها. والجاهل شُبه بذلك المعجب الذي أغوته الملذات المحظورة (عدد 17)، أما النتيجة النهائية للحماقة فهي ليست بحياة طولية أو ناجحة أو سعيدة بل هي الموت.

إن رسالة هذه القصة الرمزية الموجزة هي: ابتعد عن الحماقة، لا يغويك أحد، أعرض عن الإغراءات التي تبدو جذابة للجُهال ثم ذكرها بعدة طرق في أمثال أخرى. والإنسان الحكيم التقي ذو الأخلاق الحميدة هو الإنسان الذي يسعى ليعيش حياة خالية من الأنانية والحماقة. إن أمثالاً كهذه قريبة من أمثال العهد الجديد، في كونها تعبر عن الحق بطريقة رمزية. إليك مثالاً آخر يساعد على تركيز بحثنا في سفر الأمثال.

“كُلُّ طُرُقِ الإِنْسَانِ نَقِيَّةٌ فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ،

وَالرَّبُّ وَازِنُ الأَرْوَاحِ.”(أم 16: 2)

لعل هذا النوع من الأمثال هو أكثر الأنواع التي يُساء فهمها. فإن لم تعرف بأن سفر الأمثال يميل عادة لأن يقدم أقوالاً تشير إلى الحق بأساليب رمزية، فسيفترض بأن أمثال 16: 3 هو وعد مباشر وقاطع من الله يمكن دائماً تطبيقه. ومفاده أنه إن ألقى الإنسان خططه على الله، فلا بد لهذه الخطط أن تنجح. وطبعاً هذا التفسير سيُخيب أمل الذين يفكرون بهذا الأسلوب؛ لأنه من الممكن لهؤلاء أن يقدموا لله خططاً أنانية حمقاء وفي حال نجاحها، ولو لفترة قصيرة قد يفترضون بأن الله باركها فعلاً.

فمثلاً يمكن أن نسلم لله زواجاً متهوراً أو قراراً طائشاً يتعلق بالعمل أو حتى قراراً مهنياً غير مدروس – ثم ينتهي بنا المطاف إلى الفشل. وقد يقوم إنسان ما بائتمان من الله على خطة معينة سرعان ما تبوء بالفشل فيعتقد أن الله قد تخلى عن وعده وتراجع عن كلمته الموحى بها.

وفي حالات كهذه للأسف نجد الناس وقد أخفقوا في إدراك أن سفر الأمثال ليس باتاً أو مطلقاً، ولا هو قابل للتطبيق في كل وقت، ولا هو وعد صارم بل هو بمثابة حق عام إذ هو يعلن بأن الذين يسلمون حياتهم لله ويحيون بحسب مشيئته سينجحون إنما بحسب مفهوم الله للنجاح. أما بحسب مفهوم العالم للنجاح فقد تأتي النتيجة عكسية. ولعل قصة أيوب خير مثل على ذلك.

 فعندما نأخذ هذه الأمثال بحسب مقاصدها على أنها بند خاص يتعلق بالتنويه للحق، عندئذ فقط تصبح هذه الأمثال هامة ونافعة للحياة.

بعض الإرشادات الحياتية

نقدم الآن وفي غاية الإيجاز بعض الإرشادات لفهم حكمة الأمثال:

أولاً: لا يجب فهم الأمثال فهماً حرفياً

فالأمثال تقدم طريقاً حكيماً لبلوغ الأهداف العملية المرجوة، ولكنها تفعل ذلك بطرق لا يمكن اعتمادها كسند أكيد للنجاح. وعلى الأرجح فإن الإنسان سينال ما حُدد من بركات أو مكافأة أو فرص مذكورة في سفر الأمثال إذا ما اتبع السبل الحكيمة للتصرف والموجودة في اللغة الرمزية والشعرية للسفر. لكن سفر الأمثال لا يعلّم أبداً عن النجاح الآلي.

تذكر بأن من ضمن أهداف الله في وضعه لكل من سفري الجامعة وأيوب في الكتاب المقدس هو تذكرينا بأنه هناك القليل جداً من الآلية فيما يتعلق بأحداث حياتنا سواء الجيدة منها أو السيئة. تأمل في الأمثال التالية: أمثال 22: 26-27؛ 29: 12؛ 15: 25).

وهنا وإذا ما تطرفت في اعتبار المثلين الأولين (22: 26-27) وصية مطلقة مانعة من الله فقد تنتهي إلى عدم شراء بيت في حياتك، وذلك لتجنب الرهن لحين دفع ديونك. أو قد تفترض بأن الله سيجازيك بفقدان كل ممتلكاتك بما فيا فراشك إن لم تف بدينك.

إن قيامك بالتفسير الحرفي والمتطرف سيفقدك الهدف من المثل الذي يبين من خلال الشعر والرمز حقيقة وجوب التعامل مع الديون بحذر؛ لأن الحرمان من العقار المرهون أمر مؤسف جداً. والمثل يضع هذه الحقيقة في إطار تعابير ضيقة ومحددة: صفق الكف، فقدان الفراش…إلخ.

والمقصود منها ليس التعبير عن شيء حرفي عملي بل الإشارة إلى مبدأ أعم من ذلك. ففي أزمنة الكتاب المقدس كان الأتقياء يدينون ويستدينون دونما انتهاك لهذا المثل وذلك لأنهم سبق وأن فهموا المراد منه. فقد كانوا معتادين على الأمثال وبالتالي علموا بأن مثل هذا المثل يوضح كيفية إجراء الدين وليس تجنب كل أشكال الديون تجنباً تاماً.

أما المثل الثاني أعلاه (29: 12) فيجب أيضاً عدم الأخذ بحرفيته. فهو لا يضمن على سبيل المثال بأنك إن كنت موظفاً حكومياً فسوف تعتبر حتماً شريراً بحجة أن رئيسك يصغي لأكاذيب بعض المحيطين به.

إن هذا المثل يهدف إلى رسالة أخرى وهي: إن الحاكم المولع بسماع الأكاذيب بدلاً من الحق، سيقوم بالتدريج بإحاطة نفسه بزمرة من الناس تنقل له ما يريد سماعه، وعليه فستكون المحصلة النهائية فساداً إدارياً. أما الحاكم الذي يُصر على سماع الحقيقة بالرغم من إيلامها فسيساعده هذا على إبقاء حكومته طاهرة. وهذا المبدأ هو المقصود بكلمات المثل التي تستخدم طريقة مجازية لا حرفية دقيقة.

أما المثل الثالث (15: 25) فلعله أكثر الأمثال بُعداً عن الحرفية. فنحن نعلم من تجربتنا الخاصة كما من شهادة الكتاب المقدس أن هناك بيوتاً لأشخاص متكبرين ما زالت قائمة، وأن هناك الكثير من الأرامل ممن تم استغلالهن من قبل الدائنين الجشعين أو بالاحتيال (انظر مر 12: 40؛ أي 24: 2-3… إلخ).

إذن ما الذي يعنيه هذا المثل إن لم يكن يقصد نقل الانطباع بأن الله في الحقيقة هو مدمر للبيوت أو حارس للتخوم؟ إن هذا المثل يعني أن الله يقاوم المتكبرين ويقف إلى جانب المساكين (الأرامل والأيتام والغرباء: كل هذه التعابير تمثل شريحة الناس الذين لا نصير لهم، انظر تث 14: 29؛ 1.6: 11؛ 26: 12، 13… إلخ).

ولدى مقارنة هذا المثل بأمثال 23: 10-11 ولوقا 1: 52-53 يصبح معناه أوضح. إنه مثل مُصغر عن أمثال العهد الجديد، وهو يشير ليس إلى مجرد البيت والأرملة لكن إلى المبدأ العام القائل بأن الله في النهاية سيصحح المعوجات في العالم بإنزال المتكبرين عن كراسيهم وتعويض كل الأبرياء المتألمين (انظر مت 5: 3، 4).

ثانياً: يجب أن تقرأ الأمثال كمجموعة

ويجب فهم كل مثل من أمثال الوحي بالتوازن مع الأمثال الأخرى وبالمقارنة مع باقي الكتاب المقدس. وكما يوضح لنا المثال الثالث أعلاه (15: 25)، أنه كلما قرأ الفرد المثل بمعزل عن الأمثال الأخرى كلما كان تفسير ذلك المثل أقل وضوحاً. فإدا ما قمت بقراءة مثل ما على حدة، وأسأت فهمه، فقد يؤدي بك ذلك إلى مواقف أو تصرفات خاطئة مما لو قمت بقراءة سفر الأمثال ككل. علاوة على ذلك عليك الحذر من ألا تؤدي بك اهتمامات الأمثال العملية إلى التفكير بالأمور المادية والروح العالمية.

احذر أيضاً من أن تربط نفسك بنوع الحكمة التي اعتنقها رفقاء أيوب فجعلوا النجاح في الحياة العالمية أمراً معادلاً للتقوى في عيني الله. فمثل هذه الحكمة تعد بمثابة فهم غير متوازن لأمثال منتقاة. كذلك لا تحاول أن تجد لك في سفر الأمثال مبررات لتحيا حياة أنانية أو لتقوم بأعمال لا تتناسب وتعاليم الكتاب المقدس الأخرى.

وتذكر بأن الأمثال كثيراً ما قد تم جمعها معاً بطرق مختلفة مما قد يجعل القارئ يقفز من موضوع لآخر أثناء قراءتها، مع ضرورة أخذ الحذر والحيطة تجنباً لإساءة التفسير.

تأمل أيضاً في المثلين التاليين:

“اَلْحَكِيمُ يَتَسَوَّرُ مَدِينَةَ الْجَبَابِرَةِ، وَيُسْقِطُ قُوَّةَ مُعْتَمَدِهَا”

(أم 21: 22)

“فَمُ الأَجْنَبِيَّاتِ هُوَّةٌ عَمِيقَةٌ. مَمْقُوتُ الرَّبِّ يَسْقُطُ فِيهَا”

(أم 22: 14)

فإن كنت حكيماً فهل كنت ستخرج لقتال مدينة قوية التحصين وهكذا تقدم عملاً صالحاً لله؟ وإن كنت قد أحزنت الله فهل هناك خطر من أن تسقط داخل فم امرأة أجنبية؟

معظم الناس سيجيبون بالنفي على هذين السؤالين وسيضيفون قائلين بأنه مهما كان معنى هذا الكلام فلا يمكن له أن يعني المعنى السابق. لكن الكثير من الناس للأسف يصرون على أخذ أمثال 22: 26 بمعنى حرفي وذلك لمنع المؤمنين من الاستدانة. وكثيراً أيضاً ما يقول البعض بأن أمثال 6: 20 يعني وجوب طاعة المؤمن لأبويه مهما بلغ عمره وبصرف النظر عن الخطأ الماثل في تلك النصيحة.

وهنا نقول إذا ما أخفق الناس في خلق توازن بين الأمثال من جهة وبقية الكتاب المقدس من جهة أخرى ناهيك عن الفطرة السليمة فإنهم للأسف سيظلمون أنفسهم والآخرين.

في المثل الأول أعلاه (21: 22) يمكننا أن نستخلص أن الحكمة قادرة على أن تكون أقوى من القوة العسكرية. ربما جاء هذا التصريح بصيغة المبالغة؛ لكم من حيث الأسلوب فهو لا يختلف عن أن نقول في عصرنا بأن القلم أقوى من حد السيف.

إذ هذا المثل ليس بأمر بل هو تصوير رمزي مجازي لقوة الحكمة، وفقط عندما يربط الدارس هذا المثل بالأمثال الكثيرة التي تتغنى بفوائد الحكمة وفاعليتها. (انظر 1: 1-6؛ 2-3؛ 8؛ 22: 17-29 وغيرها)، عندها يتمكن من فهم رسالتها. وفي هذه الحالة تكون القرينة الكاملة أمراً جوهرياً للقيام بالتفسير.

أما المثل الثاني (22: 14) فهو يحتاج لأن يقارن أيضاً مع القرينة بكاملها؛ إذ أن هناك عدداً كبيراً من الأمثال يشدد على أهمية توخي الحرص في التفكير والكلام (انظر 15: 1؛ 16: 10، 21، 23-24؛ 18: 4 وغيرها) وبمعنى آخر إن الذي يورط الإنسان هو كلامه وذلك أكثر بكثير من إصغائه (انظر مت 15: 11، 15-20). إلا أنه بإمكانه دائماً السيطرة على ما يخرج من فمه.

هنا يمكننا إعادة صياغة هذا المثل على الشكل التالي: إن أنواع الأعمال والأقوال التي تقوم بها الأجنبية (العاهرة) تحمل عليك من الخطر ما يوازي سقوطك في حفرة عميقة. فإن أردت تجنب غضب الله، عليك أن تتجنب مثل هذه الأمور. إن استيعابك للقرينة العامة لكل الأمثال سيساعدك في عدم الوقوع في الخطأ عند تفسيرها.

ثالثاً: التركيب اللغوي للأمثال قصد به أن تكون سهلة الحفظ

كلما كان التعبير عن مبدأ ما مختصراً في كلماته كلما جاء بصيغة مبالغة، وكلما احتاج إلى مزيد من الفطرة السليمة والحكم الصائب كي يفسر بشكل سليم – وكان فاعلاً وسهلاً للحفظ، في الوقت ذاته لاستعادة المعرفة التي تحول الأمثال نقلها والتي يمكن تذكرها وليس الفلسفة القادرة على استقطاب إعجاب الناقد.

وهكذا تستخدم الأمثال كثيراً من العناصر الشعرية والتصوير المفعم بالحيوية. ولقد صممت أمثال كثيرة إما لطبع صورة ما في ذهنك (والعقل عادة ما يسترجع الصور بشكل أفضل من تذكر المعلومات النظرية) أو لتتضمن أصواتاً تُسر الآذان (التكرار، السجع، ترتيب الحروف الأولى لأبيات القصيدة…إلخ). تأمل في أمثال 15: 19 كمثال على استخدام اللغة المجازية:

“طَرِيقُ الْكَسْلاَنِ كَسِيَاجٍ مِنْ شَوْكٍ،

وَطَرِيقُ الْمُسْتَقِيمِينَ مَنْهَجٌ”

إن نوع الزرع الموجود في الطرق المحببة للكسالى ليس هو المقصود من هذه اللغة، بل الإشارة إلى أمور أبعد من ذلك، وهي مبدأ أن الكد والاجتهاد أفضل من الكسل.

إن تصور المرأة الفاضلة في أمثال 31: 10-31 هو نتيجة لترتيب الحروف الأولى لأبيات القصيدة. فكل عدد يبدأ بحرف موفق للترتيب الأبجدي لحروف اللغة العبرية، وهذا أمر سهل الحفظ وتستسيغه أذن الشخص العبري، لكنه يظهر للناقد الثاقب أو للذي يقرأ حرفياً بأن مجموعة هذه الأوصاف مستحيلة على أية امرأة من جنس البشر.

إلا أنه إن استطاع القارئ إدراك أن وصفاً كالوارد في 31: 22 مصمم عن عمد للتشديد، من خلال صيغة المبالغة، على البهجة التي تدخلها المرأة الفاضلة إلى قلوب أفراد عائلتها، عندها تكون حكمة هذه الأمثال قد حققت غرضها بكفاءة. وهكذا تعلق الكلمات (والصور) في ذهن قارئ النص، وتقدم له إرشادات نافعة عند الحاجة. هذا هو ما قصد الله عمله بواسطة الأمثال.

رابعاً: حاجة بعض الأمثال إلى “ترجمة” تعكس بيئتنا وثقافتنا

هناك عدد لا بأس به من الأمثال التي تُعبّر عن الحق بناء على ممارسة ومبادئ لم تعد معروفة، مع أنها كانت سائدة عند بني إسرائيل في العهد القديم. وإن لم نقم بالتفكير بهذه الأمثال في ضوء ما يناظرها في عصرنا الحديث (بمعنى أن نقوم بترجمتها بكل حرص لما يناظرها من ممارسات ومبادئ في يومنا هذا)، فقد يبدو معناها غير واضح لنا أو غير مختص بنا (انظر الفصل الرابع). تأمل في هذين المثلين (أم 22: 11؛ 25: 24)

“مَنْ أَحَبَّ طَهَارَةَ الْقَلْبِ، فَلِنِعْمَةِ شَفَتَيْهِ يَكُونُ الْمَلِكُ صَدِيقَهُ” (أم 22: 11)

“اَلسُّكْنَى فِي زَاوِيَةِ السَّطْحِ، خَيْرٌ مِنِ امْرَأَةٍ مُخَاصِمَةٍ فِي بَيْتٍ مُشْتَرِكٍ” (أم 25: 24)

وذلك لأن معظمنا يعيش في مجتمعات لا يحكمها ملوك. وأيضاً لم يعد السكن على سطح البيوت مألوفاً في زمننا كما كان في أزمنة الكتاب المقدس، (انظر يش 2: 6). فهل نقول إذاً إن قراءة هذه الأمثال مضيعة للوقت؟ لا طبعاً وعلى الإطلاق خاصة إن استطاع الدارس رؤية الأمور عبر المجتمعات وباللغة الحضارية الخاصة بكل منها.

إن الرسالة الجوهرية للمثل الأول (22: 11) سهلة الاستيعاب شريطة إدراك أن ما يناظر قول المثل “كون الملك صديقه” في أيامنا هذه يصبح شبيهاً بهذا القول “سيكون له تأثير إيجابي على الناس الذين يشغلون مراكز القيادة”.

وهذا المعنى الذي كان المثل يقصده. فكلمة “ملك” هنا مجاز مرسل يُعبر عن كل القادة. إن لغة هذا المثل الرمزية قد استخدمت خصيصاً للإشارة إلى أن القادرة والمسؤولين عادة يتأثرون بالصدق وبالحرص في الكلام.

أما معنى المثل الثاني المذكور أعلاه (25: 24) فهو صعب على الفهم وخاصة إذا قمنا بعمل الترجمة اللازمة له من ثقافة أو مجتمع ذلك العصر إلى ثقافتنا ومجتمعنا نحن.

إذاً يمكننا إعادة صياغته بالشكل التالي: “السكنى في حجرة ضيقة خير من العيش في بيت واسع مع زوجة ما كان ينبغي الزواج بها أبداً”.

تذكر بأن معظم النصائح في سفر الأمثال قد أعطيت لشبان في مقتبل حياتهم، وكانت بمثابة حكمة بالنسبة لهم. ولا يقصد المثل بالحرف أن يقترح عليك ما ينبغي أن تفعله، كرجل متزوج، إذا كانت امرأتك من النوع المخاصم. لكن ما يقصده هو أن تتوخى الحذر عند انتقاء شريك أو شريكة الحياة.

فالاختيار السليم هو ما يدعونا له هذا المثل عبر الحضارات المتوالية، وعندما يتم فهمه جيداً، نرى نصيحة جيدة وصالحة (انظر مت 19: 3-11؛ 1كو 7: 1-14، 25-40). على الجميع أن يدركوا أن الزواج المتسرع، المبني على الجاذبية المظهرية، قد يؤول إلى زواج غير سعيد.

إليك أدناه، لفائدتك، قائمة موجزة ببعض القواعد التي من شأنها أن تساعدك على الاستخدام السليم لسفر الأمثال وعلى بلوغ النية والغرض اللذين أوحى بهما الله في هذا السفر.

1-كثيراً ما تكون الأمثال رمزية أو مجازية بحيث تشير إلى أبعد من معناها الظاهري.

2-الأمثال مادة عملية إلى درجة كبيرة وليست عبارة عن نظريات لاهوتية.

3-لقد تمت صياغة الأمثال لتكون سهلة الحفظ.

4-لم يقصد منها أن تدعم السلوك الأناني بل العكس تماماً.

5-قد تحتاج الأمثال التي تعكس عادة حضارة قديمة إلى ترجمة تقود على ما يناظرها في ضوء ثقافتنا كي لا تفقد معناها.

6-ليست الأمثال صكوك ضمان، بل هي إرشادات شعرية للسلوك الحسن.

7-قد تستخدم الأمثال لإيصالها رسالتها، لغة خاصة للغاية، أو صيغ مبالغة، أو أي نوع آخر من الأساليب البلاغية.

8-عادة ما تقدم الأمثال النصيحة الجيدة لكيفية التعامل بحكمة مع جوانب معينة بحياتنا، لكنها ليست شمولية في نطاقها.

9-قد تؤدي سوء استخدام الأمثال إلى تأييد نوع من الحياة المادية المتطرفة. أما عند حسن استخدامها، فهي عادة ما تقدم نصائح عملية للحياة اليومية.

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 12 – الحكمة آنذاك والآن

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 4 – الرسائل – التفسير الحياتي

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 4 – الرسائل – التفسير الحياتي

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 4 – الرسائل – التفسير الحياتي

·       أساليبنا التفسيرية الحياتية المتداولة.

·       القاعدة الأساسية.

·       القاعدة الثانية.

·       المسألة الأولى: التطبيق الممتد.

·       المسألة الثانية: الأمور غير المشابهة.

·       المسألة الثالثة: النسبية البيئية أو الحضارية.

·       المسألة الرابعة: اللاهوت المقدم لمهمة محددة.

 

نعود الآن إلى ما كنا قد أشرنا إليه سابقاً حول أسئلة التفسير الحياتي، وإلى ما تعنيه لنا هذه النصوص؟ هذا السؤال هو النقطة الحاسمة لكل أمر، فبالمقارنة مع مهمتنا في تقديم تفسير حياتي جيد، تظل عملية التفسير الاستنتاجي سهلة نسبياً؛ لأن التفسير الاستنتاجي حتى وإن واجهتنا بعض الاختلافات في الرأي فيه حول عدد من النقاط، إلا أن معظم الناس على الأقل متفقون فيه على المعنى العام، حتى الاحتمالات الموضوعية والتي قد تفرضها القرينتان التاريخية والأدبية يمكن أن نجدها ضمن حدود معينة.

فعلى سبيل المثال: لا يمكن لبولس الرسول أن يكون قد قصد أمراً لم يسمع به هو أو قراؤه، وعلى هذا الأساس فالمعنى الذي أراده بولس الرسول لابد له من أن يكون معنى ممكناُ يتناسب مع القرن الأول الميلادي.

 

إن القضية الكبرى بين المؤمنين بالكتاب المقدس ككلمة الله تتمثل في مشكلات النسبية البيئية.

وهنا يلفت انتباهنا ما يلي: لا يوجد إجماع على الأمور التي تحدد معنى التفسير الحياتي والذي يعني تعلّم رؤية المعنى في بيئتنا وظروفنا المعاصرة. فجميع الناس يمارسون التفسير الحياتي حتى وإن كانوا لا يعلمون شيئاً عن التفسير الاستنتاجي. وهنا نقول: إنه لا عجب إذاً إن وجدنا اختلافات كثيرة في التفسير بين المسيحيين.

وما نريد فعله في هذا الفصل قبل كل شيء، هو تقديم وشرح مختلف أساليب التفاسير الحياتية الشائعة بين المسيحيين وإظهار حسناتها ومساوئها، ثم مناقشة وإعطاء إرشادات لعدة مجالات قد تبدو فيها هذه الأساليب الشائعة غير ملائمة؛ لأن القضية الكبرة بين المؤمنين بالكتاب المقدس ككلمة الله تتمثل في مشكلات النسبية البيئية، أو بمعنى آخر: ما هو بيئي من بيئة قُراء الكتاب المقدس الأصليين – يختص بالقرن الأول وحده، وما يسمو فوق البيئة غير محصور ضمن بيئة قُراء الكتاب المقدس الأصليين – هو كلمة تصلح لكل العصور.

ونحن بدورنا سنولي هذه القضية العناية اللازمة.

أساليبنا التفسيرية الحياتية المتداولة

ما الذي نفعله جميعنا عندما نقرأ رسائل العهد الجديد؟ بكل بساطة، ترانا نستخدم فطرتنا السليمة في التعامل مع النص محاولين تطبيق ما نستطيع تطبيقه على حالتنا الشخصية، وما لا يبدو منطبقاً علينا نتركه ببساطة في حدود القرن الأول.

فعلى سبيك المثال ليس فينا مِنْ شعر يوماُ بدعوة الروح القدس إياه للسفر إلى ترواس كي يجلب رداءً لبولس الرسول من بيت كاربس وليحضره إليه في سجن رومية (2تي 4: 13) مع أن هذا المقطع يظهر لنا بوضوح ذلك الأمر. ولكن فهم معظم المسيحيين لمقطع آخر من نفس الرسالة هو أن يخبرهم بضرورة احتمال المشقات في أزمنة الضيق…. كجندي صالح ليسوع المسيح (2 تي 2: 3) وهنا لن يقوم أي منا بالتساؤل والجدال عما تم عمله بشأن هذه المقطعين – بل سيجاهد الكثيرون منا ساعين لطاعة المقطع الثاني طاعة حقيقة.

وهنا جدير بنا القول بأن معظم مشاكلنا – واختلافاتنا – تنجم عن تلك النصوص التي تقع بين اعتقاد البعض منا بوجوب الطاعة الكاملة لما دُون فيها بينما يظل الآخرون غي متأكدين تماماً من هذا الأمر.

أما الصعوبات التي تواجهنا في التفسير الحياتي فهي متعددة، لكنها جميعها ترتبط بأمر واحد وهو عدم ثباتنا على مبدأ واحد. وهذا بعينه سبب الخلل الكبير في أسلوبنا التفسيري الحياتي المتداول. فترانا ودون أن نقصد ذلك بالضرورة، نجلب إلى الرسائل ونضمنها حين قراءتنا لها تراثنا اللاهوتي، ومعاييرنا الثقافية والبيئية أو همومنا الراهنة. أما ما ينجم عن عملنا هذا فهو كل أنواع التفاسير الانتقائية الممكنة أو دوران حول نصوص معينة دون أخرى.

ومن المشوق على سبيل المثال، أن نلاحظ بأن الكثيرين من الإنجيليين الغربيين المحافظين، يوافقون على موقفنا المشترك من تيموثاوس الثانية 2: 2 و4: 13، غير أن البيئة الثقافية لمعظم أولئك المؤمنين أنفسهم تجعلهم يبدون حجتهم ضد طاعة ما جاء في تيموثاوس الأولى 5: 23 “لا تكن فيما بعد شرَّاب ماء، بل استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة”.

وهم يقولون لنا عن هذا الأمر إنه متعلق بتيموثاوس فقط وليس بنا، بحجة أن الماء في ذلك الوقت لم يكن مأموناً للشرب، او قد يجادل البعض في أن الخمر في ذلك الحين كان يعني عصير العنب – مع أن الواحد منا لربما يتعجب كيف كان لهذا أن يحصل وأساليب الحفظ والتبريد الحالية لم تكن معروفة آنذاك!

وهنا نسأل: لماذا تعد هذه الكلمة في تيموثاوس الأولى 5: 23 محصورة بتيموثاوس نفسه، بينما الحث على الاستمرار والثبات في الكلمة في تيموثاوس الثانية 3: 14-16 عام وشامل، مع أن هذه الآية هي وصية موجهة إلى تيموثاوس فقط، لكنها صارت وصية لجميع الناس في كل زمان وكل مكان؟

انتبه قد تكون كدارس محقاً في تجاوز تيموثاوس الأولى 5: 23 بدعوى أن ليس لها تطبيق شخصي في حاضرنا. ولكن على أي أساس تفسيري حياتي يمكنك أن تبني هذا؟

خذ مثلاً آخر: المشاكل التي واجهها الكثيرون من المؤمنين التقليديين في أواخر عقد الستينات وبداية عقد السبعينات. آنذاك كان قد أصبح الشعر الطويل للشباب رمزاً لبداية حقبة جديدة. لكن أن يتخذ المسيحيون هذا الشكل كان بمثابة مخالفة لله نفسه في ضوء ما جاء في كورنثوس الأولى 11: 14 “أم ليست الطبيعة نفسها تُعلِّمكم أن الرجل أن كان يرخي شعره فهو عيب له”.

ومع هذا فإن معظم الذين تمسكوا بهذه الآية ضد شكل الشباب هذا كانوا قد سمحوا للنساء بقص شعورهن قصيراً (على الرغم من عدد 15 من النص ذاته)، ولم يُصروا على ضرورة تغطية النساء لرؤوسهن أثناء العبادة.

هذان المثالان يعرضان ببساطة كيف يمكن للبيئة الثقافية أن تُملي علينا ما هي الفطرة السليمة. إلا أنه يوجد أمور أخرى تملي أيضاً علينا الفطرة السليمة كالتراث اللاهوتي، على سبيل المثال.

فكيف يمكن أن نفسر منع النساء من التكلم في الكنيسة وفي كثير من الكنائس بناءً على ورد في 1كورنثوس 14: 34، 35 وفي الوقت نفسه يجادل كثير من الكنائس نفسها ضد كل شيء آخر ورد في الأصحاح 14 بحجة أنه لا يمت للقرن العشرين بصلة! كيف يمكن أن يكون العددان 34 و35 صالحين لكل زمان وحضارة أو ثقافة بينما الأعداد 1، 5 أو 26، 32 أو 39، 40 والتي تعطي تعليمات تتعلق بالتنبؤ والتكلم بألسنة تختص بكنيسة القرن الأول فقط؟!

والآن هل لاحظت كيف أن مفاهيمنا اللاهوتية المسبقة تجعل الكثيرين منا يرون مفاهيمهم في متى بعض النصوص الكتابية، بينما نقوم بالدوران حول نصوص أخرى والابتعاد عنها.

لاحظ أيضاً مدى السهولة التي يرى بها مسيحيو القرن العشرين تقاليد أنظمتهم الكنسية بين سطور رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس ورسالته إلى تيطس. ومع هذا فإن عدد الكنائس التي تمارس القيادة الجماعية قليل جداً (1تي 5: 17؛ تي 1: 5)، فتيموثاوس لم يكن راعياً للكنيسة هناك بل كان موفداً مؤقتاً من قبل بولس ليضع الأمور في نصابها ويصحح بعض المساوئ فيها. حتى الكنائس التي تقوم فعلياً بالاهتمام بالأرامل في الكنيسة يحسب النص الوارد في تيموثاوس الأولى 5: 3-15 أقل بكثير.

والآن هل لاحظت أن مفاهيمنا اللاهوتية المسبقة تجعل الكثيرين منا يرون مفاهيمهم في متي بعض النصوص الكتابية، بينما نقوم بالدوران حول نصوص أخرى والابتعاد عنها.

يفاجأ بعض المسيحيين تماماً لدى اكتشافهم أن مسيحيين آخرين يدعمون معمودية الأطفال من نصوص مثل كورنثوس الأولى 1: 16؛ 7: 14 أو كولوسي 2: 11-12، أو ان آخرين يجدون لهم برهاناً على مجيء المسيح الثاني على مرحلتين في تسالونيكي الثانية 2: 1، أو أن آخرين ما زالوا يجدون لأنفسهم دليلاً على أن التقديس هو عمل ثان للنعمة، بناء على تيطس 3: 5.

إن الذين يؤمنون بحرية إرادة المؤمن ومسؤوليته يصابون بنوع من الحرج عند قراءة رومية 8: 30؛ 9: 18-24، غلاطية 1: 15، أفسس 1: 4-5، وفي المقابل فالذين يؤمنون بالاختيار وسلطان الله المطلق لهم طرقهم في الدوران حول كورنثوس الأولى 10: 1-13، بطرس الثانية 2: 20-22، عبرانيين 6: 4-6. في الواقع، ومن خلال خبرتنا في التدريس نرى أن الطلاب الذين ينتمون إلى هاتين المدرستين اللاهوتيتين قلما يتساءلون عن معنى تلك النصوص، فهم فقط يريدون معرفة كيف يجيبون على هذه النصوص!

نحن نفقد الكثير من قرائنا بسبب ما قلناه في الفقرات القليلة السابقة، ومع ذلك فغايتنا هي محاولة توضيح عمق المشكلة فقط، وتبيان مدى احتياج الدارس إلى التكلم مع الآخرين حول هذه القضية الخطيرة.

وهنا نسأل: ما هي الإرشادات المطلوبة لتأسيس قواعد تفسير أكثر رسوخاً في تفسير الرسائل؟

 

القاعدة الأساسية

هل تذكر بأننا قد وضعنا مقدمة منطقية في بداية الفصل الأول على هيئة قاعدة أساسية تقول: “بأنه لا يمكن للنص أن يعني لنا أمراً إن لم يكن قد عناه فعلاً لقرائه الأصليين أو لكاتبه”. هذه المقدمة تفسر سبب وأهمية إتمام التفسير الاستنتاجي قبل أي أمر آخر. وتؤكد على ضرورة تكرارنا لها لأننا في ذلك قد نجد على الأقل ترسيخاً لما يحدد المعنى. ربما لن تخدمنا هذه القاعدة دائماً في إيجاد ما يعنيه النص، لكنها على الأقل ستساعدنا في وضع حدود لما نقوم بتفسيره فلا نعطي للنص ما لا يمكن أن يعنيه.

القاعدة الثانية

أما القاعدة الأساسية الثانية فنقول: “بأننا كلما اشتركنا أكثر مع خلفية أو محيط القرن الأول في مواقف حياتية مشابهة لحياتهم صارت كلمة الله لنا اليوم هي نفسها كما كانت لهم آنذاك”. هذه القاعدة عادة ما تجعل معظم النصوص والأوامر الموجهة للقراء الأصليين في الرسائل – تناسب قراء القرن الحالي على نفس مستوى قراء القرن الأول. فلا يزال صحيحاً أن “الجميع أخطأوا”… وأن “المسيح مات لأجلنا”… وأن الله يقول: “فالبسوا كمختاري الله القديسين المحبوبين أحشاء رأفات ولطفاً وتواضعاً ووداعة وطول أناة” (كو 3: 12).

والتحذير هنا هو في ضرورة قيامنا بالتفسير الاستنتاجي بشكل جيد حتى تتكون لدينا تلك الثقة بأن أحوالنا وأمورنا هي مشابهة حقاً لأحوال وأمور القراء الأصليين.

فعلى سبيل المثال، من المهم جداً ولخدمة تفسيرنا ملاحظة أن الدعوى القضائية المذكورة في كورنثوس الأولى 6: 1-11 كانت بين أخين مؤمنين أمام قاض وثني في الساحة العامة في مدينة كورنثوس. وهنا يمكننا أن نجادل قائلين: إن القصد من النص لن يتغير فيما لو كان القاضي شخصاً مؤمناً أو لو كانت المحاكمة قد حدثت داخل دار المحكمة، النقطة التي يشير إليها بولس الرسول كخطأ هو أن يتخاصم أخان من الكنيسة لدرجة أن يلجأ إلى التقاضي خارج الكنيسة وهذا هو القصد من النص كما واضح تماماً في الأعداد 6-11.

من جهة أخرى يحق للدارس أن يتساءل فيما إذا كان الأمر ينطبق على شخص مسيحي له دعوى قضائية على مؤسسة ما في عالمنا الحديث لأنه وفي هذه الحالة لن تكون جميع الأمور مشابهة لمثلنا. إذاً دارس النص في هذا الشأن يجب أن يأخذ بعين الاعتبار مناشدة الرسول بولس بالالتزام بعدم الانتقام (عدد 7) على مثال الرب يسوع.

حتى الآن قد يبدو أن كل ما قيل سهل إلى حد معين. إلا أن مسألة كيفية تطبيق نص مثل كورنثوس الأولى 6: 1-11 تطبيقاً يتجاوز حدود تفاصيله الخاصة تظل إحدى المسائل التي تحتاج إلى مناقشة وبحث. وقد خصصنا ما تبقى من هذا الفصل لمعالجة أربع من هذه المسائل.

المسألة الأولى:

التطبيق الممتد

هل يصح أن نقوم بمد تطبيق النص إلى قرائن أخرى، أو جعل نص ما ينطبق على محيط مختلف كلياً عن محيط وبيئة القرن الأول؟

مثال: قد يقال بأنه حتى وإن كان نص كورنثوس الأولى 3: 16-17 موجهاً إلى الكنيسة في كورنثوس فإنه يمثل المبدأ التالي وهو: أن ما خصصه الله لنفسه بسكنى الروح القدس هو مقدس، وأن مَنْ يُفسد هذا سيقع تحت دينونة الله الشديدة.

والسؤال هنا: ألا يمكن تطبيق هذا المبدأ اليوم على المسيحي كفرد، لإظهار أن الله سيُدين الشخص الذي يسئ إلى جسده؟

وأيضاً كورنثوس الأولى 3: 10-15 موجهة إلى أولئك المسئولين في بنيان الكنيسة، وفيها يحذر بولس الرسول من الخسارة التي سيلاقيها كل مِنْ يبني رديئاً. فبما أن هذا النص نفسه يتكلم عن الدينونة والخلاص كمَنْ سيخلص كما بنار، ألا يحق لنا استخدامه لتوضيح قضية ضماه سلامة المؤمن أبدياً؟

هنا نجيب بما يلي: إن كانت هذه التطبيقات تعد تطبيقات سليمة، فمعنى هذا أننا تلقائياً نقوم بتجاوز التفسير الاستنتاجي تجاوزاً كلياً. وفضلاً عن ذلك، فإنه من الخطأ تطبيق نص كورنثوس الأولى 3: 16-17 على شخص ما كفرد، وعلى هذا الأساس ما الفائدة من التفسير الاستنتاجي إذاً؟ ولماذا لا نبدأ ببساطة من هنا والآن؟! وإن كنا في كلتا الحالتين عرضة للخطأ.

وهكذا عندما تصادفنا أمور مشابهة لهذه الأمثلة السالفة، فإن كلمة الله لنا في مثل تلك النصوص ينبغي أن تنحصر دائماً بالنية والقصد الأصلي الذي كتبت من أجله. إلا أنه يجب التنبير على أن التطبيق الممتد عادة ما يحق إجراؤه إذا كان منصوصاً عنه بوضوح، ففي مقاطع كتابية أخرى يكون التطبيق فيها هو القصد من المقطع.

لكن في كورنثوس الثانية 6: 14 نجد حالة أكثر تعقيداً، وهي الآية التي تقول: “لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين” وقد تم تفسير هذا النص بمنع زواج طرف مسيحي بطرف غير مؤمن. لكن من خلال التفسير الاستنتاجي قلما استُخدِم النير كمجاز أو كاستعارة لمسألة الزواج في القرن الأول الميلادي، ولا يوجد في النص أية إشارة أو قرينة تدل على أن الزواج هو المقصود هنا.

ومشكلتنا في هذا المثال تتلخص في عدم قدرتنا على معرفة الشيء الذي يمنعه النص الأصلي. الذي هو على الأرجح يشير وبطريقة ما إلى الوثنية أو ربما ينبه إلى منع حضور الاحتفالات الوثنية (انظر كورنثوس الأولى 10: 14-22)، إذن لا يمكننا أن نمد مبدأ هذا النص. إننا لسنا متأكدين من معناه الأصلي لكن قد يصح التطبيق الممتد في هذا النص لأن هذا المبدأ في الحقيقة هو مبدأ كتابي يمكن استخلاصه في نصوص أخرى بمعزل عن هذا النص.

المسألة الثانية:

الأمور غير المشابهة

لهذه المسألة علاقة بنوعين من النصوص في الرسائل: (1) النصوص التي تتعلق بأمور القرن الأول والتي لا نجد لها نظيراً في أغلب الأحوال في هذا القرن الحالي. (2) النصوص التي تعالج مشكلات يمكن أن تحدث في القرن الحالي لكن احتمال حدوثها نادر. إذاً ما الذي يمكن عمله بهذه النصوص، وكيف يمكن لها أن تتكلم إلينا؟

هذا مثال على النوع الأول نراه في كورنثوس الأولى 8-10 حيث يتحدث الرسول بولس عن مواضيع ثلاثة:

  • أ‌- مؤمنون يتجادلون بشأن حقهم في الاستمرار بالانضمام إلى جيرانهم الوثنيين في الولائم داخل المعابد الوثنية (انظر 8: 10؛ 10: 14-22).
  • ب‌- طعن مؤمني كورنثوس في سلطة بولس الرسولية (انظر 9: 1-23).
  • ت‌- الذبائح المقدمة للأصنام والتي كانت تباع في الأسواق العامة (10: 23-11: 1)

يشير التفسير الاستنتاجي السليم لهذه المقاطع بأن بولس الرسول قد عالج هذه المسائل كما يلي:

  • منعهم تماماً من المشاركة في ولائم الأوثان بسبب مبدأ حجر العثرة (8: 7-13)، لأن مثل هذه الأطعمة لا تليق مع الحياة في المسيح التي تعاش حول عشاء الرب (10: 16، 17)، ولأن الاشتراك في مثل هذه الأطعمة يعنى الاشتراك فيما هو شيطاني (10: 19-22).
  • يدافع بولس عن حقه في الدعم المالي كرسول، على الرغم من تخليه عن هذا الحق، ويدافع أيضاً عن تصرفاته حول المسائل التي لا تُحدث فرقاً في نظر الله (9: 19-23).

  • أما رأيه في المسألة الثالثة فهو: أنه يمكن شراء وأكل ما ذبح للأوثان إن كان معروضاً للبيع في الأسواق، ويمكن أكله بحرية في منزل شخص آخر. وفي القرينة الأخيرة يشير إلى أن المؤمن يستطيع رفض الأكل منه إن كان هذا يسبب عثرة لشخص آخر. وعلى هذا يمكن للإنسان أكل كل شيء لمجد الله، لكن لا ينبغي عمل أي أمر بقصد الإساءة إلى الآخرين.

لكن مشكلتنا في هذا النص هي أن هذا النوع من العبادة الوثنية غير معروف في كثير من البلدان المعاصرة مما يجعل المشكلتين رقم 1، 3 غير موجودتين. بالإضافة إلى أنه لم يعد لدينا رسل بمرتبة بولس ممن أسسوا الكنائس الجديدة، ومارسوا سلطتهم الرسولية عليها (9: 1-2 انظر أيضاً كورنثوس الثانية 10: 16)، وممن رأوا الرب المُقام فعلياً (9: 1 انظر أيضاً 15: 8).

أما النوع الثاني فيمكننا توضيحه من خلال النصين التاليين: النص الأول يتحدث عن قضية الرجل المتهم بزنا المحارم (1كو 5: 1-11) والنص الثاني يتحدث عن الناس الذين كانوا يسكرون في عشاء مرتبط بعشاء الرب (1كو 11: 17-22). وهنا نقول: إنه يمكن لهذه الأمور أن تحدث في مجتمعاتنا لكنها بعيدة الاحتمال إلى حد كبير. والسؤال هو: كيف يمكن لمشكلات القرن الأول هذه أن تفيد مسيحيي القرن الحالي؟

نحن نقترح أن تأخذ عملية التفسير الحياتي هنا خطوتين:

أولاً: إجراء عملية التفسير الاستنتاجي بانتباه خاص للتمكن من سماع ما قالته كلمة الله للقراء الأصليين حقاً ولما تقوله لنا. وفي معظم الحالات المماثلة، نرى أنه قد تم فعلاً تحديد مبدأ واضح، وهذا المبدأ نادراً ما يتعدى إطاره التاريخي الذي سبق أن طُبق فيه.

ثانياً: نقطة هامة جداً، إذ ينبغي علينا احترام مبدأ الزمن فلا يمكن لنا أن نطبق التفسير الاستنتاجي بشكل عشوائي على أي نوع أو على كل نوع من المواقف. إنما علينا الإصرار على ضرورة تطبيقه فقط في الحالات التي تنطوي على مشابهة أصيلة.

دعنا نوضح هاتين الخطوتين:

أولاً: مَنعَ بولس الرسول المشاركة في ولائم المعابد بناء على مبدأ حجر العثرة، لكن لاحظ أن هذا الأمر لا يشير إلى المنع لمجرد أن يستاء مسيحي آخر مما نفعله. إن مبدأ العثرة يشير إلى أمر يقوم به أحد المؤمنين وهو مرتاح الضمير، لكن بسبب عمله هذا وقناعته هذه، يدفع آخر لفعل نفس الأمر بدون راحة ضمير. وهكذا لا يظل الأمر مجرد إزعاج أو إساءة إلى المؤمن بل يسمى عملاً مدمراً لأنه يستميل إلى محاكاة عمل شخص آخر. ولهذا يجب تطبيق هذا المبدأ فقط عند وجود مشابهة حقيقية بين الحالات.

ثانياُ: مَنعَ بولس الرسول في النهاية منعاً كلياً المشاركة في الولائم المقامة في الهياكل الوثنية، لأن الاشتراك في هذه الولائم معناه المشاركة بما هو شيطاني. وعلى هذا الأساس يُعد هذا المنع معياراً للمشاركة في كل أشكال الروحانية الشيطانية كالسحر والشعوذة والتنجيم… إلخ. أما المبدأ القائل أن: “الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون” (1كو 9: 14) فهو يظل بالتأكيد قابلاً للتطبيق على الخدام الراهنين كونه مذكوراً في آيات كتابية أخرى (انظر 1تي 5: 17-18).

المشكلة بالنسبة لنا هنا هي في مدى قدرة الدارس على التمييز بين المسائل الهامة والأخرى التي لا تُحدث فرقاً. وهي مشكلة عويصة لأن المتعارف عليه عادة في حضارة أو بيئة ما يختلف عن بيئة أخرى ويتغير من مجتمع مسيحي إلى آخر، تماماً كما في القرن الميلادي الأول.

ففي بعض مجتمعات القرن الحالي تشمل قائمة مثل تلك الأمور الثياب من حيث: الألوان، ارتداء النساء للبنطلون، طول ثياب النساء، أدوات التجميل، الحلي، المجوهرات، وسائل الترفيه والتسلية، الأفلام السينمائية، والتليفزيون والرقص ولعب الورق، والطعام والشراب.

فكما كان الأمر مع الذين أدانوا حرية بولس الرسول بشأن مسألة ما ذُبح للأوثان، كذلك الأمر مع الذين يظنون بأن الامتناع عن أي من هذه الأمور المذكورة أعلاه هو عنوان القداسة أمام الله، والسبب هو أن هذه الأمور في نظرهم هي مسائل ذات قيمة لدى الله.

لكن ما الذي يجعل أمراً ما غير ذي قيمة، ذا قيمة؟

نقترح التالي كمجرد إرشادات:

على الناس الذين يختلفون تماماً بشأن هذه المسائل أن لا يحكموا على بعضهم البعض أو يدينوا الآخرين.

يمكن الإبقاء على عدم أهمية المسائل التي قللت الرسائل بالفعل من أهميتها مثل: الطعام، الشراب، حفظ الأيام (كو 2: 16-32).

هذه المسائل ذات الشأن القليل ليست أدبية في صلبها، بل حضارية – حتى إن نشأت عن حضارة دينية، لذا فالمسائل التي تميل إلى التغيير بين حضارة وأخرى حتى بين المؤمنين الحقيقيين يمكن أن تُعد مسائل ثانوية (كالرّقص في بعض البيئات، ومنعه في غيرها، على سبيل المثال).

إن قائمة الخطايا المذكورة في الرسائل (انظر رو 1: 29-30؛ 1كو 5: 22؛ 6: 9-10؛ 2تي 3: 2-4) لا تشمل أبداً أموراً تختلف من بيئة أو ثقافة إلى بيئة أو ثقافة أخرى. علاوة على ذلك فإن ما يُقابل هذه المسائل قوائم متنوعة للوصايا المسيحية (أنظر رو 12؛ اف 5؛ كو3… إلخ) والتي لا تختلف من بيئة إلى أخرى.

ومع إدراكنا التام بعدم موافقة الجميع على تقييمنا للأمور ومع ذلك وبحسب رومية 14، فإن على الناس الذين يختلفون تماماً بشأن هذه المسائل أن لا يحكموا على بعضهم البعض أو يدينوا الآخرين، وعلى الشخص الحر أيضاً ألا يتباهى بحريته، وعلى مَنْ يتبنى قناعة راسخة بهذه الأمور ألا يدين غيره.

المسألة الثالثة:

النسبية البيئية أو الحضارية

هذا هو المجال الذي تقع فيه معظم صعوبات واختلافات أيامنا الحاضرة. هذه المشكلة تظهر بوضوح لأن كلمة الله السرمدية قد أُعطيت لنا ضمن إطار تاريخي مُحدد المعالم.

وتتلخص المشكلة في الخطوات التالية:

الرسائل كتبت في القرن الأول؛ ولذلك فهي مرهونة بلغة وثقافة هذا القرن الذي عالج حالات خاصة بكنيسة القرن الأول.

كثير من الحالات الخاصة في الرسائل مرهون بمحيط القرن الأول بحيث يدرك الجميع مدى قلة أو عدم وجود تطبيق شخصي ككلمة من الله موجهة إلى القراء اليوم، ماعدا ما يمكن استخلاصه منها من مبادئ يمكن أن تطبق في القرن الحالي.

هناك نصوص أخرى مرهونة جداً بظروف وموافق القرن الأول، لكن يمكن ترجمتها وتطبيقها في وقتنا الحالي إذا ما تشابهت الظروف والمواقف.

هناك نصوص أخرى تبدو وكأن لها أموراً مشابهة، وهنا نسأل ألا يمكن أن تكون هي الأخرى مرهونة بمحيط القرن الأول وتحتاج إلى أن تترجم في ضوء الأوضاع الجديدة أم ينبغي تركها ببساطة ضمن خلفية أو بيئة القرن الأول؟

والجوار هو أن المسيحيين يقومون إلى حد معين على الأقل بترجمة نصوص الكتاب المقدس إلى خلفيات جديدة دون أن يصرحوا بذلك.

ولعل هذا هو السبب الذي جعل الإنجيليين في القرن الحالي يبقون على ما ورد في تيموثاوس الأولى 5: 23 “استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة” في إطار القرن الأول، ولا يصرون على تغطية الرأس أو الشعر الطويل عند النساء، ولا يمارسون القبلة المقدسة. غير أن كثيرين من أولئك الإنجيليين أنفسهم يستاؤون لو دافع أحدهم عن قيام المرأة بالتعليم في الكنيسة (بحضور الرجال) بناءً على تلك الأسس.

كثيراً ما حاول بعضهم رفض فكرة النسبية البيئية بمجملها مما أدى بهم إلى تبني بيئة القرن الأول كمعيار إلهي؛ لكن رفضاً كهذا عادة ما يكون محدوداً في نجاحه.

قد نراهم يُبقون بناتهم في البيت وينكرون عليهن التعليم العالي ويقوم الأب بترتيب زواجهن، لكنهم عادة ما يسمحون لهن بتعلُّم القراءة والخروج بين الناس بدون غطاء رأس. والمراد قوله هنا هو أن أمر الثبات على المبدأ هو غاية في الصعوبة؛ إذ لا يوجد هناك ما يسمى بالبيئة التي رسمها الله. فالبيئات في الحقيقة متغيرة والتغيير قائم ليس فقط بين بيئة القرن الأول وبيئة القرن الحالي، لكن حتى بين مختلف البيئات في هذا القرن ذاته لأنها مختلفة عن بعضها البعض بلا حدود.

فبدلاً من رفض هذا المبدأ نقترح الاعتراف بوجود درجة من النسبية البيئية والحضارية. ولإتمام إجراء تفسير حياتي مقبول. فالنسبية البيئية والحضارة نتيجة طبيعية لا مفر منها ناشئة عن وجود أسباب لكتابة الرسائل، ولكي يكون التفسير الحياتي للشخص مقبولاً فلا بد له من أن يكون في إطار خطوط توجيهية محددة.

وهنا نرغب في اقتراح التوجيهات التالية للمساعدة على التمييز بين الأمور التي تتصل بالبيئة من جهة وتلك التي تتجاوز بيئتها أو محيطها الأصلي من جهة أخرى ليكون لدينا معيار يفيد كل المؤمنين في كل العصور.

على الشخص أن يفرق بين مركز رسالة الكتاب المقدس وبين ما يتبعه وما هو ملحق به. لا نقصد بهذا أن ننادي بلائحة قانونية أصغر ضمن اللائحة القانونية العامة لأسفار الكتاب المقدس (بمعنى أن نرفع شأن أجزاء من العهد الجديد لتكون معياراً لأجزاء أخرى) بل ما نعنيه هو حماية الإنجيل من التحول إلى شريعة من خلال عادات حضارية أو دينية من جهة، والسعي لحفظ الإنجيل نفسه من التغيير حتى يتماشى مع كل تعبير بيئي يمكن تصوره من جهة أخرى.

وعلى هذا الأساس يكون سقوط الجنس البشري، والفداء من هذا السقوط كعمل نعمة الله بواسطة موت المسيح وقيامته، واكتمال عمل الفداء هذا بمجيء السيد المسيح مرة أخرى… إلخ، كل هذه الوقائع تكوِّن جزءاُ واضحاً من مركز رسالة الكتاب المقدس، أما القبلة المقدسة وغطاء رأس المرأة وخدمات ومواهب الروح القدس فهي تكوِّن الجزء التابع أو الملحق لهذا المركز.

وبالتالي على الشخص أيضاً ملاحظة الفرق بين ما يعده العهد الجديد نفسه أمراً أخلاقياً بطبيعته وبين ذلك الذي لا يحسبه كذلك، فالأمور ذات الطبيعة الأخلاقية المتأصلة تكون مطلقة وسارية على كل حضارة أو بيئة، أما الأمور التي ليست أخلاقية في طبيعتها فتظل تعبيرات ثقافية خاضعة للتغير من بيئة إلى أخرى.

فقوائم الخطايا التي يسردها بولس الرسول على سبيل المثال، لا تحتوي أبداً على أمور ذات طبيعة بيئية. بالطبع، قد تكون بعض هذه الخطايا سائدة في مجتمع ما أكثر من شيوعها في مجتمع آخر لكن لا يوجد مطلقاً ما يمكن أن نعتبره تصرفات مسيحية. وعليه فالزنى والأوثان والسكر والشذوذ الجنسي والسرقة والطمع… إلخ (1كو 6: 9، 10) كأفعال تبقى دائماً خطية. والمسيحيون لم يضعوا أفضلية لأي من هذه الخطايا لأنها ليست خيارات أخلاقية.

فالرسول بولس يقول بوحي من الروح القدس: “وهكذا كان أناس منكم. لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع المسيح وبروح إلهنا” (1كو 6: 11).

كذلك إن نظرنا إلى الجهة الأخرى فسنرى أن عملية عسل الأرجل أو تبادر القبلة المقدسة أو الأكل مما ذبح للأوثان أو غطاء رأس المرأة عند الصلاة أو التنبؤ أو تفضيل بولس الرسول الشخصي للبتولية على الزواج أو تعليم المرأة في الكنيسة ليس كلها مسائل أخلاقية في الأساس لكنها أمور تتحدد فقط باستخدامها السليم أو سوء استخدامها في قرائن معينة كأن يكون الأمر متعلقاً بعدم الطاعة أو نقص المحبة.

وهنا على الشخص أن يراعي وبعناية بالغة الأمور التي يتحدث عنها العهد الجديد باستمرار وأن يلاحظ الأمور التي يختلف فيها حكم العهد الجديد. ومن المسائل التي يؤكد عليها العهد الجديد بشكل ثابت ومستمر: المحبة كرد الفعل الأخلاقي الأساسي للمسيحي، وعدم الانتقام. أيضاً العهد يبيِّن مدى خطأ الحقد والقتل والسرقة والشذوذ الجنسي والسُكر وكل أنواع المفاسد الجنسية.

وبالتالي قد يختلف حكم العهد الجديد على مواقف وأمور أخرى بسبب اختلاف البيئات مثل: خدمة المرأة في الكنيسة (انظر رو 16: 1، 2) حيث كانت فيبي خادمة في كنيسة كنخريا. وفي رومية 16: 7 حيث يرد اسم يونياس وهو اسم مؤنث وليس مذكراً – ضمن الرسل وفي رومية 16: 3 حيث كانت بريسكلا معاونة لبولس الرسول في الخدمة – وهي نفس الكلمة اليونانية التي أطلقها بولس الرسول في وصف أبلوس في: كورنثوس الأولى 3:9؛ فيلبي 4: 2-3؛ كورنثوس الأولى 11: 5.

ومن جهة أخرى ينادي بولس الرسول بصمت النساء في الكنيسة (1كو 14: 34-35). وفي تيموثاوس الأولى 2: 12 ينادي بأن لا تُعلِّم المرأة في الكنيسة في وجود الرجال.

كذلك الحال مع موضوع التقييم السياسي لروما (انظر رو 13: 1-5؛ 1بط 2: 13-14 وقابلها مع الأصحاحات 13-18 من سفر الرؤيا)، وموضوع احتفاظ الشخص بثروته (لو 12: 33؛ 18: 22 قابل هذه الأعداد مع تيموثاوس الأولى 6: 17-19)، أو أكل الطعام المقدم للأوثان (1كو 10: 22-29 بالمقابل مع أع 15: 29؛ رؤ 2: 14، 20).

لأن هذه المسائل بالذات تبدو بيئية أكثر منها أخلاقية؛ إذاً لا ينبغي على الشخص الانزعاج لعدم وجود حكم موحد فيها. وهنا وخاصة في العهد الجديد لا ينبغي على الشخص ممارسة التفسير الاستنتاجي كوسيلة لإثبات اتحاد المواقف.

من المهم في العهد الجديد أن تكون لدينا القدرة على التمييز بين ما هو مبدأ وما هو تطبيق خاص.

من المهم في العهد الجديد أن تكون لدينا القدرة على التمييز بين ما هو مبدأ وما هو تطبيق خاص. فبإمكان كاتب الرسائل مثلاً دعم تطبيق نسبي بمبدأ مطلق، غير أن عمله هذا لا يجعل من التطبيق أمراً مطلقاً. فمثلاً في كورنثوس الأولى 11: 2-16 يدعم بولس الرسول المبدأ القائل بأن على الإنسان ألا يفعل أي شيء يصرف الانتباه عن مجد الله (هو يشير بشكل خاص لموضوع الخروج عن العرف السائد) عندما تجتمع الكنيسة للعبادة (العددان 7، 10). ثم يضع هنا بولس الرسول تطبيقاً نسبياً (كغطاء الرأس) على المبدأ المطلق الذي هو عدم صرف الانتباه عن مجد الله، وهو يعيد ويكرر احتكامه إلى العرف والطبيعة (الأعداد 6، 13-14، 16).

فإن كان على المرأة في المجتمعات الغربية أن تُطيع النص حرفياً (غطاء الرأي الذي هو بمثابة تطبيق نسبي) فسيكون في معظم الكنائس الأمريكية هذا التطبيق وبتأكيد شبه كامل مسيء إلى روح النص، لأن تغطية الراس هذه ستؤدي إلى لفت الانتباه (عكس المبدأ تماماً) الذي هو مطلق حيث أن غطاء الرأس أمر غير معروف إطلاقاً في المجتمعات الأمريكية. مما قد يؤدي إلى تشكيل عثرة لبعض الناس أثناء العبادة.

على الشخص أن يبقى منتبهاً لماهية الاختلافات البيئية المحتمل وجودها بين القرنين الأول والحالي والتي لا يمكن لها أن تظهر بوضوح مباشرة. فعلى سبيل المثال: لتحديد دور المرأة في كنيسة القرن الحالي، على الشخص أن يأخذ في الحسبان قلة الفرص التعليمية التي كانت متاحة للنساء في القرن الأول بينما يعد تعليم النساء في مجتمعاتنا المعاصرة أمراً طبيعياً تماماً. وقد تؤثر معرفتنا للفروق والاختلافات بين القرنين الأول والحالي على فهمنا لنصوص مثل تيموثاوس الأولى 2: 9-15.

مثال آخر تختلف الديمقراطية الحالية كثيراً عن نوع الحكومة التي تحدَّث عنها بولس الرسول في رومية 13: 1-7. فمن مسلمات الديمقراطية أن يتم فيها تغيير القوانين الرديئة وإقصاء المسؤولين الأردياء. إذاً من الضروري أن تؤثر معرفتنا للديمقراطية اليوم في كيفية فهمنا لرومية 13 في عالمنا اليوم.

المسألة الرابعة:

اللاهوت المقدم لمهمة محددة

تحدثنا في نصنا السابق بأن الرسائل هي رسائل مناسبات أو كتبت كرد على مناسبات، وبالتالي فإن اللاهوت المقدَّم في هذه الرسائل هو لاهوت مقدَّم لمهمة محددة.

وما نريد ذكره هنا هو بعض التحذيرات الواجب مراعاتها أثناء الخوض في هذا اللاهوت:

بما أن الرسائل هي رسائل مناسبات إذاً علينا الاعتراف ببعض القصور الذي ينتابنا أثناء فهمنا اللاهوتي. فعلى سبيل المثل ومن أجل جعل مؤمني كورنثوس يرون مدى سخافة أن يحتكم أخَّان مؤمنان إلى محكمة وثنية يقول بولس الرسول بأن القديسين سيدينون العالم والملائكة في أحد الأيام (1كو 6: 2-3)، لكن النصوص لا تذكر شيئاً أكثر من ذلك.

وهكذا فإننا نؤكد وكجزء من الأمور الإسخاتولوجية المسيحية، (والتي تعني مفهومنا للأمور التي ستحدث عند انقضاء الدهر) بأن القديسين سيشاركون بالمحاكمة التي ستحدث في اليوم الأخير، لكننا وبكل بساطة لا نعلم ما الذي يعنيه هذا أو كيف سيتم تنفيذه فيما عدا التوكيد نفسه، كل شيء آخر يبقى من قبيل الحدس أو التخمين ليس إلا.

قد تنشأ بعض مشاكلنا اللاهوتية مع الرسائل أحياناً لأننا نقوم بطرح أسئلتنا على النصوص التي تقدم لنا أجوبة على أسئلتهم هم فقط باعتبار أن أسئلتهم هي سبب ومناسبة كتابة هذه الرسائل. فمثلاً لو طالبنا هذه النصوص بأن تُجيب مباشرة على قضية الإجهاض، الاستنساخ… إلخ. إذاً فنحن نسعى لجعل هذه الرائل تجيب على أسئلة تخص العصر الحالي. وهي قد تجيب أحياناً على تلك الأسئلة، لكنها غالباً ما لا تجيب وذلك لأن هذه الأسئلة لم تطرح في ذلك الزمان.

هناك مثل واضح على ذلك نجده في العهد الجديد نفسه. ويدور حول مسألة الطلاق. فبولس الرسول في هذا المثال يقول: “لا أنا بل الرب” (1كو 7: 10) قاصداً بذلك أن الرب يسوع نفسه قد أجاب على هذه المسألة مسبقاً، أما بالنسبة للسؤال المطروح في البيئة اليونانية حول ما إذا كان على المسيحي أن يطلق امرأته الوثنية فواضح بأنه لم تتح ليسوع مناسبة للتحدث عن هذا الأمر. لذا فالقضية بكل بساطة كانت خارج نطاق المجتمع اليهودي للمسيح.

أما بولس الرسول فكان عليه أن يجيب على تلك المسألة بنفسه لذلك نراه يقول “أنا لا الرب” (ع12). إن إحدى المشكلات التي تواجهنا هي أننا نحن أنفسنا لا نملك سلطة بولس الرسولية ولا الوحي الذي حظي به.

فالطريقة الوحيدة التي يمكننا بها معالجة مثل هذه القضايا قائمة على أساس لاهوت كتابي كامل، وهذا بدوره – أي اللاهوت الكتابي الكامل – يشمل فهمنا لعملية الخلق، السقوط، الفداء، وانتهاء الدهر. مما يعني بأنه علينا النظر إلى لاهوت الكتاب المقدس نظرة شاملة ككل. ولن نجد أي إثبات نصي طالما أنه ليس هناك أية نصوص مباشرة مختصة بالمسألة.

إذاً مما سبق وقدمناه، كان بعض اقتراحاتنا حول تقديم تفسير حياتي جيد عند قراءة وتفسير “الرسائل”، هادفين مباشرة إلى بلوغ مستوى أفضل من الدقة والترابط قاصدين دعوتنا جميعاً إلى مزيد من الطاعة لما نسمعه من كلمة الله ولما نفهمه.

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 4 – الرسائل – التفسير الحياتي

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 10 – الأنبياء – تطبيق العهد في إسرائيل

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 10 – الأنبياء – تطبيق العهد في إسرائيل

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 10 – الأنبياء – تطبيق العهد في إسرائيل

·         طبيعة النبوة

·         وظيفة النبوة

·         مهمة التفسير الاستنتاجي

·         بعض الاقتراحات التفسيرية

·         المنظور النبوي للأحداث المتعاقبة

إن أسفار الكتاب المقدس التي تندرج تحتَ هذا النوع من أنواع النصوص يزيد عددها عن أسفار أي نصوص أخرى. فهناك أربعة أنبياء كبار (أشعياء، إرميا، حزقيال، دانيال) واثنا عشر نبياً صغيراً (آخر اثنا عشر سفراً بالعهد القديم) وقد كُتِبَتْ جميعاً ما بين 760 – 430 تقريباً ق.م.، وتحتوي على عدد كبير من الرسائل الإلهية. أما الأنبياء الصغار فقد تم تسميتهم كذلك لأن أسفارَهم جاءت قصيرةً نسبياً بالمقارنة مع أسفار الأنبياء الكِبار الطويلة. وهنا نقول بأن هاتين التسميتين لا علاقةَ لهما إطلاقاً بأهمية تلك الأسفار.

طبيعة النبوة

قبل البدء بدراسة مسألة النبوة وطبيعتها، علينا التنبيه أولاً إلى أن الأسفار النبوية تُعَدُّ من أكثر أجزاء الكتاب المقدس صعوبةً من حيث التفسير أو الفهم. وأسباب ذلك تعود إلى إساءة فهم وظيفة تلك الأسفار وصياغتها. وهنا يجدرُ بنا الانتباه إلى بعض الملاحظات الأولية قبل الخوض في بحث هاتين النقطتين.

من أهم مفاتيح فهمِنا للأنبياء هو أن نرى أنَّ نبواتِهم قد تَحَقَّقَتْ فعلاً.

معنى النبوة

إن أول صعوبةٍ تواجهُ معظم القراء اليوم عند قراءتِهم لأسفار النبوة عادةً تنشأ من عدم الدقة في الفهم المُسَبَّق لكلمة “نبوة” إن أن معنى هذه الكلمة عند أغلب الناس هو ما تورده معظم القواميس أولاً عند تعريف هذه الكلمة، وهو (التنبؤ أو التَكَهُّن بأمورٍ قبلَ حدوثِها)، لذلك فالكثيرون يميلون للرجوع إلى الأنبياء فقط من أجل الحصول أو الاطِّلاعِ على النبوات التي أَخْبَرَتْ عن مجيء السيد المسيح أو عن سمات عصرِ العهدِ الجديد فقط – وكأن هَمَّ الأنبياءِ الرئيسي كان التَكَهُّن بأحداثٍ بعيدةٍ في زمنِها عن يومهِم هم.

لكن الحقيقة أن التعامل مع الأسفارِ النبوية بهذه الطريقةِ لَهُوَ نوعٌ من الانتقائيةِ الكبيرة. وحول هذا الأمر، تأَمَّلْ الأرقامَ التالية: إن نبواتِ العهدِ القديمِ عن المَسِيَّا تَقِلُّ عن 2% من مجموعِ النبوات. أما النبوات التي تصِفُ عصرَ العهد الجديد بشكلٍ خاص فتَقِلُّ عن 5% وما يتعلقُ بأحداثٍ مستقبلية فتَقِلُّ عن 1%.

لقد قامَ الأنبياءُ حقاً بإعلانِ المستقبل، لكنهُ كان مستقبلاً مباشراً لإسرائيل، ويهوذا، وللأمم الأخرى المحيطةِ بهما، ولم يكنْ المستقبل الخاص بنا نحنُ. لذلك، فإن واحداً من أهم مفاتيح فهمِنا للأنبياء هو أن نرى أن نبواتِهم قد تَحَقَّقَتْ فعلاً، بمعنىً آخر، علينا العودة والنظر إلى الأزمنةِ السابقةِ، التي مع كونِها ماضياً بالنسبةِ لنا فهي كانتْ مستقبلاً بالنسبةِ لهم.

الأنبياء كَمُتَحَدِّثينَ باسم الله

إن النظرَ إلى الأنبياءِ كَمُجَرَّد متنبئينَ عن المستقبل يجعلُنا نُغْفلُ عملَهم الأساسي، الذي يتمثلُ في التكلُّمِ إلى مُعاصرِيهم باسم الله. كما أنَّ ما يُسَبِّبُ الكثيرَ من الصعوباتِ لنا في فهم النبوات هو طبيعتها الكلامية أو الشفهية؛ إذ نحنُ نلاحظُ فقط تركيز هذه الأسفار على الرسائل الإلهية المكتوبة لنا من خلال الأنبياء في الوقت الذي لا يتمُّ فيه التركيز على سيرتِهم الذاتية.

في أسفارِ الأنبياء، نحنُ نسمعُ عن الله بواسطةِ الأنبياء، بينما لا نسمعُ إلا القليل عن سِيَرِ الأنبياءِ أنفسِهم.

مثلاً، إن من بين مئاتِ الأنبياء في إسرائيل، هناكَ ستَّةَ عشر نبياً فقط اختارهم الله ليتكلموا برسائل إلهية للناس تَمَّ فيما بعد جَمْعُها وكتابتٌها في أسفار. بالإضافةِ إلى أنبياء آخرين، مثل إيليا وأليشع، نعلم أنهم قد قاموا بدورٍ فَعَّالٍ في نقل كلمة الله إلى شعبِهِ وإلى أُمَمٍ أخرى غير بني إسرائيل. إلا أن ما نعرفٌه عن هؤلاء الأنبياء هو أكثر مِمَّا نعرفُهُ عن نَصِّ كلامِهِم. فما فعلوهُ وُصِفَ لنا بتفصيلٍ أكبرَ جداً مما قد قالوه، وما قالوه تَمَّ ورودُه بتحديدٍ وبوضوحٍ في قرينةِ عصرِهِم على يَدِّ كُتَّابِ قصص العهد القديم التي ظهرَ فيها هؤلاء الأنبياء.

لكن، وبالنسبةِ لأنبياءَ قليلين فقط مثل “جاد” (1 صم 22، 2 صم 24) و”ناثان” (2 صم 7، 12؛ 1 مل 1)، أو “خلدة” (2 مل 22: 14)، نجدُ جمعاً ما بين النبوة والسيرة الذاتية ونرى نظيراً لهذا الأمر في حالة يونان النبي وبدرجةٍ أقل في حالة دانيال النبي. لكن، وبصورةٍ عامةٍ، فنحنُ نسمع في قصص العهد القديم عن الأنبياء ونسمع عن الله بواسطتِهم، لكن ما نسمعُه منهم أقل مما نسمعه عنهم وعن سيرتهم.

أما في أسفارِ الأنبياء، فنحنُ نسمعُ عن الله بواسطةِ الأنبياء بينما لا نسمعُ إلى القليل عن سِيَرِ الأنبياء أنفسهم. ولَعَلَّ هذا الفرق الوحيد يُفَسِّرُ معظم المشكلات التي يواجهها الناسُ عادةً عند محاولتِهم فهمَ ما تقوله الأسفارُ النبوية في العهد القديم.

علاوةً على ذلك، فهل لاحظتَ قبلاً مدى صعوبةِ قراءةَ أحد الأسفارِ النبوية الطويلة في جلسةٍ واحدةٍ؟ ما السبب في رأيك؟  أولاً، نحنُ نعتقدُ أن هذه الأسفار على الأرجح لم يُقْصَدْ بها أن تُقْرَأَ بتلك الطريقة. فهي في معظمِها تجميع لرسائل إلهية شفهية، وهي كثيراً ما تخلو مما يحدد لها بداياتٍ أو نهايات. كما أننا كثيراً ما نقرأُها بدون معرفةِ خلفيتها التاريخية، إضافةً إلى أن معظم الرسائل الإلهية الشفهية قد قِيلَتْ شِعراً، ونحنُ سنسهبُ في الحديث عن هذا الأمرِ لاحقاً.

مشكلة التاريخ:

إن مسألةَ البعدِ التاريخي تُعَدُّ مشكلةً أخرى تزيدُ في تعقيدِ فهمِنا للأسفارِ النبوية. فنحنُ – كقُرَّاء معاصرين – نجدُ صعوبةً في فهم كلمة الله في وقتنا الحاضر، كما تَكَلَّمَ بها الأنبياء، أكثرَ بكثيرٍ مما وجدَهُ بنو إسرائيل الذين سمعوا النبواتِ مباشرةً. فالأمورُ الواضحةُ عندَهم، مبهمةٌ عندَنا.

لماذا؟ من ناحيةٍ، لأن للسامعينَ المباشرينَ لكلام النبي امتيازاً واضحاً على أولئكَ الذين يقرأونَ كلامَهُ منقولاً إليهم (انظرْ ما قُلناهُ عن الأمثالِ في الفصل الثامن). ومن ناحيةٍ أخرى فإن الصعوباتِ الحقيقية التي نواجهها ليستْ بسبب أننا لم نكن السامعين المباشرين لها فقط، ولكن لكونِنا بعيدين أيضاً عن الحياةِ الثقافيةِ والتاريخيةِ والدينيةِ لشعب إسرائيل القديم، الأمرُ الذي يسبب لنا صعوبةً كبيرةً جداً في وضع الكلماتِ التي نطقَ بها الأنبياءُ ضمن قرينتِها التاريخية؛ إذ كثيراً ما يصعُبُ علينا إدراكَ ما كانوا يشيرونَ إليه ولماذا.

وظيفة النبوة

لمحاولةِ فهم كلام الله لنا من خلال هذه الاسفار ذات الوحي الإلهي، يجدُرُ بنا أولاً أن نفهمَ وبوضوح دورَ ووظيفةَ النبي في إسرائيل قديماً. والتركيز الشديد على أمورٍ ثلاثة:

كان الأنبياءُ كوسطاء تطبيق العهد: لقد قَدَمْنا شرحاً في الفصل السابق عن أن ناموس بني إسرائيل كان قد شُكِّلَ كعهدٍ بين الله وشعبِهِ. وهو كعهدٍ، لم يحتوِ على مجرد قواعد ينبغي الالتزامُ بها، بل نَصَّ أيضاً على أنواع عقوباتٍ كان الله يُنزلها حتماً على شعبِهِ إن لم يحفظوا الناموس، إضافةً إلى الفوائد التي كانوا يجنونها إن هم حفظوه.

وكثيراً ما سُمِّيَتْ هذه العقوبات “بلعنات” العهد والفوائد “ببركاتِه”. لكن هذه التسمية ليستْ بذات أهمية، فالذي يهم هو أن الله لم يقُمْ فقط بمجرد إعطاء الناموس، لكنه كان ينفذه. لقد كان موسى النبي وسيط شريعة الله عندما أعلن الله أولاً عن هذه الشريعة. وبالتالي فهو نموذج للأنبياء باعتبارهم وسطاء الله أو المتحدثين باسمِه فيما يتعلق بالعهد. فبواسطتِهم يُذَكِّرُ الله الأجيال من بعد موسى بأنه إذا ما تَمَّ حفظُ الشريعة، فالبركة قادمةٌ وإلا فالعقابُ سَيَحِلُّ.

وأنواعُ البركات التي سَتَحِلُّ على بني إسرائيل لحفظِهم العهد نجدُها في سفر اللاويين 26: 1 – 13، التثنية 4: 32 – 40، 28: 1 – 14، مع وجود تحذير يرافقُ تلك البركات أنَّه إن لم يُطِعْ بنو إسرائيل شريعة الله فستنتهي تلكَ البركات. أما أنواع اللعنات التي عادةً ما ستنزل ببني إسرائيل إذا قاموا بانتهاك الشريعة فنجدها في لاويين 26: 14 – 39 وتثنية 4: 15 – 28، تثنية 28: 15 – 32 : 42).

لذا عليكَ أن تتذكرَ دائماً بأن الأنبياء لم يخترعوا البركات أو اللعنات التي أعلنوها. نعم، ربما قاموا بصياغة تلك البركات واللعنات بأساليب روائية، كما أوحى لهم الروح القدس. لكنهم وبكامل الصدق قاموا بنقل ما جاءهم من كلمة الله ولم يقدموا كلامهم هم..

فقد قام الله من خلالهم بإعلان قصدِه في تطبيق عهده للبركة أو للعنَّة بناءً على أمانة بني إسرائيل ودائماً وِفقَ أُسُس شروط البركات واللعنات الواردة في لاويين 26 وتثنية 4 وتثنية 28 – 32. إن قراءتَك لتلك الأصحاحات من أسفار الشريعة ستقودُكَ لفهمٍ أكبر للسبب الذي دعا الأنبياء لأن يقولوا ما قالوه.

باختصار، هذا ما ستكتشفه: إذ يحتوي الناموس على أنواعٍ معينة من البركات الجماعية الناتجة عن الالتزام بالعهد: وهي الحياة، والصحة والازدهار والوفرة الزراعية، والكرامة، والأمان. وتندرج معظم البركات المذكورة تحت إحدى تلك الفئات السِتِّ العامة. أما وفيما يتعلق باللعنات، فالناموس يصف عقوبات جماعية تنحصر في الأمور التالية: الموت والوبأ والقحط والمجاعة والخطر والدمار والهزيمة والسبي والعَوَز والخِزْي. ومعظم اللعنات عادةً ما تندرج في إطار تلك القائمة.

تنطبق هذه الأنواع على ما يُعلنُه الله من خلال الأنبياء. فعلى سبيل المثال عندما يعلن الله عن وعده بالبركة للشعب (وليس لأحد الأفراد) بواسطة عاموس النبي، فهو يفعل ذلك من خلال تشبيهات تتعلق بالوفرة الزراعية والحياة والصحة والازدهار والإكرام والأمان (عا 9: 11 – 15). وعندما يعلِنُ عن جزائه بالهلاك للأمة العاصية في أيام هوشع النبي، فهو يفعل ذلك مستنداً إلى اللعنات العشر التي ذُكِرَتْ سابقاً (انظر هو 8: 14؛ 9: 3). إذ كثيراً ما تكون هذه اللعنات مَجَازيةً مع أنها يمكن أن تكون حرفيةً أيضاً.

لكنها دائماً جماعية أو مشتركة، أي تقع على الأمة ككل. فالبركات واللعنات لا تتضمن أي ازدهار أو مجاعة لأي فردٍ بالذات. وتاريخياً، فإن غالبية ما أعلَنَهُ الأنبياء في القرن الثامن والسابع ومطلع القرن السادس قبل الميلاد كان لعنةً، وذلك لأن الهزيمةَ الكُبرى والدمارَ اللذينِ لحقا بالمملكة الشمالية لم يحدُثا إلا عام 722 ق.م. وأما ما لحقَ بالمملكة الجنوبية (يهوذا) فقد حصلَ عام 587 ق.م. وهكذا كان العقابُ قريباً من بني إسرائيل شمالاً وجنوباً خلال تلك الحِقبة.

لذلك فقد كان من الطبيعي أن تسبقَ تلك الأحداث كلماتُ اللعنةِ لا البركة، لأن الله كان يريد لهم أن يتوبوا. أما في فترة ما بعد الدمار الذي لحق بالمملكتين الشمالية والجنوبية، أي بعد عام 587 ق.م.، فكثيراً ما أوحى الله إلى الأنبياء بالتنبؤ بالبركات بدل اللعنات. والسبب في ذلك هو أن الله بعد ما أتَمَّ عقابَه لتلك الأمة، عاد فواصل خُطَّتَه الأساسية وهي إظهار الرجمة (انظر تث 4: 25 – 31) لعمل وصف إجمالي لهذا التسلسل.

قم أثناء قراءتِك للأسفار النبوية بتأملِها مستخدماً هذا النمط البسيط:

  • التعريف بخطية بني إسرائيل أو بمحبة الله لهم.
  • التنبؤ باللعنة أو البركةِ اعتماداً على حالة الشعب.

هذا النمط هو ما قام الأنبياءُ بنقلِهِ عادةً وفي أغلب الأوقات بحسب ما أُوحِيَ لهم من قِبَل الله.

رسالة الأنبياء هذه لم تنبُعْ منهم، بل من الله وحده: فهو الذي أقامهم (انظر خر 3: 1؛ إش 6؛ إر: 1؛ حز 1 – 3؛ هو 1: 2؛ عا 7: 14 – 15؛ يون 1: 1 … إلخ.). وإذاً ما تَجَرَّأَ نبيٌ بانتحالِ هذه الوظيفةِ لنفسِهِ، فهذا سببٌ كافٍ لجعلِهِ نبياً كَذَّاباً (انظر إر 14: 14؛ 23: 21). فالأنبياء كانوا يستجيبون لدعوة الله. والكلمة العبرية “نبي”، كما في العربية، مشتقةٌ من فعلٍ في اللغةِ السامية معناهُ “دعا”، وستلاحظُ أثناء قراءتِكَ لأسفارِ الأنبياءِ أنهم يَسْتَهِلُّونَ رسائلَهم أو يختمونَها أو يذكرونَ في سياقِها التذكيرَ التالي: “هكذا يقولُ الرَّبُ” أو “يقولُ الرَّبُ”.

وفي غالبية الوقتِ كانت الرسائلُ النبويةُ تُنْقَلُ مباشرةً كما تَسَلَّمَها الأنبياءُ من الرَّبِ وبضميرِ المُتَكَلِّم كأن اللهُ يتحدث عن نفسِهِ باستخدام “أنا” أو “ياء المتكلم”.

في غالبيةِ الوقتِ، كانت الرسائلُ النبوية تُنْقَلُ مباشرةً كما تَسَلَّمَها الأنبياءُ من الرَّبِ بضميرِ المتكلم، كأن الله يتحدثُ عن نفسِهِ باستخدامِ “أنا” أو “ياء المتكلم”.

ولأخذ مثالٍ أوضح، اقرأ الأصحاحين 27 و28 من إرميا. تأمل في صعوبةِ مهمة إرميا المتعلقةِ بإيصال الرسالةِ إلى شعب يهوذا، تلك الرسالة التي تقتضي الخضوع لجيوش العدو البابلي، وذلك فيما إذا أراد الشعب إرضاء الرَّب. لقد اعْتَبَرَ معظم سامعي إرميا رسالتَهُ هذه بمثابةِ خيانةً لشعبِهِ. مع أن إرميا، وعند نقلِهِ الرسالةَ، أعلنَ لسامعيه وبكلِ وضوحٍ بأنهم لم يكونوا يستمعونَ إلى وجهةِ نظرِهِ هو في الأمر، بل إلى رسالةِ الله. بدأ إرميا بتذكيرهِم قائلاً: “هكذا قال الرَّبُ لي” (27: 2)، ثم اقتبسَ أمرَ الله له قائلاً: “أرسلْها” (27: 3) “وأوصِهُم …” (27: 4)، وعادَ فأكملَ قائلاً: “هكذا يقولُ الرَّبُ”، فكلمةُ إرميا إذاً كانت كلمةَ الله وقتد تم تسليمُها لهم بسلطان الله (28: 15، 16) وليس بسلطانِ إرميا.

وهنا جديرٌ بالذكرِ أن نقولَ بأن الأنبياءَ، وباعتبارِهِم وُسَطاءَ لنقلِ كلمةَ الله لبني إسرائيل ولأممٍ أخرى قد تَقَلَّدوا نوعاً من المنصبِ الاجتماعي، إذ كانوا بمثابةِ السفراءَ للبلاطِ السماوي، ناقلين المشيئةً الإلهية ذات السيادةِ العُليا إلى الشعب. ولم يكنْ الأنبياءُ بحدِّ ذاتِهم لا مُصْلِحينَ اجتماعيين، ولا مفكرين دينيين. فالإصلاحُ الاجتماعي والفكر الديني اللذانِ أرادَ الله أن ينقلَهُما إلى الشعب، كان قد تَمَّ إعلانُهما في ناموسِ العهد. وبصرفِ النظرِ عن الجماعةِ التي خالَفَتْ تلكَ الشرائعَ، كانت كلمةُ الله تحملُ العقابَ لها من خلالِ النبي.

فإذا كانَ المذنبُ بانتهاكِ العهدِ من الملوك (2 صم 12: 1 – 14؛ 24: 11 – 17؛ هو 1: 4) أو من رجالِ الدين (هو 4: 4 – 11؛ عا 7: 17؛ ملا 2: 1 – 9) أو من أيِّ طائفةٍ أخرى، كان النبي ينقلُ رسالةَ الله باللعنةِ على الأمةِ أو على الشعبِ نقلاً أميناً. وفي الواقعِ لقد قامَ الأنبياءُ بموجبِ كلمة الله بتنصيبِ الملوكِ وخلعِهِم (1 مل 19: 16؛ 21: 17 – 22) وبإعلانِ الحربِ (2 مل 3: 18 – 19؛ 2 أخ 20: 14 – 17؛ هو 5: 5 – 8) أو بمقاومتِها (إر 27: 8 – 22).

رسالةُ الأنبياءِ ليستْ جديدةً: فلقد أوحى الله إلى الأنبياءِ بتقديمِ المضمون الجوهري للتحذيراتِ والوعود (البركات واللعنات) التي يتضمنها العهد. لذلك فإننا عندما نقرأُ كلماتِ الأنبياءِ، فما نقرأُهُ ليسَ عبارةً عن أمرٍ جديد في جوهرِهِ، لكنهُ الرسالةَ نفسَها التي نقلَها الله في الأصلِ ومن البدءِ بواسطةِ موسى. إلا أن الهيئةَ أو الصيغةَ التي تُنْقَلُ بها الرسالةُ قد تتغيرُ فعلياً. لقد أقامَ اللهُ الأنبياءَ لجذبِ انتباهَ الشعبِ الذي أُرْسِلوا إليه.

وجذبُ هذا الانتباهِ قد يتطلبُ إعادةَ صياغةٍ، أو تركيبُ شيءٍ قد سبقَ للشعبِ وسمعوهُ مراتٍ كثيرةً حتى يتَّسِمَ هذا الشيءُ بنوعٍ من الجِدِّية. لكن هذا لا يُعني على الإطلاقِ أن اللهَ يبادرُ برسالةٍ جديدةٍ أو بإعلانِ تعاليمَ لم يسبقْ أن تضَمَّنَتْها أو أَعْلَنَتْها أسفارُ الشريعةِ الخمسة. ولأخذِ مثالٍ على هذا الحفظِ للرسالةِ الإلهيةِ الأصليةِ، تأمَّلْ في النصف الأول من هوشع 4: 2، لقد تَفَشَّى في الأرض “لعنٌ وكذبٌ وقتلٌ وسرقةٌ وفِسْقٌ”.

في هذا العددِ، الذي هو جزءٌ من وصفٍ مسهبٍ لخطيةِ بني إسرائيل أيامَ هوشع (750 – 722 ق.م.) نجدُ تلخيصاً لخمسٍ من الوصايا العشر، كلُّ واحدةٍ نجدُها في كلمةٍ من هذه الكلماتِ الأولى: “اللعنةُ”، وهي الوصيةُ الثالثةُ من الوصايا العشر “لا تنطقْ باسمِ الربِّ إلهِكَ باطلاً” (خر 20: 7؛ تث 5: 11). والثانية “الكذِب”، وهي الوصيةُ التاسعة “لا تشهد على قريبِكَ شهادةَ زورٍ” (خر 20: 16؛ تث 5: 20). الثالثة هي “القتل”، وهي الوصيةُ السادسة “لا تقتل” (خر 20: 13؛ تث 5: 17).

الرابعة “السرقة”، وهي الوصيةُ الثامنةُ “لا تسرقْ” (خر 20: 15؛ تث 5: 18). أما الخامسةُ والأخيرةُ فهي “الزنا”، وهي الوصيةُ السابعةُ من الوصايا العشر “لا تزنِ” (خر 20: 14؛ تث: 5: 18).

وما تجدرُ ملاحظتُه هنا أيضاً هو ما يفعلُهُ النبيُّ المُلْهَمُ وما لا يفعلُه. بمعنى أن هوشع لم يقتبسْ الوصايا العشر حرفياً. فهو يذكرُ خمساً منها فقط، وكلُّ واحدةٍ بكلمةٍ، بما يشبهُ إلى حَدٍّ كبيرٍ ما فعلَهُ السيدُ المسيح في لو 18: 20. لكنَّ مجردُ ذِكْر خمسٍ منها، حتى وإن لم تكُنْ حسَبَ ترتيبِ ورودِها في الأصلِ، يُعَدُّ طريقةً فعالةً جداً في إبلاغِ بني إسرائيل بأنَّهُم قد خالفوا الوصايا العشر. لأنَّهُ، وعند سماعِهِم للوصايا الخمس، سيتساءلون: وماذا عن بَقِيَّةِ الوصايا؟ ماذا عن ترتيبِها؟ فالوصايا كما جاءت في الأصل هي ….

وهكذا سيبدأُ السامعون بالتفكيرِ في الوصايا العشر مُذَكِّرينَ أنفسَهُم بما قد دعاهم ناموسُ العهدِ إليه بشأن البِرِّ الأساسي. وهنا نرى أن هوشع لم يقُمْ بتغيير شيءٍ من الناموس، بل كما فعلَ السيدُ المسيح، كَرَّرَ فقط خمساً من الوصايا من أجل إحداثِ التأثيرَ ذاتَهُ. ولكنه قامَ بطبعِ الناموسِ في أذهانِ سامعيه بطريقةٍ أحدَثَتْ أثراً ربما لم يَكُنْ ليحدُثَ فيما لو أنه أعادَ عليهم ذِكْرَ الوصايا كلمةً كلمةْ.

هناكَ أيضاً سؤالٌ ثانٍ يتعلقُ بالنبواتِ الخاصةِ بالمَسِيَّا: هل هذه النبواتُ جديدةٌ؟ لا، على الإطلاق. بالتأكيدِ، إن تفاصيلَ حياةِ ودور المَسِيَّا التي نجدها في قصائد العبد في إشعياء 42، 49، 50، 53 قدْ تُعَدُّ جديدةً. لكنْ لم تكُنْ هذه هي المَرَّةُ الأولى التي كشفَ اللهُ بها للناسِ عن فكرةِ المَسِيَّا من خلالِ الأنبياء. بل في الحقيقةِ كان هذا الكشفُ قد بدأَ أصلاً بالناموس.

وإلا فكيفَ كان يمكنُ ليسوعَ المسيحِ أن يَصِفَ حياتَهُ كإتمامٍ لما هو مكتوبٌ في ناموسِ موسى والأنبياءِ والمزامير (لو 24: 44)؟ إن من بين مقاطع ناموس موسى الأخرى التي تتكلمُ عن خدمةِ المَسِيَّا هناك مقطعٌ بارزٌ وشهيرٌ في تثنية 18: 18 “أقيمُ لهم نبياً من وسطِ إخوتِهمْ مثلك، وأجعلُ كلامي في فَمِهِ فيُكَلِّمُهم بكل ما أوصيهِ بهِ”.

وكما أن يوحنا 1: 54 أيضاً يُذَكِّرُنا أن الناموسَ قد سبقً وتكلَّمَ عن المسيح، فلمْ يكُنْ جديداً أن يتكلمَ الأنبياءُ عنهُ. ولم يكُنْ يلزمُ للشكلِ أو الأسلوبِ أو الخصوصيةِ التي صاغَ بها أولئكَ الأنبياءُ ما أَوْحَى اللهُ لهم من نبواتٍ – لم يكن يلزم أن يكونَ محصوراً بما قد احْتَوَتْهُ أسفارُ الشريعةِ الخمسة. لأن الحقيقةَ الجوهريةَ هي في أن سيكونُ هناكَ عهدٌ جديدٌ سيأتي به نَبِيٌّ جديدٌ (على حَدِّ تعبيرِ سفر التثنية). هذه الحقيقةُ كانتْ في الواقع أمراً ليس بالجديد.

مهمة التفسير الاستنتاجي

الحاجةُ إلى المساعدةِ الخارجية

سبقَ أن ذَكَرْنا في الفصلِ الأول بأن هناكَ اعتقاداً شائعاً مُفادُهُ أن كلَّ ما في الكتابِ المقدس لابدَ وأن يكونَ واضحاً لكلِّ من يقرأه، بدونَ دراسةٍ أو مساعدةٍ خارجيةٍ من أي نوع. وأساس هذا الاعتقاد هو: إن كان اللهُ قد كتبَ الكتابَ المقدسَ من أجلِنا، فالمُفْتَرَضُ بنا هو أن نفهَمَهُ بالتمامِ من أولِ قراءةٍ له، طالما أن الروحُ القُدُس فينا.

لكن مثل هذه الفكرةِ ليستْ صحيحةً. فبعْضُ الأجزاءِ من الكتابِ المقدس واضحةٌ ومباشرةٌ، وأجزاءٌ أخرى غيرُها ليستْ كذلك. وبموجبِ الحقيقةِ القائلةِ بأن أفكارَ اللهِ ليستْ كأفكارِنا نحنُ البشر (مز 92: 5؛ إش 55: 8)، فليسَ مستغرباً إن احتاجَتْ بعضُ مقاطعِ الكتابِ المقدسِ وقتاً ودراسةً متأنيةً لكي نفهمَها.

وهذا الوقتُ وهذا الجهدُ الدراسي هما ما تحتاجُهُ الأسفارُ النبويةُ. إذ كثيراً ما يقرأُ الناسُ هذه الأسفارَ قراءةً عابرةً وكأن القراءةَ السطحيةَ لكتاباتِ الأنبياءِ ستمنحَهُم مستوىً رفيعاً من الفهم. وطبعاً هذا الأسلوبُ لا ينفعُ مع الأسفارِ النبويةِ.

نحنُ نحتاجُ لأن نُكَرِّرَ هنا، وبصفةٍ خاصةٍ فيما يتعلقُ بتفسيرِ الأنبياءِ، أنواعَ المساعداتِ المتوفرةِ لك. مثل القواميسِ أو موسوعاتِ الكتابِ المقدس التي تُوْرُدُ مقالاتٍ على الخلفيةِ التاريخيةِ لكلِّ سِفرٍ وعن مواضيعِهِ الرئيسيةِ، أيضاً المعالمَ الخاصةَ التي يشتملُ عليها والنقاط التفسيرية التي يجب على القارئُ مراعاتُها. وهنا نوصيكَ بأن تَتَعَوَّدَ على القيامِ بهذا النوعِ من القراءةِ قبلَ أن تبدأَ دراستَكَ لأي سفرٍ نبوي. إذْ تحتاجُ لأن تعرفَ عن خلفيةِ الموضوعِ قبلَ أن تتمكنَ من فهمِ القصد من الكثيرِ مما قالَهُ النبي.

لقد جاءتْ كلمةُ الله من خلال الأنبياءِ إلى الناسِ في ظروفٍ معينةٍ، ولَعَلَّ مقدارُ قيمةِ هذه النبواتِ بالنسبةِ لنا يعتمدُ جزئياً على مدى مقدرتِنا على استيعابِ تلك الظروفِ بحيثُ نستطيعُ بدورِنا نحنُ أن نُطَبِّقَ النبواتِ على ظروفِنا.

المصدرُ الثاني للمساعدةِ هو كُتُبُ التفسير، التي تتميزُ بإعطاءِ مقدماتٍ وافية لكلِّ سفرٍ، وهي مُكَوَّنةٌ بعضُ الشيء على نمطِ قواميسِ الكتاب المقدس، وإن كانت مراتٍ كثيرةٍ أقلَّ فائدةٍ من حيثُ تنظيم المعلومات. لكن الأهم من هذا أنها تقدمُ تفسيراً لمعنى كل آيةٍ على حِدّة. وقد تزيدُ أهمية هذه التفسيراتِ إن كنتَ تدرسُ، وبعنايةٍ، مقطعاً صغيراً من أحد الأسفارِ النبويةِ، جزءاً يَقِلُّ عن أصحاح، وذلك في جلسةٍ منفصلة.

أما المصدرُ الثالثُ للمساعدةِ فهو مقدماتُ الأسفارِ، وهي عادةً تعطي للقارئ نظرةً عامةً على الكتابِ المقدس. وما يميز هذه الكتب هو أنها تجمعُ بين ما تقدمه القواميسُ وكتبُ التفسير. لكن، بدونَ الدخولِ في تفاصيلٍ كثيرةٍ، سواءً في الخلفياتِ المختلفةِ لِلْنَصِّ أو في شرحِ النصِّ آيةً آيةْ. فمقدماتُ الأسفارِ هدفُها تقديم مساعدةٍ إرشاديةٍ في وقتٍ قصير.

القرينةُ التاريخية

هل تذكرُ دراستَنا للقرينةِ التاريخيةِ ليسوعَ المسيحِ في الفصلِ السابع، والتي تناولَتْ كلاً من القرينةِ التاريخيةِ العامةِ التي أتى فيها السيدُ المسيحُ، والقرينةِ التاريخيةِ الخاصةِ لأيٍ من أقوالِهِ أو أفعالِهِ؟ هكذا الأمرُ أيضاً مع دراسةِ الأسفارِ النبوية. فالقرينةُ التاريخيةُ العامةُ تتناولُ المجالَ الأوسعَ والأشملَ (حقبتها الزمنية)، بينما القرينةُ الخاصةُ تتناولُ ما يتعلقُ بكل رسالةٍ إلهيةٍ فردية.

            ولكي تتمكنَ من عملِ التفسيرِ الاستنتاجي جيداً، عليكَ فهمُ نوعي القرينةِ التاريخية لكل الأسفارِ النبوية

  1. القرينةُ العامة: تجدرُ الملاحظةُ هنا إلى أن أسفارَ العهدِ القديم النبوية السبعةُ عشر جاءتْ ضِمنَ نطاقٍ ضيقٍ من المشهدِ الشاملِ لتاريخِ بن إسرائيل (حوالي 760 – 430 ق.م.). وهنا نسألُ: ما السببُ في عدم وجودِ أسفارٍ نبويةٍ في ايامِ إبراهيم؟ ألَمْ يتكلمُ اللهُ إلى شعبِهِ وعالمِهم قبل 760 ق.م.؟ الجوابُ هو: نعم، بالطبعِ تكلَّمَ اللهُ ولدينا في الكتابِ المقدس أمورٌ كثيرةُ عن تلكَ العصورِ، إضافةً إلى الأمورِ التي تتعلقُ بالأنبياء (1 مل 17؛ 2 مل 13).
  2. علاوةً على ذلك، تَذَكَّرْ أن اللهَ قد تَحَدَّثَ إلى إسرائيلَ خصيصاً بواسطة الناموس، ذلك الناموسُ الذي كان من شأنِهِ أن يسودَ على كل ما بَقِيَ من تاريخِ الأمةِ إلى الوقتِ الذي حَلَّ فيه العهدُ الجديدُ مَحَلَّهُ (إر 31: 31 – 34).

وهنا نجدُ سؤالاً أخرَ يدركنا، وهو: إذن، لماذا هذا التركيزُ في تدوينِ الكلمةِ النبويةِ خلالَ القرونِ الثلاثةِ ما بينَ عاموس (حوالي 760 ق.م.)، وهو أقدمُ الأنبياءُ الكُتَّابُ، وملاخي (حوالي 430 ق.م.) وهو آخرهم؟ والجوابُ هو: إن تلكَ الحِقْبَةَ من تاريخ إسرائيل دَعَتْ، وبشكلٍ خاص، إلى إيجادِ وسطاء من أجل تطبيقِ العهد، وكان هذا عينُهُ هو مهمةُ الأنبياء. هناكَ عاملٌ آخرٌ واضحٌ، وهو أن الله رغِبَ في أن تُدَوَّنَ كلُّ تحذيراتِ اللعنةِ ووعودُ البركةِ التي أعلَنَها بواسطة الأنبياء أثناء تلك الحقبة البالغة الأهمية، وذلك من أجلِ التاريخِ اللاحق.

تميزت تلك السنونُ بأمورٍ ثلاثة:

  • تغيراتٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ واقتصاديةٍ واجتماعيةٍ عنيفةٍ لم يسبقْ لها مثيل.
  • مستوىً رهيبٍ من الخيانةِ الدينيةِ والاستخفافِ بالعهدِ الموسوي الأصلي.
  • تنقلاتٍ سكانيةٍ وتغييراتٍ في الحدودِ الإقليمية. وهنا نرى أن الناسَ كانوا في حاجةٍ إلى كلمتهِ من جديدٍ في ظِلِّ تلكِ الظروف. لذا أقامَ اللهُ الأنبياءَ وأعلنَ كلمتَه.

عندما تستخْدِمُ القواميسَ والتفاسيرَ والمقدماتِ الكتابيةَ، ستلاحظُ أن إسرائيلَ كانتْ بحلول عام 760 ق.م. أمةً دائمةَ الانقسام بسبب الحربِ الأهليةِ الطويلةِ الأمَدْ. فقد كانت الاسباطُ الشماليةُ – واسمها إسرائيل، وأحياناً أفرايم – منفصلةً عن السبطِ الجنوبي المُسَمَّى يهوذا. فالمملكةُ الشماليةُ، التي فاقتْ بكثيرٍ في ارتدادِها عن عهدِ الله مملكةَ يهوذا، كانت آيلةً إلى السقوطِ بسببِ خطيئتِها قدامَ الله. وفيها قامَ كلٌّ من عاموس بدايةً (بحوالي 760) وهوشع بدايةً (بحوالي 755) بإعلانِ السقوطِ الوشيك.

وفعلاً وقعَتْ المملكةُ الشماليةُ في براثنِ الدولةِ العُظْمى في الشرق الأوسطِ آنذاك وهي مملكة آشور في عام 722 ق.م.، بعدها ازدادَ إثمُ يهوذا بالتزامنِ مع قيامِ قوةٍ عُظمى أخرى، هي مملكةُ بابل. وشَكَّلَ هذانِ الأمرانِ المادةَ التي كتبَ عنها أنبياءٌ كثيرون بما فيهم إشعياء وإرميا ويوئيل وميخا وناحوم وحبقوق وصفنيا.

ولقد تَمَّ أيضاً تدمير مملكةِ يهوذا لعدم إطاعتِها لله. وكان ذلك عام 587 ق.م. ثم قام بعدها كلٌّ من حزقيال ودانيال وحجي وزكريا وملاخي بإعلانِ مشيئة الله الخاصةَ بِرَدِّ الشعب (بدءاً من عودتِهم من السبي عام 538 ق.م.) وإعادةِ ترسيخِ العقيدة. وكان كلُّ هذا ينسجمُ مع ما جاءَ في تثنية 4: 25 – 31.

لقد تكلمَ الأنبياءُ مباشرةً عن هذه الأحداث وبشكلٍ مُطَوَّل. إن لم تُلِمّْ بهذه الأحداث وغيرِها التي وَقَعَتْ ضمنَ تلك الحقبة، والتي يزيدُ عددُها عن أن يُذْكَرَ في هذا المقام، فرما لن تتمكنَ من أن تتابعَ بشكلٍ جيدٍ ما قالَهُ الأنبياء، فقد تكلَّمَ اللهُ من خلال التاريخِ وعن التاريخ. ولكي نتمكنَ من فهمِ كلمة الله، علينا أن نعرفَ شيئاً عن هذا التاريخ.

  1. القرينةُ الخاصة: كل رسالةٍ إلهية نبوية قد سُلِّمَتْ أصلاً ضمنَ خلفيةٍ تاريخيةٍ معينة. فلقد تكلم الله من خلال الأنبياء إلى الناسِ في وقتٍ وزمانٍ معينين، وفي ظل ظروفٍ معينةٍ. فإذا ما استطعتَ تحديدَ ومعرفةَ التاريخ وهُوِيَّةِ المستمعين، والحالةِ التي كانت سائدةً، فستسهمُ هذه المعرفةُ جوهرياً في استيعابِ الرسالةِ الإلهية.

اقرأ هوشع 5: 8 – 10، فهو عبارةٌ عن رسالةٍ إلهيةٍ موجزةٍ وقائمةٍ بذاتِها إلى جانب رسائل إلهية أخرى. وإذا عُدْتَ إلى كتابِ تفسيرٍ جيد، فستجدُه قد وصفَ لك تلك الرسالة الإلهية باعتبارِها رسالةً من رسائل الحرب. وهذا النوع من الرسائل الإلهية هدفُهُ إعلانُ دينونة الله وإنزالُها من خلالِ المعارك. إليكَ مثلاً العناصر المعتادة لمثل هذا الأسلوب: التحذير، وصف الهجوم، والتنبؤ بالهزيمة. وبالإضافةِ إلى معرفتِكَ للأسلوبِ، فمن المفيدِ أيضاً أن تعرفَ وتحددَ المعركةَ المقصودة.

كان التاريخ هو 724 ق.م. تقريباً ومن سمعوا الرسالةَ الإلهيةَ هم شعب المملكةِ الشمالية (المدعوون أفرايم هنا) الذين تكلم إليهم هوشع. ولقد كانتْ رسالةُ الله موجهةً بالتحديد إلى مدن معينة على الطريق من أورشليم عاصمة يهوذا إلى مركز عبادة بني إسرائيل الزائف، بيت إيل (بيت أون). والحالة كانت حالة حربٍ حيث قامت مملكة يهوذا بالرد على الهجوم الذي قامت به عليها كلٌ من مملكة إسرائيل وسورية واجتاحتا خلاله مملكة يهوذا (انظر 2 مل 16: 5).

وهنا نرى أنه قد تم صَدُّ المعتدين وردُّهم على أعقابِهم بمساعدة قوة أشور العُظمى (2 مل 16: 7 – 9). وقد قام الله بواسطة هوشع بإذاعة التحذير مجازياً في مدنٍ تقع ضمن أرضِ بنيامين (عدد 8)، هذه المدن كانت جزءاً من المملكة الشمالية. لقد كان الدمارُ أكيداً (عدد 9) لأن يهوذا كانت ستحِلُّ في الأراضي التي ستجتاحها (بإزاحةِ حجارة الحدود إذا جاز التعبير)، لكن يهوذا أيضاً ستنالُ ما تستحقه؛ لأن غضبَ الله سيقع عليهما معاً لأجل تلك الحرب ولأجل ممارستِها الوثنية (2 مل 16: 2 – 4).

لقد كانت مملكتا إسرائيل ويهوذا في عهدٍ مع الله يُحَرِّمُ عليهما مثل تلك الحرب المُهلِكة للطرفين. وكان الله مزمعاً أن يعاقبهما على انهاكِهما للعهدِ معه.

إن الإلمامَ بهذه الحقائق البسيطة سيؤثرُ كثيراً على قدرتِكَ على فهمِ وتقدير الرسالةِ الإلهية الواردةِ في هوشع 5: 8 – 10. عُدْ إلى كتبِ التفسيرِ أو مقدماتِ الكتاب المقدس التي بين يديكَ أثناء قراءتِكَ لأسفارِ الأنبياء، وكما ينبغي دائماً، حاول اثناءَ قراءتِك لها أن تلاحظَ التاريخَ وهُوِيَّةَ المستمعين والحالة التي أحاطتْ بالرسالةِ الإلهية.

عزل النبوات الفردية عن بعضها البعض

وعندما تصل كدارسٍ إلى الدراسةِ الفعلية أو القراءةٍ الاستنتاجية الدقيقة لأسفار النبوة، فإن أولَ أمرٍ عليكَ فعلُهُ هو اعتبار الرسالة الإلهية بمثابةِ وحداتِ فكرٍ (تماماً كما تعلمتَ أن تُفَكِّرَ بحسب الفقراتِ أثناءَ دراستِكَ للرسائل). وهذه ليست بالمهمة السهلة دائماً، إل أن إدراكَ صعوبَتِها والحاجة إلى القيامِ بها هما البدايةُ لاستكشافاتٍ مثيرة.

ففي معظم الأوقاتِ ستجدُ أن ما قالَهُ الأنبياءُ عادةً يأتي في اسفارِهِم في شكلٍ متواصل، بمعنى أن الكلامَ الذي قالوهُ في أوقاتٍ وأماكنَ مختلفةٍ على مَرِّ سِنِيِّ خدمتِهم قد تم جمعُهُ وتدوينُه كله بدون أي تقسيماتٍ تشيرُ إلى بداياتِ أو نهاياتِ تلك الرسائل الإلهية.

علاوةً على ذلك، فحتى عندما تتمكن من افتراض نقطة بداية وحدةٍ ما، وذلك من خلال التغيير الرئيسي للموضوع، يبقى هناك عدم وضوحٍ (من جهةِ عَنْوَنَةِ الأحداثِ ونقاط الانتقالِ مثلاً) مما قد يُحَيِّرُكَ فتتساءل: هل قيلتْ هذه النبوة إلى نفس المستمعين في اليومِ ذاته أم أنها قيلت بعد عدة سنوات – أو ربما قبل عدة سنوات – أو لجماعةٍ أخرى من المستمعين تحتَ ظروفٍ مختلفةٍ؟ إن الإجابةَ على مثل هذا السؤال ستؤثرُ على عملية فهمِكَ للنص.

أيضاً تتميز بعض أجزاء الكتب النبوية بالاستثناءات. ففي سفر حجي مثلا، وفي الأصحاحاتِ الأولى لسفر زكريا ستجدُ تاريخاً لكلِّ نبوة. وبمساعدةِ قاموس الكتاب المقدس أو كتب التفسير أو المقدمات ستتمكنُ من تتبع تَقَدُّم هذه النبوات بسهولةٍ وِفْقَ قرينتِها التاريخية. كما أن بعض النبوات التي قد تجدها في أسفارٍ أخرى وبشكلٍ خاص في سفرِ إرميا وسفر حزقيال قد تمَّ فعلاً تأريخها وترتيبها وِفْقَ خلفيةٍ معينة وضعَها النبي بوحيٍ من روح الله.

لكن، وللأسف، لا يكون الأمرُ كذلك في معظم الأوقات. فعلى سبيل المثال، اقرأ عاموس 5 واسأل نفسَكَ ما إذا كان هذا الأصحاح كلُّه نبوةً (رسالةً) أو وحدةً واحدة.

فإن كانت النبوةُ واحدةً، لماذا نرى فيها إذن كل تلك التغييرات في المواضيع: رثاء لدمار إسرائيل (الأعداد 1 – 3)، الدعوة لطلب وجه الله حتى لا يموتوا (الأعداد 5 – 6، 14)، هجومٌ على الظلم الاجتماعي (الأعداد 7 – 13)، التنبؤ بالألم والشقاء – وصف يوم الرب (الأعداد 18 – 20)، انتقاد للعبادةِ المنافقة (21 – 24)، ونظرةٌ موجزةٌ على تاريخ إثم إسرائيل الذي سيصلُ إلى قِمَّتِهِ بالتنبؤ بالسبي (25 – 27)؟ وإن لم تكنْ نبوةً واحدةً، كيف يمكن فهمُ أجزاءها؟ هل كل منها منفصلٌ عن الآخر؟

هل ينبغي ضمُّ بعضَها إلى بعضِه؟ وإذا كان الأمر كذلك، فبأيةِ طريقةٍ؟ وما الوسيلة؟

في واقع الأمر، يحتوي الأصحاح 5 من عاموس على ما اتُّفِقَ في تقسيمه إلى نبواتٍ ثلاث. فالأعداد 1 – 3 تمثل نبوة أو رسالةَ رثاء، وحدة واحدة تعلن الدينونة، والأعداد 4 – 17 تُشَكِّلُ نبوةً (وحدةً) واحدة (مع كونِها معقدةً) للدعوةِ إلى البركةِ والتحذيرِ من العقاب. إذن التغيير الطفيف في الموضوعاتِ لا يُعني بدايةَ نبوةٍ جديدةٍ في كل حالة. ومن جهةٍ أخرى، فإن تقسيماتِ الأصحاح لا تناظرُ كلَّ نبوةٍ (وحدةٍ) على حِدَه، وهنا يمكننا فصل أو عزل النبوات (الوحدات) من خلال الانتباه إلى أشكالِها المعروفة والمختلفة (انظر أدناه).

إن النبوات الثلاث جميعها في عاموس 5 قد قِيْلَتْ في أواخرِ عهد يربعام ملك إسرائيل (793 – 753 ق.م.) وقيلت إلى شعبٍ ظَنَّ أنَّ أمر هلاكِ الأمة مستبعدٌ بسبب الازدهارِ النسبي الذي كانت تتمتعُ به، وأن مجرد التفكير في عملية انتهاء وجود تلكَ الأمة خلالَ جيلٍ واحدٍ كان أمراً لا يخطرُ على البال. سيفيدكَ أثناء القراءة العودةُ إلى القواميس والتفاسير والمقدمات للكتابِ المقدس؛ لذلك لا تحاول إعاقةَ نفسك عبثاً بتحليل الأمور دونَ الرجوع إلى تلك المراجع.

أشكال الأقوال النبوية

ما أن عزل وفصل النبوات (الوحدات) أو الرسائل الفردية هو أحد مفاتيح فهم الأسفار النبوية، فمن المهن أن تعرف شيئاً عن الأشكال المختلفة التي استخدمها الأنبياء لصياغة نبواتهم. إن معرفة هذه الأشكال أو الأساليب مطلبٌ مُسْبَقٌ كي تتمكنَ من تحديد النبوات (الوحدات) تحديداً سليماً. وكما أن الكتاب المقدس كله مؤلفٌ من أنواعٍ مختلفةٍ من النصوص، هكذا أيضاً قام الأنبياء بتوظيف أشكالٍ أدبيةٍ متنوعةٍ في خدمةِ الرسائل الإلهية التي أوحى الله بها إليهم. يمكن لكتب التفاسير أن تبين وتشرح هذه الأشكال. ولقد قمنا بانتقاء ثلاثة من أكثر الأشكالِ شيوعاً لنساعدَ في تنبيهِكَ إلى أهمية إدراكِ الأساليب الأدبية المستخدمة وتفسيرها على نحوٍ سليم.

  1. المحاكمة: هنا نقترحُ عليكَ أولاً قراءةَ إشعياء 3: 13 – 26، فهذه الأعداد تتضمن صيغةً أدبيةً مجازيةً تُدعى “محاكمةُ العهد”، فهنا كما في الأعداد التي لا حصرَ لها من مجازات أدب المحاكمات في أسفارِ الأنبياء (مثل هوشع 2: 2 – 7؛ 4: 1 – 19 … إلخ)، يمكن أن تتخيل الله كالمُدَّعي أو المُدَّعي العام أو القاضي في محاكمة ضد إسرائيل التي تقف في قفص الاتهام. والصيغة الكاملة للمحاكمة عادةً ما تحتوي على استدعاءاتٍ واتهام ودليل وقرار بالحكم، رغم أن هذه العناصر قد تكون ضمنيةً أحياناً وليستْ صريحةً. في إشعياء 3 تتحد هذه العناصرُ على الشكل التالي: تجتمعُ هيئةُ المحكمة وتُقامُ الدعوى على إسرائيل (13، 14).

    تُتْلى لائحةُ الاتهام (14 ب – 16). وبما أن الأدلةَ تُثبتُ جُرمَ إسرائيل بوضوحٍ، يتم إعلان حكم الإدانة (17 – 26). وحيث أن العهد قد انتُهِكَ فستنزلُ بإسرائيل رجالاً ونساءً بعضُ العقوباتِ الواردةِ في العهد: الوبأ والعَوَز والحرمان والموت. وهنا نرى أن الأسلوب الرمزي لذلك المجاز كان طريقةً مثيرةً وفاعلةً في إبلاغ بني إسرائيل بأنهم سوف ينالون جزاءَ عصيانهم، وأن عقابهم سيكونُ شديداً. إن هذا الشكل الأدبي الخاص يساعدُ كثيراً في إيصال الرسالة.

  2. الويل: هناك شكلٌ أدبيٌ شائعٌ آخر هو “نبوة الويلات”. “الويل” كلمةٌ كان يصرخُ بها بنو إسرائيل القدامى عند حدوث الكارثة أو الموت، أو في أثناء نوحهم في الجنازات. فبواسطة الأنبياء يقوم الله بالتنبؤ بالهلاك الوشيك مستخدماً كلمة ويل، وما كان يمكنُ لأي إسرائيلي أن تفوته دلالة استخدام تلك الكلمة.

إن نبوات الويلات تحتوي، ضمنياً أو تصريحياً، على عناصر ثلاثة تُشَكِّلُ في مجملِها سمة هذا الأسلوب:

  • إعلان عن ضيق (ككلمة ويل على سبيل المثال)
  • سبب ذلك الضيق
  • نبوة الهلاك

اقرأ حبقوق 2: 6 – 8 لترى إحدى المرات العديدة التي يذكر فيها هذا السفرُ النبوي رسالةَ ويلٍ ضد البابليين. لقد كانت مملكة بابل تلك الدولة الوحشية والقوة الاستعمارية العُظمى في الهلال الخصيب قديماً، وكانت تُعِدُّ الخططَ لمحاربةِ مملكة يهوذا وسحقها في أواخر القرن السابع قبل الميلاد، عندئذٍ تكلم حبقوق بكلام الله ضدهم.

وبعملية تصوير وتشخيص بابل كَلِصٍّ ومغتصِبٍ (السبب) تُعلنُ النبوةُ الويلَ، وتتنبأ بالكارثة (عندما يقوم على بابل كل الذين وقعوا في قبضتِها). هذه النبوة أيضاً مجازيةٌ (مع أنه ليست كل رسائل الويلات كذلك، انظر ميخا 2 – 1؛ صفنيا 2: 5 – 7).

  1. الوعد: على الرغم مما سبق، فهناكَ أيضاً أسلوبٌ أدبيٌ نبوي شائعٌ آخر هو رسالة الخلاص، أي الوعد. وستتمكن من تمييز هذا الأسلوب كلما صادفتك العناصر التالية:
  • إشارةٌ إلى المستقبل
  • ذِكرٌ لتغييرٍ جوهري
  • وذكرٌ للبركة

تُعَدُّ الفقرة من عاموس 9: 11 – 15 نموذجاً رائعاً لرسالة الوعد، إذ هي تتضمنُ العناصرُ التالية: ذِكرٌ للمستقبل كما في ذلك اليوم (عدد 11)، والتغيير الجوهري الموصوف بإعادة بناء مظلة داوود الساقطة (عدد 11)، وترقية إسرائيل إلى مركزٍ أعلى من ذلك الي لأدوم (عدد 12)، والعودة من السبي (العددان 14، 15). أما البركة فتأتي بواسطة عناصر العهد المذكورة: الحياة، الصحة، الازدهار، الوفرة الزراعية، الإكرام، الإيمان. إن جميع هذه العناصر مشمولةٌ في عاموس 9: 11 – 15 مع أن الصحة متَضمَّنةٌ وليس مُصَرَّحٌ بها.

إن التشديد الرئيسي كان على الوفرة الزراعية. فالمحصول، على سبيل المثال، سيكون وفيراً بحيث لن يستطيع الحصادون إنهاء عملهم عندما يحين موعد الزراعة من جديد (عدد 13). ولمزيدٍ من الأمثلة على رسائل الوعد، اقرأ هوشع 2: 16 – 20؛ 2: 21 – 23؛ إشعياء 45: 1 – 7؛ إرميا 31: 1 – 9.

نأملُ ومن خلال هذه الأمثلة الموجزة أن تتمكنَ من تكوين فكرةٍ عن الكيفية التي يمكنكَ بها إدراك أشكال الأقوال النبوية بما قد يساعدك في استيعاب رسالة الله بدقةٍ أكثر. ويمكنك التعلم أكثر عن هذه الأساليب بالاستعانةِ بكتب التفسير الجيدة (انظر الملحق آخر الكتاب).

النبوات كأشعار

أما الشعر عند بني إسرائيل قديماً فقد كان وسيلةَ تَعَلُّمٍ واسعةَ الانتشار. فكثيرٌ من الأمور التي كان من المهم حفظُها كانت تُصاغُ في قالبٍ شعري. لقد وجدَ الإسرائيليون أن هذه الأمور التي تُكتَبُ شعراً عادةً ما تكون أسهل للحفظ والتذكر في عصر كانت فيه مهارات القراءةِ والكتابةِ قليلة، ولم تكنْ فيه المكتبات أو الملكية الخاصة للكتب معروفةً، ولقد تكلم الله كثيراً من خلال أنبيائه بواسطة الشعر. فقد كان الشعبُ معتاداً على الشعر، وبالتالي كان يمكنُه تذَكُّرُ النبوات التي كانت ترسِلُ رنينَها في الآذان.

حتى القصائد النثرية التي يستخدمها الأنبياء أحياناً كانت تحتوي على أسلوبٍ رسمي خاص يحملُ تلكَ الصفاتِ نفسَها، وإنْ أقلَّ تماسكاً وتناغماً. ولكون تلك القصائد النثرية ذات طابع أدبي منتظم ومميز أكثر من لغة الكلام المعتاد، فهي أيضاً سهلة الحفظ والتذكر. وعلى سبيل التبسيط، دعنا نتكلم عن هذا النوع من الأدب بإدراجِهِ تحت مصطلح الشعر.

وهنا، فمن المفيد أن تقرأَ مقدمةً للشِعْرِ العبري قبل قيامك بقراءة الأسفارِ النبوية، مثلاً قاموس الكتاب المقدس. وإن أردتَ نموذجاً للفوائدِ التي يمكنُ أن تجنيها من معرفة وظيفة الشعر العبري، فهناك ثلاثة ملامح من الأسلوبِ المتكرر لشعر العهد القديم:

  • التوازي المترادف، يقوم الشطرُ الثاني بإعادةِ أو تعزيز ما جاء في الشطر الأول، كما في إشعياء 44: 22

“قد محوتُ كغيمٍ ذنوبَكَ وكسحابةٍ خطاياكَ”

  • التوازي العكسي (الطِبَاق). وهنا يناقض الشطرُ الثاني الفكرةَ الواردةَ في الشطر الأول، كما في هوشع 7: 14.

” لا يصرخونَ إليَّ بقلوبِهِم حينما يولولون على مضاجِعهِم”

  • أما التوازي التركيبي فيقومُ فيه الشطرُ الثاني بعمل زياداتٍ على ما جاء في الشطر الذي سبَقَهُ، بحيثُ يُضْفي على المعنى معلوماتٍ جديدةٍ، كما في عوبديا 21:

“ويصعدُ مخلَّصونَ على جبلِ صهيونَ

            ليدينوا جبلَ عيسو

            ويكونُ للرَّبِّ المُلكُ”

تحذير: النبي كمُتَنَبِئٍّ عن المستقبل

لقد أشرنا في مطلع هذا الفصل إلى أن المهمةَ الأساسيةَ للأنبياء لم تكنُ التنبؤ بالمستقبل البعيد. ومع أنهم قاموا حقاً بالتنبؤ بأحداثٍ مستقبلية، إلا أن ذلك المستقبل، وفي أغلبِ الأحوال، هو الآن في طي الماضي. أي أنهم قد تنبأوا بالدينونة القادمة أو الخلاصِ العتيد المتعَلِّق بمستقبل بني إسرائيل القريب نسبياً، وليس بمستقبلِنا نحنُ.

لذلك علينا الاحتراس لأنه إن كُنَّا نريدُ أن نرى نبواتِهم وقد تحقَّقتْ فعلاً، علينا العودة إلى الوراء، أي إلى الزمن الذي كان بالنسبةِ لهم مستقبلاً وقد صارَ الآن بالنسبةِ لنا ماضياً. غيرر أن هذا التفسير الحياتي يحتاجُ مِنَّا إلى توضيح.

وكمثالٍ على أن رسائل الأنبياء قد تَرَكَّزَتْ بالفعل على المستقبل القريب لا البعيد، نقترحُ عليكَ قراءةَ الأصحاحات 25 – 39 من سفر حزقيال. لاحظ بأن النبوات (الوحدات) المتنوعة المشمولة في هذا الجزء الكبير من السفر تتناول مصير الأمم الأخرى، مع أن أمة إسرائيل مشمولةٌ أيضاً فيها. وهنا تجدر ملاحظة أن الله يشير إلى مصير تلك الأمم، وأن تحقيق النبوات قد تم في خلال عقودٍ من وقتِ إعطائها، أي أن معظمها قد تحقق خلال القرن السادس قبل الميلاد. بالطبعِ هناك استثناءاتٌ خاصةٌ لذلك.

فلقد وصفَ حزقيال 37: 15 – 28 عصرَ العهدِ الجديد، والبركاتِ التي سيسكبها الله على الكنيسة بواسطة المَسِيَّا، مع أن معظم النبوات، بما فيها نبوات الأصحاحين 38 و39 كانت تتعلق بأزمنةِ وأحداثِ العهد القديم (راجع كتب تفاسير حول هذه الأصحاحات).

إن حماسَكَ الشديد لرؤية أحداث العهد الجديد في نبوات العهد القديم قد يؤدي بكَ إلى نتائج غريبة. فمثلاً، ما وردَ في إشعياء 49: 23 “بالوجوهِ إلى الأرضِ يسجدونَ لكَ” قد بدا فعلاً شبيهاً بما قد فعلَهُ المجوسُ الذين زاروا الطفلَ يسوع (مت 2: 1 – 11)، إلى حدٍّ جعلَ الكثيرين يفترضون أن كلماتِ إشعياء كانت عن المَسِيَّا.

لكن مثل هذا التفسير للأسفِ مخفقٌ لتجاهلِه القرينة (فقد تم ذِكرُ ملوكٍ وملكاتٍ، وموضوعُ هذا المقطع هو عودةُ إسرائيل بعد السبي البابلي)، ولتجاهلِه القصدَ (إن لغةّ هذه النبوةِ – الوحدة – تهدفُ لإظهارِ عظمة إسرائيل عندما يَرُدُّها الله)، وتجاهلِه الأسلوب (لأن الشعرَ يرمزُ إلى احترام الأمم من خلال تصوير حكامِه كحاضنين لإسرائيل، يلمسون غبارَ رِجْلَيّ الأُمَّة)، وتجاهلِه للألفاظ (فقد كان المجوسُ حكماءَ أو علماءَ فَلَك، وليسوا ملوكاً).

إذاً علينا الحذرُ من جعل النبوات، أو أي جزءٍ من أجزاءِ الكتابِ المقدس، تقول ما نريدُ نحنُ منها أن تقولُهُ. وعلينا بالأولى أن نُصغي لما يريد الله فعلاً قولَهُ.

وهنا نُنَوِّهُ إلى أن بعض النبوات المتعلقة بالمستقبل القريب قد صِيْغَتْ في إطارِ خلفيةِ المستقبل العظيمِ الذي يتعلق بالأيامِ الأخيرة، وأحياناً قد تبدو هذه النبوات ملائمةً لذلكَ المستقبل. بالطبعِ سنتحدثُ عن هذا الموضوع ثانيةً، لكن في الفصل 13 من هذا الكتاب. أما الآن، فدعنا ندركُ أن السببَ في ذلكَ يعودُ إلى تصوير الكتاب المقدس لله وهو يعملُ في التاريخِ الزمني في ضوءِ خُطَّتِهِ الشاملة لكامل التاريخ الإنساني.

وعليه، ينبغي أخذُ الوقت الزمني في ضوء الوقتِ الأبدي. وقد يبدو الأمرُ كَمَنْ ينظرُ إلى قِصَّتين، الأصغرُ منهما أمام الأكبر، فيعطي في البدايةِ نظرةً من الأمام، ثم، ومن منظورِ التاريخِ اللاحقِ، ينظرُ إليهما من أحدِ الجوانبِ فيرى المسافةَ الزمنيةَ التي تفصلُ بينهما.

المنظورُ النبوي للأحداثِ المتعاقبة

نطرةٌ مستقيمةٌ من الأمام – نظرةٌ جانبية

هناكَ إذن في أسفارِ الأنبياء بعضُ الأمورِ التي قد تَخُصُّ الأحداثَ الأخيرةَ للدهر (انظر يؤ 3: 1 – 3؛ صف 3: 8 – 9؛ زك 14: 9). غير أن العقوباتِ الزمنية التي كثيراً ما تَرِدُ عادةً مقترنةً مع تلكَ الأحداثِ الأخيرة لا ينبغي أن نَزُّجَ بها في المستقبل.

أيضاً يجدرُ بنا الإشارةُ إلى نقطةٍ أُخرى، وهي أن اللغةَ المتعلقة بالأُخْرَوِيَّات كثيراً ما تكونُ مجازيةً في طبيعتِها. وقد تُعَبِّرُ هذه المجازاتُ أحياناً عن لغةِ أحداثِ الأيامِ الأخيرة بواسطةِ الشِّعْر، لكنها لا تهدفُ بالضرورةِ إلى التنبؤ عن تلكَ الأحداثِ فِعْلياً. يمكنُكَ أن تجدَ مثالاً على ذلك في حزقيال 37: 1 – 14.

فمثلاً باستخدام كلمة “قيامةُ الموتى” يمكننا أن نعرفَ أن هذا سيحدثُ في نهايةِ الدهر. أما أن يستخدم الله حزقيال للتنبؤ بعودة الشعب من السبي في بابل في القرن السادس قبل الميلاد (الأعداد 12 – 14) فإن حادثةً مثل هذه تُعَدُّ ماضياً بالنسبةِ لنا (كما هي موصوفةٌ في عزرا 1 – 2) يتم التنبؤ بها مجازاً بلغةٍ أُخْرَوِيَّة – أي الكلمات التي نقصدُ بها أواخر الأيام – كما لو أنها كانت حادثةً من أحداثِ وقتِ النهاية.

تنبيه: مدلولاتُ النبوة ومدلولاتُها الثانية

ستجدُ في مواضعٍ كثيرةٍ في العهد الجديد إشاراتٍ إلى مقاطع العهد القديم قد لا تبدو بأنها تشيرُ إلى ما يقولُه العهد الجديد عنها، أي أن هذه المقاطع قد تبدو ذاتَ معنىً واضحٍ ووثيقٍ بمحيطِها الأصلي في العهد القديم، ومع ذلك فهي قد تُسْتَخْدَمُ مرتبطةً بمعنىً مختلفٍ من قِبَلِ أحد كُتَّابِ العهد الجديد.

كمثالٍ على ذلك، تَأّمَّلْ في قِصَّتَيّ إعطاء موسى وبني إسرائيل الماءَ مُعْجِزِيَّاً من صخورِ البرية، مَرَّةً في رفيديم (خر 17: 1 – 7) وأخرى في قادِش (عد 20: 1 – 13). تبدو هاتانِ القصتان في قرينتيهما الأصليتين بسيطتين وفي غايةِ الوضوح. لكنَّ بولس الرسول في 1 كورنثوس 10: 4 يُشَبِّهُ اختبارَ بني إسرائيل باعتبارِهِ لقاء مع المسيح، إذ يقول “لأنهم كانوا يشربون من صخرةٍ روحيةٍ تابَعَتْهُم، والصخرةُ كانت المسيح”.

لكن العهد القديم، وفي كِلْتا القصتين، لم يُشِرْ إلى الصخرةِ إلا لكونِها مجرد صخرةٍ عادية. لقد أعطى بولس الرسول الصخرةَ مدلولاً ثانياً مُعَرِّفَاً إياها بأنها السيد المسيح. إن مثل هذا المدلول الثاني يُسَمَّى بالمعنى الأكمل.

فلو فَكَّرْنا بعمقٍ لوجدنا أن بولس الرسول قد رسمَ لنا تشبيهاً، وكأنه يقول: في الواقع إن الصخرةَ بالنسبةِ لهم كان كالمسيحِ لنا – كما أنها مصدر عونٍ لهم كذلك وبالطريقةِ نفسِها الأمورُ الروحيةُ هي مصدرُ عونٍ لنا. وهنا نجد أن لغة المجاز قد طَغَتْ على ما يقوله بولس الرسول في الأعداد 2 – 4.. لقد أرادَ لقُرَّائه أن يفهموا أن اختبار الإسرائيليين في البرية هي بمثابةِ استعارةٍ يمكن أن يشبه بها اختبارَهم الخاص بالمسيح، وخاصةً حول عشاء الرب.

من المُرَجَّحِ أننا نحنُ كقُرَّاء معاصرين لن نتمكنَ بأنفسِنا من ملاحظة كل التشبيه الذي وصفه بولس.

فلو من يقُمْ بولس الرسول بكتابةِ تلك الكلمات، هل كان بمقدورِنا أن نُفَسِّرَ معنى السحابةِ والبحرِ بالمعمودية (عدد 2)؟ أو المسيح بالصخرة (عدد 4)؟ وبكلماتٍ أخرى، هل كان باستطاعتِنا وحدنا أن نحدد بيقين ذلك المعنى الأكمل أو المدلول الثاني؟ والجواب هو: كَلَّا، فلقد أَوْحَى الروحُ القدس إلى بولس بأن يقومَ بهذا الربطِ التشبيهي بين تجربة بني إسرائيل في البرية والحياة في المسيح دون اتِّبَاع القواعد العامة للقرينة والنِيَّة والأسلوب والألفاظ (راجع أعلاه عنوان: النبي كُمُتَنَبِّئٍ عن المستقبل).

لقد قاد الروح القدس بولسَ الرسول لوصف حقيقة نوال الإسرائيليين للماء من الصخر أكثر من مَرَّةٍ وذلك بلغةٍ رمزيةٍ غير معتادة، حيث قال أن صخرةً روحيةً تابعتهم. كذلك يوجد الكثير من التفاصيل الأخرى المتعلقة باللغة التي يصف بها بولس الرسول أموراً في 1 كورنثوس 10: 1 – 4، وهي تُعتبرُ غيرَ معتادةٍ إلى حَدٍّ كبير (مثلاً عندما قال: أباءنا جميعهم (عدد 11) أو طعاماً وشراباً روحيين (عدد 3، 4).

وهنا نقولُ: ولأننا بطبيعة الحال لسنا كُتَّاباً أُوْحِيَ لنا بكتابة الكتاب المقدس، فمن غير المسموحِ لنا بأن نعملَ ما قد عملَه بولس الرسول. فالروح القدس نفسه الذي أوحى لأحد كُتَّاب العهد القديم أن يكتبَ مجموعةً معينةً من الكلمات أو مقطعاً ما، قادرٌ على أن يوحي

لأننا بطبيعةِ الحال لسنا كُتَّاباً أُوْحِيَ لنا بكتابةِ الكتاب المقدس، فمن غير المسموح لنا أن نعمل ما قد عملَهُ بولس الرسول

لكاتبٍ من كُتَّابِ العهد الجديد أن يتجاوز الاعتبارات المعتادة للقرينة والقصد والأسلوب والألفاظ وأن يعلنَ وجود معنىً أكمل لمقطع العهد القديم. أما نحنُ فلسنا ممن أُوحي لهم. ما لم يُضِف العهد الجديد معنىً أشمل على مقطعٍ ما أو مجموعةٍ من الكلمات، فلا ينبغي لنا أن نفسرَ تلك المقاطع من العهد القديم هكذا وببساطةٍ بناءً على سُلْطَتِنا الخاصة.

أن وسائل دراسة الكتاب المقدس ككتب التفسير والموسوعات والقواميس الكتابية والكتب المقدسة ذات الشواهد الكتابية – كل هذه تميلُ إلى تحديد المقاطع النبوية في العهد القديم التي لها مدلولٌ ثانٍ في العهد الجديد. وإليكَ بعض المواضيع الشهيرة التي يُضفي عليها العهدُ الجديدُ مدلولاً ثانياً: متى 1: 22 – 23 (إش 7: 14)، متى 2: 15 (هو 11: 1)، متى 2: 17 – 18 (إر 31: 15)، يوحنا 12: 15 (زك 9: 9).

سنكتفي الآن بعرض أحد تلك المقاطع النبوية لتوضيح ظاهرة المدلول الثاني: متى 2: 15، نقرأ في هوشع 11: 1 ما يلي:

            ” لَمَّا كان إسرائيلُ غلاماً أحببتُهُ، ومن مِصرَ دعوتُ ابني”

إن القرينةَ في هوشع هي إنقاذ بني إسرائيل من مصر بواسطةِ الخروج. والقصد هو إظهار كيف أن محبة الله لشعب إسرائيل هي مثل محبة الابن. والأسلوبُ كان أسلوباً ترادُفي، كالشعر المتوازي، بحيثُ يكون “ابني” مرتبطاً مع أُمَّة إسرائيل. والألفاظ كانت مجازيةً، فقد صَوَّرَتْ إسرائيل بلا شكٍ كابنٍ. أما الأُقْنومُ الثاني في الثالوث، أي المسيح، فلا إشارةٌ له بالمعنى الواضح المباشر لهذه الآية. ولم تكن الآية 2: 15 في مَتّى البشير موجودةً في الكتاب المقدس، لما خطرُ في بالِنا على الإطلاق اعتبار آية هوشع نبوةً عن يسوع الناصري.

لكن كان لمَتَّى امتيازٌ لا نملكه نحن، فلقد حَظِيَ بوحيٍ ذي سُلْطان من الروحِ نفسه الذي أَوْحَى لهوشع بكتابة الآية 11: 1، ولقد قامَ الروحُ نفسه بقيادةِ مَتَّى إلى إعادة استخدام كلمات هوشع بقرينةٍ وقصدٍ وأسلوبٍ وألفاظٍ مختلفةٍ وإلى ربطِها مع كلماتٍ أخرى تختصُ بالمَسِيَّا. لقد قام الروح القدس بغرسِ تلك الكلمات في سفر هوشع استعداداً لإعادة استخدامِها بشأنِ الأحداثِ المختصة بحياة يسوع المسيح.

والبشير مَتَّى لم يقُمْ باستخدام تلك الكلمات عن يسوع قياسياً على أساس مبدأ أو عملية التفسير والتفسير الاستنتاجي، لكنه استعارَ تلك الكلمات من قرينتها الأصلية وأعطاها مدلولاً جديداً كاملاً وهو صاحبُ سُلْطَةٍ بعملِ ذلك. أما نحنُ فلا يَسَعْنا إلَّا قراءة وقبول ما قام به.

فائدة التشديد الثنائي على المُعْتَقَدِ القويم والتطبيق العملي القويم:

الأرثوذكسية تُعني: المُعتقد القويم. والأرثوبراكسية تُعني: التطبيق القويم. فلقد قامَ الله من خلال الأنبياء بدعوةِ شعب إسرائيل ويهوذا القديم للموازنةِ ما بين المعتقد القويم والتطبيق القويم. وهذا الأمرُ بالطبعِ ظلَّ المبدأ الذي يُطالِب به العهد الجديد أيضاً (انظر يع 1: 27؛ 2: 18؛ أف 2: 8 – 10).

والذي أرادَهُ الله من إسرائيل ويهوذا هو بصورةٍ عامةٍ ما كان يريدُه مِنَّا. لقد ظل الأنبياء بمثابةِ مُذَكِّرين دائمين لنا بعزم الله على تطبيقِ عهدِهِ. فلأولئكَ الذين يطيعون شَرْطَي العهد الجديد (محبة الله ومحبة القريب)، فإن النتيجة الأخيرة هي البركة على الرغم من عدم ضمان كون تلك النتائج في هذه الحياة مُشَجِّعَةً جداً. أما لمن لا يطيعون، فالنتيجةُ لن تكونَ سوى لعنة، بصرف النظر عن مدى تَنُعُّم الإنسان أثناء حياتِه على الأرض، وما زال تحذيرُ ملاخي سارياً (ملا 4: 6).

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 10 – الأنبياء – تطبيق العهد في إسرائيل

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 9 – الناموس (الشرائع) شروط العهد لبني إسرائيل

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 9 – الناموس (الشرائع) شروط العهد لبني إسرائيل

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 9 – الناموس (الشرائع) شروط العهد لبني إسرائيل
  • المسيحيون وشريعة العهد القديم.
  • دور الناموس قديماً وفي الكتاب المقدس.
  • ناموس العهد القديم والقوانين الأخرى القديمة.
  • فائدة ناموس العهد القديم لبني إسرائيل.
  • موجز بما ينبغي عمله وما لا ينبغي عمله

يحتوي العهد القديم على أكثر من ستمائة وصية، كان منتظراً من بني إسرائيل اتباعها كبرهان على ولائهم لله. ومن بين أسفار العهد القديم التسع والثلاثين، هناك أربعة أسفار فقط تحتوي على الشرائع: الخروج واللاويين والعدد، والتثنية. وعلى الرغم من احتواء هذه الأسفار على موضوعات أخرى إلى جانب قوائم الوصايا، إلا أنه ما يزال يُشار إليها بأسفار الشريعة. فسفر التكوين مثلاً، مع دم احتوائه على أية وصية قد يُعد جزءاً من النظام التشريعي لبني إسرائيل كما يعتبر تقليدياً أحد كتب الشريعة. وهكذا، يمكننا مباشرة رؤية عدم وجود تطابق دقيق بين ما نسميه “شرائع” وما يسمى في العهد القديم “أسفر الشريعة”.

إن ما يزيد الأمر تعقيداً بالنسبة لمعظم المسيحيين هو الإشارة، من وقت إلى آخر، للأسفار الخمسة الأولى (من التكوين إلى التثنية) وكأنها “سفر واحد”. فعلى سبيل المثال، قام يشوع بعد موت موسى بحث الشعب على البقاء مُخلصين للرب إلههم، وقال لهم: ” لا يبرح سفر هذه الشريعة من فمك، بل تلهج به نهاراً وليلاً ليم تتحفظ للعمل حسب كل ما هو مكتوب فيه” (يشوع 1:8).

علاوة على ذلك، فقد أشير في العهد الجديد في بعض الأحيان إلى “الشريعة” بطريقة توضح بأن المقصود بها هو العهد القديم بكامله، على اعتبار أن معظم أسفر العهد القديم هي إيضاح وتطبيق للشريعة الموجودة في الأسفار الخمسة الأولى (انظر مت 5: 17-18؛ لو 16: 17؛ تي 3: 9).

ففي معظم الأحيان التي تحدَّث فيها الكتاب المقدس عن “الشريعة” كان قد قصد بها جملة الوصايا التي تبدأ في خروج 20 وتنتهي بنهاية سفر التثنية. وإذا ما ألقيت نظرة خاطفة تتصفح من خلالها هذا الجزء من الكتاب المقدس، فستلاحظ على الفور أن موضوعاته ليست جميعها من فئة الوصايا. إلا أن معظم محتويات خروج 20 إلى تثنية 33 لها صيغة قانونية، ولذلك نسميها “ناموس أو شرائع العهد القديم”.

إن أكثر المشاكل صعوبة لدى معظم المسيحيين، يجدونها عند دراستهم لهذه الوصايا، إذ يتساءلون دائماً عن كيفية عمل تفسير حياتي. والسؤال المطروح هو كيف يمكننا تطبيق هذه البنود التشريعية على حياتنا الآن؟ أو هل فعلاً يمكن أن تنطبق علينا؟ ولأهمية هذا الموضوع، سنبدأ هذا الفصل ببعض الملاحظات حول المسيحيين والناموس (الشرائع)، والتي ستساعدنا في بحثنا الاستنتاجي.

المسيحيون وشريعة العهد القديم

 

العهد هو عقد ملزم بين فريقين بحيث يقوم كل فريق بالتزاماته المبينة فيه.

إن كنت مسيحياُ، فهل ينتظر منك أن تطيع شريعة العهد القديم؟ وإن كان عليك طاعتها واتباعها، فكيف سيتسنى لك ذلك، خاصة وأنه لم يعد هناك أي هيكل أو مكان مقدس مركزي تستطيع أن تقدم على مذبحه تقدمات كالذبائح الحيوانية، (لا 1-5)؟ لكن إن لم يكن مطلوباً منك أن تتبع شريعة العهد القديم، فلماذا إذاً يقول الرب: “فإن الحق أقول لكم، إلى أن تزول السماء والأرض، لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل” (مت 5: 18)؟

إن هذا السؤال يتطلب جواباً، والجواب يتطلب منا النظر إلى الطريقة التي ما زال يمثل بها العهد القديم مسئولية موضوعة للمسيحيين (ونعني بذلك الطرق التي ما زلنا ملزمين أن نطيع بها أياً من أو جميع الوصايا الواردة ما بين خروج 20 وتثنية 33)

وهنا نقترح عليك ستة إرشادات أولية لفهم العلاقة ما بين المؤمن وشريعة العهد القديم. وستتطلب هذه الإرشادات شرحاً، سنقدم بعضه الآن، وسنترك ما تبقى منه إلى جزء لاحق من هذا الفصل. إن المقصود من هذه الإرشادات هو مساعدتك على توجيه نفسك باتجاه تقدير الشريعة تقديراً سليماً.

1-إن ناموس العهد القديم هو عهد، والعهد عقد ملزم بين فريقين بحيث يقوم كل فريق بالتزاماته المبينة فيه. وفي أزمنة العهد القديم، كانت العهود كثيرة قد اتسمت بطابع السيادة. وكان يتكرم بهذا النوع من العهود سيد قوي على شخص أضعف، قد يكون خادماً أو تابعاً له. كانت هذه العهود تضمن مصالح التابع وحمايته. ولكنها، في المقابل، تُلزم التابع بالولاء للسيد وحده، مع تحذير للتابع بأن أي انحراف عن الولاء للسيد سيجلب عقاباً وخيماً يحدده العهد.

لكن كيف كان على التابع أن يُظهر الولاء؟ كان عليه إظهار ولائه للسيد من خلال حفظه للشروط (مبادئ السلوك) المبينة في العهد. فطالما أن التابع قد التزم بالشروط، كان هذا كافياً للسيد ليعرف ولاء خادمه له. ولكن إذا ما انتهك التابع هذه الشروط، فعادة ما يلتزم السيد عندها وبحسب العهد، أن يتخذ إجراءات وعقوبات ضد الخادم.

   وهنا نقول: بأن الله وعلى غرار تلك المعاهدات القديمة، سَن شريعة العهد القديم، وبالتالي فقد قام عهد بين يهوه (الرب) وتابعه (إسرائيل). كان على بني إسرائيل في مقابل الحصول على الحقوق والحماية، حفظ ما يزيد عن ستمائة شرط (وصية) مبينة جميعها في شريعة العهد الواردة في خروج 20 إلى تثنية 33.

2-يعني أن الله كان يتوقع من شعبه دائماً الالتزام والولاء له، ونحن أيضاً مطالبون بإظهار ولائنا لله بدلائل مختلفة بعض الاختلاف للبرهنة على طاعتنا وذلك بالمقارنة مع ما كان متوقعاً من إسرائيليي العهد القديم (مت 5: 21-48). أما الولاء فهو بحد ذاته ما زال مطلباً وما تم تغييره فقط وبطرق وأساليب معينة هو إظهار التابع لهذا الولاء.

3-من الواضح أنه يتم تجديد بعض شروط العهد القديم في العهد الجديد. كما أن عمل تغطية كاملة لفئات شرائع العهد القديم قد يتطلب كتاباً يخصص لذلك. لكن يظل أمر تصنيف شرائع “الأسفار الخمسة الأولى” في فئتين رئيسيتين ممكناً.

( أ ) شرائع بني إسرائيل المدنية.

(ب) شرائع بني إسرائيل الطقسية.

الشرائع المدنية: هي تلك التي تحدد عقوبات للجرائم المختلفة (الكبيرة منها والصغيرة)، والتي يمكن بناء عليها إلقاء القبض على أحد أفراد بين إسرائيل ومحاكمته. كانت هذه الشرائع تنطبق على مواطني بني إسرائيل القدامى فقط، لكن ليس فينا اليوم مَنْ هو على قيد الحياة من أحد أولئك المواطنين.

الشرائع الطقسية: فهي تؤلف أكبر مجموعة منفردة من شرائع العهد القديم، كما نجدها في معظم سفر اللاويين وفي أجزاء كثيرة من أسفار الخروج والعدد والتثنية. هذه الشرائع أوضحت لبني إسرائيل كيفية القيام بممارسة العبادة، مفصلة كل شيء، سواء أسلوب العبادة أو مسؤوليات الكهنة، أو حتى أنواع الحيوانات التي ينبغي تقديمها كذبائح، وكيفية القيام بذلك. لقد كان تقديم الذبائح (الذبح الطقسي لها وطبخها وأكلها) أمراً جوهرياً لطريقة العهد القديم في عبادة الله.

“وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة” (عب 9: 22). لكن! عندما قدَّم الرب يسوع نفسه ذبيحة واحدة وإلى الأبد، انتهى على الفور زمن سريان أسلوب العهد القديم هذا.  فهو لم يعد ذا شأن في العبادة المسيحية، مع أن العبادة في العهد الجديد كانت لا تزال باقية.

هناك تطبيقات حديثة كثيرة يمكن أن نجدها لهذا النوع من التغيير في الشروط بين عهد وآخر. فعلى سبيل المثال، في عقود العمل قد يحدد عقد جديد تغييرات كانت قد طرأت في ظروف العمل، أو في نظام الموظفين، كما في جدول الأجور… إلخ. ومع ذلك فقد يُبقي العهد الجديد على معالم محددة للعقد القديم مثل الأقديمة، وفترات الراحة والاحتياطات ضد الفصل التعسفي… إلخ.

طبعاً إنه من الاستحالة بمكان المقارنة بين عقد عمل عادي ومعاهدة الله لبني إسرائيل، لكن ولأن العقد هو نوع من المعاهدة فهذا سيساعد وبطريقة مألوفة على إعطاء توضيح لحقيقة أنه يمكن لعهد جديد أن يكون مختلفاً عن عهد قديم، على ألا يكون هذا الاختلاف بالضرورة اختلافاً كلياً. وهذا ما حدث بالضبط مع العهدين الكتابيين.

وهنا قد تسأل السؤال التالي: ألم يقل الرب يسوع إننا ما زلنا تحت الناموس، وإن نقطة واحدة منه لا تزول؟

وجوابنا لك هو: كلا لم يقل الرب يسوع هذا. لكن ما قاله الرب يسوع هو أنه ليس بإمكاننا تغيير الناموس (انظر لو 16: 16-17). إذ كان في ذلك الوقت يبشر بملكوت الله ويشجع كل واحد على أن يغتصب نفسه إليه.

أو بمعنى آخر شدد الرب يسوع على ضرورة دخول الناس إلى ملكوت الله بسرعة، وإلا فسيظلون ملزمين بحفظ الناموس القديم الذي كان أمر تعديله مستحيلاً. فهو قد أعطى ناموساً جديداً، ولم ينقض القديم، بل لقد أتمه أو أكمله. وبإمكان الناموس الجديد هذا أو العهد الجديد أن يمنح الداخلين فيه براً يفوق بر الكتبة والفريسيين الذين حفظوا العهد القديم بصرامة. لقد تمم الرب يسوع كل العهد القديم وأعطى عهداً جديداً، وهو عهد المحبة.

4-لقد تم أيضاً تجديد جزء من العهد القديم في العهد الجديد: وأي جزء نعني؟ الجواب هو أن الناموس الأدبي للعهد القديم قد تم تجديده بالفعل في العهد الجديد بحيث أصبح من اللازم على المسيحيين تطبيقه. فمن الواضح أن الله قصد أن تكون جوانب العهد القديم هذه سارية المفعول على كل شعبه من خلال العهد الجديد الذي كان مزمعاً أن يقيمه معهم.

إن الناموس الأدبي للعهد القديم قد تم تجديده بالفعل في العهد الجديد بحيث أصبح من اللازم على المسيحيين تطبيقه.

وفي الواقع فإن الشرائع المنتمية إلى النوعية التي تم تجديدها عادة ما تستمد استمرارية تطبيقها من حقيقة أنها تعمل لتعزيز الوصيتين الأساسيتين للعهد الجديد، واللتين يعتمد عليهما كل من الناموس والأنبياء (مت 22: 40): “تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك” (تث 6: 5) و”تحب قريبك كنفسك” (لا 19: 18).

ومن هنا نجد أن الرب يسوع قد أوجز لنا إذاً مقتطفات من بعض وصايا العهد القديم، معطياً إياها تطبيقاً جديداً (اقرأ مت 5: 21-48)، ومعيداً تحديد معانيها لتشمل ما هو أكثر وأكبر من نطاقها الأصلي. وعلى هذا الأساس فإن ما تم تجديده هو جوانب من شرائع العهد القديد وليس الناموس نفسه.

إن ما يمكن اعتباره جزءاً من العهد الجديد أو ناموس المسيح (غل 6: 2) هو ما تم تجديده وبكل صراحة من شريعة العهد القديم، وما يمكن أن تشمله هذه الفئة التي تم تجديدها هو الشريعة الأدبية مثل الوصايا العشر، لأنه عادة ما كان يتكرر اقتباسها بطرق مختلفة في العهد الجديد باعتبارها لا تزال ملزمة للمسيحيين (انظر مت 5: 21-37؛ يو 7: 23)، وكذلك الوصيتان العظميان من تثنية 6: 5 ولاويين 19: 18.

دور الناموس قديماً وفي الكتاب المقدس

لقد قام الناموس بدوره في تاريخ الخلاص ليؤدبنا إلى المسيح كما قال بولس الرسول في غلاطية 3: 24، وذلك بإظهار مدى سمو مقاييس الله للبر، ومدى استحالة أن يوفي أحد هذه المقاييس دون معونة إلهية.

وهذه أيضاً هي الطريقة عينها التي عمل بها الناموس في بني إسرائيل قديماً. إن الناموس بحد ذاته لم يُخلّص بني إسرائيل – لأن هذا لم يكن ليتوافق مع الفكرة العامة للأسفار الخمسة الأولى (الناموس) وكتب الأنبياء. فالله هو مَنْ خلّص إسرائيل. وهو وحده الذي دبر وسيلة إنقاذهم من العبودية في مصر، ودخولهم أرض كنعان وتنعمهم بالرخاء كمواطنين في أرض الموعد. أما الناموس فلم يفعل لهم شيئاً من هذا. لقد وضح الناموس فقط وببساطة شروط تعهد إسرائيل بالولاء لله.

الناموس القاطع

تأمل في المقطع التالي:

“وَعِنْدَمَا تَحْصُدُونَ حَصِيدَ أَرْضِكُمْ لاَ تُكَمِّلْ زَوَايَا حَقْلِكَ فِي الْحَصَادِ. وَلُقَاطَ حَصِيدِكَ لاَ تَلْتَقِطْ. وَكَرْمَكَ لاَ تُعَلِّلْهُ، وَنِثَارَ كَرْمِكَ لاَ تَلْتَقِطْ. لِلْمِسْكِينِ وَالْغَرِيبِ تَتْرُكُهُ. أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ. لاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَكْذِبُوا، وَلاَ تَغْدُرُوا أَحَدُكُمْ بِصَاحِبِهِ. وَلاَ تَحْلِفُوا بِاسْمِي لِلْكَذِبِ، فَتُدَنِّسَ اسْمَ إِلهِكَ. أَنَا الرَّبُّ. لاَ تَغْصِبْ قَرِيبَكَ وَلاَ تَسْلُبْ، وَلاَ تَبِتْ أُجْرَةُ أَجِيرٍ عِنْدَكَ إِلَى الْغَدِ. لاَ تَشْتِمِ الأَصَمَّ، وَقُدَّامَ الأَعْمَى لاَ تَجْعَلْ مَعْثَرَةً، بَلِ اخْشَ إِلهَكَ. أَنَا الرَّبُّ.”(لا 19: 9-14)

نحن عادة ما نسمي مثل هذه الوصايا التي تبدأ بأمر أو بنهي، بالشرائع القاطعة. فهي أوامر مباشرة، قابلة للتطبيق بشكل عام، تبين لبني إسرائيل أنواع الأمور الواجب عليهم القيام بها لأداء دورهم في العهد مع الله. لكن من الواضح تماماً أن مثل هذه الشرائع ليست شاملة. فعلى سبيل المثال، انظر إلى قوانين الالتقاط في الحصاد (العددان 9، 10).

ولاحظ أن ما يتم ذكره هو نتاج الحقل فقط (كالقمح والشعير…إلخ)، والكروم. وهنا نسأل: هل يعني هذا أنك إن قمت بتربية الماشية أو بجمع ثمار التين والزيتون، فلست ملزماً بمشاركة المسكين أو الغريب فيها؟ وهل يتحمل آخرون عبء تطبيق نظام الخدمة الاجتماعية المأمور به من الله في العهد القديم بينما تنفصل أنت عن أداء دورك دون أية خسارة؟ بالطبع لا. فالشرائع هنا تعطي معياراً أو مقياساً لما يجب أن تقوم به عن طريق مثال، وليس بذكر كل ظرف محتمل.

أيضاً تأمل في العددين 13، 14 إن الهدف من هذه الشرائع هو منع حجز أجور العمال الذين يتقاضون أجرهم يومياً، ومنع إساءة معاملة المعوقين. وهنا قد تسأل ماذا سيحدث لو قمت بحجز أجرة عامل طيلة الليل ثم أعطيتها له قبل الفجر مباشرة؟ ونحن نقول إنه من المحتمل أن يكون الكتبة والفريسيون أيام الرب يسوع قد برروا مثل هذا الفعل بدليل أن الشريعة قالت “إلى الغد”. لكن وللأسف إن مثل هذه الناموسية الضيقة والأنانية هي في الحقيقة تحريف للناموس.

فقد قُصد من كلمات الناموس أن تكون مرشداً يستند عليه مَنْ يريد تطبيق الناموس وأن تكون ذات تطبيق عام وليس وصفاً تفصيلياً لكل ما يمكن أن نتخيل حدوثه. خذ مثالاً آخر: إن قمت بإيذاء رجل أخرس أو مشلول أو متخلف عقلياً، فهل ستظل حافظاً للناموس؟ طبعاً لا. فالأصم والأعمى هما مجرد مثلين تم انتقاؤهما تمثيلاً لكل الناس الذين يتطلب ضعفهم الجسدي أن يعاملوا باحترام لا باحتقار.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الشرائع، مع كونها محدودة في عباراتها، إلا أنها في الحقيقة شاملة جداً في روحها. فمثلاً عند قراءتنا لناموس العهد القديم، عليه أن يقودنا للتواضع إذ أننا ندرك من خلال قراءتنا له مدى عدم استحقاقنا لأن نكون من خاصة الله، الأمر يجب أن يدفعنا إلى تقديم الحمد والشكر لله لأنه دبر لنا طريقاً آخر نستطيع به أن تصير مقبولين في عينيه.

ناموس المواقف الخاصة

للناموس القاطع نظير شبيه أو من نوع آخر، وهو ناموس المواقف الخاصة (التعامل مع كل حالة على حدة). تأمل الفقرة التالية من تثنية 15: 12-17

“إِذَا بِيعَ لَكَ أَخُوكَ الْعِبْرَانِيُّ أَوْ أُخْتُكَ الْعِبْرَانِيَّةُ وَخَدَمَكَ سِتَّ سِنِينَ، فَفِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ تُطْلِقُهُ حُرًّا مِنْ عِنْدِكَ. وَحِينَ تُطْلِقُهُ حُرًّا مِنْ عِنْدِكَ لاَ تُطْلِقُهُ فَارِغًا. تُزَوِّدُهُ مِنْ غَنَمِكَ وَمِنْ بَيْدَرِكَ وَمِنْ مَعْصَرَتِكَ. كَمَا بَارَكَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ تُعْطِيهِ. وَاذْكُرْ أَنَّكَ كُنْتَ عَبْدًا فِي أَرْضِ مِصْرَ، فَفَدَاكَ الرَّبُّ إِلهُكَ. لِذلِكَ أَنَا أُوصِيكَ بِهذَا الأَمْرِ الْيَوْمَ. وَلكِنْ إِذَا قَالَ لَكَ: لاَ أَخْرُجُ مِنْ عِنْدِكَ. لأَنَّهُ قَدْ أَحَبَّكَ وَبَيْتَكَ، إِذْ كَانَ لَهُ خَيْرٌ عِنْدَكَ، فَخُذِ الْمِخْرَزَ وَاجْعَلْهُ فِي أُذُنِهِ وَفِي الْبَابِ، فَيَكُونَ لَكَ عَبْدًا مُؤَبَّدًا. وَهكَذَا تَفْعَلُ لأَمَتِكَ أَيْضًا”.

إن العناصر الموجودة في شريعة كهذه مشروطة. ويمكن تطبيق هذه الشريعة فقط في حالة إذا:

  • كنت أنت يهودياً، وعندك عبد واحد على الأقل.
  • كنت أنت يهودياً، وعندك عبد يرغب أو لا يرغب في الاستمرار عندك كعبد عن اختيار بعد أن تكون مدة العبودية القسرية قد انقضت.

أما إن لم تكن يهودياً، ولا عبيد عندك، فهذه الشريعة لا تُطبق عليك. وإن كنت أنت عبداً، فالشريعة كونها موجهة إلى سيدك، تنطبق عليك فقط بشكل “غير مباشر” وذلك من حيث حمايتها لحقوقك. إلا أن هذه الشريعة خاصة جداً وهي لا تعني كل الناس بل هي مشروطة – أي مؤسسة على شرط محتمل يمكن تطبيقه على إنسان ما في وقت ما أو لا يمكن.

تؤلف هذه الشرائع التي تتعامل مع المواقف الخاصة، (أي المرتبطة كل منها بحالة معينة)، جزءاً كبيراً من جملة الوصايا التي تزيد على الستمائة، والموجودة في شريعة أسفار موسى الخمسة. ولأن مثل هذه الوصايا تتعلق فقط بحياة بني إسرائيل المدنية والدينية والأخلاقية، فهي بطبيعتها محدودة من حيث إمكان التطبيق. على هذا الأساس يثور السؤال عن المبادئ الحياتية التي يمكن أن يتعلمها المسيحي من شرائع المواقف الخاصة.

فمن خلال تثنية 15: 12-17 يمكننا ملاحظة عدة أمور:

أولاً: مع كوننا لا نمتلك عبيداً، إلا أنه يمكننا رؤية أن تدبير الله للعبودية في العهد القديم، لم يكن تدبيراً قاسياً. ومع أنه ليس في يدنا تبرير نوع العبودية الذي كان يُمارَس عبر تاريخ العالم، إلا أننا يمكننا القول إن إعطاء الحرية للعبيد بعد ست سنين فقط من الخدمة قد وضع حداً كبيراً لممارسة الاستعباد كي لا تحدث أية إساءة استخدام لهذه الممارسة فوق حدودها المقبولة.

ثانياً: يمكننا أن نتعلم أيضاً أن الله يحب العبيد. فنحن نرى محبته هذه من خلال الضمانات الصارمة لهم والتي صارت جزءاً من الشريعة، كما في العددين 14، 15 أيضاً اللذين طالبا بإبداء الكرم نحو العبيد، حيث أن الله نفسه نظر إلى بني إسرائيل كجماعة من العبيد السابقين.

ثالثاً: نتعلم أيضاً أنه يمكن معاملة العبيد بطريقة حميدة مما قد يجعل حال بعض العبيد في عبوديتهم أفضل من حالهم وهم أحرار. أي أن السيد صاحب العبيد، بقيامه بدوره في توفير الطعام والملبس والمسكن لعبيده، هو في حالات كثيرة قد ساعد في بقائهم أحياء وعلى ما يرام. لكن فيما لو تُركوا بمفردهم فقد يموتون من الجوع، أو يتعرضون لأخطار كثيرة، والتي عادة ما كانت تهدد حياتهم آنذاك بسبب قسوة الظروف الاقتصادية التي كانت سائدة في أرض فلسطين.

رابعاً: لم يكن سيد العبيد يمتلكهم بالمعنى الحقيقي المطلق. لكنه قد امتلكهم وفق مجموعة شروط واضحة وضمنية واردة في عدد من القوانين المتعلقة بالرق. إذ لم يكن السيد ليمتلك النفوذ المطلق على العبد بموجب الناموس. والله بحسب الناموس هو مالك الاثنين، السيد والعبد. فلقد افتدى الله كل العبرانيين، كما يقول العدد 15 وصاروا جميعهم ملكاً له، عبيداً كانوا أم أحراراً.

هذه الملاحظات الأربع هي ملاحظات هامة وبمثابة درس قيم لنا. وما يهمنا منها هو مقدار ما يمكننا أن نتعلمه من هذه الشرائع عن الله، وعن مطالبته بالعدل، وعن مُثُله المقدمة لمجتمع بين إسرائيل، وعن علاقته مع شعبه، وخاصة ما يتعلق منها بمعنى الفداء. إذاً تزودنا هذه الشريعة بما يلي

1-تعطينا جزءاً هاماً من خلفية تعليم العهد الجديد عن الفداء

2-وتقدم لنا صورة أوضح عن كيفية اختلاف مفهوم العهد القديم للعبودية عما اعتدنا أن نفهمه من معنى مصطلح العبودية.

3-تساعدنا على إلقاء نظرة على محبة الله التي لم نكن لندركها بطريقة أخرى وبكلمات أخرى يمكننا القول بأن هذا الفصل من الشريعة ما يزال بالنسبة لنا هو كلمة الله الثمينة.

ناموس العهد القديم والقوانين الأخرى القديمة

لم يكن بنو إسرائيل أول مَنْ عاش وفقاً للشرائع. فلقد ظلت أنظمة قوانين أخرى سارية مع أنها كانت تعود لأمم عاشت قبل زمن إعطاء الناموس لبني إسرائيل بموسى (1440 ق.م تقريباً أو بعد ذلك، اعتماداً على تاريخ خروج بن إسرائيل من مصر). ولدى مقارنة تلك الشرائع بشريعة العهد القديم، نجد أن هذه الأخيرة قد حققت تقدماً على سابقاتها. وإذا ما استطعت إدراك الفروق بين ناموس العهد القديم وتلك الشرائع القديمة. لابد لك من أن يزداد تقديرك لناموس العهد القديم.

هذا لا يعني قولنا بأن ناموس العهد القديم يُشكِّل أعلى مستوى ممكن من التعليم الأدبي والأخلاقي؛ لأن هذا المستوى الأكثر سمواً لم يتحقق إلا في تعاليم المسيح نفسه في العهد الجديد. غير أن ناموس العهد القديم يفوق ما قد سبقه من معايير بمقدار ملحوظ.

تأمل، على سبيل المثال، في المجموعتين التاليتين من القوانين: المجموعة الأولى هي من شرائع إشنونة، وهي شرائع أكادية تعود إلى حوالي 1800 ق.م.

“إذا قام شخص حر بشتم أَمَة رجل حر آخر، دون أن يكن للأول دعوى ضد الثاني وقام باحتجازها ببيته مما سبب لها الوفاة، فعليه أن يعوض للشخص الآخر صاحب العبدة المتوفاة عنها وذلك بإعطاء عبدتين. أما إذا قام وبدون مبرر قانوني بسب زوجة أو ابن شخص يفوقه في المكانة الاجتماعية فهذه جريمة قصوى عقوبتها موت الشخص المعتدي”

أما المجموعة الثانية فهي من الشريعة الشهيرة لحمورابي، الملك البابلي الذي سن شريعة الأرض عام 1726 ق.م.

“إذا قام سيد نبيل بضرب ابنة أحد النبلاء الآخرين مما تسبب في إجهاضها فعليه أن يدفع عشرة شواقل فضة بدلاً عن جنينها. أما إن ماتت الأم، فينبغي قتل ابنة المعتدي. وإذا قام من خلال ضربة عنيفة بالتسبب في إجهاض إحدى بنات عامة القوم فعليه أن يدفع خمسة شواقل فضة. لكن إذا تسببت ضربته في قتل إماء أحد النبلاء وتسبب في إجهاضها فيدفع شاقلين من الفضة. وإذا ماتت الأمة جراء الضربة فعليه التعويض بدفع ثلث منة من الفضة”.

هناك عدة نقاط تستحق الالتفات إليها في تلك الشرائع. لكننا نود لفت النظر إلى واحدة منها بالتحديد وهي الفروق الاجتماعية.  لاحظ كيف فرضت الشرائع الغرامة فقط عقاباً للذين يتسببون في موت عبد أو أحد أبناء عامة الناس في الوقت الذي تنفذ فيه عقوبة الموت على مَنْ يتسبب في موت أحد أفراد النبلاء. لاحظ أيضاً أن الحصانة ضد العقاب والتي كان يتمتع بها الذكور من النبلاء شريطة أن يكون أذاهم قد وقع على امرأة. أيضاً وفي شريعة حمورابي، لا يتضرر الرجل النبيل من جراء تسببه في موت إحدى بنات النبلاء.

لكن عقاب الموت، بدلاً من ذلك ينزل على ابنة النبيل المعتدي. أما في مجموعة الشرائع الأولى (إشنونة) فإن عقوبة التسبب في موت أحد العبيد تعوَّض بمنح المعتدي عبدين للمعتدى على حقوقه، أما القاتل فيبقى طليقاً.

نستنتج من تلك الشرائع أن النساء والعبيد كانوا يعاملون كالممتلكات، والأذى الذي يلحق بهم كان يعوَّض عنه بالطريقة نفسها التي تنص عليها القوانين الأخرى بهذه الأنظمة والتي تختص بعقوبة إيذاء الحيوانات والممتلكات المادية.

وهنا يمكننا القول بأن ناموس العهد القديم يمكن أن يُعد بمثابة قفزة ضخمة إلى الأمام بالتباين مع الشرائع الآنفة الذكر. فإن تحريم القتل لا يتحدد أبداً بناء على الجنس أو الوضع الاجتماعي: “لا تقتل” (خر 20: 13). “مَنْ ضرب إنساناً فمات، يُقتل قتلاً” (خر 21: 12). كما أن ناموس العهد القديم قد أحرز أيضاً تقدماً على الشرائع القديمة فيما يختص بالتعويض عن إصابة العبيد بأذى: “وإن أسقط (أحد) سن عبده أو سن أمته يُطلقه حراً عوضاً عن سنه” (خر 21: 27).

لقد كان للعبيد في ظل ناموس العهد القديم وضع أفضل مما كان لهم في الشرائع المبكرة. “إذا لجأ إليكم عبد هارب من مولاه، لا تسلموه إلى مولاه، بل يقيم حيث يطيب له في الموضع الذي يختاره في إحدى مدنكم، ولا تظلموه” (تث 23: 15-16 ترجمة كتاب الحياة)، وبالتباين مع قوانين شريعة حمورابي التي سمحت للرجل النبيل بأن يدفع ابنته إلى الموت عوضاً عن موت تسبب هو فيه، فناموس العهد القديم يعلن الآتي بصراحة: “لا يُقتل الآباء (عوضاً) عن الأولاد، ولا يُقتل الأولاد (عوضاً) عن الآباء. كل إنسان بخطيته يُقتل” (تث 24: 16).

فائدة ناموس العهد القديم لبني إسرائيل

للأسف لم تكن محاولة أي إنسان لنيل الخلاص والقبول الإلهي بواسطة الناموس فقط محاولة ناجحة بل لقد كان الفشل حليفها، فكسر إحدى شرائع الناموس على الأقل ولو لمرة واحدة خلال فترة حياة الفرد (رو 2: 17-27؛ 3: 20)، وانتهاك واحد لشريعة من شرائع الناموس كان كافياً لجعل الشخص “كاسراً للناموس” (انظر يع 2: 10).

ومع ذلك، فإذا ما تم فهم الأهداف الذاتية للناموس بشكل سليم، يمكننا معه رؤية فائدة الناموس لبني إسرائيل، ورؤيته كمثال رائع عن رحمة الله ونعمته لشعبه. عليك أن تقوم بقراءة الناموس في ضوء ما شرحناه لك وذلك عند مواجهتك لأنواع الوصايا التي سنقدم فيما يلي مثالاً عنها.

الشرائع المتعلقة بسفك الدم

“وَتُقَدِّمُ الثَّوْرَ إِلَى قُدَّامِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، فَيَضَعُ هَارُونُ وَبَنُوهُ أَيْدِيَهُمْ عَلَى رَأْسِ الثَّوْرِ. فَتَذْبَحُ الثَّوْرَ أَمَامَ الرَّبِّ عِنْدَ بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. وَتَأْخُذُ مِنْ دَمِ الثَّوْرِ وَتَجْعَلُهُ عَلَى قُرُونِ الْمَذْبَحِ بِإِصْبِعِكَ، وَسَائِرَ الدَّمِ تَصُبُّهُ إِلَى أَسْفَلِ الْمَذْبَحِ.”

خر (29: 10-12)

إن شرائع كهذه قد وضعت لبني إسرائيل معياراً هاماً، خُلاصته أن الخطية تستوجب العقاب. وقد أعلن الله لشعبه من خلال الناموس أن مَنْ يخطئ إلى الله لا يستحق أن يعيش. ومع ذلك فقد وفر الله أيضاً إجراء ما تتم بموجبه نجاة الخاطئ من الموت، وهو وجود دم بديل للسفك. وهكذا، فقد قبل الله موت كائن حي آخر – حيوان – عوضاً عن موت الخاطئ وسط شعبه. ونظام الناموس الذبائحي هذا قام الله بإدخاله على حياة بني إسرائيل كإجراء مهم لضمان بقاء الشعب.

“وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة” (عب 9: 22). والأهم من كل شيء، فقد قامت هذه الذبائح البديلة بترسيخ سابقة لعمل المسيح الكفاري البديلي. والمبدأ المعلن في عبرانيين 9: 22 هو مبدأ كتابي شامل.

إن موت المسيح يمثل إتمام مطاليب الناموس وهو الأساس لقبول    الله لنا.

وهكذا قام ناموس العهد القديم برسم الخلفية الواضحة لهذا الحدث العظيم في تاريخ البشرية.

المحظورات غير المعتادة

“لا تطبخ جدياً بلبن أمه”

(تث 14: 21)

قد يسأل أحدهم: وما الخطأ في ذلك؟ وما السبب في احتواء ناموس العهد القديم على شريعة كهذه: “لا تُنز بهائمك جنسين” أو ” حقلك لا تزرع صنفين” أو “لا يكن عليك ثوب مصنف من صنفين” (لا 19: 19)؟

الجواب هو بأن هذه النواهي وغيرها قد أعطيت بهدف منع إسرائيل من الاشتراك في الممارسات الخاصة بديانات الخصوبة التي كانت سائدة عند الكنعانيين. فالكنعانيون آمنوا بجدوى التأثير السحري في تطويع الآلهة والطبيعة، وذلك من خلال أفعال رمزية. مثلاً، كانوا يظنون أن طبخ جدي بلن أمه سيكفل دوام الخصوبة في القطيع بشكل سحري، وأن خلط السلالات والبذار والمواد كان نوعاً من تزويجها لكي تنتج بشكل سحري أيضاً نسلاً متمثلاً في الوفرة الزراعية في المستقبل.

أما الله فلا يمكنه أن يبارك ولن يبارك شعبه إن هم قاموا بمثل تلك الخرافات.

إن معرفتك للقصد الإلهي الكامن وراء تلك الشرائع والمتمثل في إبعاد بني إسرائيل عن الديانة الكنعانية حيث لا خلاص، ستساعدك على إدراك أن تلك الوصايا لم تكن اعتباطية، بل خطيرة ومهمة وذات نفع كبير.

الشرائع تجلب البركة على حافظيها

” فِي آخِرِ ثَلاَثِ سِنِينَ تُخْرِجُ كُلَّ عُشْرِ مَحْصُولِكَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَتَضَعُهُ فِي أَبْوَابِكَ. 29فَيَأْتِي اللاَّوِيُّ، لأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قِسْمٌ وَلاَ نَصِيبٌ مَعَكَ، وَالْغَرِيبُ وَالْيَتِيمُ وَالأَرْمَلَةُ الَّذِينَ فِي أَبْوَابِكَ، وَيَأْكُلُونَ وَيَشْبَعُونَ، لِكَيْ يُبَارِكَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ فِي كُلِّ عَمَلِ يَدِكَ الَّذِي تَعْمَلُ.”

(تث 14: 28-29)

كانت كل الشرائع، بطبيعة الحال، بمثابة وسيلة لنيل بني إسرائيل لبركات الله (لا 26: 3-13). إلا أن بعض هذه الشرائع كانت تنص وبالتحديد على أن حفظها وإطاعتها سيجلب البركة. فمثلاً شريعة العُشر الخاص بالنسبة للسنة الثالثة (تث 14: 28-29) تعزو البركة للطاعة. إذ أنه إن لم يعتن الشعب بالمحتاجين في وسطهم من اللاويين، واليتامى، والأرامل، فلن يمنح الله البركة.

إن العُشر هو ملك لله، وقد أوصى الله بكيفية استخدامه. وانتهاك مثل هذه الشريعة يعد سرقة لأموال الله. فهذه الشريعة تخدم مصالح المحتاجين (كان نظام الضمان الاجتماعي راسخاً بشكل جيد في العهد القديم)، كما أنها تخدم أيضاً مصالح الذين أحسنوا إليهم. وهذه الشريعة لم توجد لتقييد الإنسان أو كعقاب له، إنها في الحقيقة بالأولى نموذج للممارسة السليمة وبالتالي فهي نافعة لنا كما كانت أصلاً نافعة لبني إسرائيل في القديم.

موجز بما ينبغي عمله

وما لا ينبغي عمله

على سبيل تركيز بعض الأمور التي تناولناها في هذا الفصل، نقدم أدناه لائحة موجزة ببعض الإرشادات التفسيرية الحياتية التي نأمل أن تُعينك، كلما قمت بقراءة الشرائع الواردة بأسفار موسى الخمسة. إنك بإبقاء هذه المبادئ ماثلة أمامك، ستجدها ذات عون في تجنيبك إساءة في فهم وتطبيق الناموس.

1-   انظر إلى ناموس العهد القديم باعتباره كلمة الله ذات الوحي الإلهي الكامل لك.
2- انظر إلى ناموس العهد القديم كأساس    للمعاهدة القديمة، وبالتالي لتاريخ بني إسرائيل.
3- لاحظ مدى عدالة الله ومحبته ومعاييره السامية المعلنة في ناموس العهد القديم.
4- انظر لناموس العهد القديم كنموذج يقدم أمثلة لمختلف أنواع السلوك المتوقعة.
5- لا تتوقع أن قوانين أو شرائع العهد القديم تتكرر كثيراً في أسفار الأنبياء أو في العهد الجديد.
6- لا تنظر إلى ناموس العهد القديم وكأنه طائفة من القوانين التعسفية، وكأن القصد منه هو الحد من حرية الشعب أو مضايقته.
7- لا تغفل عن إدراك أن محبة الله تتساوى مع صرامة تلك المعايير.
8- لا تنظر لناموس العهد القديم باعتباره محتوياً على كل التفصيلات والاحتمالات الممكنة لكل المواقف.
9- لا تنظر إلى فرائض العهد القديم على أنها مُلزمة للمسيحيين في العهد الجديد.
10- لا تنظر إلى ناموس العهد القديم ضوء العهد الجديد.
11- تذكر أن لُب الناموس (الوصايا العشر والشريعتين الرئيسيتين) قد تكرر في أسفار الأنبياء وأكد عليه العهد الجديد.

12- انظر إلى ناموس العهد القديم باعتباره عطية الله لبني إسرائيل، ليعود عليهم بالبركة طالما أطاعوه.

 

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 9 – الناموس (الشرائع) شروط العهد لبني إسرائيل

آيات القتل في العهد القديم ونسبه لله، كيف يمكننا أن نفهم هذا؟

آيات القتل في العهد القديم ونسبه لله، كيف يمكننا أن نفهم هذا؟

آيات القتل في العهد القديم ونسبه لله، كيف يمكننا أن نفهم هذا؟

آيات القتل في العهد القديم ونسبه لله، كيف يمكننا أن نفهم هذا؟

نجد في العهد القديم قصصاً كثيرة “غير عادية”، مثل القتل أو الأمر بالقتل في العهد القديم. الكثير من هذه القصص تُعزي إلى الله نفسه. كيف يمكننا أن نفهم مثل هذه القصص: بصورة رمزية أو مجازية؟ هل يأمر الله نفسه بغزو أراضً أو بقتل الناس؟ أليس هو محبة (1 يوحنا 8:4)؟

إن فيلون الإسكندري، مفسّر العهد القديم اليهودي العظيم والمعاصر للمسيح، قد اعتمد على التفسير بحسب المجاز لتفسير نصوص عديدة من العهد القديم اعتبرها “غير لائقة” بالله. وتشمل هذه النصوص قصص انتصارات إسرائيل على شعوب أخرى خلال غزوهم لكنعان.

إن الأمْر الإلهي الظاهري معروف بـ “اللعنة ban”: وهو الأمْر بتدمير كل حياة غريبة، حيوانية وبشرية، هو بصورة عامة صورة لله موجودة في المزامير والأنبياء، حيث تصوره منتقماً، عنيفاً، حقوداً وقاسياً. كيف نتعامل مع هذه النصوص؟ كيف يجب أن نقرأ النصوص التي تُظهر الله وهو يأمر شبه بالقتل، أو التي تُظهر شعب الله وهو يطلبون منه، من الرب، أن يقضي على أعدائهم؟

يجب الاعتراف بأن فيلون كان محقاً عندما رفض أن يقرأ مثل هذه النصوص بصورة حرفية. مع ذلك توجد حدود يجب مراعاتها عندما نطبق المجازية، خاصة إن كان قصدنا أن “نشرح” عناصر من التقليد الكتابي تجعلنا نشعر بعدم الارتياح. علينا التسليم بحقيقة ما يُشار عادة إليه بـ “الكشف التدريجي”: وهو حقيقة أن الله يكشف عن طبيعته ومشيئته الحقيقية على مراحل، “بمقدار ما يستطيعون أن يتحملوا” (“أو حسب ما استطاعوا”: طروبارية عيد التجلي والتي تتحدث عن المقدرة المحدود للتلاميذ ليسبروا غور الأهمية الحقيقية لظهور يسوع في المجد).

في أقدم طبقات تقليد العهد القديم (والتي تعود إلى اكثر من ألف سنة قبل المسيح)، كان الله في الحقيقة يُصوّر على أنه يتصرف بحقد وانتقام، ويشنّ حرباً ويقضي على أعداء إسرائيل. بالتأكيد كانت يد الله توجّه شعبه منذ البداية ذاتها، وأحد جوانب هذا التوجيه هو السماح لإسرائيل بشن حربٍ والقضاء على العناصر الوثنية التي كانت تهدّد حياتهم وإيمانهم.

لكن الله كشف نفسه بالتدريج بصورة أكمل كإله الرحمة والحق والبرّ. يقول للنبي أشعياء إنه “قدوس إسرائيل”. ويقول لإرمياء إنه صانع “العهد الجديد” الذي سيعني الحياة لإسرائيل وللأمم. ولعاموس ولأنبياء آخرين هو الرب يطلب إظهار العدل والرحة للفقراء والضعفاء والمهّمشين، سواء كانوا من إسرائيل أو من “الأمم”.

كل هذا هيّأ الشعبَ للظهور الكامل الذي صنعه الله لنفسه في شخص ابنه الأزلي يسوع الناصري، وفي تعليمه وموته وتمجيده. فهم عرّف الله عن نفسه كمحبة لا حدود لها، محبة لا تطلب موت الخاطئ بل عودة الخاطئ – كل خاطئ – عن طرقه الشريرة ليحيا.

كيف فسّر آباء الكنيسة النصوص، خاصة نصوص العهد القديم، التي تصوّر الله إله حرب وقاضٍ منتقم؟ إنهم يميلون، مثل فيلون، إلى استعمال الطريقة بحسب المجاز وطرق أخرى من الاقتراب الرمزي المماثل. لقد فهموا “أعداء” إسرائيل المدانين بقسوة في المزامير على أنهم إشارة باطنية إلى “الشياطين”، إلى التأثيرات الشيطانية التي تسعى إلى جرّ المؤمنين إلى الهلاك. وفهموا دعوة الله لانغماس في حرب مفتوحة مع القبائل الوثنية كصور رمزية للصراع المسيحي ضد الأهواء، وضد أعداء الكنيسة الحقيقيين.

لكنهم فهموا هذا الصراع على أنه صراع روحي بصورة أساسية. الغاية منه يه تخليصنا من النزعات (الأهواء) الداخلية التي يمكن لها أن تهلكنا عن طريق إدخال الشك إلى الإيمان وإحلال الكبرياء مكان التواضع.

لو كان العهد القديم في الحقيقة “كتاباً مسيحياً” كما نعتقد، فعندئذ إن هذا النوع من القراءة بحسب المجاز أو القراءة الرمزية لنصوص معينة منه هي ليست فقط قراءة مسموح بها بل إلزامية. إن أعمق حقيقة يكشفها الله لنا عن نفسه هي بالضبط حقيقة أنه محبة بطبيعته بالذات.

تلك المحبة، الموصوفة بفصاحة جداً في 1 كورنثوس 13، هي مصدر ونموذج محبتنا، ومصدر الموقف والإيماءات التي بها نتصل بالله وبالناس الآخرين. مع ذلك لكي نحافظ على شبهٍ بتلك المحبة علينا أن ننهمك في معركة متواصلة، في “حرب غير منظورة”، تعود جذورها مجازياً إلى العهد القديم وإلى صوره المتنوعة التي تبدو “غير جديرة” بالله. (الأب جان بريك)

“منذ دخوله الأول للدير يجب على الراهب أن يكرّس كل عناية وانتباه ممكنين لقراءة الإنجيل المقدس. يجب عليه أن يدرس الإنجيل بانتباه جداً بحيث يكون حاضراً دائماً في ذاكرته. في كل قرار أخلاقي يتّخذه، وفي كل عمل، وفي كل فكر، عليه دائماً أن يستحضر في ذاكرته تعليم الإنجيل جاهزاً…” (القديس إغناطيوس بريانتشانينوف)

“مبارك أنت يا رب، علّمنا وصاياك. مبارك أنت يا سيد، فهّمنا حقوقك. مبارك أنت يا قدوس، أنرنا بعدلك” (صلاة الغروب)

آيات القتل في العهد القديم ونسبه لله، كيف يمكننا أن نفهم هذا؟

تاريخ الكنيسة في العصور الوسطى والظلم والعنف – لي ستروبل

تاريخ الكنيسة في العصور الوسطى والظلم والعنف – لي ستروبل

تاريخ الكنيسة في العصور الوسطى والظلم والعنف – لي ستروبل

تاريخ الكنيسة في العصور الوسطى والظلم والعنف – لي ستروبل

“لقد إستغلت المسيحية عبر التاريخ (من قِبَّل بعض الأشخاص) كمبرر لأكثر الأهوال الحمقاء القاسية الوحشية المعروفة للإنسان. والأمثلة التاريخية لا تصعب على التذكر: الحملات الصليبية، محاكم التفتيش، إحراق السحرة، الهولوكوست…. لم أر في المسيحية الكثير حتى أعتبر أنها تستحق أن أدين بها.”

كين شى – ملحد [1]

“لقد كانت المسيحية عطية للبشرية…. وكان لها تأثيرّ مفيد على الجنس البشرى… فمعظم الذين يعيشون اليوم في بيئة مسيحية ظاهرية بأخلاقيات مسيحية لا يُدركون كم ندين ليسوع الناصري… فكم من الخير والرحمة الموجودة في هذا العالم قد تدَّفقت بمقدار عظيم منه هو.”

جيمس كينيدى -مسيحي[2]

كان وين أولسون على الدوام هو الأكثر مرحاً في مجموعته. كقاض مهيب محترم له عينان زرقاوان شاحبتان، وهالة من الشعر الأبيض، كان أولسون يُمتع كل واحد بقصص مضحكة للغاية من خبراته الغريبة أحياناً من محكمة جنايات كوك كاونتي. كان يتمتع بذكاء حاد وبقدرة مذهلة على المرح، وبأكبر قدر من المودة المُشجعة التي يمكن أن يتصف بها مسئول في شيكاغو.

كان أولسون غير مشهور، لكنه كان قاضياً حى الضمير فيما يبدو. لقد أحب بشكل خاص أن يرى إسمه في الصحافة، لذلك كان عادةَّ ما يُقدِّم لى القصص عندما كنتُ مراسل الشيكاغو تريبيون في مبنى المحاكم الجنائية على الجانب الغربي من شيكاغو.

فى نهاية اليوم، أحياناً ما كنا نسترخي في مكتبه ونتبادل النكات. وعادةَّ ما كنا نُطلق بعض الضحكات بعد تناول المشروبات في مقهى Jeans، وهو مقهى مشهور، حيث كان يستضيف كل من لديه قصص عن كيف تمكن من دفع نفقات كلية الحقوق من خلال العمل طبالاً في فرقة بولكا Polka. ولأنه كان شخصاً إنبساطياً بشكل كبير، فلم يحتمل أن يكون وحيداً.

ذات مرة إتصل بطاقم الصحافة، ودعاني لحفل زفاف. ذهبتُ إلى مكتبه، ووجدتُ أولسون المرح يُشرف على زواج مفاجئ لقاطع طريق مقيد اليدين – كان قد حُكم عليه تواً بثلاث سنوات في السجن – وصديقته الحامل. وعلى الفور إختارني أولسون كشاهد العريس.

وقال مبتسماً بعدما قاد المساعدون العريس خارجاً بعد إحتفال لمدة دقيقتين: “عذراً، لا يوجد شهر عسل”.

كقاضي مخدرات يسمع قضايا إجرامية روتينية، لم يكن أولسون في وضع يمهد أية طرق قضائية جديدة. فعلى الأقل، لم يكن الأمر عمداً. ومع ذلك، ففى إجازة عيد الشكر لعام 1980، أصبح أولسون دون علمه متورطاً في حادث غير مسبوق في القضاء الأمريكي.

بعدما غادر أولسون مقر المحكمة، متوقعاً إجازة راحة لمدة أربعة أيام، إقتحم فريق من عملاء وكالة الإستخبارات الأمريكية FBI في سرية مكتبه المُظلم، ووضعوا جهاز تنصت مُصرّح به قانونياً. وقد أشار ذلك للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة أن الإستخبارات الفيدرالية قد تتصنت على قاض مقيم، وهو شرفِّ لو كان أولسون قد عرفه لكان قد تخلى عنه لأي إنسان آخر.

تيرانس هيك – المُدَّعى المعين للعمل في محكمة أولسون – كان في الواقع عميل سرى، وجزء من تحرى حكومى سرى يُدعى “عملية جرى لورد” Operation Greylord”. بعدما عاد أولسون من الأجازة، عندما كان أي إنسان تحت المراقبة يدخل مكتبه، كان هيك يستخدم جهاز إرسال مختفي لإرسال رسالة مُشفرّة لأحد عملاء الـ FBI المتمركز في سيارة تركن بالخارج. وكان العميل بعد ذلك يرسل لمُتحر آخر كَى يقوم بتفعيل جهاز التنصت حتى يتمكن العملاء من الإصغاء لما كان يدور خلف الأبواب المغلقة. [3]

على العموم، تم تسجيل أكثر من 250 ساعة من المحادثات – وقد أكدت الشكوك الحكومية أن القاضي كان يحيا حياة مزدوجة. فلقد إتضح أن أولسون المحبوب، المنبسط، وصاحب الشعبية الجارفة في المحكمة، مبتزاً فاسداً بشكلٍ رهيب، فقد كان يبيع العدالة لمن يدفع أكثر.

مُسجلّ على الشرائط إلى الأبد، كان أولسون يقبل الرشاوى من المساعدين ومُحّرفى العدالة في كل مرة. وفى أحد المواقف سُمع وهو يقول: “أحبُ الناس الذين يأخذون الرشاوي لأنك تعرف تماماً أين تقف.” [4] في الواقع، في غضون أيام بعد وضع جهاز التنصت، إستمع العملاء في إندهاش أولسون وقد سوَّى بوقاحةٍ قضية مخدرات مع محامٍ غير شريف.

أولسون: أنا جامع نقود.

المحامي: هل 200 دولاراً كافية أيها القاضي؟ لقد خصصتُ 765 دولاراً. لو لم تكن كافية فأخبرني. مهما كانت الصفقة….

أولسون: حسناً، لقد قمتُ بصفقةٍ مع شخص، لكنى سأعطيها لك، فأنت يمكنك القيام بعمل أفضل.

المحامي: لقد أعطيتك اثنتين ] 200 دولاراً [. لو لم تكن كافية فأخبرني. مهما كانت الصفقة….

أولسون: أحبُ من يدفع لى نصف… ما يحصل عليه… ففى بعض الأيام لا أحصل على شئ. ومن المُخجل أن يأتى شخص إلى هنا ولا يكون معه شيئاً. [5]

تركتُ شيكاغو تريبيون لتحرير صحيفة أخرى عندما إنتشرت الأخبار المذهلة، أولسون يُتهم بـ 55 فقرة إتهامية من الرشوة والإبتزاز. هززتُ رأسى. لقد خدعني، وخدع رفاقه، وخدع العامة لسنواتٍ طويلة جداً. شعرتُ بالخيانة والغضب إثر إستخفافه المتكبر بنفس القوانين التى أقسم على التمسك بها. لقد إنقلب عليه الحظ تماماً، فالقاضي الذي كان يتحكم ذات مرة في مصير الآخرين كأنه ملك وجد نفسه الآن محكوماً عليه بـأثنتى عشرة سنة في سجن فيدرالي.

ولم يذهب إلى السجن وحده. فعشرات القضاة والمحامين المنحرفين وجدوا أنفسهم أيضاً مجروفين في شبكة عملية جرى لورد – أكثر تحقيق سريٍ ناجح في تاريخ نظام محاكم كوك كاونتى – وهو تحري أثار أسئلة، بالتشابه، لها علاقة أيضاً بالمسيحية.

فاسد حتى النخاع؟

كان أحد الموضوعات التى طرأت على السطح خلال عملية جرى لورد هو: عندما يُكتب تاريخ شيكاغو، فهل سيُنظر إلى جرائم أولسون ومسئولي المحكمة الفاسدين الآخرين على أنها تشابهات في نظام شريف آخر للعدالة؟ وبأسلوب آخر، هل جهاز العدالة الإجرامي بلا شوائب أساساً ونزيه فيما عدا تلك اللطخات النادرة التى حدثت عندما حاول قاضي محتال أن يرتشي لنفسه؟

أم أن أولسون ورفاقه عُرضة للفساد المنظم المنتشر حتى إنهم أفسدوا DNA العدالة في كوك كاونتى؟ هل نظام المحكمة مُعرَّض حتى النخاع للإبتزاز والمحاباة، حتى إن قضية أولسون كانت حقاً نافذة لـ “العمل المعتاد” داخل القضاء المحلي؟

نفس هذه الأسئلة يمكن طرحها بخصوص المسيحية بشكل أساسي. فالمسيحيون يميلون لرؤية حالات سوء إستغلال الكنيسة والعنف خلال القرون كتشابهات في أية مؤسسة إيجابية أخرى.

ومع ذلك، فالنقاد أكثر استعداداً لإعتبار الصور الزائفة كالحروب الصليبية، ومحاكم التفتيش، ومحاكمات ساحرات سالم كتفسير لمشكلة أعمق: أن المسيحية نفسها مُلَّطخة حتى النخاع برغبةٍ متعطشة للسلطة لفرض إرادتها على الآخرين – حتى ولو كان من خلال العنف والأستغلال إن كان هذا ضرورياً. قال أحد أشهر ملحدى التاريخ الحديث – برتراند رسل – إن هذا يصعب تجنبه:

بمجرد أن يُفترض أن الحق المطلق سوف تتضمنه أقوال رجل معين، فسوف تكون هناك مجموعة من الخبراء لتفسير أقواله، وهؤلاء الخبراء يستوعبون القوة بشكل معصوم، وذلك لأنهم يمسكون مفتاح الحق. ومثل أية طائفة متميزة أخرى، يستخدمون قوتهم لمصلحتهم الشخصية… إنهم يصيرون خصوماً بالضرورة لكل تقدمٍ أخلاقي ومعرفي. [6]

وبالطبع فإن الأهوال التى اُرتكبت تحت أسم يسوع كانت بمثابة موانع صواعق بالنسبة لخصوم الإيمان. قال الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل ستيفن وينبرج: “بالدين أو بدونه، يمكن أن يكون لديك أخيار يفعلون خيرات وأشرار يفعلون شروراً. ولكن بالنسبة للأخيار الذين يفعلون شروراً، فهذا يتطلب الدين”. [7]

لقد كانت سوء الإستغلالات التي قامت بها الكنيسة أحد العوامل التي دفعت كين شى لإتخاذ خطوة جمع لفظتين متناقضتين لتأسيس مؤسسة إسمها “ملحدون ليسوع Atheists for Jesus” التي تعترف بما تدعوه أن يسوع هو”رسالة المحبة والوداعة”دون قبوله كالله، ودون قبول الكنيسة كبيته.

كان نفور تشارلز تمبلتون من كثير مما حدث من قِبَل الكنائس واضحاً في حوارنا كما هو في كتاباته. فبينما قرر أن الدين المُنظم قد قدم “خيراً لا يُقاس”، إلا إنه إتهم أنه “نادراً ما كان على أفضل أحواله. فكثيراً جداً ما كان تأثيراً سلبياً… وعبر القرون وفى كل قارة، كان المسيحيون – تابعي رئيس السلام – هم سبب الصراع والمتورطين فيه”. [8] فعلى سبيل المثال شبه الكنيسة خلال العصور الوسطى كونها “منظمة إرهابية”. [9]

هل هذا التخمين مؤكد بالبيانات التاريخية؟ هل من الممكن أن يدافع المسيحيون عن أنفسهم ضد المجازر الدموية الوحشية للحروب الصليبية والتعذيب الوحشي لمحاكم التفتيش؟ هل أمثلة العنف والإستغلال هذه تقدم طرازاً متواصلاً للسلوك يجب أن تحفز بشكل مبرر الباحثين الروحيين لتجنب الدين المنظم؟

هذه أسئلة مُربكة، ولكن لحسن الحظ لم آضطر للسفر بعيداً جداً للحصول على الإجابات. فقد كان واحدٌاً من أشهر مؤرخى المسيحية يسكن على بعد أقل من نصف الساعة من بيتى حينما كنتُ أسكن في ضاحية شيكاغو.

اللقاء السابع: جون د. وودبردج – دكتوراه في الفلسفة:

بعد الحصول على شهادة الماجستير في التاريخ من جامعة ميتشجن الحكومية، حصل وودبريدج الذي يجيد التكلم بلغتين على شهادة الدكتوراه من جامعة تولوز في فرنسا. وحصل على عضوية ومنحة فولبرايت من المنحة الحكومية للدراسات الإنسانية National Endowment for the Humanities American Council of Learned Societies. وقام بالتدريس في عدد من الجامعات المدنية، بما فيهم قسم الدين، Hautes Etudes، السوربون، باريس. والآن يعمل أستاذاً باحثاً في تاريخ الكنيسة في مدرسة اللاهوت الإنجيلية في دير فيلد، إلينوى.

تتضمن كتب وودبريدج العديدة المتعلقة بالتاريخ أعمال تقنية مثل “التمرد في فرنسا فيما قبل الثورة: مؤامرة أمير كونتى ضد لويس الخامس عشر 1755 – 1757″، الذي نشرته مطبعة جامعة جون هوبكنز، والمزيد من الجهود مثل القادة العظماء للكنيسة المسيحية Great Leaders of the Christian Church؛ أعظم من منتصرين More Than Conquerors؛ سفراء للمسيح Ambassadors for Christ. وكتب أيضاً كتباً عن اللاهوت والدراسات الكتابية مثل التفاسير، والسلطان، والقانون Hermeneutics, Authority and Canon؛ والكتاب والحق Scripture and Truth، وكلاهما إشترك في تأليفهما مع كارسون؛ والسلطان الكتابي Biblical Authority. بالإضافة إلى ذلك، عمل كمحرر أعلى لـ المسيحية اليوم لمدة عامين.

وودبريدج عضو كثير من الجمعيات التاريخية الرئيسية في الولايات المتحدة وفرنسا، بما فيها الجمعية التاريخية الكاثوليكية الأمريكية American Catholic Historical Association؛ الجمعية الأمريكية لتاريخ الكنيسة American Society of Church History؛ والجمعية الأمريكية لدراسات القرن الثامن عشر American Society of Eighteenth Studies؛ والجمعية الفرنسية Societe francaise du XVII siecle؛ وجمعية التاريخ الحديث والمعاصر Societe d’histoire moderne et contemporaine.

عندما قابلتُ وودبريدج في بيته الهولندي المزخرف بصورة تقليدية، أختبرتُ قليلاً من الشعور بتكرار الموقف. وبعد ذلك أدركتُ أنه يحمل تشابهاً غريباً للممثل بيتر بويل. كان الرجل الأصلع – أب ثلاثة أطفال، والبالغ من عمره 55 عاماً – يرتدى سويتر أبيض فوق قميص أزرق ذات أزرار. جلسنا أمام أحدنا الآخر على مائدة غرفة طعامه، وكانت عليها أوراق لكتاب كان يستكمله بينما كان في إجازة.

لم تكن هناك طريقة لبدء مناقشتنا. ليس في هذا الموضوع. فرغم أن لقاءنا كان قبل شهور قليلة من قيام البابا يوحنا بولس الثانى بتقديم إعترافه التاريخي العام، وطلب غفران الله عن الخطايا التي ارتكبتها أو تغاضت عنها الكنيسة الكاثوليكية الرومانية خلال الألفيتين الأخيرتين[10]، سحبتُ قصاصة من جريدة عن إعتراف أقدم تاريخاً من البابا، وأشرتُ إليه بينما طرحتُ التحدي الأول.

الإعتراف بخطايا الكنيسة:

بدأتُ قائلاً: “فى العام 1994 دعا البابا يوحنا بولس الثاني الكنيسة للإعتراف بـ “الجانب المظلم من تاريخها”، وقال: “كيف يمكن أن يبقى المرء صامتاً عن أشكال كثيرة للعنف المُرتكبة تحت إسم الإيمان – حروب الدين، محاكم التفتيش، والأشكال الأخرى من إنتهاكات حقوق البشر؟” [11].

أليس صحيحاً أن الكنيسة عبر القرون قد أغفلت بشكلٍ مقصود هذه المساوئ؟

بينما كان وودبريدج يستمع، جلس ومرفقيه على المائدة، ويديه مربعتين وقام بتحليل سؤالي قبل لحظاتٍ من الرد.

أجابني قائلاً: “أعتقد أن تصريح البابا كان شجاعاً؛ لأنه يعترف أن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية قد تغافلت عن بعض الأشياء التي أُرتكبت تحت إسم المسيح، وهي عُرضة بوضوح لنقد المسيحية بوجهٍ عام.

“ورغم ذلك، اُضيفُ سريعاً أننا يجب أن نحرص على إستخدام تعبير “الكنيسة”، لأن هذا يعطى إنطباع أنه كانت هناك مؤسسة واحدة تمثل المسيحية. سوف أضعُ حداً فاصلاً من التمييز بين الناس الذين هم جزء من “الكنيسة” – الناس الذين هم الخراف الذين يسمعون صوت الراعي وهم مسيحيون حقيقيون – و”الكنائس المؤسسية”، قالها وهو يؤكد على جمع الكلمة قبل الأخيرة.

أضاف: “والآن بوضوح هناك الكثير والكثير من المسيحيين الحقيقيين الذين هم في الكنائس المرئية، ولكن بسبب أن شخصاً ما هو جزء من كنيسة ليس معناه بالضروري أنه تابعاً ليسوع. بعض الناس مسيحيين ثقافيين وليسوا مسيحيين أصليين.”

فنظرتُ متشككاً وتساءلتُ: “أليس هذا جزء من تعديلية القرن الحادي والعشرين؟ فهذا يجعل من الأسهل للنظر إلى الماضي، والقول بأن كل الأهوال التى أُرتكبت تحت إسم المسيحية قد إرتكبت حقاً من قِبَل أولئك الذين قالوا إنهم كانوا مسحيون، لكنهم لم يكونوا هكذا في الحقيقة. هذا يبدو مجال مناسب للمراوغة.”

فأصر قائلاً: “لا” فهذا التمييز ليس جديداً. ففي الحقيقة يعود الأمر إلى يسوع نفسه. مدَّ يداه لكتابه المقدس الذي كان مختبئاً بين بعض الأوراق المتناثرة، وقرأ كلمات يسوع من إنجيل متى:

“لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لَي: يَا رَبُّ يَا رَبُّ يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتَ. بَل الَّذي يَفْعَل إرَادَةَ أبَي الَّذي فَي السَّمَوَاتَ. كَثَيرونَ سَيَقُولُونَ ليِ فَي ذَلكَ الْيَوْمَ: يَا رَبُّ يَا رَبُّ ألَيْسَ باسْمَك تَنَبَّأنَا وَبَاسْمَكَ أخْرَجْنَا شَيَاطينَ وَبَاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحينَئَذٍ أُصرَّحُ لَهُمْ: أنِّي لَمْ أعْرَفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعَلَي الإثْم![12]

وبعدها قال وودبريدج: “وهكذا تكلم يسوع عن هذا التمييز منذ ألفي عام. وبالطبع خلال القرون أرتكب الكثير تحت إسم المسيحية لا يعكس تعاليمه.

“على سبيل المثال، حاول أدولف هتلر أن يصبغ حركته كحركة مسيحية، لكنه لم يقدم بوضوح ما أشار إليه يسوع. وعندما طُلب من اللاهوتي كارل بارث أن يبدأ محاضرة في ألمانيا بالقول “مرحي هتلر Heil Hitler”، أجاب: من الصعب أن أقول: “مرحى هتلر” قبل تفسير الموعظة على الجبل! “فهذان الشيئان لا يتوافقان معاً. ولذلك إن قبلنا هذا التمييز، يمكننا أن نحلل بوضوح أكثر بعض الأشياء المنسوبة للإيمان المسيحي.”

بُقيتُ ملتبساً فتساءلتُ: “هل تقصد إذاً أنه كان شئ شرير قد اُرتكب في التاريخ، فلا يمكن أن يكون قد إرتكبه مسيحيون أصليون؟”

فأجابني: “لا، لا، لا أقولُ ذلك. فالكتاب المقدس يوضح أنه بسبب طبيعتنا الخاطئة، فإننا نستمر في عمل الأشياء كمسيحيين لا يجب أن نعملها. نحن غير كاملين في هذا العالم. ولسوء الحظ، فإن بعض الأفعال الشريرة التي اُرتكبت عبر التاريخ ربما تكون في الحقيقية قد إرتكبها مسيحيون. وعندما حدث ذلك، يكونوا قد تصرفوا على خلاف تعاليم يسوع.

“وفي نفس الوقت، يجب أن نميز أنه كان هناك غالباً صوت أقلية إعترف بمساوئ ما مارسته بعض الكنائس المؤسسية. على سبيل المثال، كنتُ أقرأ للتو هذا الصباح أنه خلال إحتلال إسبانيا لأمريكا اللاتينية، كان هناك كاثوليك رومان يُرَّوعون لكون السكان الأصليين كانوا يُستغلون لأغراضٍ إقتصادية تحت إسم المسيح. وقالوا: “لا، لا يمكنكم عمل ذلك!” كان هؤلاء المسيحيون مستعدون لإعلان مساوئ ممثلي الدولة أو الكنيسة.”

“نعم، من المناسب تماماً الإعتراف بأن بعض الأشياء التي إرتكبها مسيحيون هي في حقيقتها خطايا. فالكتاب المقدس يخبرنا أن نعترف عن خطايانا. والإعتراف يجب أن يكون واحداً من الصفات المميزة للمسيحيين – فهو إستعداد للتصريح بالخطأ، وطلب الغفران، والسعي لتغيير طرقنا في المستقبل. في الواقع، ليس البابا وحده الذي يقوم بذلك. ففي الإتفاقية المعمدانية الغربية كانت هناك مبادرة حديثة للإعتراف بأن المعمدانيين الغرب الأوائل قد أخطأوا بشكلٍ رديء بخصوص موضوع العبودية. ومنذ عدة سنوات إعتذرت مجموعة لوثرية كندية لليهود لمناهضة السامية في كتابات مارتن لوثر.”

“كمؤرخ، هل يمكنك توضيح لماذا يتخذ المتشككون المساوئ من تاريخ الكنيسة بإعتبارها حُججاً ضد المسيحية، أو كطريقة للهجوم على الإيمان؟”

فأجابنى: “يمكنني أن أفهم ذلك. لسوء الحظ، فإن بعض الأحداث المعينة في التاريخ قد نشأ عنها السخرية في بعض الناس تجاه المسيحية. وفي نفس الوقت، هناك عدد من الآراء المضللة حول ما فعله المسيحيون وما لم يفعلوه. فبعض النقاد هاجموا المسيحية الثقافية، وقد فشلوا في فهم أنها مسيحية حقيقية.

“لقد كانت هذه واحدة من مشكلاتنا لقرون. كان فولتير ناقداً رئيسياً للمسيحية، ومع ذلك عندما ذهب إلى إنجلترا، إلتقى ببعض المسيحيين من الكويكرز Quakers والمطهريين Presbyterian، وتأثر بإيمانهم للغاية. لذلك من الممكن أن يكون هناك شكل مؤسسي للمسيحية أحياناً ما يصد الناس، بينما من الممكن أن تكون التعبيرات الحقيقية عن الإيمان جذابة للغاية عندما يقابلها الغير مسيحيين.”

بهذه الخلفية قررتُ الرجوع إلى فجر المسيحية ثم الإنتقال للأمام عبر التاريخ بإثارة بعض أكثر الأحداث إزعاجاً التى نُسبت إلى الإيمان.

لماذا إنتشرت المسيحية؟

لقد تعجب المؤرخون ووضعوا النظريات حول السرعة المدهشة التى إنتشرت بها المسيحية في الإمبراطورية الرومانية رغم الإضطهاد الوحشي. طلبتُ من وودبريدج أن يخمن التعليقات التي قالها الملحد الذي صار مسيحياً باتريك جلين:

جزء من سبب الإنتشار السريع للمسيحية، كما أشار المؤرخون، كان ببساطة أن المسيحيين الأوائل أناساً ودعاء. فوداعة المسيحيين وخدمتهم للفقراء والمسحوقين جذبت تابعين جدد. قال مؤرخ: “المسيحيون أدهشوا القدماء بإحسانهم.”

أومأ وودبريدج مستجيباً، وقال: “نعم، أعتقد أن إشارة جلين للإنتشار السريع للمسيحية دقيق. فترتليان Tertullian يكتب في نهاية القرن الثاني: “نحن مجرد أبناء الأمس، ومع ذلك نملأ مدنكم، وجزيرتكم، وقصركم، ومجلسكم، وساحتكم، وقد تركنا لكم فقط معابدكم.” ولذلك ففي غضون 150 عاماً إنتشرت المسيحية بسرعة كبيرة جداً جداً.

“وتفسير واحد لإنتشارها السريع – كما أشار جلين – هو أن مسيحيين كثيرين لم يكونوا يعتنون فقط بخاصتهم، بل كانوا يعتنون بالجيران، والفقراء، والأرامل، والمجروحين، وكانوا محبين جداً بصورة أساسية. لقد أظهروا العطف تجاه الأطفال، الذين كانوا يُعاملون غالباً بقسوة من قِبَل الرومان واليونانيين عند ميلادهم، ولا سيما الأطفال من البنات. كان أسلوب حياة المسيحيين يناسب تعاليمهم، ولذلك كان الكثير من المسيحيين الأوائل لا يخافوا أن يقولوا: “تمثلوا بنا كما نتمثل نحن بالمسيح.”

وبقول هذا، أضاف وودبريدج شيئاً بقليلٍ من الخجل: “لسوء الحظ، في الكرازة المعاصرة يقول البعض: “لا تنظروا إلينا، أُنظروا إلى المسيح”، لأننا نخشى ما سيجده الناس إن تعرَّضت حياتنا للفحص. لم يكن هذا مناسب للكثير من هؤلاء المسيحيين الأوائل – فقد كان هناك تناغم بين معتقداتهم وسلوكهم.”

سحب وودبريدج ورقة وقال: “يمكننا أيضاً الحصول على بعض الأفكار حول سبب نمو المسيحية بسرعةٍ مذهلة من بعض غير المسيحيين الأوائل.” ثم قرأ بصوتٍ عالٍ ملاحظات لوسيان Lucian، وهو هجائي يوناني من القرن الثاني، وناقد للمسيحية:

هذه المخلوقات المُضللة تبدأ بالإقتناع العام أنها خالدة إلى الأبد؛ وهذا يفسر إحتقار الموت وتكريس النفس طوعاً، الأمر الشائع جداً عندهم، وأنه قد أوصى لهم – من قِبَل مُشرعهم الأصلى – أنهم جميعاً أخوة منذ لحظة تحولهم. وهم ينكرون آلهة اليونان ويعبدون الحكيم المصلوب، ويتبعون نواميسه. كل هذا يلزمونه بالإيمان، وتكون النتيجة أنهم يحتقرون كل المسرات العالمية على حدٍ سواء، معتبرين إياها مجرد ملكية عامة. [13]

“إنه يؤكد حقيقة أن المسيحيين عاملوا الواحد الآخر كأخوة، وشاركوا ممتلكاتهم بحرية مع بعضهم البعض. أضف إلى ذلك عاملاً مهماً آخر يشير إليه: فالمسيحيون آمنوا أن الموت هو أن تكون مع المسيح. ويقول يوستينوس الشهيد Justin Martyr في الدفاع الأول the First Apology: “يمكنكم أن تقتلونا، ولكن لا يمكنكم أن تجرحونا.” [14] معظمنا يعتقد أن القتل هو جُرح طويل المدى، ولكن من وجهة نظرهم، فإن القتل لا يهم كثيراً جداً. وهذا ما قاله بولس: “لَيَ الْحَيَاةَ هَيَ الْمَسيحُ وَالمَوْتُ هُوَ ربْحٌ.” [15]

“ولذلك عندما تأخذ في الإعتبار تكريس المسيحيين الأوائل الشجاع للإيمان، وإستعدادهم للشهادة من خلال إستشهادهم لحق المسيح، وأسلوب حياتهم الوديع المتعاطف، وإهتمامهم بالواحد الآخر وبالمعوزين والمجروحين والمحرومين في المجتمع، وتكريسهم للصلاة، وقوتهم بالروح القدس، يمكنك أن تبدأ في فهم لماذا إنتشر الإيمان بسرعة مدهشة.”

فتساءلتُ: “أساساً، هل كان تبّنى المسيحية كديانة الدولة الرومانية أمراً جيداً أم رديئاً؟”

“من ناحيهً، كان من الرائع جداً أن تتوقف الإضطهادات – ومن هنا كان ذلك أمر جيد.” قالها وودبريدج مبتسماً. “ولكن فيما أصبحت الكنيسة مرتبطة بالدولة عن قرب، فقد بدأت الكنيسة إستخدام الدولة كوكالة إضطهادية، وقد صار ذلك أمر رديء للغاية. وبالإضافة إلى ذلك، فقد تسربت روح العالم إلى الكنيسة.”

“كيف ذلك؟”

“لقد إنتشرت شائعة أن قسطنطين قد وعد أنه لو صرتَ مسيحياً، لحصلت على رداءٍ جميل وقطع من الذهب. حسناً، فهذه ليست أمور صعبة كي تصير مسيحياً. ومن هنا كان الباب مفتوحاً على مصراعيه لمن قد يكونون إعترفوا بالمسيحية، لكنهم لم يقبلوا يسوع حقاً.”

“وبأسلوبٍ آخر مسيحيون ثقافيون أكثر مما يكونوا تابعين حقيقيين ليسوع؟”

“تماماً.”

بترسيخ الأساس المتعلق بالمسيحية المبكرة، قلبتُ الصفحة في قائمة أسئلتى، وبدأتُ التركيز على الوصمات الرئيسية الخمسٍ في التاريخ المسيحي التي أزعجتني بالأكثر عندما كنتُ متشككاً – الحروب الصليبية، محاكم التفتيش، محاكمات ساحرات سالم، إستغلال الإرساليات، ومناهضة السامية.

الخطية الأولى: الحروب الصليبية:

قلتُ لوودبريدج: “لنتقدم إلى الأمام. لقد حاولتْ الحملات الصليبية المسيحية لمدة قرنين أن تطرد المسلمين من الأراضي المقدسة.” فتحتُ كتاباً تاريخياً وقلَّبت صفحاته حتى وجدتُ المكان الصحيح، وقلت: “لقد وصف تقريرٌ مرعب دخول الحملات الصليبية أورشليم في الحملة الصليبية الأولى هكذا…” وقرأتُ لوودبريدج الوصف التالي من شاهد عيان:

بعض رجالنا… قطعوا رؤوس أعدائهم، والبعض الآخر أطلقوا عليهم السهام حتى يسقطوا من الأبراج، والبعض عذبوهم لفترة أطول بطرحهم في اللهيب… كان من الضروري أن يسلك المرء طريقه فوق جثث الرجال والخيول. لكن هذه كانت أمور طفيفة مقارنةً بما حدث في هيكل سليمان (حيث)… كان الرجال يركبون خيولهم وسط دماء ترتفع إلى ركابهم وسيور اللجام. في الحقيقة كانت هذه دينونة عادلة ساعية من الله أن يمتلئ هذا المكان بدماء غير المؤمنين لأنه عانى مراراً من تجديفاتهم [16].

أغلقتُ الكتاب بقوةٍ وبنفورٍ، ونظرتُ بحدةٍ إلى وودبريدج، وسألته بصوتٍ مشحون بالهجاء: “هل تتفق أن الحملات الصليبية كانت عادلة وسامية؟”

فقال بصرامة: “هذا النوع من سفك الدماء كريه ومنفر. هل حدث؟ نعم حدث. هل التفكير فيه يسبب حسرة الفؤاد؟ نعم. لستُ أحاول تبريره أو تفسيره. ومع ذلك فإن سؤالك: “هل كانت الحملات الصليبية عادلة أم لا؟” يتطلَّب إجابة إما – أو، وأعتقد أنه سيكون من المفيد بصورة أفضل أن نقدم سياقاً أكثر تفصيلاً.”

جلستُ في مؤخرة مقعدي، وقلتُ: “هيا”.

بدأ وودبريدج: “أطلق البابا أوربان الثّاني Pope Urban II الحملة الصليبية الأولى في العام 1095 عندما ألقى عظة مشهورة جداً، فإستجابت الحشود بالهتاف: “الله يشاء هذا!” وإستمرت الحملات الصليبية حتى خسارة آخر حامية مسيحية في الأراضي المقدسة في العام 1291 عندما أخذ المسلمون مدينة إسمها عكا مرة أخرى. وعادت أورشليم ليد المسلمين قبل العام 1187.

“إستدعى البابا البارونات وآخرين للذهاب إلى الأرض المقدسة وإستعادتها من المسلمين الذين كانوا يحتلونها، والذين إعتبروا أعداء المسيح. ولذلك إن وضعنا أنفسنا مكان محاربي الحروب الصليبية الأوائل، يمكننا أن نفهم أنهم كانوا يعتقدون أنهم يقومون بشئ سام للمسيح. ولكن عندما تدرس تفاصيل ما حدث بالفعل، فسوَّف ترتبك كثيراً. في الحقيقة، في حملة صليبية واحدة، وهي الحملة الرابعة، لم يصل المشاركون حتى إلى الأرض المقدسة. لقد وصلوا إلى القسطنطينية، فإستولوا عليها، وأسسوا هناك مملكتهم الخاصة. وكانت النتيجة سفك الدماء بشكلٍ رهيب. فـ “المسيحيون” الغربيون قتلوا المسيحيين الشرقيين.

“بالإضافة إلى العنف، كانت هناك مشكلةّ رئيسية أخرى هي الدافع وراء بعض من ذهبوا. كانت هناك مشكلةٌ رئيسية أخرى هي الدافع وراء بعض من ذهبوا. ففي العام 1215 علَّم البابا إننوسينس الثّالث Pope Innocence III الناس بالفعل أنه لو إنطلقوا في الحروب الصليبية، فهذا سيضمن لهم خلاصهم. لقد كانت تلك المشورة تشويه وآضح للمسيحية الحقيقية. فهي تسخر من تعاليم الكتاب المقدس، ولا يمكنها بحالٍ من الأحوال أن تتوافق مع المعتقدات المسيحية التاريخية.

“لقد صار من الأصعب تخمين دوافع الحروب الصليبية بعد أن إسترد المسلمون أورشليم. وبعض الحملات الصليبية اللاحقة ورطت المسيحيين للذهاب إلى الأراضي المقدسة في محاولةٍ لحماية المسيحيين الآخرين الذين كانوا في ضيقات شديدة. ورغم ذلك من العدل أن نقول إنه رغم نوايا أي إنسان، فإن الجشع والقتل العام الذي إرتبط بالحملات الصليبية قد تركَّ وصمة قبيحة على سمعة الإيمان المسيحي.

“وهذا ليس مجرد منظور متحرر للقرن الحادي والعشرين. ففي القسم الأول من القرن الثالث عشر كان بعض المسيحيين يقولون نفس الشئ. فقد كان أحد أسباب إنحلال نموذج الحملات الصليبية هو التقاليد الزائفة العديدة المرتبطة بالحملات الصليبية. لقد حاول البابوات في القرون اللاحقة إطلاق حملات صليبية أخرى، لكنهم لم ينالوا الدعم الشعبي والسياسي. فالتعارض الأصلي بين المسيحية الحقيقية وتقرير ماكانت عليه الحملات الصليبية أسهم لضياع الاهتمام أو الحماسة لخوض حروب صليبية جديدة.

“وهذا يعود بنا إلى التفرقة بين الأشياء التى تُؤدى تحت إسم المسيح وتلك الأشياء التى تمثل حقاً تعاليم يسوع. فعندما تحاول التوفيق بين تعاليم يسوع مع مجازر الحروب الصليبية، فلن يكون هناك طريق للتوفيق بينهما.”

فتساءلتُ: “ماذا تقول لغير المسيحي الذين يقول إن الحروب الصليبية توضح فقط أن المسيحيين يريدون أن يظلموا الآخرين، وأنهم عنفاء كالآخرين”؟

تأمل وودبريدج في السؤال للحظات قبل الجواب، وبدأ قائلاً: “سأقولُ إن هذه العبارة فيها بعض الحق فيما يخص الحروب الصليبية. فقد كان هناك أناسٌ إرتكبوا ما لم يجب أن يرتكبوه تحت إسم المسيح. ومن هنا فسوف أوَّضح أنه ليس كل شئ يُرتكب تحت اسم المسيح يجب أن يُنسب في الحقيقة إلى المسيحية.

“ولكني لن أحاول أن أراوغ فكرة أن هناك أهوالاً قد حدثت أثناء الحروب الصليبية. فهي بحاجة للإعتراف بأنها تتعارض تماماً مع تعاليم ذاك الذي كان محاربو الحروب الصليبية يتبعونه إفتراضاً. من المهم أن تعاليم يسوع ليست هي المغلوطة ليست هي المغلوطة ههنا، بل أفعال أولئك الذين قد ضلّوا لأي سببٍ عما علّمه هو بوضوح: علينا أن نحب أعداءنا. فنظرية “الحرب العادلة” لا بدَّ أن تتفاعل مع هذا المفهوم.

“ليس هناك من ندد بالرياء أو بالوحشية أكثر من يسوع. ومن هنا، إن كان النقاد يؤمنون أن ملامح الحروب الصليبية يجب إستنكارها بإعتبارها ريائية وعنيفة – فحسناً، يجب أن يتحدوا مع المسيح. يجب أن يوافقوه.”

الخطية الثانية: محاكم التفتيش

بدأت محاكم التفتيش في العام 1163م عندما أمر البابا ألكساندر الثّالث Pope Alexander III الأساقفة إكتشاف برهان الهرطقة والتصرف ضد الهراطقة. وما تبع ذلك كان حملة من الرعب، بإجراءات سرية، وسلطة أعلى مخصصة للمفتش وإفتقاد كامل للقضاء المستحق، حيث كان المتهمون لا يعرفون أسماء متهميهم، ولم تكن هناك هيئة دفاع، وكان التعذيب يستخدم لإستخراج الإعترافات. وأولئك الذين رفضوا أن يتوبوا أحيلوا إلى الحكومة لمواجهة الحرق على الأوتاد.

تساءلتُ: “ما الذي دفع إلى محاكم التفتيش؟ والأهم، كيف أمكن لمسيحيين حقيقيين أن يشتركوا في مثل هذه الأهوال؟”

فشرح وودبريدج: “يمكن أن تعود جذور محاكم التفتيش إلى إهتمام البابوية العميق بمشكلة الهرطقة، خاصةً في فرنسا الجنوبية بين الـ Albigeneses. في الواقع، لا جدال أن الـ Albigeneses كانوا مؤيدو التعاليم والممارسات الهرطقية. ولم تفلح معهم الوسائل التقليدية للإقناع كإيفاد الإرساليات لهم. وكانت محاكم التفتيش مدخل أو إستراتيجية بديلة لمحاولة منع هذه الهرطقة من الإنتشار. وقد كانت هناك عوامل سياسية فعالة أيضاً، فسكان فرنسا الشمالية كانوا يبحثون عن أي مبرر للتدخل في المقاطعات الجنوبية.

“وقد كانت هذه هي المرحلة الأولى لمحاكم التفتيش؟”

“نعم. كانت هناك أساساً ثلاث موجات من محاكم التفتيش. الأولى تلك التي ذكرتها. والثانية بدأت في العام 1472 م عندما ساعدت إيزابيللا Isabella وفرديناند Ferdinand في تأسيس محكمة التفتيش الإسبانية، التي كان سلطان البابا أيضاً من ورائها[17]. والموجة الثالثة بدأت في العام 1542 م عندما قرر البابا بولس الثالث Pope Paul III تصيد البروتوستانت، ولا سيما الكالفنيين.”

“لديكم هكذا كاثوليك يدعون أنفسهم مسيحيين يضطهدون بروتوستانت يدعون أنفسهم مسيحيين.”

“نعم، وهذا يُوَّضح من جديد أنه لا يمكن حقاً أن تتكلم عن “الكنيسة الواحدة”. فالأمور تتعقد بشكل أكبر بسبب أن المعاصرين قد عرَّفوا الهرطقة عادةً بفتنة سياسية. فلو أن شخصاً قد أُعتبر هرطوقياً، فقد كان يُعتبر أيضاً مثيراً للفتنة سياسياً. ومثال ذلك، في محاكمة مايكل سيرفيتوس Michael Servetus، قدمته الحكومة أخيراً إلى الموت. كان أحد الإتهامات هو أنه هرطوقياً، ولكن ماذا كان خوف الدولة أيضاً مثيراً للفتنة سياسياً. لقد كان الدين والسياسة مرتبطان معاً.”

“هل من الممكن أن بعض المسيحيين الحقيقيين كانوا حقاً ضحايا محاكم التفتيش؟ إننا نعتقد – على نحو نموذجي – أن المسيحيين يرتكبون الأهوال ويتساءلون كيف يمَّكن لمسيحيين حقيقيين أن يعذبوا أي إنسان، ولكن هل من الممكن حقاً أن يكون المسيحيون الحقيقيون قد كانَّوا هم المقتولين؟

“نعم، هذا محتملٌ جداً. فنحن لا نعرف هويات كل من ماتوا، ولكن على الأرجح كان كثيرون منهم ممن يحملون الإيمان الحقيقي. بالطبع هناك برهان أن الكنيسة الكاثوليكية قد فقدت صوابها في إطلاق محاكم التفتيش هذه. وأحياناً ما إستخدم البروتستانت إستراتيجيات غير مناسبة لإخماد الهرطقة أيضاً.”

“هل كانت محاكم التفتيش تشابه أم جزء من نمط أوسع من المساوئ والظلم من قِبَل الكنائس عبر التاريخ؟”

“أعتقد أن محاكم التفتيش تراجيدياً لا يمكن للمسيحيين الفرار منها. لكنى لا أعتقد أنها تمثل تاريخ الكنائس المسيحية. فمن الإفراط الشديد أن نقول إن هذا النوع من النشاط الكاره هو جزء من نموذج.

لمعظم سنوات وجودها، كانت هناك كنائس مسيحية كثيرة في موقف أقلية، ومن ثم ليست حتى في موقف يدعوها لإضطهاد أي إنسان في الواقع، والكلام عن الإضطهاد، وقع ملايين المسيحيين بأنفسهم ضحايا الإضطهاد الوحشي عبر العصور، مستمرين في بعض الأماكن إلى هذا اليوم. في الحقيقة، كان هناك بوضوح شهداء مسيحيون في القرن العشرين أكثر من أي قرنٍ آخر. وإلى يومنا هذا عينه، فإن المسيحيين يُقتلون بسبب إيمانهم حول العالم. لهذا أقولُ لا، فمحاكم التفتيش حتى الآن مجرد إستثناء في تاريخ الكنيسة، وليست هي القاعدة.”

ذكّرتنى ملاحظات وودبريدج بعمود مجلة عن المسيحيين وهم في فترة الإضطهاد. فبينما يفكر معظم الناس في نموذج الإنسان المسيحي العادي اليوم، وهو أحد مواطني الولايات المتحدة، ويعيش بعيداً عن أي خطر من جهة إيمانه، أوضح الصحفي ديفيد نيف David Neff الأمر.

قال: “المسيحي النموذجي يعيش في دولة نامية، ويتحدث لغة غير أوروبية، ويوجد تحت تهديد متواصل من الاضطهاد – القتل، والحبس، والتعذيب، والإغتصاب.” [18]

الخطية الثالثة: محاكمات ساحرات سالم:

محاكمات ساحرات سالم في نهاية القرن السابع عشر عادةً ما تُذكر كنوع من الهستيريا المسيحية. ففي الإجمال شُنق 19 فرداً، ودُفع واحدً للموت لرفضه الشهادة. [19]

تساءلتُ: “أليس هذا نوعاً آخر من كيف أن المعتقدات المسيحية يمكنها أن تُعرقل حقوق اخرين؟”

“نعم، هذا مثال، إن كانت المسيحية الحقيقية في الواقع هي المتورطة هنا. فعندما تُفرَّغ الأحداث المؤدية للمحاكمات، فسوف ترى أن هناك عوامل كثيرة قد عجلَّت بحدوثها. فهناك موضوعات متصلة بأشخاص يتآمرون للحصول على أراضي من أشخاص آخرين. وهناك موضوعات مرتبطة بالهستيريا، وهناك موضوعات مرتبطة بالإيمان بالظهورات النجمية؛ حيث يشهد الناس أن أحداً قد فعل شيئاً بينما كانوا هم في مكانٍ آخر. عندما تدرس السياق القانوني للمحاكمات، فهناك متغيرات ستأخذك إلى موضوعاتٍ لا علاقة لها بالمسيحية.”

“هل تقصد أن الكنائس كانت بريئة؟”

“ربما لن يكون هذا تبريئاً كاملاً لتأثير المسيحية على المحاكمات، لكن المؤرخين الذين يعملون مع أمور من هذا القبيل يعرفون أنهيجب إلا تكون أحادي السببية في تَّصنيف مثل تلك الأحداث. فالحياة أكثر تعقيداً من مجرد أن تقول “المسيحية” كانت مسئولة. فرغم أنه كانت هناك محاكمات سحرة في أوروبا، إلا أن ذلك كان انحرافاً، وليس جزءاً من نموذج أكبر في المستعمرات. عليك أن تتحرى التوازن النفسي لبعض الناس المتورطين في محاكمات السحرة، وتفكر في تقريرهم الزائف حول الأمور.

“مرةً أخرى علينا أن نؤكد أن محاكمات ساحرات سالم شكّلت حدثاً مروعاً. لستُ أحاول أن أقلِّل من خطورتها. لكن المؤرخون يدركون أن الحبكة أكثر تعقيداً من مجرد إلقاء اللوم على الكنائس؟

فأشرتُ قائلاً: “كان أحد الإفتراضات المُسبقة في ذلك الوقت هو أن الساحرات موجودات. فماذا عنك؟ هل تؤمن بوجود ساحرات؟”

فاجابنى: “نعم، أؤمن بوجودهن. في الواقع، منذ عدة سنوات كنتث أشاهد التليفزيون الفرنسي عندما كان روبرت ماندرو – وهو مؤرخ لامع جداً – يقترح أنه حالماً يستنير الناس، لا يعودوا يؤمنون بالساحرات فيما بعد. ثم قالت إمراة: “سيد ماندرو، أنا متأثرة جداً بكل ما قلته، لكنى أريد أن أقول لك إنى ساحرة.” وبالطبع فالسحر يمارس في فرنسا، والولايات المتحدة، وفي كل مكان.

“لذلك جزء من مشكلة التعامل مع محاكمات ساحرات سالم إفتراض أن ذلك كله كان هراء، وأنه لا وجود لمثل ذلك من ساحرات وسحر. فالحقيقة الجوهرية هي وجودهما، وحتى الكثير من غير المسيحيين يدركون ذلك.

“هل هذا يبرر ما حدث في سالم؟ لا بالطبع. ولكن عندما تُخترق التعقيدات، فعن هذا الموقف لا يمكنه أن يُكتب بلا تروٍ كمثال أن المسيحية قد إندفعت للقتل. فالحياة والتاريخ ليسا بمثل هذه البساطة.”

“ماذا أنهى المحاكمات؟”

“هذا ليس معروفاً بصورةٍ عامة، لكن إنسانٌ مسيحي هو الذي لعب الدور الرئيسي. فقد ندَّد قائدٌ مطهري يُدعى إنكريس مازير Mather Increase بقوة ضد ما كان يجري، وكان ذلك بداية النهاية. والمفارقة هي أن صوتاً مسيحياً هو الذي أخرس الجنون؟

الخطية الرابعة: إستغلال الإرساليات

الإرساليات تصل دون دعوة. فرغم النوايا النبيلة، تكون جاهلة بالمكان الذي تستقر فيه، وغير مبالية بقلوب وبقيم الناس الذين جاءت إليهم. تتدخل في أمور لا تعنيها شيئاً. تفترض أن الروحانية التقليدية للسكان الأصليين ناقصة، بل وحتى شيطانية. تُرشي أو تُجبر الناس لترك طرقهم التقليدية حتى إنه في مسيرة محاولة “خلاص” الناس تختم الأمر بالقضاء عليهم. [20]

قرأت هذا الإتهام لوودبريدج، تابعاً إياه بهذه الأسئلة: “ألم تسهم الإرساليات عبر التاريخ في زوال الثقافات الأصلية؟ ألم تختم الأمر بإستغلال نفس الناس الذين إدَّعت أنها أرادت مساعدتهم؟ وبالقياس، ألم تسبب الإرساليات الأذى أكثر من الخير؟”

كان هذا الموضع قريب إلى قلب وودبريدج؛ فقد كانت عائلته تتمتع بتقليدٍ طويل من الخدمة في الحقل المُرسلي. لكنه لم يبدو أنه إتخذ هذا التحدي شخصياً، بل إستجاب بإتزانه وصراحته المميزة.

قال: “دعني أبدأ بالإحتلال الإسبانى لأمريكا اللاتينية كمثال، لأنه يشرح كيف يمكن أن يصبح هذا الموضوع معقداً.”

عندما أومأتُ بثبول ذلك، إستطرد: “هل كان هناك إستغلال للسكان الأصليين هناك؟ لسوء الحظ، نعم. ولكن هل كان ذلك نتيجة الإرساليات؟ حسناً، التاريخ يخبرنا أن الحركة الإرسالية كانت غالباً مرتبطة بسياسة إقتصادية للقوى الإستعمارية معروفة بإسم الروح المذهبية التجارية Mercantilism”.

“هل تُعرَّف ذلك”.

“كانت الروح المذهبية التجارية هى الإعتقاد بأن الدولة صاحبة الذهب الأكثر هي الأقوى. وكان يُعتقد أن الميزان السياسي للقوة في أوروبا تُحدده جزئياً أية دولة تستكشف بنجاح أمريكا اللاتينية وغيرها. ونتيجة ذلك، أصبحت دوافع الروح المذهبية التجارية، لسوء الحظ، مختلطة بالمشروعات الإرسالية. وفي الحقيقة إرتكب الأسبان الفظائع في أمريكا اللاتينية، لكن كثير منها كانت تُحرّضها المجازفات وأنواع الروح المذهبية التجارية بينما قامت إرساليات كثيرة بعمل أشياء تستحق الثناء.”

فتح وودبريدج كتاباً كان بالقرب منه، وقال: “في الواقع يتحدث المؤرخ أنتوني جرافتون من جامعة برنستون عن الأشياء القيمة التي قامت بها الإرساليات. وقرأ لي من كتاب عوالم جديدة، النص القديم New World, Ancient Text:

أصرَّت الكنيسة الرومانية علىَ إنسانية الهِنود، وقد وصلت أعداد كبيرة من الإرساليات – خاصةً الأخوة المتسولين المثاليين الذين أصروا على الإتيان بما رأوه بالناس البسطاء الأنقياء من العالم الجديد إلى المسيح. لقد بنوا الكنائس والمجتمعات الدينية[21].

وآصل وودبريدج: “إن جرافتون ليس مبشراً، لكنه درس بعناية الحركة الإرسالية ويعترف بالقدر الكبير من الخير الذي قامت به الإرساليات. لسوء الحظ، فإن الإرساليات كجماعة تُناقَش كعملاء للروح المذهبية التجارية؛ ومن ثم تنال اللوم على بعض الفظائع التي قام بها الإسبان في أمريكا اللاتينية.”

“وكما لاحظتُ مبكراً، فقد كانت هناك في القرن السادس عشر مناقشان في إسبانيا حول ما إذا كان ما يدور في أمريكا اللاتينية أمراً مسيحياً أم لا. وكان هناك مدافعون كبار عن الهنود الذين صمموا أنه يجب عدم إستغلالهم. فإندفع أحد الشخصيات البارزة – بارتولومي دى لا كاس Bartolome de Las Cases – لإتجاهه الإصلاحي بعد قراءة فقرة من سفر يشوع بن سيراخ في الكتاب المقدس الكاثوليكي الروماني تقول: “خبز المحتاج حياته. مَنْ يسلبه رجل دماء[22]، وبقراءة هذا، عارض مع كاثوليك رومان آخرين الأمور الحاقدة التي كانت تدور في أمريكا اللاتينية.”

أثارت تعليقاته ذاكرتي لرؤية تمثال خارج مبنى الأمم المتحدة في مدينة نيويورك منذ عدة سنوات. الآن فهمتُ الخلفية: فرانسيسكو دي فيتوريا Francesco de Vitoria – مؤسس القانون الدولي – كان واحد من اللاهوتيين الذين دافعوا عن الكرامة الكاملة لهنود العالم الجديد، وعارضوا بشجاعة إستغلالهم في المحكمة الإسبانية.”

“ولذلك بينما يكون من الحقيقي أن “الحضارة المسيحية” قد أسهمت أحياناً ببعض الأشياء التي أشرتَ إليها مبكراً؛ فقد كانت هناك أيضاً الآلاف من أعمال الخير التي كانت تمجد الله. فالكنيسة الكاثوليكية لها سجل مؤثر للإعتناء بالفقراء خلال العصور الوسطى. ففي كاليفورنيا، كانت خدماتها على طول الساحل تهتم بالناس. وعندما تقرأ مذكرات عدداً من الإرساليات البروتستانتية التي ذهبت إلى أراضٍ أخرى، فمن الصعوبة جداً بمكان أن تستنتج أنهم كانوا يصممون بوعيٍ على ظلم أو تدمير كل ملامح الثقافات الأصلية.”

بينما كانت إجابة وودبريدج تُقدّم بعض السياق، أردتُ أن أضغط عليه لإجابةٍ أكثر شخصية. فقلتُ: ” لقد تضمنت عائلتك مرسلين، فماذا كانت إختباراتهم؟”

“حسناً، لقد قرأتُ مذكرات جدي الذي كان واحد من أوائل المرسلين البروتوستانت إلى الصين. وبالطبع لم أفهم أنه كان يفعل ما قلته أنت مبكراً. ولكن بدلاً من ذلك، كانت لديه رغبة ملتهبة أن يعرف الشعب الصيني المسيح. وقد كان مهتمَّ جداً بفقر الشعب الصيني وببعض ممارستهم التي كانت ضارة للغاية بإنسانية الأفراد. لقد أحترم ملامح ثقافتهم، وأرتدى ضفيرة الشعر الطويلة عند الضرورة حتى يكون مقبولاً عندهم.

“لا بدَّ من الإشارة إلى أن نقاد الإرساليات أحياناً ما تكون لديهم مثالية جان جاك روسو أن الشعوب الأصلية كانوا سعداء دائماً ويعيشون حياة كاملة، وأنه لم يكن هناك أي من تحضير الأرواح السلبية أو الشيطانية في ثقافتهم. ولكن عندما تقرأ تقارير الناس الذين يذهبون لمناطق معينة، فإنك ترى أن بعض هؤلاء الناس الأصليين كانوا في ظروف روحية وجسدية رهيبة، وأن المرسلين قد ساعدوهم بشكل عظيم.

“قرأت أيضاً خطابات كتبتها أمي التي عملت كمرسلة في أفريقيا قبل زواجها. كانت تركب دراجة بخارية في أعماق الغابات، وتنتقل من قرية إلى أخرى. عملت في مستعمرة جذام تهتم فيها بالمرضى. وتمنتْ أن تُظهر لهم محبة المسيح، وتراهم قد نالوا الشفاء. وخدمتْ لدرجة المخاطرة الشخصية الكبيرة بسبب الملاريا، الأخطار الأخرى المرتبطة بالحياة في غابة.

“ولذلك أقولُ نعم، أحياناً ما يكون هناك تحول لثقافةٍ ما، لكن غالباً ما يكون هذا التحول قد آتى ببعض الخير. فعندما صار السكان الأصليون مسيحيين، إختبروا محبة وفرح المسيح. وهذا شئ رائع. عندما تزحف الدوافع الأخرى لأذهان الذين يسعون لتغيير ثقافة ما، كالسعي للربح الاقتصادي أو لمعنى مقلوب للتفوق العنصري، فإن أموراً سيئة جداً ستنتج عن ذلك.”

فعلّقتُ قائلاً: “ربما يكون بعض نقاد الإرساليات لا يرون قيمة في البشارة المسيحية؛ ومن ثم لا يرون فائدة للناس الذين يصيرون تابعين ليسوع.”

فصرَّح: “هذا صحيح! غالباً ما يكون هذا هو الإفتراض المسبق المختبئ. ولكن إن إفترض واحد أن الإنجيل هو قوة الله للخلاص، فإن ربح ثقافات العالم المختلفة التي تسمع الإنجيل سوف لا يُحصى.”

“لي زميل دراسة يعتبر لاهوتي إفريقي بارز. إضطر لمحاربة الإعلام القائل بأن المسيحية هي أيدولوجية إمبريالية غربية هدفها تدمير الديانات الإفريقية. إن منظوره مختلف تماماً. فهو يفهم الإسهامات الرائعة التي أسهمت بها المسيحية للمجتمعات الإفريقية. وقد جلب هذا الرجاء، والفداء، وهناك أفارقة ليس لهم حصر ممتنون جداً للإنجيل. وفي نفس الوقت، لا ينكر أن حاملي البشارة المسيحية كانوا أحياناً لا يعيشون حسب تعاليم المسيح في تعاملاتهم مع الأفارقة.”

الخطية الخامسة: مناهضة السامية:

كانت مناهضة السامية واحدة من أقبح الآفات في تاريخ المسيحية؛ فهي حالة ساخرة لأن يسوع كان يهودياً وصرَّح بأنه مسيا إسرائيل ومسيا العالم المنتظر. كان تلاميذه يهوداً، واليهود أيضاً كتبوا العهد الجديد بأكمله ما عدا سفر الأعمال وإنجيل لوقا اللذان كتبهما الطبيب لوقا.

فى العام 1998 م إعتذرت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية عن “أخطاء وإخفاقات” بعض الكاثوليك لعدم مساعدة اليهود أثناء المذبحة النازية، بينما عبَّر الكاردينال جون أوكنر من نيويورك عن “الأسف العميق” لمناهضة السامية في الكنائس طوال السنين قائلاً: “نريدُ بكل إخلاصٍ أن نبدأ مرحلة جديدة.” [23] .

وقد سلم وودبريدج بأسف أن مناهضة السامية قد شوَّهت التاريخ المسيحي. وكان السؤال الرئيسي هو لماذا حدثت في المقام الأول.

فقال: “كان أحد العوامل هو أن معظم اليهود لم يعتقدوا أن يسوع كان هو المسيا. وقد أدى رفض اليهود لقبوله، وذلك لإعتبار اليهود في أذهان بعض المسيحيين أعداء المسيح. أضف إلى هذا أن اليهود قد تم إعتبارهم مسئولين عن صلب يسوع، فيكون لديك مكونان قويان لـ “مناهضة السامية المسيحية.”

لم يكن هذا كافياً بالنسبة لي، فصّمتُ: “لا بدَّ أن يكون هناك أكثر من ذلك.”

فأجابني: “نعم، أؤمن بذلك. لقد حاول هايكو أوبيرمان المؤرخ اللامع في جامعة أريزونا تعيين عدداً من العوامل الأخرى. فعلى سبيل المثال، عندما تصل إلى العصور الوسطى وعصر الإصلاح، كانت هناك شائعات زائفة كثيرة عن اليهود التي أضافت حتى وقوداً لنيران مناهضة السامية.”

“أية شائعات؟”

“أن اليهود كانوا متورطين في تسميم الآبار في زمن الموت الأسود Black Death في العام 1348: وقد دنسوا المقادس المسيحية بقدر استطاعتهم كما كانت لديهم ذبائح سرية Sacrificial Deaths؛ وقد تلاعبوا بالأسفار المقدسة المسيحية؛ إلخ. والآن تذكر أن هذه الإتهامات لم تكن صحيحة. ومع ذلك فقد أثارت مشاعر الغضب والإستياء.”

ولكن لم يبدو أن هذا يرضي وودبريدج. فتأمل في الجانب الآخر كما لو كان يبحث عن تفسيرٍ آخر، وأخيراً نظر إليَّ في إحباطٍ واضح.

وقال: “يبدو لي أن هذا لا يوفي الموضوع حقه. فقد كان المرء يعتقد – أو بالأحرى يرجو – أن المسيحيين منذ العصور الوسطى وصولاً إلى مارتن لوثر قد أدركوا أن تعاليم يسوع كانت تمنعهم تماماً من عمل أو قول بعض الأشياء التي قيلت واُرتكبتُ تحت اسمه.”

فقلتُ: “لقد ذكرتَ لوثر. ومناهضته للسامية مُوثقة بشكلٍ جيد. كيف نشأ ذلك؟

“بوضوحٍ، عرف لوثر بعض الشائعات عن اليهود. ومع ذلك، باكراً في حياته، كان محباً للسامية – محباً لليهود بشكلٍ ظاهر – وبسبب هذا الحب تمنى أن يكون هناك تحول كبير يقبلون فيه يسوع كالمسيا بالنسبة لهم. وعندما رفضوا ذلك، صار لوثر أكثر عصبية في سنواته اللاحقه، وتفوه ببعض الكلمات القبيحة جداً عنهم.”

لقد أربكتني إجابته، فقلتُ: “لقد كنتُ أعتقد أن مناهضته للسامية كانت ألماً مدى الحياة.”

“يؤكد بعض الدارسين أن هناك استمراراً لآرائه عن الشعب اليهودي طوال حياته، لكني سأؤكد أن تصريحات لوثر العدائية الخبيثة قد جاءت في نهاية حياته. فربما كان يُطلقها عن إحباطٍ عميق شديد لأنهم لم يأتوا إلى المسيح.

ورغم كل ما قّيل، فإن بعض تصريحاته مرعبة تماماً لدرجة أنه من المناسب تماماً للوثريين أن يرفضوا الإعتراف بها، وعلى كل المسيحيين أن يرفضوها تماماً. فالمسيحيون ببساطة لا يمكنهم أن يكونوا مناهضين للسامية. فيجب أن يكون هذا أمر غير وارد بالنسبة لأي تابع ليسوع.

“والآن، من الناحية الآخرى، في العصور المعاصرة، غالباً ما كان المسيحيون المبشرون بعض أعظم أصدقاء إسرائيل. والإتجاه العام الذي أراه في كنائس كثيرة تجاه الشعب اليهودي هو إتجاه الإحترام.”

“ماذا تقول لإنسان يهودي يقول لك إنه لم يفكر أبداً في المسيحية بسبب تاريخها المُناهض للسامية؟”

فأومأ وودبريدج بخفةٍ، وقال بحزنٍ في صوته: “لقد صُدمتُ بذلك من قبل. فقد كنتُ أقوم بالتدريس في جامعة مدنية، فقالت لي طالبة يهودية شابة: أريدُ عمل بحثاً عن لوثر؛ فجدي قال لي إن لوثر كان يكره اليهود. هل هذا حقيقي؟” فقلتُ لها: “على الأرجح ذلك، ولكن انطلقي وحضّري البحث”، فعادت إلىَّ ببحثٍ جعلني أبكي. لقد وجدتُ أشياءً لم أعرفُ حتى أن لوثر قد قالها، إنها أشياء سيئة للغاية.”

“ماذا تقول لمثل هذه الشابة؟”

“إنني آسف جداً جداً على ما قاله لوثر، فهذه الأشياء تتعارض حتماً مع تعاليم المسيح، وهذه واحدة من المشكلات التي نواجهها كمسيحيين – فنحن لا نعيش دائماً وفقاً لمثاليات يسوع.

ويمكنني أن أقول: “أدركُ مدى صعوبة ذلك، لكني أرجو أن تفكر فيما قاله وفعله يسوع، وأفحص المسيحية على أساس ما تُعلّمه حقاً.”

حاول وودبريدج أن يسهب كلامه، لكنه لم يستطع تذكر شيئاً آخر مساعداً كي يضيفه. فقال: “أخشى ألا يكون هذا عرضاً ممتازاً، لكن هذا ما أقوله من قلبي.”

بدأت قائلاً: “بعض اليهود يؤمنون أن هتلر كان مسيحياً…، فوثب من مكانه وقاطعني.

قال: “آه، نعم، هذا صحيحٌ تماماً. مرةً اخرى علينا أن نميز بين المسيحية الثقافية والمسيحية الحقيقية. فخلال صعود الإشتراكيين القوميين National Socialists، حاول هتلر أن يلتف حول المسيحية وحول مارتن لوثر. وقد كانت حيلة أيدلوجية ماكرة. لكن النقاد المسيحيون، مثل كارل بارث وآخرين، لم يقبلوا للحظة أن هتلر كان يمثل المسيحية المستقيمة.

“دعني أقدم لك تفسيراً تاريخياً آخر. آمن كثير من اليهود في عامي 1665 م و1666 م أن إنساناً معيناً كان هو المسيا، لكنه آنذاك تحول إلى الإسلام، وهذا ما خيب طموحات كثير من اليهود. والآن إن قيل لمؤرخ يهودي اليوم: “هل تريد تعيين ذاك الرجل بإعتباره المسيا؟؟ سيقول لك: “بالطبع لا، لقد كان محتالاً.”

“حسناً، بنفس الإطار، سنقول نحن المسيحيون إن هتلر لم يكن أى نوع من المسيا المسيحي. فالناس غالباً ما يدَّعون أشياء زائفة. لقد كان إنسان محتال شرير، ولم يكن مسيحياً حقيقياً، ولا ممثلاً عن التعاليم المسيحية الحقيقية.”

بورتريه للمسيحية:

كان يمكننا الإستمرار لمناقشة لطخات تاريخية أخرى عن المسيحية، بما فيها ظلم النساء الذي حدث رغم إتجاه يسوع المغاير للثقافة تجاههن، والطريقة التي إقتبس بها كثير من الناس في الجنوب الكتاب المقدس في محاولة ملفوفة لتبرير العنصرية والعبودية. لكنني كنتُ قد قضيتُ وقتاً طويلاً أستجوب فيه وودبريدج. وبدون محاولة الدفاع عن الأمور التي لا يُدافع عنها، سعى لتقديم بعض السياقات والتفسيرات. ولتقرير أية أحداث من هذه كانت الإستثناءات أو القاعدة بالنسبة للمسيحية، فقد آن آوان إستكشاف الجانب الآخر من التاريخ المسيحي.

قلتُ: “بقبول كل ما تكلمنا عنه، ما هي النتيجة الأخيرة؟ هل العالم أسوأ أم أفضل حالاً بسبب وجود المسيحية؟”

فأنتصب وودبريدج في مقعده وأصرَّ قائلاً: “أفضل حالاً. ولا جدال في ذلك. فهذه حالات تاريخية قابلة للأعتذار لا يجب أن تُخفى عن العيون. يجب أن نعتذر عنها، ويجب أن تُبذل الجهود لتأكيد عدم تكرارها. ومع ذلك، في نفس الوقت، كان الإنتشار الواسع للتاريخ المسيحي نافع جداً للعالم.”

فعلُّقت قائلاً: “أفترض أنه من السهل في التحدث عن خطايا المسيحية نسيان دور الإلحاد في سحق الحقوق الإنسانية. أخذتُ كتاباً وقرأتُ لوودبريدج بعض الملحوظات التي كتبها المسيحي المعروف لويس بالاو.

إن الصدمة المدوية للإلحاد الشامل أرسلتْ موجات جذرية عبر أوروبا وفيما ورائها، وهي تُقرِّر بشكل مباشر لفناء وقتل أكثر من مائة مليون إنسان في القرن الماضي وحده. لقد دفعت الإنسانية ثمناً باهظاً فادحاً للإختبارات المرعبة للمقاومة الممتعمدة للإيمان، مُنفذة على يد لينين، هتلر، ستالين، ماوتسي تونج، وآخرين – حيث كان كل منهم متأثر بشكلٍ عميق بكتابات قادة الإلحاد… وبعد رؤية نمو الإلحاد… فمن الأوضح أكثر مما مضى.. أنه بدون الله نحن ضائعون.[24]

فأجاب وودبريدج: ” أتفقُ أنه بدون الله نحن ضائعون. وهذا ليس مجالاً للقول بأن الملحد لا يمكنه الحكم جيداً؛ لأنه من وجهة النظر المسيحية، فإن الملحد يستفيد من نعمة الله العامة. ولكن بقبول إفتقاد البنية في الإلحاد لعمل قرارات أخلاقية، فمن السهل أن نفهم لماذا أختبر العالم أهوال هذه الأنظمة. حينما لا يكون هناك مقياس أخلاقي مطلق، فإن القوة الغاشمة غالباً ماتكسب.”

“فى رأيك ما هي الطرق الإيجابية التي أسهمت فيها المسيحية للحضارة؟”

ضبط وودبريدج جلسته في مقعده. وتأمل في سؤالي للحظات ثم أجاب بصوتٍ نقل إخلاصه وإعجابه وحماسة مشاعره الحُبية العميقة للكنيسة.

قال: “إنى أرى تأثير المسيحية كصورة زيتية جدارية متألقة لها مناظر كثيرة، كل منها مرسوم بألوان جميلة لامعة واضحة. فبدون المسيحية، سيكون هناك قدر مرعب من البهتان، ومجرد خطوط قليلة متناثرة متفرقة هنا وهناك ليس لها أي معنى. لكن المسيحية تضيف الكثير جداً من المعنى، والرجاء، والجمال، والثراء للصورة.”

مأسوراً بالمجاز تساءلتُ: “ماذا تُبين الصورة؟”

“المنظر المركزي بعينه سوف يُصور قصة يسوع وفدائه عن خطايانا. فأخيراً – مرةً واحدة إلى الأبد – تعامل مع موضوعات ذنبنا، ووحدتنا، وإغترابنا عن الله. وبموته الكفاري وقيامته فتح السماء لكل من يتبعه. هذا هو أعظم إسهام قامت به المسيحية على الإطلاق. وهو مُلخص في يوحنا 16:3 “لأنَّهُ هَكَذَا أَحّبَّ الله العَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْبَهُ الْوَحِيدّ لّكّيْ لَا يَهْلَكَ كُلُّ مَنْ يُؤمَنُ به بَلْ تكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأبَدَيَّةُ.”

“أيضاً تُقدَّم لنا المسيحية إعلاناً عن معنى الحياة ووجود الأخلاقية الكونية. فبدون هذا الإعلان، يكون من الصعب جداً وجود أية قيمة للمعنى. وينتهي بك الحال مثل ألبرت كامو الذي قال في الفقرة الإفتتاحية من أسطورة سيزيف: “لماذا لا أنتحر أنا أو أيِّ إنسان آخر؟” حسناً، المسيحية تفسر لماذا لا. إنها تعطينا إطاراً من الإرشاد للحياة، وإتباع طريقاً أخلاقياً، والرجوع إلى الله، وأمور أخرى بأسلوب ذات معنى عميق وقوي.

“لمسات الفرشاة في الصورة سوف ترسم المناظر التي تكشف عن الدوافع الإنسانية الشاملة التي ألهمتها حياة المسيح وتعليمه. فالكاثوليك الرومان، والأرثوذكس، والبروتوستانت إشتركوا جميعاً في مساعدة الفقراء، والمحرومين، والمعوزين. وكانوا مستعدون للعمل ضد مصالحهم الشخصية لخدمة الآخرين. وبفقد كل هذا – كل العمل الإرسالي، وكل المستشفيات، وكل مؤسسات الإعانة، وكل الأعمال الخيرية لإطعام الجوعي، وكساء الفقراء، وتشجيع المرضى – ستكون ضربة قاضية للعالم.

“بالإضافة إلى ذلك، فإن تأثير الفكر المسيحي يضيف مناظر أخرى، ويُضفي الظل والعمق للصورة. فالمسيحيون سلّموا عقولهم لله. ولو حذفتّ إسهاماتهم الأدبية، والموسيقية، والمعمارية، والعلمية، والفنية، سيصير العالم أكثر بلادة وضحالة بشكل كبير. فكر في المؤسسات التعليمية العظيمة التي بناها المسيحيون – بما فيها هارفارد، وييل، وبرنستون – التي تم التفكير فيها أصلاً وبنائها من أجل تقدم الإنجيل.

“وأخيراً هناك قوة الروح القدس التى تُلّون كل شئ صالح. هل يمكنك أن تتخيل كيف سيكون العالم لو أنسحب الروح القدس؟ من الردئ بشكلٍ كاف الطريقة التي عليها الأمور الآن، ولكن إن لم تكن هناك قوة الروح القدس الحافظة؛ فما بالك أن الجانب المرعب من الحياة سينطلق كي يكون أكثر نشاطاً مما هو عليه الآن.

فتساءلتُ: “فيما تنظر إلى صورة التاريخ هذه، هل ترى إيجابيات المسيحية تغلب الحالات السلبية التي ناقشناها؟”

فقال بلا تردد: “نعم. فأنا منفطر الفؤاد على الأوقات التي لم نحياها نحن المسيحيون وفقاً لتعاليم يسوع، ومن ثم فقد خلقنا حواجز للإيمان. لكني ممتّن للغاية للرجال وللنساء المجهولين الذين دعّموا الإيمان عبر القرون بتواضع وبشجاعة، والذين خدموا في الخفاء، وكرسوا حياتهم لمساعدة الآخرين، وتركوا العالم مكاناً أفضل حالاً، وصارعوا لعمل الحق رغم الضغط الرهيب لعمل العكس.

وأستنتج قائلاً: “عندما أُفكرُ في التاريخ المسيحي، فهؤلاء هم أول من يخطروا على ذهنى. إنهم الأبطال الذين عادةً ما يتم نسيانهم كثيراً جداً.

توقف، ثم بابتسامةٍ تواقة – منحهم أعظم تقدير: “إنهم ما كان يره يسوع.”

عطايا المسيحية:

كانت كلمات وودبريدج الملتهبة لا تزال ترن في ذهني عندما عدتُ إلى البيت، مرهقاً من يوم طويل. إسترخيتُ في مقعدي المفضل وإلتقطتُ مجلة لأتصفحَّها. وهناك – من قبيل الصدفة تماماً – وجدتُ مقالاً فيه كثير من الدارسين يكتبون في الأيام الأخيرة من القرن العشرين، ويتأملون شكل الحضارة بدون المسيحية. وقد أكملتْ ملحوظاتهم ما توَّقف عنده وودبريدج؟[25]

مايكل نوفاك أطرى عطية المسيحية للكرامة. وكتب: “كل من أرسطو وأفلاطون إعتقداً أن معظم البشر بالطبيعة عبيد ومناسبين فقط للعبودية. ومعظمهم ليست لهم طبيعة تستحق الحرية. اليونانيون إستخدموا “الكرامة” لمجرد القلة، لا لكل البشر. وعلى النقيض أصرَّت المسيحية أن كل إنسان محبوب من قَبل الخالق، ومخلوق على صورة الخالق، ومُحدَّد له الصداقة الأبدية والأشتراك معه.”

أشار إلى الأفكار الحضارية للحرية، والضمير، والحق التى يمكن إسنادها إلى المسيحية. وأكدَّ قائلاً: “بدون الأساسيات المسيحية الموضوعة لنا في العصور الوسطى والقرن السادس عشر، لصارت حياتنا الإقتصادية والسياسية معاً لا أكثر فقراً فحسب، بل أيضاً أكثر وحشية.”

ركز ديفيد. ن. ليفنجستون – أستاذ في كلية علوم الأرض في جامعة الملكة في بلفاست، آيرلندا الشمالية، على عطية المسيحية للعلم. وكتب: “إن فكرة أن المسيحية والعلم كانا على الدوام في تصادم هو تشويه جسيم للسجل التاريخي. ففي الحقيقة آمن روبرت بويل – دارس الكيمياء الإنجليزى العظيم – أن العلماء أكثر من غيرهم قد مجدّوا الله في البحث عن مهامهم لأنه قد وُهبَ لهم أن يستجوبوا خليقة الله.”

وأشار إلى أن أولئك الذين في عصر الإصلاح “آمنوا أن الله قد أعلن ذاته للبشرية بطريقتين؛ في الكتاب المقدس وفي الطبيعة. وقد مكنهم ذلك من الإشتراك في التحري العلمي للعالم الطبيعي.” وكانت النتائج إسهامات متدفقة من قبّل العلماء الذين أثارهم الإيمان المسيحي.

ووصف ديفيد لايل جيفري – أستاذ الأدب الإنجليزى في جامعة أوتاوا – عطية المسيحية للتعليم. وقال: “قد يكون من الصعب أن نقول إن الثقافة التعليمية في أوروبا ومعظم إفريقيا والأمريكتين غير منفصلة عن القوة التحولية ثقافياً للمسيحية. ففي معظم أوروبا، كما في إفريقيا، وأمريكا الجنوبية، وأماكن أخرى كثيرة من العالم، كان ميلاد التعليم والأدب أساساً – وليس مصادفة – يتوافق مع وصول الإرساليات المسيحية.”

ومع ذلك، ربما يكون الأكثر إثارة هو أن إستكشاف المؤرخ مارك نول لعطية المسيحية للتواضع، وهو إسهام قليل الملاحظة، كان له علاقة خاصة في ضوء مناقشتي مع وودبريدج عن الجانب القبيح للتاريخ المسيحي. كتب نول:

طوال المسيرة الطويلة للتاريخ المسيحي، كان الأمر الأكثر إحزاناً – بسبب تكراره المستمر – هو كم نخيب نحن المسيحيون العاديون كثيراً جداً عن الوصول للمثاليات المسيحية بشكلٍ مأساوي للغاية. وطوال المسيرة الطويلة للتاريخ المسيحي، كان الأمر الأكثر تمييزاً – بسبب أنه أحد معجزات النعمة – هو كيف عاش مؤمنون كثيرون ضد تعظم المعيشة لتمجيد المسيح. ومن بين كل “علامات التناقض” هذه، فإن أكثر الأمور الخليقة بالمسيح تماماً كانت تلك الحالات التي كان ينطلق فيها المؤمنون الأقوياء – بسبب الثروة، والتعليم، والقوة السياسية، والثقافة الرفيعة، أو الوضع المفضل – إلى المُحتقرين، والمتروكين، والمهملين، والضائعين، والغير معروفين، أو الواهنين. [26]

قال إن القوة تُغذي عبادة الذات. فهى تُفسد ونادراً ما تعتذر. وإستفاض مارك نول لسرد أحداثاً عديدة عبر التاريخ فيها الرجال الأقوياء، كلياً أو جزئياً بسبب إيمانهم المسيحي، قد وضعوا أنفسهم طوعاً في توبة عامة لسوء إستخدامهم القوة – وهذه شهادة دائمة مقابلة للثقافة لقوة الإنجيل.

أثارت إهتمامي قصة واحدة بشكلٍ خاص لأنها كانت تتعلق بحدثٍ غامض لكنه متألق في ختام حلقة ناقشها وودبريدج وأنا معاً: محاكمات ساحرات سالم.

واحد من القضاة – تطهرى لامع إسمه صامويل سيوول من بوسطن أصبح منزعجاً للغاية من الدور الذي لعبه في تلك الكارثة. فقد تحرك ضميره المسيحي أخيراً للعمل عندما سمع إبنه يقرأ فقرة كتابية مشهورة: “فّلّوْ عَلِّمتُمْ مَا هُوَ: إنِّي أُرّيدُ رَحْمَةَّ لَا ذَبيحَةَّ لَمَا حَكَمْتُمْ عَلَى الأبْريَاءَ!”[27]. لقد فطرت الكلمات قلب سيوول.

وفي خدمة الكنيسة في 14 يناير من العام 1697م، أعطى القس تصريحاً ليقرأه بينما وقف سيوول النادم بخجل أمام الجمع. كان التصريح يعترف بذنب سيوول على أكثر ممَّا حدث، قائلاً إنه “يتمنى أن يُلقى عليه لوم وخزي ذلك، طالباً عفو الناس، ولا سيما متمنيّاً الصلوات حتى أن الله الذي له سلطان غير محدود يغفر تلك الخطية وكل الخطايا الأخرى.” لقد دفع تصرفه المتواضع من الآسى والتوبة الكثير من القضاة الآخرين للإعتراف بإخفاقاتهم أيضاً.

أغلقتُ المجلة ووضعتها على مائدة القهوة. وفكرتُ في نفسي أن ذلك ربما يكون أحد أكثر تراثات المسيحية روعةً – إستعداد القادر لإحناء ركبة التوبة عندما تُرتكب الأخطاء. ومع ذلك فقد كان تذكار آخر لقوة الإيمان في تغيير الحياة والتاريخ لصالح الخير.

مشاورات

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

  • قبل قراءة هذا الفصل، ما الحدث الذي أزعجكَ بالأكثر في التاريخ المسيحي؟ لو كان وودبريدج قد ناقشه، فكيف أحسن التعامل معه؟ هل موقفك من هذا الموضوع هو نفس الموقف أم مختلف؟
  • هل تعتقد أن الخطايا التاريخية التي ناقشها وودبريدج هي تماثلات في تاريخ الكنيسة أم انعكاسات شئ مخطئ تماماً في DNA الإيمان؟ ما الحقائق التي ساعدتك في تكوين رأيك؟
  • هل أصبح العالم أفضل بفضل المسيحية؟ لماذا؟ لماذا لا؟ على نفس القياس، هل كانت إسهامات الإلحاد إيجابية أم سلبية بالنسبة للبشرية؟

لمزيد من الأدلة

مصادر أخرى حول هذا الموضوع:

  • Mark A. Noll. A History of Christianity in the United States and Canada. Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1992.
  • Bruce L. Shelley. Church History in Plain Language. Dallas: Word, 1982, 1995, updated 2nd
  • Rodney Stark. The Rise of Christianity. Princeton, N. J.: Princeton University Press, 1996.
  • James Kennedy and Jerry Newcomb. What If Jesus Had Never Been Born? Nashville: Nelson, 1994.

 

 

1-ken Schei, Available: www.atheists-for-jesus.com/about.htm

2-D. James Kennedy, Why I Believe (Dallas: Word,1980), 118,121.

3-Maurice possely, The Chicago Tribune, April26, 1985

4-Maurice possely, The Chicago Tribune, April 27, 1985

5-Maurice possely, The Chicago Tribune, February 21, 1985

6-Bertrand Russell, Why I am Not a Christian (New York: Simon and Schuster, 1957), 25-26

7- International Herald Tribune, April26, 1999

8-Charles Templeton, Farewell to God, 127,129

9-Ibid., 154

10-See: Richard Boudreaux, The los Angeles Times, March 13, 2000

11-Peggy Polk, the Chicago Tribune, June 5, 1995

12-Matthew 7:21-23

13-patrick Glynn, God: The Evidence, 157

14- See: Lucian, the Death of Peregrine, 11-13, in the Works of Lucian of Samosata, trans. By H. W. Fowler and F. G. Fowler, 4 vols. (Oxford: The Clarendon Press, 1949), vol.4.

15-See: Justin Martyr, First Apology: Ante-Nicene Fa-thers, ed. By Alexan-der Roberts and James Donaldson (Grand Rapids, Mich Eerdmans, 1973)

16-philippians 1:21

17-Bruce L. shhelley, Church History in plain language (Dallas, Tex: Word, 1982, 1995, updated2d edition) 189

18-As the Third millennium approached, Spanish priests and nuns pub-licly asked forgiveness for see: The Chicago Tribune, November 14, 1999

19-David neff, christianity Today, April 29, m1996, 14

20- Mark A.Noll, A History of christianty in the United States and Canada (Grand Rapids: Eerdmans, 1992), 51

21- Dale and sandy Larsen, saven myths About Chris-tianty (Downers Grove, 111: InterVarsity press, 1998), 110.

22-Anthony Grafton, with April Shleford and Nancy Siraisi, New Worlds, Ancient Text (Cambridge, Mass: Belknap press, 1992), 132.

23-Ibid., 136.Ecclesiasticus, or Sirach, is not considered to be divinetly inspired scripture by protesants, although to is part of the Roman Catholic and Orthodox canons it is also known as after its author, a scholar who apparently wrote the bok between 195 and 171B.C.

24- The Chicago Tribune, Septem-ber 21, 1999.

25-Luis palau, God is Relevant (New York: Dobleday, 1997), 23, 82

26- See: Michael Novak, David N Livingstone, Da-vid lyle Jeffery, et al., Christianty Today, December 6, 1999, 50-59

27- Ibid, 56

تاريخ الكنيسة في العصور الوسطى والظلم والعنف – لي ستروبل

أكاذيب_ديدات (4): رامبو RAMBO في الكتاب المقدس؟! شاهد مستوى إستيعاب أسد الدعوة الشيح أحمد ديدات!

أكاذيب_ديدات (4): رامبو RAMBO في الكتاب المقدس؟! شاهد مستوى إستيعاب أسد الدعوة الشيح أحمد ديدات!

[gview file=”http://www.difa3iat.com/wp-content/uploads/2015/07/004.pdf” save=”0″]

للتحميل

مقدمة:
على طاولتنا شبهة اخرى من شبهات الشيخ الهندي أحمد ديدات. التي كان يلقيها بتهور ضد كتابنا المقدس، دون تفكر بعواقب بما يمكن ان يجلبه هذا المسلك عليه عندما ينكشف أمام الجميع مستوى تفكير الشيخ (أسد الدعوة!)، ومستوى فهمه للنصوص إذ ينتشر على الشبكة الالكترونية، وخاصة على موقع اليوتيوب YouTube مقطع مرئي لديدات بعنوان: (رامبوفي الكتاب المقدس) Rambo in the bible !!،هنا:http://www.youtube.com/watch?v=aJEGPHvRWGI

وفيه يسخر ديدات مهاجماً حادثتين في سفر القضاة من العهد القديم، عن شمجر الذي ضرب 600 رجل بمنساس بقر، وعن شمشون الذي ضرب 1000 رجُل بفك حمار طري. وسينقسم بحثنا إلى محورين، كالتالي:
المحور الأول: شمجر ومنساس البقر
المحور الثاني: شمشون والألف رجل

المحور الأول:
شمجر ومنساس البقر

يقول ديدات:


وقد اقتبس ديدات من سفر القضاة:
“وَكَانَ بَعْدَهُ شَمْجَرُ بْنُ عَنَاةَ، فَقتل مِنَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ سِتَّ مِئَةِ رَجُل بِمِنْسَاسِ الْبَقَر” (قضاة 3: 31).

تفنيد الشبهة:
وسأقسم ردي على هذه الشبهة بخمسة نقاط كالتالي:

أولاً: ما معنى كلمة “ضرب” بالعبرية؟
ثانياً: هل ضرب شمجر وحده أم كان معه مجموعة يقودها؟
ثالثاً: هل حدث الضرب في يوم واحد وموقعة واحدة ؟!
رابعاً: هل منساس البقر يمكن استعماله كسلاح؟
خامساً: لماذا استعملوا منساس البقر بدلاً من السيوف؟

أولاً: ما معنى كلمة “ضرب” بالعبرية؟

كلمة “ضرب” في العبرانية هي: (נכה) ناخاه.Kأما كلمة “قتل” في العبرانية هي: (הרג) هاوراج.
فالآية (قضاة31:3) لم تستخدم لفظة القتل (הרג)، انما لفظة (נכה) التي تعني ضرب! والضرب لا يعني دوماً القتل قطعاً، انما لها معاني الضرب الاخرى. لنقرأ من القاموس العبري \ الانجليزي المسمى قاموس سترونج ليتضح لنا المعنى لسليم لكلمة ضرب العبرية נכה:

נכה
H5221
naw-kaw

A primitive root; to strike)lightly or severely, literally or figuratively): – beat, cast forth, clap, give [wounds], X go forward, X indeed, kill, make [slaughter], murderer, punish, slaughter, slay (-er, -ing),smite (-r, -ing), strike, be stricken, (give) stripes, X surely,wound.
http://www.bibletools.org/index.cfm/…D/h5221/page/2

فالكلمة من معانيها: الضرب بقوة أو خفة، صفع، يعاقب، يقتل، يجرح الخ! فالكلمةالمستخدمة في الآية عن شمجر (قضاة 31:3) قد تعني ضرب، هاجم، أصاب، وانتصر عليهم، هزمهم. وليس حتما ولزاماً انه قتلهم وأماتهم حرفياً، فهذا فِهم عجيب للنص!

ثانياً: هل ضرب شمجر وحده أم كان معه مجموعة يقودها؟

حين يقال فلان “ضرب”، لا يعني بالضرورة انه ضرب وحده دون مساعدين معه. حين يستخدم فعل مفرد لا يعني انه قام به وحده.

مثال (1): حين يقال: “سليمان بنى الهيكل“، فهل معنى هذا ان سليمان “وحده” وبيديه المجردتين قد بنى الهيكل حجراً فوق حجر؟! أم يقال هذا لأن سليمان كان هو الملك والقائد والآمر لعماله بالبناء، فنسب البناء اليه وحده.

مثال (2):
حين يقال “قاتل الخليفة أبو بكر كل قبائل العرب التي إرتدت بعد موت رسول الإسلام“. فلن يفهم العاقل ان أبي بكر قد حمل سيفه وركب حصانه وذهب إليهم وحده وقاتلهم منفرداً. انما يُفهم انه كان الأمير والقائد على السرايا التي قاتلت كل المرتدين عن الإسلام بحد السيف، بأمر مباشر منه.

على غرار ذلك نفهم قول الوحي بأن “شمجر” ضرب 600 رجل، بأنه كان هو “القائد” والآمر بشكل مباشر للهجوم المباغت على الفلسطينيين وضربهم.

وكثيراً ما استخدمت كلمة “يضرب” بصيغة المفرد للضارب، ويقصد بها جيشه ككل. ففي سفر القضاة ذاته، نقرأ كلمة “ضرب” ترد بالمفرد في حين يقصد بها الجمع. اذ نقرأ عن جدعون:“وَصَعِدَ جِدْعُونُ فِي طَرِيقِ سَاكِنِيالْخِيَامِ شَرْقِيَّ نُوبَحَ وَيُجْبَهَةَ، وَضَرَبَ الْجَيْشَ وَكَانَ الْجَيْشُمُطْمَئِنًّا ” (القضاة 11:8). فهل جدعون “ضرب” الجيش منفرداً دون معونة من جيشه…؟ 

وفي سفر التكوين نقرأ عن عيسو: “إِنْجَاءَ عِيسُو إِلَى الْجَيْشِ الْوَاحِدِ وَضَرَبَهُ،يَكُونُ الْجَيْشُ الْبَاقِينَاجِيًا” (التكوين 32: 8).
“ضربه” بالمفرد، فهل عنى بذلك ان عيسو كان لوحده ليضرب، أم كان معه 400 رجل…؟

ونقرأ ايضاً عن موسى:
” كُلَّ مَمْلَكَةِ عُوجٍ فِي بَاشَانَالَّذِي مَلَكَ فِي عَشْتَارُوثَ وَفِيإِذْرَعِي. هُوَ بَقِيَ مِنْبَقِيَّةِ الرَّفَائِيِّينَ،وَضَرَبَهُمْ مُوسَى وَطَرَدَهُمْ” (يشوع 13: 12)
“ضربهم” موسى بصيغة المفرد، فهل يعني هذا ان موسى كان لوحده يحاربهم ويضربهم دون أي مساعد معه؟ أين ذهب إذن جيش اسرائيل؟

ونقرأ عن يشوع:” حِينَئِذٍ صَعِدَ هُورَامُ مَلِكُجَازَرَ لإِعَانَةِ لَخِيشَ،وَضَرَبَهُ يَشُوعُمَعَ شَعْبِهِ حَتَّى لَمْيُبْقِ لَهُ شَارِدًا” (يشوع 3:10). قرأنا ان يشوع “ضربه”، فهل فعل هذا بمفرده دون وجود أحد معه؟

وعن شاول الملك نقرأ:
“فَسَمِعَ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ قَوْلاً: قَدْ ضَرَبَ شَاوُلُ نَصَبَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، وَأَيْضًا قَدْ أَنْتَنَ إِسْرَائِيلُ لَدَى الْفِلِسْطِينِيِّينَ. فَاجْتَمَعَ الشَّعْبُ وَرَاءَ شَاوُلَ إِلَى الْجِلْجَالِ ” (صموئيل الأول 13: 4). “ضرب” شاول، وردت بالمفرد، انما لا يعني انه ضربهم بمفرده بشخصه وحيداً دون شعبه الذي كان وراءه.

وعن داود الملك نقرأ:” وَعَادَتِ الْحَرْبُ تَحْدُثُ، فَخَرَجَ دَاوُدُ وَحَارَبَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَضَرَبَهُمْ ضَرْبَةًعَظِيمَةً فَهَرَبُوا مِنْ أَمَامِهِ ” (صموئيل الأول 8:19). فداود “ضربهم” بالمفرد، فهل نفهمها انه كان وحيداً دون معين من أحد؟ وعبارة هربوا من “أمامه” جاءت بالمفرد فهل الفلسطينيين قد هربوا من أمام شخص واحد فقط. ؟! أم يقصد بها انهم هربوا من أمام جيش داود الذي كان هو قائده، فينسب اليه فعل الضرب والانتصار.
كذلك حين يقال عن “شمجر” انه “ضرب”، فيعني انه ضرب مع مجموعة من أتباعه المقاتلين لكونه قائدهم.
ولا يفوتنا ان نُذكّر الشيخ ديدات ان شمجر كان “قاضياً ” لإسرائيل أي رجلاً بالغاً ولم يكن “صبياً” كما يزعم متوهماً!

ثالثاً: هل حدث الضرب في يوم واحد وموقعة واحدة؟!

نتحدى الشيخ ديدات وأتباعه بأن يقدموا لنا دليلاً واحداً ان ضرب شمجر للفلسطينيين كان في موقعة واحدة ؟!
فالنص الكتابي لم يقل هذا، ولا يحق لأحد ان يسقط استنتاجاته المسبقة على النص.

بل على العكس، فإن سفر القضاة يؤكد بأن الفلسطينيين كانوا يقطعون الطرق على بني اسرائيل وينهبونهم، فكان شمجر قائداً على سرية مدافعة لمقاومة الغزاة قاطعي الطرق. فكلما هجم عليهم قاطعوا الطرق كان شمجر ورفاقه المقاتلين يضربونهم ويصدونهم. اذ نقرأ كلام دبورة:”فِي أَيَّامِ شَمْجَرَبْنِ عَنَاةَ،فِي أَيَّامِ يَاعِيلَ، اسْتَرَاحَتِ الطُّرُقُ، وَعَابِرُو السُّبُلِ سَارُوا فِي مَسَالِكَ مُعْوَجَّةٍ”. (القضاة 6:5).

لاحظ استخدام كلمة “أيام” وليس يوم واحد. فشمجر لم يضرب 600 رجل في يوم واحد ولا في موقعة واحدة، انما كانت على ايام عديدة. اذ ان قطاع الطرق لا يهجمون في يوم واحد. لذا كان شمجر ورفاقه الشجعان ينتظرونهم وكأنهم يحرثون البقر ومعهم المناسيس، فلا يخشاهم الفلسطينيين اذ يعتقدون أنهم مجرد فلاحين دون سلاح، فيفاجئهم شمجر ورفاقه الحاملين المناسيس كرماح حادة بالضرب الفتاك اذ استعملوها كسلاح فعال، حتى “استراحت الطرق” (قضاة 6:5).
وهذا يصل بنا الى النقطة الرابعة. عن سلاح المنساس!!

رابعاً: هل منساس البقر يمكن استعماله كسلاح؟
منساس البقر ببساطة ليس هو مجرد عصا كما كان ديدات يحاول خداع جمهوره! إنما رأسه يحوي قطعة معدنية مدببة (كما اعترف ديدات بنفسه في المناظرة، وكلامه المترجم موجود في المقطع)، اليس هذا يجعل من المنساس تعمل عمل الرمح القاتل ؟!
كلمة منخاس بالعبرية هي (מלמד) مالمود. ولو راجعنا القاموس لمعرفة معناها سنكتشف انها تستخدم ايضاً كسلاح !!

Dictionary of Biblical Languages with Semantic Domains
4913 מַלְמָדmǎl cattle-goad, i.e., a pointed stick, often with a ****l point, used to prod cattle, but could be used as a weapon(Jdg 3:31).

فليست هي مجرد “عصا” كما زعم ديدات (!!) وهذه صور للمنساس، ولاحظوا رأسها المعدني المدبب كالحربة القاتلة:



خامساً: لماذا استعملوا منساس البقر بدلاً من السيوف؟

السبب ان الفلسطينيين كانوا هم المحتلين والمتسلطين على اسرائيل في أيام القضاة، وكانوا يجردون كل اسرائيل من اسلحته! اذ نقرأ في ذات سفر القضاة: “اِخْتَارَ آلِهَةً حَدِيثَةً. حِينَئِذٍ حَرْبُ الأَبْوَابِ.هَلْ كَانَ يُرَى مِجَنٌّ أَوْ رُمْحٌ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ إِسْرَائِيلَ” (القضاة 8:5).فلم يكونوا يتركون لهم مجناً ولا رمحاً. لهذا استعمل “شمجر” ورفاقه المقاتلين مناسيس البقر كسلاح يشبه الحربة القاتلة لمقاومتهم.

اذ نقرأ في هذا النص الأمرين معاً:
“وَلَمْ يُوجَدْ صَانِعٌ فِي كُلِّ أَرْضِ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّ الْفِلِسْطِينِيِّينَ قَالُوا: «لئلا يَعْمَلَ الْعِبْرَانِيُّونَ سَيْفًا أَوْ رُمْحًا». بَلْ كَانَ يَنْزِلُ كُلُّ إِسْرَائِيلَ إِلَى الْفِلِسْطِينِيِّينَلِيُحَدِّدَ كُلُّ وَاحِدٍ سِكَّتَهُ وَمِنْجَلَهُ وَفَأْسَهُ وَمِعْوَلَهُ. عِنْدَمَا كَلَّتْ حُدُودُ السِّكَكِ وَالْمَنَاجِلِ وَالْمُثَلَّثَاتِ الأَسْنَانِ وَالْفُؤُوسِ وَلِتَرْوِيسِ الْمَنَاسِيسِ” (1 صموئيل 19:13-21).

الأمر الأول: الفلسطينيين كانوا يمنعون عن اسرائيل كل انواع الاسلحة من سيوف ورماح.
الأمر الثاني: ان المناسيس كانوا يحدونها مما يثبت انها كانت ذو رؤوس مدببة كالرماح.

نستخلص: ان شمجر كان قاضياً لإسرائيل أي كالقائد، وكونه “ضرب” 600 رجل، فلا يعني انه ضربهم بمفرده دون مساعدة رفاقه الحاملين ايضاً لمناسيس حادة استخدموها كرماح، في مباغتتهم لقطاع الطرق من الفلسطينيين.
فلم يكن ضرب 600 رجل في موقعة واحدة انما في مواقع وعلى أيام.

وحتى لو اعتبرناها موقعة واحدة فهذا ليس خيالاً، اذ ان شمجر لم يكن وحده، إضافة الى ايماننا بقوة الرب في نصرة عبيده على اعداءه حتى ولو بالوسائل الضعيفة، كما نصر الرب عبده جدعون على جيش عرمرم، بثلاثمائة جندي معهم جرار !!

المحور الثاني:
شمشون والألف رجل!!

شبهة ديدات التالية تتعلق بشمشون قاضي اسرائيل الجبار. وفيها يسخر ديدات والعوام الهائج من جمهوره المسلم في القاعة من رواية الكتابالمقدس بأن شمشون قد قتل 1000 فلسطيني بفك حمار.. معتبرينها رواية منافية للعقل! اذ يقول ديدات:


 

الإجابة بنعمة الرب:
ليس في الامر مبالغة ولا خيال كما يزعم ديدات.. اذ كعادته لم يقرأ النص جيداً، علاوة على اقتطاعه من سياقه. وسنطرح هذه النقاط لتوضيح الأمر..

أولاً: قوة شمشون كانت معجزة إلهية!
ثانياً: ضرب لا تعني انه قتل!
ثالثاً: فك الحمار.. سلاح!
رابعاً: هل وقفوا طابوراً ليقتلهم شمشون؟!

أولاً: قوة شمشون كانت معجزة إلهية!

فشمشون القاضي من الناحية الجسدية كان جباراً مفتول العضلات كالجبلالمنيع. وكانت قدرته الجسديةهذه احدى نعم الرب عليه. فقوته كانت مؤازرة له من قبل روح الرب.

ولوقرأنا النص لوجدنا ان الرب هو الذي ساعده على ذلك المجهود. لا بل اجترح معه معجزةانقاذ من العطش،ليثبت له بأن جبروته وقوتهمهما بلغ مداها الا انه بدون الرب فسيهلك لأبسط الأسباب.

لنقرأ:
“9 وَصَعِدَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ وَنَزَلُوا فِي يَهُوذَا وَتَفَرَّقُوا فِي لَحْيٍ. 10 فَقَالَ رِجَالُ يَهُوذَا: «لِمَاذَا صَعِدْتُمْ عَلَيْنَا؟» فَقَالُوا: «صَعِدْنَا لِكَيْ نُوثِقَ شَمْشُونَ لِنَفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ بِنَا». 11 فَنَزَلَ ثَلاَثَةُ آلاَفِ رَجُل مِنْ يَهُوذَا إِلَى شَقِّ صَخْرَةِ عِيطَمَ، وَقَالُوا لِشَمْشُونَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْفِلِسْطِينِيِّينَ مُتَسَلِّطُونَ عَلَيْنَا؟ فَمَاذَا فَعَلْتَ بِنَا؟» فَقَالَ لَهُمْ: «كَمَا فَعَلُوا بِي هكَذَا فَعَلْتُ بِهِمْ». 12 فَقَالُوا لَهُ: «نَزَلْنَا لِكَيْ نُوثِقَكَ وَنُسَلِّمَكَ إِلَى يَدِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ». فَقَالَ لَهُمْ شَمْشُونُ: «احْلِفُوا لِي أَنَّكُمْ أَنْتُمْ لاَ تَقَعُونَ عَلَيَّ». 13 فَكَلَّمُوهُ قَائِلِينَ: «كَلاَّ. وَلكِنَّنَا نُوثِقُكَ وَنُسَلِّمُكَ إِلَى يَدِهِمْ، وَقَتْلاً لاَ نَقْتُلُكَ». فَأَوْثَقُوهُ بِحَبْلَيْنِ جَدِيدَيْنِ وَأَصْعَدُوهُ مِنَ الصَّخْرَةِ. 14 وَلَمَّا جَاءَ إِلَى لَحْيٍ، صَاحَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ لِلِقَائِهِ. فَحَلَّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، فَكَانَ الْحَبْلاَنِ اللَّذَانِ عَلَى ذِرَاعَيْهِ كَكَتَّانٍ أُحْرِقَ بِالنَّارِ، فَانْحَلَّ الْوِثَاقُ عَنْ يَدَيْهِ. 15 وَوَجَدَ لَحْيَ حِمَارٍ طَرِيًّا، فَمَدَّ يَدَهُ وَأَخَذَهُ وَضَرَبَ بِهِ أَلْفَ رَجُل. 16 فَقَالَ شَمْشُونُ: «بِلَحْيِ حِمَارٍ كُومَةً كُومَتَيْنِ. بِلَحْيِ حِمَارٍ قَتَلْتُ أَلْفَ رَجُل». 17 وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلاَمِ رَمَى اللَّحْيِ مِنْ يَدِهِ، وَدَعَا ذلِكَ الْمَكَانَ «رَمَتَ لَحْيٍ». 18 ثُمَّ عَطِشَ جِدًّا فَدَعَا الرَّبَّ وَقَالَ: «إِنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ بِيَدِ عَبْدِكَ هذَا الْخَلاَصَ الْعَظِيمَ، وَالآنَ أَمُوتُ مِنَ الْعَطَشِ وَأَسْقُطُ بِيَدِ الْغُلْفِ». 19 فَشَقَّ اللهُ الْكِفَّةَ الَّتِي فِي لَحْيِ، فَخَرَجَ مِنْهَا مَاءٌ، فَشَرِبَ وَرَجَعَتْ رُوحُهُ فَانْتَعَشَ. لِذلِكَ دَعَا اسْمَهُ «عَيْنَ هَقُّورِي» الَّتِي فِي لَحْيٍ إِلَى هذَا الْيَوْمِ. 20 وَقَضَى لإِسْرَائِيلَ فِي أَيَّامِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ عِشْرِينَ سَنَةً”
(القضاة اصحاح 15اية 9-20).
إذن المسألة كلها كانت قدرة الهية وعون اعجازي، بدليل قول الكتاب:
فحلّ عليه روح الرب فكانالحبلان اللذان على ذراعيه ككتان احرق بالنار فانحلّ الوثاق عن يديه“. إذن الرب هو من عضده وأيده في اجتراح هذه المعجزات القوية في حربهضد اهل الأوثان!وبعد أن سنده الرب في ضرب الف رجل (دون ان يحدد النصالفترة الزمنية التي استغرقت ذلك)..
عطش شمشون وكاد انيموت عطشاً.. وطلب الى الرب الذي اعطاه ذلك الخلاص العظيم من يد اهل الوثن بقوله:

“ثم عطش جدا فدعا الرب وقال إنك قدجعلت بيد عبدك هذا الخلاص العظيم والآن اموت من العطش” !!
فالرب (باعتراف شمشون) هو من جعل بيده هذا الخلاص العظيموقد أنقذه من العطشبمعجزة عظيمة.
فترون ان الحدث كله اعجاز إلهي عظيم سند به عبده شمشونفليس في الامر أي خرافةكما هرف ديدات من كيسه!

ثانياً: ضرب لا تعني انه قتل!
كما درسنا في الشبهة الأولى عن شمجر، اكتشفنا أن كلمة “ضرب” العبرية التي استخدمها الوحي المقدس، لا تعني بالضرورة “قتل”!

وإن قيل كيف اذن نقرأ قول شمشون بأنه قتل:
وَوَجَدَ لَحْيَ حِمَارٍ طَرِيًّا، فَمَدَّ يَدَهُ وَأَخَذَهُ وَضَرَبَ بِهِ أَلْفَ رَجُل. “فَقَالَ شَمْشُونُ: «بِلَحْيِ حِمَارٍ كُومَةً كُومَتَيْنِ. بِلَحْيِ حِمَارٍ قَتَلْتُ أَلْفَ رَجُل» “.

قلنا:
ان الاصل العبراني هو ذاته كلمة ناخاه أي “ضرب” في كلتا الآيتين!
فالترجمة العربية لم تكن دقيقة في الآية 16، اذ كان الأصح ان تترجمها “ضربت” وليس “قتلت”.
فالترجمة الانجليزية اليهودية للآيتين هي هكذا بذات الكلمة “ضربت”:

15 And he found a new jawbone of an ass, and put forth his hand, and took it, and smotea thousand men therewith. 16 And Samson said: With the jawbone of an ass, heaps upon heaps, with the jawbone of an ass have I smittena thousand men.
http://www.mechon-mamre.org/e/et/et0715.htm

“ضرب “، “ضربت”. وليس قتل!
لأن النص العبراني يقول ذلك مستخدماً كلمة “ضربت ” وليس قتلت:

قضاة 15: 15
וימצאלחי־חמורטריהוישׁלחידוויקחה ויך־בה אלףאישׁ׃
قضاة 15: 16
ויאמרשׁמשׁוןבלחיהחמורחמורחמרתיםבלחיהחמורהכיתי אלףאישׁ׃

فشمشون “ضرب”، ولا مستوجب يجبرنا على ان نفهم أنه “قتل”. وحتى لو كان قد قتل، فهذا أؤمن به، لأن الكتاب قال صراحة ان قوة شمشون كان اعجازية إلهية من عند الرب.
ثالثاً: فك الحمار.. سلاح!

من جهة النصمن سفر القضاة.. فالنص قد قال بأن شمشون قد استخدم فك حمار في تلك المعركةالحربية.. وكان كسلاح فتاك بيده. والنتيجة ان شمشون بالسلاح الذي استخدمه وبقوةالرب قد ضرب ما مجموعه الف رجل.. بعضهم قُتل وبعضهم جرح وهرب. ولا ادري ما هو صعب الهضم في هذ الحادثة ؟!
ففك الحمار يمكن استخدامه كأداة قاتلة وكسلاح، اذ يزن ما يقارب أربعة كيلوجرامات، وتصميمه يشابه “البلطة” التي كان يستخدمها الهنود الحمر.. اضافة الى بقاء الاضراس المدببة عليه.



رابعاً: هل وقفوا طابوراً ليقتلهم شمشون؟!

(1)تعليق على ألفاظ ديدات قوله المنفر: ” لو بصق الفلسطينيون دفعة واحدة لأغرقوه“!
صحيح ان “المرء مخبوء تحت لسانه”، اذ “كل إناء بما فيه ينضح”!فالشخص المتكلم يُظهر اسلوب كلامه، طبيعة بيئته وتربيته ومهنته. فالفيلسوف يضرب أمثلة تتناسب مع حكمته، والمهندس يضرب أمثلة حسابية تناسب مع مهنته، والطبيب يشرح بأمثلة تتوائم مع طبيعة عمله، وهكذا الى كل أصحاب المهن والمواهب، فكيف كان الأجدر بـ “شيخ!” وعلاّمة عصره أن يضرب الأمثلة؟

(2) لم يكونوا طابوراً! النص لم يحدد المدة التي ضرب فيها شمشون أعداءه الألف.فقد تكون تلك المعركة قد استمرت ساعات طوال، أو اياماً. فهم لم يقفوا في طابور ليقتلوا تباعاً. بل ان نص الكتاب يقول ان شمشون كوم كومتين!
” فَقَالَ شَمْشُونُ: بِلَحْيِ حِمَارٍ كُومَةً كُومَتَيْنِ ” (قضاة 16:15). أي ان المعركة حدثت في أماكن مختلفة على الأقل مكانين.
كما ان الكومة لا يقصد بها 500 رجل !! انما عدد محدود قد لا يبلغ الدزينة منهم.. فهو قتل البعض وكوّمهم وجرح الآخرين، وقد بلغ مجموعهم الألف، بين قتيل وجريح.فالنص قد اختصر الواقعة. ولا يجب ان يتفلسف لا ديدات أو غيره لكي يُحمل النص ما لا يحتمل.

في النهاية، إننا نتساءل، كيف لشيخ يلقبه المسلمون بأسد الدعوة، ويصفونه بأنه “عالِم” أن يسقُط في هذه الأخطاء الساذجة أثناء قراءة النص وفهمه؟ هل تُرى الشيخ حقاً لم يفهم مقصود النص أم أنه قد فهمه ويتعمد إظهار عقله بهذا المستوى الضعيف، فقط ليهاجم الكتاب المقدس؟ وإن كان هذا أو ذاك، فكيف يثق فيه الإخوة المسلمون؟

الرد على شبهة العنف في الكتاب المقدس، تُحطم أطفاالهم والحوامل تُشق | أ/ حنا السرياني

الرد على شبهة العنف في الكتاب المقدس، تُحطم أطفاالهم والحوامل تُشق | أ/ حنا السرياني

 

 
الرد على شبهة العنف في الكتاب المقدس، تُحطم أطفاالهم والحوامل تُشق | أ/ حنا السرياني



سفر هوشع 13: 16
تُجَازَى السَّامِرَةُ لأَنَّهَا قَدْ تَمَرَّدَتْ عَلَى إِلهِهَا. بِالسَّيْفِ يَسْقُطُونَ. تُحَطَّمُ أَطْفَالُهُمْ، وَالْحَوَامِلُ تُشَقُّ

سلام و نعمة رب المجديستشهد البعض بنص الوارد في سفر هوشع للطعن في الكتاب المقدس و يقولون بان اله الكتاب المقدس يحرض على شق بطون الحوامل فهل صدقوا في ادعائهم هذا؟

للرد نقول بان نص هو عبارة عن نبوة مستقبلية لتحذير السامريين الذين حادوا عن طريق الرب و عبدوا الاوثان

 

 

و لذلك حذرهم الرب بانهم ان لم يتوبوا هذا ما سيحل بهم على يد الغزاة القادمين من الشرق و كما نعلم ان سامرة كانت عاصمة مملكة اسرائيل التي كانت تتكون من الاسباط العشرة و التي انفصلت عن السبطان الاخران بعد موت الملك سليمان و بعدها ابتعد شعب مملكة اسرائيل عن الرب و عبدوا الهة الامم و فعلوا الشر في عين الرب.

 

The reason given for God’s violent attack on Israel is given: Because you are against me, against your Helper, your God (13:16a). The rebellion is not a one-time act; the verb marah denotes a persistent stubbornness, digging in the heels against the advice or instructions of a parent or of God.Israel has had a long history of such rebellion, such obstinate refusal to follow what they know to be God’s way.[1]

لذلك ادبهم الرب بارسال الاراميين اولا ثم الاشوريين لاحقا و الذين دمروا مملكتهم و سبوهم الى اشور

ونقرء في سفر الملوك الثاني بان حزئيل ملك الاراميين هاجم السامرة و فعل فيها الفضائع و منها شق بطون الحوامل كما تنبا اليشع النبي في سفر الملوك أيضا بشق بطون الحوامل

سفر الملوك الثاني 8: 12
فَقَالَ حَزَائِيلُ: «لِمَاذَا يَبْكِي سَيِّدِي؟» فَقَالَ: «لأَنِّي عَلِمْتُ مَا سَتَفْعَلُهُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّكَ تُطْلِقُ النَّارَ فِي حُصُونِهِمْ، وَتَقْتُلُ شُبَّانَهُمْ بِالسَّيْفِ، وَتُحَطِّمُ أَطْفَالَهُمْ، وَتَشُقُّ حَوَامِلَهُمْ

و قد حصل ما تنبا عنه اليشع النبي في نفس السفر

سفر الملوك الثاني 13

فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ لِيُوآشَ بْنِ أَخَزْيَا مَلِكِ يَهُوذَا، مَلَكَ يَهُوأَحَازُ بْنُ يَاهُو عَلَى إِسْرَائِيلَ فِي السَّامِرَةِ سَبْعَ عَشَرَةَ سَنَةً.
وَعَمِلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَسَارَ وَرَاءَ خَطَايَا يَرُبْعَامَ بْنِ نَبَاطَ الَّذِي جَعَلَ إِسْرَائِيلَ يُخْطِئُ. لَمْ يَحِدْ عَنْهَا.
فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ، فَدَفَعَهُمْ لِيَدِ حَزَائِيلَ مَلِكِ أَرَامَ، وَلِيَدِ بَنْهَدَدَ بْنِ حَزَائِيلَ كُلَّ الأَيَّامِ


و عندما غزى الاشوريين السامرة كما جاء في سفر الملوك الثاني الاصحاح 17

فِي السَّنَةِ الثَّانِيةَ عَشَرَةَ لآحَازَ مَلِكِ يَهُوذَا، مَلَكَ هُوشَعُ بْنُ أَيْلَةَ فِي السَّامِرَةِ عَلَى إِسْرَائِيلَ تِسْعَ سِنِينَ. وَعَمِلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمُلُوكِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ. وَصَعِدَ عَلَيْهِ شَلْمَنْأَسَرُ مَلِكُ أَشُّورَ، فَصَارَ لَهُ هُوشَعُ عَبْدًا وَدَفَعَ لَهُ جِزْيَةً. وَوَجَدَ مَلِكُ أَشُّورَ فِي هُوشَعَ خِيَانَةً، لأَنَّهُ أَرْسَلَ رُسُلاً إِلَى سَوَا مَلِكِ مِصْرَ، وَلَمْ يُؤَدِّ جِزْيَةً إِلَى مَلِكِ أَشُّورَ حَسَبَ كُلِّ سَنَةٍ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ مَلِكُ أَشُّورَ وَأَوْثَقَهُ فِي السِّجْنِ. وَصَعِدَ مَلِكُ أَشُّورَ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَصَعِدَ إِلَى السَّامِرَةِ وَحَاصَرَهَا ثَلاَثَ سِنِينَ. فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِهُوشَعَ أَخَذَ مَلِكُ أَشُّورَ السَّامِرَةَ، وَسَبَى إِسْرَائِيلَ إِلَى أَشُّورَ وَأَسْكَنَهُمْ فِي حَلَحَ وَخَابُورَ نَهْرِ جُوزَانَ وَفِي مُدُنِ مَادِي. وَكَانَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخْطَأُوا إِلَى الرَّبِّ إِلهِهِمِ الَّذِي أَصْعَدَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ تَحْتِ يَدِ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ، وَاتَّقَوْا آلِهَةً أُخْرَى،وَسَلَكُوا حَسَبَ فَرَائِضِ الأُمَمِ الَّذِينَ طَرَدَهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَمَامِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمُلُوكِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ أَقَامُوهُمْ. وَعَمِلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ سِرًّا ضِدَّ الرَّبِّ إِلهِهِمْ أُمُورًا لَيْسَتْ بِمُسْتَقِيمَةٍ، وَبَنَوْا لأَنْفُسِهِمْ مُرْتَفَعَاتٍ فِي جَمِيعِ مُدُنِهِمْ، مِنْ بُرْجِ النَّوَاطِيرِ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُحَصَّنَةِ. وَأَقَامُوا لأَنْفُسِهِمْ أَنْصَابًا وَسَوَارِيَ عَلَى كُلِّ تَلّ عَال وَتَحْتَ كُلِّ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ. وَأَوْقَدُوا هُنَاكَ عَلَى جَمِيعِ الْمُرْتَفَعَاتِ مِثْلَ الأُمَمِ الَّذِينَ سَاقَهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَمَامِهِمْ، وَعَمِلُوا أُمُورًا قَبِيحَةً لإِغَاظَةِ الرَّبِّ. وَعَبَدُوا الأَصْنَامَ الَّتِي قَالَ الرَّبُّ لَهُمْ عَنْهَا: «لاَ تَعْمَلُوا هذَا الأَمْرَ

دمروها و فعلوا الفضائع باهلها فقد قتلوا الاطفال و شقوا الحوامل

The Assyrian sculptures show prisoners subjected to horrible tortures, or carried away into slavery.The captured Zedekiah had his eyes put out after he had seen his own sons cruelly put to death (2 Kings 25:7). It is only employing the imagery familiar to Assyrian warfare when Isaiah represents Yahweh as saying to Sennacherib:“Therefore will I put my hook in thy nose, and my bridle in thy lips, and I will turn thee back by the way by which thou camest” (Isaiah 37:29). Anticipating the savage barbarities that would follow the capture of Samaria by the Assyrians, Hosea foresees the infants being dashed to pieces and the women with child being ripped up (Hosea 10:14; 13:16; compareAmos 1:13).[2]


ويرى البعض العلماء ان شق بطون الحوامل كانت استراتيجية اتبعها القدماء عندما كانوا يريدون احتلال الاماكن لوقت طويل ليقضوا على الجيل المولود كاملا لكي لا يحملوا السلاح في وجههم مستقبلا.


Further evidence of unborn children being regarded as the coming generation is found in the rather gruesome military strategies of the nations who surrounded Israel. In 2 Kings 8:12, Amos 1:13, and Hosea 13:16 we find reference to the ripping open of women who are with child. Conventional military strategies of the time dictated that if you were able to invade enemy territory but not able to occupy it permanently, you would kill all who were able to use weapons i.e. all men, and all who one day would be capable of using weapons i.e. all male children. If, as an invader, you wanted to be particularly thorough, your soldiers would also kill all unborn children by ripping open all women with child.[3]


و وجد في بعض المنقوشات الاشورية اطرائات للملك تغلث فلاسر لانه شق بطون الحوامل

فاذا هوشع النبي كان يتكلم عن ما سيفعله الاشوريين و كان يذكر بعض عادات الغزاة في معاملة الناس الذين يغزونهم


The OT attests several instances of the wartime atrocity of ripping unborn children out of pregnant women (2 Kings 8:12; 15:16; Hos 13:16), as well as the practice of dashing children to pieces (2 Kings 8:12; Ps 137:9; Isa 13:16; Hos 10:14; 13:16; Nah 3:10). Wolff cites an Assyrian text that praises Tiglath-pileser I (ca. 1100 B.C.) because “he shredded to pieces the bellies of the pregnant” and an excerpt from Homer’s Iliad, which urges that not even “the man-child whom his mother bears in her womb” be allowed to escape the battle.59 Amos describes a practice that was common among the peoples of the ancient Near East, but it would be hard to choose a more poignant example of harsh action against the weak and powerless.[4]


وللنبوة معنى رمزي أيضا حيث يقول جيمس ليمبورغ بان الطفل الذي في بطن الحامل التي ستشق بطنها يرمز الى شعب اسرائيل الذي لم تكن له فرصه في لادراك الامكانيات التي اعطت له من قبل خالقه.

The final saying, verses 12–16, like the first, speaks of Ephraim’s sin (v. 12) and guilt (v. 16). Accusations appear in verses 12–13 and 16a. The announcement of the nation’s death is first made figuratively (v. 15) and then literally (v. 16). Now the prophet projects onto the screen picture after picture of death. Israel is like a child in the womb which never had the chance to realize the potential given it by its Creator (v. 13).[5]


الخلاصه انه النص يتكلم عن نبوة مستقبليه و ليس بتشريع او امر الهي و النص له معنى حرفي و معنى رمزي

الى هنا اعانني الرب

المراجع

[1]Guenther, Allen R.: Hosea, Amos. Scottdale, Pa. : Herald Press, 1998 (Believers Church Bible Commentary), S. 204

[2]Orr, James, M.A., D.D.: Orr, James (Hrsg.): The International Standard Bible Encyclopedia : 1915 Edition. Albany, OR : Ages Software, 1999

[3]World Evangelical Fellowship. Theological Commission: Evangelical Review of Theology : Volume 9. electronic ed. Carlisle, Cumbria, UK : Paternoster Periodicals, 2000, 1985 (Logos Library System; Evangelical Review of Theology 9), S. 63

[4]Finley, Thomas J.: Joel, Amos, Obadiah; Minor Prophets Exegetical Commentary Series: Joel, Amos, Obadiah. Biblical Studies Press, 2003; 2003, S. 140

[5]Limburg, James: Hosea–Micah. Atlanta : John Knox Press, 1988 (Interpretation, a Bible Commentary for Teaching and Preaching), S. 48

وتحطم أطفالهم أمام عيونهم وتنهب بيوتهم وتفضح نساؤهم. اوامر القتل والارهاب في الكتاب المقدس

وتحطم أطفالهم أمام عيونهم وتنهب بيوتهم وتفضح نساؤهم. اوامر القتل والارهاب في الكتاب المقدس

وتحطم أطفالهم أمام عيونهم وتنهب بيوتهم وتفضح نساؤهم. اوامر القتل والارهاب في الكتاب المقدس

وتحطم أطفالهم أمام عيونهم وتنهب بيوتهم وتفضح نساؤهم. اوامر القتل والارهاب في الكتاب المقدس
سفر إشعياء [ 13 : 16 ] وتحطم أطفالهم أمام عيونهم وتنهب بيوتهم وتفضح نساؤهم. اوامر القتل والارهاب في الكتاب المقدس
الرد باختصار .
الاصحاح الثالث عشر من اشعياء النبي هو عباره عن رؤيا عن بابل اراها الرب لاشعياء بنُ آموصَ فيبدأ الاصحاح بالآتي . رُؤيا على بابلَ رَآها إشَعيا بنُ آموصَ لتوضيح الامر اكثر. والامر الذي لا يعرفه المعترض لجهله ان بابل دمرت من خلال مادي وفارس وليس بني اسرائيل . لكن دعونا نوضح اكثر.
 
يقول كتاب:
MacDonald, W., & Farstad, A. (1997, c1995). Believer’s Bible Commentary : Old and New Testaments (Is 13:1-5). Nashville: Thomas Nelson.
في الاصحاحات التاليه يوجد نبوات ضد الامم . واول هذه النبوات تتحدث عن بابل. فبابل هي القوه العظمي التي سحقت آشور “حوالي سنة 609 قبل الميلاد “وفي الاصحاح الثالث عشر .نري بابل التي غزاها الماديين والفرس ” 539 قبل الميلاد “
 
ويقول كتاب:
Adeyemo, T. (2006). Africa Bible commentary (845). Nairobi, Kenya; Grand Rapids, MI.: WordAlive Publishers; Zondervan.
تلقي النبي وحياً “رؤيا” عن بابل ستكون القوه العظمي التي قمعت الاشوريين .وتنبأ ايضا ان اسرائيل ستكون في الاسر لكن الرب سيشفق عليهم ويعيدهم الي ارضهم.
 
ويقول كتاب:
Calvin, J. (1998). Calvin’s Commentaries: Isaiah (electronic ed.). Logos Library System; Calvin’s Commentaries (Is 13:1). Albany, OR: Ages Software.
من الاصحاح الثالث عشر وصولاً للاصحاح الرابع والعشرون .نبوات من خلال النبي لما سيحدث من كوارث مروعه للامم .

فاين الامر الالهي .؟ لماذا الكذب لاجل نصره الدين؟ هذه رؤيا نبوية اعلنها الرب الاله لاشعياء للتذكير والتنذير .وليست امر الهي لكن توصيف لما سيحدث لعلم الله المسبق.

العنف في العهد القديم – فادي عاطف

العنف في العهد القديم – فادي عاطف

العنف في العهد القديم – فادي عاطف

لماذا يحتوى العهد القديم على كل هذا الكم من الحروب؟ ولماذا يبدو إله العهد القديم غاضب بهذه الطريقة؟ قد يكون هذا إنطباعنا حينما نقرأ العهد القديم لأول وهلة، لكن لا تبدو الصورة بهذا الشكل الكئيب بالنظرة الثاقبة للعهد القديم. وقبل أن نفهم لماذا هناك سفك دماء كثيرة فى العهد القديم يجب أن نفهم بعض المبادئ الأساسية التى يبني عليها العهد القديم لاهوته عن الله.

تاريخ الخلاص

لا يمكن فهم حدثٍ مّا بدون فهم سياقه بطريقة دقيقة. لذا يجب أن نفهم ما الذي سبق حروب العهد القديم وما تلاها في موقعها في النص. من بداية النص الكتابي نرى بوضوح مشكلة البشرية الجذرية التي تسببت فى كل مشكلات الإنسان مع الله وهي الخطية. دخول اللعنة للجنس البشري نتيجة تفضيل الإنسان طريقته في الحياة بدلاً من طريقة الله جعل كل شيء بين البشر فاسدًا. يغطّي تكوين 1 – 11 مشاهد تغلغُل الفساد في الجنس البشري بأكمله.

لكن الله يتدخل لإنقاذ البشرية عن طريق تخصيص فرد محدد (إبراهيم) ليأتي منه شعب محدد (إسرائيل) ليكون هو مجال عمل الله لتأسيس مملكته الحقيقية التي يحكمها مبادئ الله وقِيَمه: العدل، الرحمة، المحبة، الإيثار وغيرها. لكن الخطية تفسد هذه القيم وبالتالي كان لا بد من تأسيس شعب ومملكة يحكمه هذه المبادئ عن طريق شريعة الله ووصاياه. في ضوء هذه الحقيقة كان لا بد لشعب إسرائيل أن ينفصل عن بقية الشعوب والأمم لكي يتقدّس للرب من كل خطية. لأن كل اختلاط بين شعب إسرائيل وبقية الأمم كان يعني أن يتنجّس إسرائيل بخطايا هذه الأمم.

لأجل تأسيس هذه المملكة كان على إسرائيل أن يعيش في أرض تحت قانون الله مباشرةً. إنه نوع من الحكم الثيؤقراطي. لكن الشعوب الوثنية لا تريد أن يملك الله ومبادئه وقِيمه لأنها ضد أنانية الإنسان وتمركزه حول نفسه. لذلك كان كثيرًا ما يحدث مشاحنات ومضايقات بين شعب إسرائيل وبقية الشعوب من حوله. في ضوء هذا السياق التاريخي – اللاهوتى يمكننا النظر في طبيعة حروب إسرائيل في العهد القديم وتبعياتها فيما يخص تاريخ خلاص الإنسانية.

 

صفتين هامّتين لله

أولاً، هناك الكثير من النصوص فى العهد القديم التي تتحدّث عن الله بوصفه إله الرحمة والمحبة. الله يهتم بالأرملة (تثنية 24: 17)، واليتيم (تثنية 10: 18). الله يحب الغرباء عن شعب اسرائيل (خروج 22: 21)، ويبدو كثير الإحسان والوفاء (خروج 34: 6)، طويل الروح وكثير الرحمة (مزمور 86: 15)، قلبه ممتلئ بالحنان (مزمور 116: 5). أو بكلمات أحد الأنبياء “رؤوف رحيم بطيء الغضب وكثير الرأفة” (يوئيل 2: 13). يبدو أن قراءة العهد القديم بطريقة انتخابية هو الذى يولّد الانطباع بأن الله دائمًا غاضب.

ثانيًا، واحدة من صفات الله الأساسية هى أنه يحب الحق (مزمور 37: 28)، والحق يعني أن الله لا يحابي أحد بل يعطي الجميع دون تفرقة (تثنية 10: 17). وبالتالي الله لا يظلم بل يحكم بالعدل حتى وإن كان يحب الإنسان. لأن المحبة الحقيقية تعمل على إصلاح أي اعوجاج أو خلل أخلاقي في الإنسان. أي أن الله حينما يغضب فهو يغضب لأجل تحقيق العدل والمساواة بين البشر. إنه مثل غضب الأب من ابنه الذي غايته ليس الإيذاء لكن التقويم لأجل صالح الابن. إنها ببساطة محبة فعلية وليست شعورية فقط.

مبدأين هامّين عن الحياة والموت

أولاً، مفهوم إنهاء الحياة قد يكون صحيح أو خطأ بناءًا على السياق. فالقاضي الذي يحكم بالإعدام على مجرم يستحق هذا العقاب لا يرتكب جريمة في حقه. والمحارب فى الجيش الذى يقاتل ضد المحتل لا يرتكب جريمة بقتله عدوه أو أن يدافع الشخص عن نفسه ضد شخص يحاول قتله. إذَن ليس كل قتل خطأ، بل القتل بدون وجه حق هو الخطأ. والله بصفته العدل المطلق فهو لا يظلم إنسان أبدًا حينما يقرر إنهاء حياته، لأن بكل تأكيد هذا الإنسان يستحق هذا العقاب.

ثانياً، حينما يموت أي شخص بطريقة طبيعية فهذا معناه أيضًا أن الله هو من يقرر إنهاء حياته وهذه ليست جريمة قتل يرتكبها الله بل هو حقٌّ إلهيٌّ أصيل. هذا يعني أن الله من حقه أن ينهي حياة أي شخص في الوقت الذي يريده بالطريقة التي يريدها. الفكرة وراء ذلك هي أن الله هو صاحب الحياة وهو من يعطيها للإنسان وهو وحده من يمتلك حق أن يأخذها منه. لذلك أن ينهي إنسان حياة إنسان آخر دون وجه حق فهذا يعني أنه يأخذ دور الله.

السياق الحضاري لحروب العهد القديم

أولاً، ثقافة الكنعانيين الذين كانوا يحيطون بشعب إسرائيل ممتلئة بالخطايا المختلفة لدرجة أن الله يقول أنهم نجّسوا كل الأرض حتى لم تعد الأرض تطيقهم فتيقأتهم (لاويين 18: 25).

ثانيًا، كان غضب الله على الكنعانيين مُوجّهًا في الأصل تُجاه ديانتهم الكنعانية وليس تجاه الكنعانيين أنفسهم، لأنهم كانوا يضلّون شعب إسرائيل عن عبادة الله لعبادة الآلهة الكنعانية (تثنية 7: 4؛ 12: 2 – 3). وعبادة الآلهة الوثنية كانت تتضمن اختراقًا صريحًا للعدل والرحمة، مثل تقديم الأطفال كذبائح بشريّة للآلهة الوثنية (لاويين 18: 21)، فكان من الضروري أن يتدخّل الله ويوقِف هذه الممارسات ويمنع دخولها لشعب إسرائيل. بكلمات أخرى، الله كان يسمح بإبادة القاتل الظالم لئلا يُقتَل الأبرياء. حجر ميشع (أو حجر موآب 850 ق. م) يثبت أن بقية الأمم كان لديها لاهوت للحرب بطريقة مشابهة لفكر الحرب لدى إسرائيل[1].

ثالثًا، لم يكن الغضب مُوجهًا للأعراق المختلفة عن إسرائيل لمجرد أنها أعراق مختلفة، أي أنها لم تكن عمليات تطهير عرقي. فهناك أفراد رفضوا العبادات الوثنية بطقوسها الظالمة فلم يغضب الله عليهم بل رحّب بهم فى شعب إسرائيل، مثل راحاب (يشوع 2) لأن رغبة الله ليست أن يهلك الخُطاة بل أن يرجعوا إليه ويحيوا: “لأَنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ مَنْ يَمُوتُ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، فَارْجِعُوا وَاحْيَوْا.” (حزقيال 18: 32). ولاحظ أيضًا أن أول امرأة جاءت في سلسلة نسب المسيح هي امرأة كنعانية (متّى 1).

رابعاً، أعطى الله  فرصة أكثر من 400 عامًا للشعوب الكنعانية لكي يتوبوا ويرجعوا عن خطاياهم، لكنهم لم يتوبوا (تكوين 15: 13 – 16). فظاعة خطايا هذه الشعوب واضحة في (لاويين 18) الذي يذكر بالتفصيل فجور هذه الشعوب. أي أن الله أعطى فرصة لكي لا يؤذوا الآخرين وأنفسهم بخطاياهم ولكنهم لم يرجعوا.

مع العلم بأن الكنعانيين كانوا يعرفون قدرة الرب وماذا يمكن أن يفعل تجاه خطاياهم مثلما نقرأ قول راحاب الكنعانية لجواسيس شعب إسرائيل ” لأَنَّنَا قَدْ سَمِعْنَا كَيْفَ يَبَّسَ الرَّبُّ مِيَاهَ بَحْرِ سُوفَ قُدَّامَكُمْ عِنْدَ خُرُوجِكُمْ مِنْ مِصْرَ، وَمَا عَمِلْتُمُوهُ بِمَلِكَيِ الأَمُورِيِّينَ اللَّذَيْنِ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ: سِيحُونَ وَعُوجَ، اللَّذَيْنِ حَرَّمْتُمُوهُمَا. سَمِعْنَا فَذَابَتْ قُلُوبُنَا وَلَمْ تَبْقَ بَعْدُ رُوحٌ فِي إِنْسَانٍ بِسَبَبِكُمْ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ هُوَ اللهُ فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَعَلَى الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ.” (يشوع 2: 10 – 11).

خامسًا، كان النساء الكنعانيات يغوين شعب إسرائيل بالانحراف عن عبادة الله وعبادة الأوثان، فكان الزواج منهم أو وجودهم فى اختلاط مع بني إسرائيل يأخذ الإسرائيليين بغواية لعبادة الأوثان (عدد 25: 1 – 3). إذ كُنَّ يُقِمنَ بشيء مثل إغراء الجاسوسة لاستقطاب عميل من الخِصم. لذا، فانحراف رجال إسرائيل وراء آلهة أخرى بسبب إغراء نساء كنعان واضح فى سفر القضاة بأكثر من طريقة (انظر تحديداً قضاة 3: 4).

سادسًا، كان الأطفال سيكبرون ويصبحون مثل آبائهم، وهذا هو الاحتمال الأرجح. لكن أيضًا فرصة بقاء طفل على قيد الحياة دون أب وأم في الشرق الأدنى القديم كانت نادرة. لذلك، أمر الله بإبادة الطفل يعطي له فرصة “الحياة الأبدية” بدلاً من “الهلاك الأبدي” إذا عاش مثل آبائه.

سابعاً، كانت رغبة الله الأولى أن يطرد الإسرائيليون الكنعانيين من الأرض وليس أن يقتلوهم، لكن إذا أصرّ الكنعانيون على محاربة الإسرائيليين ففي هذه الحالة تنطبق قواعد الحرب المدنية بثقافة وطريقة ذلك المجتمع في ذلك الوقت (تثنية 9: 3). بل إن الله كان يريد ألاّ يطرد الكنعانيون دفعة واحدة من الأرض بل “قليلاً قليلاً” سيطردهم من أمام إسرائيل (خروج 23: 29 – 30). وما حدث فعليًا هو أن وجود الكنعانيون استمر لفترات وحقبات طويلة لاحقًا.

نظرة سريعة على سفر القضاة تثبت ذلك ففي (قضاة 3: 1 – 4) نعرف أن الرب هو الذي جعل للكنعانيين بقيّة تبقى في الأرض ليمتحن بهم إسرائيل لكي يعلم هل يسمعون وصايا الرب. وقُرب نهاية حياة يشوع أكّد لهم أن الله هو من طرد الكنعانيون وليس الإسرائيليين (يشوع 24: 12). الله يُعرِّف إسرائيل قدرته لئلا يظن أنه أفضل من بقية الشعوب (لاويين 18: 28). ولاحقًا، عاقب الله إسرائيل بنفس الطريقة بطردهم من الأرض وسبيهم إلى أشور وبابل، بل وجلب عليهم السيف حينما عصوه وسلكوا في خطايا تلك الشعوب (إرميا 8:27 ، عاموس 2).

“فَأَرْسَلَ الرَّبُّ إِلهُ آبَائِهِمْ إِلَيْهِمْ عَنْ يَدِ رُسُلِهِ مُبَكِّرًا وَمُرْسِلاً لأَنَّهُ شَفِقَ عَلَى شَعْبِهِ (إسرائيل) وَعَلَى مَسْكَنِهِ، فَكَانُوا يَهْزَأُونَ بِرُسُلِ اللهِ، وَرَذَلُوا كَلاَمَهُ وَتَهَاوَنُوا بِأَنْبِيَائِهِ حَتَّى ثَارَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى شَعْبِهِ حَتَّى لَمْ يَكُنْ شِفَاءٌ. فَأَصْعَدَ عَلَيْهِمْ مَلِكَ الْكِلْدَانِيِّينَ فَقَتَلَ مُخْتَارِيهِمْ بِالسَّيْفِ فِي بَيْتِ مَقْدِسِهِمْ. وَلَمْ يَشْفِقْ عَلَى فَتًى أَوْ عَذْرَاءَ، وَلاَ عَلَى شَيْخٍ أَوْ أَشْيَبَ، بَلْ دَفَعَ الْجَمِيعَ لِيَدِهِ. وَجَمِيعُ آنِيَةِ بَيْتِ اللهِ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَخَزَائِنِ بَيْتِ الرَّبِّ وَخَزَائِنِ الْمَلِكِ وَرُؤَسَائِهِ أَتَى بِهَا جَمِيعًا إِلَى بَابِلَ. وَأَحْرَقُوا بَيْتَ اللهِ، وَهَدَمُوا سُورَ أُورُشَلِيمَ وَأَحْرَقُوا جَمِيعَ قُصُورِهَا بِالنَّارِ، وَأَهْلَكُوا جَمِيعَ آنِيَتِهَا الثَّمِينَةِ. وَسَبَى الَّذِينَ بَقُوا مِنَ السَّيْفِ إِلَى بَابِلَ، فَكَانُوا لَهُ وَلِبَنِيهِ عَبِيدًا إِلَى أَنْ مَلَكَتْ مَمْلَكَةُ فَارِسَ.” (أخبار الأيام الثاني 15:36-20).

ثامناً، لم يكن الإسرائيليون أفضل من الكنعانيين حتى يستخدمهم الله فى توقيع العقاب عليهم. النص الرئيسي في (تثنية 9) يقول بوضوح أن هذا لا يحدث لأن الإسرائيليين أفضل حالاً من الكنعانيين، ويكرر أن هذا ليس بسبب “بِرّ” في إسرائيل (تثنية 9: 4). ثم يوضح أن الطرد يحدث بسبب إثم الشعوب الكنعانية (تثنية 9: 5) وليس بسبب أي صلاح في بني إسرائيل: “لَيْسَ لأَجْلِ بِرِّكَ وَعَدَالَةِ قَلْبِكَ تَدْخُلُ لِتَمْتَلِكَ أَرْضَهُمْ، بَلْ لأَجْلِ إِثْمِ أُولئِكَ الشُّعُوبِ يَطْرُدُهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ أَمَامِكَ، وَلِكَيْ يَفِيَ بِالْكَلاَمِ الَّذِي أَقْسَمَ الرَّبُّ عَلَيْهِ لآبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ لأَجْلِ بِرِّكَ يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ هذِهِ الأَرْضَ الْجَيِّدَةَ لِتَمْتَلِكَهَا، لأَنَّكَ شَعْبٌ صُلْبُ الرَّقَبَةِ.” (تثنية 9: 5-6).

تاسعًا، يجب أن نفهم من نصوص غضب الله في العهد القديم مدى جدّيته في التعامل مع الخطية. الله كإله قدّوس لن يساوم مع الخطية أبدًا، لأنها ضد طبيعته، وطبيعة الله هي كل ما هو صالحٌ فقط. أمّا الخطية فتفسد الحياة وتلوّثها. قصد الله من وجود البشرية هو أن تعيش على نموذج وصورة الثالوث (يمكنك الروجع إلى مقالتنا عن الثالوث)، كمجتمع مُحب لبعضه البعض حتى درجة التوحُّد (يوحنّا 23:17)، ولكن الخطية تفسد هذه الصورة الكاملة للحياة الإنسانية، لذلك لن يصمت الله أمام الخطية بل سيعاقب الأشرار “فاعلوها” بالعدل، (مزمور 98).

عاشرًا، يجب أن نفهم نصوص الحروب في العهد القديم في سياق المجتمع البدائي الذي كان يعيش فيه الإسرائيليون والكنعانيون. هذه كانت طرق الحرب السائدة في هذا المجتمع. إذ لم يكن هناك جيوش نظامية أو معاهدات سلام ولا أمم متحدة تشرف على حفظ السلام في العالم.

حادى عشر، نحن اليوم يمكننا أن نعترض على مبادئ الله في العهد القديم لكننا لا نستطيع أن نعيش بدونها. فإذا تُرِك القاتل ليقتل كما يشاء، أو ليفعل الإنسان ما يريد وقتما يريد، سيتحول المجتمع إلى غابة لا يحكمها قانون. لذا فالله كان ببساطة يطبّق القانون بالطريقة المناسبة لهذا العصر، وكانت هذه الثقافة السارية في الشرق الأدنى القديم.

ثانى عشر، في كل أحداث الغضب الإلهي في العهد القديم كان هناك أربعة عناصر:

  • تحذير من الدينونة وعدم التوبة.
  • وجود شاهد مُرسَل من الله يعلن طريق التوبة.
  • وقوع الدينونة على الخطاة.
  • وجود ناجين من الدينونة بسبب الإيمان.

وهناك أمثلة عديدة تكررت فيها هذه العناصر مثل: الطوفان، سدوم وعمورة، قتل الكنعانيين، قتل عماليق وغيرهم.

وفى العهد الجديد تتكرر نفس العناصر حول الدينونة النهائية لكل البشرية:

  • فنحن اليوم نعيش فى وقت تحذير من الدينونة القادمة وعدم التوبة.
  • لدى الله اليوم شهادة من الكنيسة تعلن عن طريق التوبة والرجوع إلى الله.
  • سوف يأتي وقت ستقع فيه الدينونة النهائية على كل الخطاة الرافضين لخلاص الله النهائي.
  • سوف تنجو الكنيسة الحقيقية من الدينونة بسبب إيمانها بالمسيح وعمله الفدائي على الصليب.

خطورة بقاء الشعوب الوثنية

في كل مرة كان الشعب يحيد عن وصية الرب بالتحريم كان هناك تبعيات خطيرة على عبادة الشعب للرب. وجود بقية من هذه الشعوب كان يعني إغواء للشعب بعبادة آلهة هذه الشعوب. وفيما يلي بعض الأمثلة:

 

شعوب كنعان

لم ينفذ إسرائيل وصية الرب بالتحريم الكامل لشعوب كنعان. استمر هناك بقايا لهذه الشعوب حتى بعد حملات يشوع لامتلاك الأرض. والنتيجة كانت أن الشعب ترك الرب وعبد الآلهة الأخرى الوثنية ولم يطيعوا وصايا الرب ولا شريعته وبالتالي لم يتحقق افتداء البشر الجزئي من خطيتهم في هذه المرحلة من تاريخ الخلاص (ننظر القصة كاملة في قضاة 2). حتى حينما أعطى الله موسى شريعة التحريم للشعوب الوثنية قال أنهم إذا لم يتم تحريمهم سيستمرون في إغواء الشعب (تثنية 7: 4)، وهو ما حدث بالفعل (شَرَكًا – فى قضاة 2: 3).

إغواء النساء بالآلهة الوثنية امتد إلى زمن سليمان حيث أستمَلنَ قلبه لعبادة آلهة وثنية مثل كموش إله بني موآب ومولك إله بني عمون (الملوك الأول 11: 6 – 7). وبعد سليمان أتى ابنه رحبعام الذي كان ابنًا لإحدى زوجات سليمان من بني عمون (الملوك الأول 14: 21). في عهد هذا الملك ارتكب شعب يهوذا كم خطايا لم يحدث من قبل (انظر الصيغة في الملوك الأول 14: 22). كما أن العاهرون من ذوي الشذوذ الجنسي انتشروا في الأرض واقترفوا كل الشرور والموبقات التي كان يمارسها الأمم الذين أمر الرب بطردهم من أرض كنعان (الملوك الأول 14: 23 – 24).

ملك آخر ليهوذا هو آحاز بن يوثام حيث كان يعبد الآلهة الوثنية بالشعائر الوثنية حيث أجاز ابنه في النار بنفس الطريقة التي كان يتعبّد بها الأمم والشعوب التي أمر الرب بطردها (الملوك الثاني 16: 2 – 3).

عماليق
لكي نفهم جيدًا مدى خطورة ترك هذه الشعوب إحياء على شعب إسرائيل دعونا ننظر في هذا المثال. شعب عماليق كان واحد من الشعوب التي تحارب شعب إسرائيل باستمرار. أثناء رحلة الخروج قام هذا الشعب ليحارب إسرائيل ويمنعه من الدخول للأرض. انتصر إسرائيل وكانت حرب مدنية عادية ولكن كان هدفها منع إسرائيل من الدخول للأرض.

تمُر السنين ويطلب الله من شاول بعدما أصبح ملكًا على إسرائيل أن يذهب ويحارب هذا الشعب (تدور أحداث القصة في صموئيل الأول 15). الله أمر أن يتم إفناء شعب عماليق بالكامل، الرجال والنساء والأطفال والمواشي وكل شيء (صموئيل الأول 15: 3). لكن شاول حرّم كل الشعب ماعدا أجاج الملك (عدد 9).

لاحقًا بعد عدة عقود في نفس القرن، نجد أن هناك نسل لعماليق ما زال مستمر في محاربة إسرائيل. عماليق قاموا بمهاجمة مدينة صقلغ مدينة داود وأحرقوها بالكامل بالنار وأخذوا النساء سبايا ومنهم زوجتَيْ داود (تدور أحداث القصة فى صموئيل الأول 30). لما عاد داود بكى حتى لم يعد فيه قوة للبكاء وحتى شعبه انقلب عليه وأرادوا أن يرجموه. هذا حدث فقط لأن شاول لم ينفذ الأمر ولم يحرّم كل عماليق بل ترك الملك.

ليس هذا فقط، بل بعد ذلك بنحو خمسة قرون، نجد أن هذا الملك “أجاج” ما زال له نسل. نقرأ فى سفر (أستير 3: 1) عن شخص يُدعى هامان بن همداثا الأجاجيّ أي من نسل أجاج ملك عماليق. لندرك مدى خطورة عدم تحريم شاول لعماليق علينا أن نعرف ما الخطر الذي كان سيحدثه هامان بالأمة اليهودية بأكملها. كان هامان يريد أن يهلك الشعب اليهودي بأكمله (أستير 3: 6). هذا المخطط الذي رسمه هامان أفسده الله بعنايته ولكنّه يظهر لنا مدى خطورة عدم قتل شاول لأجاج ملك عماليق.

ببساطة لم يكن لدى الله مشكلة شخصية أو خاصة مع عماليق حينما طلب من شاول أن يحرّمهم. لكن هذا الشعب كان مستمرًا في العداوة تجاه اليهود. في الحقيقة، مشكلة الشعوب المحيطة بشعب إسرائيل كانت مع إلههم وليست معهم هم أنفسهم. هذه الشعوب كانت تحاول إفناء هذه الأمة لأنها في الحقيقة كانت أداة في يد إبليس تحاول أن تعرقل تاريخ الفداء بكل الأشكال.

إيزابل

إيزابل هي نموذج يوضّح لنا كيف يمكن لكنعاني واحد أن يفسد المملكة بالكامل ويحارب شعب الرب من الداخل. هى ابنة الملك إثبعل ملك الصيدونيين، أحد الشعوب الكنعانية شمال مملكة إسرائيل. اتخذها آخاب الملك زوجة له فسار الملك وراء عبادة آلهتها (الملوك الأول 16: 31). وحينما وصلت هذه الملكة الوثنية للحكم قتلت كل أنبياء الرب (الملوك الأول 18: 4، 16). مشكلة إيزابل كانت مع الأنبياء، مع الله نفسه ووكلاؤه.

يمكننا أن ندرك خطورة الموقف حينما نتأمل قليلاً كيف ترعرع آخاب في مجتمع يرى في الوصايا العشر مبادئ لا يجب كسرها أبدًا بينما ترعرعت إيزابل في مجتمع يعتقد أن الإلهة الكنعانية قامت بتهشيم جمجمة رجل صغير لأنها أرادته أن يسجد لها!

الحقيقة لا مشاعر لها

أفضل وسيلة لمعرفة الحقيقة هي أن نكون موضوعيين بما يكفي لكي نستطيع موازنة كافة أجزاء الدليل المتاح. وليس من الجيد أن نتعامل مع الأدلة بمشاعرنا، لأن هذا ينفي الموضوعية. لذا أدعوك، عزيزي القارئ، أن تنظر لقضية العنف في العهد القديم بشكل عام بطريقة عقلانية متزنة لا يقودها المشاعر. البحث عن كافة أجزاء الدليل ومحاولة تفسيرها بطريقة صحيحة هو الضمان الوحيد لاستنتاج سليم.

إن إله العهد القديم ليس مختلفًا عن إله العهد الجديد في شيء. بل إن صفاته متطابقة ولم تتغير. وهو يحب الرحمة والحق في نفس الوقت. وهو يحب المودّة والعدل في نفس الوقت. وهذه الصفات ظهرت بكمالها في يسوع المسيح. لأن الله أعلن عن نفسه، شخصيته، طبيعته، مبادئه، قِيمه، ومُثُله في يسوع المسيح. ليس هناك إله آخر محتجب غير الذي أُعلِن في يسوع. وهو نفسه من يدعونا إلى حوار يؤسس لعلاقة تشبع الأيام والقلب فرحًا.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

[1]Jewish Study Bible, 411.

العنف في العهد القديم – فادي عاطف

Exit mobile version