هل ثمار شجرة معرفة الخير والشر كانت مُهلكة في حد ذاتها بغض النظر عن مخالفة الوصية؟

 356- هل ثمار شجرة معرفة الخير والشر كانت مُهلكة في حد ذاتها بغض النظر عن مخالفة الوصية؟

يقول جيمس فريزر ” إن الشجرة المُحرَّمة كانت في الحقيقة شجرة فناء لا شجرة معرفة، وأن مجرد تناول فاكهتها المُهلكة، بغض النظر عن موضوع طاعة الأمر الإلهي أو عصيانه، كان كفيلًا بأن يفضي بالإنسان إلى الموت(1).

ج:

1- لم تكن فاكهة شجرة المعرفة سامة وقاتلة في حد ذاتها، وإلاَّ تعرض الإنسان للموت مباشرة، وإنما جوهر القضية هو طاعة آدم للخالق، وعلامة هذه الطاعة هي البعد عن الأكل من هذه الشجرة.

2- ما معنى الأكل من شجرة معرفة الخير والشر؟ نقول أن الأكل من هذه الشجرة يعني مخالفة الوصية الإلهية، فشجرة المعرفة مثلها مثل أي شجرة عادية، وثمارها مثل أية ثمار أخرى، والأكل من ثمارها لم يكن يمثل أية مشكلة في حد ذاته لو أن الله سمح بالأكل منها، ولكن المشكلة نشأت أساسًا من أن الله نهى الإنسان عن الأكل من هذه الشجرة، فمعنى الأكل منها هو مخالفة الوصية الإلهية، وعندما أكل الإنسان من الشجرة كان يطمع في أن يصير مثل الله، مصدقًا كلام الحيَّة ” يوم تأكلان منه تتفتح أعينكما وتكونان كالله” (تك 3: 5)..

حقًا إنه قبل أن يأكل الإنسان من هذه الشجرة لم يكن يعرف إلاَّ الخير والصلاح فقط، ولكن عندما خالف الوصية الإلهية انفتحت عيناه على جحيم الشر، فحقيقة أن الخير كل الخير كان في طاعة الوصية، والشر كل الشر في مخالفتها، والأمر العجيب أن الإنسان أراد أن يرتفع إلى مرتبة الله فسقط وتحطمت آماله وعاش في تعاسة ما بعدها تعاسة والنهاية الموت الأبدي. أما الله في ملء الزمان فقد تنازل إلى مرتبة الإنسان، وأخرجه من ورطته، ورفعه إلى الملكوت السمائي.

_____

(1) ترجمة د. نبيلة إبراهيم – الفولكلور جـ 1 ص 146.

هل ثمار شجرة معرفة الخير والشر كانت مُهلكة في حد ذاتها بغض النظر عن مخالفة الوصية؟

الشك ف الكمين – ما هو الخير؟

الشك ف الكمين – ما هو الخير؟

الشك ف الكمين – ما هو الخير؟

مشكلة الشر والألم في الحياة – كيف يمكن أن يسمح إله صالح بالألم؟

مشكلة الشر والألم في الحياة – كيف يمكن أن يسمح إله صالح بالألم؟

مشكلة الشر والألم في الحياة – كيف يمكن أن يسمح إله صالح بالألم؟

مشكلة الشر والألم في الحياة – كيف يمكن أن يسمح إله صالح بالألم؟

قالت هيلاري (Hillary)، وهى طالبة جامعية تدرس الأدب: “إني حقا لا أومن بأن إله المسيحية موجود. إن الله يسمح بمعاناة رهيبة في العالم. وهكذا فإنه قد يكون إما كلي القدرة لكن غير صالح بما يكفي لملاشاة الشر والألم، وإما كلي الصلاح لكن غير قادر بما يكفي ليلاشي الشر والألم. وفي كلتا الحالين، لا يعقل أن يكون إله الكتاب المقدس الكلي الصلاح والقدرة موجودا”.[1]

وأضاف رب (Rob)، صديق هيلاري: “ليست هذه مسألة فلسفية بالنسبة إلي، فهي شخصية. فما كنت الأومن بإله يسمح بالألم، حتى لو كان هو- أو هي أو ذلك- موجودا. ربما كان الله موجودا، وربما كان غير موجود. ولكن إذا كان موجودا، فلا يمكن الوثوق به”.

إن المشكلة الكبرى، في نظر كثيرين، لاتكمن في حصرية المسيحية، بل في وجود الشر والألم في العالم. فمنهم من يرون أن التألم ظلما هو معضلة فلسفية، ويلقون الشكوك حول وجود الله بحد ذاته. ومنهم من يعد المسألة مسألة شخصية صرفا. فلا يعنيهم السؤال المجرد: أموجود الله أم غير موجود؟ إذ يرفضون أن يثقوا أو يؤمنوا بأي إله يسمح للتاريخ والحياة أن يستمرا على ما هما عليه.

في كانون الأول (ديسمبر) 2004، قتل أكثر من 250,000 شخص من جراء أمواج تسونامي هائلة ضربت ساحل المحيط الهندي. وعلى مدى الأسابيع التالية غصت الصحف والمجلات برسائل ومقالات تطرح السؤال: “أين كان الله؟” وقد كتب أحد المراسلين: “إذا كان الله هو الإله، فهو غير صالح. وإذا كان الله صالحا، فهو ليس إلها. ولا يعقل تقبل الأمر في كلتا الحالين، خصوصا بعد كارثة المحيط الهندي المفجعة”[2].

إنما على الرغم من التأكيد الواثق من قبل كاتب المقال، فإن الجهد المبذول للبرهنة بأن الشر يدحض وجود الله “بات الآن معترفا به لدى جميع الفرقاء تقريبا بأن هذا الجهد قد أفلس كليا”.[3] لماذا؟

 

الشر والألم ليسا دليلا ضد الله

يقيم الفيلسوف جاي. أل. ماكي (J. L. Mackie) هذه القضية ضد الله، في كتاب له بعنوان “معجزة توحيد الله” (The Miracle of Theism, Oxford, 1982). وهو يبسطها على هذا النحو: إذا كان إله صالح وقدير موجودا، فما كان يسمح بالشر العديم الجدوى؛ ولكن لأن في العالم بالفعل كثيرا من الشر العديم الجدوى والذي لايبرر، لايعقل أن يكون الإله التقليدي الصالح والقدير موجودا. قد يكون موجودا إله آخر، أو لا إله، ولكن ليس الله التقليدي[4].

غير أن فلاسفة آخرين كثيرين تبينوا في هذا التعليل عيبا رئيسيا. ففي صلب التوكيد بأن العالم ملان بالشر العديم الجدوى تمكن مقدمة مفترضة، ألا وهي أنه بدا الشر عديم الجدوى بالنسبة إلي فلا بد عندئذ أن يكون هو عديم الجدوى.

وهذا التعليل ينطوي طبعا على مغالطة. فإن مجرد عدم قدرتك على أن ترى أو تتصور سببا وجيها لسماح الله بحصول شيء ما، لا يعني أنه لا يمكن أن يوجد سبب فعلا. وهنا أيضا يلوح لنا في صلب الشكوكية، التي يفترض أنها متمسكة بالمنطق، إيمان هائل لدى المرء بقدراته الإدراكية. فإن كانت عقولنا عاجزة عن سبر أغوار الكون للاهتداء إلى أجوبة جيدة عن الألم، فلا يعقل إذا أن يوجد أي جواب! إن هذا إيمان أعمى من الصنف الأعلى.

وقد أوضح المغالطة الكامنة في لب هذه الحجة الفيلسوف آلفن بلانتنغا بمثل البعوض غير المرئي. فإن فتشت داخل خيمتك عن سان برنار (St. Bernard)، وهو صنف من الكلاب ضخم وذكي، ولم تر واحدا، يكون منطقيا أن تفترض عدم وجود واحد منها في الخيمة. أما إذا فتشت داخل خيمتك عن نوسيومة (no-see-um)، وهي حشرة بالغة الصغر تأثير لسعتها أكبر من حجمها بكثير، ولم تجد واحدة، فليس من المنطق أن تفترض عدم وجود واحدة هناك.

وسبب ذلك، رغم كل شيء، أن أحدا لا يستطيع رؤيتها. فإن كثيرين يفترضون أنه لو وجدت أسباب وجيهة لوجود الشر لكانت في متناول عقولنا، أشبه بالكلب منها بالحشرة. ولكن لماذا ينبغي أن تكون الحال على هذا المنوال[5]؟

إن هذه الحجة ضد الله لا تقوم، ليس فقط بالنسبة إلى المنطق، بل أيضا بالنسبة إلى الاختبار. فبصفتي راعيا، وعظت كثيرا عن قصة يوسف في سفر التكوين. وقد كان يوسف شابا شامخا أبغضه إخوته. وفي غضبهم عليه، حبسوه في بئر، ثم باعوه إلى حياة عبودية وبؤس في مصر. لا شك أن يوسف صلى مستغيثا طالبا الإنقاذ، ولكن لم تأته أية معونة في الحال، ومضى بذلك إلى العبودية.

ومع أن يوسف عانى سنى عبودية وبؤس، فإن تجاربه صقلت خلقه وشددته. وفي آخر المطاف ارتقى ليصير الوزير الأكبر في مصر، منقذا آلاف النفوس من المجاعة، ومنهم أيضا إخوته. فلولا سماح الله بسني معاناه يوسف، لما كان على الإطلاق عاملا فعالا جدا في سبيل العدالة الإجتماعية والشفاء الروحي. وكلما وعظت على أساس ذلك النص، أسمع تعليقات من أشخاص يتوحدون مع القصة. إذ لا يرى كثيرون بدا من الاعتراف بأن معطم ما كانوا يحتاجون إليه حقا للنجاح في الحياة جاءهم من خلال اختباراتهم الأكثر صعوبة وإيلاما.

ومنهم من يلتفتون إلى مرض سبق أن ابتلوا به، ويدركون أنه كان فصلا لا يستبدل في الحياة أدى بهم إلى نموهم الشخصي والروحي. وأنا خرجت سالما من منازلة مع السرطان، في حين ما تزال زوجتي تعاني مرض كرونز (Crohn’s)[i] (داء كرونز هو إلتهاب يصيب الأمعاء وقد يؤثر في أي من أجزاء القناة الهضمية من الفم إلى الشرج) طيلة سنين، ومن شأننا كلينا أن نشهد لصحة هذا الأمر. وقد تعرفت في رعيتي الأولى برجل فقد معظم بصره بعد إطلاق النار على وجهه في أثناء قيامه بصفقة مخدرات كشف أمرها.

وقال لي إنه كان شخصا أنانيا وفظا جدا، أنه ألقى باللوم على الآخرين بشأن مشاكله القانونية والعلائقية الدائمة. ثم إن فقدان بصره دمره، إلا أنه جعله أيضا يتضع اتضاعا شديدا. ومما قاله: “إذا أغمضت عيناى الطبيعيتان، فتحت عيناى الروحيتان، إذا جاز التعبير. فقد رأيت أخيرا كيف كنت أعامل الناس، وقد تغيرت. ولي الآن، للمرة الأولى في حياتي، أصدقاء- أصدقاء حقيقيون. كان الثمن الذي دفعته رهيبا، ومع ذلك يجب أن أقول إن الأمر كان يستحق عناءه. فأنا الآن أملك ما يجعل الحياة ذات شان وجدوى”.

ومع أن أحدا من هؤلاء لا يحبذ المآسي يحد ذاتها، فإنهم جميعا ما كانوا ليستبدلو أي شيء بما آتتهم من بصيرة وخلق وقوة. ومع مرور الوقت والمنظور الصحيح، نستطيع بمعظمنا أن نرى أسبابا خيرة، على الأقل لبعض من الآلام والمآسي التي تحدث في الحياة. فلماذا لا يحتمل أن تكون لها جميعا أسباب خيرة، من موقع الله المشرق؟

فإذا كان لديك إله عظيم ومتعال بما يكفي لأن تثور عليه لأنه لم يوقف الشر والألم في العالم، فإن لديك عندئذ (في الوقت نفسه) إلهأ عظيما ومتعاليا بحيث تكون لديه أسباب خيرة لسماحه باستمرارهما وأنت لا تعرف تلك الأسباب. حقا إنك لا تستطيع أن تصل إلى النتيجة عينها في كلتا الحالين!

مشكلة الشر والألم في الحياة – كيف يمكن أن يسمح إله صالح بالألم؟

الشر والألم قد يكونان (في حقيقة الأمر) دليلا لمصلحة الله

رغم أن الألم المروع الذي يتعذر تعليله لا يمكن أن يدحض الله، فهو مع ذلك مشكلة بالنسبة إلى المؤمن في الكتاب المقدس. غير أنه ربما كان مشكلة أكبر بعد بالنسبة إلى غير المؤمنين. وقد وصف سي. أس. لويس كيف رفض في الأصل فكرة وجود الله بسبب قسوة الحياة. ثم بات يدرك أن الشر أكثر إشكالا بالنسبة إلى إلحاده الجديد. وفي الأخير أدرك أن الألم يشكل حجة لمصلحة وجود الله أفضل من تشكيله حجة ضده.

كانت حجتي ضد الله أن العالم بدا غاية في القساوة والظلم. ولكن كيف حصلت على مفهوم الظلم والعدل هذا؟ … بماذا كنت أقارن هذا العالم لما دعوته غير عادل؟ … كان من شأني طبعأ أن أتخلى عن مفهومي للعدل بقولي إنه ليس شيئا سوى فكرة خاصة من بنات أفكاري. ولكن لو فعلت ذلك، لانهارت أيضا حجتي ضد الله؛ لأن ركن تلك الحجة كان القول إن العالم غير عادل فعلا، وليس فقط أنه لم يرض ميولي قبل الآن… وبناء على ذلك يتبين أن الإلحاد ساذج جدا[6].

لقد أدرك لويس أن الاعتراضات الحديثة على الله مؤسسة على مفهوم للعدل والإنصاف. فنحن نعتقد أن الناس لا ينبغي أن يتألموا وينبذوا ويموتوا جوعا أو ظلما. غير أن آلية الانتخاب الطبيعي التطورية (The Evolutionary Mechanism of Natural Selection) تعتمد على القتل والإفناء والعنف من جانب القوي تجاه الضعيف- وهذه كلها طبيعية تماما. فعلى أي أساس إذا يحكم الملحد على العالم الطبيعي بأنه ظالم ومجحف وغير عادل على نحو رهيب؟ ليس لدى غير المؤمن بالله أساس جيد لكونه ساخطا على اللاعدل الذي كان- كما يبين لويس- سبب الاعتراض على الله في المقام الأول.

فإن كنت متيقنا بأن هذا العالم الطبيعي ظالم وملآن بالشر، فأنت تفترض حقيقة معيار ما خارج الطبيعة (أو فوق طبيعي) بموجبه تصدر حكمك. وقد عبر الفيلسوف آلفن بلانتنغا عن ذلك على النحو التالي: هل يعقل أن يوجد حقا أي شيء مثل الشر المروع ]لو كان الله غير موجود ومحن نشأنا من طريق التطور (النشوء والارتقاء) (يستخدم البعض مصطلح “التطور” والبعض الآخر “النشوء والارتقاء” في ترجمة الكلمة الإنكليزية (Evolution)، وكلاهما صحيحان.

وقد ارتأينا استخدام المصطلح الأول في ما تبقى من الكتاب. ويكون بذلك عالم الأحياء الذي يدرس التطور (Evolutionist) عالما تطوريا) فحسب [؟ لست أرى كيف يكون ذلك. لا يمكن أن يوجد شيء كهذا إلا إذا كانت ثمة طريقة بها يفترض أن تعيش الخلائق العاقلة، بل تلزم أن تعيش… إن أية طريقة لادينية في النظر إلى العالم تخلو من أي مجال للالتزام الخلقي مهما كان نوعه.

ومن ثم فلا سبيل إلى القول بوجود شيء من قبيل الشر الفعلي والبغيض. وعلى ذلك، فإن اعتقدت أن هنالك حقا شيئا مثل الشر المروع (لا مجرد وهم من نوع ما). تكون لديك إذا حجة قوية ]لحقيقة وجود الله[7][.

وبالاختصار، فإن مشكلة المأساة والمعاناة والإجحاف هي مشكلة عامة تواجه الجميع. إنها على الأقل مشكلة كبيرة أمام عدم الإيمان كما هي أمام الإيمان. ولذلك كان من الغلط والشطط، رغم تفهم الأمر، أن تحسب أن نبذك للإيمان بالله سيجعل مشكلة الشر أسهل تقبلا وعلاجا بطريقة أو بأخرى.

وقد واجهتني مرة امرأة في كنيستي بان الأمثلة الإيضاحية المستعملة في العظات وفيها حوادث شر آلت إلى الخير. كانت تلك المرأة قد فقدت زوجها بفعل عنف جرى في أثناء سرقة. وكان لها أيضا بضعة أولاد يعانون مشاكل عقلية وعاطفية حادة. وقد أصرت على أنه مقابل كل قصة واحدة فيها يؤول الشر غلى الخير هنالك مئة ليس فيها جانب مشرق يمكن تصوره.

على هذا المنوال قد يبدو كثير من النقاش في هذا الفصل حتى الآن باردا وغير ذي موضوع بالنسبة إلى شخص يعاني في الحياة الفعلية. فإن شخصا كهذا قد يقول: “وماذا يعنيني إن كان الألم والشر لا يدحضان الله منطقيا؟ إني ما أزال غاضبا. فهذا التعليل الفلسفي كله لا يعفي إله المسيحية من شرك المسؤولية عن شر العالم ومعاناته!” ردا على احتجاج كهذا، يشير الفيلسوف بيتر كريفت (Peter Kreeft) إلى أن إله المسيحية جاء إلى الأرض لكي يضع نفسه عمدا في شرك المعاناة البشرية.

ففي يسوع المسيح، عانى الله أعمق أعماق الألم. ولذلك، فمع أن المسيحية لا تمدنا بالسبب الكامن وراء كل معاناة للألم، فهي تزودنا بموارد غنية كي نواجه فعليا الألم برجاء وشجاعة بدلا من المرارة واليأس.

 

مقارنة السيد المسيح بالشهداء

يبين سرد الأناجيل أن السيد المسيح لم يواجه موته المقترب بأي شيء شبيه برباطة الجأش وعدم التهيب اللذين كانا يتوقعان عموما من قبل بطل روحي. أما الشهداء المكابيون المشهورون الذين قاسوا الويلات تحت حكم أنطيوخس إبيفانيس (Antiochus Epiphanes) لسوريا قديما، فكانوا نماذج للشجاعة الروحية في مواجهة الاضطهاد. وقد اشتهروا بتحدثهم بشأن الله على نحو يتسم بالتحدي والثقة حتى حين كانت أطرافهم تقطع.

فقارن هذا بسلوك السيد المسيح، إذ يصور غاية في الانزعاج حيال موته الوشيك، حيث “… ابتدأ يدهش ويكتئب” وقال: “نفسي حزينة جدا حتى الموت” (مرقس 14: 33و 34). ويصف لوقا السيد المسيح قبل موته بأنه “كان في جهاد” ويصور إنسانا تظهر عليه جميع أمارت من يعاني صدمة بدنية (لوقا 22: 44). ويظهر متى ومرقس ولوقا كلهم الرب يسوع كمن يحاول أن يتجنب الموت، سائلأ الآب عن سبيل للتفادي منه (“إن شئت أن تجيز هذه الكأس” مرقس 14: 36؛ لوقا 22: 42).

أخيرا، على الصليب نفسه، لم يدع المسيح الناظرين بثقة لأن يكونوا أمناء تجاه الله، على غرار الشهداء المكابيين، بل بالأحرى صرخ بصوت عظيم معبرا عن ترك الله له (متى 27: 46).

فعلى الصليب قاسى يسوع موتأ على مدى ثلاث ساعات بالاختناق البطيء وفقدان الدم شيئا فشيئا. ولأن كان ذلك مؤلما على نحو رهيب، فقد حصلت ميتات أشد عذابا وهولا واجهها الشهداء بقدر من الثقة والهدوء أكبر بكثير. ولنا على ذلك مثلان شهيران في هيو لاتيمر (Hugh Latimer) ونيكولاس ردلي (Nicholas Ridley) اللذين أحرقا مشدودين إلى سارية في أكسفورد عام 1555 من أجل قناعاتهما الإنجيلية.

وبينما تصاعدت ألسنة اللهيب، سمع لاتيمر يقول بهدوء: “استرح وتعز، يا سيد ردلي، وكن رجلا بكل ما تحمل الكلمة من معنى! إننا اليوم سنضيء في إنكلترا، بنعمة الله، شمعة أثق بأنها لن تطفأ أبدا”. ترى، لماذا اضطرب السيد المسيح إزاء موته على نحو فاق فيه الآخرين، حتى أتباعه أيضا؟

معاناه الله

حتى نفهم تألم الرب يسوع كما يوصف في آخر كل إنجيل، علينا أن نتذكر كيف يقدم في البداية. فيوحنا كاتب الإنجيل في فصله الأول، يعرفنا بالمفهوم العجيب، لكن المهم، بشان الله من حيث كونه ثلاثي الأقانيم. فإن ابن الله لم يخلق، بل شارك في الخلق، وهو مقيم منذ الأول “في حضن الآب” (يوحنا1: 18) – أي في علاقة مودة ومحبة مطلقتين. غير أنه عند نهاية حياته على الأرض فصل عن الله أبيه.

ربما لا يوجد كرب داخلي أقسى من فقدان علاقة نحتاج إيها أمس الاحتياج. فإذا انقلبت عليك فتاة تعرفها معرفة سطحية، ونددت بك وانتقدتك، وقالت إنها لا تريد البتة أن تراك مرة أخرى، يكون ذلك مؤلما. وإذا فعلت مثل ذلك شابة تواعدها، كان الأمر أشد إيلاما على المستوى النوعي. ولكن إذا فعلت بك ذلك زوجتك، أو إذا فعله بك أحد أبويك وأنت صغير السن بعد، فإن الضرر النفسي يكون أسوأ بصورة غير محدودة.

غير أننا لا نستطيع أن نسبر أغوار ما يعنيه ليس فقدان الحب الزوجي فحسب، أو محبة الأب أو الأم بعد دوام سنين معدودة، بل محبة الآب غير المحدودة التي تمتع بها السيد المسيح منذ الأزل. فإن آلام السيد المسيح كانت لا تطاق حتما على نحو أزلي أبدي. وما تزال اللاهوتيات المسيحية تقر دائما بأن السيد المسيح، بصفته البديل الذي أخذ مكاننا، قد عانى الإقصاء اللانهائي عن الله ذاك الذي استحقه الجنس البشري.

ففي بستان جثسيماني، بدأت حتى بوادر هذا الاختبار تضع يسوع في حالة صدمة. وقد كتب العالم بالعهد الجديد بل لاين (Bill Lane): “أقبل يسوع ليختلي مع الآب في لقاء يسبق تسليمه، ولكنه وجد جنهم، لا السماء، منفتحة أمامه، فصعق[8]”. وعلى الصليب، كانت صرخة يسوع من جراء الهجران- “إلهي، إلهي، لماذا تركتتي؟”- عبارة علائقية في العمق. وقد كتب لاين أيضا: “تشتمل هذه الصرخة على أصالة لا هوادة فيها… فالسيد المسيح لم يمت منكرا الله.

فحتى في جحيم التبذ لم يتخل عن إيمانه بالله، بل عبر عن صلاة ضيقه بصرخة توكيدية “إلهي، إلهي”[9]. إنه استخدم لغة المودة بعد- “إلهي”- حتى عندما عانى الانفصال اللانهائي عن الله أبيه.

 

الفداء والآلام

كان موت السيد المسيح مختلفا على المستوى النوعي عن أي موت آخر. ولم يكن الألم البدني شيئا مقارنة بالاختبار الروحي للنبذ الكوني[10]. فالمسيحية وحدها بين أديان العالم تقول إن الله صار إنسانا في يسوع المسيح، على نحو فريد وكامل، ومن ثم اختبر مباشرة اليأس والرفض والوحدة والفقر والحرمان والعذاب والسجن. وعلى الصليب جاوز حتى أسوأ المعانيات البشرية وقاسى رفضا كونيا وألما يفوق ألمنا كما تفوق معرفته وقدرته معرفتنا وقدرتنا على نحو غير محدود.

ففي موته، تألم الله في محبة عجيبة، متوحدا مع حال المنبوذين و”الذين تخلى الله عنهم[11]”. ولماذا فعل ذلك؟ يقول الكتاب المقدس إن السيد المسيح جاء في مهمة إنقاذ للخليقة. وكان عليه أن يدفع ثمن خطايانا حتى يتسنى له ذات يوم أن يلاشي الشر والألم بغير أن يهلكنا.

فلنر على أين أتى بنا هذا. إن سألنا ثانية: “لماذا يسمح الله بأن يستمر الشر والألم؟” ونظرنا إلى صليب السيد المسيح، فلسنا نعرف ما هو الجواب بعد. غير أننا نعرف الآن ما ليس الجواب. فلا يمكن أن يكون أنه لا يحبنا. ولا يمكن أن يكون إنه لا مبال أو غير معني بحالنا. فالله يأخذ بؤسنا ومعاناتنا على محمل الجد فعلا، حتى إنه كان على استعداد لأن يأخذهما على عاتقه.

وقد فهم ألبر كامو (Albert Camus) هذا لما كتب: إن السيد المسيح، الإله- الإنسان، يتألم أيضا بصبر. فالشر والموت ما عاد ممكنا بعد أن ينسبا إليه كليا، إذ تألم ومات. والليل الذي اكتنف الجلجثة مهم جدا في تاريخ الإنسان، فقط لأن الألوهية، في ظلال ذلك الليل، تخلت ظاهريا عن امتيازها التقليدي، وعاشت أوجاع الموت، بما فيها اليأس، حتى النهاية. هكذا تفسر صرخة السيد المسيح “لما شبقتني؟” وارتيابه المروع في كربه[12].

وهكذا، فإذا اعتنقنا التعليم المسيحي بأن الرب يسوع هو الله، وأنه مضى إلى الصليب، تكون لنا عندئذ تعزية وقوة عظيمتان في مواجهة الحقائق القاسية المنوطة بالحياة على الأرض. إن في وسعنا أن نعلم أن الله هو حقا عمانوئيل- الله معنا- حتى في أشد آلامنا هولا.

مشكلة الشر والألم في الحياة – كيف يمكن أن يسمح إله صالح بالألم؟

القيامة والآلام

أعتقد أننا نحتاج إلى ما هو أكثر من المعرفة بوجود الله معنا في بلايانا. إذ نحتاج أيضا إلى رجاء بأن معاناتنا “ليست عبثا”. ألاحظت يومأ كيف تستميت أسر الأحباء المفقودين للإفصاح عن ذلك؟ فهي تجتهد لإصلاح القوانين أو تغيير الأحوال التي أدت إلى الوفاة. إنهم يحتاجون إلى التيقن بأن مصرع أحبائهم قد أدى إلى حياة جديدة، بأن الظلم أدى إلى عدالة أقوى.

فالإيمان المسيحي يقدم إلى المتألم موردا لا يتمثل فقط في تعليمه بشأن الصليب، بل أيضا في حقيقة القيامة. ويعلم الكتاب المقدس أن المستقبل ليس “فردوسا” لاماديا بل سماء جديدة وأرض جديدة. ففي الأصحاح الحادي والعشرين من سفر الرؤيا، لا نرى كائنات بشرية تؤخذ من هذا العالم إلى السماء، بل نرى بالأحرى السماء نازلة إلى هذا العالم المادي، مطهرة ومجددة ومكملة إياه. إن الرؤية اللادينية إلى الأمور لا ترى بالطبع أي إصلاح شامل في المستقبل بعد الموت أو التاريخ.

والديانات الشرقية تؤمن بأننا نفقد فردانيتنا ونعود إلى الروح الكلي، وهكذا تتبدد إلى الأبد حياتنا المادية في هذا العالم. حتى الأديان التي تؤمن بفردوس سماوي، تحسبه تعزية عن خسائر هذه الحياة وآلامها وجميع الأفراح التي كان يمكن أن تحصل فيها.

أما الرؤية التي يتضمنها الكتاب المقدس إلى الأمور فهي القيامة. إذ لا يرى مستقبل يكون مجرد تعزية عن الحياة التي لم نتمتع بها قط، بل استرداد للحياة التي طالما أردتها دائما. وهذا يعني أن كل أمر رهيب حدث أصلا لن يبطل ويصلح فحسب، بل أيضا- بطريقة من الطرق- سيجعل المجد والفرح النهائيين أعظم بعد.

منذ بضع سنين راودني كابوس رهيب إذ حلمت أن جميع أفراد أسرتي ماتوا. ولما استيقظت كان الانفراج عظيما- ولكن حصل ما يتعدى مجرد الانفراج بكثير جدا. فقد تعزز على نحو فائق فرحي بكل فرد في أسرتي. إذ نظرت إلى كل منهم وأدركت كم أني شكور من أجلهم، وكم أحببتهم حبا شديدا.

لماذا؟ لقد كبر كابوسي الفرح الذي انتابني أي تكبير. وبهجتي عند الاستيقاظ التهمت ذعري، إذا جاز التعبير، حتى إن محبتي لهم في الأخير كانت أعظم لمجرد أني فقدتهم ثم وجدتهم من جديد. وهذا العنصر الفعال عينه ينشط حين تفقد ممتلكا من الممتلكات كنت تقبله كأمر مسلم به. فعندما تجده من جديد (بعدما حسبته ضاع الى الأبد)، تعزه وتقدره على نحو أعمق بكثير.

اشتملت الفلسفة اليونانية (لا سيما الفلسفة الرواقية) على معتقد يحسب التاريخ دورة لا تنتهي. فمن شأن الكون، في أدوار متكررة أن ينهار ويحترق في حريق هائل يدعى “بالينجينيسيا” (Palengenesia)، على أثره يبدأ التاريخ من جديد بعدما يطهر. ولكن في متى 19: 28، تحدث السيد المسيح بشأن عودته إلى الأرض باعتبارها ال “بالينجينيسيس” (Palengenesis): “الحق أقول لكم… في التجديد (بالينجينيسيس في اليونانية) متى يجلس ابن الإنسان على كرسي مجده”.

فهذا كان مفهوما جديدا على نحو جذري. إذ أكد السيد المسيح أن عودته إلى الأرض ستكون ذات قوة فائقة حتى إن الكون والعالم الماديين بذاتهما سيظهران من كل فساد وضعف. فإن الكل سوف يشفى، وكل ما كان ممكنا أن يكون سوف يكون.

بعيد الذروة في ثلاثية سيد الخواتم (The Lord of the Rings)، يكتشف سام غامجي (Sam Gamgee) أن صديقه غاندالف (Gandalf) لم يكن قد مات (كما اعتقد سام) بل هو حى. إذ ذاك يهتف سام: “ظننت إنك مت! ولكن عندئذ حسبت أني أنا نفسي قد مت! فهل كل ما هو محزن سيتبين أنه غير صحيح[13]؟ وجواب المسيحية عن هذا السؤال هو نعم! سوف يتبين أن كل ما هو محزن ليس صحيحا، وسيكون أعظم بطريقة أو بأخرى لأنه كان في ما مضى قد انهار وبدد.

إن اعتناق عقيدتي التجسد والصليب المسيحيتين يأتي بتعزية عظيمة في مواجهة المعاناة. وفي وسع عقيدة القيامة أن تمدنا برجاء فعال جدا. فهي تعد بأننا سننال الحياة التي تقنا إليها أكثر الكل، ولكنها ستكون في عالم أمجد على نحو لا نهائي- عالم أمجد مما كانت عليه الحال لو لم تدع الحاجة قط (الرب يسوع) إلى الشجاعة أو الثبات أو التضحية أو الخلاص[14].

وقد أجاد دوستويفسكي (Dostoevsky) التعبير حين كتب:

اومن كطفل بأن الألم سوف يشفى ويعوض عنه، وأن سخف التناقضات البشرية المذل كله سوف يتلاشى كسراب هزيل، كالاختلاقات الخسيسة التي ينشئها عقل الإنسان الأقليدسي (نسبة إلى عالم الرياضيات الإغريقي إقليدس الذي وضع مبادئ الهندسة المسطخة (الجيومترية). ويقصد به هنا العقل الذي يؤمن بالعالم المادي المنظور والمحدود بأبعاده الثلاثة، دون الإيمان بالأبعاد اللامادية مثل الزمن والنفس والروح).

العاجز والصغير صغرا لامتناهيا، وأنه في خاتمة العالم، في لحظة التناغم الأبدي، سوف يحدث شيء ثمين جدا بحيث يكون مشبعا لكل قلب، وكافيا للتعزية عن جميع الاستياءات، وللتفكير عن جميع جرائم البشر، وعن جميع الدماء التي سفكها البشر، بحيث يصير ممكنا ليس الصفح عن كل ما قد حصل فحسب، بل تبريره أيضا[15].

وبمزيد من الإحكام، كتب سي. أس. لويس:

يقولون عن معاناه وقتية ما: “لا سعادة مستقبلية يمكن أن تعوض عنها”، غير عالمين أن السماء ما إن تبلغ حتى تعمل بأثر رجعي وتحول حتى ذلك الكرب إلى مجد[16].

هذه هي هزيمة الشر والألم النهائية. فهما لن يتلاشيا فحسب، بل سوف يقهران قهرا جذريا حتى إن ما قد حصل لن يعمل إلا على جعل حياتنا وفرحنا المستقبليين أعظم على نحو لا نهائي.

 

 

[1] Dialogues Concerning Natural Religion,ed. RichardPopkin (Hackett, 1980).

هذه المحاجة عرضها في شكلها الأكثر كلاسيكية ديفيد هيوم في المرجع التالي:

تبقى أسئلة أبيقور القديمة مفتقرة إلى الإجابة:

هل الله راغب في منع الشر ولكنه غير قادر على ذلك؟ إنه إذا غير كلي القدرة .

أهو قادر ولكنه غير راغب؟ إنه إذا غير محسن. أهو قادر وراغب معا ؟ فمن أين الشر إذا

[2] Ron Roosenbaum,”Disaster lgnites Debate: Was God In the Tsunami?” New York Observer, January 10, 2005 .

طبعا، إنما كان ماكي يفضل سؤالا قديما جدا، من أبيقور حتى ديفيد هيوم. راجع الحاشية 1 أعلاه

[3] W. P.Alston, “The Indective Argument from Evil and the Human Cognitive Condition, ” PhiliosophicalPrespectives 5: 30- 67. See also The Evidential Argument From Evil, Daniel Howard-Snyder, ed., (Indiana University Press, 1996) for an extensive survey of the a- theological argument from evil.

[4] خلاصة محاجة ماكي مؤسسة على محاجة دانيال هوارد- سنايدر في :

“God ,Evil, and Suffering,” in Reason for the HopeWithin, ed.M.J.Murray (Eerdmans, 1999),p.84.

ومقالة هوارد –سنايدرمقالة مراجعة ممتازةبحكم حقها الذاتي (الذي لايحتاج إلى تأييدمن خارجها) ، وهي تبين لماذا لايوجد حاليا توكيد ات جازمة بين الفلاسفة أن الشر والألم يبطلان برهان وجود الله.وبالحقيقة أن الكتاب الذي ألفه ماكي (1982) قد يكون آخر نتاج مهم قام بذلك

[5] The “no-see-um” argument and related issues to the problem of evil are treated in Alvin Plantinga, Warranted Christian Belief ( Oxford,2000) ,pp. 466-67. See Also Alvin Plantinga, “A Christian Life PartlyLived” in Philosophers Who Believe,ed .KellyJames Clark (I V P,1993),P.72.

[6] C. S. Lewis ,Mere Christianity(Macmillan,1960) ,p31.

[7] Alvin Plantinga, ” A Christian Life Party Lived,” Philosophers Who Believe, ed..Kelly James Clark (IVP,1993) ,P.73.

[8] William Lane, Tha GospelAccording to Mark (Eedrmans,1974), p.516.

[9] Ibid, p.573.

[10] يخلص جوناثان إدواردز إلى القول: ” أن الآلام التي احتملها المسيح بجسمه على الصليب

كانت الجزء الأقل بعد من آلامه الأخيرة ….فلو اقتصر الأمر على الآلام التي احتملها بجسمه، رغم كونها مروعة،ماكان في وسعنا أن نتصور أن مجرد توقعها كان له مثل هذاالتأثير في المسيح. لقد احتمل كثيرون من الشهداء عذابات في أجسامهم توازي آلام المسيح حدة وشدة …غير أن نفوسهم لم تعان ما عانته نفسه من انسحاق غامر.

See “Christ’s Agony,” The Works of Jonathan Edwards, vol.2, E. Hickman, ed.( Banner of Truth,1972).

[11] شهد تاريخ علم اللاهوت كثيرا من النقاش حول إمكانية أن يحوز إله سرمدي لامحدود “مشاعر” وتاليا يختبر الألم والحزن ويجادل جانب بامتناع الله من الألم، مصرا على أن كل لغة الكتاب المقدسمن هذا القبيل مجازية.اما الجانب الآخر مثل يورغنمولتمانفي كتابه “الإله المصلوب” فيجادل بخضوع الله للألم.

وهناك رأي متوازن في هذا الشأن يزودنا به

Don Carson, in The Difficult Doctrine of the Love of God (IVP,2000), PP. 66-73.

فإن كارسون يحاج بأن الله يعاني بالفعل الألم والحزن، غير أنه يتحفظ لهذه المواقف بمواصفات دقيقة وتوكيدات موازية .

[12] Essais (Gallimard,1965),p.444. Translated and quoted by Bruce Ward in “Prometheus or Cain? Albert Camus’s Account of theWestern Quest for Justic,” Faith and Philosophy (April 1991): 213.

[13] J. R . R.Tolkien, “The Field of Cormallen,” The Returne of the King (various editions).

[14] قد يكون هذا السببالذي يسر على جورج مكدونالد أن يقول :” لسنا نعلم أي قدر من المسرات تدين به للأحزان المتداخلة. فالفرح (وحده) لا يستطيع أن يكشف النقاب عن أعمق الحقائق، مع أن الحق الأعمق يجب أن يكون الفرح الأعمق “.

Phantastes : A Faerie Romance (Eerdmans,1981) ,p67.

[15] Fyodor Dostoevsky, The Brothers Karmazov, Chapter 34.

أعتقد أنه ينبغي أن نذكر أن دوستويفسكي لايقول إنه سيكون ممكنا أن نبرر الشر بحد ذاته. ربما استعمل الله الشر للاتيان بخير أعظم بعد مما يكون لو لم يحدث الشر، غير أنه رغم ذلك يتبقى شرا ومن ثم فهو غير قابل للتبرير والتسويغ.

[16] C. S. Lewis, The Great Divorce (Macmillan, 1946), p.64.

[i] داء كرونز هو إلتهاب يصيب الأمعاء وقد يؤثر في أي من أجزاء القناة الهضمية من الفم إلى الشرج.

مشكلة الشر والألم في الحياة – كيف يمكن أن يسمح إله صالح بالألم؟

كيف يكون ما فعله آدم وحواء شرًا وهما لم يكونا قد أكلا من شجرة معرفة الخير والشر ؟

كيف يكون ما فعله آدم وحواء شرًا وهما لم يكونا قد أكلا من شجرة معرفة الخير والشر ؟

كيف يكون ما فعله آدم وحواء شر وهما لم يكونا قد أكلا من شجرة معرفة الخير والشر ؟

كيف يكون ما فعله آدم وحواء شر وهما لم يكونا قد أكلا من شجرة معرفة الخير والشر ؟ 

كيف يكون ما فعله آدم وحواء شر وهما لم يكونا قد أكلا من شجرة معرفة الخير والشر ؟

نعود إليكم أحبائنا متابعي فريق اللاهوت الدفاعي بطرح فكرة جديدة للمدعو “ميمو” في سلسلة “يوميات إرهابي هارب” وفكرته اليوم كالعادة ساذجة جداً، وهى بإختصار، الشجرة التي مُنعَ آدم أن يأكل منها إسمها “شجرة معرفة الخير والشر” وبالتالي، فإن قبل أن يأكل منها آدم  لم يكن يعرف الخير والشر، وبالتالي، طالما لا يعرف الخير والشر، فلا يمكن أن نحتسب عليه الأكل من الشجرة أنها شر، ولا أنها خطية، ومن هنا فلا يوجد خطية على آدم وحواء ولا هناك سقوط لآدم وحواء وتكون قصة الفداء كلها مجرد قصة غير صحيحة!

 

وللحقيقة ربما تبدو هذه الفكرة ذات وجاهة في باديء الأمر، لكن عند تفحصها لاهوتيا سيظْهَر مدى سذاجتها، حيث أنه لا يلزم آدم معرفة الخير من الشر كمعرفة مسبقة لكي تُحسب عليه خطية، لأن الخطية هنا هي عدم طاعة الله، فبغض النظر عن معرفته بالخير والشر، فهو عارف بالوصية التي قالها له الله بألا يأكل هو حواء من شجرة معرفة الخير والشر، فهذه هي الوصية، ويعرف أيضاً أن عدم تنفيذ الوصية جزاؤه عقاب معين وهو “موتاً تموت”، فالعقاب هنا ليس عن معرفته بشرٍ في ذاته في خبرته، بل عن مخالفة أمر إلهي يعرفه آدم جيداً بل وحواء أيضاً.

فالمشكلة ليست هي الأكل من الشجرة في ذاتها، فلا خطية في الأكل ذاته، بل الخطية في عدم طاعة الله والإستماع لحواء في مقابل رفض كلام الرب، ولنضرب مثلاً لكي نقرب لعقل محمود داود هذا الكلام، المثل: لو أن والد أحدكم قال له، إن وقفت على قديمك سأُخرجك من منزلي، فهنا الوصية كوصية هي الأمر المطلوب تنفيذه، وعدم تنفيذه في حد ذاته يعرضه للعقاب، على الرغم من أن الوقوف على القدم ليس شيئاً خاطئاً في ذاته، ولكن العقاب هو لعدم التنفيذ، فأن كان آدم لا يعلم الخير من الشر، فهو يعلم بالوصية، ولهذا فالعقاب كان على كسر الوصية، وهذا الكسر توصيفه “شر” أي “خطية”، لذا فلا حاجة لآدم وحواء أن يكونا عارفين بخبرة سابقة في الخطية لكي يميزوا أن هذه شر أو خير.

هذا الرد هو بحسب فكر ميمو البسيط عن “شجرة معرفة الخير والشر” و”الخطية الأصلية” و”العقاب” و”فساد الطبيعة” لكن، الأمر في اللاهوت المسيحي أعمق وأصح من هذا الذي يعرفه محمود داود بكثير جداً، لكنا آثرنا الرد على ما قاله محمود حتى وإن كان غير صحيح في المسيحية.

لماذا وضع الله شجرة معرفة الخير والشر فى الجنة؟

إذا كان ألرب يحبنا لماذا وضع شجرة معرفة ألخير و ألشر في ألجنة ألم يكن من ألاحسن لو أنه لم يضعها هناك؟

الرد

الله خلق الانسان بدافع المحبة كانعكاس للمحبة المتبادلة بين الاب والابن في العلاقة الذاتية داخل جوهر الله
وخلق الانسان ليس فقط كي يحب الانسان ويعطف عليه , ولكن كي يدخل الانسان كطرف ثاني في علاقة محبة متبادلة , وعليه فكان يجب ان تكون للمحبة قيمتها الحقيقية , فخلق الله الانسان بارادة حرة
ولكن علينا ان نسأل ان لم يعطي الله ادم الوصية , فهل بالفعل تكون ارادة ادم ارادة حرة ؟

بالطبع لا , بل سيكون ادم في علاقة محبة جبرية لله , اذ لا يوجد خيار اخر
ولهذا يجب ان تكون الارادة الحرة لها قيمتها بالاختيار فوضع الله الاختيار امام ادم

اذا الشجرة لم تكن من اجل تعسف الله , ولكنها من اجل اختيار الانسان واختبار ارادته كي يختار او لا يختار الله في علاقة محبة متبادلة

 

هل يشهد الكتاب المقدس على نفسه بالتحريف – القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير

” أنا ساهر على كلمتي لأجريها ” (ار1: 12)

تمهيد

هل يشهد الكتاب المقدس على نفسه بالتحريف؟

 

 ورد هذا المقال بأحد المواقع التي تنتقد المسيحية تحت عنوان ” شهادة الكتاب المقدس على نفسه بالتحريف ” وتلقف هذا المقال عشرات الكُتاب الذين أخذوا ما جاء به وكأنه وحي من السماء، وراحوا يكررون ما جاء فيه في الجرائد والمجلات والكتب التي تنتقد العقيدة المسيحية والكتاب المقدس!! كما راح بعض المتحدثين في الفضائيات يستخدمون ما جاء فيه وكأنه الحق اليقين، دون أن يراجع أحدهم المقال أو يحاول أن يتحرى مدى صحته ومصداقيته!! برغم تراجع الموقع الأصلي الذي نشره والذي قام بحذف معظم أجزائه(1)!! ولذا وجب علينا أن نوضح حقيقة ما جاء فيه ومعنى الآيات الكتابية التي استشهدوا بها. وقبل أن نبدأ في التعليق نضع الأسئلة التالية:

(1) هل يشهد الكتاب المقدس على نفسه بالتحريف؟؟؟؟؟

(2) وهل يقدم المقال ما يدل على ذلك؟؟؟؟

(3) وما هو المعنى الحقيقي للآيات المستخدمة فيه؟

 وفيما يلي المقال كاملاً:

 يقول المقال: ” إليك أيها القارىء الشهادة بتحريف الكتاب المقدس من الكتاب المقدس نفسه:

أولاً: أن كاتب المزمور (56: 4و5) ينسب إلى داود عليه السلام بأن أعداءه طوال اليوم يحرفون كلامه: ” ماذا يصنعه بي البشر. اليوم كله يحرفون كلامي. عليّ كل أفكارهم بالشر ” ترجمة الفاندايك.

ثانياً: لقد اعترف كاتب سفر ارميا (23: 13، 15، 16) بأن أنبياء أورشليم وأنبياء السامرة الكذبة حرفوا كلام الله عمداً: ” وقد رأيت في أنبياء السامرة حماقة. تنبأوا بالبعل وأضلوا شعبي إسرائيل. وفي أنبياء أورشليم رأيت ما يقشعر منه. يفسقون ويسلكون بالكذب ويشددون أيادي فاعلي الشر حتى لا يرجعوا الواحد عن شره. صاروا لي كلهم كسدوم وسكانها كعمورة. لذلك هكذا قال رب الجنود عن الأنبياء. هانذا أطعمهم افسنتينا واسقيهم ماء العلقم لأنه من عند أنبياء أورشليم خرج نفاق في كل الأرض ” (ترجمة الفاندايك).

ثالثاً: لقد اعترف كاتب سفر ارميا بأن اليهود حرفوا كلمة الله لذلك فهو ينسب لإرميا في (23: 36) توبيخ النبي إرميا لليهود: ” أما وحي الرب فلا تذكروه بعد لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه إِذْ قَدْ حَرَّفْتُمْ كلام الإله الحي الرب القدير “.

رابعاً: ونجد أيضاً أن كاتب سفر ارميا ينسب لإرميا توبيخه وتبكيته لليهود لقيامهم بتحربف كلمة الرب: ” كيف تقولون إننا حكماء وكلمة الرب معنا؟ حقاً إنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب “.

خامساً: وكاتب سفر الملوك الأول (19: 9) ينسب لإيليا النبي حين هرب من سيف اليهود فيقول: ” وَقَالَ الرَّبُّ لإِيلِيَّا: مَاذَا تَفْعَلُ هُنَا يَا إِيلِيَّا؟ فَأَجَابَ: ” غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ الإِلَهِ الْقَدِيرِ، لأَنَّ بَنِي إسرائيل تَنَكَّرُوا لِعَهْدِكَ وَهَدَمُوا مَذَابِحَكَ وَقَتَلُوا أنبياءكَ بِالسَّيْفِ، وَبَقِيتُ وَحْدِي. وَهَا هُمْ يَبْغُونَ قَتْلِي أَيْضاً ” كتاب الحياة.

سادساً: وكاتب سفر إشعيا (29: 15، 16) ينسب لإشعيا تبكيته لليهود: ” ويل للذين يتعمقون ليكتموا رأيهم عن الرب فتصير أعمالهم في الظلمة ويقولون من يبصرنا ومن يعرفنا: يالتحريفكم “.

 فإذا جاء مسيحي وزعم بأن تحريف اليهود لكلمة الرب هو قول غير مقبول نقول له أقرأ شهادة التحريف من كتابك. ويتساءل بعض المسيحيين الذين يتجاهلون الشواهد والأدلة الدالة على تحريف كتابهم المقدس قائلين: عندما يعطى الله الإنسان كتابا من عنده فهل تظن أنة لا يستطيع المحافظة علية من عبث البشر؟ نقول لهم: نعم إن الله قادر على أن يحفظ كلمته ولكنه سبحانه وتعالى اختار أن يوكل حفظ كلمته إلى علماء وأحبار اليهود ولم يتكفل هو بحفظها فقد ترك حفظ كلمته بيدهم فكان حفظ الكتاب أمراً تكليفياً وحيث انه أمر تكليفي فهو قابل للطاعة والعصيان من قبل المكلفين فالرب استحفظهم على كتابه ولم يتكفل هو بحفظه وإليكم الأدلة من كتابكم المقدس على هذا:

…جاء في سفر التثنية (4: 2) قول الرب: ” فالآن يا إسرائيل اسمع الفرائض والأحكام التي أنا أعلمكم لتعملوها لكي تحيوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي الرب اله آبائكم يعطيكم. لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به ولا تنقصوا منه لكي تحفظوا وصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها ” (ترجمة الفاندايك).

…وجاء في سفر التثنية (12: 32) قول الرب: ” كل الكلام الذي أوصيكم به احرصوا لتعملوه لا تزد عليه ولا تنقص منه “.

…وجاء في سفر الأمثال (30: 5 – 6): “كل كلمة من الله نقية. ترس هو للمحتمين به. لا تزد على كلماته لئلا يوبخك فتكذّب “.

…وقد جاء في سفر الرؤيا (22: 18) قول الكاتب: ” وَإِنَّنِي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا: إِنْ زَادَ أَحَدٌ شَيْئاً عَلَى مَا كُتِبَ فِيهِ، يَزِيدُُ اللهُ عليه الضربات وَإِنْ حذف أَحَدٌ شَيْئاً مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا، يُسْقِطُ اللهُ نَصِيبَهُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ “. أن هذا النص تعبير واضح من الكاتب بأن الله لم يتكفل بحفظ هذا الكتاب لأنه جعل عقوبة من زاد شيئاً كذا …وعقوبة من حذف شيئاً كذا، و فيه إشارة واضحة بأن التحريف أمر وارد. يقول الله سبحانه وتعالى عن التوراة التي كانت شريعة موسى عليه السلام، وشريعة الأنبياء من بعده حتى عيسى عليه السلام: ” إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ” (المائدة: 44). ومعنى (استحفظوا): أي أمروا بحفظه، فهناك حفظ، وهناك استحفاظ. وإذا كان الأحبار والرهبان ممن جاء بعده لم يحفظوا، بل بدلوا وحرفوا، فليس معنى ذلك أن الله لم يقدر على حفظ كتابه – حاشا وكلا – ولكن المعنى: أن الله لم يتكفل بحفظه، بل جعل اليهود أمناء عليه. ومن المعلوم أن هناك المئات من الرسل والأنبياء جاؤوا بعد نوح عليه السلام ولم يتكفل الرب بحفظ رسائلهم سواء كانت شفوية أو مكتوبة وإلا فأين هي؟ مثال ذلك: صحف إبراهيم التي ذكرت في القرآن الكريم فلا وجود لها اليوم.

وأخيراً: فهل هناك أعظم من شهادة الكتاب المقدس على نفسه بالتحريف؟ لماذا نستكثر على اليهود التحريف وهم اليهود وما أدراك ما اليهود قتلوا الأنبياء بغير حق وصنعوا العجل وسجدوا له من دون الله وعبدوا الأصنام واستحلوا المحرمات وقذفوا العذراء الطاهرة مريم عليها السلام بتهمة الزنا وكفروا بالمسيح عليه السلام … فهل نستكثر عليهم التحريف … لقد أعلنت التوراة بكل وضوح أن اليهود سيفسدون ويقاومون الرب وكلامه، وذلك كلام موسى في التوراة بعد أن أوصاهم بوضعها بجانب التابوت وفيه كذلك: ” لأني عارف تمردكم ورقابكم الصلبة، هوذا وأنا بعد حي معكم، اليوم صرتم تقاومون الرب، فكم بالحري بعد موتي ” (تثنية 31: 27).

 من الذي حرف؟

ومتى وأين ولماذا؟

يقول القس ” سواجارت “؛ ” وهم يقولون – يقصد المسلمين – إن تلك الأسفار الأصلية التي أنزلها الله وهي التوراة، والإنجيل، قد فقدت ولا أظن أن في مقدور أحد أن يخبرنا أين فقدت؟ ولا متى فقدت؟ ولا كيف فقدت؟ “.

 وهذا السؤال الذي ساقه ” سواجارت ” لون من الخداع والتلاعب بالألفاظ، لأن الذي يقوله علماء المسلمين ويؤكدون عليه أن الكتب والأسفار التي بين يدي اليهود والنصارى الآن دخلها التحريف والتبديل والزيادة قبل مجيء الإسلام وبعثة محمد (ص) واستمر الأمر حتى بعد بعثته (ص) … ولا يقول أحد من علماء المسلمين إن جميع ما جاء به موسى وعيسى قد فقد 00 بل الحق أن ما لديهم من أسفار يجمع بين الحق والباطل والغث والسمين، ونقول للمبشرين والقسس على اختلاف مذاهبهم دعوا هذا السؤال لأنه لا قيمة له لما يأتي: نحن لسنا بصدد القبض على من قام أو قاموا بالتحريف، و لا يهمنا معرفة زمان أو مكان وقوع التحريف 00 أن الشيء المهم في هذا الصدد هو بيان وقوع التحريف والعثور على أمثلة توضح بما لا يدع مجالاً للشك وقوع هذا التحريف، وهذا هو ما أثبته الباحثون المنصفون الذين درسوا الكتاب المقدس ووجدوا فيه ما وجدوا من أمور تجافي وحي السماء، وأخطاء و تناقضات لا تقع إلا في كلام البشر. هب أن شخصاً أمسك بيد قسيس إلى خارج الكنيسة، وقال له: أنظر إلى هذا القتيل الذي أمامك. فقال القسيس: لا، لن أصدق حتى تخبرني: متى ومن ولماذا وكيف قتل؟!! لو حدث هذا ماذا يقول الناس عن هذا القسيس؟! وهذا يشبه تماماً موقف المبشرين من قضية تحريف الإنجيل، إنك تضع أيديهم على مئات الأمثلة وتبين لهم بالمحسوس التحريف الواضح والاختلاف البين بين إنجيل وإنجيل ونسخة ونسخة ولكنهم يتمتمون 00 لا 00 لن نصدق. أخبرونا أين ومتى وكيف ولماذا حدث هذا؟!

 لقد أطلق كاتب المقال لخياله العنان وراح، مثل دون كيشوط، يحارب طواحين الهواء!!!!!!!!!! فما صحة ما زعمه في هذا المقال؟؟؟؟!!!

 

التعليق الأول

ما هو التحريف الذي أشار إليه داود النبي؟

يقول كاتب المقال زاعماً بل وبدون تحقيق أو تدقيق لما يقرأ!!!!

أولاً: أن كاتب المزمور (56: 4و5) ينسب إلى داود عليه السلام بأن أعداءه طوال اليوم يحرفون كلامه: ” ماذا يصنعه بي البشر. اليوم كله يحرفون كلامي. عليّ كل أفكارهم بالشر ” ترجمة الفاندايك.

 وقبل الرد نسأل كاتب المقال ونقول له: ما هو التحريف؟!

 ونقول له أن كلمة تحريف في أي كتاب مقدس، بحسب المفهوم الإسلامي، تعني تحريف الكلام بمعنى تفسيره على غير معناه بدون دليل وإعطائه معنى يخالف معناه الحقيقي. ويعني اصل التحريف في اللغة تبديل المعنى. والتحريف اصطلاحاً له معانٍ كثيرة منها: التحريف الترتيبي: أي نقل الآية من مكانها إلى مكان آخر. ومنها تحريف المعنى وتبديله إلى ما يخالف ظاهر لفظه، وهذا يشمل التفسير بالرأي، وكل من فسر الكلام بخلاف حقيقته وحمله على غير معناه فهو تحريف. ومنها تحريف اللفظ: وهو يشمل كل من الزيادة أو النقص، والتغيير والتبديل.

أولاً: التحريف بالزيادة: بمعنى أنّ بعض الكتاب الذي بين أيدينا ليس منكلام الكتاب الأصلي، سواء بزيادة حرف أو كلمة أو آية أو جزء في الكتاب.

ثانياً: التحريف بالنقص: بمعنى أنّ بعض الكتاب الذي بين أيدينا لا يشتمل على جميع ما كتبه الأنبياء بالروح، بأنْ يكون قد ضاع بعضه إمّا عمداً، أو نسياناً، وقد يكون هذا البعض حرفاً أو كلمةً أو آية أو جزءاً من الكتاب. أي التحريف في تبديل كلمة بدل أخرى، التحريف في تبديل حرف بآخر، التحريف في تبديل حركة بأخرى.

 هذا معنى التحريف وأقسامه كما عرفها وبينها علماء المسلمين. والسؤال هنا هو: هل ينطبق معنى التحريف هذا على ما جاء في هذا المقال؟ وهل ينطبق ذلك على كلام داود النبي في هذا المزمور المستشهد به؟

والإجابة هي كلا!!

 فقد وُضعت كلمة ” يحرف ” وكلمة ” تحريف ” في ترجمة العهد القديم إلى اللغة العربية، الترجمة البيروتية (فاندايك)، لكلمات تعني في الآيات التالية، في لغتها العبرية الأصلية، الميل بالحقيقة عن العدل والحق، وبتأويل معنى الكلمة بغير معناها المقصود، يقول الكتاب ” لا تجب في دعوى مائلا وراء الكثيرين للتحريف ” (خر 23: 2)، وقد وردت كلمة تحريف في العبرية (נטה – nâṭâh) بمعنى يميل عن، ينحني، يخلص، يمتد 00 الخ أي يميل بها عن العدل، وجاءت في الترجمة الإنجليزية: ” to wrest judgment”، أي يميل عن العدل أو يسيء تفسيره. لذا جاءت في الترجمة اليسوعية: ” ولا تُحَرِّفْ وأَنتَ تَشهَدُ في الدَّعاوى، مائلاً جِهَةَ الكَثيرين “.

 وجاء في خروج ” لا تحرف (תטה – nâṭâh) حق فقير في دعواه -You shall not pervert the judgment of your poor in his cause” (خر 23: 6)، مستخدماً نفس الكلمة العبرية السابقة بمعنى لا تمل عن حق فقيرك، أو تجور على حق فقيرك. ومن هنا ترجمت في العربية المشتركة معنوياً: ” لا تسكُتْ عَن إنصافِ المِسكينِ في دعواهُ “.

 وجاء في تثنية ” لا تحرف القضاء ولا تنظر إلى الوجوه – You shall not pervert justice” (تث16: 19). مستخدما نفس الكلمة العبرية السابقة بمعنى لا تحكم إلا بالعدل ولا تحابى من لهم مكانة، وقد ترجمت في العربية المشتركة ” لا تَجوروا في الحُكْمِ، ولا تُحابوا أحدًا “.

 وهنا يشكو داود من أن أعداءه الكثيرين: ” اليوم يحرفون كلامي. على كل أفكارهم بالشر ” (مز56: 5). ويستخدم الكلمة العبرية (עצב – ‛âtsab) والتي تعنى يعوج، يلوى، يغير المعنى، يتألم يغضب … الخ والمقصود هنا هو تغير معنى كلام داود من أعدائه:

 ” they wrest my words”

 ” they pervert my words”

 ” wordsthey make wrong use of my “

 أي يغيرون أو يلوون أو يسيئون استخدام كلمات داود نفسه وليس كلام الوحي!! وهذا ما حدث بالفعل عندما حاول أعداء داود النبي أن يحرضوا شاول عليه “وقال داود لشاول لماذا تسمع كلام الناس القائلين هوذا داود يطلب أذيتك. هوذا قد رأت عيناك اليوم هذا كيف دفعك الرب اليوم ليدي في الكهف وقيل لي أن أقتلك ولكنني أشفقت عليك وقلت لا أمد يدي إلى سيدي لأنه مسيح الرب هو ” (1صم24: 9و10).

 وكان أعداء داود يفكرون عليه بالشر ” على كل أفكارهم بالشر “، وكانوا يتعقبون خطواته ليوقعوا به عند شاول الملك ” فاذهبوا أكّدوا أيضا واعلموا وانظروا مكانه حيث تكون رجله ومن رآه هناك. لأنه قيل لي انه مكرا يمكر. فانظروا واعلموا جميع المختبآت التي يختبئ فيها ثم ارجعوا إليّ على تأكيد فأسير معكم ويكون إذا وجد في الأرض أني أفتش عليه بجميع ألوف يهوذا ” (1صم23: 22و23).

 كان أعداء داود يحرفون كلام داود النبي، الكلام العادي وليس كلام الوحي الإلهي، ليوقعوا به عند شاول الملك!!

 

التعليق الثاني

ما هو التحريف الذي أشار إليه إرميا النبي؟

ثم يقول الكاتب زاعماً: ثانياً: لقد اعترف كاتب سفر ارميا (23: 13، 15، 16) بأن أنبياء أورشليم وأنبياء السامرة الكذبة حرفوا كلام الله عمداً: ” وقد رأيت في أنبياء السامرة حماقة. تنبأوا بالبعل وأضلوا شعبي إسرائيل. وفي أنبياء أورشليم رأيت ما يقشعر منه. يفسقون ويسلكون بالكذب ويشددون أيادي فاعلي الشر حتى لا يرجعوا الواحد عن شره. صاروا لي كلهم كسدوم وسكانها كعمورة. لذلك هكذا قال رب الجنود عن الأنبياء. هانذا أطعمهم افسنتينا واسقيهم ماء العلقم لأنه من عند أنبياء أورشليم خرج نفاق في كل الأرض “.

 ثالثاً: لقد اعترف كاتب سفر ارميا بأن اليهود حرفوا كلمة الله لذلك فهو ينسب لإرميا في (23: 36) توبيخ النبي إرميا لليهود: ” أما وحي الرب فلا تذكروه بعد لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه إِذْ قَدْ حَرَّفْتُمْ كلام الإله الحي الرب القدير “.

رابعاً: ونجد أيضاً أن كاتب سفر ارميا ينسب لإرميا توبيخه وتبكيته لليهود لقيامهم بتحربف كلمة الرب: ” كيف تقولون إننا حكماء وكلمة الرب معنا؟

حقاً إنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب “.

 وللرد نقول: من الواضح هنا أن كاتب المقال لا يهمه شيء غير اصطياد كلمات يحور معناها ليصل بها إلى غرضه!!! ونقول له أن الدراسة النبيلة ذات الغرض النبيل تبحث كل شيء وتدرس كل شيء وتفهم كل شيء بحيدة، ولا تأخذ بالظواهر، ولو كان قد قرأ بقية الإصحاح لفهم المعنى!!

(أ) لقد كان عصر أرميا النبي يمتلىء بالأنبياء الكذبة وكان كل منهم يزعم أن الله يوحي إليه وقد تبعهم بعض الكهنة ولكن كان كلامهم كله كذب ولذا يوبخهم الله عن طريق ارميا النبي الذي كان النبي الموحى إليه من الله. أنه يوبخ الأنبياء الكذبة لأنهم ينسبون لله كلاماً لم يتكلم به معهم ويفسرون شريعته على هواهم!! يقول الكتاب: ” هكذا قال رب الجنود لا تسمعوا لكلام الأنبياء الذين يتنبأون لكم. فأنهم يجعلونكم باطلا. يتكلمون برؤيا قلبهم لا عن فم الرب. قائلين قولا لمحتقريّ قال الرب يكون لكم سلام. ويقولون لكل من يسير في عناد قلبه لا يأتي عليكم شر. لأنه من وقف في مجلس الرب ورأى وسمع كلمته؟ من أصغى لكلمته وسمع؟ ها زوبعة الرب. غيظ يخرج ونوء هائج. على رؤوس الأشرار يثور. لا يرتد غضب الرب حتى يجري ويقيم مقاصد قلبه. في آخر الأيام تفهمون فهما. لم أرسل الأنبياء بل هم جروا. لم أتكلم معهم بل هم تنبأوا. ولو وقفوا في مجلسي لأخبروا شعبي بكلامي وردّوهم عن طريقهم الرديء وعن شر أعمالهم ” (ار23: 15-23).

 

(ب) ويشكو ارميا النبي من أن ” كلمة كل إنسان تكون وحيه إذ قد حرفتم كلام الإله الحي رب الجنود إلهنا (ار23: 36). ويستخدم الكلمة العبرانية ” הפך – hâphak ” والتي تترجم أسأتم استخدام كلام الإله “:

” for you have perverted the words of the living God” أي ” أسأتم استعمال كلمة الله الحي “. أي أنه يقول كل واحد يمشي على هواه ” كلمة كل إنسان تكون وحيه “. كما أنكم أسأتم استخدام كلمة الله في غير هدفها وبغير معناها الأصلي. وأيضاً ” you are twisting my wordsinto a lie “!! أي فسرتم كلمتي بالكذب وبغير معناها الذي قصدته، أولتم كلامي تأويلاً فاسداً.

 ولذا فقد ترجمت في العربية المشتركة: ” أمَّا وَحيُ الرّبِّ فلا تَذكُروهُ مِنْ بَعدُ، لأنَّ لِكُلٍّ مِنكُم كلامًا مِنْ وَحيهِ، فعكَسْتُم كلامَ الإلَهِ الحَيِّ والرّبِّ القديرِ”.

(ج) أما قوله ” كيف تقولون: نحن حكماء وشريعة الرب معنا؟ حقا انه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب “. فلا يقصد هنا تحريف النص إنما تحريف الكتبة للمعنى لا للنص، فالكاتب يكتب تفسيرات لكلمة الله وفي هذه التفسيرات يفسر المعنى على هواه. وقوله ” حقا انه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب “، يعني كذبوا في تفسيرها وتأويلها وشرح معناها وناوروا في كلمة الناموس ليفسدوا معناه. فقد كان هؤلاء الكتبة حافظين للناموس وقد حوروا معناه وأولوه على أهوائهم!!

 

التعليق الثالث

هل أشار سفر الملوك وسفر إشعياء إلى وجود تحريف؟

 ثم يقول أيضا بدون موضوعية وبدون معرفة ما يتكلم الكتاب عنه:

 خامساً: وكاتب سفر الملوك الأول (19: 9) ينسب لإيليا النبي حين هرب من سيف اليهود فيقول: ” وَقَالَ الرَّبُّ لإِيلِيَّا: مَاذَا تَفْعَلُ هُنَا يَاإِيلِيَّا؟ فَأَجَابَ: ” غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ الإِلَهِ الْقَدِيرِ، لأَنَّ بَنِي إسرائيل تَنَكَّرُوا لِعَهْدِكَ وَهَدَمُوا مَذَابِحَكَ وَقَتَلُوا أنبياءكَ بِالسَّيْفِ، وَبَقِيتُ وَحْدِي. وَهَا هُمْ يَبْغُونَ قَتْلِي أَيْضاً “.

 وهنا يتجاهل الكاتب رد الرب على إيليا قوله له: ” أبقيت في إسرائيل سبعة آلاف كل الركب التي لم تجث للبعل وكل فم لم يقبّله ” (ع18). فالله الذي لا يترك نفسه بلا شاهد (أع14: 17) كان يحفظ لنفسه في كل وقت، دائما، مجموعة نقية وببقية أمينة لتحفظ كلمته وتكون شاهدة عليها، كما يحافظ عليها هو نفسه كقوله: ” أنا ساهر على كلمتي لأجريها ” (ار1: 12).

 ويفسر ما جاء في سفر اشعياء النبي على هواه فيقول:

 سادساً: وكاتب سفر إشعيا (29: 15، 16) ينسب لإشعيا تبكيته لليهود: “ويل للذين يتعمقون ليكتموا رأيهم عن الرب فتصير أعمالهم في الظلمة ويقولون من يبصرنا ومن يعرفنا: يالتحريفكم “.

 ونقول له لا يُنكر أبدا أن بني إسرائيل عبر كل تاريخهم حادوا عن طريق الرب وتركوا وصاياه وعبدوا الأصنام ويقول الكتاب عنهم: ” وكان أن بني إسرائيل اخطأوا إلى الرب إلههم الذي أصعدهم من ارض مصر من تحت يد فرعون ملك مصر واتقوا آلهة أخرى وسلكوا حسب فرائض الأمم الذين طردهم الرب من أمام بني إسرائيل وملوك إسرائيل الذين أقاموهم. وعمل بنو إسرائيل سرّا ضد الرب إلههم أمورا ليست بمستقيمة وبنوا لأنفسهم مرتفعات في جميع مدنهم من برج النواطير إلى المدينة المحصّنة. وأقاموا لأنفسهم أنصابا وسواري على كل تل عال وتحت كل شجرة خضراء. وأوقدوا هناك على جميع المرتفعات مثل الأمم الذين ساقهم الرب من أمامهم وعملوا أمورا قبيحة لإغاظة الرب. وعبدوا الأصنام التي قال الرب لهم عنها لا تعملوا هذا الأمر. واشهد الرب على إسرائيل وعلى يهوذا عن يد جميع الأنبياء وكل راء قائلا ارجعوا عن طرقكم الرديّة واحفظوا وصاياي فرائضي حسب كل الشريعة التي أوصيت بها آباءكم والتي أرسلتها إليكم عن يد عبيدي الأنبياء. فلم يسمعوا بل صلّبوا أقفيتهم كأقفية آبائهم الذين لم يؤمنوا بالرب إلههم. ورفضوا فرائضه وعهده الذي قطعه مع آبائهم وشهاداته التي شهد بها عليهم وساروا وراء الباطل وصاروا باطلا ووراء الأمم الذين حولهم الذين أمرهم الرب أن لا يعملوا مثلهم ” (2ملوك17: 7-15).

 وقال عنهم الله في سفر اشعياء ” اسمعي أيتها السموات وأصغي أيتها الأرض لان الرب يتكلم. ربيت بنين ونشأتهم. أما هم فعصوا عليّ. الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه. أما إسرائيل فلا يعرف. شعبي لا يفهم. ويل للأمّة الخاطئة الشعب الثقيل الأثم نسل فاعلي الشر أولاد مفسدين.تركوا الرب استهانوا بقدوس إسرائيل ارتدوا إلى وراء. علاَم تضربون بعد.تزدادون زيغانا. كل الرأس مريض وكل القلب سقيم. من أسفل القدم إلى الرأس ليس فيه صحة بل جرح وإحباط وضربة طرية لم تعصر ولم تعصب ولم تلين بالزيت. بلادكم خربة مدنكم محرقة بالنار. أرضكم تأكلها غرباء قدامكم وهي خربة كانقلاب الغرباء. فبقيت ابنة صهيون كمظلة في كرم كخيمة في مقثأة كمدينة محاصرة. لولا أن رب الجنود أبقى لنا بقية صغيرة لصرنا مثل سدوم وشابهنا عمورة اسمعوا كلام الرب يا قضاة سدوم. أصغوا إلى شريعة إلهنا يا شعب عمورة. لماذا لي كثرة ذبائحكم يقول الرب.أتخمت من محرقات كباش وشحم مسمنات.وبدم عجول وخرفان وتيوس ما اسر. حينما تأتون لتظهروا أمامي من طلب هذا من أيديكم أن تدوسوا دوري ” (اش1).

 هذا الكلام وغيره كثير ولكن هذا الكلام ليس دليل تحريف بل العكس فهو دليل على حفظهم لكل كلمة في الكتاب المقدس لأنه لو كانوا قد حرفوا العهد القديم لما أبقوا على كلمة واحدة تسيء إليهم!!

 هذا الكلام دليل على حفظهم، أو على الأقل حفظ البقية الأمينة التي حفظها الله لهذا الغرض، لكل كل كلمة في هذه الأسفار المقدسة لأنهم لو كانوا قد حرفوا أو حذفوا أو أضافوا أي شيء لهذا الأسفار لكانوا قد حذفوا هذه الأقوال والكثير غيرها مما يسيء إليهم أبلغ إساءة، وأضافوا ما يمجدهم ويمتدحهم وهذا ما يندر وجوده في كل أسفار العهد القديم، وألا فليقل لنا هذا الكاتب ومن شايعه، من أين عرف الناس خطايا بني إسرائيل المذكورة في أسفارهم بهذا التفصيل الدقيق لو لم تكن قد ذكرت في هذه الأسفار؟؟!! بل ويقول الكتاب أن ارميا النبي صرخ من شدة وهول ما فعلوه به لدرجة أنه فكر أن لا ينطق أمامهم بكلمة الله نهائياً وأن يتخلى عن مهمته نهائياً!! بل وطلب من الله الانتقام منهم، ولكن إرادة الله كانت على غير ما أراد النبي، لذا قال: ” قد أقنعتني يا رب فاقتنعت وألححت عليّ فغلبت. صرت للضحك كل النهار كل واحد استهزأ بي. لأني كلما تكلمت صرخت. ناديت ظلم واغتصاب. لأن كلمة الرب صارت لي للعار وللسخرة كل النهار. فقلت لا اذكره ولا انطق بعد باسمه. فكان في قلبي كنار محرقة محصورة في عظامي فمللت من الإمساك ولم استطع لأني سمعت مذمة من كثيرين. خوف من كل جانب. يقولون اشتكوا فنشتكي عليه. كل أصحابي يراقبون ظلعي قائلين لعله يطغى فنقدر عليه وننتقم منه. ولكن الرب معي كجبار قدير. من اجل ذلك يعثر مضطهديّ ولا يقدرون. خزوا جدا لأنهم لم ينجحوا خزيا أبديا لا ينسى. فيا رب الجنود مختبر الصدّيق ناظر الكلى والقلب دعني أرى نقمتك منهم لأني لك كشفت دعواي ” (ار20: 7 -12).

 ويقول الله نفسه عنهم لحزقيال النبي: ” يا ابن آدم اذهب امض إلى بيت إسرائيل وكلمهم بكلامي. لأنك غير مرسل إلى شعب غامض اللغة وثقيل اللسان بل إلى بيت إسرائيل. لا إلى شعوب كثيرة غامضة اللغة وثقيلة اللسان لست تفهم كلامهم. فلو أرسلتك إلى هؤلاء لسمعوا لك. لكن بيت إسرائيل لا يشاء أن يسمع لك. لأنهم لا يشاؤون أن يسمعوا لي. لأن كل بيت إسرائيل صلاب الجباه وقساة القلوب. هانذا قد جعلت وجهك صلبا مثل وجوههم وجبهتك صلبة مثل جباههم. قد جعلت جبهتك كالماس اصلب من الصوان فلا تخفهم ولا ترتعب من وجوههم لأنهم بيت متمرد ” (حز3: 4-9).

 ومع ذلك فقد حفظ الله هذا الكلام ولم يجرؤا أن يحذفوا أو يعدلوا منه كلمة أو حرفاً بل حُفظوه كما هو، ولوا كانوا قد حرفوا شيئاً لكانوا قد حذفوا كل ما يسيء إليهم وهذا لم يحدث.

 ونقول لهؤلاء الكُتّاب ونكرر أن وجود هذا الكلام في حق إسرائيل وشعب إسرائيل دليل على أنهم لم يجرؤا عبر تاريخهم على تغيير حرف أو كلمة من كتبهم!! بل ونظراً لتحذير الله الصارم لهم: ” كل الكلام الذي أوصيكم به احرصوا لتعملوه. لا تزد عليه ولا تنقص منه ” (تث12: 32). لم يجرؤ أحد منهم أن يزيد حرفاً ولا يحذف حرفاً من أي سفر من التوراة وبقية أسفار العهد القديم. يقول الكاهن والمؤرخ اليهودي يوسيفوس المعاصر لتلاميذ المسيح (36 – 100م) في كتابه ضد ابيون (8: 1):

 ” لدينا فقط اثنان وعشرون كتابا تحتوى على سجلات كل الأزمنة الماضية، والتي نؤمن حقا إنها إلهية. خمسة منها لموسى تحتوى على نواميسه وتقاليد أصل الجنس البشرى حتى وفاته (موسى) … ومن موت موسى إلى حكم ارتحشتا كتب الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى ما حدث في أيامهم في ثلاثة عشر كتابا والكتب الأربعة الباقية تحتوى على ترانيم لله ومبادئ سلوكية لحياة البشر. ومن ارتحشتا إلى زماننا كتب تاريخنا (كل الأشياء سجلت) ولكن لم يقم بنفس السلطان مع أولئك الذين سبقوهم لأنه لم يكن هناك تعاقب حقيقي للأنبياء منذ ذلك الوقت.

 ويوجد برهان عملي على كيفية معاملتنا لهذه الكتب، فبرغم المدة الطويلة التي انقضت حتى الآن لم يجرؤ أحد أن يضيف إليها أو أن يحذف شيئاً منها أو يغير أي شئ منها. بل أنه طبيعي لكل اليهود من يوم الميلاد مباشرة يعتبرون هذه الكتب هي تعاليم الله ويثابرون فيها وإذا دعت الضرورة يموتون سعداء لأجلها “.

 هذه الشهادة التي يشهدها هذا المؤرخ والذي كان يحمل بين يديه النسخة الرسمية المعتمدة التي كانت في الهيكل، كما يشهد هو ذاته بذلك في سيرة حياته، كافية وحدها لإبطال كل المزاعم والافتراضات والنظريات القائلة بالتحريف.

(1) فهو يؤكد أن كُتّاب الوحي الإلهي والأسفار المقدسة هم موسى والأنبياء، وأن هذه الكتب جميعا كتبت من أيام موسى إلى ارتحشتا الملك الفارسي (465-424ق م)، أو كما يقول ” الأزمنة الماضية “، أي في زمانها الحقيقي الذي شهد له الوحي ذاته وقبل كل الأزمنة التي توهمها النقاد الماديين.

(2) ويؤكد أنه لا يجرؤ أحد أن يضيف إلى هذه الكتب أو أن يحذف منها أو أن يغير منها شيئا. وهذا ضد كل افتراضات النقاد الماديين وما توهموه.

(3) وأن هذه الكتب هي ” تعاليم الله ” ويدافعون عنها حتى الموت.

(5) يقسم هذه الأسفار إلى ثلاثة تقسيمات هي: الناموس والأنبياء والمزامير أو الترانيم والمبادئ العامة. وهو بذلك قريب جدا من تقسيم المسيح، إذ يضم دانيال مع الأنبياء ويقتصر تقسيمه الثالث على المزامير والأمثال والجامعة ونشيد الإنشاد. ويذكر 22 كتابا فقط بدلا من 24.

 وتقول لكاتب المقال ومن شايعه وسار على دربه أن من أسباب القول بالتحريف عند الشيعة، بحسب ما قاله الفيض الكاشاني في المقدمة السادسة لتفسيره الصافي، هو القول بحذف اسم علي وآل البيت وأسماء من أسموهم بالمنافقين ” وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة منها اسم علي عليه السلام في كثير من المواضع، ومنها لفظة آل محمد غير مرة، ومنها أسماء المنافقين في مواضعها ومنها غير ذلك “(2). ولو كان اليهود قد حرفوا الكتاب لكانوا قد حذفوا منه كل ما يسيء إليهم وهو كثير ولكن هذا لم يحدث!!

 

التعليق الرابع

هل التحذير من الزيادة أو النقص يعني حتمية حدوث التحريف؟

ثم يقول الكاتب بغرابة شديدة:  

 ” ويتساءل بعض المسيحيين الذين يتجاهلون الشواهد والأدلة الدالة على تحريف كتابهم المقدس قائلين: عندما يعطى الله الإنسان كتابا من عنده فهل تظن أنة لا يستطيع المحافظة علية من عبث البشر؟

نقول لهم: نعم إن الله قادر على أن يحفظ كلمته ولكنه سبحانه وتعالى اختار أن يوكل حفظ كلمته إلى علماء وأحبار اليهود ولم يتكفل هو بحفظها فقد ترك حفظ كلمته بيدهم فكان حفظ الكتاب أمراً تكليفياً وحيث انه أمر تكليفي فهو قابل للطاعة والعصيان من قبل المكلفين فالرب استحفظهم على كتابه ولم يتكفل هو بحفظه وإليكم الأدلة من كتابكم المقدس على هذا:

 جاء في سفر التثنية (4: 2) قول الرب: ” فالآن يا إسرائيل اسمع الفرائض والأحكام التي أنا أعلمكم لتعملوها لكي تحيوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي الرب اله آبائكم يعطيكم. لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به ولا تنقصوا منه لكي تحفظوا وصايا الرب إلهكم التي إنا أوصيكم بها “.

وجاء في سفر التثنية (12: 32) قول الرب: ” كل الكلام الذي أوصيكم به احرصوا لتعملوه لاتزد عليه ولا تنقص منه “.

 وجاء في سفر الأمثال (30: 5 – 6): ” كل كلمة من الله نقية. ترس هو للمحتمين به. لا تزد على كلماته لئلا يوبخك فتكذّب “.

 وقد جاء في سفر الرؤيا (22: 18) قول الكاتب: ” وَإِنَّنِي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا: إِنْ زَادَ أَحَدٌ شَيْئاً عَلَى مَا كُتِبَ فِيهِ، يَزِيدُُ اللهُ عليه الضربات وَإِنْ حذف أَحَدٌ شَيْئاً مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا، يُسْقِطُ اللهُ نَصِيبَهُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ “.

 ثم يقول بغرابة شديدة: ” أن هذا النص تعبير واضح من الكاتب بأن الله لم يتكفل بحفظ هذا الكتاب لأنه جعل عقوبة من زاد شيئاً كذا … وعقوبة من حذف شيئاً كذا، و فيه إشارة واضحة بأن التحريف أمر وارد “. محولاً الحق إلى باطل والباطل إلى حق!!

 ونستغرب من كلامه الغريب هذا؛ هل معنى أن يحذر الله من الزيادة أو الحذف أن يعني ذلك أن الزيادة أو الحذف قد حدثا فعلاً؟؟!! أليس هذا كلام غريب ويتنافى مع الحق؟؟؟

1- وتقول له في الآية الأولى يطلب الله من بني إسرائيل أن يحفظوا الفرائض والأحكام التي يعطيها لهم وأن يعملوا بها كما أعطاها لهم دون أن يزيدوا عليها أو أن ينقصوا منها، ويحذرهم من عاقبة الزيادة أو النقصان في كلامه. فهل يعني ذلك أنهم فعلوا ذلك فعلاً؟؟!!

 والإجابة كلا!! لأن التحذير كان منصباً على تنفيذ الوصية كما هي بدون زيادة أو نقصان!! وهذا الكلام كان منصباً على المستقبل!!

2 – والآية الثانية والتي تقول: ” كل الكلام الذي أوصيكم به احرصوا لتعملوه لا تزد عليه ولا تنقص منه ” (تث12: 32). يقصد بها تحذير مستقبلي أيضاً!!

3 – والآية الثالثة تؤكد هذا المعنى وتقول ” كل كلمة من الله نقية. ترس هو للمحتمين به. لا تزد على كلماته لئلا يوبخك فتكذّب ” (أم30: 5و6). وسفر الأمثال كتب بعد سفر التثنية بحوالي 600 سنة ولو كان قد حدث زيادة أو حذف في كلمة الله لكان قد أشار إليها وأتخذ منها مثالاً!!

4 – أما قول الكاتب عما جاء في سفر الرؤيا فهو العجب نفسه بل والتأويل الباطل الذي يفسر كلام الله على هواه!! فيقول الكاتب مقتبساً ما جاء في سفر الرؤيا ” وَإِنَّنِي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا: إِنْ زَادَ أَحَدٌ شَيْئاً عَلَى مَا كُتِبَ فِيهِ، يَزِيدُُ اللهُ عليه الضربات وَإِنْ حذف أَحَدٌ شَيْئاً مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا، يُسْقِطُ اللهُ نَصِيبَهُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ “.

 ثم يقول زاعما ومؤولاً تأويلاً باطلاً!! ” أن هذا النص تعبير واضح من الكاتب بأن الله لم يتكفل بحفظ هذا الكتاب لأنه جعل عقوبة من زاد شيئاً كذا … وعقوبة من حذف شيئاً كذا، و فيه إشارة واضحة بأن التحريف أمر وارد!!

 ونقول له أتق الله ولا داعي للتأويل الباطل وتغيير الحقيقة!! أن هذه الآيات وردت في آخر سفر الرؤيا كجزء منه ونص من نصوصه وهو يحذر من الحذف والإضافة، بل ويقول الكتاب في آياته الأولى ” طوبى للذي يقرأ وللذين يسمعون أقوال النبوة ويحفظون ما هو مكتوب فيها لان الوقت قريب ” (رؤ1: 3). وهذا التطويب للذي يقرأ والذي يسمع يدل على سلامة كلمة الله وحفظها، فكيف تزعم أنت بالباطل وتقول أنه ” تعبير واضح من الكاتب بأن الله لم يتكفل بحفظ هذا الكتاب “!!

…أهكذا تقلبون الحق إلى باطل والباطل إلى حق!!؟؟

…وكيف لم يتكفل الله بحفظ كتابه؟؟!!

…وهل عجز الله عن ذلك؟؟!!

…وهل أخطأ عندما أوكل إلى رجال الله في القديم والجديد بحفظ كتابه؟

…ألم يكن يعلم مقدما، بعلمه الكلي، ما سيؤول إليه مصير كتابه؟

… وهل علم بأن كتابه سيُحرف وتركه لهذا المصير؟

… وهل يزعمون أن الله ترك التوراة والإنجيل يحرفان لكي يحافظ فقط على كتاب أخر وجعل مليارات المليارات من البشر عبر كل العصور تؤمن بكتابين محرفين وسقطوا في الضلال مجاملة لكتاب آخر؟؟؟!!!! حاشا لله!!

 يقول الرب يسوع المسيح: ” فاني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل ” (مت5: 18).

” السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول ” (مر13: 31).

 

التعليق الخامس

من الذي حرف؟ ومتى وأين ولماذا؟

 ثم يقول كاتب المقال:

 من الذي حرف؟ و متى وأين ولماذا؟يقول القس ” سواجارت “: ” وهم يقولون – يقصد المسلمين – إن تلك الأسفار الأصلية التي أنزلها اللهوهي التوراة، والإنجيل، قد فقدت و لا أظن أن في مقدور أحد أن يخبرنا أين فقدت؟ولا متى فقدت؟ ولا كيف فقدت؟ “.

 وهذا السؤال الذي ساقه ” سواجارت”لون من الخداع والتلاعب بالألفاظ، لأن الذي يقوله علماء المسلمين ويؤكدون عليه أن الكتب والأسفار التي بين يدي اليهود والنصارى الآن دخلها التحريف والتبديل والزيادة قبل مجيء الإسلام وبعثة محمد (ص) واستمر الأمرحتى بعد بعثته (ص). ولا يقول أحد من علماء المسلمين إنجميع ما جاء به موسى وعيسى قد فقد 00 بل الحق أن ما لديهم من أسفار يجمع بين الحقوالباطل والغث والسمين.

 وعندما نسأل أمثال هذا الكاتب وكيف تفرق بين الحق والباطل في هذا الكتب؟ نجده يرد علينا بسرعة أسرع من البرق بقوله؛ ما يتفق مع الإسلام فهو صحيح وما يختلف معه فهو الباطل!! وهكذا نصب من ديانته وكتابه، وليس البحث العلمي المجرد، الحكم على الكتاب المقدس!!!

 ونقول له: هذا الكلام لا يدل إلا علي شيء واحد فقط وهو التعود على تكرار وحفظ وترديد كلمات دون التفكير فيها والتأكد من صحتها، فقط ترديدها وكأنها محفوظات مقدسة!! هكذا دون استخدام المنطق العلمي الذي يقوم على الدليل والبرهان الموثق.

 فهو يحاول حل التناقض العقائدي الموجود بين المسيحية والإسلام بهذه المقولة ” أن ما لديهم من أسفار يجمع بين الحقوالباطل والغث والسمين “!! فالذي يتفق مع معتقداته يكون هو السليم الصحيح وما يختلف مع كتابه يكون هو الغث المحرف!!!!!  

 وهكذا جعل من نفسه القاضي الذي يصدر أحكامه قبل أن يقرأ حرفاً واحداً من أوراق القضية التي يحكم فيها!!

 ثم يقول الكاتب:

 من الذي حرف؟ و متى وأين ولماذا؟ونقول للمبشرين والقسس على اختلاف مذاهبهمدعوا هذا السؤال لأنه لا قيمة له لما يأتي: نحن لسنا بصدد القبض على من قام أو قاموا بالتحريف،و لا يهمنا معرفة زمان أو مكان وقوعالتحريف..

 أن الشيء المهم في هذا الصدد هو بيان وقوع التحريف والعثور على أمثلة توضح بما لايدع مجالاً للشك وقوع هذا التحريف، وهذا هو ما أثبته الباحثون المنصفون الذيندرسوا الكتاب المقدس ووجدوا فيه ما وجدوا من أمور تجافي وحي السماء، وأخطاء وتناقضات لا تقع إلا في كلام البشر.

 هب أن شخصاً أمسك بيد قسيس إلى خارج الكنيسة، وقال له: أنظر إلى هذا القتيل الذيأمامك. فقال القسيس: لا، لن أصدق حتى تخبرني: متى ومن ولماذا وكيف قتل؟!! لوحدث هذا ماذا يقول الناس عن هذا القسيس؟!

 ونقول لكاتب هذا المقال:

…إذا كان السؤال عن من ومتي حرف كلام الله لا قيمة له إذن ما هي الأشياء التي نسأل عنها وتكون ذات قيمة ولماذا لا قيمة له؟

…ألا يهمك معرفة زمان أو مكان وقوع التحريف؟

…أم ليس لديك القدرة علي المعرفة؟

…أم لا تملك أي إجابة علي هذه الأسئلة؟

…وهل الإجابة علي هذه الأسئلة موجودة وأنت لا يهمك؟

…أم أنه لا توجد إجابة لهذه الأسئلة المهمة والخطيرة؟

…وإذا كان لا يهمك أنت فلا بأس نحن يهمنا أن نعرف إجابة هذه الأسئلة!!

…فهل يمكنك وضع الإجابة التي تهمنا نحن ولا تهمك أنت؟

 ونظراً لتكرار هذا السؤال الغريب نقول نحن المثال التالي الذي يعبر عن الواقع وحقيقة الأمر بدقة: ذهب شخص ما إلي قسم الجيزة ليقول للمسؤلين هناك أن الأهرام الثلاثة قد تم تحريفها وهي لم تكن أهراماً بل كانت مكعبات وتم تحريفها إلي أهرام!!

فرد عليه المسؤلين: كلامك غريب من أين أتيت بهذه المعلومات؟؟

فقال لهم: هذه هي الحقيقة وقد قالها لنا أناس نجلهم ونصدقهم وأنا جئت لأقول لكم هذه الحقيقة والتي لابد أن تصدقوها!!

فقال له المسئولون: يا أخي كلامك غريب لان الأهرام معروفة عبر تاريخ قدماء المصريين وعلي مستوي العالم أنها مبنية على شكل هرمي ولم يقل أحد بغير ذلك فقد رسمها الرسامون قديما وصورها المصورون حديثا وتوجد لها ملايين الصور المرسومة قديما والمصورة حديثاً، فهل لديك رسم أو صورة تؤيد كلامك الذي يقول أنها كانت مكعبات وليست أهرامات؟؟

فأجاب: لا، لا أملك!!

فسألوه: هل تعرف متي تم تغيرها وتحريفها من مكعبات إلي أهرام؟

فأجاب لا، لا اعرف!!

فقالوا: لا بأس، هل تعرف من الذي قام بهذا العمل الإجرامي؟؟

فأجاب لا، لا أعرف!!

فسألوا أيضاً: هل يمكن أن تقول لنا كيف حدث ذلك وأين كان العالم وقتها وهل اتفق الجميع علي عمل كهذا؟؟؟

فأجاب: ليس لدي معلومات!!

فقالوا له: هل لديك أقوال أخرى؟

فقال: لا، ولكني واثق من كلامي كل الثقة!! وواثق جيدا فيمن أكدوا لي ذلك وأنا مصّر على أقوالي!! ولابد من الاعتراف بذلك علانية وإعلان ذلك لجميع الناس!!

 والسؤال بعد ذلك هو: هل يمكن أن يتصور أحد أن مثل هذا الإنسان لديه عقل سليم؟ وما الذي يمكن أن يفعله معه المسؤلون؟؟

والإجابة هي: لا مفر من أرسالة إلى مستشفى الأمراض العقلية للكشف على قواه العقلية!!

 ثم يقول زاعماً:

 ” وهذا يشبه تماماً موقف المبشرين من قضية تحريف الإنجيل، إنك تضع أيديهم على مئات الأمثلة وتبين لهم بالمحسوس التحريف الواضح والاختلاف البين بين إنجيل وإنجيل ونسخةونسخة ولكنهم يتمتمون 00 لا.. لن نصدق. أخبروناأين ومتى وكيف ولماذا حدث هذا؟!

 ونقول له: لماذا لا تأخذنا على هوانا وتجيبنا على هذه الأسئلة بالدليل والبرهان حتى تكون حجتك علينا صحيحة وواضحة ونعجز عن الرد عليها؟؟!!

 كما نسأله هذا السؤال الهام؛ يقول القرآن: ” وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ” (النحل: 43 و الأنبياء: 7).

 وهنا يدعو القرآن أهل قريش أن يسألوا أهل الكتاب ” أهل الذكر ” إن كانوا لا يعلمون، أي كالمرجع لهم في أحوال عمل الله في الكون، بقوله لهم: ” فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ” (النحل: 43). وبما أن القرآن يصف التوراة والمزامير (الزبور) ب ” الذكر “، ويصف التوراة صراحة بالذكر ” َلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ” (الأنبياء: 105)، ويصف أهل الكتاب، اليهود والنصارى، ب ” أهل الذكر ” كما يقول القرآن عن نفسه أيضاً أنه ” الذكر “، ويقول ” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ” (الحجر: 9)، لذا ينطبق هذا الكلام ” حفظ الذكر “، بحسب القرآن نفسه، على كل الكتب المذكورة والموصوفة بالذكر.

 وقال الطبري: ” فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ ” (النحل: من الآية43) ” وهم الذين قد قرأوا الكتب من قبلهم: التوراة والإنجيل، وغير ذلك من كتب الله التي أنزلها على عباده “.

 وجاء في الكشاف للزمخشري: “فَاسْأَلواأهل الذكر: أهل الكتاب. وقيل للكتاب الذكر؛ لأنه موعظة وتنبيه للغافلين ” مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ” يعني ما نزل الله إليهم في الذكر مما أمروا به ونهوا عنه ووعدوا وأوعدوا ” وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ” وإرادة أن يصغوا إلى تنبيهاته فيتنبهوا ويتأملوا “.

 وجاء في مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي: ” أن المراد بأهل الذكر أهل الكتاب، عن ابن عباس، ومجاهد، أي: فاسألوا أهل التوراة والإنجيل. ” إن كنتم لا تعلمون ” يخاطب مشركي مكة، وذلك أنهم كانوا يصدقون اليهود والنصارى فيما كانوا يخبرون به من كتبهم، لأنهم كانوا يكذبون النبي “.

 وقال الرازي: ” فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ” وفيه مسائل:

 

المسألة الأولى: في المراد بأهل الذكر وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما:  يريد أهل التوراة، والذكر هو التوراة. والدليل عليه قوله تعالى: ” وَلَقَدْ كَتَبْنَا في ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذّكْرِ ” [الأنبياء: 105] يعني التوراة. الثاني: قال الزجاج: فاسألوا أهل الكتب الذين يعرفون معاني كتب الله تعالى، فإنهم يعرفون أن الأنبياء كلهم بشر … ثم إنهم (أهل مكة) كانوا مقرين بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم الله بأن يرجعوا في هذه المسألة إلى اليهود والنصارى ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها “.

 وقال لقرطبي: ” فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ ” قال سفيان: يعني مؤمني أهل الكتاب “.

 وجاء في تفسير الجلالين المحلي والسيوطي: ” فَاسْأَلوا أَهْلَ ٱلذّكْرِ ” العلماء بالتوراة والإِنجيل “.

 وجاء في فتح القدير للشوكاني: ” ولما كان كفار مكة مقرّين بأن اليهود والنصارى هم أهل العلم بما أنزل الله في التوراة والإنجيل، صرف الخطاب إليهم، وأمرهم أن يرجعوا إلى أهل الكتاب، فقال: ” فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ” أي: فاسألوا أيها المشركون مؤمني أهل الكتاب إن كنتم لا تعلمون “.

 وجاء في تفسير ابن عباس: ” فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ ” أهل التوراة والإنجيل”.

 وجاء في السمرقندي: ” فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ ” أي: أهل التوراة والإنجيل “.

 وهكذا أجمع المفسرون على أن أهل الذكر هم أهل الكتاب، التوراة والإنجيل الذي يجب الرجوع إليهم في مسائل وأمور العلوم والكتب السماوية.

 فإذا كان الأمر هكذا والقرآن يعتبر التوراة والإنجيل هما الذكر الصحيح ويطلب من القريشيين أن يرجعوا إليهم ويسألونهم فيما يختص بما جاء فيها، فهل كان هذا الذكر محرفاً؟ والإجابة المنطقية مستحيل!! فهل حرف الذكر بعد ذلك يؤكد الدليل والبرهان أن هذا مستحيل أيضاً لأننا نملك مخطوطات أقدم من الزمن الذي قيل فيه هذا الكلام بفترات تترواح ما بين 900 سنة إلى زمن نبي المسلمين نفسه وما بعد ذلك!!

 كما جاء في القرآن ” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ” (الحجر: 9)، وقد وصف التوراة والإنجيل والقرآن بالذكر، فهل تعني الآية حفظ الذكر الأخير دون الأول والثاني؟؟!! أو أن الله فشل في حماية الذكر السابق (التوراة والإنجيل) ونجح في حفظ الأخير؟؟!!! أم يقال أن الذي فشل في حفظ الأول والثاني فشل أيضاً في حفظ الثالث بدليل تأكيد علماء الشيعة وقولهم بتحريف القرآن؟؟!!

 ونضيف أن افتراض تحريف الكتاب المقدس هكذا بهذه السهولة مستحيل ويدعو للتفكير وندعوك أن تفكر معناً قليلا: ونقول لك المثال التالي: تخيل أن ملكاً أراد أن يرسل رسالة لشعبه تحمل أوامره وتعاليمه التي يجب علي الشعب أن يتبعها وجاء ضمن هذه الرسالة تحذير منه بأن من يزيد أو ينقص من كلامه هذا ستكون له عقوبة شديدة، فهل يعني كلامه هذا أنه سيتم تغيير أوامره وتعاليمه هذه وتحريفها حتماً؟؟؟؟ كلا، بل هو يحذر من ذلك ويشدد في العقوبة، وهذا التشديد يجعل للرسالة أهميتها وقدسيتها وقوتها وهيبتها، ولن يكون سهلا علي أي شخص أن يفكر (مجرد التفكير) في تكسير كلام الملك إن لم يكن من أجل إنه ملك ويجب طاعته، سيكون خوفا من هذا التحذير وهذه العقوبة!!!

 ولكن يفكر في ذلك فقط إذا أعتقد أن هذه الرسالة منسوبة للملك ولكنها ليست من الملك، واليهود أو المسيحيين لم يفكروا بمثل هذا التفكير على الإطلاق.

ثانيا: وصلت رسالة الملك إلى كل مملكته والكل أصبح لديه نسخة من هذه الرسالة وسنفترض أن شخصاً أو حتى ولاية بأكملها لم يهمها أمر الملك وفكرت في تغير نصوص من رسالته هذه وقامت بتحريف ما عندها من نسخ لرسالة الملك (هذا افتراضا).

…فماذا عن باقي المملكة؟؟؟

…وماذا عن النسخ التي انتشرت في جميع أنحاء المملكة؟؟؟

…وماذا عن المحبين والمخلصين لهذا الملك في جميع أنحاء المملكة!!!

…هل سيسكتون علي ما فعله هؤلاء المتمردون؟؟؟

…أم سيتم وقفهم عند حدهم وتقديمهم للمحاكمة؟؟

…أم إن المملكة جميعها بكل الولايات التي فيها وجميع أفراد الشعب سيتفقون علي تغيير وتحريف رسالة ملكهم؟؟؟ وهذا مستحيل!!!

 ولو افترضنا، جدلاً، أنه حدث تغيير وتحريف في رسالة الملك من قبل البعض علي الرغم من التحذير والعقوبة!!

…فهل من المنطق أن لا يوجد شخص واحد يحتفظ بالنسخة الأصلية التي أرسلها الملك؟؟؟

…وهل ستمر حادثة مثل هذه وهي تغيير وتحريف رسالة الملك (بعد أن وصلت إلي جميع من في المملكة) هكذا مرور الكرام دون عمل ضجة كبري لا مثيل لها؟

…ومثل هذه الضجة ألا يسجلها ويدونها التاريخ ويدون الذين عارضوا هذا التحريف؟ ويعينوا السنة التي حدث فيها ذلك؟

…ومن هم الذين كانوا وراء مثل هذه الحادثة العظيمة والكبرى التي هي تغيير وتحريف كلام الملك (علي الرغم من تحذيراته وما فيها من تحذير بعقوبة مشددة)؟؟؟

…وهل كانت ستمر هكذا ” ولا من شاف ولا من دري “؟؟؟ لا أحد يعرف من الذي حرف الرسالة ولا في أي زمان ولا في أي مكان حدث ذلك، ولا في أي عصر من العصور، ولا أين النسخة الأصلية إذا كانت النسخة الحالية تغيرت وتحرفت؟؟

 أن الحديث في هذا الموضوع يفوق إدراك الكثيرين الذين يتكلمون فيه بلا وعي وبلا معرفة وبلا دليل أو برهان إلا مجرد كلام باطل لا دليل عليه ولا برهان ولا يقبله عقل أو منطق!!!

 أنه موضوع يحتاج لتفكير عميق وليس مجرد ألقاء كلام في الهواء!!! والعجيب إننا نجد البعض يتكلم في موضوع بهذا الحجم وبهذا القدر وبهذه العظمة بطريقة عشوائية وبطريقة غير مسئولة وبطريقة مليئة بالتخيلات والأوهام بدون تقديم أي دليل أو برهان أو إجابة على تساؤلاتنا أو توضيح لما يقولون هم أنفسهم أو ما يمكن أن يقبله عقل يفكر!!!

 بل ونضيف أنه حتى لو أرسل مثل هذا الملك رسالة دون أي تحذير من تحريف فيها، فهل يمكن لأحد أن يحاول أو يفكر في المساس بها لمجرد أنه لم يُذكر بها تحذير بذلك؟؟ فهل يعني عدم ذكر مثل هذا التحذير ومثل هذه العقوبة حتمية تغيير أو تحريف مثل هذه الرسالة التي لهذا الملك؟؟؟ هل يفكر عاقل بمثل هذا الكلام؟؟؟

 ونضيف أيضاً ونقول لهذا الكاتب وغيره ممن يطلبون منا الاعتراف بوجود تحريف الكتاب المقدس!!! حسناً. كل كتاب في الدنيا معرض للتحريف!! ولكن من هو الكتاب الذي ثبت تحريفه؟؟!! ونقول له، بالنسبة للكتاب المقدس، لم توجد طائفة مسيحية واحدة قالت بتحريفه حتى الهراطقة والمبتدعين، عبر تاريخ المسيحية كله، مثل أريوس ونسطور وغيرهم الذين اختلفوا مع الكنيسة الرسولية في تفسير بعض آيات الكتاب المقدس لكنهم لم يقولوا قط بتحريف الكتاب المقدس. ومثل شهود يهوه الذين فسروا الكتاب المقدس بطريقتهم الخاصة وترجموه بما يتناسب مع أفكارهم ونسبوا ترجماتهم وتفسيرهم للروح القدس، ولكنهم لم يقولوا بتحريف الكتاب في نصه الأصلي سواء اليوناني أو العبري. وكذلك السبتيين الذين أدعت زعيمتهم النبوة وفسرت الكتاب المقدس بأكثر من 2… رؤيا زعمت أنها رأتها بسبب أصابتها في رأسها ولكنها لم تقل بتحريف الكتاب، والمورمون الذين أدعى نبيهم المزعوم وجود كتاب جديد أعطي له عن طريق ملاك ومع ذلك لم يقل بتحريف الكتاب المقدس!! وهؤلاء جميعهم ترفضهم الكنيسة ولكنهم لم يقولوا قط بتحريف الكتاب المقدس!!! والسبب بسيط جديد وهو أنه لم يحدث أي تحريف للكتاب المقدس!!! ولو كان قد حدث لأتخذه هؤلاء ذريعة لتبرير هرطقاتهم وفكرهم المنحرف عن التسليم الرسولي!!!

 ونكرر له ونقول؛ كل كتاب معرض للتحريف، ولكن ما هو الكتاب الذي يمكن أن يكون قد حًرف بالفعل؟؟!! وما هو الكتاب الذي يعترف أصحابه بوقوع التحريف فيه؟؟!! أما ما يزعمه من وجود تناقضات فما هي إلا تناقضات وهمية وشبهات خيالية رددنا عليه عشرات المرات، وسنرد عليها ولن نمل ولكن كل في مكانه.

 

سادساً

هل قال القديس بطرس بتحريف الكتاب المقدس؟

 كما استغل البعض، بتسرع وبدون فهم، لمحتوى الآيات التالية:

 ” واحسبوا أناة ربنا خلاصا. كما كتب إليكم أخونا الحبيب بولس أيضا بحسب الحكمة المعطاة له كما في الرسائل كلها أيضا متكلما فيها عن هذه الأمور. التي فيها أشياء عسرة الفهم يحرّفها غير العلماء وغير الثابتين كباقي الكتب أيضا لهلاك أنفسهم ” (2بط3: 15و16).

 وقالوا أنها تتكلم عن التحريف وأن القول: ” يحرّفها غير العلماء ” يدل على شهادة الكتاب لتحريف رسائل بولس وبقية الأسفار المقدسة!! وراحوا كالعادة يكررون هذا الكلام في الكتب ومواقع النت وغرف البالتوك، هكذا دون فهم أو وعي لمضمونها ونصها وسياق الكلام فيها. وقصدوا بالتحريف هنا التبديل والتغيير في الكلام بالزيادة أو النقصان لتغيير المعنى الأصلي!! وهذا غير صحيح، وليس هو ما تقصده الآية على الإطلاق. وقد سبق أن قلنا في بداية هذا الكتاب أن من معاني التحريف: ” تحريف المعنى وتبديله إلى ما يخالف ظاهر لفظه، وهذا يشمل التفسير بالرأي، وكل من فسر الكلام بخلاف حقيقته وحمله على غير معناه فهو تحريف “. أي تفسير الكلام بغير معناه الأصلي، أو تأويل الكلام بعيدا عن معناه المقصود. وهذا هو المقصود في هذه الآية. فقد جاءت كلمة ” يحرفها ” هنا في اليونانية ” στρεβλουσιν– streblousin ” من الفعل ” στρεβλόω–strebloō”والذي يعني كما جاء في القواميس اللغوية ” to wrench, to pervert, to wrest “، أي يلوي، يتعمد إساءة تفسير، يسيء استعمال. ومن هنا ترجمت في جميع الترجمات الإنجليزية twist، يلوي، يحرف المعنى:

Which the ignorant and unstable twist to their own destruction

they are twisted by those who are uncertain and without knowledge.

Some ignorant and unsteady people even destroy themselves by twisting what he said.

 فالآية إذاً تعني: ” التي يؤولها (يؤول معناها)، غير العلماء، على غير معناها الأصلي ” أو ” التي يفسرها غير العلماء تفسير غير صحيح “. ولم تشر الآية من قريب أو من بعيد للتحريف بالمعنى الذي يتخيله مثل هؤلاء الكتاب. ومما يدل على ذلك ويؤكده قوله: ” التي فيها أشياء عسرة الفهم “، أي التي بها أشياء عسرة الفهم يسيء غير العلماء تفسيرها، أو يفسرونها ويؤولونها تفسيرا غير صحيح.

 وهكذا يتضح لنا التسرع في أخذ الآيات بالشبهات وتؤويلها تأويلاً غير صحيح وعلى حسب هواهم وما يتمنون ويريدون!!

 

أخيراً

الكتاب المقدس يشهد عن نفسه

بأنه كلمة الله المعصومة والتي يستحيل تحريفها

 

(1) ماذا يقول الكتاب المقدس عن نفسه:

 أنه كلمة الله الحية والفعالة:

‘” لان كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته ” (عب12: 4).

‘ ” هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي. لا ترجع إليّ فارغة بل تعمل ما سررت به وتنجح فيما أرسلتها له ” (أش11: 55).

‘ ” أليست هكذا كلمتي كنار يقول الرب وكمطرقة تحطم الصخر ” (أر29: 23).

… أنه كلمة الله التي تكلم بها الله على فم أنبيائه بالروح القدس:

‘” كل الكتاب هو موحى به من الله ” (2تي16: 3)، ” تكلم بفم أنبيائه القديسين الذين هم منذ الدهر ” (لو70: 1).

 كما ” تكلم الرب عن يد عبيده الأنبياء ” (2مل10: 21) بالروح القدس:

‘” روح الرب تكلم بي وكلمته على لساني ” (2صم2: 23).

‘ ” لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ” (2بط21: 1).

 ومن ثم تتكرر في الكتاب المقدس عبارة ” كلمة الله ” 3808 مرة، كما تتكرر عبارة ” هكذا قال الرب ” 400 مرة للتأكيد على أن كل كلمة فيه هي كلمة الله الموحى بها والتي تكلم بها من خلال أنبيائه القديسين.

 وهو كلمة الله الثابتة التي لن تتغير ولن تنسخ ولن تزول إلى الأبد:

‘” إلى الأبد يا رب كلمتك مثبتة في السموات ” (مز89: 129).

‘ ” يبس العشب ذبل الزهر وأما كلمة إلهنا فتثبت إلى الأبد ” (أش8: 40).

‘ ” السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول ” (مت35: 24).

‘ ” وأما كلمة الرب فتثبت إلى الأبد. وهذه هي الكلمة التي بشرتم بها ” (1بط25: 1).

 وكلمة الله التي لا يمكن أن يحذف منها أو يضاف إليها حرف واحد:

‘” كل الكلام الذي أوصيكم به احرصوا لتعملوه. لا تزد عليه ولا تنقص منه ” (تث32: 12).

‘ ” لا تزد على كلماته لئلا يوبخك فتكذّب ” (أم6: 30)

‘ ” وان كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوّة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة ومن المدينة المقدسة ومن المكتوب في هذا الكتاب ” (رؤ19: 22).

 والكلمة النبوية ” وعندنا الكلمة النبوية وهي اثبت التي تفعلون حسنا أن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم ” (2بط16: 1).

 و “كلمة الحق ” (2تي15: 2):

‘ ” ولا تنزع من فمي كلام الحق … شريعتك حق … كل وصاياك حق … راس كلامك حق ” (مز43: 119و142و151و160).

‘ ” كلامك هو حق ” (يو17: 17).

 والكلمة الصالحة ” الكلمة الصالحة التي تكلمت بها ” (أر14: 33).

 والكلمة الصادقة والكاملة والمستقيمة والثابتة إلى الأبد والتي لا يزول حرف وأحد أو نقطة واحدة منها:

‘ ” كل كلمة من الله نقية. ترس هو للمحتمين به. لا تزد على كلماته لئلا يوبخك فتكذّب ” (أم5: 30و6).

‘ ” ناموس الرب كامل يرد النفس. شهادات الرب صادقة تصيّر الجاهل حكيما. وصايا الرب مستقيمة تفرّح القلب. أمر الرب طاهر ينير العينين. خوف الرب نقي ثابت إلى الأبد. أحكام الرب حق عادلة كلها ” (مز7: 17و9).

‘ ” الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل ” (مت18: 5).

 ومصدر الحياة الأبدية:

‘ ” فتشوا في سفر الرب واقرأوا واحدة من هذه لا تفقد. لا يغادر شيء صاحبه لأن فمه هو قد أمر وروحه هو جمعها ” (أش16: 34).

‘ ” فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية. وهي التي تشهد لي ” (يو39: 4).

2 – ماذا قال الرب يسوع المسيح عنه:

 المكتوب الذي لابد أن يتم ولا يمكن أن ينقض:

‘” أما قرأتم هذا المكتوب. الحجر الذي رفضه البناءون هو قد صار راس الزاوية ” (مر10: 12).

‘ ” فابتدأ يقول لهم انه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم ” (لو21: 4).

‘ ” لأني أقول لكم انه ينبغي أن يتم فيّ أيضا هذا المكتوب وأحصي مع أثمة ” (لو37: 22).

‘ ” ولا يمكن أن ينقض المكتوب ” (يو35: 10).

‘ولا يمكن أن يزول حرف واحد منه ” فاني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل ” (مت5: 17).

‘كلمة الحياة الأبدية ” فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية. وهي التي تشهد لي ” (يو39: 4).

‘كلمة الحق المؤدي إلى الحياة الأبدية ” الحق الحق أقول لكم أن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد ” (يو51: 8).

‘” السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول ” (35: 24).

مشكلة الشر – ريتشارد سوينبيرن The Problem Of Evil Ricahrd Swinburne

مشكلة الشر – ريتشارد سوينبيرن The Problem Of Evil” [1] Ricahrd Swinburne

مشكلة الشر – ريتشارد سوينبيرن The Problem Of Evil” [1] Ricahrd Swinburne

الإيمان بالله (Theismهي النظرة إلى أن هناك إله، كليّ القدرة وكليّ المعرفة، وكامل الخير، وهي نظرة مشتركة بين المسيحيين واليهود والمسلمين).

 

وأقوى اعتراض ضد الإيمان بالله كان دائماً ذلك الاعتراض القائل بأن كائناً كامل الخير سيقوم بمنع المعاناة والأفعال الخاطئة، وكائنٌ كليّ القدرة ستكون لديه القدرة لفعل ذلك. وبما أن الجنس البشري يعاني كثيراً، فإن الله غير موجود.

ولدحض هذا الاعتراض، فإن المؤمن بالله، بالرغم أن “الله” كلي القدرة وكامل الخير أن يفسر لماذا يسمح للإنسان بأن يعاني.

ولتقديم تفسير كهذا، فإنك تقدم ما يسمى “ثيوديسيا” Theodicy. وفي هذه الورقة سأقدم تفسيري “الثيوديسيا” لمشكلة الشر، حيث أن تفسيري كما سأوضح سيكون مبنياً على تعاليم السيد المسيح، وتطوره في التقليد الأرثوذكسي.

إني أفهم أن الله ” كليّ القدرة” بأنه قادر على فعل أي شيء “ممكن منطقياً”، وعلى سبيل المثال فإنه يستطيع أن يزيل الكون في لحظة!، ولكن ليس أن يفعل شيئاً مستحيل منطقياً (أي شيء يمكن وصفه على أنه متناقض منطقياً) –على سبيل المثال فهو لا يستطيع أن يجعلني موجوداً وغير موجود في نفس الوقت. والسبب وراء أن الله لا يستطيع أن يفعل المستحيل منطقياً ليس لأن الله ضعيف بل لأن مثل هذه التعبيرات “أن يجعلني موجوداً وغير موجود في نفس الوقت” لا تصف أي شيء يثير حس المنطق !، فليس هنالك أي حالات من الأمور التي تتضمن أن الله “يجعلني موجوداً وغير موجود في نفس الوقت “.

وكون الله “كليّ المعرفة “، أستطيع أن أفهمه، أنه يعرف كل شيء ممكن منطقياً. وإذا لم يكن من الممكن منطقياً لأي أحد أن يعرف خياراتنا الحرة المستقبلية، فإن معرفة الله الكلية لن تتضمن تلك المنطقة من المعرفة. [2]

ولكن وبالتأكيد سيكون خيار الله أن يمنحنا حرية الإرادة، وبالتالي فإنه سيكون هناك نوع ما من محدودية المعرفة. وأستطيع أن افهم أنه كائن حرٌ بأن خياراته ليست محدودة، أو تتأثر بأي نوع من القوى غير المنطقية، كما هو الحال في الخيارات الإنسانية.

فالله يرغب في أن يفعل شيئاً فقط إذا كان يرى سبباً لفعل ذلك، أي أنه يعتقد بأنه شيءٌ جيد ليفعله.

فكونه كلي المعرفة، فإنه يستطيع معرفة ما إذا كانت الافعال جيدة أو هناك أفعال أفضل من غيرها.

فإذا كان هناك أفضل فعل واحد يستطيع القيام به في موقف ما فإنه سيقوم به. ولكن إذا كان هناك فعلين اثنين متعارضين ومتساويين أو أكثر(أي أنه إذا كان هناك فعلين أو اكثر متساويين في الخير وأفضل من أي أفعال ممكنة أخرى ) ففي ذلك الموقف، فإنه سيختار بينهم بلا سبب على الإطلاق (كما نقوم نحن إذا كنّا في نفس الموقف).

والله على أية حال يجب غالباً أن يكون في موقف لا نستطيع أن نكون فيه، كأن يكون هناك خيار بين عدد لا نهائي من الأفعال الممكنة، وكل واحد منها أقل خيراً من الافعال الاخرى التي يستطيع أن يفعلها.

فعلى سبيل المثال، الملائكة والكواكب أو الحيوانات آكلة العشب فإنها أشياء جيدة ­­، وبالتالي المزيد منهم فإنه يكون الافضل (حيث أن، بالنسبة لقضية الحيوانات، فإنها منتشرة في ما بين عدد لانهائي من الكواكب، حيث لا تكون مزدحمة في ما بينها). وبالتالي مهما كان عدد هذه المخلوقات التي يخلقها الله، فإنه من الافضل أن يخلق المزيد منهم. (وهو يبقى قادراً أن يخلق المزيد منهم، وحتى لو قام بخلق عدد لا نهائي منهم! ).

وينتج معنا من ذلك أننا يجب أن نفهم أن الله كونه كليّ الخير سيفعل أكبر قدر ممكن من الأفعال الخيرّة، ولا أفعال سيئة، وأفضل فعل ممكن (خير) إذا كان هناك واحد فقط. على عكس ما كان يعتقد لايبنتيز، فنحن لا نستطيع أن نفهم أن الله كليّ الخير بأن يصنع عالم الأفضل من العوالم الممكنة –حيث أنه لا يوجد “عالم الأفضل من العوالم الممكنة”best of all possible worlds، فأي عالم سيصنعه الله سيكون عالماً أفضل better world.

فمشكلة الشر إذا ليست مشكلة أن هذا العالم ليس الأفضل في العوالم الممكنة، ولكن المشكلة هي أنها تبدو وكأن الله يسمح بحدوث أو يُحدِث حالات من الأمور جوهرياً سيئة – المعاناة والأفعال الخاطئة.

والآن سأقوم بالمحاججة بأن فعل السماح بالشر أو حدوثه ليس فعلاً سيئا أو شرًا، طالما أن الظروف المتوفرة مُقنعة، وسأقترح بأن ذلك فعلاً متوفر في حالة الشر الموجودة في عالمنا. ومن هنا فإن الشر، المعاناة والأفعال الخاطئة والتي (بحكم قدرته الكلية) باستطاعته أن يمنعها إذا اختار ذلك، فإنها لن تشكل أي دليل ضد وجود الله.

فالإنسان جيد لسماحه ببعض الشر أن يحدث (أي أن يسمح لشخص بأن يعاني ). طالما أن هذا السماح هو الطريقة الوحيدة لينتج بها بعض الخير، وطالما بمقدوره أن ينتج خير من ذلك، طالما لديه الحق للسماح لذلك الشّر بالحصول ( مسموح له أخلاقياً لفعل ذلك). وطالما أن الخير هو خير لدرجة كافية للمجازفة بحدوث الشّر.

على سبيل المثال يمكن للوالدين أن يقوما بأخذ طفلهما لطبيب الاسنان وجعله يعاني من ألم حشو الاسنان، وذلك من أجل عواقب صحة أسنانه، طالما أن هذه هي الطريقة الوحيدة ليعزز فيها حالة الخير، وحيث أنه الوالد، فلديه هذا الحق ليفعل هذا بالطفل. الجملة الاخيرة مهمة، فلا أحد غريب لديه الحق أن يأخذ طفلاً إلى طبيب الاسنان ليملأ أسنانه بدون أن يأخذ الإذن من والدي الطفل. حتى ولو كان هذا يعزز من حالة الخير لديه!

والان نحن كجنس بشري لا نستطيع أن نعطي دائماً الطفل عناية صحية لأسنانه من دون أن يعاني الطفل، ولكن الله يستطيع. فالمستحيل منطقياً هو ما لا يستطيع فعله، فإذاً نستكمل من قضية المعاناة إلى قضية الشر بشكل عام ومن تلك القضية إلى قضية الله الذي يستطيع أن يفعل أي شيء ممكن منطقياً.

فأنا افترض أن الله يمكنه أن يسمح للشر (ش) [ E ] لأن يحدث ومتوافقاً مع كمال خيره، وطالما أن الأربع شروط متوفرة.

أولاً، يجب أن يكون الامر مستحيلاً منطقياً بالنسبة لله أن يأتي ببعض الخير (خ) [ G] بأي طريقة تكون مسموحة أخلاقياً الا بسماح (ش) (أو أي شر مساوِ) لأن يحدث. على سبيل المثال فإنه من المستحيل منطقياً على الله أن يعطينا حرية إرادة مطلقة (Libertarian Freewill) لنختار بين الخير والشّر (حرية إرادة أن نختار بين هذه بالرغم من كل المسببات المؤثرة والتي لها نحن خاضعون)، ولكن أيضاً أن يُسببنا لأن نختار الخير. فإنه من المستحيل منطقياً لله أن يأتي بخيرنا حيث نمتلك حرية إختيار بدون أن يسمح بِشرِّ الخيار السيء(إذا كان ذلك ما اخترناه). ثانياً، الله يمكن أن يأتي بالخير (خ).

وبالتالي إذا سمح بالشر من جراء اختيارنا السيء، فإنه من اللازم أن يعطينا حرية إرادة لنختار بين الجيد والسيء. ثالثاً، الله لديه الحق ليسمح بالشر بأن يحدث(أي أنه مسموح له أخلاقياً بأن يسمح للشر أن يحدث). وأخيرأ يجب أن يكون هناك نوع ما من الشرط المقارن متواجداً. وهو لا يمكن أن يكون أقوى من شرط (خ)، هو خير أفضل من (ش)، هو شر. وذلك واضح، أننا غالباً من نُسوَّغ justified، وذلك لنضمن حدوث خير جوهري وكبير بالمجازفة بحدوث شر أضخم.

وطريقة منطقية لتصور هذا الامر هو القول ان القيمة المتوقعة للسماح ب (ش) أن تحدث-حيث أن الله يمكن أن يأتي ب (خ)-هو امر ايجابي. (أو بشكل غير محكم قليلا، ان كمية الشر المحتملة التي يمكن أن تنتج من سماح (ش)أن يحدث هي أقل من الخير (خ) ). سأقوم بتلخيص هذا الادعاء، بالنسبة لبعض الشر (ش)، حيث أنه إذا كان هناك إله، فإنه يستطيع وبكل توافق مع كماله للخير، أن يسمح به [الشر] أن يحدث لينتج خيرا (خ)، وحيث ان الادعاء بأن (ش) تخدم لخير أكبر.

وبالتالي ينتج من أنه إذا كانت حالة الخير هي فقط ملذة وسرور حسي، فإن الله لن يكون مُبرراً في أي سماح للشر بأن يحدث في العالم. حيث انه ليس حتى الشرط الاول يمكن أن يتوفر بالنسبة لهذا الشر. فالله يمكنه أن يزيل كل أنواع الالم الحسي والبلايا والمحنة العقلية وأي شيء اخر خاطئ في العالم، وإعطاء الكائنات الحساسة sentient creatures (بما فيهم نحن) حالة لا نهائية من السعادة الحسية من ذلك النوع الذي يسببه-حسب ما أعرف- الهيروين.

وبالتالي فإن وجود شر هذا العالم سيعتمد بصورة قطعية ضد وجود الله. فإذن فإن الشخص المؤمن بالله theist عليه أن يدعي بأن هناك أكثر من حالات السعادة الحسية، والتي لا يمكن لله أن يأتي بها الا بسماح الشر أن يحدث.

والآن فإنه ليس من المنطقي لأن نفترض بأننا نعلم كل حالات الخير الممكنة والتي يفيد الشّرُ بها. وبالتالي فإنه يبدو أنه ليس هنالك أي عدم معقولية بالذي يؤمن بوجود الله ويدعي أن شرور العالم تفيد في خير أعظم، على الرغم من أنه لا يعرف في الجزء الاكبر ما هي. حيث أن هناك إله فإن هذه الشرور يجب أن تخدم في خير أعظم (وإلا فإن الله لن يسمح لهم بالحدوث).

وإذا كان لديك منطق قوي لأن تفترض أن هناك إله، فإن لديك منطق قوي لأن تفترض بأنها تفيد خيراً أكبر. فالمشكلة هي أنه يبدو لكثير من الناس لأول وهلة وبشكل واضح أن كثير من شرور العالم لا يمكنها أن تنتج خيراً أكبر، حيث يبدو للكثير من الناس أن الألم غير القابل للعلاج، أو القسوة على الاطفال، أو تجارة العبيد في القرن الثامن عشر، الخ.

 لا يمكنها أن تنتج أي خيرٍ أعظم، ليس بسبب أنهم يعلمون ماهي احتمالات الخير، ولكنهم يدعون أنهم يعرفون كفاية حتى يعلموا أن على أقل تقدير فإن أحد هذه الشروط لا يمكن تلبيتها بالنسبة لبعض الشرور –بأن الله ليس له الحق بأن يسمح لها بالحدوث في سبيل جني خير أكبر، أو أن الخير الذي يمكن أن يلبيه حدوث هذا الشّر لا يمكنه في الواقع أن يحدث (بالرغم، أنه بوجود الشّر يمكن الله أن يجلب خيراً).

فغالبية الناس، وحسب رؤيتي من ضمنهم المتدينين الذين لا يمتلكون ذلك الايمان الثابت بوجود الله، يميلون للاعتقاد لأول وهلة أن الكثير من شرور العالم لا يمكنها أن تأتي بأي خير أعظم –وبالتالي فإن وجود الشّر يُشكل حجة قويّة ضد وجود الله. فهذه الثيوديسيا هي لتلك النوعية من الناس.

[وجهه نظري اي ان كان هذا، بالرغم من انه يبدو لأول وهلة أن القضية هكذا فإن الأربعة شروط مُقنعة بكل أنواع الشر. وبالرغم من انه لا يمكنني أن اشرح ذلك بالتفصيل في ورقةٍ قصيرة. ولكن يمكنني ان أعطي سبب لهذا الاعتقاد بان هذه الشروط مُقنعة لبعض انواع الشر الرئيسية التي هي سبب في معاناة البشر، وذلك –اتمنى- سيجعل الامر معقولاً بأن هذه الحجة من الشّر ضد وجود الله غير نافعة.

سأبدأ بلفت الانتباه الى طرق لشرح اول شرط علي انه مُقنع لانواع عدة من الشر، وسأبدأ بالشّر الاخلاقي moral evil (وهو الشر سواء بتعمُد او بإهمال(بدون قصد) والذي يسببه البشر لبعضهم ). قد أشرت مسبقا ان دفاع الحريه التقليديه free will defense والتي تُشير الى ان حريه الاختيار المطلقة بين الشر والخير ( منطقيا) يُمكن أن تأتي للوجود عن طريق السماح للشخص أن بفعل الشّر.

ولكن حريه الاختيار التي لم تصنع أي فرق في العالم لن تكون ذات قيمه بقدر اختيار صنع فرقاً. انه لعظيم للبشرية ان يكون حريه الاختيار المطلقة التي تسمح لنا ان نمارس المسئوليه الحقيقيه تجاه البشر وهذا يتيح الفرصه إما لمساعدة الآخرين أو إيذائهم. الله لديه القدرة لمساعده او إيذاء البشر. لو كان هناك أشخاص اخرين أعطي لهم المشاركة في خلقه البديع فإنه من الممكن ان يكون جيداً لو شاركوه هذه القوة أيضاً ( حتي لو كانت في درجة أقل).

في عالم حيث يستطيع الاشخاص ان تستفيد من بعضها، ولكنها لا تستطيع ان تؤذي بعضها سيكون عالماً يمتلكون فيه قدرا محدود من المسئوليه تجاه بعضهم البعض.

إذا كانت مسئوليتي تجاهك مقتصرة بأن أعطيك أو لا أعطيك احدث موديل تليفون ولكن لا أستطيع ان أسبب لك الم، أو أوقف نموك او أحُدَّ من طموحاتك في التعليم فأنا بالتالي لا املك المسئولية الكاملة تجاهك. فالله الذي أعطي مسؤولية محدوده لبعض الاشخاص تجاه أقرانهم فإنه لم يعطهم الكثير.

فقد خصص الله لنفسه كل الاختيارات الهامة في كيف سيكون العالم وفي نفس الوقت قد اعطي للبشر خيارات محدده ليملئوا بعض التفاصيل. هو كالإب الذي طلب من ابنه الأكبر ان ينتبه لأخيه الأصغر ولكنه يبقى متابع لكل تحركاته ليتدخل في اللحظه التي يفعل فيها ابنه الكبير خطأ.

ربما الابن الأكبر عن استحقاق يرد بالعكس(بحجة معاكسة)، بينما سيكون هو سعيداً في مشاركته لأبيه في عمله، وكان من الممكن ان يفعل هذا فقط إذا تركه ابوه ليصدر أحكامه الشخصية بنفسه في ماذا سيفعل، مع وجود نطاق ملحوظ للخيارات المتوافرة لأبيه. الله العظيم كالاب الحسن سيفوض مثل هذه المسئوليه. ولكن لكي يسمح للمخلوق ان يشارك في الخلق، كان يجب على الله يعطي لهم الخيار علي الإيذاء والتشويه أو احباط الخطة الالهية.

وبالتالي بسماح هذا الايذاء والتشويه فإن الله يجعله ممكناً أن الخير الاعظم للبشر أن يختاروا بحرية ليستفيدوا من بعضهم (على أن يؤذوا بعضهم)وبالتالي يشاركون في خطة الله. فيسوع علمنا أنه حسن ان نساعد بعضنا بعضًا، قائلا’مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ’ [3]. ومرة اخرى :”فدعاهم يسوع وقال لهم: أنتم تعلمون أن الذين يحسبون رؤساء الأمم يسودونهم، وأن عظماءهم يتسلطون عليهم فلا يكون هكذا فيكم. بل من أراد أن يصير فيكم عظيما، يكون لكم خادما.

ومن أراد أن يصير فيكم أولا، يكون للجميع عبدا. لأن ابن الإنسان أيضا لم يأت ليخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين[4]. هذه الفقرة تربط بين العظمة والخدمة وتفهم أن العظمة تتألف من الخدمة.

ولكن اختيارات الانسان الحسنه ليست جيدة في ذاتها وفي مقتضى عواقبها الفورية. جميع اختيارات الانسان شخصية التكوين – كل اختيار صالح يجعل الاختيار التالي من السهل ان يكون صالح – ووالاشخاص يمكنهم تكوين شخصيتهم. وعلق أرسطو قائلا ” اننا نصبح أشخاص عادلين عندما نفعل أعمالا عادلة ونصبح حكماء عندما تكون أعمالنا حكيمة وشجعان عندما نقوم بأعمال شجاعة”[5]. ولذلك ان نعمل اعمال صالحة عندما يكون من الصعب فعلها – عندما تكون ضد طبيعتنا ( هذه هي رغبتنا) نحاول ان نفعل الصالح بطريقه أسهل في المره القادمه- ونستطيع تدريجيا ان نغير من إرادتنا ولذلك علي سبيل المثال يصبح قيامنا بأعمال صالحة طبيعه فينا.

و بذلك يمكن ان نحرر أنفسنا من الرغبة الاقل صلاحاً والتي ننتمي إليها. ولكن أيضاً الصالح داخلنا له حريه الاختيار من التكوين الشخصي ( اختيار نوع البشر الذين نريد ان نكون) يكون ( منطقيا)إذا كنا نملك الاراده في ان نفسد أنفسنا (و نصبح أشخاص سيئين).

يدعي سفر التكوين ان الانسان خلق على صورة الله[6] وقد فهم الاباء أن محور تلك الصورة اننا نملك الارادة. لو استعملناها في الطريق الصحيح سوف نطابق الله ونشابهه. وعلى سبيل المثال، في القرن الرابع كتب القديس اغريغوريس النيسي “الأسبقية بين جميع الجوانب في هذه الصوره حقيقة اننا أحرار من اي ضرورة وغير مرتبطين بأي قوة طبيعية ولكن نملك القرار في قوتنا الخاصه كما نريدها”[7].

في القرن الثامن كتب يوحنا الدمشقي ” ان كل إنسان قيل انه علي صورة الله فيما يتعلق بسمو فكره وروحه- يمكن ان نقول ان الخاصية في الانسان التي لايمكن ان تفحص بدقه او تلاحظ هي أنه خالد وموهوب بإراده حرة بمقتضى ما يحكمه أو يولده أو يبنيه[8].

وفي نهاية فتره آباء الكنيسه الأوليين في القرن الرابع عشر القديس غريغوريوس بالاماسGregory Palamas كتب ” انه ليس بمقتضى الجودة الطبيعية ولكن بمقتضى ما يحققه الفرد من خلال إرادته الحره وذلك الشخص قريب او بعيد عن الله”[9]. وأكد القديس غريغوريوس واخرين أيضاً ان الجزء الأعظم في روح الانسان في انها تملك القدره علي السلطة [10]. إن روح الانسان تراقب الكون كله وتضع كل شيء في اهتمامها[11]. وهذا بحسب مفاهيمي فإن مجد الإنسان ليس فقط في حرية إرادته ولكن مسئوليته في عواقب ممارسته لهذه الحريه.

و الان تخيل الشر الطبيعي natural evil وهو الشر الذي لا يستطيع الانسان منعه كالمعاناه من مرض من نوع لا يمكن علاجه –حتى الان-. والذي يُعرف ب دفاع “الدرجات العليا للخير” higher-order goods أن بعض الحريات ذات القيمه في الاختيار ممكنه فقط كرد للشرور. أستطيع ( منطقيا) ان اظهر شجاعة في تحمل معاناتي فقط اذا كنت أعاني ( حالة الشر).

رثائي لذاتي خلال معاناتي من مرض ما عندما أمر بتجربة تعطي لي فرصه أن أُظهر شجاعةً. لأنه من الجيد أن يكون لدينا الفرصة ( أحياناً) لعمل شيء نقاوم به التجربة لأنه بذلك نُظهر كاملَ تعهدنا للخير والصلاح. (الالتزام الذي لا نقوم بتنفيذه حينما يكون الاغراء بفعل عكسه ليس قويا ليس بالتزام كامل).

ومن الجيد أيضاً من خلال الأعمال الصالحة انه لدينا الفرصة ( أحيانا) لمساعدة الآخرين الذين يعانون والمحرومين من خلال تعاطفنا معهم ومساعدتنا لهم لاجتيازها. المساعده تبدو عظمتها وقت احتياجها وعندما يكون الفرد في معاناة وحرمان. ولكن أستطيع ( منطقيا) مساعدة الآخرين الذين يعانون فقط اذا كان هناك شر في معاناتهم. ففي هذه الحالات لو هنالك إله، يمكنه ان يقدم اختيارات حره جيده بأنواع معينه ما بين الخير والشر الذي – منطقيا- لا يمكن أن يمنحه لنا من غير أن يسمح بالشر (أو الشرور المتساوية في سوئها) أن يحدث.

او ربما انه الشيء الأخلاقي الوحيد المسموح به ليعطينا الحرية. يمكنه، هذا صحيح، أن يعطينا حرية اختيار مساعدة الآخرين او أن نرفض ذلك ( اختيار يمكنه بشكل معقول أن يسمح بإعلان التزامنا للخير أو الشر ) بدون احتمالية أي معاناة. لان الله قادر أن يصنع عالماً مخادعاً يبدو فيه الناس في الم شديد في حين أنهم لا يعانوا أي شيء. ولكن في هذا الموقف، أولاً لن يكون لدينا المسئولية تجاه الآخرين والتي تحسب جيدة، ثانيا غير مسموح أخلاقيا – من وجهة نظري- لله أن يصنع عالماً فيه الناس تساعد الاخرين لهدف جيد في حين أنهم لا يحتاجون مساعده علي الإطلاق.

فالله، إذا لم يكن يخدعنا ويعطينا الحرية في مساعدة أو عدم مساعدة لآخرين يجب أن يصنع عالم هؤلاء يعانون فيه فعليا. والسماح المجرد بالمعاناة التي سببها الشر الاخلاقي لن يعطي الاختيارات الكثير والتي من ضمنها مقاومة التجارب، ولذلك نحن بحاجه إلى مرض، حادث، أو ضعف سن الشيخوخة.

هذه المعاناة بركه للذي يعاني في تلك الفُرص التي تزوده أو تزودها بالعمل البطولي أو تكوين الشّخصية هي شيء ثابت في موضوع الروحانية في المسيحية الارثوذكسية. لذلك كتب القديس بطرس الدمشقي : 

” من خلال ما نحسبه معاناة نحصل علي الصبر التواضع والأمل في الفترة القادمة، والذي ندعوه معاناه اقصد أشياء كمرض، حزن، بلوى، ضعف، ضيقه غير مرغوب فيها، ظلام، إهمال، فقر، سوء حظ عام، الخوف من فقدان أحدهم، إهانة، حزن، أو عوز وغيرها”. [12]

هذه العطايا كما يدعوها القديس بطرس، تسمح لنا )لكن لا تجبرنا(، بالرد بالطريقة السليمة عليهم عن طريق أعمال الرحمة التي قد لا نجد فرصة للقيام بها في بعض الأحيان فالفقر هو الذي يتحمله الإنسان بصبر وشكر، والمرض هو أن يجوز للإنسان أن ينال إكليل الصبر وكل هذه العطايا تمنح الفرص للآخرين الذين لديهم العطايا المضادة للرد بالطريقة الصحيحة.

وكتب القديس بطرس أن الثراء يمكننا من عمل الرحمة وذكر أخيرا، ُ أنه لا يستطيع الغني خلاص نفسه والفرار من إغراءات الثروة بدون الفقير وتمكننا الصحة من مساعدة المحتاجين والقيام بأعمال تليق بالله.

إنه جيد أيضاً أن من بين الخيرات المتوفرة للبشر أن يكون الاختيار ليس مجرد مساعدة الآخرين للتغلب على الشرور الطبيعية مثل الأوبئة لكن أيضاً تخفيض عدد حدوث تلك الشرور في المستقبل، مثل الحماية من الأمراض، ولكن لكي نحصل على هذا الاختيار، نحتاج إلى معرفة أسباب الشرور.

الطريقة العادية ( دعم العلماء دعماً مالياً عن طريق الآخرين ) التي نحاول بها اكتشاف تلك الأمور هي الطريقة الاستقرائية التي نسعى لاكتشافها بالعمليات الطبيعية مثل البكتيريا، الفيروسات وغيرها، ومن ثم بناء النظريات ومزيد من النظريات الآلية بها، لكن العلماء لا يستطيعون العمل بها إلا إذا كان هناك عمليات منتظمة لعرض المرض، وأيضاً دراسته تحت مناخ انتشار المرض بين كثير من السكان والعكس عن أسباب عدم انتشار المرض بينهم، لذلك من أجل الاختيار الجيد لهذا البحث، (أو بدلاً من إزعاجه بالبحث)، فهناك شر لابد منه وهو المرض الفعلي.

فإذا كان لدى البشر فرصة عظيمة لتكريس حياتهم للبحث العلمي لفائدة أو لصالح الإنسان وإن كان ذلك لن يزعجهم لابد من وجود من يعانون الأمراض لجعل ذلك ممكنا.

كثيراً من الآباء المسيحيين الأولين قد رأوا العقلانية (إمكانية تتبع ذلك البحث العلمي كمثال نموذجي) مع الإرادة الحرة هم الشيئان اللذين يمتلكهما الإنسان يشكلان صنع الإنسان كصورة الله ومثاله.

وبالتالي كتب القديس يوحنا الدمشقي أن الله يخلق بيديه الإنسان بطبيعة مرئية وأخرى غير مرئية، وعلى صورته ومثاله: من ناحية صنع الله الإنسان من الأرض بيديه، ومن ناحية أخرى خلق له روح المنطق والتفكير… إن عبارة “على صورته” تشير بوضوح إلى جانب طبيعته التي تتكون من العقل والإرادة الحرة، في حين أن “وعلى مثاله” يعني التشابه في الفضيلة بقدر الإمكان “[13].

كذلك، قد تسأل، أليس من الأفضل إذا انبت الله فينا المعتقدات الحقيقية القوية عن أسباب جميع الأمراض وغيرها من الشرور الطبيعية، ومن ثم يتركنا لاختيار أو عدم اختيار علاجهم؟ أليس وجود فرصة لممارسة العقلانية في الطريقة الاستقرائية يستحق هذا الثمن؟ ولكن إذا ألغى الله ضرورة البحث العقلاني وقدم لنا معتقدات حقيقية قوية عن أسباب الأشياء والتي من شأنها تقليل صعوبة اتخاذ القرارات الأخلاقية بشكل كبير، وتسهيله لدرجة كبيرة لنا لإظهار الالتزام التام بالصلاح وصنع الشخصيات البطولية.

رغم أن معظم القرارات الأخلاقية هي القرارات التي اتخذت في حالة اللا يقين بشأن عواقب أفعالنا في العالم الفعلي. إلا إني لا أعرف على وجه اليقين أنه إذا كنت أدخن، سأصاب بالسرطان؛ أو أن لا أعطي مالاً للأعمال الخيرية، سيموت الناس جوعا. لذلك يجب علينا اتخاذ القرارات الأخلاقية على أساس كيفية احتمالها وأن أفعالنا سيكون لها نتائج مختلفة، كيفية احتمال أني قد أصاب بالسرطان إذا استمررت في التدخين (على خلاف ذلك لا أصاب بالسرطان)، أو احتمالية أن شخص ما سوف يموت جوعا إذا كنت لا أتصدق (حيث انه لن يموت جوعا على خلاف ذلك(

هذه القرارات في ظل عدم اليقين ليست مجرد قرارات أخلاقيةعادية، بل إنها حقاً صعبة، حينما كان تقييمها أيضاً صعباً، إلا إنه من السهل إقناع ذاتك أن من الصواب أخذ الفرصة حتى تقل الأضرار المحتمل حدوثها عند طلب القرار( هذا هو القرار الذي يجب عليك العزم عليه بشدة). وأيضاً، إذا واجهت التقدير الصحيح للاحتمالات وحسن التفاني الحقيقي الظاهر في العمل فإن على الرغم من احتمال أن ذلك أفضل عمل فقد لا يحصل على النتائج الجيدة على الإطلاق.

لذلك من أجل إعطاء الفرصة لنا للتعامل مع جميع المسائل الهامة من خلال ممارسة العقلانية وأيضاً لكي تعطينا الفرصة لإظهار التزامنا الشديد بالخير بجعل اختيارنا في حالة عدم اليقين، أمر جيد أن الله لا يجعلنا نولد بمعتقدات حقيقية قوية عن نتائج أفعالنا، وهكذا ينبغي أن يكون لدينا الفرصة لاختيار السعي أو عدم السعي إلى المزيد من معرفة معينة عن نتائج أفعالنا، والتي سوف تشمل الحصول على المزيد من المعلومات حول عواقب الأحداث، مثال ذلك، معلومات من الماضي عن ما حدث للمدخنين الذين تجاهلوا معلومة أن التدخين يسبب السرطان، ساعين نحو معرفة معينة وهي في كلمات أخرى تشمل إعادة الاعتماد المعنى بالاستقراء العادي والذي يتطلب وجود الشرور الطبيعية.

وماذا بعد عن المعيار (2)؟ لقد تبين لي أهمية تعدد أنواع الشر لممارسة الإرادة الحرة المطلقة أو التحررية التي تصنع اختلافات هامة بين بعضنا البعض، وأيضاً بين العالم، لكن، هل لدينا حقا الإرادة الحرة المطلقة في هذا المعنى من الحرية لاختيار ما يجب القيام به، في ضوء كل التأثيرات التي تؤثر علينا، مثل اختيارنا الذي يجعل هنالك اختلافاً للحالات العقلية وبالتالي الافعال التي نقوم بها في الملأ؟ حيث نقوم باختياراتنا التي تبدو لنا أنها كاختيارنا وأنها المبدأ الأساسي المنطقي، الذي يجعل من المحتمل أن تكون الأمور كما تبدو في غياب المنطق المناقض له.

لا أعتقد أن هناك أي سبب مبرر لإنكار أن تكون الأمور كما هي تبدو لنا في هذا الصدد. وكان من المتداول إدعاءُ أن العلوم قد أظهرت أن الطبيعة تتبع الحتمية فلذلك يجب أن يكون خياراتنا مُسببة، حتى لو كان العلم قد تبين حدوث هذا في العالم المادي (العام)، فإن وصفاً شاملاً لما في العالم يجب أن يشمل الأحداث العقلية (التى هي كل من الأحاسيس، والأفكار والنوايا،…. ألخ).

إن الأحداث العقلية هي مختلفة جدا عن الاحداث المادية (وتشمل أحداث الدماغ التي تتصل بالعديد من الوقائع العقلية)، وبالتالي فإنه غير مبرر تماماً للمحاججة من حتمية الطبيعة المادية إلى أي حتمية في الطبيعة العقلية.

ولكن بعد ذلك، قد يُدّعى أن العلم قد أشار أن الواقع المادي مغلق، وهذا يعني أن الأحداث المادية هي السبب وهي بدورها مُسببة من قبل أحداث مادية فقط، وحتى إذا كانت إرادتنا حرة فإنها لا تؤثر في العالم.

ولكن العلوم لم تظهر أي شيء من هذا القبيل، ومن الواضح تماما أن أحداث الدماغ (الجسدي) تسبب الأحداث العقلية-إذا وخزت إبرة في فإنى أشعر بألم، فعلى قدم المساواة وبشكل واضح تقريبا أن تحدث الأحداث العقلية تأثيرا على الأحداث الجسدية- الذي يجعلني أقول لكم عن شعوري بالألم (حدث جسدي) هو ألمي ( الذي هو حدث عقلي[أي ليس مادي])

وهذا واضح بيّن في كل منا حسب حالته؛وإذا لم نعتقد ذلك، فلن يكون لدينا أي سبب أن نصدق ما يقوله الناس عن حياتهم العقلية mental lifeلأنهم سيكونون مُسببين لينطقوا الالفاظ التي يريدون، ليس فقط عند حصول الالم، ولكن فقط من بعض حالات الدماغ التي لا نملك أي سبب لربطها بالالم. فالعالم الواقع ليس مُغلقاً، ومن ناحية أخرى، وفقاً لما أعتقد فيكون الرأي الغالب بين علماء الفيزياء، أن نظرية الكم قد أظهرت على المستوى الدقيق [الذري] أن العالم المادي ليس محدداً deterministic على الإطلاق.

بينما يجوز الحتمية على المقياس الصغير[الذري] بطريقة عادية تتساوى على النطاق الكبير (إذا كل ذرة لديها فرصة 50٪ من الاضمحلال في فترة معينة، فإن ما يقرب من نصف كتلة متوسطة الحجم من تلك الذرات سوف تضمحل خلال تلك الفترة)

فمن السهل جداً بناء نظام على نطاق دقيق له تغييرات لاحتمية تقدم تأثيراً للنطاق الاكبر، يشبه العقل نظام أشبه بذلك النوع الذي فيه التغييرات الضئيلة تضخمت بشكل كبير.

في هذه الحالة أن أي حدث للعالم العقلي على الدماغ سوف لا يعطل عملية القوانين الفيزيائية الطبيعية التي هي قوانين نظرية الكم. لذلك استنتجت، أنه حتى ولو كان هذا الموضوع ليس مؤكداً، فإن من المعقول أن نفترض غياب الأدلة العكسية أن لدينا إرادة حرة تحررية وأن ممارستنا لها يؤثر على ما نقوم به في العالم العلني.

ولكن إذا كنت مخطئا وليس لدينا إرادة حرة تحررية فعالة، ستكون بعض من حججي اللاحقة لن تكون مقنعة[14] نظراً إلى أننا لدينا إرادة حرة تحررية، فمن المؤكد أنها إرادة حرة مسئولة-كما أوضحت أن أعمالنا لها تأثير كبير على أنفسنا وعلى بعضنا البعض وبالتالي لدينا مسئولية خطيرة لأنفسنا وبعضنا البعض.

 

إذاً بالنظر إلى وجود خيرات وشرور في الحالة (1) وفي الحالة (2)، فماذا عن الحالة (3) ؟

هل يملك الله الحق ليُسبب أو ليسمح للشر أن يحدث للبشر من أجل خير أعظم؟ المشكلة قد تبدو أكثر حدة من ذلك في كثير من الحالات. بما في ذلك ما تم ذكره أعلاه، صلاح لفرد واحد حدث عن طريق الشر يعاني منه أفراد آخرين. هل يملك الله الحق أن يجعلك تُعاني من أجل منفعتي؟

أن تسمح لشخص أن يعاني من أجل منفعته الشخصية أو من أجل منفعة شخص آخر، على المرء أن يكون بعلاقة أبوية تجاهه. أنا ليس لدي الحق في السماح لشخص غريب، (شخص اسمه جو بلوجز) Joe Bloggs، أن يُعاني من أجل منفعته أو من أجل منفعة(بيل سنوجز) Bill Snoggs، ولكني أملك بعض الحق بذلك فيما يتعلق تجاه أولادي. قد اسمح لابني أن يُعاني بعض الشيء من أجل مصلحته، أو من أجل مصلحة أخاه الأكبر – فقد أُوكل الأخ الأصغر لرعاية مؤقتة للأخ الأكبر، مع احتمالية أن الأخ الأكبر قد يؤذي الأخ الأصغر.

أو قد أُرسل ابنتي إلى مدرسة الحي التي قد لا تستمتع بها كثيراً، ولكن هذا سيعود بالنفع على الآخرين من الحي. أنا أملك مثل هذا الحق فيما يتعلق بأولادي، والسبب هو أنني –ولو بجزء بسيط- مسئول عن حياة أولادي وعن أشياء أخرى. إنه بسبب أن الأب (وليس بالضرورة الأب البيولوجي ولكن أيضاً قد يكون الأب المُربي) هو مصدر الكثير من الخير للابن الذي من حقه أن يأخذ شيء منه (أو ما يعادله) إن كان ضرورياً. (على سبيل المثال، وجود جوانب سيئة في الحياة بشكل من الأشكال) لو استطاع الابن أن يتفهم، سيفهم أن الأب يُعطي حياة، غذاء وتعليم، بعض الهدايا المقدور عليها.

إن كان هذا صحيح، إذاً من باب أولى، فالله الذي هو، بحكم الفرضية، مصدر أكبر بكثير لوجودنا من آباءنا، لديه الكثير من الحقوق في هذا الصدد. لأننا نعتمد عليه كلياً من لحظة لأخرى، وقدرة الآباء والأمهات وغيرهم لإفادتنا تعتمد عليه. لكن يجب أن تبقى قضية أن حقوق الله مقتصرة أو محدودة بحالة أنه، ومع مرور الوقت، لا يجب أن يأخذ أكثر مما يعطي. لا بد له أن يكون مُحسن بشكل متوازن.

لكن هناك نظرة في الكثير من الأحيان إلى أن الشر أكثر من الخير في الحياة، والتي تجعلنا نقول أنه كان من الأفضل لهذا الشخص لو لم يكن على قيد الحياة أساساً. أنا أحث بكل الأحوال على أن هذا تقييم خاطئ لحياة أشخاص كثر. لأنه لا يأخذ بعين الاعتبار الخيرات التي لحد الآن لم أذكرها – خيرات أن تكون مفيد للآخرين. أنه لأمر جيد وهائل لأي شخص أن يكون مُفيد للآخرين- سواء من خلال ما يقومون به بإرادة حُرة، أو بشكل إلزامي أو عن طريق ما يحدث لهم، بما في ذلك الأشياء التي يعانون منها.

من الواضح أن مساعدة شخص بإرادة حرة هو عمل خيّر وعظيم للمُساعد. نحن عادةً نُساعد السجناء، ليس من خلال منحهم أماكن مُريحة أكثر، ولكن من خلال السماح لهم بمُساعدة المعاقين؛ والشفقة بدلاً من الحسد “الفتاة المسكينة الصغيرة الغنيّة” التي تملك كل شيء ولا تُساعد أي أحد. وظاهرة واحدة سائدة في أوروبا الغربية المعاصرة في السنوات الأخيرة توجه انتباهنا إلى هذا الخير- شر البطالة.

بسبب أنظمتنا للضمان الاجتماعي، فإن العاطلين عن العمل بشكل عام، لديهم المال الكافي للعيش من دون الانزعاج كثيراً. بالتأكيد هم أفضل حالاً من الكثير من العمال في أفريقيا أو آسيا أو بريطانيا بالقرن التاسع عشر.

إن الشر الموجود في بطالة أوروبا الغربية المعاصرة لا يُشكل أي نوع من أنواع الفقر لهم وإنما عدم الجدوى والاستفادة من وجودهم. فهم غالباً ما يُخبرون عن شعورهم بعدم القيمة والفائدة من المجتمع، ” كومة من الخردة” إنهم بحق يعتقدون أنه سيكون أفضل لهم للمساهمة، ولكن لا يستطيعون.

إنه ليس فقط الأعمال الإرادية مُختارة بحُرية، وإنما أيضاً الأعمال التي تؤدى بشكل إلزامي. والتي لها عواقب جيدة للآخرين وتشكل أيضاً خيراً بالنسبة لأولئك الذين يؤدونها. لو كان العاطلون عن العمل مُجبرين لعمل بعض الأشياء المفيدة، سيكونون بالتأكيد محقين باعتبار هذا الشيء جيد بالنسبة لهم بالمقارنة بالشعور بعدم الفائدة منهم. وليس فقط الأعمال الإرادية وإنما الخبرة التي خضعوا لها مُجبرين. (أو تقليص التجارب الجيدة الغير طوعية، كإعدامها) التي لها عواقب جيدة والتي تشكل أمراً جيد لمن يملكها. (حتى لو أن خيراً أقل من ذاك الذي تم بإرادة حُرة مشكلاً هذه النتائج).

ضع بعين الاعتبار المجند الذي قُتل بنهاية حرب ناجحة مدافعاً عن بلاده ضد المعتدي المستبد. تقريباً جميع الشعوب، بصرف النظر عن أولئك من العالم الغربي من عصرنا، اعتبروا أنه أمر عظيم أن يموت الشخص من أجل بلده. حتى ولو كان الشخص مجنداً بشكل إلزامي. ضع بعين الاعتبار أيضاً شخصاً جُرح أو قُتل بحادث، وأن هذا الحادث قد أدى لإجراء بعض الإصلاحات لمنع وقوع حوادث مماثلة له في المستقبل (مثلاً، شخص قُتل بحادث تحطم للسكك الحديدية، نتج عنه تركيب نظام جديد للسكك الحديدية والذي من شأنه أن يمنع حوادث مماثلة في المستقبل).

 

الضحية وأقربائه غالباً ما يُعلقون على مثل هذه الحالات على أنه بنهاية المطاف لم يُعاني أو يمت هدراً. على الرغم من أنهم عادةً لا يزالون يعتبرون أن المعاناة أو الموت نتيجة لتوازن الشر، فإنهم قد يعتبروا هذا مصيبة أكبر للضحية. (بصرف النظر تماماً عن عواقبه بالنسبة للآخرين). إن كانت معاناته أو موته لم تخدم غرض مفيد. إنه أمر جيد بالنسبة لنا لو أن خبراتنا لا تضع سداً وإنما أن تستخدم لفائدة الآخرين، إن كانت وسائل صالحة، فإنها لن تأتي للآخرين من دونهم.

قد يعترض أحدهم ويقول أن مصلحة الشخص لا تكمن (مثلا) بموته بتصادم سكك حديدية والذي من شأنه تحديث وتطوير معايير السلامة لاحقاً، ولكن الموت في حادث تحطم السكك الحديدية عندما تعلم أن معايير تحسين السلامة ستنتج؛ وبشكل عام، أن الخير هو التجربة (الشعور بالخير) التي تم استخدامها. ولكن هذا لا يمكن أن يكون صحيحاً، أن يكون شخصاً ما سعيداً عندما يعلم أن معاناة شخص (أو أياً كان) كان لها تأثير جيد. وهي ليست أنه لم يتعلمها بل ولكن أنه بالحقيقة لها تأثير جيد.

 

“. لو لم يفكر احد كذلك- سواء أكان احدٌ يعلم عنها أم لا- انه من الجيد أن المعاناة يكون لها بعض التأثير، فهناك من لا يكون مسرورًا بها عندما يتعلم أنها كذلك. للقيام بتشبيه- بسبب أني اعلم انه من الجيد أن تجتاز من امتحاناتك حتى لو لم اعلم عنها. ولكن سأكون مسرورًا عند معرفتي بها.

وهكذا عموما، انه حسن أيضاً ان يعتقد الفرد ان معاناة شخص لها تأثير جيد، ولكن هذا لان لها تأثير جيد في ذاتها. وان كان هناك شيء جيد عندما يعرفها شخص ليس لها فقط استفادات اخرى بطريقة ما ولكن بمعاناة الشخص نفسه هو الذي يكون سببا في هذا التأثير، وبعد ذلك يكون هذا جيداً حتى لو لم يعلم عنها شيء.

 

ويتبع من ذلك من ان تكون مستخدماً يكون هذا خير عظيم فحين يسمح الله بشيء سيء يحدث ل “ب” ( مثلا جعل “ب” في معاناة) من اجل أن يقدم شيء جيد إلى “أ” ( مثلا حرية الاختيار في كيف تتعامل مع هذه المعاناة) فان “ب” يستفيد أيضاً – فحياته لا يضيعها بل هو مستخدم أيضاً ( سواء من خلال تحمله شيء سيء او استعداده لعمل ما). هو في استخدام ل “أ” وأيضاً مستخدم في يد الله، يقوم بدور مهم في إرادة الله لـ “أ”.

و كونك مستخدم في الفداء لخليقته لهو خير عظيم. الجوع، والاضطهاد، وسوء المعاملة مفيد بالنسبة للأغنياء الذين يظهرون من على عتبة أبوابهم[الفقراء] لأنه – بالنسبه لهم- الغناء غير مستعمل وغير مفيد. انهم محرك يمكن بواسطته أن ينقذوا الأغنياء من الانغماس في الملذات وتعلم السخاء في العطاء. وبذلك يكونوا أداه استعمال في يد الله.

عندما يأخذ الفرد في الاعتبار أن الذين يمتلكون هذه الحالات من الامور الشريرة التي تحمل الشيء الجيد للآخرين ( وبالطبع أحيانا لأنفسهم) وسيحصلون علي فوائد عديدة، أصبح منطقياً أن تفرض أن الله لديه الحق في أن يسبب الشر. حيث أنه مهما كنت توزن الواحد ضد الاخر فالشر يحمل الجيد في ان تكون مستعمل. ، والذي يساهم في ان يجعل حياة الضحية بشكل متوازن هو جيد.

نفسه الذي يجعل ان الله له القدرة في وجود بعض الشر. ولكن يجب ان أضيف لو ان هناك اي حياة علي الارض في توازن سيء فإن الله قادر ان يعوض عن هذا السوء في الآخرة وبذلك يكون مجموع حياة الفرد في توازن جيد. هو في قدرته علي كل شيء يمكن ان يفعل هذا.

وهذا جيد لنا، ليس فقط لو اخترنا بحريتنا ان نخدم الآخرين او نخدم الله، ولكن نحن في لفائدة الآخرين او الله عندما نعاني هي الفكره الرئيسيه في العهد الجديد. في مواضع كثيرة تعلمنا ان الذين يعانون من اجل اختيارهم اسم المسيح لهم حظ في ان ينالوا دور بارز عند استعلان الإنجيل. الرسل اضطهدوا من اجل تبشيرهم بالانجيل وابتهجوا بأنهم حُسبوا أهلاً لأن يعانوا من أجل اسمه [15]

 قائلا انه لايحسب الاضطهاد من اجل اسم المسيح شيئا امام المجد المعد لنا. معلمنا بولس الرسول كتب الي كولوسي انه “تهلل” في الاضطهاد الذي عاناه من اجلهم. [16]

اخيرا وصلت الى الشرط المقارن الرابع. من الممكن لاحد ان يوافقني ان الذي يريد هذا القدر الكبير من الشرور المتنوعة من اجل إتاحة الفرصه لأشياء جيدة. وربما يشعر بان هناك اكثر من اللازم من الشرور في العالم لتجعل الخير ممكنا. ليس هناك خير تم من خلال هوريشيما، تجارة العبيد، زلزال لشبونة، او الموت الاسود[17]، يزعم المعترض.

وفي هذا الاعتراض انه لو كان هناك اله، فهو قد قام بأكثر من اللازم، اشعر بتعاطف أولي مُعتبر. وعندما أقوم الان بتبرير سبب قيام الله بكل هذا، اتمني منك ان لا تعتبرني قاسياً. انه لشيء فظيع، وعندما تحدث لأفراد يجب ان نشجب. ولكن في أوقات الهدوء ( واتمني ان هذه الان واحده منهم ) يحب ان نحلل كل المواضيع العقليه بمحايدة تامة علي قدر ما نستطيع، ونأخذ بجدية، الخير الذي جعله الشر ممكنا.

ما الذي جعل هذه الشرور ضخمة الا “عدد” الأفراد المتضررين !. ولكن لو كل مصاب من ألوف من المتضررين تكون شروطي الاربعة مكتفية بذلك. ويكون الألف المتضررين، بحيث تكون الشروط، أيضاً مُقنعة.

بحيث أن مصاب مقعد في زلزال ليشبونه يتيح له ان يظهر شجاعة، واقربائه الذين لديهم الفرصه للتعاطف ومساعدته والآلاف من الأفراد المقعدين قدموا له أيضاً مساعده. فكل أضافه صغيرة للمصابين يتيح الفرصه للذي يمكنه القيام باختيارات جيده. وكل نقص في المصابين ينقص من عدد الذين يمكنهم القيام باختيارات جيده. ربما هناك نوع جديد من الشر( غير المعاناة) له اثر لو كل الجماعه شعرت بالمعاناة وليس فقط الأعضاء.

لو هذا هو الحال – مثلا، ان جماعه بكل تقاليدها تتوقف عن الوجود فإن هذا شر اضافي على معاناة الافراد- احيانا يكون الحال ان كمية كبيرة من الشر تعطي فرص اضافيه من اجل استجابات جيدة ( بخلاف الفرص المتاحه للأفراد الذين يعانون) كحملات عالميه لمساعدة الضحايا ( كما حدث في تاسونامي اسيا)، كذلك حملات تمنع الرعب من ان يحدث مره اخري( كالرعب بسبب إعصار كاترين في نيو اورلاند كان سبب في حملات من اجل العديد من التحسينات لمواجهة الفيضانات). “

 

أحيانأتكون المشكلةمع بالغ الشرور هي ليست عدد الذين يعانون ولكن هي درجة المعاناة. فإذ كان هناك إله، أفلا تكون المعاناة التي يأمر بها أو يسمح للآخرين بفرضها بعض الأحيان قاسية جداً من أجل العمل الصالح؟، لكن لا يهم كثيراً إذا حدث الشر الاقل فسوف لايهم كثيراُ إذا تم تجاهلها.

من خلال الشرور التي تحدث، يجبر الله الناس التي سمحت لأنفسها عيش حياة سهلة، (ولذا يصبح عدم الإحساس بكثير من المطالب الأدبية العادية) الخيارات الصعبة الوحيدة (تعطى السبات[18] الأدبي)وحدها التي ستسمح لهم بالبدء لكي يصبحوا شعباً مقدساً بدلا من السعى إلى أنانية غير الإنسانية، لذلك يرى كثير من الناس العاديين الأنانيين شرور التعذيب الخطيرة والأمراض المؤلمة للغاية التي تجعلهم ينتقلون إلى إختيار هذا التغير الحياتى ( حيث أن عدم وجود الشرور العادية لا تجعله ينتقلون هكذا) وأخيراً بتلك الخيارات يصبحون قديسيين.

ما يقول به المعترض هو، انه ينبغي وجود الأمراض، لكن ليست التى تشوه أو تقتل والحوادث التي تعوق الناس لمدة سنة أو أثنين وليس لمدى الحياة، ينبغيأننتمكن من أن نصيب بعضنا بالألم أولانساعدبعضناالبعضلننال المعرفةبدون تدمير شخصيتنا أو بعضنا البعض. وينبغي أن يقتصر تأثيرها على الذين نتواصل معهم، كما ينبغي عدم إمكانية تأثيرها على الأجيال البعيدة الصالحة أو الطالحة. وينبغي أن تكون معظم معتقداتنا عن كيفية حدوث تأثيرات صالحة أو شريرة، هى تلك المعتقدات التى ولدنا بها.

قد يكون هذا العالم لعبة عالمية عالم يؤثر على الأشياء لكن ليس تأثيراُ شديداً، بينما نستطيع أن نختار، ويمكن أن يحدث اختيارنا تأثيراًضئيلاًولكنتبقىالخياراتالحقيقيةلله. ويسأل المعترضين الله: انه ينبغي ان لا يشاء الله ان يكون طيب القلب ويجعلنا نثق بعالمه ولا يعطينا الفرص العارضة لإظهار أنفسنا في أفضل بطولة.

 

قال المعارضين إنه من المؤكد أن هناك حد للمعاناة التى تجعل من الممكن أن يبررها الله بهدف العمل الصالح. نعم يوجد هذا الحد بطبيعة الحال، ويوجد أيضاً حد للكم الفعلى من المعاناة التي يعانيها أى انسان (ماعدا التي يختارها بنفسه). يوجد حدً للوقت-هذه الأيام، وهو ما يقرب من ثمانون عاماً. ويوجد بوضوح أيضاً حد للشدة. فما يجب ان يزعم إليه المعترض هو شدة إتساع الحد الفعلي- إذا فهناك اله يطلب الكثير منا.

ومع ذلك عندما يبدأ أحد أخذ في الاعتبارالفوائدالعظيمة، التي ناقشتها سابقاً أن ألم المتألم ميزة لإعطاء الآخرين فرصة مساعدته وميزة أيضاً لنفسه ليكون لديه الإختيار الحر بكيفية التعامل مع معاناته وبدء تكوين الشخصية المقدسة. ثم بدأت أن أؤمنبالصحة البالغةفى إدعاء أن الإمتيازات المتوقعة من الله تسمح بأن الكمية ودرجة حدوث الألم الذي حدث بالفعل يفوق شر المعاناة.

 

اسمحوا لي بمساعدتكم على رؤية هذا الفكر من خلال تجربة صغيرة قد تكون مألوفة لدى أحد منكم ممن قرأها في أي من كتاباتي الأخرى. أولاً لنفترض أنك موجود فى عالم آخر، قبل ولادتك في هذا العالم ولديك الخيار لأن تختار الحياة هنا، وقالوا لك انك ستكون حياتك قصيرة وربما تكون لدقائق بالرغم من انها ستكون حياة بالغين بمعنى أن سيكون لديك صفات البالغين في ثراء المشاعر والإعتقاد.

لكن لديك أن تختار نوع الحياة التى ترغب العيش بها، يمكنك اختيار إما الحياة لبضع دقائق سعيدة جداً، من نوع إنتاج بعض المخدرات مثل الهيروين، التي تكابدها بنفسك ولا تؤثر إطلاقاً على من في العالم ( على سبيل المثال لن يعلم بها أحد غيرك) أو أن تختار حياة شديدة الألم مثل ألم الولادة (لا تعلمه في وقت الألم) التي سيكون لها بعد هذا آثار كبيرة جيدة على الآخرين على مدى عدة سنوات بعد الولادة.

قيل لك أنه إذ لم تختار الاختيار الثاني هؤلاء الآخرين لن يعيشوا ولذلك أنت لست تحت الإلتزام الأخلاقي لتختار الاختيار الثاني. ( الالتزامات الأخلاقية هو التزامات بآخر ويمكنك فقط أن تحصل على التزامات أخلاقية لهؤلاء الذين يعيشون بعض الأحيان فى الماضى والحاضر أو المستقبل. ) ولكنك تسعى لجعل الاختيار هو الأمر الذي سيجعل حياتك الخاصة تقودك إلى حياة أفضل. فكيف سوف تختار؟ صراحةً الاختيار الذي أتمنى أن تختاره ويجب عليك اختياره هو البديل الثاني.

 

طبعاًقد يغضب الله السماح بمعاناة لانهائية ان تعطي تلك الفرص اللانهائية لخدمة مؤلمة، لكن الله لا يمنح أي منا ( إلا ما إختارناه بأنفسنا) معاناة لانهائية. فيسمح الله بالمعاناة غالباً لفترة قصيرة من حياتنا الأرضية لكي ما نستطيع مساعدة بعضنا البعض في هذه الحياة ونشكل أنفسنا بطرق عظيمة جدا، وقد نكون أكثر فقرا بدون هذه الفرص.

 

[1]تمت الترجمة بإذن من الكاتب
معظم هذه الورقة هي نفس المحاضرة التي قُدمت في مونستر في عام 2007، وتم نشرها في مجلد من الاوراق الأخرى التي تناقش كتابتي الفلسفية الأخرى (ed. ) N. Mössner and others، Richard Swinburne : Christian Philosophy in the Modern World، Ontos Verlag، 2008، وهذه الورقة تُلخّص النقاط الرئيسية من كتابي العناية الإلهية ومشكلة الشّر Providence and the Problem of Evil ، وفي هذا الكتاب أناقش عدة أنواع من الشّر (بالنسبة للحيوانات كما للانسان) ونقاط إضافية غير مذكورة في هذه الورقة

[2]نظرة ريتشارد سوينبيرن لقضية الله كليّ المعرفة تقول أن معرفة الله لا تتضمن معرفة الافعال الحرة للاشخاص في المستقبل ويقف معه في نفس الصف فلاسفة اخرين، ولكن هناك مجموعة أخرى من الفلاسفة تقول بإمكانية معرفة الافعال الحرة للاشخاص في المستقبل ومنهم الفيلسوف المشهور وليام كريج (المترجم)

[3]كما يقتبسها القديس بولس، راجع أعمال 2035

[4]راجع مرقس 10 42-45

[5]Nichomachaean Ethics 1103b.

[6]Genesis 1:26.

[7]On the Making of Man، 16. 11.

[8]St John of Damascus، ‘On the Virtues and Vices’، in G. E. H. Palmer، P. Sherrard، and K. Ware (ed. and trans. )، Philokalia، ii (Faber & Faber، 1981)، 341.

[9]St Gregory Palamas، ‘Topics of Natural and Theological Science’، in G. E. H. Palmer، P. Sherrard، and K. Ware (ed. and trans. )، Philokalia، iv (Faber and Faber، 1995)، 382.

[10]Ibid. 374.

[11]Ibid. 356.

[12]Extract from St Peter’s writings in Philokalia op. cit. iii، p. 174. See also St John of Damascus، On The Orthodox Faith، 2:29، on the diverse good states which bad states make possible.

[13]On the Orthodox Faith 2:12.

[14]لرؤية الحجة الكاملة لوجهة النظر القائلة بأن لدينا إرادة حرة تحررية انظر كتابي، Mind، Brain and Free Will، Oxford Univeristy Press، 2013، especially chs 4، 5، 7 and 8.

[15] Acts 5:41

[16] Colossians 1:24

[17] الموت الاسود هو طاعون انتشر في العصور الوسطى نتيجة تفشي الاصابة ببكتيريا Yersinia pestis
http://en. wikipedia. org/wiki/Black_Death (المترجم)

[18] بمعنى الجمود او النوم (المترجم)

مشكلة الشر – ريتشارد سوينبيرن The Problem Of Evil” [1] Ricahrd Swinburne

Exit mobile version