كتاب الطبيعة البشرية وعمل النعمة PDF – القديس اغسطينوس

كتاب الطبيعة البشرية وعمل النعمة PDF – القديس اغسطينوس

كتاب الطبيعة البشرية وعمل النعمة PDF – القديس اغسطينوس

كتاب الطبيعة البشرية وعمل النعمة PDF – القديس اغسطينوس

تحميل الكتاب PDF

كتاب طور شخصيتك بالنعمة والحق – الأنبا يوسف PDF

كتاب طور شخصيتك بالنعمة والحق – الأنبا يوسف PDF

كتاب طور شخصيتك بالنعمة والحق – الأنبا يوسف PDF

كتاب طور شخصيتك بالنعمة والحق – الأنبا يوسف PDF

 

تحميل الكتاب PDF

تحميل جميع كتب الأنبا يوسف PDF

تحميل كتب مشورة مسيحية PDF (علم المشورة المسيحي)

النعمة الإلهية في رسائل القديس أثناسيوس إلى الأسقف سرابيون

النعمة الإلهية في رسائل القديس أثناسيوس إلى الأسقف سرابيون

النعمة الإلهية في رسائل القديس أثناسيوس إلى الأسقف سرابيون

النعمة الإلهية في الرسالة الأولى د. وهيب قزمان بولس

 

هناك ست عشرة إشارة صريحة للفظة نعمة في الرسالة الأولى إلى سرابيون[1]، هذا بخلاف الاشارتين اللتين تستخدمان هذه اللفظة بمعنى “لأجل”[2]، أما عن بقية الاشارات الخاصة بالنعمة، فهى ذات مضمون لاهوتى واضح، ونجدها تتخلل الرسالة إلى سرابيون[3] والتي يحاجج القديس أثناسيوس فيها ضد هرطقة التروبيكيين (المحرفون) الجديدة. أولئك “التروبيكييون يقاومون الروح القدس، زاعمين أنه ليس مجرد مخلوق، بل هو واحد من الأرواح الخادمة، ويختلف عن الملائكة في الرتبة فقط[4].

 

وستقوم دراستنا لهذه الكلمات الخاصة “بالنعمة” على أساس تحليل نصوص الرسالة، طالما أن إشارات القديس أثناسيوس إلى رأى التروبيكيين حول كلمة “نعمة” هى إشارات غير مباشرة، خاصة وأنه يركز على إيضاح التعليم الأرثوذكسى الخاص بالروح القدس. فالتربيكييون لا يناقشون مفهوم النعمة الإلهية بشكل مباشر، بل يتناولونه ضمن مناقشتهم لألوهية الروح القدس، ومع ذلك فإن القديس أثناسيوس، والذي أوضح باستفاضة تعليم الكنيسة بخصوص الروح القدس في تفنيده للهرطقة الجديدة، لم يفصل الروح القدس عن عطية النعمة الإلهية.

 

1 ـ النعمة الإلهية وتفسير عاموس (13:4 س)

“أنا هو منشئ الرعد وخالق الريح (الروح) ومعلن للإنسان مسيحه “.

في الفصل الرابع[5] من الجزء الأول من رسالة القديس أثناسيوس إلى الأسقف سرابيون (فصول 3 إلى10) يرفض القديس أثناسيوس تفسير التروبيكيين لعاموس 13:4، حيث نجد أول إشارة صريحة إلى النعمة الإلهية ، وهى مشتقة من أمثلة العهد الجديد التي يسوقها قديسنا ليوضح التنوع الكبير في معانى كلمة ” روح  ” المستخدمة في الكتاب المقدس، وتفسيرها الأرثوذكسي السليم.

 

ويميز القديس أثناسيوس بين كلمة “روح” المسبوقة بأداة التعريف (الـ ) أى الروح، وكلمة “روح”المستخدمة مع الإضافات الأخرى والتي تعنى الروح القدس وتميزه، وبين كلمة روح مجردة وبدون هذه الإضافات مؤكداً أن كلمة “روح” هذه مجردة لايمكن أن تشير إلى الروح القدس[6]. ويذكر القديس أثناسيوس على سبيل المثال الإضافات المختلفة للكلمة “روح”، مثل: “روح الله”،”روح الآب”،”روح المسيح”،”روح الابن”. ويورد القديس أثناسيوس كل هذه النصوص الكتابية ليثبت أن الروح القدس ليس مخلوقاً، بل هو الله الخالق.

 

عمل الروح القدس فينا

وبدراستنا المتعمقة لهذه الرسالة، يظهر أن اللاهوتى الأسكندرى حينما أراد إثبات لاهوت الروح القدس فإنه تعمق في لاهوت العهد الجديد المؤسس على عمل الروح القدس، ولم يقف عند مجرد البرهان اللفظى السابق أن الروح القدس هو الذي كان يعنيه الكتاب المقدس عند ذكر كلمة روح معرفة أو مع الإضافات الأخرى، بل أنه يوضح وبشكل قاطع وغير مسبوق، أن عمل الروح القدس في خلق الإنسان وخلاصه وتقديسه، هو الذي يؤكد على ألوهية الروح القدس، وعلى حقيقة أن الروح هو معطى النعمة الإلهية  وواهبها، وأن هذه النعمة الإلهية لا يمكن إدراكها بمعزل عن الروح القدس. وهو ما يكشف عن أن الروح القدس (المعزى) واحد فى الجوهر مع الله.

 

لا تطفئوا نعمة الروح القدس

يردد القديس أثناسيوس نصيحة بولس الرسول إلى أهل تسالونيكى الذين نالوا المعمودية والذين كانوا قد قبلوا الروح القدس فعلاً، ويحث المؤمنين ألا يبطلوا عمل الروح القدس فيهم بإطفائه، ويلقى البابا أثناسيوس بعض الضوء على هذه النصيحة، شارحاً كلمات بولس الرسول السابق الإشارة إليها: [فأى روح أخذه هؤلاء المعمدون، غير الروح القدس الذي يعطى للذين يؤمنون ويولدون ثانية بغسل (حميم) الميلاد الثانى؟! ويكتب القديس بولس للتسالونيكيين قائلاً:”لا تطفئوا الروح” (1 تس 19:5) وهو يقول هذا، لهؤلاء الذين قد عرفوا ذلك الروح الذي أخذوه، حتى لا يطفئوا بإهمالهم “نعمة الروح القدس” المشتعل فيهم][7].

ويبدو أن اشتعال المؤمنين بالروح القدس، الذي ذكره القديس بولس فى (1تس 19:5)، هو ما يفسره القديس أثناسيوس بسكنى نعمة الروح القدس فيهم، وبعبارة أخرى يفهم سكنى الروح في المؤمنين بأنها عمل نعمة الروح القدس فيهم، رغم أن القديس بولس لم يذكر كلمة نعمة في نص الآية(1تس 12:5) ونعمة الروح القدس هذه قد اشتعلت مثل نار داخل المعمدين الذين قبلوا الروح القدس بإرادتهم “بواسطة غسل (حميم)الميلاد الثانى”[8].

لكن قد تتزوى نعمة الروح القدس أو تنطفئ، حين يتبدل موقف المسيحيين نحو النعمة الإلهية تبدلاً سلبياً نتيجة أعمالهم الشريرة، الأمر الذي يوضح مدى مسئولية المعمدين في جعل عمل الروح القدس مستمراً فيهم، مستنيرين بنعمته، وذلك بالامتناع عن أى شكل من أشكال الشر[9].وبعبارة أخرى، فإن نعمة الروح القدس هذه يمكن حفظها متوقدة في المسيحيين طالما اهتموا بإعطاء الروح فرصة للعمل فيهم، دون أن يعوقوه بأعمالهم الخاطئة.

ونلاحظ أنه رغم أن الله يمنح روحه القدوس مجاناً في المعمودية، فإن هؤلاء المعمدين قد يتسببون في إطفاء نعمة الروح بسوء مسلكهم بعد المعمودية. إن النصوص عن الروح القدس في العهد القديم، والتي يذكرها القديس أثناسيوس في (سرابيون 5:1) تدور كلها حول هؤلاء الذين قبلوا الروح القدس، ثم تمردوا عليه إلى حد معاداة الرب[10]. وقد ساعدت هذه النصوص في تمهيد السبيل أمام القديس أثناسيوس للتعامل مع معمودية الرب، وحلول الروح القدس عليه، في بداية (سرابيون6:1).

فإن كان الروح القدس مرتبطاً أساساً بالنعمة التي تعطى للمسيحيين عند معموديتهم، كما رأينا في (1تس19:5)، فإن علاقة الروح القدس بالمسيح أو حلوله على المسيح وسكناه فيه، تكون ذات أهمية قصوى بالنسبة لتعليم النعمة. لذا نقدم دراستنا لنصوص القديس أثناسيوس الوطيدة الصلة بالموضوع.

 

الروح القدس والمسيح والمسيحيون

فى (سرابيون 6:1) يجمع القديس أثناسيوس الآيات عن الروح القدس من العهد الجديد[11]، والتي تكشف عن العلاقة بين الروح القدس والمسيح، ومن خلالها تتضح العلاقة بين الروح القدس والمسيحيين، الأمر الذي يتحقق في المعمودية، ويمتد فيما بعد عبر حياتهم كلها:

[عندما أعتمد الرب كانسان، بسبب الجسد الذي لبسه قيل إن الروح القدس نزل عليه (يو32:1)، وعندما أعطى الرب الروح القدس للتلاميذ قال لهم “اقبلوا الروح القدس” (يو22:20)، وعلمهم قائلا “وأما المعزى الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمى، فهو يعلمكم كل شئ” (يو26:14)، وبعد قليل قال لهم “ومتى جاء المعزى الذي أرسله أنا إليكم من الآب، وروح الحق الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لى” (يو 26:15).

كما قال لهم “لأن لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم” (مت 20:10). وبعد قليل قال أيضاً “لكن إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين، فقد أقبل عليكم ملكوت الله” (لو 20:11). ولكى يكمل الروح القدس كل معرفتنا عن الله(أى كل التعليم عن الله) ويتمم كمالنا، الذي به وحدنا مع شخصه ومن خلاله مع الآب أوصى الرب تلاميذه “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت 19:28)، وإذ وعدهم بأنه سوف يرسله إليهم “أوصاهم أن لا يبرحوا أورشليم” (أع 4:1).

وبعد أيام قليلة “لما حضر يوم الخمسين، كان الجميع معاً بنفس واحدة، وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصف، ملأ كل البيت حيث كانوا جالسين، وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت على كل واحد منهم وامتلأ الجميع من الروح القدس، وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى. كما أعطاهم الروح القدس أن ينطقوا (أع 1:2 ـ 4)، ومن ذلك الوقت فصاعداً، كان الروح القدس يعطى للذين ولدوا ثانية بوضع أيدى الرسل][12].

لقد كان القديس أثناسيوس واضحاً وصريحاً في قوله: إن الروح القدس نزل أولاً على الرب في المعمودية بسبب الجسد الذي كان يلبسه. أى أن الروح القدس لم يحل على الرب باعتباره إبن الله الأقنوم الثانى، كما زعم الآريوسيون. بل إنه حل على الرب كالابن المتجسد، أى ابن الإنسان ويتضح الأمر أكثر، حينما نرى أن الرب يعطى الروح القدس لتلاميذه على الفور.

 

الروح القدس عطية شركتنا في الله

ويعطى الروح القدس للتلاميذ وللكنيسة كأعظم نعمة تهبهم عطية الشركة في الله، وهو ما يتضح من النقاط التالية:

أولاً: إن الروح القدس (المعزى) الباراقيط، روح الحق، يعطى مجاناً. كنعمة من الله منبثقاً من الآب ومرسلاً بالابن.

ثانياً: يقبل المؤمنون الروح القدس مجاناً كنعمة شركة في الله، لأن الرب طلب من تلاميذه أن يقبلوا الروح القدس. ثم أوصاهم أن ينتظروا في أورشليم حتى مجئ الباراقليط وقد قبله التلاميذ فعلاً وامتلأوا به، وبالإضافة إلى ذلك، وعدهم الرب أنه حين يأتى الباراقليط سوف يتكلم فيهم ويحامى عنهم وعن جميع المسيحيين، كما يدل عليه اسمه باللغة اليونانية كمحام وشفيع.

ثالثا: يعد الروح القدس المعطى للمسيحيين أعظم نعمة يمكن أن ينالوها كشركة في الله، بسبب الدور الذي يؤديه فيهم. وواضح من النص، أنه بواسطة الروح القدس يكتمل عماد المسيحيين وإتحادهم بالآب[13]. الأمر الذي أكده القديس أثناسيوس، إنه بمثابة غرسهم في الحياة الإلهية. التي توهب كنعمة في المعمودية[14]. وأكثر من ذلك، فعلى أساس هذه المعمودية والتكميل تنمو الكنيسة وتنتشر عبر العالم؛ لأن الرب أوصى تلاميذه أن يذهبوا إلى جميع الأمم، يتلمذون ويعمدون باسم الثالوث الأقدس بعد مجئ الروح المعزى (الباراقليط) يوم الخمسين.

رابعاً: بعد أن امتلأ جميع الرسل بالروح القدس، حينئذ فقط استطاعوا أن يرحلوا من أورشليم كارزين بالإنجيل لجميع الأمم. وقد أعطى الروح القدس كنعمة لأولئك الذين ولدوا ثانية بوضع أيدى الرسل[15].

 

نعمة الخلاص العجيب

وفى (سرابيون 6:1) يذكرنا القديس أثناسيوس بما قاله بطرس الرسول عن خلاص المسيحيين كنعمة موهوبة لهم من الله: كتب بطرس ” نائلين غاية إيمانكم خلاص النفوس، الخلاص الذي فتش وبحث عنه الأنبياء الذين تنبأوا عن النعمة الإلهية التي لأجلكم باحــثين أى وقت أو ما الوقت الذي يدل عليه روح المســـيح الذي فيهم، إذ سبق فشـــهد بالآلام التي للمســيح والأمجاد التي بعدها (1بط 9:1 ـ 11)[16].

ويشير الرسول بطرس إلى أن المسيحيين بفضل إيمانهم، يمكنهم أن يقتنوا فرح الخلاص الذي لا ينطق به ومجيد حقاً، والذى هو مجازاة الايمان وغايته. هذا الخلاص الذي بحث عنه الأنبياء في العهد القديم بحثاً دؤوباً باجتهاد واشتياق.  لهذا فإنهم بإلهام الروح القدس، قد كشفوا عن مجئ نعمة الخلاص وزمن كماله. وهى النعمة الإلهية التي تعطى لنا مجاناً بالمسيح، والتي كانت ثمرة حياته وآلامه التي قادت إلى المجد.

ونعمة الخلاص هذه التي تحتضن عمل المسيح كله، بل أنها هى المسيح ذاته الذي بذل نفسه عنا، ليخلصنا من الحكم الذي كان علينا وليهبنا معه كل شئ أيضاً. ويعكس الأنبياء الملهمون بروح المسيح، عظمة وأهمية هذه النعمة الإلهية التي كان أباؤنا في القديم يتوقعون إتمامها لخلاص المؤمنين باشتياق عجيب.

 

الكشف والبصيرة

ثم يستمر القديس أثناسيوس ليكشف عن ميزة نوال روح الله فينا كمسيحيين، ويوضح أن دور الروح القدس هو أن يعطينا البصيرة لنرى النعمة الإلهية المعطاة لنا من الله. ويذكرنا بقول القديس بولس (1كو 9:2 ـ 12): “كما هو مكتوب ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان، ما أعده الله للذين يحبونه، فأعلنه الله لنا نحن بروحه. لأن الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله. لأن مَن من الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه. هكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله. ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله، لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله” (1كو 9:2 ـ 12)[17].

ويشرح القديس أثناسيوس هنا أن المؤمنين يقبلون روح الله، لا روح العالم، حينما يرتبطون بالكنيسة، ويستمرون أعضاءً فيها. لأن الله قد أعطانا روحه الشخصى “ليكشف لنا” عن الأمور الفائقة والعطايا الموهوبة لنا فيه، وهذا في حد ذاته نعمة. وهو ما يمكننا أن نعى كل هذه العطايا العادية والفائقة، ومن ثم نستطيع أن نقدر عطايا الله وننتفع بها لنحقق الغاية التي يقصدها. وبعبارة أخرى، فقد وهبنا الله روحه، لتكون لنا بصيرة روحية لنميز الأمور المتخالفة، ونستخدم مواهبه وفق مشيئته، فلا نأخذ هذه المواهب عبثاً، بل ندرك بحق أبعاد هذه النعمة الإلهية التي نحن فيها مقيمون(رو 2:5).

كما أن القديس أثناسيوس يبرز عمل الروح القدس في الإعلان الإلهى، الذي هو عمل ثالوثى لجوهر الله الواحد. حيث يعلن لنا الروح القدس يسوع المسيح الكلمة حسب التعليم الأرثوذكسى الثابت، وكما يؤكد التقليد الكتابى والآبائى. موضحاً دور الروح القدس في إلهامه لجميع كتبة الأسفار المقدسين، وخاصة الأنبياء، الذين كان يعلن لهم عن كلمة الله؛ لكى يهيئ البشرية لقبول الإعلان الفائق الطبيعة لشخص الرب يسوع.

ذلك الإعلان المستمر في الكنيسة حتى بعد الصعود؛ حسب وعد الرب للرسل أن الروح القدس يعلمهم كل شئ ويذكرهم بكل ما قاله الرب لهم (يوحنا 26:14)، كما يعلمهم الروح أيضاً ما لم يقله الرب يسوع من أقوال، ما كانوا يحتملونها وقت حديثه معهم “إن لى أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكنكم لا تستطيعون أن تحتملوا الآن” (يو12:16). وهكذا بواسطة قوة الإعلان والكشف بالروح القدس، يمكننا أن نعرف الله الكلمة،وبه نعرف الآب.

فالروح القدس هو الذي يجعل الإنسان قادراً على قبول الإعلان عن الثالوث القدوس، إذ يعمل كصورة المسيح والمسحة والختم الخاص بالمسيح، فيختم الشخص المعمد ويمسحه ويعلمه كل شئ عن المسيح [18].

 

المرتدون في اليهودية والمسيحية

ثم يختتم القديس أثناسيوس مناقشته عن النعمة الإلهية في (سرابيون 6:1) بعرضه لحالة المرتدين الذين تركوا الايمان. ويذكرنا بالرسالة إلى العبرانيين، متحدثاً عن روح النعمة الإلهية في مضمون تحذيره للمسيحيين من العقاب الشديد الذي يستحقه أولئك الذين تعدوا على ناموس موسى في العهد القديم. وهو يقارن المسيحيين المرتدين بنظرائهم من اليهود الذين ارتدوا في زمن موسى، والذين عانوا من عقاب صارم.

ويحذر كاتب الرسالة إلى العبرانيين هؤلاء المسيحيين الذين يزدرون بإبن الله من عقاب أشد: “فكم عقاباً أشر تظنون أنه يحسب مستحقاً من داس ابن الله، وحسب دم العهد الذي قدس به دنساً، وازدرى بروح النعمة؟” (عب 29:10)[19] .

توصف حالة الشخص المرتد هنا بثلاثة أمور محددة: كفعل دوس على إبن الله، وكتدنيس لدم العهد الجديد، وكإهانة شخصية إرادية ضد روح النعمة الإلهية. ويوصف الروح القدس هنا بروح النعمة الإلهية؛ لأن الروح القدس هو الذي يكشف لنا عن النعمة الإلهية ويوصلها الينا. ويختص الروح بهذا الوصف حتى يمكن تمييزه بهذه الوظائف. هكذا فإن من يرفض ابن الله بأعماله وآرائه المضادة للإيمان، يعد كمن يهين روح الابن، الذي هو الموصل النهائى والأخير للنعمة.

بعبارة أخرى، فإن هذا الشخص قد سقط عن النعمة الإلهية بإرادته، ومن ثم يستحق عقاباً أشد من ذلك العقاب الذي كان يستحقه من رفض ناموس موسى، إذ يكشف مسلكه أنه قد تخلى عن إيمانه تماماً، رغم كل ما أخذه من “نعمة فوق نعمة” (يو16:1).

 

النعمة وتجديد الخليقة

وحسب (سرابيون 9:1)، فإن القديس أثناسيوس يوضح عمل النعمة الإلهية ليشمل تجديد الخليقة بأسرها وليس البشرية فقط، وهو يذكرنا بنبوة حزقيال (26:36، 27) التي تكشف عن تأثير الروح القدس فى أرواحنا:

[لأن هذا ما وعد الله به على لسان حزقيال قائلاً: “وأعطيكم قلباً جديداً وأجعل روحاً جديدة في داخلكم. وأنزع قلب الحجر من لحمكم وأعطيكم قلب لحم، وأجعل روحى في داخلكم” (حز 26:36،27). فمتى كمل هذا إلا عندما جاء الرب وجدد كل شئ بنعمته؟ كما يقول المرنم في المزمور الثالث بعد المئة “ترسل روحك فتخلق وتجدد وجه الأرض”. (مز 103 س:30)][20].

ومن هذا النص تتضح عدة نقاط:

أولا: أن النعمة الإلهية هى الأداة التي يجدد الرب المتجسد كل شئ، أى الخليقة كلها. وذلك لا يعنى أن المسيح يحقق ويتمم غنى “النعمة” المتنبأ بها فقط، بل إن النعمة الإلهية أيضاً لا يمكن فهمها بمعزل عن المسيح؛ لأنه هو الأقنوم الثانى الذي به كان كل شئ في الخلق، وهو الذي جاء ليجدد الخليقة في ملء الزمان.

ثانياً: إن تجديد كل الأشياء بالنعمة يشمل تجديد البشر كتحقيق لنبوة حزقيال، كما يعنى أن البشرية وكل الخليقة أيضاً يمكنها أن تقبل النعمة.

ثالثاً: يتضح أن الروح القدس يعطى لنا كنعمة، حيث تتجدد به أرواحنا المخلوقة. ويتفق ذلك تمام الاتفاق مع ما يقوله القديس أثناسيوس فى ذات الفصل عن الروح القدس إننا “نتجدد بروح الله”،وإن روحنا تتجدد في الروح القدس، إستنادا إلى نص المزمور 103 “ترسل روحك ‘فتخلَق وتجدد الأرض”.

ويوضح القديس أثناسيوس أكثر عمل الثالوث الأقدس فى نعمة التجديد هذه، بعبارته المشهورة، والتي صارت تقليداً ثابتاً عند باقى الآباء والتي تقول:”إن الآب يكمل ويجدد كل شئ بالكلمة في الروح القدس”[21].

 

نعمة الملكوت الذي لا يتزعزع

وفى (سرابيون 10:1)، يقتبس القديس أثناسيوس نص (العبرانيين 26:12 ـ 28) ليشرح أنه بتأسيس الملكوت الذي لا يتزعزع، ننال النعمة الإلهية التي بها نقدم خدمة مرضية لله:

[وأما في العهد القديم، فإن الناموس كان له “ظل الخيرات العتيدة” (عب 1:10). ولكن عندما جاء المسيح وأعلن للبشر قائلا: “أنا الذي أكلمك هو”  (يو 26:4)، عند ذلك كما قال بولس: “صوته زعزع الأرض حينئذ، وأما الآن فقد وعد قائلاً إنى مرة أيضاً أزلزل لا الأرض فقط بل السماء أيضا. فقوله “مرة” يدل على تغيير الأشياء المتزعزعة كمصنوعة، لكى تبقى تلك التي لاتتزعزع. لذلك ونحن قابلون ملكوتا لا يتزعزع، لنشكر الله مقدمين له خدمة مرضية بخشوع وتقوى” (عب 26:12 ـ 28).

 

وهذا الذي يقول عنه ملكوتا لا يتزعزع يراه داود ثابتا؛ ويرنم “الرب قد ملك، لبس الجلال. لبس الرب القدرة وتمنطق بها، أيضا ثبت المسكونة، لا تتزعزع” (مز1:29ـ2). وعلى ذلك فالنص الذي أورده النبى، يشير الى مجئ المخلص، الذي به نتجدد، وكذلك يظل ناموس الروح ثابتا][22].

 

وواضح من النص السابق أننا نلنا الملكوت الذي لا يتزعزع كنعمة تجديد، إذ جاء المخلص ليجددنا وليجدد كل شئ، وليحفظ ناموس الروح. ويظهر القديس أثناسيوس أن الرعد في نبوة عاموس يشير إلى ناموس الروح الذي لا يتزعزع، والذى وهب لنا بمجئ المخلص، لأن عبارة “صوته زعزع الأرض” توحى بزوال كل الأمور الأرضية التي زعزعها تعليم المخلص. وبتجديد النعمة الإلهية، وبها وحدها، يمكننا أن نقدم خدمة مرضية لله، أى نقدم شكرنا لله، على هذا التجديد الذي نلناه بالنعمة.

في نفس الوقت، يبدو أن ناموس الروح هو الإنجيل الذي لم يكن الناموس في العهد القديم إلا ظلاً له. كما أن تكميل الشعب، الأمر الذي لم تستطع ذبائح الناموس المتكررة أن تحققه، إنما تحقق بنعمة التجديد أيضا. بالإضافة إلى أن ثبات ناموس الروح يعنى عدم العودة إلى حالة ما قبل الخلاص والتجديد.

 

2 ـ النعمة الإلهية وتفسير (1تى 21:5)

” أناشدك أمام الله والرب يسوع المسيح والملائكة المختارين أن تحفظ هذا بدون غرض، ولا تعمل شيئاً بمحاباة”.

في الفصول 11 ـ 14 من الرسالة، يفند القديس أثناسيوس تفسير المحرفين لنص (1تى 21:5)، ويحاجج المحرفون منطلقين من صمت بولس الرسول لعدم ذكره الروح القدس في الآية السابقة، معتبرين الروح القدس في عداد المخلوقات كواحد من الملائكة المذكورين في هذه الآية.

وفى (سرابيون 12:1،14) نصادف كلمة”نعمة”مرتين في تفسير القديس أثناسيوس لنص (خروج 17:33،18) وهو يذكرنا بالإيمان الرسولى والاعتقاد المسيحي، مفنداً تفسير المحرفين للآية موضوع المناقشة (1تى 21:5).

 

الروح القدس أحد أقانيم الثالوث

في (سرابيون11:1)، يثبت القديس أثناسيوس من بشارة الملاك جبرائيل للعذراء مريم أن الروح القدس واحد من أقانيم الثالوث الأقدس، وبهذا فهو يختلف عن الملائكة، لأنه يقول “إن الروح القدس هو روح القدير… الذي لا يمكن فصله عن ألوهية الكلمة وقدرته ” ثم يتناول القديس أثناسيوس معمودية الرب يسوع، وحلول الروح القدس عليه في شكل حمامة، ليستمر في تفنيده لتفسير المحرفين، ويدلل على أن الروح القدس ليس ملاكاً لأنه كان يظهر بوضوح في شكل حمامة.

ويقتبس القديس أثناسيوس نص (متى 19:28) ليثبت أن المسيح يرسل آباءنا الرسل ليعمدوا باسم الثالوث معطين نعمة المعمودية. لهذا فإن الروح القدس كائن في الله؛ وأنه ليس ملاكاً كما كان يزعم المحرفون، لأن أى مخلوق لا يقدر أن يوحدنا بالابن والآب لا يقدر أن يشترك معهم في إعطائنا نعمة المعمودية. وفى هذا المعنى يقول القديس أثناسيوس:

[كما أن الإيمان بالثالوث المسلم إلينا يجعلنا متحدين بالله، وكما أن من يستبعد أى واحد من الثالوث، ويعتمد باسم الآب وحده أو باسم الابن وحده، أو باسم الآب والابن بدون الروح القدس لا ينال شيئاً، بل يظل طقس المعمودية الذي به يتم الانضمام إلـــى الكنيسة غير فعال وغير مكتمل،… هكذا كل من يفصل الابن عن الآب أو ينزل الروح إلى مستوى المخلوقات، فليس له الآب ولا الابن بل هو بدون إله، وهو أشر من غير المؤمن، ويمكن أن يكون آى شئ، إلا أن يكون مسيحياً ].

 

الله يقود شعبه بنفسه / بروحه [23]

وفي (سرابيون12:1) يشرح القديس أثناسيوس أن الله استجاب لطلبة موسى ليقود شعبه إلى أرض الموعد، لأن موسى وجد نعمة في عينى الله:

[فإنه عندما قال الله لموسى “اذهب واصعد من هنا أنت وشعبك الذي أصعدته من أرض مصر، إلى الأرض التي حلفت لإبراهيم واسحق ويعقوب قائلا: لنسلكم سوف أعطيها، وأنا أرسل أمام وجهك ملاكى وأطرد الكنعانيين” (خر 1:33،2) استعفى موسى قائلا: “إن لم تسر أمامنا أنت بنفسك فلا تصعدنى من ههنا” (خر 15:33)، لأنه لم يشأ أن يتقدم الشعب مخلوق، لئلا يتعلم الشعب أن يعبد المخلوق، بدلاً من الله خالق كل شئ. وما دام موسى قد رفض قبول الملاك، فقد كان يرجو بكل إلحاح أن يقود الله الشعب بنفسه.

وقد وعده الله قائلاً:”هذا الأمر أيضاً الذي تكلمت عنه أنا أفعله. لأنك وجدت نعمة في عينى وعرفتك أكثر من الجميع (باسمك)” (خر 17:33 س).

لذا نزل الروح من عند الرب وقادهم (إش 14:63)، هكذا قدت شعبك لتصنع لنفسك إسم مجد (لا 45:11). فمن ذا الذي لا يدرك الحقيقة من خلال هذه الأمور؟ فعندما وعد الله موسى بأنه سيقود شعبه، فإنه لم يعد بأن يرسل ملاكاً، بل روحه الذي هو فوق الملائكة، وهو نفسه الذي كان يقود الشعب. وهكذا يتضح أن الروح ليس واحداً من بين المخلوقات، كما أنه ليس ملاكا أيضاً بل هو أسمى من الخليقة، وهو واحد مع الله الآب لأن الله نفسه، بالكلمة في الروح كان يقود الشعب ][24].

 

دالة موسى أمام نعمة الله

كان استحسان الله لموسى وتعطفه عليه، سبباً في قبول الله لطلبة موسى، وكانت معرفة الله لموسى هى أساس هذه النعمة الإلهية. وفى نفس الوقت فإن ثقة موسى في الله جعلته يصر على قيادة الله نفسه لهم.

بعبارة أخرى فإن دالة موسى وثقته فى الله كانتا الوسيلتين اللتين بهما وجد موسى نعمة وتعطفا من الله، وبرغم أن الله كان قد قبل طلبة موسى أن يقود الله الشعب بنفسه ووعد موسى بذلك، إلا أن الروح القدس هو الذي قادهم، ويفهم القديس أثناسيوس رأفة الله بأنها نعمة الثالوث ويقول إن الله نفسه، بالكلمة في الروح كان يقود الشعب، هكذا يختم كلامه بعبارة تؤكد أن الروح القدس هو الله.

وجدير بنا أن نلاحظ أن القديس أثناسيوس يضع هذا الأساس الكتابى للإيمان الصحيح بالروح القدس،كأحد أقانيم الثالوث، وهو يكرر تعبيره المفضل عن الثالوث القدوس، أعنى أن الله الآب يفعل كل شئ بالكلمة في الروح القدس.

نعمة الثالوث

وفى تفنيد قديسنا لتفسير المحرفين لنص تيموثيئوس الأولى 21:5، بخصوص غياب أية إشارة إلى الروح القدس فيها، يتحدث ضمناً عن الوجود المتبادل بين الأقانيم في الثالوث، ونعمة الثالوث المعطاة للبشرية فى (سرابيون 14:1):

[ولكن الإيمان الرسولى (بالروح القدس) ليس على هذا النحو (الذى يقوله المحرفون)..؛ لأن الثالوث القدوس المبارك هو غير منقسم وهو متحد ذاته. وعندما يسمى الآب فهو يتضمن أيضاً كلمته والروح الذي في الابن. وعندما يذكر الابن يكون الآب فى الابن، ولا يكون الروح خارجاً عن الكلمة، لأن النعمة الإلهية التي من الآب هى واحدة وهى تكمل بالابن في الروح القدس.

وهناك طبيعة إلهية واحدة، وإله واحد، الذي هو “على الكل وبالكل وفي الكل” (أف 6:4). وهكذا إذن عندما قال بولس “أناشدك أمام الله والرب يسوع المسيح” (1تى 21:5) كان يعرف أن الروح القدس، لا ينفصل عن الابن، وأنه هو نفسه في المسيح، كما أن الابن في الآب. ولكنه أضاف بالطبع معهما الملائكة المختارين؛لأنه كان يعرف أن كل ما كان يقوله، كان يقوله كأقوال صادرة عن الله الآب بالمسيح في الروح القدس، وأن الملائكة يخدوموننا وهم شهود على أعمالنا ] [25].

 

ويثير القديس أثناسيوس ملاحظة جديدة، ليهيئ القارئ ليعرف أن وحدانية الله الثالوث هى أساس النعمة الإلهية الواحدة، وهو يكشف هنا عن الإيمان الرسولى وتقليد الكنيسة الذي تسلمه من الذين قبله. وكان القديس أثناسيوس واثقاً أن المسيحى لا يستطيع أن يقبل أى شئ سوى الإيمان الرسولى. وهكذا فإنه يتميز بكشفه لعقيدة الله كثالوث فى واحد وواحد في ثالوث[26]. 

حيث يذكر في الرسالة الثالثة إلي سرابيون: [أن الابن كلي الحضور، لأنه هو في الآب والآب فيه، الأمر الذي يختلف تماماً عن حالة الخلائق، الذين هم موجودون فقط في أمكنة محددة منفصلة، لكن الروح القدس الذي يملأ كل شئ هو في الحقيقة لا يخضع لهذه الحدود، ولهذا فهو لابد أن يكون الله، وهو (أى الروح القدس) في الابن مثلما الابن هو في الآب][27]؛ أما في الرسالة الرابعة إلي سرابيون فيذكر الآتي:

[إن الروح القدس هو من جوهر الكلمة، ومن الله، ونقول إن فيه؛ ومع ذلك فهو لا يدعي الابن، ولكنه ليس خارج الابن؛ فإن كنا نحن نشترك في الروح القدس فنحن نقتنى الابن، وإن كنا نقتنى الابن فنحن نقتنى الروح القدس][28]، ويضيف في موضع آخر من نفس الرسالة قائلاً: [إنه مادام الإبن في الأب فإنه حاضر أيضاً في كل شئ يكون الآب حاضراً فيه، ولا يكون الروح غائباً (عنهما)؛ لأن الثالوث القدوس المبارك الكامل لا ينقسم][29].

علي ضوء هذا التعليم يمكننا أن ندرك لماذا لم يذكر القديس بولس الرسول “الروح القدس” في رسالته إلى تيموثيؤس صراحة لأنه كان يدرك أن الروح القدس لا ينفصل عن الإبن، وأنه هو ذاته في المسيح، كما أن الإبن في الآب.

ويوضح القديس أثناسيوس أن نعمة الثالوث الواحدة تعكس الإيمان الرسولى بعقيدة الله كثالوث فى واحد وواحد فى ثالوث. وبعبارة أخرى، فأن وحدانية الله وثالوثية الأقانيم يؤخذان كإشارة مباشرة للنعمة الواحدة لله الواحد، الصادرة عن أقانيم الثالوث الإلهى. ونعمة الثالوث الواحدة هذه، مثل كل أعمال الله، تعكس العمل الواحد[30] للثالوث الذي له ” بداية ” في الآب، “ووسط”في الابن “ونهاية” في الروح القدس، وهذه بالترتيب، يشار إليها بأحرف الجر “من” الآب، “وبواسطة” الابن، “وفي” الروح القدس.

لكن كيف يفهم القديس أثناسيوس معنى هذه الحروف؟! يبدو أن أفضل طريقة للإجابة على هذا السؤال هى تذكر تشبيهات أثناسيوس الرائعة فى هذا الصدد، التي هي “الينبوع” و”النهر”، و”الماء”؛ وأيضاً “الشمس” و”الشعاع ” و” الاستضاءة “، والتي سار على نهجها كل آباء الكنيسة بعده وحتى الآن[31].

ولكن لماذا أدرج القديس بولس الملائكة المختارين مع الله ويسوع المسيح في هذه الآية؟

يجيب القديس أثناسيوس على هذا السؤال بأن الملائكة قد أدرجوا بشكل مناسب مع الآب والابن لأنهم شهود علي هذه الأقوال. ثم يستكمل قائلاً: “وقد ناشد التلميذ لكي يحفظ وصايا المعلم باعتبار أن الملائكة الحارسين شهود علي أقواله. أو لعله هو هنا يستدعي الملائكة كشهود، لأن هؤلاء ينظرون علي الدوام وجه الآب الذي في السموات (مت 18: 4)، وذلك من أجل الصغار الذين في الكنيسة، حتى لا يهمل التلميذ وصايا الرسول”.[32]

 

3 ـ النعمة الإلهية وأقانيم الثالوث

في سرابيون 22:1 ـ 27، يلجأ القديس أثناسيوس الى الكتاب المقدس ليثبت الفروق الساسية بين علاقة الروح القدس بالابن، وعلاقته بالمخلوقات من حيث فعل التقديس. وهو يبرهن أنه ليس ثمه تشابه بين الروح القدس الخالق والمجدد للخليقة وبين مخلوقاته. ونجد الإشارة الصريحة الوحيدة لكلمة نعمة في هذا القسم في الفصل 22، حيث يتناول القديس أثناسيوس شرح النص الوارد برسالة بولس الرسول الى تيطس 4:3 ـ 7.

 

روح القداسة والتجديد

وفي سرابيون 22:1 يتناول القديس أثناسيوس نعمة الله التي تبرر المسيحيين، فى مضمون الفارق بين الروح القدس والمخلوقات. وهو يصف الروح القدس بروح القداسة والتجديد. وبالرغم من أن الروح القدس بوجه خاص هو أساس التقديس ومبدأه عند القديس أثناسيوس[33]، والإجماع العام للفكر المسيحى في القرن الرابع، فإنه يضيف هنا كلمة “التجديد” إلى القداسة أى التقديس، مما يكشف أن القديس أثناسيوس يربط بين التقديس والتجديد أى استعادة الطبيعة البشرية إلى عدم الفساد.

وفي الحقيقة فان كل التعبيرات المستخدمة هنا في هذه الفقرة بخصوص التبرير، أو إعادة الخلق وإعادة الميلاد، بالإضافة إلى التقديس والتجديد تعنى تأليه بشريتنا الذي كان النتيجة النهائية لتجسد الكلمة. ذلك التأليه الذي به تتقدس المخلوقات، وتتجدد وتتبرر وتعاد خلقتها من جديد بنعمة الله:

[“الروح هو روح القداسة والتجديد”. ويدعى هكذا،لأن بولس يكتب:”وتعين ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات، يسوع المسيح ربنا” (رو 4:1). ويقول أيضا “لكن تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا” (1كو 11:6). وحينما يكتب الى تيطس يقول “لكن ظهر لطف (صلاح) مخلصنا الله ومحبته للبشر، لا بأعمال في بر عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلصنا بحميم الميلاد الثانى، وتجديد الروح القدس الذي سكبه علينا بغنى بيسوع المسيح مخلصنا.

حتى اذا تبررنا بنعمته، نصير ورثة حسب رجاء الحياة الأبدية ” (تيطس 4:3 ـ 7)، أما المخلوقات فانها تتقدس وتتجددبالروح القدس،” ترسل روحك فتخلق وتجدد وجه الأرض” (مز 103:30)][34].

 

إعادة خلق الإنسان بالروح القدس

هنا يذكرنا القديس أثناسيوس ببولس الرسول وهو يتحدث عن صلاح أو لطف الله الآب. ولفظة “صلاح” أو “لطف” هذه تعبر عن رأفة الله المحتضنة للجميع وتظهر حبه للإنسان. وهذه المحبة والرأفة الإلهية ينالها المؤمنون بواسطة سر المعمودية. ويؤكد النص أن الله يعيد خلقتنا؛ أى نتبرر بنعمة الله الآب بحميم الميلاد الثانى، والتجديد بواسطة الروح القدس. ونستخلص من النص السابق مفهوم إعادة الخلق بالنعمة:

أولاً: تعنى كلمات بولس الرسول “حتى إذا تبررنا بنعمته” حرفياً أن الله يقصد أن يضعنا في علاقة صحيحة معه بواسطة النعمة الإلهية الممنوحة لنا[35].

ثانياً: يذكرنا القديس أثناسيوس بمزمور 30:103، تيطس4:3 ـ 7، الذين يعنيان إعادة خلق الإنسان بالروح القدس “ترسل روحك فتخلق وتجدد وجه الأرض”.

ثالثاً: ونفهم أن إعادة خلق الإنسان، أي خلاصه بنعمة الله، موازية لخلقته الأولى من العدم، حينما جبله الله على صورته، كنعمة إضافية ممنوحة له تميزه عن باقى الخلائق.

وفي الفصل التالى يختتم القديس أثناسيوس أفكاره عن النعمة الإلهية في الرسالة الأولى إلى سرابيون بالحديث عن موضوع أقانيم الثالوث وإعطاء النعمة الإلهية، وخاصة دور الروح القدس في ذلك.

فهو يناقش أهمية دور الروح القدس كواحد من أقانيم الثالوث القدوس، مؤكداً على نقطة لاهوتية مؤداها أن كل شئ يكمل في الثالوث، إذ نصادف خمس إشارات صريحة عن النعمة الإلهية بخلاف المواهب، مرتبطة بالروح القدس والابن والثالوث:

وهذه هي وحدة الثالوث غير المنقسم، والإيمان به هو واحد…، والمغبوط بولس، إذ عرف وحدة الثالوث، فإنه لا يقسم الثالوث كما تفعلون (يقصد المحرفين)، لأنه إذ يعلم بوحدته، يكتب إلى الكورنثيين عن الأمور الروحية ناسبا كل الأشياء إلى أله واحد، الآب قائلا: “أنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد، وأنواع خدم موجودة لكن الرب واحد وأنواع أعمال موجودة، ولكن الله واحد الذي يعمل الكل في الكل ” (1كو12: 4ـ6). فالمواهب التي يقسمها الروح لكل واحد تمنح من الآب بالكلمة؛ لأن كل ما هو من الآب هو من الابن أيضاً. لأن كل الأشياء التي تعطى من الابن في الروح هى مواهب الآب.

وحينما يكون الروح فينا، فالكلمة الذي يعطى الروح يكون أيضاً فينا. والآب موجود في الكلمة، كما قال السيد المسيح “سنأتى أنا والآب وعنده نصنع منزلا” (يو23:14). لأنه حيث يكون النور فهناك الشعاع أيضاً، وحيث يكون الشعاع فهناك أيضاً فاعليته ونعمته المضيئة. وهذا هو ما علم به الرسول أيضاً حينما كتب إلى الكورنثيين في الرسالة الثانية قائلاً: نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم” (2كو 14:13). لأن هذه النعمة الإلهية والهبة تعطى في الثالوث من الآب بالابن في الروح القدس.

وكما أن النعمة الإلهية المعطاة هى من الآب بالابن، هكذا فإنه لا يكون لنا شركة في العطية إلا في الروح القدس. لأننا حينما نشترك فيه، تكون لنا محبة الآب ونعمة الابن وشركة الروح نفسه. ويتضح مما سبق أن فعل الثالوث واحد. فالرسول لا يعنى أن ما يعطى، يعطى من كل واحد متنوعاً ومجزءًا، ولكن ما يعطى إنما يعطى في الثالوث، والكل من إله واحد][36].

 

النعمة المنيرة

وتختص النعمة الإلهية بالشعاع الصادر من الله، الذي هو الابن ربنا يسوع المسيح.وبسبب العلاقة بين الآب والابن، التي هى مثل العلاقة بين النور وشعاعه[37]  توصف النعمة الإلهية بأنها مضيئة[38] أو منيرة ومع ذلك، فعلاقة النعمة الإلهية بإبن الله، ليست علاقة منعزلة عن الأقنومين الآخرين. ونرى ذلك بوضوح من حقيقة أنه حيث الابن، فهناك كل من النعمة الإلهية المضيئة التي هى الروح القدس، والآب الذي هو النور ذاته. ورغم أن ذلك لم يذكر صراحة هنا، إلا أنه متضمن بشكل قوى فـي أن “نعمته المضيئـة” للشعاع، الذي هـو الابـن مرتبطـة في الحقيقـة بالـروح القدس وأنها أصلاً مع الآب.

 

هكذا فإن نعمة الابن المتجسد تعطى أساساً بواسطة الثالوث القدوس، وهنا نجد نموذجين للنعمة هما:

(أ) نعمة تعطى من الآب بالابن، في الروح القدس[39].

(ب) نعمة الابن[40].

 

لكن ما هى العلاقة بين تعبيرى النعمة الإلهية التي تعطى “بالابن”، و “نعمة الإبن” في هذين النموذجين؟ النموذج الأول ثالوثى يعبر عن الثالوث وإعطائه النعمة الإلهية، أما النموذج الثانى فإنه خريستولوجى يعبر عن المسيح وإعطائه النعمة الإلهية. ويشير النموذج الأول إلى الابن كإله، وكالأقنوم الثانى من أقانيم الثالوث القدوس. بينما يشير الآخر إلى ابن الله الذي من أجلنا صار إنساناً في ملء الزمان، أى إلى الابن المتجسد.

 

ويلاحظ أن القديس أثناسيوس يعتبر أن النعمة الإلهية والهبة مترادفتان أحياناً؛ لأنه يفسر نعمة ربنا يسوع المسيح المذكورة هنا في الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس (2كو13:13) قائلاً: إن هذه النعمة الإلهية وهذه الهبة تعطى في الثالوث من الآب بالابن في الروح القدس (وهو يستخدم الفعل “تعطى” في حالة المفرد، كما لو كانت النعمة الإلهية والهبة شيئاً واحداً). كما أن الهبة في (1كو 14:12) تفهم أيضاً على أنها مساوية للنعمة عند القديس أثناسيوس؛ لأنه يفسر الهبات التي يوزعها الروح القدس كممنوحة من الآب بالابن، بنفس الطريقة التي يفهم بها النعمة الإلهية.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش الموضوع:

[1] راجع علي سبيل المثال الفقرات التالية في رسالة القديس أثناسيوس الأولي إلي سرابيون:

PG 26, 537B; 544C; 545A; 600C.

[2] الرسالة إلي سرابيون 1: 21،32 ( PG  26, 580C; 605B)

[3] C. R. Shapland, Concerning the Holy Spirit, New York 1951, pp. 50 – 52.

[4] “التروبيكيون” هم جماعة من المسيحيين المصريين كانوا قد انفصلوا عن الآريوسيين وتمسكوا بأن الروح القدس مخلوق من العدم وأنه من جوهر آخر مختلف عن جوهر الآب والإبن. ودأبوا يفسرون نصوص الكتاب المقدس كما يحلو لهم مبتعدين تماماً عن النص والمفهوم الكتابي كوحدة واحدة لا تتجزأ ولذلك لقبوا “بالمحرفين”. وقد تصدي لهم القديس أثناسيوس في رسائله الأربعة التي أرسلها إلي سرابيون أسقف تمويس عام 358/ 359 حيث وصفهم بأنهم اتفقوا مع الآريوسيين في التجديف علي الله المثلث الأقانيم، فبينما ادعي الآريوسيون أن الابن مخلوق، فقد ادعي هؤلاء “التروبيكيون” بأن الروح القدس مخلوق، كما أنكروا وحدانية الجوهر بين الروح القدس والآب.

راجع: الرسالة إلي سرابيون 1:1 (PG26, 5321A )؛ (أنظر ملاحظة 3) C. Shapland, pp. 18 – 20

  1. Campbell, The Doctrine of the Holy Spirit, in the Theology of Athanasius, in: S.J.T. 27 (1974) , pp. 408 – 440.

[5] يشار إلى الاقتباس من الرسالة الأولي الي سرابيون الفصل الرابع مثلاً بعبارة ( سرابيون 1: 4 ) حيث يشير الرقم الأول الي الرسالة والرقم الثاني الي الفصل.

[6] يبدو أن قاعدة القديس أثناسيوس هذه ليس المقصود منها أن تؤخذ علي إطلاقها، بل كإشارة إلي عادة الكتاب المقدس، كما يفضل أن يسميها. أنظر:

C.R. Shapland , The Holy Spirit, pp.69,70,78; Origen, De Princ. I., 3, 46; Swete, The Holy Spirit in the N.T, additional note P; A. J. Macdonald, The Interpreter Spirit and Human Life, 4.

[7] سرابيون 40:1 ( PG 26, 537B ).

[8] راجع، وهيب قزمان: النعمة  عند القديس أثناسيوس الرسولي، جـ 1، إصدار مركز دراسات الآباء بالقاهرة 1993، ص 63 ـ 64.

[9] قابل: اتس 5: 22.

[10] أنظر علي سبيل المثال: تك 1: 2، 6: 3؛ عد 11: 29؛ قض 3: 10؛ مز 50: 13، 14: 10.

[11] أنظر علي سبيل المثال لا الحصر الآتي: يو32:1 و 22:20 و 26:14 و 26:15؛ مت 22:10؛ لو 2:11؛1بط 9:1 ـ 11؛ رو 8: 9 ـ 11؛ 1 كو 10:2 ـ 12؛ غل 14:3؛ فى 18:1 ـ 20.

[12] سرابيون 1: 6 ( PG 26, 541B – 544B ).

[13] راجع أثناسيوس ضد الآريوسيين:

( PG26, 236A; 236C- 236B; 165B)؛ تجسد الكلمة 25:25، 37: 1 (PG25, 140C )

[14] راجع أثناسيوس ضد الآريوسيين 2: 42.

[15] راجع، أثناسيوس إلي سرابيون 1: 6 ـ 8 ( PG 26: 544B).

[16] سرابيون 1: 6 (PG26, 544ff.)

[17] سرابيون 1: 6 ( PG 26, 545A ).

[18]  راجع، سرابيون 1: 5 (PG26, 540AB )، 1: 23؛ 3:3 (PG26, 584C – 585 B ; 628B – 629A).

[19]  سرابيون 1: 6 ( PG 26, 548A ).

[20] سرابيون 9:1 ( PG26, 552C – 553A ).

[21]  سرابيون 1: 9 (PG 26, 553 B ).

[22] سرابيون 1: 10 ( PG 26, 556 A – B ).

[23] سرابيون 3:1.

[24] سرابيون 1: 12 ( PG 26, 560 B – 561 A ).

[25] سرابيون 1: 14 ( PG 26, 565 A – C ).

26 راجع: T. Torrance, The Trinitarian Faith, Edinburgh 1988, p. 303..

لقد كان تعبير “الثالوث” هو الكلمة الأولي عند القديس أثناسيوس،بل ونقطة البدء التي عرفها بأنها “قاعدة وأساس إيمان الكنيسة” (PG 26, 596C  ). ولهذا دافع عن تعليم الثالوث كأساس وركيزة اللاهوت الأرثوذكسي، كما كانت المقولة الحاسمة في تعليمه إن “اللاهوت يكمل في الثالوث ” وهذه هي “التقوي الحقيقية” بل هذا هو ” الصلاح والحق ” (PG 26, 49A )، كما يعلن القديس أثناسيوس صراحة أن “الرب يسوع المسيح نفسه، هو بشخصه علّم المرأة السامرية وعّلمنا من خلالها كمال الثالوث القدوس الذي هو لاهوت واحد غير منقسم” ( PG 26, 605 D ). راجع أيضاً:

 G.Dragas The Meaning of Theology.  An Essay in Greek Patristics, Darlington 1980

[27]  سرابيون 3: 4.

[28] سرابيون 4: 4.

[29] سرابيون 4: 12.

[30] راجع: سرابيون 1: 24، 28، 30؛ 3: 5.

[31] أثناسيوس ضد الآريوسية 2: 33.

[32] سرابيون 1: 14.

[33] راجع، أثناسيوس ضد الآريوسيين 1: 46؛ تجسد الكلمة 4: 10.

[34] سرابيون 22:1 PG.26:581C 3- 584A 11.

[35] قابل W.Barclay, New Testament, vol.2 p. 169.

[36] سرابيون30:1. PG.26:600A 3 –601A 2.

[37]  ” نور من نور” هكذا نقول عن الآب والابن في قانون الإيمان النيقاوى.

[38] كما أن الابن ـ الكلمة الحى ـ هو واحد، هكذا فإن القوى الحيوية والعطية التي بها يقدس ويضئ (أى الروح القدس) ينبغى أن تكون واحدة كاملة وتامة، وهى التي يقال عنها إنه تنبثق من الآب، لأنها من الكلمة، الذي يعترف أنه من الآب. وهى التي تشرق، وترسل، وتعطى… (سرابيون20:1).

[39] سرابيون30:1. PG.26: 600C 6 – 7.

[40] سرابيون30:1. PG.26: 600C 12.

النعمة الإلهية في رسائل القديس أثناسيوس إلى الأسقف سرابيون

النعمة والإنسان في فكر القديس أثناسيوس الرسولى د. وهيب قزمان بولس

النعمة والإنسان في فكر القديس أثناسيوس الرسولى د. وهيب قزمان بولس

النعمة والإنسان في فكر القديس أثناسيوس الرسولى د. وهيب قزمان بولس

النعمة والإنسان في فكر القديس أثناسيوس الرسولى [1] د. وهيب قزمان بولس

تظهر ” النعمة ” (c£rij) كمفهوم لاهوتى وروحى عند القديس أثناسيوس في كتابيه “الرسالة إلى الوثنيين ” و” تجسد الكلمة ” في تأكيده على تفضل الله بنعمته على الإنسان لكى يخفف من الفارق الكبير الذي يفصل بين الله الخالق من جهة والطبيعة المخلوقة من جهة أخرى. تلك “الطبيعة المخلوقة التى أتى بها الخالق من العدم إلى الوجود، حيث ينعم الله على الخليقة الفقيرة ” بالشركة في كلمة الله “ (toà LÒgou metalamb£nousa)[2]. ومثل هذه الشركة، إنما تعكس قدرة الله وصلاحه في حفظ الخليقة وضمان اتساقها واستمراريتها. من هنا فإن الفارق الطبيعى بين الله والخليقة يصبح محكومًا في الحقيقة بهذه الشركة التى تحوره وتضبطه لصالح الخليقة ذاتها.

وهذا التحوير لا تظهر مفاعيله وتتأكد بوضوح، إلاّ في بشريتنا دون سائر الخليقة، وفى هذا الإطار فإن القديس أثناسيوس يتناول الحديث عن الله الذي ميَّز الإنسان عن باقى الكائنات المخلوقة من العدم بمنحه ” نعمة إضافية ” (plšon ti carizÒmenoj aÙtoij) إذ خلقه على صورته وأعطاه نصيبًا في قوة كلمته [3].

ويوضح قديسنا أن “النعمة الإضافية” التى وهبها الله للبشرية عند خلقتها، والتى هى بمثابة شركة على مستوى متميز في الكلمة، تجعل البشر شركاء اللوغوس، “عاقلين”  (logikÒi)[4]. من هنا فإن البشر “المخلوقين من العدم” (t¦ dš ™x oÙk ×ntwn gegenÁsqai)[5] وإن كان الفارق الطبيعى بينهم وبين الله خالقهم، كان يمكن أن يساهم في عدم معرفتهم له، لكن الله يتحنن على البشرية ويمنحها أن تتجاوز هذا الفارق الطبيعى بنعمة الكلمة، بل وتستطيع أن تعرف الله، وأن ” تحيا حياة إلهية ” (tÕ kat¦ QeÕn zÁn) [6].

ولكن البشر في ضلالهم وتمردهم ” ازدروا بالنعمة التى نالوها ” (katoligwr»santej tÁj doqe…shj aÙto‹j c£ritoj) وتركوا الله كليةً [7]، ومن هنا أخذ الفارق الطبيعى الكبير بين الله الخالق والمخلوق يزداد، بل وأدى هذا الازدراء بالنعمة إلى ” الفساد الطبيعى ” (¹ kat¦ fÚsin fqor¦) [8]، وفقدان الإنسان لمعرفة الله. لذلك لاق ” بالكلمة ” الذي خلق البشرية على صورته، أن يتجسد ليجدد نعمة الخلقة بحسب الصورة الإلهية.

ودراسة رسائل قديسنا ضد الآريوسيين توضح كيف فهم القديس أثناسيوس تجديد صورة الله في الإنسان. فبينما نحن بالطبيعة ” أعمال ” الله و ” عبيد” الله الذي هو خالقنا وسيدنا قد أصبحنا ” أبناء ” الآب بالتبنى بتجسد الابن الوحيد الجنس، أى أن خالقنا قد أصبح أبانا بتجسد الابن الكلمة وصيرورته إنسانًا، إذ أخذنا أصل حياتنا من الله بتجسد ابنه الكلمة، وأصبح الله هو أصلنا [9].

ونحن إذ نتأمل تلك العلاقة الجديدة بين الله والإنسان من منظور إنسانى في إطار حياة النعمة، فإننا نستعين بكتابين أساسيين يبدو فيهما موضوع حياة النعمة متكاملاً هما: ” حياة أنطونيوس ” (The Life of Antony) و”الرسائل الفصحية ” (The Festal Letters).

 

سيرة الأنبا أنطونيوس

يقدم لنا القديس أثناسيوس في سيرة القديس أنطونيوس [10] نموذجًا مثاليًا لعمل النعمة في حياة الإنسان، أى للمسيحى المُفتدى. ومن هنا يمدنا القديس أنطونيوس بالنموذج العملى لمفهوم حياة النعمة، بالإضافة إلى الجانب اللاهوتى لحياة إنسان النعمة حتى يتكامل الجانب النظرى مع العملى المُعاش.

 

حياة النعمة والخلاص

يزعم الآريوسيين أن الابن مخلوق مثلنا، وأنه بإمكاننا أن ننمو في النعمة والقامة حتى نُكافأ ببنوة مساوية في المجد لذلك المجد الذي ناله المسيح مخلصهم الأرضى ورفيقهم في “الجهاد النُسكى ” على حد زعمهم [11]. بينما يؤكد تعليم القديس أثناسيوس عن النعمة والخلاص على عدم وجود أى تساوى بين المخلوقين وخالقهم الفادى غير المخلوق[12]. كما أن الفارق الآخر بين تعليم القديس أثناسيوس وهرطقة الآريوسيين يكمن في أن قديسنا لا يؤكد على عنصر الجهاد البشرى فقط لبلوغ الكمال، بل بالأحرى على الشركة مع المسيح والعون من الأعالى، إذ أن قداسة الأنبا أنطونيوس لم تتحقق بجهده الشخصى وحده بل بمؤازرة النعمة الإلهية [13].

إن قداسة أنطونيوس الناسك ليست نتيجة جهاده فقط [14]، لأن الله هو العامل فينا أن نريد وأن نعمل من أجل المسرة… هكذا يفند القديس أثناسيوس مزاعم الآريوسيين حول تفسيراتهم لنجاح القديس أنطونيوس وأعماله النسكية فيكتب ” حياة أنطونيوس ” على ضوء مفاهيم الخلاص فيما قبل نيقية، وفيها يدحض الزعم الآريوسى بأن تبنى الله لنا إنما هو ثمرة للنمو في الفضيلة والجهاد [15]، ليفصل بين تعليمين عن الخلاص: تعليم آريوسى باطل وتعليم أرثوذكسى مستقيم [16].

القديس أثناسيوس واضح ومحدد في قوله إننا نحن الذين أصبحنا ” أبناء بالنعمة ” لسنا متساويين مع ذاك الذي هو ” ابن بالطبيعة “، لكن هذا الاختلاف أو عدم المساواة لابد أن نفهمها، في ضوء العلاقة الإيجابية بين الله والبشر من خلال الابن الكلمة المتجسد، على أساس أننا نستمد بنوتنا لله بالنعمة من خلال بنوته هو لله بالطبيعة، وذلك بتجسده[17]. وقد أسهب القديس أثناسيوس في الحديث عن النعمة الإلهية والجهاد البشرى في الرسائل الفصحية كما سنرى فيما يأتى:

 

الرسائل الفصحية

ففى الرسائل الرعوية التى اعتاد بطاركة الأسكندرية إرسالها إلى شعبهم بمناسبة عيد القيامة، وفى ضوء ” نعمة القيامة “ (¹ c£rij tÁj ¢nast£sewj) التى يوضحها القديس أثناسيوس عمليًا بمناسبة العيد، فإن الموضوع الرئيسى في هذه الرسائل هو حث الشعب على شكر الله على نعمته والاعتراف بفضله. ولهذا يحذر شعبه من ” الازدراء بالنعمة ” [18]، كما يحذرهم من الاقتداء بجحود البُرص الذين بعد شفائهم لم يرجعوا ليقدموا الشكر لله [19] اعترافًا بنعمة الشفاء التى نالوها، ” لأنه لا رجاء لغير الشاكرين.. الذين أهملوا النور الإلهى ” [20]، لهذا يجب علينا بالأحرى ” أن نقر بالنعمة موضوع العيد، مدركين هبات الله ” [21].

فلا ننسى أبدًا ” صنيع الله معنا ” [22]. لأن العيد ما هو إلاّ ” اعتراف بعمل الله معنا وتقديم الشكر له ” [23]، والإقرار والعرفان بهذه النعمة يجب أن يتمثل في فعل ملموس “سلوك يتجاوب مع هذه النعمة ” [24]، مع ” ممارسة الفضيلة ” [25]. تلك الممارسة التى ” تتميز قبل كل شئ بالجهاد ” [26]. بهذه الطريقة لا نكون قد أخذنا النعمة عبثًا [27]، بل سنكون مثل أولئك الذين امتدحهم الرب لأنهم تاجروا بالوزنات واستثمروا النعمة التى أخذوها [28].

هكذا نرى القديس أثناسيوس في هذه الرسائل الخاصة بالقيامة منشغلاً باستجابتنا الصحيحة لنعمة الله، وفى هذا الإطار نجده يرسم لشعبه الطريقة المثالية للاحتفال بالعيد في شكل نصائح وتحذيرات. لو تأملناها فإننا نؤصل علاقتنا بالله في إطار نعمته الفياضة من منظور وجودنا وحياتنا العملية وعبادتنا الليتورجية.

 

النعمة والجهاد في الرسائل الفصحية

لا شك أن الرسائل الفصحية تؤكد على مبادرة النعمة من جانب إلهنا المحب والفادى. ومن هنا كان الشكر منا واجبًا، ويُلزمنا جميعًا بالاستجابة لمبادرة الله. وفى الحقيقة فإن النعمة الإلهية تحتم علينا الاستجابة لها بشكل لائق، لهذا يقول قديسنا في إحدى رسائله الفصحية (3:3) [29]: [على إرادتنا أن تتوافق مع نعمة الله، وألاّ تتخلف عنها، لئلا وإرادتنا خاملة، تبدأ النعمة المعطاة لنا في الرحيل عنا، وإذ يجدنا العدو فارغين وعراة يدخل فينا].

فعمل نعمة الله فينا مرتبط بتجاوب إرادتنا، وإن لم تحدث هذه الاستجابة من جانبنا لصارت النعمة بلا منفعة لنا. ولكى نتجنب فقدان النعمة والوقوع في الجفاف الروحى، من الضرورى أن نكون ” ساهرين ومهتمين ” [30]. ولا يرى القديس أثناسيوس أن هناك فصلاً تامًا بين النعمة واستجابتنا لها، بل بالحرى يرى أن الاستجابة البشرية تنبع أساسًا من المبادرة الإلهية.

وعند القديس أثناسيوس فإن سر النعمة هو سر ” أخذ المسيح ما لنا ” بمعنى أن المسيح قد أعطانا الذي له كإله، حين أخذ الذي لنا كإنسان. ولهذا حين يقول إن استجابتنا للنعمة ليست منا أصلاً، يقصد أن يوجه أنظارنا إلى ما أخذه المسيح الإله منا حتى جعل ما ليس له خاصًا به، ووهب البشرية الحياة الإلهية التى ليست خاصة بها أصلاً. ونقرأ في الرسالة الفصحية (4:5) [31]: [يتطلب هذا الموسم منا.. أن نحاكى أعمال القديسين.. حين نعترف بالذى مات، وأننا لم نعد نحيا لأنفسنا، بل للمسيح الذي يحيا فينا، حين نرد الجميل للرب بأقصى قدرتنا، رغم أننا حين نقدم له شيئًا فإننا لا نعطيه مما نملك أصلاً، بل تلك الأشياء التى نلناها منه قبلاً، خاصة من نعمته، حتى أنه يطلب منا عطاياه الخاصة، وهو يشير إلى ذلك حين يقول: “قرابينى (التى تقدمونها لى) هى عطاياى الخاصة ” (عدد2:28س) أى أن تلك القرابين التى تقدمونها لى هى عطاياى لكم، على أساس أنكم تقبلتموها منى].

هنا يتحدث القديس أثناسيوس عن التواصل بين الله والإنسان، والإنسان والله، أو المبادلة بين ما لله وما للإنسان Reciprocity. فالذى لنا هو لنا، كما أنه ليس لنا في نفس الوقت، هو ليس لنا لأن الله هو الذي منحنا إياه، بينما هو لنا لأننا قد ” أخذناه ” فعلاً وصرنا نملكه والله يطلبه منا. نجد هنا إذن تواصلاً بين الله والبشر، هو تبادل في تصاعد مستمر: فالله يعطينا النعمة ويطالبنا أن نقدم له ثمارها، ومن ثمّ فإن الفضيلة والقداسة، يُفهمان على ضوء هذا التبادل المتصاعد، أى على أساس رد ما ” أخذناه ” كهبة من الله.

وفى هذا الإطار فإن جهاد الإنسان لتنفيذ الوصية والقيام بأعمال المحبة، هو ببساطة إقرار بنعمة الله، ويرتبط أساسًا بشركتنا في هذه المبادلة من حيث رد العطايا لله التى هى عطاياه الخاصة، ومن ثم فإن القديس أثناسيوس يشرح الجهاد بمفهوم التواصل مع الله وفقًا لنعمته[32]. وعلى العكس فإن إهمالنا وتراخينا وغياب الجهاد الحسن هو بمثابة ازدراء بالنعمة[33]، والإرادة البشرية هى التى تقرر الاختيار بين الالتصاق بالنعمة أو الابتعاد عنها[34].

وللقديس أثناسيوس نص فريد يصف فيه حياة الإنسان في العالم، ويُشبّه الإرادة البشرية بقلع المركب، التى تحركها الريح، المحرك لمركب حياته، إما إلى بر الأمان بالمسيح، أو إلى الهلاك بعيدًا عنه، فيقول في الرسالة الفصحية (7:19):[نحن نبحر في هذا البحر (أى العالم) بإرادتنا الحرة كما بواسطة الريح، لأن كل واحد يوجه مساره حسبما يريد: إما أن يكون تحت إرشاد الكلمة فيدخل إلى الراحة وينعم بالمسرة، أو أن تتحطم سفينته ويهلك في العاصف] [35].

هنا يرى القديس أثناسيوس توافقًا بين توجيه حياة الإنسان بإرادته وبين توجيهها بإرشاد الله الكلمة، ومنتهى التناغم والانسجام بين مشيئة الله وإرشاده من جهة وإرادة الإنسان ورغبته في تسيير سفينة حياته من جهة أخرى. فالإرادة الإنسانية تظل حرة في اختيار طريق المسرة والنجاة، وهى أيضًا تحت إرشاد وتوجيه نعمة الكلمة في نفس الوقت.

 

المؤازرة والاشتراك في العمل (السنرجيا)

إن مساندة النعمة الإلهية للإنسان، وتوافق الإرادة البشرية الحرة معها في العمل، استجابة لفعل الروح القدس في الإنسان، يُسميها الآباء المؤازرة والتوافق في العمل والاشتراك فيه (sunerg…a). ولهذا يقول الأب الكاهن في أوشية المسافرين: ” اشترك (يارب) في العمل مع عبيدك في كل عمل صالح “.

وتؤازر النعمة الإلهية الإنسان في سائر أعماله وأقواله، مثل “عمل الخير” (eÙpo…a)، إذ يوضح القديس أثناسيوس في تعليقه على قول المخلص ” كونوا رحماء، كما أن أباكم الذي في السموات هو رحيم ” (لو36:6)، إننا بعمل الرحمة وصنع الخير إنما نقتدى بالله، فيقول:

[نحن أيضًا نصير أبناء لله، ليس مثل الابن الحقيقى الوحيد الجنس بالطبيعة وبالحق، بل بحسب نعمة ذاك الذي دعانا.. وكما سُرّ الله الذي قد وهبنا هذه النعمة ؛ هكذا نحن أيضًا نصير رحماء مثل الله، لا بأن نصير مساوين لله، ولا بأن نصير فاعلى خير بالطبيعة وبالحقيقة مثل الله، لأن صنعنا الخير(eÙpo…a) ليس من أنفسنا بل من الله، لأننا ننقل كل ما يعطيه الله لنا بالنعمة إلى الآخرين دون تمييز بينهم، بل ببساطة نمتد بأعمال الخير إلى الجميع، لأننا بهذه الوسيلة وحدها نصير متمثلين بالله] [36].

كما يوضح القديس أثناسيوس اشتراك نعمة الله ومعونته معنا في الفكر والعمل إذ يقول:

[كيف يجب أن يصيروا فيما بينهم واحدًا في الفكر.. بواسطة قوة الآب والابن يصيرون واحدًا ويقولون ” قولاً واحدًا ” (1كو10:1)، لكن هذا غير ممكن بدون معونة الله، وهذا المعنى يمكننا أن نجده أيضًا في الكتب الإلهية مثل: “ بالله نصنع ببأس ” (مز12:60)، و” بك ندوس أعداءنا ” (مز5:44)] [37].

ويؤكد القديس أثناسيوس في تعليقه على رومية (18:15،19) أن أعمال القديس بولس لم يعملها وحده، بل هى أعمال المسيح أيضًا بواسطته:

[لقد قال بولس إن الأعمال التى عملها بقوة الروح هى أعمال المسيح أيضًا: ” لأنى لا أجسر أن أتكلم عن شئ مما لم يفعله المسيح بواسطتى.. بالقول والفعل بقوة آيات وعجائب بقوة الروح القدس ” (رو18:15،19)] [38].

بل إن أقوال الأنبياء والرسل وشهادتهم، هى بالشركة في الروح القدس أيضًا، وفى هذا يقول قديسنا:

[فحينما يقول القديسون: ” هكذا قال الرب ” (أنظر عا3:1)، فإنهم لا يتكلمون إلاّ بالروح القدس. وإذ يتكلمون بالروح القدس فهم يتكلمون بهذا في المسيح. وعندما يقول أغابوس في الأعمال ” هذا يقوله الروح القدس ” (أع11:21)، فليس هذا إلاّ بواسطة الكلمة الآتى إليه، يمنح الروح أغابوس أيضًا القوة ليتكلم ويشهد عن الأمور التى تنتظر بولس في أورشليم، وهكذا أيضًا حينما يشهد الروح لبولس فكما قلنا قبلاً، فالمسيح عينه كان هو المتكلم فيه] [39].

ولكى نرى هذا التآزر بين نعمة الله وبين الإنسان، هذه النعمة التى صارت لنا كهبة بتجسد الابن الوحيد، نذكر ما يراه القديس أثناسيوس عن النعمة الإلهية التى حدثت بالتجسد.

يرى القديس أثناسيوس في التجسد فعلاً خلاصيًا ذا شقين:

1 ـ أباد المسيح الموت، ووهبنا جدة الحياة.

2 ـ الاستعلان الشخصى للكلمة وأبيه من خلال أعمال المسيح بالجسد ” بإعلان نفسه وتعريف ذاته، أنه كلمة الآب مدبر الكون وضابطه ” [40].

ويمتد عمل المسيح وانتصاره على الموت بقيامته، في تلاميذه وكنيسته: في تلاميذه الذين لم يهابوا الموت، وفى كنيسته المقدسة التى تستمد قداستها كهبة من المسيح القائم[41]. بل إن القديس أثناسيوس يؤكد أن أعمال تلاميذ الرب وشجاعتهم أمام الموت، هى دليل أكيد على قيامة المسيح، لأن أعمال التلاميذ مستمدة أساسًا من أعمال المسيح وقدرته (™nšrgeia) [42].

[لأنه إن كان المخلص يعمل الآن أعمالاً عظيمة كهذه بين البشر، ولا يزال كل يوم بطريقة غير منظورة، يجتذب الجماهير العديدة من كل ناحية،.. ليقبلوا إيمانه، ويطيع الجميع تعاليمه، فهل لا يزال يوجد من يتطرق الشك إلى عقله في أن القيامة قد أتمها المخلص، أو أن المسيح حى، أو بالحرى أنه هو نفسه الحياة؟ وهل يُتاح لشخص ميت أن ينخس ضمائر البشر؟

ويصد الأحياء عن حركاتهم وأعمالهم: فيكف الزانى عن زناه، والقاتل عن القتل والظالم عن الظلم والاغتصاب، ويصبح الدنس متدينًا؟ هذا لا يمكن أن يكون عمل شخص ميت، بل عمل شخص حى، بل هو عمل الله.

فمن ذا الذي يستحق أن يُدعى ميتًا؟

هل المسيح الذي يتمم أعمالاً كثيرة كهذه، في حين أن الميت لا يعمل؟! أم هو ذاك الذي لا يبذل أى مجهود على الإطلاق؟ بل هو مُلقى عديم الحياة، الأمر الذي ينطبق على الأوثان.. لأنها ميتة حقًا؟! لأن ابن الله حى وفعَّال يعمل كل يوم ويتمم الخلاص للجميع] [43].

ويوضح النص السابق كيف كان تأكيد القديس أثناسيوس قويًا ومقنعًا فيما يخص عمل المسيح كفعل سابق على أعمال التلاميذ. وعلينا على هذا الأساس أن نفسر شركة المسيح في العمل مع القديس أنطونيوس (sunerg…a)، حيث انتصارات القديس أنطونيوس هى هى انتصارات المسيح فيه. [44] وهو نفس ما قاله القديس أنطونيوس في إحدى عظاته لتلاميذه من أن جهادهم ضد الشيطان يقودهم إلى استنتاج أن انتصار المسيح جعل الشيطان عاجزًا وعديم القدرة.

 

وهنا يظهر منطق الفكر الروحى عند الآباء أثناسيوس وأنطونيوس من أن فعل الله وعمله هو الذي أمَّنَ وحفظ عمل الإنسان في جهاده ضد الشياطين. فإن كان الشيطان منهزمًا أمامنا، فلأن المسيح هو الذي انتصر عليه أولاً، وبنصرة المسيح على الشيطان وغلبته على قواته، نلنا نحن القدرة على مواجهته والانتصار عليه. وهذا ما أكده القديس أنطونيوس في إرشاداته الرعوية لأبنائه الرهبان، إذ يقول:

[إن المسيح قد قيد الشيطان أمامنا كالعصفور المربوط في الفخ، لكى نهزأ به..، لذا لا يليق بنا أن نخاف من الشياطين لأن كل محاولاتها فاشلة بنعمة المسيح] [45].

هنا يقدم لنا القديس أثناسيوس روحانية القديس أنطونيوس، مؤكدًا على ثقته في المسيح وعدم خوفه من محاربات الشيطان. والأساس في هذا الفكر هو أن المعركة التى دارت رحاها بين المسيح وإبليس، قد انتهت بنصرة المسيح وفوزه على الشيطان:

[لأن الرب حل في وسطنا، وسقط الشيطان وأُبيدت قواته. ولهذا السبب، حتى وهو عاجز عن أن يفعل فينا شيئًا، فإنه كطاغية سقط من جبروته، لم يحتمل سقوطه بهدوء، بل إنه يهددنا، مع أن تهديداته ليست سوى كلمات. لأنه كذاب وأبو كل كذاب. فليحفظ كل واحد منكم هذا الأمر، وسوف يقوى على احتقار الشياطين] [46].

وإن كان القديس أنطونيوس يحث تلاميذه الرهبان على عدم الاكتراث بضربات الشيطان العقيمة العاجزة، فإن عليهم أن يثقوا لا في قدراتهم هم، بل في النصرة التى ربحوها فعلاً بواسطة الرب، وعلى تلميذ المسيح أن يزدرى بمقاومة الشيطان له، فتصير حربه معه في شجاعة وفرح وبلا خوف:

[إن كان إبليس قد اعترف بنفسه أن قوته قد تلاشت، فيجب أن نحتقره مع شياطينه احتقارًا تامًا.. لهذا يجب ألاّ نيأس في هذا الطريق، وألاّ نخاف، وألاّ نصور المخاوف لأنفسنا قائلين: أنا خائف أن يأتى الشيطان ويحطمنى..، أو أن يثور علىَّ بغتة ويزعجنى؟ إن مثل هذه الأفكار يجب ألاّ تخطر ببالنا أبدًا، ويجب ألاّ نحزن كأولئك الهالكين، بل بالحرى نتشجع ونتهلل فرحين على الدوام، كأناس قد نالوا الفداء، ولنفكر في نفوسنا أن الرب معنا، هذا الذي طرد الأرواح الشريرة وأبطل قدرتهم، فلنتذكر هذا، ونضع في قلوبنا دائمًا أنه مادام الرب معنا، فإن أعداءنا لن يستطيعوا إيذاءنا] [47].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] المرجع الرئيسى لهذا الموضوع رسالة دكتوراه:

Khaled Anatolios, Athanasius, The Coherence of his thought, London and New York, 1998, pp. 164-195.

[2]]Seeing that all created nature … is in a state of flux and dissolution … may be able to remain firm since it shares in the Word.[R. Thomson, Athanasius Contra Gentes and De Inccarnation, Oxford, 1971, p. 115 (P.G. 26:84A2- 14), الرسالة إلى الوثنيين41

[3]]God had special pity for the human race… he gave it an added grace… making them in his own image and giving them also a share in the power of his own Word.[Thomson, p.141 (P.G. 26:101B6-9), تجسد الكلمة 3.

]By the grace of the participation of the Word they could have escaped from the consequence of their nature.[Thomson p. 145 (P.G. 26:105A3, 4), تجسد الكلمة 5.

راجع د. وهيب قزمان: النعمة عند القديس أثناسيوس الرسولى، ج1، إصدار مركز دراسات الآباء بالقاهرة 1993، ص43ـ37.

[4] تجسد الكلمة 3: P.G. 26:101B12، المعروف أن اللوغوس كلمة يونانية تعنى نطق الله العاقل، أو عقل الله الناطق.

[5] تجسد الكلمة 11: P.G. 26:113D6.

[6]] Ð mšn g¦r QeÒj oÙ mÒnon ™x oÙk Ôntwn ¹m©j pepo…hken, ¢ll¦ kaˆ tÕ kat¦ qeÕn zÁn ¹m‹n ™carisato tÁ toà LÒgou c£riti[,]God granted us, by the grace of the Word to live a divine life[P.G. 26:104D1, R. Thomson p. 145: تجسد الكلمة 5.

[7]] But men, despised the grace which had been given them, and so turned away from God [, R. Thomson p. 161 (P.G. 26:116B6-8): تجسد الكلمة11.

الازدراء بالنعمة تعبير يتميز به القديس أثناسيوس، وهو يحذر شعبه من هذا الازدراء بالنعمة عدة مرات في رسائله الفصحية 3:3 و4:6 و9:7 وغيرها، ولكن بعض الكتاب الغربيين يترجمون هذا التعبير على أنه سقوط من النعمة، كما فعل خالد أناتوليوس في كتابه: Athanasius, The Coherence of his thought ص 17.

[8] تجسد الكلمة 5 P.G. 26:104D1:.

[9] [بينما أخذ الرب جسدًا من مريم والدة الإله، فإن الذي أعطى الآخرين أصل حياتهم قيل عنه هو نفسه إنه قد وُلد، ليصبح هو ذاته أصلنا (الجديد)، فلا نعود نرجع إلى الأرض بعد باعتبارنا مجرد تراب من الأرض، لكن إذ اتحدنا باللوغوس الذي من السماء، فإننا نُحمل إلى السموات بواسطته]. ضد الآريوسيين 33:3 راجع، د. وهيب قزمان: النعمة عند القديس أثناسيوس، جـ2، إصدار مركز دراسات الآباء بالقاهرة 1994، ص 142ـ145.

[10] إن نسبة ” حياة أنطونيوس ” للقديس أثناسيوس كانت محل شك وتساؤل، لكن الدارس للفكر اللاهوتى المتماسك والرصين في هذا العمل، ومدى تماثله مع بقية النصوص الأخرى الخاصة بالقديس أثناسيوس إنما يقتنع تمامًا بأن قديسنا هو مؤلف هذه السيرة.

Barnes, “Angel of light or mystic initiate? The problem of the life of Antony”, Journal of theological studies 37, 1986, pp.353 -68. Louth, “St. Athanasius and the Greek Life of Antony”, Journal of theological studies 39, 1988, pp.504-9.

[11] Gregg & Groh, Early Arianism – A view of Salvation, Philadelvia, 1981.

[12] المرجع السابق ص 147. راجع أيضًا د. وهيب قزمان: النعمة عند القديس أثناسيوس الرسولى ج2، إصدار مركز دراسات الآباء بالقاهرة 1994، ص 70ـ75.

[13] Early Arianism – A view of Salvation, p. 147.

[14] المرجع السابق ص 148.

[15] المرجع السابق ص 139.

[16] ويعلق د. خالد أناتوليوس على تحليل الباحثين Gregg & Groh. ويفند آراءهما بخصوص فكر الآريوسيين حول تماثل المسيح معنا وأنه ببساطة ” مثلنا “، أنظر كتابه ص169 Athanasius, The Coherence of his thought. المستقر أن الآريوسية هاجمت مساواة الابن بالآب من أجل تأكيدها على وحدانية الله المطلقة Monist Conception of God، أى تمجيد الآب وحده على حساب اللوغوس، الذي زعم الآريوسيون أنه مخلوق وغير مساوٍ للآب في الجوهر، أنظر: Stead, “Arius in modern research”, Journal of theological studies 45:1, April 1994, p.36.

[17] [هذه هى محبة الله للبشر أنه بالنسبة لأولئك الذين صنعهم قد صار لهم أبًا أيضًا بعد ذلك بحسب النعمة.. عندما حصل هؤلاء الناس على “روح ابنه في قلوبهم صارخًا: أبانا أيها الآب” (غل6:4).. لكى يحدث هذا فقد ” صار الكلمة جسدًا ” لكى يجعل الإنسان قادرًا على تقبل الألوهية] ضد الآريوسيين 59:2.

[18] الرسائل الفصحية 3:3، 9:7.

[19] الرسائل الفصحية 3:6.

[20] الرسائل الفصحية 4:3 ((NPNF vol.4, p. 514.

[21] الرسائل الفصحية 3:5.

[22] المرجع السابق.

[23] الرسائل الفصحية 3:7 ((NPNF Vol.4, p.524.

[24] الرسائل الفصحية 1:6.

[25] الرسائل الفصحية5:5 و 3:7.

[26] الرسائل الفصحية 1:7.

[27] الرسائل الفصحية 4:6.

[28] الرسائل الفصحية 5:6، وأنظر متى14:25ـ30.

 [29] NPNF Vol.4, p.513.

[30] المرجع السابق (3:3).

[31] NPNF Vol.4, p.518.

[32] الرسائل الفصحية 3:5 ,1:6.

[33] الرسائل الفصحية 3:3 ,4:6 و9:7.

[34] القديس أثناسيوس ليس باللاهوتى القدرى Predestinationist، ولا هو باللاهوتى الذي يعول بشكل أساسى على الإرادة البشرية في اكتساب النعمة ‎والحفاظ عليها، أنظر:

Gregg, Athanasius: The Life of Antony and the Letters to Marcellinus, New York, 1980, p.21.

[35] NPNF Vol.4, p.547.

[36] الرسالة الثالثة ضد الآريوسيين:19: راجع د. وهيب قزمان: النعمة عند القديس أثناسيوس الرسولى، ج2 ص 102ـ104.

[37] الرسالة الثالثة ضد الآريوسيين:21.

[38] رسائل الروح القدس 19:1.

[39] رسائل الروح القدس 31:1.

[40] تجسد الكلمة 16ـ Thomson p.172.

[41] قابل تجسد الكلمة 27،29 ـ Thomson pp.198-190.

[42] الرسالة إلى الوثنيين 1:30.

[43] تجسد الكلمة 30ـ31: ـ Thomson pp.208-11.

[44] حياة أنطونيوس 8.

[45] حياة أنطونيوس 24: Gregg, pp.49-50.

[46] حياة أنطونيوس 28: Gregg, p.52.

[47] حياة أنطونيوس 42: Gregg, pp.62-63.

 

النعمة والإنسان في فكر القديس أثناسيوس الرسولى د. وهيب قزمان بولس

الرؤية الإسخاتولوجية للكنيسة – د. سعيد حكيم يعقوب

الرؤية الإسخاتولوجية للكنيسة – د. سعيد حكيم يعقوب

الرؤية الإسخاتولوجية للكنيسة – د. سعيد حكيم يعقوب

الرؤية الإسخاتولوجية للكنيسة – د. سعيد حكيم يعقوب

ترى التعاليم اللاهوتية الآبائية في الجذور الأولى للخلق والبُعد الأخروي للحياة مسيرة روحية واحدة. فالرؤية الكتابية والتقليد الكنسي، يتحركان في هذا الإطار ويؤكدان على أن الحياة مستمرة وممتدة، ولها بُعد أخروي. إن الحياة الحاضرة التي نحياها لا تنحصر في أُطر تاريخية، إذ هي تتسع لتشمل الخليقة كلها، بكل جوانبها. فالكون، والتاريخ، والإنسان، والمجتمع، كلها أمور تشكل محور الحقيقة الكتابية والكنسية.

التقليد الكنسي يؤكد على هذه الرؤية اللاهوتية، إذ أن الكنيسة تحيا حقيقة الحياة الجديدة، وتتذوق عربون الحياة الأبدية من الآن بالنعمة الإلهية التي تعطي لكل ممارسيها حيوية وإلهام خاص.

هذه العطية الإلهية هي التي تُنبئ بأن تحقيق الوعد بالأرض الجديدة والسماء الجديدة هو أمر مؤكد. لأن حقيقة هذه الأرض الجديدة المملوءة قداسة ومحبة وفرحًا تتجلى في أحشاء الكنيسة التي تتذوق من الآن خيرات الحياة الأبدية. فالتقليد الكنسي يهدف إلى تحقيق الصلاح الإلهي، الذي فقدته البشرية مبكرًا ، ويؤكد على الرجاء في اكتمال المسيرة نحو الحياة الأبدية، حتى يتحقق الكمال الذي نترجاه في الحياة الفردوسية المجيدة. واللاهوت الأرثوذكسي حين يتكلم عن الحياة الفردوسية، فهو يعني بشكل أساسي أمرين:

  1. المسيرة التي يسلك فيها الإنسان لكي يتجاوز مرحلة العدم ويصل إلى مرحلة الكمال.
  2. الدخول النهائي إلى ملكوت الله، والتمتع بمجد هذا الملكوت.

هذا ما يؤكده العلاّمة أوريجينوس بقوله: [يوجد في ملكوت الله “أرضًا” موعود بها للودعاء، أرض تسمي بـ ” أرض الأحياء “. أرض موضوعة على مرتفعات والتي قال عنها النبي بحق: ” فيرفعك لترث الأرض ” (مز34:37). هذه هي الأرض التي ترثها النفس المؤمنة بالله بعد الخروج من هذا العالم. والمقصود بها هنا أولئك الذين عاشوا بدون الناموس. وهنالك الذين وضعتهم العناية الإلهية وتدابيرها في الإيمان والنعمة بيسوع المسيح ][1].

لقد وصف الآباء الفردوس وقدموه كحقيقة محسوسة ومُدركة داخل البيئة التاريخية والطبيعية، إلى أن حدث الخروج من الفردوس، حين كسر المخلوق وصية خالقه.

وهنا تبرز حقيقة مهمة للغاية وهى أن الحياة الفردوسية تبدأ من المعطيات الخاصة بهذا العالم الحاضر، في مسيرة متنامية وصولاً إلى مرحلة كمال الكون كله المحسوس والمدرك. إن الفردوس الذي يبدأ في هذا العالم يعني دخول كل ما هو محسوس ومدرك في مجال ملكوت الحياة الإلهية.

وفشل الإنسان في تحقيق هذا الهدف، يفرض عليه إلتزامًا بتصحيح مسيرته مرة أخرى وتوجهه نحو تحقيق الصلاح الأبدي والذي يفوق حالة الإنسان الأولى، فليس هناك حديثًا لا في العهد القديم ولا في التعاليم اللاهوتية الأرثوذكسية عن عودة الإنسان لحالته الأولى فقط. فالإنسان في الفردوس لم يفقد نوعًا من الصلاح كان عليه أن يستعيده، لكنه فقد الشركة مع الله، فانقطعت المسيرة نحو الكمال الذي هو قصد الله من خلق الإنسان.

وطالما أن الحياة الفردوسية هي مسيرة نحو الكمال، نحو التلامس مع المجد الإلهي، الذي يبدأ من الآن ويكتمل في الحياة الأبدية. فإن ملامح هذه الحياة الفردوسية تتضح هنا في هذه الحياة الحاضرة، ويستطيع المرء أن يختبر هذه الحقيقة من خلال إتحاده بالله، ولذلك فإن حياة الجحيم هي على العكس تمامًا، هي فقدان للشركة مع الله، أي عدم الدخول في مجال الحياة الإلهية داخل الزمن، وبناءً عليه فقدان التمتع بالمجد الإلهي.

فالشياطين رغم أنها تؤمن بالله، إلاّ أنه يستحيل عليها رؤية المجد الإلهي، لأنها لا تأتي في شركة مع الله[2]. وهكذا يستطيع المرء أن يُدرك أن حياة الجحيم ليست حالة خاصة يفرضها الله على الإنسان طبقًا لقانون محدد. فالله يحتضن الكل الأبرار والأشرار. إلاّ أن الأشرار لا يستطيعون أن يرون مجد الله، لأنهم يشعرون بأنه يُعاقِب، وهذه الحالة ترتبط بموقفهم تجاه الله، وليس العكس.

إذًا الجحيم بحسب الرؤية الآبائية هو حرمان من التمتع بالمجد الإلهي، وعن هذا الأمر يقول ق. باسيليوس بأنه [ حرمان كبير وخسارة فادحة، ونحن نستطيع أن نتفهم هذا، لو أننا قابلنا بين هذه الحالة وحالة الأعمى، فالأعمى يخسر الكثير، لأنه لا يرى نور الشمس ][3].

إذًا فالجحيم هو عدم الشركة مع الله فالشركة مع الله هي التي تعكس جمال وبهاء الحياة الفردوسية.

توجد في أقوال الآباء الشيوخ قصة تُروى عن ق. مقاريوس الكبير، تُخبرنا بأن القديس مقاريوس بينما كان يمشي في البرية وجد جمجمة لإنسان هرطوقي، فطرق عليها بعصاه، فعلى الفور شعرت نفس ذلك الهرطوقي وهى في الجحيم بالقديس، وطلبت منه الصلاة لأجل تخفيف الآلام عنها. وعندما سأله القديس مقاريوس عن حالتهم في الجحيم، أجاب بأن وجه كل واحد في ظهر الآخر، ولا يستطيع أحد أن يرى وجه الآخرين، وترجاه في النهاية أن يُصلي من أجلهم لكي يروا حتى ولو قليلاً وجه الآخر[4] .

وهذه الحقيقة قد أكد عليها الرسول بولس في رسالته إلى أهل تسالونيكي بقوله: ” فإذ قد فقدناكم زمان ساعة بالوجه لا بالقلب اجتهدنا أكثر باشتهاء كثير أن نرى وجوهكم ” (1تس17:2)، مما يبرهن على قيمة وأهمية حياة الشركة في المسيرة الروحية للمؤمنين. وهذه الصور تُعبّر عن المحتوى اللاهوتي العميق للتعليم الأرثوذكسي، الذي يرى في الشركة في المجد الإلهي تحقيق للحالة الفردوسية، وأن الخروج من هذه الشركة يؤدى إلى حياة الجحيم. وعلى هذا الأساس يمكن أن نفهم معنى الشركة بين الأحياء والأموات، والصلوات من أجل الأنفس التي رقدت.

إن الحياة المسيحية تحمل في طبيعتها توجهًا أخرويًا، فهي تتطلع نحو حياة الدهر الآتي. وهي بهذه الرؤية المتفردة، تختلف عن كل الديانات الأخرى، فالديانة اليهودية أيضًا لديها توجه أخروي، ولكن التوجه المسيحي من جهة الحياة الأبدية، يختلف جذريًا عن هذا التوجه اليهودي. اليهود يؤمنون بالله الذي خلق الكون من العدم، ويعترفون بحضوره في العالم والتاريخ، وينتظرون تكميل العمل وتحقيق وعوده في المستقبل، في الأزمنة الأخروية.

هذا الإيمان وهذا الرجاء يرتبط بفكرة الخط المستقيم للزمن. أما الحياة المسيحية فتعتمد أساسًا على تأنس ابن الله، الذي تحقق بالفعل، تتميمًا لوعوده للإنسان. فأساس التوجه المسيحي إذًا نحو الحياة الأبدية، هو مجىء الله في الجسد، وأيضًا انتظار المجىء الثاني للمسيح، الذي يعني كمال عمل الله وتجديد الكون “ولكننا بحسب وعده ننتظر سماءً جديدة وأرضًا جديدة “.

إن المجىء الأول للمسيح والذي حدث زمنيًا في الماضي هو نفسه يُعلن عن المجيء الثاني الذي يُنتظر في المستقبل. إلاّ أن هذا المستقبل لا ينحصر في بُعده التاريخي، إذ أن المستقبل الخاص بالرجاء المسيحي يتجاوز الزمن والتاريخ، لأن ما يرتبط بالزمن، وما يوجد في التاريخ لا يتعدى كونه مجرد ظلال ورموز. فلا يجب أن نضع رجاؤنا في انتظار نهاية الزمن، لأننا من الآن نحن نحيا الحياة الجديدة في المسيح، وننتظر كمال عمل الله.

إذًا على عكس اليهودية التي تُركّز أهدافها واهتماماتها على الزمن والتاريخ، فإن الكنيسة ترى في الزمن والتاريخ وكل ما يرتبط بهما مجرد وعاء يحمل في داخله ملامح الحياة الأبدية التي ننتظرها. وفي نفس الوقت هي تفتح أبعادًا جديدة لا حدود لها، ورؤى متسعة لتقييم الزمن والتاريخ. وإذا كانت الكنيسة تنظر لتاريخ شعب إسرائيل كتاريخ مقدس، إلاّ أنها ترى فيه معنى رمزيًا.

فخروج اليهود من أرض مصر، وانتقالهم إلى أورشليم، يُفسر من قِبَل الكنيسة على أنه نموذج لخروج المؤمنين من العالم وانتقالهم لملكوت الله. يقول ق. إيريناؤس [خروج شعب الله من أرض مصر، هو نموذج وأيقونة لخروج الأمم ودخولهم في الكنيسة ][5].

إن الرؤية الأخروية للكنيسة يمكن أن توصف بأنها خروج. فالعالم يُنظر إليه كمكان إقامة مؤقت وزائل، وفي نفس الوقت هو عمل الله. لكن الله لم يجعل من هذا العالم المؤقت والزائل مكان إقامة دائم للبشر، إذ أن ملكوته الأبدي هو مكان الإقامة الدائم. هذه الحالة تصفها الرسالة إلى ديوجينيتوس بالقول [ إن المؤمنين يعرفون بأنهم غرباء ونزلاء في أوطانهم فإنهم يسكنون البلدان لكنهم غرباء عنها .. وكل بلد أجنبي هو وطن لهم، وكل وطن لهم يُعد بلد غريب ][6].

وهكذا فإن إهتمام المؤمنين لا ينحصر في مجال الأحداث التاريخية وتطوراتها، ولكنه يمتد إلى أبعد من ذلك ” لأن ليس لنا هنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة ” (عب14:13). وهذه المدينة العتيدة التي تتطابق مع ملكوت الله، ليست بعيدة عن المؤمنين، لكنها بالفعل داخل قلوبهم كعربون لما سيحدث.

لقد تحدث القديس بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس بشأن هذا الموضوع قائلاً: ” هوذا سر أقوله لكم لا نرقد كلنا ولكننا كلنا نتغير في لحظة في طرفة عين عند اليوم الأخير فإنه سيبوق فيقام الأموات عديمي فساد ونحن نتغير. لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد وهذا المائت يلبس عدم موت ” (1كو51:15ـ53). هذا التوجه يدعم الرؤية الخاصة بأن هذا العالم هو إلى زوال، وفي ذات الوقت يجعلنا نتطلع نحو ملكوت الله.

إن ملكوت الله لا يوجد فقط بعد نهاية التاريخ، لكنه حاضر في كل لحظة في التاريخ. وعلى الرغم من أننا ننتظر هذا الملكوت بعد نهاية التاريخ إلاّ أنه يتحقق فعليًا في الحاضر ” ننظر الآن في مرآه في لغز” (1كو12:13). وهذا يوصف بوضوح تام في إنجيل يوحنا “الساعة الأخيرة” التي ينتظرها المؤمنين، هي حاضرة بالفعل، وتعمل في التاريخ ” تأتي ساعة وهى الآن ” (يو23:4، 25:5).

وهذا يعني أن ملكوت الله يتحقق في هذا العالم الحاضر ولكنه لا ينتسب إليه، ويصير هذا الملكوت هو المعيار الذي يتم على أساسه تقييم أمور هذا العالم. فعندما يثبت المؤمنون في إيمانهم حتى المجىء الثاني وعندما يبلغوا إلى رؤية ملكوت الله تتضح الحقيقة المؤكدة، وهى أن كل شئ مرتبط بهذه الحياة الحاضرة، باطل. إن الزمن والتاريخ لهما بعد نسبي، بيد أنهما يتسعان بغنى وبلا حدود ويصير الزمن وعاءً للأبدية، والتاريخ مجالاً لاستعلان ملكوت الله.

إن العالم بكل ما فيه وهكذا الزمن أيضًا يشكلان مسألة نسبية أمام ملكوت الله.  ” لأن يومًا واحدًا عند الرب كألف سنة وألف سنة كيوم واحد ” (2بط8:3). الوقت كما يؤكد الرسول بولس “مُقصر” ” لكي يكون الذين لهم نساء كأن ليس لهم. والذين يبكون كأنهم لا يبكون والذين يفرحون كأنهم لا يفرحون والذين يشترون كأنهم لا يملكون. والذين يستعملون هذا العالم كأنهم لا يستعملونه. لأن هيئة هذا العالم تزول” (1كو29:7ـ31).

إذًا فالمسيحيون هم مواطني الوطن السمائي، الذي أسّسه المسيح وصار أول مواطنيه[7]. التطلع نحو هذا الوطن السمائي، يخلقه فينا هذا الضمير الأخروي ” سيرتنا نحن هي في السموات ” (في20:3، أف19:2). وهذا الضمير يوّحد المؤمنين فيما بينهم، وفي نفس الوقت يجعلهم مختلفين عن أهل العالم.

إن الحياة الأخروية هي الغاية النهائية، التي تتجه إليها الخليقة والتي بها تكتمل كل الأمور السابقة. هي النهاية التي ينتظرها الجميع في المستقبل، وهى قائمة في الحاضر كهدف. ولهذا فإن الغاية المسيحية التي ننتظر تحقيقها، هي ملكوت الله الذي ننتظره في نهاية التاريخ. لكن ملكوت الله قد أتى بالفعل إلى العالم، بمجيء المسيح (لو20:11). فالنهاية صارت حاضرًا. وبرغم من أن المسيح ينتسب إلى الحياة الأبدية، إلاّ أنه موجود يعمل داخل التاريخ الإنساني.

ولهذا فإن الحياة الأخروية المسيحية يمكن أن توصف كحياة منتظرة، وكحياة متحققة ” أيها الأحباء نحن أولاد الله ولم يظهر بعد ماذا سنكون ولكن نعلم أنه إذا أُظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو ” (1يو2:3). فالمسيح الذي استُعلن كإنسان صُلب ومات وقام وصعد إلى السموات، وهو غير الزمني، والأبدي والله الأزلي ” الكائن والذي كان والذي يأتي ” (رؤ4:1). استعلان مجد المؤمنين في ملكوت الله يتطلب إنضمامهم إلى جسد المسيح أي الكنيسة. والكنيسة قائمة بين تخوم الحاضر والحياة الأبدية.

وجود الإنسان داخل الكنيسة يكسبه ملمحًا إسخاتولوجيًا، وخروجه من العالم، ليس هو اختفاء في الفراغ، لكنه اشتراك في الحياة الأبدية، في المجد الإلهي. كما يعبر نيكولا كابيسيلاس عن هذه الحالة بقوله ” إن المؤمنين هم أعضاء جسد المسيح، ورأس هذا الجسد مُختفى في التاريخ، لكنه سيظهر في الأبدية، في حياة الدهر الآتي. وعندما يظهر مجد الرأس، حينئذ سيظهر بهاء الأعضاء”[8].

رجاء الإنسان في دخوله ملكوت الله يرتبط بشكل مباشر بحياة المؤمن اليومية، بينما طريقة معيشته لهذا الرجاء يعتمد على مرحلة النضوج الروحي. وهكذا فإن رجاء المؤمنين في ملكوت الله يتحقق بطريقتين داخل الكنيسة:

  1. بانتظار المجيء الثاني للمسيح والذي يعني نهاية العالم والتاريخ.
  2. من خلال اختبار حضور ملكوت الله في التاريخ، وهذا الاختبار ظهر بشكل محدد وواضح في حياة القديسين اليومية.

هذا الملكوت المرتجى يتجاوز المكان والزمان، واستعلان هذا الملكوت في الإنسان، هو عطية محبة من الله، والتي لا تخضع لتحديدات زمنية ومكانية[9]. وإن كان ملكوت الله يتحقق في هذا العالم، إلاّ أنه سيكتمل في الدهر الآتي. إن إحساس الإنسان ببطلان هذا العالم الحاضر، يُحرره من العبودية لهذا العالم، ويُحيله إلى حقيقة ملكوت الله. وهذا في حد ذاته يعطيه قوة لمواجهة الشر، وقدرة على الإحتمال في محاربة الشهوات، ومجال لإقتناء الفضائل. ويصف الرسول بولس الحياة الحاضرة “بالليل” والحياة الأبدية “بالنهار” (رو12:13).

فظلام وخطية هذا العالم يقودان إلى الفناء. بينما الحياة في نور المسيح يقود إلى ملكوت الله. ومن أجل هذا تزول الفوارق بين الزمن والأبدية، بين الحياة الحاضرة والحياة المستقبلية داخل الكنيسة. الحياة الحاضرة هى بداية الحياة المستقبلية، والحياة المستقبلية هى امتداد للحياة الحاضرة. والحياة في المسيح كما يقول نيكولا كابيسيلاس ” تتأسس هنا في هذه الحياة الحاضرة، لكنها تكتمل في الحياة المستقبلية، عندما نصل إلى ذلك اليوم “[10].

هذا يعني أن أي سلوك مُغاير لهذا المسلك الإيماني، سيقود بالضرورة إلى هجرة الجهاد الروحي، وهذا بدوره سيقود إلى الخضوع لأمور هذا العالم الحاضر، فيفقد الإنسان رؤيته الاسخاتولوجية، ويُسبى من عدو الخير والنتيجة الحتمية هى الخروج من الحالة الفردوسية، والدخول في مجال الجحيم. المصير الأخروي للإنسان، هو مصير الخليقة في مجملها، والتعاليم الآبائية اللاهوتية الخاصة بحركة التاريخ، وتطور الخليقة، تنظر إلى هذه الحركة وهذا التطور إنطلاقًا من سر تأنس الكلمة.

إذ أن الكلمة المتجسد يُشكّل السبب، والمركز، والهدف النهائي للخليقة في مُجملها. ولذلك فاليوم الأخير، والذي يُدعى “يوم الرب” هو يوم استعلانه التام والنهائي.

 

1 العلامة أوريجينوس، عظات على سفر العدد، ترجمة القس برسوم عوض و القس شنودة أمين والآنسة مارسيل عوض الله، مراجعة د. نصحي عبد الشهيد، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الجزء الثاني 2007م، ص197.

2 مت29:8، يع19:2.

[3] M. basile…ou, E…j thn Eza»meron PG. 29-120B.

[4] Makar…ou tou Aigupt…ou, Apofqšgmata PG 34, 257CD-260A.

[5] Eirhna…ou kata airšsewn 4, 30, ekd.A Rousseau “ Sources chretiennes “ tom. 100.785

[6] proj DiÒgnhton 5,5.

[7] Grhg. qeolÒgou, LÒgoj 33, 12 PG 36, 229A.

[8] per… thj en cristè zw»j 2, PG 150, 548 BC.

[9] Arcim. Swfron…ou, oyÒmeqa ton qeÒn kaqèj štsi, sel.208.

[10] per… t»j en cristè zw»j 1, PG 150, 493 p.

الرؤية الإسخاتولوجية للكنيسة – د. سعيد حكيم يعقوب

ارشادات هامة لتقديس افكارك وحواسك والعيش في طهارة

ارشادات هامة لتقديس افكارك وحواسك والعيش في طهارة

ارشادات هامة لتقديس افكارك وحواسك والعيش في طهارة

 

اذا كنت تريد اقتناء فكرا مقدسا وتحاول عبثا حيث تتسلل لك تلك الافكار التي تنبع من داخلك بغير ارادتك وتشعر انك لا تستطيع التحرر منها فاليك بعض النصائح:
1- أول كل شيء، لا تيأس البتة، فالأفكار الدنسة لا بد أن تجد هوى في نفسك طالما أنت ساكن في هذا الجسد. يشتهي الجسد ضد الروح والروح يشتهي ضد الجسد وكلاهما يقاوم أحدهما الآخر (غلا17:5). ولكن إنسان الله الذي عزم أن يسير في طريق المسيح لا يقبل هذه الأفكار ويستسلم لها بل يطردها في الحال ولا يتفاوض معها بالمرة. هذا معنى قول معلمنا بولس الرسول لتلميذه تيموثاؤس “أما الشهوات الشبابية فأهرب منها” (2تي22:2). أسلم الطرق -إذن- هو الهروب.

أما إذا استسلمت للفكر ولو إلى دقائق، ففي اليوم التالي تحتاج إلى جهاد أكثر للتخلص من ذات الفكر لأنه كالصيف الثقيل الذي إذا دخل لا يخرج بسهولة. إذا استسلمت للفكر فإنه يومًا بعد آخر يصير له جذور في داخل القلب، وتكون قد سلمته عجلة قيادة نفسك!


متى استسلم الإنسان لفكر ما يعطيه الحق في الظهور مرة ومرات، لأنه يطبع صور منه في اللاشعور يصعب انتزاعها.

ما نقوله عن الفكر نكرره بخصوص الحواس، فكل حاسة تدخل إلى خبرة خاطئة تصير هذه الخبرة رصيدًا في الأعماق، تستخدم من وقت إلى آخر لسقوط الإنسان واستسلامه. هذا ما دفع أحد المراهقين أن يقول في مرارة: (ألا ترى أنك متى بدأت أن تمارس جنسًا مرة تجد نفسك لا تريد التوقف؟ ما تفعله يتزايد أكثر فأكثر فأكثر).


إذن الهروب قوة، خلالها يقطع الإنسان عن نفسه سلسلة خبرات فكرية وحسية قد لا تنتهي، ليقل الإنسان في نفسه “لا” في المسيح يسوع، متذكرًا أن الخطية خاطئة جدًا، وأن قتلاها أقوياء.

لنهرب إذن من كل عثرة ما دمنا في الجسد مهما كان مركزنا، أو خبرتنا الماضية، أو عمرنا، حتى لا يتدنس الفكر.

الآن، إن كنت بالفعل قد استسلمت للأفكار الدنسة وقد صار لها سلطان عليك لا تيأس ولكن إحذر من أن تعقّد الأمر بقبولك أفكار أخرى جديدة بإرادتك، أما عن الأفكار المسيطرة، فإنك محتاج أن تقاومها بشجاعة، عالمًا أن الله القدوس يرى تواضعك ويقبلك ويحصي كل تضحية صغيرة تبذلها من أجل أن تحفظ فكرك طاهرًا، “لأن هذه هي إرادة الله قداستكم، أن تمتنعوا عن الزنا” (1تس3:4).

في البداية قد يكون تدريب توقع الموت وانتظار يوم الدينونة المفاجئ مفيدًا لأن الفكر المستهتر قد لا تجذبه المحبة فيردعه الخوف الممزوج بالثقة إلى أن يتذوق المحبة.

2- وقد لا يأتي الفكر شهوانيًا من البداية، بل غالبًا ما يبدأ بصورة مخادعة، كأن يستسلم الإنسان طويلًا لأحلام يقظى تبدو أنها صالحة، فيفكر طويلًا في مستقبله ويضع أمانٍ وأحلام، غالبًا ما تنتهي به إلى الخروج عن الواقع ليحيا في جو من الخيال بمشاعر شهوانية داخلية!

3- من العوامل التي تدفع البعض إلى الأفكار الدنسة هو القلق وعدم الاتكال على الله. لهذا لا عجب إن رأينا كثيرين يشكون من سيطرة الأفكار الدنسة عليهم في فترة ما قبل الامتحانات رغم انشغالهم الكثير بالدراسة، لكن القلق يدفع إلأى الأفكار الدنسة ابتغاء اللذة والهروب من الواقع. لهذا فإن الصلاة من أجل أن يعطيك الرب سلامًا وفرحًا في الداخل واتكالًا عليه، هو علاج قوي ضد مثل هذه الأفكار.

4- يقول المثل العامي: “عقل الكسلان معمل للشيطان” الفكر بطبيعته عامل فينا، يعمل إما للبنيان أو للهدم، إما للخير أو للشر.
راحة الفكر، ليس في توقفه عن العمل، لأن الفكر في وضعه الطبيعي لا يمكن أن يأخذ أجازة عن العمل. إنما في فترة خمول الجسد أو نومه يجتّر الفكر حصيلة ما قدمته له من غذاء في وقت عملك.

الشاب الذي ينهمك كثيرًا في الترف واللهو وجلسات المستهزئين لا يتوقع أن يكون فكره مقدسًا في وقت خمول جسده أو أثناء نومه حيث تضعف إرادته. أما الشاب الذي قدم لنفسه غذًاء روحيًا (لا من الخارج فقط في صورة ريائية بل من كل قلبه) غالبًا ما يتوقع فكرًا مقدسًا في تلك الفترات.

لهذا فإن القراءة الروحية وحفظ المزامير وترديدها وقراءة سير القديسين وأقوالهم، هذا كله يفيدك إذ تخزن لنفسك ما ينفعك في وقت جوعك.

5- لا تنس أن الألحان الكنسية والترانيم الروحية والتغني بالمزامير هذا كله يدفع بفكرك نحو التقديس والتلامس مع ربنا يسوع المسيح.
ليعطك الرب وضعفي فكرًا طاهرًا مقدسًا ينشغل بربنا يسوع ويحتقر كل الأفكار العتيقة التي مضت

كيف تستطيع تقديس حواسك:
يقول الشيخ الروحاني (القديس يوحنا سابا)، عن تقديس الحواس: (أيها الأخ المشتاق برغبة حارة أن تكون في الله وأن تتصل بذاك القدوس الذي لا يعرف خطية، اسمعني بحب واغفر لضعفي).

(رتب حواسك أيها الأخ واحذر لها، إذ منها يدخل موت الإنسان الخفي… امنع نظرك عن التطلع إلى جمال الإنسان الفاني وذلك بالنظر إلى الله. وامنع أذنك عن الاستماع إلى كل سماع رديء وذلك بالاستماع إلى أسرار القدير! واحذر استنشاق الروائح الكريهة… مستبدلًا بذلك رائحة المسيح الذكية! واغلق فمك بالحذر الكلي … واحفظ فمك متحدثًا مع الله… متكلمًا مع الخالق! والحاسة الخامسة وأعني بها اللمس فسلمها إلى الحافظ الساهر، واطلب العفة في كل حركاتك ولمساتك ليحرسك الرب من الأفكار النجسة!)

(كل من يشاء الآن أن يحفظ نفسه وضميره من الأعمال الشريرة فليحفظ هذه الحواس، وليسلمها في يد الله الأمين معين الضعفاء).

عزيزي… لقد أنعم الله عليك بالحواس التي بدونها تفقد حيويتك كإنسان يحس ويشعر. والحواس فيك تختلف عنها في أي كائن أرضي حيّ آخر، لأن الله قد خصك بإرادة تقوم بالدور الأكبر في توجيه حواسك.

يمكنك إن أردت أن تنطلق بهذه الحواس الخمس لتعمل كطاقات قوية تدفع بنفسك نحو التمتع بالشركة مع ربنا، وتستطيع أيضًا إن أردت أو استسلمت أن تهوى بها إلى أعماق النجاسة فتتمرغ نفسك في الدنس وتظن أن الطهارة ليست لبشر لهم مثل هذه الحواس.

فكيف تستطيع توجيه حواسك لتعمل الخير وحياتك متقدة بالشهوة؟

الذي يقدس الحواس هو الروح القدس الذي هو ليس ببعيد عنك بل في داخلك يسكن فيك، لكن أنت لا تتجاوب معه!
فالحاجة إذًا هي أن تتعامل مع الروح القدس بأن تجاهد في الصلاة طالبًا أن يملأ قلبك ويضيء حواسك. وقد علمتنا الكنيسة أن نصلي يوميًا قائلين في صلاة الساعة الثالثة: “روحك القدوس يا رب الذي أرسلته على تلاميذك القديسين ورسلك المكرمين في الساعة الثالثة هذا لا تنزعه منا أيها الصالح لكن جدده في أحشائنا”.

يشّبه القديس يوحنا ذهبي الفم نفس الإنسان (الطفل) بمدينة ، أبوابها هي الحواس، خلالها يدخل المواطنون ويخرجون، بمعنى أن خلالها تفسد الأفكار أو تسير حسنًا (3). مزلاج هذه الأبواب هو صليب الرب المزين بحجارة كريمة وذهب (4). هذه الأبواب للرب، خلالها يدخل البر (مز117 (118):20…

ويقول القديس أنطونيوس:
(الروح القدس يساعد الإنسان على تنفيذ الوصايا التي تعلمها، ويرشده لطرد الشهوات النابعة عن النفس ذاتها مستقلة عن الجسد، أو الشهوات التي لحقت بها عن طريق الجسد.
والروح القدس يعلّم الإنسان أن يحفظ جسده كله -من الرأس إلى القدمين- في تناسق.
فيحفظ العينين لتنظرا بنقاوة!
ويحفظ الأذنين لتصغيا في سلام… ولا تتلذذا بالأحاديث عن الآخرين والافتراءات وذم الغير!
ويحفظ اللسان لينطق بالصلاح فقط معطيًا وزنًا لكل كلمة فلا يسمح لحديث نجس أو شهواني أن يختلط بحديثه.
ويحفظ اليدين لتتحركا طبيعيًا، فترتفعان لصنع الرحمة والكرم!
ويحفظ المعدة ليكون لها حدودًا مناسبة للأكل والشرب وذلك حسب القدر الكافي لقوت الجسد. فلا يترك الشهوة أو النهم ينحرفان بها فتتعدى حدودها!
ويحفظ القدمين لتسلكا حسب إرادة الله بهدف القيام بأعمال صالحة، بهذا يكون الجسد كله قد إعتاد كل عمل صالح وصار خاضعًا لسلطان الروح القدس فيتغير شيئًا فشيئًا حيث يشارك -إلى حد ما- في النهاية صفات الجسد الروحي الذي يناله في القيامة العادلة

1- فمن جهة النظر:
يعتبره القديس أغسطينوس أول حلقة من حلقات السقوط وإليك بعض ارشادات عملية بخصوص النظرات الشريرة:

(أ) اهرب من المكان الذي تشعر فيه بالضعف (جنسيًا) أمام شخصية معينة، ولو كان السبب هو ضعفك الداخلي وليس ذلك الإنسان. وهروبك هذا ليس بجبن بل فيه شجاعة إذ تقاوم عاطفة قوية في داخلك، لا تقف عند هذا الجانب السلبي بل اهتم أن تتوب وتصلي وتتمتع بربنا يسوع حتى تصير عيناك بسيطة فلا تعثر بأحد.
(ب) لا تجول بعينيك باحثًا عن المناظر المثيرة… متذكرًا أن النبي داود صاحب المزامير بنظرة واحدة مستهترة انحرف إلى الخطية.
(ج) لا تجعل نظرتك فاحصة تنقل إليك الشهوة متذكرًا أن من هم أمامك اخوتك واخواتك. وكما قال القديس باخوميوس للفتاة التي حاولت اغرائه وهو صبي: “هل عيناي عيني كلب حتى أضاجع أختي؟!”.
(د) لا تخدع نفسك بأنك تتأمل الجمال في ذاته، لأن الجمال هو الخير المطلق؛ فاحذر لأن الشهوة مختفية فيه وأنت لا تعلم!
(ه) إن أحسست بنظراتك أنها غير طبيعية نحو شخصية ما تلتقي معها بحكم العمل أو الظروف ارفع قلبك إلى الله مناديًا “اسم يسوع” حتى تتقدس نظراتك.
(و) اهتم أن تضع صورًا للسيد المسيح والقديسين في حجرتك وعلى مكتبك لكى تكِّرك هذه الصور بقداسة أصحابها ونقاوة سيرتهم.
(ز) احذر الكتب الرخيصة والمجلات السوقية والأفلام التي تستخدم الحوادث الغرامية المثيرة والمناظر الخليعة… واعلم أن وقتك أثمن من أن يضيع في مثل هذه الأمور!!
(ح) لا تعتمد على قامتك الروحية الحالية، فتترك نظراتك تجول هما وهناك حاسبًا أنك قوي، لا تتعثر. هناك قصة عن شابًا يتسم بالروحانية جاء يومًا الى اب اعترافه يعترف بأنه ذهب إلى أماكن معثرة، لكنه كان يشعر أن كل النساء اخواته بالرغم من عدم احتشامهن، وأنه لم يجد فيهن عثرة قط…
مرت سنوات وجاءني ذات الشاب يشتكي بمرارة من صراعه المرّ بسبب النظرات القديمة التي مرّ عليها سنوات دون عثرة. لقد جاء وقت الضعف ليتذكرها، أو لتتراقص في ذهنه وتسحبه بكل قوة إلى أفكار دنسة محطمة. إنه رصيد خبرة خاطئة قبلها بإرادته حاسبًا في نفسه أنه قوي.


2- من جهة السمع:

(أ) اهرب قدر ما تستطيع من مجالس المستهزئين حتى لا يعلق بأذنيك الهزل الباطل والفكاهات المثيرة والألفاظ التي سرعان ما تراودك في الفترات التي يضعف فيها الرقيب الداخلي، مثل فترات النوم أو أحلام اليقظة أو المرض أو الارهاق البدني الشديد!
(ب) إن كنت تعشق الموسيقى فاعلم أن كثيرين قد دخلوا إلى أعماق الشركة مع الله عن طريق الألحان الكنسية الجميلة خاصة ألحان أسبوع الآلام، فإنها قادرة أن تشبع هوايتك وتفيد نفسك!

3- من جهة التذوق:

ليكن لمعدتك ميزانًا يتناسب مع صحتك والمجهود البدني الذي تبذله (مع الاسترشاد بأب اعترافك). 

4- من جهة حاسة الشم:
فتذكر ألا تكون مغاليًا في التزين ومحبًا للتنعم بالأمور الأرضية، مفضلًا على ذلك حياة السهر والصلاة التي تؤهلك لتصير أنت ذاتك رائحة المسيح الذكية للذين يخلصون (2كو15:2). 

5- من جهة حاسة اللمس:
… وخاصة في الأماكن المزدحمة ارفع قلبك لله واشغل فكرك فيه… نادِ اسمه.
وأخيرًا ليعطنا الرب أن نتذكر دائمًا أن كل أعضاء جسدنا وكل حواسنا هي ملك للرب… أذكر أنك ابن الله، أنك مفدي بدم ثمين هذا مقداره… تذكر دائمًا مقدار نفسك عندئذ يسهل أن تتحول كل طاقاتك لتكون عاملة حسب إرادة الله الكاملة المرضية

ارشادات هامة لتقديس افكارك وحواسك والعيش في طهارة

Exit mobile version