انجيل يهوذا – شفرة دافنشي – كيف يمكن مواجة هذه القصص؟
انجيل يهوذا – شفرة دافنشي – كيف يمكن مواجة هذه القصص؟
كل واحد اليوم يبدو وأنه يتكلم عن “إنجيل يهوذا” أو عن “شيفرة دافنشي”. كيف يجب أن واجه كأرثوذكس مثل هذه القصص؟ هل تمثّل هذه القصص تهديداً حقيقياً للإيمان أو للإنجيل؟
إن ما يُدعى “إنجيل يهوذا” إنما هو عمل غنوصي يعود ربما إلى نهاية القرن الثاني الميلادي. وهو، مثل معظم “الأناجيل” الغنوصية في تلك الحقبة، تتخلله بصورة شاملة تعاليم غنوصية غريبة عن التقليد المسيحي الأصلي الموجود في الأناجيل القانونية.
هذه النصوص الغنوصية مبنية بصورة كبيرة على أساطير قديمة تعكس التقاليد الوثنية مثل تقليد “الإله المحتضر والقائم” الخاص ب “الديانات السرّية”. نشرة مجلة The National Geographic إنجيل يهوذا، فالتقطته الصحافة. وبما أن المنشورات التي تتحدّى الإيمان المسيحي، تميل للرواج هذه الأيام، ظنَّ كثيرون أن هذا أمر جديد إذ يرفض بعض معتقدات المسيحية المهمّة. لكن ليس هذا بالأمر الجديد. إذ نعرف لقرون بوجود نصوص غنوصية عديدة مبنية على تفاسير ملتوية زائفة للتقليد المسيحي الأصيل.
وبكلمات أخرى فإن إنجيل يهوذا لا يمثّل تهديداً لإيمان الكنيسة أكثر من تهديد كتابات أخرى مثل “إنجيل الحقيقية” أو “إنجيل فيليبس”. لقد تمَّ تنظيم الأناجيل القانونية على أنها معيارية (“قانونية”) فقط خلال فترة طويلة من الزمان. لكننا نعرف من القديس إيريناوس وترتليانوس مثلاً بوجود تقليد موثوق به منذ البداية regula veritatis أو “معيار الحق” والذي انتقل شفهياً وتمَّ حفظه في الكنيسة، ويمثّل الشهادة الأمينة والحقيقية ليسوع المسيح وبشارته الخلاصية.
أما بالنسبة لكتب مثل شيفرة دافنتشي فقد أشار علماء الكتاب المقدس إلى الأخطاء الواقعة فيها. إنها مجرد روايات يجب أن لا تؤخذ بمحمل الجد على الإطلاق. إنها خطرة فقط على الذين ينسبون لمؤلّف شيفرة دافنتشي “سلطاناً” أكبر من الذي ينسبونه ليسوع المسيح أو لآباء الكنيسة. (الأب دان بريك)
“منذ دخوله الأول للدير يجب على الراهب أن بكرّس كل عناية وانتباه ممكنين لقراءة الإنجيل المقدس. يجب عليه أن يدرس الإنجيل بانتباه بحيث يكون حاضراً دائماً في ذاكرته. في كل قرار أخلاقي يتّخذه، وفي كل عمل، وفي كل فكر، عليه دائماً أن يستحضر في ذاكرته تعليم الإنجيل جاهزاً…. هابر على دراسة الإنجيل حتى نهاية حياتك. لا تتوقف أبداً. لا تظن أنك تعرف بما فيه الكفاية، حتى ولو كنت تعرف (الإنجيل) كله عن ظهر قلب” (القديس إغناطيوس بريانتشانينوف)
“بالروح القدس تفيض سواقي النعمة ومجاريها، فتروّي البرايا بأسرها بالحياة المحيية” (سحر عيد الظهور الإلهي، الغطاس)
انجيل يهوذا – شفرة دافنشي – كيف يمكن مواجة هذه القصص؟
هل أكل المسيح الفصح اليهودي مع تلاميذه ؟ والرد على الخلاف الظاهري بين البشائر الإزائية وبشارة القديس يوحنا
هل أكل المسيح الفصح اليهودي مع تلاميذه ؟
هل أكل المسيح الفصح اليهودي مع تلاميذه ؟ والرد على الخلاف الظاهري بين البشائر الإزائية وبشارة القديس يوحنا
1- وليمة عشاء الرب مساء الخميس هل كانت هي وليمة الفصح؟
التقليد الأرثوذكسي الذي تسير عليه الكنيسة القبطية منذ أيام الرسل، وكما تسلَّمته من السيد المسيح، هو أن تقديس سر الإفخارستيا يكون بالخبز المختمر. وهذا على أساس أن السيد المسيح أسس سر الإفخارستيا في اليوم السابق للفصح، أي قبل أن يحل ميعاد أكل الفطير.
ولكي يفهم القارىء موضوع الفصح اليهودي والفطير وعلاقتهما بسر الإفخارستيا ينبغي أن يعرف الآتي:
حينما أراد الله أن يخلِّص شعب إسرائيل من العبودية في مصر، أمرهم – بفم موسى النبي – أن تَذبح كل عائلة خروفاً حَوْليًّا (أي ابن سنة)، ليكون دمه علامة الخلاص (فداء) لكل بكر في كل بيت. على أن يُمسح بدمه باب البيت: القائمتين والعتبة العليا حتى إذا نظر الملاك المُهْلكُ علامةَ الدم يعبر عن البيت، لأن الأمر كان قد صدر من الرب أن يضرب الملاك المهلك كل بكر في أرض مصر، كعقاب لمصر بسبب تشديد العبودية على شعبه إسرائيل.
أمَّا الخروف فيُذبح في الغروب، عشية اليوم الرابع عشر (اكتمال البدر) من الشهر الأول نيسان (ميعاد خروج شعب إسرائيل من مصر)، ثم يؤكل لحمه مشوياً بالنار فقط، ولا يُكسر منه عَظْمُه، ولا يبيتُ منه شيءٌ للصباح، ويؤكل على أعشاب مرَّة (تذكيراً بالمرارة التي عاناها شعب إسرائيل في العبودية).
وفي هذا اليوم – أي الرابع عشر من نيسان – يُرفع الخمير من كل بيت (يُعزل من البيوت). حتى إذا جاء المساء – ميعاد ذبح الخروف – لا يكون خمير في إسرائيل كلها (تعبيراً عن بدء حياة جديدة مع خلاص جديد، والتخلُّص من حياة قديمة).
ويُخْبزُ الفطير في ذلك اليوم ليؤكل على خروف الفصح. أمَّا معنى الفطير فهو كما يقول الكتاب: » لا تأكل عليه خميراً. سبعة أيام تأكل عليه فطيراً، خبز المشقة، لأنك بعجلة خرجت من
أرض مصر، لكي تذكر يوم خروجك من أرض مصر كل أيام حياتك. «(تث 3:16)
وتُحسب أيام الفطير أنها عيد قائم بذاته يبدأ من 15 نيسان حتى 21 منه مساءً. وعيد الفطير مقدَّس،يبدأ اليوم الأول منه بمحفل مقدَّس، وينتهي بمحفل مقدَّس، لا يُعمل فيهما عمل ما.
أمَّا خروف الفصح فيؤكل بعجلة، والأشخاص وقوفٌ، يؤكل رأسه مع أكارعه وجوفه، والباقي إلى الصباح يُحرق بالنار، يأكلونه وقوفاً وأحقاؤهم مشدودة وأحذيتهم في أرجلهم وعصيُّهم في أيديهم، يأكلونه بعجلة، فهو فصح للرب.
الآن يظهر بوضوح أنه لو كان عشاء الرب الذي أسس فيه سر الإفخارستيا كان هو نفسه يوم الفصح الذي يُذبح فيه الخروف مساءً، لأصبح من المحتم أن يكون الخبز المستعمل في تقديس الأسرار فطيراً، لأنه يستحيل أكل الفصح على خبز مختمر.
الكنائس الأرثوذكسية (لا خلقيدونية وخلقيدونية) عموماً تقول إنها بموجب التقليد المسلَّم لها من الرسل، تقدِّس على خبز مختمر منذ القرن الأول مع إيمانها إيماناً راسخاً أن الرب أسس سر الإفخارستيا في اليوم السابق للفصح، وكانت وليمته تسمَّى «وليمة قدَّاس الفصح»([1])، لأن الكنيسة تؤمن عن يقين تقليدي وكتابي أن الرب صُلب يوم الفصح في ميعاد ذبح الخروف فصار بذلك هو الفصح المسيحي الجديد: » هذا هو حمل الله الذي يرفع خطية العالم. «(يو 29:1)
أمَّا الكنيسة الغربية – أي الرومانية الكاثوليكية – فقد ظلت تحافظ على هذا التقليد حتى القرن الحادي عشر([2])، ولكنها بعد ذلك رأت أن تغيِّر تقليدها مستخدمة الفطير بدل الخبز المختمر، مستندةً في ذلك على قراءة الأناجيل الثلاثة مرقس ومتى ولوقا التي تشير قراءاتها بحسب الظاهر إلى أن عشاء الخمسين كان وقت الفصح 14/15 نيسان. وبذلك بدأ انشقاق في التقليد السرائري بين الشرق الأرثوذكسي والغرب الكاثوليكي، وبدأ موضوع القراءات الإنجيلية يدخل في صراع في مواجهة التقليد.
وقبل أن نخوض في الموضوع ونكشف أصالة التقليد الأرثوذكسي، ينبغي أولاً وقبل كل شيء أن ننبِّه ذهن القارىء أن سر الإفخارستيا بدأت الكنيسة تمارسه بالخبز المختمر منذ حلول الروح القدس يوم الخميس. أمَّا الأناجيل والرسائل فحينما بُدِىء في كتابتها، كان ذلك بعد ممارسة الإفخارستيا بحوالي عشر سنوات!! أي أن الأناجيل إنما بدأت تسجِّل عن الإفخارستيا من واقع ما هو جارٍ أمام أصحاب هذه الأناجيل والرسائل. فلو كان هناك أي مفارقة بين إفخارستية الرب في عشاء الخميس، كأن تكون مثلاً على فطير، وبين التقديس على الخبز المختمر الجاري على أيدي الرسل مرقس وبولس ومتى ولوقا ويوحنا، لكانت قد أصبحت موضوع شرح وتعليق بلا نزاع!
2 – القراءات الإنجيلية وكيف تثبت جميعها أن الرب صُلب في ميعاد الفصح. وأن الإفخارستيا كانت قبل الفصح بيومٍ كامل …؟
قبل أن نعرض للقراءات يهمنا أن يفرِّق القارىء بين قراءة لا تثبتها الحوادث الملابسة لها، وبين قراءة تثبتها الحوادث المرادفة لها وتشير إليها تكراراً، فالقراءة الأُولى تثير الانتباه من جهة احتمال عدم وضوح في الترجمة، أمَّا القراءة التي تشير إليها الحوادث من كل جهة فهي قراءة ذات ترجمة محصَّنة.
هذا ما سنواجهه من جهة القراءات في الأناجيل الأربعة، فإنجيل يوحنا أورد زمن إقامة سر عشاء الرب أنه قبل الفصح مساءً (أي 13/14 نيسان)، بوضوح شديد، وحدَّده تحديداً واضحاً. ثم عاد في عدة مواضع أخرى وأشار بوضوح شديد أيضاً إلى أن ميعاد صلب المسيح كان في وقت الفصح تماماً (أي 14/15 نيسان)، بحيث لم يَدَعْ القديس يوحنا أية فرصة للشك في ميعاد العشاء الذي أقامه الرب قبل الفصح بيوم كامل، ولا في ميعاد الصلب الذي تمَّ في وقت ذبح خروف الفصح.
أمَّا في الأناجيل الثلاثة الأخرى: مرقس ومتى ولوقا، فلا نجد الأمر كذلك، بل نجد أن رواية العشاء كلها ترد كخبر، مجرد خبر يتعلَّق كله بمنطوق كلمة واحدة هي كلمة » أول «= prîtV» بروتي «(وفي اليوم » الأول «من الفطير). ثم لا نجد بعد ذلك في أيٍّ من هذه الأناجيل الثلاثة أية محاولة إيجابية من الكاتب يُظهر أو يُعلِّق فيها على زمن العشاء أو على زمن الصليب بالنسبة للفصح اليهودي.
ولأنه معروف أن كلاًّ من متى الرسول ولوقا الإنجيلي أخذ روايته من جهة عشاء الرب من إنجيل مرقس، ومعروف أيضاً أن مرقس الرسول كان يرجع في رواية بعض الحوادث التي لم يشترك فيها إلى مصدر يترجم له من العبرانية والأرامية إلى اليونانية، لذلك اتجهت أنظار علماء الكتاب المقدَّس إلى إنجيل مرقس وبالأخص إلى كلمة » اليوم الأول من الفطير «التي تحدد زمن عشاء الرب كأنه واقع في الفصح. وفعلاً وجدوا أن لا الأصل العبري يفيد هذا المعنى ولا حتى الترجمة اليونانية. وهذا سنأتي إلى شرحه في حينه.
3 – البراهين الكتابية التي تؤيد أن عشاء الرب كان قبل الفصح بيوم، وأن صلب المسيح هو الذي تمَّ في ميعاد ذبح خروف الفصح.
أولاً: قراءة إنجيل يوحنا:
أ – » أمَّا يسوع قبل عيد الفصح وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب، إذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم إلى المنتهى، فحين كان العشاء … «(يو 13: 1و2)
هنا يورد يوحنا الرسول الخبر مدعَّماً بالزمن عن قصد، لأنه يشاء أن يعرِّفنا بميعاد العشاء بالنسبة للفصح.
ب – » ثم قبل الفصح بستة أيام أتى يسوع إلى بيت عنيا … فصنعوا له هناك عشاءً … وفي الغد(أي قبل الفصح بخمسة أيام) سمع الجمع الكثير الذي جاء إلى العيد أن يسوع آتٍ إلى أورشليم، فأخذوا سعوف النخل وخرجوا للقائه (أحد الخوص). «(يو 12: 1و2و12و13)
إذاً، من هذه الرواية يُفهم ضمناً أن يسوع كان في بيت عنيا يوم السبت، وكان قد تبقَّى على الفصح ستة أيام، وبذلك أيضاً يكون عشاء الرب يوم الخميس قبل الفصح بيومٍ كامل بالضرورة!!
ج – » ثم جاءوا بيسوع من عند قيافا إلى دار الولاية وكان صبح. ولم يدخلوا هم إلى دار الولاية لكي لا يتنجَّسوا فيأكلون الفصح. «(يو 28:18)
إذاً، من هذه الرواية يُفهم أن المسيح حُوكم وصُلب في اليوم الذي سيُذبح فيه الفصح مساءً أي يوم الجمعة.
وبذلك يكون عشاء الرب قبل الفصح بيوم كامل – أي يوم الخميس.
د – » ثم إذ كان استعداد، فلكي لا تبقى الأجساد على الصليب (بعد غروب الشمس، أي عند بدء يوم آخر) في السبت، لأن يوم ذلك السبت كان عظيماً، سأل اليهود بيلاطس أن تُكسر سيقانهم ويُرفعوا. «(يو 31:19)
من هذه الآية يتبيَّن لنا من قول يوحنا الرسول أن » ذلك السبت كان عظيماً « أن يوم السبت (الذي يبدأ بعد غروب الشمس) كان هو عيد الفصح. فالسبت الوحيد الذي يُدعى عظيماً هو السبت الذي يقع فيه عيد الفصح.
إذاً، فالسيد المسيح صُلب قبل غروب الشمس، أي قبل بدء يوم السبت، أي يوم الجمعة.
وبذلك يكون عشاء الرب يوم الخميس قبل الفصح بيومٍ كامل.
هـ – » فلما سمع بيلاطس هذا القول أخرج يسوع وجلس على كرسي الولاية … وكان استعداد الفصح ونحو الساعة السادسة. «(يو 19: 13و14)
ومن هذا القول يتبيَّن بوضوح أن يوم الجمعة الذي هو يوم الاستعداد أصلاً بالنسبة للسبت، صار أيضاً استعداداً للفصح الذي يُذبح فيه خروف الفصح.
معنى هذا أن السيد المسيح صُلب يوم الجمعة، وهو يوم ذبح الفصح. وعليه يكون عشاء الرب قبل الفصح بيومٍ كامل.
ثانياً: قراءة أناجيل البشيرين الثلاثة: مرقس ومتى ولوقا:
أ – إنجيل القديس مرقس:
+ » وفي اليوم الأول من الفطير حين كانوا يذبحون الفصح قال له تلاميذه: أين تريد أن نمضي ونعدَّ لتأكل الفصح … فأعدَّا الفصح. ولمَّا كان المساء جاء مع الاثني عشر. وفيما هم متَّكئون يأكلون … «(مر 14: 12-18)
ب – إنجيل القديس متى:
+ » وفي أول أيام الفطير تقدَّم التلاميذ إلى يسوع … «(مت 17:26)
ج – إنجيل القديس لوقا:
+ » وجاء يوم الفطير الذي كان ينبغي أن يُذبح فيه الفصح، فأرسل بطرس ويوحنا قائلاً: اذهبا وأعدَّا لنا الفصح لنأكل … «(لو 22: 7و8)
قد يفهم القارىء من هذه القراءات أن المسيح أكل الفصح مع تلاميذه، وكان هذا هو عشاء الرب الذي أسس فيه سر الإفخارستيا، هذا بحسب المنطوق اللفظي أو الحرفي لرواية الأناجيل الثلاثة.
ولكن لو دققنا في الأناجيل الثلاثة، فإننا لا نجد أية إشارة أخرى في مضمون الحوادث تسند هذا المفهوم المتأتي من كلمة «في اليوم الأول من الفطير» حسب إنجيل مرقس، أو في «أول أيام الفطير»حسب إنجيل متى، أو «ولمَّا جاء يوم الفطير» حسب إنجيل لوقا (الذي أخذ بالمفهوم الظاهري من الترجمة اليونانية، والتي لا تفيد هنا أكثر من » لمَّا اقترب يوم الفطير «.
أصل الكلمةفي المفهوم العبري واليوناني أيضاً:
لو دققنا في مفهوم هذه الآية بحسب ترجمتها الحالية، نجد فيها التباساً واضحاً يخلُّ بالمعنى العام: » وفي اليوم الأول من الفطير حين كانوا يذبحون الفصح. «(مر 12:14)
الواقع أن » في اليوم الأول من الفطير «لا يمكن أن «يُذبح فيه الفصح»، لأن هذا اليوم يكون حسب الطقس اليهودي هو عيد الفصح نفسه، وهو ثاني يوم بعد ذبح خروف الفصح، لأن الخروف يُذبح قبل الغروب والفصح يؤكل بعد الغروب، وغروب الشمس هو الحد الفاصل بين يوم ويوم آخر حسب الطقس اليهودي. لأن أول أيام الفطير هو 15/16 نيسان، وذبح خروف الفصح يكون في 14/ 15 نيسان.
+ » وفي الشهر الأول، في اليوم الرابع عشر من الشهر فصحٌ للرب (ذبح الخروف). وفي اليوم“الخامس عشر” (أكل الفصح وأول أيام الفطير السبعة) من هذا الشهر عيدٌ، سبعة أياميؤكل فطير. في اليوم الأول محفلٌ مقدَّس، عملاً ما من الشغل لا تعملوا. «(عد 28: 16- 18)
إذاً يتحتم على قارىء الآية أن يُعيد النظر في الترجمة الأصلية من العبرية وفي الترجمة من اليونانية أيضاً.
وهذا ما قام به مؤخراً العالِم الألماني » كولسن Chwolson «وهو أول مَنْ انتبه إلى عدم دقة الترجمة، وأفاض في شرحه في كتابه المعروف بالألمانية بـ » وليمة الفصح «“Passamahl” صفحة 180 وما بعدها. وقد أثبت أن الترجمة اليونانية لم توضِّح القصد العبري تماماً. فالتعبير » اليوم الأول من الفطير «هو في الأصل العبري byum kmy dpsh وقراءتها بالعبرية تكون » بيوم قمي دبصح «ومعناها الحرفي: » وقبل يوم الفصح «أو «يوم قبل الفصح».
وقد جاء العالِم اليهودي المتنصِّر “يواكيم إرميا” (سنة 1964)، ووافق على هذا التصحيح في كتابه عن الإفخارستيا (صفحة 18)، ولكنه صحَّح لكولسون كلمة dpsh (فصح) بـ dptyry أي الفطير. فأصبحت الترجمة الجديدة التي ينبغي أن تكون عليه الآية في الطبعة الجديدة للكتاب المقدَّس هي: » وقبل يوم الفطير حين كانوا يذبحون الفصح «
والمعنى هنا هو: «وقبل يوم (خبز) الفطير الذي هو يوم ذبح الفصح»، فإذا كان خبز الفطير يوم الجمعة يكون ذبح خروف الفصح يوم الجمعة أيضاً، ويكون بالتالي اليوم الذي قبل الفطير هو يوم الخميس.
والحقيقة أن الكلمة اليونانية » prîtV بروتي «(مر 12:14)، تُفيد هذا المعنى أيضاً أي » قبل «[3]) وهذا مما جعل القديس لوقا يكتبها في إنجيله: » ولمَّا جاء «أي » اقترب! «[4])
وبذلك تكون قراءة الأناجيل الثلاثة متفقة مع قراءة إنجيل يوحنا، إذ يكون المعنى «وقبل يوم الفطير»الذي يُذبح فيه الفصح، هو اليوم الذي قبل الفصح وقبل خبيز الفطير، حيث الجملة الموصِّلة هنا: «الذي يُذبح فيه الفصح» لا تعود إلى أول يوم من عيد الفطير بل إلى اليوم الذي يُنزع فيه الخمير ويُخبز الفطير.
وبذلك يكون الكلام واضحاً جداً: أن الرسول يشير إلى اليوم الذي قبل الفصح فعلاً: أي قبل يوم الجمعة 14/15 نيسان، وهو يوم الخميس 13/14 نيسان، بحسب إنجيل يوحنا.
4 – الرد على القول بـ «فأعدَّا الفصح» (مر 16:14) والقول بـ «شهوةً اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم.»(لو 15:22)
حينما يقول الكتاب: » أين تريد أن نمضي ونعدَّ لتأكل الفصح … فأعدَّا الفصح « هنا الإعداد للفصح بمعنى الاستعداد ليوم الفصح، لأن أموراً كثيرة ينبغي أن تُرتَّب قبل ذلك اليوم. لأن الإعداد للفصح عملية معقَّدة عند اليهود، ويستحيل أن تتم في نصف نهار.
أو كيف يسافر بطرس ويوحنا من بيت عنيا إلى أورشليم ويبحثا عن بيت مرقس، ثم في نفس الصباح يقومان بشراء الخروف الذي يتحتَّم أن يُذبح في الهيكل، ثم يقومان بعملية تنظيفه وشيِّه في فرن خاص بشروط خاصة، لأن الطقس يحتِّم أن يُشوَى الخروف صحيحاً بأكمله حتى جوفه وأكارعه، وذلك بأن تخترق عصا رمان من الفم حتى المخرج ويصير شَيُّهُ دون أن يلامس تراب الفرن، مع مطالب العيد الأخرى من أعشاب مرَّة وأطباق مأكولات يحتِّمها الطقس؟
إن كلمة (» وأعدَّا «الفصح) هي في الواقع طقسية، وتُفيد الانتهاء من الترتيبات الخاصة بيوم«الاستعداد للفصح»، حيث تتم في كل ساعة من ساعاته عملية معينة. لذلك فإن كلمة «أعدَّا»الفصح لا تعني أنهما ذبحا الخروف وهيَّآه للأكل في ساعة من الزمان، فهذا غير معقول، وإنما يعني أنهما أكملا الترتيبات اللازمة للفصح، لأن مساء الخميس هو في الواقع بداية » يوم الاستعداد الكبير «للفصح الذي هو يوم الجمعة، وقد جعل منه السيد المسيح استعداداً آخر جديداً إذ أعدَّ فيه نفسه لذبيحة الصليب.
فكان مساء الخميس يوم استعلان للفصح الأبدي، وكان عشاء الخميس هو هو يوم ما قبل الصليب، حيث الصليب هو هو الفصح الحقيقي المزمع تقديمه على الصليب يوم الجمعة.
وعلى أساس ما أضمر المسيح أن يكمله في عشاء الخميس من استعلان الذبيحة وتقديم نفسه لتلاميذه وللكنيسة حملاً مذبوحاً لأجل حياة العالم ولمغفرة خطايا كثيرين، وعلى أساس ما كان يعلَمه المسيح من حوادث الجمعة العنيفة الدامية، وجسده أمام عينيه ممزَّق ودمه مسكوب على الأرض بأيدي الكهنة ورؤساء الكهنة قال: » شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم «(لو 15:22).
ومعلوم يقيناً أن المسيح لا يشتهي أكلاً ولا يشتهي عيداً، ولكنه كان يشتهي، منذ البدء وقبل أن يتجسَّد، أن يؤسس فصحاً جديداً. «هذا الفصح» يكون الأكل والشرب منه أكلاً وشرباً حقيقياً (¢lhqîj أليثوس): » جسدي مأكلٌ حقٌّ ودمي مشربٌ حقٌّ «(يو 55:6)، حيث كلمة » حقيقي «هنا ¢lhqîj تُفيد أكلاً وشرباً إلهياً من خلال أكل وشرب مادي.
وهذا هو مضمون » السر «في عشاء الرب الذي أصبح به » هذا العشاء «» فصحاً حقيقياً « جديراً بأن يُشتهى بالحقيقة!! حيث صار الخبز والخمر لحمَ ودمَ حملِ الله، فصحِ الدهور والأبدية، الذي يرفع خطية العالم.
ومرة أخرى نقول: إنه يقيناً لم يكن المسيح يشتهي أن يأكل لحم خراف ولا كان يود أن يستمتع بذكريات مصر وسيناء مع تلاميذه، بل اشتهى أن يكشف لهم سر الفصح الكبير، فصح العالم كله، » مُشتهى الأمم « الفصح السماوي الجديد حيث كان حمل الله يُجرَى الاستعدادُ لذبحه في السماء كما على الأرض. فالمسيح اشتهى شهوةً أن يطعمهم لحمه السماوي بيديه قبل أن يذبحه اليهود بأيديهم.
وهل توجد شهوة عنده أو حب له أعظم من هذا أن يذبح نفسه من أجل أحبائه، ألم يقل هو نفسه هذا (يو 13:15)؟ والآن لقد اشتهى أن يكسر بينهم الخبز السري النازل من السماء، الذي طالما حدَّثهم عنه، حتى عند أكل الخبز تنفتح عيونهم ويعرفوه، قبل أن يتألم!!
اشتهى شهوةً أن يَسْفُك دمه ويسقيهم منه قوة الحياة التي للعهد الجديد، ليبقى حيًّا فيهم بقوة قيامته فيكون لهم حياة أبدية في أنفسهم، حتى يقوموا ويلحقوا به في السماء ليكمل معهم الفصح الأبدي في ملكوت الآب، ويجلسوا معه على مائدته!
هذه كانت شهوة المسيح التي اشتهاها لنا!!! … » شهوةً اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم، لأني أقول لكم إني لا آكل منه بعد حتى يُكمَل في ملكوت الله «(لو 22: 15و16)، حتى يكمل الخروج الأخير من العالم لشعبه ويدخلوا الملكوت معه!
ويرى العالِم L. von Sybel في مقال له بعنوان: Das Letzte Mahl Jesu [في مجموعة الدراسات اللاهوتية والنقدية – ليبزج، رقم 95 (1923- 1929)، ص 119] إن ما سجَّله القديس لوقا في إنجيله الوارد في أصحاح 22: 15و16، والمذكور أعلاه، هو في الحقيقة تقليد كنسي كان قائماً في الكنيسة وقت تسجيل القديس لوقا لإنجيله. ويقوم هذا التقليد([5]) على أساس أن الرب قال هذا على أكل الخبز (الفصحي)، وليس على أكل خروف الفصح.
وجاء العالِم Bultmann وأثبت هذا الرأي أيضاً في كتابه:
The History of the Synoptic Tradition, Oxford, 1963, p. 266.
وجاء أيضاً العالِم الفرنسي A. Loisy وتحيَّز بثقة إلى هذا الرأي.
وهكذا وجدنا أن التقليد القائم في الكنيسة الأرثوذكسية اليوم، تنحاز له الأبحاث اللاهوتية العميقة، وأنه كفيلٌ بأن يُستظهر على كل نقد، لأنه في الحقيقة منبع قائم بذاته سابق على تسجيل الأناجيل وعلى كل الرسائل، وخصوصاً من جهة سر الإفخارستيا … فالرسل أقاموا سر الإفخارستيا بعد حلول الروح القدس مباشرةً، بحسب ما تسلَّموه من الرب، وقبل أن تُسجَّل كلمة واحدة في كافة الأناجيل أو الرسائل!
ومن جهة القراءات أيضاً، فإنه توجد بعض إشارات عابرة في كتب الأبوكريفا التي يرجع تاريخها إلى القرون الأولى، تحدِّد بوضوح ميعاد الصلب بالنسبة لعيد الفطير، وقد جاءت عفواً. ففي كتاب الأبوكريفا المدعو » إنجيل بطرس «5:2 يقول: [إن محاكمة الرب وصلبه تمَّت قبل أول يوم من عيد الفطير]([6]).
وهذا القول – وإن كنَّا لا نعتمد عليه – إلاَّ أنه يشير إلى التقليد السائد في ذلك الزمان عن ميعاد الصليب بالنسبة للفصح اليهودي، فهذا القول يوضِّح أن الكنيسة كانت على دراية أكيدة من أن المسيح صُلب في ميعاد الفصح تماماً، وأن عشاء الرب كان قبل الفصح، وبالتالي فإن التقديس يكون على الخبز وليس على الفطير.
وكانت هذه الوليمة السابقة على يوم الفصح تسمَّى: » قدَّاس الفصح. «[7])
5 – البراهين الأخرى
عدا القراءات التي جاءت في إنجيل يوحنا بوضوح، نقدِّم الآن البراهين الأخرى المترتبة على القراءات والتي تشير كلها إلى أن عشاء الرب لم يكن فصحاً يهودياً، وأن المسيح صُلب في ميعاد ذبح الخروف:
أولاً: ينبغي أن نهتم بالفارق بين مفهوم الفطير ومفهوم الخبز في الإفخارستيا، فلا ينبغي أن يُؤخذ بخفة، لأن المعنى الذي يحمله كبيرٌ، فالفطير له علاقة معنوية ينبغي أن تبقى في حدود الفصح اليهودي فقط.
لأن الفطير في الفصح – بحسب الكتاب – يمثِّل «خبز الشقاء»، وبالعبرية: Lehem Oni »لِحِمْ عُنِي «ومعناه » خبز عناء « وترجمته اليونانية ¥rtoj kakèsewj (تث 3:16)، لأنه رُفع من المعجنة قبل أن يختمر أو قبل أن توضع فيه خميرة بسبب السرعة والعجلة للخلاص من العبودية والشقاء: » لا تأكل عليه خميراً.
سبعة أيام تأكل عليه فطيراً، خبز المشقة، لأنك بعجلة خرجت من أرض مصر،لكي تذكر يوم خروجك من أرض مصر كل أيام حياتك. «(تث 3:16)
ولكن الآن ونحن في الإفخارستيا، التي هي الفصح الحقيقي، الجديد، نحن لا نأكل » لِحِمُ عُنِي «أي » خبز الشقاء «بل خبز البركة، الخبز الحي النازل من السماء، وليس ذاك الآتي من مصر.
فجسد المسيح لا يمكن أكله على هيئة فطير، أي خبز عناء، لأنه ليس أرضياً بل هو سماويٌّ ومؤدٍّ إلى السماء، فهو خبز الراحة الحقيقية واسمه » خبز البركة والشكر «و » ترياق الخلود « أي دواء عدم الموت، بل وعدم الشقاء، بل وعدم الحزن أو الكآبة أو التنهد أو حتى المرض. فالذي يأكله لا يجوع ولا يموت، فهو إذاً خبز الفرح والسرور والشفاء، وليس خبز المذلة والضيق والشقاء.
لذلك فإن موقف الطقس الأرثوذكسي من وليمة الفصح اليهودي موقف سليم، إذ لم يجعلها منطلقاً ولا أساساً للإفخارستيا، لأنه كيف يُعلَن الجسد المقدَّس في خبز عناء وشقاء؟
ثانياً: مرقس الرسول يقول في إنجيله: » أخذ يسوع خبزاً ¥rton وبارك وكسر «(مر 22:14)، ولم يقل » أخذ فطيراً ¥zumon. «[8])
والتقليد المسلَّم للكنيسة القبطية على يدي مرقس الرسول نفسه وهو إنجيلي، حدَّد أن يكون خبز الإفخارستيا خبزاً لا فطيراً، فتواتر الطقس الأرثوذكسي منذ منتصف القرن الأول، وهو يقوم عملياً على أساس تقديم خبز لا فطير في الإفخارستيا، جعل قراءة إنجيل مرقس الرسول وبقية الأناجيل فيما يختص بكلمة الخبز الواردة بوضوح ¥rtoj وليس فطيراً ¥zumoj تشير إلى أن الإفخارستيا أقامها المسيح فعلاً بخبز مختمر وليس فطير.
فالتقليد يشدِّد ويحدِّد من قصد الكلمة الواردة في الأناجيل. لأن الاعتراضات التي يقدِّمها بعض العلماء على كلمة ¥rtoj الواردة في الأناجيل أنها قد تفيد أيضاً خبز الفطير – قياساً على ما جاء في الأسفار قديماً من احتمال ذكر كلمة » خبز «بدل » فطير «للاختصار، نقول إن هذه الاعتراضات قائمة على أساس مجرد قراءة الكلمة. ولكن بعد وقوف التقليد الأرثوذكسي من هذه الكلمة باستخدامه الخبز المختمر عملياً منذ القرن الأول المسيحي، أصبحت احتمالات القراءة الأخرى مستبعدة.
ثالثاً: الإفخارستيا، كما ظهرت في أول صورة لها في الكنيسة الأُولى في سفر الأعمال، ظهرت باستخدام الخبز لا الفطير، دون أي إشارة إلى طقس الفصح. فلم نقرأ مرة واحدة عن إقامة إفخارستيا بطقس الفصح أو بالفطير في كل الأخبار الواردة في الإفخارستيا المعبَّر عنها بكسر الخبز.
وهذه هي صورة أول إفخارستيا بعد يوم الخمسين مباشرةً:
+ » وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز والصلوات. «(أع 42:2)
وهذه الآية كلها تصوير لخدمة قدَّاس كامل. فالتعليم أولاً، ثم الاجتماع معاً حول المائدة (الشركة هنا كلمة طقسية: koinwn…a كينونيا)، وكسر الخبز (تعبير سفر أعمال الرسل عن سر الإفخارستيا)، والصلوات (أي تلك التي تُتلى بعد التناول).
فلو كانت الإفخارستيا قد أسسها الرب من خلال طقس الفصح أو انطباقاً عليه، لكانت إقامتها تستلزم دائماً خبز الفطير، كما وكان يتحتم أن يأخذ صورة سنوية، أو لكان زمن إقامتها السنوي يُعتبر أساساً.
ولكن الواقع أن تكرار إقامة الإفخارستيا في الكنيسة الأُولى منذ أول يوم كان على الخبز، وبدون أي قيد زمني، وفي أي وقت من النهار (وهذا مهم للغاية)، هذا كله يشير إلى أن تأسيسها كان حرًّا من أي طقس سابق، وأنها كانت من خلال وليمة شركة ومحبة حرَّة غير مرتبطة بطقس الفصح اليهودي.
رابعاً: في رواية العشاء السري في الأناجيل الثلاثة مرقس ومتى ولوقا، ثم الرواية الواردة عن الإفخارستيا في رسالة القديس بولس الرسول الأُولى إلى كورنثوس، لا نجد أية إشارة إلى طقس فصحي على الإطلاق، فلا ذكر لخروف الفصح ولا لأعشاب مرَّة ولا لأكل بعجلة ولا لحديث الفصح التقليدي Heggadah.
بل على العكس، فإن الإنجيليين الأربعة يوضِّحون أنه اتكأ والإثنا عشر وابتدأوا يأكلون، فالاتكاء هنا يشير إلى أنها كانت ليست وليمة فصح حيث يأكل فيها الجميع، وهم وقوف، متمنطقين، وعلى عجلةٍ، وإنما كانت وليمة عشاء حدَّد المسيح طقسها وروحها كبداية وأصل.
أمَّا اعتراضات بعض العلماء (وهم من أعاظم العلماء في الإفخارستيا) بخصوص الإفخارستيا التي كانت تقيمها الكنيسة الأُولى، أنها كانت تكراراً للولائم العادية التي كان يقيمها المسيح مع تلاميذه وأنها لم تكن تكراراً للعشاء الأخير([9])، فهو قول مرفوض، لأن الكنيسة تؤمن بإفخارستيا واحدة، أُقيمت مرَّة، وهي هي التي تُقام كل مرة، لأن الذي يقيمها هو المسيح وبحضور تلاميذه وملائكته وقديسيه مع شعب كل كنيسة. فحضور الرب في كل إفخارستيا، وكون كل إفخارستيا هي نفس جسد المسيح ودمه، يُنهي على كل ثنائية في شكل الإفخارستيا وجوهرها.
ثم إنه في قول المسيح – في تقليد بولس الرسول الذي سجَّله عن الرب نفسه: » فإنكم كلما أكلتمهذا الخبز وشربتم هذه الكأس تُخبرون بموت الرب إلى أن يجيء «(1كو 26:11)، تفيد كلمة (» هذا «الخبز) وكلمة (» هذه «الكأس)، أنه خبز واحد وأنها كأس واحدة لطقس واحد قد تعيَّن إلى الأبد، فكل إفخارستيا قامت وستقوم هي «هذا» الخبز نفسه و «هذه» الكأس عينها لهذا الطقس ذاته الذي أقامه المسيح مساء الخميس!
خامساً: إن كل أوصاف » عشاء الرب «كما جاءت في الأناجيل وفي رسالة كورنثوس الأُولى، تتنافى مع أوصاف طقس الفصح اليهودي كما جاء في العهد القديم وفي كل كتب اليهود الطقسية سواء كانت » المِشْناه «أو غيرها.
( أ ) ففي وليمة الفصح لا يُكسر (الفطير) إلاَّ بعد العشاء الرسمي؛ في حين أن الخبز في عشاء الرب ذُكر أن الرب قسَّمه قبل العشاء([10]).
(ب) في وليمة الفصح وحينما يأتي ميعاد (الفطير)، وهو يكون في نهاية العشاء، لا تُقال عليه البركة قبل الكسر، بل بحسب الطقس اليهودي يُكسر أولاً ثم تُقرأ عليه البركة؛ في حين أن الذي ذُكر في إنجيل القديس مرقس هو أنه بارك أولاً ثم كسر، وكذلك بقية الأناجيل([11]).
(ج) في وليمة الفصح لا يوجد كأس تتوزع على جميع الحاضرين، بل كل واحد يكون له كأسه وتكون له صحفته؛ بعكس ما جاء في الأناجيل أن المسيح بارك كأساً واحدة وأعطاها للتلاميذ ليشربوا منها كلهم([12]).
( د ) وكذلك يُفهم أيضاً أنه كان يوجد صحفة واحدة يغمس فيها الجميع (مر 20:14).
(هـ) في وليمة الفصح يتحتَّم توزيع أربع كؤوس أثناء الوليمة، لم يُذكر منها في الأناجيل إلاَّ كأس واحدة؛ أمَّا في إنجيل لوقا فقد كُشف عن وجود كأس آخرى في بداية العشاء قبل كسر الخبز، وهذا غريب عن طقس الفصح جملةً – وقد رفض المسيح أن يشرب منها باعتبار أنها مجرَّد كأس للشرب من نتاج الكرمة وحسب، أي لا يدخل في مضمون تأسيسه للسر المقدَّس القائم على كأس واحدة تحوي دم العهد الجديد. وهذا معروف – حسب الطقس القبطي – أنه ذاق منها ثم أعطاها للتلاميذ بعد البركة.
سادساً: ومما يزيد وضوح حقيقة أن عشاء الرب لم يكن ليلة الفصح، ما جاء في إنجيل القديس مرقس بخصوص تصميم رؤساء الكهنة أن لا يُقبض على المسيح في يوم العيد: » وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يمسكونه بمكر ويقتلونه، ولكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب.«(مر 14: 1و2)
وهذا يوضِّح أن المسألة تختص بقرار صدر من السنهدرين أن لا يُقبض عليه في العيد، ليس فقط لاعتبارات الخوف من ثورة يقوم بها الشعب ضد السلطة الدينية ولكن أيضاً بسبب اعتبارات طقسية هامة. إذ لا يجوز عمل ذلك في العيد بحسب الشريعة.
لذلك كيف يُحتمل بعد ذلك أن يُقال أن المسيح قُبض عليه مساء العيد وحوكم يوم العيد نفسه وتمَّ الصلب أيضاً يوم العيد؟ ([13])
إذاً، يكون الطقس الأرثوذكسي في الجانب الأقوى، من حيث ظروف الحوادث الإنجيلية ومن جهة الشريعة اليهودية أيضاً. فالمسيح أسَّس الإفخارستيا قبل الفصح، وقُبض عليه قبل عيد الفصح، وحوكم قبل عيد الفصح، وتمَّ صلبه مع ذبح الخروف!
إن هذا يتمشَّى ليس مع الشريعة فحسب، بل ومع كافة النبوات أن المسيح هو الفصح الجديد » الواحد الذي يموت عن الشعب حتى لا تهلك الأمة كلها «(راجع يو 50:11) بحسب نبوَّة رئيس الكهنة العفوية.
سابعاً: جاء في إنجيل القديس يوحنا: » لكم عادة أن أُطلق لكم واحداً في الفصح، أفتريدون أن أُطلق لكم ملك اليهود؟ فصرخوا أيضاً جميعهم قائلين: ليس هذا بل باراباس. وكان باراباس لصًّا. «(يو 18: 39و40)
وأصل هذه العادة هو اهتمام الطقس اليهودي بفك قيد مسجون واحد في العيد تعبيراً عن أن الفصح هو بمثابة فك قيود شعب إسرائيل من مصر!! فكان السنهدرين يتكفَّل بذبح خروف خاص كفصح رمزي عام إكراماً لهذا المسجون.
إذاً، فواضح أن إطلاق سراح باراباس اللص، ليأكل الفصح مع اليهود، هو برهان أن المسيح حوكم وصُلب يوم ذبح الفصح، وبذلك يكون عشاء الرب قد سبق الفصح بيوم كامل.
ثامناً: لقد أورد بولس الرسول في رسالته الأُولى لكورنثوس إشارة واضحة جداً، إنما على المستوى الميستيكي أي الروحي التأملي: أن المسيح صُلب في ميعاد ذبح الخروف وصار هو فصحنا الجديد: » لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذُبح لأجلنا. «(1كو 7:5)
وبما أن الخروف لا يُدعى فصحاً إلاَّ إذا ذُبح في ميعاد الفصح، لذلك فإن ذبيحة المسيح لا يمكن تسميتها فصحاً إلاَّ إذا كانت قد قُدِّمت في ميعاد الفصح تماماً، أي من الساعة السادسة من النهار (أي الثانية عشرة ظهراً) حتى الساعة التاسعة من النهار (الثالثة بعد الظهر)([14]).
وهذا ما تمَّ بالفعل. بل وإن الإفخارستيا، أي سر عشاء الرب، قُدِّم على أساس أن المسيح سيكون هو خروف الفصح، بعكس ما يحاوله بعض العلماء أن يركِّزوا على عشاء الرب أنه هو الفصح. هذا لا يجوز من وجهة المنطق الروحي الدقيق، فالإفخارستيا لا يمكن أن تكون فصحاً إلاَّ إذا كان المسيح فصحاً!!، فلأن المسيح علم يقيناً أن ساعته قد جاءت وعلم يقيناً أنه سيُسلَّم ويُصلب في الفصح، قدَّم جسده مُسْبَقاً مكسوراً بالنية والإرادة الأزلية ومشورة الآب، باعتباره أنه هو لحم الفصح السماوي، وقدَّم دمه بروح أزلي متجاوزاً الزمن، باعتباره أنه هو دم الفصح المنجِّي من الهلاك والموت الأبدي.
إذاً، لولا يقين المسيح بأنه سيُقدَّم في الفصح ذبيحة إلهية لأجل خلاص العالم ما كان جعل عشاء الخميس ذبيحة سرية على مستوى الفصح، أي » جسد ودم «!
تاسعاً: كذلك أورد بولس الرسول إشارة في غاية العمق الروحي من جهة المضمون الطقسي لا يدركها إلاَّ الدارسون للطقس القديم. فهو يقول في رسالته الأُولى إلى كورنثوس: » ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين «(1كو 20:15). هنا كلمة «باكورة» “Bikkurim” كلمة طقسية تتبع في فهمها وشرحها الطقس الذي انحدرت منه إلينا. فما هو طقس » الباكورة « وما هو ميعادها؟
معروف في طقس الباكورة أنها أوائل حصيد القمح (الحبة التي كانت قد وقعت في الأرض وماتت)، تُقدَّم كحزمة فريك وذلك في غد السبت الذي يتبع الفصح – أي 16 نيسان – كما جاء في سفر اللاويين:
+ » في الشهر الأول (نيسان) في الرابع عشر من الشهر، بين العشاءين (الغروب والمساء) فصحٌ للرب. وفي اليوم الخامس عشر من هذا الشهر عيد الفطير للرب سبعة أيام … تأتون بحزمة أول حصيدكم إلى الكاهن، فيردِّد الحزمة أمام الرب للرضا عنكم في غد السبت يردِّدها الكاهن، … ثم تحسبون لكم من غد السبت السابع من يوم إتيانكم بحزمة الترديد سبعة أسابيع تكون كاملة إلى غد السبت تحسبون خمسين يوماً، ثم تقرِّبون تقدمة جديدة للرب. « (لا 23: 5-6 و9-16)
إذاً، فالقديس بولس الرسول بعد أن ألمح إلى 14 نيسان أن المسيح هو فصحنا الذي ذُبح لأجلنا، عاد وألمح في صورة مبدعة إلى 16 نيسان بقوله أن المسيح صار أيضاً باكورة الراقدين، أي أن المسيح قام من الأموات في يوم تقدمة الباكورة. وبما أن الباكورة تُقدَّم في غد السبت (أي يوم الأحد) بعد الفصح، إذاً، فبولس الرسول بقوله أن المسيح كان باكورة الراقدين، فهو يعني تماماً قيامة المسيح يوم الأحد، وبالتالي يشير ويؤكِّد الإشارة إلى أنه مات يوم الجمعة 14 نيسان في ميعاد ذبح الفصح!!
ففي الإشارة الأُولى التي يقول فيها إن المسيح فصحنا، يشير إلى المسيح باعتباره حمل الفصح المذبوح في 14 نيسان، وفي الإشارة الثانية التي يقول فيها إنه باكورة الراقدين يشير إلى المسيح باعتباره حبة الحنطة التي كانت قد وقعت وماتت ثم قامت، وتم ترديدها أمام الله في غد السبت (الأحد) 16 نيسان!!
عاشراً: قول بولس الرسول عن ميعاد الإفخارستيا: » في الليلة التي أُسلم فيها أخذ خبزاً … «(1كو 23:11)، يشير إشارة ضمنية ولكن ذات اعتبار خاص، أنها لم تكن ليلة الفصح، وإلاَّ كان ذكر أن ذلك تم في ليلة الفصح. فإغفال بولس الرسول للفصح نهائياً يشير إلى أنها لم تكن ليلة الفصح.
حادي عشر: تقول الشريعة بكل وضوح وتأكيد إن من بدء أكل الفصح في العشاء، أي بعد غروب شمس اليوم الثالث عشر من نيسان بما يساوي دقيقتين (بتوقيتنا الزمني الحالي) ومنذ بدء أكل الفطير في نفس وقت الفصح، يُحسب سبعة أيام لا يكون فيها عمل من الأعمال: » عملاً ما من الشغل لا تعملوا « وعلى وجه الخصوص اليوم الأول الذي يبدأ بعد غروب 13 نيسان مباشرةً، وكذلك يوم 21 اليوم الأخير، فإنهما محسوبان محفلاً مقدَّساً للرب، وعليهما تشديد وعقوبة في الناموس:
+ » لا يُعمل فيهما عمل ما إلاَّ ما تأكله كل نفس، فذلك وحده يُعمل منكم. «(خر 16:12)
فكيف يُجيز القائلون بأن الإفخارستيا – أي عشاء الرب – كانت هي وليمة الفصح وكانت هي أول أيام الفطير؟ ويكون قد حدث فيها الآتي:
1- » وخرج (يسوع) مع تلاميذه إلى عبر وادي قدرون، حيث كان بستان دخله هو وتلاميذه «(يو 1:18). فهل يمكن أن تكون هذه ليلة الفصح؟
2- » فأخذ يهوذا الجند وخدَّاماً من عند رؤساء الكهنة والفريسيين، جاءوا إلى هناك بمشاعل، ومصابيح، وسلاح! «(يو 3:18)، ويقول إنجيل لوقا إنه كان معهم «رؤساء الكهنة
والشيوخ» (لو 52:22)، وحتى التلاميذ حملوا معهم سيفين!! » فقالوا يا رب هوذا هنا سيفان!! «(لو 38:22). بل وضرب بطرس عبد رئيس الكهنة بالسيف: » وضرب واحدٌ منهم عبد رئيس الكهنة فقطع أُذنه اليمنى «(لو 50:22). فهل يمكن أن تكون هذه ليلة الفصح؟
3- وهل يمكن أن ينعقد السنهدرين ليلة الفصح، وينشغل في المحاكمة حتى الصباح! حتى صياح الديك الثالث!! وقانون السنهدرين واضح وصريح أنه لا يجلس أحد للحكم يوم العيد([15])؟؟
4- وهل يمكن أن يستمر صباح يوم عيد الفصح في المحاكمة؟ » ولمَّا كان النهار اجتمعت مشيخة الشعب: رؤساء الكهنة والكتبة وأصعدوه إلى مجمعهم!! «(لو 66:22)
5- وهل يمكن في عيد الفصح المحسوب محفلاً مقدَّساً أن يمزق رئيس الكهنة – أثناء المحاكمة – ثيابه: » فمزَّق رئيس الكهنة ثيابه؟ «(مر 63:14)
6- وهل يمكن أن يشترك اليهود شعباً وشيوخاً وكتبةً وفريسيين مع الرومان في المحاكمة يوم عيد الفصح؟
7- وكيف يمكن أن يأتي سمعان القيرواني من حقله البعيد عن المدينة (من الشغل) يوم عيد الفصح ظهراً؟ وكل المسموح به للمشي لا يزيد عن 880 متراً فقط والتي لا تكفيه أن يخرج من باب أورشليم؟
8- وهل يجوز الحكم بصلب إنسان يهودي يوم عيد الفصح بحسب شريعة اليهود؟
9- وكيف يجوز ليوسف الرامي، وهو مشير بين اليهود، أن يشتري يوم الفصح كتاناً من السوق ليكفِّن يسوع، وأي سوق هذا الذي يفتح أبوابه يوم فصح اليهود؟
10- وكيف يتم إنزال جسد ميت من على صليب (علامة اللعنة) ثم حمله ثم دفنه ثم دحرجة الحجر على القبر يوم عيد الفصح؟
إذاً، هذا كله تمًّ يوم ذبح خروف الفصح وليس يوم عيد الفصح!
عشاء الخميس قبل الفصح في أقوال آباء الكنيسة
1– القديس يوستينوس الشهيد (100-165م)([16]):
[لقد أخذتموه (يوستين يوجِّه الكلام إلى تريفو اليهودي) وأسلمتموه في يوم الفصح].
™n ¹mšrv toà p£sca sunel£bete aÙtÒn.
ويعلِّق على هذه العبارة العالِم أويسترلي Oesterley في كتابه » الخلفية اليهودية لليتورجيا المسيحية «بقوله: [إن بهذه العبارة يتضح أن يوستين يعتقد أن العشاء الأخير يتحتَّم أن يكون قد حدث في يوم الخميس فيما قبل الساعة السادسة]، أن الوليمة التي في أثنائها أو بعدها قد تمَّت الإفخارستيا من غير الممكن اعتبارها وليمة الفصح.
2– أبوليناري أسقف هيرابوليس (سنة 165م)([17]):
وقد دار في أيامه نقاش حاد عن ميعاد أكل العشاء الأخير، أي تأسيس الإفخارستيا. فأوضح ببراهين كثيرة أن المسيح لم يأكل الفصح في ميعاد الفصح، وأثبت صحة تقليد إنجيل يوحنا، واعتبر الذين يقولون إن المسيح أكل الفصح في 14 نيسان وصُلب في 15 نيسان » جهلة «و» محبي العراك. «[18])
3– العلاَّمة هيبوليتس أسقف روما (170-236م):
[في الوقت حيث كان يتألم المسيح (أسبوع الآلام) لم يأكل فصح الناموس، لأنه هو كان الفصح الذي أُعلن عنه منذ القديم والذي أُكمل في ذلك اليوم المحدد.]([19])
4– القديس أناتوليوس أسقف لاودكية (تنيَّح سنة 282م)([20]):
[اليوم الرابع عشر من الشهر القمري الأول، تقدَّس بتسليم الرب، وهذا متوافق في كل شيء مع الإيمان الجامع.]([21])
5– القديس بطرس خاتم الشهداء بابا الإسكندرية الـ 17 (300-311م):
[إلاَّ أنه بعد خدمته الجهارية لم يأكل الخروف، لأنه هو نفسه تألم كحمل في عيد الفصح، كما يعلِّمنا يوحنا البشير واللاهوتي في إنجيله، حيث يقول هكذا: » حينئذ اقتادوا يسوع من عند قيافا إلى قاعة الحكم. وكان الوقت باكراً، ولم يدخلوا قاعة الحكم خشية أن يتنجَّسوا، فيمتنعوا عن أكل الفصح «(يو 28:18 – الترجمة حسب النص). وبعد ذلك بقليل يقول إنجيل يوحنا: » فلما سمع بيلاطس هذا الكلام أخرج يسوع وجلس على منصة القضاء في الموضع المدعو البلاط وبالعبرانية جباثا. وكان استعداد الفصح، وكان نحو الساعة السادسة «(يو 19: 13و14 – الترجمة حسب النص)، كما أوضحت الكتب الصحيحة، ونفس النسخة التي كُتبت بيدي البشير نفسه، وقد حُفظت بنعمة إلهية في الكنيسة المقدَّسة بأفسس، وهي الآن هناك يُجلُّها المؤمنون. ونفس البشير يقول: » ثم إذ كان يوم الاستعداد، فلئلا تبقى الأجساد على الصليب في السبت لأن ذلك السبت كان عظيماً، سأل اليهود بيلاطس أن تُكسر سيقانهم ويمضي بهم. «(يو 31:19 – الترجمة حسب النص)
في هذا اليوم، إذاً، الذي كان اليهود فيه على وشك أن يأكلوا الفصح في المساء، صُلب ربنا ومخلِّصنا يسوع المسيح، ليكون ذبيحة للذين يُشاركون بالإيمان في السر المختص به، حسبما كتب المغبوط بولس: » لأن المسيح فصحنا قد ذُبح لأجلنا «(1كو 7:5). وليس كما انساق البعض عن جهل يؤكِّدون بتصميم أنه أُسلم بعد أن أكل الفصح، الأمر الذي لم نتعلَّمه لا من البشيرين القديسين، كما أنه لم يسلِّمنا هذا أي رسول من الرسل هذا.
لذلك، ففي الوقت الذي كان فيه ربنا وإلهنا يسوع المسيح يتألم من أجلنا بالجسد، لم يأكل من الفصح الطقسي. ولكن كما قلت كان هو الحَمَل الحقيقي، الذي قُدِّم ذبيحة لأجلنا في عيد الفصح الرمزي، في يوم الاستعداد، أعني اليوم الرابع عشر من الشهر الأول.
الفصح الرمزي، إذاً، لم يعد قائماً. لأن الفصح الحقيقي قد صار حاضراً: » لأن المسيح فصحنا قد ذُبح لأجلنا «كما ذكرنا من قبل. وكما علَّم بذلك بولس الرسول الإناء المختار.]([22])
6– القديس أثناسيوس الرسولي بابا الإسكندرية الـ 20 (295-373):
[لا نذبح بعد (يوم الفصح) خروفاً مادياً وإنما ربنا يسوع المسيح الحمل الحقيقي الذي ذُبِح]
(الرسالة الفصحية الأُولى)
واضح هنا أن ذبح المسيح (الصليب) كان في نفس الميعاد للفصح القديم. وهكذا ألغى الفصح الحقيقي الفصح القديم وكل ما يتعلَّق به.
7– العلاَّمة كلِمندس الإسكندري (150-215م):
أورد هذا الموضوع بتطويل وتوضيح كامل مثبتاً أن المسيح صُلب في الرابع عشر من نيسان في ميعاد ذبح خروف الفصح القديم، وأن الإفخارستيا كانت قبل الفصح([23]).
وبالاختصار نجد أكثر العلماء تضلُّعاً في التقليد العبري وجميع الآباء الأقباط والباباوات بصفة عامة يتكلَّمون عن المسيح الفصح الحقيقي الذي ذُبح لأجلنا، وأنه حل محل الفصح الرمزي القديم إحلالاً دقيقاً شمل كل الصفات حتى الظاهرية، وبالتالي التاريخية، على أساس أن المسيح ذُبح في ميعاد الفصح اليهودي تماماً.
وبهذا يكون العشاء السري قد تأسس قبل الفصح، وتكون الوليمة بالتالي وليمة يوم ما قبل الفصح.
كما تسوق إلينا أحدث أبحاث العلماء الفلكيين ما يثبت هذه الحقيقة التاريخية المختصة بزمن وتاريخ صلب المسيح، ومنها يتبين أنه كان في يوم الفصح، كما أن الإفخارستيا لم تكن وليمة فصح:
[نقلت وكالة الأنباء المسيحية RNS في نيويورك خبراً مفاده أن عالمين بريطانيين توصَّلا بعد أبحاث طويلة إلى تحديد يوم صلب المسيح، وهو يوم الجمعة 3 أبريل.
وهذان العالمان متخصصان في الأبحاث الفلكية في جامعة أكسفورد، الأول اسمه البروفيسور كولين ج. همفري Colin J. Humphreys، والثاني اسمه و. جرايم وادينجتون W. Graeme Waddington وقد نشرا بحثهما في مجلة المؤسسة العلمية الأمريكية Journal of the Amer. Scient. Affil. في عدد مارس 1985، وبنيا هذا البحث على حسابات فلكية دقيقة وتفاسير متعددة للكتاب المقدس.
وقد اقتبسا في بحثهما من كتابات القديس البابا كيرلس الإسكندري (بابا الإسكندرية الـ 24 في عداد بابوات وبطاركة الكنيسة القبطية)، ومن وثائق كتبها بيلاطس البنطي الوالي الروماني، والذي في عهده صُلب المسيح، ذُكر فيها أن القمر تحوَّل لونه إلى الأحمر الدموي أثناء عملية الصلب. ويقول العلماء أن مثل هذا التغيُّر في اللون يمكن أن يحدث في حالة واحدة فقط وهي خسوف القمر نتيجة لكسوف الشمس.
وقال هذان العالمان أنه بمراجعة الحسابات الفلكية فإن المرة الوحيدة التي رُئي فيها خسوف للقمر في منطقة أورشليم وفي الفترة ما بين عامي 26-36م (وهي المدة التي من المؤكَّد أن يكون المسيح قد صُلب خلالها) كانت في يوم الجمعة 3 أبريل عام 33م. ويذكر الإنجيل أن المسيح بدأ خدمته وهو في عمر 30 سنة وأن خدمته حتى الصليب استمرت 3 سنوات ونصف.
ويقول البروفيسوران همفري ووادينجتون أن لهذا التاريخ أهمية ليست بقليلة. وهما يعتقدان في صحة هذا التاريخ نسبة إلى عمر المسيح (المتفق عليه) وقت الصلب، وكذلك بالنسبة لتاريخ وطبيعة العشاء الأخير الذي أكله المسيح مع تلاميذه قبل الصلب.
فقد أعلنا بأن عملية الصَلْب تمَّت في يوم عيد الفصح عند اليهود أو اليوم السابق لهذا اليوم الذي كان ينبغي فيه على اليهود بحسب طقوسهم أن يذبحوا خروف الفصح. وهذا يتفق مع إيمان الكنيسة بأن المسيح كان هو الفصح الحقيقي الذي سيكفِّر حقاً عن خطايا البشرية.
وفي الوقت نفسه أعلن هذان العالمان أن العشاء الأخير للمسيح مع تلاميذه كان وليمة من ولائم الفصح في الليلة التي تسبق عادةً الليلة التي يأكل فيها اليهود خروف الفصح.]([24])
([1]) W.H. Frere, The Anaphora or Great Eucharistic Prayer. p. 7.
([2]) انظر كتاب: «أسرار الكنيسة السبعة» للمتنيح الأرشيدياكون حبيب جرجس، صفحة 113.
([3])Liddell and Scott, Greek-English Lexicon, Oxford, 1972, p. 702.
([4]) انظر المراجع الأجنبية التي أوردها المتنيح الأرشيدياكون حبيب جرجس في كتابه: «أسرار الكنيسة السبعة» – صفحة 122.
([5]) هذا التقليد كان منذ أيام القديس لوقا الإنجيلي. وهو أن الكنيسة في ليلة عيد الفصح المسيحي من كل سنة (عيد القيامة) تظل تصلِّي صائمةً حتى بعد منتصف الليل، في انتظار عودة المسيح، حسب الاعتقاد السائد أن المسيح سيحضر في عيد القيامة في منتصف الليل ليكمل الفصح في ملكوت الله الذي سيُستعلن حسب وعده بمجيئه. فإذا لم يحضر حتى أول صياح الديك (الساعة الثالثة صباحاً)، يُقيمون الإفخارستيا باعتبار أنه سيشترك معهم كالعادة، في انتظار سنة أخرى.
([6]) M. R. James, The Apocryphal New Test., Oxford, 1924, p. 91.
([9])Joachim Jeremias, The Eucharistic Words of Jesus, pp. 66, 67, citing E. Schwartz, Willhausen, Lietzmann, Schlatter.
([10]) M. Goguel, L’Eucharistie, des origines Justin; J. Lightfoot, Exercitations of Matt. 26.26.
([11])M. Haller; F. Spitta; K. G. Goetz, cited by J. Jeremias, op.cit., p. 68.
([12])Bultmann, Tradition, p. 264; Finegan, ـberlieferung. p. 66; Billerbeck, I. 989.
([13]) Wellhausen, Evang. Marci, p. 108; Schwartz; C. G. Montefiore; M. Dibelius, From Tradition to Gospel, p. 191; T. Preiss, Life in Christ, p. 82.
([14]) بحسب توقيت يوسيفوس المؤرخ “من 3-5 بعد الظهر”، أمَّا بحسب توقيت فيلو الفيلسوف اليهودي “فمن الظهر حتى الغروب”.
([15]) Sanh, 4. I; b. Sanh. 35a.
([16]( Justin Martyr, Dialogue with Trypho, 111, ANF I, 254.
والقديس يوستينوس الشهيد من المدافعين المسيحيين الأوائل، وُلد في نابْلُس بفلسطين من أبوين وثنيين، وبعد بحث عن الحق دام طويلاً اعتنق المسيحية عام 130م، وعلَّم الإيمان المسيحي في أفسس حيث التقى برجل يهودي «تريفو» عام 135م. ثم رحل إلى روما وكتب هناك رده على محاجاة تريفو اليهودي، كما كتب دفاعاً عن الإيمان أمام الإمبراطور ماركوس أوريليوس ثم استشهد عام 165م.
([17]) وهو أبوليناريوس كلوديوس المدافع عن الإيمان أمام ماركوس أوريليوس (حوالي عام 172م)، وكتب مقالات عن الإيمان وعن الحق وعن القيامة، وتعيِّد له الكنيسة في 8 يونيه. وطبعاً هو غير أبوليناريوس المبتدع (310- 390م) أسقف لاوديكية الذي حُرم.
([18])Apollinarius of Hierapolis, De Pascha, PG V, 1297= PG XCII, 80, cited by Oesterley, op.cit., p. 162.
([19])ANF, vol. V, p. 240, I.
([20]) هو أصلاً مواطن مصري من الإسكندرية، أسَّس فيها مدرسة فلسفية مشهورة وكان عضواً في مجلس السناتو الروماني لعلو ثقافته. أُقيم أسقفاً مساعداً لأسقف قيصرية فلسطين، ثم أسقفاً لمدينة لاودكية عام 268م.
عندما كنت في جمعية الدراسات الكتابية في سان دييغو، كنت أبحث في الكتب الصادرة حديثاً، ومن الكتب التي وقعت في يدي هو كتاب لمارفن مايرز الذي خصص حياته لترجمة الكتب المسيحية الأبوكريفية.
كان اسم الكتاب انجيل يهوذا: المجموعة النهائية للأناجيل و الاساطير التي تتكلم عن تلميذ المسيح غير المشهور، فاذا الكلام عن يهوذا لازال مستمرا، فلقد جَمعَ المؤلف مصادر مختلفة تتكلم عن يهوذا من بدايات القرن الثاني الى الثالث عشر، قائمة المصادر ليست نوعيّة او موسوعيّة بل تمثيلية، كان المؤلف يعرف التفسيرات الجديدة حول إنجيل يهوذا و التي قدمتها ابريل دي كونيك، تكلم ماير عن اعادة تقييم شخصية يهوذا في فصل يحمل عنوان اعادة فحص شخصية يهوذا، و قد قال فيه بان البحث عن يهوذا يلزمنا البحث في بدايات الكنيسة التي عرفت بتنوع ثقافاتها و تعدد اعراق المنتمين اليها حتى يومنا هذا، رغم ان ماير قد رجّح بان انجيل يهوذا قد كتب في منتصف القرن الثاني أي بعد كتابة العهد الجديد بعقودٍ.
في ردنا على هذه الاشياء المثارة حول هذا الأمر نقول بأنه بات هذا الانجيل لا يخبرنا عن اي شيء حول تاريخ الكنيسة الاولى، يدعي ماير بان القديس اريناؤس قسَّم الفرق المسيحية الى قسمين، الفريق الأول أسماه المؤمنين و الفريق الثاني أسماه الهراطقة، هذا الادعاء يتجاهل المصادر المسيحية الاولى التي تكلمت بخصوص نفس الموضوع اي الهراطقة و المؤمنين مثل رسالة بولس الرسول إلى غلاطية في القرن الاول و رسالة يوحنا الاولى الى تعود الى تسعينات القرن الاول، ان مسالة تقسيم الناس الى مؤمنين و هراطقة موجودة في الكنيسة الاولى قبل اريناؤس بكثير، يقول ماير بان يهوذا نَفذَ مشيئة المسيح بأن يسلمه الى المجمع اليهودي.
و لكن الكنيسة الاولى لم تقدر هذا الجهد، و لذلك إقترح ان نبني شخصية يهوذا من جديد تحت ضوء نصوص هذا الانجيل مع الاناجيل الاخرى، و في الصفحة 50 يشرح ماير نظرة النقاد و يعترف بان ما جاء على لسان المسيح بان يهوذا (سيتجاوز كل التلاميذ) هي قراءة صعبة للنص، و يقترح بأن هذا النص يستحق الدراسة و من الصعب التمسك بهذه القراءة دون تحفظ كبير عليها، لكنه يقترح بان هذه القراءة هي الاكثر منطقية، و لكن هذه النظرة لسياق النص تختلف عن سياق الكتابات الاخرى التي كتبتها نفس الفرقة التي كتبت انجيل يهوذا، يجب ان يقرأ النص في سياقه ليتم التعرف على مصير يهوذا بعد خيانته للمسيح، و يختتم ماير قائلا بان هذا الانجيل (أي إنجيل يهوذا الأبوكريفي) يُعدل من صورة يهوذا السلبية و يصفه بالتلميذ الذي أطلعه المسيح على اسرار الملكوت و الذي نفذ مشيئته.
لا زال النقاش حول شخصية يهوذا الحقيقية مستمرا، شخصية يهوذا في هذا الانجيل يثبت كلام القديس اريناؤس عنه وعن الفرقة التي كتبته، لازالت النظرة العامة لشخصية يهوذا سلبيه رغم جهود الطرف الاخر لتحسينها، وفي النهاية أحب ان اقول ان نصوص هذا الانجيل لا تدعم الكثير من ادعاءات ماير، كما انه رغم تنوع الفرق المسيحية الا انه لم تظهر اي فرقة تدعي بأفضلية يهوذا عن التلاميذ في القرن الاول الميلادي.
جاء في إنجيل يوحنا 13 عدد 26-27 قول السيد المسيح عن يهوذا : 26 اجاب يسوع هو ذاك الذي اغمس انا اللقمة واعطيه.فغمس اللقمة واعطاها ليهوذا سمعان الاسخريوطي. (27) فبعد اللقمة دخله الشيطان.فقال له يسوع ما انت تعمله فاعمله باكثر سرعة. (svd)
ومعنى هذا أن السيد المسيح هو الذي أدخل الشيطان على يهوذا !! وهل عرفت يد المسيح عليه السلام إلا الخير والإحسان ؟
الإجابة
لقد أجبت انت على السؤال ولم يعد هناك أي داع لأن أجيب، هل عرفت يد المسيح إلا الإحسان، فالمسيح كان يجول يصنع خيرا ويحرر جميع المتسلط عليهم إبليس، فكيف يمكن أن يأمر الشيطان ليدخل يهوذا.
أن ما تقرأه هنا هو تسلسل الأحداث، بعد أن غمس اللقمة واعطاها ليهوذا بدأ يهوذا يفكر في الكيفية التي يسلم بها السيد، وهذا بالطبع من خلال وسوسة الشيطان له.
إذا رجعت إلى بداية الأصحاح 13 فسوف تجد إجابة واضحة عن سؤالك في الآية 2 “فَحِينَ كَانَ الْعَشَاءُ، وَقَدْ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ يَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ أَنْ يُسَلِّمَهُ،” ثم نقرأ في يوحنا 13: 10-11 التالي: “قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الَّذِي قَدِ اغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلاَّ إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ، بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ. وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ». لأَنَّهُ عَرَفَ مُسَلِّمَهُ، لِذلِكَ قَالَ: «لَسْتُمْ كُلُّكُمْ طَاهِرِينَ».”
بل أن تسلسل الأحداث يبدأ قبل ذلك بكثير، ففي يوحنا 6: 70-71 نقرأ التالي: “أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَلَيْسَ أَنِّي أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، الاثْنَيْ عَشَرَ؟ وَوَاحِدٌ مِنْكُمْ شَيْطَانٌ!» قَالَ عَنْ يَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ، لأَنَّ هذَا كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يُسَلِّمَهُ، وَهُوَ وَاحِدٌ مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ.”
إذاً كان يهوذا من البدء يفكر في خيانة يسوع وليس أن يهوذا بعد أن أكل اللقمة التي أعطاها يسوع دخله الشيطان بسبب يسوع. فهذا افتراء على النص ودليل على عدم فهم القراءة البسيطة للنص.
فهنا نرى أن يسوع بالرغم من معرفته المُسبَقَة عن هوية يهوذا وأنه سوف يقوم بتسليمه، فقد اختاره ليكون من بين الاثني عشر تلميذاً لكي يتلمذه ولكي يُعطيه فرصة لكي يتغير، ولم ينفع ذلك مع يهوذا. بل أن يسوع تعامل مع يهوذا بحنية حتى وقت الخيانة والتسليم، لاحظ ماذا يقول ليهوذا عندما اقترب مع الجند ليقبضوا عليه كما ورد في متى 26: 50 “فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «يَا صَاحِبُ، لِمَاذَا جِئْتَ؟»”
نعم أخي السائل، لقد أصبت حينما ذكرت أن يد المسيح لم تعرف غير السلام والخير، فهل تؤمن به لتنال من خيراته وسلامه؟
في يوم الخميس الواقع في ٦ نيسان ٢٠٠٦ قامت جمعية علمية تعرف بـالجمعية العالمية للجغرافيا (National Geographic Society) بعقد مؤتمر صحفي في مركزها الرئيسي في واشنطن و أعلنت لما يقارب ١٢٠ وسيلة إعلام، عن إعادة إكتشاف إنجيل يهوذا وترميم أجزائه و ترجمته. إحتل هذا الحدث العناوين الرئيسية لأهم الصحف حول العالم، و أصبح محور النقاش في برامج تلفيزيونية متنوعة في تلك الأمسية و أمسيات أخرى متتالية. كما بثت القناة الفضائية التابعة لهذه الجمعية مساء يوم الأحد في ٩نيسان ٢٠٠٦ برنامجاً خاصاً بهذا الموضوع مدته ساعتين تقريبا، وأُعيد بثه لاحقا مراراً عديدة.
فما هو اذاً إنجيل يهوذا؟ و لماذاً كل هذه الجلبة التي أحدثها ، وكيف يجب أن يتعامل معه الجميع من مؤمنين وغيرهم؟
إكتشاف إنجيل يهوذا
ان أفضل ما تمكن المحققون من الوصول اليه هو مخطوطة مخاطة بالجلد على شكل كتاب(CODEX) (كتاب قديم). تتكوّن صفحات هذا الكتاب من ورق البردي تمّ إكتشافها في نهاية السبعينات، على الارجح في العام ١٩٧٨ في مصر وربما في كهف. ولخمس سنوات متتالية، تم التداول بهذه المخطوطة المكتوبة أصلا باللغة القبطية١ في اماكن عدة من محلات الآثار القديمة حول مصر. وفي العام ١٩٨٣ قام بدراسة هذه المخطوطة أحد الدارسين الأقباط و يدعى Stephen Emmel و هو نائب لخريج سابق من جامعة كليرمونت, Claremont Graduate University ويدعى جايمس روبنسون James Robinson الشهير من خلال أعماله بمخطوطات نجع الحمادي Nag Hammadi المشابهة لها. تمكّن Emmel من التعرّف الى أربعة كراريس منها، تَذكُر أحداًها، ولاكثر من مرة، حديث يهوذا مع الرب يسوع، وخَلُص Emmel الى القول أن هذه المخطوطة هي أصلية ( أي ليست مزوّرة) و انها على الارجح تعود الى القرن الرابع ميلادي. وتلا ذلك إختبارات عديدة أتت لتؤكد على صحة هذه الفرضية البارعة.
أما البائع الذي كان يحاول الحصول على سعر مناسب لكي يبيع هذه المخطوطة لم يتمكن من ذلك. وبعد أن وصلت الى أميرِكا انتهى بها الامر في صندوق للودائع في لونغ أيلند Long Island في مدينة نيويورك New York حيث تعرضت الى تلف كبير في أجزائها. بعد هذا قام تاجر آخر بوضعها في ثلاجة ذات حرارة منخفضة جداً، لانه اعتقد خطأ أن الحرارة المنخفضة تحافظ على المخطوطة من الرطوبة. لكن، ولسوء الحظ، دفعت هذه المخطوطة مجددا ثمناً كبيراً إثر تعرضها للبرودة ، وتحوّلت أوراق البردي الى اللون البني الغامق وأصبحت هشّة.
ولحسن الحظ حصلت مؤسسة في سويسرا على هذه المخطوطة ويطلق عليها اسم ماسيناس Maecenas Foundation وبمساعدة National Geographic Society تمت معالجة الاضرار التي لحقت بها فأُعيد جمع البعض من أجزائها الى ما كانت عليه. وأقول البعض لأن عددا غير محدد من الصفحات كان قد فُقد (ربما أكثر من ٤٠)، وما يقارب ال ٨٥ % فقط من إنجيل يهوذا الذائع الصيت قد أعيد جمعه.
بعد هذا قامت National Geographic Society بالطلب من مجموعة من الخبراء لاجراء بعض الإختبارات، ومن ضمنها تحاليل للحبر المستخدم و الكاربون ١٤ وأشكال متعددة من التصوير للتأكد من أصالة هذه المخطوطة. حدد الاختبار المبني على الكاربون ١٤ زمن كتابة هذه المخطوطة في الفترة ما بين ٢٢٠–٣٤٠ م. لكن يُجمع حاليا معظم أعضاء فريق الباحثين ان زمن الكتابة يعود الى ما بين ٣٠٠–٣٢٠م.
في العام ٢٠٠٥ شكّلت هذه الجمعية فريق من الدارسين، الى جانب بعض الاخصائيين بالكتابات القبطية مثل رودولف كاسر Rodolphe Kasser وغريغور وارست, Gregor Wurst وغيرهم، للقيام بترجمة إنجيل يهوذا. ومن بين هذه الشخصيات التي أضيفت أيضاً، بارت إيرمن Bart Ehrman وستيفن أيمل Stephen Emmel و كريغ إيفانز Craig Evans ومارفن ماير Marvin Meyer (الذي ساعد في إعادة جمع قطع المخطوطة) وأيلان باجلز Elaine Pagels ودونالد سينيور٢ Donald Senior . ان كل هؤلاء الاخصائيين والإستشاريين، باستثناء رودولف كاسر Rodolphe Kasser الذي منعه المرض من الحضور، كانوا حاضرين عند اصدار هذه الترجمة وقدم كل واحد منهم كلمته الخاصة.
اصدار إنجيل يهوذا:
قامت جمعية National Geographic باصدار ترجمةٍ باللغة الانكليزية لإنجيل يهوذا، باخراج ملفت للنظر، وقد عمل عليها رودولف كاسر Rodolphe Kasserو مارفن ماير Marvin Meyer وغريغور وارست Gregor Wurst٣ . تضمن هذا المجلد مقالات إفتتاحية مفيدة جداً كتبها المترجمون والمحررون و من ضمنها مقالة لـ بارت إيرمن Bart Ehrman يشرح فيها حالة المخطوطة و علاقة إنجيل يهوذا بالكتابات المسيحية في القرون الأولى٤ ، بالاضافة الى عدد من النصوص الأخرى الغنوسية.
و بالعودة الى المخطوطة التي أُخذ منها نص إنجيل يهوذا، نجد ان هذا الأخير ورد على الصفحات ٣٣–٥٨ من مخطوطة Codex Tchacos ، كما يوجد أيضاً ثلاثة كراريس أخرى (أو كتابات) تحتوي على: – نسخة عن رسالة بطرس الى فيليبس في الصفحات ١–٩، والتي يطابق نصها النص الموجود في الكرّاس الثاني لمخطوطة نجع الحمادي Nag Hammadi الثامنة. ونسخة أيضاً عن سفر يعقوب في الصفحات ١٠–٣٢ تشابه تقريبا ما ورد في الكراس الثالث من مخطوطات نجع الحمادي Nag Hammadi الخامسة تحت عنوان رؤيا يعقوب الأولى . وأما الصفحات ٥٩–٦٦ فتضم عملا من دون عنوان تظهر فيه صورة “الغريب أو المختلف” Allogenes . و هذا الكراس، الذي هو عبارة عن أجزاء متعددة، لا تظهر له أية صلة مع الكراس الثالث لمخطوطة نجع الحمادي Nag Hammadi التاسعة التي تقع تحت عنوان “الغريب أو المختلف” Allogenes . وأخيرا ، ظهر في الآونة الأخيرة قطعة من صفحة لهذه المخطوطة لا تمت لمجموع هذه الكراريس الأربعة بأية صلة، و يوجد عليها رقم الصفحة ١٠٨. فاذاً كانت هذه هي الحال يمكننا اذاً اعتبار ان ٤٢ صفحة من مخطوطة Codex Tchacos تعتبر صفحات ضائعة.
محتويات إنجيل يهوذا:
يبدأ إنجيل يهوذا بالكلمات التالية:” الكلام5 السرّي لإعلان الرب يسوع الذي تكلّم به في حديثه مع يهوذا الاسخريوطي” (صفحة:٣٣، سطر: ١–٣). ثم ينتهي الكراس بالكلمات التالية:” إنجيل٦ يهوذا”(صفحة:٥٨، سطر: ٢٨–٢٩). إن هذه الاسطر تثير الدهشة بحد ذاتها، ولكن ما هو مذكور بينها من امور أخرى هو الذي أدى الى نشوء هذا الجدل الكبير حول الكتاب.
فبحسب ما ورد فيها نجد أن التلميذ الأفضل والأعظم عند الرب يسوع هو يهوذا الاسخريوطي. فهو وحده القادر ان يتلقّى تعاليم و إعلانات الرب العميقة. كما ان الرب يسوع يسخر من صلوات التلاميذ الآخرين وذبائحهم. فهم لا يقدرون على إستيعاب حقيقة من هو يسوع، ومن هو الذي ارسله، و من أين أتى. لكن بالمقابل نجد ان يهوذا قادر على المثول امام الرب يسوع (صفحة:٣٥، سطر:٨–٩). ” أنا أعلم يقينا من أنت و من أين أتيت. أنت من دنيا الخلود من Barbelo و أنا لست مستحقاً أن ألفظ اسم الشخص الذي أرسلك” (صفحة ٣٥، سطر:١٥–٢١).
وفي خلاصة هذا التعليم الخاص الذي تلقاه يهوذا و دُعي من خلاله للدخول الى السحابة ( لكي تتحول فيها هيئته؟) ، تلفّظ يسوع بأحد تعاليمه المذهلة قائلا ليهوذا:” سوف تتفوق عليهم جميعا، لأنك سوف تكون انت الذبيحة التي تمثلني” (صفحة:٥٦، سطر: ١٨–٢٠)، أي أنه، بينما يصرف التلاميذ الآخرون وقتهم سدىً في عبادة أقل قدرا (تقديم ذبائح حيوانية بحسب الشريعة اليهودية كما ينبغي)، سيقوم يهوذا بتقديم الذبيحة التي لها القيمة الحقيقية، الذبيحة التي سينتج عنها عمل الخلاص و الفداء: سوف يضحّي بجسده عوضا عن المسيح لكي يسمح للرب يسوع أن يتمم مهمته. وبهذا المعنى يصبح يهوذا فعلا الأعظم بين التلاميذ الآخرين.
وهكذا، تنتهي القصة مع تسليم يسوع لأيدي الكهنة:” و تذمّر الكهنة لأنه (يسوع) ذهب الى غرفة الزائرين لكي يصلي. لكن بعض الكتبة كانوا هناك يراقبون بانتباه شديد حتى يتمكنوا من القبض عليه بينما يصلي، لأنهم كانوا يخافون من الناس اذ كان يسوع عند جميعهم نبيّ. فاقتربوا من يهوذا و قالوا له : ماذاً تفعل هنا؟ أنت تلميذ يسوع المسيح. فاجابهم يهوذا تماما كما أرادوا، و حصل منهم على بعض المال و سلمهم إياه (يسوع) “(صفحة:٥٨، سطر ٩–٢٦)٧ . و الأمر الملاحظ هو عدم وجود أي ذكر لمحاكمة ما أو تنفيذ حكم بالاعدام أو قيامة من الأموات. لقد قدم لنا إنجيل يهوذا تماما ما أراد أن يقدمه ألا وهو طاعة يهوذا، وكيف أن هذه الطاعة ساعدت و دعمت الرب يسوع لكي يكمل مهمته الخلاصية . لقد تحوّل يهوذا من شخص نذل الى بطل، ومن شخص خائن الى قديس.
المغزى من إنجيل يهوذا
كتب إيريناوس (١٨٠م)، أحد آباء الكنيسة، منددا بجماعة أطلق عليها، هو وآخرون، اسم “القايينيين” Cainites لانهم، كما يبدو، كانوا يجعلون من الشخصيات الشريرة المذكورة في الكتاب المقدس أبطالا، من قايين مثلا الذي قتل أخاه هابيل، ومن يهوذا الذي أسلم الرب يسوع لأعدائه.
و مما ورد في كتابات ايريناوس:
يعمد البعض مجددا الى القول ان قايين استمد كيانه من قوة عليا، ويسلّمون بحقيقة أن عيسو وقورح والسدوميين وكل من يشابههم، هم أنسباء. و بناء عليه، يضيفون أن جميع هؤلاء تعرضوا لهجمات من الخالق لكن أحداً منهم لم يصب بأيّ أذى. لقد كانت الحكمة Sophia معتادة دائما على أخذ كل ما هو لها بالقوة منهم. و يقولون أيضاً أن يهوذا الخائن كان يعلم حقيقة كل هذه الأمور كما لم يعرفها أحد آخر، وأنه بمفرده أكمل لغز الخيانة، و من خلاله أصبحت كل الأمور، الأرضية و السمائية، بحالة من الارتباك. إنهم يسجلون أحداثاً خيالية من هذا النوع ويسمونها “إنجيل يهوذا” (في مواجهة الهرطقات Against Heresies 1.31.1 )
بكلمات أخرى، ان هؤلاء المدعوين القايينيين Cainites يشابهون أشرار العهد القديم الى حد كبير. وهذا يعود الى كونهم يؤمنون أن اله هذا العالم ، و بتناقض تام مع اله النور الذي في الأعالي، هو اله الشر. و بناء عليه فان كل شخص مكروه من اله هذا العالم ويسعى هذا الأخير تدميره – مثل قايين أو عيسو أو شعب سدوم – لا بد و أنه شخص صالح و يقف الى جانب اله النور. و إنجيل يهوذا يتبنى هذه النظرة بشكل واضح.
ان إنجيل يهوذا يساهم جداً في بلورة مفهومنا لمسيحية القرن الثاني، و خاصة فيما يختص بمسألة التعدّديّة. نجد فيه ما يمكن أن يكون صورة مبكرة عن الغنوسية الشيثية Sethian Gnosticism ، شكل من أشكال الفلسفة الغنوسية التي تجد لها جذورا في الفكر اليهودي السلبي المتشائم الذي نجم عن الحروب المفجعة التي تعرض لها اليهود بين الأعوام ٦٦–٧٠م و ١١٥–١١٧م٨.
ان إحتمال تزويدنا بالمعلومات الصحيحة و المجردة التي تكمل النواحي الناقصة لمعرفتنا بشخصية يهوذا، من خلال إنجيل يهوذا ، هو بعيد كل البعد عن الواقع. فمن دون شك يعمد بعض الكتاب المعروفين الى كتابة قصصا وهمية و يطلقون عليها اسم “القصة الحقيقية”، لكنها لن تتعدى كونها قصصا وهمية فقط لا غير. فحتى جيمس روبنسون James Robinson نفسه، الذي لا يعتبر مؤمناً، يستبعد إنجيل يهوذا و يعتبره دون قيمة تذكر من ناحية تقديم المعلومات التي تساعد على فهم شخصية يهوذا التاريخية. انه على الارجح صائب في نظرته هذه.
وقد صرّح الأب دونالد سينيور Donald Senior وهو كاهن كاثوليكي, أنه يعتقد أن إنجيل يهوذا لن يكون له التأثير الكبير على اللاهوت المسيحي أو على فهمنا الصحيح للإنجيل. ومجددا يمكننا القول أنه صائب في رأيه هذا.
ان الامر الوحيد الذي يحيرني في إنجيل يهوذا هو قول الرب يسوع ليهوذا الاسخريوطي المدوّن في إنجيل يوحنا :” مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ” (يو١٣׃٢٧) . لكن التلاميذ الآخرون لم يفهموا ما قصده الرب يسوع.
ان الأمر الملفت للانتباه هو وجود حادثتين على الاقل أخرتين يرتب فيهما الرب يسوع مع بعض التلاميذ ترتيبات خاصة لم يطلع الباقين عليها. أحداًهما كانت حادثة ارسال التلميذين للاتيان بالحمار الذي دخل عليه الى أورشليم (مرقس ١١) و الثانية ترتيب العلية من أجل عشاء الفصح (مرقس ١٤). وربما يحق للمفسرين والمؤرخين أن يتساءلوا ما اذاً كانت الحادثة المذكورة في إنجيل يوحنا ١٣ والتي سبق وأشرنا اليها، هي الحادثة الثالثة من سلسلة أحداًث قام فيها الرب بترتيبات خاصة مع بعض التلاميذ دون علم الآخرين بها. فكما ظن التلاميذ، كان يمكن أن يكون المسيح قد أرسل يهوذا لكي يتمم أمراً ما، ربما يتعلق بتأمين سلامة يسوع تلك الليلة. فلو كان هذا صحيحاًَ، فان ظهور يهوذا برفقة الرجال المسلحين الذين اعتقلوا يسوع تلك الليلة وساقوه الى الكهنة، ينفي هذا التكهن ويؤكد لنا ان ما قام به يهوذا تلك الليلة كان خيانة الرب وليس أمراً آخر.
قد تكون الامور الواردة في إنجيل يهوذا مستفيضة ومنحازة نوعا ما، غير تاريخية وتوسُّع خيالي. نعم كان يوجد نوع خاص من التفاهم بين الرب يسوع و يهوذا، ونعم قد قام هذا الاخير بتسليم يسوع لأعدائه، لكن لا, لا يمكننا اعتبار كل ذلك نوعا من الخيانة؛ فقد كانت هذه رغبة الرب يسوع. وهكذا وُجد إنجيل يهوذا.
ومهما كان الترتيب الذي كان الرب يسوع يريد من يهوذا ان يقوم به في تلك الليلة (فيوحنا على ما يبدو يشهد عن ترتيب ما أراد الرب ان يقوم به)، فبالتأكيد، بعد أن قام يهوذا بتسليمه، يظهر لنا أنه لم يكن هذا ما قد رتبه الرب. لذلك فان إنجيل يهوذا يمكن ان يضع أمامنا ما يقودنا لطرح بعض التساؤلات حول سبب قيام يهوذا بخيانة الرب يسوع والطريقة التي قام بها لذلك بالتحديد٩.
ان الكتابات المعاصرة لأسفار العهد الجديد، والأخرى التي تلتها أيضاً، تقدم أحيانا مساعدات مهمة في معالجة موضوع تفسير العهد الجديد. ان إنجيل يهوذا لا يزودنا برواية حقيقية عما قام به فعلا يهوذا في فترة ما من التاريخ أو ما قد علّمه الرب يسوع فعلا لتلاميذه في فترة من الزمن، لكنها تحتوي على تقاليد مهمة للفترة الي كتبت فيها-حتى ولو كانت الأحداًث مبالغ فيها و محوّرة- وتساعد المفسّرين و المؤرخين في عملهم ، بينما نحاول ان نفهم بصورة أوضح هذا التلميذ الذي يلفّه الغموض١٠ .
ملاحظات أخيرة :
١– اللغة القبطية هي اللغة المصرية التي أُسْتُخْدِمَت في كتابتها الأحرف اليونانية (مع بعض الأحرف الاضافية) و التي بدأ التداول بها بعد غزو الاسكندر الكبير للشرق الأوسط في القرن الرابع ق.م. كم ان مخطوطات نجع الحمادي Nag Hammadi مكتوبة أيضاً بهذه اللغة.
٢– ان التاريخ المذهل والشائك للمخطوطة التي يطلق عليها الآن اسم Codex Tchacos يسرده هيرب كروسني Herb Krosney في كتابه المهم و المدعّم بوثائق عديدة “الإنجيل الضائع” : ” البحث عن إنجيل يهوذا الاسخريوطي” (واشنطن : جمعية National Geographic ، 2006) . كما يسرد هذه القصة أيضاً أندرو كوكبرن Andrew Cockburn في كتابه “إنجيل يهوذا” (أيار ٢٠٠٦) ٧٨–٩٥ “The Judas Gospel,”National Geographic 209/9 (May 2006)78-95
٣– رودولف كاسر Rodolphe Kasser مارفن ماير Marvin Meyer وغريغور وارست Gregor Wurst “إنجيل يهوذا” و شرح اضافي لـ بارت إيرمن Bart Ehrman (واشنطن : جمعية National Geographic ، 2006). ان الترجمة الانكليزية و الصور العائدة للنص المكتوب باللغة القبطية هي موجودة على الصفحة الالكترونية لجمعية National Geographic
٤– قد يتساءل الإنسان اذاً ما كان إنجيل يهوذا فعلا مسيحياً.
٥– “ان الكلمة الاصلية المترجمة هنا ل”الكلام” هي الكلمة اليونانية “لوغوس”
٦– ان الكلمة الاصلية المترجمة هنا الى “الإنجيل” هي “البشرى السارة” euaggelion. كما تجدر الاشارة أيضاً الى العنوان الواضح للكتاب “إنجيل يهوذا” و ليس “الإنجيل بحسب يهوذا” كما هي الحال في الاناجيل الأربعة للعهد الجديد. ان مؤلف هذا الإنجيل ربما يريد ان يلمح الى أن يهوذا ليس هو كاتب الإنجيل بل ان إنجيل يهوذا هو بالاحرى عن يهوذا.
٧– الترجمات مبنية على كاسر، ماير، وارست، إنجيل يهوذا
٨– لهذه الفرضية المهمة، انظر س.ب.سميث C. B. Smith II، No Longer Jews: The Search for Gnostic Origins (Peabody, MA: Hendrickson, 2004).
٩– ان الدوافع التي كانت عند يهوذا وقادته الى تسليم الرب يسوع للسلطات هي غير واضحة نوعا ما. فهل كان الجشع وراء ذلك (كما نجد في إنجيلي متى و يوحنا) أم ابليس ( كما نجد في إنجيلي لوقا و يوحنا)؟ وهل كانت هذه عوامل أساسية أو مساهمة؟ في الواقع ، ان العهد الجديد يقدم لنا قصتين عن مصير يهوذا. (مت٢٧׃٢–١٠، حيث نجد قصة انتحار يهوذا و شراء الكهنة حقل الدم؛ و أيضاً في أعمال ١׃١٥–٢٠، حيث ترد قصة شراء يهوذا للحقل و تعرّضه للسقوط القاتل) . فعلا ان يهوذا رجل الغموض و الألغاز.
١٠– أرى من الضروري تصحيح، ما أراه من ناحية ما، مقالة صحفية جيدة. ففي” إنجيل يهوذا” يلخص أندرو كوكبرن Andrew Cockburn تقييمي لإنجيل يهوذا بالكلمات التالية:” هذه القصة هي خيالية بلا معنى”. (ص٩١) . و جوابا عليه نقول: لا، انه ليس قصة خيالية بلا معنى، بل هو بعيد كل البعد عن ذلك. فإنجيل يهوذا مليء بالمعاني وخاصة للمتصوفين والغنوسيين من القرن الثاني ميلادي الذين كانوا يفهمون خدمة الرب يسوع و عالمه بمصطلحات مغايرة جداً. ان النقطة المهمة ، التي ترد حرفيا في تقييمي، و التي ينقلها كوكبرن بأمانة ، تتلخص بما يلي:” لا يوجد أي أمر في إنجيل يهوذ يقدم لنا ما يمكن الاعتماد عليه تاريخيا” (ص٩١) . أنا متمسك بهذا القول الصادر عني ولكن ليس بشرح كوكبرن لكلماتي. ان ما اقترحته في هذه الدراسة المقتضبة هو أن هذه الرواية الخيالية الموجودة في إنجيل يهوذا يمكن ان تعكس بعض التقاليد الاصيلة التي تذكرنا ان يهوذا كان تلميذاً مهما أوكله الرب يسوع على مهمة خاصة. وهذا ربما ما لمّح اليه يوحنا في إنجيله و الاصحاح ١٣. ان إنجيل يهوذا ينبهنا الى هذا الإحتمال، حتى ولو حكمنا على كل ما ورد فيه أنه خيالي.
تبسيط الدفاعيات (4) | يهوذا الإسخريوطي في الملكوت يا مسيحيين والدليل…
تبسيط الدفاعيات (4) | يهوذا الإسخريوطي في الملكوت يا مسيحيين والدليل…
تبسيط الدفاعيات (4) | يهوذا الإسخريوطي في الملكوت يا مسيحيين والدليل…
أحياناً يجي لك واحد بس أذكى من الواحد اللي فات ويقول لك،
المفروض يهوذا الإسخريوطي يخش الملكوت بتاعكم، تقوم أنت مبحلق فيه وتستعجب وتقول له، إزاي؟ يقوم يقول لك، هو مش يهوذا دا لما سلِّم المسيح، قام الرومان أخدوه وصلبوه وقتلوه؟ وبكدا تم الفداء؟ يعني يهوذا كان الأساس اللي بسببه تم الفداء، يبقى يخش الملكوت ولا لأ يا مسيحيين يا بتوع الكنايس؟ ها؟تقوم انت تاخد نَفَس عميق وتقول له:بص يا ذكي، اللي عمله يهوذا دا خطية والمسيح بنفسه قال عنه “ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الانسان. كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد” فاللي عمله يهوذا خطية من غير كلام كتير، ده اولا.أما ثانيا، قتل المسيح ده خطية تانية، يعني الرومان اللي قتلوا المسيح عليهم خطية قتله، واليهود عليهم خطية التحريض والإفتراء وتلفيق شهود زور لقتله، ودي مش عايزة برضو كلام كتير.ثالثا: لكن كون أن خطية يهوذا وخطية الرومان وخطية اليهود، ربنا حولها لخلاص لكل العالم، فالفضل هنا يرجع لربنا لتحويله كل هذا الشر لكل هذا الخير، فالفضل هنا للفادي وليس ليهوذا أو للرومان أو لليهود، لأنه هو القادر أن يخرج من الجافي حلاوة وهو الذي يستطيع ان يجعل كل الأشياء تعمل معاً للخير وأن يحول كل شر إلى كل خير.
تبسيط الدفاعيات (3) | كيف مات يهوذا؟ مشنوقاً أم ساقطاً على وجهة؟
يجي لك واحد مش مسيحي بس ذكي شوية، يجي يقول لك: هل يهوذا مات مشنوق ولا إنسكبت أحشاؤه؟ وهل هو إشترى الحقل ولا الكهنة؟؟ ويقوم يقول لك شوف نصوص كتابك المقدس المتناقض:
Mat 27:5 فطرح الفضة في الهيكل وانصرف ثم مضى وخنق نفسه.
Mat 27:6 فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا: «لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم».
Mat 27:7 فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء.
تناقض:
Act 1:18 فإن هذا اقتنى حقلا من أجرة الظلم وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها. Act 1:19 وصار ذلك معلوما عند جميع سكان أورشليم حتى دعي ذلك الحقل في لغتهم «حقل دما» (أي: حقل دم).
هنا هو بيقول لك على شبهتين، الأولى، هو يهوذا مات إزاي؟ والتانية مين اللي إشترى الحقل بالتحديد؟
+ أولاً: يهوذا شنق نفسه، وإنسكبت أحشاؤه، إزاي؟ هو شنق نفسه فـ سقطفإنسكبت أحشاؤه من قوة السقوط.
كيف مات يهوذا؟ مشنوقاً أم ساقطاً على وجهة؟
+ ثانياً: اللي إشترى الحقل فعلياً هم الكهنة ولكن إشتروه بفلوس يهوذا اللي حاول يرجعها لهم لكنهم ماقبلوهاش لأنها تمن دم واحد مات (المسيح)، عشان كدا ماقدروش يرجعوها تاني الخزنة، يعني أشتروها بالوكالة.