دليل يقدمه الحجر الأَصمّ – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه الحجر الأَصمّ – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه الحجر الأَصمّ – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

دليل يقدمه الحجر الأَصمّ – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

لا أظن أحداً يقرأ أول بيان كتبه البشير مرقص في وصف القيامة إلاّ تملكه الدهشة حيال ما قيل عن ذلك الحجر الذي أُحكم به باب القبر.

ونحن نعرف مبلغ الصدمة التي يختبرها الإنسان حين يلقاه أمر فجائي لم يكن منتظراً، كآثار الأقدام في الرمال التي نقرأ عنها في قصة روبنسن كروزو مثلاً. وكل حادث فجائي مثل هذا يوقظ العقل ليبحث عن تعليل له. وهذا اختبار يلقاه، فيما أظن، كلُّ من يقرأ قصة البشير مرقص. وهنا نرى أنفسنا مسوقين، على غير انتظار، وبحكم منطق الحوادث، إلى فحص قصة أخرى يرويها بشير آخر وهي قصة الحّراس.

وإني لأذكر كيف أثارت هذه القصة دهشاً في نفسي لأول مرة، وذلك لأني كنت قد ألِفْتُ أن أحسب قصة الحراس حادثاً ثانوياً لا أعلّق عليه شيئاً من الأهمية. ومما قاله الناقدون إنه لم يُسمع قط أن ينقس الجنود، وخاصة الجنود الرومان، وهم يقومون بواجب الحراسة. ولو أنهم اعترفوا بذلك لما صدّقهم أحد. ويقولون أيضاً إن الأسباب الداعية إلى إقامة الحراس على القبر لم تكن في حّد ذاتها وجيهة أو محتملة التصديق كثيراً.

وفي أول أمري قبلت هذه الأقوال في غير تساؤل، وافترضت أن أحداّ لم يخطر على باله أن يذهب إلى القبر فيما بين مغيب الشمس في يوم الجمعة وساعة الفجر التي ظهر فيها النسوة عند القبر، وزعمت مع الزاعمين أنه لا الرومان، ولا كهنة اليهود، عنوا بقبر المسيح بعد أن ثبت لدى الآخرين أن مراسم الدفن قبل مغيب الشمس قد روعيت مراعاة تامة.

ولشدّ ما كان دهشي حين وجدت أن رواية مرقص (وهي أقدم ما بين أيدينا من الروايات عن القيامة) لا تسند هذا الرأي بتاتاً بل تثبت ما ينقضه. ورغبة في تسهيل الفهم على القارئ نثبت هنا النص الحرفي للرواية

“وَبَعْدَمَا مَضَى السَّبْتُ، اشْتَرَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَسَالُومَةُ، حَنُوطًا لِيَأْتِينَ وَيَدْهَنَّهُ. وَبَاكِرًا جِدًّا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ إِذْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ. وَكُنَّ يَقُلْنَ فِيمَا بَيْنَهُنَّ: «مَنْ يُدَحْرِجُ لَنَا الْحَجَرَ عَنْ بَابِ الْقَبْرِ؟» فَتَطَلَّعْنَ وَرَأَيْنَ أَنَّ الْحَجَرَ قَدْ دُحْرِجَ! لأَنَّهُ كَانَ عَظِيمًا جِدًّا. وَلَمَّا دَخَلْنَ الْقَبْرَ رَأَيْنَ شَابًّا جَالِسًا عَنِ الْيَمِينِ لاَبِسًا حُلَّةً بَيْضَاءَ، فَانْدَهَشْنَ.

فَقَالَ لَهُنَّ: «لاَ تَنْدَهِشْنَ! أَنْتُنَّ تَطْلُبْنَ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ الْمَصْلُوبَ. قَدْ قَامَ! لَيْسَ هُوَ ههُنَا. هُو َذَا الْمَوْضِعُ الَّذِي وَضَعُوهُ فِيهِ. لكِنِ اذْهَبْنَ وَقُلْنَ لِتَلاَمِيذِهِ وَلِبُطْرُسَ: إِنَّهُ يَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ. هُنَاكَ تَرَوْنَهُ كَمَا قَالَ لَكُمْ». فَخَرَجْنَ سَرِيعًا وَهَرَبْنَ مِنَ الْقَبْرِ، لأَنَّ الرِّعْدَةَ وَالْحَيْرَةَ أَخَذَتَاهُنَّ. وَلَمْ يَقُلْنَ لأَحَدٍ شَيْئًا لأَنَّهُنَّ كُنَّ خَائِفَاتٍ”

وهذه هي الرواية الأصلية التي خلدها لنا التاريخ، وهي أقدم الوثائق وأقواها حجة فيما حدث للنسوة. وهي أقرب النصوص التي تمثّل ما وقع فعلاً لأولئك النسوة كما روينه، وكما تناقلته الألسن في العصور الأولى.

وماذا عن الجّو الذي أحاط بالحادث؟ يتعذر علينا أن نقرأ قراءة بعيدة عن الغرض منزهة عن الغاية دون أن نتأثر بصراحتها في التعبير وخلوِها من الحواشي التي لا تمسُّ الموضوع، رواية صريحة رائقة، صافية في صيغتها، لا صنعة فيها ولا تكلف، تصف القصة وصفاً واقعياً. وفضلاً عن ذلك – وهو أمر له خطورته ومعناه – تخلو بتاتاً من كل الحوادث التي تميل بالضرورة إلى التهويل والنعوت الخارقة للطبيعة والمألوف.

فهي تصّور النسوة يتخذن طرقهن إلى القبر قبيل انبثاق الفجر، وتصف حيرتهن وجزعهن حيال الحجر الكبير، وكيف وجدن الحجر مدحرجاً، فدخلن ورأين شاباً جالساً بثياب بيض، ألقى إليهن رسالة، كان لها في نفوسهن المضطربة أعمق الأثر، فهرولن مسرعات وخرجن يجررن أذيال الخوف والروع.

مشهد روائي وغير عادي. ولكن القصة كلها غير عادية، من القبض الفجائي على يسوع، إلى صلبه، إلى دفنه في قبر رجل غنيّ. وحين نفكر في ساعة النهار المبكرة، وفي النور القاتم، وفي الإحساس الذي يساور الأحياء وهم في محلاّت الموت، وفي عدم تأهب النسوة أن يرينَ ما رأين – حين نفكر في كل هذا نحكم أن مسلكهن في ذلك الموقف يمثّل مشهداً من مشاهد الحياة الحقة الواقعية.

ولكن أنا معني الآن – كما قلت بالحجر فقط، ذلك الشاهد الصامت الذي لا يكذب. وحول هذا الحجر حقائق معينة تدعو إلى كثير من البحث والدرس.

ولنبدأ أولاً بحجمه ماهيته. والرواية التي سطرتها هنا لا تدع مجالاً للشك في أنه كان كبيراً وثقيلاً. وهذه حقيقة يؤيدها صراحة أو تلميحاً كل الكُتّاب الذين أشاروا إليه. فيقول مرقص: “كان عظيماً جداً” ويقول متى: “حجراً كبيراً”. ومن الأدلة الأخرى على كبر حجمه ما أبداه النسوة من الحيرة حين أقبلنَ إلى القبر وتشاورن فيمن يدحرجه لهنَّ.

ولو لم يكن الحجر ضخماً وثقيلاً، لكان في مقدور النسوة الثلاث مجتمعات أن يدحرجنه. والذي نستنتجه من هذا كله أنه كان كبيراً بحيث لم يكن النسوة قادرات على دحرجته دون مساعدة خارجية. ولهذا كله أثره في أطوار القضية.

أما الحقيقة البارزة التي تُذكَر صراحة في كل الوثائق الباقية بين أيدينا، فهي أن النسوة وجدن الحجر مدحرجاً عند مجيئهن إلى القبر.

ولست أظن أن التضاعيف المادية المنطوية عليها هذه الواقعة قد فُحصت تماماً. فمعناها الصريح أن النسوة لم يكنّ أول من جئن إلى القبر، وإن واحداً ممن يعنيهم هذا القبر قد سبقهن إليه. وهذا هو الاستنتاج الذي يستخلصه كل من يؤمن أننا أمام واقعة تاريخية لا شكل فيها.

وما لم نتمسك بالقول إن الحجر قد دحرجته قوة خارقة للطبيعة، أو أنه قد دُفع دفعاً من الداخل، أو أنه أزيح عَرضاً على أثر هزة أرضية (من نوع الهزات التي كانت تكثر في اليهودية)، ما لم نتمسك برأي من هذه الآراء يتحتم علينا أن نعرف من هو الشخص أو الأشخاص الذين أُتيحت لهم الفرصة وتوافرت لديهم البواعث لإزاحة الحجر من مكانه، وذلك لأن الثابت من وقائع الرواية أنه أُزيح قبل الفجر في صباح الأحد.

وهذا بحث هائل متشعب النواحي، يشمل فيما يشمله إعادة القول في بعض الأسئلة التي حاولنا الإجابة عنها، ولست أجد مهرباً من هذه الإعادة. وإن كانت زيارة النسوة إلى القبر واقعة تاريخية، فإن إزاحة الحجر واقعة تاريخية أيضاً. ولا مناص أن نقبلها عنصراً مادياً من عناصر بحثنا.

وعلينا الآن أن نبحث على التوالي النواحي الثلاث التي يُحتمل أن يصدر منها تدخُل لدحرجة الحجر من على القبر. فهل يُحتمل أن يكون يوسـف الرامـي قد عاد – وهو صاحب الحق في هذا – إلى القبر فيما بين ختام السبت وبين الساعة التي أقبل فيها النسوة في صباح الأحد؟

وجوابنا عن هذا السؤال يشمل قبل كل شيء بيان الغرض الذي جاء من أجله. فإن قلنا إنه جاء سراً ومنفرداً (ليلقي مثلاً نظرة أخيرة على جسد الزعيم المائت) فإنه لا منـاص من استـنكار هذه الرأي ونبذه لسببين: الأول، لأننا نستبعد مجيئه لهذا الغرض في منتصف الليل، والثاني لأن الظروف لن تمكّنه من تحقيق الغرض الذي ابتغاه.

وإذا كان ثلاث من النسوة قد أحسسن بعجزهن عن دحرجة الحجر بسبب كبر حجمه وثقله، فإنه لا بد من وجود رجلين على الأقل ليتمكنا من إزاحته. فلو كان يوسف قد جاء وحده، لما استطاع أن يصل إلى القبر مطلقاً.

يبقى علينا إذن أن نفترض أن يوسف جاء مع فريق من العمال. ولعلّه اختار ساعات الظلمة ليخفي نفسه عن أنظار الجماهير، ولينقل الجسد إلى مثوى آخر يليق به. ولطالما شعرت أن هذا الزعم هو التعليل العقلي المحض الذي يعلل هذه الظاهرة الغريبة في حالة تعذّر الوصول إلى حل مقنع آخر. وذلك لأنه يشرح علّة خلو القبر عند مجيء النسوة، ويشرح أيضاً السبب في عدم تعيين المكان الذي نُقل إليه الجسد.

على أن هذا التعليل ينهار انهيارً في نقطة معينة. وذلك لأنه لا يبيّن لناعلّة صمت العمال الذين اشتركوا مع يوسف في نَبش الجثة ليلاً وإعادة دفنها، حينما تجاوبت في أرجاء أورشليم بعد أسابيع قليلة صيحات المنادين أن يسوع هذا قد قام من الأموات ورآه تلاميذه بعيونهم، ولو كان أولئك العمال قد صرّحوا بما يعلمون، لأجزلت لهم السلطات العطاء وخصتهم بأكبر جزاء.

وهناك أيضاً نقطة خطيرة ينهار عندها هذا الغرض ويتنافر مع الأدلة المادية. وذلك لأنه لا يلقي نوراً البتة على ما ادّعاه النسوة وسجلته أقدم الوثائق التاريخية وأقربها إلى عهد وقوع الحوادث بأنهن وجدن شاباً يحتلّ القبر.

وإنه ليبدو لي أن أولئك الناقدين الذين استمسكوا بالقول إن ليس في رواية مرقص ما يدعو بالضرورة إلى شيء خارق للطبيعة في إمكان التعرّف إلى هوية ذلك “الشاب”، قد هيأوا لقضية الحق خدمة جليلة. فإنه إذا صح الدليل على أن النسوة ذهبن إلى القبر ورأينه مفتوحاً، فهو صحيح أيضاً فيما يتعلق بقولهن إنهن رأين هناك شاباً وقد وجّه إليهن كلاماً عند رؤيتهن.

على أنه يبعد جداً أن نتصور يوسف الرامي ورجاله يتخذون هذا التحوّط، فيتركون وراءهم رجلاً يحتلّ القبر بعد إخلائه. وما من شك أنهم محتاجون إلى الأيدي العاملة كلها لإتمام عملية النقل. وهم ليسوا بحاجة في مثل موقفهم إلى ترك رقيب وراءهم. وعلى فرض أنهم كانوا ثلاثة من العمال، فإن حمل الأنوار والأدوات ونَقل التابوت فيما بينهم، كان يقتضي تعاونهم معاً بحيث لا يسعهم أن يتركوا وراءهم رقيباً لا تدعو إليه الضرورة.

فضلاً عن هذا فإن الرسالة التي تلقها النسوة ليست مما يقوله رقيب القوم في مثل تلك الظروف التي كانوا فيها. وبعد هذا نرى أنفسنا مضطرين إلى نبذ الزعم القائل إن يوسف الرامي هو الذي نقل الجسد، لأنه زعم لا ينسجم مع الأدلة المادية المتوافرة بين أيدينا.

والآن نجيء إلى الفريق الثاني في نطاق بحثنا – إلى صحابة يسوع وتلاميذه. قلت في فصل سابق من هذا الكتاب إن الإجماع البشري تقريباً يستبعد جداً أن تجسر تلك الفئة المنسحقة في موقفها الذليل على عمل من هذا النوع، أو أن تفكّر فيه. ولقد عرفنا من مسلك التلاميذ وأخلاقهم مما لا يدع مجالاً للظن أن يقدم التلاميذ، كأفراد أو كجماعة، إلى حبك هذه الخديعة. واهتداء بولس وحده يؤيد هذا الرأي. فلقد انتقل إلى معسكرهم بعد أن عرف أن التلاميذ أمناء صادقون في دعواهم، بل أنهم على حق وصواب.

وبعد أن تُسد أمامنا منافذ المزاعم، نجيء إلى الفريق الثالث ونفترض أن السلطات اليهودية هي التي فعلت هذا، وهنا يتسع أمامنا نطاق البحث، وذلك لأن ثمة أسباباً تحمل على الاعتقاد أن السلطات اليهودية قد اهتمت بأمر القبر في خلال الفترة التي نتحدث عنها.

ويرتاب بعض الناقدين الحديثين في أمر إقامة الحراس على القبر مستندين في هذا الارتياب إلى أمرين:

1 – الأول أن قصة الحراس تبدو “دفاعية” لتبرير ما حدث، وربما كانت من مبتكرات العصور المتأخرة.

2 – والثاني أنها بعيدة الاحتمال في حدّ ذاتها، ولا تنسجم مع الحقائق الموثوق بها في هذا الموقف.

ونحن نسلّم جدلاً أنه إذا كان المسيحيون قد أحسّوا في السنين المتأخرة بحاجتهم إلى دليل يسند دعواهم، فقصة كهذه تزيل كل شك وتثبّت إيمان الكنيسة الناشئة. ولكن هذا الموقف لا يتغير متى كانت القصة حقيقية تسند إلى دعامة من الحق متينة. والبحث كله يدور في الواقع حول أمرين: هل القصة بعيدة الاحتمال في حد ذاتها؟ ثم هل هي غير منسجمة مع الحقائق الأخرى المعروفة في هذا الشأن؟ وبعد البحث والاستقصاء أستطيع أن أجيب بالنفي القاطع على السؤالين.

فالمعروف لنا أن قصة إقامة الحراس مدّونة في ثلاثة مصادر في كتب التاريخ القديمة: مرة في الإنجيل الكريم، واثنتان في سفرين قديمين لا نحسبهما طبعاً في مرتبة الإنجيل من حيث قوة الحجة، أحدهما يُعرف بإنجيل “بطرس” والآخر بإنجيل “نيقوديموس”.

والقصة تختلف في المصادر الثلاثة في بعض تفصيلاتها الدقيقة. ففي بشارة متى، وهي البشارة الوحيدة في الإنجيل التي روت قصة الحراس، ينقل الحراس النبأ إلى الكهنة، فينقذهم هؤلاء رشاوي لإذاعة بيان كاذب. وفي بشارة بطرس ينقل الحراس النبأ إلى بيلاطس مباشرة، فيأمرهم هذا أن يصمتوا ولا يقولوا شيئاً. أما في بشارة نيقوديموس فيحذو الراوي حذو متى في بشارته.

على أن الروايات الثلاث اتفقت اتفاقاً تاماً في نقطتين:

1 – أن المسئولين قد تقدموا إلى بيلاطس والتمسوا منه إقامة حراس على القبر.

2 – وأن الحراس قاموا بمهمتهم في الليلة السابقة لمجيء النسوة إلى القبر.

وهنا نرى التقدم إلى بيلاطس يدعو إلى شيء من التعليق. لقد كان موقف اليهود حيال جسد

يسوع دقيقاً غاية الدقة. فهو وإن كان يهودياً، وحوكم بإيعاز من قادة اليهود، فإن الحكم والعقوبة كانتا وفق القانون الروماني، ومن الوجهة القانونية، كان جسد يسوع ملكاً للرومان، ولهم وحدهم حق التصرف فيه. وبعد أن لقي اليهود صدّاً من بيلاطس حول كتابة العنوان الذي وضعه على الصليب، لم يكن هيناً عليهم محاولة تحدي سلطة بيلاطس مرة أخرى، أو التعدي على القانون الروماني.

على أنه إذا كان كهنة اليهود قد اهتموا بقبر يسوع، فإن لم يكن بدُّ من أن يُفْضُوا إلى بيلاطس بما يساورهم من ارتياب، والحصول منه على تفويض لما يرونه من تحوّط وحرص.

كل هذا يؤيد صدق القصة، أما الإشارة إلى سلطة بيلاطس في التصرف بجسد المصلوب، فأمر تافه في حد ذاته. ولكن الباحث المؤرخ يجد في التوافق بين الرواية وبين مقتضيات الموقف التاريخي، مجالاً للقول والتخريج.

وهنا يجيء بنا إلى السؤال الأصلي: هل كان هناك وازع قوي، أو وازع ما، يحمل رؤساء الكهنة على الاهتمام بقبر المسيح؟ وهل كان هذا الوازع كافياً لأن يتحمّل القادة اليهود في سبيله ما قد يتعرضون له من صد وجفاء في الاستعانة بالوالي الروماني مرة أخرى؟ وهم قد عرفوا أن بيلاطس كان في حالة عصبية، وأن إصالة الرأي تملي عليهم أنهم ذهبوا إليه مرة ثانية؟

إن الذين ينكرون هذا يغفلون عنصرين خطيرين في الموقف. فهناك أولاً ما يبعث على الظن أن ذلك البستان كان بطبيعة الحال خاضعاً لنوع من أنواع الحراسة الوقتية. ولو كان جسد يسوع قد وُضع، كما كانت توضع أجساد المجرمين المحكوم عليهم، في المقبرة العامة، فإنه كان من الطبيعي أن يقام حرس رسمي على المكان. وكانت أورشليم في الأعياد والمواسم تكتظ بالوافدين وتثور فيها الاضطرابات لأتفه الأسباب. ولم يكن المحكوم عليه مجرماً عادياً كسائر المجرمين.

فلم يكن من المعقول أن يترك جسد، كجسد يسوع، يعتزُ به قومن ويمقته آخرون، في مكان مفتوح تدلف إليه الجماهير في غير استئذان. ومن سُخف القول أن نزعم شيئاً مثل هذا لا تجيزه حكومة متحضرة كحكومة أورشليم في ذلك العصر. والذي نعتقده أن الاحتياطات اللازمة كانت تُتخذ حسب مقتضيات الموقف دون أن يكون في الأمر شيء غير عادي.

على أن الحق التاريخي الذي لا نزاع فيه، أن جسد يسوع لم يلق هذا الهوان. وقد أجمعت الوثائق على أن يوسف الرامي، وهو رجل يهودي ذو كرامة وجاه، ذهب إلى بيلاطس وطلب الجسد، فأجابه بيلاطس إلى طلبه. ومن ثم نفّذ الرامي تدبيره، ووارى الجسد قبراً، ربما اختاره لقربه من الصليب، ولكنه كان قبره الخاص الذي أعدّه لنفسه.

ولست أظن أن جمهرة الباحثين قد أدركوا تماماً كيف أن هذا الحادث البسيط، الذي يبدو تافهاً لأول وهلة، قد غير الموقف القانوني فيما يتعلق بجسـد يسـوع، فوطّـد الأمن والنظام في أورشليم.

وقد كان حفظ الأمن والنظام في المواسم والأعياد التي اكتظت بها المدينة بها المدينة منوطاً بالسلطة المدنية. لو كان قد حُكم على المسيح بعقوبة غير الموت، لكانت حمايته والمحافظة عليه نيطت بها السلطات اليهودية، ولكن الإمبراطور الروماني نزع سلطة الحكم بالموت من اختصاص الهيئات والطوائف الدينية، فبمجرد النطق بحكم الموت، انتقلت سلطة التصرف بالمتهم من مجلس السنهدريم اليهودي إلى السلطة الرومانية. فبيلاطس كان مسؤولاً من الوجهة القانونية عن نتائج تصرفه.

وقد كان هذا ملائماً لرئيس الكهنة ومشيريه، وذلك لأنه إذا حدثت مظاهرات أو اضطرابات في مكان الصلب أو عند الدفن، فإن الوالي الروماني كان مضطراً بحكم وظيفته إلى قمعها.

ولكن سير التاريخ لم ينحُ هذا النحو، فلشدّ ما كان حنق السلطات اليهودية وخيبتها أن ترى واحداً من رجالها يذهب سراً ويطلب الجسد من بيلاطس. وكان من جرّاء هذا انقلاب الموقف، إذ عادت مسئولية حراسة القبر والمحافظة على النظام إلى السلطات اليهودية. ومن ثم كان الحنق والسخط الذي صوبه اليهود المسئولون نحو يوسف الرامي على ما تقول أسفار الأبوكريفا.

وحتى لو لم يكن الإنجيل قد ألمح إلى ما جرى، فإننا كنا نفترض من تلقاء أنفسنا أن مسئولية حفظ النظام بعد أخذ جسد يسوع على النحو الذي تمّ قد همّت رئيس الكهنة ومشيريه. وكأن بيلاطس بطريقة صريحة قد غسل يديه مرة ثانية من كل تبعة في قضية هذا الناصري، فهو قد سلّم الجسد إلى يهودي تولّى دفنه (ربما لمقتضيات الساعة) في مكان مفتوح على مقربة من باب المدينة. فإذا حدث اضطراب أو ثورة عند مكان الدفن فإن رؤساء الكهنة هم المسئولون عن قمعها، ولا شك أن بيلاطس ألحّ عليهم لمراعاة هذا.

وأسلم طريق للخروج من هذا المأزق أن يذهب الكهنة إلى بيلاطس ويلتمسون إليه أن تتولى السلطات الحربية حراسة البستان مؤقتاً. وقد كان هذا أمراً طبيعياً، ولدى بيلاطس العدد الوفير من احتياطي الجند في حين لم يكن لدى قيافا إلاّ حرس الهيكل، وهم نفر قليل لا يكفي عدده لقمع ثورة خطيرة. ويبدو لنا من رواية البشير متى أن الكهنة تقدموا إلى بيلاطس بهذا الرجاء ولكنهم لم يفوزوا بطائل. ومما يفيد البحث أن نثبت الرواية بنصها كما جاءت في بشارة متى:

“وَفِي الْغَدِ الَّذِي بَعْدَ الاسْتِعْدَادِ اجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ إِلَى بِيلاَطُسَ قَائِلِينَ: «يَا سَيِّدُ، قَدْ تَذَكَّرْنَا أَنَّ ذلِكَ الْمُضِلَّ قَالَ وَهُوَ حَيٌّ: إِنِّي بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَقُومُ. فَمُرْ بِضَبْطِ الْقَبْرِ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ، لِئَلاَّ يَأْتِيَ تَلاَمِيذُهُ لَيْلاً وَيَسْرِقُوهُ، وَيَقُولُوا لِلشَّعْبِ: إِنَّهُ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، فَتَكُونَ الضَّلاَلَةُ الأَخِيرَةُ أَشَرَّ مِنَ الأُولَى!» فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «عِنْدَكُمْ حُرَّاسٌ. اِذْهَبُوا وَاضْبُطُوهُ كَمَا تَعْلَمُونَ». فَمَضَوْا وَضَبَطُوا الْقَبْرَ بِالْحُرَّاسِ وَخَتَمُوا الْحَجَرَ”.

هذا هو أقدم بيان تناولناه من التاريخ المقدس عن هذه القصة. وهو بيان، كما يبدو للقارئ مسبوك في أسلوب صحيح خالص.

ولو أمعن القارئ النظر في هذا البيان وما تضمن من حقائق لاستخلص لنفسه أربع وقائع:

1 – أن الاجتماع لم يحدث في يوم الصلب بل في اليوم التالي له. وهذه واقعة مدونة بصريح اللفظ “”وَفِي الْغَدِ الَّذِي بَعْدَ الاسْتِعْدَادِ”.

2 – أنه طُلب إلى بيلاطس حراسة القبر: “فَمُرْ بِضَبْطِ الْقَبْرِ”.

3 – أن بيلاطس رفض هذا الطلب: “عِنْدَكُمْ حُرَّاسٌ. اِذْهَبُوا وَاضْبُطُوهُ كَمَا تَعْلَمُونَ”

4 – أن رؤساء الكهنة فعلوا كما أملت عليهم مصالحهم العاجلة: ” فَمَضَوْا وَضَبَطُوا الْقَبْرَ بِالْحُرَّاسِ وَخَتَمُوا الْحَجَرَ”.

هذا تسلسل منطقي معقول للحوادث، يتفق تماماً وموقف الاضطراب والفزع الذي وُجد فيه

رؤساء الكهنة، كما يتفق وأخلاق بيلاطس المعروفة عنه. ثم هو يبين لنا أنه لم يكن لدى النسوة فرصة لتغيير الخطة التي أعددنها.

ومما يذهب إليه بعض الكُتّاب الذين يُعنون بهذا البحث في العصر الحديث، أنه يتعذر العثور على قصة الحراس في التقاليد الأولى التي دوُنها المؤرخون، وأنه لو عرف النسوة أن القبر تحت حراسة، لما بكّرن في الذهاب لإداء مهمتهن.

والحق أنه كان متعذراً على النسوة التفكير في الذهاب إلى القبر. ولو علمْنَ منذ أول الأمر، وعند ساعات الدفن، أن القبر سيوضع تحت حراسة. ولكن رواية متى تقول أن رؤساء الكهنة اجتمعوا إلى بيلاطس. “في الغد بعد الاستعداد” أي بعد أربع وعشرين ساعة من وضع الجسد في القبر.

ويخيل إلينا أن زعماء اليهود لم يشعروا بهذه الضرورة الملّحة إلا قبيل انتهاء السبت اليهودي وعودة الحياة في المدينة إلى مجراها العادي. فكيف ننتظر أن يعرف ثلاث أو أربع من النسوة ما كان يدور في الخفاء رواء جدران قصر الوالي الروماني في مساء السبت، لاسيما أنهن آوينَ، كما هو المرجح، على فراشهن في ساعة مبكرة تأهباً لليقظة الباكرة في الفجر؟

وأرى ثانياً أن القول بعد احتمال قيام رؤساء الكهنة بأي عمل في هذا الصدد مشكوك فيه جداً. ومما يبدونه تبريراً لهذا القول أن العذر الذي قدمه اليهود لبيلاطس (أي خشيتهم أن يسرق التلاميذ الجسد) بعيد الاحتمال جداً، وأن مسلك التلاميذ أنفسهم يبيّن أنه لم يخطر على بالهم ولم يؤمنوا من قبل أن المسيح سيقوم، وإنْ يكن هو قد سبق وألمح إلى ذلك أمامهم. ولذلك يكون من الفروض المستبعدة أن يُقام حرس رسمي للحيلولة دون وقوع حادثة غامضة يكتنفها كثيف الظلال.

وأنا لا أنكر قوة هذه الحجة ووجاهتها لو أنها تتفق مع قصة محاكمة يسوع، ولكنها في الواقع لا فق معها. ومن عجب أن المحاكمة من أولها إلى آخرها تدور حول عبارة تفوه بها المسيح وتتضمن هذه الكلمات الغامضة الغريبة: “في ثلاثة أيام”.

ونحن هنا لسنا أمام قوم سذّج يعسر عليهم المغالطة وتمويه الحقائق وإلباس الباطل ثوب الحق في الحيل والأساليب السياسية، ولكننا أمام نفر من أكبر الأدمغة اليهودية في ذلك العصر وأوسعهم حيلة وأشدّهم مكراً.

فوراء كل مناورتهم، وسعيهم لإحضار شهود كذبة، ثم انهيار التهمة بعد أن تتفق أقوال شهودهم – وراء كل هذه الحيل والألاعيب، الحقيقة التاريخية التي تشبثوا بها وهي أن يسوع قال في مناسبة من المناسبات عبارته المأثورة عن “الثلاثة أيام”، والتي أهاجت سخط قادة الصدوقيين، ولكنها لم تقو على احتمال المعنى الذي حاول الشهود أن يصيغوه إفكاً وبهتاناً.

فإن كان الاتهام قد تركز – كما يؤخذ من القصة – في هذه العبارة المأثورة عن يسوع، فالاستنتاج الذي ذهبوا إليه صريح. فكأن يسوع لم يتفّوه فقط بالعبارة التي دُونت كاملة في بشارة يوحنا (ص 2: 19) ولكن اليهود أنفسهم عرفوها عنه، واختاروها عمداً تكأة يقيمون عليها اتهامهم.

كل هذا يخلق لنا موقفاً يناقض تماماً ما نزعمه من عدم اكتراثهم لمسألة دفنه وإعارتها عنايتهم. وما كان في وسع إنسان أن يتنبأ بما عساه أن يحدث في عقول الجماهير الذين قبل أيام قلال هتفوا ليسوع واستقبلوه استقبال المنقذ السياسي. فإذا هم تركوا القبر دون حراسة، في حين أن الظروف تسمح لهم بالتقدّم إلى بيلاطس ليضمنوا عدم الاعتداء على القبر ممن تسّول لهم نفوسهم هذا الاعتداء، يكونون قد مهدّوا السبيل لما يجهدون أنفسهم لمنعه.

ولست أذكر هذه الاعتبارات للتدليل بها على أن الحرّاس قد أُقيموا فعلاً، فإن الإدلاء بإثبات لهذه الواقعة – غير البيان الذي أثبته الإنجيل – بعد مضي هذه الحقبة الطويلة من الزمن، يكاد يكون متعذراً. إنما أذكرها لأبيّن فقط أن إقامة حرس على القبر في ذلك الظرف الدقيق ليس بعد الاحتمال كما يُخيّل إلى بعض الناقدين.

على أننا حين نبحث انسجام القصة مع الحقائق الثابتة في الموقف، نرانا وقوفاً على قدم راسخة، وذلك لأن أبرز الحقائق وأوكدها في الموقف هي أنه في وقف ما بين الساعة التي فرغ منها يوسف الرامي من عملية الدفن، وبين انبثاق أنوار الفجر في صبيحة الأحد، دُحرج الحجر الكبير من على القبر – وقد رأينا من قبل أن ثلاثاً من النسوة شككن في مقدرتهم على دحرجة الحجر، وهذا يحملنا على أن نفترض أن الذين دحرجوا الحجر لا يقّل عددهم عن اثنين من الرجال أو ربما أكثر.

ويكاد يكون مؤكداً أن الوقت كان في ساعات الظلام بين غروب الشمس في يوم السبت وقبل شروقها في يوم الأحد، لأن دحرجة الحجر لم يكتشف أمرها إلا باكراً في فجر الأحد.

نحن إذن مضطرون إلى أن نقول – من قبيل الفرض فقط – إنه اجتمع حول القبر في خلال الساعة الحالكة قبيل انبثاق نور الفجر نفر من رجال تقوى عضلاتهم على إزاحة الحجر. فإن كان هؤلاء الناس الذين أتوا هذا العمل الغريب ممثلي السلطة اليهودية، فإن باعثاً هاماً غير عادي هو الذي حملهم على النظر إلى داخل القبر. وما دامت أعين النسوة اللائي ذهبن في الفجر لم تقع على أحد من هؤلاء، فإننا نستنتج أيضاً أنهم انطلقوا مسرعين لنقل الخبر إلى رؤسائهم.

وهذه الاستنتاجات هي بالضرورة احتياطية، أساسها الافتراض أن الحراس هم الذين أزاحوا الحجر. وفي طوقنا طبعاً أن نقترح حلاً غير هذا. فإن لم يرَ القارئ الدليل أمامه كافياً لإقناعه بوجود الحرّاس، فيمكنه أن يفترض أن فريقاً آخر من الناس أقبلوا في ساعات الظلمة بقصد شرير آثم. وهذه هي النظرية القديمة التي زعمت سرقة الجسد، وهي نظرية أثبتنا بطلانها في موضع آخر من هذا البحث.

ولمتابعة هذه الفكرة، علينا أن نعرف أي الأشخاص كانوا في أورشليم في تلك الفترة، ممن تحفزهم نفوسهم إلى ارتكاب هذه السرقة، وما الذي كانوا يرونه من الفعلة، ولأي غرض سرقوا الجسد؟

ولكني أذهب إلى أبعد من هذا، فإنه يُخيل إليّ أنه لا يمكن إثبات تاريخية أية نظرية تتعلق بحوادث هذه القصة بالذات، ما لم نعلّل في الوقت نفسه – لا مجيء النسوة فقط في الساعة التي جاءوا فيها ووقوفهن أمام القبر فارغاً، بل مواجهتهن أيضاً لذلك الشاب داخل القبر، والرسالة التي أبلغنها، على قول البشير مرقص.

وليس في نص القصة ما نتبين منه أن النسوة حسبنَ هذا الفرد مخلوقاً غير عادي. فهو في نظرهن شاب فقط يرتدي حلة بيضاء، يرونه داخل القبر، ورداً على سؤالهن وهنّ مشدوهات مذعورات، يعطيهن جواباً غريباً:

“لا تندهشن، أنتن تطلبن يسوع الناصري المصلوب. قد قام. ليس هو ههنا. هو ذا الموضع

الذي وضعوه فيه. لكن اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس إنه يسبقكم إلى الجليل. هناك ترونه كما قال لكم”.

ولكي نفهم حقيقة هذا الموقف الروائي، لابد أن نستعرض في أذهاننا كيف ظهر النسوة فجأة في هذا المشهد. ونحن نتصورهن ماضيات إلى القبر في غسق الفجر الباكر، ولا ينتظرن أن يشهدن مخلوقاً هناك في مثل تلك الساعة. وقد شُغلت أفكارهن بالحجر وكيف يدحرجنه، وكان كل همهنّ أن يزحنه ليتوصلن إلى جسد سيدهن الممزق.

لسنا نعرف على أية مسافة لمحنَ التغيير في وضع الحجر، ولكن الأرجح أنهن اقتربن إلى المكان فرأينه في غير الموضع الذي كان فيه، فإن يداُ دحرجته إلى أحد الجوانب، وبانت فجوة الكهف مفتوحة. والأغلب أن إدراك هذه الحقيقة أفزعهن إلى حين. لكن تقدمن بعد قليل حثيثات السير نحو القبر. ولشدّ ما كان جزعهن ورعبهن أن يرين شبحاً جالساً داخل القبر المظلم، فتراجعن إلى الوراء مذعورات مرتعدات.

وفي الوقت نفسه كان الشبح الجالس في داخل القبر قد تنبّه على أصوات تلغط في الخارج، ووقع ظلال القادمات من النور إلى الظلام، فالتفت إليهن وإذا بهن قد تراجعن خائفات. وإني أتصوره يركض وراءهن، ويدعوهن قائلاً: “لا تخفن، أنتن تطلبن الناصري. ليس هو ههنا. هو ذا المكان الذي وضعوه فيه….” لكن النسوة قد أدركهن الخوف الشديد، فلم يستطعن مبادلة الكلام. وكما يقول الراوي مرقص في وصفه المؤثر: “خرجن سريعاً وهربن من القبر، لأن الرعدة والحيرة أخذتاهنّ”.

وإن كانت حقيقة المشهد هي كما صورها لنا الراوي في عبارته الموجزة الرائعة، فإننا أمام واقعة جديدة خطيرة الشأن. ويزداد الموقف تعقيداً بظهور زائر غريب للقبر مضى إليه لعلّة ما، قبل النسوة، وهو لم يعرف نبأ زيارتهن.

فهل هذا الزائر شخص تاريخي، أم هو شخص خيالي؟ إن قلنا إنه تاريخي، فكيف يتفق حضوره على هذا النحو مع الحقائق التي نعرفها عن الموقف كله؟

وقبل أن نبحث شهادة الراوي مرقص عن هذا الأمر الخطير، لا بد من الإشارة إلى واقعة خاصة، وأعني بها ذعر النسوة، الذي حملهن على الفرار من القبر. وما أظن أن هذا العنصر النفسي الذي نشأ عن الرعب، كما رواه مرقص، قد نال حظه من البحث الدقيق الذي يستحقه. ومما لا شك فيه أن النسوة، وقد مضين لغرض معين هو تطييب جسد ميت، كنّ متأهبات لملاقاة الظروف المحزنة، بل المخيفة، التي يتطلبها هذا العمل، ونستبعد جداً أن يفزعن هذا الفزع لمجرد رؤية القبر فارغاً، أو لمجرد تصورهن إنساناً تخلقه خيالاتهن.

على أنك إذا فكّرت في ثلاث من النسوة الباسلات في حالة عقلية عادية يمضينَ إلى قبلا في غسق الفجر الباكر لتطييب جسد ميّت، وإذا فكرت فيهن وهنّ مقبلات قُدماً نحو القبر واثقات أنهن سيجدن جثة مضطجعة ملفوفة في أكفانها، فإذا بهن أمام شبح جالس في حلة بيضاء….

أقول إنك إذا فكرت في الموقف على هذا النحو، أدركت عوامل الفزع التي استسلم إليها هؤلاء النسوة، وأسباب فرارهن من المكان لينجون بحياتهن. ويؤخذ من القصة كما رواها مرقص أنهن هربنَ دون أن ينتظرن سماع النبأ الكامل من الشاب الذي جرى وراءهن. هذا هو استنتاجي من القصة كما أفهمها، وهو استنتاج أراه ضرورياً لفهم الواقعة كلها.

وإن كان هذا الشاب شخصية تاريخية في القصة، فإنه يظهرنا على عامل جديد في المشكلة التي نعالجها، ويقدم لنا خيطاً جديداً في نسيج الحوادث التي تزاحمت حول مركز واحد هو قبر المسيح. فهل هناك فرض من الفروض نستطيع به تعليل هذه الحوادث المنفصلة غير العادية التي جرت كلها في وقت واحد؟

وفي المظاهر الغريبة في المشكلة أن الجواب السليم لكل هذه الأسئلة نجده مطموراً في الرواية الموجزة التي سجلها مرقص. ومفتاح الحل نعثر عليه في الكلمات الثلاث الأخيرة من الرسالة التي قيل إن الشاب أعطاها للنسوة الخائفات: “إنه يسبقكم إلى الجليل. هناك ترونه كما قال لكم”. ومتى قال يسوع لتلاميذه إنه يسبقهم إلى الجليل؟ قلّب صفحات القصة قبل المحاكمة والصلب، حتى تعثر عليها في رواية مرقص ذاته:

“وَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «إِنَّ كُلَّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ الْخِرَافُ. وَلكِنْ بَعْدَ قِيَامِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ»”. (مرقص 14: 27، 28).

والذي نلحظه خاصة في هذه الكلمات القليلة، أنها قيلت وهم في الطريق إلى جثسيماني.

وكانوا قد فرغوا من عشاء الفصح، وكان يهوذا قد سبقهم ليحبك دسيسة مع رؤساء الكهنة، وكانوا قد نهضوا من فوق الوسائد ونزلوا إلى الطريق يسيرون مع زعيمهم وقد نقص عددهم فصاروا أحد عشر. وفي أثناء الطريق، على قول مرقص، نطق يسوع بهذه الكلمات.

وهنا نسأل: هل كان معقولاً أن يسترق أحد سمع هذه الكلمات التي تفّوه بها المسيح؟ أما نحن فلا نحجم عن الجواب بالسلب القاطع، لأن مكان العشاء قد كُتم أمره ولم يعرفه أحد، خشية أن يتعجل المتآمرون أمر القبض عليه، فيفسدوا عليه ذلك المؤتمر الهادئ مع صحابته.

ونحن نتصور انهم قد أطفأوا أنوار العلّية، ثم نزلوا في هدوء إلى الطريق العام، تأهباً للسير إلى جثسيماني. فلم يكن ثمة مجال لدخيل يندس فيما بينهم، ولا لمناصر غريب من أعضاء الصحابة الرسولية.

ومع ذلك…. فقد تعقّب خطاهم إلى بستان جثيسماني في تلك الليلة، شخص آخر، شاب، على قول مرقص. ولست أرى حلاً لصيغة الكلام الذي يدّونه مرقص عن هذه الواقعة إلاّ الجزم بأن مرقص نفسه هو ذلك الشاب الذي دخل البستان مع التلاميذ، وتقول الرواية إنه تبع يسوع (مرقص 14: 15). ولا معنى للكلام عن نفسه في هذا المقام إلا من حيث تقرير الحوادث. والوقعة في حد ذاتها لا وضع لها في سرد الكلام إلاّ من حيث كونها عنصراً في مغامرته الجريئة الخالدة في الليلة المأثورة.

قلت من قبل في فصل سابق أن بشارة مرقص تقف كصخرة هائلة في عرض البحر تستند إليها المؤلفات المسيحية، وهي تأخذ بألباب، حتى القارئ الناقد، لما حوت من دقة بيان وصريح عبارة. وأظهر ما تكون هذه الدقة وتلك الصراحة في الوصف الدقيق المفصّل عن الساعة الأخيرة التي قضاها المسيح في غير تكلّف مع صحابته.

ولا يمكن أن يكون هذا الوصف ابتكاراً خيالياً أدبياً في عصر متأخر، فمن ذا الذي يجسر على اصطناع قصة التلاميذ وقد غلبهم النوم من فرط الإعياء في أخطر ساعة في حياة سيدهم، أو واقعة إيقاظ السيد لهم مرتين وهو يعود إليهم في رفق في فترات متقطعة من مصارعته تحت الأشجار البعيدة، أو كلماته الناهية بعد أن غَلَب في الصراع وبلغ الرأي الفاصل فيما هو فاعل: “ناموا الآن واستريحوا!”، ثم كلماته الأخرى وقد لمح من بعيد وهج المصابيح المتراقصة: “قوموا. هو ذا الذي يسلّمني قد اقترب”؟

لا شك أن هذا تسجيل صحيح لحوادث تلك الليلة التي لن تُمحى. وليس في القصة شيء من اعتلاج العاطفة أو ثورة الحماس وخاصة من التلاميذ أنفسهم، بل نراها سجلاً هادئاً رزيناً، بعيداً عن كل صنعة، يروي حادثة من أروع حوادث التاريخ البشري. وإن وُجد شيء يؤيد صدق هذه القصة، فهو الحادثة التي حُشرت حشراً غريباً عن هذا الشاب الذي اختُطفت عباءته في الصراع فهرب عرياناً كسهم يشقُ سدفة الظلام.

ترى لماذا تُذكر القصة دون موجب لها، إلاّ لكونها من الوقائع التي حدثت فعلاً؟ ولست أشك أن شبح ذلك العريان الهارب في الظلام كان من الآثار العميقة التي نُقشت في ذكريات الذين شهدوا هذا الفصل من الرواية.

وفي هذا كله شيء في منتهى الغرابة وخليق بالبحث الدقيق. ووجه الغرابة نراه في تماسك الظواهر الثابتة وتوافق الوقائع المسجلة في هذا الموقف.

وكل باحثٍ يتناول قصة مغامرة النسوة كما سجلها البشير مرقص، وينظر إليها، لا كشعاعة من أشعة نور القمر، بل كواقعة من وقائع التاريخ، لا يلبث أن يجد نفسه متأثراً بشيء آخر غير ذهاب النسوة إلى القبر أو حتى القبر الفارغ – وهو أنهن لم يكنّ أول من ذهب إلى القبر قبيل الفجر، وأن شخصاً آخر سبقهن، تدلّل الدلائل على أنه انطلق من أورشليم قبلهن بدقائق معدودات.

هذا فيما أرى، هو المعنى الذي قصده كاتب أقدم بشائر الإنجيل وأقرها إلى زمن الحوادث. وفي رواية مرقص لا شيء مطلقاً ينبئ عن مظهر خارق للطبيعة في وجود ذلك الشاب. وما هو إلاّ طرف رابع مع النسوة في مغامرة جريئة غير عادية. ولعلّ دهشته من وجود النسوة في تلك الساعة لا تقل عما عراهنّ من دهشة وذهول لرؤيتهن إياه.

وتراجعهنّ السريع عند رؤيته داخل القبر يعلل الايجاز الذي نحسّه في رسالته، وإني أتصوره يناديهن بصوت عالٍ هنّ مسرعات مهرولات، والكلمات التي أبلغهن إياها لا غموض فيها، تتفق تماماً مع الموقف الذي كان فيه. ولم يستطع أن يزيدهن قولاً لأنهن كنّ على الأرجح قد ابتعدن عن مرمى السمع.

وحين نفكّر في ذلك الشاب، لا كزائر خيالي من فوق أطباق السحب، بل كحقيقة ثابتة من حقائق ذلك الفجر المنير، نرانا أمام موقف شائق حقاً. ونحن نعلم سبب ذهاب النسوة إلى القبر في تلك الساعة المبكرة، ويبدو أنهن أعددن العُدة في مساء الجمعة، وفي الساعة المعينة قبيل انطلاق خيوط الفجر من وراء رُبى الشرق، انطلقن لإداء مهمتهن الحزينة المؤلمة.

ولكن ما الذي حمل شاباً عبرانياً – المفروض أن قضى الليلة في أورشليم – على التبكير والذهاب إلى قبر المسيح قبلهن؟ هذا سؤال جدير بالبحث لأنه يعالج موقفاً خاصاً. ولو كانت الأدلة المتوافرة لدينا تنبئ أن قبر يسوع كان سليماً لم تمسه يد عند وصول النسوة، لكنّا مضطرين إلى تلمُّس سبب معقول يعلل لنا ذهاب شاب بمفرده إلى القبر في تلك الساعة المبكرة من صباح يوم بارد من أيام شهر إبريل.

ولكن الأدلة تتجه إلى عكس هذا، وهي مقنعة في قوتها وانسجامها. فالحق الدافع الذي تحدّر إلينا جيلاً بعد جيل، هو أن النسوة وجدن القبر فارغاً، والحجر الكبير مدحرجاً.

أننا نرى في هذا الحقيقة تضاغيف لا مهرب لنا منها، أولها أن القبر كان بلا ريب على حالته هذه ردحاً من الزمن. وقد عرفنا بالدليل أن الحجر كان أثقل من أن تزيحه يدا رجل واحد، ولم ترَ النسوة على مقربة منه نفراً من الرجال حتى كان يُقال إنهم هم الذين دحرجوا الحجر. فالذي أزاحه كائناً من كان، لا بد أن يكون غادر المكان في الصباح الباكر جداً، قبل أن يرفع ستار الظلمة عن وجه الأرض.

هذا ما يبدو لنا من ظاهر الموقف. على أن هناك أمراً آخر أعظم وأعمق أثراً. فإنه يبقى علينا أن نعلل، لا دحرجة الحجر فقط، بل الباعث الذي أيقظ شاباً في أورشليم، وحمله في ثورة من الحماس وحب الاستطلاع، على الذهاب باكراً إلى القبر قبل النسوة بدقائق معدودات.

ونحن أمام أمر هام حقاً، لأن الوسيلة الوحيدة التي يُنقل بها نبأ حدوث ظاهرة غير عادية في قبر يسوع إلى أي إنسان في أورشليم قبل وصول النسوة إليه، لا تكون إلاّ عن طريق قوم أشاعوا النبأ وعادوا سريعاً. ومن الغريب أن هذا الوصف ينطبق تماماً على الحرّاس الذين أشارت إليهم قصة الإنجيل!

ولو كان قبر يسوع عبثت به أيدي طغمة من اللصوص النهّابين، أو أيدي أثمة أرادوا العبث بالجسد لأغراض شريرة، لكانوا اختفوا في الظلام وتسللوا خلسة من أعين الرقباء. وما كانوا يذيعون جريمتهم في طرقات أورشليم، بعد دقائق قلال من ارتكابها…

ولو كان يوسف الرامي هو الذي فتح فجوة القبر قبيل الفجر لنقل بقايا الجسد إلى مثوى آخر، لظلّ باقياً منهمكاً في مهمته عند المدفن الجديد، ولانتقل هذا الخبر بسرعة البرق إلى آذان السلطات الرسمية…

أما إذا كان قد هرول في طرقات أورشليم الضيقة في غبشة الصباح الداكنة بعد أن ولّت ظلمة الليل، رجال مُسْتَثارون يذيعون أن حَدثاً غريباً عجيباً وقع في قبر يسوع الناصري – أقول: إذا عرفنا هذا، نفهم لماذا يستيقظ أكثر من نائم واحد ليرى حقيقة هذا الحادث الغريب. وليسمع بعض الهمسات الغريبة التي أشاعها الرواة المشاهدون.

وإن كان بين الذين سمعوا هذا النبأ الذي شاع في أورشليم في غبشة الصباح، أو الذين انتهت إليهم الشائعة بطريقة من الطرق – إن كان بين هؤلاء ذلك “الشاب” الذي جازف فتبع يسوع في بستان جثسيماني، وتسمّع تلك الكلمات الغريبة التي قالها في الطريق لتلاميذه، أفلا يختطف أي رداء تصل إليه يده ويركض مسرعاً بقدر ما يستطيع إلى بستان القيامة؟!

فصول كتاب من دحرج الحجر

دليل يقدمه الحجر الأَصمّ – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه أخو المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه أخو المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه أخو المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه أخو المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

لست أجد في هذه القصة كلها، مع استثناء شيء واحد سأعود إليه فيما بعد، أمراً يترك في نفس من الأثر العميق، ما يتركه الدور الذي قام به الشخص الذي أطلقت عليه الكنيسة الأولى لقب يعقوب “أخي الرب”.

ولا تستند معرفتنا هذا الإنسان على مصادر الدين المسيحي وحسب، فإن يوسيفوس المؤرخ اليهودي، وهو كاتب ناقم على هذه الحركة أشدّ نقمة، يذكره كما يذكر بيلاطس وغيره من الشخصيات البارزة في العصر المسيحي الأول. كذلك يذكره “هجسبوس” أو تاريخ الكنيسة، في بعض الشذرات التي احتفظ بها يوسابيوس.

ومن الملائم أن نتتبع هذه الذكرى بحسب تسلسلها الرجعي، فنبدأ بالعبارة المأثورة التي يصف فيها يوسيفوس موت الرسول يعقوب:

قال يوسيفوس: “… كان قد مات فستوس، وكان ألبينوس في طريقه ليتقلد منصب الولاية في اليهودية، فاستدعى حنان رئيس الكهنة أعضاء مجلس السنهدريم، وأحضر أمامهم أخا يسوع الذي كان يُدعى المسيح، واسمه يعقوب” وآخرين غيره. وبعد أن أقام ضدهم تهمة الاعتداء على الشريعة، أسلمهم ليُرجموا”.

وكان هذا في سنة 62 ب.م. أي في الزمن الذي كانت تتهيأ فيه الظروف وتتراكم الحوادث سراعاً للتعجيل بتلك الثورة اليهودية المريعة التي حملت تيطس الروماني على محاصرة أورشليم بجيوشه، ذلك الحصار الأسود الذي لم يرْو التاريخ مثيلاً له في شناعته وقسوته. والعبارة المأثورة عن يوسيفوس، على إيجازها، تذكر لنا شيئين: الأول أن يعقوب كان معروفاً “بأخي يسوع” والثاني أنه ختم حياته بالاستشهاد في سبيل القضية الكبرى.

وإذا نعود إلى الوراء في سيرة حياة ذلك الإنسان، نلتقي به مرة ثانية حوالي سنة 57 ب.م. وكان الرسول بولس يزور أورشليم للمرة الأخيرة. وكان قد أبحر مع لوقا وآخرين غيره من تراوس إلى قيصرية، حيث انضم إليهم مناسون من قبرص، ورحلوا معاً إلى العاصمة أورشليم. ويروي لوقا القصة بإسهاب في الفصل الحادي والعشرين من سفر الإعمال لأنه كان من شهود العيان، ويتكلم في سرد القصة بصيغة الجمع المتكلم. وفي بيانه التاريخي نجد هذه العبارة:

“وَلَمَّا وَصَلْنَا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَبِلَنَا الإِخْوَةُ بِفَرَحٍ. وَفِي الْغَدِ دَخَلَ بُولُسُ مَعَنَا إِلَى يَعْقُوبَ، وَحَضَرَ جَمِيعُ الْمَشَايخِ. فَبَعْدَ مَا سَلَّمَ عَلَيْهِمْ طَفِقَ يُحَدِّثُهُمْ شَيْئًا فَشَيْئًا بِكُلِّ مَا فَعَلَهُ اللهُ بَيْنَ الأُمَمِ بِوَاسِطَةِ خِدْمَتِهِ.” (أعمال 21: 17-19).

والعبارة “دخل …. إلى يعقوب وحضر جميع المشايخ” تؤيد ما نعرفه من مصادر أخرى من أن يعقوب كان في تلك الفترة الزعيم المقدام للحركة المسيحية في أورشليم. وكان قد ارتفع شأنه حتى صار رئيساً للكنيسة “الأم” المقيمة في عاصمة اليهودية، فكانت له بطبيعة الحال سلطة واسعة ورأي مسموع، حتى أن بولس “دخل” إليه كممثل للمسيحية في مهدها ليحدثه عن نتائج بعثته بين الأمم.

وهذا الاستنتاج تؤيده وتعضده تفصيلات جديدة، حين نعود إلى الوراء مرحلة أخرى، إلى سنة 50 ب.م. وهنا تبدو لنا صورة يعقوب في مظهر أجلى. وكان ذلك عند انعقاد مؤتمر أورشليم الشهير، الذي أُستدعي وقتها ليقرر خطة العمل ورسم السياسة التي ينبغي على الحركة الفتيّة أن تنتهجها. وكانت الحملة بين الأمم التي قام بها بولس وغيره مبعوثين من إدارتها العامة في أنطاكية سوريا – قد أخذت تخطو وسيع الخطى في جدّ وحماسة.

ولكن الطقوس اليهودية التي فرضتها الشريعة الموسوية، لا سيما طقس الختان، كان عائقاً خطيراً أمام كثيرين من المنتصرين الغرباء عن اليهودية.

ولإزالة هذا العائق، أُرسل وفد على رأسه بولس وبرنابا من جماعة أنطاكية إلى أورشليم. وقد أُستقبل استقبالاً كريماً حاراً. وبعد أن تكلم بطرس معضداً وجهة نظر الوافدين، نسمع يعقوب رئيس المؤتمر يلقي كلمة الرئاسة الفاصلة بهذه الألفاظ.

“أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، اسْمَعُونِي. سِمْعَانُ قَدْ أَخْبَرَ كَيْفَ افْتَقَدَ اللهُ أَوَّلاً الأُمَمَ لِيَأْخُذَ مِنْهُمْ شَعْبًا عَلَى اسْمِهِ. وَهذَا تُوافِقُهُ أَقْوَالُ الأَنْبِيَاءِ، …. لِذلِكَ أَنَا أَرَى أَنْ لاَ يُثَقَّلَ عَلَى الرَّاجِعِينَ إِلَى اللهِ مِنَ الأُمَمِ، بَلْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ أَنْ يَمْتَنِعُوا عَنْ نَجَاسَاتِ الأَصْنَامِ، وَالزِّنَا، وَالْمَخْنُوقِ، وَالدَّمِ. لأَنَّ مُوسَى مُنْذُ أَجْيَال قَدِيمَةٍ، لَهُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ مَنْ يَكْرِزُ بِهِ، إِذْ يُقْرَأُ فِي الْمَجَامِعِ كُلَّ سَبْتٍ». حِينَئِذٍ رَأَى الرُّسُلُ وَالْمَشَايِخُ مَعَ كُلِّ الْكَنِيسَةِ أَنْ يَخْتَارُوا رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ، فَيُرْسِلُوهُمَا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ مَعَ بُولُسَ وَبَرْنَابَا” (أعمال 15: 13-15، 19-22).

ولا بد لنا الآن أن نرجع إلى الوراء مرحلة أخرى، إلى سنة 44 ب.م. لنقرأ بياناً أخّاذاً آخر عن يعقوب، بمناسبة سجن بطرس للمرة الثانية، وكانت الجماعة الفتّية تعاني يومئذٍ فترة من الضيق والخطر، وكان بطرس متكلم الجماعة وزعيمها أشد أفرادها تعرّضاً للمخاطر، فأودع السجن للمرة الثانية. ولكنه تمكن من الهرب بوسيلة معجزية خارقة للطبيعة، وانفكت قيود السجن في منتصف الليل، وخشية أن يعرّض نفسه أو أصدقاءه للخطر إذا افتضح أمره، اتجه صوب دار يوحنا مرقص متخفياً تحت جنح الدجى.

وحينما طرق بطرس على الباب ارتاع سكان الدار، ولم يجسروا على إجابة النداء، حتى ميّزت الجارية الصغيرة المدعوة “رودا” صوت بطرس. وهذه قصة يألفها قراء سفر الأعمال، إنما الذي يعنينا فيها الآن الرسالة التي عهد بها بطرس إلى أصدقائه قبل أن يختفي في ظلام الليل إلى موضع آخر، قال:

” أَخْبِرُوا يَعْقُوبَ وَالإِخْوَةَ بِهذَا” (أعمال 12: 17).

وواضح أن يعقوب كان في غيبة بطرس مقدام الجماعة وزعيمها المختار.

وثمة عبارة أخرى قبل هذه كلها، وردت عن يعقوب في وثيقة مستقلة كتبها بولس من أنطاكية. وقد وقعت الحادثة التي تشير إليها العبارة حوالي سنة 36 ب.م.

“ثُمَّ بَعْدَ ثَلاَثِ سِنِينَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَتَعَرَّفَ بِبُطْرُسَ، فَمَكَثْتُ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَلكِنَّنِي لَمْ أَرَ غَيْرَهُ مِنَ الرُّسُلِ إِلاَّ يَعْقُوبَ أَخَا الرَّبِّ” ( غلاطية 1: 18، 19).

فكان يعقوب هذا شخصية بارزة في الجماعة المسيحية الأولى من تاريخ مبكّر، في سنة 36 ب.م. يشاطر بطرس ويوحنا زعامة هذه الطائفة الجديدة.

فكيف انخرط ذلك الإنسان – الذي اشتهر ببروده بل بعدائه نحو أخيه في خلال حياته على الأرض، كما نستدلّ من الأسفار الأولى، والذي ساقته عواطفه وماضيه إلى الميل نحو وُجهة نظر الكهنة – في سلك الفئة القليلة المختارة وصار من مشيريها وقادتها؟ وأنا أوجّه هذا السؤال، لا بقصد التغلّب على مُناظرٍ، بل لأن الحقيقة في ذاتها تحمل على الدهش الكثير. الذي كنّا ننتظره أن نجد يعقوب في أية طائفة أخرى ماعدا طائفة الناصريين.

ونحن نفهم أن لوقا وكتّاب البشائر المتأخرين قد حاولوا، بعد أن رأوا أمانة يعقوب وإخلاصه، أن يخففوا ما استطاعوا من وطأة القصص الكثيرة الدائرة على الألسن عن العداء الذي أبداه إخوة يسوع في بادئ الأمر نحو أخيهم، وذلك لأن الصديق لا ينبش الماضي القديم، ولا يحاول إيذاء جروح قد اندملت. ولكن بشارة مرقص وهي أقدم بشائر الإنجيل لا تدع مجالاً للشك في وجود ذلك العداء، وقد أُثر عن المسيح نفسه أقوال أثارها الخلاف بينه وبين إخوته.

وشهادة مرقص في هذه المسألة واضحة وصريحة. والظاهر أن يوسف النجار كان قد مات حين خرج يسوع من عزلته وبدأ خدمته العامة جهرة. فإننا لا نسمع عنه شيئاً. ولكن الذين نراهم في حوادث السّيرة هم أمه واخوته.

ولو كان ثمة شعاع من دليل على وجود روابط العطف بين المسيح العبقري المجدّد وبين أولئك الإخوة، أو حتى تلميح إلى روح عبادة البطولة التي تختلج في نفوس أفراد الأسرة عادة نحو أحدهم ممن تهيأ له الأقدار مواهب النبوغ والرفعة فوق مستوى مواطنيه. أقول لو كان شيء من هذا، لقدرنا أن نعلل بعض التعليل الحوادث التي توالت في السنين المتأخرة.

ليس لهذا من أخر في القصة التي نحن بسبيلها، بل إن ما لدينا من الأدلة يناقض هذا التمنّي. وفي الفصل الثالث من بشارة مرقص عبارتان، لابد أن نأخذهما مأخذاً واحداً إذا أردنا فهم مغزاهما، لأنهما جزء من قصة واحدة.

1 – “…. ثُمَّ أَتَوْا إِلَى بَيْتٍ. فَاجْتَمَعَ أَيْضًا جَمْعٌ حَتَّى لَمْ يَقْدِرُوا وَلاَ عَلَى أَكْلِ خُبْزٍ. وَلَمَّا سَمِعَ أَقْرِبَاؤُهُ خَرَجُوا لِيُمْسِكُوهُ، لأَنَّهُمْ قَالُوا: «إِنَّهُ مُخْتَل!»” (مرقص 3: 19-21)

2 – “َجَاءَتْ حِينَئِذٍ إِخْوَتُـهُ وَأُمُّـهُ وَوَقَفُوا خَارِجًـا وَأَرْسَــلُوا إِلَيْهِ يَـدْعُونَـهُ. وَكَانَ الْجَمْـعُ جَالِسًـا حَوْلَهُ، فَقَالُوا لَهُ: «هُوَ ذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ خَارِجًا يَطْلُبُونَكَ». فَأَجَابَهُمْ قِائِلاً: «مَنْ أُمِّي وَإِخْوَتِي؟»” (مرقص 3: 31-33).

وظاهر من قراءة العبارة الأولى أن الغرض من مجيء أقربائه إلى البيت الذي كان فيه، أن يختطفوه ظانين أن بعقله خبالاً.

وهذا هو المعنى الذي يقصد إليه مرقص، ويؤيده استنكار يسوع لهذا الاستدعاء بقوله:

“ثُمَّ نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى الْجَالِسِينَ وَقَالَ: «هَا أُمِّي وَإِخْوَتِي، لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي».” (مرقص 3: 34-35)

وليست هذه المرة الوحيدة التي سُجل فيها عدم اكتراث أفراد الأسرة بيسوع ووقوفهم حياله موقف الكراهية والنفور. فإن البشير مرقص يدّون بعد ذلك في الفصل السادس حادثة تاريخية في سيرة يسوع. وكان قد اضطر يوماً في إحدى جولاته في الجليل أن يعود إلى الناصرة. فلما جاء يعلّم في مجمع القرية، سخر منه أهله وشنّعوا به:

“وَلَمَّا كَانَ السَّبْتُ، ابْتَدَأَ يُعَلِّمُ فِي الْمَجْمَعِ. وَكَثِيرُونَ إِذْ سَـمِعُوا بُهِتُوا قَائِلِينَ: «مِنْ أَيْنَ لِهذَا هذِهِ؟ وَمَا هذِهِ الْحِكْمَةُ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَهُ حَتَّى تَجْرِيَ عَلَى يَدَيْهِ قُوَّاتٌ مِثْلُ هذِهِ؟ أَلَيـْسَ هذَا هُوَ النَّجَّارَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَأَخُو يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَيَهُوذَا وَسِمْعَانَ؟ أَوَ لَيْسَـتْ أَخَوَاتُهُ ههُنَا عِنْدَنَا؟» فَكَانُوا يَعْثُرُونَ بِهِ.” (مرقص 6: 2-3)

والجواب الذي نطق به يسوع قد جرى مجرى الأمثال في كل لغات العالم:

“فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «لَيْـسَ نَبِيٌّ بِلاَ كَرَامَةٍ إِلاَّ فِي وَطَنِهِ وَبَيْنَ أَقْرِبَائِهِ وَفِي بَيْتِهِ»” (مرقص 6: 4). والكلمات تحمل على بعض التفكير. فهي لم ترد إلاّ في بشارة مرقص. تُرى لماذا يذهب لوقا إلى أبعد من هذا فيحذف عبارة “وفي بيته” أيضاً؟ وللوقا عادة حجته في تهذيب عبارته وأسلوبه. ولكن أغلب الظن أن يعقوب الوقور المحترم كان على قيد الحياة عند كتابة البشائر المتأخرة، فلم يرَ الكاتبون من اللياقة أن يطعنوه في غير حاجة أن يعيبوا عليه جحوده الأول.

والآن ما الذي يلوح لك من هذا؟ وماذا أنت قائل في موت يسوع الذي جمع بين أفراد مختلفي المشارب والنزعات ليجيزوا معاً طريقاً وعراً ضيقاً يلاقون فيه الاضطهاد، والإذلال، بل الموت الشنيع القاسي؟ ولماذا يأتلف هؤلاء القوم، المتوزعة ميولهم في غير تجانس، بعد وقوع المأساة العظمى، ويقتنعون اقتناعاً راسخاً أن يسوع قد قام من القبر؟

وإنه لم الميسور أن نصطنع الأسباب التي تعلل وقوع رجل او امرأة في حالات فريدة تحت تأثير هذا التضليل الغريب. ولكن الحالة التي نحن بصددها تختلف كل الاختلاف. فإن وراء اهتداء هؤلاء الكثيرين ممن تباينت عقولهم وتنازعت أفكارهم، شعوراً دفيناً جاثماً في قرارة النفوس – حقيقة صامتة قوية لا سبيل إلى منازلتها أو الشك فيها. وقد أدليتُ بشهادة هذا الرجل يعقوب، لا لأنه يحتل مكانة ممتازة في القصة، ولا لأن شهادته ضرورية في القضية، بل لأنه لم يُذكر عنه شيء في الرواية كلها، ولم يُعرف شيء عن موقفه.

وكان بعيداً عن دائرة الرسل وأصدقائهم. ولم كان للخداع أو التضليل سبيل إلى نفسه، لما انخدع في أمر واحد من أفراد أسرته يعرفه حق المعرفة، ويعلم ما وضح منه وما خفي. فموقفه إذاً، موقف شاهد محايد بعيد عن التحزب والغرض، وقد كان من ذوي قرابة المسيح ومن اللاصقين به، فلو أن الكهنة استطاعوا استمالته واكتسابه إلى جانبهم، لكان فوزهم كبيراً، ولكنهم فشلوا في هذا وقتلوه في النهاية.

ويقال أن المسيحيين نقشوا على قبره هذه الكلمات: “كان شاهداً أميناً صادقاً لليهود واليونان على أن يسوع هو المسيح”. وبعد أن عرفنا من هو يعقوب هذا، نعتقد أن شهادته فريدة من نوعها. ولو لم تفقد شهادته الفريدة بعض قوتها أمام شهادة رجل آخر كان أشدّ منه عداءً للمسيح وصحابته، وهو شاول الطرسوسي، لقلنا إن شهادة يعقوب فذّة منقطعة النظير.

فصول كتاب من دحرج الحجر

دليل يقدمه أخو المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه كبير الصيادين – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه كبير الصيادين – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه كبير الصيادين – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

دليل يقدمه كبير الصيادين – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

 

ثلاثة من بين تلاميذ المسيح كانت أدلتهم حاسمة فاصلة. أولهم بطرس الصياد الذي قاد الهجوم على أورشليم، والذي ظلّ سنوات زعيماً للحركة لا يُبارى. وثانيهم يعقوب العادل أخو المتهم الذي ارتضى لأسباب غير معلومة أن يقرن مصيره بمصير المسيحيين، بعد أن ظلّ في عزلته طويلاً قبل حادثة القبض، وختم حياته أخيراً بدمه في سبيل القضية التي انتصر لها. وثالثهم شاول الطرسوسي الذي ناضل وجالد، تسانده السلطة وتعضده في سبيل القضاء على هذه الحركة الجديدة، فما لبث حتى وقع في شَرَكِها وكان لها بين أنصارها مقداماً وزعيماً.

هؤلاء الثلاثة وقعوا تحت سحر المؤثرات الخفية التي أعقبت الصلب، وكلهم ختم جهاده بدمه، وقضى في سبيل الدين الجديد على النحو القاسي الفظيع الذي اتّسم به ذلك العصر – يعقوب في أورشليم ذاتها، بطرس وشاول في روما. وإذا عرفنا ما آمن وعلّم به أولئك الشهود البارزون في العصر الأول للمسيحية، استطعنا أن نجلو الكثير من النقط المبهمة في هذه القضية. فلنبدأ ببطرس أولاً:

حين يُرفع الستار، ويُكشف عن صحابة يسوع في أورشليم، نشهد في مقام الزعامة والسلطان الرجل الذي كنّا ننتظر أن نراه على تلك الحال لأسباب وعوامل نفسية. فهو ليس يوحنا التلميذ المحبوب الودود الذي كان موضع ثقة يسوع وحبّه، ولا متى الغيور. إنما هو رجل كان في الأصل صياداً يدعى سمعان، أُطلق عليه فيما بعد بطرس.

ومن محاسن الصدف أننا نعرف من سيرة هذا الصياد الخشن الأولى أكثر مما نعرف عن أي فرد آخر من الصحابة. وكثير من الحوادث التي رُويت عنه من النوع الذي لا يرويه ولا يصطنعه المداهنون المتملّقون. ولكنها حوادث رُويت عنه، على ما فيها من إحراج له، لوجه الحق الخالص والصدق في الرواية.

خذ مثلاً اللوم العنيف الذي قيل إن يسوع خاطب به بطرس وهم يطوفون في أنحاء قيصرية فيلبي: “اذهب عني يا شيطان…. لأنك لا تهتم بما لله”. وما أحسب هذه القول عن نوع الذكرى الكريمة التي تشرف إنساناً، لا سيما في وثيقة شبه رسمية، تُقرأ أحداً بعد آخر في عدد كبير من كنائس المسيحية. وليس هناك إلا تعليلاً واحد منطقي مفهوم لإثبات هذه الواقعة في السفر المقدس، ألا وهو الحرص على تدوين حقيقة تاريخية بين الاختبارات الغريبة التي جازها التلاميذ في خدمتهم.

أو خذ مثلاً القصة الأخرى التي تبّزها في الغرابة، والتي ذاعت مدى أجيال التاريخ – وأعني بها إنكار بطرس ليسوع في الفناء الخارجي لدار رئيس الكهنة ليلة المحاكمة. وما أشك أن هذه القصة من بقايا الذكريات التاريخية التي حفلت بها تلك الأيام البعيدة. تُرى ما التعليل الذي نستند إليه في إثبات هذه القصة المشينة في وثيقة مسيحية تحمل اسم شخص كان لبطرس صديقاً وترجماناً، إلا تحرّي الصدق في القول والإخلاص في تدوين الحقائق، عارية دون صنعة أو تزويق.

وإذا كنا بحاجة إلى التدليل على مبلغ ما وصلت إليه الكنيسة من الأمانة والصدق في إثبات الوقائع، فها هو ذا الدليل المقنع في أرقى أوضاعه وأسماها. وإذا سلّمنا بصحة هذه الوقائع على انها صورة من حياة بطرس، لا بد أن نسلم أيضاً بوقائع الإنجيل التي تصور الرجل بالصدق والحق في مواقفه الأخرى. وأن رواية الإنجيل ترسمه لنا شخصاً محبوباً ودوداً، في ظاهره خشونة، وفي داخله يلتهب بالحماس والولاء، سريعاً في الغضب ولكنه سريع أيضاً في الاعتراف بالخطأ وإدراك الحق. ومن المزايا المحببة في هذا الطراز من الناس قابليتهم إلى التفاهم بالعقل والمنطق بعد أن تخمد ثورة العاطفة وتهدأ الأعصاب المندفعة.

فضلاً عن ذلك فقد كانت مهنته صيد الأسماك، فاتّسم بما يتّيم به قرويو الجليل من سذاجة ودعة. وأنت لا تجد في الإنجيل الكريم أثراً يدل على شيء من المكر أو الدهاء أو النبوغ العقلي. وأغلب الظن أن الإشكالات الجدلية المنطقية التي كان يثيرها يسوع أحياناً لصدّ هجمات الفريسيين كانت أقل وضوحاً عند بطرس مما كانت عند الآخرين من الصحابة. ويُخيّل إليّ أنه تولّى زعامة أصحابه وصار كليمهم فيما بعد، بسبب تقدّمه في السن عليهم جميعاً، وبالأكثر بسبب ما له من قّدْر كريم صاف.

فقد كان صريحاً إلى منتهى حدود الصراحة، غيوراً إلى أبعد حدود الغيرة، لا يعرف الرياء ولا المداهنة ولا المصانعة. فكان هو الرجل الذي اصطفته الصحابة لإذاعة النبأ الصارخ في أورشليم بأن يسوع قام من القبر. وقد أذاع النبأ بعد أسابيع قلائل من الصلب، وبأسلوب من الكلام حاسم قوي يستوقف أنظار الباحثين.

ومما رواه لوقا في وثيقته التاريخية، لا نجد غموضاً البتة في فحوى النداء الذي أذاعه بطرس. فقد كان أسلوبه، يوم وقف يلقي تصريحه التاريخي في حشد كبير يوم الخمسين، صافياً رائقاً لا تصنُّع فيه ولا تكلف. وتمتاز عبارات خطابه وأسلوب كلامه بذلك الطابع الذي اختصّت به الأساليب الكلامية المسيحية الأولى، قبل أن يجلس المؤرخ ويتوخى تخيّر الألفاظ والعبارات فيما يريد أن يسجّله. والألفاظ الأصلية التي جرت على لسانه خليقة بالبحث والدرس:

“أينها الرجال اليهود، والساكنون في أورشليم أجمعون: ليكن هذا معلوماً عندكم وأصغوا إلى كلامي، لأن هؤلاء ليسوا سكارى كما أنتم تظنون، لأنها الساعة الثالثة من النهار…. أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قِبَل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم أيضاً تعلمون. هذا أخذتموه مسلّماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدي أثمة صلبتموه وقتلتموه.

الذي أقامه الله وناقضاً أوجاع الموت، إذ لم يكن ممكناً أن يُمسك منه…. فيسوع هذا أقامه الله ونحن جميعاً شهود لذلك.

وأسلوب الكلام في هذا الخطاب يدلّ على أنه خطاب أصيل قديم في تاريخ المسيحية لبساطته وصراحته، ويُشيع في نفوس سامعيه الجّو الذي ننتظره بداهة في زمن لا يبعد عن حادثة الصلب بأكثر من ستة أو ثمانية أسابيع.

“يسوع هذا أقامه الله، ونحن جميعاً شهود لذلك”.

عبارة صريحة مباشرة تشير إلى حادثة وقعت مؤخراً، لا حادثة في التاريخ الماضي البعيد. فضلاً عن ذلك فقد تكررت ثلاث مرات بأسلوب وألفاظ تكاد تكون متماثلة في الأسفار الأولى من سفر الأعمال.

من ثمّ نرى شهادة سفر الأعمال، التي كُتبت بعد الحادثة بسنوات ليست كثيرة، صريحة في أن الصياد بطرس الذي كان يومئذٍ بطل هذه الحركة، قد أعلن في الناس قيامة يسوع من الموت بالمعنى الجسماني الكامل. وقد ناصره في هذا الإعلان الجماعة كلها التي كانت له ظهيراً.

على أن هذه الوثيقة القديمة تحمل في تضاعيفها دليلاً مقنعاً غير ما نطق به بطرس، وهو دليل مستمد مما لم يقله حسب رواية لوقا.

ولعله ماثل في أذهاننا أن نظرية الدكتور “ليك” التي عالجناها في فصل سابق، تفترض أن النسوة اللائي مضين إلى القبر في فجر يوم الأحد لم يُذِعْنَ ما كشفْنَهُ مباشرة، لأن التلاميذ في زعمه إما اختفوا في مخابئ عن أعين الناس وإما فرّوا هرباً إلى الجليل. ومما قيل حول هذه النظرية إن النسوة مكثنَ في أورشليم بينما كان بقية التلاميذ يعانون اختبارهم الغريب في الجليل، وإن قصة النسوة لم تُذع إلا بعد بضعة أسابيع حينما عاد التلاميذ جماعة إلى أورشليم.

وأخال الكل مجمعين على أنه حتى إذا سلّمنا بأن النسوة كممنَ أفواههنّ نظراً لغياب التلاميذ أو هربهم، فإن هذا الصمت لابد ينقطع حالاً بعد لقاء الفريقين. وأنه ليصعب علينا أن نتصور بطرس والصحابة الآخرين يعودون إلى أورشليم واثقين أنهم رأوا يسوع بعد قيامته، دون أن يخرج النسوة عن صمتهن ويروينَ قصة مغامرتهن عند القبر. فالاختباران يكمّل أحدهما الآخر. بل أن شهادة النسوة، وقد زفّت إليهم في هذه الحالة واقعة جديدة غير معروفة لهم، تؤيد الحقيقة التي اختبروها وهم في الجليل.

وهي لا تقّوي فقط يقينهم، بل تمدّهم بالأساليب لإقناع الآخرين واستمالتهم إليهم. وكنا ننتظر طبعاً أن يشير بطرس في خطابه الذي ألقاه من فوق درجات السلم إلى هذه الحقيقة الجديدة تأييداً لبيانه الذي أدهش به الناس. ولا ريب أنه كان يذيع إعلاناً يكاد يكون بعيد التصديق لقوم لا يأخذون الأشياء أخذاً هيناً، وكان راغباً كل الرغبة في أن يستميل الناس إلى عقيدته.

ومن المرجح أن النسوة، حسب رواية لوقا، كنّ واقفات مع الفئة القليلة التي التفّت حول بطرس وهو يلقي خطابه، ومع ذلك فإننا لا نجد كلمة واحدة، لا عن النسوة ولا عن مغامرتهن في صباح يوم الأحد. وهذا الإغفال الغريب ملحوظ أيضاً في خطابين آخرين ألقاهما بعد ذلك ودّونهما كاتب سفر الأعمال بإسهاب.

وإنه لمن الميسور، في الظاهر على الأقل، أن نعلل هذه الحقيقة بقولنا إن بطرس لم يكن يعلم بزيارة النسوة إلى القبر. فإن صحّ هذا، كان من المؤكد أن النسوة لم يزرن القبر إطلاقاً. وإذا كانت مريم زوجة كلوبا وسالومة ويونّا لم ينقلن إلى أصدقائهن والأقربين إليهن نبأ ذلك الحادث الغريب المدهش بمجرد وصول أقربائهن من الجليل، فذلك لأنه لا شيء لديهنّ يستحق الإنباء، وتكون تلك القصة المثيرة من أولها إلى آخرها مصطنعة من مبتكرات العصور المتأخرة.

على أننا نستطيع أن ننقّب في سفر الأعمال تنقيباً دقيقاً، فلا نجد أثراً أو همساً لقصة النسوة عند القبر، ولا يثور حولها شيء من الجدل والحوار حتى في الرسائل الأولى المتقدمة. وبعد اللحظة التي ظهر فيها أولئك النسوة على صفحات التاريخ، اختفى ذكرهن اختفاء القبر الفارغ نفسه، وأُسدل عليهن ستار كثيف من النسيان، ولم يبق إلا الذكرى الخالدة لمغامرتهن الجريئة تحفل بها الوثائق التاريخية والمدونات المكتوبة التي ادخرتها الكنيسة مدى الأجيال.

فكيف نعلل هذا الصمت الغريب، يمتد من يوم الإذاعة العلنية في يوم الخمسين إلى عصر كتابة الرسائل الأولى؟ لا نجد له إلا تعليلاً واحداً ينسجم مع المظاهر المختلفة في هذا الموقف الغريب، وهو أن قصة الإنجيل صادقة لا كذب فيها، وأن ذلك السرّ العظيم الذي ترتبت عليه أكبر النتائج لم يبق دفيناً في صدر ثلاثٍ أو أربعٍ من النساء طيلة سبعة أسابيع، بل أذعنَه خبراً مباحاً، وعلم به الدانون والأبعدون، بحيث لم تبق حاجة لتكراره في أقوال التلاميذ اللاحقة.

ومما لا شك فيه أن قصة ذهاب النسوة إلى القبر شاعت في أورشليم قبيل حلول الليل يوم أحد القيامة، لا في الأوساط والمقامات العالية فقط، بل في أرجاء المدينة كلها. ونقرأ في قصة الإنجيل عن اثنين كانا سائرين إلى قرية بعيدة في مساء اليوم نفسه – أي الأحد – يتطارحان الحديث فقالا: “بعض النساء منّا حيرننا إذ كنَّ باكراً عند القبر”.

وأكاد أجزم أن القصة غدت ملكاً مشاعاً تتناقلها الألسن بعد أربع وعشرين ساعة من زيارة النسوة للقبر. وهنا نشطت الأقاويل لتفنيدها، والتهم لتكذيبها، وبرزت في وسط هذا الشجار، التهمة الدنيئة التي ادّعى فيها مرّوجوها أن التلاميذ سرقوا الجسد.

وحين نسلّم بهذا، نفهم لماذا لم يرَ الصحابة حاجة إلى ذكر شهادة النسوة بعد سبعة أسابيع، يوم أذاع للناس حقيقة القيامة جهارً وارتفع بها إلى مستوى رفيع، جاعلاً إياها قضية يثور حولها الجدل السياسي والقومي.

من ثمّ يبدو لنا واضحاً الآن علّة هذا الصمت الغريب. فحقيقة قيامة الجسد التي يؤيدها النساء، لم تعد بحاجة إلى دليل يسندها أو حجة تعضدها، لأنها اشتهرت وذاع أمرها بين الناس. فإذا افترضنا مثلاً – لا قدّر الله – أن قلعة القاهرة احترقت الليلة، فإن القول بان الحارس المكلف كان أول من اكتشف شبوب النار، يثير اهتماماً كبيراً وترويه البلاغات الصادرة عن الحادث. ولكن ليس من المعقول أن يُدعى الحارس بعد شهرين من تاريخ الحادث ليثبت أن ذلك البناء التاريخي العظيم قد تهدّم وأكلته النيران.

ولو أن أحد المؤرخين في المستقبل وجد وهو يقلّب مجلدات جريدة “الأهرام” القاهرية بعد سنوات، أن أحد رجال التحقيق أثبت بعد مرور سبعة أسابيع على وقوع الحادث شهادة حارس القلعة كدليل على وقوع الكارثة، فإن هذا يولد كثيراً من الشك في نفس المؤرخ، ويحمله على التردد في التسليم بصحة الحادث من الوجهة التاريخية.

فسواء أخذنا بالأقوال المدّونة في سفر الأعمال، أو بما أغفل بطرس من أقوال في خطابه المأثور، نجد في شهادة الصياد بطرس على خلو القبر من الجسد، دليلاً لا قبل لنا على دحضه. وبقي علينا من ذلك أن نسأل شاهداً آخر مستقلاً في الرأي، فإن وراء هذه الأقوال كلها شهادة دامغة خطيرة يزجيها البشير مرقص.

وأنا على اتفاق تام مع الدكتور “ليك” في كل ما قاله في الفصل المنسّق تنسيقاً بديعاً عن صدق شهادة البشير مرقص، وما امتازت به وقائع مرسلة على طبيعتها لا صنعة فيها. ويحسب الباحثون أن هذه الوثيقة لا مثيل لها في التاريخ، فهي كصخرة ثابتة في وسط الغمر العجاج، تتكسر عليها الأمواج قبل أن تبلغ الخط الذي يطلع فيه الباحثون على المؤلفات المسيحية الممتازة. وهي تلقي ظلالها على كل هذه المؤلفات الساحلية جميعها، بل أنها تقسم المياه نفسها التي تتدافع نحو هذه المؤلفات.

ولقد أجمعت تقاليد الكنيسة منذ فجر المسيحية على أن ثمة علاقة وثيقة بين تعليم بطرس وبين الوثيقة القديمة، ولا ينازع في هذا إلاّ الأقلّون. وأنك لتتبين فيها صراحة بطرس وقولته المباشرة التي لا التواء فيها، ينقصها ذلك الصقل الناعم الذي تخلعه البراعة المثقفة اللبقة على كتب الأدب الراقية. فما هي إلا أقوال شاهد عيان مقتضبة في عباراتها، وسجل لذكريات وأقوال لا يتصل بعضها ببعض.

ولقد قال يسوع نفسه مرة: “فتّشوا الكتب لأنها تشهد لي”. وهكذا يحقّ لذلك الصياد الأشعث أن يقوم من لحده ويقول: “فتشوا بشارة مرقص، لأن فيها خلاصة تعليمي”.

وإن كان هذا هو الواقع، فلا مجال للشك فيما قال بطرس وما علّم به، لأن في قلب هذه الوثيقة التاريخية القديمة، عبارة أخاذة عجيبة، صافية صفاء الليلة المقمرة وقد اكتمل بدرها، ولكنها مختصرة باردة لا تنميق فيها ولا حذلقة:

“وَبَعْدَمَا مَضَى السَّبْتُ، اشْتَرَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَسَالُومَةُ، حَنُوطًا لِيَأْتِينَ وَيَدْهَنَّهُ. وَبَاكِرًا جِدًّا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ إِذْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ.” (مرقص 16: 1، 2).

فصول كتاب من دحرج الحجر

دليل يقدمه كبير الصيادين – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

التهمة المقامة ضد المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

التهمة المقامة ضد المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

التهمة المقامة ضد المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

التهمة المقامة ضد المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

قد بدا لي أن خير طريقة للكشف عن اللفائف المتشابكة المعقّدة في الميول والنزعات والدسائس السياسية، وعوامل التحّزب والتعصب التي نُسـجت في حوادث الأيام الأخيرة من حياة يسوع على الأرض – أن أجلوَ أولاً غوامض السر، ببحث التهمة التي أقامها القوم ضده.

وإني أذكر كيف ألحّت عليّ هذه المشكلة يوماً ما، وراحت تجذبني بقوة عنيفة غير منتظرة. ثم أخذت أصور لنفسي صعوبة الأمر، وأسائلها: ترى ما الذي يحدث لو أن جدالاً عنيفاً قام بعد ألفي سنة من التاريخ الذي نحن فيه حول شخص حوكم محاكمة جنائية، لنقل في سنة 1939 مثلاً؟ لا شـك أن أغلب الأدلة الجوهرية تكـون قد أمحَّت وأُسدل عليها ستار النسيان. وربما يمكن العثور بين مجموعة الآثار القديمة على قطعة باهتة من إحدى الصحف اليومية. أو ربما صفحة ممزقة من كتاب قانوني يصف القضية.

ومن هذه الوثائق الباقية الباهتة يمكن للباحث أن يسـتنتج. ومن المؤكد أن يذهب الأحياء في ذلك الزمن البعيد الراغبون أن يستبينوا الحق عن ذلك الإنسان – إلى بحث موضوع التهمة التي قامت حوله. وأظنهم يتساءلون قبل كل شيء: ما سـبب هذه الضجة كلـها؟ وما الذي أقـامه المـدّعون عليه من التـهم؟ وإن كانت التـهم متعـددة، كما هو الحال في القضية التي نحن بصددها، يسألون عن التهمة الأصلية الحقيقية ضد المتهم الذي حكموا عليه.

وبمجرد أن نضع هذا السؤال في مقدمة بحثنا، نصطدم على التّو بأشياء تلقي على المشكلة نوراً جديداً، ما كان يخطر لنا ببال! وتتضح لنا كنه تلك الأشياء الخطيرة لو تمكنا قبل كل شيء من تفّهم ماهية ذاتها. ذلك لأنها لم تجرِ فقط في ساعة غير منتظرة لمثل هذه الإجراءات، بل قد شابها كثير من الملابسات الخاصة. وانظر مثلاً إلى عنصر الزمن فيها:

أجمـع المـؤرخون على أن وقـت إلقـاء القبـض على يسـوع في بســتان جثسـيماني في ســاعة

متأخرة من الليلة السابقة ليوم الصلب. وهناك ما يحملنا على الاعتقاد أن ساة القبض لم تكن قبل منتصف الساعة الثانية عشرة.

وهذا التقدير أساسه حساب الزمن الذي استغرقته الحوادث المدّونة بين الفراغ من حفلة العشاء في العليّة، وبين وصول شرذمة الجند المسلحة إلى البستان فوق منحدرات جبل الزيتون. وأسواق ثلاثة أشياء تدل على أن القبض كان في ساعة متأخرة:

1 – كان التلاميذ تعابى منهوكي القوى. وحتى بطرس الصياد المخشوشن الذي ألِفَ الصحو واليقظة والسهر في البحر لم يقدر على مغالبة النوم.

2 – يشير كلُّ من متى ومرقص إلى ثلاثة فترات متقطعة من النوم، وكان يوقظهم في كل مرة منها مجيء يسوع إليهم من صلواته اللجوجة الحارة تحت الأشجار المتعانقة.

3 – كان الوقت ظلاماً حالكاً، واستطاع يسوع عند رؤيته المشاعل أن يميّز القادمين للقبض عليه من بعيد (انظر مرقص 14: 42) “قُومُوا لِنَذْهَبَ! هُوَ ذَا الَّذِي يُسَلِّمُنِي قَدِ اقْتَرَبَ!”.

ومن يقرأ تفاصيل هذه القصة الرائعة، لا يسعه إلا التسليم أن زيارتهم هذه المرة إلى البستان تختلف عن سابقاتها التي أشار إليها البشير يوحنا. فإن هؤلاء الرجال كانوا قد بقوا، نزولاً على إرادة سيدهم، بعد الوقت الذي كانوا يأوون إليه عادة إلى مضاجعهم في قرية بيت عنيا. وترقبوا شيئاً كان يترقبه هو، ويشعر في نفسه أنه لا بد حادث.

وإذا افترضنا أنهم فرغوا من العشاء في منتصف الساعة العاشرة، وإنهم بلغوا البستان في العاشرة تماماً، فلا يمكن أن يكون القبض عليه وقع قبل منتصف الساعة الثانية عشرة. وهذا يحدّد لنا – بشيء من اليقين – الساعة التي بدأت فيها المحاكمة التمهيدية.

ولقد أجمع علماء العاديات وعلماء طبوغرافية أورشليم القديمة أنه كان هناك درج نازل من المدينة العليا إلى أحد أبوابها يؤدي إلى بركة سلوام، في الزاوية الجنوبية الشرقية من سور المدينة. وقد أشار إليه نحميا في سفره (ص 3: 15) بقوله: ” الدَّرَجِ النَّازِلِ مِنْ مَدِينَةِ دَاوُدَ” وأيضاً (ص 12: 37) “وَعِنْدَ بَابِ الْعَيْنِ الَّذِي مُقَابَلَهُمْ صَعِدُوا عَلَى دَرَجِ مَدِينَةِ دَاوُدَ عِنْدَ مَصْعَدِ السُّورِ”.

 كان أمـان الشـرذمة التي ألقت القبـض على يسـوع طـريقتان. إما أن يســيروا بمحـاذاة وادي  

قدرون إلى أسفل الدرج، ومنه إلى دار رئيس الكهنة. وإما أن يتتبعوا طريق بيت عنيا الرئيسي إلى المدينة الجديدة، ومنها إلى حيّ الكهنة. ولو أن التقاليد لم تشر إلى اتخاذ الطريق الأول، إلا أن السير بيسوع وسط الحي الغاص بالسكان في المدينة السفلى لا يبدو ملائماً لأغراض القوم. إنه يحتم عليهم أن يلفّوا دورة طويلة تضيع عليهم وقتاً طويلاً، والوقت عامل له خطورته فيما هم بصدده من عمل حاسم في الليل.

ولو قُدر لنا برجعة سحرية من الزمن، أن نقف فوق نقطة مرتفعة من أسوار أورشليم القديمة، حوالي منتصف تلك الليلة المأثورة، أو بعد ذلك بقليل، لرأينا فريقاً من الناس يسوقون أمامهم في الظلام إنساناً غريباً في شكله، هادئاً لا يقاوم، من المنطقة الصخرية التي أحاطت بالناحية الشرقية من جدار الهيكل، إلى الطريق التاريخي في الجهة الجنوبية الشرقية من سور المدينة، ثم إلى معسكر أعدائه الألداء الحاقدين.

وكيف قُدّر لذلك العبراني الممتاز – وهو أكرم من أنبته جيله – أن يقف هذا الموقف الخطير الذي يهدد حياته، في ساعة من الليل البهيم، وفي مساء يوم من أشهر المواسم اليهودية وأكثرها روعة؟  وما القوى الخفية الغامضة التي عجّلت بالقبض عليه؟ ولِمَ اختيرت تلك الساعة غير الملائمة؟ وبعد كل هذا ما أركان التهمة التي أقيمت ضده؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة كلها لا يمكن أن يستوعبها هذا الفصل، بل أن الكتاب كله لا يكون إلا جواباً ناقصاً مقتضباً. على أن هناك شيئين يبرزان بروزاً ظاهراً في رواية هذه المحاكمة، وهما خليقان بالدرس والتقصّي: الأول ماهية التهمة التي أقيمت ضده، والثاني الأساس الذي بُنيت عليه محاكمته.

ويخيل إليّ أننا نخطئ خطأ كبيراً إذا افترضنا أن كل الإجراءات التي اتخذها الكهنة في تلك الليلة كانت غير قانونية. طبعاً يستنتج الباحث في أدوار القضية كلها أن هناك مظاهر تغاير الشريعة اليهودية مغايرة فاضحة. وهذا يسلّم به في غير عناء كل باحث في المشنة العبرانية والتقاليد اليهودية القانونية القائمة في ذلك العصر.

فمثلاً كان غير قانوني في الشريعة اليهودية أن يقوم حرس الهيكل بأمر رئيس الكهنة بإلقاء

القبض على أي أنسان، فإن هذا يُترك عادة إلى الشهود المتطوعين. وكان غير قانوني أيضاً أن يحاكم إنسان على تهمة تستوجب عقوبة الإعدام في أثناء الليل. ولم يكن جائزاً محاكمة متهم بعد غروب الشمس إلا في التهم المدنية المالية. كذلك كان غير قانوني أن يتقدم القضاة لاستجواب المتهم بعد أن تناقضت أقوال الشهود وثبت كذبها. وكان واجباً إطلاق سراحه، ومعاقبة الشهود بالإعدام رجماً – متى ثبت كذب شهادتهم عمداً.

هذه كلها أمور طافية فوق سطح الماء، ولكن يجري تحت هذه الشواهد السطحية الدالة على شذوذ المحاكمة تيار عنيف يُلبس المحاكمة شكلاً قانونياً. ويبدو هذا جلياً لكل باحث تاريخي غير متحيز لدى تدقيقه في بعض المسائل القانونية الصغرى.

وتنجلي لنا الحقيقة إذا بحثنا الطريقة الفريدة في نوعها التي انتقل بها أساس التهمة في سير المحاكمة. ويعلم كل من درس رواية المحاكمة – كما وردت في الإنجيل الكريم – أن هناك ثلاث تهم أصلية أقيمت ضد يسوع في أدوار المحاكمة المتعاقبة:

1 – هدّد بنقض الهيكل وهدمه.

2 – ادعى أنه ابن الله.

3 – أثار الشعب ضد قيصر.

ويكن إبعاد التهمة الأخير لأول وهلة. فإنها لم تكن موضع شـكاة اليهود ولا علة ثورتهم عليه، ولكنهم حاكوها لأغراض سياسية. ولم يكن القانون الروماني يقيم وزناً للتهمة التي حُكم من أجلها على المسيح بالموت، ومع ذلك لم يكن مستطاعاً تنفيذ هذا الحكم دون مصادقة بيلاطس الوالي الروماني.

لذلك رأى اليهود أنفسهم مضطرين إلى انتحال تهمة سياسية ليبرروا موقفهم أمام الوالي الروماني في طلب الحكم على المتهم بعقوبة الموت، التي كانوا قد بيّتوا النية عليها. فاتخذوا بهم ذريعة تهمة التآمر ضد قيصر، وهي التهمة التي تجد أذناً صاغية عند الوالي الروماني أو أي ممثل للسلطة والقضاء عليها لو أن الولاية كانت في ذلك العهد في إيد حازمة غير مسترخية.

ومهما يكن من أمر، فإن التهمة الصورية التي أقيمت أمام بيلاطس ليست بذي بال كما اسلفت القول. والذي يهمنا أن نعرف التهمة الحقيقية التي أقامها اليهود ضد المسيح.

كان من العادات القديمة المأثورة في إجراءات الشريعة اليهودية أن الشهود هم الذين يقيمون الدعوى في المحاكمات الجنائية. ولم تكن الشريعة تبيح إجراء غير ذلك. فكان أول عمل قام به القوم في مأساة منتصف تلك الليلة بعد إحضار المتهم إلى ساحة القضاء، أن دعوا الشهود كما يقضي بذلك القانون. وقد ألمح إلى هذا صراحة كل من البشيرين مرقص ومتى، فقال الأول:

“لأن كثيرين شهدوا عليه زوراً، ولم تتفق شهادتهم”.

وقال الثاني: “جاء شهود زور كثيرين”.

ويؤيد البشير مرقص أن أقوال الشهود لم تتفق فلم يؤخذ بها.

وقد يبدو غريباُ للذين لم يألفوا الخفايا العويصة الدقيقة في الفقه اليهودي أن ترفض المحكمة الأخذ بأدلة الشهود، وهي التي بذلت جهداً جباراً في تأييد المحاكمة بأقوال الشهود. ولو كانت قصة الشهود تلفيقاً متعمداً، لما تعذر عليهم التوفيق بين أقوالهم مقدماً. أما أن ترفض المحكمة الأخذ بأقوال الشهود، فهذا دليل على أن حتى قيافا رئيس الكهنة نفسه كان تحت ضرورة ملحّة تجبره على أن يخضع للإجراءات التقليدية اليهودية في قضية يحكم فيها بعقوبة الموت.

أما تلك الإجراءات فقد اسـتوفت حقها من البحث في كتـاب المشـنة العـبري. وقد سـلّمت الشريعة بثلاثة أنواع من الشهادة:

1 – شهادة عابثة لا قيمة لها.

2 – شهادة قائمة.

3 – شهادة موافقة.

وقد كان هناك تمييز صـريح بين هـذه الأنـواع الثلاثة من الأدلة. فالشـهادة العـابثة هي المتناقضة أو التي لا قيمة لها، وكان على القضاة أن يسـتبعدوها فوراً. والشـهادة القائمة كانت تقبل من باب الاحتياط فقط حتى يثبت ما يـؤيدها او ينقـضها. والشـهادة الموافقة هي التي كانت تتفق فيها أقوال الشهود. ويقول الكاتب اليهودي الشهير “سلفادور” إن أقل تناقض في أقوال الشهود كان كافياً لإبطال الشهادة.

 ويتضح من هذا أن الشهادات التي أشار إليها البشيران، مهما كان مضمونها، هي من النوع

الثاني الذي يُقبل احتياطياً فقط. معنى هذا أن أقوال الشهود إما كانت مناقضة لما ألفه وعرفه قضاة المحكمة، أو كانت باطلة لأسباب فنية قانونية. وقل البشير مرقص: “لم تتفق شهادتهم” يحملنا على الأخذ بالرأي الثاني.

وهنا نرانا أمام شيء غريب. فإنه بعد أن بطـلت أقوال هـؤلاء الشـهود واسـتبعدت لعـدم كفايتها، تقدّم إلى المحكمة رجلان بدليل معين عرضي. وفي هذا يقول البشير مرقص:

“ثم قام قوم وشهدوا عليه زوراً قائلين: نحن سمعناه يقول إني أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادي، وفي ثلاثة أيام أبني آخر غير مصنوع بأيادٍ”

ويؤيد هذا القول البشير متى، والظاهر أنه لم يقتبس عن مرقص بل استقى معلوماته من مصدر آخر، فيقول:

“ولكن أخيراً تقدم شاهدا زور وقالا: هذا قال إني أقـدر أن أنقض هيكل الله، وفي ثلاثة أيام أبنيه”.

ومهما يكن من أمر ما حـدث في تلك الليلة المـأثورة، فإن اثنين تقـدما إلى المحكمة واتهما يسوع، الذي كانت أنوار المصابيح المتراقصة تنعكس على وجهه بإنه قال كلاماً أشبه بهذا. وهذه حقيقة هامة، أرجو أن يفكر فيها القارئ مليّاً.

والذي يهمنا قبل كل شيء أن نعرف هل انتحل أولئك الشهود التهمة انتحالاً، أم أرادوا لغرض في نفوسهم تشويه أقوال نطق بها يسوع فعلاً. وأنا شخصياً أتردد كثيراً في الزعم أن تلك الشهادة كانت مجرد تلفيق لا أساس له من الصحة. وأنه أمر أدهى أن تشّوه أقوال إنسان على مسمع من الآخرين من أن تعزو له زوراً وبهتاناً اقوالاً لم يقلها.

فإن تشويه الأقوال يلقى استحساناً صاخباً لدى أناس حانقين غاضبين. بينما لا يصغي إلى الأكاذيب المختلقة المفتعلة إلاّ ذوي النزعات السليطة الوقحة. هذا هو المألوف عادة، وما من شك أنه كان كذلك في القضية التي نحن بصددها، فإن أولئك الرجال كانوا قد سمعوا المسيح يتحدث بمثل هذا في فناء الهيكل، فلم يكن ثمة شيء أفتك به من أن يتقدموا في أثناء المحاكمة ويلقوا أمام القضاة بعبارات مشوهة مقلوبة.

وشيء آخر يحملنا على الاعتقاد أن الشـهادة التي أدلى بها ذانك الرجلان كانت تشويهاً وعكساً لشيء قاله المسيح نفسه في حفل عام. شهد الرجلان أنهما سمعا المتهم يتفوه بأقوال، لو أمكن برهنتها، لاستحق عليها عقوبة مزدوجة: عقوبة الشعوذة، وعقوبة تدنيس الهيكل المقدس. وكانت عقوبة الشعوذة الموت، كذلك كانت عقوبة تدنيس حرمة المعابد الموت رجماً والتشهير بجثة الميت. ومن وجهة نظر أعداء يسوع، كانت التهمة كافية لتنفيذ مأربهم فيه، ومع ذلك فقد استبعدت الشهادة: “ولا بهذا كانت شهادتهم تتفق”.

ولماذا كل هذا؟ لابد من تعليل تاريخي كافٍ لهذا الرفض. ولم كـانت الشـهادة اختـلاقاً محضاً، أو من تلفيق قيافا وتدبيره، ولو كان الشاهدان قد جيء بهما عمداً ليلعبا دورهما، لما كان هناك داعٍ لهذه المناورة السخيفة المثيرة للغضب في غير طائل. ولم يكن لدى الشاهدين إلى قليل من الكلام، فكان هيناُ جداً بقـليل من الحكـمة والحنكة حبك أقـوالهـما بحـيث لا يـكون فيها تناقض. وكانت القضية بعد هذا تسير سيراً سريعاً ويصدر فيها حكم الإدانة كما كانوا يأملون.

ولكن شيئاً من هذا لم يحدث، فإننا نرى المحكمة على الرغم من عدم شرعية الجلسة في ساعة متأخرة من الليل، تضيّع وقتاً طويلاً في إجراءات قضائية لم تؤدِ بها إلى نتيجة ما. وبعد سماع أقوال الشهود وقف المسيح بين الجمع متهماً بريئاً لا سبيل إلى إدانته. وبدت الإجراءات كلها تتحطم لعدم انسجامها مع نقطة معينة من الشريعة اليهودية.

وينبثق من هذه الحقيقة التاريخية الهامة شيئان: أولهما أن قيافا لم يكن قوياً بالقدر الذي يمكّنه من إملاء إرادته على هذا الجمع. فقد كان بين أعضاء غرفة المشورة هذه تيارات قوية تلحّ بمراعاة قواعد الشريعة مراعاة صارمة. ولا سيما فيما يتعلق بالشهود.

ويحب ألا يغرب عن البال أن حكم هذه الهيئة لم يكن نهائياً، وكان لابد من أن يصادق على قرارها مجلس السنهدريم الأعلى في جلسة كاملة في الصباح التالي. والظاهر أنه ثارت معارضة من عضو يدعى نيقوديموس احتج فيها على محاكمة بدون إجراءات قانونية منصفة. وكان من الميسور لهم أن يبرروا عدم شرعية المحاكمة الليلية بما اقتضى الضرورة السياسية الملحة وبسبب اقتراب موعد الفصح، لكن أي خطأ في إجراءات إثبات التهمة كان كافياً لإرغامهم على إطلاق المتهم في ساعة كان من المحتمل جداً أن تهرع حوله الجماهير وتنضم إلى جانبه.

ثم أن غربلة أقوال الشهود على هذا النحو، والتدقيق فيها كان عاملاً من العوامل التي تحمل الشهود أنفسهم على الحذر الشديد في إبداء أقوالهم. وكان من أخطر الأمور على إنسان أن يكون شاهداً في تهمة عقوبتها الموت، لأن نظم الفقه اليهودي كانت تميل دائماً إلى تأويل الأشياء في صالح المتهم حتى تثبت إدانته. وكانت عقوبة الشهادة الزور الموت. لذلك كانت هذه المحاكمات قليلة جداً.

أما ما نستنتجه من هذه الإجراءات الشاذة فهو أن أقوال الشهود لم تُحضّر من قبل، وإن كان عدم اتفاقها قد أذهل رئيس الكهنة، فلا بد أن تكون على الأقل أقوالاً قيلت عن حسن نية، وأنها تمتّ بشيء من الصلة للحقائق التي تمثلها. وحتى لو لم يكن كاتب بشارة يوحنا قد خلّد لنا في سفره ما نسميه “الترجمة” الرسمية التاريخية لما حدث في أفنية الهيكل، فإننا لا شك مضطرون إلى التسليم بأن المسيح أدلى في بعض المناسبات التاريخية بأقوال تشبه إلى حد كبير الأقوال التي اتهمه بها الشهود.

فما هو الحديث التاريخي الذي كان أساساً لهذه التهمة؟ وما الذي قاله يسوع فعلاً من أقوال اتخذها الشهود تكأة لشهادتهم؟ لدينا ثلاث عبارات نختار أيها: جـاء في رواية مرقص عن تفصيلات المحاكمة أن الشهود قالوا إنهم سمعوا يسوع يهدّد بتدمير الهيكل وإعادة بنائه بطريقة سحرية في ثلاثة أيام. والألفاظ صريحة في نصها: “إني أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادي، وفي ثلاثة أيام أبني آخر غير مصنوع بأيادٍ”

أما البشير متى فإنه يعدّل التهمة ويخففها كثيراً. وفيها نجد تلك الإعـادة السـحرية لبناء الهيكل، ولكن يُنسب إلى المسيح قوله فقط إن لديه القوة على ذلك: “هذا قال إني أقدر أن أنقض هيكل الله وفي ثلاثة أيام أبنيه”.

وهل في وسعنا قبول أحد هذين القولين كأنه النص الحرفي لما قال؟ لا أظن نستطيع ذلك دون الإجحاف بما عهدناه في يسوع، تلك الشخصية التاريخية التي رسمتها لنا البشائر التلخيصية الثلاث. فإن قدرته وإرادته على هدم هيكل هيرودس أو إزالته من الوجود، ثم بناء آخر بدلاً منه، لا يتم طبعاً إلا باستخدام قوى سحرية خارقة للطبيعة، بطريقة قاهرة لم يُعرف عن المسيح أنه لجأ أليها قط، طريقة لا يحلم بها المخدوعون من دعاة الشـعوذة والسحر في الشرق. ولا يعقل أن إنساناً عاقلاً من ذوي المؤهلات الروحية الأدبية مثل يسوع، يقول شيئاً من هذا القبيل.

ويجوز أن نتصور إنساناً ماجناً طائشاً، تقرب عقليته إلى حدّ الجنون، يلقي شـيئاً من هذه الأقوال لمجرد التفاخر والمباهاة في نوبة فجائية من نوبات الخبل، عالماً علم اليقين أن أحداً لن يطلب إليه تنفيذ ما يهذي به. أما النعم في هذه المحاكمة فليس من هذا الطراز، وهو يتعالى فوق هذا المستوى علواً كبيراً. ولست تجد في قصة حياته أثراً لهذه الخواص التي تنبئ عن عقلية مزعزعة هزيلة. بل على نقيض ذلك تجد تلك الدلائل التي تتـحدث عن سـمّو الفـكر ورجحان العقل واتزانه. وإنك تراه محباً صادقاً للحق والإخلاص، متصفاً بتلك الدعة العذبة والتواضع والتفاخر.

فضلاً عن أنه كان إنساناً حييّاً رقيقاً حساساً إلى أرق درجات الحساسية. ولا يسع كل بصير بالحق التاريخي الواضح في الصفحات القديمة التي تلقيناها عن قصة حياته إلا أن يدرك تماماً ما حدث يومئذٍ، حينما قدموا له امرأة خاطئة أُمسكت في زنا… طأطأ رأسه إلى الأرض ليخطّ بأصبعه على الرمال. وإنك تلمح هنا وميضاً من حياة يسوع كما يسـجلها التاريخ، الذي يدوي بصوت قوي مردداً أقواله الأدبية المأثورة عنه، ولكنك لن تجد فيها أثراً لذلك الانتفاخ المضحك أو التفاخر المتعجرف.

إذن يجب أن تبقى أقوال الشاهدين في موضع الشبهات حتى تتوفر لدينا شهادات متفقة يحـق أن تؤخذ حجة على المتهم. ولكن الأدلة التي عندنا تقودنا إلى اتجاه آخر غير هذا. فإن الذي قاله يسـوع، حسـب رواية البشـير يوحنا هو: “انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه” ويضيف الكاتب إلى هذا بين قوسين: (وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده).

ولا يستطيع أي باحث مفكّر في هذه المشكلة أن ينكر ما في هذا القول من خطورة. إنه قول خطير على أي وجه نحاول تأويله. على أننا إذا أردنا الفصل بين أقوال ثلاثة متباينة، أرى أن هناك أمراً واحداً يعمق تأثيره فيَّ. وهو وجود عبارة “في ثلاثة أيام” في الأقوال الثلاثة جميعاً. ولا أظن الناس قد أدركوا ما في هذا من أهمية عظيمة.

وحين نجابه في حياتنا العادية عدة أقوال متباينة متناقضة في حادثة واحدة، يكون أحكم موقف أن نفحص أولاً النقط التي يتفق عليها الرواة، ونفتـرض أنها تمثل وقائع ثابتة. وتبدو حكمة هذا الموقف خاصة في الحالات التي يتقدم فيها الشهود من مصادر متضادة، وتتباين أقوالهم تبايناً صارخاُ في الوقائع الجوهرية الأخرى في القضية التي هي موضوع النزاع.

وتبدو غرابة العبارة “في ثلاثة أيام” في أنها لم ترد إلا نادراً في التعاليم المأثورة عن المسيح. خذ مثلاً الشواهد البارزة الثلاثة التي وردت في بشارة مرقص:

“وَابْتَدَأَ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيرًا، وَيُرْفَضَ مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ يَقُومُ” (مرقص 8: 31)

“لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ تَلاَمِيذَهُ وَيَقُولُ لَهُمْ: «إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي النَّاسِ فَيَقْتُلُونَهُ. وَبَعْدَ أَنْ يُقْتَلَ يَقُومُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ»” (مرقص 9: 31)

“«هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ، وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى الأُمَمِ، 34فَيَهْزَأُونَ بِهِ وَيَجْلِدُونَهُ وَيَتْفُلُونَ عَلَيْهِ وَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ».

وقد عمد بعض البحاثة، الذين أقبـلوا على قـراءة هذه الآيات وفي نفوسهم إحجـام غريزي عن قبول أي شيء يسمو فوق الاختبار العادي المألوف – إلى القول: “نفهم أن يتنبأ المسيح عن موته، فإنه لا بد أن يكون قد رأى الفاصل الكبير بينه وبين الكهنة، ولا يبعد أن يكون قد أعدّ التلاميذ سـراً لتلقّي هذه الصـدمة. أما هذه التلميحات إلى قيـامته العتيدة بعـد المـوت فلم يُكـتب في متن الكلام إلاّ بعد موته، وليست جزءاً من أقواله الأصلية”.

ولنسلّم جدلاً أن هذا هو ما يظهر لنا لأول وهلة. على أنه حيـن نفحص فحصـاً دقيـقاً المحاكمة – بما فيها من دلائل صدق، وما تخللها من تدقيق، وما اختتمت به من استماع غير مجدٍ لشهود حانقين معاندين – نتبيّن أن الكلمات “في ثلاثة أيام” التي يقول عنها ذوو “العقول المفكرة” إنها لم تخرج من بين شفتي يسوع – هي بذاتها الكلمات التي جعل منها الشهود تكأة وأساساً للتهمة الخطيرة التي حوكم من أجلها. ويبدو لنا غريباً حقاً ألاّ يكن للعبارة التي قامت عليها أركان التهمة الخطيرة شبيه أو نظير في الأقوال المختلفة التي حوكم من أجلها.

ويبدو لنا غريباً حقاً ألا يكون للعبارة التي قامت عليها أركان التهمة الخطيرة شبيه أو نظير في الأقوال المختلفة التي نطق بها يسوع خلال السنتين السابقتين.

على أنه يتبين لنا من ظروف الحوادث كلها أن ما قاله أغــرب مما نُسـب إليه فقد قال: “إن أنتم قتلتموني، فسأقوم من القبر”. ولا أرى محيصاً عن التسليم بهذه النتيجة المنطقية. قد يذهب المكابرون إلى أنه كان مخطئاً، أو أنه كان تحت تأثير شذوذ عقلي غريب يعاوده بين الفينة والفينة في أقواله العامة. على أنني أعتقد أن تفوهه بهذه الأقوال الفريدة الغريبة أمر لا يجد الشك إليه سبيلاً.

بقي أن نلقي نظرة على الظاهرة الغريبة الأخرى في هذه المحاكمة. فإن يسوع الناصري قد حُكم عليه بالموت، لا بناء على أدلة المدّعين عليه، بل على اعترافٍ انتُزع منه انتزاعاً بعد أن استحلفه رئيس الكهنة.

ويبدو لنا جلياً أنه بعد اسـتماع أقوال الشهود ورفض شهادتهم، اتخذت إجراءات القضية أوضاعاً شاذة غير قانونية. وموضع عدم المشروعية أن رئيس المحكمة حاول بتوجيه الأسئلة مباشرة إلى المتهم، أن يتلمّس الأسباب اللازمة للحكم عليه مما عجز عنه الشهود أنفسهم.

وهذا يناقض تناقضاً تاماً حرفية القانون القضائي اليهودي وروحه، وقد كان مرماه أن يحوط حياة المواطن اليهودي بكل أسباب الضمان. فإن إقامة الدعوى في قضية عقوبتها الموت كانت موكولة بحسب الشريعة اليهودية إلى الشهود دون سواهم. فكانت مهمتهم أن يلقوا القبض على المتهم، وأن يجيئوا به إلى ساحة القضاء. وكانت مهمة المحكمة أن تصون حقوق المتهم بكل الوسـائل الممكنة، وتبذل كل جهد في تمحيص أقوال الشـهود وإصـدار حكم عادل لا تحيُّز فيه على الأدلة التي يتقدمون بها.

ونظرة واحدة إلى نص الرواية في هذه القضية تدلنا على أن المتهم فيها لم يفز بهذه الحصانة القضائية. ويبدو هذا من لهجة الحنق والغيظ التي وجَّه بها رئيس الكهنة سؤاله إلى المتهم بعد أن تهدّمت أقوال الشهود:

“أما تجيب بشيء؟ ماذا يشهد به هؤلاء عليك؟”

ولعل الاعتراض لم يكن على هذا السـؤال في حـدّ ذاته، فقد كان من حق المسيح كمتهم أن يدلي بأي أقوال أو حقائق دفاعاً عن نفسـه. وإلى هنا كان ملتزماً الصمت التام. فكان من اللائق أن يُسأل إذا كان لديه شيء يعلق به على أقوال الشهود. أما الذي يسترعي أنظارنا فهو العداء المكشـوف نحو المتهم، وهو نـذير بما سـيجيئ بعد هذا السؤال. فإن رئيس الكهنة كشـف عن نواياه، وأزال كل المظاهر التي تُلبس القضية شكلها القانوني الظاهر على الأقل.

ذلك أن قيافا وهو واقف في مكانه وسط المحكمة وجّه إلى يسوع القسم الأعظم في الدستور العبراني: “أستحلفك بالله الحي” (متى 26: 63) ولم يكن بدّ أن يجيب يسوع وهو اليهودي التقي النقيّ المحافظ على الشريعة صوناً لحرمة هذا القسم العظيم.

وقد جاء بكتاب المشنة اليهودي

“إذا قـال قائل أسـتحلفك بالله القـادر على كل شيء، أو بالصباؤوت، أو بالعظيم الرحيم، الطويل الأناة، الكثير الرحمة، أو بأي لقب من الألقاب الإلهية، فإنه كان لزاماً على المسؤول أن يجيب”.

وكان السؤال الذي وجهه قيافا رئيس الكهنة إلى المسيح مباشراً صريحاً، مجرد عن المصطلحات العبرانية الخاصة:

“أأنت المسيح؟ أتدّعي أنك أنت هو الآتي؟”

ولم يكن المتهم بأقل صراحة من سائله، وهذه هي النصوص الثلاثة لإجابته:

“أنا هو” (مرقص 14: 62)

“أنت قلت” (متى 26: 64)

“أنتم تقولون إني أنا هو” (لوقا 22: 70)

وهذه الأجوبة، كما قال أحد العلماء، متفقة في معناها. والنص “أنت قلت” أو “أنت تقولون إني أنا هو” الذي يقع على الأذن في العصر الحديث موقع المراوغة والتملص، لم يكن فيه شيء من هذا المعنى لدى الفكر اليهودي المعاصر. وعبارة “أنت تقول” كان الوضع التقليدي الذي يجيب به اليهودي المثقف على سؤال خطير أو حزين. ونهب آداب اللياقة والحشمة أن يقول المجيب مباشرة “نعم” أو “لا”.

إذن نطق يسوع بإجابته في شيء كثير من التصميم والحزم. ونرى قيافا قد سُريَّ عنه بعد أن حصل من المتهم نفسه على هذا الإقرار الهائل الخطير. ويكاد المرء يسمع رنة الفوز والظفر في صوته وهو يلتف إلى الأحبار وشيوخ الشريعة قائلاً:

“ما حاجتنا بعد إلى شهود؟ قد سمعتم التجاديف! أبصروا أنتم”.

وعندي أن الباحث اليقظ المتنبّه لما أسميه الحقائق الخفية الدفينة في القصة، يرى لذة ومتاعاً في تطور القضية هذا التطور الفجائي وبلوغها هذه الذّروة المفجعة.

ترى لماذا اتخذت المحاكمة فجأة هذا الوضع المخالف للإجراءات القانونية في ساعة متأخرة من الليل، بعد ضياع زمن طويل في تمحيص أقوال الشهود ووزنها؟ وإن كان إقرار المتهم الذي أُجبر عليه كافياً، فلماذا سُمعت أقوال الشهود؟

نجد الإجابة على هذه الأسـئلة في طبيعة المشـكلة القانونية المعقدة التي واجهت قيافا. والمعروف أن جماعة الصدوقيين الأقوياء الذين ينتمي إليهم رئيس الكهنة كانوا قد وطنوا العزم على إبعاد يسوع من طريقهم. ولا تتحقق أغراضهم هذه إلا بعقوبة الموت. ومن الغريب أنه مع هذا التصميم لم يسـعهم الاكتفاء بقضـية ثبـت فيها التجديف أو الشـعوذة، لأن قيافا كان عليه أن يبتعد بنظره الثاقب إلى آخرين من غير طائفته، إلى جماعة المعارضين في مجلس السنهدريم، وإلى أحكام الشريعة الموسوية، وإلى ذلك الحاجز المنيع الذي أقامته روما من قوتها وتسامحها.

ولم يكن أحد أكثر من قيافا يعرف النتائج السياسية والشخصية التي تترتب على مجيء المسيا الذي ترقبته الأمة اليهودية. فإن هذا معناه ظهور نوع من الملكية يكون مقامها في أورشليم والمقادس الأخرى. ومعناه أيضاً تحدّي السلطات الرومانية في كل البلاد، وثورة الشعب عن بكرة أبيه، وقيام حملة تأديبية على يد قائد روماني أشبه بتلك الحملة المريعة التي حدثت بعد هذا التاريخ بأربعين عاماً ودمرت المدينة تدميراً.

هذه الحقائق كلها لم تكن لتخفى على ذوي النظر الثاقب ممن أُوكل إليهم المحافظة على المزايا اليهودية التي حرص عليها الشعب كل الحرص في عهد الاحتلال الروماني. وقد كان قيافا رئيس الكهنة سياسياً أريباً وداهية ماكراً حين قال لقومه: “خيرٌ لنا أن يموت إنسـان واحد عن الشـعب ولا تهلك الأمة كلها” (يوحنا 11: 50)

أما النتائج الشخصية التي قد تصيب قيافا على أثر مجيء المسيا المنتظر فلم تكن أقل خطورة من تلك النتائج السياسية، فإننا لا ندري أي تغيير يطرأ على دستور مجلس السنهدريم الأكبر عند حلول النظام المسياوي. قد يكون التغيير انقلاباً خطيراً. على أن شيئاً واحداً نعرفه وهو أن سيادة رئيس الكهنة وتحكّمه في مصائر الأمة لا يزولان. ومهما يكن من أمر الإبقاء على المظاهر التاريخية القديمة في الدستور العبراني، فلا شك أن الحاكم الحقيقي سيكون المسيا، وسيكون مطلق التصرف في توجيه سياسة أمته كمنقذ قومي وكمندوب سامٍ لإله إسرائيل. ولا جدال أن ظهور ذلك النجار الناصري وادّعاءه لنفسه هذا الحق في السلطة القومية قد أزعج كثيرين ممن يهمهم بقاء الأحوال الراهنة.

فالمشكلة إذن أن تُقام دعوى فاصلة حاسمة لا تجد معارضة من الواحد والسبعين شيخاً من أحبار السنهدريم الأكبر، وتلقى قبولاً لدى القانون الروماني.

وفي سبيل تحقيق هذا الغرض سـمعت أقـوال شـهود كثيرين، واسـتبعدت شـهادتهم لعـدم كفايتها. ثم جيء باثنين آخرين ظُنّ أن لديهما ما يحـبك التهمة فانطـوت شهادتهما على تهمتين، كل منها تقع تحت طائلة عقوبة الموت في القانون العبري. وهنا أيضاً كانت أقوال الشاهدين موضع الشبهات والريب: وقد تنطلي الحيلة على مجلس السنهدريم، ولكن ما العمل في الوالي الروماني؟ أغلب الظن أن تهمة كهذه لا تروقه. فلا بد من اختلاق تهمة أخرى غير هذا التهديد البليد بنقض الهيكل وإعادة بنائه، يرضى عنها بيلاطس الوالي الروماني ويصدر فيها الحكم بالموت، وكان الحكم بهذه العقوبة قد انتزعه قيصر من أيدي السلطات اليهودية.

كان الاتهام كله على وشك أن ينهار لولا فطنة قيافا وذكائه الذي استنبط فوراً وسيلة لإنقاذ الموقف، وكانت إجراءاته غير قانونية، ولكنها كانت الضربة الأخيرة اليائسة من رجل كادت تطيش الســهام كلها التي أعـدّها فاسـتنجد بقَسَـم الشهادة، الذي كان يعتبر حتى الصـمت عنـده تهمة لا تُغتفر. وقد أفلحت الحيلة أكثر مما قُدّر لها، لأن في الجواب الجريء “أنا هو!” الركن القوي لإثبات تهمة شنيعة أمام الوالي الروماني.

وقد يتغاضى قيصر عن أقوال شاذة يتفوه بها داعية من الدعاة الطّوافين، ولكن لن يقدر أن يتغاضى عن شخص يطالب لنفسه بعرش. وفي صـمت المـحكمة الرهيب بعد أن نطـق المتهم بهذه الألفاظ الجريئة مضت في فكر قيافا خواطر أخرى وأقوال يأخذها حجة قوية على غريمه: “إن أطلقت هذا فلست محباً لقيصر!”.

فصول كتاب من دحرج الحجر

التهمة المقامة ضد المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر؟

الدليل الاقدم لموت وقيامة المسيح

الدليل الاقدم لموت وقيامة المسيح

الدليل الاقدم لموت وقيامة المسيح

 

السجل المبكر لموت وقيامة المسيح في كرونثوس الاولي 15 :3-7 والتقليد الشفوي والمقارنة بالمصدر المتأخر في القرآن.

تم تقييم المصادر المتاحة لقيامة المسيح من قبل المؤرخين. لكن السؤال الهام ماهو تاريخ تلك المصادر. بالنسبة بما يتعلق بالشهادات المبكرة من المسيحية. قال المؤرخ “ديفيد فيشر “David Hacket Fisher:”المؤرخ لا يجب ان تتوافر لديه ادلة قوية فحسب. لكن ان تتوافر لديه افضل الادلة القوية وثيقة الصلة. وافضل الادلة القوية ذات الصلة. هي مع الاخذ بعين الاعتبار ,ان هذه الادلة تكون اقرب مباشرتاً من الحدث نفسة. ” (1)

المفتاح الرئيسي في دراسة المصادر المبكرة في حياة المسيح هو ان تضع في الحسبان الثقافة والبيئة اليهودية التي ولَّد‏ بها يسوع. كما يلاحظ “بول بارنيت Paul Barnett“ان وسط المسيحية المبكرة التي كانت مكتوب بها رسائل بولس والاناجيل كان مناخ رباني rabbinic ” (2)(متعلق بالمعلمين من حيث التعاليم واللغة ووجهات النظر). ونظراً للتشديد علي التعليم في المجمع. والمنزل. والتعليم الأولي. فانه ليس من المستغرب انه كان من الممكن للشعب اليهودي اعادة سرد(بالاسلوب الشفوي) وحكي كميات كبيرة من المواد التي كانت ايضاً اكبر بكثير من الاناجيل نفسها.

يذكر العهد الجديد المسيح بكونه رابي “Rabbi” في المواضع الاتية:(- متي 8 : 19 , 9 : 11 , 12: 28 , مرقس 4: 28 , 5: 35 , 9: 17 , 10 :17-20 ,12 :14 ,19, 32 ولوقا 19: 39 , ويوحنا 1 :38 , 3 :2 ) والكلمة تعني معلم او سيد. “وهناك العديد من العبارات التي من خلالها نستطيع ان نشاهد ونعرف معني جزء من مصطلح rabbinic في هذه الايام. حينما ذكر العهد الجديد تلك العبارات :وكان التلاميذ ” “تأتي ” اليه “تتبعه” “تتعلم منه” “وحمل النيره”(متي 11 :28- 30 مرقس 1 ).

(3) وبالتالي يبدو ان الانجيل في بداية انتشاره كان في شكل او قالب تراتيل وعقائد شفوية. بامكانك الرجوع لتلك المواضع:(لوقا 24 :34 ,اعمال الرسل 2 :22-24 ,30 -32 ; 3: 13-15 و 4 :10-12 و5 :29-32 ,10 :39 -41 ,13: 37- 39 , رومية 1: 3-4 ,4 :25 ,10 :9 , كورنثوس الاولي 11 :23 ,15: 3-8 وفليبي 26-11,وتيميثاوس الاولي 2 : 6 ,3: 16 ,6: 13 ,تيميثاوس الثانية 2 :8 وبطرس الاولي 3 :18 ويوحنا الاولي 4: 2 ) فكان هناك عناية هائلة وعظيمة “بالتسليم delivering”أي التقاليد المستلمة. فنجد ان يسوع استخدم التوازي parallelism و الايقاع والقافيةوالجناس والسجع. حيث مَكنة كلمات يسوع ليس فقط الحفظ من خلال الذاكرة بل السهولة في المحافظة علي تلك الكلمات.

(4) حتي بولس الرسول ,استخدمها. حيث دُرب علي يد رابي مختص في مدرسة رابانية تدعي هليل وهو الرابي” غمالئيل ” وهو رئيس وعضو في السنهدريم. يمكن ملاحظة ان كُتاب العهد الجديد وظفوا مصطلحات التقاليد الشفوية مثل: “تسليم” “تلقي” “يمر علي” “التعلم” “التمسك ” فالتعليم التقليدي يظهر في العهد الجديد بالقاء نظرة علي الفقرات الاتية:-

رومية ١٦ : ١٧ ١٧‏وَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تُلاَحِظُوا الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الشِّقَاقَاتِ وَالْعَثَرَاتِ، خِلاَفًا لِلتَّعْلِيمِ الَّذِي تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ. كورنثوس الاولى ١١ : ٢٣ ٢٣‏لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا: إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا فيلبى ٤ : ٩ ٩‏وَمَا تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَتَسَلَّمْتُمُوهُ، وَسَمِعْتُمُوهُ، وَرَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، فَهذَا افْعَلُوا، وَإِلهُ السَّلاَمِ يَكُونُ مَعَكُمْ. تسالونيكى الثانية ٢ : ١٥ ١٥‏فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا. رسالة 1 كورنثوس 15: 3-7 والموثوقية المبكرة لعقيدة صلب وموت المسيح:

يطبق بولس الرسول التقليد الشفوي في رسالة 1 كورنثوس 15: 3-7 التي تعد واحده من أقدم السجلات التاريخية لمضمون الأنجيل لعقيدة –موت وقيامة المسيح. العالم اليهودي الارثوزكسي الراحل” بنحاس لبيد Pinchas Lapide” كان معجباً جداً بالعقيدة التي في كورنثوس الاولي 15 و خلص الي ان “يمكن اعتبارها كصيغة ايمان كبيان من شهود العيان” (5) أستخدَام بولس لمصطلحات ربانية مثل “استلمت received ” “ما قبلته” يمكن مشاهدتها في رسالة كورنثوس الاولي 15 :3-8. . في الفقرات الاتية:-

3 فإنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضا: أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب 4 وأنه دفن، وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب 5 وأنه ظهر لصفا ثم للاثني عشر 6 وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمئة أخ، أكثرهم باق إلى الآن. ولكن بعضهم قد رقدوا 7 وبعد ذلك ظهر ليعقوب، ثم للرسل أجمعين 8 وآخر الكل – كأنه للسقط – ظهر لي أنا من المثير بالاهتمام اننا نجد بالتوازي ما صرح به وقاله بولس في اعمال يوسيفوس المؤرخ اليهودي يقول يوسيفوس ما يلي بشأن الفريسيين: “احب ان اوضح هنا ان الفريسيين نقلوا الي الناس بعض الأوامر من سلسلة متتاليه من الاباء.

التي لم تُكتب في ناموس موسي. لهذا السبب رفضت فئة الصدوقيين هذه الاوامر. علي المستوي المتوسط الواحد يحتاج الي التعرف علي الاوامر المكتوبة فقط. في حين ان هذا من تقاليد الاباء التي ليس من الضروري التقيد بها”. (6) يشير ريتشارد بيكهام. Richard Bauckham الي “نقطة مهمة لموضوعنا الي ان يوسيفوس المؤرخ اليهودي استخدم في لغتة تعبيرات مثل:-. الانتقال او التسليم” passing on” وايضاً تقليد التسليم من معلم الي اخر وايضاً التسليم من الفريسيين الي الشعب. ” (7) فيلاحظ بيكهام في كتابة يسوع وشهود العيان. والاناجيل وشهادة شهود العيان. ان الكلمة اليونانية ل شاهد العيان “eyewitness” (autoptai), ليس لها قصد قانوني.

فالمعني من الكلمة الانجليزية eyewitnesses يشير الي استعارة من المحاكم القانونية. وهذا غير صحيح قليلاً فكلمة autoptai تستخدم ببساطة للمراقبين للاحداث. وقد تابع بيكهام عمل “Samuel Byrskog صموئيل بيرسكوج “في حجتة بانه علي الرغم من ان الاناجيل في بعض النواحي تبدو شكلاً مميزة جداً وجذاباً للتاريخ. ألا انهما يشتركان علي نطاق واسع في موقف شهادة شهود العيان الذي كان ايضاً شائعاً بين المؤرخين في العصر الروماني واليوناني. هؤلاء المؤرخين كانوا موضع احترام كبير ,فجميع التقارير تعبر عن خبرة مباشرة عن الاحداث التي روت.

فأفضلهم من كان هو نفسه هو احد المشاركين في الاحداث. ويسمي هذا (الفحص المباشر)في حالة تعذر ذالك وكان المؤرخ غير حاضر في كل الاحداث التي تحتاج الي سرد. علي الاقل لسبب حدوث الاحداث في وقت واحد متزامنة. فالسعي وراء المبلغين الذين قد تكلموا عن معرفة مباشرة والذين استطاعوا اجراء مقابلات ورؤية الاحداث هو امر طبيعي ويسمي.

(فحص غير مباشر) وبعبارة اخري ل بيرسكوج تعرف “الفحص”بأنه وسيلة مرئية لجمع المعلومات حول موضوع معين. يمكن ان تتضمن وسائل اما ان تكون وسائل مباشرة (شهود عيان) او غير مباشر (الحصول علي شهود عيان) بيرسكوج يدعي ايضاً بانه يمكن القول ان هذا الفحص اسخدم في العهد الجديد بواسطة بولس في المواضع الاتية :(كورنثوس الاولي 9 :1 ,15 :5-8 ,وغلاطية 1 :16 )ولوقا في المواضع الاتية(اعمال الرسل 1: 21-22 ,10 :39 -41 ) ويوحنا في المواضع الاتية(19: 35 ,21 :24 ,ويوحنا الاولي 1:1 -4) فالكلمة “تسلمت” παραλαμβάνω (هو مصطلح يهودي)يعني استقبال شيئ ينتقل من شخص الي اخر. يمكن ان يحدث ذالك من خلال النقل الشفوي او عن طريق الاخرين ومنهم تواصل التقاليد.

مما يترتب علي ما قلناه نفهم ان بولس تلقي هذه المعلومات من خلال شخص اخر في وقت سابق. فكرونثوس الاولي تؤرخ بين 50 : 55 بعد الميلاد. منذ كان يسوع مصلوب تقريباً سنة 30 : 33 ورسالة كرونثوس مكتوبة بحوالي 20 : 25 سنة ميلادية من موت المسيح. لكن العقيدة الحقيقية موجودة في كورنثوس الاولي 15 استقبلها بولس في وقت سابق بكثير من سنة 55 ميلادية.

كما يلاحظ غاري هابرماس ان معظم علماء النقد يوافقون عادتاً ان تلك العقيدة لها أصل في وقت سابق للغاية. اوليرش ولكنيس. يعلن ان هذه العقيدة بلا شك تذهب بنا للخلف باعتبارها اقدم مرحلة من جميع تاريخ المسيحية المبكرة. (8) يواقيم ارميا يسميها. “التقليد الاقرب من الكل” (9)اي الأقرب من تاريخ المسيحية الاولي حتي العالم الغير مسيحي “جيرد ليدمان Gerd Ludemann” قال هذا “أنا اصر بان اكتشاف الاسس العقائدية قبل الرسول بولس هي وواحده من احدي انجازات العهد الجديد الدراسية”. (10) فجمهور العلماء الذين علقوا علي هذا الامر. اعتقدوا ان بولس ربما تلقي وتسلم هذه المعلومات بعد التحول للمسيحية بثلاث سنين.

التي حدثة ربما من سنة 1 الي 4 بعد الصلب. فيذكر الكتاب المقدس ان بولس زار اورشاليم للتحدث مع بطرس ويعقوب ,وكل واحد منهم تم ادراجة في قائمة ظهورات يسوع بعد القيامة. وظهر ذالك في المواضع الاتية من الكتاب المقدس (كورنثوس الاولي 15: 5 -7وغلاطية 1: 18-19 ) فتعود معرفتة تقريباً الي سنة 32-38 بعد الميلاد. حتي احدي المؤسسين وعضو في سيمينار يسوع “جون دومينك كروسان John Dominic Crossan” كتب قائلاً.

كتب بولس من افسس رسالة اهل كورنثوس في اوائل سنة 50 بعد الميلاد لكنة قال في كرونثوس الاولي 15 :3فإنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضا: أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب. ان المصدر الاكثر احتمالاً والوقت لاستلامه هذا التقليد كان في اورشاليم في وقت مبكر من سنة 30. كما قلنا مسبقاً وجاءة زيارتة لاورشاليم في الرسالة غلاطية 1 :18 ثم بعد ثلاث سنين صعدت الى اورشليم لاتعرف ببطرس فمكثت عنده خمسة عشر يوما (11) يقول ساندرز E. P. Sanders ايضاً : تم كتابة رسائل بولس في وقت مبكر من الاناجيل.

وذلك لاشارته الي الاثني عشر وهو اقرب الادلة. يتعلق الامر في الاعداد الاولي كرونثوس الاولي 15 ان بولس يكرر استخدامة للتقليد. وبالتالي اذا تتبعنا الايام الاولي لتحركاته. سنجد انه يعطي قائمة لظهورات القيامة التي جري تداولها. ٍ في كرنثوس الاولي 15. (12) وقال “كروسان بارتنر روبرت فنك Crossan’s partner Robert Funk” ان الاقتناع بان يسوع قد قام من بين الاموات كان قد له جذور في الوقت الذي تم تحول بولس حوالي سنة 33 بعد الميلاد. علي افتراض ان المسيح مات حوالي سنة 30 ميلادية. والوقت اللازم لنمو بولس كان سنتين او ثلاث سنين علي الاكثر. (13)

Robert Funk co-founder of the Jesus Seminar

هذه التعليق من كروسان واخرين يبدوا منطقيا لانه ضمن العقيدة المذكوره في كرنثوس الاولي 15 يشير بولس الي بطرس باسمة الارامي. , Cephasصفا. وبالتالي اذا كان هذا التقليد كان متداول باللغة الارامية. فكان الموقعين الذي يتحدث الناس فيهم بالارامية هم الجليل واليهودية. (14) المصطلح اليوناني historeo” ” تترجم في الانجليزية لزيارة to visit اولمقابلة to interview. (15) ومن هنا الغرض من رحلة القديس بولس ربما كان يهدف الي التأكد من قصة القيامة من بطرس نفسة الذي كان شاهد عيان فعلي علي قيامة يسوع كرنثوس الاولي 15 :5 لماذا هذا الموضوع؟

يقول “ايرك شابوت Eric Chabot “(16) كنت اتحدث مرة مع احد المسلمين عن تاريخ القرآن والعهد الجديد. فالاسلام ينص ان المسيح ما صلبوه لكن شبة لهم. وقد كتب القرآن بعد 600 سنة من حياة يسوع وهذا يجعله مصدر متأخر جداً للمعلومات بالمقارنة بالعهد الجديد. يبدو ان الادلة التي سبق لنا مناقشتها تخبرنا بان المحتوي التاريخي للأنجيل هو (موت يسوع وقيامتة)تم تداولها في وقت مبكر جداً بين المجتمع المسيحي.

كما قلنا للتو ان المؤرخين يبحثون عن السجلات الاقرب لتاريخ الحدث. بالنظر الي الوقت المبكر من كرونثوس الاولي 15 : 3-8 فمن الواضح تماماً ان هذه الوثيقة هي مصدر أكثر موثوقية من القرآن. وعلاوة علي ذلك. القول بان قصة المسيح تم اختلاقها في وقت لاحق يناقض الادلة المقدمة.

اغريغوريوس

aghroghorios

المراجع

 

1. Hacket Fisher, D. H. , Historians’ Fallacies: Toward a Logic of Historical Thought. New York: Harper Torchbooks. 1970, 62.

2. Barnett, P. W. , Jesus and the Logic of History. Downers Grove, IL: InterVarsity Press. 1997, 138.

3. Ibid.

4. Ibid.

5. Lapide, P. E. , The Resurrection of Jesus: A Jewish Perspective. Minneapolis: Ausburg. 1983, 98-99.

6. Bauckham, R. Jesus and the Gospels: The Gospels as Eyewitness Testimony. Grand Rapids, MI: Eerdmans Publishing Company. 2006.

7. Ibid.

8. Wilckens, U. , Resurrection, trans. A. M. Stewart. Edinburgh: St. Andrew, 1977, 2

9. Jeremias, J. New Testament Theology: The Proclamation of Jesus, trans. John Bowden. New York: Scribner’s, 1971, 306.

10. Ludemann, G, The Resurrection of Jesus Christ: A Historical Inquiry (Amherst, NY: Promethus, 2004), 37.

11. Crossan, J. D. & Jonathan L. Reed. Excavating Jesus: Beneath the Stones, Behind the Texts. New York: HarperSanFrancisco, A Division of HarperCollins Publishers, 2001, 254.

12. E. P. Sanders, The Historical Figure of Jesus (New York: Penguin Books), 1993

13. Roy W. Hoover, and the Jesus Seminar, The Acts of Jesus, 466.

14. Jones, T. P. , Misquoting Truth: A Guide to the Fallacies of Bart Ehrman’s Misquoting Jesus. Downers Grove, IL: InterVarsity Press. 2007, 89-94.

15. Ibid.

16. The Earliest Record for The Death and Resurrection of Jesus: 1 Corinthians 15: 3-7

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

تاريخ النور المقدس والرد على الأسئلة والتشكيكات المُثارة ضده | بيشوي مجدي

 

الدليل الاقدم لموت وقيامة المسيح

Exit mobile version