الله يتكلم في مشكلة أيوب – مشكلة الشر

الله يتكلم في مشكلة أيوب – مشكلة الشر

الله يتكلم في مشكلة أيوب – مشكلة الشر

الله يتكلم في مشكلة أيوب – مشكلة الشر

أيوب 32-41

في عام 1944، تم اعتقال صبي هنغاري في الرابع عشرة من عمره يدعى إيلي ويزل، مع أمه وأخته بواسطة جماعة الجيستابو، وتم حشدهم مع ثمانين آخرين في شاحنة للماشية. وسافروا بهذه الحال لمدة ثلاث أيام حتى وصلوا إلى معسكر تعذيب في أوشويتز، تم عزل الرجال عن النساء، وهكذا لم يرى الصبي أمه وأخته مرة أخرى. كتب إيلي قائلاً: «لن أنسى أبداً تلك الليلة، أول ليلة قضيتها في المعسكر، والتي حولت حياتي على ليلة واحدة طويلة ملعونة. لن أنسى مطلقاً ذلك الدخان، ولا تلك النيران التي التهمت إيماني إلى الأبد… كما لن أنسى مطلقاً تلك اللحظات التي قتلت إلهي ونفس وحولت أحلامي إلى تراب. كان البعض يتحدثون عن الله، وعن طرقه الغريبة الغامضة، وعن خطايا الشعب، وعن خلاصه المستقبلي، ولكني توقفت عن الصلاة، كم أتعاطف مع أيوب! فأنا لم أنكر وجود الله، ولكني شككت في عدله المطلق»[1].

معضلة مميتة

لقد كان من المعروف على مدى زمان طويل أن وجود الألم في العالم يمثل مشكلة بالنسبة للمؤمنين بالله، خاصة بالنسبة للمسيحيين. ويتم صياغة هذا الأمر في بعض الأحيان في شكل المعضلة التي فحصناها في بداية هذا الكتاب: إذا كان الله محب بالكامل فلا بد أن يزيل الشر. وإذا كان الله كلي القدرة فلا بد أنه يقدر على إزالة الشر. لكن الشر لا يزال موجوداً، لذلك، فلا يمكن أن يكون الله كلي الصلاح وكلي القدرة معاً في نفس الوقت. فكيف نستجيب تجاه هذا الأمر؟

كما رأينا، هناك العديد من الحلول البسيطة لهذه المشكلة، والتي من ناحية أو أخرى تنكر واحداً أو أكثر من تلك المعتقدات التي تجعل من الأمر معضلة في المقام الأول. لذلك فإن بعض الناس ينكرون أن الله كلي القدرة. أذكر أنني حضرت اجتماعاً للقسوس، حيث كانت إحدى الشماسات تؤمن بما أطلقت عليه “إلهاً ضعيفاً”. وكانت متعنتة في قولها ما يمنحها العزاء هو اعتقادها أن الله مشغول بالصراع مع الحياة مثل بقيتنا. ومن ناحية أخرى، ينكر بعض الناس وجود الشر، مثل طائفة “العلوم المسيحية” التي تعتبر الشر مجرد وهم عقلي. كما أن هناك آخرون يشككون في صلاح الله، وخاصة في عدله. وهذا هو ما كان يفعله إيلي ويزل، وهذا أيضاً هو ما وجد أيوب نفسه يقوم به. لقد كان يعرف أن الله كلي القدرة، وكان متأكداً من أن الألم شيء حقيقي وواقعي، لكننا كما رأينا في الفصل السابق، أثارت الأزمة التي كانت في ذهنه التشكك في صلاح الله، ففي العدد الأول من أصحاح 27، يذكر أيوب بوضوح أن الله قد تخلى عن عدله.

فما الذي دفع أيوب للوصول إلى هذه النتيجة؟ أيوب التقى، أيوب “المسيحي” الذي حتى في أحلك ساعاته رفض أن يلعن الله، لماذا يقول هذا الزعم الرهيب بأن الله ليس عادلاً؟ يبدو أن الإجابة هي أن أيوب أيضاً كان يفكر في نظرية عدالة القصاص. فيبدو أنه هو أيضاً اشترك مع أصدقائه في النظرة التي تقول أن الله من خلال الألم يقوم بتنفيذ أحكامه ودينونته في العالم، ولكن أيوب كان يختلف معهم في أن استنتاجهم أن أيوب يتألم بسبب خطاياه. وهكذا فبوجود نظرية أن كل الآلام هي دينونة من الله، فإن النتيجة الوحيدة التي استطاع أيوب التوصل إليها هي أن الله لا يمارس حكمه ودينونته بعدل. فقد كان أيوب يعرف أنه بار، فلا بد إذاً أن يكون الله هو المذنب.

لكن هناك لقاءات آخران يصححان أفكار كل من أيوب وأصدقائه الثلاثة، ويفتحان الطريق فهم مختلف لسبب سماح الله بالألم. اللقاء الأول هو مع معزي آخر، أصغر سناً بكثير، وهو أليهو، والذي حتى تلك اللحظة ظل صامتاً. أما اللقاء الثاني فكان مع الله نفسه.

الشاب الغاضب

عندما نلتقي بأليهو في أصحاح 32، نجد أنه شاب غاضب للغاية. فهو لم يتكلم حتى تلك اللحظة، لأنه كان يشعر أنه كشاب أصغر من رفاقه فإنه من الأحكم والأكثر احتراماً أن يسمح للشيوخ بأن يتكلموا أولاً: «فأجاب أليهو بن برخئيل البوزي وقال أنا صغير في الأيام وأنتم شيوخ. لأجل ذلك خفت وخشيت أن أبدي لك رأيي». ولكنه في النهاية وصل إلى النقطة التي لم يتمكن فيها أن يمسك غضبه أكثر من ذلك. فقد استمع إلى المعزين الثلاثة، كما استمع إلى أيوب، ووجد كلامهم جميعاً غير مقنع بالكامل. فالأصدقاء الثلاثة ببساطة لم يجيبوا على اعتراضات أيوب، كما أشار أليهو إلى ذلك في عدد 12، وقد تحدث أيوب كثيراً وحاصرهم بكلامه حتى أنهم استسلموا في النهاية ولم يقدروا على المزيد من الجدل، متخذين موقف «نحن على صواب وأنت على خطأ، وهذا هو الأمر». لكن أيوب أيضاً أغاظ أليهو، ليس بسبب اعتراضاته بأنه بريء، فقد كان أليهو يصدقه في هذا الأمر، لكنه غضب منه لأنه كان شديد اللهفة لتبرئة نفسه وسمعته الشخصية، على حساب سمعة الله:

«إنك قد قلت في مسامعي وصوت أقوالك سمعت. قلت إنك بريء بلا ذنب. زكي أنا ولا إثم لي. هوذا يطلب عليّ علل عداوة. يحسبني عدواً له. وضع رجلي في المقطرة. يراقب كل طرقي. ها إنك في هذا لم تصب. أنا أجيبك. لأن الله أعظم من الإنسان» (أيوب 33: 8-12).

ثم مرة أخرى في 34: 12، نقرأ: «فحقاً إن الله لا يفعل سوءًا والقدير لا يعوض القضاء». فهو يقول لأيوب «قد تكون بريئاً كما تقول، ولا يصح أن يقوم أصدقاؤك الثلاثة بالشك في هذا الأمر؛ لكن بنفس الطريقة، لا يصح لك أن تشك في بر الله وعدالته. ربما لم تخطئ خطية شنيعة عندما بدأت في الكلام، ولكنك على حافة القيام بهذا الأمر الآن. لذلك فأنت مخطئ».

السبب الأول الذي يعتقد أليهو لأجله، على صواب، أن أيوب مخطئ هو أن «الله أعظم من الإنسان» (33: 12). ليس مجرد أنه أكثر قوة، بل أن خططه وأهدافه هي على مدى أوسع بما لا يقاس، كما أنها أكثر تعقيداً بما لا يمكن أن تتخيله عقولنا المحدودة. كما يقول إشعياء 55: 9 إن طرقه ليست كطرقنا. وأن أفكاره أعظم من أفكارنا. فيقول أليهو «إن مشكلتك يا أيوب هو أنك ترى الله كما لو أنه مجرد إنسان كبير أو عظيم، كما لو كان ليس أكثر من طاغية متقلب المزاج يتصرف دون منطق. إن مجرد عدم فهمنا في الحال للسبب الذي يجعله يتصرف بتلك الطريقة، لا يعني أنه لا يوجد سبب. فمجال الزمن الذي يعمل فيه الله وتوقيتاته واهتماماته هي أعظم منا بكثير، ونحتاج أن نتذكر ذلك دائماً».

مشكلة الألم

ثانياً، يتتبع هذا الخط من التفكير، يفترض أليهو منظوراً مختلفاً تماماً لفهم الألم. فبدلاً من النظر للوراء لمحاولة معرفة سبب الألم، وطرح سؤال: «هل هذا الألم يرجع إلى خطية أيوب أو إلى ظلم الله» (بينما الإجابة ليست بهذا ولا بذاك)، يفترض أليهو أنه ربما من الأصلح أن نتطلع إلى الأمام لمحاولة التعرف على الهدف من الألم. بمعنى آخر، إذا كان الله صالحاً وكلي القدرة، فما نحتاج أن نسأله هو، ما الخير الذي يمكن أن نناله بسماحة لنا بالألم بهذه الطريقة؟ والإجابة التي يقدمها أليهو، هي أن الألم هو جزء من أسلوب الله لتقويمنا، ولمنعنا من تخطي الحدود والخروج عن القضبان، والانتهاء في الجحيم، «ليحول الإنسان عن عمله ويكتم الكبرياء عن الرجل، ليمنع نفسه عن الحفرة وحياته من الزوال بحربة الموت» (33: 17-18). وفي عدد 19 يتحدث أليهو عن إنسان «يؤدب بالوجع على مضجعه». وبعد ذلك يقول إن الله «يفتح آذانهم للإنذار»، «ويفتح آذانهم في الضيق» (أو بحسب الترجمة الإنجليزية «يتحدث إليهم في ضيقهم») (36: 10، 15)، كان أيوب يشكو بالفعل من أن الله لا يتحدث إليه، لكن أليهو يفترض أنه يتكلم «لكن الله يتكلم مرة وباثنتين لا يلاحظ الإنسان» (33: 14)، وأنه يتكلم مع أيوب من خلال ألمه. أصر أصدقاء أيوب الآخرين على أن الله يجب التفكير فيه أساساً كقاض وديان، بينما أليهو كان يعتقد أنه يجب التفكير فيه كمعلم: «من مثله معلماً؟» (36: 22). بمعنى آخر أنها نظرة ضيقة للغاية أن نعتقد أن كل ألم هو قصاص. أفليس من الممكن أن تكون بعض الآلام هي تهذيب وتعليم من الله؟

منذ سنوات قليلة مضت، كانت هناك سلسلة برامج تلفزيونية وثائقية تدعى “Commando”، وكانت برامج تعنى بالتدريب الذي يؤدي في النهاية إلى تخريج مشاة للبحرية الملكية. كانت ببساطة برامج مرعبة! فالمشاهد العادي الذي لا يعرف شيئاً عما يحاول المدربون أن يحققوه، قد يتوصل إلى نتيجة تقول إنهم ببساطة يكرهون المجندين. فيرى المشاهد المدربون وهم يضربون هؤلاء الشباب المتجندين جسدياً ويصرخون فيهم، أثناء قيامهم بالعدو عبر البلاد لمسافة 20 ميلاً، وهم يحملون على ظهورهم نحو سبعين رطلاً من الأثقال. وحتى لو عانى أحد المتجندين من التواء في الكاحل، أو كسرت عظمة من عظامه، لم يكن يتطلب هذا الأمر أكثر من مجرد أخذ بعض الحبوب المسكنة! كان الأمر يبدو كله وكأنه نوع من التعذيب السادي. لكن يقوم المدربون عندها بشرح ما يأملون تحقيقه، وأن هذا هو السبب الذي يجعلهم يعرضون هؤلاء الشباب لمثل هذا النوع من النظام القاسي، وهو أنهم يرغبون في الحصول على أفضل نوعية ممكنة من الجنود، عالمين أن حياتهم وحياة الآخرين قد تعتمد تماماً على هذا التدريب الذي يتلقونه. فليس ما يشتركون فيه هو نعم من القصاص، بل التدريب والتعليم.

يعلمنا الكتاب المقدس أن هذا هو هدف الله لشعبه وأبنائه الذين يحبهم، من أمثال أيوب. والحقيقة أنه كلما كنا مفضلين أكثر، كلما استخدم الألم أكثر لتسوية الحواف الحادة في حياتنا وتهذيبنا، لكي يجعلنا أكثر اتضاعاً لكي نكون بالنوعية التي يريدنا عليها. فنحن جميعنا معرضون للكبرياء، فإذ نعتقد أننا نستطيع أن ندير حياتنا بأنفسنا، حتى كمسيحيين، نكون في بعض الأحيان شديدي العناد أو بطيئين في التعليم، حتى أننا لا نسمع بجديه ما يرغب الله في أ، يقوله لنا من خلال الكتاب المقدس. ولذلك يتحدث لنا الله من خلال “بوق الألم”، كما يعبر سي إس لويس عن ذلك، لكي يلفت انتباهنا. فمن خلال الألم نتذكر بحق أننا معتمدون على الله في كل نفس من أنفاسنا؛ وأن الحياة والصحة ليس حقوقاً لنا بل هبات وعطايا من الله، ولكننا نتذكر أيضاً أننا لا يجب أن نكون شديدي الانشغال بالعطايا حتى أننا ننسى واهبها. وفي بعض الأحيان نحتاج أن نصحح أفكارنا الخاطئة عن الله، كما فعل أيوب، فأيوب على الرغم من كل تقواه، أظهرت الأحداث الضعف الموجود في تفكيره، بأنه كان مستعداً لتبني فكرة أن الله غير عادل، لكن الألم قد كشف هذا الأمر لكي يتم تصحيحه.

يقول كاتب العبرانيين:

«إن كنتم تحتملون التأديب يعاملكم الله كالبنين. فأي ابن لا يؤدبه أبوه. ولكن إن كنتم بلا تأديب قد صار الجميع شركاء فيه فأنتم نغول لا بنون. ثم قد كان لنا آباء أجسادنا مؤدبين وكنا نهابهم. أفلا نخضع بالأولى جداً لأبي الأرواح فنحيا. لأن أولئك أدبونا أياماً قليلة حسب استحسانهم. وأما هذا فلأجل المنفعة لكي نشترك في قداسته. ولكن كل تأديب في الحاضر لا يرى أنه للفرح بل للحزن. وأما أخيراً فيعطي الذين يتدربون به ثمر بر للسلام» (عبرانيين 12: 7-11).

لا بد أن نعترف أن هذه الفكرة غريبة على الآذان الحديثة، بما فيها آذان المسيحيين. فنحن نعيش في ثقافة يتم فيها تقدير وتمجيد المتعة فوق كل شيء آخر، ويتم فيها تجنب الألم بأي ثمن. فنحن نتوقع أن كل شيء يجب أن يأتي إلينا بأكبر راحة ممكنة وبأقل تكلفة وتعب ممكن. والنتيجة هي أننا نتوقع حياة مسيحية سهلة. لكن الفكرة الثمينة للغاية بأن تكون لنا علاقة شخصية مع الله، والتي تستحق تعرضنا لبعض المتاعب للحصول عليها، تزعج الكثيرين من المسيحيين، كباراً وصغاراً.

فلماذا نضايق أنفسنا بالذهاب إلى الكنيسة كل أسبوع، ولماذا نزعج أنفسنا بالدراسة الجادة للكتاب المقدس، أو بالاستماع إلى عظة، ولماذا نتحمل تكلفة التلمذة أو الصلاة للعثور على طرق لخدمة الله في كنيسته، الأمر الذي يكلفنا الوقت والجهد؟ قد لا نعلن ذلك كثيراً، لكننا إذ ننظر حولنا في الكثير من كنائسنا اليوم، هذه هي الرسالة التي تأتي إلينا واضحة وعالية. في هذا النوع من الجو الثقافي، يمكننا أن نتوقع أكثر أن يقوم الله بهزنا لكي نخرج من رضانا عن أنفسنا ومن كبريائنا، بأن يضعنا في المطحنة. يمكننا أن نعبر عن هذا الأمر بأن نقول أن الله يريد أطفالاً مدللين يعتقدون أن الله مدين لهم، بل يريد أبناء محبين طائعين يثقون فيه مهما كان الثمن. والسؤال الآن هو: أي من النوعين سنكون؟

يمكننا أن نكون مثل الأبناء العابسين، وننعزل في غرفتنا، ونطور اتجاهات من الاستياء نحو الله بسبب الطريقة التي يعاملنا به، رافضين أن نفتح له الباب استجابة له وهو يقرع. يحذر أليهو أيوب من أنه معرض لخطر الوقوع في هذا الأمر: «احذر لا تلتفت إلى الإثم لأنك اخترت هذا على الذل» (36: 21). أو يمكننا أن نكون مثل الأبناء الطائعين الذين، بينما يقومون بالتعبير عن جرحهم وألمهم، يسألون في وسط الصعوبات، «يا رب، ما الذي تعلمني إياه من هذا الأمر؟»

الله في فقص الاتهام؟

لكن حتى هذا ليس كافياً بالنسبة لأيوب. فهو يريد أن يسمع الله، وهذا بالتحديد هو ما حدث، لكن ليس بالطريقة التي كان أيوب يرجوها: «من هذا الذي يظلم القضاء بكلام بلا معرفة. اشدد حقويك كرجل. فإني أسألك فتعلمني» (38: 2، 3). مثل الكثيرين من الناس اليوم، كان أيوب يتوقع من الله أن يجيب على أسئلة قليلة بشأن الطريقة المريعة التي يدير بها الله عالمه. فكان الله هو الذي يجب أن يوضع في قفص الاتهام بحسب رأي أيوب. لكن الموقف تحول إلى عكس ذلك تماماً، فأيوب هو الذي تم وضعه في قفص الاتهام، وطلب منه أن يجيب الله على قليل من الأسئلة، التي تجعل أمهر العقول توهن:

«أين كنت حين أسست الأرض. أخبر إن كان عندك فهم. ومن وضع قياسها. لأنك تعلم. أو من مد عليها مطماراً… هل في أيامك أمرت الصبح. هل عرفت الفجر موضعه… أدخلت خزائن الثلج أم أبصرت مخازن البرد التي أبقيتها لوقت الضر ليوم القتال والحرب… هل تربط أنت عقد الثريا أو تفك ربط الجبار… أترسل البروق فتذهب وتقول لك ها نحن…» (38: 4، 5، 12، 22، 31)

انهالت الأسئلة على أيوب الواحد تلو الآخر، «وماذا عن الحيوانات، هل توفر لها طعامها يا أيوب؟ هل لديك عقل كبير إلى الدرجة التي فيها يمكنك أن تخلق حيواناً غريباً مثل النعامة؟ هل تعتقد أنك شديد الحكمة يا أيوب، وأنني لا أفهم شيئاً؟» كان أيوب يريد لقاء مع الله كلي القدرة، وهذا تماماً ما حصل عليه.

لكن دفاع الله لم يكن تماماً ما توقعه أيوب. ففي أول وقفة، أجاب أيوب: «ها أنا حقير فماذا أجاوبك، وضعت يدي على فمي» (40: 4). في تلك الأيام لم يكن الهدف الأساسي للشخص المتورط في قضية في المحكمة أن يقنع القاضي ببراءته، بل أن يقنع المشتكي عليه، بحيث أنه يسحب قضيته ويعترف بهزيمته بوضع يده على فمه. وهذا هو ما حدث مع أيوب، فقضيته ضد الله قد انهارت مثل كومة من البطاقات.

لكن الله لم ينته بعد. «الآن شد حقويك كرجل، أسألك فتعلمني» (40: 7). ثم يأتي بعد ذلك السؤال القاسي الذي يكمن في قلب خطأ أيوب الفاحش وتمرده، وتمردنا نحن أيضاً:

«لعلك تناقض حكمي. تستذنبني لكي تتبرر أنت. هل لك ذراع كما لله وبصوت مثل صوته ترعد. تزين الآن بالجلال والعز والبس المجد والبهاء» (40: 8-10).

بمعنى آخر، يريد الله أن يقول لأيوب: «من تظن نفسك يا أيوب – هل أنت الله؟» فإن تعرض براءتك شيء، لكن أن تتصرف بكبرياء وتتهمني بالظلم، فهذا شيء آخر. فلكي تصدر حكماً سليماً على الله وما يفعله، لا بد أن تكون لك حكمة أكثر منه، ومعرفة أكبر مما لديك. لكنك لم تتمكن من الإجابة على سؤال واحد من أسئلتي، تلك الأسئلة التي أعرف أنا إجابتها جميعاً. ألم تفكر إذاً أنه يمكن أن تكون لدي الإجابة على سبب سماحي لك بالألم؟ فإن كنت لا تستطيع أن تفهم تعقيدات الخليقة التي يمكنك أن تراها، فهل يمكنك بأمانة أن تتوقع أن تفهم كل أسرار الألم المخفية؟ كلا بالطبع، فأنا الله وحدي الذي أستطيع ذلك».

فضلاً عن ذلك، لماذا نفترض أن الله مدين لنا بتفسير سبب سماحه لنا بالألم، أكثر مما ندين نحن له بتفسير سبب خلقه للنعامة؟ فرغم أننا قد لا نستطيع أن نفهم لماذا قام الله بتصميم وخلق طائر غريب مثل النعامة، فبلا شك أن لدى الله الكثير من الأسباب المقنعة لقيامه بذلك، رغم أنها معروفة له هو وحده. أليس من الممكن أن نقول نفس هذا الأمر عن الألم؟ بل الأكثر من ذلك، أليس من المنطقي أن نثق في الله الذي لديه كل من الحكمة والقدرة لخلق هذا الكون المذهل، حتى رغم عدم قدرتنا على فهم كل الأسباب والتفسيرات لما يحدث فيه؟

لقد أدرك أيوب أخيراً الخطأ الذي ارتكبه، فخطؤه، وخطؤنا. هو أن نظر أننا مطلعون على كل الحقائق، بينما الأمر ليس كذلك، وبذلك فإننا نقوم باستخلاص نتائج خاطئة من البيانات والمعطيات الخاطئة التي لدينا – بأن الله ليس صالحاً، أو أنه لا يهتم، أو أنه لا يتكلم، لكن يجب أن تكون استجابتنا مثل استجابة أيوب، ليس بأن نتكبر بعناد ونطلب أن يفسر الله لنا كل شيء، بل أن نتوب عن افتراضاتنا المسبقة بأننا نعرف أفضل من الله، ونسقط أمامه متعبدين لجلاله:

«قد علمت أنك تستطيع كل شيء ولا يعسر عليك أمر. فمن ذا الذي يخفي القضاء بلا معرفة. ولكني قد نطقت بما لم أفهم. بعجائب فوقي لم أعرفها… لذلك أرفض وأندم في التراب والرماد.» (أيوب 42: 2-3، 6).

لي صديق يدرس في جامعة كنت أخدم في كنيستها. عندما وصل إلى الجامعة لأول مرة هو وزوجته، لم يكونا مسيحيين. فكان في كثير من الأحيان يأتي ويتجادل معي حول سبب عدم قدرته على الإيمان – وفي كل مرة كنا نناقش كل البراهين، وفي إحدى المرات ذهبت إليهما لكي أراهما وأوضح لهما أن وقت المجادلات قد انتهى، فهما يعرفان أن المسيحية حق، وكانا يعرفان ما عليهما القيام به. كان الشعور بحضور الله في تلك الغرفة جلي ولا يمكن أن يخطئه أحد. وحوالي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، بعد أن تركتهما، قاما كليهما بتسليم حياتهما للمسيح.

بعد ذلك بقليل، حبلت زوجته، وفي يونيو تمت ولادة الطفل، لكنه توفي بعد أسبوع – فقد كان لديه عيب خلقي في القلب. ولك أن تتذكر أن هذين الزوجين قد أصبحا مسيحيين منذ عدة شهور فقط عندما حدث ذلك. قمت بمراسم الدفن التي كانت موجعة للقلب، إذ دخل التابوت الأبيض الصغير. كان يمكن لصديقاي أن يصرا أن لديهما الحق في معرفة السبب فيما حدث، وإذ لا يتلقيا إجابة، كان يمكنهما أن يلقيا بالإيمان خلف ظهرهما، لكنهما لم يفعلا، فقد عرفا أن الإجابة لن تتاح لهما.

فالزوج عالم أحياء، كان يعرف بالتأكيد عظمة خليقة الله، وبينما كان يحمل طفله بين ذراعيه لآخر مرة، كان يعرف معجزة الميلاد. ولكنهما إذ فكرا في معنى أن يفقدا ابنهما، كانت معرفتهما بأن الله هو أيضاً قد ابنه، هي التي صنعت الاختلاف. فمن وجهة نظر أولئك الذين كانوا يقفون حول الصليب، لم يكن للجلجثة معنى، لكن خطط الله كانت أعظم بما لا يقاس مما يمكن لأي إنسان أن يتخيل، كما أثبتت الأحداث بعد ذلك.

فهل كان هذان الزوجان المسيحيان الشابان يعرفان أن الله كان يحبهما ويحب طفلهما؟ نعم، كانا يعرفان ذلك. وهل كانا يعرفان أن الله لديه الأسباب لجعلهما يجتازان بمثل هذا الحزن العميق؟ نعم، كانا يعرفان، لكن لماذا؟ لأنه في يسوع كان لهما سبب أكثر من كاف لكي يثقا في الله الذي كان يعرف لماذا.

[1] إيلي ويلز، Night (Penguin، 1981).

الله يتكلم في مشكلة أيوب – مشكلة الشر

مشكلة الشر والألم في قصة أيوب – كيف نؤمن بإله المحبة في عالم الألم؟ – ميلفين تيينكر

مشكلة الشر والألم في قصة أيوب – كيف نؤمن بإله المحبة في عالم الألم؟ – ميلفين تيينكر

مشكلة الشر والألم في قصة أيوب – كيف نؤمن بإله المحبة في عالم الألم؟ – ميلفين تيينكر

مشكلة الشر والألم في قصة أيوب – كيف نؤمن بإله المحبة في عالم الألم؟ – ميلفين تيينكر

ماذا يحدث؟

أيوب 1-3

في كتابه الذي يتغلغل عبر الكتاب المقدس، والمفيد رعوياً، [1]How Long o Lord?، يروي دي إيه كارسون القصة الحقيقية لمؤمنة اشتركت في عمل مسيحي شديد الصعوبة في أمريكا اللاتينية. وكانت هذه المرأة مملوءة بالحب للرب يسوع، وتدفعها غيرة شديدة نحوه. وفي عودتها إلى وطنها في الولايات المتحدة، كان مستقبلها يبدو مبشراً للغاية. وإذ تزوجت بأحد خريجي معهد الكتاب المقدس، وهو رجل عرفته على مدى عدة سنين، شرعت في العودة إلى حقل الإرسالية معه.

ولكنها بعد أن تزوجت منه بعدة ساعات، بدأت تساورها الشكوك في أنها قد تزوجت في الحقيقة من وحش. فقد ظهر سريعاً أنه شخص عنيف يفتقر إلى الشعور بالأمان، وبينما كان علنياً يتمتع بغطاء من الاحترام الديني، فإنه في البيت لم يكن يستطيع الحياة إلى مع نفسه بأن يقلل من أي شيء تقوله زوجته أو تفعله. وقد بدأ ذلك في أكثر أشكال الإرهاب نفسي خبثاً، ثم تطور بعد ذلك إلى وحشية جسدية، وقد عرف مجلس إدارة الإرسالية هذه الأمر سريعاً ورفض أن يرسلهما.

وبمرور السنين ساء الوضع أكثر، وحاولت المرأة التحدث مع أصدقاء ومشيرين، والذي جاء بعضهم ببساطة إلى جانب الزوج، وأخبروها أن تحاول أكثر. وفي النهاية اتجهت المرأة إلى الخمور، وبعد عامين أصبحت مدمنة للكحول، ووجدت نفسها تتعامل بوحشية مع طفليها، فكرت نفسها وكرهت زوجها وكرهت الله نفسه. وكانت صرختها «لماذا يا رب؟» فهي لم تفعل شيئاً لتستحق ذلك. كانت تعلم أنها غير كاملة، ولكنها كانت مسيحية مكرسة للرب. فماذا كان يمكن أن يكون السبب في إلقائها في هذا الجحيم الحي؟ إن هذا الأمر غير منطقي.

لا بد أن نعترف أن مثل هذا الألم ليس منطقياً. فيمكننا أن نرى ارتباطاً بين أشكال معينة من السلوك وبين الألم الذي ينتج عنها، مثلاً، العلاقة بين النجاسة الجنسية والأمراض التناسلية. لكن ما الرابطة الممكن تواجدها من ناحية الاستحقاق مثلاً، لتعليل الأعمال الوحشية المروعة التي وقعت على القوميات في حروب مختلفة؟ فعندما نتأمل في محرقة الهولوكوست بكل شرها البشع، هل يمكننا بأمانة أن نصدق أن كل هؤلاء الأطفال الذين عذبهم النازيون لم يكونوا حقيقة “متألمين أبرياء”؟ أو ما حدث للأرمن على يد الأتراك، ألم يكن هناك كثير من الأبرياء المتألمين والمصابين والضحايا.

هناك سفر واحد في الكتاب المقدس، الذي ربما أكثر من غيره يصارع مع مشكلة آلام البريء، وهذا السفر هو سفر أيوب. فعلى هذه الصفحات يثير الكاتب بصدق ملحوظ السؤال المحير الذي يتردد على ألسنة الكثيرين: لماذا يتألم الأتقياء؟

فلنكن مكان أيوب

إذا كنا نريد أن نسمح للناتج العاطفي الكامل لهذه القصيدة أن يؤثر فينا، فيجب أن نحاول أن نضع أنفسنا مكان أيوب، لكي نتعاطف بطريقة واقعية تماماً مع الصرخات القلبية التي تثيرها آلامه ومعاناته غير العادلة.

في أول أصحاحين من هذا السفر يتم تقديم شخصية أيوب. فنجد أنه يعيش في وقت كانت تقاس فيه ثروة الإنسان ليس بحجم ما يمتلكه في البنوك، بل بحجم قطعانه. وهذا يضعه في فترة الآباء العبرانيين، مثل إبراهيم واسحق ويعقوب. لكن أيوب لم يكن فقط مجرد رجل ثري، وربما كان أغنى إنسان عاش على الأرض بحسب عدد 3، ولكنه كان رجل تقي كذلك. فنقرأ أنه كان يخاف الله ويحيد عن الشر. وقد ظهرت تقواه الشخصية العميقة بعدة طرق، ليس أقلها اهتمامه القلبي العميق بالخير الروحي لأبنائه. ففي العددين 4-5 نقرأ أنه خوفاً من أن يكون أحد أبنائه قد تصرف بطريقة قد تغضب الله فتجلب عليهم دينونته، كان أيوب يقدم ذبائح خطية نيابة عنهم إلى الله. ولم تكن هذه مرة عابرة، ولكنها كان عادة لديه:

«وكان بنوه يذهبون ويعملون وليمة في بيت كل واحد منهم في يومه ويرسلون ويستدعون أخواتهم الثلاثة ليأكلن ويشربن معهم. وكان لما دارت أيام الوليمة أن أيوب أرسل فقدسهم وبكر في الغد وأصعد محرقات على عددهم كلهم. لأن أيوب قال ربما أخطأ بني وجدفوا على الله في قلوبهم. هكذا كان أيوب يفعل كل الأيام». (أيوب 1: 4-5).

يمكن أن يوصف أيوب في يومنا هذا بأنه مسيحي مكرس، وأنه شخص يتغلغل إيمانه في كل مناطق حياته.

ولكي نمنع أي شك قد يرد إلى أذهاننا من أن هذه الثروة قد كسبها بالتزوير أو الخداع، يوضح الكتاب منذ البداية أن أيوب كان «رجل كامل مستقيم» (1: 8)، بكلمات أخرى، كان شخصيته الأخلاقية بلا لوم. فلدينا هنا رجل متعبد ومخلص لله، أمين، ورجل أعمال مجتهد، كما أنه زوج محب وأب طيب القلب. ويبدو أن أيوب كان شديد الصلاح عن أن يكون شخصية حقيقية! لكننا كما سنرى، كان أيوب من الأشخاص نادري الوجود، من فئة خاصة، فقد كان رجلاً تقياً بالفعل. فأي شر يمكن أن يحدث له؟

لم يفعل أيوب شيئاً يتطلب تغييراً في أسلوب حياته. فعلاقته بالله لم يكن من الممكن أن تكون أفضل من ذلك. فلم تكن هناك دروس واضحة يحتاج أن يتعلمها أو خطايا تحتاج إلى تقويم، كما أنه من الصعب للغاية أن نرى كيف كان يمكن أن يتحسن. بل قد يقول البعض «بالتأكيد كون المرء أميناً لله يأتي معه ببركات ومزايا – مثل حياة طيبة آمنه، أليس كذلك؟»

خلف المشهد

في أيوب 1: 6، يتم رفع الستار الواقع المرئي للحظة لتوصيل للقارئ لمحة مما يحدث في العالم الروحي غير المرئي، حيث، خلف المشهد، يحدث رهان بين الله وإبليس، الشيطان، الذي يعني اسمه “المشتكي على شعب الله“. ومثل المحامي الحقود أو رجل الشرطة الفاسد الذي يتمتع باتهام البريء، كان إبليس يبحث عن شخص يجره أمام كرس قضاء الله لكي يدينه.

فعندما قال الله للشيطان: «من أين جئت؟» أجاب إبليس: «من الجولان في الأرض ومن التمشي فيها». وعندما سأله الله: «هل جعلت قلبك على عبدي أيوب لأنه ليس مثله في الأرض. رجل كامل ومستقيم يتقي الله ويحيد عن الشر». أجابه الشيطان: «هل مجاناً يتقي أيوب الله، أليس أنك سيجت حوله وحول بيته وحول كل ما له من كل ناحية…»، فالسبب الوحيد الذي يجعل أيوب يعيش بهذه التقوى أنه يعرف ما سيجنيه من خلف ذلك، فعلى أية حال، كل إنسان يعرف أن الدين ليس إلا اهتمام مستنير بالذات. آمن بالله، وكن صالحاً، وستذهب إلى السماء! أما إذا كنت شريراً فستذهب إلى الجحيم. والحقيقة أنك يمكن أن تضيع كل ظروفه الحسنة هذه التي وفرتها له. فأي إنسان يمكن أن يكون تقياً إذا توفرت له مثل هذه الظروف السهلة والغنية في الحياة، فالدين ليس سوى رفاهية بالنسبة للأثرياء الموسورين، من الطبقات العليا أو المتوسطة. لكن دع أيوب يذق طعم الحاجة والعوز، وستعرف سريعاً أين تكمن محبته. كان هذا هو تهكم وشكاية إبليس تجاه عدد لا حصر له من البشر عبر العصور.

وبالتالي، يتحدى ابليس الله: «ولكن ابسط يدك الآن ومس كل ما له فإنه في وجهك يجدف عليك». (ع 11)، ورغم أن رد الفعل قد يثير الصدمة، إلا أن الله قبل التحدي، وسمح لإبليس فعلياً أن يفعل أسوأ ما يمكنه – على شرط واحد – ألا يؤذي أيوب نفسه: «فقال الرب للشيطان هوذا كل ما له في يدك. وإنما إليه لا تمد يدك» (ع 12).

عالم ينهار

هذا بالضبط هو ما حدث. فقد وقع كل ما يمكن أن يعتبر كابوساً صارخاً، ودمرت حياة أيوب بالكامل. أولاً، فقد أيوب ثروته بفعل الغزاة الناهبين. فضاعت ثيرانه المطلوبة للزراعة، وفقد حميره وجماله التي كان يحتاجها للنقل، وكل عماله قتلوا (العددان 14-15). فتهدمت إمبراطورتيه المالية كلها. وبينما كان يعزي نفسه، إذ يفكر أنه رغم سوء الأمور، يمكنه أن ينجح في كسب عيشه مجدداً بقليل من الخراف التي بقيت، وصلته أخبار أخر بأن هذه أيضاً قد هلكت، ليس بفعل إنسان غاز هذه المرة، بل بفعل إلهي: «نار الله سقطت من السماء فأحرقت الغنم والغلمان وأكلتهم» (ع16). ربما كان هذا نتيجة ثورة بركان! أو عاصفة من السماء، وبينما كان لا يزال يفيق من صدمة أمواج الكوارث الاقتصادية، جاءت إلى مسامعه أخبار أبشع في صورة مأساة شخصية أعظم – فقد جاءت عاصفة وحصدت أرواح أبناءه الأحباء كلهم (العددان 18-19).

كيف كان يمكننا أن نستجيب لكل هذه الكوارث؟

لكن هكذا كانت استجابة أيوب:

«فقام أيوب ومزق جبته وجز شعر رأسه وخر على الأرض وسجد وقال: عرياناً خرجت من بطن أمي وعرياناً أعود إلى هناك. الرب أعطى والرب أخذ فليكن اسم الرب مباركاً».

ثم نقرأ بعد ذلك: «في كل هذا لم يخطئ أيوب ولم ينسب لله جهالة».

ألا يكفي ذلك؟

قد تعتقد أن هذا يكفي أن يحتمله أي إنسان. لكن يبدو أن الله كان يفكر بطريقة مختلفة. إذ عندما يرفع الستار مرة أخرى في الأصحاح الثاني، نجد أنفسنا في الساحة السماوية مرة أخرى، لكي نكتشف أن الرهان أخذ خطوة أخرى أعمق. فالشيطان، إذ كان لا يزال غير مقتنع أنه لا يوجد أساس أو دافع لإيمان أيوب، يستمر في تحديه في العددين 4 -5: «جلد بجلد وكل ما للإنسان يعطيه لأجل نفسه. ولكن ابسط الآن يدك ومس عظمه ولحمه فإنه في وجهك يجدف عليك». بكلمات أخرى: «ادخل إلى ما تحت جلده، ودعه يشعر بنوع من الألم الجسدي، ودعه يعتقد أن حياته هو نفسه مهددة. ثم راقبه وهو يكشف عن وجهه الحقيقي».

وهكذا أصيب أيوب بقروج رديئة وآلام مبرحة، حتى أن زوجته إذ وجدت انه من غير المحتمل أن تراه، حثت أيوب على أن يقتل نفسه عن عمد وأن يلعن الله (ع9). وحتى أيوب نفسه تمنى لو لم يكن قد ولد، تلك الصرخة التي وصلت إلى الذروة في أيوب 3: 11:

«لِم لم أمت من الرحم. عندما خرجت من البطل لِم لم أسلم الروح. لماذا أعانتني الركب ولم الثدي حتى أرضع. لأني قد كنت الآن مضطجعاً ساكناً. حينئذ كنت نمت مستريحاً مع ملوك ومشيري الأرض الذي بنوا أهراماً لأنفسهم أو مع رؤساء لهم ذهب المالئين بيوتهم فضة».

لقد كان أيوب شديد التشوه والدمار، حتى أن أصدقاءه أليفاز وبلدد وصوفر عندما جاءوا لتعزيته. بالكاد تعرفوا عليه، وانفجروا في بكاء هستيري (2: 11-13). فها هو رجل يجتاز في آلام وعذاب لا يحتمل، والذي اشتد، ولم يحف، بإيمانه بالله. لأنه لو لم يكن يؤمن بالله لكان يعزيه بعض الشيء أن يعرف بأن كل هذا محض صدفة، دون أن يكون هناك شخص يلقي باللوم عليه. لكن أن يؤمن بالله، وبإله صالح وكلي القدرة في هذه الظروف، كان هذا الإيمان يبدو وكأنه يطير في وجه محنته الحالية. فكيف يمكن لمثل هذا الإله أن يسمح بحدوث ذلك؟

في هذه الأصحاحات الافتتاحية لسفر أيوب، توجد ثلاث دروس يصر الكاتب على أن نتعلمها إذا كنا نرغب في أن نتقدم وننمو في التكيف مع مشكلة الألم بالنسبة للبريء.

من المسؤول؟

الدرس الأول هو أن الله هو الذي له السيادة على الألم: أنه بصورة غامضة لا نستطيع أن نفهمها، يقع الألم داخل سلطان الله المطلق.

واحدة من الطرق التي يحاول بها بعض الناس أن يحلوا مشكلة الشر هي أن يصبحوا ما يطلق عليه “ثنائيين”. وهذه الفكرة تفترض أن هناك قوتان متساويتان ومتعارضتان تحاربان بعضهما البعض في هذا العالم – أي قوة الخير وقوة الشر، الله وإبليس. فكل الخير الذي يحدث يرجع إلى الله، وكل الشر الذي يحدث يرجع إلى الشيطان. والنتيجة هي أن الله لا يتحمل أية مسؤولية عن الألم لأنه ليس في الحقيقة خطأ يرجع إليه هو، بل يلقي اللوم على الشيطان. من الناحية الفلسفية، تمثل هذه النظرة الديانة القديمة التي كان يطلق عليها الزرادشتية، وشعبياً “حرب النجوم”. لكن بعض المسيحيين تبنوا هذا الفكر أيضاً.

منذ عدة سنوات مضت زرت مجموعة مسيحية شطح خيالها بهذا النوع من التفكير. فوقف أحد أعضائها وقال إنه فقد مفاتيح سيارته وأن هذه حرب من إبليس. ووقف آخر يقول إن لديه جيران مزعجون، وأن هذه أيضاً حرب من إبليس. ووقف ثالث وكان لديه قرحة، وهذا أيضاً قال إن هذه حرب من إبليس. هؤلاء الناس لم يكن من الممكن أن يصابوا بالبرد دون أن يحولوا الأمر إلى حرب روحية عظيمة!

يمكن أن تكون مثل هذه الفكرة مناسبة وبسيطة، ولكن تكلفتها اللاهوتية باهظة للغاية. فبهذه الفكرة يكون لدينا إله محدود، وإله معتمد بالكامل على تحركات خصمه الشيطان. بل ربما في يوم ما يتفوق عليه الشيطان، وعندها أين يمكن أن نكون؟ لكن الكتاب المقدس، وخاصة سفر أيوب، لا يسمح لنا بأن نؤمن بمثل هذه الترهات.

بل بدلاً من ذلك، يقدم لنا الكتاب المقدس إلهاُ كل السيادة والسلطان، وكل الأمور تحت سيطرته الكاملة. على الرغم من وجود إبليس، فإنه لا يتم تصويره كإله ثان، بل كمخلوق لديه قوى لا يستهان بها، ولديه القدرة على استخدام هذه القوى، لكن فقط بسماح من الله. بالطبع يمكن أن نُرجع مصائب أيوب إلى عمل إبليس، إلا أنها يمكن أيضاً أن ترجع إلى عمل الغزاة والفيروسات. يطلق على هذا السبب المزدوج أو الفهم المتزامن. إلا أن كل هذه الأمور ما كان يمكن أن تحدث لو لم يسمح الله بحدوثها. ففي أيوب 1: 11، تحدى الشيطان الله بأن يمد يده إلى أيوب، لكن الله هو الذي وضع القوة في يدي الشيطان! كما أن أيوب أيضاً كان يدرك سلطان وسيادة الله، مثلاً في 2: 10، عندما قال لزوجته: «أالخير نقبل من عند الله والشر لا نقبل؟»

من وجهة نظر واحدة، معرفة هذا الأمر يجعل الأمور أسوأ، لأنه يدفعنا للسؤال «لماذا؟»، لماذا يجب على إله صالح أن يقر أو يسمح بهذه الأمور إذا كانت لديه القدرة على منعها؟ لكن من ناحية أخرى، يقدم لنا هذا الفهم رجاءً. لأنه إذا كان الله صالحاً (وهو كذلك بالفعل)، فيمكننا أن نؤمن أن هناك سبب ما للخير وراء ما يحدث، رغم أنه قد لا يكون معروف لنا في ذلك الوقت. والأكثر من ذلك، إذا كان الله كلي القدرة (وهو كذلك بالتأكيد)، فهناك رجاء في أن لديه القدرة على أن يخفف من آلامنا، أو على الأقل أن يمدنا بالنعمة لكي نتحملها ونتكيف معها. إن الرسالة التي تأتي إلينا بقوة ووضوح هي أن الله، وليس إبليس، هو الذي يحكم ويسود.

 

 

تكلم وأفصح عن مشاعرك

الدرس الثاني الذي نحتاج أن نتعلمه من هذا الاستعراض، هو أن الله لا يلومنا إذا عبرنا عن مشاعرنا له في آلامنا، وإذا صرخنا إليه، بل حتى إذا صرخنا في وجهه عند الضرورة، وبذلك نفضي أليه بحمل مشاعرنا وآلامنا. وهذا هو ما فعله أيوب في الاًصحاح الثالث.

فبعد رد الفعل السلبي نسبياً لأخبار موت أبنائه – وهو الأمر الغالب في حالة الحزن على فقد الأحباء، إذ يشعر الفرد بالصدمة وعدم التصديق، وهو جزء من الآلية الجسدية الطبيعية للتكيف – يتبع ذلك الانفجار العاطفي العميق. فرغم أن أيوب لم يخطئ بأن يلعن الله، إلا أنه لم يتردد في أن يلعن ويسب اليوم الذي ولد فيه. لقد كان شديد الحزن حتى أنه شعر أنه لا بد وأن يخبر أحداً، ومن يمكنه أن يخبر أفضل من الله؟ لذلك فمن الأمور المهمة ألا يقوم الأشخاص الذين يجتازون بآلام شديدة بكبت مشاعرهم، لأنهم إذا فعلوا ذلك، فإن كل هذه الطاقة سيتم دفعها وكبتها داخل العقل الباطن، لكي تُظهر نفسها بعد ذلك، سواء في صورة اكتئاب أو ضغط عصبي. فمن الأفضل كثيراً أن ندع الحزن يخرج ونعبر عنه. وهذا هو السبب في أنني أشدد على الشخص الذي يكون قد اجتاز مؤخراً في حالة فقد لأحد الأحباء، أنه في خدمة الدفن من السليم أن يظهر ويعبر عن كيفية شعوره – ومن المقبول أن نبكي. فلا توجد فضيلة في تصليب الشفتين والامتناع عن البكاء. كما أنه ليس من السليم أن نقول، «لم تذرف دمعة واحدة في الجنازة؟» لأنها لم تظهر أية عواطف. لكن هذا ليس تكيفاً، ولكنه إنكار، لكننا جميعاً نحتاج أن نعبر بحرية عن حزننا لكي نتمكن من التحرك للأمام تجاه الشفاء. والله يحترم ذلك، بل أنه يوافق عليه. فكما سنرى في الأصحاحات التالية، لم يوبخ الله أيوب لتعبيره عن شكوكه أو غضبه.

كثيرون يعرفون قصة الكتاب المسيحي سي إس لويس الذي تزوج من جوي ديفيدمان، كما تم تصوير ذلك في فيلم Shadowlands. وقد توفت جوي ديفيدمان متأثرة بالسرطان، تاركة وراءها ابنين صغيرين. وفي رواية صريح للغاية، دون لويس مشاعره بعد موت زوجته، والتي نقرأها في كتابه “A Grief Observed”[2]. ومثل أيوب، يواجه لويس حزنه ويجادل مع نفسه ومع الله حول كيفية شعوره، فيكتب:

«الليلة، كل جحيم بركان الحزن الحديث قد انفتح مرة أخرى؛ الكلمات الغاضبة، الاستياء المرير، انقباض المعدة، الوهم المرعب، التمرغ في البكاء. وفي هذه الأثناء أتساءل أين الله؟ إن هذه الأعراض والمشاعر شديدة الثورة. عندما تكون سعيداً… وترد له كلمات الامتنان والشكر، فإنك تشعر أنه يرحب بك – أو هكذا تشعر – بذراعين مفتوحتين. لكن اذهب إليه عندما تشعر بالاحتياج واليأس، عندما تبطل أية معونة أخرى، فماذا ستجد؟ باب مغلق في وجهك، وصوت مزلاج الباب وهو يوصد مرة ومرتين من الداخل، ثم بعد ذلك صمت رهيب».

كان هذا تعبير صادق للغاية عن تجربته. وربما نتذكر جيداً شخصاً آخر اجتاز اختباراً مشابهاً وهو على الصليب عندما صرخ: «إلهي إلهي لماذا تركتني». فيمكننا، بل يجب علينا أن نعبر عن حزننا.

حل اللغز

وأخيراً، لا نزال نحتاج أن ندرك أن هناك عنصر لا يمكن أن يحل من اللغز. فقد صرخ أيوب «لماذا؟»، «لماذا لم أهلك منذ الولادة؟ لماذا لم أمت عند ولادتي، ولماذا يرى البؤساء النور؟» لكن أيوب لم يحظ بأية إجابة، وبينما يُسمح لنا نحن كقراء أن نرى ما يحدث في السماء، فأيوب لم تكن لديه هذه الرؤية. فهو لم يدرك أبداً النقاش الذي دار بين الله وبين إبليس. وهذا أمر مهم، لأن واحداً من الدروس التي يعلمنا إياها هذا السفر الكتابي هي الحاجة إلى أن نثق في الله في المواقف التي لا نعرف فيها لماذا تحدث أمور معينة. لكن لنقل إن هذا الإيمان ليس إيماناً أعمى، فقد عرف أيوب عن الله، وكانت لديه أسباب لكي يؤمن أن الله كلي القدرة وكلي الصلاح، ويتم تذكيره بهذه الأمور فيما بعد عندما يلتقي بالله، كما يوصف ذلك في الأصحاحات 38-42. ولذلك، على الرغم من أن أيوب لم يعرف لماذا كانت هذه الأمور تحدث معه، فإنه كان يعرف الله بما يكفي لكي يثق في الإله الذي يعرف السبب. إن حقيقة أن أيوب لم يحصل على إجابة لم توقفه عن السؤال، كما لا يجب أن توقفنا نحن كذلك.

إن ما كان أيوب يختبره هو لغز غامض، ومع ذلك فقد استمر في الثقة في الله.

ولا بد أن نعترف أننا إذا استطعنا أن نرى أن هناك نتيجة جيدة للألم، فسوف يساعدنا ذلك على تحمله بصورة أفضل – مثل المرأة التي تمر بأوجاع الولادة مثلاً. ولكن في الحياة المسيحية، لا يسمح لنا دائماً أن نعرف السبب في آلامنا. ولكننا لا نزال مدعوين أن نثق في الله الذي يعرف السبب. دعوني أقدم لكم مثال فعلي.

في بلدة صغيرة في استراليا، كان هناك امرأة مسيحية مشلولة بسبب التهاب المفاصل، وكان جسدها يئن باستمرار تحت وطأة الألم. إحدى جيرانها التي كانت تعيش على بعد عدة منازل في نهاية شارعها، علمت بهذا الأمر، وقد أذهلتها الطريقة الجميلة التي تكيفت بها مع هذا الألم، فلم تكن تشكو، وكانت دائماً إيجابية. وقد بهرها هذا الأمر للغاية حتى أنها قررت أن تذهب إلى الكنيسة التي ترتادها تلك المرأة لكي تكشف المزيد عن الإيمان الذي استطاع أن يصنع هذا الفارق في حياتها. وأخيراً صارت مسيحية، ثم بدأت بعد ذلك تأخذ ابنها الصغير إلى الكنيسة، وهو كذلك أصبح مسيحياً. واليوم أصبح هذا الابن واحداً من أفضل علماء العهد الجديد في العالم ونموذج للرجل المسيح الحقيقي. إنني واثق أننا إذا كنا قد تمكنا من قول ذلك لتلك المرأة «استمري، وتحملي آلامك لأنها ستكون شهادة حية حتى أن شاباً استطاع أن يتغير ويتجدد من خلالها، وسوف يستخدمه الله بقوة للتأثير على آلاف من الخدام في كل أنحاء العالم»، فإن هذا الكلام كان سيجعل آلامها بلا شك أيسر في الاحتمال. ولكنها لم تعرف أياً من ذلك. كل ما استطاعت أن تفعله هو أن تثق في الله.

إن كل ما استطاع أيوب أن يفعله، وربما كل ما يمكننا نحن أيضاً أن نفعله، وفي وجه الأسئلة التي لا إجابة عليها، وهو أن نثق في الله الذي نعرف أنه ذاق قلب الألم في شخص ابنه الحبيب، يسوع المسيح.

[1] دي إيه كارسون، How Long o Lord? (IVP، 1990).

[2] سي إس لويس A Grief Observed (Fount، 1962).

كيف نؤمن بإله المحبة في عالم الألم؟ – ميلفين تيينكر

كيف نؤمن بإله المحبة في عالم الألم؟ – ميلفين تيينكر

الصورة الكبيرة – كيف نؤمن بإله المحبة في عالم الألم؟ – ميلفين تيينكر

الصورة الكبيرة – كيف نؤمن بإله المحبة في عالم الألم؟ – ميلفين تيينكر

في الأول من نوفمبر عام 1755، ابتليت لشبونة بزلزال مدمر، وحيث أنه كان عيد جميع القديسين، فقد كان الكنائس ممتلئة عن آخرها، وتم تدمير ثلاثين كنيسة. وخلال ست دقائق فقط، مات 15000 شخص، وكان هناك 15000 آخرين يحتضرون، كان هذا في القرن الثامن عشر يعادل القنبلة النووية، ولكنه ليس نتيجة تجبر البشر.

واحد من المفكرين الكثيرين الذين أرعبهم هذا الحدث، كان الفيلسوف الفرنسي فولتير. وكانت صرخته بكل بساطة: كيف يمكن لأي إنسان أن يؤمن بإله محسن، محب وكلي القدرة بعد ما حدث؟ فما كان منه إلا أن تعامل باحتقار مع كلمات بابا الإسكندرية المكتوبة في “مقال عن الإنسان”، والتي كتبها في فيلته المريحة في توبكينهام:

«على الرغم من كبرياء الإنسان، وعلى الرغم من خطأ عقل الإنسان وقصوره عن الفهم، هناك حقيقة واحدة واضحة، وهي أن مهما كان ما يحدث فهو صحيح».

كان هذا بالنسبة لفولتير هو التعبير الشعري الفج عن فلسفة التفاؤل – وهي الفلسفة التي خلال 150 عاماً بعد ذلك، ربما بشك مختلف، هي نفسها التي تم تمزيقها على شكل شرائط على هيئة أجساد الشباب الذي ماتوا في معارك السوم والباشينديل. وفي اعتراضه، شجب فولتير مثل هذا التفاؤل في كتابه Poem on Disaster of Lisbon، والذي كان يطرح السؤال: إن كان الله حراً وعادلاً ومحسناً، فلماذا نتألم تحت حكمه؟ وفيما بعد وجدت أفكار مشابهة تعبيراً عنها في الرواية الساخرة Candide، حيث نجد فيها المعلم د. بانجلوس، وهو أستاذ في التفاؤل، يؤكد بتملق أن: «كل شيء هو لأجل الخير حيث أننا نعيش في أفضل العوالم الممكنة.» وبعد ذلك، بعد العديد من الكوارث الأخرى، وخاصة بعد إعدام د. بانجلوس بواسطة محاكم التفتيش، يكتب فولتير أنه هو «ينزف في رعب وصمت، يقول لنفسه: “إذا كان هذا هو أفضل العوالم الممكنة، فماذا يمكن أن تكون البقية؟”»

رغم أنه لا الكتاب المقدس نفسه، ولا أي لاهوت مسيحي مؤسس على الكتاب المقدس يدعى على الإطلاق أن العالم الذي نعيش فيه هو أفضل العوالم الممكنة، فإن المرء يجب على الأقل أن يتعاطف مع المشاعر التي ينادي بها فولتير. أي أنه يوجد تناقض واضح بين الإيمان بإله كلي القدرة والمحبة، وبين حقيقة الألم التي تعتبر شراً. لذلك، فمن الشائع أن نتحدث عن “مشكلة الألم”.

ومع ذلك، يجب أن نوضح منذ البداية أنه بالنسبة للملحد أو للمادي المتزمت، لا توجد مشكلة في الشر، حيث أن الشر والألم لا يعتبران ضد معتقداته. وهذا لأن آلام الملحد أو المادي هي مجرد حقيقة من حقائق الوجود، فهي من معطيات الوجود مثل حمرة اللون الأحمر أو بلل المياه. قد تكون المشكلة بالنسبة للملحد هو أنه سيكون عليه أن يتكيف، مثل بقيتنا، مع بؤس الألم أو الصراع ضد تهديد الإبادة، والذي سيجعل كل موجوداته بلا معنى في النهاية. لكن فيما يختص بنظام معتقداته، لا تعتبر مشكلة الألم مهمة في حد ذاتها.

صياغة المعضلة

لكن بالنسبة للمسيحين يشكل الألم والشر مشكلة فعليه بحسب معتقدات المسيحي. لذلك يكتب ماكلوسكي: «الشر مشكلة بالنسبة للمؤمن حيث أن هناك تناقض بين حقيقة وجود الشر من ناحية، والاعتقاد بقدرة الله الكلية من ناحية أخرى»[1].

أو يمكن صياغة المشكلة في شكل معضلة، كما صاغها جون هايك: «إذا كان الله كلي المحبة والصلاح، فلا بد أن يرغب في إزالة الشر. وإذا كان الله كلي القدرة، فلا بد أن يقدر على إزالة الشر. لكن الشر موجود، ولذلك، فلا يمكن أن يكون الله كلي الصلاح وكلي القدرة معاً»[2].

حتى لو كانت بعض من المصطلحات التي يستخدمها هايك هنا، مثل “الصلاح”، يجب أن يتم تمييزها عن اللطف والرقة، وأن تتضمن، كما يصر الكتاب المقدس على ذلك، غضب الله البار ضد الخطأ؛ وحتى لو تم تعريف مصطلح “كلي القدرة”، بأنه لا يتضمن القدرة على فعل ما هو مناقض لذاته – بتمييز ذلك عن التناقضات (مثال على ذلك، هل يمكن لله أن يخلق صخرة شديدة الضخامة بحيث يعجز عن إزالتها؟) – إلا أننا يجب أن نعترف بأمانة أنه لأول وهلة، هناك معضلة نحتاج إلى التعامل معها.

لذلك دعونا نركز على هذه الصياغة الخاصة للمعضلة: إذا كان الله صالحاً، فلا بد أنه يرغب في إزالة الشر؛ وإذا كان كلي القدرة فلا بد أن يتمكن من إزالته. لكن الشر موجود، وهكذا فإنه لا يستطيع أن يكون كلي الصلاح أو كلي القدرة.

إذا فكرنا لدقيقة في هذا اللغز، سنجد أنه يكشف سريعاً عن أمرين تفترضهما هذه المعضلة لكي تكون فعالة. الافتراض الأول هو أنه إذا كان الله صالحاً وكلي القدرة، فلا بد أن يرغب في إزالة الشر الآن. أو على الأقل فإن هذا يطرح الأسئلة، لماذا لم يزله قبل ذلك، أو لماذا سمح بمجيئه في المقام الأول. أما الافتراض الثاني فهو أنه لا بد أن يفعل ذلك بطريقة فورية وشاملة، ربما عن طريق إجراء إلهي. بكلمات أخرى، يوجد في بنية الصياغة توقيت ووسيلة للقيام بهذا الأمر.

لكن ماذا إن أمكن إظهار، ولو مؤقتاً، أن الله لن يقوم فقط بالتعامل مع الشر في نقطة ما في المستقبل. ولكن أيضاً بطريقة ما سيقوم “بفداء” آثاره بوسيلة لا يكن أن نفكر فيها، وبطريقة تحوله إلى ما خير؟ الأكثر من ذلك، ماذا لو أمكن إظهار أن الله قد قام بالفعل بأمر ما للتعامل مع الشر؟ وبذلك فإن جزءًا، لكن بالتأكيد، ليس كل قوة المعضلة، يزال منها. وهكذا يحف التوتر، ولكنه لن يحسم بالكامل.

حلول بسيطة

توجد بالفعل بعض الحلول البسيطة للمعضلة، والتي تتضمن في الأساس إزالة واحد أو أكثر من عناصر الإيمان، وهكذا تكف عن أن تكون معضلة على الإطلاق.

فيمكن للمرء أن ينكر وجود الشر أو الألم، وينظر لهما باعتبارهما “تخيلات” أو أوهام – ويمكن للثيرافادا البوذية أو بدعة العلوم المسيحية أن يصلحا كمثال هنا. فيمكن للمرء أن ينكر أن الله كلي القدرة كلما فعل اللاهوتي التجريبي ديفيد جريفين، الذي ذكر بكل وقاحة أن حل هذه المعضلة هو «بإنكار عقيدة أن الله كلي القدرة، التي هي أساس المعضلة»[3]. أو ثالثاً، يمكن للمرء أن ينكر صلاح الله، وهي نظرة تبناها جيداً آرتشيبالد ماكليش في مسرحيته JB، وهي تمثيل محدث لقصة أيوب. والتي فيها يجد المرء التكرار المرعب للكلمات: «إن كان هو ألهاُ، فهو ليس صالحاً، وإن كان صالحاً، فهو ليس إلهاً كلي القدرة».

إلا أن ما تنادي به المسيحية التقليدية، هو أن الله صالح وكلي القدرة، وأن الشر والألم هي حقائق لا بد من قبولها. وهكذا تكون “المشكلة” في كيفية ربط هذين الأمرين المتعلقين بالإيمان (صلاح الله وقدرته الكاملة) بحقيقة الألم، دون المساومة بهذين المبدأين أو التهوين من الألم البشري.

الحالة الأخلاقية للألم

في إجابتنا على السؤال: «ما الذي يجعل الألم غير مقبول اخلاقياً؟» هناك سؤال سابق يجب الإجابة عليه، وهو: «هل كل ألم شر، أم أنه شر فقط داخل سياقات معينة؟» رغم أنه نفسياً يمكن اعتبار معظم الآلام قابلة للاعتراض، فليس بالضرورة أن تكون هكذاً أخلاقياً، خاصة إذا كان الألم الذي يتم احتماله هو وسيلة للوصول إلى نهاية طيبة معروفة. على سبيل المثال، يعمل الألم بيولوجياً باعتباره جزء من آلية دفاع الجسم التي تمنع المزيد من الجرح عن طريق رد الفعل المنعكس.

وبالتأكيد يمكن الاعتراض على ذلك بأن هذا ببساطة يدفع “المشكلة” مرحلة أخرى للوراء، لأن المرء يمكن أن يسأل، «ولماذا يكون هناك جرح أكثر خطورة من الأساس؟» لذلك، تظل النقطة القائلة أن الألم في حد ذاته ليس بالضرورة أن يكون شراً، ففي بعض السياقات يكون الألم متعادلاً أخلاقياً، مثل الألم “الصحي” بعد تدريب طويل، أو جيد أخلاقياً، كما في حالة العقاب التأديبي الإصلاحي.

لكن بالتأكيد ما يجعل الألم قابل للاعتراض أخلاقياً، هو عندما نواجهها في شكل سلبي للغاية، فيكون خالياً بوضوح من أية أهمية. وهذا هو ما يكمن في جذور الكثير من الصرخات الإنسانية المعذبة – «لماذا مات طفلي الصغير ذو العشرة أيام؟»، «لماذا تدمر حياة الرجل الموهوب ويصل إلى مجرد قوقعة فارغة بسبب إصابته بالزهايمر؟» إن ما يبدو أنه ألم بلا هدف أو سبب، هو غالباً ما يشار إليه باعتباره الألم الذي ينحرف عن الهدف، مما يستدعي رؤيته باعتباره شراً. لذلك يمكننا أن نعبر عن هذا بقولنا أن الألم “يصبح” غير مقبول أخلاقياً، في إطار سياقنا الخاص المحدود والوقتي، عندما يمثل تلك السمات التي نعرف بصفة عامة أنها تتناقض مباشرة مع ما هو صالح وخير – مثلاً، عندما يكون غير ذي مغزى.

وقد بحث كارل بارث[4] بقدر كبير في هذا المنظور المحدد الخاص بطبيعة الشر، فباتباعه لزعم أوغسطينوس عن الشر (باعتباره الحرمان من الخير، الذي ليس له وجود مستقل، وهكذا يأخذ الشر الطابع الطفيلي، فالشراهة مثلاً هي سوء استخدام “لصلاح” الأكل)، يفهم بارث الشر باعتباره “فراغ” أو لا شيء. أو إمكانية مستحيلة، والذي رأى الله أنه من المناسب أن يتم التغاضي عنه.

مثل هذه الأنماط من الوصف تستخدم للتعبير عن الطبيعة السلبية الأساسية للشر. وهذا يقودنا على الفور إلى التناقض الحتمي وإلى محدودية استخدام اللغة في وصف ذلك الشيء الذي يعتبر معادل ميتافيزيقي “لضد المادة”، بدون إعطاء الانطباع الخاطئ في نفس الوقت بأن الشر هو ضرب من الوهم أو الخيال. وعلى الرغم من المزاعم المضادة لذلك، فإن هذا التحليل الذي يقدمه بارث يقول إن الشر حقيقة وواقع، ولكنه حقيقة سلبية.

طريق الألم

عندما يطرح أحد السؤال: «لماذا يوجد الألم؟» فقد يتجه المرء إلى أحد أمرين. الأول، قد يبحث الشخص عن سبب، فيسأل: «ما هو سبب الألم؟» سواء من ناحية سبب وجوده الأصلي، «من أي يأتي من الأساس؟» أو من ناحية المباشرة الآن أي السبب الثانوي، «ما الذي سبب هذا الألم المعين بالتحديد؟»

هناك العديد من الكتاب البارزين الذين يتبنون هذه النظرة العامة لمشكلة الشر – مثل أوغسطينوس، وسي إس لويس، وألفين بلانتينجا، على سبيل المثال. وهنا يكون البحث عن تفسيرات تختص بدفاع الإرادة الحرة، والسقوط، ونشاط الملائكة الساقطين. وهكذا. وكل من هذه الأمور له دور يلعبه في الاتجاه نحو فهم مسيحي شامل للألم والشر الموجودين في العالم.

إلا أن التعليم عن السقوط هو الذي يشكل أهمية كبيرة وأساسية[5]. فالملخص الأساسي لموضوع الكتاب المقدس، هو أن الله الإله المطلق السيادة والصلاح خلق كوناً صالحاً وحسناً. نحن البشر تمردنا، وهذا التمرد الآن هو جزء من تكويننا وقد ارتبط بنا. لذلك فإن كل الآلام التي نواجهها الآن تعود إلى هذه الحقيقة. فهي بشكل ما مرتبطة “بالخطية” (لكن ليس كل ألم يرتبط بالخطية بنفس الطريقة). ويرتكز الكتاب المقدس على حقيقة أن الله قد قام بعمل معين لتغيير هذه الآثار المروعة وسببها الجذري، الذي هو الخطية نفسها. فضلاً عن ذلك، يرى المؤمن في الصورة الأكبر البعد المستقبلي للسماء الجديدة والأرض الجديدة، حيث لا توجد خطية ولا ألم فيما بعد.

هذا يعني أن هناك إدراك أساسي بالنسبة للمسيحيين بأن العالم الذي نعيش فيه هو عالم مفكك على كل المستويات – فهو ليس أفضل العوالم الممكنة، بل هو أبعد ما يكون عن ذلك. إن تكلفة الخطية رهيبة، والألم في هذه الحياة هو إلى درجة ما نتيجة للخطية. فهو بالحقيقة عالم يصلح تماماً للخطاة، وهذا لأن الألم وعدم الراحة يذكرنا أن ليس كل شيء يسير بصورة جيدة في علاقتنا مع خالقنا.

لكن صرخة جيلنا، تعكس صرخة رجل مثل فولتير، «كيف يمكن لله أن يكون بمثل هذه القسوة الشديدة؟» أما صرخة الأجيال السابقة فكانت صرخة رجل مثل مارتن لوثر، تتساءل، «كيف يمكن لله أن يكون بمثل هذه الرحمة العظيمة؟» إن السبب في أننا نجد من الصعب للغاية أن ننطق بمثل هذه الصرخة الأخيرة (لكن ليس من الصعب أن ننطق بالأولى). هو أننا نفشل في تقدير مدى خطورة الخطية، ومدى نقاء شخصية الله الذي يقف في تعارض وتناقض مع الخطية.

ومع ذلك، ليس هذا معناه أن كل عنصر من عناصر الألم هو السبب “المباشر” للخطية. فكما سنرى، إن يسوع يصحح بوضوح تلك الفكرة، لأنه من الواضح للغاية أن الكثيرين من “الأتقياء” يتألمون. الأكثر من ذلك، إن المسيحيين من بين جميع الناس يجب بالتأكيد ألا يتوقعوا حياة خالية من الألم والمتاعب. حيث أن لهم “خسائرهم وصلبانهم”، ومع ذلك فإن بعض الآلام قد تكون نتيجة لخطية محددة (مثال على ذلك الرجل المذكور في يوحنا 5: 1-15).

في بعض الأحيان يمكن أن تنتشر نتائج الخطية البشرية بصورة أكثر اتساعاً على المشهد الإنساني بطريقة لا تبدو شديدة التمييز، كما في حالات الحروب والأوبئة والعيوب الجينية، على سبيل المثال. لذلك فإن استخدام فقط مصطلحات القصاص والعقاب لفهم خطايا معينة هو أمر بغيض وغير كاف.

إن من كتبوا الكتاب المقدس لديهم مثل هذا التقييم الواقعي لكل من الحالة البشرية وشخصية الله، حتى أنهم بخلافنا نحن، لا يصابون بالدهشة بسبب شر الإنسان أو بسبب الآلام التي تصاحبه. الأكثر من ذلك، يأتي مع هذا الفهم الشعور الطاغي بصلاح الله وعطفه، حيث أنه يمنحنا بركاته يومياً، رغم أننا نميل إلى اعتبارها أمر مسلم به (متى 5: 45).

إن هذا الشعور بالانبهار بنعمته، تدعمه حقيقة أنه على الرغم من عدم شكرنا، ومن الطريقة التي نعامل بها بعضنا البعض، فإنه يستمر في أن يتعامل معنا بعطف، بينما يجب في الحقيقة أن نتوقع منه علامات أكثر تنم عن عند الرضى. لكننا نميل إلى عكس هذا المفهوم، حتى أننا نتوقع أنه بدون استحقاق منا، يجب أن تسير الحياة معنا بطريقة لطيفة وطيبة. وبالتالي فإننا كثيراً ما نصاب بالصدمة عندما تأتي الصعاب في طريقنا، بل وفي بعض الأحيان تنشئ فينا مرارة تجاه الله. لذلك فإن المنظور الكتابي هو أشد ما نحتاج إليه لتصحيح ثقافتنا المحدودة بالمتعة.

عند هذه النقطة يثار اعتراض: «إذا كان الله يهتم بنا حقاً، وهو يتعارض تماماً مع الخطية التي هي سبب الكثير من الألم والمعاناة في هذا العالم، فلماذا لا يتدخل لكي يفعل شيئاً بشأنها؟» وبعيداً عن إثارة مشكلة الوسيلة والتوقيت التي ذكرناها من قبل، فهناك نتائج أكثر جدية لا نفكر فيها في معظم الأحيان، ولكن تعبر عنها الكاتبة دوروثي إل سيرز جيداً، بقولها:

«”لماذا لا يميت الله هذا الدكتاتور؟” هذه مشكلة بعيدة عنا نوعاً ما. فلماذا يا سيدتي لم يضربك الرب بالبكم والبله قبل أن تنطقي بتلك الافتراءات الدنيئة التي لا أساس لها من الصحة أول أمس؟ أو بالنسبة لي، قبل أن أتصرف بمثل هذا السوء والقسوة مع ذاك الصديق المخلص؟ ولماذا يا سيدي لم يصب الله يدك بالشلل قبل أن توقع باسمك على هذا التزوير والاحتيال المال القذر؟ إنك بالطبع لم تكن تعني ذلك تماماً، لكن لماذا؟ إن أفعالك وأفعالي السيئة ليس أقل شناعة بسبب أن فرصتنا في فعل السوء أقل من فرص أشخاص آخرين. فهل تظن أن أفعالك وأفعالي شديدة التفاهة بحيث أنها لا تثير غضب الله؟ هذا التفكير له حدين، لأنه في تلك الحالة، لن يشكل أهمية كبيرة بالنسبة لخليقته أن يقوم بإبادتنا نحن الاثنين معاً غداً»[6].

بكلمات أخرى، إذا أردنا عدالة صارمة وفورية، فإن ما نطالب به هو جهنم حرفياً. لأن هذا هو بالضبط ما سيكون عليه الحال عندئذ.

لكن بالإضافة إلى العودة للخلف للإجابة على السؤال، «لماذا الألم؟» يمكن للشخص أيضاً أن يتطلع إلى الأمام بحيث يكون السؤال الحقيقي هو: «ما هو الهدف من الألم؟ فما الخير الذي يمكن أن ينتج عنه، إن كان في الإمكان أن ينتج عنه أي خير على الإطلاق؟» لكن هذا الخط من التساؤلات أيضاً ليس بدون مدافعين بارزين عنه، مثل إيرينيوس[7]، وشليرميشر[8]، وجون هايك. فهذه الطريقة للنظر إلى السؤال كانت في الحقيقة مأخوذة من مدرسة معينة في التحليل النفسي يطلق عليها “لوجوثيرابي”، ويرأسها فيكتور فرانكل، والذي اختبر هو نفسه أهوال معسكرات التعذيب النازية.

فهناك فقط دوناً مع أي مكان آخر، لاحظ فرانكل الطريقة الإيجابية التي تعامل بها بعض الناس مع هذا الموقع. وقد قادته هذه الملاحظة بالتالي إلى أن يقتبس من نيتشه ويتفق معه عندما قال: «يمكن للرجال والنساء أن يحتملوا أي قدر من الألم طالما يعرفون سبب وجودهم… بمعنى آخر. إذا تم وضع هذا الألم في إطار سياق معنى وغرض أوسع، فإن الكثير من غصة الألم. لكن ليس كله بالطبع، يمكن أن يزول.

وعلى الرغم من أن “السبب” و”هدف” تم تمييزهما هنا باعتبارهما يقدمان في الأساس نظرتين مختلفتين لمشكلة الألم، إلا أنهما ليستا متعارضتين، وقد تم الجمع بينهما فلسفياً ولاهوتياً. فلسفياً، تم الجمع بينهما في وحدة واحدة بواسطة أرسطو وفكرته عن “السبب النهائي” – أي الغاية أو الهدف الذي يتجه إليه شيء ما. ولاهوتياً فإن كلاً من السبب والهدف يتم تبنيه بواسطة عقيدة العناية الإلهية، والتي فيها تعتبر مشكلة الشر عنصر واحد فقط. نرى هذا بوضوح كبير في تعامل كالفن مع الموضوع، إذ كتب قائلاً:

«على الرغم من أن العطف والإحسان الأبوي، كما السيادة القضائية لله، هي دائماً أمور واضحة في مسار عنايته الإلهية الشامل، لكن في بعض الأحيان حين تخفى أسباب الأحداث، يميل الإنسان إلى التفكير في أن الأمور البشرية محاطة بالقدر الأعمى. والحقيقة أننا لو تعلمنا بعقل رزين هادئ، فإن الأمر في النهاية سيكشف أن مشورة الله تتفق مع أسمى منطق، وأن غايته كانت إما أن يدرب شعبه على الصبر، ويقوّم من عواطفهم المنحرفة، ويروض من طيشهم، ويعودهم على إنكار الذات؛ أو من ناحية أخرى أن يخفض المتكبر، ويهزم حيل الأشرار، ويحبط كل مخططاتهم»[9].

وفي فكر أوغسطينوس أيضاً نجد أن الهدف يلعب دوراً أساسياً كما يتم تلخيصه الآن في عقيدته الشهيرة (العيب المبارك)، وهي أن «الله رأى أنه من الأفضل أن يأتي بالخير من الشر، عن ألا نعاني من الشر على الإطلاق». (Enchiridion, xxvii). ففداء الخطاة بالنسبة لأوغسطينوس هو خير أعظم بكثير من عدم وجود خطية على الإطلاق.

الألم لأجل هدف؟

توجد قصة في يوحنا 9 توضح إمكانية وجود هدف إلهي من الألم: وهي قصة شفاء المولود أعمى. فعندما التقى يسوع وتلاميذه مع هذا الرجل، كان التلاميذ هم الذين طرحوا السؤال: «من أخطأ، هذا أم أبواه حتى ولد أعمى؟» وقد كانوا يبحثون عن إجابة لحالة هذا الرجل المأساوية، متمثلة في السبب المرتبط بهذا الفعل الخاطئ بالتحديد. لكن يسوع أجابهم: «لا هذا أخطأ ولا أبواه لكن لتظهر أعمال الله فيه» (يوحنا 9: 3). فقد عكس يسوع النظرة السائدة بتركيزه على الهدف الإلهي من وراء هذا الموقف، فربطه بعمل الله الفدائي الخلاق، وبالتالي شفى الرجل.

يظهر هذا أنه الموضع الذي يكمن فيه مركز الجاذبية اللاهوتية في العهد الجديد، مع الوضع في الاعتبار أن الاهتمام الأساسي لهؤلاء الكتاب هو هدف عملي، وهو تمكين شعب الله من إدراك أن الألم والاضطهاد الذي قد يتعرضون له أو من المحتمل أن يواجهوه، عندما تتم رؤيته على خلفية هدف الله الأبدي، يكون له أهمية عظيمة. ويتضح هذا في العديد من المواضع، لكن في حالات محددة، يمكننا أن نفكر في رومية 5: 1-5، وبعد ذلك في رومية 8: 28: «ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله الذي هم مدعون حسب قصده». وهي عبارة موضوعة داخل سياق الألم المسيحي.

لكننا قد نرغب في أن نسأل: «على أي أساس يستطيع بولس أو أي شخص آخر أن يزعم هذه الزعم المدهش بأن الله يستطيع وسوف يجعل كل الأشياء تعمل معاً لأجل الخير؟» هذا في الحقيقة يأتي بنا إلى قلب الإيمان المسيحي، أي موت وقيامة يسوع المسيح.

إذا كان الفهم الحاسم لسر الألم موجود في أي مكان، فإنه موجود في الصليب، حيث يمكننا أن نأتي وجهاً لوجه مع “الإله المخفي في الألم” (مارتن لوثر). وهكذا فإن الإيمان المسيحي الجوهري هو أن الشخص المعروف باسم يسوع الناصري لم يكن سوى الله الذي صار إنساناً. وقد أخذ في نفسه خطية العالم باحتماله العقاب الذي كنا نحن نستحقه. قد تضمن ذلك تحمله الشر، وتجريده للرياسات والسلاطين، وعمله على نحو خلاق لجلب الخير الأعظم. بمعنى أنه يعتبر الوسيلة التي من خلالها يكون الإنسان في علاقة سليمة مع الله؛ وتغفر خطيته وينال الحياة الأبدية (2كورنثوس 5: 19-21؛ 1بطرس 2: 24).

التناقض التام

في الصليب يعرض علينا التناقض الذي يجري عبر العلاقة الغريبة بين شر الألم وأهداف الله الخيرة. فمن جهة، كان الصليب هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث (بصلب ابن الله، وبذلك يشير بوضوح وقوة أكثر لموقفنا المتمرد تجاه الله). لكن في نفس الوقت، كان الصليب هو أفضل شيء يمكن أن يحدث على الإطلاق (لأنه الوسيلة الإلهية لخلاصنا).

وهنا نرى الله يتعامل مع الخطية والألم بجدية، لأنه ذاقه في المقام الأول في شخص ابنه، الذي تألم جسدياً وروحياً بقدر يفوق فهمنا. كان هذا الأمر هو الذي شكل اتجاه كتاب العهد الجديد نحن الألم، حيث أنهم لم ينظروا إلى يسوع فقط كمثال يتبعوه (1بطرس 3: 17؛ عبرانيين 12: 2)، بل أن المركز اللاهوتي للإيمان كان أن نتائج ما حققه الله وتم بواسطة موت المسيح وقيامته سوف تكتمل في الوقت المناسب عند نهاية الزمان، بافتتاح السماء الجديدة والأرض الجديدة.

إننا كلما نظرنا في العهد الجديد لا يمكن أن نفشل في مقابلة هذه الحقيقة الرائعة، أن الله الذي نراه في يسوع المسيح ليس إلهاً بعيداً. فهو لم يرغب فقط في تلويث يديه ومشاركتنا حياتنا، ولكنه رغب أيضاً في ثقبها لأجل خاطر أولئك الذين ثقبوها. وقد أوضحت دورثي إل سيرز هذه النقطة جيداً في مسرحيتها The Man Born to be King:

«مهما كان السبب الذي لأجله اختار الله أن يخلق الإنسان بمثل هذه الصورة محدود، وخاضع للألم والحزن والموت – فقد كان لديه الإخلاص والشجاعة لكي يأخذ دواءه الخاص. ففي أية لعبة كان يلعبها مع خليقته، كان يحافظ على قوانينه الخاصة ويلعب لعباً عادلاً. فقد اجتاز هو نفسه كل التجربة الإنسانية، بدءًا من المضايقات التافهة في الحياة الأسرية، والافتقار إلى المال، وحتى أسوأ الأهوال والآلام وأبشع أنواع الإهانة والهزيمة واليأس والموت. فقد ولد في فقر ومات في عار، وشعر أن كل هذا يستحق».

يمكننا أن نلاحظ في هذه الحياة بعضاً من الخير الذي يمكن أن يأتي من الشر. فمثلاً من خلال الألم يمكننا أن نصبح أكثر اهتماماً ومراعاة للآخرين وتعاطفاً معهم، وبطريقة عميقة، تصبح أكثر اكتمالاً. فنحن نتذكر، عن حق، أننا لسنا آلهة بل كائنات محدودة. كما أنه ليس من السيء أن تتركز عقولنا على الأمور الأبدية من خلال الألم، وبذلك نتوصل إلى إدراك أن هذه الحياة ليست هي القصة كلها. وهكذا يمكن أن يكون الألم وسيلة إلى علاقة أعمق وأكثر حميمية مع الله الذي خلقنا لأجله.

واحدة من الأشخاص الذين شهدوا لهذا الحق هي ماري كريج، التي تصف كيف أن اثنين من أبنائها الأربعة ولدوا ولديهم عيوب خلقية حادة. ولكنها تتحدث بصورة مؤثرة عن “الألم الفدائي”، فتكتب:

«في تأييد لهذه النقطة أقول إنني لا أومن أن أية آلام هي بدون هدف نهائي، أو لا معنى لها، رغم أنه في كثير من الأحيان يكون من الصعب أن نواصل إقناع أنفسنا بهذا. فإننا في البداية يكون رد فعلنا هو عدم التصديق والغضب واليأس، لكن قيمة الألم لا تكمن في الألم نفسه بل فيما يفعله به المتألم. فإننا في الحزن نكتشف الأمور التي تهم حقاً: وفي الحزن نكتشف أنفسنا»[10].

هناك منظور آخر مشابه لمنظور ماري كريج شارك به البروفيسور نورمان أندرسون، الذي بعد مسيرة رائعة في كامبريدج، توفى ابنه هاف بالسرطان وهو في الحادية والعشرين من العمر، وبقلب أبوي مثقل بالحزن، كتب بروفيسور أندرسون:

«اعتاد الناس باستمرار أن يسألونا لماذا يموت شاب بمثل هذا النبوغ والحماس للحياة في مثل هذا السن الصغير. وكنا نشعر أن الإجابة الوحيدة على هذا السؤال، هي أننا لا نعرف ولا يمكننا أن نعرف. فالسؤال المهم الذي يجب أن نطرحه على الله في مثل هذه الحالات ليس “لماذا سمحت بذلك؟” (والذي نادراً كما أعتقد ما يجيب عليه)، بل “ما الذي تريد أن تعلمني إياه من خلال هذا الأمر؟[11]»

إن كيفية استجابتنا هي عنصر مهم في صنع الحالة المناسبة للإتيان بنوع من الخير، لكن هذه الاستجابة تتطلب أساساً. فكل من ماري كريج ونورمان أندرسون لم يعرف الإجابة المحددة على سؤال “لماذا؟”، ولكنهما علما لماذا كانا يثقان في الله الذي كان يعرف لماذا، وهذه الثقة كانت مبنية على أساس صلب وقوي من إعلان الله عن نفسه في يسوع المسيح.

ومع ذلك فمن المهم أن نشدد على أنه ليس كل الخير سوف نراه في هذه الحياة، وهنا يكون المنظور الأبدي جوهرياً[12].

المفترض أنه من المنظور الأبدي لله – مؤلف هذه الدراما والذي “يرى النهاية منذ البداية” – كل القرارات والاستجابات البشرية منسوجة في ومع جميع الأحداث الأخرى لخدمة مقاصده. كما أن الأفعال الفردية يكون لها أهمية في أنها تتجه نحو صنع نماذج ذات أهمية أبدية داخل هذه الدراما، ولكنها لا تمثل أهمية مطلقة؛ حيث أن هذه الأهمية يقدمها الإله السيد ذو السلطان، والذي يضع قرارات وأفعال مخلوقاته داخل سياق أبدي، والذي يستطيع هو وحده أن يقدم المعنى النهائي.

هناك مثال يمكن أن يعطينا نوعاً من الشعور بكيفية حدوث هذا الأمر، نجده في العملية الشهيرة لنسج السجاد الفارسي. يقال أن السجاد الفارسي يتم صنعه على إطار واسع للغاية، وعلى أحد جانبي الإطار تقف الأسرة وهي تضع الخيوط داخل هذا الإطار، في بعض الأحيان بطريقة عشوائية، وفي أحيان أخرى عن قصد. وعلى الطرف الآخر من الإطار، يقف الأب، النساج الماهر، والذي يقوم بأخذ جميع هذه الخيوط وينسجها معاً في شكل نموذج ثري من تصميمه. وعندما ينتهي البساط يتم عرضه لكي يراه الجميع.

من بعض النواحي، يمكن أن نشبه الله بالنساج الماهر. فهو الذي يأخذ كل “خيط” (الأحداث والأفعال) وينسجها معاً في نموذج يجعل هذه “الخيوط” معاً ذات أهمية. لكن، بخلاف النساج، يعرف الله من البداية ليس فقط ما هي هذه الخيوط، وأين سيتم وضعها على هذا الجانب من الإطار (نتيجة لعلمه الكامل)، ولكنه أيضاً يجعل الأحداث والأفعال نفسها تسير بحسب مشورة إرادته الأزلية (نتيجة لحكمته وقدرته المطلقة).

بعض من النماذج والأشكال يمكن تمييزها في هذه الحياة (التي تكون على جانبنا نحن من الإطار)؛ لكن الجانب الآخر من الإطار (هدف الله الأبدي) هو وحده الذي يقدم السياق الأخير التي تستمد منه الأهمية النهائية. لكن النقطة المركزية في ذلك الإطار الذي تترابط خلاله كل هذه الخيوط وتتكامل هي حياة وموت وقيامة وصعود وعودة يسوع المسيح ثانية.

المنظور الأبدي

في إطار سياقنا الوقتي الحالي من الاختبارات، نجد بعض الأحداث شريرة، وتتضمن أشكالاً معينة من الألم. لكن ليس هذا هو السياق الكامل، لأن هناك منظور آخر. فعندما يرتبط الحدث الشرير بالسياق الأوسع لأهداف الله الأبدية، عندها يتغير هذا الشر. وأيضاً في إطار هذا السياق الإلهي الأوسع يمكننا أن نرى أن الأحداث الشريرة تحوي نوعاً من الغايات الخيرة. لكن هذا لا ينزغ الشر من الشر، ولكنه يعني في الحقيقة أنه رغم أن الشر حقيقة واقعية، وليس وهماً، فإن قبضته على الواقع وقتية فقط.

دعونا نركز على كيفية حدوث هذا الأمر بالتفكير في الأحداث التي كانت تحيط عملية الصلب. ففيما يتعلق بالخيانة والمحاكمة والاحتقار والاستهزاء وآلام الصلب، يتم تشكيل تحول في الأحداث. وفي إطار هذا السياق، يحكم على هذه الأحداث أنها شريرة، بسبب شر الإنسان. لكن ليس هذا هو السياق النهائي أو حتى السياق المبدئي الذي تستمد منه هذه الأحداث أهميته الكاملة (1كورنثوس 2: 7)؛ بل تستمد الأحداث أهميتها بواسطة عمل الله الفدائي، إذ يشكل كل حدث من الأحداث عنصراً في هذا العمل.

إنني لا أقول إن حدث الصلب يتم تحويله إلى الخير بسبب القيامة، كما لو أن القيامة هي جهد للإنقاذ الإلهي. لكن الخير (المتمثل في خلاص الإنسان من عبودية الخيطة، وهزيمة الموت، الخ)، هو بالفعل الذي تم تطويعه في ومن خلال حدث الصلب نفسه، حيث كانت القيامة مجرد عنصر حيوي واحد من العمل الإلهي. كما أن قيامة المسيح هي أيضاً إعلان على جانب الإطار الذي يقع ناحيتنا، والذي ستتكشف أهميته بالكامل في نهاية الزمان.

«وإذا كان الله صالحاُ وكلي القدرة، فلماذا لا يفعل شيئاً بشأن حقيقة الشر عامة، والألم بصفة خاصة؟» وإجابة المسيحي هي أنه قد عمل وسيعمل. فصلاح الله يتحقق بربط كل حدث بخير يقصده به، عن طريق وضعه داخل سياق تصميم الله الخاص، لكي يتكشف في نهاية الزمان. كما أن قدرة الله الكلية يتم تحقيقها عن طريق نسج كل الأحداث معاُ داخل هدفه الأبدي، فلا يترك شيء خارج سيطرته النهائية المطلقة. وهكذا فإن كلاً من صلاح الله وقدرته على التعامل مع الشر تجد تعبيراً عنها بطريقة لم يكن من الممكن أن نفهمها إذا حاولنا ذلك بأنفسها، وقد تم هذا في صليب المسيح.

دفاع الخير الأعظم

إن ما تم عرضه هو شكل مما يطلق عليه “دفاع الخير الأعظم”[13]، الذي يعني أن الشر والألم يمكن تبريرهما بالخير الأعظم الذي يأتي من خلالهما.

يوجد نوع من القوة في الجدل القائل إنه لأجل تحقيق نوع من الأهداف الجيدة، فإن هذا منطقياً يترك وراءه بعض الشرور. فمثلاً، نجد أن خير التعاطف والشفقة والصبر، منطقياً وليس عرضياً ببساطة، يتطلب بعض الشرور لكي ينتج فينا. هذا هو التبرير المنطقي. ومع ذلك، قد يعترض البعض بأن الشر الموجود يفوق مثل هذا الخير. بمعنى آخر، أن الشر الذي نتحمله لا يتناسب مع الخير الناتج عنه، وبذلك نتساءل عن حكمة وجود مثل هذه الشرور من الأساس. وهكذا يتطلب الأمر كذلك تبريراً أخلاقياً. بصفة عامة، يأخذ هذا التبرير الأخلاقي شكلين: تبرير غير عقابي وتبرير عقابي.

التبرير الأخلاقي غير العقابي: يتمثل في المصطلح الفني المستخدم لوصف تبرير طرق الله في مواجه الشر بحسب ما ذكرها هايك. فهو يرى هذا العالم والآلام التي فيه كوسيلة “لصنع النفس” والذي لا يمكن أن يتم في أي عالم آخر (أي لا يحدث بأية وسيلة أخرى ليس بها ألم).

ومع ذلك، لكي يكون هذا المصطلح الفني كافياً، فمن الضروري لهايك أن يسلم بالمزيد من العوالم التي فيها تستمر عملية صنع النفس هذه، لأنه من الواضح أنها لا تستفيد من كل شيء في هذا العالم، مثل أولئك الذين يموتون في سن صغيرة أو نتيجة الإهمال. كما أنه من الضروري أيضاً بالنسبة له أن يسلم بشمولية الخلاص (أي أن الجميع سوف يخلصون في النهاية)، لكي يناقض الاعتراض الفطري بأنه بدون أن يحقق كل إنسان الرؤية التطويبية فإن هدف الله الصالح سيفشل. ومع ذلك، فإن كل من هاتين الفكرتين ليس لهما أساس في الكتاب المقدس.

أما التبرير الأخلاقي العقابي فيوجد في أفكار أوغسطينوس وكالفن. فقد يستخدم الله الشر لكي يعاقب شراً أسبق. فاستخدام آشور بواسطة الله لكي يعاقب خطايا إسرائيل. كما نجده في إشعياء 10، وهو مثال على ذلك.

وبينما قد يكون هناك قدر من الحق في هذا الوضع (خاصة أنه يتعامل مع الله بجدية)، إلا أنه لا يمكن أن يشكل تبريراً لكل طرق الله في مواجهة الشر. وهذا لسبب واحد، أنه لا يقدم حتى سبباً واحداً لسماح الله بالشر من الأساس، لأنه لكي يعاقب الله الشر شراً فهذا يفترض وجود الشر الذي يجب معاقبته! وكما رأينا، ليس كل ألم يمكن فهمه بمفردة داخل إطار القصاص والعقاب.

كل من هذين التبريرين به عناصر تعمل على تشكيل تبرير مسيحي متكامل الأبعاد. فنحن نرى في صليب المسيح إظهار لكل من هذين البعدين؛ فنرى غفران الخطية وقوة التجديد، أو التبرير والتقديس، كما يمكن للمرء أيضاً أن يشير مع أوغسطينوس، وعقيدته في O felix culpa، إلى أن وجود الشر ليس ضرورياً فقط منطقياً، لكي نطاوع الخير فينا، ولكنه ضروري أيضاً لكي يعلن الله الخير – إذ كيف يمكنه أن يظهر الخير وكيف يمكننا نحن أن نعرف ونختبر النعمة المخلصة إلى إذا كان هناك منذ الأساس شيئاً ما نحتاج للخلاص منه؟

لا يوجد حل بسيط

لقد وصلنا إلى نهاية الدائرة الكاملة إلى حيث النقطة التي بدأنا منها، أي إلى العلاقة بين الشر وبين صلاح الله وقدرته. إن شهادة الكتاب المقدس هي أن الشر والخطية والألم منسوجون معاً بعمق، وهم منتشرون في نسيج الوجود الإنسان بحيث أنه لا يمكن الوصول إلى حل بسيط بشأنهم. الأكثر من ذلك فإن صلاح الله يتضمن ليس فقط محبته تجاهنا نحن غير المستحقين.

بل أيضاً عدله ومعارضته الصارمة لكل ما هو مناقض لشخصيته الأخلاقية. فإذا كان العدل فقط هو الذي نريده، فإن هذا يعني نهايتنا جميعاً. ولو كان ما نطلبه فقط مجرد غفران أو محبة لغير المستحقين، فإن هذا يعد نهاية لكون أخلاقي، وتوقف الله عن يكون إلهاً. فالعدل البسيط يعني رفض الله لنا؛ والغفران البسيط يعني رفض الله لنفسه.

لكن ما نراه في شخص وعمل يسوع المسيح على الصليب هو عدالة الله ومحبته، يلتقيان معاً بطريقة تعمل فيها قدرته المطلقة بالمفارقة في الضعف. “في هذا هي المحبة“، يقول الرسول يوحنا: «ليس أننا نحن أحببنا الله بل أنه هو أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا». (1يوحنا 4: 10). وهذا يعني أن عدالة الله تتطلب أن الخطية (وهي السبب الجذري لكل الآلام بشكل ما)، يتم التعامل معها وعقابها.

وتظهر محبة الله في أنه أخذ هو العقاب في نفسه في شخص ابنه على الصليب، وهكذا، بحسب كلمات بارث «فإن الديان (يسوع) أدين بدلاً منا». فما نستحقه نحن (الدينونة والموت)، أخذه هو طواعية، وما لا نستحقه (الغفران والحياة الأبدية)، يعطيه لنا مجاناً. وما تم تحقيقه هناك، في شكل مخفي، وأظهره بالقيامة، سوف يعلن أمام الكون كله في نهاية الزمان عندما يرفع الحجاب أخيراً ونهائياً.

التركيز على الصليب

ننهي هذا النقاش باقتباس من بي تي فورسيث، والذي مثله مثل بارث الذي جاء بعده، اكتشف الإفلاس اللاهوتي للاهوت الليبرالي المتفائل الذي نشأ عليه، واتجه بدلاً من ذلك إلى اللاهوت العميق للكتاب المقدس، حيث صليب المسيح هو المركز. في وسط مجزرة الحرب العالمية الأولى، عندما كان أنصار التطور المتفائلين المعتمدين على أنفسهم يجنون نتائجه، كتب فورسيث عمله العظيم Justification of God، والذي ذكر فيه:

«إذا كان أعظم عمل في العالم، وأعظم جريمة فيه، أصبحا بواسطة النصرة الأخلاقية المقدسة لابن الله، مصدراً ليس فقط لبركات لا نهائية للإنسان، بل رضى وفرح كامل للإله القدوس، فإنه لا توجد جريمة أو حرب هي خارج نطاق سيطرته أو تستحيل على أهدافه. فلا يوجد أي شيء يستطيع أن يدمر الإيمان المسيحي الذي موضوعه ومصدره وبقاؤه في ذلك الصليب وفي نصرته، والذي فيه أُدين رئيس هذا العالم وقضى عليه إلى الأبد. ولذلك ففي سخرية إلهية، نجد أن أبشع جريمة إنسانية تتحول إلى أعظم نجاح لله. هذا اللغز لا يمكن حله ولكنه الحق أكيد»[14].

 

[1] إن بايك، محرر، God and Evil (Prentice Hall، 1964).

[2] جون هايك،  An Ireneann Theodicy, Encounterin، إس تي ديفيز، محرر. (T&T Clanrk، 1981).

[3] ديفيد جريفين، Creation out of Chaos and the Problem of Evil, Encountering Evil، إس تي ديفيز، محرر. (T&T Clark، 1981).

[4] كارل بارث Church Dogmatics III الصفحات 289-363، (T&T C lark).

[5] لتطوير الصورة الكتابية بشكل رائع، انظر دي إيه كارسون How Long O Lord? (IVP، 1990).

[6] دي إل سيرز The Triumph of Easter, Creed or Chaos? (Methuen، 1954).

[7] كان إيرينيوس أسقفاً لليونز قرابة منتصف القرن الميلادي الثاني. وقد كتب بإطناب ضد هرطقة الغنوسية في كتابه Against Heresies والذي يحوي أيضاً تفكيره في مشكلة الشر.

[8] فريدريك شليمارماشر (1768-1834)، ويتم وصفه كثيراً بأنه أبو اللاهوت الحديث. وعلى الرغم من عدم قصده اتباع لأفكار إيرينيوس، إلا أنه في كتابته The Christian Faith، يقوم بتطوير نوع من اللاهوت يشبه لاهوته بشكل ملحوظ.

[9] فريدريك شليمارماشر 01768-1834)، ويتم وصفه كثيراً بأنه أبو اللاهوت الحديث. وعلى الرغم من عدم قصده اتباع لأفكار إيرينيوس، إلا أنه في كتابه The Christian Faith، يقوم بتطوير نوع من اللاهوت بشبه لاهوته بشكل ملحوظ.

[10] ماري كريج، Blessings (Hodder and Stoughton 1979).

[11] نورمان أندرسون An Adopted Son. (IVP. 1985).

[12] يتم تطوير ه1ه الفكرة بالتفصيل في كتاب في بير وايت، The Fall of a Sparrow (Paternoster، 1985)، وكتاب ميلفين تينكر، Purpose in Pain – Teleology and Problem of Evil (Themelios Vos، 16، No 3، 1991).

[13] انظر كتاب بول هيلم، The Providence of God (IVP، 1993).

[14] بي تي فورسيث The Justification of God، (Duckworth، 1916).

كيف نؤمن بإله المحبة في عالم الألم؟ – ميلفين تيينكر

إن كان الله موجوداً، فلماذا الشر؟

إن كان الله موجوداً، فلماذا الشر؟

إن كان الله موجوداً، فلماذا الشر؟

إن كان الله موجوداً، فلماذا الشر؟

الملحد: إن كان هناك حقاً إله كلي الصلاح وكلي القدرة خلق العالم ويحفظه، فلماذا يسمح الله بالشر؟

المسيحي: كيف تعرف ما هو الشر إلا إذا عرفت ما هو الخير؟ وكيف تعرف ما هو الخير إلا إذا وجد مقياس موضوعي للخير أعلى منك؟

الملحد: لا تحاول التهرب من السؤال.

المسيحي: أنا لا أحاول أن أتهرب من السؤال. ولكني أبين لك ببساطة أن شكواك تفترض مسبقاً أن الله موجود. فالواقع أن وجود الشر لا يدحض وجود الله. ربما يثبت وجود شيطان إلا أنه لا يثبت عدم وجود الله.

الملحد: لعبة ماهرة، ولكني لست مقتنعاً.

المسيحي: قد لا تكون مقتنعاً. ولكن شكواك ما زالت تفترض مسبقاً وجود الله.

الملحد: لغرض هذه المناقشة. افترض أني أوافقك أن الله موجود. هل تجيب عن السؤال الآن؟

المسيحي: بالتأكيد. رائع هذا التقدم الذي تحرزه.

الملحد: تذكر أنه لأجل المناقشة فقط. إذن لماذا إلهك المدعو “كلي القدرة” لا يوقف الشر؟

المسيحي: هل حقاً تريده أن يوقف الشر؟

الملحد: طبعاً!

المسيحي: ماذا لو بدأ بك؟

الملحد: كن جاداً.

المسيحي: أنا جاد فعلاً. إننا نتكلم عن إيقاف الله للشر، ولكننا ننسى أنه لو فعل، سيوقفنا نحن أيضاً. فكلنا نفعل الشر.

الملحد: يا رجل! نحن لا نتكلم عن الخطايا البسيطة التي نفعلها أنا وأنت، ولكننا نتكلم عن الشر الحقيقي، مثلما فعل هتلر.

المسيحي: لست أتكلم عن درجة الشر، بل مصدر الشر. مصدر الشر هو قدرتنا على الاختيار الحر. فإن كان يجب أن يقضي الله على الشر، يجب كذلك أن يقضي على حرية الاختيار، وعندئذ لن تكون عندنا القدرة على حب الخير أو فعله. ولن يكون هذا العالم عالماً أخلاقيا.

الملحد: ولكن حرية الاختيار ليس مصدر كل الشر. فلماذا يموت الرضع؟ لماذا تحدث الكوارث الطبيعية؟

المسيحي: الكتاب المقدس يرجع كل ذلك إلى سقوط الإنسان. فما من أحد بريء بحق لأننا جميعاً أخطأنا في آدم (رومية 5: 12)، والنتيجة أننا نستحق الموت (رومية 6: 23). فالكوارث الطبيعية والموت في أعمار مبكرة كلها نتيجة مباشرة للعنة التي أتت على الخليقة بسبب سقوط الجنس البشري (تكوين 3؛ رومية 8). وهذا العالم الساقط لن يعاد لوضعه الصحيح إلا عندما يعود المسيح (رؤيا 21: 22). ولذلك، ما من أحد يمنح ضماناً بأن يعيش حياة خالية من التعب، ولا عمراً مديداً يبلغ سبعين عاماً.

الملحد: يا سلام! ما أسهل هذا الكلام! عندما لا تجد مخرجاً تسرع للكتاب المقدس وتخبرنا أن الله سيصحح كل شيء في النهاية! لا يعنيني المستقبل. إني أريد نهاية للألم والمعاناة الآن. لماذا لا ينهي الله كل ذلك؟

المسيحي: سينهينه ولكن ليس طبقاً لجدولك. فكون الله لم ينه الشر حتى الآن لا يعني أنه لن ينهيه أبداً.

الملحد: ولكن لماذا لا يعود المسيح الآن لينهي كل هذا الألم؟ إن مجموع الألم البشري هائل.

المسيحي: أولاً، لا أحد يختبر “مجموع الألم البشري”. فإن كان درجة الحرارة في مانهاتن 27 درجة مئوية، وفي بروكلين 29 درجة مئوية، وفي كوينز 27 درجة مئوية، فهل أي شخص في نيويورك يمكن أن يشعر بحرارة تبلغ 83 درجة مئوية؟

الملحد: لا.

المسيحي: هذا صحيح. كل شخص يختبر ألمه فقط.

الملحد: ولكن كل هذا لا يخبرني لماذا لا ينهي الله كل هذا الألم الآن. لماذا ينتظر؟

المسيحي: إن الله بإمكانه أن ينهي الشر الآن إن أراد. ولكن ألم يخطر على بالك أنه من المحتمل أن الله يريد أن يحقق أهدافاً أخرى في وجود الشر؟

الملحد: مثل ماذا؟

المسيحي: أول شيء، يريد مزيداً من الناس يختارون السماء قبل أن يسدل الستار على هذا العالم. ويبدو أن بولس يوضح أن يسوع سيأتي ثانية بعد أن “يكتمل عدد” من سيؤمنون به (رومية 11: 25).

الملحد: حسناً، بينما ينتظر الله “اكتمال عدد” المخلصين، هناك آخرون يتألمون!

المسيحي: نعم، هم يتألمون. وهو ما يعني أن المسيحيين عليهم مهمة يجب أن يقوموا به. لقد نلنا امتياز مساعدة المتألمين. نحن سفراء للمسيح هنا على الأرض.

الملحد: جميل، ولكني لو كنت أعاني أفضل أن يساعدني الله لا أنت.

المسيحي: لو منع الله الألم كلما واجهنا مشكلة، لأصبحنا أشقى مخلوقات الكون وأكثرها تمركزاً في الذات. ولن نتعلم أبداً من الألم.

الملحد: نتعلم من الألم. ماذا تقول؟

المسيحي: لقد لمست سبباً آخر يفسر عدم إنهاء الله للشر الآن. هل يمكن أن تذكر لي درساً واحداً استمر في حياتك تعلمته من اللذة؟

الملحد: أمهلني دقيقة.

المسيحي: أمهلك ساعة، ولكني أشك أنك ستأتي بالكثير. إن فكرة في الأمر، ستكتشف أن كل ما تعلمت تقريباً من دروس قيمة نتج من صعوبة اجتزتها في حياتك. وفي معظم الحالات، قسوة الظروف تعلم في حين أن سهولة الظروف تخدع. وفي الحقيقة أنت لا تتعلم دروساً من الألم فحسب، بل الألم يكاد يكون السبيل الوحيد لتنمية الفضائل.

الملحد: ماذا تقصد؟

المسيحي: لا يمكنك أن تنمي فضيلة الشجاعة إلا في وجود الخطر. ولا يمكنك أن تمني فضيلة المثابرة إلا إذا واجهت عواقب في الطريق. ولن تتعلم أن تكون خادماً إلا في وجود شخص تخدمه. ولن تكون حنوناً إن لم يكن هناك شخص متألم أو محتاج. إنها الحكمة القديمة: “مافيش حلاوة من غير نار”.

الملحد: ولكني لن أحتاج كل تلك الفضائل لو حجر الله على الشر الآن.

المسيحي: ولكن بما أن الله عنده أسبابه لعدم الحجر على الشر الآن، فأنت تحتاج أن تنمي بعض الفضائل لهذه الحياة وللحياة الآتية. فهذه الأرض وطن غير مريح، ولكنها صالة تدريب ممتازة للحياة الآتية.

الملحد: أنتم المسيحيين دائماً ما تقفزون إلى الحياة الأبدية. كل تفكيركم منصب على السماء لدرجة تجعلكم عديمي النفع للأرض.

المسيحي: ربما يكون تفكيرنا منصباً على السماء، ولكننا نعلم أن ما نفعله على الأرض مهم في الأبدية. فالفضائل التي ينميها المؤمن بالألم تزيد قدرته على الاستمتاع بالأبدية. وبولس يقول إن «خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً» (2كورنثوس 4: 17، قارن رومية 8: 18).

الملحد: كيف تساعدني الصعوبات التي أجتازها هنا أن أسعد في مكان لن يكون فيه أي ألم أساساً؟

المسيحي: أنت تحب كرة القدم، أليس كذلك؟

الملحد: شاهدت بضع مباريات.

المسيحي: ما شعور كل لاعب في الفريق الفائز بكأس السوبر بول بعد المباراة؟

الملحد: يشعر بالسعادة طبعاً!

المسيحي: هل كابتن الفريق الفائز الذي فاز هو أيضاً بجائز أفضل لاعب، يستمتع بالفوز أكثر من الظهير الثالث الذي لم يحرز هدفاً واحداً طيلة العام؟

الملحد: أظن ذلك.

المسيحي: بالطبع. فرغم أن لاعب الظهير الثالث سعيد لأنه في الفريق الفائز، فالفوز أطيب مذاقاً عند الكابتن الذي فاز بجائزة أفضل لاعب لأنه ساهم في الفوز وثابر طوال العام حتى يصل إلى هذا المستوى. وبإصراره وسط صعوبات اللعب وآلامه، زاد من قدرته على الاستمتاع بالفوز الذي ازداد حلاوة بجائزة أفضل لاعب.

الملحد: وما علاقة كرة القدم بالسماء؟

المسيحي: السماء ستكون مثل غرفة تغيير ملابس الفريق الفائز (ولكن بدون الرائحة الكريهة!). كلنا سنسعد بوجودنا هناك، ولكن البعض سيكونون أقدر على الاستمتاع بها وسينالون مكافآت أكثر من غيرهم. ومهما كان من أمر، عدالة الله تقتضي درجات من المكافآت في السماء كما سيكون هناك درجات من العقاب في النار.

الملحد: إذن تقصد أن الحياة مثل بطولة السوبر بول؟

المسيحي: إلى حد ما. وهي تشبه السوبر بول في أن لها قواعد، وحكماً، ومكافآت. ولكن الحياة ليس فيها متفرجون، الكل على أرض الملعب ونحن نعرف الفائز مسبقاً. المسيح سيفوز، وأي شخص يمكنه أن يكون من الفائزين بالانضمام إلى الفريق، بصرف النظر عن قدراته. ورغم أنه كل من في الفريق سيستمتع بموكب الفوز، فالبعض سيكونون أكثر تقديراً له نظراً لما اختبروه من صعوبات أثناء المباراة وما ينالون من مكافآت لأنهم لعبوا حسناً. وهو ما يعني أن الشعور بالفوز يكون أعظم كلما كانت المعركة أشد.

الملحد: إذن أنت تعني أن الشر له غرض يحمل تداعيات في الأبدية.

المسيحي: نعم.

الملحد: لماذا تصر أن تضع كل شيء في ضوء الأبدية؟

المسيحي: لأن الفترة التي سنقضيها جميعاً بعد الموت أطول كثيراً من فترة حياتنا! والكتاب المقدس يعلمنا أن ننظر للأبدي، والحياة لا تكتسب معنى إلا في ضوء الأبدية. فإن لم تكن هناك أبدية، فليس هناك غرض نهائي لأي شيء، سواء أكان مسرة أو ألماً.

الملحد: افترض أنه ليس هناك أبدية. افترض أننا نعيش ونموت، وهذا كل ما في الأمر.

المسيحي: ممكن. ولكن ليس عندي من الإيمان ما يكفي لتصديق هذه الفكرة.

الملحد: ولم لا؟

المسيحي: ألم تقرأ هذا الكتاب؟

الملحد: لا، لقد قفزت إلى الملحق مباشرة.

المسيحي: أنت هكذا، أليس كذلك؟ لا تريد أن تلعب المباراة. تريد أن ترى النتيجة النهائية فقط.

الملحد: أظن إن أعاني من مرض الإشباع الفوري الأمريكي.

المسيحي: وأغلب الظن أن هذا هو ما يجعلك تجد صعوبة في إدراك قيمة الألم، ولكن “فافيش حلاوة من غير نار”.

الملحد: عند حق. قراءة هذا الكتاب مؤلمة للغاية. فهو طويل جداً.

المسيحين: كان من الممكن أن يقصر عن ذلك لولا أننا مضطرون لتناول كل تلك المحاجات المجنونة التي تثيرونها أنتم الملحدين. ثم إن عندك وقتاً للقراءة. فأنت ليس مشغولاً صباح أيام الأحد.

الملحد: يمكنني القيام بالكثير من الأشياء الأقل إيلاماً صباح الأحد.

المسيحي: اسمع، أنا أعرف أن قراءة هذا الكتاب قد تكون مؤلمة، ولكن الأكثر إيلاماً أن ترفض الخلاصة التي يتوصل إليها. إن أردت أن تتعرف على كل الحجة المؤيدة للمسيحية يجب أن تقرأ هذا الكتاب من أوله إلى آخره. والقضية مطروحة بترتيب منطقي. فكل فصل مبني على سابقه.

الملحد: موافق. سأقرأ الكتاب. ولكن في الوقت الحالي، دعنا نعود إلى مسألة الشر. إن كانت هناك أبدية، إذن بعض الشرور في هذا العالم قد يكون لها غرض أبدي. ولكن مؤكد أن بعض الأفعال الشريرة في هذا العالم ليس لها أي غرض على الإطلاق.

المسيحي: كيف تعرف؟

الملحد: شيء واضح! فما الغرض الخير الذي يمكن أن ينتج من الهجمات الإرهابية في 11 أيلول/سبتمبر مثلاً؟

المسيحي: رغم أني أتمنى لو لم تقع هذه المأساة، فنحن نعرف ببعض الأمور الخيرة التي نشأت من تلك الأحداث البشعة. مثلاً، اتحدنا معاً كأمة وأخذنا نساعد من يحتاجون للمساعدة، وعزمنا على محاربة شر الإرهاب. وقد دفعتنا الصدمة أن نمعن التفكير في أسئلة الحياة الجوهرية، والبعض رجعوا للمسيح نتيجة لهذه الأحداث. فكما قال سي. إس. لويس: «الألم هو “مكبر الصوت” الذي يستخدمه الله “ليوقظ عالماً أصم”». ومؤكد أن أحداث 11 سبتمبر أيقظتنا.

الملحد: نعم، يمكنك أن تجد جانباً مضيئاً في كل شيء تقريباً. ولكن هذا “الجانب المضيء” يستحيل أن يفوق الألم والمعاناة.

المسيحي: كيف لك أن تعرف؟ ما لم تكن كلي المعرفة وتتمتع بمنظور أبدي، كيف تعرف أن أحداث 11 سبتمبر لن تعمل معاً للخير في النهاية؟ محتمل أن الكثير من الأشياء الخيرة ستحدث في حياة الأفراد نتيجة لهذه الكارثة، ولن نسمع بها أبداً. والحقيقة أن النتائج الإيجابية قد تأتي بعد أجيال من الآن دون علم أولئك الذين سيجنونها.

الملحد: لو أطلعني الله على أسبابه، قد أستطيع أن أصدقك.

المسيحي: لقد جرب أيوب ذلك الأسلوب قبلك. فبعد أن سأل الله عن سبب معاناته. حيره الله بأسئلة عن عجائب الخليقة (أيوب 38-40). وكأن الله يقول له: «أيوب، لا تستطيع حتى أن تفهم كيف أدير العالم الطبيعي الذي تستطيع أن تراه. فكيف يمكنك أن تفهم العالم الأخلاقي الأكثر تعقيداً بما لا يقاس الذي لا تستطيع أن تراه، عالم فيه تتفاعل نتائج مليارات القرارات الحرة التي يتخذها البشر يومياً؟» حقاً يستحيل علينا أن نستوعب هذا التعقيد. بالمناسبة، هل شاهدت فلم “حياة مدهشة” It’s a Wonderful Life؟

الملحد: تقصد فيلم جيمي ستيوارت Jimmy Stewart الذي يعرض في الكريسـ…. أقصد بداية الشتاء؟

المسيحي: نعم. جيمي ستيوارت يمثل دور جورج بيلي الذي ييأس من الحياة لأن صفقاته التجارية تعثرت ويبدو أن حياته تنهار. وينقذه من الانتحار على آخر لحظة ملاك يعرض له كيف كان يمكن أن تكون حياة الآخرين لو لم يولد. ويرى أن الكثيرين في مدينته كانوا سيعشون حياة مأساوية. إلا أن جورج لم يعرف ذلك طيلة حياته. فهو لم يدرك مطلقاً ما كان لحياته من أثر مذهل على الآخرين. ومن هنا يأتي العنوان “حياة مدهشة”.

الملحد: ها! خدعة!

المسيحي: يا رجل. لقد فهمت الفكرة، أليس كذلك؟

الملحد: نعم، فهمت الفكرة: نحن لا نعرف الأثر الذي يمكن أن ينتج عن أي شخص أو حدث على المدى البعيد، وخاصة في وجود العديد من القرارات المتفاعلة التي يتخذها البشر.

المسيحي: نعم، وحتى القرارات التي تهدف للشر يمكن أن تتحول للخير (تكوين 50: 20). محتمل أن الكثير من الناس الآن أو أجيال من الآن سيأتون إلى المسيح بسبب آثار الشر المباشرة أو غير المباشرة.

الملحد: ولكنها تبدو حجة مبنية على الجهل argument from ignorance.

المسيحي: لا. فالأمر ليس أننا لا نملك معلومات عن سبب حدوث أشياء سيئة. ولكننا نعلم أننا نعيش في عالم ساقط، ونعلم أن الخير يمكن أن ينتج من الشر، لذا، نحن نعلم أنه من الممكن أن يكون عند الله سبب وجيه لوقوع الأحداث السيئة، حتى إن كنا لا نعلم تلك الأسباب. ونحن نعلم أنه يستطيع أن يخرج من الشر خيراً. إذن فهي ليست حجة مبنية على الجهل، ولكنه استنتاج منطقي مبني على ما نعرفه من معلومات. ورغم أننا لا نعلم سبب كل حدث شيء على وجه التحديد، فنحن نعلم سبب عدم علمنا: نحن لا نعلم بسبب محدوديتنا البشرية.

الملحد: وما رأيك في إجابة المعلم اليهودي كوشنر Kushner على السؤال؟ أنت تعرف أنه صاحب كتاب “عندما تحل السيئات بالصالحين” When Bad Things Happen to Good People.

المسيحي: أعتقد أن إجابته خاطئة.

الملحد: خاطئة؟ لماذا؟

المسيحي: لأنه يقول إن الله لا يملك من القدرة ما يمكنه من التغلب على الشر الموجود على الأرض. لذا، يجب أن نغفر لله سماحه بالشر.

الملحد: ما الخطأ في ذلك؟

المسيحي: هناك أدلة قوية على أن قدرة الله غير محدودة. فالله يوصف 56 مرة في الكتاب المقدس بأنه “القدير”، ويوصف بأنه كلي القدرة بعدة تعبيرات أخرى. ونحن نعرف أيضاَ من الأدلة العلمية أنه خلق هذا الكون من العدم (ألق نظرة على الفصل الثالث من الكتاب). فالإله المحدود الذي يؤمن به المعلم اليهودي كوشنر لا يتفق مع الحقائق.

الملحد: إن كانت قدرة الله غير محدودة كما تقول، فلماذا إذن يسمح بحدوث أشياء سيئة للأشخاص الصالحين؟

المسيحي: لقد أوضحنا أن الألم والمعاناة يأتيان بنتائج صالحة. ولكن يجب أن نوضح أيضاً أن السؤال يفترض افتراضاً خاطئاً؟

الملحد: ما هو؟

المسيحي: ليس هنا أناس صالحون!

الملحد: نعم؟

المسيحي: أنا أعني ما أقول. بعض الناس أفضل من غيرهم، ولكن ليس أحد صالحاً بحق كلنا نميل بالطبيعة إلى الأنانية. كلنا نرتكب الخطايا بشكل اعتيادي.

الملحد: ولكن أعمالي الصالحة أكثر من السيئة.

المسيحي: بمقياس من؟

الملحد: بمقياس المجتمع. فأنا مواطن أحترم القانون، ولست قاتلاً ولا لصاً.

المسيحي: تلك هي المشكلة. نحن نعتبر أنفسنا صالحين مقارنة بالأردياء فقط. إننا نقيم أنفسنا بالمقارنة مع الآخرين لا بالمقارنة مع مقياس مطلق للصلاح. بالمناسبة، هل سبق وسرقت أي شيء؟

الملحد: الحقيقة، نعم.

المسيحي: هل سبق وكذبت في أي شيء؟

الملحد: لا.

الملحد: آه. واضح أني لن أستطيع أن أخدعك.

المسيحي: إذن أنت لص كاذب.

الملحد: ولكن ذلك لا يعني أنا سيء تماماً.

المسيحي: لا، ولكنه يعني كذلك أنك لست صالحاً تماماً. فكر فيها: أنت تكون سيئاً أسهل كثيراً من أن تكون صالحاً، فميلك الطبيعي يتجه نحو الأنانية أكثر مما يتجه نحو الكرم. وكلنا نحمل هذه الطبيعة البشرية الفاسدة. وكما قال أوغسطينوس: «كلنا مولودون بميل نحو الخطيئة وبحتمية الموت». فهذا الميل متأصل فينا من الولادة. وهو ما يفسر السلوك الطبيعي للطفك عندما ينتزع الشيء ويصرخ: «بتاعي». ويفسر كذلك قول جيمز ماديسون James Madison: «لو كان البشر ملائكة، لما كانت هناك حاجة للحكومات».

الملحد: إذن كوشنر يفترض افتراضات خاطئة بشأن طبيعة الإنسان وطبيعة الله.

المسيحي: بالضبط. فالسؤال ليس “لماذا تحل السيئات بالصالحين؟” بل “لماذا تحدث الصالحات للأردياء؟”

الملحد: إن كان الله فعلاً كلي القدرة كما تقول، فما زلت لا أفهم لماذا لم يمنع 11 سبتمبر. فلو كنت تعلم أنها ستحدث وكنت تملك من القدرة ما يمنعها، أما كنت ستمنعها؟

المسيحي: بلى.

الملحد: إذن أنت أفضل من الله!

المسيحي: لا، إن منعت هجمات 11 سبتمبر، أكون بذلك قد منعت الشر. ولكن الله صاحب المنظور الأبدي غير المحدود يسمح باختيارات شريرة وهو عالم أنه يستطيع في النهاية أن يصلحها. ولكننا نحن لا نستطيع أن نصلح هذه الاختيارات. لذا، نحاول أن نمنعها جميعاً.

الملحد: نعم ولكن بناءً على عقيدتك المسيحية نفسها، الله لا يصلح كل الاختيارات الشريرة في النهاية. فمهما كان، البعض يذهبون إلى الجحيم.

المسيحي: نعم، ولكن ذلك لأن الله لا يستطيع أن يأتي بالخير الأبدي إلا لمن يقبلون هذا الخير. البعض يتجاهلون الحقائق أو يختارون أن يلعبوا المباراة على نحو يأتي لهم بالهزيمة. وبما أن الله لا يستطيع أن يجبرهم على أن يختاروا بحرية أن يلعبوا المباراة على النحو الصحيح، فالخير النهائي لا يأتي إلا لمن يختارونه. وهو ما يفسر قول بولس: «ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله، الذين هم مدعوون حسب قصده» (رومية 8: 28). لاحظ أنه لا يقول إن “كل الأشياء خير”. ولكنه يقول إن كل الأشياء تعلم معاً لأجل خير الذين يحبونه.

الملحد: إذن كيف عملت كل الأشياء لخير الذين ماتوا في 11 سبتمبر؟

المسيحي: من أحبوا وقبلوا عطية الخلاص المجانية هم الآن مع الله في الأبدية. ومن هم غير ذلك، فإن اختيارهم الحر للانفصال الأبدي عن الله يحترم أيضاً.

الملحد: وماذا عن الباقين منا؟

المسيحي: من بقي منا في هذا الحياة ما زال أمامه وقت لاتخاذ قراره. ومن كانوا مسيحيين حقيقيين بالفعل عند حدوث هجمات 11 سبتمبر من المحتمل أن شخصياتهم الأدبية ازدادت قوة نتيجة الأحداث.

الملحد: لكن إن كان الله كلي الصلاح وكلي المعرفة، لماذا يخلق أناساً يعرف أنهم سيذهبون إلى جهنم؟

المسيحي: سؤال وجيه. لم يكن عند الله سوى خمسة خيارات. كان بإمكانه: 1) ألا يخلق على الإطلاق. 2) أن يخلق عالماً بلا حرية حيث البشر كالإنسان الآلي. 3) أن يخلق عالماً حراً حيث البشر لا يخطئون. 4) أن يخلق عالماً حراً حيث البشر يخطئون. ولكنهم جميعاً سيقبلون خلاص الله. 5) أن يخلق العالم بالحالة التي هو عليها الآن. حيث البشر يخطئون، والبعض منا سيخلصون ولكن الباقون سيهلكون.

الملحد: نعم، ويبدو أن الله اختار أسوأ البدائل الخمسة! إذن الله ليس كلي الصلاح.

المسيحي: لا تستعجل الحكم. الخيار الأول لا يمكن حتى أن يقارن بالأربعة الأُخر لأنه ليس هناك وجه شبه بين الشيء واللاشيء. مقارنة عالم حقيقي باللاعالم لا يشبه حتى مقارنة التفاح بالبرتقال، لأن الاثنين من الفواكه. ولكنه يشبه مقارنة التفاح باللاتفاح، مع الإصرار على أن التفاح ألذ. وهو ما يطلق عليه في المنطق خطأ تصنيفي category mistake. إنه كن يسأل: «ما لون الرياضيات؟» الرياضيات ليست لوناً، فالسؤال بلا معنى.

الملحد: إن كانت مقارنة الوجود باللاوجود خطأ تصنيفياً، إذن يسوع ارتكب خطأ تصنيفاً عندما قال إنه كان خيراً ليهوذا لو لم يولد (متى 26: 24).

المسيحي: لا، يسوع لم يكن يتكلم عن أفضلية اللاكينونة على الكينونة. ولكنه كان يعبر تعبيراً قوياً عن بشاعة خطية يهوذا.

الملحد: فلماذا لم يختر الله البديل الثاني – بشراً كالإنسان الآلي؟

المسيحي: كان بإمكانه أن يفعل ذلك، ولكن العالم بهذا الشكل لا يمكن أن يكون عالماً أخلاقياً. سيكون عالماً يخلو من الشر، ولكنه يخلو من الخير الأخلاقي أيضاً.

الملحد: فلماذا لم يخلق العالم بالشكل الثالث أو الرابع؟ عالم يسمح بالحب، ومؤكد أنه أفضل من الذي نعيش فيه الآن.

المسيحي: نعم، ولكن ليس كل ما يمكن تخيله يمكن تحقيقه مع المخلوقات الحرة. فمثلاً، يمكننا أن نتخيل أنه بإمكاني أن أسرق بنكاً بدلاً من أن أتحدث إليك. ولكنه أمر لا يمكن تحقيقه لأني اختر بحريتي أن أتحدث إليك. وهكذا الله لا يمكنه أن يقهر المخلوقات الحرة على ألا تخطئ. فالحرية القهرية تناقض.

الملحد: ولكن عالمنا هذا كان يمكن أن يكون أفضل لو تناقصت جرائم القتل أو الاغتصاب. إذن الله فشل في خلق أفضل عالم ممكن.

المسيحي: تمهل. رغم أني أعترف أن هذا العالم ليس أفضل عالم ممكن، قد يكون أفضل طريقة للوصول إلى أفضل عالم ممكن.

الملحد: ما هذه اللغة النفسية الخلقية الغريبة؟

المسيحي: محتمل أن الله سمح بالشر لكي يهزمه. فكما قلت، لو لم يسمح الله بالشر، لما أمكن بلوغ الفضائل العليا. فالأشخاص الذين افتدوا من الألم يتمتعون بشخصيات أخلاقية أقوى من الذين لم يمتحنوا بالألم. إن بناء النفس يتطلب شيئاً من الألم. فأيوب في أصحاح 42 رجل أكثر عمقاً وفرحاً من أيوب في أصحاح 1. إذن الشر في هذا العالم يخدم فعلياً غرضاً خيراً في النهاية. إنه يخلق أفضل عالم أبدي ممكن.

الملحد: ولكن لماذا يخلق الله أناساً رغم معرفته بأنهم سيختارون جهنم؟

المسيحي: هل عندك أطفال؟

الملحد: نعم. وأنا نفسي كنت طفلاً!

المسيحي: لماذا أنجبتهم رغم معرفتك أنهم سيعصونك يوماً ما؟

الملحد: زوجتي كثيراً ما تسألني ذلك السؤال!

المسيحي: أنا أعرف لماذا أنجبت أبنائي. لأن الحب لا يخشى المخاطرة. كنت مستعداً أن أخاطر بالفقد في سبيل أن أختبر فرح الحب. وهو ما ينطبق على كل بطولة سوبر بول. كلا الفريقين يعرفان أن أحدهما سيخسر، ومع ذلك كلاهما مستعدان أن يلعبا رغم المخاطرة.

الملحد: ينبغي أن أعترف أن إجابتك منطقية على المستوى الفكري، ولكن الشر ما زال يزعجني.

المسيحي: ويزعجني أنا أيضاً، ويجب أن يزعجنا. فكلنا نعرف أن هذا العالم ليس في الوضع الصحيح، وكلنا نشتاق للسماء. وربما اشتياقنا للسماء مؤشر آخر على أنها حقيقة (ناقشنا بعض المؤشرات الأخرى التي تدلل على ذلك في هذا الكتاب).

الملحد: محتمل، ولكني لا أظن أن إجابتك الفكرية يمكنها أن تساند شخصاً يعاني من الشر.

المسيحي: قد تكون على صواب. ولكنك لست مضطراً أن تصمد أمام الشر بالإجابات فقط. يمكنك أن تستند على المعزي الإلهي، أي الروح القدس، ليساعدك وسط حياة الألم والمعاناة التي تبني النفس.

الملحد: أفضل ألا أعاني على الإطلاق عن أن أستند على مُعَزِّ

المسيحي: ربما لذلك لا يضع الله الألم والمعاناة تحت سيطرتك. ولو فعل، من سيختار أن يجتاز فيهما؟

الملحد: لا أحد؟

المسيحي: هذا ليس صحيحاً بالتمام. مؤكد أن رجلاً اختار الألم. يسوع المسيح اختار الألم طوعاً حتى يصالحك ويصالحني مع الله. وكان ذلك هو النموذج الحقيقي الوحيد للشر الذي يحل بشخص صالح بحق. لذا، يمكننا أن نشكو لله من الألم والمعاناة، ولكن يجب أن نعترف أنه لم يعف نفسه منهما. أما أنت وأنا، فالله أحياناً ما ينقذنا من الشر، ولكنه أحياناً يعزينا وسط الشر. وفي أي من الحالتين، سواء عرفنا أسبابه أو لم نعرفها، يمكن للمؤمنين أن يثقوا في الله من حيث أنه يجعل كل الأشياء تعمل معاً للخير حسب خطته الأزلية.

إن كان الله موجوداً، فلماذا الشر؟

معنى الألم – تأمل على خطى يسوع 3 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى يسوع 3 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى يسوع 3 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى يسوع 3 – الأب نادر ميشيل

 

إقرأ أيضاً:

3- يسوع والألم

مهّدت لنا قراءة سفر أيوب إلى الدخول في فهم موقف يسوع تجاه الألم، وقبل أن نصل إلى الصليب، لابد لنا من تتبّع خطى يسوع في الإنجيل لنتبيّن من ناحية موقفه من الألم ومن المتألمين، ومن ناحية أخرى لفهم الطريق الذي أوصله إلى الصليب. وعند الصليب سنتوقف أيضاً أمام النشيد الرابع للعبد المتألم في سفر أشعياء.

  • مَن هو يسوع؟

يظهر لنا اختيار يسوع الأساسي في موقف التجارب (منى 4/1-11، لو 4/1-13): حياته هي هبة من الله يقبلها بدون استحواذ أو امتلاك، بل في تسليم كلّيّ لله. ويسير طريق يسوع نحو الله من خلال حياته الإنسانية اليومية التي تعرف الجوع والعطش والرغبة في الصداقة والتطلّع إلى النجاح، والتي تمرّ بتحمّل المشقات والصعوبات حتى الازدراء والألم، وفي ذلك كله يتّكل يسوع اتّكالاً كلِّيًّا على الله ويثق به كل الثقة.

وعندما يعود إلى موطنه بقوة الروح، يدخل المجمع ويقرأ سفر أشعياء: «روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشّر الفقراء وأرسلني لأعلن للمأسورين تخلية سبيلهم وللعميان عودة البصر إليهم وأفرج عن المظلومين وأعلن سنة رضا عند الرب» (لو 4/18). إنه يسوع ابن يوسف النجار من الناصرة الذي يحقق هذه النبؤة، فيه ومن خلاله يعلن الله أنه قريب من الفقراء والمأسورين والعميان والمظلومين.

  • رسالة يسوع:

حياة يسوع كلها هي إعلان عن قدرة الله على الألم والمرض، على الخطيئة والموت، على كل ما يكبّل الإنسان جسدياً ومعنوياً وروحياً، على كل ما يهمّش الإنسان عن مجتمعه، سواء أكان بسبب مرضه (البرص) أو خطيئته (السامرية، المرأة الزانية،…)، أو بسبب وظيفته المشبوهة (جباة الضرائب: زكّا، متّى). «إنه لتعليم جديد يُلقَى بسلطان» (مر 1/27)، كان يقول مَن يراه يعلّم ويشفي ويطرد الأرواح الشريرة. تتلخّص حياة يسوع في مواجهة مستمرة وبلا هوادة مع قوى الشر والألم. بدأ يسوع بشفاء المرضى وطرد الأرواح الشريرة، ثم غفر الخطايا وشفى يوم السبت، متخذاً مكان الله الذي يخلق ويخلّص ويجدّد الخليقة في اليوم السابع، وكأنه مَن يعطي الشريعة الجديدة (مر 1-2).

من خلال يسوع، حياته، كلامه وأفعاله، يظهر الله على أنه قريب من الإنسان، وخاصة الإنسان المتألم والمظلوم والخاطئ. كان اليهود ينتظرون مسيحاً يخلق المجتمع الجديد الطاهر والخالي من الخطاة، حيث يحيا الجميع كل أحكام الشريعة، فجاء يسوع ليدعو الخطاة إلى التوبة ويُرجعهم إلى مجتمعهم وينادي بالعدل والرحمة.

  • يسوع وتساؤل الناس أمام الألم:

وأمام الألم واجه يسوع تساؤل مجتمعه: لماذا الألم؟ في إنجيل يوحنا، الفصل 9، يتساءل الناس أمام إنسان أعمى منذ مولده مَن المخطئ؟ ويردّ يسوع: لا هو ولا أهله، ولكن كان ذلك لتظهر فيه أعمال الله. فيقوم يسوع بفتح أعين الأعمى في بداية المشهد الإنجيليّ (9/7)، وينفتح قلب هذا الرجل على نور الإيمان بيسوع في نهاية المشهد ويشهد أنه ابن الله (9/38). وبالنسبة إلى يسوع، لا تُهمّه معرفة سبب الألم بقدر ما تهمّه مواجهة هذه الحالة فوراً وبقوة جذرياً.

فحياة الإنسان أكرم من أي شيء في عيني الله (أش 43/4)، وفي وسط المرض أو الاحتياج أو الألم، جاء يسوع ليكشف للإنسان أن الله بجانبه، ليحرّره من كل مرض وكل فقر وكل خطيئة. مجد الله هو الإنسان الحي. وجاء يسوع ليعلن أعمال الله، ليمجّد الله. ومجد الله هو في هبة الحياة للإنسان وتجديد هذه الهبة باستمرار. وبالنسبة إلينا اليوم، فقد تستمر حياتنا في وسط بعض الآلام، إلا أنّ الألم فقد قدرته المميتة علينا، إذ اكتشفنا معنى حياتنا في الله ووضعنا ثقتنا ورجاءنا فيه.

وفي مرة أخرى، يخبر الناس يسوع عن الجليليّين الذين خلط بيلاطس دماءهم بدماء ذبائحهم فيعلن يسوع أنهم ليسوا أكبر خطيئة من أقرانهم، ويضيف أنَّهم إن لم يتوبوا فسيهلكون مثل أولئك (لو 13/1-5). لم يمت الجليليّون هكذا ميتة بسبب خطاياهم، ولكن استمرار الإنسان في الخطيئة يُدخل إلى العالم العنف والألم، ومعهما العبث واللا معنى. مات الجليليّون بقسوة وعنف، بسبب غباء شخص وتعنّته وشرّه. وشعر مواطنوهم بالخوف والاضطراب، لا من الموت في حدّ ذاته، بل أمام التساؤل عن معنى الحياة وكرامتها، عن جدواها وجمالها، عن مصدرها وغايتها.

وأمام مشهد القتل المأسويّ راودتهم أسئلة عن الله وعن محبته للبشر، عن قيمة الإنسان وعن ماهيّة الألم، ولذا جاءوا إلى يسوع ليخبروه بما حدث. ويفهم يسوع اضطرابهم ويدرك معنى حديثهم إليه: إنهم يطلبون نوراً وفهماً لأن الألم أنزل بهم ظلمة وحسرة وأغلق باب الرجاء في قلوبهم. ويقول يسوع للجليليّين إن الله ليس مصدر الشر والألم، ولكن، لمواجهتهما، على كل واحد أن يتحمّل مسؤوليته، وأول مسؤولية الإنسان عن قلبه، عن أعماله، عن مواقفه تجاه الآخرين: إذا أراد إنسان أن يواجه الألم والشر في العالم، فليبدأ بترتيب قلبه.

في نظر يسوع، قد ينتج الألم من الخطيئة ومن اختلال العلاقات بين الناس، الذي يصحبها. كلّنا يتذكّر نصّ التكوين وقصة الخلق. أصاب وقوع آدم في الخطيئة باختلال علاقته بالله وبحوّاء وبالأرض والعمل. إنكار الإنسان لله وتمحوره على ذاته يصيب علاقاته بالآخرين والعالم بالاضطراب. فالأنانية وحب الاستحواذ والرغبة في السلطة تصيب العلاقات بالخلل وتؤدي لا محالة إلى الألم، وتقود شيئاً فشيئاً إلى خلع كل معنى وطعم عن الحياة، وتُفضي نهائياً إلى الموت. تكرِّس الخطيئة العبث واللا معنى. فتفضيل الخطيئة، أي الظلمة، على النور، والكذب على الحق، والاستحواذ على العطاء، يدخل في منطق الموت والفناء.

ويسوع، في موقفه أمام الألم، يرى بوضوح ما قد يسببه: مرض، فقر، جهل، غشّ،طمع، هامشيّة، احتلال، استغلال للمنصب، خطيئة شخصية وجماعيّة. ولكنه لا يحاول أن يعطي نظرية شاملة عن أسباب الألم، وأبداً لا يبرر الألم ولا يدافع عنه. موقف يسوع هو الحضور بجانب الإنسان المتألم، أياً كان سبب الألم، ومساعدته على النهوض والشفاء، لأن الألم محطّم ومشوّه. موقف يسوع هو في تحرير الإنسان من القيود المؤلمة والمعيقة. موقف يسوع هو أساساً موقف رجاء وثقة، ففي نظر يسوع، لن يكون للألم وما يحمله من عبث وموت الكلمة الأخيرة على الإنسان/ بل محبة الله. وهذا معنى ردّ يسوع أمام الأعمى منذ ولادته «لكي تظهر فيه أعمال الله» (يو 9/3).

  • إعلان يسوع عن الله أبيه:

يثير يسوع بأعماله وأقواله ومواقفه الاضطراب في نفوس الفرّيسيّين والكتبة، فهو يهزّ صورة معيِّنة عن الله ويزعزع المجتمع القائم على السلطة الكهنوتية والدينية من خلال الطقوس والشرائع. برفض الفرّيسيّون والصدّوقيّون أن يقبلوا إعلان الله عن نفسه من خلال شخص يسوع، مفضّلين ومتمسّكين بصورتهم عن الله، ولذا نرى التآمر على إهلاك يسوع منذ البداية في الإنجيل (متّى 12/14، مر 3/6، لو 4/29).

اختيار يسوع لله وإعلانه عن محبته ورحمته يجلبان عليه الرفض والعنف، فأصبح على هامش المجتمع الديني الذي يعيش فيه. عانى يسوع من عدم الفهم وسوء النيّة، وتحمّل الرفض والتآمر. وتَوضّح له من خلال قراءته الكتاب المقدس وأحداث حياته أن طريق حياته سيؤدي به إلى الموت، لكنه ظلّ يرجو ويحب، يعطي ويبذل، يجول يشفي ويغفر ويقيم الموتى. قدّم حياته لأبيه، واثقاً بأن محبته أقوى من الموت. وهذا هو رهان يسوع: إذا أوصلته محبته للبشر إلى الصليب، فمحبة أبيه أقوى من خطيئة الإنسان وعنفه وستخرج منتصرة (متّى 16/21، مر 8/31، لو 9/22). وهذا هو معنى عبارة «يقوم بعد ثلاث أيّام»، إنها تعبير عن إيمان يسوع ورجائه وثقته بأبيه.

  • من أين لك هذا السلطان؟

وإذا كان يسوع قد سلّم حياته لله، ووجّهها إلى محبة إخوته البشر، من خلال كلماته وأفعاله الشافية والمحرّرة، فالسؤال الأساسي الذي يُطرح عليه: من أين لك هذا السلطان؟ (متّى 21/23، مر 11/28، لو 20/2)، بأيّ سلطان تشفي وتحرّر، تغفر وتقيم الموتى. لن يجاوب يسوع على السؤال، لأن الإجابة ليست في فحواها اللفظيّ، بل في الفهم لحياته وكلماته وأفعاله، في عطائه واختياراته الحرّة. ويصل العطاء الحرّ والكامل إلى قمّته على الصليب. تُعطى الإجابة لمَن يدخل في الفهم الداخلي والعميق لحياة يسوع. محور السؤال هو التالي: هل هذا السلطان منك أم يعلن سلطان الله. لا يردّ يسوع ولا يعطي جواباً، سوى جسد ابنه المعلّق على الصليب عرياناً ومزدرّي. يسوع هو كلمة الله الذي صار جسداً، هو كلمة الله الأولى والأخيرة والنهائية، مَن أراد أن يعرف الله فليسمع ويشاهد ويفهم هذه الكلمة، يسوع الناصري ابن الله.

 

  • طريق الآلام:

 في طريق الآلام الذي يسير فيه يسوع، لا نجد إطلاقاً أيّ بحث عن الآلام، أو دفاعاً عنها، أو تواطؤاً معها، أو تبريراً لها. ولا يمكننا أن ننسى أن يسوع تعرّض للآلام ولم يجلبها أو يطلبها. في بستان الزيتون نسمعه يطلب من أبيه أن يُبعد عنه الكأس: كأس الألم والموت، وبكلّ حرّية ومحبة يقبل أن يقدّم ذاته لأبيه وللبشر. طريق يسوع نحو أبيه هو طريق ابن البشر، طريق كل إنسان، وهذا الطريق يمرّ بالألم والموت. وأراد يسوع بمحبته وبكلّ حريته أن يذهب مع الإنسان إلى نهاية الطريق، ليعلن أن محبة الله أقوى وأقدر من كل خطيئة وعنف، ومن كل ألم وموت.

  • … وأسلم الروح:

على الصليب تظهر المحبة التي تربط يسوع بأبيه في الروح، وهذا ما يخلّص العالم: يسلم يسوع حياته، مصيره ومستقبله بين يديّ الآب، والآب يُسلم نفسه في شخص الابن، فكلمته هي هذا الجسد الممزّق المصلوب. الابن يُسلم الروح للآب، والآب يهب الروح للابن ويقيمه من بين الأموات ليحيا للأبد. يسوع يُسلم الروح على الصليب (متى 27/50، مر 15/37، لو 23/46، يو 19/30)، هذا الروح هو روح البنوة الحقيقية التي تخلق الكنيسة، – جسد المسيح القائم من بين الأموات -، والممثّلة في شخصَي مريم والتلميذ الحبيب الواقفين عند قدم الصليب.

هو الروح مَن يهب لكل إنسان القدرة – أي الإيمان والرجاء والمحبة – على اتّخاذ الطريق الذي اختاره يسوع: طريق الإيمان الجذريّ والرجاء الكامل والمحبة الملتهبة للآب وللبشر. وهذا هو ما يخلّص العالم. فليست الآلام التي تخلّص، بل المحبة والإيمان والرجاء التي عاش بها يسوع هذه الخبرة المؤلمة. ينزع الألم الإيمان والرجاء والمحبة من قلب الإنسان، وظلّ يسوع، بالرغم من الألم مؤمناً وراجياً ومحبّاً بفضل الروح.

الألم لا يخلّص، بل المحبة، الأم لا يعطي الحياة، بل الروح. وعندما نقول إن يسوع خلّصنا بآلامه، فنحن نريد أن نقول إن يسوع خلّصنا بالمحبة التي أظهرها في وسط آلامه المشوّهة والمدمرة. وبالرغم منها، نريد أن نقول إنه غلب قوى الموت والألم بإيمانه وبمحبته لأبيه وللبشر، نريد أن نقول إن العبث واللا معنى لم يغلبا يسوع، نريد أن نقول إن الحياة ظهرت في وسط الفناء الذي يحمله الألم، نريد أن نقول إن روح الله، روح الحياة، أقوى وأكبر من الموت والألم اللذين تجلبهما خطيئة الإنسان وعنفه وكذبه، فأين يا موت نصرك؟ وأين يا موت شوكتك؟… فالشكر لله الذي أتانا النصر عن يد ربنا يسوع المسيح (1 قور 15/55، 57). ونحن، عندما نقول: يا يسوع، أقدّم لك آلامي، نريد أن نقول: يا يسوع، إنّي أحبك وأثق بك، وأحب إخوتي، بالرغم من آلامي التي تريد أن تغلق قلبي وتخلع عنّي كل أمل وكل رجاء وكل محبة.

 

  • النشيد الرابع للعبد المتألم:

نحاول بوجه آخر أن نفهم موقف يسوع من الآلام من خلال قراءة النشيد الرابع للعبد المتألم: أش52/13- 53/12. وكلّنا يعرف كم أثّر هذا النشيد في الفكر والروحانية المسيحية، وتأثر به بلا أدنى شك كتاب العهد الجديد.

  • الإعلان عن انتصار العبد المتألم:

يبدأ النشيد بصوت الله الذي يتحدث عن عبده الذي يوفّق ويتعالى ويرتفع ويتسامى جدا: نسمع إعلاناً عن انتصار عبدٍ شُوّهت إنسانيته من جرّاء الآلام: «كما أن كثيرين ذُعروا في شأنك، هكذا لم يعد منظره منظر إنسان، وصورته صورة بني آدم» (52/14). كيف ينتصر ذاك الذي يثير الذعر من منظره؟ كيف ينتصر ذاك الذي لم يعد منظره إنسان؟ كيف ينتصر مَن دُمّر تحت الآلام؟

  • الإنسان الذي شوّهته الآلام:

ثم نسمع جماعة تتحدث: «مَن الذي آمن بما سمع منّا ولمَن كُشفت ذراع الرب؟» (53/1).

في النشيد الرابع لا يتحدث العبد أبداً ولا نسمع صوته، نسمع أولاً إعلاناً من الله بانتصار عبده، ثم ثانياً اعتراف جماعة تؤمن وتعلن أن ذراع الرب كُشفت فيه. فماذا حدث؟ وكيف حدث هذا؟

«فحسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلّلاً» (53/4ب)، تقول الجماعة، لماذا؟ «فإنه نبت كفرع أمامه وكأصل من أرض قاحلة، لا صورة له ولا بهاء، ننظر إليه ولا منظر فنشتهيه، مزدرّي ومتروك من الناس، رجل أوجاع وعارف بالألم، ومثل مَن يُستر الوجه عنه، مزدرى فلم نعبأ به» (53/2-3).

يعرض هذا النص وصفاً دقيقاً لآثار الألم في الإنسان، فهي تشويه وتحطيم، وهي تدمير وفناء، وهي قوة انغلاق وانعزال. الألم عدو الإنسان، يخلع عن الإنسان إنسانيته.

لماذا يحدث كل هذا لذلك الإنسان؟ في اعتقاد مَن يتحدّثون، بالتأكيد هو متروك من الله ومذلّل، بالتأكيد هو مصاب من الله،فيحمل في جسده عقاب ما اقترفت يداه.

  • اعتراف الجماعة بكذبها:

ولكن أمام هذا المنظر الصامت، المرعب والبشع والمخيف، تكتشف الجماعة كذبها ونفاقها فتقول: «فحسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلّلاً». تكتشف الجماعة الحقيقة في وجه مَن لا صورة له ولا بهاء: إنه ليس مصاباً أو مضروباً من الله، لكنه يحمل على وجهه وجسده وحياته آلام الجماعة وأوجاعها: «لقد حمل هو آلامنا واحتمل معاصينا، فحسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلّلاً. طُعن بسبب معاصينا وسُحق بسبب آثامنا. نزل به العقاب من أجل سلامنا وبجرحه شُفينا» (53/4-5).

تعترف الجماعة بأن آثامها ومعاصيها أدّت بالعبد الصامت إلى الآلام، إلى تشويه صورته وتحطيم جسده وحياته. على وجه العبد المتألم، يكتشف الإنسان فرداً وجماعة قبح الخطيئة، وقبح الكذب والأنانية والعنف والبغض. أمام العبد المتألم، نكتشف إلى أيّ مدة تشوّه الخطيئة الشخصية والجماعية الإنسان وتقتله، وإلى أيّ مدى تؤدّي الخطيئة إلى تحطيم الحياة وهدم الخلق وتنزع عن الإنسان إنسانيته.

 

  • طريق الحياة وانتصار العبد:

تدخل الجماعة في طريق الحياة، في طريق التوبة، معترفة بكذبها وخطيئتها: «كلنا ضللنا كالغنم، كل واحد مال إلى طريقه، فألقى الرب عليه إثم كلنا. عومل بقسوة فتواضع ولم يفتح فاه كحمل سيق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام الذين يجزونه ولم يفتح فاه» (53/6-7). الجرح الذي يسبّبه الإنسان الخاطئ لله هو في الحقيقة جرح لإنسانيته. بالخطيئة يصبح الإنسان لا صورة له ولا بهاء.

كيف يتحقق انتصار العبد، توفيقه، تعاليه وارتفاعه، وتساميه جداً؟ يتحقق ذلك من خلال النور الذي يخرج من جسده الممزّق ليفيق الإنسان من كذبه وعماه. «مع أنه لم يصنع عنفاً ولم يوجد في فمه مكر… بسبب عناء نفسه يرى النور ويشبع بعلمه، يبرّر عبدي الكثيرين وهو يحتمل آثامهم» (53/9ب، 11).

انتصار العبد وتوفيقه هما في اعتراف الإنسان بحرّيّة أمام العبد المتألم والصامت: أحبّني حتى إنه قبل هذا التشويه والتحقير من أجلي، أنا الخاطئ. فالعبد يهب نفسه واثقاً من أن الآلام المشوّهة لن تكون الكلمة الأخيرة في حياته، بل النور الذي يجعله الله له. والعبد يهب نفسه واثقاً من قدرة مَن ينظرون إليه، البشر الخطأة، على الخروج من كذبهم واعترافهم بمحبته الفيّاضة والفائقة لهم. ولذا لا ينطق العبد بكلمة، لكنه ينتظر برجاء وثقة اعتراف الجماعة المؤمنة: «نزل به العقاب من أجل سلامنا وبجرحه شفينا». يراهن الله على عبده، والعبد يراهن بحياته على الخطأة. وتوفيق العبد وتساميه هما في اعتراف الإنسان بحرّيّة بأن المحبة، محبة الله وعبده، تبادر بالعطاء وتهب بلا حدّ ولا قياس. ارتفاع العبد وتعاليه هما في تحمّله الآلام والعنف حتى يخلص مَن يحب من وطأة الظلام والكذب والخطيئة.

انتصار العبد هو إعلان الجماعة عن إيمانها بأن حب الله الذي ظهر على وجه العبد وجسده أكبر وأعظم من خطيئتها. انتصار العبد هو تحوّل الجماعة الحر من الكذب والخطيئة إلى الحق والنعمة. انتصار العبد هو في الاعتراف بنعمته الفيّاضة والمُحيية، ومبادلته الحب بالحب، والعطاء بالعطاء. انتصار العبد هو في إعلان الجماعة أن العبد خلّصها من الخطيئة بمعنى أن ليس لها الكلمة الأخيرة على حياتها، فكما آمن العبد بأن قدرة الله ومحبته أقوى من الموت، كذلك آمنت الجماعة بأن الله هكذا أحبّها حتى إنه غلب الخطيئة بتحمله إياها في شخص العبد.

انتصار العبد هو في إعلان الجماعة أن محبة الله أقوى وأكبر من الخطيئة، وأنه بجرح العبد المتألم دخلت إلى النور والحق والحياة. أمام العبد تكتشف الجماعة في الوقت نفسه كذبها وخطيئتها، ومحبة الله أقوى منهما، تكتشف الظلمة في داخلها والنور الذي يفوق الظلمة، تكتشف قبح فعلها ومحبة الله التي تقبل أن تحمل هذا القبح على وجه العبد الصامت.

انتصار العبد المتألم هو في دخول كل إنسان إلى حياة الحق والعدل والمحبة. العبد المتألم لا يتكلم ولا ينطق، لكن صارت حياته كلها كلمة محبة ورجاء، صارت حياته كلها كلمة مصالحة وشفاء. ومَن يعلن انتصار العبد الصامت؟ هم الذين تحرّروا من خطيئتهم، هم الذين تحرّروا من الكذب والظلمة، هم الذين يعلنون أن محبة الله هي الكلمة الأولى والأخيرة على حياة الإنسان.

 

  • من جسد المصلوب خرجت الحياة:

يعود بنا هذا الالتفاف حول نص أشعيا إلى الصليب، لنزداد تعمّقاً في معنى غلبة يسوع على الموت والآلام. كما ذكرنا سلفاً، يلفظ يسوع الروح على الصليب الذي يمنح الإيمان: «كان هذا الرجل ابن الله حقاً» (متى 27/54، مر 15/39، لو 23/47)، يعلن قائد المائة إيمانه بالله أمام هذا الرجل يسوع الناصري المصلوب الذي يلفظ الروح. كلمة الله للبشر حتى نهاية الأزمنة هي جسد هذا الإنسان المعلّق على الصليب. في المسيح يجد كل إنسان طريقه إلى النور والحياة، لأنه في جسده أبطل الضغينة وغلب الموت (راجع أف 2/14-18، قو 2/13-14).

وفي إنجيل يوحنا يموت الناصري ليقوم حياً في جسده الكنيسة الممثّلة في شخصَي مريم ويوحنا الواقفين عند قدم الصليب. وفي ليلة الأحد، أحد القيامة، ينفخ يسوع روحه على التلاميذ ويرسلهم ليغفروا الخطايا، بمعنى أن يحرّروا ويشفوا ويحلّوا القيود والأغلال، وأن يقاوموا كل ألم وكل ظلم. تلك الرسالة التي بدأوها في حياة يسوع (متى 10/5-8، مر 6/7-13، لو 19/1-6)، تصبح من هذه اللحظة كل حياتهم وأساس عملهم ونشاطهم. فنراهم يشفون المرضى (رسل 3/1-8)، ويقيمون الموتى (رسل 9/37-40)، ويبشّرون بالمصالحة وغفران الخطايا (1 قور 1/22-24، 2 قور 5/11-21).

رسالة التلاميذ هي إتمام رسالة المعلّم: إعلان الله القريب من كل إنسان متألم، مظلوم، فقير، خاطئ. رسالة التلاميذ هي شهادة ليسوع المصلوب القائم من بين الأموات بمعنى أنها شهادة لمحبة الله القادرة على غلبة الخطيئة والعنف والكذب والموت. رسالة التلاميذ هي شهادة لروح الرب الذي يحيي الأموات، الذي يخلق من جديد، الذي يغفر الخطايا، الذي يفتح طريق الحياة في قلوب المتألمين والمحزونين.

رسالة الكنيسة لم تكن ولن تكون في الدفاع عن الآلام، أو في تبرير كل ما يحطّ ويقيّد الإنسان، بل كانت وستظلّ رسالة رجاء، شفاء، تحرير. هي رسالة قيامة: «فإذا كنّا متنا مع المسيح، فإنّنا نؤمن بأنّنا سنحيا معه» (روم 6/8). هذه هي رسالة الإنجيل، وهذه هي البشارة.

رسالة الكنيسة هي الإعلان أن هناك مستقبلاً لمَن هوى في الآلام أصبح بلا أمل ولا رجاء. رسالة الكنيسة هي في اتّخاذ كل الوسائل لتخفيف عن آلام الناس بكافّة أنواعها وأشكالها ومهما كانت أسبابها. رسالة الكنيسة هي رسالة يسوع المسيح: في وسط الآلام والمحنة يفتح الله طريقاً لكل إنسان، يعد بمستقبل، يقيم من الموت، كما أقام ابنه الوحيد سيداً وربّاً في السماوات وعلى الأرض للأبد.

الألم، هل من معنى؟

أنوار على الطريق

يمرّ طريق حياتنا بالآلام، آلام حياتنا الشخصية وآلام مَن نقابلهم على طريقنا. ولنا ولهم لا وجود لوصفة سحرية للتخلّص من تلك الآلام أو الإجابة على التساؤلات والهواجس التي تثيرها في نفوسنا وقلوبنا.

تشوّه الآلام إنسانيتنا وتحطّم حياتنا. هي قوى عبث ولا معنى تتسلّل إلى قلوبنا، تملأنا باليأس والخوف، وتُذيقنا طعم الفناء والموت.

لكن هل من سبيل للوصول إلى معنى عبر الآلام وبالرغم عنها؟ سنحاول تلمّس طريقنا، مع الاعتراف مبدئياً بالتقدير لكل مَن وقع تحت الآلام ولم يستطع الوقوف أو الوصول إلى معنى لحياته المحطّمة من جرّاء الظلم والعنف والألم. نسعى لاكتشاف أنوار على طريق الخروج من الألم، ونحاول إعطاء معنى للحياة بعد أن أصابها الألم. ونكتشف أن الخطوات البسيطة للخروج من الألم والتفوق عليه هي ما تعطي معنى للحياة عبر طريق الألم وبالرغم منه. ولا يتم الخلاص من الألم في لحظة، لأن الشفاء منه مسيرة نهوض مستمر ورجاء متجدّد، ولأن مقاومة سطوته فينا وفي الآخرين يستغرق حياتنا كلها.

  • التعبير عن الألم:

تثير الآلام الثورة والرفض: «إلامَ يا رب؟…» (مز 89/47)، أو، كما يقول إرميا «لماذا صار ألمي دائماً وضربتي معضلة تأبى الشفاء؟ إنك صرت لي كينبوع كاذب، كمياه لا يعتمد عليها» (15/18). وبعد الثورة عليه، يأتي الخوف من أن يعود مرة أخرى بعد أن يذهب. ولذا فلا بدّ من تعلّم التعبير عن الثورة والغضب والخوف أمام الألم، وذل ليس سهلاً دائماً، بسبب الخجل أو اليأس من أنفسنا أو من الآخرين. ولكن التعبير عن الذات هو أول الخلاص، ويعني أنّنا نثق بالآخر بالرغم من كل شيء. وتعرض لنا المزامير درساً رائعاً في هذا الشأن: «اللهم خلّصني فإن المياه قد بلغت حلقي… زاد عدد شعر رأسي عدد الذين بلا سبب أبغضوني… اللهم أنت عالم بحماقتي ولم تخفَ عنك آثامي… إني بائس ومتوجّع، فليحمني خلاصك يا الله… لأن الرب للمساكين يستمع وأسراه لم يزدرِ» (69/1، 5أ، 6، 30، 34).

ومريم، أخت لعازر، انغلقت في حزنها على أخيها الذي مات، وفي غضبها على يسوع لأنه تأخر في المجيء ليشفي أخاها. ولم يُنقذها من انغلاقها سوى نداء أختها، مرتا: «المعلم ههنا وهو يدعوك» (يو 11/28). وبدأت مريم مسيرة الخروج من ألمها بالتعبير ليسوع عن مدى حسرتها على موت أخيها وعن خيبة أملها في يسوع نفسه: «يا رب، لو كنت ههنا لما مات أخي» (يو 11/32). وتستمر المسيرة بالمضيّ نحو القبر حيث أنتن الميت. فتظهر الحياة في مواجهة الموت، ويتم شفاء القلب في التصدّي للشك والتردّد. وهنا يطلب يسوع إلى مريم ومرتا إيماناً به وبمحبته للعازر أقوى وأكبر من الموت: «فقال يسوع: «ارفعوا الحجر». قالت مرتا، أخت الميت: «يا رب، لقد أنتن، فهذا يومه الرابع». قال لها يسوع: «ألَم أقل لك إنك إن آمنت ترين مجد الله؟»… قال هذا ثمّ صاح بأعلى صوته: «يا لعازر، هلمّ فاخرج». فخرج الميت…» (يو 11/39-40، 43).

تبدأ المعجزة في قلب الأختَين، مرتا ومريم، حين يخرجان من صمتهما، ويعبرّان عن ألمهما، ويجدّدان إيمانهما بيسوع في وسط الموت وبالرغم من الألم، وتنتهي المعجزة بخروج لعازر من القبر. وإن لم تكن المعجزة الأولى قد تمّت في القلب، لما كان بالإمكان الوصول إلى الثانية. إن الله يغيّر القلوب ويفتح فيها طرق حياة في وسك الألم والموت. وهذه هي المعجزة اليومية التي تحدث لكل واحد منّا. ربّما لا تتغير الظروف الخارجية الصعبة، وربّما لا تتحوّل المضايق الداخلية المجرّحة، ولكن القلب يتغيّر دائماً بنعمة الله وتنفتح داخله آفاق صبر وتحمّل وأمل، لمَن يضعون ثقتهم بالرب.

  • طرق مسدودة وآفاق جديدة:

وينقذنا الكلام من الانغلاق في المرارة والعدوانيّة، المرارة والعدوانيّة على أنفسنا وعلى الآخرين: «أنا السبب، أستحقّ كل ما يجري لي»، «هو السبب وراء مشاكلي كلها»،… فعندما نتحدّث، نكتشف الأشياء بموضوعية أكبر، تلغي التضخّم الذي يُحدثه الألم في تأنيب الذات وفي اتّهام الآخر.

ويساعدنا الكلام عندما نمرّ بالآلام على التعرّف إلى ردود فعلنا التي يشوبها أحياناً الرجوع إلى الوراء، أي التصرّف بشكل طفوليّ أو مراهق: أنانية، طلب إشباع سريع للرغبات، علاقات انصهاريّة مع الآخرين، ردود فعل سريعة غير متعقّلة، عدم تحمّل النقص المادّيّ والعاطفيّ والروحيّ،… فعلى سبيل المثال، يبدأ بعض الأشخاص في الحديث عن أنفسهم بلا انقطاع كالأطفال، كأنهم أصبحوا مركز الكون، ويطلبون من الآخرين أن يتحولوا إلى خدم لهم. ويتراجع بعضهم إلى الخلف، محاولين، بحثاً عن التعزية، تلبية احتياجات «فميّة» كالأكل بشراهة، أو شرب الكحوليات من دون أدنى تعقل، أو التدخين بجنون، …. ويحاول آخرون نسيان ذواتهم في الغرق في العمل، في الاستغراق في مشاهدة التليفزيون ساعات طويلة، أو في البحث عن إشباع ملذّات جنسية بوجه أناني وغير بناء للشخص وللآخرين.

ويقع بعضهم فريسة للغيرة وللحسد، وللغضب والعصبية. ويرتبط بعضهم الآخر بأشخاص معيَّنين بوجه يحيطه اللبس والإبهام. ففي كل هذه الأحوال، يسمح الكلام للمتألم بالدخول في علاقة سويّة مع مَن حوله، يمكنهم من توجيه نظره إلى بعض ردود أفعاله الزائدة عن الحدّ، أو تلك التي يشوبها مظاهر الطفولة أو المراهقة.

ويلجأ بعض الناس إلى الصلاة بوجه يعني رفض مواجهة الواقع المؤلم (مرض، حادث، فشل أو رسوب، موت،…)، ومحاولة اقتلاع هذا الواقع كأنّ ما حدث لم يحدث قطّ، وكأنّ الزمن قد أُلغي. فيطلبون الشفاء السريع من مرض خطير، أو ينغلقون في مخيّلتهم مع ذكريات وصور مَن رحل عنهم، أو يرفضون قبول فشل ما بالغرق في الحزن والبكاء، وغير ذلك من الأمثلة التي نعرفها. ونحن نعلم أن قوة الصلاة تكمن في الانفتاح على المستقبل وانتظار نعمة الله التي تنتصر على الموت ولكنها لا تُعفي المؤمن من المرور به.

فيسوع في بستان الزيتون كان يطلب من أبيه إبعاد الكأس عنه، إلا أنه عبَّر عن ثقته العميقة بالله وعن تسليم حياته ومصيره ومستقبله بين يديّ الآب. وعلى الصليب لم يردّ الله على طلب الناظرين الذين تهكّموا على يسوع وطلبوا من الله أن ينزل ليُنقذه من الصليب: «خلَّص غيره، ولا يقدر أن يخلّص نفسه. هو ملك إسرائيل، فلينزل الآن عن الصليب. اتَّكل على الله، فليُنقذه الآن، إن كان راضياً عنه، فقد قال: أنا ابن الله» (متّى 27/42-43). كان طلبهم يعني أنه، إن كان الله معه، فليلغِ الصليب والألم والموت، في حين كانت صلاة يسوع تسليم لحياته ومصيره بين يديّ الآب بكلّ إيمان وثقة في الله القادر أن يقيمه من الموت: «يا أبت، في يديك أجعل روحي» (لو 23/46).

في طريق البحث عن معنى لحياتنا المهتزّة تحت وطأة الألم، قد تساعدنا الذاكرة مساعدة كبيرة. فتتذكر ما صنعه الرب في الماضي، كيف وكم خلّصنا؟ وهذا هو ملخّص صلاة المزامير: أنت، يا رب، من خلّص آبائي، ستخلّصني أنا أيضاً، أنت، يا الله، مَن كان معي منذ بداية حياتي، لن تتركني اليوم في ألمي، كما خلّصتني في السابق ستخلّصني مرة أخرى، ما أكثر وأعظم مراحمك يا رب.

وقد تعطينا العودة بالذاكرة إلى الماضي رجاءاّ ينير ما نعيشه اليوم وفهماً يُوضّح لنا ردود أفعالنا وكيفية مواجهتنا للظروف المؤلمة. فمن المهمّ أن تُذكر طريقة معالجتنا السابقة لخبرة الألم وكيف واجهناها وكيف تغلّبنا عليها، فنتجنّب الطرق المسدودة التي تُغرقنا في الحزن والألم، ونتمسّك بكلّ قوة بالوسائل التي تساعدنا على تخطّي الفترات الصعبة. فعلى سبيل المثال، قد نكتشف أن الأكل بشراهة لم يُفد، أو أن إغلاق الغرفة على أنفسنا لم ينفع، في حين شعرنا بجدوى الحديث إلى شخص حولنا، أو أحسسنا بأهمية عدم الانقطاع عن نشاطنا وعملنا.

للخروج من الألم، قد يكون السبيل إذاً في الذاكرة التي تتذكّر أعمال الله في الماضي، وفي الإرادة التي تنتبه لما يحدث لها اليوم من نِعَم، فتدفع الإنسان إلى انتظار الله بملء الثقة والرجاء فيه. وقد تفتح لنا هذه الخطوات الصغيرة آفاق نضج متجدّد لشخصيّتنا، واكتشاف أكبر وأعمق لقدرات وأبعاد مجهولة في حياتنا. كم من مرة بعد عبورنا تحدٍّ معنويّ أو ماديّ (سير على الأقدام لمدّة طويلة، مواجهة دروس صعبة، تخطّي تحديات كبيرة في العمل، …)، نقول لأنفسنا: «لم أتصوّر قطّ أنّي قادر على فعل ذلك».

إذاً قد يكون العبور بالألم فترة نتعرّف فيها إلى ما لم ينضج بعد في أنفسنا، ما بقي فينا من طفوليّ أو مراهق. فقد يساعدنا العبور بالألم على التعرّف إلى ما يعوق نموّنا ونضجنا وإيماننا، وعلى ما يمنعنا من الحياة من أجل الآخرين. لا تساعد الآلام في حدّ ذاتها على النموّ، لكن ما يساعدنا هو اكتشافنا ذواتنا وطريقة حياتنا وتفاعلنا مع الناس والأحداث من خلال خبرة الألم.

  • القلب المنتبه:

ولعبور فترات الألم، يجب علينا أن ننتبه إلى الأمور الصغيرة التي تعطينا تعزية وسلاماً، وأن ننتبه إلى الأضواء الخافتة التي تبدأ بالظهور في ظلمة حياتنا. فالسبيل الغامر يبدأ بقطرات ضعيفة، والنور يبدأ في الظهور في قلبنا عبر مكالمة تليفونية من صديق يواسي، من خلال مرح طفل صغير في العائلة، من خلال انتباه بسيط إلى مشكلة إنسان غيرنا، من خلال كلمة سمعناها من شخص تقيّ أو قرأناها في كتاب صلاة، …. فنتمسّك بهذه الأنوار ونسير وراءها إلى الأمام بكل قوة، لأنها ستزداد وضوحاً يوماً بعد يوم، وستترسّخ فينا حتى تصبح يقيناً.

ويجب علينا أيضاً أن ننتبه إلى التواطؤ الخفيّ مع الألم، عندما نحتقر علامات التعزية الصغيرة ونتجاهل الأضواء الخافتة المنيرة في قلبنا، أو عندما نفضّل البقاء في الألم لأنه يجلب لنا بعض الفوائد غير المتوقّعة كالتفاف الناس حولنا وإشفاقهم علينا، أو عندما لا نجرؤ على الرجاء في الحياة مرة أخرى، فلا نقاوم الحزن ولا نعالج المعوقات، بل نستسلم لها.

  • التضامن مع الآخرين:

اكتشف أيوب أن طريق الخروج من آلامه يمرّ بالانتباه إلى الآخرين، إلى المظلومين والمتألمين، وبالبحث عن العدالة وبالعمل على تحقيقها. وفي الإنجيل يطلب يسوع من تلاميذه الجائعين والتعبين إطعام الجموع الجائعة، فيُشبع الكل ويُفيض الخبز (مر 6/30-44). وبعد القيامة يظهر يسوع لتلاميذه الخائفين، ويريهم جروحه معطياً السلام لهم ونافخاً الروح فيهم، فينطلقون لتحرير كل الخائفين والمقيَّدين (يو 20/19-23). شبع التلاميذ عندما تخطّوا ألم جوعهم وتفوّقوا على تشكّكهم، فشاركوا الجموع بالأرغفة والسمكات القليلات، بناء على طلب يسوع وببركته. وانطلق التلاميذ يُعلنون البشارة بغفران الخطايا بعدما رأوا الرب وفرحوا لأنه قد انتصر على الجروح التي سبَّبوها له بخطيئتهم وخوفهم وهربهم.

في الإنجيل، نرى الجوعان يُطعم الجائعين، والخاطئ يبشّر بغفران الخطايا. يمرّ طريق الحياة ببذلها في سبيل الآخرين، ويشعّ النور في قلوبنا حين نقاوم الظلام في قلوب الآخرين. لذا، عندما يطبّق علينا الألم، فلا نتراخى عن نجدة مَن يستغيث بنا أو يطلب مساعدتنا وصداقتنا. فهذا هو طريق خلاصنا وخلاصهم. فعلى سبيل المثال، قد تجد الجَدّة الأرملة شعاعاً من نور في مساعدة حفيدها على عمل واجبه المدرسيّ، وقد يتفوّق مريض على جزء من اكتئابه عندما يستمع إلى جاره المريض في غرفة المستشفى، وقد يجد الكاهن الذي يمر بجفاف روحيّ شيئاً من التعزية في إرشاده الروحيّ لأشخاص يشعرون المشاعر نفسها. يشعّ النور عندما نواجه قوى الظلام من شك وحزن وتردّد، فينا وفي الآخرين. تظهر الحياة في واقعنا وتاريخنا عندما نقاوم الجوع والخطيئة فينا وفي الآخرين.

وكذلك نرى بذل الذات في سبيل الآخرين في حب الأم لأولادها، وفي تعب المدرس من أجل تلاميذه، وفي سهر الطبيب على مرضاه. ولا يبحث هؤلاء عن التعب ولا عن الألم، ولكن التضحية بالذات في سبيل مَن نحب هي بمثابة ولادة جديدة لا تخلو من التعب والألم، ولادة تجد معناها في المحبة وفي عطاء الحياة، ولادة تبعث الفرح والرجاء وتنسى الضيق لأنه قد «وُلد إنسان في العالم» (يو 16/21). ومن هذا المنطلق بوسعنا أن نفهم كلمات بولس الرسول: «يسرّني الآن ما أعاني لأجلكمفأُتمّ في جسدي ما نقص من شدائد المسيح في سبيل جسده الذي هو الكنيسة…» (قو 1/24، 29). لا يرغب الرسول في الآلام ولا يبحث عنها، ولكنه يتحمّلها محبة للآخرين ليلدهم في المسيح.

  • المساندة الروحية وخبرة القيامة:

في طريق البحث عن معنى للألم، بكون حضور الآخرين بجانب الإنسان المتألم هاماً وضرورياً (وجد أيوب في شخص أليهو مَن ساعده على تعميق وجهة نظره وعلى الانفتاح على معنى جديد لحياته؛ استنجدت مرتا ومريم بيسوع لمساندتهما في مرض أخيهما، وجاء يسوع ليقف بجانبهما؛ طلب يسوع من تلاميذه الحضور بجانبه في بستان الزيتون؛…). الحياة والرجاء مُعدِيان، ينتقلان من شخص إلى شخص، وهما دائماً هبة من شخص لشخص آخر. وإذا كنّا أحياء اليوم، فيعود الفضل إلى أشخاص عديدين ساعدونا بحضورهم وبمثالهم، ساعدونا بكلماتهم وبوقوفهم إلى جانبنا في مواجهة الألم، أيّاً كان نوعه وسببه.

وإذا كنّا نؤمن اليوم، فيرجع الفضل إلى ما أعطانا الآخرون من إيمانهم، ومن رجائهم، ومن محبتهم وسط المضايق والآلام. وإذا كنّا نحيا اليوم، فيرجع الفضل إلى الأشخاص الذين قابلناهم في حياتنا ولم يُخفوا آلامهم وضعفهم وجرحهم، بل كشفوا لنا طريق الفصح الذي عبروه.

خبرة القيامة هي إعلان: يظهر يسوع لتلاميذه ويُريهم جروحه، إنها لم تَختَفِ، لكنها صارت علامة الانتصار على الألم والموت، وأصبحت إعلان عن الفرح الذي يهبه القائم من بين الأموات. يخلّص يسوع تلاميذَي عمّاوس من الحزن واليأس، فيجريان في وسط الليل إلى التلاميذ في أورشليم ليعلنوا أن المصلوب قام من بين الأموات وقد تعرّفوا إليه عند كسر الخبز. من إعلان لإعلان، تنتشر بشرى القيامة: يسوع الناصريّ، المصلوب، هو حيّ.

  • من أنا؟

وهكذا قد تساعدنا الآلام على اكتشاف حقيقة حياتنا، وهذا ما يسمّى التواضع. فلا يعني التواضع الانحطاط، بل تقبُّل حقيقة حياتنا وعلاقتنا بالله والآخرين كما هي. مع الألم، تسقط صورنا عن أنفسنا: صورة الصحة التي لا تعرف المرض، القوة الداخلية التي لا تعرف الاضطراب، الغنى المعنويّ أو الماديّ الذي لا ينضب ولا يتغيّر، التعزية الروحية التي لا تفهم معنى الجفاف،…. عندئذ قد ينفتح أمامنا طريق جديد نكتشف من خلاله ذواتنا مختلفين عمّا كنّا نعرف أو نتصوّر عن أنفسنا، نكتشف أنفسنا كأشخاص أكثر حساسية، أكثر شفافية، أكثر تحمّلاً وصبراً، كأشخاص أكبر قدرة على فهم الآخرين والتضامن معهم، وأعمق إيماناً بالله وثقة به.

وإذا أتت الظروف المؤلمة على ما كنّا نمتلك ونحيا من جميل وحلو ومهم، فقد نكتشف، عبر خبرة الألم، حقيقة أنفسنا كإنسان يحيا بواسطة الآخرين ومن أجلهم، إنسان يحيا بنعمة الله ومن أجله. وهذا ما يعبّر عنه بولس حين يقول عن كيانه الجديد في المسيح: «… فإنّي بالأحرى أفتخر راضياً بحالات ضعفي لتحلّ بي قدرة المسيح. ولذلك فإنّي راضٍ بحالات الضعف والإهانات والشدائد والاضطهادات والمضايق في سبيل المسيح، لأني عندما أكون ضعيفاً أكون قويًّا» (2 قور 12/10). لا يبحث الرسول عن الشدائد ولا يبغي المضايق، ولكن عندما تحلّ به الإهانات ويلقى الاضطهادات ويشعر الضعف، يكتشف نفسه محمولاً بقوة محبة المسيح له.

وهكذا قد نكتشف أن قيمة حياتنا لا تعتمد على ما نحن عليه أو نملكه، بل على كون كل واحد فينا مهماًّ وثميناً في نظر الآخرين وفي نظر الله. وهكذا قد تعبر بنا الآلام إلى اختبار حرّية متجدّدة، هي حرّية القلب الذي يسكن في الله ويسكن الله فيه.

نافذة

تحمُّل الآلام طريق صعب وثقيل، ومواجهة الآلام كفاح طويل ومرير، والنصر ليس بديهياًّ أو واضحاً. ولكن إيماننا يعلن أنه ليس للموت والآلام الكلمة الأخيرة في حياة الإنسان، وإيماننا يدفعنا دفعاً لاتّخاذ موقف إيجابيّ للتخفيف من الألم، بل إلى نزعة من حياة البشر، وإيماننا يدعونا بكل قوة إلى التضامن الفعليّ مع كل المتألمين والمظلومين. الآلام هي قوة انغلاق وتحطيم، ونغلبها بالخروج من ذواتنا للدفاع عن كل المتألمين، وقد كان هذا طريق الأنبياء وأيوب ويسوع. تدفعنا الآلام دفعاً لمقاومتها، لإزالتها بكل ما أوتينا من قوة ومقدرة ووسائل.

لماذا الألم؟ لماذا أنا؟ لا توجد لدينا إجابات شافية أو كاملة عن هذه الأسئلة، ولكن نحن واثقون بأننا للحياة والفرح، ونحن واثقون بغلبة يسوع المسيح على الألم والخطيئة والموت.

في وسط العالم نحن شهود على القيامة، نحن فعلة للعدالة، نحن مقاومو الألم، الظلم، المرض والحزن.

في وسط العالم، حياتنا هي إيمان بيسوع القائم من بين الأموات، وإذا جرّدتنا الآلام من كل شيء، فنحن نعلم أنّنا نستمدّ حياتنا من الله وقيمتها الوحيدة هي أن نكون فيه: «فمَن يفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدّة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عريٌ أم خطر أم سيف؟… ولكننا في ذلك كله فزنا فوزاً مبيناً بالذي أحبّنا وأنّي واثق بأنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا أصحاب رئاسات، ولا حاضر ولا مستقبل ولا قوات ولا علوّ ولا عمق ولا خليقة أخرى بوسعها أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا» (روم 8: 35، 37-38).

 

معنى الألم – تأمل على خطى أيوب 2 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى أيوب 2 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى أيوب 2 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى أيوب 2 – الأب نادر ميشيل

إقرأ أيضاً:

2- سفر أيوب: لماذا الألم؟

بعد أن تناولنا ماهيّة الألم وآثاره في الإنسان والسؤال الذي يثيره حول معنى الحياة، يظلّ السؤال الذي يتردد دائماً: «لماذا الألم؟ وما السبب؟ ومَن المسئول؟».

بادئ ذي بدء، نقول إن هذه الأسئلة صحيحة لأنها تدلّ على أن السائل يعي أن الألم شر لابد من تجنّبه، وإذا وقع فلابد من اقتلاعه. لم نجد في قرائتنا السابقة للمزامير ولن نجد في الكتاب المقدس كله دفاعاً عن الألم ولا طلباً للألم ولا استمتاعاً بالألم.

لكن كيف يرد الكتاب المقدس على هذا السؤال: «لماذا الألم؟».

لن نجد إجابة واضحة، نهائية وشافية على هذا السؤال، ولكنّنا سنحاول تلمّس طريقنا في الإجابة عليه من خلال قراءة لاهوتيّة لسفر أيوب، وعند اللزوم سنتطرّق إلى أسفار أخرى من الكتاب المقدس أو نعرض بعض التفسيرات الفلسفية واللاهوتيّة الشائعة.

  • ما هو سفر أيوب؟

يصنَّف سفر أيوب في باب الكتب الحكميّة التي تعرض سرّ الإنسان والحياة والموت، وتخاطب الإنسان أياً كان، ناقلة من حكمة البشر ما يساعد كل مؤمن على فهم سر الحياة والحب والعمل والخلق والخلود. وأيوب هو أحد الحكماء الذي واجه مثل باقي البشر السؤال الذي يطرحه الألم والمرض والموت. ونحن لا نعرف لأيوب وطناً أو زمناً أو ديانة، غير أنه رجل مؤمن بالله. ويعود زمن كتابة السفر غالباً إلى ما بعد سبي الشعب العبراني إلى بابل(587-534 ق.م).

  • مَن هو أيوب؟

أيوب هو رجل صالح بمدحه الله: «إنه رجل كامل مستقيم يتقي الله ويجانب الشر، وإلى الآن متمسّك بكماله» (2/3). ويأتيه الشر من مصدر غريب عن الله وعن الإنسان. فنسمع الشيطان يشكّك في صدق إيمان أيوب ويشكوه لله. يبحث سفر أيوب أولاً وأخيراً في أساس العلاقة بين الله والإنسان، والسؤال هو التالي: هل يطيع الإنسان الله بسبب الخيرات التي ينعم بها؟ وبالنسبة إلى الشيطان، إذا نُزعت هذه الخيرات، ارتدّ الإنسان عن الله وأبطل علاقته به.

  • مصائب أيوب:

بفقد أيوب صحته وبنيه وممتلكاته كلها، فيبقى مؤمناً بالله ولم يجدف أبداً عليه: «وقال: عرياناً خرجت من بطن أمي وعرياناً أعود إلى هناك. الرب أعطى والرب أخذ، تبارك اسم الرب. في هذا كله لم يخطأ أيوب، ولا عتب على الله». (1/21-22). يؤمن أيوب بالله ويعترف بقدرة الله على كل شيء. ولكن هذا الاعتراف الإيمانيّ المبدئيّ لا يجاوب على التساؤلات التي يطرحها الألم: لماذا؟ لماذا؟ من أين يأتي؟ ومَن السبب؟. بل أكثر من ذلك، إنه لا يعيد السلام والنور إلى علاقة أيوب بالله، تلك التي اهتزّت تحت وطأة الألم، وجعلت أيوب يتساءل مَن هو الله الذي يرى الشقاء الذي حلّ به واحد تلو الآخر من دون أن يرحمه، وهل هو الله الذي أرسله ولماذا، وما موقف الله من الإنسان المتألم. ولذا ظلّ أيوب يعبّر بكل صدق وإصرار عن ألمه وعن صراعه لفهم معنى ما حدث له.

ويأتي أصدقاء أيوب لتبرير ما يحدث له: إذا فقدت خيراتك فلابد أنك خاطئ، لأن الله يكافئ الصالحين ويعاقب الأشرار. يدخل موقف أصدقاء أيوب في إطار نظرية لاهوتيّة شائعة في أذهاننا حول المجازاة الزمنيّة، فالأشرار يعاقبون والصالحون يكافأون. لنسمعهم يقولون لأيوب: «أذكر هل هلك أحدْ وهو بريء وأين دمرّ أهل الاستقامة؟ بل هل رأيت أن الذين يحرثون الإثم ويزرعون المشقة هم يحصدونها… أيكون الإنسان باراً أمام الله أم الرجل طاهراً أمام صانعه؟» (4/7-8، 17).

وفي نظر أصدقاء أيوب، وعلى رأسهم أليفاز، لا يمكن إنكار هذه النظرية، وعلى أيوب أن يتوب: «وأنت إن بكّرت إلى الله وطلبت رحمة القدير وكنت نقياً ومستقيماً، ففي الحال يغار عليك ويلبّي صدق نواياك» (5/8). وبكل ثقة يدعون أيوب إلى الاعتراف بفهمهم للحقيقة: «هذا ما فحصناه وهو الحق فاسمعه وانتفع به» (5/27). وحتى النهاية سيظل أصدقاء أيوب مصمّمين على رأيهم، يردّدونه بلا هوادة ويدافعون عنه. وليس موقف أصدقاء أيوب غريباً عنّا، فنحن نطرحه على أنفسنا عندما نتعرّض لمكروه: يا ترى ماذا فعلت لأستحقّ هذا؟ ما خطأي كي أتألم كما أتألم الآن؟

  • تبريرات الألم؟

ونسمع تبريرات كثيرة للمصائب والآلام. ولكن كلّما كانت نهائية وواثقة من نفسها، فهي في أغلب الأوقات خاطئة، وفي كل الأحوال لا تساعد المتألم على اكتشاف معنى لحياته بالرغم من الألم. وقبل أن ندخل مع أيوب في طريقه نحو الله من خلال الألم الذي حطّ به، نعرض سريعاً بعض التبريرات التي كثيراً ما نسمعها، وللأسف كثيراً ما نردّدها على مسامع من يتألمون.

بعض اللاهوتيين والفلاسفة يقولون إن الشر هو ظل الخير، ويفقد طبيعته كَشرّ إذا وُضع في الإطار العام للتطوّر. فالألم هو أزمة نمو، والحروب هي ولادة للتاريخ. ولكن هذا التبرير الغريب يزيد المتألم ألماً ويولّد في قلبه الغضب والثورة على كل شيء، على الناس وعلى الله. فيقول المتألم: «لماذا أتحمّل أنا ثمن هذا التطور؟ لماذا هكذا أتألم؟ أيّ نمو وأيّ حياة أجني من آلامي المدمرة؟». وكما سنرى مع أيوب، فالله لا يريد الشر ولا الألم، فالله لا يحطّم ولا يدمر ولا يتواطأ مع أيّ قوة تنال من الإنسان، من حياته وسعادته.

يقول بعضهم إن الألم عقاب عن شر اقترفه الإنسان، فماذا نقول عن آلام الأبرياء: أيوب، يوسف، يسوع، الأطفال المرضى، المسجونون بسبب آرائهم. أيّ شر فعل هؤلاء؟ وأيّ خطأ اقترفوه؟ وفي رأي بعضهم الآخر، ينتج الألم والشر من الاستعمال السيّئ لحرية الإنسان، ولكن ماذا نقول عن التفجيرات البركانية والأعاصير المدمرّة والأمراض الوراثية. ويقول بعضهم الآخر إن الأمراض والشيخوخة والكوارث الطبيعية ما هي إلا نواقص في الطبيعة وتعبير عن قدر محتّم، ولكن معرفة السبب وشرحها لا يلغي ثقل الألم وتأثيره في الإنسان.

ويحاول بعضهم التخفيف عن ألم الناس، فيقولون في أحاديثهم الروحيّة للمتألم: «إن كنت تتألم فذلك علامة عن حب الله أنه يجرّب مَن يحبّ». «يا ليته يحبّني حبّاً أقلّ قليلاً، فالألم يعصرني عصراً»، يجاوبهم الإنسان المتألم. ويزيد بعضهم فيقول للمتألم: «افرح لأن آلامك تخلّص العالم». والسؤال الذي يطرح نفسه هو التالي: كيف يتحول ألم بلا معنى إلى قوة خصبة للحياة؟ كيف يتحول مصدر اليأس في حياة إنسان إلى رجاء للآخرين؟ كيف يصير ما هو غير آدمي في حياة شخص إلى قوة تحرير للآخرين؟ كيف يقبل الله تقدمة ما يشوّه الإنسان ويحوّله إلى دودة حقيرة؟ كيف يفرح حين ينظر إلى الإنسان في هذه الحال؟

يبقى كل شرح لأسباب الألم ناقصاً وغير صحيح، قد يقول شيئاً نافعاً لكنه يهدم على الجانب الآخر أشياء كثيرة. يحاول الإجابة عن سؤال ويطرح عدّة أسئلة أخرى أخطر: مَن هو الله، وما هي إرادته على الإنسان، أيّ صورة عن الله نقدّم للناس، وماذا نقول للإنسان المتألم؟

مصير كل محاولة لشرح الأسباب بطريقة نهائية وشاملة هو الفشل. فهي تسعى إلى التبرير، ولكنها لا تساعد الإنسان المتألم على مواجهة ألمه وعلى توجيه حياته، بل تزيده ألماً على ألم.

وهذا ما حدث لأيوب عندما لم يدخل في نظرية أصدقائه، فطلب منهم الصمت رحمة له: «مَن لي بأن تسكتوا فيكون لكم في ذلك حكمة. اسمعوا حججي وأصغوا إلى دعاوى شفتَيَّ، ألإرضاء الله تتكلمون بالظلم أم لأجله تنطقون بالخداع؟» (13/5-7). وأكثر من ذلك، فالإنصات إلى المتألم يصبح بمثابة تعزية لهم: «اسمعوا قولي سماعاً ولتكن لي منكم هذه التعزية، اصبروا عليّ فأتكلم وبعد كلامي تسخرون» (21/3). وذلك يُفهمنا كم قد تكون أحاديثنا للأشخاص المتألمين كالسكاكين التي تغمد في جروحهم، وكم يصبح استماعنا إليهم تعزية لنا.

  • طريق أيوب نحو الله والآخرين عبر الآلام:

تكمن عظمة أيوب في دفاعه عن نفسه وفي بحثه الدؤوب عن تفسير لما يحدث له، وفي إلحاحه على الله كي يكلمه ويرشده. ويُظهر سفر أيوب مسيرة المعاناة والآلام التي مرّ بها أيوب، كما يبيّن لنا طريق الخلاص الذي اتّخذه كي يصل في النهاية إلى السلام والطمأنينة في معاينة الرب.

  • صرخة الحياة:

أول طريق الخلاص صرخة، وصرخة قوية مدوية، هي صرخة كل إنسان متألم: «بعد ذلك فتح أيوب فمه ولعن يومه وتكلم أيوب وقال: لا كان نهار وُلدت فيه ولا ليل قال: قد حُبل برجل» (3/3). أمام الآلام يصبح الكون والحياة بلا معنى، بل أكثر من ذلك، يفضي الألم بالإنسان إلى تفضيل الموت على الحياة لأنه قوة موت وتحطيم للإنسان. الآلام هي عبث ولا معنى. ليتني لم أولد، يعلن أيوب، ويقول: «فلا طمأنينة لي ولا قرار ولا راحة وقد داهمني الاضطراب» (3/26). وأمام الألم، ردّد إرميا أيضاً الكلمات نفسها: «ملعون اليوم الذي وُلدت فيه، اليوم الذي ولدتني فيه أمي لا يكون مباركاً» (إر 20/14).

أول طريق الخلاص هو صرخة الألم التي ترفض الألم وتدين التدمير والتحطيم اللذين يُدخلهما إلى الحياة. أول طريق الخلاص هو التعبير عن مدى التحطيم والتشويه اللذين يسبّبهما الألم في الإنسان. وهذه الصرخة موجّهة نحو الله كتساؤل حار، كحيرة مريرة، كاستفهام قوي ومُلحّ: لماذا؟ لماذا؟ فهي إذاً تحمل في طياتها، بالرغم من ثورتها وتمردها ورفضها، رجاءاً وطلباً للخلاص. هي صيحة رجاء، لأنها تعدّت صمت الموت الذي يحمله الألم، وهي طلب للخلاص لأنها تؤمن بالحياة بالرغم من الموت الذي يجلبه الألم.

  • لا استسلام للألم:

ثانياً، يرفض أيوب وجهة نظر أصحابه الذين يرون في شقائه عقاباً من الله ويستمرّ في رفض نظريتهم بكل قوة وحتى النهاية. ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أن أيوب يرفض تبريراً لألمه لا يعيد إلى حياته التوازن المفقود، بل، وهذا هو الأهم، يرفض أيوب الاستسلام لتبرير للألم لا يعطي معنى لحياته، ولا يعطي نوراً لعلاقته بالله وبالآخرين. في نظر أيوب، لا تساعده تبريرات أصدقائه على القيام من سقطته، ولا على السير في طريق الحياة ولا على استعادة التوازن المفقود في علاقته بالله وبالآخرين. على العكس، هي تكرّس العبث واللا معنى اللذين نزلا به، وتزيده ألماً على ألم وحسرة فوق حسرة. تبريرات أصدقاء أيوب اللاهوتية هي عبارة عن لمات جوفاء.

 ويرى أيوب في تبريرات أصدقائه محاولة منهم للتهرّب من الأسئلة الحقيقية التي يطرحها الألم على حياة الإنسان. هم يحاولون تبرير أوجاع أيوب ليسكنوا من خوفهم أمام الألم وتهديده المستتر لهم، لأنه في حال ظهور خطأ نظريتهم، يصبح الألم بلا مفهوم، كقوة غامضة قادرة على ضرب أيّ إنسان بلا تمييز وبلا سبب. وقد يكون هذا موقفنا أمام الألم والإنسان المتألم، نريد تبريراً سريعاً لما يحدث له، نريد أن نعطيه إجابة شافية، نريد أن لا نبقى بجانبه طويلاً، لأننا كلنا خائفون ومرعبون من شبح الألم. نريد كتم صرخة المتألم لأنه يُفزعنا، نريد إبعاد المتألم عن أعيننا لأنه يرعبنا. ألم نقرأ في الإنجيل (مر 10/46-52) كيف طلب الناس من أعمى أريحا، برطيماوس، الكفّ عن الصراخ «رحماك، يا ابن داود؟». فيسوع لا يخاف من مواجهة الإنسان المتألم ولكنه يحترم حرّيته وإرادته حتى يخلّصه من ألمه.

يعترف أيوب بأنه خاطئ ولكنه يسأل الله عن سبب عدم مغفرته له، ولما تتبعه خطيئته: «إذا خطئت فماذا فعلت لك يا رقيب البشر؟ ولِمَ جعلتني هدفاً لك حتى صرت عبئاً عليك؟ ولِمَ لا تتحمّل معصيتي ولا تنقل عنّي إثمي؟» (7/20-21أ). «فإنك تكتب عليّ أموراً مريرة وتُلحق بي آثام صباي» (13/26). أمام أصدقائه، يعترف أيوب بأنه إنسان خاطئ لكنه في الوقت نفسه لا يجد في حياته وتاريخه سبباً يستوجب هذه الآلام المريرة والمحطمة: «أروني الصواب فأسكت، فهمّوني في أيّ شيء ضللت. كلام الحق ما أحلى وقعه. أما لومكم لي فلا حق فيه.

أتحسبون كلامي يستحق اللوم، وهو كلام يائس يذهب في الريح؟ تلقون على اليتيم قرعة وتبيعون صديقكم بالرخص. فتطّفوا الآن والتفتوا إليّ، فإنّي بريء ثابت» (6/24-29). وأكثر من ذلك، يتفهم أيوب موقف أصدقائه، ويقول إنه بوسعه لو كان مكانهم أن يردّد الأقوال نفسها: «يا ما سمعت مثل هذا الكلام، وكم تتعبني تعزيتكم. أما للكلام الفارغ نهاية؟ وماذا يحرّضني حتى أجاوب؟ لو كنتم مكاني لتكلمت كلامكم ونمقته وهززت عليكم رأسي، أو لشجعتكم بكلمات فمي إلى أن تكلّ من الحراك شفتاي. والآن إذا تكلمت لا تزول كآبتي، أو تمنّعت فلا تذهب عنّي» (16/2-6).

وقد حسن كلام أيوب في عيني الرب، وعاتب الله أصدقاء أيوب عتاباً مريراً، رافضاً كلام أليفاز وزميليه الذين بنظريتهم اللاهوتية حول المجازاة الزمنية ظلموا في الوقت نفسه الله وعبده أيوب، وشوّهوا الله والإنسان: «إن غضبي قد اضطرم عليك وكلام صاحبَيك لأنكم لم تتكلموا عليّ بحسب الحق كعبدي أيوب. فخذوا الآن لكم سبعة ثيران وسبعة كباش واذهبوا إلى أيوب واصعدوا مُحرقة عنكم، وعبدي أيوب يصلي من أجلكم فإنّي أرفع وجهه ولا أعاملكم بحسب حماقتكم لأنكم لم تتكلموا عليّ بحسب الحق كعبدي أيوب» (42/7-8).

  • الانفتاح على آلام الآخرين:

ثالثاً، يحوّل أيوب شيئاً فشيئاً تساؤله عن ألمه الشخصي إلى تساؤل عن آلم الآخرين. يبدأ في الخروج من قوقعة آلامه عندما ينتبه إلى أحزان الآخرين. يتساءل عن معنى العدالة أمام مشهد الأشرار الذين يظلمون والأبرار الذين لا يجدون مكافأتهم، ويضيف كيف تتفق نظرية أصدقائه مع هذه الحقيقة المريرة. تحوّل رفض أيوب لألمه وللتبريرات الأشدّ إيلاماً إلى دفاع عن المظلومين وعن المتألّمين مثله. يطرح أيوب أسئلة خطيرة على نفسه وعلينا: «فإنّي كلما تذكرت ارتعت وأخذ جسمي الارتعاش. لماذا يحيا الأشرار ويشيخون ويعظم اقتدارهم؟ ذرّيّتهم قائمة أمامهم على أيامهم وخلفهم لدى أعينهم» (21/6-8).

«لماذا لا يدخر القدير أزمنة وعارفوه لا يشهدون أيامه؟، فإن من الناس مَن ينقلون الحدود ويسلبون القطعان ويرعونها. يسوقون حمار الأيتام ويرتهنون ثور الأرملة. يُبعدون المعوزين عن الطريق فيختبئ مساكين الأرض جميعاً» (24/1-4).

ومن أعماق تساؤلاته، يكتشف أيوب أن الله يقف إلى جانب الفقير والمسكين والمظلوم وأنه يهتم بهم، ويكتشف أنه بالتأكيد يهتم به هو أيضاً. ويمثل هذا التطور أو التحول الداخلي بداية النور الذي سيصل بأيوب إلى معاينة الله، عبر الألم والتجرّد والمعاناة.

 يعلن أيوب إيمانه بحضور الله المحيي في حياته، رافضاً التواطؤ مع أيّ سوء، وشاكراً على نعمة الضمير المرتاح في الرب: «حيّ الله الذي يرفض حقّي والقدير الذي مرّر نفسي. ما دامت نفسي فيَّ وروح الله في أنفي لن تنطق بالسوء شفتاي ولا يتمتم لسني بالبهتان. حاشى لي أن أبرّركم. إلى أن تفيض روحي لا أقلع عن كمالي. تمسّكت ببرّي فلا أُرخيه لأن ضميري لا يخجل على يوم من أيامي» (27/2-6).

وبالرغم من الألم الذي يُغشّيه ويحوّل شكله إلى حيوان لا إنسان، يقاوم أيوب الانغلاق على الذات لينفتح على طلب العدالة للجميع انطلاقاً من أبوّة الله للكل: «إن كنت استهنت بحق عبدي أو أمّتي في دعواهما عليّ، فماذا أصنع حين يقوم الله وكيف أجيبه حين يحقّق؟ أوليس الذي صنعني في البطن هو صنعهما وواحد كوّننا في الرحم» (31/13-15). وتكتمل العدالة برفض عبوديّة المال: «هل جعلت في الذهب ثقتي….إنها جريمة ترفع إلى القضاء لأنّي أكون قد كفرت بالله العليّ» (31/24أ، 28).

ويظهر على طريق أيوب رجل حكيم، أليهو، ليعلن له أن الله يتكلم بطرق مختلفة لا نعلمها، وهو القادر على استعمال كل الوسائل، حتى الألم، كي يتعرّف الإنسان إليه وكي ينمو في طريق إنسانيّته: «فإن الله أبر من الإنسان. فما بالك تخاصمه؟ ألأنّه لا يجيب عن جميع أعماله؟ إن الله يتكلم بطريقة ثمّ بأخرى ولا نشعر بذلك… حينئذ يفتح آذان الناس ويختم على إنذارهم ليصرف الإنسان عن عمله ويمحو الكبرياء عن الرجل» (33/12ب-14، 16-17). ويواصل أليهو حديثه مؤكداً على أن الله يأخذ جانب المتألمين والمنسحقين، هو معهم، يسمع صراخهم ويستجيب لهم: «حتى رُفع إليه صراخ المساكين» (34/28).

  • طريق النور:

فَهِم أيوب أن مواجهة آلامه تمرّ بانفتاحه على آلام الآخرين وفي مساعدتهم من دون انتظار حلّ لمشاكله، سار طريق أيوب نحو الله عبر انتباهه الفعّال والجاد تجاه إخوته المتألمين وفي السعي الصادق لمعاونتهم. ومن هنا يظهر لنا سر رفض أيوب للتفسيرات السريعة للألم وللتبريرات المتعجّلة له، فقد كانت تعني له الاستسلام للشر والظلم، وهذا يخالف إيمانه بالله الذي يحرّر ويخلّص. ومن هنا أيضاً نفهم مسيرة أيوب نحو الله، فقد مرت بالحوار الغاضب وبالرجاء الواثق، ولكنها مشت بالتأكيد غي طريق رفع المعاناة عن المساكين ومقاومة الألم.

وفي مسيرته الروحية، تدرّج أيوب في مواجهته مع الله، فنسمعه أولاً يطلب حَكَماً بينهما: «لو كان بيننا حَكَم يجعل يده على كِلَينا، لرفع عنّي عصاه ولما روّعني رعبه» (9/33-34)، ثم يتبيّن أن الله يشهد له أمام أصدقائه: «لي منذ الآن شاهد في السماء ومحامٍ عنّي في الأعالي. إن الساخرين منّي هم أصدقائي، ولكن إلى الله تفيض عيناي» (16/19-20). وأخيراً يصل أيوب إلى الرجاء المطمئن في محرّر فادٍ: «أعرف أن شفيعي حيّ وسأقوم آجلاً من التراب فتلبس هذه الأعضاء جلدي وبجسدي أعاين الله» (19/25-26).

 تجربة الموت التي مرّ بها أيوب أوصلته بعد طريق مرير إلى التعرّف إلى الله كمصدر للحياة، وإلى اكتشاف الله الذي ينقذه من الموت وينقذ العالم من الظلم. ويكتشف أيوب أن إرادة الله هي إرادة حياة تفوق كل قوى الموت. وهذه هي الكلمة الأخيرة والأكيدة عن حياة العالم وحياة أيوب: الله مع الإنسان في كل حال ليخلقه ويعطيه الحياة بالرغم من كل شيء، من وسط الألم ومن وسط الموت. الله أقوى من الألم، الله أكبر من الموت.

 وأمام الله، ظلّ أيوب واثقاً بمحبة الله وبعدله وبرحمته، فلم يتوار ولم يبتعد، بل بقي أميناً في صلاته وتضرعاته إلى الرب: «وأعرض قضيّتي أمامه وأملأ فمي حججاً وأعرف كلمات إجابته وأتفهّم ما يقول لي؟ أبعظمة جبروته يحاكمني أم عليه أن يصغي إليّ؟ فيرى أنّي خصم مستقيم وأن دعواي هي الرابحة» (23/4-7).

 وفي رد الله على أيوب (38-40)، نفهم أن نظ’رة الله إلى الإنسان تنبع من حب مجاني خلاّق، وهذا هو الأساس الذي يمكّن من التقاء الله بحرّية. لقاء الإنسان لله ولقاء الله للإنسان، هو لقاء بين حرّيتين، ومبدأه أن الله أحبّ أولاً حباً عظيماً مجانياً. تقف قدرة الله الفائقة عاجزة أمام حرية الإنسان وترفض الرضوخ المستسلم من جانب الإنسان والذي يُخفي وراءه التذمّر وعدم الرضا. يطلب الله من الإنسان أن يساهم معه في بناء عالم عادل انطلاقاً من الثقة والإيمان بأن قوى العبث هي تحت سيطرته: «أنظر إلى بهيموت الذي صنعته مثلك: إنه يأكل العشب قبل الثور» (40/15).

الألم الذي ينحر أيوب لن يقوده إلى الفناء، وهذا هو رجاؤه في وسط المحنة. يكتشف أيوب نفسه محمولاً ومأخوذاً داخل نظرة حب شاملة ومجانية. يكتشف أيوب محبة الله المجانية التي تضفي معنى على العدالة، فيدخل في فهم جديد لحياته ولمعناها ولحياة العالم من حوله. محبة الله المجانية له ولكل إنسان تدعوه للعمل من أجل العدالة في العالم ومن أجل تخفيف المعاناة عن كل المتألمين جسدياً ومعنوياً وروحياً. وهنا يجد أيوب السلام والنور لحياته: «كنت قد سمعتك سمع الأذن، أمّا الآن فعيني قد رأتك، فلذلك أرجع عن كلامي» (42/5-6أ).

محبة الله سر عميق وكبير لا تحوطه نظريات ولا تقيّده تفسيرات. وكل تبرير للألم بجرح حب الله للإنسان وينال من أبوّته الفيّاضة للبشر. محلة الله تدعو إلى الحرية والمجانية. هي نور يضيء الطريق الذي ينفتح أمام الإنسان المتألم ويدعوه إلى التقدم واثقاً في النصر على قوى الألم والظلم والقهر. محبة الله كبيرة، لا يحدّها فكر أو لاهوت، لأن المحبة تحب بدون سبب، وبدون استحقاق، وبلا حدود.

 لقاء أيوب لله هو لقاء محلة حرّ ومجاني. كفى أيوب أن الله حاضر في حياته، يقف بجانبه في غضبه على الألم وفي رفضه للألم، وكفى أيوب أن الله معه، يدافع عنه أمام الظلم الذي وقع عليه وعلى الآخرين.

«لماذا الألم» لم يجاوب سفر أيوب، بل أكثر من ذلك رفض التفسيرات الزمنية الشائعة المبررة للألم. لكنه أظهر أن الحب المجاني هو أساس العلاقة بين الله والإنسان. الألم سر في حياة الإنسان والعالم، والسؤال «لماذا الألم» تلقائي وبديهي على لسان كل إنسان وخاصةً الإنسان المتألم. وهو سؤال سويّ وصحيح لأنه يعني أن الإنسان يفهم أن الألم شر لا معنى له، وأن الألم غريب على حياته ومشوّه لها، وأنه يجب والتخلّص منه. لكن الألم لن يقهر فقط بالإجابة على هذا السؤال، بل أساساً بمواجهته من طرفنا بكل الوسائل المتاحة، وبرفضنا لكل تبرير له، وبمساهمتنا في تحرير المتألمين والمظلومين. ونحن في ذلك كله واثقون بأن محبة الله أقوى من كل ألم وظلم وعنف، ومؤمنون بحضوره معنا، هو من يعطي الغلبة النهائية على كل قوى تدمير للإنسان وللعالم.

  • شفاء القلب:

تحوّل أيوب من معاتبة الله إلى تسبيح الله بعد طريق طويل من التعبير الصادق والمرير عن ألمه وعن عدم فهمه لما يحدث له. وشيئاً فشيئاً اكتشف أن الله يقف بجانب المتألمين والمظلومين، وأن أساس حياته هو محبة الله المجانية والمتجددة له. يصل أيوب إلى التسبيح والتمجيد قبل أن ترجع إليه صحته وأملاكه، لأنه اكتشف طريق الحياة في قلبه أمام الله. ليست الصحة والأملاك سبب فرحه وتمجيده لله، بل الثقة بأن الله يهب له الحياة ويمنحه الغلبة على الألم والظلم، ويدعوه إلى تحقيق العدل والكرامة لكل إنسان.

تحوّل أيوب عبر طريق الآلام إلى إنسان حر لأنه اكتشف قيمة حياته في محلة الله له، لا في المال ولا في الصحة ولا في القوة. كل ما سبق هو جميل ورائع وجدير البحث والدفاع عنه، ولكنه وُجد من أجل الإنسان ولم يُخلق الإنسان له. هي وسائل بين يدي الإنسان من أجل حياته وفرحه وهنائه، ولكنها ليست هدفاً في حدّ ذاتها. حياة الإنسان وفرحه وهناؤه هي في محبة الله له وفي تجاوبه مع هذه المحبة، وتظهر محبة الإنسان لله وتنمو وتتعمّق من خلال علاقة الإنسان بما يملك ويمتلك. وإذا أتى الألم على المال والصحة والقوة، قد يكتشف الإنسان عبر طريق الآلام أن محبة الله حاضرة في حياته، وتساعده على النهوض والقيام والتصدّي للظلم والألم على كافّة أشكاله وأنواعه. في محبة الله، يكتشف الإنسان قيمة حياته ومعناها، يجد القوة والرجاء لمقاومة الظلم والألم. في محبة الله، يصبح الإنسان حراً.

«طوبى للذين بك عزّتهم، ففي قلوبهم مَراقٍ إليك» (مز 83/6).

 التحوّل الحقيقي هو تحوّل القلب الذي يرى ويفهم، والشفاء الحقيقي هو في القلب الذي يبرأ من تمردّه وعزلته ووحدته، ويصل إلى تجديد إيمانه بالله الخالق والمحب محبة مجانية فيّاضة. وعندئذ تتحوّل لعنة الألم إلى موقف واقعي، صادق وفعّال، ضد الألم في حياة الشخص نفسه وبالأخص في حياة الآخرين، لتخفيف الآلام ورفع المعاناة عن كل مظلوم ومسكين.

 سفر أيوب هو نشيد يمجّد العلاقة بين الإنسان والله التي هي أساسها المحبة الحقيقية المجانية أكبر وأقوى من كل ألم وكل ظلم.

معنى الألم – تأمل على خطى أيوب 2 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى المزامير 1 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى المزامير 1 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى المزامير 1 – الأب نادر ميشيل

معنى الألم – تأمل على خطى المزامير 1 – الأب نادر ميشيل

إقرأ أيضاً:

يَختبر الأَلَم كلُّ إنسان، أصغيراً كان أم كبيراً، غنياً أم فقيراً، مثقَّفاً أم غير متعلّم. فمَن منّا لم يعرف الألم ومَن منّا لم يقابل أشخاصاً يتألَّمون. وأمام الألم يطرح الإنسان عدّة أسئلة تبقى بلا جواب واضح: لماذا الألم؟ مَن هو الله؟ وأين هو في حياتي؟…

 وغالباً ما يعجز الناس عن فهم معنى ما يصيبهم من ألم، ويغرقون في مشاعر الحزن والغضب واليأس. وكثيراً ما نكتشف أمام الإنسان المتألِّم خوفنا من مواجهته وقلّة حيلتنا وخجلنا أيضاً. فنهرب منه ونحن بالقرب منه، لأنّنا نشعر أنّ الكلمات تفقد جدواها ومعناها، أو تتحوّل إلى ثرثرة تسعى إلى تناسي الأسئلة التي يطرحها الألم علينا ونتعثّر في الردّ عليها. فيكون حالنا وحال مَن يتألَّم، إمَّا البكم، وإمَّا الثرثرة.

ولكن هل نبقى صامتين أمام الألم، وهل نجازف بالكلام وأن نخاطر بالبحث عن معنى لحياتنا، لأنّ الألم جزء من حالتنا الإنسانيّة، والحديث عنه يُعدّ محاولة للفهم، إن كان ذلك ممكناً. ويمثّل الكلام محاولة للخروج منه وتعدّي البكم الذي أصاب الإنسان من جرّائه، وبالتالي يمثّل الكلام سعي الإنسان لاسترجاع مبادرة الحياة التي اهتزّت تحت وطأة الألم. الكلام عن الألم، أي ما نحاول أن نقوم به في هذه الصفحات، هو محاولة للتقدّم على طريق البحث عن معنى للحياة عندما يعلن الألم عن العبث واللا معنى.

 ولكن يبقى الحديث عن الألم مهمًة صعبة وحسّاسة. إنّها مهمّة صعبة لأنّ كلّ تحليل وكلّ حديث لا يفيان بحقّ الإنسان المتألِّم، ولا بعظمته التي تظهر من خلال ضعفه عندما يحطّمه الألم ويطحنه. وهي مهمّة حسّاسة لأنّنا عندما نتحدّث عن الألم فنحن نتحدّث عن أشخاص متألّمين يستوجبون الاحترام العميق لشخصهم والتقدير الكبير لمشاعرهم، وقد نتلعثم فلا نجد الكلمات المناسبة تماماً للتعبير عن الاحترام والتقدير لكلّ مَن يمرّ بخبرة الألم. وقد تتحوّل كلماتنا، في أحيان ليست بقليلة، إلى حضور صامت بجانب مَن يتألَّم.

سيصحبنا الكتاب المقدّس في مسعانا للتحدّث عن الألم، وفي تحسّسنا الطريق نحو النور. فنسأل المزامير كيف تصوّر الإنسان المتألُّم، وسفر أيّوب كيف يجيب عن السؤال الذي يطرحه الإنسان عن سبب الألم وعن معنى الحياة والجود، ونستعرض مع يسوع في الإنجيل موقف الله من الألم والإنسان المتألُّم. وفي كلّ مرحلة سنستعين أيضاً بالدراسات الفلسفيّة والنفسيّة عن الألم وآثاره في الإنسان، ونتطرّق إلى الأحاديث اللاهوتيّة والروحيّة عن الألم، مبيّنين طرق تناولها هذا الموضوع وكيفيّة ردّها على التساؤلات التي يطرحها الألم.

 

1- سفر المزامير: ما الألم؟

يشهد سفر المزامير على صلاة الأجيال المتتابعة وإيمانها بالله الخالق والمخلّص. ونجد فيها صدى لصرخة الإنسان المتألِّم، على المستوى الفرديّ:

«استمع يا ربً لصلاتي وأصغ إلى صراخي ولا تسكت عن دموعي فإنّي عندك ضيف وكجميع آبائي مُقيم» (39/13).

ونجد صدى أيضاً لألم الجماعة:

«ولكنّك نبذتنا وأخزيتنا ولم تعد تخرج وجيوشنا تردّنا من وجه المُضايق على أعقابنا ومبغضونا يسلِبون على هواهم» (44/10-11).

عندما يصيب الألم الإنسان في كيانه الجسدّي، تتأثّر حياته كلّها ووجوده أمام الله وحضوره للآخرين. وأيّاً كان سبب الألم، إن نتج من عمل الإنسان نفسه أو من جرّاء الآخرين، إن كان بسبب مرض عضويّ أو بسبب جرح نفسيّ أو روحيّ، فهو إصابة في الصميم لحياة الإنسان تدفعه إلى الصراخ إلى الله القادر أن يخلّصه ويعيده إلى الحياة. فمن ناحية، يلمس الألم الجسمانيّ عمق الإنسان.

ومن ناحية أخرى، يظهر الألم المعنويّ والروحيّ، في جسد الإنسان. الإنسان كيان واحد، جسديّ وروحيّ في آن واحد، لا فصل بينهما، بل اتّحاد وثيق. فنسمع في المزمور: «آثامي جاوزَت رأسي وثقُلت كحمل أثقل من طاقتي. جروحي أنتنت وفاحت من جرّاء حماقتي. انحنيت جداً وتحدّبت وبالحداد طوال النهار مَشيت. امتلأت كَليتاي التهاباً ولا صحّة في جسدي. وهَنتُ جداً وانسَحقتُ ومن زئير قلبي زَمجَرتُ» (38/5-9).

ويصيب الألم في الوقت نفسه العلاقة بالله وبالآخرين، لأنّ البعدَين متَّصلان ومرتبطان الواحد بالآخر، فما ينال من علاقة الإنسان بالآخرين يؤثّر في صلاته وموقفه من الله: «أيُّها السَّيِّد، بُغيتي كُلُّها أمامك وتنَهّدي لا يَخفى علَيكَ يَخفق قَلبي وقُوَّتي تُفارقُني وحتَّى نُورُ عَينَيّ لم يَبقَ معي. ووقف أحبَّائي ورِفاقي متنحّين عن ضربتي ووقَف بعيداً أقاربي» (38/10-11).

«جميع مبغضيَّ عليّ يتهامسون والشرَّ لي يُضمرون، مرض خبيث سرى فيه، أمّا وقد اضّجع فلن يقوم وحتّى صديقي الحميم الذي اتّكلت عليه فأكل خبزي هو رفع عليّ عقبه» (41/8-10).

وأصعب ألم هو اختبار غياب الربّ والاشتياق إليه في وسط ليل القلب والحواسّ: «كما يشتاق الأيّل إلى مجاري المياه كذلك تشتاق نفسي إليك يا الله، ظمئت نفسي إليك يا الله، إلى الإله الحيّ، متى آتي وأحضر أمام الله؟ قد كان لي دمعي خبزاً نهاراً وليلاً إذ قيل لي طول يومي: أين إلهك» (42/2-4).

ونسمع في المزمور 22 أبلغ تعبير عن ألم الإنسان وعن صرخته إلى الله، وهو المزمور الذي صلاّه يسوع على الصليب، وقد ذكر الإنجيل على لسان يسوع الآيات الأولى منه (متّى 27/46، مر 15/34): «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟ هيهات أن تخلّصني كلمات زئيري إلهي، في النهار أدعو فلا تجيب وفي الليل لا سكينة لي».

«أمّا أنا فدودة لا إنسان، عار عند البشريّة ورذالة في الشعب جميع الذين يرونني يسخرون بي ويفغرون الشفاه ويهزّون الرؤوس إلى الربّ سلّم أمره فلينجّه ولأنّه يحبّه فلينقذه».

«مثل الماء انسكبتُ وتفككت جميع عظامي، مثل الشمع صار قلبي وذاب في وسط أحشائي».

«وأنت يا رّب، لا تتباعد يا قوّتي، أسرع إلى نصرتي من السيف أنقذ نفسي ومن يد الكلب وحيدتي، من شِدق الأسد ومن قرون الثور خلّصني» (22/2-3، 7-9، 15، 20-22).

نحن والمزامير

في هذه المزامير نجد صدى لما نختبره كلّ يوم من ألم جسمانيّ تسبّبه الأمراض الخطيرة أو المزمنة، الإصابات العابرة أو الإعاقات المستديمة، متاعب الشيخوخة وأوجاعها. وقد تفوق الآلام النفسيّة الألم الجسمانيّ، مثل المخاوف والوساوس والاكتئاب، وجروح الذاكرة والإحساس بالفشل في الزواج، في الدرس، في العمل أو في الحياة الرهبانيّة.

ومن أسباب الألم النفسيّ أيضاً الشعور بعدم الأهميّة والتخوّف من المستقبل والتهديدات المختلفة، وكذلك التمزّق العائليّ والفراق عن الأهل والأحبّاء، وإحساس فرد أو جماعة من الناس بالظلم والطغيان، مثل استغلال شعب وحرمانه من حقوقه وتهميش فئات من المجتمع. ولا نغفل الآلام التي يسبّبها الشعور بالوحدة وعدم الأمانة الزوجية والخيانة والإنكار والموت عامّة والموت المفاجئ خاصةً. والألم الروحيّ صعب ومرّ للغاية، كاختبار غياب الربّ بالأخصّ بعد فترة تعزية ونور، فتضيع المعالم وتهتز الثوابت ويختفي الطريق، ويشعر الإنسان وكأنّ الله خدعه فأتى به إلى مكان قفر وتركه وسط الليل بعد أن لمس قلبه بمحبّة وجذبه بلطف. ويؤلم الإنسان أيضاً المرور بتجربة صعبة تحمل معها الشك واليأس والإحباط، كما تؤلم الخطيئة والتواطؤ معها.

آثار الألم في الإنسان

نبين في الفقرات القادمة بعض آثار الألم في الإنسان، ونحلّل بعض مظاهره، ولكن بالطبع ليس كل متألِّم يمرّ بهذه المشاعر كلها، ولا يحياها كل شخص بالقوة نفسها. لكننا نحاول من خلال عرضنا الدخول في فهم متعمّق وصادق لما يمرّ به الإنسان من مشاعر وأحاسيس. على أيّ حال، تتعدّد أسباب الألم، ويختلف رد فعل شخص عن شخص آخر، ولكن، في النهاية، الألم هو دائماً قوة محطِّمة ومدمِّرة للإنسان جسدياً، معنوياً، وروحياً.

  • الشعور بالغربة:

في كل هذه التجارب، يشعر الإنسان بالألم كشيء غريب عنه، كعدوان خارجي. يعطي الألم إحساساً بالغربة تشوّه الإنسان حتى إنّه لم يعد يتعرّف إلى نفسه، صار غريباً لنفسه: «لا أعرف مَن أنا ولم أعد أفهم ما يحدث لي، لم أعد الإنسان الذي كنت من قبل، تغيّرتُ وتغيّرت حياتي». يشعر الإنسان بنوع من نزيف الحياة يوماً بعد يوم، كأنّ الألم يستهلك حيويته ويمتّص طاقته، وكأنّه ماضٍ إلى الضياع والفقدان بكل ما تحمله هذه المشاعر من ألم ولا معنى. صار المتألم غريباً لنفسه، فأصبح غريباً للآخرين أيضاً، لأنه تبدّل شكله وطبعه وضعفت قدراته وإمكاناته. ويقود الشعور بالغربة إلى الخجل من الذات، لأن الإنسان يحسّ تحت وطأة الألم أنه صار مختلفاً عن الآخرين وغريباً عن سائر الناس.

بالرغم من حسن النوايا وصدق المشاعر، سرعان ما تضعف همم الأصدقاء والمقرّبين. فيزهق مَن هم بجانب الشخص المتألم، لأن الألم مُتعب ومُرهق، ولأن الألم يخيف مَن يشاهده على وجوه الآخرين ويهدّده بإمكانية وقوع الألم نفسه عليه. ولأن التساؤلات التي يطرحها الألم صعبة ومخيفة، يصعب على الناس، حتى أقرب المقرّبين، مرافقة المتألم طويلاً. فعندما يطول الألم، لا يدري الناس عامّة ماذا يفعلون حياله وماذا يقولون للصديق المتألم، فيتوارى بعضهم عن الأنظار خجلاً أو يأساً أو تحرجاً، ويرتدّ إلى الوراء بعضهم الآخر، محاولين النسيان وتبرير الفرار. فيضيف كل هذا إلى وجع الإنسان المتألم آلام الوحدة والإحباط والتحسّر والمرارة، آلام الإحساس بالفقر والكبت والغضب.

  • الشعور بالوحدة:

يعطي الألم إحساساً بالوحدة وبالانفصال عن مظاهر الحياة الإنسانية والاجتماعية العادية. تؤدّي الغربة إلى الوحدة: «أنا وحيد أمام هذا الواقع الجديد الذي يصيبني، مَن تُراه يفهم آلامي ومداها، مَن تُراه يقدّر اضطرابي الداخليّ ومخاوفي وهواجسي؟» الإنسان المتألم هو دائماً وأساساً وحيد بالرغم من وجود الأهل والأصدقاء حوله. فبسبب الألم، ينسلّ الإنسان من نسيج الحياة الإنسانية الطبيعي والعادي، لأنه أصبح غير قادر على مجاراة نمط الحياة العادية، ولأن الألم يحاصره داخلياً ويعصره خارجياً.

وبالنسبة إلى المتألم، يشعر بالوحدة لأنه ينظر إلى الآخرين، فيجدهم في صحة جيدة، وأسرهم تسير على ما يرام، ناجحين في دروسهم وعملهم، يكملون حياتهم وأشغالهم، يلهون ويفرحون. أما هو، فيقتطعه الألم عن الحياة، وينزع عنه الفرح، ويخلع عنه الهناء. وشيئاً فشيئاً، تحت وطأة الألم، يصبح الإنسان وحيداً، وقد عانى من حوله بالإرهاق والملل والخوف من رؤيته متألماً.

  • الانغلاق على الذات:

وبعد الشعور بالغربة والوحدة، يتسلل إلى قلب المتألم الانغلاق على الذات. يصبح الألم محور التفكير، ويتحول الأنا إلى مركز الاهتمام. الإنسان في صراع مستمر مع الألم، في بحث مستمر للخروج من دوامته ومن قيوده، يجري وراء المسكنات وأدعياء الحلول السريعة ومرّوجي الإجابات الجذرية. «مَن يخلّصني من آلامي؟»، هذا هو السؤال الأساسي لمَن يتألم. وعندئذ يبدأ اهتمام المتألم بشؤون من حوله وأمورهم يقلّ ويضمر حتى يكاد أن يختفي، وتخفّ قدرته على الانتباه إلى الآخرين ومتابعة همومهم ومتاعبهم.

ولكن لننتبه هنا إلى شيء هام، وهو أن أشدّ ما في الألم من خبث وغرابة هو أنه يدفع الإنسان إلى التواطؤ معه وإلى التعايش مع الأسباب التي أدت إليه، فقد نجد إنساناً يصرخ طالباً النجاة من الألم، وفي الوقت نفسه يتعايش بأشكال مختلفة مع الوضع الجديد الذي أتى به الألم إلى حياته، فليس كل مريض يبحث بالضرورة عن الشفاء، لأن بعضهم قد وجد نوعاً من التوازن في حالة المرض، ورتّب، بوعي أو غير وعي، حياته وعلاقاته على هذا الأساس. وهكذا وجد نوعاً جديداً، وإلى حدّ كبير مريحاً، من الرضا الذي يدفعه إلى الاستسلام للوضع المؤلم.

فعلى سبيل المثال، بسبب المرض، يعطف الأقرباء عليه، ويهتّم الأصدقاء به، ويسارع الكل بتقديم العون له، بل يقبلون تجاوزاته ويغفرون له طلباته غير المعقولة. وشيئاً فشيئاً نجد هذا الشخص وقد استحبّ مرضه وارتبط به ولم يعد يرغب في الشفاء منه، حتى وإن أعرب عن العكس للآخرين. ألم نسمع يسوع يسأل الأعمى والمقعد: ماذا تريد أن أصنع لك؟ هل تريد أن تشفى؟ فليست الرغبة في الشفاء بديهية، ولا يعني دائماً طلب الخروج من دائرة الألم استعداد الشخص لأخذ الوسائل اللازمة للخروج منه. فالرغبة في الخلاص من الألم تمثل نوعاً من المغامرة تطلب من بعضهم شجاعة أكبر من تلك التي يُظهرونها في تحمّل الألم.

ويعني طلب النجاة من الألم الاستعداد لمواجهة المستقبل، وهو اختبار جدّيّ للحرية، يخافه بعض الناس أكثر من الألم. فمَن عانى طويلاً من الألم قد يتعب من المواجهة وطلب النجاة المستمر، وقد ييأس من تكرار القيام والسقوط، وأخيراً قد يفقد الأمل في المستقبل والثقة في نفسه وفي الله وفي الآخرين. فإذا حلّ به الألم يخاف النهوض منه واستكمال مسيرة الحياة، مفضلاً الوضع المؤلم الحالي على أن يقع تحت الألم مرة أخرى أو أن يمر بخبرة صعبة مرة ثانية.

  • اليأس:

يقود الألم إلى طريق مسدود حيث لا رجاء ولا أمل في الذات وفي الآخرين، لا رجاء ولا أمل في الحاضر والمستقبل. يقود الألم الإنسان إلى حيث لا معنى لأي شيء، لا معنى للنجاح، للشهادات، للمال، للصداقة، للحب، للأسرة، للأولاد. يفضي الألم بالإنسان إلى حيث لا معنى للصلاة ولا جدوى منه. يؤدي الألم في نهابة المطاف إلى اليأس من الحياة، بل حتى إلى النفور منها، لأنه يحمل الإنسان على الشعور بأن لا طعم للحياة ولا قيمة لها. فعندما تتبدّد مصادر الفرح وتيبس ينابيع الرجاء، يصبح كل شيء عبثاً. الألم يحطّم ويعزل، الألم يخنق شرايين الحياة وينفث رائحة الموت. الألم هو عبث ولا معنى.

  • التساؤل الذي يطرحه الألم:

سيبقى دائماً المزمور 22، الذي ردّده يسوع على الصليب، صدى صادقاً ومعبرّاً عن كل إنسان متألم: «أنا دودة لا إنسان». بسبب شر الناس يدخل صاحب المزمور في أزمة مع الله من جرّاء الآلام التي حولته إلى دودة لا إنسان. فقد أصابت الآلام جسده وحياته ووجوده، وأصبح تساؤله هو عن نفسه، وعن الله، وعن الحياة: مَن أنا؟ هل أنا إنسان حقاً؟ ومَن هو الله الذي يقبل أن تنحلّ إنسانيّتي وأن أصير كالدودة؟ وما معنى حياتي؟ ومَن هم الناس بالنسبة إليَّ؟

  • ما الإنسان وما معنى حياته؟

يصيب الألم الإنسان في صميم وجوده وفي عمق علاقته بالله وبالآخرين، ويؤدي إلى اختلال كبير في توازن الحياة، وفي فهم الإنسان لذاته ولعلاقته مع الآخرين. ولن يكون البحث عن الحل في النبش في الماضي ومحاولته تتبّع الأسباب التي أدّت إلى الوضع الحالي. الحل هو في المستقبل: هل يمكن أن أجد معنى لحياتي بالرغم من العبث واللا معنى اللذين يدخلهما الألم في حياتي؟ معرفة الأسباب مهمة كي يتجنبها الشخص في المستقبل أو حتى يتجنبها الآخرون في حياتهم. ولكن تحديد الأسباب وحتى علاجها، إن كان ذلك ممكناً، لا يكفي للرد على التساؤل الذي يطرحه الألم. الألم يدخل اللا معنى على حياة الإنسان، ومعرفة السبب لا يعيد المعنى الذي زلزله الألم.

على سبيل المثال، لا يكفي أن تقول للمصاب بتليّف في الكبد أنه نتيجة الإصابة بالبلهارسيا أو الإفراط في الكحول حتى يخف ألمه، ولا يكفي أن نقول للزوجة الشابة التي خذلها زوجها وعذبها أنه شخصية مراهقة وغير مسئولة حتى يهدأ قلبها وتشفى من جراحها، ولا يكفي أن نقول للمصاب بأزمة ربو أنه نتيجة تلوث الجو بعادم السيارات ونفايات المصانع حتى يسترجع عافيته وثقته في الحياة. هذا الشرح لا يعيد التوازن إلى الحياة الذي أفقده الألم، ومعرفة السبب لا تجيب على السؤال الذي يطرحه الألم عن معنى الإنسان وحياته. ولا يمكن أن تتحول معرفة الأسباب إلى تبرير للألم وما يعنيه من هدم وفناء لحياة الإنسان.

  • مَن هو الله؟

وإذا تساءل الإنسان عن معنى حياته فهو يتساءل في الوقت نفسه عن معطي الحياة وعن إرادته، إنه يتساءل عن الله: مَن هو الله؟ لماذا خلقني؟ ولماذا يرضى بأن أتألم؟ ما مصيري؟ هل يمكنني أن أرجوه أنا المتألم، المهدّد بالعبث والفناء؟ هل يمكنه أن يخلصني؟ هل يمكنه أن يعيدني إلى الحياة بعد أن أصابني الألم والموت؟ هل للحياة معنى؟ أم مصيرها الفناء والعبث اللذان يعلنهما الألم هل هناك قوة أكبر من الألم تساعدني على اكتشاف معنى لحياتي وسط الألم؟ هل يمكنني أن أرجو الحياة حين يلوّح الألم بالموت؟

  • هل من إجابة؟ هل من طريق؟

أسئلة تلو أسئلة تحاصر المتألم وتحطّم قلبه، دون إجابة. فالإجابة ليست تلقائيّة، بل تمر بطريق الظلمة الذي يفتحه الألم في حياة الإنسان المتألم، وإذا خرج الإنسان من البكم إلى الصراخ إلى الله، فقد دخل في طريق الخلاص. فالألم ينفي أيّ رجاء وأيّ أمل للإنسان، والشخص المتألم يقول لنفسه إنه ليس لأحد القدرة على مساعدته في الخلاص، ويعتقد أن الكل مساهم ومتواطئ في الألم الذي يصيبه، الأعداء والأصدقاء على حدٍّ سواء، والله نفسه.

«إلهي إلهي لماذا تركتني»، هي في الوقت نفسه صرخة مَن يشعر ببعد الله عنه في مصيبته، واستغاثة مَن يضع رجاءه في الله القادر على خلاصه من الألم والموت والفناء. تعني الاستغاثة بالله الإيمان بقدرته على فتح طريق أمام الحياة بعد ما أصابها الألم باليأس والفناء؛ والصراخ إلى الله هو الاعتراف بقدرته على تجديد الحياة بعد ما ذبلت واندثرت. الله الخالق هو الله المخلّص، بمعنى أنه يخلق من جديد.

وهنا أيضاً ترشدنا المزامير:

«لقد أجبتني سأُبَشّرُ إخوتي باسمِكَ وفي وسَطِ الجَماعة أُسبِّحُكَ» (22/22ب-23).

«آمنتُ سأُعاينُ صَلاحَ الرب في أرض الأحياء» (27/13).

«أقولُ لله صَخرتي: لماذا نسيتني ولماذا أسيرُ بالحداد من مُضايَقة العدو؟ عند تَرضّض عظامي عيَّرني مُضايقيَّ بقولهم لي النهار كله: أين إلهك؟ لماذا تكتئِبين يا نفسي وعَليَّ تنوحين؟ إرتَجي الله فإنّي سأعودُ وأحمدُه وهو خلاص وجهي وإلهي» (42/10-12).

إذاً قد ينفتح طريق الآلام على مستقبل يُدخل الإنسان في علاقة متجددة بالله وبالآخرين، أساسها خبرة الموت والحياة المعطاة مرة أخرى. ما كان مؤلماً، عبثاً، مميتاً، قد يصبح أساساً لحياة جديدة، مؤسسة على خبرة الخلاص الذي يعطيه الله. الإنسان المتألم قد يكتشف معنى جديداً لحياته. أقول: «قد يكتشف»، لأن ذلك التحول ليس تلقائياً أو بديهياً، بل يمر بمراحل متنوعة لا تصل بالضرورة بكل إنسان متألم إلى اكتشاف معنى لحياته ووجوده اللذين أصابتهما الآلام، وهذا ما سنراه في قرائتنا سفر «أيوب».

الله والانسان، اذا كان الله موجودا .. فلماذا الشر؟ مشكلة الشر – جيمس بيشوب

الله والانسان، اذا كان الله موجودا .. فلماذا الشر؟ – جيمس بيشوب

الله والانسان، اذا كان الله موجودا .. فلماذا الشر؟ – جيمس بيشوب

اذا كان الله محبة، واذا كان كلي القدرة فلماذا لا يضع حدا للشر و الالم في العالم ببساطة؟ ومع ذلك لو انه لم يضع حدا للشر في العالم فربما يوحي هذا بوجود اسباب لعدم منعه للشر، وينبغي علينا ان نتطرق بإيجاز الي العديد من تلك الاسباب المحتملة.

اولا، نحن كبشر اشرار بالطبيعة وذلك اذا ما قارننا انفسنا بمعايير الكمال الالهية (ربما لا نود ان نعرف هذا، ولكن في هذا الاطار لا يهم ابدا ما نفكر به، بل ما يهم هو فكر الله وما اعلنه لنا.) ربما نفكر في انفسنا كأشخاص جيدين، ومباليين، ومحبين للناس في هذا العالم، ولكن هذا لا يعني اننا كاملين في عيني الله (ليس هذا هو التقويض الذي يريده الله، بل ان نفعل نحن الخير في العالم، وهو يريد هذا لأنه خلقنا علي صورته، فهو يحبنا وهكذا صرنا ذوي قيمة ذاتية.)

والحقيقة هي انه ان عجزنا عن الوصول الي المعايير الاخلاقية الالهية، الامر الذي – وفقا للكتاب المقدس – ينطبق علينا (رومية 3: 23)، اذا وفي مثل هذه الحالة سيتمثل الشر فينا، لأن الجميع قد اخطأ (جامعة 7: 20، 1يو 1: 8). وهذه النقطة هي امر مهم يجب ان نتذكره، لأنه لو كان الله ليزيل الشر من العالم لابتدأ بي وبك. هل هذا حقا ما نريده؟ انا لا اعتقد ذلك وهكذا ان كان الله سيزيل الشر والمعاناة من العالم فربما يدمر البشرية ببساطة في تلك العملية. هل يريد الله هذا حقا؟ الاجابة هي لا فهو يريدنا ان تقترب منه لنعرفه بكامل حريتنا (اعمال 17: 27).

ثانيا، الارادة الحرة هي ما اعطانا الله اياه، ومن خلال الارادة الحرة يمكنك ان تقبل أو ترفض الله وخلاصه بيسوع. بكلمات اخري، يريد الله ان يمكننا من صنع علاقة حقيقية به وهذا هو نتاج الارادة الحرة. يجيب علينا ان نختار بكامل حريتنا ان نذهب اليه ونعرفه، فلو ان الله استبعد هذا (القدرة علي صنع علاقة معه) فسوف نكون مثل الآليين ننفذ ارادته، وهذا ما لا يريده الله وهذا يتطلب قدرة البشر علي عدم اطاعة الله والتمرد عليه وبكلمات اخري يجب ان يكون لدي البشر القدرة علي اختيار الشر لفعله. يشرح القس الشهير والكتاب المعروف، ريك وارنر هذا قائلا:

“اعطانا الله ارادة حرة، وصنعنا علي صورة الله، واعطانا حرية التصرف والقدرة علي اتخاذ خيارات اخلاقية، وهذا هو احد الاشياء التي تميزنا عن الحيوانات ولكنه في الوقت ذاته مصدر للكثير من الالم في العالم، فأي منا قادر علي اتخاذ خيارات انانية أو شريرة ومتي حدث ذلك سيتأذى البشر.” [1]

كما ان الشر يبين لنا كيف ان الله عادل وصالح، فاذا لم يكن هناك من شر في العالم فلن تكون لدينا صورة كاملة عن من هو الله، ولكي يكشف الله لنا صلاحه وعدله لابد من وجود الشر في العالم، فبدون الشر لن يصبح لكلمات مثل “صالح” و”عادل” اية معني تماما مثل كلمة “الخير” فلن يكون لها اي معني اذا لم نكن نعرف ما هو السيء. لابد من وجود معيار لنحتكم اليه.

ثالثا، الشر والمعاناة هما امران من خلالها يحضر الله أناس اليه (العديد من الناس الذين تعاملت معهم قد شهدوا بذلك. تتسبب عواقب الشر بجعل البشر يتسألون عن سبب وجوده في هذا الكون فعندما نكون جميعنا سعداء ثم نعيش الحياة بدون التركيز علي المسائل المصيرية (علي سبيل المثال، هل الله موجود؟، كيف يمكنني ان ادرك وجوده؟، هل اعمالي الارضية لها اثر علي حياتي بعد الموت؟، أو هل الحياة بعد الموت هي امر حقيقي من الاساس؟ … وهكذا.)

انظر كيف ان الإبادة الجماعية التي قام بها هتلر قد فتحت الباب امام تساؤلات عن وجود الله (لماذا يسمح الله بمثل هذه الاحداث؟ هذا سؤال يطرحه الكثيرون.) وهذا المثال متطرف ولكنه مرتبط بالوان من المعاناة الاقل حده في حياتنا ايضا. انظر كيف ان الشعور بالوحدة والانفصال عن الشريك يؤثر علينا عاطفيا. ومن ثم فنحن نرغب بالوصول لهذا & كما ان الصلاة لله هي احدي الوسائل للقيام بذلك.

تعتقد، استاذة الفلسفة، لارا اكستورم “المعاناة في حد ذاتها اختبار يمكن مشاركته مع وسيط الهي، وربما يخدم هذا في معرفة الله وصنع علاقة معه. وفي ضوء هذا الطرح يمكن اعتبار معاناة الانسان نوع من التميز حيث ان هذه المعاناة تسمح له بمشاركة اختباره مع الله، وهكذا تنفتح للإنسان نافذة تعينه علي فهم طبيعته.” [2]

هذا عن كيفية اجتذاب الله لنا، وهو الامر الاكثر قيمة في عيني الله من تقديم حياة مريحة للبشر.

يوضح، المبشر والمدافع، رافي زاكرياس هذا قائلا:

“اذا لم يختبر الانسان الالم بشكل شخصي ويختبر ايجاد حلول له، فمهما كان الحل جيدا، فسيبدو الامر نظريا .” [3]

وبهذه الطريقة لا يجذبنا الله اليه بواسطة المعاناة فقط، بل يستخدمنا في تخفيف المعاناة عن الاخرين. اذ يشعر المرء بانه قادر علي التعامل مع اناس يواجهون المعاناة اذا كان قد اختبرها بنفسه، علي الاقل في مرحلة من حياته.

والامر الجدير بالذكر هو ان الشر والمعاناة هما امران لا يتعارضان مع المسيحية لانهما جزءا منها، ف يسوع المسيح نفسه عاني من الموت المؤلم والذي لم يكن يستحقه، واجه الرفض من عائلته والكثيرين من اتباعه وتعرض للسخرية عند صلبه، حتي انه خشي مما كان ليصاب به فتضرع لله ان يجيز عنه هذا الكأس (لوقا 22: 42، مرقس 14: 36). فماذا كانت اجابة الله، كانت الاجابة هي لا ولكن يسوع فهم انها ارادة الله وبطاعة واصل مهمته.

ههنا يمكننا ان نعاين المعاناة والنضال او في اوقات نشعر فيها بالغرق ولا نجد اجابات. يخبرنا كاتب الرسالة الي العبرانيين قائلا “لأن ليس لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثي لضعفاتنا، بل مجرب في كل شيء مثلنا، بلا خطية.” (عب 4: 15).

انظر ليسوع..

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

 

المراجع

  1. Warren, R. 2014. Why Does God Allow Suffering? Available.

  2. Ekstrom, L. “A Christian Theodicy,” in The Blackwell Companion to the Problem of Evil. p. 279.
  3. Zacharias, R. 2002. Cries of the Heart. p. 83/4

الله والانسان، اذا كان الله موجودا .. فلماذا الشر؟ – جيمس بيشوب

مشكلة الشر والالم والمعاناة هل تعني عدم وجود إله؟ (فيديو)

مشكلة الشر والالم والمعاناة هل تعني عدم وجود إله؟

وجود مشكلة الشر والألم والمعاناة هو أكبر مشكلة عويصة في عالمنا بخصوص الاعتقاد بوجود إله..وهي في الغالب تظهر كالاّتي :

الله كليّ المعرفة يعرف ان الشر موجود

والله كليّ المحبة يجب ان يمنع وجود الشر

والله كليّ القدرة يقدر ان يمنع الشر

ورغم هذا فالشر موجود!!

 

وحيث ان الاحتمال الرابع (أي ان الشر موجود) يبدو أنه لا يمكن أنكاره، إذا نستنتج أن واحداً من الثلاثة احتمالات الأخري خاطئة، وبذلك لا يمكن أن يكون الله كلي المعرفة أو كلي المحبة أو كلي القدرة. أو بتعبير اّخر يمكن القول بأنه إن كان الله موجوداً فإنه يجب أن يكون ” عاجز أو جاهل أو شرير “، وهناك أناس يفكرون هكذا !!!

 

ورغم ذلك فقريباً وضع فيلسوف امريكي اسمه ألفين كارل بلاتينجا افتراضية جديدة وهي تهدف لإثبات أنه يمكن منطقياً أن يخلق الله عالماً يوجد به الشر. ولخص دفاعه كالاّتي:

اذا كان هناك عالم به مخلوقات حرة بشكل ملحوظ وهي تفعل بحريتها أعمال الخير أكثر من أفعال الشر، فهذا أفضل ولا يُقارَن بعالم اّخر ليس به مخلوقات حرة على الإطلاق. فالله الاّن يقدر ان يخلق مخلوقات حرة، لكنه لا يقدر في ذات الوقت أن يجعلهم او يجبرهم على فعل أفعال صحيحة فقط. لأنه لو فعل هذا فأنهم لن يصبحوا أحراراً إطلاقاً. فبهذا لن يصنعوا ما هو صحيح بحرية. فلكي يخلق كائنات تفعل الخير الاخلاقي، يجب ايضا ان يخلق كائنات تصنع الشر الاخلاقي، ولا يمكن له ان يعطي الحرية لكائنات ان تصنع الشر بينما في نفس الوقت يمنعهم من صنعه.

 

الكاتب سي إس لويس أقر بهذه النظرية قائلاً:

تخيل مثلاً أن عصا خشبية تحولت الي عشب اخضر (اي تفقد قوتها) عندما تحاول ان تستخدمها كسلاح للضرب، أو ان الهواء كان لا يطيعني في نقل موجات الصوت عندما أشتم او اكذب. في عالم كهذا سيصبح ان تفعل افعال خاطئة مستحيلاً. وبالتالي فإن الحرية والإرادة ستكون منعدمة. وإذا طبقنا هذا المبدأ فنصل للخلاصة المنطقية بأن الشر سيكون غير ممكن. لأن المخ الذي نستخدمه في التفكير سيرفض ان يقوم بمهمته عندما نحاول ان نجسد هذه الافكار في صورة افعال.

 

أكمل بلاتينجا دفاعه قائلاً:

كما اتضح، وللأسف، أساءت بعض الكائنات الحرة التي خلقها الله استخدام حريتها، وهذا هو مصدر الشر الأخلاقي. فالحقيقة أن بعض الكائنات الحرة تخطئ، وبالرغم من ذلك، لا يمكن أن يُنسَب هذا ضد قدرة الله او ضد صلاح الله. لأنه كان يمكنه ان يمنع حدوث الشر الاخلاقي فقط في حالة ان يلغي امكانية حدوث الخير الاخلاقي ايضاً.

 

إذن فالله كلي ّ القدرة كان لا يمكنه ان يخلق عالماً به خير اخلاقي بدون الشر الأخلاقي، وبالتالي لا يوجد تناقض منطقي في أن الله كلي ّ الصلاح يخلق كائنات تختار ان تصنع الشر.

مشكلة الشر والالم والمعاناة هل تعني عدم وجود إله؟

الألم، لأجل ماذا؟ – بروس ليتل

الألم، لأجل ماذا؟ – بروس ليتل

الألم، لأجل ماذا؟ – بروس ليتل

إن الدراسة العابرة لتاريخ الكنيسة أو لمعدل الحضور في اجتماعات الصلاة للمؤمنين ستزيل منا كل شك بأن المسيحيين يتألمون. وفي الحقيقة، معظم من يقرأ هذه الكلمات إن لم يكن جميعهم لديهم اختبار مباشر بنوع ما من الألم. وبالطبع لا يتوقف الألم فقط على المسيحيين في هذا العالم وإنما العالم كله مليء بالألم. ومع ذلك فإن الموضوع الذي نحن بصدده يتعلق بالأسباب التي من أجلها يتألم المسيحيون بشكل خاص.

وهذا ليس سؤالاً بشأن السبب الذي يسمح الله من أجله للمسيحيين أني تألموا أو لماذا يتألم المسيحيون البتة. ولا ننظر نحن أيضاً إلى مسألة آلام المسيحيين عندما يكونون تحت تأديب من الرب. (راجع عب ١٢: ٣-١٧) فكل واحد من الأسئلة التي سبقت يستحق جواباً بحد ذاته، لكننا هنا، نستطلع الجواب بشأن سؤال آخر. وهكذا فالموضوع الذي أمامنا ينظر إلى نوعيات أخرى من الألم المسيحي، وليس الأمر مسألة تحديد اختبارات ألم معينة كالصراع مع السرطان لكن بالحري إنه يتعلّق بالأنواع الأوسع التي نستطيع أن نصنف فيها حالات الألم الخاصة.

أما السبب الذي من أجله نسعى لفعل ذلك فهو أن نرى ما إذا كانت بعض المواعيد في الكتاب المقدس المتعلقة بالألم تنطبق على بعض نوعيات من الألم فقط أم لا. وأود أن أقترح هنا بأنه يوجد ثلاث نوعيات من الألم هي التالية:

  1. قد يتألم المسيحيون عندما يعيشون حياة التقوى مع الله؛
  2. غالباً ما يتألم المسيحيون لمجرد أنهم جزء من الجنس البشري الساقط الذي يعيش في عالم ساقط؛
  3. قد يتألم المسيحيون عندما يسلكون كفاعلي شر.

لا يخفي الكتاب المقدس الحقيقة بأن المسيحيين يتألمون لكونهم مسيحيين. فبولس يذكّر تيموثاوس بأن جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى سيضطهدون (راجع ٢ تي ٣: ١٢). فقد تألم يسوع ونحن نعلم أنه ليس عبد أعظم من سيده (راجع يو١٣: ١٦). وحتى الفصل العظيم في الكتاب المقدس الذي يسجّل حياة الذين عاشوا بالإيمان فإنه يخبرنا عن أعمالهم العظيمة لله (راجع عب ١١: ١-٣٤) وليس ذلك فقط، بل يتحدث أيضاً عن الآلام العظيمة التي قاسوها لأجل إيمانهم (راجع عب ١١: ٣٥-٤٥).

وهكذا، فليس مفاجئاً أن يجتاز المسيحيون باستمرار في صعوبات كبيرة وهم يصنعون مشيئة الآب، فإن يسوع علّم في موعظته على الجبل بأن من يتألم من أجل البر هو مبارك (راجع متى ٥:١١) ويتحدث بولس عن التعزية عندما نتألم من أجل المسيح (راجع ٢ كو ١: ٣-٧) كما يشير بطرس إلى أن امتحان إيماننا هو أثمن من الذهب الفاني (راجع ١ بط ١: ٦-٧) ويقول لنا لاحقا بأننا إن عُيّرنا لأجل اسم المسيح فإننا مباركون (٣: ١٤). ويكتب لنا يعقوب قائلاً،” يا إخوتي، احسبوه كل فرح عندما تقعون في تجارب متنوعة، عالمين أن امتحان إيمانكم ينشئ صبراً” (راجع يع ١: ٢-٣).

تشير جميع هذه الآيات بوضوح إلى آلام المؤمنين لأجل البر. وبالتالي يجب أن نتطلّع إلى البركات التي ترافق الآلام من أجل البر والتي تنطبق على هذه النوعية من الآلام فقط. وهذا يعني بأن الوعد هو للبركة عندما يتألم المؤمن من أجل البر لكن هذا الوعد لا ينطبق على آلام المسيحيين التي يتألمونها وهم يصنعون شراً أو لمجرد أنهم يعيشون في عالم ساقط. فجميع النصوص المشار إليها سابقاً تؤكّد حالة البركة فقط ولكنها لا تشير إلى الشكل الذي تظهر به هذه البركة. إلا أننا، ونحن نسير بالإيمان لا بالعيان، نعتمد على الله وكلمته ونترك له أن يمنحنا عمل البركة كما يراه مناسباً.

تجدر الإشارة أيضاً إلى آية أخرى تستحقّ انتباهنا بشأن موضوع الآلام من أجل البر وهي موجودة في رومية ٨: ٢٨ وتقول: “ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله الذين هم مدعوون حسب قصده.” وقد تكون هذه الآية أكثر الآيات اقتباساً من المؤمنين في أزمنة الضيق. فهي تُقتَبَس عندما يصاب المسيحي بجرحه قلبية، كما أنها تُقتَبَس عندما يموت عزيز علينا، أو عندما يحصل حادث مريع ما. وإن الآية التي نسمعها دائماً كمبرر على هذا القول هي رومية ٨: ٢٨.

لكنهل حقاً تعلمنا هذه الآية بأن “كل الأشياء” في جميع الحالات تعمل معاً للخير للذين يحبون الله؟ أود أن أقترح هنا بأنه عندما نفترض السياق الذي يحيط بالفصل بأكمله فإن عبارة “كل الأشياء” تتعلق فقط بتلك الأمور التي تحدث كنتيجة مباشرة لحياة نحياها بالكامل للمسيح.

وقد بدأت تحرياتي عن هذا الأمر بأول ١٧ آية من رومية ٨. فمن الواضح أن الموضوع هناك يتعلّق بالسلوك في الروح لا بحسب الجسد. وتتحدّث الآية ١٧ عن الآلام مع يسوع التي تنتج تمجيداً معه أيضاً. ويبدأ الرسول من هذه النقطة حديثه عن الآلام والتي يجب أن نفهمها بناء على الآية ١٧ بأنها الآلام الناتجة عن حياة نحياها مع يسوع. ويخبرنا كيف أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يُستعلَن فينا في ذلك اليوم (انظر الآية ١٨). ويمضي بولس من هناك فيتحدّث عن الخليقة وكيف أنها تتوقّع ذلك (راجع الآيات ١٩-٢٥).

ثم ينتقل ليتحدّث عن الروح وكيف أنه يصلي فينا عندما لا نعلم ما نصلي لأجله بأنفسنا (انظر الآيتين ٢٦، ٢٧). ويشير السياق هنا إلى أنه عندما نتألم من أجل البر ولا نعلم ما نصلي لأجله فإن الروح القدس يصلي فينا بحسب مشيئة الآب. ويمضي بولس فيقول بأننا نعلم أن الله يعمل “كل الأشياء” معاً للخير للذين يحبونه. وهكذا، حتى ولو كنا لا نعلم كيف نصلي، فباستطاعتنا أن نعلم بأنه عندما نتألم من أجل البر فإن الله يعمل بالنيابة عنا. ويتابع النص فيعطينا أسباباً تدعونا إلى الاطمئنان بأن الله يعمل من أجل صالحنا (انظر الآيات ٢٩-٣٥).

فهو يسمّي بعض الحالات الخاصة من آلام المؤمنين التي يجتازونها (انظر ٣٥) ثم يقول بأن تلك الآلام تنتج عن الحياة التي نحياها من أجل الرب “من أجلك نمات كل النهار” (الآية ٣٦). ونتيجة لذلك فإن عبارة “كل الأشياء” تشير إلى الآلام الخاصة التي تنشأ عن حياة البر وليس مطلق أي نوع من الآلام. ويختم بولس إذ ينتهي الفصل بتأكيده على أنه يجب ألا نتراجع أمام الآلام التي نتألمها من أجل البر، ذلك أن لا شيء يقدر أن يفصلنا “عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا” (الآية ٣٩).

وبالتالي أستنتج بأن رومية ٨:٢٨ هي آية يجب أن تطبّق فقط على الآلام المتأتية نتيجة لحياة البر فجميع المسيحيين الذين يعيشون في البر يستطيعون حين تأتي الاضطهادات أن يعلموا بأن الله يعمل أيضا معهم. وبما أن الله يعمل من أجلهم كما يعلمون فإن النتيجة ستكون حتماً بركة لحياتهم. ففي وسط الآلام. يستطيعون التعرف على التعزية والنعمة والرحمة الصادرة عن الآب السماوي.

أما الفئة الثانية للآلام فهي بشأن الآلام التي تأتي لمجرد أن المسيحيين يعيشون في عالم ساقط. فبعد السقوط تغيرت الأمور على هذا الكوكب وحل الآلام والضيقات في الخليقة. توجد في الطبيعة اختلاجات كما نراها في الهزات الأرضية والأعاصير وما شابه ذلك. وإن المسيحيين كَسِوَاهم من غير المسيحيين أيضاً يواجهون هذه الأمور لكونهم جزءاً من هذا العالم. بالإضافة إلى ذلك فإن الناس الأشرار يقومون بفعل أمور شريرة يترتب عليها نتائج سلبية يختلف مداها وحدتها. ومرة أخرى يتأثر المسيحيون غالباً بهذه الأمور.

فنحن لا يمكننا الهرب من حالة التأزم التي ألمّت بهذا العالم لمجرد كوننا مسيحيين. إضافة إلى ذلك فإننا عندما نقوم باختياراتخاطئة نواجه نتائج سلبية قد تنعكس علينا وعلى الآخرين أيضاً. علاوة على ذلك، فإن المسيحيين وغير المسيحيين يعانون من الجراحات القلبية ويصارعون مرض السرطان ويفقدون الأولاد نتيجة أمراض خطيرة. لا يكمن الفرق في أن المسيحيين محصنون ضد آلام هذا العالم الذي يختلج بشكل مخيف، وإنما يكمن في طريقة احتمالهم للآلام. وكما نجد في حالة بولس وشوكته في الجسد فإننا الله قادر أن يمنح نعمة كافية لتعضد المتألم وسط الضيق. وإن إظهار هذه النعمة العاضدة غالباً ما يكون شهادة للعالم، عن حقيقة إيمان المسيحي بالله.

فكم من مرة كان وجود أحد القديسين في مستشفى شهادة لنعمة الله. إلا أن هذه الآلام ليست آلاماً من أجل البر. لذلك يجب ألا نطبّق عليها المواعيد المتعلقة بالتألم لأجل البر. لكن ما علينا فعله هو طلب وجه الله بالصلاة الحارة من أجل الخلاص من المحنة كما يرتئيه مناسباً. ومن ثم الاستسلام لنعمته حتى تعضدنا خلال الألم. فإن أتى الجواب على شكل شفاء عندها فلنعط الشكر لله. وإن أتى الجواب على شكل نعمة فيّاضة عندها فلنفرح فيه.

وإذا كان معنى ذلك شكلاً من أشكال الرجوع فلنشهد عندها لعمل الله السيادي. وينطبق ذلك على الذين يتألمون مباشرة والمقربين منهم الذين يتألمون بشكل غير مباشر. فإن نعمة الله بغض النظر عن الشكل الذي تظهر به تقدر أن تشكّل مناسبة عظيمة لأن نشهد للعالم. ومن يعلم، ربما يأتي أناس للإيمان بيسوع من خلال تلك الشهادة.

أما الفئة الثالثة من الآلام فهي التي تنتج بسبب أعمال الشر التي قد نفعلها. فإذا استمرينا في الخطية فإن يد الله المؤدبة ستقسو (مع أنها مفيدة) علينا (انظر عب ٦:١٢-١٣). لكن في تلك الحالة إذا اعترفنا بخطيتنا وحدنا عنها فإن التأديب سينشئ ثمر بر للسلام في حياتنا. ومن ناحية ثانية، وبشكل أدق فقد نكسر بعض القوانين المدنية المتعلقة بالدولة ونواجه الآلام حينها كفاعلي شر (انظر ١ بط٤: ١٥). يقول لنا بطرس بالتحديد: لا يتألم أحدكم كفاعل شر.

ويوضح لنا بولس سبب ذلك وهو أن السلطات المدنية مقامة من الله للاقتصاص من فاعلي الشر (راجع رومية ١٣: ١-٤). فعندما يتألم المسيحي كفاعل شر، فليس بمقدوره أن يتذمر بل عليه قبول القصاص. فلا وعد هنا بأن كل الأشياء تعمل معاً للخير. وعلى المسيحي الاعتراف بخطيته حتى يتحمّل قصاصه بذهنية مخافة الله ويكون شهادة للتوبة وللنعمة كما لغفران الله.

يجب على المسيحي أن يكون شهادة ليسوع أينما كان وتحت أي ظرف كان، ومهما كان قصاصه. وفي حال رجوع البعض إلى المخلص نتيجة لهذه الشهادة يبقى من الخطأ أن نقتبس رومية ٨: ٢٨ لأن في ذلك اقتراحاً بأن النتائج الجيدة تبرر السلوك السيئ.

من المهم أن نعلم كلما تألمنا السبب الذي نتألم لأجله. ولا شك أنه في بعض الأحيان لا يكون الأمر جلياً بالنسبة للآخرين لكنه واضح بالنسبة لنا، وعندما نكون قد حددنا السبب الذي من أجله نتألم، علينا عندها أن نتصرف بحسب ذلك. فإن كنا نتألم من أجل البر فعندها يجب أن نفرح. وإن كنا نتألم نتيجة لسقوط هذا العالم فلنتعزّ بكفاية الله ونعمته ونحن نقدم طلباتنا أمام عرشه. وإذا حدث وتألمنا كفاعلي شر عندها يجب أن نعترف بخطايانا ونتوب عنها ونقبل التأديب كمؤمنين مطيعين. دعونا نحرص جميعنا بشأن أي الآيات من الكتاب نقتبس عندما نرغب في تشجيع الآخرين وتشجيع نفوسنا في مواجهة الآلام.

فمع اختلاف فئات الآلام تختلف المواعيد المعطاة من أجلها والمسؤوليات الملقاة على عاتقنا وسطها. ليتنا نمارس نوعاً من التمييز عندما نطبّق المواعيد على حالات الألم. تبقى الحقيقة بأن الله في جميع هذه الفئات يستطيع أن يعمل بوضوح في حياتنا كما في الظروف الخارجة عن نطاقنا. لكننا مع ذلك لا نستطيع تطبيق الوعد بالبركة إلا عندما نتألم من أجل البر. وفي جميع حالات الألم الأخرى ينبغي علينا أن نستسلم لنعمة الله متيقنين من كفايتها دائماً.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

الألم، لأجل ماذا؟ – بروس ليتل

Exit mobile version