مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – نوفمبر 2023م

 

مونارخية الآب في الدراسات الأكاديمية – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفهرست

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري.. 1

العلامة كليمندس الإسكندري.. 1

الآب هو علة الابن.. 1

العلامة أوريجينوس الإسكندري.. 5

الابن يأخذ من الآب ما هو عليه. 5

الآب هو بداية الابن.. 6

الابن يأخذ كيانه من الآب بلا بداية أو زمان. 7

الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس… 8

الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث.. 9

ق. ديونيسيوس الإسكندري.. 11

الابن والروح القدس متحدان في الآب الرأس… 11

إكرام الابن للآب كرأس له. 12

الآب هو مصدر الابن.. 13

الآب هو نبع الابن.. 14

العلامة ديديموس الضرير. 16

خروج الابن والروح القدس من الآب.. 16

ق. أثناسيوس الرسولي.. 17

الآب هو أصل الابن ووالده. 17

الله الآب هو الينبوع الأزلي لحكمته الذاتية. 18

الآب هو البدء والينبوع.. 18

ق. كيرلس الإسكندري.. 20

الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث.. 20

الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية. 21

الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية. 21

الآب هو أصل الكلمة الخالق.. 22

الآب هو الجذر والينبوع للابن.. 23

الآب هو البداية الأزلية للكلمة. 23

الآب هو بداية الابن.. 24

الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعي منه. 24

الخلاصة. 27

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري

سوف نستعرض في هذا البحث الموجز الإشارات إلى مونارخية الآب في تعليم وكتابات آباء كنيسة الإسكندرية في حقبة ما قبل نيقية وحقبة نيقية وما بعد نيقية، وذلك من أجل الوقوف على أفضل تصور حول مفهوم المونارخية في الثالوث، وهل كان يؤمن آباء الإسكندرية بمونارخية الآب أم بمونارخية الثالوث، كما يدَّعي بعض الباحثين في العصر الحديث؟

العلامة كليمندس الإسكندري

الآب هو علة الابن

يشير العلامة كليمندس الإسكندريّ إلى العلاقة العلية والسببية بين الآب والابن، فلا يسبق الابن الآب كالتالي:

”وكل سبب يُدرَك كسبب بالعقل، ينشغل بشيءٍ ما، ويُدرِك صلته بشيءٍ ما. أي أن البعض يُؤثِّر، كما السيف في القطع. ولبعض الموضوعات، كتلك التي لها استعداد، كما النار في الخشب، لأنها لن تحرق الصُلب. والسبب يخص الأشياء التي لها علاقة بشيءٍ ما. لأنه يُدرَك بعلاقته بشيءٍ آخر، حتى أننا نستخدم أذهاننا في الاثنين، لكي نتصوّر السبب كسبب. نفس العلاقة نجدها في الخالق، والصانع، والآب. فالشيء ليس سببًا لذاته، ولا المرء أبًا لنفسه. لأن الأول سيصير الثاني. الآن، السبب يعمل ويُؤثِّر. فالمنتج بالسبب هو مفعول ومُتأثر. ولكن نفس الشيء عندما يُؤخَذ في حد ذاته لا يمكن أن يكون فعلاً ومُتأثرًا، ولا يمكن أن يكون ابنًا وأبًا. وإلا يسبق السبب ما قام به، كأن [يسبق] القطع السيف. ونفس الشيء لا يمكن أن يسبق في نفس اللحظة، كما للمادة كسبب، وفي نفس الوقت أيضًا، تكون بعد ولاحقة لأثر السبب. والآن تختلف الكينونة عن الصيرورة، كما السبب عن الأثر، والآب عن الابن. لأن نفس الشيء لا يمكن أن ’يكون‘ وأن ’يصير‘ في نفس اللحظة. وبالتالي، هو ليس سببًا لنفسه. فالأشياء ليست أسبابًا لبعضها البعض، ولكنها أسبابٌ لكلٌّ من الأخرى“.[1]

ويستطرد العلامة كليمندس الإسكندريّ في نفس السياق مؤكدًا على أن الآب هو العلة الأبعد وأبو الكون، وهو الأقدم والأكثر خيرية للجميع كالتالي:

”إذًا، هدفنا هو إثبات أن الغنوسيّ وحده قديس وتقي، ويعبد الإله الحقيقيّ بطريقةٍ جديرةٍ به. وأن هذه العبادة المقدَّمة لله، يتبعها حب [الله] وحب من الله [له]. […] يكثرث بالفلسفة الأكثر قدمًا، وبالنبوة الأولى. ومن بين الأفكار المعقولة، [يكترث] بما هو أقدم في أصله، وبالمبدأ الأول الذي بلا زمن أو نشأةٍ، [الذي] هو بادئ الوجود – الابن – الذي منه يتعيَّن أن نتعلَّم العلة الأبعد، أبُ الكون، الأقدم والأكثر خيرية للجميع، غير القابل للتعبير عنه بكلامٍ، ولكن يُبجَّل بالتبجيل والصمت، والعجب المقدَّس، ويُبجَّل بأقصى درجة. ويُعلَن عنه بواسطة الرب، بقدر ما يكون أولئك الذين تعلَّموا قادرين على الإدراك والفهم، مِن أولئك الذين أختارهم الربّ للمعرفة، ’الذين صارت لهم الحواس مُدرَّبةً‘، كما يقول الرسول“.[2]

يرى العلامة كليمندس الإسكندريّ أن الآب هو العلة الأولى لجميع الأشياء التي تتمُّ بواسطة الابن قائلاً:

”وبشكلٍ عامٍ، كل الفوائد الخاصة بالحياة، في أقصى تعقل لها، تنبع من سلطان الله، الذي هو الآب للجميع، وتتمُّ بالابن، الذي هو أيضًا، بسبب كُونه ’مخلِّص جميع الناس ولا سيما المؤمنين‘، كما يقول الرسول (1تي 4: 10)، أقرب إلى العلة الأولى، أي إلى الربّ [الآب]“.[3]

ويشير العلامة كليمندس إلى أن الآب هو علة كل شيء جيد، وأنه ملك الكل، وأن الابن هو الثاني، وكل شيء به كان بحسب إرادة الآب، والروح القدس هو الثالث، وكل شيء به كان وفقًا لإرادة الآب قائلاً:

”حتى أنه عندما يقول: ’حول ملك الكل، كل شيء يوجد، وبسببه كل شيء. وهو علة كل الأشياء الجيدة. وحول الثاني الأشياء الثانية في الترتيب، وحو الثالث الثالثة‘. فإنني لا أفهم شيئًا آخر سوى أن المقصود هو الثالوث القدوس، لأن الثاني هو الابن الذي به كان كل شيء وفقًا لإرادة الآب، والثالث الروح القدس، الذي به كان كل شيء وفقًا لإرادة الآب“.[4]

العلامة أوريجينوس الإسكندري

الابن يأخذ من الآب ما هو عليه

يشير العلامة أوريجينوس في إشارة إلى مونارخية الآب، أن الابن الوحيد المولود من الآب، يأخذ منه ما هو عليه، دونما أي بدء زمنيًا كان أم تعليليًا كالتالي:

”لهذا، نعلم أن الله هو أبدًا أب لابنه الوحيد المولود منه، والآخذ عنه ما هو عليه، دونما أيّ بدء، زمنيًا كان أم تعليليًا، مما يقدر العقل وحده أن يتمثله في ذاته ويُمحِّصه في فهمه المجرَّد، إلى حدّ ما، وفي تفكيره“.[5]

ويؤكد العلامة أوريجينوس على المفهوم السابق في موضع آخر، حيث يشير إلى أن الابن يستمد من الآب كل ما هو عليه، إذ لم يكن هناك وقت لم يكن الابن في الآب، داحضًا بذلك المزاعم الآريوسية بأن هناك وقت كان فيه الآب بدون الابن كالتالي:

”وهو [الابن] – كما يقول الكتاب – بخار قوة الله الأولى وغير المولودة، يستمد منه كل ما هو عليه، إذ لم يكن حينٌ لم يكن فيه“.[6]

الآب هو بداية الابن

يوضح العلامة أوريجينوس أن الابن هو بخار قوة الله، وإنه كان هكذا على الدوام، ولم يكن للابن بدءًا آخر سوى الله الآب نفسه كالتالي:

”يُبيِّن هذا أن بخار قوة الله هذا كان دائمًا ولم يكن له بدء ما خلا الله نفسه. إذ لا يليق، في سائر الأحوال، أن يكون قد حظى بابتداءٍ آخر له سوى الله نفسه، الذي يستمد منه الكيان والولادة“.[7]

ويشير العلامة أوريجينوس في موضع آخر إلى أن الآب هو بداية الابن في الأزلية، وذلك في سياق تفسيره لآية (يو 1: 1) ”في البدء كان الكلمة…“ قائلاً:

”يمكن للمرء أن يفترض بالاستناد على نقطة أن الله نفسه هو بداية كافة الأشياء، أن الآب هو بداية الابن. وهكذا إن الفساد هو بداية أعمال السخط، فبكلمةٍ واحدةٍ، [الله] هو بمثابة البداية لكل ما هو موجودٌ. هذا الرأي مدعوم من قبلنا (في القول المقدَّس) ’في البدء كان الكلمة‘. ففي لفظة (الكلمة) يمكن للمرء أن يرى الابن، ولأن (الابن) كان في الآب، فمن هنا يمكن بالمثل أن يُقال أنه، أي الابن، كان أيضًا في البدء [الآب]“.[8]

ويؤكد العلامة أوريجينوس على أن الآب هو بداية الابن، والابن بدوره هو بداية كل الذين خُلِقوا بحسب صورة الله كالتالي:

”بالإضافة إلى هذه المعاني، فهناك ما نتحدَّث فيه عن البدء أو البداية بحسب الشكل [الهيئة]. ومن هنا (نقول) أنه لئن كان (المسيح) بكر كل مخلوق أو كائن يُمثِّل صورة الإله غير المنظور. هكذا فإن الآب يُعدّ كبدايته. وبنفس الطريقة، فإن المسيح هو مبدأ هؤلاء الذين خُلِقوا بحسب صورة الله. لأنه إذَا كان البشر (قد خُلِقوا) بحسب الصورة، أمَّا الصورة فهي بحسب الآب، ففي الحالة الأولى، فإن الآب هو مبدأ المسيح، وعلى الجانب الآخر، فإن المسيح هو بمثابة الأصل أو الابتداء بالنسبة للبشر، هؤلاء الذين خُلِقوا ليس بحسب ما هو عليه، بل بحسب الصورة“.[9]

الابن يأخذ كيانه من الآب بلا بداية أو زمان

يرى العلامة أوريجينوس أن كيان الالن يتحدر من الآب نفسه، ولكن بطريقةٍ لا زمنيةٍ وبلا بداية، بل من الله نفسه كالتالي:

”فالحكمة أزلية وضياء أزليته في آنٍ واحدٍ. إن نفهم جيدًا هذا يغدُ جليًا أن كيان الابن يتحدر من الآب نفسه، ولكن بطريقةٍ لا زمنيةٍ ودونما بدء، بل من الله ذاته“.[10]

الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس

يشير العلامة أوريجينوس إلى أن الآب هو الجودة في مبدئه، التي منها وُلِدَ الابن الذي هو صورة الآب في كل شيء، لذا يلائمه والحق يُقال أن الابن يُدعَى صورة جودته، إذ ليس في الابن جودة أخرى سوى الجودة التي عند الآب كالتالي:

فالآب هو، بلا مراء، الجودة في مبدئه؛ منها وُلِدَ الابن الذي هو صورة الآب في كل شيء. لذا يلائم والحق يُقال أن يُدعَى صورة جودته؛ إذ ليس في الابن من جودة أخرى غير الجودة التي عند الآب. […] وقد دُعِيَ بصوابٍ صورته، لأنه لا ينحدر من سوى هذه الجودة التي هي المبدأ، حتى لا تُرى في الابن جودةٌ غير تلك التي عند الآب، ولا جودة مغايرة أو مختلفة. […] بل يجب وضع الجودة في الآب في مبدئها، كما قُلنا أعلاه. فالابن المولود منه، أو الروح القدس الذي منه ينبثق، يستنسخان في ذاتهما بلا أدنى ريبٍ طبيعة هذه الجودة المكنونة في المصدر، الذي منه يُولد الابن وينبثق الروح القدس“.[11]

الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث

يؤكد العلامة أوريجينوس على أنه لا يوجد أقل أو أكثر في الثالوث، مادام هناك مصدر ألوهية وحيد هو الآب يسوس الكون بكلمته وعقله، ويُقدِّس بروح فيه كل خليق بالتقديس كالتالي:

”وفي سائر الأحوال، ما من أكثر أو أقل في الثالوث، ما دام مصدر ألوهيةٍ وحيدٌ يسوس الكون بكلمته وعقله، ويُقدِّس بروح فيه كل خليق بالتقديس، على حسب ما كُتِبَ في المزمور: بكلمة الرب صُنِعَت السماوات، وبروح فيه كل جنودها (مز 32: 6). أجل، إنها عملية رئيسية من قِبل الله الآب، علاوةً على تلك التي يمنح بموجبها الكائنات جميعًا أن توجد، على وفق طبيعة كل منها“.[12]

ويشير العلامة أوريجينوس أيضًا إلى أن الآب هو نبع الألوهة للابن والروح القدس قائلاً:

”والله دُعِيَ محبة، والمسيح لُقِّبَ بأنه ’ابن المحبة‘، وبالتالي، إذَا وجدنا ’روح المحبة‘، و ’ابن المحبة‘ و ’إله المحبة‘، فمن المؤكَّد أنه يجب أن نفهم أن الابن والروح القدس كليهما ينبعان من نبعٍ واحدٍ لألوهة الآب“.[13]

ق. ديونيسيوس الإسكندري

الابن والروح القدس متحدان في الآب الرأس

يشير ق. ديونيسيوس الإسكندري إلى مونارخية الآب أو وحدة الرأس في الآب، حيث يؤكد على أن الكلمة الإلهي مُتَّحِد بإله الكل، وإن الروح القدس قائم في الله ومستقر فيه، وهكذا فإن الثالوث القدوس متجمع معًا ومتَّحِد في واحد، أي أنهم مُتَّحِدون في الرأس الذي هو الله الآب ضابط الكل كالتالي:

”لأنه لا محالة إن الكلمة الإلهيّ مُتَّحِد بإله الكل، وإن الروح القدس قائم في الله ومُستقر فيه، وهكذا، فإن الثالوث القدوس مُتجمِع ومُتَّحِد في واحد، كما قيل، إنهم متحدون في هذا الرأس، الذي هو الله [الآب] ضابط الكل“.[14]

ويستطرد ق. ديونيسيوس مؤكدًا على مونارخية الآب في نفس الرسالة، حيث يرفض فصل الوحدة الإلهية العجيبة إلى ثلاث ألوهيات، ضد مَن يؤمنون بثلاثة آلهة في الثالوث، ويؤكد على تمايُّز الأقانيم الثلاثة في الثالوث القدوس، ضد السابيليين القائلين بأقنوم واحد في الثالوث القدوس. وهكذا ينسب ق. ديونيسيوس لقب ”ضابط الكل“ لله الآب أبو ربنا يسوع المسيح، ويُشدِّد على أننا ينبغي أن نؤمن بالله الآب ضابط الكل، وبيسوع المسيح ابنه، وبالروح القدس. ويشير إلى أن الكلمة مُتَّحِد بإله الكل، لأنه قال: ”أنا والآب واحدٌ“ (يو 10: 30)، وكذلك ”أنا في الآب والآب فيَّ“ (يو 14: 10)، مُميِّزًا بين أقنوم الآب وأقنوم الابن. وفي النهاية، يُؤكِّد على ضرورة حفظ الثالوث الإلهيّ ووحدة المصدر أو المونارخية في الآب دون انتقاص كالتالي:

”فلا ينبغي إذًا أن نفصل الوحدة الإلهية العجيبة إلى ثلاثة ألوهيات، ولا ينبغي أن كرامة الرب وعظمته الفائقة تُنتقص الوصف ’مصنوع‘، لكن لا بد أن نؤمن بالله الآب ضابط الكل، ويسوع المسيح ابنه، وبالروح القدس، وبأن الكلمة مُتَّحِد بإله الكل، لأنه قال: ’أنا والآب واحدٌ‘ (يو 10: 30)، وكذلك ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 14: 10)، وهكذا يكون من البيَّن أن الثالوث الإلهيّ، ووحدة المصدر، يكونان محفوظين دون انتقاص“.[15]

إكرام الابن للآب كرأس له

يشير ق. ديونيسيوس في إشارة واضحة إلى مونارخية الآب في الثالوث القدوس، حيث يؤكد على وحدة مشيئة الآب والابن في تدبير الآلام الخلاصية، وهكذا يُكرِّم الابن الآب كرأسٍ له قائلاً:

قطعًا ويقينًا إن إرادة الابن ليست شيئًا آخر غير إرادة الآب، لأنَّ مَن يريد ما يريده الآب تكون له نفس مشيئة الآب. هذا بشكلٍ هندسيّ، لذلك فعندما يقول: ’لا إرادتي بل إرادتك‘، فليس معناها أنه يرغب أن تنزاح عنه الكأس، بل إنه يشير إلى أن إرادة الآب هي في أن يتألم، وهكذا يُكرِّم الآب كرأسٍ άρχήν، لأنه إذَا لقَّب الآباء إرادة شخص بأنها مُجرَّد رأي [أو علامة رمزية أو شكلية]، وإنْ كانت مثل هذه الإرادة ترتبط بما هو خفيّ وله غاية كامنة، فكيف يقول البعض إن الربَّ الذي هو فوق كل هذه الأشياء له إرادة شكلية؟ إن هذا واردٌ فقط إذَا كان لدينا خلَّل في الفكر“.[16]

الآب هو مصدر الابن

يشير ق. ديونيسيوس إلى ولادة الابن من الآب غير المبتدئ، مؤكدًا على أن الابن كنسلٍ ليس بلا مصدر، لأن مصدره هو الله الآب نفسه غير المولود قائلاً:

”السؤال الأول: أيهما [أصح] هل الابن ولد نفسه أم وُلِدَ من الآب؟ الإجابة: الابن وُلِدَ من الآب، وليس هو الذي وَلَدَ نفسه. […] السؤال الثالث، أنت تقول: غير مبتدئ من غير مبتدئ [أي ليس له بدء]؟ الإجابة: [الابن] هو كنسلٍ ليس بلا مصدر، ولكن الآب غير مبتدئ، لأنه غير مولود“.[17]

الآب هو نبع الابن

يستخدم ق. ديونيسيوس مثل النبع والنهر لتشبيه الولادة الأزلية للابن من الآب، مشبهًا الآب بالنبع الحقيقيّ والابن هو النهر المتدفق من هذا النبع كالتالي:

”لأنه لا يمكن أن يُدعَى النبع نهرًا ولا النهر نبعًا، لكنهما يظلان حقيقتين، وأن هذا النبع هو الآب بالحقيقة، بينما النهر هو الماء المتدفِق من النبع. […] لقد قيل بعاليه أن الله هو علة كل الأشياء الصالحة، لكن الابن دُعِيَ النهر الذي يتدفق منه [أي من الله]، لأن الكلمة هي لفظة العقل، أو باللغة البشرية، هي منبعثة بواسطة الفم من العقل. لكن الفكر الذي يُنطَق باللسان هو متمايز عن الكلمة الموجودة في العقل. لأن هذه الأخيرة بعدما تلفظ الأولى، تبقى كما كانت عليه مِن قبل، لكن الفكر قد أُرسِلَ وانتشر في كل مكانٍ من حوله، وهكذا كل منهما يكون في الآخر، رغم أن الواحد ينبع من الآخر، وهم واحدٌ رغم أنهما اثنان. وبنفس الطريقة، نقول إن الآب والابن هما واحدٌ، وأحدهما يكون في الآخر“.[18]

ويستطرد ق. ديونيسيوس في نفس السياق مؤكدًا على أن العقل هو آب [أقنوم] الكلمة الموجود في ذاته، لكن الكلمة كابنٍ للعقل، لا يمكن أن يكون موجودًا قبله أو بدونه، لكنه موجود معه، ووجد فيه المنبع والمصدر، هكذا الآب ضابط الكل والعقل الكونيّ كان له ابن قبل كل الأشياء، هو الكلمة والنطق، وهو إعلانه والمخبِر عنه كالتالي:

”وبالمثل لأن العقل هو آب الكلمة، موجود في ذاته، لكن الكلمة كابنٍ للعقل، لا يمكن أن يكون موجودًا قبله أو بدونه، لكنه موجود معه، ووجد فيه المنبع والمصدر. وبنفس الطريقة، فإن الآب ضابط الكل والعقل الكونيّ له ابن قبل كل الأشياء، هو الكلمة والنطق، وهو إعلانه والمخبِر عنه“.[19]

العلامة ديديموس الضرير

خروج الابن والروح القدس من الآب

يُوضِّح العلامة ديديموس أن الروح القدس يخرج من الآب مثلما يخرج الابن أو المخلِّص نفسه من الله، ويشير إلى أن الروح القدس يُقال عنه أنه ’ينبثق من عند الآب‘ (يو 15: 26)، وذلك وفق خاصة الآب المتفردة، ووفق مفهوم الأبوة، أي المصدرية. وبالرغم من أن المسيح قال إنه قد خرج من قِبَل الله، لكنه لم ينسب لنفسه خاصية الانبثاق عند حديثه عن علاقته بالآب، لأن خاصية الانبثاق هي خاصة بالروح القدس فقط كالتالي:

”فعلينا أن ندرك أن الروح القدس يخرج من الآب مثلما يخرج المخلِّص نفسه من الله، وهو ما شهد له [المخلِّص] بقوله: ’لأني خرجت من قِبَل الله وأتيت‘ (يو 8: 42) […] وهكذا فعلينا أن نؤمن بالإقرارات التالية التي استخدمت كلمات لا يُنطق بها وهي مُدرَكة بالإيمان وحده عن أن المخلِّص ’خرج من عند الآب‘ (يو 8: 42)، و ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘ (يو 15: 26)، والآب نفسه الذي قال: ’الروح الذي يخرج مني‘ (إش 57: 16 سبعينية). وبالحقيقة قد قيل حسنًا بالنص: ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘ (يو 15: 26). وكان من الممكن أن يقول: ’من الله‘، أو ’من الربّ‘، أو ’من ضابط الكل‘، ولكنه لم يستعمل أيًا من هذه. بل عوضًا قال: ’من الآب‘، وهذا مردَّه لا لأن الآب مختلف عن الله ضابط الكل – فإن مجرَّد التفكير في هذا يُعدّ جرمًا – بل بالحري أن روح الحق يُقال عنه ’ينبثق من الآب‘ (يو 15: 26)، وفق خاصة الآب المتفردة، ووفق مفهوم الأبوة. وبالرغم من أن المسيح قال في مواقفٍ عديدةٍ إنه قد خرج من قِبَل الله، لكنه لم ينسب لنفسه المزيَّة [أي الخاصية الأقنومية] التي ناقشناها لتونا [أي الانبثاق]، عند حديثه عن علاقته بالآب، بل عندما يتحدَّث عنها يقول: ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 14: 10)، وفي موضع آخر: ’أنا والآب واحدٌ‘ (يو 10: 30). والقارئ الحصيف سيجد في الإنجيل فقرات أخرى عديدة مُشابهة لهذه“.[20]

ق. أثناسيوس الرسولي

الآب هو أصل الابن ووالده

يشير ق. أثناسيوس إلى أن الآب هو أصل الابن ووالده، وأن الآب هو آب، وهو لم يكن ابنًا لأحد، والابن هو ابن وليس بأخ، ولا يوجد أصل سابق عليهما في الوجود كالتالي:

”فالآب والابن لم يُولَدا من أصل سابق عليهما في الوجود، حتى يمكن اعتبارهما أخوين، ولكن الآب هو أصل الابن وهو والده. والآب هو آب، وهو لم يكن ابنًا لأحد، والابن هو ابن وليس بأخٍ“.[21]

الله الآب هو الينبوع الأزلي لحكمته الذاتية

يرى ق. أثناسيوس أن الله الآب هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، أي أقنوم الكلمة أو الابن، ولمَّا كان الينبوع أزليًا، فبالضرورة تكون الحكمة أزليةً أيضًا كالتالي:

”أمَّا الحقيقة فتشهد بأن الله هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، ولمَّا كان الينبوع أزليًا، فبالضرورة يجب أن تكون الحكمة أزليةً أيضًا، لأنه من خلال هذه الحكمة خُلِقَت كل الأشياء“.[22]

الآب هو البدء والينبوع

يصف ق. أثناسيوس الآب بأنه البدء والينبوع في الثالوث القدوس، مُميِّزًا بينه وبين أقنومي الكلمة والروح القدس كالتالي:

”وهكذا يُكرَز بإلهٍ واحدٍ في الكنيسة: ’الذي على الكل وبالكل وفي الكل‘ (أف 4: 6). ’على الكل‘ أي كأب وكبدءٍ وكينبوع، و ’بالكل‘ أي بالكلمة، و ’في الكل‘ أي في الروح القدس. هو ثالوث ليس فقط بالاسم وصيغة الكلام، بل بالحق والوجود الفعليّ“.[23]

ويصف ق. أثناسيوس أقنوم الآب أيضًا بأنه ينبوع ونور وأب، ولا يمكن أن يكون الينبوع جافًا بدون ماء، ولا أب بدون ابن، ولا نور بدون شعاع كالتالي:

”إذَا كان الله ينبوعًا ونورًا وأبًا، فليس من الجائز القول بأن الينبوع جافٌ، أو أن النور بلا شعاع، أو أن الله بلا كلمة، لئلا يكون الله غير حكيم، وغير عاقل، وبلا شعاع. وإذًا، فحيث إن الآب أزليّ، فبالضرورة يكون الابن أيضًا أزليًا، لأن كل ما هو للآب فهو بلا شك للابن أيضًا“.[24]

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

ق. كيرلس الإسكندري

الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث

يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندريّ عن أن الآب هو المصدر أو الينبوع في الثالوث، وأن أقنوم الكلمة فيه لأنه حكمته وقوته وصورة جوهره وشعاع مجده قائلاً:

”أمَّا بالنسبة للابن فالبدء ليس بدءًا زمنيًا ولا جغرافيًا، فهو أزليّ وأقدم من كل الدهور، ولم يُولد من الآب في الزمان، لأنه كان مع الآب، مثل الماء في الينبوع، أو كما قال هو ’خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم‘ (يو 16: 28). فإذَا اعتبرنا الآب المصدر أو الينبوع، فإن الكلمة كان فيه لأنه حكمته وقوته وصورة جوهره وشعاع مجده. […] هل من اعتراض على أن الابن في الآب مثل الماء في الينبوع، أو أن الآب هو الينبوع؟ إنَّ كلمة ’ينبوع‘ تعني هنا المعية. لأن الابن في الآب وهو من الآب، ليس كمَّن يأتي من الخارج في الزمن، بل هو من ذات جوهر الآب“.[25]

الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية

يشير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى أن الآب هو بدء الابن، والبدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية قائلاً:

”ولذلك وصف القديسون الله الآب أنه هو ’بدء‘ الابن، وكانوا يقصدون من ذلك أنه مع الآب. […] وحقًا سوف يأتي مع الآب لأنه في الآب، وهو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية، وهي التي تجعل الآب هو البدء بالنسبة للابن من ناحية المعية لأن الابن من الآب“.[26]

الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية

ويوضح ق. كيرلس الإسكندري أن الآب هو البدء άρχή بمعنى القوة والسيادة على الكل، أي الطبيعة الإلهية التي فوق الكل، والتي تحت أقدامها تستقر الطبائع المخلوقة المدعوة للوجود بإرداة اللاهوت كالتالي:

”والإنجيليّ المبارك – على ما يبدو لي – يُسمِّي الآب البدء άρχή أي القوة والسيادة التي على الكل، أي الطبيعة الإلهية التي فوق الكل، والتي تحت أقدامها تستقر الطبائع المخلوقة التي هي كائنة ومدعوة للوجود بسبب إرادة اللاهوت. في هذا البدء άρχή الذي هو فوق الكل وعلى الكل ’كان الكلمة‘، ليس مع الطبائع المخلوقة التي تحت قدمي البدء، وإنما عاليًا عنها جميعًا، لأنه ’في البدء‘ أي من ذات الطبيعة والكائن دائمًا مع الآب، وله طبيعة الذي ولده كمكانٍ أزليّ قبل الكل. لذلك هو مولودٌ حرٌ من الآب الحر، ومنه ومعه له السيادة άρχή على الكلّ“.[27]

ويشير ق. كيرلس أيضًا إلى أن الآب هو البدء للابن، موضحًا مفهوم ’في البدء‘ أن البدء ليس أي شيء آخر سوى الآب ذاته قائلاً:

”يبدو الإنجيليّ الطوباويّ، وكأنه يُفسِّر لنا بوضوحٍ تامٍ مفهوم ’البدء‘، فيقول ليس البدء شيئًا آخر إلا الآب ذاته، الذي منه أشرق الكلمة المحيي، مثل النور من الشمس، والذي يُدرَك على أنه شيء آخر غير الشمس، لكنه ليس خارجًا عن جوهر ذاك الذي بعثه. فبدء الابن إذن هو الآب“.[28]

الآب هو أصل الكلمة الخالق

يقول ق. كيرلس، مثله مثل ق. أثناسيوس الرسوليّ، أن الآب هو أصل الكلمة الخالق، وأنه كائن طبيعيًا في الابن كالتالي:

”لأن الابن هو قوة أقنوم الآب الخاصة به وبجوهره. وأيضًا عندما يعمل الابن، يعمل الآب أيضًا، فالآب أصل الكلمة الخالق، وهو كائن طبيعيًا في الابن مثل النار في الحرارة الصادرة منها“.[29]

الآب هو الجذر والينبوع للابن

يؤكد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن الآب هو الجذر والينبوع لوليده، أي ابنه الوحيد، وهكذا كل ما يعمله الابن يُنسَب إلى الآب الذي يصدر منه الابن كالتالي:

”لأن الآب يعمل بواسطة الابن. لأن كل ما يعمله الابن يُنسَب إلى الآب الذي منه يصدر الابن، إذ أن الآب هو الجذر والينبوع لوليده“.[30]

الآب هو البداية الأزلية للكلمة

يُفرِّق ق. كيرلس بين البداية الأزلية للكلمة في الآب خارج حدود الزمان والمكان، وبين البداية الزمنية للمخلوقات كالتالي:

”وحين حدَّد الكتاب أن الكلمة هو بداية المخلوقات، يقول: ’في البدء خلق‘، بينما عن كلمة الله ’في البدء كان الكلمة‘. بالنسبة للمخلوقات، البداية هي الزمن، بينما بالنسبة لكلمة الله، الكائن منذ الأزل، فإن البداية άρχή هي فقط أباه الأزليّ، الذي ليس له بداية، طالما أنه كائن معه أزليًا“.[31]

الآب هو بداية الابن

يفسر ق. كيرلس، مثله مثل ق. أثناسيوس[32] وق. باسيليوس الكبير، أن الآب أعظم من الابن، لأن الابن كمساوٍ للآب في الجوهر ومتماثل معه في كل شيء، اتَّخذ الآب الذي بلا بداية كبدايةٍ له لأنه يأتي منه، بالرغم من أن وجوده أزليّ معه كالتالي:

”إذًا، الابن مساوٍ للآب من جهة الجوهر ومتماثل معه في كل شيء، لكنه يقول عن الآب إنه أعظم؛ لأنه أتَّخذ الآب الذي بلا بداية فقط بسبب أنه يأتي منه، بالرغم من أن وجوده أزليّ معه“.[33]

الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعي منه

يرد ق. كيرلس على إدعاء الآريوسيين الهراطقة بأن الآب هو علة وجود الابن المخلوق، مؤكدًا على أن الآب هو علة وجود الابن كوالدٍ بحسب الطبيعة، وليس كخالق قائلاً:

”بأية طريقة، يا محاربي المسيح، تزعمون أن الآب صار علة وجود الابن؟ حسنًا. إذَا كُنتم تظنون أنه مخلوق، فإنه عندئذٍ يكون مخلوقًا وليس ابنًا، محاربين بوضوحٍ الآب الذي يقول للذي ولده: ’ولدتك من بطني قبل يوسيفوروس [كوكب الصبح]“ (مز 109: 3 سبعينية). أمَّا لو اعترفتم بأنه – حقًا – هو الابن وآمنتم بأنه هكذا يكون، عندئذٍ يتحتم عليكم ألا تقولوا إن الآب علة الابن كخالق، بل كوالدٍ بحسب الطبيعة. ولن يعيقكم عن ذلك شيءٌ؛ لأن الذي يأتي من آخر بحسب الطبيعة، يتحتم أن يكون من نفس جوهره، حتى لو كان ذاك هو علة وجوده“.[34]

ويستطرد ق. كيرلس في شرح كيف أن الآب هو علة وجود الابن، إلا أن الابن من نفس جوهر الآب، مولود منه أزليًا خارج حدود الزمان والمكان، وهو كائن معه أبديًا كالتالي:

”إنْ لم يكن الابن شبيهًا بالآب بحسب الجوهر، ولا مساويًا للآب في الجوهر، باعتبار أن الآب لا يأتي من علةٍ ما، بينما الآب هو علة الابن، فما الذي يمنع أن نقول أيضًا إن قايين لم يكن مساويًا لأبيه في الجوهر؟ لأن آدم لم يُولَد من أحد؛ لأنه كان الإنسان الأول، وفي ذات الوقت كان آدم هو علة قايين، إذ صار قايين منه. وبما أن هذا الافتراض كاذب (لأن قايين كان من نفس جوهر آدم)، فيكون الابن أيضًا – على أية حال – من نفس جوهر الآب، حتى لو كان الآب بالنسبة له علة وجوده، طالما أتى [وُلِدَ] منه أزليًا، وهو كائن معه أبديًا“.[35]

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخلاصة

نستخلص من هذا البحث تعليم الآباء الإسكندريين بدءًا من العلامة كليمندس الإسكندري وصولاً إلى ق. كيرلس الإسكندريّ بمونارخية الآب، وهكذا يتفق التعليم الإسكندريّ مع التعليم الكبادوكيّ بمونارخية الآب.

حيث يرى العلامة كليمندس الإسكندريّ في سياق تعليمه عن مونارخية الآب أن الآب هو علة الابن. ويتبعه تلميذه العلامة أوريجينوس الإسكندريّ في نفس الأمر، حيث يرى أن الابن يأخذ من الآب ما هو عليه، وأن الآب هو بداية الابن، وهكذا يأخذ الابن كيانه من الآب بلا بداية أو زمان. كما يؤكد العلامة أوريجينوس على أن الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس، وأن الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث.

وهكذا يتبع العلامة أوريجينوس تلميذه ق. ديونيسيوس الإسكندريّ، الذي يؤكد على اتحاد الابن والروح القدس في الآب الرأس، ويشير ق. ديونيسيوس إلى إكرام الابن للآب كرأسٍ له. ويرى أن الآب هو مصدر الابن، وأن الآب نبع الابن. ويشدد العلامة ديديموس الضرير، أحد تلاميذ العلامة أوريجينوس، على خروج أو صدور الابن والروح القدس من الآب.

ويتبع ق. أثناسيوس الرسوليّ التقليد الإسكندريّ السابق عليه، والذي يؤكد على مونارخية الآب. يقول ق. أثناسيوس بأن الآب هو أصل الابن ووالده، وأن الله الآب هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، ويصف الآب بأنه البدء والينبوع في الثالوث القدوس.

ويتبعه في ذلك ق. كيرلس الإسكندريّ الذي يؤكد على أن الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث، وأن الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية. ويرى ق. كيرلس أن الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية، ويقول، مثلما قال ق. أثناسيوس، بأن الآب هو أصل الكلمة الخالق. ويؤكد ق. كيرلس في نفس السياق أيضًا على أن الآب هو الجذر والينبوع للابن، وأن الآب هو البداية الأزلية لأقنوم الكلمة. ويقول، كما قال العلامة أوريجينوس من قبله، إن الآب هو بداية الابن. ويقول، مثلما قال الآباء الإسكندريين والكبادوكيين من قبله، إن الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعيّ منه.

[1] كليمندس الإسكندري (علامة)، المتفرقات (نسخة إليكترونية)، ترجمة: الأب الدكتور بولا ساويروس، (القاهرة، موقع الكنوز القبطية)، 8: 9: 18-20، ص 1429، 1430.

[2] المرجع السابق، 7: 1: 4، 5، ص 1210، 1211.

[3] المرجع السابق، 6: 17: 36، ص 1192.

[4] المرجع السابق، 5: 14: 28، 29، ص 945، 946.

[5] أوريجينوس (علامة)، في المبادئ، ترجمة: الأب جورج خوام البولسي، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2002)، 1: 2: 2، ص 85.

[6] المرجع السابق، 1: 2: 9، ص 94، 95.

[7] المرجع السابق، ص 95.

[8] أوريجينوس (علامة)، تفسير إنجيل يوحنا ج1، ترجمة: الراهب مكاري البهنساوي، تحت إشراف: الأنبا اسطفانوس أسقف ببا والفشن، (القاهرة، 2020)، ص 122، 123.

[9] المرجع السابق، ص 125-128.

[10] أوريجينوس (علامة)، في المبادئ، ترجمة: الأب جورج خوام البولسي، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2002)، 1: 2: 11، ص 99.

[11] المرجع السابق، 1: 2: 13، ص 100.

[12] المرجع السابق، 1: 3: 7، ص 113.

[13] أوريجينوس (علامة)، تفسير الرسالة إلى رومية ج1، ترجمة: د. عادل ذكري، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2020)، 4: 9: 12، ص 312.

[14] ديونيسيوس الإسكندري (قديس)، القديس ديونيسيوس السكندري الكبير، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، الرسالة الثانية عن الثالوث ضد مَن يؤمنون بثلاثة آلهة وضد السابيليين، ص 167.

[15] المرجع السابق، ص 168، 169.

[16] المرجع السابق، تفسير إنجيل لوقا (لو 22: 42-48)، ص 211، 212.

[17] المرجع السابق، أسئلة وأجوبة، ص 237، 238.

[18] المرجع السابق، رسالة ق. ديونيسيوس الإسكندري إلى البابا ديونيسيوس الروماني، ص 289.

[19] المرجع السابق، ص 292، 293.

[20] ديديموس الضرير (علامة)، الروح القدس، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2015)، 4: 113-115، ص 73-75.

[21] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 5: 14، ص 61.

[22] المرجع السابق، 1: 6: 3، ص 70.

[23] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 28، ص 96.

[24] المرجع السابق، 2: 2، ص 113، 114.

[25] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 1: 1، ص 43.

[26] المرجع السابق، ص 44.

[27] المرجع السابق، ص 45.

[28] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 32: 121، ص 504.

[29] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 1: 1، ص 80.

[30] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 401.

[31] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 15: 50، ص 252.

[32] يفسر ق. أثناسيوس آية ”أبي أعظم مني“ كالتالي: ”لذلك، فإن الابن نفسه لم يقل ’أبي أعظم مني‘ حتى لا يظن أحدٌ أنه غريب عن طبيعة الآب، بل قال: ’أعظم مني‘، ليس من جهة الحجم ولا من جهة الزمن، بل بسبب ميلاده من أبيه ذاته، فإنه حتى عندما يُقال: ’أعظم مني‘، أَظهر مرةً أخرى أنه من ذاتية جوهره الذاتيّ“ (أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرين، القاهرة، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017، 1: 13: 58، ص 140).

[33] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 11: 4، ص 137.

[34] المرجع السابق، مقالة 10: 10، ص 124.

[35] المرجع السابق، مقالة 10: 12، ص 125.

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مراحل تأصيل الأناجيل – دونالد كارسون – دوجلاس مو – ترجمة ودراسة: أمير يعقوب

مراحل تأصيل الأناجيل – دونالد كارسون – دوجلاس مو – ترجمة ودراسة: أمير يعقوب

مراحل تأصيل الأناجيل – دونالد كارسون – دوجلاس مو – ترجمة ودراسة: أمير يعقوب

مراحل تأصيل الأناجيل – دونالد كارسون – دوجلاس مو – ترجمة ودراسة: أمير يعقوب

مراحل تأصيل الأناجيل (1)

في سياق التحقق بأصول الاناجيل توجد مناهج متميزة عديدة وقد ظهرت خلال القرنين الماضيين كل منها يبرز سمات ومراحل مختلفة للمسألة. ثلاثة مناهج بالتحديد اظهرت مشاركات هامة لمسألة اصول الاناجيل وتطورها:

  • نقد النموذج (form criticism) الذي يركز على فترة الانتقال الشفهي.
  • ونقد المصدر (source criticism) والذي يركز على طريقة وضع الفقرات الادبية المختلفة لعمل الاناجيل.
  • ثم نقد التعديل (redaction criticism) الذي يركز على مساهمات كتاب الاناجيل الادبية واللاهوتية.

هذه المناهج تتواءم عموما مع الثلاثة مرحل المذكورة في مقدمة انجيل لوقا. غالبية نقاد الانجيل المعاصرون يوظفون هذه المناهج الثلاثة بالتزامن فيما يعرف بتحليل التقاليد (traditions analysis) أو نقد التقليد (tradition criticism) وبالرغم من ذلك فان هذه المناهج الثلاثة متميزة تاريخيا ومنهجيا.

 

أولا: مرحلة التقاليد الشفهية (Oral Traditions)

او ما يعرف بنقد النموذج أو الشكل:

لنبدأ بنقد النموذج بالرغم من ظهوره بعد ذروة نقد المصدر الا انه يركز على المرحلة الاقدم في العملية التي فيها اصبحت الاناجيل في المرحلة الشفهية. هذه كانت الفترة الزمنية قبل وجود اي مصدر أولى مكتوب لحياة وتعليم الرب يسوع. والتي خلالها صارت الأناجيل تنتقل بكلمة الفم. وإذا كان انجيل مرقس يرجع لمنتصف خمسينات القرن الاول الميلادي فان هذه المرحلة للانتقال الشفهي لابد انها استمرت عشرين سنة على الاقل.

ان دراسة الفترة الانتقالية لتقليد يسوع الشفهي حتى وصوله لشكله النهائي المكتوب يسمى أحيانا نقد التقليد أو تاريخ التقليد. ويقول بروس شيلتون: “ان نقد التقليد يركز على الفترة القصيرة نسبيا بين يسوع واول مصدر مكتوب للعهد الجديد”.

ويشرح لنا ستيفين ترافيس اهداف نقد النموذج: “ان نقد النموذج يهدف الى تصنيف كتب العهد الجديد حسب أسلوبها الأدبي وتحليل الوحدات الصغيرة لمادة التقليد حسب النموذج أو الشكل الذي تتبعه خلال الفترة الشفهية”

تم تطبيق نقد النموذج أولا على العهد القديم بواسطة الباحث هيرمان جانكل (Hermann Gunkel) ثم طبق بدراسات العهد الجديد في العقدين الثاني والثالث من هذه القرن بواسطة مجموعة ثلاثية من الباحثين الذين عرفوا منهج نقد المصدر هؤلاء الباحثين هم كارل شميدت ومارتن ديبليوس ورودلف بولتمان. وبالرغم من اختلافهم في العديد من النقاط الهامة إلا أنهم يشتركون في ست افتراضات على الأقل التي صارت قواعد نقد النموذج:

  1. قصص واقوال يسوع انتشرت في وحدات صغيرة مستقلة. ونقاد النموذج المبكرين يرون استثناء في رواية الالام التي يعتقدون أنها كانت عمل أدبي ذاتي متضمن منذ فترة مبكرة جدا. إلا أن هذا الاستثناء لم يعترف به العديد من النقاد المعاصرين.
  2. انتقال مادة الإنجيل يمكن مقارنته بانتقال التقاليد الدينية والشعبية الاخرى. وتقع مسئولية هذا الانتقال على عاتق الأفراد داخل المجتمعات حيث تأخذ المادة شكل وتدون. قواعد الانتقال المحددة والملحوظة عموما في أي حالة للانتقال الشفهي يمكن تطبيقها على انتقال الأناجيل.
  3. قصص وأقوال الرب يسوع أخذت نماذج أو أشكال قياسية محددة (منها جاء لفظ نقد النموذج أو الشكل أو تاريخ النماذج) حيث مازال الجزء الأعظم مرئيا بسهولة في الاناجيل. نقاد النموذج لم يتفقوا على عدد وطبيعة هذه النماذج بالضبط.
  4. نموذج قصة أو قول معين يجعل من الممكن ان يستنتج طريقة رسوخه في حياة الكنيسة المبكرة.
  5. وبانتشار أقوال وقصص يسوع فإن التجمعات المسيحية المبكرة لم تضع هذه المادة في نماذج محددة فقط بل وظفتها بدافع احتياجاتها ومواقفها الخاصة.

يختلف نقاد النموذج بشدة في درجة توظيف وتكوين مادة الانجيل بالكنيسة المبكرة. مثلا بولتمان يعتقد ان التأثير كان ضخما وناسبا الكثير من مادة الانجيل الى الكنيسة المبكرة واوجد القليل المعتبر من كرازة الرب يسوع الارضية. وقد نسب الكثير من مادة الانجيل للكنيسة المبكرة لأنه ومعه العديد يعتقدون ان الكنيسة المبكرة لم تكن منشغلة بالتمييز بين الاشياء التي قالها يسوع حين كان على الارض والاشياء التي استمر في قولها من خلال الانبياء في حياة الكنيسة.

الاحكام التاريخية الراديكالية مثل هذه ليست جوهرية في نقد النموذج والعديد من نقاد النموذج أكثر محافظة في تقييماتهم التاريخية. فينست تايلور أحد النقاد المحافظين الذي حدد تأثير الكنيسة المبكرة اساسا في ترتيب مادة الانجيل. ولكن هناك استثناءات للقاعدة ولابد من القول ان الغالبية العظمى من نقاد النموذج اظهروا قبولهم كتضمين قياس جيد للتشكيك التاريخي.

  1. قام نقاد النموذج الكلاسيكيين بتحديد معايير متنوعة لمساعدتهم في استنتاج عمر وتوثيق تاريخي للمقاطع. هذه المعايير قد تأسست على قوانين انتقال محددة التي تصلح لاي مادة شفهية منتقلة. وحسب هذه القوانين يميل الناس الى:
  • تمديد قصصهم
  • اضافة تفاصيل اليها
  • تكييفها بلغتهم أكثر
  • ثم حفظ وتكوين ما يناسب احتياجاتهم الخاصة ومعتقداتهم.

وبناء على قواعد هذه القوانين فإن العديد من نقاد النموذج صرحوا بأن مادة الإنجيل الأقصر والأقل تفصيل والمتضمنة ألفاظ سامية والتي لا توافق اهتمامات الكنيسة المبكرة أو يهودية القرن الأول الميلادي هي الأقدم وعليه تعتبر تاريخية.

هذا المعيار الاخير والذي يسمى “معيار اللاتشابه أو التباين (criterion of dissimilarity)” هام خاصة للنقاد الأكثر راديكالية. وباستبعاد أي شيء ربما تكون بواسطة الكنيسة المبكرة أو اقتطف من المحيط اليهودي فإنه من الممكن تأمين حد أدنى مؤكدا نقديا للأقوال والأفعال والتي يعتمد عليها الفهم التاريخي للرب يسوع.

مثلا معيار التباين هذا يرجح أن العدد (مرقس 13: 32) “واما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن الا الآب.” أصلي للرب يسوع لأنه يستخدم لغة ليست يهودية ويتضمن فرضية “تجاهل يسوع” (Jesus’ ignorance) والتي قاومت نظرة الكنيسة المبكرة. أيضا معيار خامس مرتبط به باعتبار أصالة المادة المعزولة بسبب معيار التباين بينما معيار سادس “الإقرار أو التصديق المتعدد” (multiple attestation) يعطي أفضلية لمادة وجدت في أكثر من تقليد ساري [مثلا انجيل مرقس والمصدر “ق” (Q)].

 

 

مراحل تأصيل الأناجيل (2): معايير الأصالة التاريخية:

توجد قائمة بالمعايير التي افترضت بواسطة عدد من الباحثين. والفكرة هنا إنه كلما زاد عدد المعايير المطبقة على قول معين أو قصة للرب يسوع تزداد الثقة بخصوص حقيقة عودة القول أو القصة موضع التساؤل للرب يسوع نفسه.

هذه المعايير كما يلي:

  • التأكيدات المتعددة
  • تعدد النماذج
  • السمات اللغوية الآرامية
  • السمات البيئية الفلسطينية
  • الميول تطوير التقليد
  • التباين المزدوج من اليهودية والمسيحية
  • التغييرات اليهودية المسيحية
  • التمايز عن أسلوب البشير
  • الارتباط بالأقوال الأصلية

 

ويفترض الباحثون المشككون أن فقرات الإنجيل التي تحوز درجة شك أقل عند تطبيق المعايير السابقة تعتبر أصلية وتعود للرب يسوع بينما الباحثون المحافظون يفترضون أن الأقوال أصلية بذاتها ما لم تتكون درجة شك معينة عند تطبيق معايير الأصالة.

 

وقد تم اقتراح معيارين سلبيين ينفيان الأصالة هما:

  • الاستحالة البيئية
  • التضارب مع الأقوال الأصلية

 

إن التشكيك التاريخي الذي يميز العديد من نقاد النموذج المرموقين قد أعطى نقد المنهج نفسه سمعة مهاجمة تاريخية الأناجيل. ونقد النموذج كعلم أدبي يستوجب عدم إصدار أحكام استباقية بخصوص تاريخية المادة محل التحليل. علاوة على ذلك العديد من الفرضيات التي يعتمد عليها نقد النموذج تبدو قاطعة:

  • حيث يوجد بالفعل فترة انتقال شفهية أساسية لمادة الإنجيل كثير منها في وحدات صغيرة
  • ويوجد ايضا ميل لهذه المادة لأخذ شكل قياسي معين
  • والكنيسة المبكرة بلا شك قد أثرت في طريقة تدوين هذه المادة.

 

أنواع النماذج في الأناجيل الازائية:

  • الحوارات: حسب ديبليوس فإن هذه الفقرات تتميز بأن أهم نقطة فيها هى آخر تعليق بالقصة وهى قصة قصيرة وتتضمن عنصر ديني وهى تصلح للتعليم.

وقد قسم بولتمان هذا النوع من النماذج إلى حوارات تناظرية وذلك عندما يكون المحاور من معارضي يسوع (مرقس 3: 1-6) وحوارات تدارسية عندما يكون المحاور من التلاميذ (مرقس 2: 28-34) بالإضافة إلى الأقوال الشخصية (biographical apophthegms).في (لوقا 9: 57-62)

أمثلة: الحوار بخصوص قطف السنابل في السبت (مرقس 2: 23-28)، الحوار مع الشاب الغني (مرقس 10: 17-31) والحوار مع مريم ومارثا (لوقا 10: 38-42).

  • المعجزات: هذه الفئة من النماذج متكاملة لها بداية ونهاية واضحة ويمكن تقسيمها حسب نوع المعجزة مثل معجزات إخراج الشياطين (مرقس 5: 1-20، 9: 14-29) والشفاء من الأمراض (مرقس 1: 40-45، 5: 21-43) والإقامة من الموت والظهورات ومعجزات الطبيعة (مرقس 4: 35-41، 6: 35-44، 45-52) وهي تتميز بعدم احتوائها على تعاليم.
  • الحوادث: هذه النماذج التي لا تستلزم بالضرورة عدم تاريخية هذه الأحداث وقد دعاها بولتمان القصص التاريخية والتقليدية وما

تتميز به هذه القصص أنها دينية تخص أشخاص قديسين يتمثل بهم.

ومنها قصص خاصة بالرب يسوع (لوقا 2: 41-49، 4: 29) وعن بطرس مثلا في (متى 14: 28-33، 16: 13-23).

  • الخوارق: هي قصص معجزات خارقة للطبيعة ولكن بدون تدخل ويتم المشهد في وجود العنصر البشري.

يوجد ثلاثة قصص فقط من هذه الفئة وهي: معجزة الظهور الإلهي (مرقس 1: 9-11 وما يوازيها بالأناجيل الاخرى)، التجارب الثلاثة في البرية (متى 4: 1-11 وما يوازيها) ومعجزة التجلي (مرقس 9: 2-8 وما يوازيها). إلا أن بولتمان يضع هذه المعجزات ضمن الفئة السابقة وهي القصص التاريخية.

  • التعاليم: وهذه الفئة تختص بمادة التعليم في الأناجيل وتمثل جميع ما قاله يسوع وتنقسم إلى أقوال، تشبيهات، أمثال، نبوات، تعليقات قصيرة وتشريعات (متى 5: 29، 44-48، 6: 2-4).

 

ويقسم بولتمان هذه الفئة إلى ثلاث مجموعات:

  • اقوال الحكمة [logia]
  • اقوال نبوية
  • تشريعات

وقد فصل بولتمان نوعين من هذه الأقوال: النوع الأول ويبدأ بالمقطع “أنا هو” والتي تكلم فيها يسوع عن نفسه أو عن أعماله أو عن أبديته والنوع الثاني يختص بالأمثال.

ويشرح داريل بوك كيفية التمييز بين النماذج المختلفة للفقرات المتضمنة بالأناجيل: “هذه الفئات تعتبر مساعد تحليلي معلوماتي للشارح أو المفسر للنص. فهى تساعد المفسر ليسأل النوعيات الصحيحة من الأسئلة بخصوص النص ويبحث عن غاياته في التركيب المشترك للشكل أو انفرداته”.

انتقادات كثيرة يجب أن توجه ضد تطبيق نقد النموذج منها:

 

أولا: الادعاء بأن الكنيسة المبكرة لم تميز يسوع الأرضي عن الرب القائم وعليه شعرت بالحرية في وضع أقوال على شفاه يسوع الأرضي الملفوظة بالأنبياء المسيحيين الأوائل والغير مبرر.

 

في الواقع لا يوجد في العهد الجديد ما يبرهن على أن المسيحيون الأوائل لم يميزوا بين يسوع الأرضي والرب القائم وأن نقاد النموذج لم يفسروا على الإطلاق كيف تلفظ أحد المسيحيين الأنبياء ووضع على شفاه يسوع ما علمه في موضع معين بالجليل مثلا. إن النبوة المسيحية الموظفة بهذه الطريقة هي محل تساؤل أكثر بكثير.

 

ثانيا: يجب أن نتساءل هل يمكن مقارنة انتقال مادة الإنجيل عبر عشرين سنة ببعض المواد الأخرى التي يستخدمها نقاد النموذج من أجل رسم استنتاجات بخصوص الأناجيل؟

 

ثالثا: ارتباطا بالنقطة السابقة توجد شكوك بخصوص ما يعرف بقوانين الانتقال. فالباحثون أظهروا أن الانتقال الشفهي بصورة دائما يميل إلى تمديد المادة. وبالتالي فإن استخدام هذه القوانين لكي تنسب قصص وأقوال إلى الكنيسة بدلا من الرب يسوع غير قاطع.

 

وبالرغم من ذلك يجب تسجيل تحذيرات معينة حتى في هذا الفرع الأدبي الصغير:

أولا: ربما الكثير من مادة الإنجيل وجدت منذ فترات مبكرة في شكل مكتوب وأن العديد من باقي المادة ربما ارتبطت معا بوحدات أدبية أكبر.

ثانيا: يجب الحذر بألا نفترض إلتباس بنماذج مادة واضحة ومحددة. وان وجود ما يعرف بالنماذج المختلطة يفترض أن أي تصنيف يجب أن يرى مشروطا وعاما.

ثالثا: زعم نقاد النموذج بالقدرة على تحديد التنظيم في حياة الكنيسة من نماذج محددة يجب أن يعالج بالشك الصحي. فنحن عادة نفتقد إلى البيانات الكافية لأي تعريف.

وختاما ربما الضرر الأكبر في ادعاءات العديد من نقاد النموذج عن طبيعة عملية الانتقال هى أنها “ظنية”!!. والعديد من المؤلفين يزعمون أن غالبية نقاد النموذج لا يثمنون بالقدر الكافي ديناميكيات وطبيعة الانتقال الشفهي.

 

مراحل التحقق من أصالة الأناجيل (3): مرحلة المصادر المكتوبة (Written Sources) أو ما يعرف بنقد المصدر أو المسألة الازائية:

في المرحلة الشفهية لتطور الأناجيل الازائية ربما تضمنت بعض التقاليد المكتوبة عن حياة يسوع وتعاليمه. ربما بعض الرسل أخذوا ملاحظات عن تعاليم الرب يسوع وأفعاله خلال خدمته نفسها وقد تسارعت هذه العملية بعد القيامة. نقد المصدر تخصص من أجل تقصي المرحلة المكتوبة في إنتاج الأناجيل. أنه يقتفي إجابة هذا السؤال: ما هي المصادر المكتوبة إن وجدت هل استخدمها البشيرون في تكوين اناجيلهم؟

هذا السؤال يحوز اهتمام معين لعلماء التاريخ في الحركة المسيحية المبكرة ويسأله أي دارس للأناجيل الازائية. حيث توجد بدايات تشابه في الخطوط العريضة عامة وفي الصياغة خاصة بين الأناجيل الازائية. راجع المثال التالي الخاص بمعجزة شفاء المفلوج:

(إنجيل متى 9: 6): “ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانا على الأرض أن يغفر الخطايا. حينئذ قال للمفلوج. قم احمل فراشك واذهب إلى بيتك.”

(إنجيل مرقس 2: 10-11): “ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانا على الأرض أن يغفر الخطايا. قال للمفلوج لك أقول قم واحمل سريرك واذهب الى بيتك.”

(إنجيل لوقا 5: 24): “ولكن لكي تعلموا أن لابن الانسان سلطانا على الأرض أن يغفر الخطايا قال للمفلوج لك اقول قم واحمل فراشك واذهب الى بيتك.”

ليس فقط الصياغة مضبوطة بالتمام ولكن كل البشيرون الثلاثة يضعون قطع مفاجئ في كلمات يسوع في نفس النقطة. هذا التضاعف للتركيبات يحدث في مواضع اخرى بطول الفقرات التي فيها يستخدم انجيلين أو الثلاثة اناجيل نفس الصياغة بدقة تامة وبنفس الترتيب وفي سطور عديدة بالنص.

مثال آخر عن كيفية استخدام إنجيل متى ولوقا نفس الكلمات لتسجيل رثاء مدينة أورشليم:

(إنجيل متى 23: 37-39): “يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا. هوذا بيتكم يترك لكم خرابا. لأني أقول لكم أنكم لا ترونني من الآن حتى تقولوا مبارك الآتي باسم الرب”

(إنجيل لوقا 13: 34-35): “يا اورشليم يا اورشليم يا قاتلة الانبياء وراجمة المرسلين اليها كم مرة اردت ان اجمع اولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا. هوذا بيتكم يترك لكم خرابا. والحق اقول لكم انكم لا ترونني حتى يأتي وقت تقولون فيه مبارك الآتي باسم الرب”

ولكن ما يجعل المشكلة الازائية معقدة هو أنه بجانب حقيقة التوافق التام توجد أيضأ اختلافات محيرة. كما في المثال الاول نجد أن إنجيل متى أسقط “لك” الموجودة في كل من إنجيل مرقس ولوقا. إن المزج بين التوافق وعدم التوافق يمتد إلى تركيب أكبر في الاناجيل أيضأ. وفي فقرات عديدة نجد أن الاناجيل الثلاثة يتبعون نفس الترتيب في الأحداث حتى بدون سبب تاريخي أو تسلسلي واضح.

كل إنجيل قد يسقط جزء من الموجود بالإنجيلين الآخرين وكل منهم يتضمن وقائع متفردة وبعض الأحداث الموجودة في أحد الأناجيل أو إثنين منهم قد توضع بترتيب مختلف.

والسؤال إذا وراء المشكلة الازائية يمكن إعادة صياغته في ضوء هذه البيانات السابقة: ما هى الفرضية التي تفسر المزج بين الاتفاق التام والتباعد الواسع الذي تتميز به الأناجيل الثلاثة؟

توجد حلول أساسية أهمها الأربعة فرضيات الرئيسية التالية:

الفرضية الاولى: الاعتماد العام على انجيل واحد أصلي: في عام 1771م ناقد ادبي ومؤلف الماني (Lessing) زعم ان العلاقات بين الاناجيل الازائية يمكن تفسيرها بأنها قد استخدمت باستقلالية انجيل واحد أصلي مكتوب بالعبرية أو الآرامية. هذه الفرضية تبناها آخرين ثم تعدلت بيد (Eichhorn) الذي افترض وجود أكثر من إنجيل مفقود كمصدر للأناجيل الازائية. إلا أن هذه الفرضية لم تجد قبولا بين علماء القرن العشرين.

الفرضية الثانية: الاعتماد العام على المصادر الشفهية: بعد أن افترض (Lessing) ما يعرف بالانجيل المصدر “الانجيل الاولي” (Ur-gospel) كحل للمشكلة الازائية قام الناقد الالماني (Herder) بافتراض اعتماد الأناجيل الازائية على موجز شفهي منضبط لحياة المسيح كتفسير أفضل. هذا المقترح تم تمديده والدفاع عنه مطولا بواسطة (Gieseler) عام 1881م. هذه النظرة كانت أكثر شيوعا في القرن التاسع عشر عنها الآن. ولكنها استمرت عند القليل من الدارسين.

الفرضية الثالثة: الاعتماد العام على قصاصات مكتوبة ومتطورة تدريجيا: الباحث (Schleiermacher) اقترح أن العديد من قصاصات التقليد وجدت في الكنيسة المبكرة وتلك قد نمت تدريجيا حتى صارت مدمجة في الأناجيل الازائية. هذه الفرضية لم تعد ذات أهمية ولكنها ظلت محل للنقاش بخصوص “الأقوال” (logia) المذكورة في كتابات بابياس كمجموعة أقوال للرب يسوع [راجع يوسابيوس تاريخ الكنيسة 3، 39، 16].

الفرضية الرابعة: الاعتمادية البينية(interdependence): كحل آخر للمشكلة الازائية يفترض أن انجيلين استخدما إنجيل الثالث في بناء نصهما. المدافعين عن هذه الفرضية يقصدون أن الاقتباس في المستوى الأدبي الأخير يفسر درجة التشابه بين الأناجيل الازائية. هذا الحل للمشكلة الازائية كان شائعا منذ زمن مبكر في تاريخ الكنيسة (راجع أوغسطينوس) ويوفي غالبية المتطلبات بين دارسي العهد الجديد المعاصرين ولسبب وجيه.

نظريات الاعتمادية البينية: نظرية واحدة فقط للاعتمادية البينية للأناجيل الازائية التي تستطيع تفسير هذه البيانات.

سمة واحدة لهذه البيانات تبدو حاسمة لصلاحية النظريات المفترضة: العلاقة بين الأناجيل بترتيب تسجيلهم لأحداث الخدمة. دراسة التوازي المتعاقب للأناجيل الازائية في هذه النقطة يظهر حقيقة هامة أنه بينما إنجيل متى ومرقس يتفقان ضد إنجيل لوقا في ترتيب الأحداث وانجيل لوقا ومرقس يتفقان ضد إنجيل متى فإن إنجيل متى ولوقا لا يتفقان على الإطلاق ضد انجيل مرقس.

لاحظ أن إنجيل متى ومرقس يتفقان ضد إنجيل لوقا في وضع إتهام يسوع بإخراج الشياطين باسم بعلزبول مباشرة قبل أمثال الملكوت وانجيل لوقا ومرقس تفقان ضد متى في وضع تهدئة العاصفة وشفاء مجنون كورة الجدريين مباشرة بعد أمثال الملكوت ولا يوجد على الإطلاق اتفاق بين إنجيل متى ولوقا ضد إنجيل مرقس في وضع الأحداث بطريقة أخرى ولا يتبع إنجيل مرقس على الإطلاق أي ترتيب لا يتفق مع ترتيب البشيرين متى ولوقا. هذه الظاهرة أظهرت واحدة من أهم نقاط الجدال بخصوص طبيعة العلاقات بين الأناجيل الازائية:

جدلية الترتيب. فيبدو أن إنجيل مرقس متطلبا كوسيط في أي مخطط بياني للعلاقات بين مرقس ومتى ولوقا سواء كان أقدم منهما أو بينهما أو أقدم منهما.

(مرقس) —–> (متى)/(لوقا)

(متى) —–> (مرقس) —–> (لوقا)

(لوقا) —-> (مرقس) —–> (متى)

(متى)/(لوقا) —–> (مرقس)

كل من هذه المخططات يمكن أن تفسر ظاهرة الترتيب. كما أننا لا يمكن أن نستبعد احتمالية العلاقة الاعتمادية بين إنجيل متى ولوقا في استخدام إنجيل مرقس. كما أن جدال الترتيب لا يستبعد اعتمادية كل من إنجيل متى ولوقا على الآخر بالرغم من أن ذلك يتطلب أن البشير الذي كتب آخرا قد اختار بقصد تتبع ترتيب الانجيلين الاخرين أينما اتفقا.

 

مراحل تأصيل الأناجيل (4)

الفرضية الأغسطينية (Augustinian Proposal): أخذت اسمها من القديس أغسطينوس اللاهوتي الشهير في شمال افريقيا الذي دافع عن هذه الفرضية التي تقول ان متى كان الإنجيل الأول المكتوب ثم مرقس اقتبس منه ولوقا اقتبس منهما. حتى القرن التاسع عشر كانت هذه الفرضية هي النظرة القياسية للعلاقة بين الأناجيل الإزائية. أما الآن بدأ العديد في تفضيل افتراضات بديلة. ولم تحوز فرضية أغسطينوس أي دعم ماعدا الباحث (Butler).

فرضية الإنجيلين (Two-Gospel hypothesis): بجانب أبحاثه النقدية في الأناجيل الإزائية وافق جريسباخ (Griesbach) أن متى كتب أولا إلا أن لوقا كان ثانيا وأن مرقس اعتمد على كل من متى ولوقا. وقد سميت فرضيته بـ”فرضية الإنجيلين” للتميز بينها وبين فرضية المصدرين (two-source hypothesis) وقد تمتعت هذه الفرضية بشعبية خلال الفترة الاخيرة.

فرضية المصدرين (Two-Source Hypothesis): بينما تظهر فرضية الإنجيلين أن متى ولوقا كانا حجرا البناء لإنجيل مرقس فإن فرضية المصدرين تعتبر أن إنجيل مرقس والمصدر “ق” (Q) [مصدر مفقود لأقوال يسوع] قد تم استخدامهما باستقلالية بواسطة متى ولوقا.

الأسبقية المرقسية (Markan priority): أسبقية إنجيل مرقس افترضت أولا في عام 1830م بواسطة العالم كارل لخمان (Lachmann) وقد أعطيت مصطلحها الكلاسيكي في بحث هولتزمان (Holtzmann) عام 1863م.

وأخيرا في كتاب الأناجيل الأربعة: دراسة الاصول (1924م) للعالم (Streeter) افترض وجود مصدرين آخرين بالإضافة إلى إنجيل مرقس والمصدر “ق” (Q) هذا بالإضافة إلى المادة الخاصة بإنجيل متى (M) والمادة الخاصة بإنجيل لوقا (L) فيما يعرف بفرضية المصادر الأربعة هذه كانت محاولة لتفسير أصل الأناجيل خلال نقد المصادر. وقد اقترح (Streeter) تواريخ وأماكن منشأ هذه المصادر.

اخذ العالم (Streeter) نقد المصدر إلى أبعد الحدود وفرضيته كانت آخر عمل كبير في هذا المجال لمدة. ولا يتفق الجميع مع تفاصيل هذا المخطط ومعظم نقاد الإنجيل المعاصرين يتشككون في وجود المصدرين (M) و(L) كمصدرين مكتوبين وأيضا في الاستنتاجات التسلسلية والجغرافية التي توصل لها. فغالبية العلماء يعتقدون أن (Streeter) وسالفيه قد أثبتوا بوضوح فرضية المصدرين بالعموم.

لقد تعرضت فرضية المصدرين في العقود الثلاثة الأخيرة لنقد جاد بواسطة المدافعين عن فرضية الإنجيلين أو فرضية جريسباخ ولكن هناك اخرين احتفظوا بأسبقية إنجيل مرقس بينما تساءلوا بخصوص وجود وطبيعة المصدر “ق”. وبالرغم من أن فرضية المصدرين قد انتزعت من حالة “نتيجة دراسية مؤكدة” (assured result of scholarship) إلا أنها تظل النظرية الأفضل في تفسير العلاقة بين الأناجيل الازائية.

اسبقية إنجيل مرقس (Markan Priority): حتى القرن التاسع عشر غالبية المسيحيون يعتبرون أن إنجيل متى قد كتب أولا. هذا التقليد الذي دعم بشكل واضح من بابياس أحد آباء الكنيسة بالقرن الثاني الميلادي (راجع يوسابيوس).

العديد أعطى إنجيل متى الأسبقية على أساسات غير وافية باعتباره الرسول الوحيد بين بشيري الأناجيل الثلاثة. أيضا تقليد قوي آخر يقول أن مرقس كتب انجيله بناء على تعليم بطرس مما يجعل اعتماد مرقس على إنجيل متى صعب. فلماذا يقتنع العديد من الدارسين أن إنجيل مرقس يقف وراء متى ولوقا؟ وللإجابة على هذا التساؤل راجع النقاط التالية….

ايجازية مرقس (brevity of Mark): إن إنجيل مرقس هو الأقصر بين الأناجيل الازائية: حيث يحتوي إنجيل مرقس على 11025 كلمة بينما إنجيل متى يحتوي على 18293 كلمة وانجيل لوقا 19376 كلمة. فليست ايجازية مرقس التي تعطي اسبقيته لكن ايجازيته تؤخذ مقترنة مع علاقته الوثيقة بإنجيل لوقا ومتى. حيث أن 97% من كلمات إنجيل مرقس تجد ما يوازيها في متى ولوقا بتمديد مرقس في مادتهما وليس أن إنجيل مرقس قد اختصر متى أو لوقا بالإسقاط من مادتهما!!! وذلك كما يعتقد أصحاب نظرية الانجيلين باعتبار أن مرقس هو تلخيص مدروس لمتى ولوقا. ولكن ذلك يمثل تلخيص غريب حيث يسقط أشياء مثل العظة على الجبل واحداث الميلاد وظهورات الرب القائم! ولكن باعتبار مرقس أولا سيكون من السهل معرفة لماذا كتب متى أو لوقا.

الاتفاق اللفظي بين الأناجيل: تظهر الأناجيل الازائية الثلاثة اتفاق لفظي ملحوظ بعدة مواضع. ولكن الدراسة الدقيقة تظهر أنه بينما الأناجيل الثلاثة تتفق نجد أن انجيل متى ومرقس يتفقان بتكرار وانجيل مرقس ولوقا أيضا لكن إنجيل متى ولوقا فقط يتفقان نادرا. وباستخدام الفرضية الاغسطينية يمكن أن نقول أن لوقا دائما يختار صياغة مرقس أكثر من متى وبفرضية الانجيلين يمكن أن نفترض أن مرقس لا يقدم صياغة خاصة على الاطلاق. وكلتا النظرتين بعيدتا الاحتمال.

ترتيب الأحداث: إن مقارنة ترتيب الأحداث في الأناجيل الازائية تظهر حالة مشابهة لما هو ملاحظ في الاتفاقات اللفظية: نجد أن متى ولوقا لا يتفقان ضد مرقس. هذه الظاهرة التي ذكرها لخمان فقال إن هذه الحالة لا يمكن تفسيرها إلا إذا كان لانجيل مرقس الاسبقية.

بساطة أسلوب مرقس: هناك إتفاق عام أن إنجيل مرقس يتضمن شذوذات نحوية وصعوبات تركيبية أكثر من إنجيل متى ولوقا. وهذا يؤيد أسبقية إنجيل مرقس لأن الميل الطبيعي يتيح لكتاب الإنجيلين اللاحقين صقل هذه الشذوذات (راجع المعيار المشابه في النقد النصي). بالمثل أيضا إنجيل مرقس يحفظ اصطلحات آرامية أكثر من متى ولوقا في فقراتهما الموازية مع مرقس. فيكون من السهل ملاحظة كيف أن متى ولوقا يهملان أو يترجمان الإصطلاحات الآرامية التي قد تلتبس على القارئ اليوناني أكثر من أن مرقس يضيف هذه الإصطلاحات الآرامية بدون أساس في مصادره.

اللاهوت الأولي (أو البدائي) في إنجيل مرقس: العديد من الباحثين يجدون الكثير من العبارات اللاهوتية الصعبة في إنجيل مرقس عنها في متى ولوقا وهذا يعرض أيضا أن مرقس أقدم.

مثال في مرقس (6: 5) حيث يقول البشير أنه بسبب عدم إيمان سكان الناصرة فإن الرب يسوع لم يقدر أن يصنع هناك ولا معجزة “ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة”. وفي النص الموازي نجد متى (13: 58) يقول أن يسوع لم يصنع هناك معجزات كثيرة “ولم يصنع هناك قوات كثيرة لعدم إيمانهم” يبدو من المرجح أن متى أزال المشكلة العسيرة بأن يسوع غير قادر على صنع معجزة.

 

مراحل تأصيل الأناجيل (5)

المصدر “ق” (Q): الباحث (Schleiermacher) أول من افترض وجود وثيقة تتضمن أقوال الرب يسوع كمصدر للأناجيل. اتخذ (Weisse) هذه الفرضية كمصدر رئيسي ثاني في فرضية المصدرين. وتبعا لذلك اعتقد بعض النقاد أن بابياس يشير إلى هذه الوثيقة في عبارته الشهيرة عن “الأقوال” (logia) ولكن هناك درجة شك بذلك. وبنهاية القرن التاسع عشر أصبح هذا المصدر معروفا باسم “ق” (Q). غالبية أصحاب فرضية أسبقية مرقس يعتقدون أن المصدر “ق” من المرجح إنه استخدم في كل من إنجيل متى ولوقا.

والسبب في افتراض مصدر مكتوب لتعاليم يسوع هو وجود 250 عدد مشترك في إنجيلي متى ولوقا وغير موجود في إنجيل مرقس. ويتكونون من تعاليم الرب يسوع في معظمهم. العديد من هذه الأعداد تظهر درجة من التوازي اللفظي الذي يرجح وجود مشترك مكتوب باللغة اليونانية.

والتفسير البسيط لهذه الظاهرة هو اعتماد أحد الانجيلين على الآخر. ولكن في مقابل هذا نجد افتقاد الاتفاق بين انجيلي متى ولوقا في ترتيبهم للأحداث والافتقاد العام للاتفاقات اللفظية بينهم. هذه العوامل تفترض بقوة أن الانجيلين لم يستخدم أحدهما للآخر بل يفترض مصدر آخر. مجهود معتبر قد استنفذ بقصد إعادة تكوين المصدر المفترض وبالرغم من ذلك يوجد جدال معتبر بخصوص “ق” (Q).

بالإضافة إلى جدال الاتفاق اللفظي في المادة “اللامرقسية” (non-Markan) يوجد ثلاث جدالات رئيسية بخصوص وجود المصدر “ق” (Q):

اتفاق الترتيب: فطن عدد من الباحثين إلى الترتيب المتشابه للمادة اللامرقسية المشتركة في متى ولوقا والتي تسمى أحيانا “التقليد المضاعف” (double tradition). هذا الترتيب المتشابه يشير إلى مصدر مفرد مكتوب. ولكن اتفاق الترتيب ليس بهذا الوضوح كما أنه محدود.

المتضاعفات (Doublets): هي فقرات تظهر أكثر من مرة في إنجيل واحد. وهذا يشير إلى أن البشير هنا قد يتبع مرقس من ناحية ثم يتبع “ق” من ناحية أخرى. مثال على ذلك في انجيل لوقا (8: 17) وفي (12: 2) في كلتا الفقرتين يقول يسوع “لأنه ليس خفي لا يظهر ولا مكتوم لا يعلم ويعلن.” وايضا “فليس مكتوم لن يستعلن ولا خفي لن يعرف.” الفقرة الاولى متوازية فقط مع إنجيل مرقس والثانية مع إنجيل متى (10: 26) والافتراض هنا أن لوقا أخذ الفقرة الأولى من مرقس والثانية من “ق”. هذه المتضاعفات (doublets) تفترض وجود مصدر مشترك بجانب إنجيل مرقس ومع ذلك فهي غير كافية لإثبات وجود مصدر مفرد مكتوب.

ومن أمثلة المتضاعفات:

  • مثل الوزنات (متى 25: 14-30، لوقا 19: 12-28)
  • معجزة صيد السمك (لوقا 5: 1-11، يوحنا 21: 4-14)
  • دهن يسوع (مرقس 14: 3-9 = متى 26: 6-13، لوقا 7: 36-50، يوحنا 12: 1-8)
  • إشباع الالاف (مرقس 6: 30-44، 8: 1-10)
  • شفاء عبد قائد المئة (متى 8: 5-13 = لوقا 7: 1-10، يوحنا 4: 36-54)

التموضع المختلف للمصدر “ق”: إن المادة اللامرقسية المشتركة بين لوقا ومتى تتموضع في سياقات مختلفة فانجيل متى يجمع الكثير منها في الخمسة عظات الكبرى بينما لوقا يضعها متبعثرة عبر انجيله (عادة في 6: 20-8: 3، 9: 51-18: 14). هذه الظاهرة من السهل تفسيرها إذا كان كلاهما يستخدمان باستقلالية مصدر مشترك عن أن لوقا استخدم إنجيل متى.

هذه النقاشات أقنعت غالبية الباحثين أن متى ولوقا استخدما تقليد مشترك لامرقسي. ويعتقدون أن المصدر “ق” وثيقة مفردة مكتوبة ولكن هناك اعتراض معتبر على ذلك. والعديد يعتقدون أن “ق” هي مجموعة من القصاصات المكتوبة والتقليد الشفهي. لكن العديد من الباحثين غير مقتننعين بأننا بحاجة لافتراض وجود أي تقليد سابق لأنهم ببساطة يعتقدون أن لوقا استخدم إنجيل متى.

ولأن معرفة لوقا بإنجيل متى قد تضعف بقوة دليل اسبقية مرقس فإن غالبية الذين يرفضون وجود “ق” يرفضون أيضا اسبقية مرقس. ولكن البعض يبقي كل من اسبقية مرقس واستخدام لوقا لإنجيل متى.

أقوى برهان يرجح استخدام لوقا لإنجيل متى وبالتالي ضد نظرية المصدرين بالكامل هو وجود ما يعرف بالـ “اتفاقات الأقلية” (minor agreements) بين انجيل متى ولوقا ضد انجيل مرقس. وهي تتضمن كل الاتفاقات في الترتيب والصياغة لأعداد معينة أو أقوال. كيف يمكن تفسير ذلك إذا كان لوقا ومتى لم يستخدم أحدهما الاخر؟ أيا كانت محاولة التفسير فستعتمد على كيفية قناعتنا بأن لوقا لم يتعرف على متى:

  • تداخل مرقس و”ق” مع إتفاق متى ولوقا كنتيجة لاستخدامهما المشترك للمصدر “ق”
  • تزامن التنظيم في مرقس بنفس الطريقة
  • العطب النصي المبني على ميل النساخ لتوفيق فقرات الإنجيل
  • الاستخدام المشترك للتقاليد الشفهية التي ربما تداخلت مع إنجيل مرقس.

اتفاقات الاقلية هذه تظهر أن تاريخ أصول الإنجيل كانت أكثر تعقيدا عن أي تفسير لفرضية مصدر مفرد. لذلك فإن مصدر مثل “ق” يظل أفضل تفسير للاتفاقات بين متى ولوقا في المادة اللامرقسية. ولكننا ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار أكثر من مصدر مكتوب أو خليط من التقاليد الشفهية.

نظريات الإنجيل الأولي (البدائي): بغرض ملء بعض الفجوات المتبقية في فرضية المصدرين وبسبب الشهادة المسيحية المبكرة والأدلة الداخلية افترض باحثون متعددون وجود نسخة مبكرة لكل من الأناجيل الازائية. لخمان هو أول القائلين بنظرية المصدرين.

وقد ابتدأ من افتراض إنجيل أصلي ثم ادعى أن إنجيل مرقس كان الأقرب للأصل. بعض الدارسين الجدد الذين لاحظوا مسألة اتفاقات الأقلية وبعض العناصر في متى ولوقا التي يصعب تفسيرها إذا كان البشيرين استخدما إنجيل مرقس اقترحوا إنجيل أو كلاهما قد استخدما نسخة مبكرة من إنجيل مرقس. هذه الفرضية ينبغي أن تظل محل شك. حيث أن اتفاقات الأقلية ليست كلها من نفس النوعية فالعديد منها لا يمكن تفسيره بافتراض الاعتماد على “مرقس أولي” (Ur-Mark).

وينبغي أن نتحقق من فرضية الاعتماد على مصدر مختلف والتي ينبغي أن تستخدم في تفسير تغيرات متى ولوقا والتي قد طبقت في مصدرهما المرقسي. إن نقد المصدر يأخذ الكثير على عاتقه عندما يقوم بتفسير كل سطر في متى ولوقا بالرجوع إلى مصدر مكتوب. فتأثير التقاليد الشفهية المتنوعة والقصد اللاهوتي للبشيرين ينبغي الاعتراف به. وعند الأخذ بهذه العوامل فإن الحاجة إلى “مرقس أولي” (Ur-Mark) ستزول.

فرضية أخرى أكثر شهرة هي أن متى كتب نسخة مبكرة من انجيله. الدافع في هذه الفرضية هو مجرد إيجاد تفسير مقبول للعلاقات الازائية حيث يشير تعليق بابياس أحد آباء القرن الثاني إلى نسخة مبكرة لمتى (راجع يوسابيوس تاريخ الكنيسة 3, 39, 16): “متى جمع الأقوال (ta logia) في اللغة العبرية (Hebraidi dialekto) وكل ترجمها (hermeneusen) بقدر استطاعته.”

وإذا كان بابياس يشير إلى إنجيل مكتوب بالآرامية أو العبرية فيجب أن يكون نسخة سامية مبكرة من إنجيلنا اليوناني للقديس متى حيث يميل آباء الكنيسة المتأخرين إلى أن بابياس يثبت أسبقية إنجيل متى القانوني. فقد كان شائعا أن إنجيل متى العبري أول إنجيل مكتوب وقد استخدم في تكوين إنجيل مرقس اليوناني وأن إنجيل متى اليوناني استخدم إنجيل مرقس.

وبوضوح إذا وجدت هذه النسخة فيكون إنجيل متى القانوني ليس مجرد ترجمة للأصل العبري:

فإنجيل متى لا يقرأ مثل ترجمة يونانية!

كما أن متى استخدم إنجيل مرقس اليوناني في تكوين انجيله. كما توجد مشاكل أخرى بافتراض أن مرقس استخدم إنجيل متى العبري.

بينما يظهر تقليد قديم يدعي أن مرقس كون انجيله من خلال تعاليم بطرس. فيكون من الصعب تصور كيف أن مرقس استطاع أيضا استخدام نسخة مبكرة لإنجيل متى. وأكثر من ذلك ربما بابياس لم يشير إلى إنجيل على الإطلاق (على اعتبار أن المقطع ” Hebraidi dialekto” يعني لهجة أو أسلوب وليس لغة). وعليه فإن فرضية نسخة عبرية مبكرة لإنجيل متى لا يمكن إثباتها أو دحضها.

إن الدليل على إنجيل لوقا أولي (بدائي) يأتي من خلال إنجيل لوقا نفسه ويعتمد على ثلاث اعتبارات:

  • الكم الأكبر من المادة الخاصة في لوقا بالمقارنة مع متى ومرقس
  • ميل لوقا ليتفرد بطريقته حتى في المادة المشتركة مع متى ومرقس (قارن أحداث الآلام)
  • حقيقة أن لوقا يتضمن مادة من مرقس في فقرات كبيرة وليس مبعثرة خلال الإنجيل.

هذه الظواهر تفترض أن لوقا كون نسخة أولية لإنجيله باستخدام (Q, L) مادته الخاصة) ثم لاحقا دمج إنجيل مرقس في عمله الابتدائي. فبالرغم من أن المسألة تظل غير مبرهنة إلا أن الفرضية جذابة!

استنتاج ختامي: إن فرضية المصدرين تقدم أفضل تفسير للعلاقات بين الأناجيل الإزائية ولكن عدة تحذيرات يجب تقديمهما أولا: إن عملية تكوين الأناجيل كانت معقدة ومركبة حتى أن فرضية عدم وجود مصادر قد تقدم تفسير كامل للمسألة. وإذا كان أحد البشيرين شاهد عيان على الأقل وأن التقاليد المتنوعة الشفهية والمكتوبة لا شك كانت شائعة وأن البشيرين ربما تحدثوا سويا عن أعمالهم فإن افتراضات “القص واللصق” للنقاد تصير لا اساس لها من الصحة.

وبإقرار هذا التعقيد بالتوازي مع استمرارية الظواهر التي لا تفسر فرضية المصدرين باقتناع فإننا ينبغي أن نتعامل مع هذه الفرضية كعمل نظري أكثر منه كاستنتاج ملموس. خاصة مع الحاجة إلى الانفتاح إلى احتمالية أن التفسير المبني على فرضية المصدرين قد لا يناسب البيانات. لذلك ربما نستنتج أن متى أكثر أولية من مرقس أو أن لوقا اتبع مصدر شاهد خاص أكثر من مرقس أو أن متى اعتمد على ذاكرته الخاصة أو كتب كملاحظات أكثر من اعتماده على “ق”.

 

مراحل الأصالة التاريخية للأناجيل (6)

ثالثا: مرحلة التكوين النهائي (Final Composition)

أو ما يعرف بنقد التحرير (أو التعديل):

التعريف: إن نقد التحرير (أو التعديل) يسعى لوصف المقاصد اللاهوتية للبشيرين بواسطة تحليل الطريقة التي استخدموها لمصادرهم. بسبب حاجة نقاد النموذج لدراسة التقاليد الشفهية وحاجة نقاد المصدر لاستقصاء المصادر المكتوبة فإن نقاد التعديل يصرون أن البشيرين قد أخذوا مكانتهم الصحيحة كمؤلفين: فهم أناس اعتمدوا على مصادرهم وتقاليدهم وحبكوا هذا التقليد في عمل أدبي بقصد خلاق وبنظام لاهوتي خاص بهم.

لم يجمع البشيرون التقاليد والمصادر ببساطة وألصقوها سويا. إنما هم أضافوا تعديلاتهم الخاصة لهذه التقاليد ومن أجل ذلك جلبوا يقينهم الشخصي إلى قصة الرب يسوع.

نقد التعديل هو إحدى طرق دراسة الإنجيل وتتضمن خمسة عناصر أساسية:

  1. نقد التحرير (أو التعديل) يفرق بين التقليد والتعديل. فالتقليد من هذا المنظور هو كل المصادر المكتوبة والقصص والأقوال المنتقلة شفهيا التي يستخدمها البشير أثناء كتابة إنجيله. أما التحرير فيشير إلى عملية تعديل هذا التقليد لإيجاد إنجيل مكتوب. ولأن نقد التعديل يعتمد على قدرتنا في تحديد التقاليد التي يعمل عليها البشير فنستطيع معرفة ما قام بتغيره وقد تمت بنجاح على إنجيل متى ولوقا.

حيث نستطيع مقارنة نسختهم النهائية مع مصدرين استخدماهما (إنجيل مرقس والمصدر “ق”). ولنفس السبب نقد التعديل لإنجيل مرقس يعد عملية أكثر صعوبة حيث أننا لا نمتلك أي مصدر استخدمه القديس مرقس.

  1. النشاط التعديلي أو التحريري للبشيرين يمكن رؤيته في عدة جهات:

المادة التي اختاروها لكي يتم ضمها أو استبعادها، مثلا هناك اتفاق عام بأن العظة على الجبل المسجلة في إنجيل متى (5-7) وبالتوازي في لوقا (6: 20-49) قد أخذت من المصدر “ق” إلا أن ما جاء في لوقا يمثل أقل من ثلث ما جاء في إنجيل متى وهذا دليل أن لوقا أسقط تقريبا كل إشارات العهد القديم والناموس (راجع متى 5: 17-19 وفي متى 5: 21-48). وهذا يرجح أن متى له اهتمام جاد بتعليم الكنيسة في أيامه بخصوص علاقة يسوع بالناموس بينما لوقا لم يفعل.

ترتيب المادة: نجد أن إنجيل متى يختلف عن مرقس ولوقا في موضع قصص ثلاث معجزات كبرى: تهدئة العاصفة (متى 8: 18, 23-27) وشفاء مجنون كورة الجدريين (8: 28-34) والحدثين المتشابكين إقامة ابنة يايرس وشفاء نازفة الدم (9: 18-26). ولأن مرقس يعتبر المصدر الرئيسي لمتى لهذه القصص فهذا دليل أن متى قد إخطار وضع هذه القصص في ترتيب مختلف. وعندما نجد متى يفعل نفس الشيء مع قصص معجزات أخرى كما في نهاية (متى 8-9) فإننا نستطيع استنتاج أن متى قد أعاد بقصد ترتيب المادة لإظهار يسوع كصانع للمعجزات.

إعادة الترتيب هذا يحدث أيضا في فقرات أخرى فهل تغيير الترتيب في الثلاثة تجارب البرية (متى 4: 1-11 = لوقا 4: 1-12) يظهر مضامين مختلفة خاصة بالبشيرين؟

“الحبكات” (seams): هي الطريقة التي يستخدمها البشير لكي يسبك تقاليده معا. ومن أجل أن ينسج البشير قصة مترابطة من مصادر متنوعة فإنه يصنع تبادلات (transitions).

هذه التبادلات أو الحبكات تظهر غالبا اهتمامات المؤلف، متى مثلا يبدل التعليم والحكاية بطريقة فعالة ويشير للتبديل في نهاية الحوارات بصيغة متكررة: “فلما أكمل يسوع هذه الأقوال” (متى 7: 28, 19: 1 أنظر أيضا 11: 1, 13: 53, 26: 1).

إضافات للمادة: في قصة لوقا عن خدمة يسوع ودعوة التلاميذ (لوقا 6: 12-19) التي يبدو أنها اعتمدت على (مرقس 3: 7-18) فإنه يشير إلى حادثة غير موجودة في مرقس عن يسوع “وفي تلك الأيام خرج إلى الجبل ليصلّي. وقضى الليل كله في الصلاة لله” (لوقا 6: 12). هنا نجد اهتمام لوقا.

إسقاط للمادة: أينما يتأكد نقاد التعديل أن البشير قد نفذ إلى تقليد لا يتضمنه فإنه من المهم أن نسأل ما إذا كان الإسقاط يخدم اهتمام لاهوتي أم لا، مثال: يبدو أن إسقاط لوقا لقصة المجيء الثاني للرب يسوع على السحاب (موجودة في مرقس ومتى) في رده على رئيس الكهنة (لوقا 22: 29) كانت بسبب أن لوقا أراد تجنب فكرة ” المجيء الوشيك” (imminent parousia).

تغير الصياغة: في فقرة التطويبات الشهيرة نجد أن الرب يسوع حسب إنجيل متى يطلق البركة على “المساكين بالروح” (متى 5″ 3) ولكن حسب لوقا “أيها المساكين” (لوقا 6: 20). نقاد التعديل يعلقون بأن هذا الاختلاف يدلل على أن لوقا يهتم بصورة أكبر بموضوعات “الاقتصاد الاجتماعي” (socioeconomic).

  1. إن نقاد التعديل يبحثون عن هذه الأنواع من التغيرات خلال الإنجيل، أينما يظهر نمط فإننا ربما نتعامل مع إهتمام لاهوتي للمؤلف.
  2. وعلى أساس هذه الصورة اللاهوتية العامة فإن نقاد التعديل يلتمسون تأسيس إطار إنتاج الإنجيل. فنجد مثلا أن لوقا استحب إسقاط إشارات المجيء الوشيك لكي يعرض أنه يكتب في إطار حيث كان تأخر المجيء الثاني قد صار مشكلة.
  3. البعض يضيفون السمات الأدبية واللاهوتية لنقد التعديل بجانب دراسة تعديل البشيرين للتقليد فيما يعرف بـ “نقد التركيب” (composition criticism).

الأصول: بالرغم من أن ويليام ريدي (William Wrede) لم يكن ناقد تعديل من خلال المفهوم السابق إلا أنه قد أعاد تأكيد نقد التعديل النمطي، ويليام ريدي كتب في زمن عندما سادت الفرضية المرقسية في الدراسات الاكاديمية للأناجيل، هذه الفرضية لم تشتهر فقط لأنها أبقت على أسبقية مرقس لكن لأنها دعت أن مرقس قدم تصوير موثوق تاريخي بغير قصد لاهوتي عام للرب يسوع.

ريدي حطم هذا الادعاء حيث أن إنجيل مرقس كان قد كتب بقصد لاهوتي كباقي الاناجيل، وبخاصة عندما دعى ريدي أن مرقس أضاف الكثير من الإشارات حينما صمت يسوع عن مسيانته (messiahship).

هذا السر المسياني (messianic secret) قد صممه مرقس ليفسر كيف أن القليل من الناس تعرفوا على الرب يسوع كونه المسيا خلال حياته. وبينما فقدت فرضية ريدي حظوتها عامة الآن فإن خلافه بخصوص مرقس كونه بقصد لاهوتي وتاريخي قد قبل إلى حد بعيد.

إنطواءات فهم ريدي للبشيرين كلاهوتيين مبدعين لم ترصد مباشرة، فنقد التعديل كعلم لم يتطور حتى عام 1950. ثلاثة نقاد ألمان كان روادا في هذا المجال، مقالة (Bornkamm) على معجزة تهدئة العاصفة كانت أول عمل نقد تعديل وذلك من خلال مقارنتها بما في مرقس.

ثم الباحث (Conzelmann) في كتاب لاهوت القديس لوقا حلل وجهة نظر لوقا اللاهوتية زاعما أن البشير فرض تاريخ للخلاص ثلاثى المراحل في مادة الإنجيل:

(زمن اسرائيل وزمن يسوع وزمن الكنيسة)

وعلى هذا المنوال فإن لوقا عرض قواعد استمرار دور الجماعة المسيحية في التاريخ وبهذه الطريقة عطل الإحباط الناتج عن تأخر المجيء الثاني!! – أي فشل يسوع للعودة قريبا كما هو متوقع.

ماركسين(Marxsen) عمل مع إنجيل مرقس كما عمل (Conzelmann) مع إنجيل لوقا. وانجيل مرقس كان أيضا مدفوعا باهتمام عن المجيء الثاني لكن مرقس أعتقد أن المجيء الثاني كان وشيكا وكتب انجيله رافعا القصد من جمع المسيحيين معا في الجليل من أجل انتظار الرب.

أخيرا من المستحيل انتقاء أعمال نقد التعديل حتى الرائعة منها في هذه الدراسات المبدئية. فالنتائج التي توصل لها (Bornkamm)، (Marxsen) و(Conzelmann) غير معتبرة بما يكفي لكن المنهجية التي أسسوها نجحت في تأمين مكان في مجال دراسات الإنجيل.

 

 

مراحل تأصيل الأناجيل (7) التقييم: الشيوع لا يعني الصحة.

كما هو الحال في أي منهج آخر ينبغي الأخذ بنظرة نقدية على نقد التعديل قبل الإقرار به كمنهج لدراسة الإنجيل. ولنبدأ بخمسة انتقادات لهذه الدراسة:

  1. نقد التعديل يعتمد على قدرتنا في التمييز بين التقليد والتعديل. فينبغي أن نمتلك فكرة جيدة عن المصادر التي استخدمها البشير قبل أن نبدأ في الحديث عن تعديلاته لهذه المصادر. كل نقاد التعديل تقريبا يحسبون صلاحية فرضية المصدرين في أبحاثهم أن متى ولوقا كلاهما استخدما مرقس ومصدر آخر “ق” في كتابة اناجيلهما.

الذين يشككون في دقة فرضية المصدرين عليهم بالتأكيد تأسيس قواعد مختلفة يطبق عليها نقد التعديل. والذين يدافعون عن فرضية الانجيلين عليهم التحدث عن تعديلات مرقس لمتى ولوقا عن تعديلات متى لمرقس وسيجدون صعوبة بالغة في عمل نقد تعديل لمتى فقط. ولكن حتى إذا افترضنا موثوقية عامة لفرضية المصدرين فصعوبات نقد التعديل لا تزول:

أولا: في بعض المواضع اتجاه الاعتماد المفترض في نظرية المصدرين نجد أنه ربما يمكن عكسه. فبعض المواضع في إنجيل مرقس ربما اعتمدت على قصة وجدت طريقها في إنجيل متى. وفي هذه الحالة ينبغي أن نتحدث عن تغييرات مرقس لمتى عن تغييرات متى لمرقس.

ثانيا: متى أو لوقا ربما اعتمدا على نسخة مستقلة أو موازية لمرقس. أيضا ما يسمونه نقاد التعديل “التعديل المتاوي” لمرقس ربما كان تقليد يعبر عنه بأن متى ببساطة كان مرحليا.

ثالثا: ولأننا لا نملك نسخة من المصدر “ق” (Q) فإن الجدل حول إما متى أو لوقا قد عدلا “ق” يكون غير مؤكد. الباحثون يعتقدون عامة أنهم يستطيعون تحديد ما كان أصل “ق” بعوامل متعددة ويؤسسون أحكامهم التعديلية على هذه الافتراض.

لكن الأمر غير موضوعي ويترك مساحة كبيرة للخلاف.

مثلا بخصوص الفرق بين “المساكين” في لوقا و”المساكين بالروح” في متى هل نستطيع التأكد من استخدام لوقا اجتماعيا لـ”ق” عن استخدام متى روحيا له؟ في هذه الحالة نظن أن لوقا هو المسئول حيث أن تغييره مطابق لما هو مؤكد في انجيله. لكن القرار غالبا يكون أكثر صعوبة ومشحون باحتمالات الخطأ.

كل هذا يجعلنا القول بأن نقاد التعديل يحتاجون للكثير من الانتباه بخصوص الزعم أن أحد البشيرين قام بتعديل مصدره. فقد لا نستطيع تحديد عوامل التعديل بدرجة التأكد التي نحتاجها.

  1. نقاد التعديل يفترضون كثيرا أن كل تغييرات البشير التي يعدلها في تقليده تكون بدافع لاهوتي. الكثير منها كذلك لكن الكثير أيضا بدافع مختلف وبالتحديد التغييرات الأقلية المؤثرة على كلمة أو اثنتين تكون صياغة الأسلوب (stylistic) بطبيعتها. وفي حالات أخرى حتى في التقاليد الكبيرة ربما تكون ليست لسبب لاهوتي ولكن لاهتمام تاريخي فلا يمكن إسقاط الأغراض التاريخية البسيطة من اهتمامات البشيرين.
  2. نقاد التعديل أحيانا يساوون بين “المضامين التعديلية” (redactional emphases) والقصد اللاهوتي لبشير. وما يمكن استنتاجه كتعديل يظهر لنا ما هو مميز بإنجيل معين بالمقابلة مع الأناجيل الأخرى أو مع مصادره.

إننا نستطيع استنتاج ما هو تعديلي فيما قام البشير تغييره بقصد أنه مهم خاصة بهذا البشير. ولكن هذا ليس كل شيء في قصده اللاهوتي أو حتى ممثلا له. وما يمكن افتراضه هو افتراض أن التقليد الذي يتخذه البشير ليس جزء من اهتمامه أو قصده اللاهوتي.

إن المحققات المشتركة في متى ومرقس ولوقا ترجح خصوصيتهم والصورة التي يعلم بها ينبغي الأخذ بها في حساباتنا.

  1. تحديد إطار إنجيل معين بناء على القواعد اللاهوتية للمؤلف يكون أكثر بعدا عما تسمح به البيانات نفسها.

إن إضافات متى لكل من مرقس و”ق” مشتملا على اقتباسات الشريعة الموسوية والعهد القديم يظهر أن متى كان يكتب في إطار حاجة المستمع لتعليم من هذا النوع. ومفاد هذه الإضافات يسمح لنا بأخذ تخمينات عن بعض مشكلات المجتمع الذي كان متى يكتب فيه. لكن تفاصيل هذا الإطار الذي يفترضه نقاد التعديل هى “قلاع مبنية على الرمل”

إنهم يعتمدون عادة على جزء من الدليل فقط (ومن ثم فإن نقاد مختلفين يتوصلون إلى نتائج متضاربة أثناء العمل على نفس الإنجيل) ويرسمون نتائج بعيدة جدا عما يسمح به الدليل.

  1. نقد التعديل متلاحق بطريقة تؤدي إلى أن الامانة التاريخية لمادة الإنجيل تكون محل التساؤل. ليس لأن نقد التعديل يسعى لإثبات طبيعة لا تاريخية للتغييرات الناتجة للبشيرين. بل العديد من نقاد التعديل يفترضون أن البشيرين يملكون اهتماما قليلا عنه. ومن هذا المنطلق فإن نقد التعديل هو مولود حقيقي لنقد النموذج الراديكالي.

لهذا فإن مرقس ومتى ولوقا حسب العديد من نقاد التعديل لا يعيرون اهتماما كبيرا للدقة التاريخية أكثر من الجماعات المسيحية المبكرة كما حدد بولتمان (Bultmann) وديبليوس (Dibelius).

لماذا إذا العديد من نقاد التعديل يتوصلون إلى نتائج تشكك في المصداقية التاريخية للأناجيل؟

السبب الرئيسي في ذلك هو الافتراض بين العديد من نقاد التعديل بأن “البشير لا يمكنه أن يكون مدفوعا لاهوتيا وفي نفس الوقت دقيق تاريخيا”! غالبا ما يقدم لنا الاختيار بشكل واضح أو ضمني بين التاريخية والمقاصد اللاهوتية.

فلا يوجد سبب واضح لماذا البشير لا يستطيع أن يكون كلاهما! إن قيام متى ومرقس ولوقا بتعديل تقاليد الإنجيل التي وصلت إليهم أمر لا شك فيه. وعند بعض نقاد التعديل يبدو هذا كافيا لتبرير الاستنتاج بأن البشيرين تلاعبوا بالتاريخ. ولكن هذا ليس بالضرورة بالمرة.

إن إعادة الترتيب والإضافة والإسقاط وإعادة الصياغة لا يستلزم الانصراف عن تاريخية الحدث أو التعليم محل البحث.

فمثلا الصحف تعيد كتابة التقارير الإخبارية للقراء التي يستلمونها وإعادة الكتابة هذه ليست بالضرورة تؤثر في دقة التقرير. الأحاديث الطويلة تختصر أحيانا في بضع كلمات أو مقتطفات تؤخذ منها. ومن أجل ذلك نجد صحف مختلفة تركز على مضامين مختلفة في نفس الحديث. ولا نلوم هذه الصحف على عدم الدقة في عملها وبالمثل لا يجب أن نلوم البشيرين على عدم الدقة التاريخية في حالة تلخيص أو اقتطاف أو إعادة صياغة أقوال يسوع الخاصة. فما قاموا به يبدو واضحا كمقارنة بين البشيرين في كل صفحة تعرضها الأناجيل الازائية تقريبا.

لكن عدم قدرتهم في حفظ الكلمات الاصلية ليسوع (ipsissima verba Jesu) لا يعني بالضرورة أنهم تلاعبوا بالصوت الأصلي ليسوع. ولأن تعديلات البشيرين مرتبطة بما حدث بالفعل أو ما قاله يسوع فعلا حتى وإن اختاروا أو لخصوا أو أعادوا الصياغة فإن السلامة التاريخية باقية.

السؤال الآن هل أراد البشيرين كتابة اناجيلهم بغرض الدقة التاريخية؟ أو هل أرادوا إضافة صبغة لاهوتية لرسالة يسوع سواء حدثت حقيقة أم لا؟ …

إن نقد التعديل نفسه لا يستطيع الإجابة على هذه الأسئلة، ونقاد التعديل أنفسهم توصلوا إلى استنتاجات مختلفة بهذا الخصوص.

فالبعض مقتنعون أن الدراسة الدقيقة للتغيرات المقدمة في البشيرين لا تعرض أي تلاعب بصحة الوقائع التاريخية. فهم يفصلون بين التعديل والتقليد بغرض فهم رسالة الأناجيل بصورة أفضل بدون افتراض أن التعديل له أسس تاريخية بخلاف التقليد. مثلا نجدهم يستنتجون أن لوقا قام بتعديل تطويبات يسوع “طوبى للمساكين” (لوقا 6: 20) من اجل تضمين رؤية اقتصادية بازدواجها مع “الويل لكم أيها الأغنياء” (لوقا 6: 24) بينما متى قام بتعديل نفس الفقرة “طوبى للمساكين بالروح” من أجل إبراز البعد الروحي.

ولأن يسوع ربما قد قصد الرأيين، وبالمقارنة مع العهد القديم فمن من غير الإنصاف أن نتهم أي من البشيرين بالتلاعب غير التاريخي لكلمات يسوع. وهدفنا هنا ببساطة أن نقد التعديل لا يحتاج إلى تدمير الدقة التاريخية للأناجيل وأن نقاد التعديل الذين يفترضون أن البشيرين ليس لديهم اهتمام بالتاريخ في نشاطهم التعديلي لم يثبتوا غايتهم.

إن مشكلات نقد التعديل هى حجج مبالغ فيها وهى افتراضات خاطئة وإجراءات غير ملائمة. فنقد التعديل يتعهد بتقديم المساعدة في تعليل الأناجيل.

 وتحديدا فإن نقد التعديل له عناصر إيجابية متعددة منها:

  1. يقدم المساعدة المباشرة للمفسر واللاهوتي من خلال التركيز على خاتمة مرحلة إنشاء الأناجيل. ومن هذا المنطلق فإنه يقابل بين كل من نقد النموذج ونقد المصدر كونهما مهمان لمؤرخ المسيحية المبكرة لأنهما يهتمان بالأسباب التي مهدت لتقليد الإنجيل فنقد التعديل ينظر إلى مستوى يستحق انتباهنا وهو المنتج الأدبي النهائي، الإنجيل.
  2. نقد التعديل يذكرنا بأن البشيرين كتبوا بأكبر اهتمام تاريخي. فقد كانوا مبشرين ومعلمين يهتمون بتطبيق حقائق حياة يسوع وتعليم الجماعات في أيامهم. هذا القصد اللاهوتي للبشيرين أحيانا يفقد مع فقد الإدراك المستمر لأهمية وتطبيق التاريخ الذي يحكيه البشيرين.
  3. نقد التعديل يعرف ويزيد تقديرنا لتعدد الأناجيل. فإن قصة يسوع جاءت إلينا ليس بواسطة إنجيل واحد بل بأربعة اناجيل كل منهم له تميزه الخاص ومساهمته الهامة في تكوين فهمنا ليسوع. هذا الإنجيل الرباعي الأوجه ينبغي تقديره للرؤية الغنية التي يستحضرها، ونقد التعديل يساعدنا في إدراك فنيات ومعاني هذه الأوجه.

… انتهى

 

المرجع:

مقدمة للعهد الجديد – د. أ. كارسون، دوجلاس ج. موو، ليون موريس (ص10 – ص34).

AN INTRODUCTION to the NEW TESTAMENT – D. A. Carson, Douglas J. Moo, Leon Morris (P 10 – 34)

مراحل تأصيل الأناجيل – دونالد كارسون – دوجلاس مو – ترجمة ودراسة: أمير يعقوب

الوثيقة Q وتأثيرها علي فهم المسيحية

الوثيقة Q وتأثيرها علي فهم المسيحية 

الوثيقة Q وتأثيرها علي فهم المسيحية

هذا المقال هو إستكمالا للمقالات السابقة:

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الصليب والقيامة في Q

سيبقى على الأرجح وجود مصادر الأناجيل وقيمتها مواضيع حية للنقاش في البحوث التي تتطرق للعهد الجديد. بعضهم يقبل بـ”ل”، حيث تجرى بحوث مؤخراً تستند إليه. وربما يبقي “م” مصدراً وحيداً لمتى. فمصدر إشارات يوحنا مقبول على نطاق واسع، إلا أن نطاقه موضع نزاع. كما أن “ق” مقبول كجزء من حل مشكلة الأناجيل السنوبتية، إلا أن الكثير من الجدل يخيم على أصله وتطوره وتفسيره.

على الرغم من الإجماع الذي يرافق “ق” ويرافق “ل” ويرافق مصدر الإشارات الخاص بيوحنا إلى درجة أقل بكثير، تبقى هذه المصادر افتراضية. فمهما كانت درجة الإجماع لا يمكن لها التوصل إلى اليقين في هذا الصدد، ويمكن للطبيعة الافتراضية لهذه المصادر أن تنقشع فقط عن طريق اكتشاف وثائق حقيقية أو مراجع موثوقة لها في وثائق أخرى غير مكتشفة، وهذا أمر غير مرجح. وعلاوة على ذلك، قد تكون هذه المصادر ناقصة. فنحن نعرفها فقط لأن الأناجيل استخدمتها، ولا نعرف فيما لو كانوا قد استخدموها بالكامل.

ولا يمكننا إعادة بناء الصياغة الدقيقة لنصل لدرجة اليقين، ولا نستطيع التأكد من ترتيبهم الداخلي الصحيح. فينبغي دائماً إبقاء الطبيعية الافتراضية لهذه المصادر المعاد بناؤها نصب أعيننا. ولنأخذ مثالاً صغيراً، في رأيي ينبغي الاستشهاد بفقرات “ق” بصيغة: لوقا (فصل كذا، آية كذا)، أو لوقا (فصل كذا، آية كذا) “ق”، وليس بصيغة: “ق” (فصل كذا، آية كذا).

كما ينبغي على البحوث أيضاً الترجيب بالأصوات المعارضة التي تتحدى وجود هذه المصادر، والطريقة التي أعاد بها النقاد بناء هذه المصادر، واستخدام البحوث التي تجرى على العهد الجديد لتلك المصادر. كما ينبغي على نقاد المصادر توخي الحذر في أعمالهم.

وعلى الرغم من تطبيق أي عملية نقدية على مصادر الأناجيل بعناية، إلا أن ذلك يبقي محاولة ضرورية وغالباً ما تكون مثمرة. قد يرفض الرافضون ذلك تماماً معتبرين ذلك مشروعاً افتراضياً بطبيعته، لكن من الناحية الثانية، تبقى أي نظرية مصممة لتفسير المشكلة المتعلقة بالأناجيل السينوبتية نظرية افتراضية، حيث ينشأ نقد المصادر إلى حد كبير من النص نفسه وهو محاولة لإيجاد حل لألغازه. كما أن المقترحات الراديكالية هي موضع ترحيب باعتبارها جزءاً من النقاش الدائر حول أصول المسيحية.

وطالما أن الفرضيات تخضع لعمليات اختبار، وأن الأمر الافتراضية يتم مقارنتها مع ما هو معروف نسبياً أنه يتحلى بمزيد من اليقين، فبصورة عامة ينبغي المضي قدماً في المناقشة.

ما يزال يشكل البحث في “ل” وفي مصدر إشارات يوحنا ثقلاً مقابلاً لكن أقل قيمة بالنسبة للبحث الذي يجرى على “ق”. وكما رأينا، يتمتع “ل” بنفس قدر إدعاء “ق” أو أكثر بأنه يحتفظ بتقاليد يسوع الأصلية. بشكله السردي، وألقابه المسيحانية، ومعجزاته، يقدم مصدر إشارات يوحنا الطباق اللازم لـ”ق”.

ففي كثير من الأحيان يميل هؤلاء الذين يعززون قيمة “ق” إلى إغفال مصادر الإنجيل الأخرى ويلمحون إلى أن “ق” هو الذي يمثل المجتمع الفلسطيني الأول، لكن لن تتضح المساهمات النسبية لجميع المصادر إلا عند اتخاذ رؤية شاملة لمصادر الأناجيل.

ماذا حدث لهذه المصادر التي لم تعد موجودة؟ من الواضح أنها، وبغض النظر عن كونها استخدمت في الأناجيل، اختفت دون أن تترك أي أثر. فلم ينجُ أي دليل مكتوب، ولم يذكر أي كاتب مسيحي قديم تلك المصادر.

كما لا يعتبر هذا الصمت في حد ذاته بالضرورة دليلاً على أنها لم تكن موجودة، كما يدعي مايكل غولدر. إن التفسير الذي يُطرح عادة هو أنه عندما تناول كتاب الأناجيل تلك المصادر، أصبحت قديمة و”فقدت”. هذا معقول جداً، لكن المجتمعات التي استخدمتها ونسختها أيضاً اختفت على الأرجح في الكنائس التي استخدمت الأناجيل الكاملة.

أحياناً يكون هناك تمييز بين لاهوت المصادر وبين لاهوت الأناجيل حيث تم الحفاظ عليها. لكن هل استخدم كتّاب متى ومرقص ولوقا المصادر بصورة تتعارض تماماً مع آرائهم الشخصية؟ هذا بالكاد يكون ممكناً. ينبغي علينا أن نفترض على الأقل بعض التوافق في اللاهوت بين الأناجيل ومصادرها. فاعتماد متى وتكيفه مع مسيحية حكمة “ق” يوفر قضية بارزة في صميم الموضوع. فقد استخدم كتاب الأناجيل مصادرهم وجمعوها في بعض الأحيان مع مصادر أخرى ودائماً ما كانوا يجمعون معها مساهماتهم الإنشائية الخاصة بهم.

لقد وضع “ق” في سياق أوسع، بإطار سردي لتعاليم يسوع المأخوذة إلى حد كبير من مرقص وبسرد عن الآلام والقيامة في النهاية. كما قام لوقا بدمج مصدره “ل” أيضاً، جاعلاً إياه يتفق مع أفكاره الدينية عموماً. وقد استخدم كاتب الإنجيل الرابع مصدر الإشارات في جزء كبير من النصف الأول لعمله، مؤكداً ومصححاً لرؤيته للإشارات أثناء كتابته.

وهكذا، قد يكون كتّاب الأناجيل نظروا إلى مصادرهم على أنها تقاليد صحيحة عن يسوع، إلا أنها تحتاج إلى الإضافة والصحيح. وقد يكون هذا جزءاً مما يعنيه لوقا عندما قال إنه تتبع “كل شيء” من الأول بتدقيق (لوقا 3:1). بطريقة أو بأخرى، واصلت الكنيسة هذه العملية عن طريق إدراج أربعة أناجيب في العهد الجديد، وبذلك تبقى تتمتع بأربع وجهات نظر، حتى أن المسيحيين المتعلمين تمتعوا بتنوع أكثر، إذا أردنا التحدث وفق ما يقول نجع حمادي.

تتنوع صورة يسوع التي تنبثق من هذه المصادر. فـ”ل” يصور يسوع على أنه المعلم المخول من الله، حيث تدعم معجزاته زعمه. ومصدر إشارات يوحنا يصوره على أنه مسيح الله، حيث يجلب الإيمان به الحياة. أما “ق” فيصوره على أنه وكيل الله في الملكوت. وتنخفض مسيحانية هذه المصادر بالمقارنة مع المسيحانية الكاملة للأناجيل، لكن هذا أمر متوقع. فجميع المصادر تتحدث عن العلاقة بين تعاليم وأعمال يسوع وبين شخصه.

فكلهم يدعون أن يسوع هو رسول الله المخول، ويصرون على أن موقف الشخص تجاه رسالة يسوع وشخصه تحدد موقف هذا الشخص من الله. وبهذا المعنى، فهم لا يمثلون “حركات يسوع” وإنما يمثلون المسيحية. رؤية يسوع هذه مهمة عندما نفكر بالطريقة التي نظر فيها أولئك الذيم قرؤوا تلك المصادر إلى موت يسوع وقيامته.

فلو كانت تعاليم يسوع مهمة في “ق” فقط، ولو لم يكن يسوع هو “وسيط” لحكم الله، حينها لن تكون حياته وموته وقيامته ذات أهمية. لكن في حال كان شخصه وتعاليمه مرتبطين ببعضهما بعضاً، حينها سيكون الباب مفتوحاً أمام هذه الوثائق ومجتمعاتها للانضمام إلى الأناجيل المتطورة والكاملة وكنائسها التي صنعت هذا الارتباط.

أخيراً، هل ينبغي لنا أن نعيد بناء المسيحية الحديثة على أساس مصادر تعود لحقبة ما قبل الفترة الكنسية؟ هل ينبغي، على سبيل المثال، إدخال “ق” إلى القانون الكنسي للعهد الجديد؟ لقد أصر روبرت فنك على برنامج كهذا.

إن هذا الأمر يعد إلى حد كبير مسألة لاهوتية، حيث لا يمكن للدراسة التاريخية إلا أن تقدم إجابة جزئية فقط. ومع ذلك ونظراً لأن طبيعة المعتقد المسيحي يستند إلى التاريخ، تعتبر هذه القضية قضية مهمة، وينبغي أخذ المحاذير الأربعة التالية بعين الاعتبار.

أولاً، ما هو التفسير الذي ينبغي على المسيحية الاستناد إله من بين هذه التفاسير الكثيرة لـ”ق”؟

ثانياً، إذا تم “إعادة النظر” في المسيحية على أساس “ق” فإن ذلك يعني تجاهل المصادر الأخرى التي جاءت قبل الفترة الكنسية التي تقدم أيضاً رؤية مبكرة ليسوع.

ثالثاً، إذا تم تغيير المسيحية على أساس البحث التاريخي فقط فذلك يعني تجاهل قيود المعرفة التاريخية. إن كانت عمليات البحث غير قادرة على اكتشاف متى ومن هو الذي أطلق المصطلح “ق” في القرن التاسع عشر بصورة أكيدة، وبالضبط ما الذي يعنيه هذا المصطلح بالنسبة لأولئك الذين استخدموه لأول مرة، كيف يمكن لعمليات البحث إعادة بناء وثيقة “ق” التي تعود للقرن الأول بدرجة من اليقين حيث سيخاطر الناس بحياتهم هذه وحياتهم الثانية بناءً عليها؟

رابعاً، ينبغي على المرء، عند التفكير ملياً في احتمالية إعادة بناء أصول المسيحية، النظر في الاستبعاد المتزايد لتلك الاحتمالات التي ترتكز على فرضيات متتالية ومتعددة.

وتنص نظرية الاحتمالات على أن احتمالية التوصل إلى نتيجة تتم عن طريق مضاعفة احتمالات كل حلقة في السلسلة التي تفضي إلى الاستنتاج. في هذه الحالة ترتكز نتيجة أن المجتمع الأول لـ”ق” يمثل أفضل نموذج للمسيحية على خمس افتراضات على التوالي:

1-أولوية مرقص.

2-وجود “ق”.

3-إعادة بناء صياغة “ق”.

4-التصنيف الطبقي الصحيح لـ”ق”.

5-الحكم النسبي بأن نسخة “ق” الأولى هي النسخة الأكثر تمثيلاً لتعاليم يسوع بالمقارنة مع غيرها من المؤلفات المسيحية الأولى.

ولمواصلة المسير نحو (5) في الوقت الذي يقبل فيه علماء العهد الجديد بـ(1) و(2)، يجب جعل هذا الموقف أكثر غموضاً والتباساً وبصورة متسارعة. وهذا لا يعني أنه لا يمكن أو لا ينبغي القيام بذلك، بل يعني أنه ينبغي على هؤلاء الذين يواصلون المسير نحو (3) و(4) و(5) الاعتراف بالضعف المتزايد لمواقفهم. وسينشغل مستقبل دراسات “ق” بكل الاحتمالات بمسألة أهمية “ق” القديمة والحديثة.

الوثيقة Q وتأثيرها علي فهم المسيحية

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

 

لطالما لاحظ قراء الأناجيل أن متى ولوقا يتشابهان مع بعضهما البعض في طريقة عرضهما لتعاليم يسوع، وأن مرقص يفتقد إلى الكثير من هذه التعاليم. فهناك العديد من القصص والمواعظ وأقوال يسوع في متى ولوقا أكثر من تلك الموجودة في مرقص، والمادة التي يتشارك فيها كل من متى ولوقا قريبة جداً في الصياغة. فمنذ العصور القديمة، كان هذا الأمر يُفسر بالقول بأن متى كُتب أولاً (أولوية متى)، وأن مرقص ولوقا قاما باستخدام متى كمصدر لهما، موسعين فيه أو موجزين وفقاً لحاجاتهما.

أما اليوم، فيؤكد معظم العلماء على أن مرقص كُتب أولاً (أولوية مرقص.) وأن كلاً من متى ولوقا بالالتفات إلى مصدرين رئيسيين هما: مرقص والوثيقة Q([1]). إن نظرية العلاقات الأدبية بين الأناجيل السينوبتية معروفة ب: “فرضية المصدرين”.

يمكن تعريف وثيقة الوثيقة Q، بكل بساطة لكن بدقة، بأنه شبيه بجميع المواد المتطابقة والمشتركة بين متى ولوقا وغير موجودة في مرقص. إن وثيقة الوثيقة Q في جميع مصادر الأناجيل هو إلى حد بعيد أهم دراسة في العهد الجديد. فقد تم البحث فيه دون انقطاع لأكثر من مائة وخمسين سنة، وأصبح منذ حوالي عام 1970 نقطة محورية، ربما النقطة المحورية للدراسات التي تبحث في يسوع التاريخي. في حين أن وجود “م” و”ل”، ومصدر إشارات يوحنا غير مقبول من الناحية التماثلية، وتجمع الغالبية العظمى من العلماء على اعتناق فرضية الوثيقة Q.

في هذا الفصل سوف نقوم باختصار بذكر بدائل فرضية المصدرين مع فرضياتها للوثيقة Q، كما سنذكر بإيجاز محتويات وثيقة الوثيقة Q ووصف الدراسة الأخيرة له. ومن ثم سوف نركز على مسألتين هامتين بالنسبة لدراستنا: هل تصور وثيقة الوثيقة Q يسوع على أنه معلم يهودي كلبي؟ وما هي أهمية موت يسوع وقيامته بالنسبة لوثيقة الوثيقة Q ومجتمعها؟ فاهتمامنا الأساسي في البحث في وثيقة الوثيقة Q يركز على وضعه المفترض بأنه مصدر يسوع التاريخي، المصدر المستقل والسابق للأناجيل.

هل كانت وثيقة الوثيقة Q موجودة حقاً؟ حالما يتم القبول بأولوية مرقص، حينها يمكن تفسير المادة المشتركة في متى ولوقا بإحدى الطريقتين الرئيسيتين: إما أن الأول استخدم الآخر، أو أنهما استخدما مصدراً مشتركاً. بما أن متى ولوقا لم يستخدم أي منهما الآخر، يتضح ذلك لأسباب عدة. بادئ ذي بدء، كما لاحظنا أعلاه، يملك متى ولوقا على حد سواء قدراً كبيراً من المواد الخاصة بإنجيليهما. في حال استخدام أي منهما الآخر، فمنطقياً أن نتوقع وجود أقل القليل من المواد الخاصة بكل واحد منهما. ومن ثم أيضاً، لا يتفق متى ولوقا بالترتيب والصياغة بالمقارنة مع مرقص.

ففي حال استخدام أي منهما الآخر، فإننا نتوقع المزيد من الاتفاق في الترتيب والصياغة في متى ولوقا عندما يختلفان عن مرقص. أيضاً، إن المواد المشتركة بين متى ولوقا ومختلفة في مرقص واردة بترتيب مختلف في متى ولوقا، وعادةً ما يبدو شكل لوقا أقل تطوراً. فمتى يحتوي على مادة الأقوال في خمس أجزاء رئيسية (متى 5-7، 10، 13، 18، 23-25)، في حين أنها ترد في لوقا على نحو متساو تمامً (لوقا 3-9).

يصعب شرح هذا التباين في التوزيع في حال استخدام أي منهما الآخر. أضف إلى ذلك، أنه ما أن يتم عزل المادة التي لا تعود إلى مرقص التي يتشارك بها كل من متى ولوقا، حتى يظهر قدر كبير من التماسك الداخلي في الشكل والمضمون، أكثر بكثير من لك الوارد في “ل” و”م”. أخيراً، لقد أسكت اكتشاف إنجيل توما في عام 1945 أولئك الذين زعموا أنه لا يوجد تشابه في بداية ظهور المسيحية بالنسبة لمجموعة أقوال يسوع التي تفتقد إلى إطار سردي. نظراً لهذه الأسباب ولأسباب أخرى، توصلت الغالبية العظمى من العلماء إلى أن متى ولوقا استخدما على نحو مستقل مصدراً منفصلاً للمادة المشتركة التي لم ستمدها من مرقص.

وعلى الرغم من أن وثيقة الوثيقة Q تبدو وفق مصطلحات دوغلاس غولدر: “القوة الماحقة” في الدراسات الحديثة، فهناك ما لا يقل عن أربعة تفسيرات أخرى لأوجه الشبه في متى ولوقا بالمقارنة مع مرقص الذي ينكر وجود الوثيقة Q. التفسير الأول هو: “فرضية الإنجيلين”، التي اعتنقها بشجاعة وليام آر فارمر وزملاؤه، حيث تقول إنه تم كتابة متى أولاً، ومن ثم استخدم لوقا متى كمصدر رئيسي، وقام مرقص باختصارهما. التفسير الثاني هو فرضية المراحل المتعددة ل م ي بويسمارد، حيث تفترض هذه النظرية المعقدة للغاية أن أربعة من المصادر المكتوبة الخاصة بمتى ومرقص ولوقا والوثيقة Q كانت قد شكلت بداية منهج الإنجيل.

ومن ثم أصبحت اثنتان من هذه الوثائق: “مرقص الأوسط” و”متى الأوسط”، وفقاً للمصطلحات التي أطلقها عليهما بويسمارد. وبعد ذلك، خرج لوقا الأول بمادة الوثيقة Q وبمادة متى الأوسط. أخيراً، أثرت أجزاء من مرقص الأوسط بالأشكال الراهنة لمتي ولوقا، ويستخدم شكل مرقص الحالي لوقا الأول ومتى الأوسط. وتعود الفرضية الثالثة إلى دولاس غولدر الذي قال: إن لوقا استخدم إنجيل متى ودمجه بإنجيل مرقص، حيث يرى غولدر أن مادة لوقا الخاصة هي تطوير قام به لوقا لمتى، ويقول أيضاً في أن كلاً من مادة متى الخاصة وما يسميه الآخرون بالوثيقة Q هو تطوير قام به متى لمرقص.

ووفقاً لنظريته، فإن الوثيقة Q غير ضروري، لذا ينكر غولدر وجوده. ويقوم غولدر هنا بتوسيع أعمال أوستن فارير. أخيراً، حاول “بو ريك” شح التوافقات الموجودة بين الأناجيل السينوبتية، بما في ذلك ما يسميه الآخرون ب الوثيقة Q، على أنها عبارة عن خطوط متوازية ناشئة عن تقاليد شفوية وليست ناشئة عن وثائق مكتوبة. فلم يكن مؤلفو الأناجيل على اتصال مع بعضهم بعضاً أو مع مصادر أخرى مكتوبة مثل الوثيقة Q.

لقد رفضت أغلبية العلماء عن وجه حق هذه النظريات البديلة معتبرها غير كافية، حيث تعتمد اثنتان من الفرضيات، فرضيتا فارمر وغولدر، على أولوية متى. فاحتمالية كتابة متى أولاً أمر ممكن، لكن ليس بمقدر نظرية أولوية متى تقديم التفسير الكافي لسبب استخدام مرقص لمتى بهذا الشكل الغريب للغاية: توسيع بعض مواد متى بصورة كاملة، وفي نفس الوقت حذف أجزاء أخرى جذرياً، كحذف أكثر من نصف تعاليم يسوع الواردة في متى. كما لا تفسر نظرية أولوية متى سبب كون الكثير من مواد لوقا مواد خاصة، وأن هذه المادة التي تمثل تطوير لوقا لمتى بكل بساطة غير ذات مصداقية، نظراً لاختلاف المضمون والأمور التي تشدد عليها.

بالإضافة إلى ذلك، فقد طُبعت فرضية بويسمارد في أذهان العلماء على أنهما معقدة أكثر من اللازم، وتشكل انتهاكاً لمبداً أهل العلم القائل في أن التفسير الأبسط هو الأفضل. فقد توصل بحق معظم العلماء بشأن نظرية ريك إلى أنه لا يمكن للتطور الشفهي وحده لتقاليد يسوع تفسير درجة التشابه الحر في الكبير بين الأناجيل السينوبتية.

أما فيما يتعلق بالنتيجة الطبيعية لريك في أن مؤلفي الأناجيل لم يستخدموا مصادر مكتوبة، يشهد (لوقا 1:1-4) صراحة بأن المؤلف عرف مصادر أخرى، مما يجعل من الممكن استخدامه لها. لذلك، يتم تفضيل نظرية المصدرين بفرضيتها لالوثيقة Q، على الرغم من بعض المشاكل العالقة، على الفرضيات البديلة الأربع بوصفها الأبسط والأفضل تفسيراً لأصول وعلاقات الأناجيل السينوبتية.

إن قضية الوثيقة Q أقوى بكثير من أي نظرية منافسة خاصة بعلاقات الأناجيل السينوبتية. وتبقي الوثيقة Q فرضية، ومثل أي فرضية، تستحق أن تخضع للاختبار باستمرار. ومع ذلك، فهي فرضية مفيدة ومثمرة ومن المرجح أن تظل كذلك.

لقد استمر البحث في حجم وصياغة الوثيقة Q في اللغة اليونانية أكثر من قرن حتى الآن، واليوم يعد هذا البحث جهداً خاصاً يرأسه مشروع الوثيقة Q الدولي الذي كان ينشر سنوياً منذ عام 1990 حتى عام 1997 في صحيفة الأدب الإنجيلي، المشروع الذي يجمع الآن نصاً مهماً لالوثيقة Q. في حين تتفاوت إلى حد ما عمليات تجديد محتويات الوثيقة Q الحقيقية، يبقي المخطط الأساسي واضحاً. فالجدول التالي يلخص محتويات الوثيقة Q العامة والمقبولة للجميع.

محتويات الوثيقة Q:

لوقا متى المحتويات
البدايات
7:3-9، 16-17 7:3ب-12 يوحنا المعمدان: التحذيرات، الوعد بأن شخصاً ما سيأتي
2:4-13 2:4ب-11 أ إغراءات (اختبارات) يسوع الثلاثة قدمها الشيطان (ترتيب مختلف في لوقا ومتى)
العظة في السهل / على الجبل
20:6ب-23 3:5، 6، 4، 11-12 تطويبات (ترتيب وصياغة مختلفة)
27:6-30 44:5، 39ب – 40، 42 أحبوا أعداءكم، اعرض الخد الآخر، هب رداءك، أعطه للمستولين
31:6 12:7 وكما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا أنتم أيضاً بهم،
32:6-33، 35، ب-36 46:5-47، 45، 48 أحبوا أكثر مما يفعل أولئك الذين يحبونكم، كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم
37:6أ، 38 ج 1:7-2 لا تدينوا فلا تدانوا، بنفس الكيل الذي به تكيلون يكال لكم
39:6-40 14:15، 24:10-25 أ هل يقدر أعمى أن يقود أعمى، ليس التلميذ أفضل من معلمه
41:6-42 3:7-5 القذى الذي بعين أخيك، الخشبة التي في عين شخص ما
43:6-45 16:7-20 (33:20-35) ما من شجرة جيدة تثمر ثمراً رديئاً، لا يجتنون من الشوك تيناً
46:6-49 21:7، 24-27 ولماذا تدعونني: يا رب، يا رب، وأنتم لا تفعلون ما أقوله؟، الذي يسمعه ويعمل به
شفاء عبد لقائد المائة
1:7-2، 6 ب -10 5:8 أ – 10، 13 قائد المائة صاحب الإيمان العجيب في كفر ناحوم يطلب المساعدة في شفاء خادمه المريض، الأشخاص الذين يقوم يسوع بشفائهم
أقوال حول يوحنا المعمدان
18:7-28 2:11-11 تلاميذ يوحنا، الرسالة الموجهة له، مديح يوحنا على اعتباره أكثر من نبي
31:7-35 16:11-19 لا يفرح هذا الجيل لا بيوحنا ولا بابن الإنسان
التلمذة والمهمة
57:9-60 19:8-22 ابن الإنسان ليس له أين يسند رأسه، من أجل أن تتبعه دع الموتى يدفنون موتاهم
2:10-12 37:9-38، 7:10-16 الحصاد كثير، الفعلة قليلون، تعاليم المهمة
13:10-16 21:11-23، 40:10 ويل لك يا كورزَين، ويل لك يا بيت صيداَ، الذي يسمع منكم يسمع مني
21:10-24 25:11-27، 16:13-17 شكراً الأب على الإعلان للأطفال، كل الأشياء تُدفع إلى الابن الذي يعرف هو وحده الآب، طوبي للعيون التي تنظر ما تنظرونه
تعاليم بخصوص الصلاة
2:11-4 9:6-13 صلاة الرب (أشكال مختلفة – الصلاة الواردة في متى أطول)
9:11-13 7:7-11 أسألوا تعطوا، أن تعطوا عطايا جيدة، فكم بالحري الآب سيعطي
خلافات ومضايقات
14:11-15، 17-23 22:12-30 ببعلزبول يخرج الشياطين، يحفظ القوي داره، من ليس معي فهو علىّ
24:11-26 43:12-45 متى خرج الروح النجس من الإنسان ثم يذهب ويأخذ سبعة أرواح آخر أشر منه
29:11-32 36:12-42 هذا الجيل يطلب آية، آية يونان النبي، حكم أهل نينوى، ملكة الجنوب
33:11-35 15:5، 22:6-23 ليس أحد يوقد سراجاً ويضعه في خفية، سراج الجسد هو العين، متى كانت شريرة فجسدك يكون مظلماً
39:11-44 25:32 – 26، 23، 6-7 أ، 27 أنتم الآن أيها الفريسيون تنقون خارج الكأس، ويل للعشير التافه، والذين يحبون المجلس الأول في المجامع
46:11-48 4:23، 29-31 ويل لكم أنتم الناموسيون لأنكم تحملّون الناس أحمالاً عسرة الحمل، لأنكم تبنون قبور الأنبياء
49:11-52 34:23-36،13 أنا أقول / حكمة الله تقول: إني أرسل إليهم أنبياء سيعذبون، ويل لكم أنتم أيها الناموسيون
2:12-10 26:10-33، 32:12 لا خفي لن يعرف، لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، اعترفوا بي قدام الله
عن القلق
22:12-31 25:6-33 لا تقلقوا بشأن الجسد، تأملوا زنابق الحقل، الآب يعرف ماذا تحتاجون
33:12-34 19:6-21 لا يوجد كنوز على الأرض بل في السماوات
الاستعداد لمجيء الساعة
39:12-40، 42-46 43:24-44، 45-51 رب البيت والسارق، العبد المخلص المستعد لمجيء سيده
51:21-53 34:10-36 لم آت لأعطي سلاماً بل لأعطي سيفاً، انقسامات داخل العائلات
56-54:12 3-2:16 القدرة على معرفة علامات الطقس تمكن المرء من معرفة الوقت الحالي
58:12-59 25:5-26 التخلص من الخصم قبل الذهاب إلى القاضي
قصص وأقوال حول التلمذة
18:13-21 31:13-33 ملكوت الله تشبه نمو حبة خردل، وتشبه خميرة وضعتها امرأة في الدقيق
23:13-29 13:7-14، 22-23، 11:8-121 قليل هم الذين سيدخلون من الباب الضيق، رب البيت يرفض هؤلاء الذين يقرعون الباب، يأتي أناس من كل حدب وصوب للدخول في ملكوت السماوات / الله
34:13-35 37:23-39 يا أورشليم، يا أورشليم! يا قاتلة الأنبياء، عليك مباركة ذلك الشخص الآتي باسم الرب
16:14-24 2:22-10 ملكوت السماوات / الله هي مأدبة عظيمة: يعتذر مدعوون، ويدعى آخرون
26:14-27 37:10-38 فضلّني على عائلتك، أحمل صليبك واتبعن
34:14-35 13:5 عدم نفح الملح الذي فقد مذاقه
4:15-7 12:18-14 الإنسان الذي يترك 99 خروفاً ويذهب لأجل الخروف الضال
13:16 24:6 ليس بمقدوركم أن تخدموا سيدين
16:16-18 12:11-13، 18:5، 32 كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا، لن تسقط نقطة واحدة من الناموس، كل من يطلق امرأته ويتزوج بأخرى يزني
1:17، 3ب-4 7:18، 15، 21-22 ويل لأولئك الذين تأتي العثرات بواسطتهم، اغفر لأخيك بعد توبيخه، بطرس: كم مرة نغفر
6:17 20:17 لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل، لاستطعتم تحريك الجبال / واقتلاع الأشجار
مجيء ابن الإنسان في النهاية
23:17-24، 37 26:24-28 علامات مجيء ابن الإنسان
26:17-27، 30 37:24 -39 وكما في أيام نوح كذلك يكون أيضاً في أيام ابن الإنسان
33:17 39:10 من طلب أن يخلّص نفسه يهلكها، ومن أهلكها يحييها
34:17-35 41:10 إنه في تلك اللية يكون اثنان، فيؤخذ الواحد ويترك الآخر
12:19-27 14:25-30 قصة الموهوبين
28:22، 30 28:19 أتباع يسوع سيجلسون على كراسيه ويدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر

وكما يُظهر هذا التلخيص بأن الوثيقة Q يحتوي على معظم تعاليم يسوع. فهو يحتوي على القليل من القصص السردية حيث يبدأ بيوحنا المعمدان والإغراءات التي تعرض لها يسوع، وبالقرب من المنتصف هناك سرد لإحدى المعجزات: “خادم قائد المائة الروماني”. كما يمكن الاستدلال على الكثير من المعجزات الأخرى التي جاء بها يسوع في إنجيل لوقا (21:7 و 13:10 و 20:11). وفي بعض الأماكن، تحتوي التعاليم على سياق أو مقدمات سردية قصيرة، على سبيل المثال: لوقا (18:7-20، الأسئلة التي طرحها يوحنا المعمدان).

إن تعاليم يسوع مقسمة بالتساوي تقريباً بين قصص وأقوال قصيرة. كما تكثير أقوال الحكمة والأقوال الأخروية التي هي بالمجمل عبارة عن تحذيرات. يتشارك الهيكل العام لالوثيقة Q بقسم لا بأس به مع أناجيل العهد الجديد اللاحقة. وبنفس طريقة أناجيل العهد الجديد، يبدأ الوثيقة Q مع يوحنا والإغراءات، ويزيد من ذكر يوحنا في أمكنة لاحقة. وينتهي الوثيقة Q والأناجيل السينوبتية بقسم القصص والأقوال الأخروية على قسمهم التعليمي الرئيسي الأخير.

يبقي الوضع الاجتماعي التاريخي الدقيق لالوثيقة Q غير مؤكد، لكن يوجد هناك شبه إجماع بخصوص ذلك. فمعظم الباحثين يحددون مكانه في فلسطين، وكثيرون يحددون مكانه في جنوب الجليل الأوسط، وقليلون يحددون مكانه في جنوب سورية. إن الوثيقة Q عمل يهودي مسيحي موجه لشعب إسرائيل. فتاريخ كتابته المقترح يتفاوت من 40 إلى 70م وعلى الأغلب تمت كتابته في منتصف هذه الفترة. قد يُظهر الجزء الأول من هذه الفترة حملات تبشيرية متجولة تكمل رسالة يسوع وكهنوته في جميع أنحاء المناطق التي كان يعمل فيها.

وقد تعود المجموعة الأولى لأقوال يسوع التي استخدمتها هذه الحملات التبشيرية المتجولة إلى المجتمع الذي ظهر بعد عيد الفصح الأول. ومن المرجح أن هذه الحملات التبشيرية كانت قد أنشأت أول مجتمع مسيحي مستقر في جميع أنحاء الإقليم القديم من إسرائيل. وتشكل نهاية هذه الفترة، أي عام 70م، فترة التمرد اليهودي. فقد تكون كل من الحملات التبشيرية والتجمعات السكنية المستقرة تعطلت إلى حد كبير جراء الحرب، ولم تشر التنبؤات حول القدس والمعبد إلى وجود عمل عسكري (لوقا 34:13-35)، كما هو الحال في الأناجيل السنوبتية.

كذلك الأمر، فإن استخدام الوثيقة Q من جانب متى ولوقا، اللذين يعود تاريخهما بصورة شائعة إلى الثمانينيات من القرن الأول، يتضمن أن الوثيقة Q كان قد تمت كتابه وتداوله في فترة سبقت ذلك العقد.

لقد كان الوثيقة Q وفقاً لكل الاحتمالات وثيقة مكتوبة. إن أفضل طريقة لتفسير الكمية الكبيرة من التوافقات الشفهية بين متى ولوقا، الأمر الذي يشير مرة أخرى إلى مصدر مكتوب. لقد تمت كتابة الوثيقة Q بصورة شبة مؤكدة باللغة اليونانية. ومن المرجح أن يكون الكثير من تعاليم الوثيقة Q في الأصل باللغة الآرامية، لغة يسوع وربما لغة الحملات التبشيرية الفلسطينية الأولى. ومع ذلك، فإن هذا ليس مؤكداً، وإن إعادة نصوص الوثيقة Q إلى الآرامية موضع شك كبير ولا تشكل موضوعاً هاماً في مجال البحث في الوثيقة Q.

منذ نحو عام 1970، في أحدث موجة اهتمام بالوثيقة Q، تم تخصيص الكثير من عمليات البحث للنظر في المراحل التكوينية التي نشأ فيها الوثيقة Q والعمل على ربط نمو العمل بتاريخ المجتمع الذي أنتج الوثيقة Q. فقد شكلت هذه المهمة العنصر الأكثر إثارة للجدل في عمليات البحث في يسوع، المهمة المحفوفة بالصعوبات. لا يسعنا هنا إلا أن نصف عدداً قليلاً من المقترحات الرائدة وأن نقدم نقداً وجيزاً. يفترض جون كلوبنبورغ في أكثر عمليات التجديد تأثيراً على تاريخ تكوين الوثيقة Q نموذجاً من ثلاث مراحل.

تم تأليف “ق1” من “خطابات الحكمة” التي شجعت على اتباع أسلوب حياتي راديكالي مناهض للحضارة (على سبيل المثال: جوهر العظة في السهل / الثاني، بإدانة إسرائيل عندما عارضت رسالة الحكمة ورسلها، “رسالة يوحنا المعمدان، شفاء عبد قائد المائة، جميع المواد الرؤيوية”. “ق3” كان آخر ما تم إضافته، الطور التوضيحي الذي قرّب الوثيقة Q من اليهودية الحريصة على التقيد بالتوراة. كما تم في هذه المرحلة إضافة قصة الإغراء التي تعرض لها يسوع، القصة التي تقدمه على أنه نموذج للعلاقة الصحيحة مع الله.

ويرى ديتر لوهرمان طبقتين رئيسيتين للمادة. تتضمن الطبقة الأولى طبقة أخروية بأقوال عن ابن الإنسان، الإدانة، والمجيء الثاني الوشيك ليسوع، وتتضمن الطبقة الثانية دمجاً بين البعثة الموجهة للوثنيين وبين تعاليم الحكمة، عندما يتضاءل الأمل في المجيء الثاني الوشيك ليسوع.

ويرى لوهرمان مجتمع الوثيقة Q على أنه مجموعة مسيحية لا يهودية تعرضت للاضطهاد على أيدي اليهود. وتفترض عملية التجديد التي قام بها سيغفريد شولتز مرحلتين لالوثيقة Q ومجتمعها: الأولى: مجتمع فلسطيني يهودي مبكر يحمل توقعات أخروية قوية ومادة رؤيوية، والثانية: مرحلة يهودية هيلينستية متأخرة تحمل أنواعاً أخرى من المواد. اما إم ساتو فيتصور ثلاث خطوات: “التنقيح أ” جمع مواد متعلقة بيوحنا المعمدان، “التنقيح ب” دمج المواد التي تتحدث عن البعثة، و”التنقيح ج” يتضمن بيانات إدانة إسرائيل وتعاليم الحكمة.

نظراً لتنوع مواده، فإنه من المرجح حقاً أن يكون الوثيقة Q تشكل على مراحل. ربما بكون قد بدأ بتجميع مواد الوعظ التي كانت متشابهة في الشكل والمضمون. وبعد ذلك، في الوقت الذي تواصلت فيه الإرسالية التبشيرية إلى إسرائيل، أدت المعارضة والفشل في نهاية المطاف إلى إدراج مواد تعليمية أخرى متنوعة تؤكد على إدانة إسرائيل والالتفات إلى الوثنيين. فماذا تكون أنواع المواد المضافة عندما يصعب التكهن بذلك؟

يقترح كلوبنبورغ أن عناصر الحكمة التي جاءت أولاً والعناصر الرؤيوية كان لهما التأثير في أمريكا الشمالية، لاسيما مع بيرتون ماك، وجون دومينيك كروسان، وأعضاء آخرين في منتدى يسوع، حيث يقولون بأن يسوع التاريخي كان معلم الحكمة. لكن كما يشير المخطط المختصر أعلاه، اقترح آخرون أن المادة المتعلقة بسفر الرؤيا جاءت أولاً ومن ثم جاءت مادة الحكمة. وربما يكون من الخطأ استنتاج فارق ثابت بين المادة الروحية والرؤيوية والحكمة في أدب مؤثر مثل أدب دانيال.

هناك بعض المقاطع في الوثيقة Q تجعل من الصعب تحديد حكمتها والعناصر الرؤيوية لمختلف مراحل تكوينها. على سبيل المثال، أظهرت “أديلا يا ربرو كولينز أن أقوال “ابن الإنسان” الأخروية تتكرر في كل طبقة من طبقات الوثيقة Q وفقاً لتصنيف الأبحاث الأخيرة. وقد صادق هيلموت كوستر مؤخراً على استنتاجاتها المتعلقة بالإيمان بالآخرة في الوثيقة Q. وينطبق الشيء نفسه على المقاطع الأخرى.

في إنجيل لوقا (31:11-32)، ستكون ملكة الجنوب التي جاءت “من أقاصي الأرض للاستماع إلى حكمة سليمان” شاهدةً مع شعب نينوى في الحكم. في لوقا (49:11) ترسل “حكمة الله” الأنبياء والرس الذين سيتعرضون للاضطهاد “وبذلك يطلب من هذا الجيل دم جميع الأنبياء المهرق” منذ إنشاء العالم.

في لوقا 4:12-7 يُعطى الصمود في وجه الاضطهاد مبدأ أخروياً (الآيات 4-5: خافوا من الذي بعدما يقتل، له سلطان أن يلقي في جهنم ومن ثم يُعطى مبدأ حكمة) و(الآيات 6-7 الله: يكترث للعصافير، وأنتم أفضل من عصافير كثيرة، فلا تخافوا). تشير مثل هذه النصوص إلى أن الحكمة والمواد الأخروية قد تكون موجودة في الوثيقة Q في مختلف مراحل تكوينه.

إن الوقت والطريقة اللذين دخلت فيهما المادة إلى الوثيقة Q هما أيضاً موضع خلاف. هل كانت عناصر السرد موجودة في البداية، أم أنه تم إضافتها في وقت لاحق في الوقت الذي كانت فيه الوثيقة Q في طريقها لتصبح إنجيلاً قبل أن يتم دمجه في متى ولوقا؟ وهل كان عبارة عن مادة لاحقة تم تلفيقها بكل صراحة؟ يلمح بعض الباحثين أو يصرحون علناً أن واضعي الوثيقة Q هم الذين قاموا بإنشاء الطبقات الأخيرة له وأن الطبقة الأولى فقط هي التي تدعي تمثيل تعاليم يسوع الأصلية.

وهنا يجب علينا أن نتذكر القول المأثور “التاريخ التقليدي ليس تاريخاً أدبياً.” فمن الممكن للحالة المتغيرة لمجتمع الوثيقة Q أن تؤدي بهم إلى تبني تعاليم مختلفة ليسوع كانت تسبح في بحر تقاليد الوثيقة Q الشفوية، البحر الذي طافت على سطحه وثيقة الوثيقة Q، ومن ثم أدت بهم إلى إدراج تلك التعاليم في الوثيقة Q مكتوبة.

يسأل الكثير من البحاثين فيما إذا كان باستطاعتنا الربط بين طبقات الوثيقة Q الأدبية وبين التاريخ العام للمجموعة التي من الواضح أنها أنتجته. على الرغم من ذلك، ما يزال ممكناً السؤال عن نوعية المجتمع الذي يعكسه الوثيقة Q ككل. فقد أولي الكثير من الاهتمام لدعاة الوثيقة Q المتجولين، لاسيما دورهم في استخدام وتطوير تقاليد يسوع. وتبدو مقاطع مثل: (لوقا 57:9-12:10، 22:12-31، 33-34، 51-53) أنها تعكس نمط حياة الدعاة الذين تم إرسالهم لتوسيع كهنوت يسوع.

فقد تركوا أسرهم وأصبحوا بلا مأوى، وقد ذاقوا طعم الفقر واعتمدوا على كرم الشعب الذي يعملون بينه من أجل عيشهم الزهيد، وتنقلوا من بلدة إلى أخرى يدعون قبل مجيء ابن الإنسان في نهاية الزمان. فهم يعيشون ويبلغون رسالة يسوع: “طوباكم أيها المساكين، لأن لكم ملكوت الله.” (لوقا 20:6)، كما يبدو أن وصف أتباع يسوع المتجولين الوارد في الوثيقة Q يشير إلى أنهم يصنعون المعجزات. ومع ذلك، هذا لا يحدث إلا مرة واحدة (لوقا 9:10)، الأمر الذي قد يشرح سبب الذكر البسيط للمعجزات في الوثيقة Q نفسه.

إلى جانب نمط حياة المتجولين هذا، تقدم الوثيقة Q رغم ذلك مجتمعاً مستقراً من المؤمنين يعيشون نمط حياة مختلف. “أقيموا في ذلك البيت… لا تنتقلوا من بيت إلى آخر.” (لوقا 7:10)، في حين يتحدث إلى المتجولين، يضع بعض القيمة لحياة الاستقرار. وفي المنع الصارم للطلاق من جانب يسوع، يتم التمسك بالزواج بصفته مشيئة الله المستمرة (لوقا 18:16). وتُظهر القدرة على توفير السخاء الذي يبدو عبارة عن دعم مادي غير منقطع للأخرين (لوقا 30:6) تُظهر أن ليس كل أفراد مجتمع الوثيقة Q قاموا بالتبرع بكل ما يملكون.

كما تُظهر الضرورة المستمرة للاختيار بين الله والثورة (لوقا 13:16) مجتمعاً يتمتع بما يكفي من الثروة التي يغريه بها الأغنياء. وتُظهر قصص الوثيقة Q الرمزية على وجه الخصوص، وإن لم تكن تقدم تعاليم تخص الممتلكات بصورة مباشرة، وتُظهر موقفاً أكثر إيجابية لحياة الاسقرار من خلال طرق معينة: الله هو بمثابة رب البيت (25:13-30)، الله يعطي مأدبة غنية (16:14)، الله هو بمثابة رجل يملك مائة من الغنم ويهتم بواحدة (4:15-7)، والله يعطي لشعبه مواهب غنية متوقعاً منهم مضاعفتها (12:19-27).

لا يمكن لمجتمع مؤلف من متجولين فقراء ينظرون إلى الممتلكات على أنها شر تصور هذا الرأي الإيجابي الضمني لحياة الاستقرار وبعض الثروة. فقد دخل الانحلال الروحي والنفاق في المجتمع، لأن بإمكان بعض الناس مناداة يسوع ب “الرب” ولا ينفذون أوامره (لوقا 46:6-49). ويمكم لمؤمنين مستقرين التأمل في هذا الوضع أكثر من أولئك المبشرين المتجولين الروحانيين.

وهناك معنى لوجود كل من الدعاة المتجولين والمجتمعات المستقرة في مجتمع الوثيقة Q الكبير: ينجح المبشرون بدعوة الناس، وإذا انضم هؤلاء المتجولون إليهم في مهمتهم، فإن المجتمعات المستقرة للمؤمنين ستتطور بعد فترة وجيزة. ربما تدعم أو تطعن أنماط الحياة الراديكالية والتقليدية في مجتمع الوثيقة Q ببعضها بعضاً، السيناريو الذي لا يختلف عن ذلك المعروف في العهد الجديد وفي تاريخ الكنيسة اللاحق عندما كان المبشرون المتجولون والكنائس المستقرة يتمتعون بعلاقة خلاقة لكن متوترة.

كيف تصور الوثيقة Q يسوع؟

في حين أن يسوع يظهر بصورة المعلم بكل وضوح، إلا أنه يعتبر أكثر من ذلك. إن يسوع بتعاليمه هو وكيل الله للخلاص، وبذلك يقرّب ملكوت الله بالقدر الذي يكفي ليستجيب الشعب له. “ولكن إن كنت بإصبع الله أخرج الشياطين، فقد أقبل عليكم ملكوت الله.” (لوقا 20:11). يظهر يسوع في افتتاحية الوثيقة Q على أنه “استيفاء الأنبياء وفي شخصه وكلامه البيان الحقيقي للناموس.” فهو ابن الإنسان (لوقا 19:8-22، 16:11-19) وأبن الآب (لوقا 25:11-27). وهو المبعوث الأخير لحكمة الله (لوقا 35:7). وبصورة تثير الدهشة، لا يدعو الوثيقة Q يسوع بالمسيح، إلا أن مسيحانية يسوع تقر بيسوع على أنه المسيح بكل شيء باستثناء الاسم.

وتحدد استجابة شخص ما على شخص يسوع وتعاليمه علاقته بالله في هذا العالم ومكانته في ملكوت الله في العالم الآخر (لوقا 8:12-9). والحيادية بالنسبة ليسوع مستحيلة (لوقا 23:11). فقد انكشف وقت الخلاص بظهور يسوع، وهؤلاء الذين يسمعونه ويطيعونه مباركون. وهؤلاء الذين ينكرون يسوع سيحاكمهم الله، وإن التحذيرات من الفرار من الحكم النهائي باللجوء إلى الله وفيرة في الوثيقة Q. وتترافق المعجزات مع تعاليم يسوع الموثوقة. على الرغم من أن الوثيقة Q لا يذكر سوى معجزة واحدة، ألا أنه يوضح أن علميات الشفاء كانت من سمات كهنوت يسوع كله.

“إن العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشرون.” (لوقا 22:7). كما يرسل يسوع تلاميذه ليذيعون عرض الخلاص هذا وقُرب ملكوت الله (لوقا 5:10-6، 9، 11). وهم ربما ضمناً كيسوع، “مثل الغنم بين الذئاب” وسيعانون من اضطهاد اليهود الذين لا يؤمنون (لوقا 3:10، 22:6-23). ومع ذلك، يتوجب عليهم حمل الصليب واتباع يسوع (14:27) ويقابلون الاضطهاد بالحب. إن يسوع في حياته الدنيوية مرتبط بيسوع الممجد الذي سيعود كابن الإنسان.

إقرأ أيضاً:

([1])  يقال إن الرمز الوثيقة Q (َQ) مشتق من الكلمة الألمانية: “Quelleالمصدر“، لكن هذا ليس أكيداً على الإطلاق. انظر جون ج. سميث، البحث عن أصل الرمز (Q)، دورية الأدب الإنجيلي، 100 (1981) 609-611.

 

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

Exit mobile version