المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

المسيح – كيف عرفنا يسوع – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

كيف عرفنا يسوع – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

 

ما هي الأناجيل

في البابين الأولين من هذا الكتاب، ذكرنا الكثير عن حياة المسيح وتعليمه، ولكننا لم نتحدث إلا القليل جداً عن الكيفية التي عرفنا بها يسوع المسيح. ومن الطبيعي أن الصورة التي تخيلناها عنه قامت على أجزاء العهد الجديد التي تحدثت عن حياته وعمله، وهي الأسفار الأربعة التي نطلق عليها “الأناجيل” والتي ترتبط عادة بأسماء: “متى ومرقص، ولوقا، ويوحنا.

إلا أنه يتعين أن يكون واضحاً الآن أنه في فهمنا للأناجيل قمنا بعمل عدة افتراضات، وبشكل أو بآخر، تخيلنا صورة يسوع المسيح التي قدمت هنا. وعلى سبيل المثال، افترضنا أن الأناجيل ليست سيراً ذاتية للمسيح، بقدر ما هي عرض لمختارات من نواحي حياته وتعليمه التي بدت ذات أهمية بالغة لأولئك الذين كتبوها لأول مرة. وعلاوة على ذلك، افترضنا أن هناك الكثير من التداخل والتكرار في الروايات العديدة لحياة يسوع، ولذلك ربما يستخدم إنجيل لتوضيح أو تفسير التعليم الذي ورد في إنجيل آخر.

ثم لمحنا أيضاً إلى أنه من الممكن في الواقع معرفة شيء عن يسوع المسيح من دراسة الأناجيل، وأنه على الرغم من أنها فعلاً من نتاج الكنيسة الأولى، إلا أنها لا تحدثنا عن كاتبيها فقط، بل عن يسوع المسيح نفسه.

وقد حان الوقت الآن لدراسة بعض هذه الافتراضات، بشيء أكثر تفصيلاً لشرح الأسباب التي دفعتنا على افتراضها، ولاستكشاف تداعياتها.

ما هو الإنجيل؟

لماذا ندرس الانجيل

القارئ الحديث الذي يرى أحد الأناجيل لأول مرة قد يعتقد أنه يشبه إلى حد كبير سيرة ذاتية للمسيح. إلا أن لمحة خاطفة لأي منها، ستبين أن الأمر ليس كذلك. فالسيرة الذاتية الجيدة تبدأ عادة برواية عن سنوات طفولة الشخصية التي تتناولها، ثم تعرض بالتوالي إلى مرحلة المراهقة ثم البلوغ، كي تبين كيف نما الشخص الناضج استجابة للتأثيرات المختلفة في بداية حياته والبيئة التي نشأ فيها.

وعلى النقيض من ذلك، نرى أن التأكيد الرئيسي في الأناجيل لا ينصب على مجرى حياة يسوع المسيح، بل على أحداث الأسبوع الأخير منها على وجه التقريب. وهذه سبقتها تقارير عن تعليم يسوع، ورواية عن بعض الأحداث القليلة ترجع إلى فترة الثلاث سنوات السابقة لوفاته، مع عدم أي ذكر في الواقع لطفولته وفترة مراهقته. ولو كانت هذه سيرة ذاته، فإنها لا ريب سيرة ذاتية غير عادية.

وبمقدورنا وبمنتهى السهولة أن نعرف حقيقة الأمر بالرجوع إلى الأناجيل ذاتها. وعوض أن نحاول تصنيفها كما يفعل أي أمين مكتبة الآن، علينا أن نسأل، ماذا اعتقد كاتبوها بخصوص ما يفعلون وهم يكتبونها؟ لنأخذ على سبيل المثال إنجيل مرقص، وهو الإنجيل الذي يعتقد بوجه عام أنه أقدم الأناجيل الأربعة. والكتاب يصف عمله في العبارة الافتتاحية على أنه “بدء إنجيل يسوع المسيح”[1].

وهذا القول يأتي كعنوان أو مقدمة لما سيتبعه، ونجد هنا كلمتين هامتين لفهم الغرض من هذا الإنجيل، والكلمتان هما: “بدء” و”إنجيل”. وكلمة “إنجيل” هي ببساطة ترجمة لكلمة مرقص اليونانية “Evangilion” وقد اختيرت أساساً لأن للكلمتين معنى واحد هو: “أخبار سارة”. إذاً، فقد كان مرقص يكتب عن “بدء الأخبار السارة”.

وماذا يعني هذا؟ لقد سمع مرقص وكتبة الأناجيل الأخرى “الأخبار السارة” عن يسوع المسيح [2]. ولقد تقبلوا مصداقيتها واعترفوا بالمسيح كسيد لحياتهم[3]. ومرقص نفسه أصبح بناء على ذلك منخرطاً بشكل عميق في عمل الكنيسة، وتضمن جزءًا هاماً من عمله كلاً من الكرازة وتعليم الرسالة مما غير مجرى حياته هو شخصياً[4].

والكرازة والتعليم المشار إليهما سجلا في العهد الجديد، وفي صيغته الأساسية الخالصة يتكون من أقوال لخصها “دود” في تعريفه في كتابه “الكرازة الأولى”.

وبالنسبة لمرقص ومعاصريه لم تكن هذه الرسالة مجرد ذكر للحقائق المتعلقة بالإيمان المسيحي، بل كانت بمعنى أهم “الأخبار السارة” لإيمانهم، لأنهم فيما قبلوا دعوتها للتوبة وجودها اختبار تغيير حياة.

ولذلك حين وصف مرقص إنجيله بأنه “بدء الأخبار السارة” فهو بهذا كان يقول إن هدفه هو أن يصف المرحلة الأولى من تطور الرسالة التي استجاب لها هو وآخرون. والقصة التي يرويها تشكل جزءًا هاماً لا يتجزأ من قصتهم واختبارهم كمسيحيين، وكان للوقا غرض مماثل: فهو يكتب ليعرف قراءه المضامين الكاملة للرسالة المسيحية التي كثيراً ما سمعوا عنها[5]. والواقع أن لوقا شعر أنه من الواجب عليه أن يؤكد استمرارية حياة الكنيسة بحياة المسيح، وذلك بكتابة سفر آخر (سفر أعمال الرسل) ليجعل القصة كاملة تماماً.

وحين نطلق على كتبة الأناجيل لقب “إنجيليين” فإننا بذلك نصف قصدهم الحقيقي. لأنهم كانوا مهتمين بالدرجة الأولى بأن يوصلوا رسالتهم عن يسوع المسيح إلى معاصريهم، ثم بعد ذلك – بصفة ثانوية – يتناولون الاهتمامات العادية لكاتب السيرة، ولو أنهم لم يهتموا بهذه النقطة الأخيرة. وهذه الحقيقة لها على الأقل ثلاث نتائج هامة لفهمنا للأناجيل التي كتبوها:

يجب النظر إلى الأناجيل على اعتبار أنها تتضمن أقوالاً أو أحداثاً انتقائية تتعلق بحياة يسوع المسيح وتعليمه. وفي كرازتهم للرسالة لا ريب أن الرسل وآخرين تحدثوا عن أحداث من حياة المسيح بنفس الطريقة التي قد يستخدم بها الكارز الحديث توضيحات ملائمة لتفسير نفس النقاط اللاهوتية التي يعرض لها.

ولا ريب أن مرقص والإنجيليين الآخرين كانوا قد سمعوا عن هذه الأحداث التي استعملت لتوضيح كثير من المواعظ، وضمنوها أناجيلهم لأغراض مماثلة وبشكل أوسع. والواقع أن “بابياس Papias” وهو أباء الكنيسة الأولى زعم أن إنجيل مرقص يتكون من مادة استخلصت من كرازة بطرس نفسه.

وحقيقة أن المعلومات التي تتضمنتها الأناجيل التي استعملت أولاً لتوضيح رسالة الكنيسة تفسر لنا أيضاً بعض الصعاب التي كثيراً ما نستشعرها عما يبدو لنا من عدم اكتمال بعض روايات الإنجيل. وإذا جمعنا بين الأناجيل الأربعة معاً فبالكاد تحوي المعلومات الكافية لتسجيل ثلاث سنوات من حياة أي شخص، فما بال أن يكون هذه الشخص نشيطاً كالمسيح، إلا أنه إذا ما عرفنا أن المعلومات المتوافرة لنا قد حفظت بسبب ارتباطها بحياة أولى الكنائس، سنفهم بسهولة السبب في أن الكثير مما كنا نود معرفته قد ترك دون تدوين.

وهذا يفسر لنا السبب في أننا لا نجد أي ذكر في العهد الجديد لطفولة يسوع المسيح المبكرة، بل ولا أية أوصاف بالنسبة لشبهه أو من أية نوعية من الأشخاص كان. ولو كان الإنجيليون يكتبون لمجرد إشباع فضول الناس ورغبتهم في معرفة كل شيء عن يسوع المسيح، لضمنوا أناجيلهم هذه النوعية من المعلومات. ولكن هذا لم يكن قصدهم، لأنهم كانوا مهتمين بصفة أساسية بربح الناس للإيمان بربهم وسيدهم، ولهذا السبب لم تكن مثل هذه التفاصيل تهمهم من هذه الناحية.

إذا كانت الأناجيل توضيحات للكرازة الرسولية، فهذا معناه أن ليس بوسعنا النظر إلى محتوياتها على اعتبار أنها قصص بسيطة عن يسوع المسيح. فلا بد وأن يكون لها صلة وثيقة بالفكر اللاهوتي لكتاب الإنجيل. وقد جاء وقت انتشرت فيه فكرة افتراض أنه من الممكن أن نستخلص من الإنجيل صورة لمعلم جليلي بسيط، غيرها بولس وآخرون في وقت لاحق إلى رسالة لاهوتية عن ابن الله.

إلا أنه أصبح من المعروف الآن، وعلى نطاق واسع أن الأناجيل نفسها هي بذاتها من بين أكثر الوثائق اللاهوتية الهامة للكنيسة الأولى، وأن الحقيقة هي أنها ليس بوسعنا إطلاقاً اكتشاف صورة للمسيح كمعلم بسيط من الجليل. وبقدر ما استطعنا الرجوع إلى المصادر القديمة، فإن يسوع المسيح الذي وجدناه على صفحات العهد الجديد هو دائماً شخص يزعم لنفسه أموراً عظيمة، ويدلي بأقوال محددة عن علاقة الإنسان بالله. وكل تعاليمه، وكل حدث سجلته الأناجيل يتضمن بصفة خاصة شيئاً لاهوتياً يريد قوله لنا.

ç وكما سبق لنا القول، فإنه إذا كان كتبة الأناجيل قد اختاروا مادة للكتابة ليخدموا أهدافهم الشخصية، فمعنى هذا أنه قد يكون بوسعنا اكتشاف شيء عنهم وعن قرائهم بمقارنة اختيار كل منهم للمعلومات المتعقلة بالمسيح واستخدامه لها. وبالنسبة للأناجيل الثلاثة الأولى بمقدرونا عمل ذلك بكل يسر، لأنها على وجه التقريب تروي لنا نفس القصة وبنفس الترتيب، وكل منها يكرر أجزاء كبيرة من المادة التي نجدها في الأناجيل الأخرى.

وبمقارنة الطرق المختلفة التي استخدم بها كل من متى ومرقص ولوقا أعمال يسوع المسيح وتعليمه في رواياتهم، يمكننا بسهولة أن نعرف شيئاً عنهم والوضع الذي عاشوا وعملوا فيه.

وعلى هذا، فإنه لكي نفهم الأناجيل فهماً تاماً فإن ذلك يشكل عملية معقدة. فنحن نحتاج إلى معرفة السبب في أن الإنجيليين كتبوا بالطريقة التي كتبوا بها، ومتى كان ذلك. فإننا سنحتاج إلى محاولة فهم الطريقة التي جمعوا بها مادتهم، ولماذا استخدموها بطريقة معينة دون أخرى. كما أننا علينا أن نتذكر وبصفة دائمة أن أناجيلهم لم تكتب إلا بقصد المهمة الكرازية للكنيسة: وهي لم تكتب كسيرة ذاتية أو تاريخ، أو حتى كمادة لاهوتية بالمعنى المألوف.

الكرازة والكتابة

هناك سؤال واضح يمكن طرحه فيما يختص بالأناجيل وهو: من أين استقى كُتاب الأناجيل معلوماتهم، وما الذي عملوه بها؟ وللوهلة الأولى قد يبدو هذا سؤالاً خارجاً إلى حد ما عن الموضوع، أو نوعاً من تسلق قمة جبل إفرست بالنسبة للاهوتي، يجب عليه قهرها لا لشيء سوى أنها موجودة. لكنه سؤال مفيد يؤدي إلى فهم مقنع لطبيعة الأناجيل. فتتبع مصادر كاتب ما وفحص أسلوبه في استخدامها يمكن أن يشكل جزءًا هاماً لفهم ما يقوله.

فإذا كنا نعرف ما يعلمه، فبإمكاننا أن نفهم وبوضوح أكثر، ما الذي يهدف إليه. وإذا أسأنا فهم طريقته، فمن المحتمل تماماً أننا سنفشل في فهم رسالته الأساسية.

وبالنظر إلى أنه من المؤكد أن الأناجيل قد كتبت في سياق كرازة الكنيسة الأولى، فلنا أن نتوقع وجود بعض إلماحات إلى أصلها، وذلك بفحص رسالة الكنيسة. وهذا ما يتضمن بالضرورة ثلاثة موضوعات رئيسية، أولاً: الإنجيل المسيحي مرتبط بالمواعيد المذكورة في العهد القديم. ثانياً: سلسلة من الأقوال عن يسوع المسيح وأهميته. وأخيراً: كانت هناك دعوة للناس أن يتوبوا أو يقبلوا الرسالة.

نصوص العهد القديم

بدأت الرسالة بالقول إن المواعيد التي تضمنها العهد القديم قد تحققت في حياة يسوع المسيح. وفي ملخصات العهد الجديد لهذه الكرازة، كثيراً ما يقدم هذا القول بطريقة عامة إلى حد ما. إلا أنه في مواقف الحياة الواقعية لا بد وأنه كان إعلاناً جاء أكثر وضوحاً. فأي شخص ملم بالعهد القديم لن يقتنع إلا بعد أن يعرف تماماً ما هي النبوات التي كان من المفترض أن تتم بالمسيح. ونعرف من دليل آخر من بين الأعمال المفضلة لدى اليهود هي جمع قوائم لفقرات العهد القديم التي سيتممها المسيا حين يأتي.

وعلى سبيل المثال نجد أن أهل قمران كانوا يحتفظون بمثل هذه القوائم، وهكذا فعلت جماعات يهودية أخرى. وهذه القوائم يشير إليها العلماء عادة بكلمة “شهادات”.

وهناك عدد من الإشارات في العهد الجديد بأن قوائم النصوص هذه كان المسيحيون يستعملونها بشكل منتظم منذ البداية. فنجد في إنجيلي متى ويوحنا كثيراً من نصوص العهد القديم قد ذكرت للاستشهاد بها، مع إشارة إلى أنها تحققت في حدث معين في حياة يسوع المسيح. ومع ذلك ومما هو لافت للنظر أنهما بالكاد يستعملان نفس الفقرات. ولعل ذلك يرجع إلى أنهما كانا يستعملان مجموعات مختلفة من الشهادات.

كذلك في بعض رسائل بولس، نجد أيضاً نصوصاً من العهد القديم جمعت معاً في فقرات متصلة فيما يبدو أنها جاءت عشوائية، ومن المعقول أن نعتقد أن بولس وجدها أساساً وهي مجمعة معاً تحت نفس العنوان في مجموعة نصوص العهد القديم الخاص به. ولعل جمع هذه النصوص من العهد القديم كان من أوائل النشاط الأدبي للكنيسة المسيحية. فقد كانت من أجل تسهيل عمل الكارزين المسيحين، حتى يكون بمقدورهم أن يستشهدوا بنماذج معينة منها لدعم أقوالهم بأن يسوع المسيح أكمل مواعيد العهد القديم الخاصة بالمسيا.

 

كلمات يسوع

إن العنصر الرئيسي في الكرازة Kyrgma هو سلسلة الأقوال التي ذكرت عن يسوع المسيح نفسه. ومن المؤكد أنه في الأيام الأولى من وجود الكنيسة لم يكن من المستطاع إعلان الرسالة إلا بإشارة عابرة إلى حياة المسيح وتعليمه. ذلك أن معظم المسيحيين كانوا أصلاً من اليهود، وكانت الكنيسة لا تزال شيعة محلية فلسطينية، ولا بد أن كثيرين في فلسطين قد عرفوا شيئاً عن المسيح، مهما كان قليلاً.

إلا أنه لم يمر وقت طويل إلا وكان المرسلون المسيحيون ينتشرون في أماكن خارج فلسطين، حاملين تعليمهم إلى أجزاء الإمبراطورية الرومانية حيث لم يكن أحد يعرف شيئاً عن يسوع. ولا بد أنه كان من الضروري في هذه المرحلة، بالنسبة للكارزين بالأخبار السارة أن يضمنوا رسالتهم بعض المعلومات الحقيقية عن يسوع المسيح نفسه، حتى وإن اقتصرت على أحداث موته وقيامته.

وما أن يصبح الناس مسيحيين إلى ويحتاجون إلى تعليم بخصوص إيمانهم الجديد. وهذا التعليم يتضمن معلومات عن المعتقدات المسيحية، وكذلك نصيحة عن السلوك المسيحي من النوعية التي كثيراً ما نجدها في رسائل العهد الجديد. ومن مصادر هذا التعليم الواضحة والهامة لا بد وأن تكون الأقوال التي يذكرون أن يسوع المسيح نفسه قالها. وليس من الضروري أن تقدم هذه كمعلومات عن يسوع، وهذا ما نستطيع معرفته من نصيحة بولس إلى أهل رومية (12-13). فالكثير مما يقوله قريب جداً من تعليم يسوع المسيح في العظة على الجبل حتى أنه من الصعب الاعتقاد أن الاثنين لم يستندا إلى نفس المصدر.

ومع ذلك لم يقل بولس مطلقاً إن نصيحته مستمدة من تعليم المسيح نفسه. وهناك أجزاء أخرى من كتابات بولس تبين أيضاً أن تقاليد تعاليم يسوع المسيح كانت معروفة لدى كنائس الأمميين الأولى[6]. لذلك فمن المحتمل جداً أنه قبل كتابة الأناجيل بصورتها الحالية بوقت طويل كانت أقوال يسوع المسيح قد جمعت معاً كدليل لإرشاد المعلمين في الكنيسة الأولى. ولا شك أنه كان هناك عدد من مجموعات تعليم يسوع المسيح هذه، عملت لأغراض ومناسبات مختلفة في حياة الكنيسة، والدارسون كثيراً من يطلقون على هذه المجموعات كلمة “Logia” أي أقوال السيد المسيح.

وعلاوة على الاعتبارات العامة السابق ذكرها، هناك العديد من المبررات الأساسية الهامة للاعتقاد بأن هذه كانت من أول أنماط الكتابة المسيحية عن يسوع المسيح.

ç ونعرف أنه كانت توجد مجموعات لاحقة من هذه النوعية، حتى بعد كتابة أناجيل العهد الجديد بفترة طويلة. وهناك عدد من قصاصات البرديات التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث الميلادي، والتي وجدت في البهنسا في مصر، تحتوي على أقوال للمسيح، بعضها مختلف عن تلك الموجودة في الأناجيل.

وقد وجد كتاب كامل لمثل هذه الأقوال مكتوب باللغة القبطية تم العثور عليه في مصر. وقد عرف باسم “إنجيل توما”. وهو يحتوي على أقوال للمسيح ليست موجودة في العهد الجديد، ومع ذلك قد تكون حقيقية. ومع هذا وسواء كانت حقيقية أم لا، فإن هذه الوثائق لا تظهر بوضوح تام أنه كان من عادة الكنيسة الأولى أن تعمل هذه المجموعات الخاصة بأقوال السيد المسيح.

ç وفي الفترة 130-140م، كتب بابياس أسقف هيرابوليس، Papias the bishop of Hierapolis كتاب “شرح أقوال الرب” من خمسة أجزاء. ومع أن معظم هذا الكتاب مفقود الآن، إلا أنه لدينا بالفعل قصاصات قليلة منه على شكل مقتبسات وردت في كتابات أناس آخرين. وإذا كتب بابياس عن “متى قال إنه جمع أقوال المسيح “Logia” باللغة العبرية، وكل واحد فسرها بحسب ما استطاع. والمقصود بهذا القول على وجه الدقة أمر غير مؤكد، لكن معظم الباحثين يعتقدون أن اللوجيا “أقوال يسوع المسيح ” التي يشير إليها هي مجموعة من أقوال المسيح وليست السفر الذي نعرفه باسم “إنجيل متى”.

ç تنظيم المادة في الأناجيل كثيراً ما تشير إلى أن أقوال يسوع المسيح جمعت معاً قبل أن توضع في سياقها الحالي. وهناك مجموعات كثيرة من الأقوال بينها الصلة ضعيفة، ولا تشكل أي حجة مترابطة منطقياً. على سبيل المثال الأقوال عن الملح في إنجيل مرقص، تبدو في الواقع مختلفة تماماً بعضها عن بعض، ولعلها جمعت معاً لمجرد أنها كلها تذكر الملح[7].

ç ثم أمامنا العظة على الجبل بكاملها[8]. ولو حاول أي شخص في أي عصر أن يكتشف حجة الموعظة سيدرك استحالة المهمة، لأنها لا تتضمن حجة مترابطة منطقية. وما لدينا هو مجموعة تعاليم للمسيح جمعت معاً لأنها كلها تتناول مجموعات أخلاقية. ولكنها لا تتواصل بنفس الطريقة التي يتوقع أن تكون عليها العظة الحديثة. وطبقاً لما يقوله بروفسور جيرمياس Jeremias، أن السبب في ذلك يرجع إلى أن العظة في الأصل كانت تشكل مجموعة من أقوال يسوع المسيح، نظمت على هذا النحو لكي تكون سهلة التناول بالنسبة للمنضمين حديثاً في الإيمان المسيحي.

ç وهناك سبب قوي لافتراض وجود مجموعات من أقوال يسوع المسيح في وقت مبكر من تاريخ الكنيسة، يتمثل في حقيقة أنه كان لدى متى ولوقا كمية كبيرة من المادة المشتركة بين إنجيل كل منهما، ولكنها لا توجد إطلاقاً في إنجيل مرقص[9]. وتكاد هذه المادة تتكون في جملتها من تعاليم يسوع، ولكنها تتضمن أيضاً قصة عماده[10]. كما تتضمن التجربة وقصة معجزة واحدة هي شفاء عبد قائد المئة[11]. والتفسير العام المقبول لهذه المادة المشتركة هو أن متى ولوقا، استعمل كلاهما نفس مجموعة أقوال يسوع وأدمجها كل منهما في إنجيله[12].

والمفسرون يطلقون على هذه الأقوال المصدر (َQ). وربما كانت وثيقة مكتوبة، أو ربما تكون مجموعة من التقاليد الشفهية. ومن المؤكد أن وجودها في شكل ما أمر حقيقي، ولا سيما أن محتوياته تشابه إلى حد كبير مجموعات الأقوال النبوية التي نجدها في العهد القديم. وإلى جانب كلمات النبي التي تجمع معاً ويقوم تلاميذه بتحريرها، فإن الأسفار النبوية كثيراً ما تتضمن أيضاً رواية عن دعوة النبي، وحدثاً أو اثنين من الأحداث البارزة في حياته.

وهذا هو بالضبط ما نجده في التقليد المسمى (Q). فنجد قصة معمودية المسيح وتجربته في البرية (اللتان يمكن القول إنهما بمثابة دعوته)، كما نجد توضيحاً لأكثر أنشطته النمطية: معجزة وشفاء. إلا أن التأكيد الرئيسي إنما يكون على تعليمه.

وبناء على الدليل الذي تم جمعه حتى الآن، بوسعنا الاستنتاج انه من بداية وجود الكنيسة كان اهتمامها الرئيسي منصباً على نوعيتين من الكتابة هما: الشهادة Testimonia وأقوال يسوع المسيح Logia. ولعلهم أيضاً كان لديهم مخطط مشترك متفق عليه بالنسبة لمجرة حياة المسيح وتعليمه. إلا أنه قبل وقت طويل بدأت تبرز الحاجة إلى ضرورة جمع كل هذه المادة معاً في صورة تقبل الاستمراربة بشكل أكثر. وهذه العملية لم تتم بالطبع بين عشية وضحاها.

والواقع أنها ربما لم تكن في الحقيقة منفصلة على الإطلاق، بل كانت مجرد توسع وإكمال للعمل الذي سبق أن بدأ بعمل مجموعات من “الشهادة” و”أقوال يسوع”. غير أن المحصلة النهائية تمثلت في الوثائق الأربع التي نعرفها الآن بأسماء: إنجيل متى وإنجيل مرقص، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا.

وضع الأناجيل معاً

الأناجيل الثلاثة الأولى تسمى “المتشابهة Synoptics” لأنها تتشابه إلى حد كبير، والطريقة ذاتها التي حول الكتبة بها “أقوال يسوع” إلى أناجيل هي أساس مشكلة التشابه Synoptic Problem”.

وهذه الأناجيل في الواقع ما هي إلا ثلاث طبعات مختلفة لنفس المادة الأساسية تقريباً. وكثير من هذه التشابهات يمكن بالطبع تفسيره بافتراض أن هؤلاء الإنجيلين كانوا يستعملون نفس مجموعة الأقوال التي كانت متداولة بين مجموعة مختلفة من المسيحيين. ولكن التشابهات أكثر من ذلك تعقيداً، لأنه توجد أمثلة كثيرة جداً، حيث استعملت الأناجيل الثلاثة نفس اللغة بعينها من حيث المفردات اللغوية والتركيبات النحوية، الأمر الذي حمل معظم الباحثين على الاعتقاد بأنه لا بد وأنهم كانوا يستعملون نفس المصادر المكتوبة.

أما التفسير الذي قيل بوجه عام فيما يتعلق بهذه التشابهات فيتمثل في “نظرية المصدرين” والتي تفترض أن متى ولوقا استخدما نفس وثائق المصدرين في كتابة قصتيهما عن حياة يسوع المسيح وتعليمه. وكانت هذه هي المصادر التي نعرفها الآن بإنجيل مرقص والمصدر المفترض (Q). ومن المؤكد بالطبع، أن لوقا على الأٌقل استخدم مصادر متنوعة في كتابة إنجيله، ذلك لأنه يقول صراحة إنه فحص عمل أناس آخرين، واختار منها تلك الأجزاء التي كانت تناسب هدفه من الكتابة. وعلى ضوء العلاقات الأدبية الوثيقة بإنجيلي مرقص ولوقا، يبدو أن متى استخدم نفس الأسلوب في كتابة إنجيله.

وإذ توصل الباحثون إلى استنتاج أن متى ولوقا استخدما إنجيل مرقص كمصدر لهما، فقد حللوا نص الأناجيل الثلاثة المتشابهة مستخدمين على الأقل خمس معايير مختلفة:

ç الصياغة: مقارنة الكلمات المستخدمة في نصوص مختلفة تعد طريقة بسيطة جداً لتحديد العلاقة الأدبية بينها. وأكثر من نصف المفردات اللغوية المستخدمة فعلاً في إنجيل مرقص، نجدها متضمنة في إنجيلي متى ولوقا، وكلاهما يحتويان على أجزاء متطابقة لا نجدها في إنجيل مرقص. ولذا فإنه من الواضح أنه كان هناك مصدر واحد معروف لهم جميعاً، كما أن هناك مصدر واحد استخدمه متى ولوقا فقط.

ç الترتيب: إذا اتفقت ترتيب أحداث في قصة موجودة في أكثر من إنجيل واتفقت الأجزاء التي بها نفس الصياغة، نستطيع أن نخطو خطوة إلى الأمام ونفترض وجود مصدر مشترك اتبع ترتيبه واستخدمت كلماته بواسطة الإنجيليين الثلاثة جميعاً. وهنا أيضاً يوجد دليل كاف على هذا. فإن متى ومرقص ولوقا اتبعوا كلهم نفس الترتيب العام للأحداث. فهم يبدأون بخدمة يوحنا المعمدان، ثم ينتقلون إلى الحديث عن معمودية المسيح وتجربته في البرية.

بعد هذا تأتي خدمة عمل المعجزات والتعليم في الجليل، والتي بدأت تثير مقاومة من الرؤساء اليهود. ثم يقوم المسيح برحلات صوب الشمال ليعطي تعليماً لتلاميذه على انفراد. وأخيراً يتوجهون إلى أورشليم، ونجد قصة أيامه الأخيرة هناك، محاكمته، صلبه، ثم قيامته.

وفي هذا الإطار العام، هناك أحداث معينة سجلت أيضاً في كثير من الأحيان بنفس الترتيب.

وسمة الأناجيل المتشابهة هذه، تتضح على أفضل نحو إذا افترضنا أن إنجيلي متى ولوقا كانا يستخدمان إنجيل مرقص، كمصدر لهما وليس العكس. لأنه مما يلفت النظر أنه حين يخرج متى عن نهج نظام مرقص، نجد أن لوقا يحتفظ بنفس ترتيب مرقص، وحين يخرج لوقا عن نظام مرقص، نجد أن متى يتبع نهج مرقص. وهناك حدث واحد يضعه كل منهما بنظام يختلف عن ترتيب مرقص وهو: تعيين الاثني عشر[13].

فأحياناً يتخلى متى أو لوقا عن نمط قصة مرقص كي يضيف شيئاً جديداً[14]، غير أنهما بعد هذه الإضافة يعودان إلى النقطة التي في إنجيل مرقص، والتي كانا قد توقفا عندها[15]. وهذه من أقوى الدعامات التي تدعم الاعتقاد أن متى ولوقا استخدما إنجيل مرقص وليس العكس.

ç المحتويات: تحليل محتويات القصص كشف أيضاً عن استخدام مصادر مختلفة. فإذا سجل أحد الكتبة نفس القصة بنفس الكلمات والترتيب الذي استخدمهما كاتب آخر، فإنه يكون بوسعنا افتراض إما أن أحدهما استخدم عمل الآخر، وهذا ما حدث بالنسبة للأناجيل المتشابهة، فمن بين 661 آية الموجودة في إنجيل مرقص، نجد في متى منها 606 آيات بنفس صيغتها، ونصفها أيضاً نجده في إنجيل لوقا.

ç الأسلوب: هذا معيار صعب جداً من ناحية استعماله بطريقة مرئية، فأسلوب الكاتب يمكن أن يعتمد على أمور كثيرة، ومنها الوضع الذي يكتب أثناءه، والقراء الذين يقصدهم، وما إذا كان يستخدم سكرتيراً أم لا، وهكذا.

ومن المؤكد أن هناك اختلافات بارزة في الأسلوب بين مرقص والإنجيلين المتشابهين الآخرين. وإنجيل مرقص، على وجه العموم، كتب بلغة يونانية أقل مستوى من اللغة التي كتب بها الإنجيلان الآخران. على سبيل المثال، تراه كثيراً ما يصف الأحداث بالفعل المضارع التاريخي (يستخدم الفعل الحاضر للحديث عن شيء وقع في الماضي). ومع ذلك نجد أن متى ولوقا يستخدمان دائماً الفعل الماضي، وهذه بالطبع هي الصيغة الأدبية الصحيحة.

وكثيراً ما ثار الجدل بأن هذا الاختلاف يبين أن متى ولوقا كانا يستخدمان إنجيل مرقص – وليس العكس – وهي حقيقة مؤكدة أنه إذا كان مرقص قد اطلع على إنجيلي متى ولوقا لكان يعد أمراً شاذاً للغاية أن يقوم بتغير قواعد النحو الجيدة بأخرى رديئة.

ولكن هذه الحجة تعتمد على افتراض أن الإنجيليين استخدموا مصادرهم بطريقة خرقاء، حيث كانوا ببساطة ينقلون النص كلمة كلمة. غير أنه ليس هناك باحثون كثيرون ممن يتبعون مصدراً بحذافيره بحيث يسمحوا لأسلوبه بأن يعتم على أسلوبهم. وإذا كان مرقص ضعيف الكتابة باليونانية، فإن قواعد لغته المستعملة ستكون رديئة سواء كان ينقل عن مصدر آخر أم لا.

ولسوف نكون على صواب حقاً حين نلاحظ أنه في ثمان حالات سجل فيها مرقص أقوالاً للمسيح باللغة الآرامية، لا نجد لها مثيلاً في لوقا. ولا نجد سوى مثالاً واحداً لها في متى. والاحتمال الأكيد هو أن متى ولوقا حذفا الأقوال الآرامية، إلا أن مرقص تعمد ذكرها.

ç الأفكار واللاهوت: إذا أمكن بيان أن قصة أحد الأناجيل تتضمن فكراً لاهوتياً أكثر تطوراً من قصة أخرى، هنا يبدو من المعقول النظر إليها على أنها أحدث الاثنين. ويبدو هذا اختباراً بسيطاً، غير أنه من السهل تطبيقه من الناحية العملية، فكثيراً ما يكون من الصعب التأكد من أن ما يبدو أنه اختلاف في الوضع يكون بالفعل اختلافاً حقيقياً. وعلى أي حال، من الذي يحدد ما هو “فكر لاهوتي متطور”، وكيف لنا أن نكون واثقين أن هذا لا بد وأن ينتمي إلى وقت لاحق ولا يرجع إلى نظرة “أولية”؟

وحين نتذكر أن فكر بولس المتطور بدرجة عالية، كان موجوداً بالتأكيد في الوقت الذي كانت تتشكل فيه الأناجيل، وهنا يكون بوسعنا أن ندرك أن تحديد مثل هذه الاختلافات، وعلاقة ترتيبها الزمني بعضها ببعض، لا بد وأن يكون أمراً موضوعياً للغاية.

وهناك بالطبع عدد من التأكيدات المختلفة في الأناجيل. إلا أنه من الصعوبة أن نعرف على وجه اليقين ما هي أهميتها من ناحية كتابة الأناجيل. فعلى سبيل المثال، يبدو أن متى ولوقا عدلاً أو حذفاً أقوالاً معينة جاءت في إنجيل مرقص يمكن الاعتقاد أنها تشين يسوع. فقول مرقص الفظ إن المسيح في الناصرة: “لم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة”[16]، جاء في متى على هذا النحو: “ولم يصنع هناك قوات كثيرة”[17]، أما لوقا فقد حذف هذا القول بجملته.

ونفس الشيء يقال عن سؤال المسيح في إنجيل مرقص: “لماذا تدعوني صالحاً”[18]، جاء في متى على النحو التالي: “لماذا تسألني عن الصالح”[19]، بحسب إحدى الترجمات.

وهذه النقاط الخمس ليست جميعها على نفس القدر من الأهمية. فهناك صعبات في تقدير قيمة الاثنتين منها على الأقل. ولكنها إذا أُخذت معاً فإن محصلة الدليل الذي تشكله يمكن تفسيره بسهولة إذا افترضنا أن متى ولوقا استخدما قصة مرقص، إلا أن متى كان الإنجيل الأساسي الذي لخصه مرقص والذي اختار منه لوقا بعض المقتطفات.

مصدران أم أربعة

وما ذكر حتى الآن عن الطريقة التي يمكن أن تكون الأناجيل قد كتبت بها يمكن أخذه على أنه تقريباً الرأي الذي اتفق عليه باحثو العهد الجديد بشكل عام. وعلى الرغم من أنه قد توجد نقاط اختلاف بالنسبة للتفاصيل، إلا أن أغلبية من الخبراء اتفقوا على الخطوط العريضة للحقائق.

وبالإضافة إلى فكرة أن الأناجيل المتشابهة تعتمد بصفة أساسية على مصدرين: إنجيل مرقص والمصدر (Q) فقد قيل إن هذين لم يكونا المصدرين الوحيدين اللذين اعتمدت عليهما أناجيلنا. وكان “ستريتر B. H. Streeter” هو أول دارس بريطاني يقدم الحجج، على أن متى ولوقا استخدم كلاهما إنجيل مرقص، ولكنه ذهب إلى أبعد من ذلك، وقال إنه لكي نفهم كل تفاصيل الأناجيل (المتشابهة) فنحن في حاجة إلى نظرية أكثر دقة، لا تتناول مصدرين فحسب بل أربعة مصادر أساسية.

فإلى جانب إنجيل مرقص والمصدر (Q) حدد مصدرين أطلق عليها الحرفين (M) و(L). والواقع أن هذه المادة هي ببساطة ما تبقى من قصص متى ولوقا بعد استبعاد المادة من مرقص ومادة المصدر (Q). غير أن “ستريتر” قال إن مجموعتي المواد هذه كانت هي نفسها تشكل مصدرين منفصلين ولكن مترابطين منطقياً، ومن أصل مستقل.

مسودة لوقا

يبدأ “ستريتر” ملاحظاته من حقيقة أنه يبدو أن متى ولوقا استعملا إنجيل مرقص بطرق مختلفة، فمتى اتبع بشكل دقيق ترتيب إنجيل مرقص وإطاره العام، مع أنه في ذات الوقت كثيراً ما كان يعيد كتابة المادة الفعلية، وغالباً ما كان يوجز المادة المأخوذة من إنجيل مرقص لإفساح المجال لمزيد من المعلومات الإضافية. كان من شأن ذلك أن إنجيل متى بدا بالأحرى مثل طبعة جديدة ومبكرة من إنجيل مرقص. أما بالنسبة للوقا فكان الأمر مختلفاً. ففي حين أن متى انتفع تقريباً بك المادة الموجودة في إنجيل مرقص، نجد أن إنجيل لوقا لا يحتوي إلا على نص مادة إنجيل مرقص.

والأكثر من هذا أن “ستريتر” اكتشف أنه إذا ما نحينا جانباً كل المادة المأخوذة من مرقص من إنجيل متى نجد أن المادة المتبقية غير مترابطة، وينهار السفر إلى قطع متناثرة. ولكننا إذا فعلنا الشيء نفسه بإنجيل لوقا، فلسوف تبقى لنا قصة معقولة متماسكة ومتواصلة. وهذا ينطبق بصفة خاصة على القصص المتعلقة بموت يسوع وقيامته في إنجيل لوقا، والتي يبدو أنها دعمت بمعلومات من إنجيل مرقص، ولم تتخذ قصة مرقص أساساً لها.

ولذلك يرى “ستريتر” أنه قبل أن يكتب إنجيل مرقص كان لوقا قد كتب مسودة أولى لإنجيله، تقوم على أساس مجموعة الأقوال التي تضمنها المصدر (Q)، والمادة التي أطلق عليها الحرف (L) والتي تعلمها من الكنيسة في قيصرية حيث أقام بها حينما كان بولس في السجن (أع 23: 23 – 27: 2).

وأطلق “ستريتر” على هذه المسودة الأولى للإنجيل “مسودة لوقا Porto-Luke”، وقال إنه حين كان لوقا مقيماً في روما في تاريخ لاحق بعد ذلك بقليل، تعرف على إنجيل مرقص الذي كان قد كتب في السنوات التي تخللت ذلك، وقد ضمن مقتطفات منه في مسودة إنجيله التي كانت موجودة معه بالفعل، والتي أطلقنا عليها “مسودة لوقا”. وفي الوقت ذاته، ربما كان قد أضاف أيضاً المقدمة (لوقا 1: 1-4) وقصص ميلاد المسيح في الأصحاحين الأول والثاني.

وهناك عدد من الحقائق تتناسب تماماً وهذه النظرية. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما يذكر لوقا قصة مختلفة تماماً عن نص القصة الموجودة في إنجيل مرقص. فقصة رفض يسوع في الناصرة تعد مثالاً طيباً لذلك (مرقص 6: 1-6؛ لوقا 4: 16-30). ومن الواضح أن الإنجيلين كليهما يذكران نفس الحدث، غير أن قصة لوقا أكمل بكثير ومن ثم فمن الواضح أنه لا بد وأن يكون قد استخدم مصدراً مختلفاً للمعلومات التي ذكرها.

ثم إن هناك الطريقة التي وضعت بها أقسام صغيرة من قصة مرقص وبنفس ألفاظها تقريباً في وسط مادة أخرى في إنجيل لوقا، وتظهر كما لو أنها وضعت في وقت لاحق تقريباً، ومما يلفت الانتباه أيضاً أن كماً كبيراً من المعلومات التي تضمنها إنجيل مرقص محذوفة بكل بساطة في لوقا.

وينادي “ستريتر” بأنه إذا كان لوقا قد عرف بأمر عمل مرقص حين قام بعمل أول مسودة لإنجيله، لكان قد أضاف إليها المزيد من مادة مرقص. كذلك كثيراً ما لوحظ أن إنجيل لوقا يبدو وكأن له بدايتين. هناك بدايته الحالية (1: 1-4)، ولكن بعد قصص ميلاد يسوع، يبدو أنه يبدأ من جديد في (3: 1) مع تأريخ لوقا بحرص لخدمة يسوع، التي اتبعها بقائمة أسلافه في (3: 23-38). ويوضح “ستريتر” هذه السمة غير الطبيعية بافتراضه أن (3: 1) كان يشكل البداية الأصلية “لمسودة لوقا”، التي استهلها لوقا بعد ذلك بما يعرف الآن بالأصحاحين 1، 2 من إنجيله.

وأهمية نظرية “ستريتر” فيما يتعلق بالطريقة التي كتب بها لوقا إنجيله تكمن في حقيقة أنه إذا كان هناك بالفعل ما يسمى بمسودة لوقا فإنها ستشكل مصدراً مبكراً مستقلاً آخر لمعرفتنا لحياة يسوع وتعليمه. ومع ذلك فإن هذا لم يلق ما يشبه الموافقة الشاملة على الرغم من أن الكتاب المعاصرين قبلوا وجهة النظر هذه بشكل آو بآخر.

ولعل من أضعف النقاط في هذا الاقتراح هو ما افترضه عن طبيعة تقاليد الإنجيل في الكنيسة الأولى. ذلك أن “ستريتر” افترض أننا نتعامل مع عملية أدبية محددة على وجه حسن. وهو يميل إلى النظر إلى الإنجيلين كمحرري صحف، وقد جلسوا وأمامهم عدداً من المصادر المكتوبة يستخرجون منها أجزاء عديدة من الوثائق المختلفة.

وكان هذا يشكل مفهوماً شعبياً في الوقت الذي كتب فيه “ستريتر” اقتراحه (1924)، وكان يطبق على نطاق واسع على دراسة العهدين القديم والجديد، غير أن البحث اللاحق أثبت أن هذا تبسيط مفرط للموضوع، وربما كان لوقا على معرفة بالمادة المأخوذة من مرقص، ولكن ليس من خلال إنجيل مرقص بشكله الحالي.

وهذا أيضاً يشكل نقطة ضعف في اقتراحات أخرى قدمها “ستريتر”، فقد جادل ليس فقط في أنه يمكن تعريف أربعة مصادر تشكل خلفية للأناجيل المتشابهة، بل قال أيضاً إن كل منها قامت بتقديم تقاليد حياة يسوع وتعاليمه، كما حفظت في الأماكن الأربعة الأكثر أهمية في المسيحية الأولى: مرقص كُتب في روما، المصدر (Q) كُتب في أنطاكية، المصدر (M) في أورشليم، والمصدر (L) في قيصرية. ومع ذلك، هناك عدد من الصعاب التي تكتنف هذا الرأي.

افترض “ستريتر” أن المصدرين L وM مصدرين مترابطين منطقياً. ولكن هذا الأمر يصعب التمسك به. فحين أبعدت المادة المرقصة، ومادة المصدر (Q) من إنجيل متى، فما تبقى لم يشكل مجموعة مترابطة بأي شكل كان. ونفس الشيء يقال وبدرجة أقل عن المصدر (L)، والذي هو عبارة عن إنجيل لوقا بعد استبعاد مادة المصدر (Q) والمادة المأخوذة من مرقص.

يبدو أن هذه النظرية تفترض نوعاً من التعاقب الخطي في تطور الأناجيل، والذي بواسطته تقدم التقاليد من أشكال بدائية تقريباً إلى جمع أناجيلنا الأربعة الحالية بتطور أدبي خالص.

إلا أنه أصبح من المعروف الآن وعلى نطاق واسع، أنه ليس بوسعنا أن نتحدث بعد بثقة كبيرة عن هذه النوعية من التطور من قصص بدائية إلى قصص أكثر حنكة.

أضواء جديدة على مشاكل قديمة

ربي والهي – هل آمن توما بلاهوت المسيح حينما قال ربي والهي؟ Trent Horn

كثير من تركيز الدارسين للعهد الجديد الآن ينصب على هجر فكرة التحليل الآلي للأناجيل. ومع أن نظرية المصدرين الخاصة بأصل الإنجيل لا تزال مقبولة على نطاق واسع، إلا أن عدداً من الأسئلة الجديدة بدأ يطرح الآن على الساحة، بعضها قد يكون له تأثير حاسم على فهمنا للطريقة التي تم كتابة العهد الجديد بها.

وبين آونة وأخرى يتواصل طرح الأسئلة حول نظرية المصدرين نفسها، هل كان إنجيل مرقص فعلاً أول ما كتب من الأناجيل؟ وهل من الضروري حقاً افتراض أن المصدر (Q) يمثل مجموعة محددة من أقوال يسوع، أم أنها مجرد مجموعة غير مترابطة من التقاليد التي كانت معروفة لكل من متى ولوقا؟ وبالنظر إلى قوة الدليل لكل من أسبقية المادة المأخوذة من مرقص، والشكل الثابت لمصدر (Q)، فالأمر يتطلب حججاً قوية جداً لدحض وجهة النظر العامة.

والتشابهات اللفظية واللغوية الوثيقة بين الأناجيل المتشابهة الثلاث يبدو أنها تتطلب أن يكون إنجيل مرقص هو الأول، وأن المصدر (Q) له شكل ثابت تقريباً. وإذا تقبلنا الاقتراح القائل أن المصدر (Q) له شكل مماثل لشكل الكتابة النبوية في العهد القديم، إذاً لا بد وأن شكله كان له مادة مكتوبة أيضاً.

والفكرة الأقدم الخاصة بتطور خطى من الشهادة Testimonia وأقوال يسوع Logia والكرازة Kerygma إلى إنجيل تام، أصبحت الآن مصدر تساؤل. وما نعرفه عن الكنائس الأولى يوحي أنها كانت في الغالب مستقلة عن بعضها البعض. ولذلك فإن الكنائس في مختلف أنحاء الإمبراطورية الرومانية، كانت تتطور بحسب قدرتها، ومن المحتمل تماماً أن المسيحيين في المواقع الجغرافية المختلفة لن يكونوا في نفس مرحلة التطور في ذات الوقت.

وهذا معناه أنه ليس واقعياً افتراض أنه في مختلف التقاليد عن يسوع كانت هناك فترة كان كل الاهتمام فيها مركزاً على جمع أقوال يسوع، وأن هذه الفترة اتبعت بعد ذلك بفترة نشاط أدبي مكثف تم كتابة الأناجيل أثناءها. ومن المحتمل أن نمط المعلومات المعروفة عن يسوع الآن في أية كنيسة، كان يختلف بحسب احتياجات كل كنيسة على حدة.

وكان لذلك تأثير هام على موضوع تحديد تاريخ الأناجيل. وإذا كانت هناك ضرورة لافتراض تاريخ طويل للتطور من اللوجيا (أقوال يسوع) إلى الإنجيل، هنا يجب أن نأخذ في الاعتبار وقتاً لهذا عند تحديدنا تواريخ الأناجيل. ولكن إذا كانت أقوال يسوع والإنجيل كلاهما تكون في نفس الوقت، لمواجهة متطلبات الكنائس المختلفة، هنا لا يكون هناك سبب يحول دون نسبة تاريخ الأناجيل سابق إلى حد ما عن التواريخ المعتادة.

وثمة نقطة أخرى أثيرت فيما يتعلق “بالتطور اللاهوتي”، الذي يقول البعض إنه يمكن تتبعه في الأناجيل. ولقد أشار د. جون روبنسون Dr. John Robinson في كتابه “إعادة تحديد تواريخ العهد الجديد” أن الفكر اللاهوتي المصقول لا يشير بالضرورة إلى تاريخ أقدم بأكثر مما يشير إلى ذلك الفكر اللاهوتي البدائي.

وعلى سبيل المثال، فإن إنجيل مرقص بلا شك أقل تعقيداً من إنجيل يوحنا، وكان هذا من بين الأسباب (وليس بالطبع السبب الوحيد) التي تم الاستناد إليها في نسبة تاريخ قديم بصفة عامة إلى إنجيل مرقص، واعتبار يوحنا آخر الأناجيل. ولكن هذا يتطلب بالطبع تقدماً متطوراً مباشراً بالنسبة لكل الأناجيل.

ومع ذلك، فإنه إذا ما كانت الأناجيل المختلفة قد كتبت لخدمة احتياجات كنائس مستقلة وفي أماكن مختلفة، فليس من العسير أن الكنائس ذات الفكر اللاهوتي البدائي لابد وأنها كانت موجودة في ذات الوقت إلى جانب كنائس ذات عقيدة راسخة، وعلى هذا فإن تطور الفكر اللاهوتي، لا يشكل بالضرورة مفهوماً نافعاً للغاية في دراسة الأناجيل المتوافرة لنا الآن.

ولذلك يوجد عدد من الأسئلة الجديدة التي طرحت عن الأناجيل في أيامنا هذه، وهو من نوعية أصعب إلى حد ما عن تلك التي طرحتها الأجيال الأولى. فقد صار من المعترف به على نطاق واسع الآن، بغض النظر عن الجهة التي استقيت منها المعلومات، فإن كل إنجيلي كتب ما هو بالضرورة عمل أصلي، مميز من نواح هامة عن عمل أي من الآخرين، وكثير من اهتمامنا مركز الآن على “ما” كان الإنجيليون يعملون، وليس على معرفة كيف كانوا يعملونه. وهذا سؤال يتطلب إجابة لاهوتية لدعم الاكتشافات الأولى لنقاد الأدب.

نقاد الصيغ

ما أن قبلت نظرية المصدرين على نطاق واسع باعتبارها أكثر التفسيرات احتمالاً بالنسبة “للصناع” المختصين بكتابة الإنجيل، إلا وانهالت سلسلة عريضة من الأسئلة الجديدة، لأن عزل المصادر المختلفة التي كان يستخدمها الإنجيليون في كتابة قصصهم عن حياة يسوع وتعليمه، لم يجب إلا على السؤال: من أين جاءت الأناجيل؟ إلا أنه هناك سؤال آخر: من أين جاءت مصادرهم؟ وماذا كان يحدث للتقاليد التي كانت تتحدث عن يسوع خلال الفترة بين موته وقيامته، وحفظها كتابة في الأناجيل؟

لقد خطرت هذه الأسئلة على فكر بعض الباحثين في ألمانيا حتى قبل أن ينشر “ستريتر” كتابه العظيم عن مصادر الإنجيل.

وفي محاولتهم الإجابة عليها، استخدموا طريقة جديدة لتحليل أسفار الكتاب المقدس وأطلقوا عليها عبارة “تاريخ الصيغ” إلا أنه يشار إليها عادة في اللغة الإنجليزية بعبارة “نقاد الصيغ”. تم تطبيق هذا الأسلوب أولاً على العهد القديم بواسطة هيرمان جونكل Herman Gunked وهو مفكر ألماني، وعلى الرغم من أن بعض باحثي العهد الجديد البارزين كانوا الأسرع في معرفة مناسبته لدراسة الأناجيل. وكان أشهر هؤلاء ك. ل. شميدت K. L. Schmidt، م. ديبليوس M. Dibelus، ر. بولتمان R. Bultmann.

ولقد بدأ هؤلاء من ملاحظة أن الأدب القديم بصفة عامة يتطلب صيغة أدبية معينة، تعتمد على نوعية الكتابة. ولقد تم اختبار هذا المبدأ بطريقة متقنة للغاية في دراسة الكتابات الشعبية التقليدية لشمال أوروبا، التي يمكن تصنيفها إلى قصص خرافية، تاريخ، سير ذاتية، حكم وما إلى ذلك، وذلك بكل بساطة بملاحظة الطريقة التي كتبت بها. وقد افترض نقاد الصيغ أن نفس الشيء ينطبق على العهد الجديد.

فوحدات التقليد التي كون الإنجيليون منها أناجيلهم، كما يقولون، تطلبت صيغاً أدبية معينة للموقت الحياتي التي استخدمت فيها في الكنيسة الأولى. وعلى ذلك فبفحص الصيغة الأدبية لقصة ما، ادعوا أنهم قادرون على اكتشاف الاستخدام الأساسي لها من خدمة تعليم الكنائس الأولى.

وإذا أمكن عمل ذلك بنجاح، فلسوف يشكل ذلك عوناً قيماً لفهمنا للأناجيل. لأنه إذا كان بمقدورنا معرفة شيء عن استخدامات تقاليد الإنجيل في الكنيسة الأولى، نكون في وضع جيد لفهم علاقتها بحياة الكنيسة، من ثم نكتشف معناها الأساسي.

ومع ذلك، فإنه مما يؤسف له أن الذين درسوا الأناجيل بهذه الطريقة أخفقوا في الاتفاق عند نقطة واحدة حاسمة. فلا يوجد اتفاق مقبول على نطاق واسع عن أي الأنماط الأساسية يمكن أن توجد بالفعل في الأناجيل. ولقد ادعى مارتن ديبليوس أنه قادر على تمييز خمسة أشكال مختلفة، كل منها يتناغم مع موقف معين في حياة الكنيسة الأولى. غير أن اثنين فقط من بين هذه الأشكال الخمسة لم يعترف بهما إطلاقاً على نطاق واسع من قبل مفكرين آخرين وهما: الأمثلة والحكايات.

الأمثلة: وقد أطلق عليها فنسنت تايلر Vincent Taylor – وهو أحد نقاد الصيغ الإنجليز – “قصص إعلان”. وهذا التعبير يشير بشكل أدق إلى محتوياتها، لأنها على وجه العموم قصص صغيرة تصل في ذروتها إلى قول رائع قاله المسيح، أو قيل عنه، وطبقاً لما يقوله ديبليوس يرجع أصل هذا الشكل إلى الكنيسة الأولى التي استخدمت فيها مثل هذه القصص كأمثلة وتوضيحات.

وثمة قصة إعلان نمطية نجدها في الحدث الذي قطف فيه يسوع المسيح بعض سنابل القمح يوم السبت، وفسر عمله لليهود بقوله: “السبت إنما جعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت. وابن الإنسان هو رب السبت أيضاً” (مرقص 2: 23-28؛ متى 12: 1-8؛ لوقا 6: 1-5). وقصص من هذا القبيل كثيراً ما كانت تقال في الوعظ قبل أن تكتب في الأناجيل بوقت طويل. ونقاد الصيغ يميزون بشكل عام بين سمتين رئيسيتين في مثل هذه القصص:

ç دائماً تختتم بقول رائع للمسيح، وطبقاً لما يقوله البعض، كان هذا يعد وسيلة مفضلة لدى وعاظ الكنيسة الأولى. وفي حين أن الواعظ الحديث يبدأ عادة بالنص الذي اختاره، وربما احتفظ الرسل بنصهم إلى النهاية كي يستخدموه كذروة طبيعية لما حدث قبلاً.

ç وهذه قصص تحتوي على معلومات وصفية قليلة جداً، مجرد حقيقة بسيطة إلى أقل قدر ممكن لتهيئة الوضع للعنصر البالغ الأهمية وهو قول يسوع المسيح. وحين تقال أية قصة شفاهة فهناك أمران يمكن أن يحدثا لها. إما أنها تبلى من كثرة التكرار حتى إنه لا يتبقى منها إلا أكثر الحقائق ضرورة، ويعبر عنها بطريقة موجزة ورائعة. وإما أن يتم توضيحها أثناء سردها، وذلك حيث يضاف إليها المزيد من التفاصيل حتى تكتسب المزيد من الواقعية والإثارة. وطبقاً لما يقوله معظم نقاد الصيغ، فقد بقيت القصص المتضمنة إعلانات ولم يتبق منها إلا الضروريات عوض أن توضع أثناء تسلمها.

الحكايات: أطلق عليها تايلور Taylor قصص المعجزات، على الرغم من أنها لم تكن جميعاً مهتمة بالمعجزات. وكما يقول ديبليوس فإن الملح المميز لهذه القصص أنها توضحت ولم تبل أثناء تداولها. والواقع إنه يقول إن هذه القصص ربما وضعت في صياغتها الحالية بواسطة شخص من نوعية معينة في الكنيسة الأولى “راوي القصة” والذي كانت وظيفته صياغة قصص عن يسوع المسيح على نفس نمط قصص آلهة اليونان. وكانت قصصاً قصد بها أن تربح متجددين في الإيمان المسيحي بتوضيحها أن المسيح أسمى من الآلهة الأخرى.

ولا يوجد بالطبع أي شيء في العهد الجديد يشير إلى أمثال هذا الشخص. ومما يلفت النظر بوجه خاص أن بولس الذي ذكر أكثر من قائمة بأسماء أناس لهم وظائف خاصة في الكنيسة، لم يذكر إطلاقاً رواة قصص (1كو 12: 1-11؛ 28-30؛ رو 12: 6-8؛ أف 4: 11).

وربما تكون التفصيلات الرائعة في هذه القصص مأخوذة من مصدر مختلف تماماً. ولعلها كانت رواية شهود عيان، كانوا يتذكرون في الواقع تفاصيل كل الأحداث التي كانوا يصفونها، وبالنظر إلى حقيقة أن الأناجيل نفسها لم تكتب إلى بعد مرور ما لا يقل عن جيل على الأحداث التي تصفها، فمن الصعوبة تصديق أي رواة قصص محترفين أمكنهم بكل سهولة أن يخترعوا تفاصيل خيالية في الوقت الذي كان فيه كثيرون من شهود العيان الذين عاصروا يسوع المسيح ما زالوا على قيد الحياة.

ولقد عين ديبليوس ثلاث صيغ أخرى للقصة في الأناجيل، غير أن باحثين كثيرين لم يقبلوا رأيه بشأن هذه النقطة. وهذه الصيغ هي:

الخرافات: يشبهها ديبليوس بالقصص التي كثيراً ما ترتبط بقديسي العصور الوسطى. وعرفها بأنها “قصص دينية عن قديس تم الاهتمام بأعماله ومصيره”… والغرض منها تقديم أساس لتكريم القديس. ولا يحتاج الأمر اختلاق هذه القصص، على الرغم من أن ديبليوس يقول إنها تختلق في معظم الأحيان، ووظيفتها تمجيد الشخص الذي بصفة لا أن تقدم أية معلومات حقيقية عنه.

الأساطير: وهو الاسم الذي خلعه ديبليوس على أية قصص تتضمن شخصيات أو أحداث خرافية. وقصص العماد والتجربة والتجلي تنخرط تحت هذه النوعية.

النصائح التحذيرية: كانت بالضرورة التعليم الذي تضمنته الأناجيل، وكانت تستخدم لتعليم المتجددين في الكنيسة الأولى، وتابع آخرون دراسة قصص الأناجيل بعد العمل الرائد الذي قام ديبليوس، وليس من شك في أن هذا ألقى بعض الضوء على أصل الأناجيل. فهناك عدد من الأفكار الرائعة التي نسلم بها الآن جاءت كنتيجة مباشرة لعمل نقاد الصيغ.

ç وبمقدورنا أن ندرك الآن أنه لم يقصد بالأناجيل أن تكون سيراً ذاتية للمسيح. بل هي رواية منتقاة من أجزاء معينة من حياته وتعليمه حفظت لنفعها لخدمة الكنائس الأولى.

ç وبسبب هذا، أصبح من المعروف الآن أن تفاسير الأناجيل مرتبطة بشكل وثيق بالمفهوم الكلي للكنيسة الأولى. ولكن لنفهم علاقة الأناجيل ومعناها، ترانا في حاجة إلى فهم الأشخاص الذين كتبوها.

ç وهذه العملية أدت بدورها إلى فهم إيجابي مؤقت لما كان يدور في الفترة السابقة على كتابة أي من وثائق العهد الجديد، حيث كان تعليم يسوع المسيح يفسر ويطبق على مواقف جديدة في حياة أتباعه.

ولا شك أن هذه الأفكار لها قيمتها، ولا يجب التقليل من أهميتها – ولا سيما الرأي الأول، والذي أثر بشكل جذري في أسلوب تناولنا للأناجيل من جميع نواحيه. ومع ذلك يوجد عدد من النقاط كان عمل نقاد الصيغ بالنسبة لها أقل فائدة. وهناك ثلاثة انتقادات رئيسية يمكن توجيهها لعملهم. ولا سيما في الفترة المبكرة.

الصيغة والمحتوى: الكثير من تصنيفات ديبليوس كانت تعتمد في الواقع، ليس على الصيغة الأدبية، بل على المحتوى. فعلى سبيل المثال، لا يوجد سبب أساسي لوصع القصص التي تتضمن شخصيات خارقة في نوعية مختلفة عن القصص الأخرى. وإذ كانوا يضعون مثل هذه النوعية من التفريق كان نقاد الصيغ متأثرين بافتراضاتهم المسبقة القائمة على مذهبهم العقلاني.

وكما سبق أن ذكرنا، فإن اثنتين فقط من صيغ ديبليوس تم الاعتراف بهما، بل وأن بعض الباحثين شككوا فيما إذا كانت هاتين الصيغتين واضحتين على هذا النحو. هناك أمثلة عديدة لا نجد فيها فرقاً واضحاً بين الأمثال والحكايات وكثير من مادة الإنجيل يصعب تصنيفها. وحين يكون الاتفاق ضئيلاً بالنسبة لماهية الصيغ بالفعل، لا يمكن أن تتوافر لدينا ثقة كبيرة في التراكيب التي قامت عليها.

التقليد والإنجيل:

هناك مشكلة أساسية أخرى، وهي أن نقد الصياغة أقيم على افتراض أن تطور كتابة العهد الجديد يماثل تطور الفولكلور في شمالي أوربا. غير أنه توجد اختلافات هامة بين الاثنين. ولقد رأت الكنيسة الأولى أن مهمتها الرئيسية هي الكرازة بالأخبار السارة عن يسوع المسيح، وليس تسليم قصص تقليدية. فقد كانوا مهتمين بالحاضر بأكثر من اهتمامهم بالماضي.

وفيما يتعلق بموضوع اهتمامهم بالماضي، فقد كان ذلك ينصب على الماضي القريب، وليس – كما في حالة التقاليد الأوروبية – بالماضي السحيق الذي تم نسيانه منذ أمد طويل. ومعرفة الكنيسة بيسوع لم تأت من قصص تقليدية كانت تسلم من جيل إلى جيل، بل من التجربة المباشرة لبعض أعضائها، وهذا معناه أن المجال الفعلي لتطور التقاليد إلى صيغ معيارية لا بد وأنه كان في الحقيقة محدوداً للغاية.

الصيغ والحقائق:

كثيرون من نقاد الصيغ لم يكتفوا بإبداء ملاحظاتهم على الصيغة الأدبية للأناجيل، بل نزعوا إلى إصدار أحكام تاريخية على محتوياتها، على أساس نقد الصيغ. إذ يشير أرنست كيزمان Ernst Kasemann إلى نقاد الصيغ الأولي فقد كتب يقول إن عملهم الأساسي “كان يستهدف بيان أن رسالة يسوع المسيح كما قدمتها الأناجيل المتشابهة، ليست أصلية في معظم أجزائها بل غلب عليها إيمان المجتمع المسيحي البدائي في مراحله المختلفة.

وهذا الهدف واضح حتى من الأسماء التي أطلقها ديبليوس على بعض الصيغ التي اكتشفها كانت عبارتي “أسطورة” و”خرافة” من الكلمات التي تحمل معان كثيرة – بل أنه حتى في مناقشته ما أسماه “بالحكايات”، تكاد تكون بديهة أساسية عنده أنه بالنظر إلى وجود تشابهات أدبية بالقصص التي قيلت عن آلهة الوثنيين، هي الأصل الأساسي للقصص التي ذكرت على يسوع المسيح.

ولكن نقدين هامين يمكن توجيههما لهذا الإجراء:

ç الدليل المستمد من “صيغة أدبية ليس له قيمة على الإطلاق في صياغة الأحكام التاريخية. وهذا يصبح واضحاً تماماً إذا ما أخذنا مثالاً ما. فنحن في أيامنا هذه لا نفرق بوجه عام بين أنماط مختلفة للقصة بإعطائها صيغاً أدبية خاصة.

وقد عرض بروس F. F. Bruce مثالاً نافعاً بالمكان الوحيد الذي ما يزال القصة صيغة معينة. وهذا يكون في ساحة القضاء. فحين يدلي شرطي بشهادته في المحكمة، فهو لا يدلي بقصة أدبية بليغة عما رآه، بل نراه يلتزم وبشكل وثيق بقدر الإمكان بصيغة محددة – حتى إنه، بغض النظر عن التغيرات الخاصة بتفاصيل مختلفة – فإن وصف حادثة وقعت في الطريق سيبدو على وجه التقريب – كوصف أي حادثة أخرى – والأمل هو أنه باستخدام صيغة قالب Stereotyped، فإن أهم الحقائق يمكن إنجازها على نحو دقيق وبقدر الإمكان.

وما من عاقل يعتقد بأنه نظراً لأن الشرطي يصف حادثين بلغة متطابقة، فإنه كان يدلي بقصة مختلفة لحدث واحد فقط، ناهيك عن القول بأن أي منهما لم يحدث في الواقع، وأن الأقوال مختلفة من صيغة قانونية مألوفة. وسواء كان الحدث قد وقع أم لا، فإن هذا يعتمد على محك من نوعية مختلفة تماماً. ونفس الشيء ينطبق على الأناجيل. فليس بوسعنا أن نصدر ببساطة حكماً عن مصداقيتها التاريخية على أساس صياغتها الأدبية.

هناك أيضاً عدد من الأسباب القوية تدعو للشك في أن الكنيسة الأولى اختلقت قصصاً عن يسوع، كما زعم بعض نقاد الصيغ:

أولاً: هناك موضوع شهود العيان. وكثيرون منهم لا بد وأنهم كانوا على قيد الحياة في الوقت الذي كتبت فيه الأناجيل، والذين كانوا قد عارضوا كل الأحداث المختلفة والتي نسبت إلى حياة يسوع، ثانياً: ثمة افتراض أساسي لديبليوس وبولتمان هو أن الكنيسة الأولى لم تبذل أي جهد للتمييز بين تعليمها وتعليم يسوع المسيح. وعلى أي حال، هم يجادلون، بأن روح يسوع كان عاملاً في الكنيسة، وما قاله الرسل باسمه كان يعد شيء قاله يسوع المسيح أثناء خدمته.

ولكن هذا الاستدلال لا يدعمه العهد الجديد نفسه. لأن هناك أمثلة كثيرة أظهر كتابها أنهم ميزوا بالفعل بين تعليمهم وتعليم يسوع المسيح. وأبرز مثال على هذا نجده في (1كو 7)، حيث خرج بولس عن طريقه ليميز بين آرائه وكلمات يسوع. لكنه حتى في الأناجيل نفسها نجد أمثلة حيث التعليقات التحريرية للإنجيلين قد توضحت تماماً عن تعليم يسوع المسيح (مر 7: 19).

ثانياً: ثمة حقيقة أخرى تشير إلى نفس الاتجاه وهو الفرق بين الأناجيل وبقية العهد الجديد. فعلى سبيل المثال، دعي يسوع المسيح “ابن الإنسان” في الأناجيل، مع استثناء واحد وهو أن هذا اللقب وجد في موضوع آخر في العهد الجديد. وفضلاً عن ذلك فالموضوعات التي تناولتها الأناجيل ليست هي نفس الموضوعات التي أزعجت كتبة الرسائل. لنأخذ على سبيل المثال موضوع العلاقة بين اليهود وغير اليهود.

كانت هذه مسألة ملحة في الكنيسة الأولى، ولكن الأناجيل لم تتعرض لها في أي موضوع منها. وهذه الحقائق تشير إلى أن الكنيسة لم تشعر أنه لها الحرية إطلاقاً أن تضع أفكارها وتنسبها إلى يسوع المسيح، بل كانت إلى حد كبير تهتم بحفظ التقاليد التي تسلمتها من فترة سابقة.

هناك نقاد صيغ أكثر حداثة تعرفوا على هذه المشاكل في عمل أسلافهم وأصبحوا الآن لا يهتمون بالموضوعات الأدبية الشكلية. وموضوع مصداقية الأناجيل يفصل الآن فصلاً تاماً وبشكل تدريجي عن نقاد الصيغ. وبعد ذلك جاء تطور آخر هو من بعض النواحي يعد وريثاً لنقد الصيغ السابق. وهذا هو النظام الذي عرف باسم “نقاد التنقيح”.

ومع معرفتنا أن تاريخ الأناجيل لا يشبه تماماً تاريخ الفولكلور الأوروبي، أصبح من الواضح، أن أفضل سؤال نافع يمكن طرحه عن الأناجيل يجب أن يركز على كيفية استعمال الإنجيليين للمواد التي في مصادرهم. ما الذي كان يفعله هؤلاء الناس فيما كانوا يكتبون أناجيلهم؟

ولماذا احتاجوا أن يكتبوا أربعة أناجيل بدلاً من أن يكتبوا إنجيلاً واحداً متفقاً عليه؟ وما هي الظروف الخاصة التي سادت كنائسهم والتي حملتهم على الكتابة بهذه الطرق المعينة التي اتبعوها؟ هذه هي الأسئلة التي يحاول نقاد التنقيح الإجابة عليها. وهذا تطور حديث نسبياً في دراسة الأناجيل، ولا توجد على أية حال أية نتائج متفق عليها بعد. إلا أن كثيراً من توجهاته سيكون لها قيمة في الفصل التالي، وهو اكتشاف معنى وجود أناجيل مختلفة وأهمية ذلك.

 

 

[1] مرقص 1: 1.

[2] أعمال 12: 25 – 13: 13؛ 15: 36-40.

[3] كولوسي 4: 10.

[4] 2تيموثاوس 4: 11.

[5] لوقا 1: 4.

[6] 1كورنثوس 7: 10-11.

[7] مرقص 9: 49-50.

[8] متى 5-7.

[9] متى 3: 13 – 4: 11.

[10] لوقا 3: 21-22، 4: 1-13.

[11] متى 8: 5-13.

[12] لوقا 7: 1-10.

[13] مرقص 3: 13-19.

[14] متى 10: 1-4.

[15] لوقا 6: 12-16.

[16] مرقص 6: 5.

[17] متى 11: 58.

[18] مرقص 10: 18.

[19] متى 19: 17.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

 

في هذا الفصل سيتم الحديث عن الذين عايشوا يسوع في المصادر الافتراضية للأناجيل الكنسية، فقد حاول معظم الباحثين في هذه المصادر فهم كيفية استخدام مؤلفي الأناجيل لهذه المعايشة لتوضيح الأمور الخاصة التي أكدتها هذه الأناجيل، بالإضافة إلى أشياء أخرى. إن مادة هذا البحث تتعارض مع عنوان الكتاب، فهي داخل إطار العهد الجديد. ومع أن الأبحاث الأولى عن يسوع خارج إطار العهد الجديد لا تشير إلى المصادر الكنسية، فقد تعامل العلماء منذ نحو عام 1970 مع هذه المصادر كما لو كانت خارج العهد الجديد، أي، كمصادر مستقلة لمعرفتنا عن يسوع. فهي تثبت الأشكال الأولى للمسيحية، أو كما يصفها البعض: “تحركات يسوع” التي كانت موجودة قبل أو مع ظهور الأشكال الأولى للمسيحية.

سيتم البحث هنا في أربعة مصادر إنجيلية تعتبر شهوداً من خارج القانون الكنسي على يسوع. وتبدو مصادر مرقص الممكنة: مجموعات المعجزات، والخطب الرؤيوية، من ضمنها بداية سرد آلام المسيح، متباينة للغاية بالنسبة للباحثين العصريين، ولسنا بصدد النظر فيها هنا([1]).

أولاً، سنناقش المادة الخاصة بلوقا: المعروفة بالمصدر “ل”. ثانياً، سنناقش المادة الخاصة بإنجيل متى: المسماة بـ “م”. يحتوي “ل” على بعض المضامين السردية، إلا أن “ل” و”م” يحتويان على تعاليم يسوع. ومن ثم سننظر في المصدر الخاص بالإنجيل الرابع، الذي يدعى على نطاق واسع بـ: “مصدر الإشارات”. ربما كان يشكل هذا المصدر أول إنجيل كامل شبيه بالأناجيل الكنسية، حيث يحتوي على تعاليم بسياق سردي وينتهي بموت يسوع وانبعاثه.

أخيراً، سنكرس القسم الأكبر في هذا الفصل للبحث في “مصدر الأقوال المأثورة” لمتى ولوقا، التي تحمل اسم: وثيقة “ق”. إن هذا المصدر الافتراضي على وجه العموم، وليس على وجه الحصر، مؤلف من مادة تعليمية. إن وثيقة “ق” ليست مصدراً أكثر تعقيداً من المصادر الأخرى فحسب، بل كانت أيضاً موضوعاً رئيسياً، تقريباً مركز العاصفة، بالنسبة للأبحاث المعاصرة التي تعنى بيسوع. لن نركز على طريقة استخدام الأناجيل الكنسية لهذه المصادر الأربعة، بل ستكون مهمتناً بدلاً من ذلك فهم ما تخبرنا به هذه المصادر عن يسوع في الماضي.

وسنعرض في كل قسم المصدر المقترح، بالإضافة إلى تلخيص تاريخ بحثه. ومن ثم سنعرض محتوى المصدر بشكل جدول، نظراً لطوله الذي يصعب إعادة تقديمه هنا بصورة كاملة. بعد ذلك، سنقدر صحته كمصدر محاكٍ للبحث الحديث ونبحث في رؤيته ليسوع.

“ل”: يسوع، المعلم والشافي الجبار

تقول المقدمة الآسرة لإنجيل لوقا: إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا، كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة، رأيت أنا أيضاً إذ قد تتبعت كل شيء من البداية بتدقيق، أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس، لتعرف صحة الكلام الذي عُلمت به. (لوقا 1:1-4).

ماذا كانت تلك القصص الكثيرة المكتوبة التي كان لوقا يحاول تحسينها؟ لقد وجد العلماء جوانب كثيرة في هذه المقدمة الآسرة، لاسيما أسلوبها. فهي تتحدث عن موضوع هذا الفصل ضمنياً، أي مصدر خاص بإنجيل لوقا لا يتشارك فيه مؤلفو الأناجيل الأخرى.

في نظرية أصول الأناجيل السينوبتية التي يوافق عليها الجميع، أي “نظرية المَصْدَرَيَن”، استخدم المؤلف في إنجيل لوقا ومتى مصدرين رئيسين. المصدر الأول هو إنجيل مرقص، الذي يشكل ثلث إنجيل لوقا. فلوقا يتتبع نسق مرقص ويأخذ أجزاءٌ كبيرة من مواده التعليمية والسردية مع بعض الاستثناءات القليلة([2]). المصدر الثاني هو وثيقة “ق”، وهي عبارة عن مادة تعليمية تشكل نحو خُمس إنجيل لوقا.

وقد يكون لوقا استخدم مجموعة شفهية أو مكتوبة من مادة خاصة بإنجيله، وتسمى: المصدر “ل”، حيث تشكل هذه المادة الخاصة جزءاً كبيراً من هذا الإنجيل، وتقدر بين ثلث إلى نصف الإنجيل. وتبدأ معظمها بتعاليم يسوع، كما تحتوي على بعض أهم الحكايات الرمزية: السامري الصالح والابن المسرف، والرجل الغني ولازاروس. كما تحتوي على قصص سردية بارزة: توبة زكّا، والخلاف بين مريم ومارثا على خدمة يسوع على نحو حقيقي، وامتنان السامري الأبرص.

لقد أظهر البحث في يسوع التاريخي إلى حد بعيد أصالة محتويات لوقا المميزة: التعاليم والقصص السردية على حد سواء. وتعود دراسة “ل” كمصدر للوقا إلى بداية القرن العشرين مع برنارد لويس وبول فينن الذين كانا من بين الأوائل الذين قاموا ببحث شامل عن مصدر “ل”. وعلى الرغم من أن بعض الباحثين قاموا بالبحث فيه من وقت لآخر خلال القرن العشرين، إلا أنه لم يكن موضوع بحث رئيسي.

وكانت فرضية وجود إنجيل “بروتو – لوقا” جذابة للبعض، وغالباً ما كانت تطغي على “ل”، وقد اتجهت دراسة وثيقة “ق”، التي كانت تطفو إلى السطح، نحو حجب الدراسة في مصادر أخرى للإنجيل. ومع ذلك، ازداد الاهتمام بـ”ل” ازدياداً كبيراً منذ نحو عام 1980، حيث أدرك الباحثون بكل سهولة المحيط الخارجي لمادة “ل”: كل شيء في لوقا غير متماثل مع مرقص أو وثيقة “ق”. وقد قالت قلة من الباحثين إن لوقا نفسه كتب جميع هذه المواد، لذلك لا تشير أي من محتويات تلك المواد إلى أي مصدر.

أولاً: لقد قدم هوارد مارشال أسباباً وجيهة تدعم عدم إمكانية الدفاع عن هذه النظرة المتطرفة([3]). أما عن الطرف الآخر فقد وقف أولئك الذين يرون أن هناك علاقة وثيقة بين جميع أو معظم مواد لوقا الخاصة: سوندرغوت، في الدراسة الألمانية الأخيرة حول “ل”، وسندركيل بين المصدر “ل”([4]). كما يتخذ معظم الباحثين الذين يفترضون مصدر “ل” موقفاً وسطاً عن طريق إسقاط تلك المقاطع التي يعتقد أنها كانت من تأليف الكاتب لوقا من المجموعة بأسرها.

وغالباً ما يتم استبعاد تلك المواد التي ربما تطورت عن مصدر آخر، مثل القصص السردية عن الطفولة، أو القصص السردية عن آلام المسيح، أو القصص السردية عن القيامة. من هنا يدخل الشك، فبالنظر إلى كتّاب الأناجيل الكنسية، يُعتبر لوقا الكاتب الأكثر مهارة نظراً لقدرته الأدبية بصورة عامة، وفي مجال استخدام مصادره بصورة خاصة. إنه ليس كاتب “قص ولصق”. حيث يمكن وبكل سهولة تمييز المصدر “ل” الخاص به من خلال العمل الذي قام به.

لم تجمع الدراسات الأخيرة على وجود “ل”، حيث ينكر بعض العلماء أن المادة الخاصة بلوقا مستمدة من المصدر “ل”. فعلى سبيل المثال، يؤكد هيلموت كوستر على الحجم الكبير وعدم تجانس المادة في الشكل، ويفكر في استبعاد فكرة وجود مصدر وحيد. كما يخلص أودو شينيلي إلى أن لوقا لا يمتلك المصدر “ل”، وذلك لوجود اختلافات لغوية ضمن المواد الخاصة، وكلها تحمل علامات العمل التحريري الخاص بلوقا… ويقف التفاوت في المواد وغياب مبدأ الترتيب الداخلي في وجه وجود مصدر مستقل للمواد الخاصة بلوقا. من ناحية أخرى، يقول إدوارد شفايتزو بوجود “ل” بالفعل، وذلك نظرأ لـ:

  1. تظهر في “ل” تشابهات مع أقسام موثوقة في كل من مرقص ووثيقة “ق”.
  2. يشير لوقا في مقدمته إلى العديد من الأسلاف المسجلين.
  3. يضمّ المصدر المقترح مواد لغوية مشتركة على نحوٍ واضح.
  4. يحتوي المصدر على مواضيع موحدة، مثل: النساء، والفقراء، والنعمة الإلهية.
  5. يختلف “ل” في ترتيب بعض مواده مقارنةَ مع مرقص، وهناك انسجام مع متَى مقارنة مع مرقص.
  6. تشير التعارضات في لوقا إلى مستويات مختلفة من الأعراف تتعدى ما استُخدم له كل من مرقص و”ق”.

في البحوث الجارية على “ل”، تعد أطروحة كيم بافينروث التي نشرت في عام 1997، وكانت بعنوان قصة يسوع وفقاً لـ”ل”، من أشمل وأدق الأعمال. فبافينروث يقوم بفرز مصدر “ل” المترابط عن طريق التخلص من المواد التي ألفها كاتب الإنجيل أو قام بتحريرها، ومن ثم يحلل المفردات والأسلوب وخصائصها الشكلية ومضمون المادة المتبقية. ويخلص إلى أن: المادة “ل” فيها ما يكفي من أوجه الاختلاف عن نمط وشكل ومضمون لوقا، الذي يجعل من المحتمل أنه يشكل مصدر “ل”.

وعلاوة على ذلك، يخلص إلى أنه مصدر مترابط وموحد. فـ”ل” يحتوي على عناصر شفوية قوية، ولكن من المحتمل أكثر أن لا يكون وثيقة. فقد كتب يهود مسيحيون في فلسطين في الفترة الواقعة ما بين 40 و60م. وتبقى بعض التساؤلات قائمة بشأن جهود بافينروث ([5])، إلا أنه طرح أقوى قضية عن مصدر “ل” حتى الآن. لقد اخترت أن أستفيد من بحثه هنا، لأنه إلى حد ما يدل على نتائج فهم الآخرين لمصدر “ل”، ولأنه من المرجح أن يشكل أساس البحث القادم في “ل”.

محتويات “ل” في لوقا التي حددها بافينروث هي كما يلي:

وعظ يوحنا المعمدان 10:3-14
معجزات إيليا للوثنيين 25:4-27
يسوع يريي ابن أرملة في نايين 11ب:7-15
مغفرة خطيئة امرأة مذنبة 36:7-47
قصة السامري الصالح 30:10-37أ
نزاع مريم ومارثا، مريم على صواب 39:10-42
قصة الصديق اللحوح 5:11ب-8
قصة الغبي الغني 16:12ب-20
قصة الحاجب 35:12-38
تب أو مت 1:13ب-5
قصة شجرة التين الجرداء 6:13ب-9
الشفاء في يوم السبت 10:13-17ب
التحذير من هيرودس، استجابة التحدي 31:13ب-32
الشفاء في يوم السبت 2:14-5
قصة اختيار مكان على الطاولة 8:14-10، 12-14
إحصاء الثمن 28:14-32
قصة الخراف المفقودة 4:15-6
قصة العملة المفقودة 8:15-9
قصة الابن “المسرف” المفقود 11:15-32
قصة المدير المخادع 1:16ب-8
قصة الرجل الغني ولازاروس 19:16-31
قل: “قمنا بواجبنا فقط”. 7:17-10
شفاء عشرة من مرضى البرص، السامري الشاكر 12:17-18
قصة القاضي الظالم 2:18-18أ
قصة الفريسي المرائي والعشار 10:18-14أ
زكا يتوب 2:19-10

على افتراض أن هذه المحتويات تشير تقريباً إلى المصدر “ل”، فكيف يصور المصدر “ل” يسوع؟ أولاً، يسوع هو معلم أمين على نعمة الله الجوهرية والخالصة. فنعمة الله تغفر الذنوب، وتشفي أمراض الإنسان، وترجع أفراد شعب الله إلى الحظيرة. ويسوع هو نفسه وكيل هذا النشاط. فقد جاء للبحث عن الضالين وإيجادهم، وإعادتهم إلى شعب الله الذين قطعوا وعداً على عبادته.

وكان أول ما وجهت هذه النعمة إلى بني إسرائيل، ومن ثم تُدمر حدود إسرائيل، وتبدأ رسالة يسوع بالخروج إلى العالم عندما يُعاد السامريون إلى الحظيرة (موجودة في 30:10-37، 12:17-18). كما يعمل يسوع على جلب النساء إلى ملكوت الله حيث الحرية.

إن تعاليم المسيح فيما يخص الغني هي، على الأقل في التجديد الذي قام به بافينروث، معتدلة بصورة ملحوظة. فإلى جانب قصة الرجل الغني ولازاوس، لا يؤكد يسوع على أي من فضائل الفقر ولا مخاطر الثورة، فقد قام لوقا بإضافة هذه التأكيدات، وقد يكون استمدها من وثيقة “ق”.

ولا يفرض يسوع على حوارييه القيام بنشاط تبشيري فقير أو جوال، بل، يتم الإشارة إلى المجتمع المستقر الذي يتمتع ببعض الوسائل. بالإجمال، يصور “ل” يسوع على أنه: “معلم أخلاقي قوي أقام البرهان على مصداقية تعاليمه وكشف عنها من خلال أعمال الشفاء التي قام بها”.

ومن الجدير ذكره أيضاً ما هو غير موجود في المصدر “ل” مقارنة مع الأناجيل الكنسية. أولاً، لا يوجد عناوين مسيحانية في هذا المصدر. فالمسيحانية الخاصة به ترد ضمناً في أفعال يسوع وتعاليمه، مع لمسات واضحة لإليليا في بدايتها (في 25:4-27 و11:7ب-15). هذا النوع من المسيحانية النبوية تتماشى مع بداية المسيحية اليهودية.

ثانياً، لا يصور “ل” يسوع على أنه منقذ معذب ومشرف على الموت، فـ”ل” يفتقر إلى سرد آلام المسيح، ولا يؤكد مضمونه هذا الدور. ومع ذلك، من الخطأ أن نخلص من هذا الصمت إلى أن المجتمع الذي استخدم “ل” لم يعرف بموت يسوع وقيامته، أو اعتقد أن ذلك الأمر ليس على أي درجة من الأهمية. فيممكن شرح هذا الصمت الذي يخيم على موت يسوع وقيامته بطرق أخرى، لاسيما إذا كان “ل” معداً ليكون فقط مجموعة تضم تعاليم يسوع بهدف إتمام قصة يسوع ككل.

فيحتوي مرقص، وهو مصدر لوقا الرئيسي، على مواد غنية تتحدث عن هذا الموضوع كان لوقا قد استقى منها، المواد التي قد تكون استبدلت أي شيء يشير إلى موت يسوع قد ورد في “ل”([6]). وعلاوة على ذلك، يورد “ل” معارضة قوية ليسوع من جانب الفريسيين المرائيين ومعارضة قد تكون مميتة من جانب هيرودس.

هل “ل” هي الرواية الكاملة لمقصد يسوع ورسالته إلى المجتمع الذي استخدمه على الأرجح؟ يعتمد الجواب على شكل “ل” الذي تم تجديده انطلاقاً من المحتوى الخاص بلوقا، وعلى الطريقة التي اتصف بها أسلوبه. ففي التجديد الذي قام به بافينروث، يبدأ “ل” بيوحنا المعمدان وينتهي قبل آلام المسيح. وقد استعبد من “ل” المادة الخاصة بلوقا مثل القصص السردية عن الطفولة (الفصول 1-2)، والنساء اللواتي كن عند الصليب وتبعن يسوع (49:23)، ووصف ظهور يسوع بعد قيامته (12:24-49).

وعلى الرغم من أن تجديده لـ”ل” هو أقصر من جميع التجديدات التي قام بها أكثر النقاد الآخرين، إلا أن عنوان بافينروث يشير إلى اكتمال “ل”: قصة يسوع وفقاً لـ”ل”. ومع ذلك لا يتعامل صراحة أو بأي شكل من الأشكال مع اكتمال “ل”، القضية التي ينبغي أن تبقى مفتوحة في أعمال البحث المستقبلية.

مادة متى الخاصة: أهي مصدر “م” حول يسوع؟

عادة ما يتأثر قراء إنجيل متي بسياق ومضمون عظته على الجبل في الفصول 5-7، فقد بدأ يسوع للتو بجمع حواريه (18:4-22) وبإطلاق كهنوته العلني (17:4، 23-25). وبعد الذكر المقتضب لفكرة تعاليم يسوع، ملكوت السماوات (23،17:4)، قدم متى لقرائه عظة طويلة معقدة تفصل رسالة يسوع، حيث يحتوي هذا الخطاب على بعض أبرز تعاليم يسوع وأكثرها تأثيراً: تطويبات، إعادة التفسير المعتمد لشريعة موسى، دعوات تحذر من النفاق، دعوات للإيمان بالله، “القاعدة الذهبية”، بالإضافة إلى أمور أخرى.

لقد ساعدت تعاليم يسوع الواردة بمتى في حصوله على مكانة الإنجيل الرئيسي في المسيحية. على سبيل المثال: على الرغم من أن متّى ولوقا يتقاسمان مادة مشتركة، إلا أن أغلبية المسيحيين في كل مكان يعرفون ويستخدمون الصيغة الخاصة بمتى التي تتحدث عن السعادة الأبدية، وصلاة الله، والعظة على الجبل بصورة دائمة.

ويعود فضل القسم الأكبر من تأثير إنجيل متى إلى حقيقة أنه يورد تعاليم يسوع التي تفتقد إليها الأناجيل الأخرى. فعادةً يتبع متى ترتيب ومضمون لوقا عن أفعال يسوع في كهنوته وآلامه على حد سواء. وهناك استثناء وحيد هو أن متى يورد معظم روايات مرقص للمعجزات في قسم واحد، الفصلين 8-9، ويختصر تلك الروايات إلى حد كبير. ونظراً للاستخدام الكبير الذي يقوم به متى للوقا ليربط أفعال يسوع، تتضمن معظم المادة الخاصة به تعاليم يسوع. ولأسباب معروفة، تتعامل تجديدات “م”، وهو المصدر الافتراضي لمواد متى الخاصة، بصورة حصرية تقريباً مع مواد التعاليم.

لقد تم القيام بثلاث محاولات رئيسية لاستبعاد المصدر “م”. المحاولة الأولى كانت تلك التي قام بها ب.هـ. ستريتر في كتابه الذي عنوانه: الأناجيل الأربعة: دراسة في الأًصول، فقد هرّف ستريتر “م” على أنه جميع المادة التعليمية الخاصة بمتى، بما ذلك مادة من الوثيقة “ق” مختلفة إلى حدٍ ما عن لوقا، وذلك لافتراض صيغة مختلفة لـ”ق” متأثرة بمتى. وقد استبعد ستريتر التالي: المداة الخطابية من متى 5-18،10،7و 23، قصتان من متى 13، وأجزاء قصيرة من مادة متنوعة من الفصول 16،15،12و 19.

هذا المصدر هو مصدر يهودي مسيحي، لكنه ليس من الرعيل الأول للمسيحية، بل، يظهر ردة فعل على إنجيل مهمة بولس الخالية من أي شريعة. فقد قام ستريتر بوضعه في القدس وربطه بوجهة نظر يعقوب إن لم يكن بشخصه.

لقد قام تي. ديبليو مانسون في دراسته الشاملة التي حملت عنوان: تعاليم يسوع، بالتحقيق النقدي على المصدر الرئيسي الثاني. فقد اتسمت طريقة بحثه بنفس الصفات الخاصة بطريقة ستريتر تقريباً، إلا أنه اقترح “م” أكثر شمولية وتقدم حيث اشتمل على:

  1. تعاليم من مادة العظة على جبل في الفصول 5-7
  2. تعاليم الحملة التبشيرية.
  3. مادة متنوعة من الفصل 11.
  4. قصص من الفصل 13.
  5. مادة إضافية متنوعة من الفصول 15و 16.
  6. تعاليم عن المعيشة مع الإخوة في الإيمان في الفصل 18.
  7. وصية بخصوص الخدمة والجزاء من الفصول 19 و20.
  8. أقوال حول “الممتنعين” من الفصول 21 و22.
  9. أقوال بحق الفريسيين المرائيين من الفصل 23.
  10. تعاليم حول الإيمان بالآخرة من الفصول 24 و25.

ووفقاً لمانسون، اقتبس “م” من كنيسة تم إنشاؤها على أنها مدرسة تفسير ولديها علاقة حب وكره عميقة مع الفريسيين المرائيين وتقاليدهم. وقد أعاد مانسون تاريخ “م” إلى الفترة الواقعة بين 65 و60 ميلادي، ومثل ستريتر، حدد موقعه في المجتمع اليهودي في القدس.

أما الدراسة الرئيسية الثالثة المنشورة في عام 1946 فقد كانت على يد جي. دي كيلباتريك بعنوان: أصول إنجيل القديس متى. فقد خاص كيلباتريك إلى أن “م” كان مصدراً مكتوباً. واستخدم طريقة متشابهة للدراستين السابقتين ونظم دراسته الخاصة بالمادة “م” بأربعة أقسام: الخطاب، المهمة التبشيرية، مجموعة من القصص، ومناظرة ضد زعماء اليهود الدينيين. كما أرفق كيلباتريك مواد إضافية من سياقات أخرى واردة في متى بأقسام الخطاب والقصص، إلا أنه لم يكن قادراً على إَضافة الكثير من المتفرقات المتنوعة الخاصة بـ”م” إلى أقسامه الرئيسية الأربعة.

وبما أن دراسة كياباتريك هي الدراسة الأِشمال والأحدث لـ”م”، سأقوم بتلخيص محتواها هنا:

محتويات “م” في متى:

أ. الخطاب
تعاليم عن القتل، الزنا، القسم، عدم الثأر، الورع الحقيقي 21:5-24، 27-28، 37-33، 38-41، 19-20، 1:6-8، 16-18
كن على وفاق مع المؤمنين الآخرين من سياقات أخرى: 23:5-36،24
صل بإيجاز وبترقب من سياقات أخرى: 7:6-8
ب. المهمة التبشيرية
تعاليم خاصة بالحملة التبشيرية: توجه إلى اليهود فقط، أعط دون مقابل، كن حكيماً لكن بسيطاً، تجنب المضايقات حتى يأتي المسيح، تشبّه بمعلمك 5:10-6، 8 ب، 16 ب، 23، 24-25 أ، 25ب، 41 (؟)
ج. مجموعة القصص
الأعشاب الضارة بين سنابل القمح 24:13-30
شرح قصة الأعشاب الضارة. الكنز المستور، اللؤلؤة ذات القيمة الكبيرة، شبكة صيد الأسماك، رجل الدين المتوجه نحو ملكوت السماء 36:13-52
الخادم قاسي القلب 23:18-34
العمال في كرم العنب 1:20-15
ضيف لا يرتدي ثوب الزواج 2:22، 11-14
إشبينات العروس الحكيمات والحمقاوات 1:25-10
رفض يوحنا المعمدان آخر 28:21-32
الحكم الأخير آخر 31:25-45
د. ضد زعماء اليهود الدينيين
افعل كما يقولون وليس كما يفعلون، أفعال ريائية، حماسة التبشير الزائفة، القسم الزائف، تصفية البعوض وبلع الجمال، تزيين القبور 2:23-3، 5، 7 ب-10، 15-22، 24، 26 (؟)، 27
هـ. متفرقات
تطويبات 7:5-9 ربما 4و10
أنتم نور العالم 14:5، 16-17
لا تهتموا للغد 34:6
ليس للحقراء لآلئ، البوابة الضيقة، الأنبياء الكذبة 6:7، 13، 14، 15
احملوا نيري الهين 28:11-30
شيء ما أعظم من السبت، تحكم بكلامك 5:12-6، 7، 36-37
معارضة اقتلاع الفريسيين المرائيين 12:15-13
لا تحتقروا “أحد هؤلاء الصغار” الربط والحل 10:18، 18-20
الخصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات 10:19-12

لقد قال كيلباتريك إن “م” كان مصدراً مكتوباً يتضمن مادة تعليمية فقط، وقد قام هذا المبشر بإضافة القصص السردية إلى إنجيل متى. وقد عززت المادة المأخوذة من المصدر “م” حجم المضمون التعليمي الخاص الوارد في متى. كما خلص كيلباتريك إلى وجود ضعف في الترابط في المصدر “م”: “نظراً للافتقار إلى الروابط والقصص والسرد وأشياء أخرى، فتستحيل مشاهدة خطة المصدر وصفته الشكلية ككل.” كما يظهر صغر حجم “م”: 170 آية، وافتقاره إلى الترابط الداخلي والقصص السردية، أن “م” كان وثيقة بدائية. ولم يتأكد كيلباتريك من مكان وتاريخ والشخص الذي قام بتأليف “م”.

على الرغم من عدم انبثاق صورة وحيدة ليسوع من المصدر “م”، إلا أنه يصفه إلى حد ما بالزعيم الآمر الناهي الذي أسس الكنيسة، وليس فقط جماعته البابوية. فيسوع يرسل أتباعه فقط لليهود، ويعيد تفسير شريعة موسى لتحقيق مقصده الأصلي، وأن معيار حكم الله سيكون هو الصواب في نهاية المطاف، أي تحقيق المطلب الداخلي للناموس كما فسره يسوع. فقد اقتربت نهاية العالم، ويسوع هو المبشر بذلك.

جاءت المحاولات الرئيسية الثلاث لعزل “م” في النص الأول من القرن العشرين، ولم يتم القيام بأية دراسة مماثلة منذ ذلك الحين([7])، فربما تم تضييق البحث في “م” بسبب الرأي القائل بأن مادة متى الخاصة تحتوي نسبياً على القليل من تعاليم يسوع الأصلية بالمقارنة مع مرقص أو وثيقة “ق”. ونرى مع الأسف أن مانسون قد صاغ الأمر بصورة مؤكدة، وذلك عندما اقترح أنه ينبغي التعامل مع محتويات “م” بحذر لأنها عانت من الغش من جانب اليهود. وعندما يبدأ علماء العهد الجديد بالبحث عن يسوع التاريخي وتعاليمه الأصلية، فإنهم يتركون وراء ظهورهم “م” ومحتوياته.

ومع ذلك، تكون الدراسات صحيحة عندما تخلص، بالاعتماد على أسباب أخرى – إلى أن مادة متى الخاصة لا تشير على الأرجح إلى أي مصدر، سواءً كان مكتوباً أو شفهياً أو مزيجاً من الاثنين معاً. فانعدام الإجماع على محتويات “م” وبنيته الأساسية ينشأ من التباين الكبير في المادة الخاصة بمتى. فهذه المادة، التي هي ببساطة تختلف كثيراً في الشكل والمضمون، لا يمكنها الدلالة على كونها وثيقة واحدة، الأمر الذي من شأنه أن يجعلنا نتوقع أنها تحتوي على رسالة دينية وبعض الأنماط الأدبية الشائعة.

فهذا الحكم موضّح في الدراسة التي قام بها كيلباترك، حيث يقول إن نحو ثلث “م” هو إما مواد أخرى مرفقة إلى الأقسام الرئيسية، أو عبارة عن متفرقات متنوعة تبدو غير ذات صلة. وكما يقول أودو شينيلي: “إن مجموعة مواد متى الخاصة ليست مجموعة موحدةً من التقاليد، بل تفتقد إلى الدوافع التنظيمية اللاهوتية بصورة ملحوظة، وبالكاد تكون مخصصة لدائرة واحدة من حاملي التقاليد.”([8])

وعلاوة على ذلك وكما هو الحال مع لوقا، فإن من الصعب التمييز بين مادة المصدر وبين التنقيح الذي قام به المبشر. إن التوجه اللاهوتي لمعظم مواد “م” قريب جداً، إن لم يكن مطابقاً، للنظرة الدينية لمؤلف إنجيل متى.

وهناك دراسة متأنية لمادة الأقوال الخاصة في متى قام بها “ماثيو ستيفنسون هـ بروكس” تميل إلى إثبات صحة هذا الاستنتاج بالنسبة لـ”م” ككل. ويقوم بروكس بعزل وتجديد الأقوال القصيرة في “م” ويبين أن “م” يعكس تاريخ مجتمع متى. ويخلص إلى أنه لم يكن هناك مصدر وحيد مكتوب للأقوال الواردة في “م”، وذلك للأسباب التالية:

  1. هناك عدد قليل من الارتباطات التحريرية الملحوظة في الأقوال المجموعة لـ”م”.
  2. تُظهر اللمسات السردية الثانوية في الجمل والعبارات الانتقالية دليلاً صغيراً على أصله الذي يعود لما قبل متى.
  3. لا يُظهر أسلوب ومفردات أقوال “م” المعزولة جنس الوحدة النمطية لمصدر مكتوب. وهكذا، في حين أن بعض المواد قد تكون مكتوبة، يبدو أن معظمها كانت موجودة في التقاليد الشفوية وحدها. علاوة على ذلك، فإن مادة الأقوال التي ربما تعكس تاريخ ثلاثين إلى أربعين عاماً تشير إلى احتمالية عدم وصول المادة إلى متى من مصدر واحد.

وعلى الرغم من أن بروكس لا يوضح هذا الاستنتاج بالتفصيل، فمن المعقول أن نفترض أنه إذا كانت أقوال “م” القصيرة لا تعكس مصدراً مكتوباً، فإن الشيء نفسه ينطبق على الأرجح على مجموعة متى الخاصة بأكملها. وبالتالي، في حين قد تكون بعض أجزاء مادة متى الخاصة وصلت إليه من مصادر مختلفة، فإن الدليل لا يشير إلى أنه استخدم مصدر “م” الوحيد، سواءً كان مكتوباً أو شفهياً، الذي يحتوي على معظم مادته الخاصة.

وعلى الأرجح، تعكس هذه المادة تاريخ منتصف إلى أواخر كنيسة متى أكثر من كونه مصدراً سابقاً مستقلاً جاء إلى كاتب الإنجيل كما جاء “ل” إلى لوقا. خلاصة القول: لا يوجد أي مصدر من خارج القانون الكنسي يشهد على يسوع التاريخي في مادة متى الخاصة.

مصدر الإشارات للإنجيل الرابع: يسوع المسيح

يتراءى للقراء المتبصرين في الإنجيل الرابع وكأنه يشمل على نهايتين. الأولى، يوحنا: (20/30-31)، حيث يتحدث عن الإشارات، أو معجزات يسوع، التي كتبها المؤلف ليقنع قراءه أن يسوع هو المسيح. والثانية، يوحنا: (21/24-25)، وهي على غرار الأولى حيث تؤكد على حقيقة شهادة الرسول الحبيب الواردة في الإنجيل الرابع، وتوضح بعبارة بليغة مبالغ فيها أن العالم لا يمكن أن يحتوي على الكتب التي ينبغي أن تكتب حول الأشياء التي قام بها يسوع.

وقد ألمحت النهاية الأولى التي تؤكد على الإشارات ووصف الإشارات التي تشكل معظم إنجيل يوحنا (1-11)، ألمحت للبعض في أن الإنجيل الرابع يحتوي على “مصدر الإشارات”. كلمة المصدر “source” وهي بالغة الألمانية “Quelle“، ومن هنا جاء الرمز التقليدي “SQ” الذي يرمز إلى مصدر الإشارات

لقد بدأ نقد مصدر الإنجيل الرابع في أوائل القرن العشرين بعد مواصلة نقد مصادر الأناجيل السينوبتية. فقد قام علماء بارزون مثل: يوليوس فلهاوزن، ويلهلم بوست، موريس غوغيول، إدوارد شفايتزر، جوشيم يريمياس، ورودولف بولتمان، بالعمل عل مصادر يوحنا. وكان التحليل النقدي الذي قدمه بولتمان عام 1941 شاملاً عندما علق على مصدر يوحنا، حيث استنقذ هذا المصدر، ولعقود عديدة، مزيداً من العمل الخلاق في ه1ا المجال. فقد افترض بولتمان وجود عدة مصادر، بما في ذلك مصدر الإشارات ومصدر آلام مستقل، وأعاد ترتيب محتويات يوحنا بصورة معقدة.

وبالتنقيح المستمر من خلال إحدى وعشرين طبعة، ظل موقف هذا الكتاب الذي ينقد مصدر يوحنا مجالاً للمناقشة لمدة ثلاثين عاماً، وما يزال هذا الكتاب مهماً. فمنذ الحرب العالمية الثانية حتى نحو عام 1970 اكتفت محاولة بحثية محدودة للغاية بالكشف عن عمل بولتمان. كما لم يتم الإجماع على مصادر الإنجيل الرابع، مع استثناء رئيسي وحيد. فقد اتفق معظم نقاد المصادر وكثير من المعلقين مع بولتمان على أن بعض أساليب مصدر الإشارات تشكل أساس يوحنا. ومن ثم فتحت اثنتان من المحاولات الجديدة المسألة، الأولى: كانت عام 1970 بقلم روبرت فورتنا، “إنجيل الإشارات: تجديد مصدر السرد الذي يشكل أساس الإنجيل الرابع”.

والثانية: كانت عام 1989 بقلم إيرين فون واهلد، “النسخة الأولى لإنجيل يوحنا: استعادة إنجيل الإشارات”. حيث سيشكل هذان الكتابان أساس تحليلنا هنا. وسوف نقوم بوصف فرضية “فورتنا” ودراستها كونها المساهمة الرائدة والأكثر نفوذا في الآونة الأخيرة التي تنقد مصدر يوحنا، ومن ثم البحث في عمل “فون واهلد” باختصار.

محتويات مصدر الإشارات كما حدده “فورتنا” في يوحنا:

6:1-7، 19-23، 26-27، 32-34 شهادة يوحنا المعمدان
23:1-24، 35-50 تعميد التلاميذ الأوائل
إشارات يسوع
1:2-3، 5-11 الأولى: تحويل الماء إلى خمر
46:4-47، 49-54 الثانية: شفاء ابن خادم الملك
2:21-8، 10-12،14 الثالثة: اصطياد السمك بكميات كبيرة
1:6-3، 5، 7-14 الرابعة: إطعام الحشود
15:6-22، 25 فاصل: السير على الماء والنزول الخارق على اليابسة
1:11-4، 7، 11، 15، 4:4-7، 9، 16-19، 25-26، 28-30، 40، 17:11-20، 28، 32-34، 38-39، 41، 43-45 الخامسة: أخبار مرض لازاروس، الرحلة إلى يهوذا، إيمان امرأة سامرية، قيام لازاروس
1:9-3، 6-8 السادسة: شفاء الرجل الذي وُلد أعمى
2:5-9، 14 السابعة: شفاء الرجل المريض منذ ثمانية وثلاثين عاماً
موت يسوع وقيامته
14:2-16، 18-19، 47، 53 تنظيف الهيكل، مؤامرة القتل
1:12-5، 7-8 الدهن في بيت عنيا
12:12-15 دخول المنتصر
متفرقات وُجدت في 27:12، 2:13 أ، 4-5، 12-14، 18 ب، 21 ب، 26-7، 37-8، 31:14ب، 32:16ب العشاء الأخير
1:18-5، 10-12 الاعتقال
13:18، 24، 15-16، 19-23، 16-18، 25-28 يسوع في بيت رئيس الكهنة
28:18، 33، 37-38، 15:19، 39:18-40، 6:19، 12-14، 1-3، 16 المحاكمة أمام بيلاطس
16:19-20، 23-24، 28-30، 25، 31-34، 36-42 الصلب والدفن
1:20-3، 5، 7-12، 14، 16-20 القيام
30:20-31 الخاتمة: “هذه الإشارات مكتوبة لتؤمنوا”

يقدم “فورتنا” مناقشة موجزة لطبيعة مصدر الإشارات، فقد كان هذا المصدر عبارة عن كتاب مكتوب، كما توضح خاتمته الموجودة الآن في يوحنا (30:20-31). فهو إنجيل مثله مثل إنجيل متى ومرقص ولوقا وحتى يوحنا فكلها أناجيل، فهو يقدم قصة مترابطة ليسوع من بداية كهنوته، مروراً بآلامه، إلى الخاتمة التي تنتهي بالقيامة. ويتم تقديم كل هذا على شكل رسالة للإيمان بها، كما توضح خاتمته. وبما أنه لا يحتوي على تعاليم متقدمة ليسوع، فهو إنجيل بدائي، إلا أنه يبقي إنجيلاً.

إن مصدر الإشارات مصدر يهودي مسيحي نظراً للأسلوب ولاسيما المحتوى اليوناني الوارد فيه. فهو ليس لديه شك بقضية الوثنيين، وليس هناك خلاف بشأن الحفاظ على شريعة موسى. وعلاوةً على ذلك، وعلى الرغم من أن “فورتنا” لم يوضح ذلك، إلا أن مقصده يشير إلى أن المجتمع الذي أنتج هذا الإنجيل كان على اتصال تبشيري نشط مع المجتمع اليهودي الكبير، حيث يصعب تحديد الطبيعة الاجتماعية لهذا المجتمع أياً كانت جذوره، قد يكون المجتمع الناطق باللغة اليونانية، الذي استخدم ذلك المصدر على أنه إنجيل، قد يكون موجوداً في أي مكان من العالم الهيلينستي.

ولم يستطع “فورتنا” تحديد تاريخ مصدر الإشارات بأي قدر من الدقة، فقد تكون كتابته تمت قبل أو بعد التمرد اليهودي الأول 66-70م.

ووفقاً لفورتنا، كان القصد من مصدر الإشارات أن يكون بمثابة الكتاب التبشيري الذي يحمل هدفاً وحيداً إلا وهو الإثبات لليهود الذين قد تحولوا إلى النصرانية أن يسوع هو المسيح([9]). ففورتنا يؤول عقيدة مصدر الإشارات على أنها مسيحانية بحتة. فمعجزات يسوع هي إشارات على وضعه المسيحاني، وقد جعل وصف آلامه في مصدر الإِشارات “مسيحانياً” بإضافة أقوال يسوع التي تلفت الانتباه إلى موقفه المسيحاني.

ويمنح مصدر الإشارات ألقاباً كثيرةً ليسوع مثل: المسيح / يسوع المسيح، ابن الله، حمل الله، ملك اليهود، الرب، إلا أن اللقب الأول يشكل محور الارتكاز بالنسبة لباقي الألقاب. وهناك تأكيد مستمر على حقيقة مسيحانية يسوع إلى درجة الاستبعاد الكامل لأي شرح لطبيعتها. وهذا من شأنه الإشارة إلى أن كلاً من مصدر الإشارات والمجتمع اليهودي الكبير الذي كان هدفاً للتبشير كان لديهما فهم مشترك لما تتطلبه المسيحانية، الفهم الذي تمحور بوضوح حول فكرة أن المسيح يثبت نفسه بالمعجزات.

إن مصدر الإشارات هو في الواقع، إذا استخدمنا توصيف فورتنا: “ضيق” و”بدائي” بالمقارنة مع الأناجيل الكنسية. وربما يعود سبب ضيقه إلى غرابته وغرضه المنفذ بدقة: أي إقناع قرائه أن يسوع هو المسيح الذي ينبغي الإيمان به.

إن العمل الذي قام به إيرين فون واهلد عن نقد المصدر يؤكد على محاولات فورتنا تقريباً، فهو يسعى، كما يشير عنوان كتابه، إلى استعادة “النسخة الأولى” لإنجيل يوحنا، حيث ينطوي على هذه الطريقة اكتشاف الطبقات الأدبية في الإنجيل الحالي. ومن ثم يقوم قون واهلد بالاستفادة من “الفروق اللغوية” الأربعة، مثل المصطلحات المستخدمة للسلطات الدينية والمعجزات واليهود.

وبعدها يقوم بتطبيق تسعة “معايير أيديولوجية” مثل: الصيغ النمطية للاعتقاد، ردة فعل الفريسيين على الإشارات، الانقسام في الرأي حول يسوع، ولاسيما “غلبة السرد”. ويتبع ذلك المعايير اللاهوتية، بما في ذلك المسيحانية ومذهب الخلاص. أخيراً، يتم توظيف خمسة معايير متنوعة.

كما يقدم تحليله سبعاً وثلاثين وحدة تغطي كل مصدر فورتنا تقريباً، وتوسعه بنسبة تقارب الثلث. يحتوي إنجيل الإشارات هذا على مقاطع انتقالية أكثر من إنجيل فورتنا، كما يحتوي على علامات تتذر بموت يسوع. ويفسر فون واهلد خلفية المصدر وعقيدته بنفس طريقة فورتنا. فالإِشارات تلفت الانتباه إلى قوة يسوع وتولد الإيمان به لاسيما بين عامة الناس. كما أن مسيحانية المصدر ضئيلة إلى جانب وجود خلفية خاصة لتصنيف موسى.

ويؤكد في يهودا، نظراً للتأكيد على كهنوت يسوع هناك، وربما تكون كتابته قد تمت في الفترة الواقعة بين 70 و80م في المجتمع اليهودي المسيحي. على العموم، ليست طريقة متطورة أو مطبقة بدقة كطريقة فورتنا، فعمل الأخير يبقى المحاولة الرائدة في فهم مصدر الإشارات.

لقد ذكر ريموند براون بدقة: “لا يمكن للمرء في العقود الأخيرة من القرن العشرين التحدث عن نهج مجمع عليه ليوحنا.” وعلى وجه الخصوص بين أولئك الذين يتمسكون بمصدر الإشارات، وليس هناك توافق قوي حول ما يحويه بالظبط. إن النقطة الرئيسية في انعدام التوافق هذا تثير المخاوف فيما إذا كان مصدر الإشارات يحتوي على سرد للآلام والقيامة. هل مصدر الإشارات فريد بين جميع المصادر التي سبقت المصادر الكنسية باحتوائه على مثل هذا السرد، أم أنه احتوى على الإشارات فقط التي قام بها يسوع خلال كهنوته؟

لقد قام كل من فورتنا وفون واهلد بإعادة تجديد كاملة لأناجيل الإشارات بسرد عن الآلام والقيامة، إلا أن العديد من العلماء لم يوافقوا على ذلك. فعلى سبيل المثال، افترض بولتمان وآخرون جاؤوا بعده مصادر منفصلة عن الآلام والقيامة. فالقليل القليل في النصف الأول من مصدر الإشارات الذي أعده فورتنا يشير إلى موت يسوع، والقليل القليل في النصف الثاني يشير مجدداً إلى النصف الأول. وعلاوةً على ذلك، بوضع فورتنا تطهير المعبد ومؤامرة القتل في بداية سرد الآلام، لا يظهر النصف الأول لمصدر الإشارات الذي أعده أي عداء ضد يسوع الذي من شأنه أن يؤذن بموته.

إن انعدام الإشارة إلى موت يسوع وقيامته غريب حقاً بالنسبة للنصف الأول من إنجيل كامل، حتى ولو كان إنجيلاً بدائياً. أيضاً، يظهر النصف الثاني لمصدر الإشارات الذي أعده الصيغة التالية: “وهكذا، تم الإيفاء بالكتاب المقدس”، الأمر الذي لم يظهر النصف الأول. يبدو هذا التناقض غير معقول في حال كان مصدر الإشارات يشكل إنجيلاً كاملاً بسرد عن الآلام والقيامة.

لماذا يجب على إنجيل إشارات الإصرار على أن آلام يسوع هي الإيفاء بالكتاب المقدس بدلاً من استخدام حجة دينية واضحة لإثبات مسيحانية يسوع؟ علاوةً على ذلك، قد تمون الإشارات السبع، وهو عدد الكمال الإنجيلي، التي قام بها يسوع، دلالة على أن مصدر الإشارات تعامل فقط مع كهنوت يسوع العلني ولم يتعامل مع آلامه وقيامته كذلك.

إقرأ أيضاً:

([1]) سيكون الفصل القادم مجالاً للبحث في إنجيل مرقص السري وإنجيل بطرس كمصادر ممكنة لإنجيل مرقص الكنسي.

([2]) هذه الاستثناءات هي إغفال المواد من مرقص: 17:6-29 و45:6-8: 26. ومن ناحية أخرى يستند تأليف لوقا لرواية السفر في قسمه المركزي: 51:9-27:19 على مرقص: 10.

([3]) كتب مارشال في كتابه: إنجيل لوقا، الصادر عام 1978: “إن إخلاص لوقا العام لمصادره “م” أي مرقص، و”ق” تجعل المرء يشكك بالقول أنه أوجد مادةً كبيرةً في الإنجيل، وأنه من الأكثر منطقية أن مواقف لوقا تشكلت إلى حد كبير من خلال الأعراف التي ورثتها”.

([4]) كتب جوزيف فيتزماير في كتابه: الإنجيل حسب لوقا، الصادر عام 1981: “على الرغم من عدم يقينه فيما إذا كان “ل” مصدراً مكتوباً أو شفهياً، أو فيما إذا كان ممكناً وضعه على قدم المساواة مع “ق” أو مرقص، في قائمة فقراته… التي أعتقد أنه استمدها من “ل”، فهو يورد جميع مواد لوقا الخاصة”.

([5]) إن تحليل المحتوى الذي قام به “بافينروث”، لتميز المصدر عن التأليف الذي قام به لوقا، قد يؤدي في بعض الأحيان إلى التفكيك الكبير بينهما. فعلى سبيل المثال، لقد رأى الكثير من مفسري “ل” أن قصة زكا تتماشى مع لاهوت لوقا، وليست على خلاف معه. ثانياً، إن استخدامه لكلمات تثير الاهتمام من أجل اكتشاف وحدة المصدر التكوينية والموضوعية يمكن أن يتم انتقادها على أنها ليست الطريقة الدقيقة، مثلاً: عندما يكرر كلمة “الشرف”، التي لا تأتي على نحو صريح. وبذلك لا يمكن أن تكون أساساً لتكوين كلمات تثير الاهتمام.

أخيراً، يمكن التساؤل عما إذا كان قد استخدم لوقا “ل” بترتيبه الأصلى. يقدم بافينروث بعض الحجج الوجيهة من المضمون والأسلوب للإشارة إلى أن لوقا فعل ذلك. ومع ذلك، ونظراً لأن لوقا استخدم مرقص في الغالب بترتيبه واستخدم أيضاً “ف” بترتيبه الأًصلى على الأرجح، ربما كام من الصعب له استخدام مصدر “ل” بترتيبه الأصلي أيضاً. وعلى الرغم من هذه الانتقادات، يسهم تحليل “بافينروث” الشامل باستمرار في البحث في “ل”، هذه المساهمة يجب أن تأخذها البحوث التي ستجري في المستقبل بعين الاعتبار.

([6]) هنا يجب علينا أن نتذكر بأننا نملك هذه المصادر الافتراضية بالقدر الذي استخدمه كتاب الأناجيل لها. فعلى سبيل المثال، إن استخدام لوقا لمرقص على نحو انتقائي وخلاق لهو مؤشر حسن له بأنه قد يكون استخدم “ل” بالطريقة نفسها.

([7]) علق مانسون على نصوص “م” وقدم لها خلاصة من ثماني صفحات، تتناقش فيها السمات العامة والمواضيع اللاهوتية لـ”م”. ومع ذلك، فقد أفسد تحليله عندما أدرج الكثير من النصوص المعروف أنها تعود لـ”ق”.

([8]) شنيل، كتابات، 174. – ومع ذلك، فقد قال هانز كلاين: إن “م” منظم في ثلاث فئات وفقاً للشكل وللمضمون، وإن القصص التي تتحدث عن التحول إلى الفقراء وإلى المعاناة، والأقوال حول الناموس التي تحذر من التراخي في الحياة، والأقوال بشأن المجتمع وكل من القادة والأتباع، كل ذلك يبني أساساً متيناً لحياة الكنيسة.

([9]) يتعارض هذا الرأي مع الفهم العام بأن الأدب المسيحي المبكر كان من أجل الاستخدام الداخلي.

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

Exit mobile version