كيف عرفنا يسوع – هل الأناجيل صادقة؟

كيف عرفنا يسوع – هل الأناجيل صادقة؟

كيف عرفنا يسوع – هل الأناجيل صادقة؟

كيف عرفنا يسوع – هل الأناجيل صادقة؟

 

في دراستنا لحياة يسوع وتعليمه، أخذناه أمراً مسلماً به أنه بمقدورنا أن نتعلم بالفعل شيئاً عنه من الأناجيل العهد الجديد. وقد عرفنا أن الأناجيل ليست سيراً ذاتيه ليسوع. وقد عرفنا أن الأناجيل ليست سيراً ذاتية ليسوع، بقدر ما هي مختارات منتقاة من أقواله وأعماله، جمعت معاً بسبب نفعها في خدمة الكرازة التي قامت بها الكنائس الأولى، ولكننا لم نأخذ هذه الحقيقة كسبب للتشكيك في مصداقيتها العامة بالنسبة ما روته عن حياة يسوع وتعليمه.

وفي غالبية النقاط شعرنا بأنه لدينا ما يبرر قبولنا لهذه السجلات كصورة عما كان عليه يسوع بالفعل، لا أن نعتبرها دراسات للحالة النفسية التي كان عليها المسيحيون الذين كانوا أول من كتبوا عنه.

ومع ذلك، يجب الاعتراف صراحة أن هذا الافتراض كان عرضة للشك من قبل عدد من الاتجاهات المختلفة. ولسنا في حاجة أن نتقبل بجدية أولئك الكتبة الذين يدعون بين آونة وأخرى أنه لم يكن ليسوع وجود على الإطلاق، ذلك أن لدينا دليلاً واضحاً على عكس ذلك من عدد من المصادر اليهودية واللاتينية والإسلامية. إلا أنه حين يدعي أناس درسوا العهد الجديد فترة طويلة أن الأناجيل لا تكشف شيئاً له أهميته عن يسوع، هنا علينا أن نواجه حججهم بك جدية.

ولعل أكثر التعبيرات تطرفاً في جيلنا بالنسبة لهذا الرأي ترتبط باسم رودولف بولتمان. ذلك أنه في كتاب صدر لأول مرة سنة 1934، ذكر قولته اللافتة للنظر: “أعتقد أننا نكاد لا نستطيع أن نعرف الآن شيئاً عن حياة يسوع وشخصيته”. وما يقصده بولتمان على وجه الدقة من قوله هذا يجب أن نقرره على ضوء بعض كتاباته الأخرى، حيث يوضح أنه يؤمن بالفعل بعناصر معينة من تعليم يسوع التي نجد في الأناجيل أن يسوع هو الذي قالها بنفسه. إلا أن بولتمان وحتى آخر يوم في حياته ظل متشككاً من ناحية احتمالية وقيمة المعرفة عن “يسوع التاريخي”.

وليس كل أتباع بولتمان كانوا متشككين مثله تماماً. وبمقدورنا أن نلمس هذا بوضوح كاف من كتاب جونثر بورنكام Gunther Bornkamm “يسوع الناصري” حيث يبين هذا حتى من وجهة النظر المتطرف التي يقول بها نقاد الصيغ. إلا أنه يتبقى مع ذلك الكثير مما يمكن معرفته بثقة عن يسوع. ولكنه، برغم كل هذا، فإن هؤلاء الباحثين الذين كانوا هم أكثر تأثراً ببولتمان وتناوله لنقد صيغة الأناجيل، فإنهم أخذوه أمراً مسلماً به بصفة عامة أن الأناجيل هي بصفة أساسية تعتبر سجلاً لمعتقدات الكنيسة الأولى عن يسوع، أكثر من كونها نوعاً من الروايات عن يسوع بالشكل الذي كان عليه حقيقة.

ومن الواضح أن معرفتنا بيسوع ليست هي نفس معرفتنا ونستون تشرشل Winston Churchill أو مارتن لوثر Martin Luther أو حتى بولس الرسول مثلاً. لأنه بمقدورنا أن نعرف هؤلاء الناس من خلال كتاباتهم وأقوالهم المسجلة. والواقع أنه بالنسبة لحالة لوثر وبولس، فإن المصدر الرئيسي لمعلوماتنا عنهما هي الكتب التي كتباها بنفسيهما. غير أن يسوع لم يكتب كتاباً. فقط أمضى حياته القصيرة كمعلم متجول، يعمل في أنحاء قاصية تقريباً من الإمبراطورية اليونانية، وبين أناس ربما لم يكن لهم أية اهتمامات بالموضوعات الأدبية.

ومن غير المحتمل إطلاقاً أن تكون أقوال يسوع وأعماله قد كتبت سواء بنفسه أو بواسطة أي شخص من معاصريه. وفضلاً عن ذلك نعرف أن يسوع كان يعيش في مجتمع لغته الأساسية هي اللغة الآرامية، ومع ذلك فإن معرفتنا بتعليمه جاءت من مصادر مكتوبة باليونانية. ومن المحتمل أن اللغة اليونانية كانت معروفة لشخص نشأ في الجليل. إلا أنه من المؤكد أن معظم تعاليم يسوع لم تعط أساساً بهذه اللغة، ولذلك فإن الأناجيل كانت ترجمة لأقوال يسوع باللغة التي كانت سائدة في الإمبراطورية الرومانية.

وعلاوة على ذلك، فإنه من نتائج تناقل أقوال يسوع باللغة اليونانية، أنه لدينا الآن في أناجيلنا قصص متباينة مما هو واضح أنه نفس التقليد الأساسي. فعلى سبيل المثال، إذا أخذنا الصلاة الربانية، سنجد أن إنجيلي متى ولوقا يحتفظان بترجمات مختلفة[1]. والتشابهات وثيقة جداً حتى إنه لا يوجد أي شك في أننا نتعامل مع نفس التقليد الأساسي. لكن الاختلافات بارزة ولا يمكن تفسيرها على أنها مجرد أشكال مختلفة من الترجمات. ونفس الملاحظات يمكن أن تقال بالنسبة لنقاط كثيرة أخرى في الأناجيل، وهي الحقائق الجوهرية التي يهتم بها نقاد الصيغ والتنقيح والمصدر.

ولا ينبغي علينا أن نضخم المشاكل. فهناك أجيال كثيرة من قراء الإنجيل ممن لا يعرفون شيئاً عما توصل إليه مفكرو العصر الحديث، لم يجدوا صعوبات كبيرة في التعامل مع هذه الأمور. فعلى الرغم من وضوح القصص المختلفة عن يسوع، أو التقارير الخاصة بتعليمه، فمن الواضح أنه يوجد ترابط منطقي داخلي في الأناجيل ككل. وليس من الصعوبة بمكان أن نجمع معاً قصة مما قدمته لنا الأناجيل مجتمعة من “تعليم يسوع”، ثم إن العناصر الأساسية لهذا التعليم هي نفسها التي نجدها في كل الأناجيل الأربعة.

التعرف على أقوال يسوع الصحيحة

ولكن كيف لنا أن نتأكد من أن الأناجيل تحتوي على تعليم يسوع نفسه، وليس انطباعات الكنيسة الأولى عن يسوع؟ كان هذا السؤال موضوع مناقشة بين باحثي العهد الجديد طوال العقد الماضي أو ما يقرب من ذلك، ولا زال النقاش مستمراً. وكإجابة محتملة صممت بعض الاختبارات والتي اعتبرت وسائل يمكن الاعتماد عليها للتعرف على التعليم الحقيقي ليسوع في الأناجيل.

ولقد طبقت هذه الاختبارات بشكل شامل على الأناجيل المتشابهة بواسطة البروفسور نورمان بيرين Prof. Norman Perrin. وقد حدد ثلاثة اختبارات أو معايير منفصلة، تباحث على أساسها بأن هناك على الأقل ثلاثة مجالات في الإنجيل يمكن بيان مصداقيتها، وهي: الأمثال، التعليم الخاص بملكوت الله، والموضوعات المذكورة في الصلاة الربانية.

اختبار التمييز The test of distinctiveness

اختبار التمييز، سبق أن استعمله بولتمان نفسه في كتابه: “تاريخ تقليد الأناجيل المتشابهة”. وهو يقوم على افتراض أن أي شيء في تعليم يسوع يمكن أن يكون له نظير في التعليم اليهودي، أو في الفكر اللاهوتي للكنيسة الأولى يكون عرضة للشك في مصداقيته، لأنه يكون قد جاء وليد هذين المصدرين وليس من ذكريات حقيقية ليسوع.

وذلك حيث يكون تعليم يسوع فريداً تماماً ومميزاً فهنا نكون على ثقة أننا في اتصال مباشر بيسوع نفسه. ويمكننا أن نقدم أمثلة على ذلك باستعمال يسوع لكلمة “أبا” (أي أب) في مناجاته لله، وأسلوبه المميز في استهلال أقواله الهامة بعبارة الحق…). وعلى قدر علمنا فإن معلمي اليهود أو الكنيسة الأولى لم يستعملا هاتين الوسيلتين.

وهناك مفكرون كثيرون قد يتفقون مع بروفسور بيرن Perrin حين يدعي أن المعلومات التي تستخلص من الأناجيل بهذه الوسيلة تمثل حداً أدنى من المعرفة التاريخية عن يسوع لا يمكن انتقاصه.

لكننا إذا فحصناه بمزيد من العناية، فإنه من المشكوك فيه أنه حتى هذا الادعاء المتواضع يمكن تبريره تماماً على أساس هذه الوسيلة بعينها. لأن استخدامها بنجاح يعتمد بشكل كلي على الافتراض الآخر بأن معرفتنا الحاضرة باليهودية والكنيسة الأولى هي على وجه التقريب معرفة كاملة. ومع ذلك، فالحقيقة هي أننا لا نعرف سوى القليل جداً عن شكل اليهودية أيام يسوع.

فالمعلومات الجديدة تكتشف وتقيم بصفة مستمرة، ومن المؤكد أنه ستظهر معها نظائر جديدة لتعليم يسوع. وعلى ذلك فإن معيار التمييز كوسيلة يعد مشورة يائسة. والأمر لن يحتاج إلا إلى فترة من الوقت حتى يتم التوصل إلى النتيجة المنطقية، وهي أنه لا يمكن أن يعرف شيء مؤكد عن يسوع. إلى جانب ضعف هذه الوسيلة، توجد مشكلتان كبيرتان تتعلقان بهذا المنهج بالذات.

وحتى هذه الصورة المحدودة عن يسوع والتي جاءت وليدة هذه الوسيلة لا بد أن تكون غير واقعية وغير صحيحة في واقع الحياة، لأنها تفترض أن يسوع كان معزولاً تماماً عن الظروف المحيطة به. والقول المأثور: النص بلا قرينة هو نص مزعوم “A text without a content is a pretext” ينطبق هنا، كما هو الحال كثيراً بالنسبة للعظات الحديثة. فلا بد وأن يكون للمسيح سياق أو قرينة. ومن المؤكد أن قرينته كانت يهودية.

ومن المؤكد أيضاً أنه لا بد وأنه كان هناك قدراً من الاستمرارية بين يسوع والكنيسة الأولى. ويسوع الفريد بمعنى أن تعليمه لا علاقة له باليهودية أو بالكنيسة الأولى ليس من المحتمل أن يكون يسوع الحقيقي. وإذا لم يستطع هذا الاختبار الكشف عنه فلا بد وأن يحكم عليه بالفشل.

هناك مساحات كبيرة وهامة في الأناجيل لا تصلح فيها هذه الطريقة إطلاقاً. لنأخذ موضوع تعليم يسوع عن نفسه. فبالنسبة لهذا الموضوع يؤدي اختبار التمييز إلى نتائج سلبية تماماً بالنسبة لكل الألقاب الكبرى التي تمت نسبتها ليسوع. فألقاب (المسيا)، (ابن الله)، (ابن الإنسان)، استعملها كثيرون في الكنيسة الأولى، ومن ثم فإن تطبيق هذا الاختبار سيؤدي إلى استنتاج أن يسوع لم يعط أي تعليم عن مصيره وشخصه.

ونفس الشيء يحدث بالنسبة لموضوعاته الأخروية، لأن هذه يمكن أن يوجد لها مثيل في اليهودية وفي مصادر الكنيسة الأولى. بل أن التعليم المميز الخاص بالموعظة على الجبل سوف يستبعد للسبب نفسه، ذلك أن بولس يظهر أنه على معرفة واضحة بذلك (انظر رو 12-14). وعلى ذلك فإنه توجد غلطة جوهرية في مفهوم هذه العملية كلها. لأنه لا مفر من أن هذا سيؤدي – سواء من الناحية النظرية أو العملية – إلى الادعاء بأنه لا يمكن أن نعرف شيئاً مفيداً عن يسوع من الأناجيل.

 

اختبار الترابط المنطقي The test of coherence

الذين يستخدمون هذه الاختبارات لا يجهلون المشاكل المرتبطة باختبار التمييز. ولذلك يقدم بيرين Perrin اختباراً آخر يمكن استخدامه معها. وهذا هو ما يعرف باسم “اختبار الترابط المنطقي”. وهي يقوم على افتراض أن أية مادة في الأناجيل تتناغم مع التعليم الذي ينجح في اجتياز اختبار التمييز يمكن اعتبارها تصريحاً حقيقياً لما قاله أو علمه يسوع.

ومن الناحية الظاهرية، يبدو هذا الاختبار الآخر واعداً. ولكن هذا بالطبع يعتمد وبشكل كبير جداً على التطبيق الصحيح للاختبار الأول. وسبق لنا أن عرفنا الصعاب التي تحيط به، فإذا لم يؤد إلى نتائج أكيدة، فهنا يكون هذا الاختبار بلا فائدة أيضاً.

وعلى أية حال فإنه من الصعب جداً الحكم على ما هو مترابط منطقياً، وما هو ليس كذلك. وحتى لو افترضنا أنه يمكننا أن نصدر حكمنا في هذا الشأن، فليس من ضمان في أن ما بدا لنا مترابطاً سيبدو كذلك بالنسبة للكنيسة الأولى. وهكذا نواجه مرة ثانية مصاعب عملية بالغة في تطبيق هذا الاختبار على تقاليد الإنجيل.

اختبار أكثر من مصدر The test of more than one source

هناك محك ثالث كثيراً ما استخدم لتقييم التقاليد التي تتحدث عن يسوع، وهو لا يعتمد بصفة مباشرة على المحكمين الآخرين. وكثيراً ما كان يستخدمه مانسون T. W. Manson الذي لم يكن لديه وقت لمنهج نقاد الصيغ.

واستناداً لهذا الاختبار، فالتعليم المذكور في الأناجيل يكون من تعاليم يسوع حقاً إذا لم يوجد في أكثر من مصدر واحد من مصادر الإنجيل. وهذا الاختبار نافع في هذا النطاق، لأنه إذا ما تولد فينا نفس الانطباع من إنجيل مرقص ومن المصدر Q عن مضمون تعاليم يسوع، فإنه من المعقول والحال هذه أن نعتقد أن هذا الانطباع أصيل. ولكن اختبار المصداقية هذا اكتنفته أيضاً عدة مصاعب، ولو أنها ليس كبيرة كتلك التي كانت تواجه تطبيق الاختبارين الآخرين.

ç لا يمكن – بواسطة هذه الوسيلة – أن نقرر شيئاً بالنسبة لأقوال محددة نسبت إلى يسوع، لأنه توجد قصص أو أقوال قليلة جداً متضمنة في أكثر من مصدر واحد من مصادر الإنجيل. والواقع أن هذه الحقيقة تعد من الأسس التي يقوم عليها منهج نقل مصادر الإنجيل بجملته. فإذا كان نفس التعليم مقدماً في كل مكان، لما كان في وسع “ستريتر” أن يصيغ نظريته عن مصادر الإنجيل. وهذا مفاده أن أقصى ما تستطيع أن تكتشفه هذه الطريقة هو اللهجة العامة لتعليم يسوع وليس تقريراً مفصلاً عنه.

ç ثم إن هناك قيد آخر يشكل جزءًا لا يتجزأ من هذا الاختبار، لأنه قد يرفض تلك الأجزاء من تعليم يسوع التي توجد في مصدر واحد فقط من مصادر الإنجيل باعتبار أنها غير حقيقة. ومع ذلك، فهذه هي الحالة بالنسبة لبعض من أكثر أجزاء تعاليم يسوع المميزة. باستخدام هذا الاختبار، سينتج عنه رفض قصص مثل السامري الصالح (لوقا 10: 25-37)، أو الابن الضال (لوقا 15: 11-32) بصفة قاطعة من قصة حياة يسوع وتعليمه، وذلك لأنها لم توجد سوى في إنجيل لوقا فقط.

ç حين طبق مانسون وآخرون هذا الاختبار على الأناجيل استطاعوا أن يفترضوا فرقاً شديداً حقاً بين مصادر الإنجيل المختلفة، لأنه في ذلك الحين كان الباحثون البريطانيون يتبنون نظرية “ستريتر” وعلى نطاق واسع في صيغتها الأصلية تقريباً. إلا أن دراسة أكثر حداثة بينت أن موضوع العلاقات بين الأناجيل ومصادرها أكثر تعقيداً وبدرجة تفوق إلى حد كبير ما كان يعتقده “ستريتر”. فلم يعد بوسعنا الآن أن نفترض أن التقسم البسيط إلى أربعة مصادر مستقلة هي: مرقص والمصادر Q، M، L، على أنه تقسيم طبيعي.

عيب أساسي

من الواضح أنه توجد مشاكل عويصة كثيرة تتعلق باستخدام هذه الاختبارات للتعرف على الأقوال الحقيقية التي فاه بها يسوع، والتي تضمنتها الأناجيل. ولذلك فلربما لا يكون الأمر مدعاة للدهشة أن يكون بعض الباحثين قد توصلوا بالأحرى إلى نتائج سالبة. ومن الصعوبة أن نفهم كيف أنه كان بإمكانهم أن يفعلوا خلاف ذلك.

والواقع أنهي يوجد عيب أساسي في كل النهج الذي تمثله هذه الاختبارات. فكلها تبدأ من الافتراض الجوهري بأن الأناجيل في معظمها تحتوي على معتقدات الكنيسة الأولى، ولا تضم سوى القليل جداً، إن لم يكن لا شيء على الإطلاق مما جاء مباشرة من يسوع نفسه. ويعرض البروفسور بيرين سببين رئيسيين ليبرر بهما هذا التشاؤم.

ç فقد كتب يقول: “إن الكنيسة الأولى لم تبذل أية محاولة للتمييز بين الأقوال التي قالها يسوع كإنسان، وتلك التي قالها الرب المقام بواسطة نبي في المجتمع، أو بين تعليم يسوع الأساسي والفهم الجديد وإعادة الصياغة بالنسبة لذلك التعليم الذي تم التوصل إليه في الكنيسة تحت إرشاد رب الكنيسة.

ونقطة البداية لهذه الحجة تتمثل في حقيقة أن المسيحيين الأولين اعتقدوا بكل وضوح أن يسوع المقام كان حاضراً وعاملاً بين أتباعه في الكنيسة. وهو بالطبع لم يعد بعد حاضراً بالجسد، ومن ثم لا يمكن توصيل كلمته للمسيحيين إلا بطريقة غير مباشرة.

هناك مثال عن كيفية إمكان حدوث ذلك، يقال إنه وجد في الأصحاحات الثلاثة الأولى من سفر الرؤية. حيث نجد أن النبي المسيحي يوحنا يقوم بتسليم رسائل من المسيح السمائي إلى سبع كنائس في أسيا الصغرى، كذلك يذكر بولس أنبياء يعملون في الكنيسة (1كو 12: 27-31)، وكثيراً ما قيل إن عمله الرئيسي كان إصدار “أقوال ليسوع” لمواجهة حاجة معينة في حياة الكنيسة.

وعلى الرغم من أن هذه الحجة لاقت قبولاً على نطاق واسع لدى باحثي العهد الجديد، إلا أنها مشكوك فيها إلى حد كبير. ويمكن أن تقدم ضدها عدد من الاعتراضات الخطيرة.

 أولاً: قامت على دليل مشكوك فيه. وعلى الرغم من أنه كثيراً ما كان يقال بثقة إن دور النبي المسيحي هو أن يخترع أقوالاً عن يسوع، إلا أنه لا يتوافر لدينا في الحقيقة دليل حقيقي لكي نبين ما الذي كان الأنبياء يعملونه في الكنيسة الأولى. فالرسائل إلى الكنائس السبع في سفر الرؤيا كانت خارج الموضوع تماماً، لأنه تم عمل فرق واضح هناك بين اختبار وأقوال كاتب السفر ورسالة المسيح المقام.

وعلى أية حال فقد ادعى أنه تلقاها في رؤية، وليس بمقدورنا القول بأنه اختلقها إلا إذا طرحنا الافتراض الآخر المشكوك فيه وهو أن الرؤى لا يمكن أن تحدث. والدليل الصريح الوحيد في العهد الجديد عن عمل هؤلاء الأنبياء نجده في (أعمال 13: 1-3) حيث يصدرون تعليمات بخصوص العمل المرسلي لبولس وبرنابا. وحتى التعليمات لم تعط باسم يسوع، بل بسلطان الروح القدس. والدليل من هذه النوعية يعد دليلاً ضعيفاً حتى إنه لا يعطينا سوى إشارة واهية إلى عمل الأنبياء على نحو من الدقة في حياة الكنيسة.

ثانياً: القول بأن الأنبياء لهم الحرية في اختلاق “أقوال ليسوع” يفترض أيضاً أن المسيحيين الأوائل لم يفرقوا بشكل واضح بين تعليم يسوع وتعليمهم. ولكن هذا أمر بعيد تماماً عن الصحة. ومما يبدو متناقضاً، أن دليلنا على هذا واضح للغاية في كتابات بولس، ولهذا السبب كان ملفتاً للنظر بشكل متزايد. لأنه، من بين كل كتبة العهد الجديد نجد بولس بالذات هو الذي كثيراً ما يتهم بأنه يتساهل في تعاليم يسوع.

ثم إنه ادعى أيضاً وأكثر من مرة أنه يتمتع بمواهب الله الخاصة بدرجة أعظم من كل معاصرين (1كو 14: 18-19؛ 2كو 12: 1-10) وهاتان الحقيقتان وحدهما تجعلانه مرشحاً مثالياً لأن يكون مورداً لأقوال يسوع. ولنا أن نتوقع أن تكون رسائله عامرة بمثل هذه الأقوال التي صنعها بنفسه بإلهام من الروح القدس من أجل تقديم النصح لقرائه. غير أننا في واقع الأمر نجد النقيض من ذلك. فعلى سبيل المثال، في (1كو 7) يخرج من نهجه ليميز بين آرائه وبين تعاليم يسوع.

ثالثاً: توجد مشكلة أخرى بالنسبة لافتراض أن الكنيسة الأولى كانت تختلق كثيراً من أقوال يسوع، وهي أن هذا افتراض يفتقر إلى المنطق. و”الدليل” الوحيد على أن الأنبياء كانوا يصيغون مثل هذه الأقوال يتمثل في فكرة أن تقاليد الإنجيل كان لها أصلها في الكنيسة الأولى وليس في خدمة يسوع.

وهناك إطار حياة مفترض تم تخيله بالنسبة للأناجيل، تم تفسير الأناجيل على ضوئه. وهذه عمليه مشكوك فيها للغاية، وليس إلى حلقة مفرغة دون أن يكون لها أي دليل خارجي. وليس ما يدعو للدهشة أنه حتى على هذا الأساس يمكن القول إن الأناجيل ما هي إلا نتاج تخيل تقي للكنيسة الأولى، وضع فيها الدليل بعد بداية البحث.

ç أما السبب الثاني لشكوك البروفسور بيرين فله أساس أقوى. فهو يؤكد – وعن صواب تام – أن القصد الأساسي من الأناجيل لم يكن تقديم معلومات تاريخية أو سيرة ذاتية ليسوع، بل بنيان قرائها. وكل شيء في الأناجيل يخدم غرضاً معيناً في حياة الكنيسة. ولكنه يستطرد قائلاً إن هذه الحقيقة في حد ذاتها تستبعد احتمال أن الأناجيل تضم ذكريات تاريخية ليسوع، على هذا النحو الذي كان عليه حقاً. وهذه حجة أخرى كثيراً ما يراد تأكيدها، إلا أنه نادراً ما تلقى التأييد.

ومع ذلك، لا يوجد على الإطلاق سبب منطقي، فما الداعي أن قصة أو جزءًا من تعليم يبلغ رسالة عملية أو لاهوتية أن يوصف بالزيف من الناحية التاريخية. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما ألقيت عظات على قول بولس إنه في المسيح “ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر. ليس ذكر ولا أنثى لأنكم جميعاً واحد….” (غلا 3: 28).

ولا شك أن عظات كثيرة ألقيت حول هذا الموضوع، حيث نسبناها إلى مشاكلنا المعاصرة المتعلقة بالظلم وعدم المساواة. ومن المؤكد أنها مناسبة تماماً لهذا الموضوعات. إلا أن حقيقة أنني ألقي عظة تقوم على هذا النص، وأنسبها إلى مشاكل القرن العشرين لن تؤدي عادة بالناس إلى القول إنني وضعت الأقوال بنفسي، وإن بولس الرسول لم يكتب إطلاقاً الرسالة إلى أهل غلاطية، أو إنه حتى لم يكن له وجود على الإطلاق.

ذلك سيكون أمراً سخيفاً. ومع ذلك فإن هذا هو بالضبط من نوعية المبررات التي يطلقها بعض الباحثين على الأناجيل حين يحاجون بالقول إنه بالنظر إلى أن محتوياتها تناسب الحياة في منتصف القرن الأول، فقد لا يكون لها أي سياق تاريخي في حياة يسوع نفسه. إنها ببساطة تأكيد ليس له أي معنى.

مدخل لفهم الأناجيل

كثيرون من الباحثين يرون أن شكوك بولتمان وأتباعه غير مقبولة على الإطلاق. وهم عوضاً عن هذه الشكوك ينادون بأنه يوجد عدد من الأسباب القوية للبدء من الافتراض القائل بأن الأناجيل يعول عليها، وليس العكس، من ناحية اعتبارها سجلات تصف يسوع بالشكل الذي كان عليه فعلاً. وهناك عدد من الحجج الهامة تشير إلى هذا الاتجاه.

إذ نبدأ على المستوى العام، يتعين علينا ألا ننسى أن الكتبة القدامى لم يكونوا على وجه الإجمال حمقى أو مخادعين. فكثيرون من لاهوتي العصر الحديث (ولو أنهم ليسوا مؤرخين) يتحدثون باستخفاف عن مؤرخي العالم الروماني حتى إنه كثيراً ما يتولد لدينا الانطباع بأن مفهوم كتابة التاريخ على نحو صحيح لم يكون معروفاً لهم على الإطلاق. وإنها الحقيقة بالطبع أن المؤرخ في العصر القديم لم يكون تتوافر له كل الوسائل المساعدة الحديثة التي تتوافر لنا في أيامنا هذه.

ولكن هذا ليس معناه القول ببساطة إنه اختلق قصصه. فكل من المؤرخين اللاتين واليونان كانت لديهم معايير عالية، وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا دائماً يلتزمون بها، إلا أنه من المؤكد أن ذلك لم يكن سببه الافتقار إلى المحاولة. والمبادئ التي حددها أناس مثل لوسيان وثوسيديدس Lucian and Thucydides توضح لنا تماماً أنهم كانوا يعملون في إطار خطوط إرشادية لا يزال معمولاً بها حتى يومنا هذا.

وأي شيء آخر قد يقال عن الناس الذين كتبوا الأناجيل، فمن الواضح أنهم كانوا يعتقدون أنهم كانوا يعملون في إطار هذه النوعية من التقليد التاريخي. ولوقا يقول بوضوح إنه تخير كل مصادر معلوماته، وإنه كتب بحرص قصته على هذا الأساس. وبالنظر إلى أن كتبه الأناجيل المتشابهة الآخرين استعملوا أسلوباً مماثلاً تقريباً في التعامل مع مصادرهم، فإنه من الطبيعي افتراض أنهم عملوا أيضاً على نفس هذه الأسس.

ومن المؤكد أنهم جميعاً كانوا يعتقدون أنهم يقدمون معلومات حقيقية عن شخص كان يعيش بالفعل وبالطريقة التي وصفوها. ولم يكونوا يدرون أنهم يكتبون عن أقوال صدرت عن معاصريهم ونسبوها ليسوع. لقد اعتقدوا أن ربهم المقام كان بالفعل معلماً يهودياً من الجليل، وأنه كمعلم متجول فقد عاش وتكلم كما صوروه.

وهذه الحجة ليست بالطبع قوية جداً في حد ذاتها، لأن الإنجيليين ربما كانوا قد أخطأوا أو غرر بهم، ولكنها تكتسب قوة مضافة كبيرة حين نكتشف أن تفاصيل قصصهم تعطي بالفعل صورة صادقة للحياة في فلسطين في الوقت الذي قالوا إنهم كتبوا فيه. وحين نتذكر أنهم جميعاً كتبوا باللغة اليونانية لقراء من غير اليهود تقريباً، وأن اثنين منهم على الأقل لم يكونوا عائشين في فلسطين حين كتبا، فإن هذا يبدو أمراً رائعاً.

وفي نقطة تلو أخرى نكتشف أن خلفية الإنجيل صادقة وحقيقية. وفضلاً عن ذلك، ففي المواضع التي ساد الاعتقاد ذات مرة، أن ما سجلوه فيها جانبه الصواب (كما في حالة إنجيل يوحنا)، فإن الاكتشافات التالية لمعلومات جديدة كثيراً ما بينت أن الأناجيل تحتفظ بكتابات يعول عليها لعدد من التفاصيل الجغرافية والاجتماعية الهامة.

أرجعت أصول الأناجيل إلى سياق وقرينة يهودية بعمل اثنين من المفكرين الاسكندنافيين هما: هيرالد ريزنفلد Herold Riesenfeld وتلميذه بريجر جيرهاردسون Birger Gerhardsson. فقد عرض جيرهاردسون الرأي القائل إن تعليم يسوع كان مماثلاً جداً في الشكل لتعليم معلمي اليهود، وفي تحليل مطول لوسائل تعليمهم بين كيف أنهم يبذلون كل جهد للتأكد من أنه قد تم حفظها جيداً أو أنها انتقلت شفاهة إلى أتباعهم.

ويقول جيرهاردسون Gerhardsson إن يسوع تبنى نفس هذه الطرق، وإنه صاغ تعليمه على أساس أن يحفظها تلاميذه عن ظهر قلب حتى يستطيعوا أن يسلموها لأتباعهم بنفس صيغة الاستظهار السهلة هذه. وقيل إن تعليم يسوع سلم بهذه الطريقة “ككلمة مقدسة” في الكنيسة الأولى، وأن الأناجيل ما هي إلا كتابة التقاليد التي تعود إلى يسوع نفسه.

ومع ذلك، لا يتوافر لدينا دليل على أن المسيحيين الأوائل اعتبروا أنفسهم ناقلي التقليد. فقد كانوا كارزي الأخبار السارة، شارحين كيف أن حياة يسوع ورسالته تناسب احتياجات جيلهم. ولدينا الشهادة التي أجمعت عليها الأناجيل، بأن يسوع كان مختلفاً تماماً عن معلمي اليهود. وكان يعلم “كمن له سلطان”[2]، ولم يقم ببساطة بتسليم أقوال محفوظة عن ظهر قلب من مجموعة من التلاميذ إلى مجموعة أخرى.

ومع ذلك، وعلى الرغم من أن ما ادعاه ريزيفلد وجيرهارسون قد يكون مبالغاُ فيه، إلا أنهما قاما بتذكيرنا أن تعليم يسوع أعطي في سياق وقرينة يهودية، وفي ظل هذا فإنه تعليم قائد صاحب سلطان كان يعامل باحترام عظيم. وحتى لو لم يكن التلاميذ الأوائل قد تعلموا تعاليم يسوع بحفظها عن ظهر قلب، فمن المؤكد أنهم كانوا يقدرونها حق قدرها.

وهناك أيضاً دليل كاف على حفظ القصص شفاهة، وبطرق يعتمد عليها على نطاق العالم الهليني كله. لنأخذ مثلاً: حياة أبولونيوس التياني Apollonuis of Tyana، والتي سبق أن ذكرناها في فصل سابق. كان أبولونيوس هذا من معاصري يسوع، مع أنه عمر طويلاً ومات قرب نهاية القرن الأول. ومع ذلك، فإن قصة حياته لم تتم كتابتها حتى بداية القرن الثالث.

ومع أن الكاتب جمع قصص حياته من عدد من المصادر المختلفة، ومع أنه لم يكن كاتب سيرة غير متحيز، فإن عدداً قليلاً جداً من المؤرخين القدامى هم الذين ستتولد لديهم شكوك خطيرة عن الخطوط الرئيسية لقصته. وبالنسبة للأناجيل، فنحن نتعامل مع مصادر كتبت بعد الأحداث التي تتناولها بفترة قصيرة. وبالنسبة لمعظم الناس العاديين سيبدو أمراً سخيفاً أن يفترض أن أحداثاً كهذه لا فائدة منها من ناحية معرفة شيء ما عن يسوع نفسه.

وطبقاً لما يقوله المفكر الألماني يواقيم جرمياس فإن الأناجيل تجعلنا حقاً على اتصال وثيق بيسوع بالشكل الذي كان عليه بالفعل. وقد فحص جيرمياس النواحي اللغوية وقواعدها بحسب ما وردت في الإنجيل، ويقول بأننا نستطيع أن نسمع صوت يسوع الحقيقي فيها.

وبين آونة وآخرى نصادف كلمات آرامية حقيقية، حتى في النص اليوناني للأناجيل. وفي حالات أخرى كثيرة توجد فقرات نجد أن تراكيب لغوية آرامية قد استعملت في كتابة الأناجيل باللغة اليونانية. كما يحدد جيرمياس أيضاً عدداً من طرق الكلام يقول إن يسوع بصفة خاصة كان يستعملها. وكثير من تعليمه تم كتابته في صيغة الشعر الآرامي، ويمكن التعرف على ذلك حتى في الترجمة الإنجليزية.

وفي نقاط أخرى، كما سبق لنا القول، توضح أنه حين تترجم الأقوال المنسوبة إلى يسوع ثانية إلى اللغة الآرامية، فإنها غالباً ما تأخذ صيغة سامية نمطية، بل وتبين أساليب الجناس والسجع، والتي لا يمكن أن تكون لها معنى إلا في اللغة الآرامية فقط، ثم إن هناك الأمثال، والتي تختلف تماماً عن تعليم معلمي اليهود، واستخدام يسوع الخاص لكلمات مثل أبا (في عبارة أبا الآب) وآمين.

ومثل هذه السمات لا تثبت في حد ذاتها أن تقاليد الإنجيل ترجع إلى يسوع. وإذا حددنا كلامنا بدقة نقول إن أقصى ما تستطيع أن تظهره هو أنها ترجع إلى صيغة أمكن بواسطتها أن تحفظ بواسطة المسيحيين الذي كانوا يتكلمون اللغة الآرامية، إلا أننا حين نعود إلى ذلك السياق، فإننا نعود أيضاً إلى فترة تأتي بعد أحداث حياة يسوع، وموته وقيامته بوقت قصير. وفي ذلك الحين لا بد وأنه كان كثيرون من شهود العيان ما يزالون على قيد الحياة لكي يدحضوا أية أقوال تكون قد جاءت من محض الخيال.

وعلى هذا، فإن هذه الأحداث تؤيد صحة روايات الإنجيل عن تعليم يسوع، وجيرمياس على سبيل المثال لم يكن يساوره شك في أنها تضع عبء الإثبات على عاتق هؤلاء الذين يشككون في صحتها. في التقليد الخاص بالأناجيل المتشابهة، يكون المطلوب هو إثبات عدم صحة أقوال يسوع وليس صحتها.

وثمة اعتبار آخر يعطينا ثقة في قبول الأناجيل على أنها بصفة عامة سجلات صحيحة عن حياة يسوع وتعليمه، يتمثل في حقيقة أنها مختلفة عما نعرفه عن حياة واهتمامات الكنائس الأولى غير اليهودية. ومن الخطأ تصور أنه بالنظر إلى أن الأناجيل قد كتبت لخدمة احتياجات الكنائس، فهي لا تزيد عن كونها مرآة تعكس حياة الكنيسة الأولى. فبقية العهد الجديد تبين أنه كانت للكنيسة احتياجات لم تظهر – ولو من بعيد – في الأناجيل.

فمثلاً، لا يوجد تعليم حقيقي عن الكنيسة نفسها في الأناجيل. فهناك ثغرة واضحة للغاية حتى إننا نجد لزاماً علينا أن نسأل في أصحاح من الأصحاحات الأولى ما إذا كان يسوع مهتماً على الإطلاق بتأسيس الكنيسة. ولقد قيل في هذا الخصوص إن ظهور الكنيسة لم يكن بأي حال متعارضاً مع تعليم يسوع، غير أننا لا زلنا في حاجة إلى الاعتراف أنه لا يوجد في الواقع أي إرشاد محدد بالنسبة لهذا الموضوع في الأناجيل.

وحتى المعمودية، والتي سرعان ما أصبحت طقساً لدخول الشركة المسيحية، لم يذكرها يسوع مطلقاً باستثناء حالة واحة بعينها[3]. ويسوع نفسه لم يعمد أحداً، بل ولم يتخذ من المعمودية جزءًا رئيسياً من تعليمه. ومع ذلك فإن هذا كان موضوعاً له أهميته البالغة بالنسبة للكنيسة الأولى. وإذا كانوا حقاً قد دأبوا على اختلاق أقوال ليسوع لمواجهة احتياجاتهم، فمن المؤكد أنهم فقدوا هنا فرصة هامة.

ونجد نفس الافتقار إلى توجيه صريح بالنسبة لموضوعات هامة أخرى. فعلى سبيل المثال، نجد أن موضوع اليهود وغير اليهود لم تتعرض له الأناجيل في واقع الأمر، على الرغم من معرفتنا من بقية العهد الجديد الذي سرعان ما أصبح أحد الموضوعات الهامة على الإطلاق.

وفي مواضيع أخرى، نجد أن الأناجيل تشدد على أمر يختلف تماماً عما يشدد عليه بقية العهد الجديد. فمصطلح “ابن الإنسان” على سبيل المثال، أكثر الأسماء المستعلمة بالنسبة ليسوع في الأناجيل، لكنه بالكاد يظهر في أي موضع آخر. وهكذا أيضاً مصطلح “ملكوت الله” الذي كان يشكل جوهر تعليم يسوع، بالكاد نجد له ذكراً في بقية العهد الجديد.

والحقيقة هي أنه إذا حاولنا أن نعيد تركيب وضع حياة الكنيسة في الأناجيل، فلن نصل إطلاقاً إلى نوعية الصورة التي نعرف أنها حقيقية من رسائل العهد الجديد. لأنه توجد سمات عديدة جداً في قصص الإنجيل عن يسوع تختلف اختلافاً بيناً عن حياة واهتمامات الكنيسة الأولى.

وعلى هدى حقائق كهذه، يبدو من المعقول أن نستنتج أن هناك أسباباً قوية لافتراض أن الأناجيل تحتفظ بذكريات صادقة عن يسوع بالشكل الذي كان عليه فعلاً. وبالطابع كله الذي تقدمه صورتهم ليسوع جاء على نحو نحتاج معه إلى حجج قوية ومنطقية لنبين أنهم كانوا مخطئين بصفة جوهرية.

وهذا الافتراض لا يعني بالطبع أنه يمكننا أن نتبنى موقفاً ساذجاً لا يتفق مع قواعد النقد النزيه. ولم يكن الإنجيليون مجرد مسجلين للتقليد، بل كانوا مفسرين للحقائق التي سلمت لهم، ونحن في حاجة إلى أن نفحص عملهم بحرص لنتفهم الطبيعة الصحيحة لما كانوا يعملونه.

إلا أنه مما يعطينا ثقة بالفعل هو اعتقادنا أن التقليد الذي فسروه لقرائهم الأوائل كان تقليداً أصيلاً، وأنهم بصفة عامة حفظوا لنا قصة عن حياة يسوع وتعليمه. أما من ناحية ما إذا كانوا قد فعلوا هذا في أمثلة معينة، فهذا ما يجب بالطبع تحديده عن طريق فحص أجزاء معينة من عملهم من الناحيتين الأدبية والتاريخية.

 

الإعلان الإلهي والتاريخ

على ضوء كثير من الأسباب التي حملتنا على افتراض أصالة الأناجيل كسجلات لتعليم يسوع، فقد تأخذنا الدهشة تماماً أن مفكرين كثيرين جداً قد اتخذوا موقفاً سلبياً تجاهها, وثمة سبب جوهري لهذا من المؤكد أن نجده ليس في تناولهم للأناجيل ذاتها من الناحيتين التاريخية والأدبية، بقدر ما نجده في فهمهم الكلي لموضوع الإعلان الإلهي بجملته ومعرفة الله.

وحتى نفهم هذا، نحن في حاجة للرجوع إلى ما كتبه فريدريك شيلرميكر Friedrich Shleiemacher (1768-1834) والذي يطلق عليه “أبو الفكر اللاهوتي الحديث”. وفي محاولته مواجهة حركة التنوير الأوروبية، قال شيلرميكر إنه إذا كان للاعتقاد الديني أن يحتفظ بأية مصداقية بالنسبة للشعوب الغربية في العصر الحديث، فلسوف يتطلب الأمر أن يبعد تماماً عن نطاق البحث العقلاني. لأن العلم التاريخي في أيامنا هذه متشكك تماماً في كل ما يتعلق بفكرة أن الله يستطيع أن يجعل نفسه معروفاً في التاريخ من خلال نوعية الأحداث التي سجلها الكتاب المقدس.

ولذلك استهدف شيلرميكر إنقاذ المعتقد الديني مما شعر بأنه سيكون سبب خنقه لا محالة في جو التشكك هذا. وقد نادى بأن جوهر الإيمان مختلف بالكلية عن جوهر النواحي الأخلاقية التي توجه الجانب العملي في الحياة، أو العلم الذي يهتم بعمليات التفكير العقلاني، وقال إن الإيمان هو شعور خالص، وهذا معناه أن الاعتقاد الديني الذي يمكن أن يكون صحيحاً يجب أن يكون بمعزل عن أي شيء يمكن تفسيره علمياً.

وقام مفكرون في وقت لاحق بتحدي هذه الفكرة وتعديلها في نقاط كثيرة إلا أن تمييز شيلرميكر بوجه عام بين الديانة والأدلة العقلية كان أمراً حاسماً للتطور اللاحق في الفكر اللاهوتي في كثير من أنحاء العالم الغربي. وفي دراسة الأناجيل تم التعبير عن ذلك بقبول مبدأين أساسيين يسيطران على تفكير الكثيرين من المفكرين.

ç إعلان الله والتاريخ: يوجد لاهوتيون كثيرون وخاصة أولئك الذين هم على شاكلة بولتمان، ممن يتبنون التقليد اللوثري، يعتقدون أن الكون هو نظام مغلق، يعمل على أساس “نواميس طبيعية” صارمة لا يمكن كسرها. وهذا الاعتقاد إذا وصل إلى نتيجته المنطقية، فمعناه أنه من المستحيل أن توفق أي نوع من الأحداث المعجزية أو الفريدة في مفهومنا عن التاريخ. وإذا كانت أعمال العلم يمكن التنبؤ بها كلها، فهنا وبالتحديد، لا يمكن وقوع ما لا يمكن التنبؤ به.

ولذا فإنه بناء على هذا الرأي فلا مفر أن ينظر إلى الأناجيل على أنها شيء غير التاريخ، لأنها تتضمن بالفعل قصصاً عن عدد من الأحداث الفريدة التي يبدو أنها انتهكت “نواميس الطبيعة” كما هي معروفة لدينا.

وهناك حجج عديدة يمكن طرحها ضد مثل هذه النوعية من الآراء المتعلقة بالعالم وأحداثه، ويمكن القول إن هذا أمر عفا عليه الزمن. ومن المثير أن نلاحظ أنه عند هذه النقطة، نجد أن افتراضات بعض الفلاسفة واللاهوتيين أقل مرونة من آراء كثيرين من علماء العصر الحاضر. وعلى سبيل المثال فإن الاكتشافات التي توصل إليها علماء الطبيعيات في القرن العشرين، أوضحت في نقاط كثيرة مدى غموض المفهوم الذي ينظر إلى الكون على أنه نظام مغلق، وهناك علماء كثيرون يدركون الآن أن أعماله تتضمن أكثر من مجرد عملية آلية لقوانين العلة والمعلول.

ثم أنه، من وجهة نظر أخرى، فالاعتقاد بأن الكون نظام مفلق يمكن بسهولة أن يصبح وسيلة لتفادي الحاجة إلى اتخاذ الدليل الفعلي المستمد من التاريخ بمأخذ الجد. فإذا سمحنا لأنفسنا أن نتأمل المضامين الكاملة لروايات الإنجيل، أو في الواقع، في التاريخ ككل، علينا من حيث المبدأ أن نكون مستعدين أن نعمل في ظل تحديد أرحب للتاريخ والحقيقة أكثر مما يسمح به كثيرون من لاهوتي العصر الحديث. فالقول بأن الأحداث الاستثنائية لا يمكن أن تقع، أو أنه لا يوجد ما هو خارق للطبيعة، لا يعد إجابة من أي نوع للأسئلة التي طرحها التاريخ. فهذا معناه الاحتياج لأسئلة أكبر وأكثر أهمية.

ç الحقائق والإيمان: وهناك افتراض آخر كثيراً ما يطرحه اللاهوتيون وهو أنه ليس ثمة ارتباط بين الحقائق والإيمان، وأن العقيدة الدينية لا يمكن أن تقوم على حقائق التاريخ. وثمة مشكلة تواجه المسيحية عند هذه النقطة… لأنه أياً كان ما نقوله عن الإيمان المسيحي، فإنه بشكل ما مرتبط بيسوع الذي عاش ومات في القرن الأول في فلسطين. ولذلك، فإنه من جانب، لا بد أن يكون إيماناً “تاريخياً” ولكن ما الذي نعنيه حين نقول هذا؟

حين نتحدث عن “التاريخ” أو “الأحداث التاريخية”، فمن الممكن أن نعني أمرين: فمن ناحية، “التاريخ” يمكن أن يعني “الماضي”. فهو ما وقع في مناسبة معينة. وهو ما يمكن أن نكون قد رأيناه بعيوننا وسمعناه بآذاننا لو كنا نحن هناك. وهذه هي نوعية “التاريخ” الذي كان العقلانيون في القرن التاسع عشر يحاولون اكتشافه في بحثهم عن يسوع التاريخي، إلا أنه بوسعنا أيضاً أن نستخدم كلمة “تاريخ” لنعني بها الإشارة إلى الماضي، ما يمكن أن يطلق عليه “تاريخ – كقصة” وليس “تاريخاً – كحقيقة”.

ففي إحدى الحالتين نحن نتعامل مع الأمور الفعلية التي حدثت، وليس شيئاً آخر. وفي الحالة الأخرى، نتأمل الأحداث في نطاقها الصحيح وفي ضوء مغزاها الأساسي بالنسبة لوجودنا.

تمسك عدد من اللاهوتيين الألمان بهذا الفرق التقني، كوسيلة للفصل بين يسوع الذي هو موضوع الإيمان المسيحي (الرب المقام) عن يسوع التاريخي. وقد استعملوا كلمتين ألمانيتين مختلفتين لوصف نوعيتي التاريخ. فاستخدموا كلمة “Historie” للإشارة إلى “التاريخ كحقيقة” وكلمة “Geschichte” للإشارة إلى “التاريخ كقصة”. ويقولون إن النوع الثاني هو الذي يهم الإيمان المسيحي حقاً. إن مغزى التاريخ من ناحية تأثيره فينا هو الذي يهم، وليس التاريخ نفسه. وهذا معناه أن معرفة يسوع نفسه كشخص تاريخي لا علاقة له بالإيمان.

وهذه النوعية من التأكيد لا تكفي إطلاقاً، سواء كقول عن الفكر اللاهوتي بصفة عامة، أو كتصريح عن قصص الإنجيل التي تتناول حياة يسوع وتعليمه. والفرق الحاج الذي اصطنع بين التاريخ كحقيقة، والتاريخ كقصة، قام على أساس سوء فهم للطبيعة الأصلية للتاريخ كحقيقة، والتاريخ كقصة. لأن الناحيتين مرتبطان بعضهما ببعض برباط وثيق للغاية، ومن المستحيل أن نفكر في أحدهما دون أن نفترض الآخر أيضاً.

وما من أحد يكتب إطلاقاً التاريخ كقصة ما لم يكن مقتنعاً بأن شيئاً ما قد حدث فعلاً وله من الأهمية ما يكفي لأن يستحق الكتابة عنه. وعلى مثال ذلك، بمقدورنا الوصول إلى “ما حدث فعلاً” من خلال القصص والسجلات التي تتحدث عن ذلك في سياقها وفي مغزاها الشامل دون الحاجة إلى أي شيء آخر.

ولذلك فإنه من الناحية المنطقية فإنه لا مفر من أنه حين نتحدث عن “التاريخ”، سواء بصفة عامة أو في علاقته بالعهد الجديد، فإنه يتعين علينا أن نضمن شيئاً من كلا المعنيين. ثم إنه من المرغوب تماماً أن نفعل ذلك أيضاً. وإذا حصرنا انتباهنا في معنى التاريخ فلسوف نكون في موقف مشكوك فيه تماماً، لأنه إذا لم يقع حدث ما فعلاً، فأي تفسير نقيمه على أساسه لا بد وأن يكون بعيداً تماماً عن أي معنى.

وعلى سبيل المثال، سيكون من الحماقة أن أقنع نفسي أن يسوع مات من أجل خطيئتي، إذا لم يكن – كحقيقة تاريخية – قد مات على الإطلاق. وإذا ما قلت إن الإيمان مهم، والحقائق ليست هامة فلسوف تكون ساذجاً. فذلك يقودك بعيداً عن الموضوعية، ويشكل عقيدة دينية وهمية غير منطقية.

وكتبة العهد الجديد لم يكونوا يجهلون هذه الأسئلة، وقد قدموا إجاباتهم عليها. وفي قصة بولس الهامة عن قيامة يسوع ومغزاها، أكد وبقوة على أهمية الحقائق كعنصر لا غنى عنه في إيمانه المسيحي. وعلى الرغم من أنه هو نفسه أصبح مسيحياً نتيجة لقاء مباشر بالمسيح المقام، إلا أنه يضع فكره اللاهوتي بثبات وقوة في سياق حدث تاريخي اعتقد أنه يمكن إثباته بالطريقة العادية بواسطة تقارير الشهود. ولم يتردد إطلاقاً في القول إنه إذا كان الشهود على خطأ، وأنه “إن لم يكن المسيح قد قام فباطل إيمانكم….”[4].

والقصص المختلفة للكرازة المسيحية الأولى تؤكد أيضاً أن التاريخ مهم، والكثير من الكرازة “Kerygma” كما وصفها “دود Dodd” ما هي إلا سرد لحقائق عن يسوع. فالمسيح الذي يقابلنا في العهد الجديد، وكشخص سام في الأناجيل، ليس شبحاً أو خيالاً ليس له أهمية إلا في مغزاه. فهو شخص حقيقي يمكن أن يناسب عالمنا لأنه عاش بالفعل فيه.

لكن الأخبار السارة لا تتطلب منا أن نصبح مؤرخين قدامى لكي نكون مسيحيين. والحقائق تتطلب منا أن نعمل، وأن نمارس الإيمان. وإذ كان يسوع قد قام من الأموات، فعلينا أن نواجه المضامين المترتبة على ذلك، الحاجة إلى الخضوع إلى الرب المقام ومتطلباته بالنسبة لحياتنا. ولكن هذا يؤكد لنا أيضاً أن كلاً من متطلباته ومواعيده معقولة وعادلة وحقيقية لأنه يمكن تبريرها من أحداث التاريخ.

وأخيراً نقول، إن يسوع التاريخي لا يمكن إلا أن يكون يسوع الذي آمنت به الكنيسة، لأنه في أحداث حياة وموت وقيامة هذا الشخص، كان الله يعمل، ويكشف لنا عن طبيعته، مصالحاً العالم لنفسه.

أقوال ليسوع خارج العهد الجديد

وفي مواضع مختلفة من هذا الكتاب أشرنا إلى تقاليد عن حياة يسوع وتعليمه مما لا توجد في العهد الجديد. وثمة عدد من “الأناجيل” التي كتبت في القرن الثاني تزعم أنها تتحدث عن طفولة يسوع المبكرة. ثم ذكرنا أيضاً مجموعات من أقوال يسوع، مثل “إنجيل توما”. وهناك عدد كبير من هذه التقاليد التي تتحدث عن حياة يسوع معروفة لنا.

هذه المصادر ليست الوحيدة التي تحتوي على معلومات عن يسوع لا نجدها في أناجيل العهد الجديد. وبعض آباء الكنيسة يحتفظون بعدد قليل من القصاصات عن تعليم يقولون إن أول ما أعطاه هو الرب يسوع، وبالطبع نجد أحياناً في أجزاء أخرى من العهد الجديد نفسه إشارات إلى أقوال ليسوع لا توجد في الأناجيل. فعلى سبيل المثال، نجد أن بولس في ختام رسالته إلى شيوخ كنيسة أفسس يلخص ما قاله على أنه كلمات يسوع الذي قال “مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ”[5]. ومع ذلك لا توجد أقوال ليسوع كهذه مسجلة في أي موضع آخر في الأناجيل.

والمادة المحفوظة في مصادر القرن الثاني هي من طابع مختلف بشكل ملحوظ. والكثير منها، ولا سيما في قصص الطفولة، من الواضح أنها من الأساطير. وقد كتبت لتسد الثغرة التي تركتها أناجيل العهد الجديد، لأنها لم تذكر لنا شيئاً على الإطلاق عن طفولة يسوع. وكثير من قصص أناجيل الطفولة الأبوكريفية بعيدة عن الحقيقة، ولا هدف لها، ولا يحتاج الأمر إلا إلى قراءتها حتى ندرك أنها من طابع مختلفة تماماً عن قصص العهد الجديد التي يرويها عن يسوع.

ومع ذلك ثارت أسئلة أخرى حول مجموعات أقوال يسوع التي وجدت في مصادر مثل إنجيلي فيلبس وتوما، أو البرديات العديدة التي اكتشفت في البهنسا في صعيد مصر. ومعظم هذه المستندات كتبت لأغراض دينوية، وكثير منها جاء من المجموعات الغنوصية المختلفة التي كانت منتشرة في القرن الثاني، وبعده.

و”إنجيل توما” في صيغته الحالية تم وضعه لدعم حياة المجموعات السرية في الكنيسة. والعلماء غير متأكدين ما إذا كانت هذه جماعة غنوصية، أو نوعية أخرى من الجماعات المرتبطة بالمسيحية اليهودية، ولكنهم متفقون من ناحية اعتباره مصدراً أنتج لتأييد معتقدات شيعة معينة. وكثيراً من أقواله أخذت من العهد الجديد والبعض الآخر ربما أخذت مباشرة من مصدر غنوصي آخر.

إلا إنه إلى جانب هذا توجد أيضاً أقوال أخرى يبدو أنها من مصدر مستقل. فعلى سبيل المثال، القول 82 من إنجيل توما جاء به “قال يسوع: ذاك الذي بالقرب مني هو قريب من الإلهام، ذاك الذي هو بعيد عني هو بعيد عن الملكوت”. وهذا القول بالذات كان معروفاً لأب الكنيسة أوريجانوس (185-245م)، وربما تكون هناك إشارات إليه في كتابات بعض المسيحيين الأوائل الآخرين. ومن المؤكد أنه من سمات نوعية أقوال يسوع المسجلة في العهد الجديد، وعلاوة على ذلك، فإنه يتسم بصيغة الشعر الآرامي، والتي هي أيضاً سمة منتظمة من سمات تعليم يسوع في الأناجيل الأربعة.

ويوجد عدد من أقوال كهذه نجدها في كتابات الكنيسة الأولى. فهي لا تتضمن أي تعليم لعقيدة طائفية، وحين تتفق بشكل عام مع تعاليم يسوع الواردة في العهد الجديد، فلا يبدو أنه لا يوجد سبب للشك في أنها تعود إلى تقاليد صحيحة عن يسوع. أما إذا كانت على نفس المثال الذي أوردناه، تحمل صيغة الشعر السامي، فإن هذا يعد دلالة أخرى على طابعها البدائي. وفي كتابه “أقوال غير معروفة ليسوع” عزل البروفسور جيرمياس عدداً من هذه القصص التي تحوي تعليماً، وعدداً قليلاً من القصص التي قيلت عن يسوع، والتي يعتقد أنها قد تكون ذكريات حقيقية عن حياة يسوع نفسه.

ولا شك أن البعض منها يحمل علامات صحته. وحقيقة أن هذه المعلومات حفظت خارج العهد الجديد لا يجب أن تدهشنا. فكاتب إنجيل يوحنا يشير إلى قصص كثيرة عن حياة يسوع وتعاليمه كانت معروفة له، ولكنه لم يستخدمها في إنجيله. ولكن بوسعنا أن نكون على ثقة من أنها لن تكون معروفة على الإطلاق بالنسبة للكنيسة. ولا شك أنه تم تذكرها، وتم تكرارها، وربما انتهى الأمر ببعض منها إلى أن سجل في السجلات المختلفة السابق ذكرها هنا.

إلا أنه من الأهمية أن نلاحظ أنه بالمقارنة مع العدد الكبير من التقاليد الأبوكريفية عن يسوع، فإن نسبة ضئيلة فقط، هي التي يمكن وعن حياء الادعاء بصحتها. أما الأغلبية الساحقة من المادة لا قيمة لها على الإطلاق كمصدر تاريخي للمعرفة عن يسوع. وليس من شك أن البروفسور جيرمياس كان محقاً حين يعلق قائلاً: القيمة الحقيقية للتقليد الموجود خارج الأناجيل تتمثل في أنه يلقى الضوء على القيمة الحقيقية للأناجيل القانونية نفسها.

وإذا كنا نود أن نتعلم عن حياة يسوع ورسالته، فإننا “لن” نجد ما نبتغيه إلا في الأناجيل الأربعة القانونية. أما الأقوال الربانية المفقودة، فقد تدعم معرفتنا المشتتة هنا وهناك في بعض الأمور الهامة، ولكنها لا تستطيع أكثر من ذلك.

 

[1] متى 6: 9-13؛ لوقا 11: 2-4.

[2] مرقص 1: 22.

[3] متى 28: 19.

[4] 1كورنثوس 15: 17.

[5] أعمال 20: 35.

كيف عرفنا يسوع – هل الأناجيل صادقة؟

المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

المسيح – كيف عرفنا يسوع – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

كيف عرفنا يسوع – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

 

ما هي الأناجيل

في البابين الأولين من هذا الكتاب، ذكرنا الكثير عن حياة المسيح وتعليمه، ولكننا لم نتحدث إلا القليل جداً عن الكيفية التي عرفنا بها يسوع المسيح. ومن الطبيعي أن الصورة التي تخيلناها عنه قامت على أجزاء العهد الجديد التي تحدثت عن حياته وعمله، وهي الأسفار الأربعة التي نطلق عليها “الأناجيل” والتي ترتبط عادة بأسماء: “متى ومرقص، ولوقا، ويوحنا.

إلا أنه يتعين أن يكون واضحاً الآن أنه في فهمنا للأناجيل قمنا بعمل عدة افتراضات، وبشكل أو بآخر، تخيلنا صورة يسوع المسيح التي قدمت هنا. وعلى سبيل المثال، افترضنا أن الأناجيل ليست سيراً ذاتية للمسيح، بقدر ما هي عرض لمختارات من نواحي حياته وتعليمه التي بدت ذات أهمية بالغة لأولئك الذين كتبوها لأول مرة. وعلاوة على ذلك، افترضنا أن هناك الكثير من التداخل والتكرار في الروايات العديدة لحياة يسوع، ولذلك ربما يستخدم إنجيل لتوضيح أو تفسير التعليم الذي ورد في إنجيل آخر.

ثم لمحنا أيضاً إلى أنه من الممكن في الواقع معرفة شيء عن يسوع المسيح من دراسة الأناجيل، وأنه على الرغم من أنها فعلاً من نتاج الكنيسة الأولى، إلا أنها لا تحدثنا عن كاتبيها فقط، بل عن يسوع المسيح نفسه.

وقد حان الوقت الآن لدراسة بعض هذه الافتراضات، بشيء أكثر تفصيلاً لشرح الأسباب التي دفعتنا على افتراضها، ولاستكشاف تداعياتها.

ما هو الإنجيل؟

لماذا ندرس الانجيل

القارئ الحديث الذي يرى أحد الأناجيل لأول مرة قد يعتقد أنه يشبه إلى حد كبير سيرة ذاتية للمسيح. إلا أن لمحة خاطفة لأي منها، ستبين أن الأمر ليس كذلك. فالسيرة الذاتية الجيدة تبدأ عادة برواية عن سنوات طفولة الشخصية التي تتناولها، ثم تعرض بالتوالي إلى مرحلة المراهقة ثم البلوغ، كي تبين كيف نما الشخص الناضج استجابة للتأثيرات المختلفة في بداية حياته والبيئة التي نشأ فيها.

وعلى النقيض من ذلك، نرى أن التأكيد الرئيسي في الأناجيل لا ينصب على مجرى حياة يسوع المسيح، بل على أحداث الأسبوع الأخير منها على وجه التقريب. وهذه سبقتها تقارير عن تعليم يسوع، ورواية عن بعض الأحداث القليلة ترجع إلى فترة الثلاث سنوات السابقة لوفاته، مع عدم أي ذكر في الواقع لطفولته وفترة مراهقته. ولو كانت هذه سيرة ذاته، فإنها لا ريب سيرة ذاتية غير عادية.

وبمقدورنا وبمنتهى السهولة أن نعرف حقيقة الأمر بالرجوع إلى الأناجيل ذاتها. وعوض أن نحاول تصنيفها كما يفعل أي أمين مكتبة الآن، علينا أن نسأل، ماذا اعتقد كاتبوها بخصوص ما يفعلون وهم يكتبونها؟ لنأخذ على سبيل المثال إنجيل مرقص، وهو الإنجيل الذي يعتقد بوجه عام أنه أقدم الأناجيل الأربعة. والكتاب يصف عمله في العبارة الافتتاحية على أنه “بدء إنجيل يسوع المسيح”[1].

وهذا القول يأتي كعنوان أو مقدمة لما سيتبعه، ونجد هنا كلمتين هامتين لفهم الغرض من هذا الإنجيل، والكلمتان هما: “بدء” و”إنجيل”. وكلمة “إنجيل” هي ببساطة ترجمة لكلمة مرقص اليونانية “Evangilion” وقد اختيرت أساساً لأن للكلمتين معنى واحد هو: “أخبار سارة”. إذاً، فقد كان مرقص يكتب عن “بدء الأخبار السارة”.

وماذا يعني هذا؟ لقد سمع مرقص وكتبة الأناجيل الأخرى “الأخبار السارة” عن يسوع المسيح [2]. ولقد تقبلوا مصداقيتها واعترفوا بالمسيح كسيد لحياتهم[3]. ومرقص نفسه أصبح بناء على ذلك منخرطاً بشكل عميق في عمل الكنيسة، وتضمن جزءًا هاماً من عمله كلاً من الكرازة وتعليم الرسالة مما غير مجرى حياته هو شخصياً[4].

والكرازة والتعليم المشار إليهما سجلا في العهد الجديد، وفي صيغته الأساسية الخالصة يتكون من أقوال لخصها “دود” في تعريفه في كتابه “الكرازة الأولى”.

وبالنسبة لمرقص ومعاصريه لم تكن هذه الرسالة مجرد ذكر للحقائق المتعلقة بالإيمان المسيحي، بل كانت بمعنى أهم “الأخبار السارة” لإيمانهم، لأنهم فيما قبلوا دعوتها للتوبة وجودها اختبار تغيير حياة.

ولذلك حين وصف مرقص إنجيله بأنه “بدء الأخبار السارة” فهو بهذا كان يقول إن هدفه هو أن يصف المرحلة الأولى من تطور الرسالة التي استجاب لها هو وآخرون. والقصة التي يرويها تشكل جزءًا هاماً لا يتجزأ من قصتهم واختبارهم كمسيحيين، وكان للوقا غرض مماثل: فهو يكتب ليعرف قراءه المضامين الكاملة للرسالة المسيحية التي كثيراً ما سمعوا عنها[5]. والواقع أن لوقا شعر أنه من الواجب عليه أن يؤكد استمرارية حياة الكنيسة بحياة المسيح، وذلك بكتابة سفر آخر (سفر أعمال الرسل) ليجعل القصة كاملة تماماً.

وحين نطلق على كتبة الأناجيل لقب “إنجيليين” فإننا بذلك نصف قصدهم الحقيقي. لأنهم كانوا مهتمين بالدرجة الأولى بأن يوصلوا رسالتهم عن يسوع المسيح إلى معاصريهم، ثم بعد ذلك – بصفة ثانوية – يتناولون الاهتمامات العادية لكاتب السيرة، ولو أنهم لم يهتموا بهذه النقطة الأخيرة. وهذه الحقيقة لها على الأقل ثلاث نتائج هامة لفهمنا للأناجيل التي كتبوها:

يجب النظر إلى الأناجيل على اعتبار أنها تتضمن أقوالاً أو أحداثاً انتقائية تتعلق بحياة يسوع المسيح وتعليمه. وفي كرازتهم للرسالة لا ريب أن الرسل وآخرين تحدثوا عن أحداث من حياة المسيح بنفس الطريقة التي قد يستخدم بها الكارز الحديث توضيحات ملائمة لتفسير نفس النقاط اللاهوتية التي يعرض لها.

ولا ريب أن مرقص والإنجيليين الآخرين كانوا قد سمعوا عن هذه الأحداث التي استعملت لتوضيح كثير من المواعظ، وضمنوها أناجيلهم لأغراض مماثلة وبشكل أوسع. والواقع أن “بابياس Papias” وهو أباء الكنيسة الأولى زعم أن إنجيل مرقص يتكون من مادة استخلصت من كرازة بطرس نفسه.

وحقيقة أن المعلومات التي تتضمنتها الأناجيل التي استعملت أولاً لتوضيح رسالة الكنيسة تفسر لنا أيضاً بعض الصعاب التي كثيراً ما نستشعرها عما يبدو لنا من عدم اكتمال بعض روايات الإنجيل. وإذا جمعنا بين الأناجيل الأربعة معاً فبالكاد تحوي المعلومات الكافية لتسجيل ثلاث سنوات من حياة أي شخص، فما بال أن يكون هذه الشخص نشيطاً كالمسيح، إلا أنه إذا ما عرفنا أن المعلومات المتوافرة لنا قد حفظت بسبب ارتباطها بحياة أولى الكنائس، سنفهم بسهولة السبب في أن الكثير مما كنا نود معرفته قد ترك دون تدوين.

وهذا يفسر لنا السبب في أننا لا نجد أي ذكر في العهد الجديد لطفولة يسوع المسيح المبكرة، بل ولا أية أوصاف بالنسبة لشبهه أو من أية نوعية من الأشخاص كان. ولو كان الإنجيليون يكتبون لمجرد إشباع فضول الناس ورغبتهم في معرفة كل شيء عن يسوع المسيح، لضمنوا أناجيلهم هذه النوعية من المعلومات. ولكن هذا لم يكن قصدهم، لأنهم كانوا مهتمين بصفة أساسية بربح الناس للإيمان بربهم وسيدهم، ولهذا السبب لم تكن مثل هذه التفاصيل تهمهم من هذه الناحية.

إذا كانت الأناجيل توضيحات للكرازة الرسولية، فهذا معناه أن ليس بوسعنا النظر إلى محتوياتها على اعتبار أنها قصص بسيطة عن يسوع المسيح. فلا بد وأن يكون لها صلة وثيقة بالفكر اللاهوتي لكتاب الإنجيل. وقد جاء وقت انتشرت فيه فكرة افتراض أنه من الممكن أن نستخلص من الإنجيل صورة لمعلم جليلي بسيط، غيرها بولس وآخرون في وقت لاحق إلى رسالة لاهوتية عن ابن الله.

إلا أنه أصبح من المعروف الآن، وعلى نطاق واسع أن الأناجيل نفسها هي بذاتها من بين أكثر الوثائق اللاهوتية الهامة للكنيسة الأولى، وأن الحقيقة هي أنها ليس بوسعنا إطلاقاً اكتشاف صورة للمسيح كمعلم بسيط من الجليل. وبقدر ما استطعنا الرجوع إلى المصادر القديمة، فإن يسوع المسيح الذي وجدناه على صفحات العهد الجديد هو دائماً شخص يزعم لنفسه أموراً عظيمة، ويدلي بأقوال محددة عن علاقة الإنسان بالله. وكل تعاليمه، وكل حدث سجلته الأناجيل يتضمن بصفة خاصة شيئاً لاهوتياً يريد قوله لنا.

ç وكما سبق لنا القول، فإنه إذا كان كتبة الأناجيل قد اختاروا مادة للكتابة ليخدموا أهدافهم الشخصية، فمعنى هذا أنه قد يكون بوسعنا اكتشاف شيء عنهم وعن قرائهم بمقارنة اختيار كل منهم للمعلومات المتعقلة بالمسيح واستخدامه لها. وبالنسبة للأناجيل الثلاثة الأولى بمقدرونا عمل ذلك بكل يسر، لأنها على وجه التقريب تروي لنا نفس القصة وبنفس الترتيب، وكل منها يكرر أجزاء كبيرة من المادة التي نجدها في الأناجيل الأخرى.

وبمقارنة الطرق المختلفة التي استخدم بها كل من متى ومرقص ولوقا أعمال يسوع المسيح وتعليمه في رواياتهم، يمكننا بسهولة أن نعرف شيئاً عنهم والوضع الذي عاشوا وعملوا فيه.

وعلى هذا، فإنه لكي نفهم الأناجيل فهماً تاماً فإن ذلك يشكل عملية معقدة. فنحن نحتاج إلى معرفة السبب في أن الإنجيليين كتبوا بالطريقة التي كتبوا بها، ومتى كان ذلك. فإننا سنحتاج إلى محاولة فهم الطريقة التي جمعوا بها مادتهم، ولماذا استخدموها بطريقة معينة دون أخرى. كما أننا علينا أن نتذكر وبصفة دائمة أن أناجيلهم لم تكتب إلا بقصد المهمة الكرازية للكنيسة: وهي لم تكتب كسيرة ذاتية أو تاريخ، أو حتى كمادة لاهوتية بالمعنى المألوف.

الكرازة والكتابة

هناك سؤال واضح يمكن طرحه فيما يختص بالأناجيل وهو: من أين استقى كُتاب الأناجيل معلوماتهم، وما الذي عملوه بها؟ وللوهلة الأولى قد يبدو هذا سؤالاً خارجاً إلى حد ما عن الموضوع، أو نوعاً من تسلق قمة جبل إفرست بالنسبة للاهوتي، يجب عليه قهرها لا لشيء سوى أنها موجودة. لكنه سؤال مفيد يؤدي إلى فهم مقنع لطبيعة الأناجيل. فتتبع مصادر كاتب ما وفحص أسلوبه في استخدامها يمكن أن يشكل جزءًا هاماً لفهم ما يقوله.

فإذا كنا نعرف ما يعلمه، فبإمكاننا أن نفهم وبوضوح أكثر، ما الذي يهدف إليه. وإذا أسأنا فهم طريقته، فمن المحتمل تماماً أننا سنفشل في فهم رسالته الأساسية.

وبالنظر إلى أنه من المؤكد أن الأناجيل قد كتبت في سياق كرازة الكنيسة الأولى، فلنا أن نتوقع وجود بعض إلماحات إلى أصلها، وذلك بفحص رسالة الكنيسة. وهذا ما يتضمن بالضرورة ثلاثة موضوعات رئيسية، أولاً: الإنجيل المسيحي مرتبط بالمواعيد المذكورة في العهد القديم. ثانياً: سلسلة من الأقوال عن يسوع المسيح وأهميته. وأخيراً: كانت هناك دعوة للناس أن يتوبوا أو يقبلوا الرسالة.

نصوص العهد القديم

بدأت الرسالة بالقول إن المواعيد التي تضمنها العهد القديم قد تحققت في حياة يسوع المسيح. وفي ملخصات العهد الجديد لهذه الكرازة، كثيراً ما يقدم هذا القول بطريقة عامة إلى حد ما. إلا أنه في مواقف الحياة الواقعية لا بد وأنه كان إعلاناً جاء أكثر وضوحاً. فأي شخص ملم بالعهد القديم لن يقتنع إلا بعد أن يعرف تماماً ما هي النبوات التي كان من المفترض أن تتم بالمسيح. ونعرف من دليل آخر من بين الأعمال المفضلة لدى اليهود هي جمع قوائم لفقرات العهد القديم التي سيتممها المسيا حين يأتي.

وعلى سبيل المثال نجد أن أهل قمران كانوا يحتفظون بمثل هذه القوائم، وهكذا فعلت جماعات يهودية أخرى. وهذه القوائم يشير إليها العلماء عادة بكلمة “شهادات”.

وهناك عدد من الإشارات في العهد الجديد بأن قوائم النصوص هذه كان المسيحيون يستعملونها بشكل منتظم منذ البداية. فنجد في إنجيلي متى ويوحنا كثيراً من نصوص العهد القديم قد ذكرت للاستشهاد بها، مع إشارة إلى أنها تحققت في حدث معين في حياة يسوع المسيح. ومع ذلك ومما هو لافت للنظر أنهما بالكاد يستعملان نفس الفقرات. ولعل ذلك يرجع إلى أنهما كانا يستعملان مجموعات مختلفة من الشهادات.

كذلك في بعض رسائل بولس، نجد أيضاً نصوصاً من العهد القديم جمعت معاً في فقرات متصلة فيما يبدو أنها جاءت عشوائية، ومن المعقول أن نعتقد أن بولس وجدها أساساً وهي مجمعة معاً تحت نفس العنوان في مجموعة نصوص العهد القديم الخاص به. ولعل جمع هذه النصوص من العهد القديم كان من أوائل النشاط الأدبي للكنيسة المسيحية. فقد كانت من أجل تسهيل عمل الكارزين المسيحين، حتى يكون بمقدورهم أن يستشهدوا بنماذج معينة منها لدعم أقوالهم بأن يسوع المسيح أكمل مواعيد العهد القديم الخاصة بالمسيا.

 

كلمات يسوع

إن العنصر الرئيسي في الكرازة Kyrgma هو سلسلة الأقوال التي ذكرت عن يسوع المسيح نفسه. ومن المؤكد أنه في الأيام الأولى من وجود الكنيسة لم يكن من المستطاع إعلان الرسالة إلا بإشارة عابرة إلى حياة المسيح وتعليمه. ذلك أن معظم المسيحيين كانوا أصلاً من اليهود، وكانت الكنيسة لا تزال شيعة محلية فلسطينية، ولا بد أن كثيرين في فلسطين قد عرفوا شيئاً عن المسيح، مهما كان قليلاً.

إلا أنه لم يمر وقت طويل إلا وكان المرسلون المسيحيون ينتشرون في أماكن خارج فلسطين، حاملين تعليمهم إلى أجزاء الإمبراطورية الرومانية حيث لم يكن أحد يعرف شيئاً عن يسوع. ولا بد أنه كان من الضروري في هذه المرحلة، بالنسبة للكارزين بالأخبار السارة أن يضمنوا رسالتهم بعض المعلومات الحقيقية عن يسوع المسيح نفسه، حتى وإن اقتصرت على أحداث موته وقيامته.

وما أن يصبح الناس مسيحيين إلى ويحتاجون إلى تعليم بخصوص إيمانهم الجديد. وهذا التعليم يتضمن معلومات عن المعتقدات المسيحية، وكذلك نصيحة عن السلوك المسيحي من النوعية التي كثيراً ما نجدها في رسائل العهد الجديد. ومن مصادر هذا التعليم الواضحة والهامة لا بد وأن تكون الأقوال التي يذكرون أن يسوع المسيح نفسه قالها. وليس من الضروري أن تقدم هذه كمعلومات عن يسوع، وهذا ما نستطيع معرفته من نصيحة بولس إلى أهل رومية (12-13). فالكثير مما يقوله قريب جداً من تعليم يسوع المسيح في العظة على الجبل حتى أنه من الصعب الاعتقاد أن الاثنين لم يستندا إلى نفس المصدر.

ومع ذلك لم يقل بولس مطلقاً إن نصيحته مستمدة من تعليم المسيح نفسه. وهناك أجزاء أخرى من كتابات بولس تبين أيضاً أن تقاليد تعاليم يسوع المسيح كانت معروفة لدى كنائس الأمميين الأولى[6]. لذلك فمن المحتمل جداً أنه قبل كتابة الأناجيل بصورتها الحالية بوقت طويل كانت أقوال يسوع المسيح قد جمعت معاً كدليل لإرشاد المعلمين في الكنيسة الأولى. ولا شك أنه كان هناك عدد من مجموعات تعليم يسوع المسيح هذه، عملت لأغراض ومناسبات مختلفة في حياة الكنيسة، والدارسون كثيراً من يطلقون على هذه المجموعات كلمة “Logia” أي أقوال السيد المسيح.

وعلاوة على الاعتبارات العامة السابق ذكرها، هناك العديد من المبررات الأساسية الهامة للاعتقاد بأن هذه كانت من أول أنماط الكتابة المسيحية عن يسوع المسيح.

ç ونعرف أنه كانت توجد مجموعات لاحقة من هذه النوعية، حتى بعد كتابة أناجيل العهد الجديد بفترة طويلة. وهناك عدد من قصاصات البرديات التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث الميلادي، والتي وجدت في البهنسا في مصر، تحتوي على أقوال للمسيح، بعضها مختلف عن تلك الموجودة في الأناجيل.

وقد وجد كتاب كامل لمثل هذه الأقوال مكتوب باللغة القبطية تم العثور عليه في مصر. وقد عرف باسم “إنجيل توما”. وهو يحتوي على أقوال للمسيح ليست موجودة في العهد الجديد، ومع ذلك قد تكون حقيقية. ومع هذا وسواء كانت حقيقية أم لا، فإن هذه الوثائق لا تظهر بوضوح تام أنه كان من عادة الكنيسة الأولى أن تعمل هذه المجموعات الخاصة بأقوال السيد المسيح.

ç وفي الفترة 130-140م، كتب بابياس أسقف هيرابوليس، Papias the bishop of Hierapolis كتاب “شرح أقوال الرب” من خمسة أجزاء. ومع أن معظم هذا الكتاب مفقود الآن، إلا أنه لدينا بالفعل قصاصات قليلة منه على شكل مقتبسات وردت في كتابات أناس آخرين. وإذا كتب بابياس عن “متى قال إنه جمع أقوال المسيح “Logia” باللغة العبرية، وكل واحد فسرها بحسب ما استطاع. والمقصود بهذا القول على وجه الدقة أمر غير مؤكد، لكن معظم الباحثين يعتقدون أن اللوجيا “أقوال يسوع المسيح ” التي يشير إليها هي مجموعة من أقوال المسيح وليست السفر الذي نعرفه باسم “إنجيل متى”.

ç تنظيم المادة في الأناجيل كثيراً ما تشير إلى أن أقوال يسوع المسيح جمعت معاً قبل أن توضع في سياقها الحالي. وهناك مجموعات كثيرة من الأقوال بينها الصلة ضعيفة، ولا تشكل أي حجة مترابطة منطقياً. على سبيل المثال الأقوال عن الملح في إنجيل مرقص، تبدو في الواقع مختلفة تماماً بعضها عن بعض، ولعلها جمعت معاً لمجرد أنها كلها تذكر الملح[7].

ç ثم أمامنا العظة على الجبل بكاملها[8]. ولو حاول أي شخص في أي عصر أن يكتشف حجة الموعظة سيدرك استحالة المهمة، لأنها لا تتضمن حجة مترابطة منطقية. وما لدينا هو مجموعة تعاليم للمسيح جمعت معاً لأنها كلها تتناول مجموعات أخلاقية. ولكنها لا تتواصل بنفس الطريقة التي يتوقع أن تكون عليها العظة الحديثة. وطبقاً لما يقوله بروفسور جيرمياس Jeremias، أن السبب في ذلك يرجع إلى أن العظة في الأصل كانت تشكل مجموعة من أقوال يسوع المسيح، نظمت على هذا النحو لكي تكون سهلة التناول بالنسبة للمنضمين حديثاً في الإيمان المسيحي.

ç وهناك سبب قوي لافتراض وجود مجموعات من أقوال يسوع المسيح في وقت مبكر من تاريخ الكنيسة، يتمثل في حقيقة أنه كان لدى متى ولوقا كمية كبيرة من المادة المشتركة بين إنجيل كل منهما، ولكنها لا توجد إطلاقاً في إنجيل مرقص[9]. وتكاد هذه المادة تتكون في جملتها من تعاليم يسوع، ولكنها تتضمن أيضاً قصة عماده[10]. كما تتضمن التجربة وقصة معجزة واحدة هي شفاء عبد قائد المئة[11]. والتفسير العام المقبول لهذه المادة المشتركة هو أن متى ولوقا، استعمل كلاهما نفس مجموعة أقوال يسوع وأدمجها كل منهما في إنجيله[12].

والمفسرون يطلقون على هذه الأقوال المصدر (َQ). وربما كانت وثيقة مكتوبة، أو ربما تكون مجموعة من التقاليد الشفهية. ومن المؤكد أن وجودها في شكل ما أمر حقيقي، ولا سيما أن محتوياته تشابه إلى حد كبير مجموعات الأقوال النبوية التي نجدها في العهد القديم. وإلى جانب كلمات النبي التي تجمع معاً ويقوم تلاميذه بتحريرها، فإن الأسفار النبوية كثيراً ما تتضمن أيضاً رواية عن دعوة النبي، وحدثاً أو اثنين من الأحداث البارزة في حياته.

وهذا هو بالضبط ما نجده في التقليد المسمى (Q). فنجد قصة معمودية المسيح وتجربته في البرية (اللتان يمكن القول إنهما بمثابة دعوته)، كما نجد توضيحاً لأكثر أنشطته النمطية: معجزة وشفاء. إلا أن التأكيد الرئيسي إنما يكون على تعليمه.

وبناء على الدليل الذي تم جمعه حتى الآن، بوسعنا الاستنتاج انه من بداية وجود الكنيسة كان اهتمامها الرئيسي منصباً على نوعيتين من الكتابة هما: الشهادة Testimonia وأقوال يسوع المسيح Logia. ولعلهم أيضاً كان لديهم مخطط مشترك متفق عليه بالنسبة لمجرة حياة المسيح وتعليمه. إلا أنه قبل وقت طويل بدأت تبرز الحاجة إلى ضرورة جمع كل هذه المادة معاً في صورة تقبل الاستمراربة بشكل أكثر. وهذه العملية لم تتم بالطبع بين عشية وضحاها.

والواقع أنها ربما لم تكن في الحقيقة منفصلة على الإطلاق، بل كانت مجرد توسع وإكمال للعمل الذي سبق أن بدأ بعمل مجموعات من “الشهادة” و”أقوال يسوع”. غير أن المحصلة النهائية تمثلت في الوثائق الأربع التي نعرفها الآن بأسماء: إنجيل متى وإنجيل مرقص، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا.

وضع الأناجيل معاً

الأناجيل الثلاثة الأولى تسمى “المتشابهة Synoptics” لأنها تتشابه إلى حد كبير، والطريقة ذاتها التي حول الكتبة بها “أقوال يسوع” إلى أناجيل هي أساس مشكلة التشابه Synoptic Problem”.

وهذه الأناجيل في الواقع ما هي إلا ثلاث طبعات مختلفة لنفس المادة الأساسية تقريباً. وكثير من هذه التشابهات يمكن بالطبع تفسيره بافتراض أن هؤلاء الإنجيلين كانوا يستعملون نفس مجموعة الأقوال التي كانت متداولة بين مجموعة مختلفة من المسيحيين. ولكن التشابهات أكثر من ذلك تعقيداً، لأنه توجد أمثلة كثيرة جداً، حيث استعملت الأناجيل الثلاثة نفس اللغة بعينها من حيث المفردات اللغوية والتركيبات النحوية، الأمر الذي حمل معظم الباحثين على الاعتقاد بأنه لا بد وأنهم كانوا يستعملون نفس المصادر المكتوبة.

أما التفسير الذي قيل بوجه عام فيما يتعلق بهذه التشابهات فيتمثل في “نظرية المصدرين” والتي تفترض أن متى ولوقا استخدما نفس وثائق المصدرين في كتابة قصتيهما عن حياة يسوع المسيح وتعليمه. وكانت هذه هي المصادر التي نعرفها الآن بإنجيل مرقص والمصدر المفترض (Q). ومن المؤكد بالطبع، أن لوقا على الأٌقل استخدم مصادر متنوعة في كتابة إنجيله، ذلك لأنه يقول صراحة إنه فحص عمل أناس آخرين، واختار منها تلك الأجزاء التي كانت تناسب هدفه من الكتابة. وعلى ضوء العلاقات الأدبية الوثيقة بإنجيلي مرقص ولوقا، يبدو أن متى استخدم نفس الأسلوب في كتابة إنجيله.

وإذ توصل الباحثون إلى استنتاج أن متى ولوقا استخدما إنجيل مرقص كمصدر لهما، فقد حللوا نص الأناجيل الثلاثة المتشابهة مستخدمين على الأقل خمس معايير مختلفة:

ç الصياغة: مقارنة الكلمات المستخدمة في نصوص مختلفة تعد طريقة بسيطة جداً لتحديد العلاقة الأدبية بينها. وأكثر من نصف المفردات اللغوية المستخدمة فعلاً في إنجيل مرقص، نجدها متضمنة في إنجيلي متى ولوقا، وكلاهما يحتويان على أجزاء متطابقة لا نجدها في إنجيل مرقص. ولذا فإنه من الواضح أنه كان هناك مصدر واحد معروف لهم جميعاً، كما أن هناك مصدر واحد استخدمه متى ولوقا فقط.

ç الترتيب: إذا اتفقت ترتيب أحداث في قصة موجودة في أكثر من إنجيل واتفقت الأجزاء التي بها نفس الصياغة، نستطيع أن نخطو خطوة إلى الأمام ونفترض وجود مصدر مشترك اتبع ترتيبه واستخدمت كلماته بواسطة الإنجيليين الثلاثة جميعاً. وهنا أيضاً يوجد دليل كاف على هذا. فإن متى ومرقص ولوقا اتبعوا كلهم نفس الترتيب العام للأحداث. فهم يبدأون بخدمة يوحنا المعمدان، ثم ينتقلون إلى الحديث عن معمودية المسيح وتجربته في البرية.

بعد هذا تأتي خدمة عمل المعجزات والتعليم في الجليل، والتي بدأت تثير مقاومة من الرؤساء اليهود. ثم يقوم المسيح برحلات صوب الشمال ليعطي تعليماً لتلاميذه على انفراد. وأخيراً يتوجهون إلى أورشليم، ونجد قصة أيامه الأخيرة هناك، محاكمته، صلبه، ثم قيامته.

وفي هذا الإطار العام، هناك أحداث معينة سجلت أيضاً في كثير من الأحيان بنفس الترتيب.

وسمة الأناجيل المتشابهة هذه، تتضح على أفضل نحو إذا افترضنا أن إنجيلي متى ولوقا كانا يستخدمان إنجيل مرقص، كمصدر لهما وليس العكس. لأنه مما يلفت النظر أنه حين يخرج متى عن نهج نظام مرقص، نجد أن لوقا يحتفظ بنفس ترتيب مرقص، وحين يخرج لوقا عن نظام مرقص، نجد أن متى يتبع نهج مرقص. وهناك حدث واحد يضعه كل منهما بنظام يختلف عن ترتيب مرقص وهو: تعيين الاثني عشر[13].

فأحياناً يتخلى متى أو لوقا عن نمط قصة مرقص كي يضيف شيئاً جديداً[14]، غير أنهما بعد هذه الإضافة يعودان إلى النقطة التي في إنجيل مرقص، والتي كانا قد توقفا عندها[15]. وهذه من أقوى الدعامات التي تدعم الاعتقاد أن متى ولوقا استخدما إنجيل مرقص وليس العكس.

ç المحتويات: تحليل محتويات القصص كشف أيضاً عن استخدام مصادر مختلفة. فإذا سجل أحد الكتبة نفس القصة بنفس الكلمات والترتيب الذي استخدمهما كاتب آخر، فإنه يكون بوسعنا افتراض إما أن أحدهما استخدم عمل الآخر، وهذا ما حدث بالنسبة للأناجيل المتشابهة، فمن بين 661 آية الموجودة في إنجيل مرقص، نجد في متى منها 606 آيات بنفس صيغتها، ونصفها أيضاً نجده في إنجيل لوقا.

ç الأسلوب: هذا معيار صعب جداً من ناحية استعماله بطريقة مرئية، فأسلوب الكاتب يمكن أن يعتمد على أمور كثيرة، ومنها الوضع الذي يكتب أثناءه، والقراء الذين يقصدهم، وما إذا كان يستخدم سكرتيراً أم لا، وهكذا.

ومن المؤكد أن هناك اختلافات بارزة في الأسلوب بين مرقص والإنجيلين المتشابهين الآخرين. وإنجيل مرقص، على وجه العموم، كتب بلغة يونانية أقل مستوى من اللغة التي كتب بها الإنجيلان الآخران. على سبيل المثال، تراه كثيراً ما يصف الأحداث بالفعل المضارع التاريخي (يستخدم الفعل الحاضر للحديث عن شيء وقع في الماضي). ومع ذلك نجد أن متى ولوقا يستخدمان دائماً الفعل الماضي، وهذه بالطبع هي الصيغة الأدبية الصحيحة.

وكثيراً ما ثار الجدل بأن هذا الاختلاف يبين أن متى ولوقا كانا يستخدمان إنجيل مرقص – وليس العكس – وهي حقيقة مؤكدة أنه إذا كان مرقص قد اطلع على إنجيلي متى ولوقا لكان يعد أمراً شاذاً للغاية أن يقوم بتغير قواعد النحو الجيدة بأخرى رديئة.

ولكن هذه الحجة تعتمد على افتراض أن الإنجيليين استخدموا مصادرهم بطريقة خرقاء، حيث كانوا ببساطة ينقلون النص كلمة كلمة. غير أنه ليس هناك باحثون كثيرون ممن يتبعون مصدراً بحذافيره بحيث يسمحوا لأسلوبه بأن يعتم على أسلوبهم. وإذا كان مرقص ضعيف الكتابة باليونانية، فإن قواعد لغته المستعملة ستكون رديئة سواء كان ينقل عن مصدر آخر أم لا.

ولسوف نكون على صواب حقاً حين نلاحظ أنه في ثمان حالات سجل فيها مرقص أقوالاً للمسيح باللغة الآرامية، لا نجد لها مثيلاً في لوقا. ولا نجد سوى مثالاً واحداً لها في متى. والاحتمال الأكيد هو أن متى ولوقا حذفا الأقوال الآرامية، إلا أن مرقص تعمد ذكرها.

ç الأفكار واللاهوت: إذا أمكن بيان أن قصة أحد الأناجيل تتضمن فكراً لاهوتياً أكثر تطوراً من قصة أخرى، هنا يبدو من المعقول النظر إليها على أنها أحدث الاثنين. ويبدو هذا اختباراً بسيطاً، غير أنه من السهل تطبيقه من الناحية العملية، فكثيراً ما يكون من الصعب التأكد من أن ما يبدو أنه اختلاف في الوضع يكون بالفعل اختلافاً حقيقياً. وعلى أي حال، من الذي يحدد ما هو “فكر لاهوتي متطور”، وكيف لنا أن نكون واثقين أن هذا لا بد وأن ينتمي إلى وقت لاحق ولا يرجع إلى نظرة “أولية”؟

وحين نتذكر أن فكر بولس المتطور بدرجة عالية، كان موجوداً بالتأكيد في الوقت الذي كانت تتشكل فيه الأناجيل، وهنا يكون بوسعنا أن ندرك أن تحديد مثل هذه الاختلافات، وعلاقة ترتيبها الزمني بعضها ببعض، لا بد وأن يكون أمراً موضوعياً للغاية.

وهناك بالطبع عدد من التأكيدات المختلفة في الأناجيل. إلا أنه من الصعوبة أن نعرف على وجه اليقين ما هي أهميتها من ناحية كتابة الأناجيل. فعلى سبيل المثال، يبدو أن متى ولوقا عدلاً أو حذفاً أقوالاً معينة جاءت في إنجيل مرقص يمكن الاعتقاد أنها تشين يسوع. فقول مرقص الفظ إن المسيح في الناصرة: “لم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة”[16]، جاء في متى على هذا النحو: “ولم يصنع هناك قوات كثيرة”[17]، أما لوقا فقد حذف هذا القول بجملته.

ونفس الشيء يقال عن سؤال المسيح في إنجيل مرقص: “لماذا تدعوني صالحاً”[18]، جاء في متى على النحو التالي: “لماذا تسألني عن الصالح”[19]، بحسب إحدى الترجمات.

وهذه النقاط الخمس ليست جميعها على نفس القدر من الأهمية. فهناك صعبات في تقدير قيمة الاثنتين منها على الأقل. ولكنها إذا أُخذت معاً فإن محصلة الدليل الذي تشكله يمكن تفسيره بسهولة إذا افترضنا أن متى ولوقا استخدما قصة مرقص، إلا أن متى كان الإنجيل الأساسي الذي لخصه مرقص والذي اختار منه لوقا بعض المقتطفات.

مصدران أم أربعة

وما ذكر حتى الآن عن الطريقة التي يمكن أن تكون الأناجيل قد كتبت بها يمكن أخذه على أنه تقريباً الرأي الذي اتفق عليه باحثو العهد الجديد بشكل عام. وعلى الرغم من أنه قد توجد نقاط اختلاف بالنسبة للتفاصيل، إلا أن أغلبية من الخبراء اتفقوا على الخطوط العريضة للحقائق.

وبالإضافة إلى فكرة أن الأناجيل المتشابهة تعتمد بصفة أساسية على مصدرين: إنجيل مرقص والمصدر (Q) فقد قيل إن هذين لم يكونا المصدرين الوحيدين اللذين اعتمدت عليهما أناجيلنا. وكان “ستريتر B. H. Streeter” هو أول دارس بريطاني يقدم الحجج، على أن متى ولوقا استخدم كلاهما إنجيل مرقص، ولكنه ذهب إلى أبعد من ذلك، وقال إنه لكي نفهم كل تفاصيل الأناجيل (المتشابهة) فنحن في حاجة إلى نظرية أكثر دقة، لا تتناول مصدرين فحسب بل أربعة مصادر أساسية.

فإلى جانب إنجيل مرقص والمصدر (Q) حدد مصدرين أطلق عليها الحرفين (M) و(L). والواقع أن هذه المادة هي ببساطة ما تبقى من قصص متى ولوقا بعد استبعاد المادة من مرقص ومادة المصدر (Q). غير أن “ستريتر” قال إن مجموعتي المواد هذه كانت هي نفسها تشكل مصدرين منفصلين ولكن مترابطين منطقياً، ومن أصل مستقل.

مسودة لوقا

يبدأ “ستريتر” ملاحظاته من حقيقة أنه يبدو أن متى ولوقا استعملا إنجيل مرقص بطرق مختلفة، فمتى اتبع بشكل دقيق ترتيب إنجيل مرقص وإطاره العام، مع أنه في ذات الوقت كثيراً ما كان يعيد كتابة المادة الفعلية، وغالباً ما كان يوجز المادة المأخوذة من إنجيل مرقص لإفساح المجال لمزيد من المعلومات الإضافية. كان من شأن ذلك أن إنجيل متى بدا بالأحرى مثل طبعة جديدة ومبكرة من إنجيل مرقص. أما بالنسبة للوقا فكان الأمر مختلفاً. ففي حين أن متى انتفع تقريباً بك المادة الموجودة في إنجيل مرقص، نجد أن إنجيل لوقا لا يحتوي إلا على نص مادة إنجيل مرقص.

والأكثر من هذا أن “ستريتر” اكتشف أنه إذا ما نحينا جانباً كل المادة المأخوذة من مرقص من إنجيل متى نجد أن المادة المتبقية غير مترابطة، وينهار السفر إلى قطع متناثرة. ولكننا إذا فعلنا الشيء نفسه بإنجيل لوقا، فلسوف تبقى لنا قصة معقولة متماسكة ومتواصلة. وهذا ينطبق بصفة خاصة على القصص المتعلقة بموت يسوع وقيامته في إنجيل لوقا، والتي يبدو أنها دعمت بمعلومات من إنجيل مرقص، ولم تتخذ قصة مرقص أساساً لها.

ولذلك يرى “ستريتر” أنه قبل أن يكتب إنجيل مرقص كان لوقا قد كتب مسودة أولى لإنجيله، تقوم على أساس مجموعة الأقوال التي تضمنها المصدر (Q)، والمادة التي أطلق عليها الحرف (L) والتي تعلمها من الكنيسة في قيصرية حيث أقام بها حينما كان بولس في السجن (أع 23: 23 – 27: 2).

وأطلق “ستريتر” على هذه المسودة الأولى للإنجيل “مسودة لوقا Porto-Luke”، وقال إنه حين كان لوقا مقيماً في روما في تاريخ لاحق بعد ذلك بقليل، تعرف على إنجيل مرقص الذي كان قد كتب في السنوات التي تخللت ذلك، وقد ضمن مقتطفات منه في مسودة إنجيله التي كانت موجودة معه بالفعل، والتي أطلقنا عليها “مسودة لوقا”. وفي الوقت ذاته، ربما كان قد أضاف أيضاً المقدمة (لوقا 1: 1-4) وقصص ميلاد المسيح في الأصحاحين الأول والثاني.

وهناك عدد من الحقائق تتناسب تماماً وهذه النظرية. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما يذكر لوقا قصة مختلفة تماماً عن نص القصة الموجودة في إنجيل مرقص. فقصة رفض يسوع في الناصرة تعد مثالاً طيباً لذلك (مرقص 6: 1-6؛ لوقا 4: 16-30). ومن الواضح أن الإنجيلين كليهما يذكران نفس الحدث، غير أن قصة لوقا أكمل بكثير ومن ثم فمن الواضح أنه لا بد وأن يكون قد استخدم مصدراً مختلفاً للمعلومات التي ذكرها.

ثم إن هناك الطريقة التي وضعت بها أقسام صغيرة من قصة مرقص وبنفس ألفاظها تقريباً في وسط مادة أخرى في إنجيل لوقا، وتظهر كما لو أنها وضعت في وقت لاحق تقريباً، ومما يلفت الانتباه أيضاً أن كماً كبيراً من المعلومات التي تضمنها إنجيل مرقص محذوفة بكل بساطة في لوقا.

وينادي “ستريتر” بأنه إذا كان لوقا قد عرف بأمر عمل مرقص حين قام بعمل أول مسودة لإنجيله، لكان قد أضاف إليها المزيد من مادة مرقص. كذلك كثيراً ما لوحظ أن إنجيل لوقا يبدو وكأن له بدايتين. هناك بدايته الحالية (1: 1-4)، ولكن بعد قصص ميلاد يسوع، يبدو أنه يبدأ من جديد في (3: 1) مع تأريخ لوقا بحرص لخدمة يسوع، التي اتبعها بقائمة أسلافه في (3: 23-38). ويوضح “ستريتر” هذه السمة غير الطبيعية بافتراضه أن (3: 1) كان يشكل البداية الأصلية “لمسودة لوقا”، التي استهلها لوقا بعد ذلك بما يعرف الآن بالأصحاحين 1، 2 من إنجيله.

وأهمية نظرية “ستريتر” فيما يتعلق بالطريقة التي كتب بها لوقا إنجيله تكمن في حقيقة أنه إذا كان هناك بالفعل ما يسمى بمسودة لوقا فإنها ستشكل مصدراً مبكراً مستقلاً آخر لمعرفتنا لحياة يسوع وتعليمه. ومع ذلك فإن هذا لم يلق ما يشبه الموافقة الشاملة على الرغم من أن الكتاب المعاصرين قبلوا وجهة النظر هذه بشكل آو بآخر.

ولعل من أضعف النقاط في هذا الاقتراح هو ما افترضه عن طبيعة تقاليد الإنجيل في الكنيسة الأولى. ذلك أن “ستريتر” افترض أننا نتعامل مع عملية أدبية محددة على وجه حسن. وهو يميل إلى النظر إلى الإنجيلين كمحرري صحف، وقد جلسوا وأمامهم عدداً من المصادر المكتوبة يستخرجون منها أجزاء عديدة من الوثائق المختلفة.

وكان هذا يشكل مفهوماً شعبياً في الوقت الذي كتب فيه “ستريتر” اقتراحه (1924)، وكان يطبق على نطاق واسع على دراسة العهدين القديم والجديد، غير أن البحث اللاحق أثبت أن هذا تبسيط مفرط للموضوع، وربما كان لوقا على معرفة بالمادة المأخوذة من مرقص، ولكن ليس من خلال إنجيل مرقص بشكله الحالي.

وهذا أيضاً يشكل نقطة ضعف في اقتراحات أخرى قدمها “ستريتر”، فقد جادل ليس فقط في أنه يمكن تعريف أربعة مصادر تشكل خلفية للأناجيل المتشابهة، بل قال أيضاً إن كل منها قامت بتقديم تقاليد حياة يسوع وتعاليمه، كما حفظت في الأماكن الأربعة الأكثر أهمية في المسيحية الأولى: مرقص كُتب في روما، المصدر (Q) كُتب في أنطاكية، المصدر (M) في أورشليم، والمصدر (L) في قيصرية. ومع ذلك، هناك عدد من الصعاب التي تكتنف هذا الرأي.

افترض “ستريتر” أن المصدرين L وM مصدرين مترابطين منطقياً. ولكن هذا الأمر يصعب التمسك به. فحين أبعدت المادة المرقصة، ومادة المصدر (Q) من إنجيل متى، فما تبقى لم يشكل مجموعة مترابطة بأي شكل كان. ونفس الشيء يقال وبدرجة أقل عن المصدر (L)، والذي هو عبارة عن إنجيل لوقا بعد استبعاد مادة المصدر (Q) والمادة المأخوذة من مرقص.

يبدو أن هذه النظرية تفترض نوعاً من التعاقب الخطي في تطور الأناجيل، والذي بواسطته تقدم التقاليد من أشكال بدائية تقريباً إلى جمع أناجيلنا الأربعة الحالية بتطور أدبي خالص.

إلا أنه أصبح من المعروف الآن وعلى نطاق واسع، أنه ليس بوسعنا أن نتحدث بعد بثقة كبيرة عن هذه النوعية من التطور من قصص بدائية إلى قصص أكثر حنكة.

أضواء جديدة على مشاكل قديمة

ربي والهي – هل آمن توما بلاهوت المسيح حينما قال ربي والهي؟ Trent Horn

كثير من تركيز الدارسين للعهد الجديد الآن ينصب على هجر فكرة التحليل الآلي للأناجيل. ومع أن نظرية المصدرين الخاصة بأصل الإنجيل لا تزال مقبولة على نطاق واسع، إلا أن عدداً من الأسئلة الجديدة بدأ يطرح الآن على الساحة، بعضها قد يكون له تأثير حاسم على فهمنا للطريقة التي تم كتابة العهد الجديد بها.

وبين آونة وأخرى يتواصل طرح الأسئلة حول نظرية المصدرين نفسها، هل كان إنجيل مرقص فعلاً أول ما كتب من الأناجيل؟ وهل من الضروري حقاً افتراض أن المصدر (Q) يمثل مجموعة محددة من أقوال يسوع، أم أنها مجرد مجموعة غير مترابطة من التقاليد التي كانت معروفة لكل من متى ولوقا؟ وبالنظر إلى قوة الدليل لكل من أسبقية المادة المأخوذة من مرقص، والشكل الثابت لمصدر (Q)، فالأمر يتطلب حججاً قوية جداً لدحض وجهة النظر العامة.

والتشابهات اللفظية واللغوية الوثيقة بين الأناجيل المتشابهة الثلاث يبدو أنها تتطلب أن يكون إنجيل مرقص هو الأول، وأن المصدر (Q) له شكل ثابت تقريباً. وإذا تقبلنا الاقتراح القائل أن المصدر (Q) له شكل مماثل لشكل الكتابة النبوية في العهد القديم، إذاً لا بد وأن شكله كان له مادة مكتوبة أيضاً.

والفكرة الأقدم الخاصة بتطور خطى من الشهادة Testimonia وأقوال يسوع Logia والكرازة Kerygma إلى إنجيل تام، أصبحت الآن مصدر تساؤل. وما نعرفه عن الكنائس الأولى يوحي أنها كانت في الغالب مستقلة عن بعضها البعض. ولذلك فإن الكنائس في مختلف أنحاء الإمبراطورية الرومانية، كانت تتطور بحسب قدرتها، ومن المحتمل تماماً أن المسيحيين في المواقع الجغرافية المختلفة لن يكونوا في نفس مرحلة التطور في ذات الوقت.

وهذا معناه أنه ليس واقعياً افتراض أنه في مختلف التقاليد عن يسوع كانت هناك فترة كان كل الاهتمام فيها مركزاً على جمع أقوال يسوع، وأن هذه الفترة اتبعت بعد ذلك بفترة نشاط أدبي مكثف تم كتابة الأناجيل أثناءها. ومن المحتمل أن نمط المعلومات المعروفة عن يسوع الآن في أية كنيسة، كان يختلف بحسب احتياجات كل كنيسة على حدة.

وكان لذلك تأثير هام على موضوع تحديد تاريخ الأناجيل. وإذا كانت هناك ضرورة لافتراض تاريخ طويل للتطور من اللوجيا (أقوال يسوع) إلى الإنجيل، هنا يجب أن نأخذ في الاعتبار وقتاً لهذا عند تحديدنا تواريخ الأناجيل. ولكن إذا كانت أقوال يسوع والإنجيل كلاهما تكون في نفس الوقت، لمواجهة متطلبات الكنائس المختلفة، هنا لا يكون هناك سبب يحول دون نسبة تاريخ الأناجيل سابق إلى حد ما عن التواريخ المعتادة.

وثمة نقطة أخرى أثيرت فيما يتعلق “بالتطور اللاهوتي”، الذي يقول البعض إنه يمكن تتبعه في الأناجيل. ولقد أشار د. جون روبنسون Dr. John Robinson في كتابه “إعادة تحديد تواريخ العهد الجديد” أن الفكر اللاهوتي المصقول لا يشير بالضرورة إلى تاريخ أقدم بأكثر مما يشير إلى ذلك الفكر اللاهوتي البدائي.

وعلى سبيل المثال، فإن إنجيل مرقص بلا شك أقل تعقيداً من إنجيل يوحنا، وكان هذا من بين الأسباب (وليس بالطبع السبب الوحيد) التي تم الاستناد إليها في نسبة تاريخ قديم بصفة عامة إلى إنجيل مرقص، واعتبار يوحنا آخر الأناجيل. ولكن هذا يتطلب بالطبع تقدماً متطوراً مباشراً بالنسبة لكل الأناجيل.

ومع ذلك، فإنه إذا ما كانت الأناجيل المختلفة قد كتبت لخدمة احتياجات كنائس مستقلة وفي أماكن مختلفة، فليس من العسير أن الكنائس ذات الفكر اللاهوتي البدائي لابد وأنها كانت موجودة في ذات الوقت إلى جانب كنائس ذات عقيدة راسخة، وعلى هذا فإن تطور الفكر اللاهوتي، لا يشكل بالضرورة مفهوماً نافعاً للغاية في دراسة الأناجيل المتوافرة لنا الآن.

ولذلك يوجد عدد من الأسئلة الجديدة التي طرحت عن الأناجيل في أيامنا هذه، وهو من نوعية أصعب إلى حد ما عن تلك التي طرحتها الأجيال الأولى. فقد صار من المعترف به على نطاق واسع الآن، بغض النظر عن الجهة التي استقيت منها المعلومات، فإن كل إنجيلي كتب ما هو بالضرورة عمل أصلي، مميز من نواح هامة عن عمل أي من الآخرين، وكثير من اهتمامنا مركز الآن على “ما” كان الإنجيليون يعملون، وليس على معرفة كيف كانوا يعملونه. وهذا سؤال يتطلب إجابة لاهوتية لدعم الاكتشافات الأولى لنقاد الأدب.

نقاد الصيغ

ما أن قبلت نظرية المصدرين على نطاق واسع باعتبارها أكثر التفسيرات احتمالاً بالنسبة “للصناع” المختصين بكتابة الإنجيل، إلا وانهالت سلسلة عريضة من الأسئلة الجديدة، لأن عزل المصادر المختلفة التي كان يستخدمها الإنجيليون في كتابة قصصهم عن حياة يسوع وتعليمه، لم يجب إلا على السؤال: من أين جاءت الأناجيل؟ إلا أنه هناك سؤال آخر: من أين جاءت مصادرهم؟ وماذا كان يحدث للتقاليد التي كانت تتحدث عن يسوع خلال الفترة بين موته وقيامته، وحفظها كتابة في الأناجيل؟

لقد خطرت هذه الأسئلة على فكر بعض الباحثين في ألمانيا حتى قبل أن ينشر “ستريتر” كتابه العظيم عن مصادر الإنجيل.

وفي محاولتهم الإجابة عليها، استخدموا طريقة جديدة لتحليل أسفار الكتاب المقدس وأطلقوا عليها عبارة “تاريخ الصيغ” إلا أنه يشار إليها عادة في اللغة الإنجليزية بعبارة “نقاد الصيغ”. تم تطبيق هذا الأسلوب أولاً على العهد القديم بواسطة هيرمان جونكل Herman Gunked وهو مفكر ألماني، وعلى الرغم من أن بعض باحثي العهد الجديد البارزين كانوا الأسرع في معرفة مناسبته لدراسة الأناجيل. وكان أشهر هؤلاء ك. ل. شميدت K. L. Schmidt، م. ديبليوس M. Dibelus، ر. بولتمان R. Bultmann.

ولقد بدأ هؤلاء من ملاحظة أن الأدب القديم بصفة عامة يتطلب صيغة أدبية معينة، تعتمد على نوعية الكتابة. ولقد تم اختبار هذا المبدأ بطريقة متقنة للغاية في دراسة الكتابات الشعبية التقليدية لشمال أوروبا، التي يمكن تصنيفها إلى قصص خرافية، تاريخ، سير ذاتية، حكم وما إلى ذلك، وذلك بكل بساطة بملاحظة الطريقة التي كتبت بها. وقد افترض نقاد الصيغ أن نفس الشيء ينطبق على العهد الجديد.

فوحدات التقليد التي كون الإنجيليون منها أناجيلهم، كما يقولون، تطلبت صيغاً أدبية معينة للموقت الحياتي التي استخدمت فيها في الكنيسة الأولى. وعلى ذلك فبفحص الصيغة الأدبية لقصة ما، ادعوا أنهم قادرون على اكتشاف الاستخدام الأساسي لها من خدمة تعليم الكنائس الأولى.

وإذا أمكن عمل ذلك بنجاح، فلسوف يشكل ذلك عوناً قيماً لفهمنا للأناجيل. لأنه إذا كان بمقدورنا معرفة شيء عن استخدامات تقاليد الإنجيل في الكنيسة الأولى، نكون في وضع جيد لفهم علاقتها بحياة الكنيسة، من ثم نكتشف معناها الأساسي.

ومع ذلك، فإنه مما يؤسف له أن الذين درسوا الأناجيل بهذه الطريقة أخفقوا في الاتفاق عند نقطة واحدة حاسمة. فلا يوجد اتفاق مقبول على نطاق واسع عن أي الأنماط الأساسية يمكن أن توجد بالفعل في الأناجيل. ولقد ادعى مارتن ديبليوس أنه قادر على تمييز خمسة أشكال مختلفة، كل منها يتناغم مع موقف معين في حياة الكنيسة الأولى. غير أن اثنين فقط من بين هذه الأشكال الخمسة لم يعترف بهما إطلاقاً على نطاق واسع من قبل مفكرين آخرين وهما: الأمثلة والحكايات.

الأمثلة: وقد أطلق عليها فنسنت تايلر Vincent Taylor – وهو أحد نقاد الصيغ الإنجليز – “قصص إعلان”. وهذا التعبير يشير بشكل أدق إلى محتوياتها، لأنها على وجه العموم قصص صغيرة تصل في ذروتها إلى قول رائع قاله المسيح، أو قيل عنه، وطبقاً لما يقوله ديبليوس يرجع أصل هذا الشكل إلى الكنيسة الأولى التي استخدمت فيها مثل هذه القصص كأمثلة وتوضيحات.

وثمة قصة إعلان نمطية نجدها في الحدث الذي قطف فيه يسوع المسيح بعض سنابل القمح يوم السبت، وفسر عمله لليهود بقوله: “السبت إنما جعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت. وابن الإنسان هو رب السبت أيضاً” (مرقص 2: 23-28؛ متى 12: 1-8؛ لوقا 6: 1-5). وقصص من هذا القبيل كثيراً ما كانت تقال في الوعظ قبل أن تكتب في الأناجيل بوقت طويل. ونقاد الصيغ يميزون بشكل عام بين سمتين رئيسيتين في مثل هذه القصص:

ç دائماً تختتم بقول رائع للمسيح، وطبقاً لما يقوله البعض، كان هذا يعد وسيلة مفضلة لدى وعاظ الكنيسة الأولى. وفي حين أن الواعظ الحديث يبدأ عادة بالنص الذي اختاره، وربما احتفظ الرسل بنصهم إلى النهاية كي يستخدموه كذروة طبيعية لما حدث قبلاً.

ç وهذه قصص تحتوي على معلومات وصفية قليلة جداً، مجرد حقيقة بسيطة إلى أقل قدر ممكن لتهيئة الوضع للعنصر البالغ الأهمية وهو قول يسوع المسيح. وحين تقال أية قصة شفاهة فهناك أمران يمكن أن يحدثا لها. إما أنها تبلى من كثرة التكرار حتى إنه لا يتبقى منها إلا أكثر الحقائق ضرورة، ويعبر عنها بطريقة موجزة ورائعة. وإما أن يتم توضيحها أثناء سردها، وذلك حيث يضاف إليها المزيد من التفاصيل حتى تكتسب المزيد من الواقعية والإثارة. وطبقاً لما يقوله معظم نقاد الصيغ، فقد بقيت القصص المتضمنة إعلانات ولم يتبق منها إلا الضروريات عوض أن توضع أثناء تسلمها.

الحكايات: أطلق عليها تايلور Taylor قصص المعجزات، على الرغم من أنها لم تكن جميعاً مهتمة بالمعجزات. وكما يقول ديبليوس فإن الملح المميز لهذه القصص أنها توضحت ولم تبل أثناء تداولها. والواقع إنه يقول إن هذه القصص ربما وضعت في صياغتها الحالية بواسطة شخص من نوعية معينة في الكنيسة الأولى “راوي القصة” والذي كانت وظيفته صياغة قصص عن يسوع المسيح على نفس نمط قصص آلهة اليونان. وكانت قصصاً قصد بها أن تربح متجددين في الإيمان المسيحي بتوضيحها أن المسيح أسمى من الآلهة الأخرى.

ولا يوجد بالطبع أي شيء في العهد الجديد يشير إلى أمثال هذا الشخص. ومما يلفت النظر بوجه خاص أن بولس الذي ذكر أكثر من قائمة بأسماء أناس لهم وظائف خاصة في الكنيسة، لم يذكر إطلاقاً رواة قصص (1كو 12: 1-11؛ 28-30؛ رو 12: 6-8؛ أف 4: 11).

وربما تكون التفصيلات الرائعة في هذه القصص مأخوذة من مصدر مختلف تماماً. ولعلها كانت رواية شهود عيان، كانوا يتذكرون في الواقع تفاصيل كل الأحداث التي كانوا يصفونها، وبالنظر إلى حقيقة أن الأناجيل نفسها لم تكتب إلى بعد مرور ما لا يقل عن جيل على الأحداث التي تصفها، فمن الصعوبة تصديق أي رواة قصص محترفين أمكنهم بكل سهولة أن يخترعوا تفاصيل خيالية في الوقت الذي كان فيه كثيرون من شهود العيان الذين عاصروا يسوع المسيح ما زالوا على قيد الحياة.

ولقد عين ديبليوس ثلاث صيغ أخرى للقصة في الأناجيل، غير أن باحثين كثيرين لم يقبلوا رأيه بشأن هذه النقطة. وهذه الصيغ هي:

الخرافات: يشبهها ديبليوس بالقصص التي كثيراً ما ترتبط بقديسي العصور الوسطى. وعرفها بأنها “قصص دينية عن قديس تم الاهتمام بأعماله ومصيره”… والغرض منها تقديم أساس لتكريم القديس. ولا يحتاج الأمر اختلاق هذه القصص، على الرغم من أن ديبليوس يقول إنها تختلق في معظم الأحيان، ووظيفتها تمجيد الشخص الذي بصفة لا أن تقدم أية معلومات حقيقية عنه.

الأساطير: وهو الاسم الذي خلعه ديبليوس على أية قصص تتضمن شخصيات أو أحداث خرافية. وقصص العماد والتجربة والتجلي تنخرط تحت هذه النوعية.

النصائح التحذيرية: كانت بالضرورة التعليم الذي تضمنته الأناجيل، وكانت تستخدم لتعليم المتجددين في الكنيسة الأولى، وتابع آخرون دراسة قصص الأناجيل بعد العمل الرائد الذي قام ديبليوس، وليس من شك في أن هذا ألقى بعض الضوء على أصل الأناجيل. فهناك عدد من الأفكار الرائعة التي نسلم بها الآن جاءت كنتيجة مباشرة لعمل نقاد الصيغ.

ç وبمقدورنا أن ندرك الآن أنه لم يقصد بالأناجيل أن تكون سيراً ذاتية للمسيح. بل هي رواية منتقاة من أجزاء معينة من حياته وتعليمه حفظت لنفعها لخدمة الكنائس الأولى.

ç وبسبب هذا، أصبح من المعروف الآن أن تفاسير الأناجيل مرتبطة بشكل وثيق بالمفهوم الكلي للكنيسة الأولى. ولكن لنفهم علاقة الأناجيل ومعناها، ترانا في حاجة إلى فهم الأشخاص الذين كتبوها.

ç وهذه العملية أدت بدورها إلى فهم إيجابي مؤقت لما كان يدور في الفترة السابقة على كتابة أي من وثائق العهد الجديد، حيث كان تعليم يسوع المسيح يفسر ويطبق على مواقف جديدة في حياة أتباعه.

ولا شك أن هذه الأفكار لها قيمتها، ولا يجب التقليل من أهميتها – ولا سيما الرأي الأول، والذي أثر بشكل جذري في أسلوب تناولنا للأناجيل من جميع نواحيه. ومع ذلك يوجد عدد من النقاط كان عمل نقاد الصيغ بالنسبة لها أقل فائدة. وهناك ثلاثة انتقادات رئيسية يمكن توجيهها لعملهم. ولا سيما في الفترة المبكرة.

الصيغة والمحتوى: الكثير من تصنيفات ديبليوس كانت تعتمد في الواقع، ليس على الصيغة الأدبية، بل على المحتوى. فعلى سبيل المثال، لا يوجد سبب أساسي لوصع القصص التي تتضمن شخصيات خارقة في نوعية مختلفة عن القصص الأخرى. وإذ كانوا يضعون مثل هذه النوعية من التفريق كان نقاد الصيغ متأثرين بافتراضاتهم المسبقة القائمة على مذهبهم العقلاني.

وكما سبق أن ذكرنا، فإن اثنتين فقط من صيغ ديبليوس تم الاعتراف بهما، بل وأن بعض الباحثين شككوا فيما إذا كانت هاتين الصيغتين واضحتين على هذا النحو. هناك أمثلة عديدة لا نجد فيها فرقاً واضحاً بين الأمثال والحكايات وكثير من مادة الإنجيل يصعب تصنيفها. وحين يكون الاتفاق ضئيلاً بالنسبة لماهية الصيغ بالفعل، لا يمكن أن تتوافر لدينا ثقة كبيرة في التراكيب التي قامت عليها.

التقليد والإنجيل:

هناك مشكلة أساسية أخرى، وهي أن نقد الصياغة أقيم على افتراض أن تطور كتابة العهد الجديد يماثل تطور الفولكلور في شمالي أوربا. غير أنه توجد اختلافات هامة بين الاثنين. ولقد رأت الكنيسة الأولى أن مهمتها الرئيسية هي الكرازة بالأخبار السارة عن يسوع المسيح، وليس تسليم قصص تقليدية. فقد كانوا مهتمين بالحاضر بأكثر من اهتمامهم بالماضي.

وفيما يتعلق بموضوع اهتمامهم بالماضي، فقد كان ذلك ينصب على الماضي القريب، وليس – كما في حالة التقاليد الأوروبية – بالماضي السحيق الذي تم نسيانه منذ أمد طويل. ومعرفة الكنيسة بيسوع لم تأت من قصص تقليدية كانت تسلم من جيل إلى جيل، بل من التجربة المباشرة لبعض أعضائها، وهذا معناه أن المجال الفعلي لتطور التقاليد إلى صيغ معيارية لا بد وأنه كان في الحقيقة محدوداً للغاية.

الصيغ والحقائق:

كثيرون من نقاد الصيغ لم يكتفوا بإبداء ملاحظاتهم على الصيغة الأدبية للأناجيل، بل نزعوا إلى إصدار أحكام تاريخية على محتوياتها، على أساس نقد الصيغ. إذ يشير أرنست كيزمان Ernst Kasemann إلى نقاد الصيغ الأولي فقد كتب يقول إن عملهم الأساسي “كان يستهدف بيان أن رسالة يسوع المسيح كما قدمتها الأناجيل المتشابهة، ليست أصلية في معظم أجزائها بل غلب عليها إيمان المجتمع المسيحي البدائي في مراحله المختلفة.

وهذا الهدف واضح حتى من الأسماء التي أطلقها ديبليوس على بعض الصيغ التي اكتشفها كانت عبارتي “أسطورة” و”خرافة” من الكلمات التي تحمل معان كثيرة – بل أنه حتى في مناقشته ما أسماه “بالحكايات”، تكاد تكون بديهة أساسية عنده أنه بالنظر إلى وجود تشابهات أدبية بالقصص التي قيلت عن آلهة الوثنيين، هي الأصل الأساسي للقصص التي ذكرت على يسوع المسيح.

ولكن نقدين هامين يمكن توجيههما لهذا الإجراء:

ç الدليل المستمد من “صيغة أدبية ليس له قيمة على الإطلاق في صياغة الأحكام التاريخية. وهذا يصبح واضحاً تماماً إذا ما أخذنا مثالاً ما. فنحن في أيامنا هذه لا نفرق بوجه عام بين أنماط مختلفة للقصة بإعطائها صيغاً أدبية خاصة.

وقد عرض بروس F. F. Bruce مثالاً نافعاً بالمكان الوحيد الذي ما يزال القصة صيغة معينة. وهذا يكون في ساحة القضاء. فحين يدلي شرطي بشهادته في المحكمة، فهو لا يدلي بقصة أدبية بليغة عما رآه، بل نراه يلتزم وبشكل وثيق بقدر الإمكان بصيغة محددة – حتى إنه، بغض النظر عن التغيرات الخاصة بتفاصيل مختلفة – فإن وصف حادثة وقعت في الطريق سيبدو على وجه التقريب – كوصف أي حادثة أخرى – والأمل هو أنه باستخدام صيغة قالب Stereotyped، فإن أهم الحقائق يمكن إنجازها على نحو دقيق وبقدر الإمكان.

وما من عاقل يعتقد بأنه نظراً لأن الشرطي يصف حادثين بلغة متطابقة، فإنه كان يدلي بقصة مختلفة لحدث واحد فقط، ناهيك عن القول بأن أي منهما لم يحدث في الواقع، وأن الأقوال مختلفة من صيغة قانونية مألوفة. وسواء كان الحدث قد وقع أم لا، فإن هذا يعتمد على محك من نوعية مختلفة تماماً. ونفس الشيء ينطبق على الأناجيل. فليس بوسعنا أن نصدر ببساطة حكماً عن مصداقيتها التاريخية على أساس صياغتها الأدبية.

هناك أيضاً عدد من الأسباب القوية تدعو للشك في أن الكنيسة الأولى اختلقت قصصاً عن يسوع، كما زعم بعض نقاد الصيغ:

أولاً: هناك موضوع شهود العيان. وكثيرون منهم لا بد وأنهم كانوا على قيد الحياة في الوقت الذي كتبت فيه الأناجيل، والذين كانوا قد عارضوا كل الأحداث المختلفة والتي نسبت إلى حياة يسوع، ثانياً: ثمة افتراض أساسي لديبليوس وبولتمان هو أن الكنيسة الأولى لم تبذل أي جهد للتمييز بين تعليمها وتعليم يسوع المسيح. وعلى أي حال، هم يجادلون، بأن روح يسوع كان عاملاً في الكنيسة، وما قاله الرسل باسمه كان يعد شيء قاله يسوع المسيح أثناء خدمته.

ولكن هذا الاستدلال لا يدعمه العهد الجديد نفسه. لأن هناك أمثلة كثيرة أظهر كتابها أنهم ميزوا بالفعل بين تعليمهم وتعليم يسوع المسيح. وأبرز مثال على هذا نجده في (1كو 7)، حيث خرج بولس عن طريقه ليميز بين آرائه وكلمات يسوع. لكنه حتى في الأناجيل نفسها نجد أمثلة حيث التعليقات التحريرية للإنجيلين قد توضحت تماماً عن تعليم يسوع المسيح (مر 7: 19).

ثانياً: ثمة حقيقة أخرى تشير إلى نفس الاتجاه وهو الفرق بين الأناجيل وبقية العهد الجديد. فعلى سبيل المثال، دعي يسوع المسيح “ابن الإنسان” في الأناجيل، مع استثناء واحد وهو أن هذا اللقب وجد في موضوع آخر في العهد الجديد. وفضلاً عن ذلك فالموضوعات التي تناولتها الأناجيل ليست هي نفس الموضوعات التي أزعجت كتبة الرسائل. لنأخذ على سبيل المثال موضوع العلاقة بين اليهود وغير اليهود.

كانت هذه مسألة ملحة في الكنيسة الأولى، ولكن الأناجيل لم تتعرض لها في أي موضوع منها. وهذه الحقائق تشير إلى أن الكنيسة لم تشعر أنه لها الحرية إطلاقاً أن تضع أفكارها وتنسبها إلى يسوع المسيح، بل كانت إلى حد كبير تهتم بحفظ التقاليد التي تسلمتها من فترة سابقة.

هناك نقاد صيغ أكثر حداثة تعرفوا على هذه المشاكل في عمل أسلافهم وأصبحوا الآن لا يهتمون بالموضوعات الأدبية الشكلية. وموضوع مصداقية الأناجيل يفصل الآن فصلاً تاماً وبشكل تدريجي عن نقاد الصيغ. وبعد ذلك جاء تطور آخر هو من بعض النواحي يعد وريثاً لنقد الصيغ السابق. وهذا هو النظام الذي عرف باسم “نقاد التنقيح”.

ومع معرفتنا أن تاريخ الأناجيل لا يشبه تماماً تاريخ الفولكلور الأوروبي، أصبح من الواضح، أن أفضل سؤال نافع يمكن طرحه عن الأناجيل يجب أن يركز على كيفية استعمال الإنجيليين للمواد التي في مصادرهم. ما الذي كان يفعله هؤلاء الناس فيما كانوا يكتبون أناجيلهم؟

ولماذا احتاجوا أن يكتبوا أربعة أناجيل بدلاً من أن يكتبوا إنجيلاً واحداً متفقاً عليه؟ وما هي الظروف الخاصة التي سادت كنائسهم والتي حملتهم على الكتابة بهذه الطرق المعينة التي اتبعوها؟ هذه هي الأسئلة التي يحاول نقاد التنقيح الإجابة عليها. وهذا تطور حديث نسبياً في دراسة الأناجيل، ولا توجد على أية حال أية نتائج متفق عليها بعد. إلا أن كثيراً من توجهاته سيكون لها قيمة في الفصل التالي، وهو اكتشاف معنى وجود أناجيل مختلفة وأهمية ذلك.

 

 

[1] مرقص 1: 1.

[2] أعمال 12: 25 – 13: 13؛ 15: 36-40.

[3] كولوسي 4: 10.

[4] 2تيموثاوس 4: 11.

[5] لوقا 1: 4.

[6] 1كورنثوس 7: 10-11.

[7] مرقص 9: 49-50.

[8] متى 5-7.

[9] متى 3: 13 – 4: 11.

[10] لوقا 3: 21-22، 4: 1-13.

[11] متى 8: 5-13.

[12] لوقا 7: 1-10.

[13] مرقص 3: 13-19.

[14] متى 10: 1-4.

[15] لوقا 6: 12-16.

[16] مرقص 6: 5.

[17] متى 11: 58.

[18] مرقص 10: 18.

[19] متى 19: 17.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

 

لطالما لاحظ قراء الأناجيل أن متى ولوقا يتشابهان مع بعضهما البعض في طريقة عرضهما لتعاليم يسوع، وأن مرقص يفتقد إلى الكثير من هذه التعاليم. فهناك العديد من القصص والمواعظ وأقوال يسوع في متى ولوقا أكثر من تلك الموجودة في مرقص، والمادة التي يتشارك فيها كل من متى ولوقا قريبة جداً في الصياغة. فمنذ العصور القديمة، كان هذا الأمر يُفسر بالقول بأن متى كُتب أولاً (أولوية متى)، وأن مرقص ولوقا قاما باستخدام متى كمصدر لهما، موسعين فيه أو موجزين وفقاً لحاجاتهما.

أما اليوم، فيؤكد معظم العلماء على أن مرقص كُتب أولاً (أولوية مرقص.) وأن كلاً من متى ولوقا بالالتفات إلى مصدرين رئيسيين هما: مرقص والوثيقة Q([1]). إن نظرية العلاقات الأدبية بين الأناجيل السينوبتية معروفة ب: “فرضية المصدرين”.

يمكن تعريف وثيقة الوثيقة Q، بكل بساطة لكن بدقة، بأنه شبيه بجميع المواد المتطابقة والمشتركة بين متى ولوقا وغير موجودة في مرقص. إن وثيقة الوثيقة Q في جميع مصادر الأناجيل هو إلى حد بعيد أهم دراسة في العهد الجديد. فقد تم البحث فيه دون انقطاع لأكثر من مائة وخمسين سنة، وأصبح منذ حوالي عام 1970 نقطة محورية، ربما النقطة المحورية للدراسات التي تبحث في يسوع التاريخي. في حين أن وجود “م” و”ل”، ومصدر إشارات يوحنا غير مقبول من الناحية التماثلية، وتجمع الغالبية العظمى من العلماء على اعتناق فرضية الوثيقة Q.

في هذا الفصل سوف نقوم باختصار بذكر بدائل فرضية المصدرين مع فرضياتها للوثيقة Q، كما سنذكر بإيجاز محتويات وثيقة الوثيقة Q ووصف الدراسة الأخيرة له. ومن ثم سوف نركز على مسألتين هامتين بالنسبة لدراستنا: هل تصور وثيقة الوثيقة Q يسوع على أنه معلم يهودي كلبي؟ وما هي أهمية موت يسوع وقيامته بالنسبة لوثيقة الوثيقة Q ومجتمعها؟ فاهتمامنا الأساسي في البحث في وثيقة الوثيقة Q يركز على وضعه المفترض بأنه مصدر يسوع التاريخي، المصدر المستقل والسابق للأناجيل.

هل كانت وثيقة الوثيقة Q موجودة حقاً؟ حالما يتم القبول بأولوية مرقص، حينها يمكن تفسير المادة المشتركة في متى ولوقا بإحدى الطريقتين الرئيسيتين: إما أن الأول استخدم الآخر، أو أنهما استخدما مصدراً مشتركاً. بما أن متى ولوقا لم يستخدم أي منهما الآخر، يتضح ذلك لأسباب عدة. بادئ ذي بدء، كما لاحظنا أعلاه، يملك متى ولوقا على حد سواء قدراً كبيراً من المواد الخاصة بإنجيليهما. في حال استخدام أي منهما الآخر، فمنطقياً أن نتوقع وجود أقل القليل من المواد الخاصة بكل واحد منهما. ومن ثم أيضاً، لا يتفق متى ولوقا بالترتيب والصياغة بالمقارنة مع مرقص.

ففي حال استخدام أي منهما الآخر، فإننا نتوقع المزيد من الاتفاق في الترتيب والصياغة في متى ولوقا عندما يختلفان عن مرقص. أيضاً، إن المواد المشتركة بين متى ولوقا ومختلفة في مرقص واردة بترتيب مختلف في متى ولوقا، وعادةً ما يبدو شكل لوقا أقل تطوراً. فمتى يحتوي على مادة الأقوال في خمس أجزاء رئيسية (متى 5-7، 10، 13، 18، 23-25)، في حين أنها ترد في لوقا على نحو متساو تمامً (لوقا 3-9).

يصعب شرح هذا التباين في التوزيع في حال استخدام أي منهما الآخر. أضف إلى ذلك، أنه ما أن يتم عزل المادة التي لا تعود إلى مرقص التي يتشارك بها كل من متى ولوقا، حتى يظهر قدر كبير من التماسك الداخلي في الشكل والمضمون، أكثر بكثير من لك الوارد في “ل” و”م”. أخيراً، لقد أسكت اكتشاف إنجيل توما في عام 1945 أولئك الذين زعموا أنه لا يوجد تشابه في بداية ظهور المسيحية بالنسبة لمجموعة أقوال يسوع التي تفتقد إلى إطار سردي. نظراً لهذه الأسباب ولأسباب أخرى، توصلت الغالبية العظمى من العلماء إلى أن متى ولوقا استخدما على نحو مستقل مصدراً منفصلاً للمادة المشتركة التي لم ستمدها من مرقص.

وعلى الرغم من أن وثيقة الوثيقة Q تبدو وفق مصطلحات دوغلاس غولدر: “القوة الماحقة” في الدراسات الحديثة، فهناك ما لا يقل عن أربعة تفسيرات أخرى لأوجه الشبه في متى ولوقا بالمقارنة مع مرقص الذي ينكر وجود الوثيقة Q. التفسير الأول هو: “فرضية الإنجيلين”، التي اعتنقها بشجاعة وليام آر فارمر وزملاؤه، حيث تقول إنه تم كتابة متى أولاً، ومن ثم استخدم لوقا متى كمصدر رئيسي، وقام مرقص باختصارهما. التفسير الثاني هو فرضية المراحل المتعددة ل م ي بويسمارد، حيث تفترض هذه النظرية المعقدة للغاية أن أربعة من المصادر المكتوبة الخاصة بمتى ومرقص ولوقا والوثيقة Q كانت قد شكلت بداية منهج الإنجيل.

ومن ثم أصبحت اثنتان من هذه الوثائق: “مرقص الأوسط” و”متى الأوسط”، وفقاً للمصطلحات التي أطلقها عليهما بويسمارد. وبعد ذلك، خرج لوقا الأول بمادة الوثيقة Q وبمادة متى الأوسط. أخيراً، أثرت أجزاء من مرقص الأوسط بالأشكال الراهنة لمتي ولوقا، ويستخدم شكل مرقص الحالي لوقا الأول ومتى الأوسط. وتعود الفرضية الثالثة إلى دولاس غولدر الذي قال: إن لوقا استخدم إنجيل متى ودمجه بإنجيل مرقص، حيث يرى غولدر أن مادة لوقا الخاصة هي تطوير قام به لوقا لمتى، ويقول أيضاً في أن كلاً من مادة متى الخاصة وما يسميه الآخرون بالوثيقة Q هو تطوير قام به متى لمرقص.

ووفقاً لنظريته، فإن الوثيقة Q غير ضروري، لذا ينكر غولدر وجوده. ويقوم غولدر هنا بتوسيع أعمال أوستن فارير. أخيراً، حاول “بو ريك” شح التوافقات الموجودة بين الأناجيل السينوبتية، بما في ذلك ما يسميه الآخرون ب الوثيقة Q، على أنها عبارة عن خطوط متوازية ناشئة عن تقاليد شفوية وليست ناشئة عن وثائق مكتوبة. فلم يكن مؤلفو الأناجيل على اتصال مع بعضهم بعضاً أو مع مصادر أخرى مكتوبة مثل الوثيقة Q.

لقد رفضت أغلبية العلماء عن وجه حق هذه النظريات البديلة معتبرها غير كافية، حيث تعتمد اثنتان من الفرضيات، فرضيتا فارمر وغولدر، على أولوية متى. فاحتمالية كتابة متى أولاً أمر ممكن، لكن ليس بمقدر نظرية أولوية متى تقديم التفسير الكافي لسبب استخدام مرقص لمتى بهذا الشكل الغريب للغاية: توسيع بعض مواد متى بصورة كاملة، وفي نفس الوقت حذف أجزاء أخرى جذرياً، كحذف أكثر من نصف تعاليم يسوع الواردة في متى. كما لا تفسر نظرية أولوية متى سبب كون الكثير من مواد لوقا مواد خاصة، وأن هذه المادة التي تمثل تطوير لوقا لمتى بكل بساطة غير ذات مصداقية، نظراً لاختلاف المضمون والأمور التي تشدد عليها.

بالإضافة إلى ذلك، فقد طُبعت فرضية بويسمارد في أذهان العلماء على أنهما معقدة أكثر من اللازم، وتشكل انتهاكاً لمبداً أهل العلم القائل في أن التفسير الأبسط هو الأفضل. فقد توصل بحق معظم العلماء بشأن نظرية ريك إلى أنه لا يمكن للتطور الشفهي وحده لتقاليد يسوع تفسير درجة التشابه الحر في الكبير بين الأناجيل السينوبتية.

أما فيما يتعلق بالنتيجة الطبيعية لريك في أن مؤلفي الأناجيل لم يستخدموا مصادر مكتوبة، يشهد (لوقا 1:1-4) صراحة بأن المؤلف عرف مصادر أخرى، مما يجعل من الممكن استخدامه لها. لذلك، يتم تفضيل نظرية المصدرين بفرضيتها لالوثيقة Q، على الرغم من بعض المشاكل العالقة، على الفرضيات البديلة الأربع بوصفها الأبسط والأفضل تفسيراً لأصول وعلاقات الأناجيل السينوبتية.

إن قضية الوثيقة Q أقوى بكثير من أي نظرية منافسة خاصة بعلاقات الأناجيل السينوبتية. وتبقي الوثيقة Q فرضية، ومثل أي فرضية، تستحق أن تخضع للاختبار باستمرار. ومع ذلك، فهي فرضية مفيدة ومثمرة ومن المرجح أن تظل كذلك.

لقد استمر البحث في حجم وصياغة الوثيقة Q في اللغة اليونانية أكثر من قرن حتى الآن، واليوم يعد هذا البحث جهداً خاصاً يرأسه مشروع الوثيقة Q الدولي الذي كان ينشر سنوياً منذ عام 1990 حتى عام 1997 في صحيفة الأدب الإنجيلي، المشروع الذي يجمع الآن نصاً مهماً لالوثيقة Q. في حين تتفاوت إلى حد ما عمليات تجديد محتويات الوثيقة Q الحقيقية، يبقي المخطط الأساسي واضحاً. فالجدول التالي يلخص محتويات الوثيقة Q العامة والمقبولة للجميع.

محتويات الوثيقة Q:

لوقا متى المحتويات
البدايات
7:3-9، 16-17 7:3ب-12 يوحنا المعمدان: التحذيرات، الوعد بأن شخصاً ما سيأتي
2:4-13 2:4ب-11 أ إغراءات (اختبارات) يسوع الثلاثة قدمها الشيطان (ترتيب مختلف في لوقا ومتى)
العظة في السهل / على الجبل
20:6ب-23 3:5، 6، 4، 11-12 تطويبات (ترتيب وصياغة مختلفة)
27:6-30 44:5، 39ب – 40، 42 أحبوا أعداءكم، اعرض الخد الآخر، هب رداءك، أعطه للمستولين
31:6 12:7 وكما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا أنتم أيضاً بهم،
32:6-33، 35، ب-36 46:5-47، 45، 48 أحبوا أكثر مما يفعل أولئك الذين يحبونكم، كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم
37:6أ، 38 ج 1:7-2 لا تدينوا فلا تدانوا، بنفس الكيل الذي به تكيلون يكال لكم
39:6-40 14:15، 24:10-25 أ هل يقدر أعمى أن يقود أعمى، ليس التلميذ أفضل من معلمه
41:6-42 3:7-5 القذى الذي بعين أخيك، الخشبة التي في عين شخص ما
43:6-45 16:7-20 (33:20-35) ما من شجرة جيدة تثمر ثمراً رديئاً، لا يجتنون من الشوك تيناً
46:6-49 21:7، 24-27 ولماذا تدعونني: يا رب، يا رب، وأنتم لا تفعلون ما أقوله؟، الذي يسمعه ويعمل به
شفاء عبد لقائد المائة
1:7-2، 6 ب -10 5:8 أ – 10، 13 قائد المائة صاحب الإيمان العجيب في كفر ناحوم يطلب المساعدة في شفاء خادمه المريض، الأشخاص الذين يقوم يسوع بشفائهم
أقوال حول يوحنا المعمدان
18:7-28 2:11-11 تلاميذ يوحنا، الرسالة الموجهة له، مديح يوحنا على اعتباره أكثر من نبي
31:7-35 16:11-19 لا يفرح هذا الجيل لا بيوحنا ولا بابن الإنسان
التلمذة والمهمة
57:9-60 19:8-22 ابن الإنسان ليس له أين يسند رأسه، من أجل أن تتبعه دع الموتى يدفنون موتاهم
2:10-12 37:9-38، 7:10-16 الحصاد كثير، الفعلة قليلون، تعاليم المهمة
13:10-16 21:11-23، 40:10 ويل لك يا كورزَين، ويل لك يا بيت صيداَ، الذي يسمع منكم يسمع مني
21:10-24 25:11-27، 16:13-17 شكراً الأب على الإعلان للأطفال، كل الأشياء تُدفع إلى الابن الذي يعرف هو وحده الآب، طوبي للعيون التي تنظر ما تنظرونه
تعاليم بخصوص الصلاة
2:11-4 9:6-13 صلاة الرب (أشكال مختلفة – الصلاة الواردة في متى أطول)
9:11-13 7:7-11 أسألوا تعطوا، أن تعطوا عطايا جيدة، فكم بالحري الآب سيعطي
خلافات ومضايقات
14:11-15، 17-23 22:12-30 ببعلزبول يخرج الشياطين، يحفظ القوي داره، من ليس معي فهو علىّ
24:11-26 43:12-45 متى خرج الروح النجس من الإنسان ثم يذهب ويأخذ سبعة أرواح آخر أشر منه
29:11-32 36:12-42 هذا الجيل يطلب آية، آية يونان النبي، حكم أهل نينوى، ملكة الجنوب
33:11-35 15:5، 22:6-23 ليس أحد يوقد سراجاً ويضعه في خفية، سراج الجسد هو العين، متى كانت شريرة فجسدك يكون مظلماً
39:11-44 25:32 – 26، 23، 6-7 أ، 27 أنتم الآن أيها الفريسيون تنقون خارج الكأس، ويل للعشير التافه، والذين يحبون المجلس الأول في المجامع
46:11-48 4:23، 29-31 ويل لكم أنتم الناموسيون لأنكم تحملّون الناس أحمالاً عسرة الحمل، لأنكم تبنون قبور الأنبياء
49:11-52 34:23-36،13 أنا أقول / حكمة الله تقول: إني أرسل إليهم أنبياء سيعذبون، ويل لكم أنتم أيها الناموسيون
2:12-10 26:10-33، 32:12 لا خفي لن يعرف، لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، اعترفوا بي قدام الله
عن القلق
22:12-31 25:6-33 لا تقلقوا بشأن الجسد، تأملوا زنابق الحقل، الآب يعرف ماذا تحتاجون
33:12-34 19:6-21 لا يوجد كنوز على الأرض بل في السماوات
الاستعداد لمجيء الساعة
39:12-40، 42-46 43:24-44، 45-51 رب البيت والسارق، العبد المخلص المستعد لمجيء سيده
51:21-53 34:10-36 لم آت لأعطي سلاماً بل لأعطي سيفاً، انقسامات داخل العائلات
56-54:12 3-2:16 القدرة على معرفة علامات الطقس تمكن المرء من معرفة الوقت الحالي
58:12-59 25:5-26 التخلص من الخصم قبل الذهاب إلى القاضي
قصص وأقوال حول التلمذة
18:13-21 31:13-33 ملكوت الله تشبه نمو حبة خردل، وتشبه خميرة وضعتها امرأة في الدقيق
23:13-29 13:7-14، 22-23، 11:8-121 قليل هم الذين سيدخلون من الباب الضيق، رب البيت يرفض هؤلاء الذين يقرعون الباب، يأتي أناس من كل حدب وصوب للدخول في ملكوت السماوات / الله
34:13-35 37:23-39 يا أورشليم، يا أورشليم! يا قاتلة الأنبياء، عليك مباركة ذلك الشخص الآتي باسم الرب
16:14-24 2:22-10 ملكوت السماوات / الله هي مأدبة عظيمة: يعتذر مدعوون، ويدعى آخرون
26:14-27 37:10-38 فضلّني على عائلتك، أحمل صليبك واتبعن
34:14-35 13:5 عدم نفح الملح الذي فقد مذاقه
4:15-7 12:18-14 الإنسان الذي يترك 99 خروفاً ويذهب لأجل الخروف الضال
13:16 24:6 ليس بمقدوركم أن تخدموا سيدين
16:16-18 12:11-13، 18:5، 32 كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا، لن تسقط نقطة واحدة من الناموس، كل من يطلق امرأته ويتزوج بأخرى يزني
1:17، 3ب-4 7:18، 15، 21-22 ويل لأولئك الذين تأتي العثرات بواسطتهم، اغفر لأخيك بعد توبيخه، بطرس: كم مرة نغفر
6:17 20:17 لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل، لاستطعتم تحريك الجبال / واقتلاع الأشجار
مجيء ابن الإنسان في النهاية
23:17-24، 37 26:24-28 علامات مجيء ابن الإنسان
26:17-27، 30 37:24 -39 وكما في أيام نوح كذلك يكون أيضاً في أيام ابن الإنسان
33:17 39:10 من طلب أن يخلّص نفسه يهلكها، ومن أهلكها يحييها
34:17-35 41:10 إنه في تلك اللية يكون اثنان، فيؤخذ الواحد ويترك الآخر
12:19-27 14:25-30 قصة الموهوبين
28:22، 30 28:19 أتباع يسوع سيجلسون على كراسيه ويدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر

وكما يُظهر هذا التلخيص بأن الوثيقة Q يحتوي على معظم تعاليم يسوع. فهو يحتوي على القليل من القصص السردية حيث يبدأ بيوحنا المعمدان والإغراءات التي تعرض لها يسوع، وبالقرب من المنتصف هناك سرد لإحدى المعجزات: “خادم قائد المائة الروماني”. كما يمكن الاستدلال على الكثير من المعجزات الأخرى التي جاء بها يسوع في إنجيل لوقا (21:7 و 13:10 و 20:11). وفي بعض الأماكن، تحتوي التعاليم على سياق أو مقدمات سردية قصيرة، على سبيل المثال: لوقا (18:7-20، الأسئلة التي طرحها يوحنا المعمدان).

إن تعاليم يسوع مقسمة بالتساوي تقريباً بين قصص وأقوال قصيرة. كما تكثير أقوال الحكمة والأقوال الأخروية التي هي بالمجمل عبارة عن تحذيرات. يتشارك الهيكل العام لالوثيقة Q بقسم لا بأس به مع أناجيل العهد الجديد اللاحقة. وبنفس طريقة أناجيل العهد الجديد، يبدأ الوثيقة Q مع يوحنا والإغراءات، ويزيد من ذكر يوحنا في أمكنة لاحقة. وينتهي الوثيقة Q والأناجيل السينوبتية بقسم القصص والأقوال الأخروية على قسمهم التعليمي الرئيسي الأخير.

يبقي الوضع الاجتماعي التاريخي الدقيق لالوثيقة Q غير مؤكد، لكن يوجد هناك شبه إجماع بخصوص ذلك. فمعظم الباحثين يحددون مكانه في فلسطين، وكثيرون يحددون مكانه في جنوب الجليل الأوسط، وقليلون يحددون مكانه في جنوب سورية. إن الوثيقة Q عمل يهودي مسيحي موجه لشعب إسرائيل. فتاريخ كتابته المقترح يتفاوت من 40 إلى 70م وعلى الأغلب تمت كتابته في منتصف هذه الفترة. قد يُظهر الجزء الأول من هذه الفترة حملات تبشيرية متجولة تكمل رسالة يسوع وكهنوته في جميع أنحاء المناطق التي كان يعمل فيها.

وقد تعود المجموعة الأولى لأقوال يسوع التي استخدمتها هذه الحملات التبشيرية المتجولة إلى المجتمع الذي ظهر بعد عيد الفصح الأول. ومن المرجح أن هذه الحملات التبشيرية كانت قد أنشأت أول مجتمع مسيحي مستقر في جميع أنحاء الإقليم القديم من إسرائيل. وتشكل نهاية هذه الفترة، أي عام 70م، فترة التمرد اليهودي. فقد تكون كل من الحملات التبشيرية والتجمعات السكنية المستقرة تعطلت إلى حد كبير جراء الحرب، ولم تشر التنبؤات حول القدس والمعبد إلى وجود عمل عسكري (لوقا 34:13-35)، كما هو الحال في الأناجيل السنوبتية.

كذلك الأمر، فإن استخدام الوثيقة Q من جانب متى ولوقا، اللذين يعود تاريخهما بصورة شائعة إلى الثمانينيات من القرن الأول، يتضمن أن الوثيقة Q كان قد تمت كتابه وتداوله في فترة سبقت ذلك العقد.

لقد كان الوثيقة Q وفقاً لكل الاحتمالات وثيقة مكتوبة. إن أفضل طريقة لتفسير الكمية الكبيرة من التوافقات الشفهية بين متى ولوقا، الأمر الذي يشير مرة أخرى إلى مصدر مكتوب. لقد تمت كتابة الوثيقة Q بصورة شبة مؤكدة باللغة اليونانية. ومن المرجح أن يكون الكثير من تعاليم الوثيقة Q في الأصل باللغة الآرامية، لغة يسوع وربما لغة الحملات التبشيرية الفلسطينية الأولى. ومع ذلك، فإن هذا ليس مؤكداً، وإن إعادة نصوص الوثيقة Q إلى الآرامية موضع شك كبير ولا تشكل موضوعاً هاماً في مجال البحث في الوثيقة Q.

منذ نحو عام 1970، في أحدث موجة اهتمام بالوثيقة Q، تم تخصيص الكثير من عمليات البحث للنظر في المراحل التكوينية التي نشأ فيها الوثيقة Q والعمل على ربط نمو العمل بتاريخ المجتمع الذي أنتج الوثيقة Q. فقد شكلت هذه المهمة العنصر الأكثر إثارة للجدل في عمليات البحث في يسوع، المهمة المحفوفة بالصعوبات. لا يسعنا هنا إلا أن نصف عدداً قليلاً من المقترحات الرائدة وأن نقدم نقداً وجيزاً. يفترض جون كلوبنبورغ في أكثر عمليات التجديد تأثيراً على تاريخ تكوين الوثيقة Q نموذجاً من ثلاث مراحل.

تم تأليف “ق1” من “خطابات الحكمة” التي شجعت على اتباع أسلوب حياتي راديكالي مناهض للحضارة (على سبيل المثال: جوهر العظة في السهل / الثاني، بإدانة إسرائيل عندما عارضت رسالة الحكمة ورسلها، “رسالة يوحنا المعمدان، شفاء عبد قائد المائة، جميع المواد الرؤيوية”. “ق3” كان آخر ما تم إضافته، الطور التوضيحي الذي قرّب الوثيقة Q من اليهودية الحريصة على التقيد بالتوراة. كما تم في هذه المرحلة إضافة قصة الإغراء التي تعرض لها يسوع، القصة التي تقدمه على أنه نموذج للعلاقة الصحيحة مع الله.

ويرى ديتر لوهرمان طبقتين رئيسيتين للمادة. تتضمن الطبقة الأولى طبقة أخروية بأقوال عن ابن الإنسان، الإدانة، والمجيء الثاني الوشيك ليسوع، وتتضمن الطبقة الثانية دمجاً بين البعثة الموجهة للوثنيين وبين تعاليم الحكمة، عندما يتضاءل الأمل في المجيء الثاني الوشيك ليسوع.

ويرى لوهرمان مجتمع الوثيقة Q على أنه مجموعة مسيحية لا يهودية تعرضت للاضطهاد على أيدي اليهود. وتفترض عملية التجديد التي قام بها سيغفريد شولتز مرحلتين لالوثيقة Q ومجتمعها: الأولى: مجتمع فلسطيني يهودي مبكر يحمل توقعات أخروية قوية ومادة رؤيوية، والثانية: مرحلة يهودية هيلينستية متأخرة تحمل أنواعاً أخرى من المواد. اما إم ساتو فيتصور ثلاث خطوات: “التنقيح أ” جمع مواد متعلقة بيوحنا المعمدان، “التنقيح ب” دمج المواد التي تتحدث عن البعثة، و”التنقيح ج” يتضمن بيانات إدانة إسرائيل وتعاليم الحكمة.

نظراً لتنوع مواده، فإنه من المرجح حقاً أن يكون الوثيقة Q تشكل على مراحل. ربما بكون قد بدأ بتجميع مواد الوعظ التي كانت متشابهة في الشكل والمضمون. وبعد ذلك، في الوقت الذي تواصلت فيه الإرسالية التبشيرية إلى إسرائيل، أدت المعارضة والفشل في نهاية المطاف إلى إدراج مواد تعليمية أخرى متنوعة تؤكد على إدانة إسرائيل والالتفات إلى الوثنيين. فماذا تكون أنواع المواد المضافة عندما يصعب التكهن بذلك؟

يقترح كلوبنبورغ أن عناصر الحكمة التي جاءت أولاً والعناصر الرؤيوية كان لهما التأثير في أمريكا الشمالية، لاسيما مع بيرتون ماك، وجون دومينيك كروسان، وأعضاء آخرين في منتدى يسوع، حيث يقولون بأن يسوع التاريخي كان معلم الحكمة. لكن كما يشير المخطط المختصر أعلاه، اقترح آخرون أن المادة المتعلقة بسفر الرؤيا جاءت أولاً ومن ثم جاءت مادة الحكمة. وربما يكون من الخطأ استنتاج فارق ثابت بين المادة الروحية والرؤيوية والحكمة في أدب مؤثر مثل أدب دانيال.

هناك بعض المقاطع في الوثيقة Q تجعل من الصعب تحديد حكمتها والعناصر الرؤيوية لمختلف مراحل تكوينها. على سبيل المثال، أظهرت “أديلا يا ربرو كولينز أن أقوال “ابن الإنسان” الأخروية تتكرر في كل طبقة من طبقات الوثيقة Q وفقاً لتصنيف الأبحاث الأخيرة. وقد صادق هيلموت كوستر مؤخراً على استنتاجاتها المتعلقة بالإيمان بالآخرة في الوثيقة Q. وينطبق الشيء نفسه على المقاطع الأخرى.

في إنجيل لوقا (31:11-32)، ستكون ملكة الجنوب التي جاءت “من أقاصي الأرض للاستماع إلى حكمة سليمان” شاهدةً مع شعب نينوى في الحكم. في لوقا (49:11) ترسل “حكمة الله” الأنبياء والرس الذين سيتعرضون للاضطهاد “وبذلك يطلب من هذا الجيل دم جميع الأنبياء المهرق” منذ إنشاء العالم.

في لوقا 4:12-7 يُعطى الصمود في وجه الاضطهاد مبدأ أخروياً (الآيات 4-5: خافوا من الذي بعدما يقتل، له سلطان أن يلقي في جهنم ومن ثم يُعطى مبدأ حكمة) و(الآيات 6-7 الله: يكترث للعصافير، وأنتم أفضل من عصافير كثيرة، فلا تخافوا). تشير مثل هذه النصوص إلى أن الحكمة والمواد الأخروية قد تكون موجودة في الوثيقة Q في مختلف مراحل تكوينه.

إن الوقت والطريقة اللذين دخلت فيهما المادة إلى الوثيقة Q هما أيضاً موضع خلاف. هل كانت عناصر السرد موجودة في البداية، أم أنه تم إضافتها في وقت لاحق في الوقت الذي كانت فيه الوثيقة Q في طريقها لتصبح إنجيلاً قبل أن يتم دمجه في متى ولوقا؟ وهل كان عبارة عن مادة لاحقة تم تلفيقها بكل صراحة؟ يلمح بعض الباحثين أو يصرحون علناً أن واضعي الوثيقة Q هم الذين قاموا بإنشاء الطبقات الأخيرة له وأن الطبقة الأولى فقط هي التي تدعي تمثيل تعاليم يسوع الأصلية.

وهنا يجب علينا أن نتذكر القول المأثور “التاريخ التقليدي ليس تاريخاً أدبياً.” فمن الممكن للحالة المتغيرة لمجتمع الوثيقة Q أن تؤدي بهم إلى تبني تعاليم مختلفة ليسوع كانت تسبح في بحر تقاليد الوثيقة Q الشفوية، البحر الذي طافت على سطحه وثيقة الوثيقة Q، ومن ثم أدت بهم إلى إدراج تلك التعاليم في الوثيقة Q مكتوبة.

يسأل الكثير من البحاثين فيما إذا كان باستطاعتنا الربط بين طبقات الوثيقة Q الأدبية وبين التاريخ العام للمجموعة التي من الواضح أنها أنتجته. على الرغم من ذلك، ما يزال ممكناً السؤال عن نوعية المجتمع الذي يعكسه الوثيقة Q ككل. فقد أولي الكثير من الاهتمام لدعاة الوثيقة Q المتجولين، لاسيما دورهم في استخدام وتطوير تقاليد يسوع. وتبدو مقاطع مثل: (لوقا 57:9-12:10، 22:12-31، 33-34، 51-53) أنها تعكس نمط حياة الدعاة الذين تم إرسالهم لتوسيع كهنوت يسوع.

فقد تركوا أسرهم وأصبحوا بلا مأوى، وقد ذاقوا طعم الفقر واعتمدوا على كرم الشعب الذي يعملون بينه من أجل عيشهم الزهيد، وتنقلوا من بلدة إلى أخرى يدعون قبل مجيء ابن الإنسان في نهاية الزمان. فهم يعيشون ويبلغون رسالة يسوع: “طوباكم أيها المساكين، لأن لكم ملكوت الله.” (لوقا 20:6)، كما يبدو أن وصف أتباع يسوع المتجولين الوارد في الوثيقة Q يشير إلى أنهم يصنعون المعجزات. ومع ذلك، هذا لا يحدث إلا مرة واحدة (لوقا 9:10)، الأمر الذي قد يشرح سبب الذكر البسيط للمعجزات في الوثيقة Q نفسه.

إلى جانب نمط حياة المتجولين هذا، تقدم الوثيقة Q رغم ذلك مجتمعاً مستقراً من المؤمنين يعيشون نمط حياة مختلف. “أقيموا في ذلك البيت… لا تنتقلوا من بيت إلى آخر.” (لوقا 7:10)، في حين يتحدث إلى المتجولين، يضع بعض القيمة لحياة الاستقرار. وفي المنع الصارم للطلاق من جانب يسوع، يتم التمسك بالزواج بصفته مشيئة الله المستمرة (لوقا 18:16). وتُظهر القدرة على توفير السخاء الذي يبدو عبارة عن دعم مادي غير منقطع للأخرين (لوقا 30:6) تُظهر أن ليس كل أفراد مجتمع الوثيقة Q قاموا بالتبرع بكل ما يملكون.

كما تُظهر الضرورة المستمرة للاختيار بين الله والثورة (لوقا 13:16) مجتمعاً يتمتع بما يكفي من الثروة التي يغريه بها الأغنياء. وتُظهر قصص الوثيقة Q الرمزية على وجه الخصوص، وإن لم تكن تقدم تعاليم تخص الممتلكات بصورة مباشرة، وتُظهر موقفاً أكثر إيجابية لحياة الاسقرار من خلال طرق معينة: الله هو بمثابة رب البيت (25:13-30)، الله يعطي مأدبة غنية (16:14)، الله هو بمثابة رجل يملك مائة من الغنم ويهتم بواحدة (4:15-7)، والله يعطي لشعبه مواهب غنية متوقعاً منهم مضاعفتها (12:19-27).

لا يمكن لمجتمع مؤلف من متجولين فقراء ينظرون إلى الممتلكات على أنها شر تصور هذا الرأي الإيجابي الضمني لحياة الاستقرار وبعض الثروة. فقد دخل الانحلال الروحي والنفاق في المجتمع، لأن بإمكان بعض الناس مناداة يسوع ب “الرب” ولا ينفذون أوامره (لوقا 46:6-49). ويمكم لمؤمنين مستقرين التأمل في هذا الوضع أكثر من أولئك المبشرين المتجولين الروحانيين.

وهناك معنى لوجود كل من الدعاة المتجولين والمجتمعات المستقرة في مجتمع الوثيقة Q الكبير: ينجح المبشرون بدعوة الناس، وإذا انضم هؤلاء المتجولون إليهم في مهمتهم، فإن المجتمعات المستقرة للمؤمنين ستتطور بعد فترة وجيزة. ربما تدعم أو تطعن أنماط الحياة الراديكالية والتقليدية في مجتمع الوثيقة Q ببعضها بعضاً، السيناريو الذي لا يختلف عن ذلك المعروف في العهد الجديد وفي تاريخ الكنيسة اللاحق عندما كان المبشرون المتجولون والكنائس المستقرة يتمتعون بعلاقة خلاقة لكن متوترة.

كيف تصور الوثيقة Q يسوع؟

في حين أن يسوع يظهر بصورة المعلم بكل وضوح، إلا أنه يعتبر أكثر من ذلك. إن يسوع بتعاليمه هو وكيل الله للخلاص، وبذلك يقرّب ملكوت الله بالقدر الذي يكفي ليستجيب الشعب له. “ولكن إن كنت بإصبع الله أخرج الشياطين، فقد أقبل عليكم ملكوت الله.” (لوقا 20:11). يظهر يسوع في افتتاحية الوثيقة Q على أنه “استيفاء الأنبياء وفي شخصه وكلامه البيان الحقيقي للناموس.” فهو ابن الإنسان (لوقا 19:8-22، 16:11-19) وأبن الآب (لوقا 25:11-27). وهو المبعوث الأخير لحكمة الله (لوقا 35:7). وبصورة تثير الدهشة، لا يدعو الوثيقة Q يسوع بالمسيح، إلا أن مسيحانية يسوع تقر بيسوع على أنه المسيح بكل شيء باستثناء الاسم.

وتحدد استجابة شخص ما على شخص يسوع وتعاليمه علاقته بالله في هذا العالم ومكانته في ملكوت الله في العالم الآخر (لوقا 8:12-9). والحيادية بالنسبة ليسوع مستحيلة (لوقا 23:11). فقد انكشف وقت الخلاص بظهور يسوع، وهؤلاء الذين يسمعونه ويطيعونه مباركون. وهؤلاء الذين ينكرون يسوع سيحاكمهم الله، وإن التحذيرات من الفرار من الحكم النهائي باللجوء إلى الله وفيرة في الوثيقة Q. وتترافق المعجزات مع تعاليم يسوع الموثوقة. على الرغم من أن الوثيقة Q لا يذكر سوى معجزة واحدة، ألا أنه يوضح أن علميات الشفاء كانت من سمات كهنوت يسوع كله.

“إن العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشرون.” (لوقا 22:7). كما يرسل يسوع تلاميذه ليذيعون عرض الخلاص هذا وقُرب ملكوت الله (لوقا 5:10-6، 9، 11). وهم ربما ضمناً كيسوع، “مثل الغنم بين الذئاب” وسيعانون من اضطهاد اليهود الذين لا يؤمنون (لوقا 3:10، 22:6-23). ومع ذلك، يتوجب عليهم حمل الصليب واتباع يسوع (14:27) ويقابلون الاضطهاد بالحب. إن يسوع في حياته الدنيوية مرتبط بيسوع الممجد الذي سيعود كابن الإنسان.

إقرأ أيضاً:

([1])  يقال إن الرمز الوثيقة Q (َQ) مشتق من الكلمة الألمانية: “Quelleالمصدر“، لكن هذا ليس أكيداً على الإطلاق. انظر جون ج. سميث، البحث عن أصل الرمز (Q)، دورية الأدب الإنجيلي، 100 (1981) 609-611.

 

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

 

في هذا الفصل سيتم الحديث عن الذين عايشوا يسوع في المصادر الافتراضية للأناجيل الكنسية، فقد حاول معظم الباحثين في هذه المصادر فهم كيفية استخدام مؤلفي الأناجيل لهذه المعايشة لتوضيح الأمور الخاصة التي أكدتها هذه الأناجيل، بالإضافة إلى أشياء أخرى. إن مادة هذا البحث تتعارض مع عنوان الكتاب، فهي داخل إطار العهد الجديد. ومع أن الأبحاث الأولى عن يسوع خارج إطار العهد الجديد لا تشير إلى المصادر الكنسية، فقد تعامل العلماء منذ نحو عام 1970 مع هذه المصادر كما لو كانت خارج العهد الجديد، أي، كمصادر مستقلة لمعرفتنا عن يسوع. فهي تثبت الأشكال الأولى للمسيحية، أو كما يصفها البعض: “تحركات يسوع” التي كانت موجودة قبل أو مع ظهور الأشكال الأولى للمسيحية.

سيتم البحث هنا في أربعة مصادر إنجيلية تعتبر شهوداً من خارج القانون الكنسي على يسوع. وتبدو مصادر مرقص الممكنة: مجموعات المعجزات، والخطب الرؤيوية، من ضمنها بداية سرد آلام المسيح، متباينة للغاية بالنسبة للباحثين العصريين، ولسنا بصدد النظر فيها هنا([1]).

أولاً، سنناقش المادة الخاصة بلوقا: المعروفة بالمصدر “ل”. ثانياً، سنناقش المادة الخاصة بإنجيل متى: المسماة بـ “م”. يحتوي “ل” على بعض المضامين السردية، إلا أن “ل” و”م” يحتويان على تعاليم يسوع. ومن ثم سننظر في المصدر الخاص بالإنجيل الرابع، الذي يدعى على نطاق واسع بـ: “مصدر الإشارات”. ربما كان يشكل هذا المصدر أول إنجيل كامل شبيه بالأناجيل الكنسية، حيث يحتوي على تعاليم بسياق سردي وينتهي بموت يسوع وانبعاثه.

أخيراً، سنكرس القسم الأكبر في هذا الفصل للبحث في “مصدر الأقوال المأثورة” لمتى ولوقا، التي تحمل اسم: وثيقة “ق”. إن هذا المصدر الافتراضي على وجه العموم، وليس على وجه الحصر، مؤلف من مادة تعليمية. إن وثيقة “ق” ليست مصدراً أكثر تعقيداً من المصادر الأخرى فحسب، بل كانت أيضاً موضوعاً رئيسياً، تقريباً مركز العاصفة، بالنسبة للأبحاث المعاصرة التي تعنى بيسوع. لن نركز على طريقة استخدام الأناجيل الكنسية لهذه المصادر الأربعة، بل ستكون مهمتناً بدلاً من ذلك فهم ما تخبرنا به هذه المصادر عن يسوع في الماضي.

وسنعرض في كل قسم المصدر المقترح، بالإضافة إلى تلخيص تاريخ بحثه. ومن ثم سنعرض محتوى المصدر بشكل جدول، نظراً لطوله الذي يصعب إعادة تقديمه هنا بصورة كاملة. بعد ذلك، سنقدر صحته كمصدر محاكٍ للبحث الحديث ونبحث في رؤيته ليسوع.

“ل”: يسوع، المعلم والشافي الجبار

تقول المقدمة الآسرة لإنجيل لوقا: إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا، كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة، رأيت أنا أيضاً إذ قد تتبعت كل شيء من البداية بتدقيق، أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس، لتعرف صحة الكلام الذي عُلمت به. (لوقا 1:1-4).

ماذا كانت تلك القصص الكثيرة المكتوبة التي كان لوقا يحاول تحسينها؟ لقد وجد العلماء جوانب كثيرة في هذه المقدمة الآسرة، لاسيما أسلوبها. فهي تتحدث عن موضوع هذا الفصل ضمنياً، أي مصدر خاص بإنجيل لوقا لا يتشارك فيه مؤلفو الأناجيل الأخرى.

في نظرية أصول الأناجيل السينوبتية التي يوافق عليها الجميع، أي “نظرية المَصْدَرَيَن”، استخدم المؤلف في إنجيل لوقا ومتى مصدرين رئيسين. المصدر الأول هو إنجيل مرقص، الذي يشكل ثلث إنجيل لوقا. فلوقا يتتبع نسق مرقص ويأخذ أجزاءٌ كبيرة من مواده التعليمية والسردية مع بعض الاستثناءات القليلة([2]). المصدر الثاني هو وثيقة “ق”، وهي عبارة عن مادة تعليمية تشكل نحو خُمس إنجيل لوقا.

وقد يكون لوقا استخدم مجموعة شفهية أو مكتوبة من مادة خاصة بإنجيله، وتسمى: المصدر “ل”، حيث تشكل هذه المادة الخاصة جزءاً كبيراً من هذا الإنجيل، وتقدر بين ثلث إلى نصف الإنجيل. وتبدأ معظمها بتعاليم يسوع، كما تحتوي على بعض أهم الحكايات الرمزية: السامري الصالح والابن المسرف، والرجل الغني ولازاروس. كما تحتوي على قصص سردية بارزة: توبة زكّا، والخلاف بين مريم ومارثا على خدمة يسوع على نحو حقيقي، وامتنان السامري الأبرص.

لقد أظهر البحث في يسوع التاريخي إلى حد بعيد أصالة محتويات لوقا المميزة: التعاليم والقصص السردية على حد سواء. وتعود دراسة “ل” كمصدر للوقا إلى بداية القرن العشرين مع برنارد لويس وبول فينن الذين كانا من بين الأوائل الذين قاموا ببحث شامل عن مصدر “ل”. وعلى الرغم من أن بعض الباحثين قاموا بالبحث فيه من وقت لآخر خلال القرن العشرين، إلا أنه لم يكن موضوع بحث رئيسي.

وكانت فرضية وجود إنجيل “بروتو – لوقا” جذابة للبعض، وغالباً ما كانت تطغي على “ل”، وقد اتجهت دراسة وثيقة “ق”، التي كانت تطفو إلى السطح، نحو حجب الدراسة في مصادر أخرى للإنجيل. ومع ذلك، ازداد الاهتمام بـ”ل” ازدياداً كبيراً منذ نحو عام 1980، حيث أدرك الباحثون بكل سهولة المحيط الخارجي لمادة “ل”: كل شيء في لوقا غير متماثل مع مرقص أو وثيقة “ق”. وقد قالت قلة من الباحثين إن لوقا نفسه كتب جميع هذه المواد، لذلك لا تشير أي من محتويات تلك المواد إلى أي مصدر.

أولاً: لقد قدم هوارد مارشال أسباباً وجيهة تدعم عدم إمكانية الدفاع عن هذه النظرة المتطرفة([3]). أما عن الطرف الآخر فقد وقف أولئك الذين يرون أن هناك علاقة وثيقة بين جميع أو معظم مواد لوقا الخاصة: سوندرغوت، في الدراسة الألمانية الأخيرة حول “ل”، وسندركيل بين المصدر “ل”([4]). كما يتخذ معظم الباحثين الذين يفترضون مصدر “ل” موقفاً وسطاً عن طريق إسقاط تلك المقاطع التي يعتقد أنها كانت من تأليف الكاتب لوقا من المجموعة بأسرها.

وغالباً ما يتم استبعاد تلك المواد التي ربما تطورت عن مصدر آخر، مثل القصص السردية عن الطفولة، أو القصص السردية عن آلام المسيح، أو القصص السردية عن القيامة. من هنا يدخل الشك، فبالنظر إلى كتّاب الأناجيل الكنسية، يُعتبر لوقا الكاتب الأكثر مهارة نظراً لقدرته الأدبية بصورة عامة، وفي مجال استخدام مصادره بصورة خاصة. إنه ليس كاتب “قص ولصق”. حيث يمكن وبكل سهولة تمييز المصدر “ل” الخاص به من خلال العمل الذي قام به.

لم تجمع الدراسات الأخيرة على وجود “ل”، حيث ينكر بعض العلماء أن المادة الخاصة بلوقا مستمدة من المصدر “ل”. فعلى سبيل المثال، يؤكد هيلموت كوستر على الحجم الكبير وعدم تجانس المادة في الشكل، ويفكر في استبعاد فكرة وجود مصدر وحيد. كما يخلص أودو شينيلي إلى أن لوقا لا يمتلك المصدر “ل”، وذلك لوجود اختلافات لغوية ضمن المواد الخاصة، وكلها تحمل علامات العمل التحريري الخاص بلوقا… ويقف التفاوت في المواد وغياب مبدأ الترتيب الداخلي في وجه وجود مصدر مستقل للمواد الخاصة بلوقا. من ناحية أخرى، يقول إدوارد شفايتزو بوجود “ل” بالفعل، وذلك نظرأ لـ:

  1. تظهر في “ل” تشابهات مع أقسام موثوقة في كل من مرقص ووثيقة “ق”.
  2. يشير لوقا في مقدمته إلى العديد من الأسلاف المسجلين.
  3. يضمّ المصدر المقترح مواد لغوية مشتركة على نحوٍ واضح.
  4. يحتوي المصدر على مواضيع موحدة، مثل: النساء، والفقراء، والنعمة الإلهية.
  5. يختلف “ل” في ترتيب بعض مواده مقارنةَ مع مرقص، وهناك انسجام مع متَى مقارنة مع مرقص.
  6. تشير التعارضات في لوقا إلى مستويات مختلفة من الأعراف تتعدى ما استُخدم له كل من مرقص و”ق”.

في البحوث الجارية على “ل”، تعد أطروحة كيم بافينروث التي نشرت في عام 1997، وكانت بعنوان قصة يسوع وفقاً لـ”ل”، من أشمل وأدق الأعمال. فبافينروث يقوم بفرز مصدر “ل” المترابط عن طريق التخلص من المواد التي ألفها كاتب الإنجيل أو قام بتحريرها، ومن ثم يحلل المفردات والأسلوب وخصائصها الشكلية ومضمون المادة المتبقية. ويخلص إلى أن: المادة “ل” فيها ما يكفي من أوجه الاختلاف عن نمط وشكل ومضمون لوقا، الذي يجعل من المحتمل أنه يشكل مصدر “ل”.

وعلاوة على ذلك، يخلص إلى أنه مصدر مترابط وموحد. فـ”ل” يحتوي على عناصر شفوية قوية، ولكن من المحتمل أكثر أن لا يكون وثيقة. فقد كتب يهود مسيحيون في فلسطين في الفترة الواقعة ما بين 40 و60م. وتبقى بعض التساؤلات قائمة بشأن جهود بافينروث ([5])، إلا أنه طرح أقوى قضية عن مصدر “ل” حتى الآن. لقد اخترت أن أستفيد من بحثه هنا، لأنه إلى حد ما يدل على نتائج فهم الآخرين لمصدر “ل”، ولأنه من المرجح أن يشكل أساس البحث القادم في “ل”.

محتويات “ل” في لوقا التي حددها بافينروث هي كما يلي:

وعظ يوحنا المعمدان 10:3-14
معجزات إيليا للوثنيين 25:4-27
يسوع يريي ابن أرملة في نايين 11ب:7-15
مغفرة خطيئة امرأة مذنبة 36:7-47
قصة السامري الصالح 30:10-37أ
نزاع مريم ومارثا، مريم على صواب 39:10-42
قصة الصديق اللحوح 5:11ب-8
قصة الغبي الغني 16:12ب-20
قصة الحاجب 35:12-38
تب أو مت 1:13ب-5
قصة شجرة التين الجرداء 6:13ب-9
الشفاء في يوم السبت 10:13-17ب
التحذير من هيرودس، استجابة التحدي 31:13ب-32
الشفاء في يوم السبت 2:14-5
قصة اختيار مكان على الطاولة 8:14-10، 12-14
إحصاء الثمن 28:14-32
قصة الخراف المفقودة 4:15-6
قصة العملة المفقودة 8:15-9
قصة الابن “المسرف” المفقود 11:15-32
قصة المدير المخادع 1:16ب-8
قصة الرجل الغني ولازاروس 19:16-31
قل: “قمنا بواجبنا فقط”. 7:17-10
شفاء عشرة من مرضى البرص، السامري الشاكر 12:17-18
قصة القاضي الظالم 2:18-18أ
قصة الفريسي المرائي والعشار 10:18-14أ
زكا يتوب 2:19-10

على افتراض أن هذه المحتويات تشير تقريباً إلى المصدر “ل”، فكيف يصور المصدر “ل” يسوع؟ أولاً، يسوع هو معلم أمين على نعمة الله الجوهرية والخالصة. فنعمة الله تغفر الذنوب، وتشفي أمراض الإنسان، وترجع أفراد شعب الله إلى الحظيرة. ويسوع هو نفسه وكيل هذا النشاط. فقد جاء للبحث عن الضالين وإيجادهم، وإعادتهم إلى شعب الله الذين قطعوا وعداً على عبادته.

وكان أول ما وجهت هذه النعمة إلى بني إسرائيل، ومن ثم تُدمر حدود إسرائيل، وتبدأ رسالة يسوع بالخروج إلى العالم عندما يُعاد السامريون إلى الحظيرة (موجودة في 30:10-37، 12:17-18). كما يعمل يسوع على جلب النساء إلى ملكوت الله حيث الحرية.

إن تعاليم المسيح فيما يخص الغني هي، على الأقل في التجديد الذي قام به بافينروث، معتدلة بصورة ملحوظة. فإلى جانب قصة الرجل الغني ولازاوس، لا يؤكد يسوع على أي من فضائل الفقر ولا مخاطر الثورة، فقد قام لوقا بإضافة هذه التأكيدات، وقد يكون استمدها من وثيقة “ق”.

ولا يفرض يسوع على حوارييه القيام بنشاط تبشيري فقير أو جوال، بل، يتم الإشارة إلى المجتمع المستقر الذي يتمتع ببعض الوسائل. بالإجمال، يصور “ل” يسوع على أنه: “معلم أخلاقي قوي أقام البرهان على مصداقية تعاليمه وكشف عنها من خلال أعمال الشفاء التي قام بها”.

ومن الجدير ذكره أيضاً ما هو غير موجود في المصدر “ل” مقارنة مع الأناجيل الكنسية. أولاً، لا يوجد عناوين مسيحانية في هذا المصدر. فالمسيحانية الخاصة به ترد ضمناً في أفعال يسوع وتعاليمه، مع لمسات واضحة لإليليا في بدايتها (في 25:4-27 و11:7ب-15). هذا النوع من المسيحانية النبوية تتماشى مع بداية المسيحية اليهودية.

ثانياً، لا يصور “ل” يسوع على أنه منقذ معذب ومشرف على الموت، فـ”ل” يفتقر إلى سرد آلام المسيح، ولا يؤكد مضمونه هذا الدور. ومع ذلك، من الخطأ أن نخلص من هذا الصمت إلى أن المجتمع الذي استخدم “ل” لم يعرف بموت يسوع وقيامته، أو اعتقد أن ذلك الأمر ليس على أي درجة من الأهمية. فيممكن شرح هذا الصمت الذي يخيم على موت يسوع وقيامته بطرق أخرى، لاسيما إذا كان “ل” معداً ليكون فقط مجموعة تضم تعاليم يسوع بهدف إتمام قصة يسوع ككل.

فيحتوي مرقص، وهو مصدر لوقا الرئيسي، على مواد غنية تتحدث عن هذا الموضوع كان لوقا قد استقى منها، المواد التي قد تكون استبدلت أي شيء يشير إلى موت يسوع قد ورد في “ل”([6]). وعلاوة على ذلك، يورد “ل” معارضة قوية ليسوع من جانب الفريسيين المرائيين ومعارضة قد تكون مميتة من جانب هيرودس.

هل “ل” هي الرواية الكاملة لمقصد يسوع ورسالته إلى المجتمع الذي استخدمه على الأرجح؟ يعتمد الجواب على شكل “ل” الذي تم تجديده انطلاقاً من المحتوى الخاص بلوقا، وعلى الطريقة التي اتصف بها أسلوبه. ففي التجديد الذي قام به بافينروث، يبدأ “ل” بيوحنا المعمدان وينتهي قبل آلام المسيح. وقد استعبد من “ل” المادة الخاصة بلوقا مثل القصص السردية عن الطفولة (الفصول 1-2)، والنساء اللواتي كن عند الصليب وتبعن يسوع (49:23)، ووصف ظهور يسوع بعد قيامته (12:24-49).

وعلى الرغم من أن تجديده لـ”ل” هو أقصر من جميع التجديدات التي قام بها أكثر النقاد الآخرين، إلا أن عنوان بافينروث يشير إلى اكتمال “ل”: قصة يسوع وفقاً لـ”ل”. ومع ذلك لا يتعامل صراحة أو بأي شكل من الأشكال مع اكتمال “ل”، القضية التي ينبغي أن تبقى مفتوحة في أعمال البحث المستقبلية.

مادة متى الخاصة: أهي مصدر “م” حول يسوع؟

عادة ما يتأثر قراء إنجيل متي بسياق ومضمون عظته على الجبل في الفصول 5-7، فقد بدأ يسوع للتو بجمع حواريه (18:4-22) وبإطلاق كهنوته العلني (17:4، 23-25). وبعد الذكر المقتضب لفكرة تعاليم يسوع، ملكوت السماوات (23،17:4)، قدم متى لقرائه عظة طويلة معقدة تفصل رسالة يسوع، حيث يحتوي هذا الخطاب على بعض أبرز تعاليم يسوع وأكثرها تأثيراً: تطويبات، إعادة التفسير المعتمد لشريعة موسى، دعوات تحذر من النفاق، دعوات للإيمان بالله، “القاعدة الذهبية”، بالإضافة إلى أمور أخرى.

لقد ساعدت تعاليم يسوع الواردة بمتى في حصوله على مكانة الإنجيل الرئيسي في المسيحية. على سبيل المثال: على الرغم من أن متّى ولوقا يتقاسمان مادة مشتركة، إلا أن أغلبية المسيحيين في كل مكان يعرفون ويستخدمون الصيغة الخاصة بمتى التي تتحدث عن السعادة الأبدية، وصلاة الله، والعظة على الجبل بصورة دائمة.

ويعود فضل القسم الأكبر من تأثير إنجيل متى إلى حقيقة أنه يورد تعاليم يسوع التي تفتقد إليها الأناجيل الأخرى. فعادةً يتبع متى ترتيب ومضمون لوقا عن أفعال يسوع في كهنوته وآلامه على حد سواء. وهناك استثناء وحيد هو أن متى يورد معظم روايات مرقص للمعجزات في قسم واحد، الفصلين 8-9، ويختصر تلك الروايات إلى حد كبير. ونظراً للاستخدام الكبير الذي يقوم به متى للوقا ليربط أفعال يسوع، تتضمن معظم المادة الخاصة به تعاليم يسوع. ولأسباب معروفة، تتعامل تجديدات “م”، وهو المصدر الافتراضي لمواد متى الخاصة، بصورة حصرية تقريباً مع مواد التعاليم.

لقد تم القيام بثلاث محاولات رئيسية لاستبعاد المصدر “م”. المحاولة الأولى كانت تلك التي قام بها ب.هـ. ستريتر في كتابه الذي عنوانه: الأناجيل الأربعة: دراسة في الأًصول، فقد هرّف ستريتر “م” على أنه جميع المادة التعليمية الخاصة بمتى، بما ذلك مادة من الوثيقة “ق” مختلفة إلى حدٍ ما عن لوقا، وذلك لافتراض صيغة مختلفة لـ”ق” متأثرة بمتى. وقد استبعد ستريتر التالي: المداة الخطابية من متى 5-18،10،7و 23، قصتان من متى 13، وأجزاء قصيرة من مادة متنوعة من الفصول 16،15،12و 19.

هذا المصدر هو مصدر يهودي مسيحي، لكنه ليس من الرعيل الأول للمسيحية، بل، يظهر ردة فعل على إنجيل مهمة بولس الخالية من أي شريعة. فقد قام ستريتر بوضعه في القدس وربطه بوجهة نظر يعقوب إن لم يكن بشخصه.

لقد قام تي. ديبليو مانسون في دراسته الشاملة التي حملت عنوان: تعاليم يسوع، بالتحقيق النقدي على المصدر الرئيسي الثاني. فقد اتسمت طريقة بحثه بنفس الصفات الخاصة بطريقة ستريتر تقريباً، إلا أنه اقترح “م” أكثر شمولية وتقدم حيث اشتمل على:

  1. تعاليم من مادة العظة على جبل في الفصول 5-7
  2. تعاليم الحملة التبشيرية.
  3. مادة متنوعة من الفصل 11.
  4. قصص من الفصل 13.
  5. مادة إضافية متنوعة من الفصول 15و 16.
  6. تعاليم عن المعيشة مع الإخوة في الإيمان في الفصل 18.
  7. وصية بخصوص الخدمة والجزاء من الفصول 19 و20.
  8. أقوال حول “الممتنعين” من الفصول 21 و22.
  9. أقوال بحق الفريسيين المرائيين من الفصل 23.
  10. تعاليم حول الإيمان بالآخرة من الفصول 24 و25.

ووفقاً لمانسون، اقتبس “م” من كنيسة تم إنشاؤها على أنها مدرسة تفسير ولديها علاقة حب وكره عميقة مع الفريسيين المرائيين وتقاليدهم. وقد أعاد مانسون تاريخ “م” إلى الفترة الواقعة بين 65 و60 ميلادي، ومثل ستريتر، حدد موقعه في المجتمع اليهودي في القدس.

أما الدراسة الرئيسية الثالثة المنشورة في عام 1946 فقد كانت على يد جي. دي كيلباتريك بعنوان: أصول إنجيل القديس متى. فقد خاص كيلباتريك إلى أن “م” كان مصدراً مكتوباً. واستخدم طريقة متشابهة للدراستين السابقتين ونظم دراسته الخاصة بالمادة “م” بأربعة أقسام: الخطاب، المهمة التبشيرية، مجموعة من القصص، ومناظرة ضد زعماء اليهود الدينيين. كما أرفق كيلباتريك مواد إضافية من سياقات أخرى واردة في متى بأقسام الخطاب والقصص، إلا أنه لم يكن قادراً على إَضافة الكثير من المتفرقات المتنوعة الخاصة بـ”م” إلى أقسامه الرئيسية الأربعة.

وبما أن دراسة كياباتريك هي الدراسة الأِشمال والأحدث لـ”م”، سأقوم بتلخيص محتواها هنا:

محتويات “م” في متى:

أ. الخطاب
تعاليم عن القتل، الزنا، القسم، عدم الثأر، الورع الحقيقي 21:5-24، 27-28، 37-33، 38-41، 19-20، 1:6-8، 16-18
كن على وفاق مع المؤمنين الآخرين من سياقات أخرى: 23:5-36،24
صل بإيجاز وبترقب من سياقات أخرى: 7:6-8
ب. المهمة التبشيرية
تعاليم خاصة بالحملة التبشيرية: توجه إلى اليهود فقط، أعط دون مقابل، كن حكيماً لكن بسيطاً، تجنب المضايقات حتى يأتي المسيح، تشبّه بمعلمك 5:10-6، 8 ب، 16 ب، 23، 24-25 أ، 25ب، 41 (؟)
ج. مجموعة القصص
الأعشاب الضارة بين سنابل القمح 24:13-30
شرح قصة الأعشاب الضارة. الكنز المستور، اللؤلؤة ذات القيمة الكبيرة، شبكة صيد الأسماك، رجل الدين المتوجه نحو ملكوت السماء 36:13-52
الخادم قاسي القلب 23:18-34
العمال في كرم العنب 1:20-15
ضيف لا يرتدي ثوب الزواج 2:22، 11-14
إشبينات العروس الحكيمات والحمقاوات 1:25-10
رفض يوحنا المعمدان آخر 28:21-32
الحكم الأخير آخر 31:25-45
د. ضد زعماء اليهود الدينيين
افعل كما يقولون وليس كما يفعلون، أفعال ريائية، حماسة التبشير الزائفة، القسم الزائف، تصفية البعوض وبلع الجمال، تزيين القبور 2:23-3، 5، 7 ب-10، 15-22، 24، 26 (؟)، 27
هـ. متفرقات
تطويبات 7:5-9 ربما 4و10
أنتم نور العالم 14:5، 16-17
لا تهتموا للغد 34:6
ليس للحقراء لآلئ، البوابة الضيقة، الأنبياء الكذبة 6:7، 13، 14، 15
احملوا نيري الهين 28:11-30
شيء ما أعظم من السبت، تحكم بكلامك 5:12-6، 7، 36-37
معارضة اقتلاع الفريسيين المرائيين 12:15-13
لا تحتقروا “أحد هؤلاء الصغار” الربط والحل 10:18، 18-20
الخصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات 10:19-12

لقد قال كيلباتريك إن “م” كان مصدراً مكتوباً يتضمن مادة تعليمية فقط، وقد قام هذا المبشر بإضافة القصص السردية إلى إنجيل متى. وقد عززت المادة المأخوذة من المصدر “م” حجم المضمون التعليمي الخاص الوارد في متى. كما خلص كيلباتريك إلى وجود ضعف في الترابط في المصدر “م”: “نظراً للافتقار إلى الروابط والقصص والسرد وأشياء أخرى، فتستحيل مشاهدة خطة المصدر وصفته الشكلية ككل.” كما يظهر صغر حجم “م”: 170 آية، وافتقاره إلى الترابط الداخلي والقصص السردية، أن “م” كان وثيقة بدائية. ولم يتأكد كيلباتريك من مكان وتاريخ والشخص الذي قام بتأليف “م”.

على الرغم من عدم انبثاق صورة وحيدة ليسوع من المصدر “م”، إلا أنه يصفه إلى حد ما بالزعيم الآمر الناهي الذي أسس الكنيسة، وليس فقط جماعته البابوية. فيسوع يرسل أتباعه فقط لليهود، ويعيد تفسير شريعة موسى لتحقيق مقصده الأصلي، وأن معيار حكم الله سيكون هو الصواب في نهاية المطاف، أي تحقيق المطلب الداخلي للناموس كما فسره يسوع. فقد اقتربت نهاية العالم، ويسوع هو المبشر بذلك.

جاءت المحاولات الرئيسية الثلاث لعزل “م” في النص الأول من القرن العشرين، ولم يتم القيام بأية دراسة مماثلة منذ ذلك الحين([7])، فربما تم تضييق البحث في “م” بسبب الرأي القائل بأن مادة متى الخاصة تحتوي نسبياً على القليل من تعاليم يسوع الأصلية بالمقارنة مع مرقص أو وثيقة “ق”. ونرى مع الأسف أن مانسون قد صاغ الأمر بصورة مؤكدة، وذلك عندما اقترح أنه ينبغي التعامل مع محتويات “م” بحذر لأنها عانت من الغش من جانب اليهود. وعندما يبدأ علماء العهد الجديد بالبحث عن يسوع التاريخي وتعاليمه الأصلية، فإنهم يتركون وراء ظهورهم “م” ومحتوياته.

ومع ذلك، تكون الدراسات صحيحة عندما تخلص، بالاعتماد على أسباب أخرى – إلى أن مادة متى الخاصة لا تشير على الأرجح إلى أي مصدر، سواءً كان مكتوباً أو شفهياً أو مزيجاً من الاثنين معاً. فانعدام الإجماع على محتويات “م” وبنيته الأساسية ينشأ من التباين الكبير في المادة الخاصة بمتى. فهذه المادة، التي هي ببساطة تختلف كثيراً في الشكل والمضمون، لا يمكنها الدلالة على كونها وثيقة واحدة، الأمر الذي من شأنه أن يجعلنا نتوقع أنها تحتوي على رسالة دينية وبعض الأنماط الأدبية الشائعة.

فهذا الحكم موضّح في الدراسة التي قام بها كيلباترك، حيث يقول إن نحو ثلث “م” هو إما مواد أخرى مرفقة إلى الأقسام الرئيسية، أو عبارة عن متفرقات متنوعة تبدو غير ذات صلة. وكما يقول أودو شينيلي: “إن مجموعة مواد متى الخاصة ليست مجموعة موحدةً من التقاليد، بل تفتقد إلى الدوافع التنظيمية اللاهوتية بصورة ملحوظة، وبالكاد تكون مخصصة لدائرة واحدة من حاملي التقاليد.”([8])

وعلاوة على ذلك وكما هو الحال مع لوقا، فإن من الصعب التمييز بين مادة المصدر وبين التنقيح الذي قام به المبشر. إن التوجه اللاهوتي لمعظم مواد “م” قريب جداً، إن لم يكن مطابقاً، للنظرة الدينية لمؤلف إنجيل متى.

وهناك دراسة متأنية لمادة الأقوال الخاصة في متى قام بها “ماثيو ستيفنسون هـ بروكس” تميل إلى إثبات صحة هذا الاستنتاج بالنسبة لـ”م” ككل. ويقوم بروكس بعزل وتجديد الأقوال القصيرة في “م” ويبين أن “م” يعكس تاريخ مجتمع متى. ويخلص إلى أنه لم يكن هناك مصدر وحيد مكتوب للأقوال الواردة في “م”، وذلك للأسباب التالية:

  1. هناك عدد قليل من الارتباطات التحريرية الملحوظة في الأقوال المجموعة لـ”م”.
  2. تُظهر اللمسات السردية الثانوية في الجمل والعبارات الانتقالية دليلاً صغيراً على أصله الذي يعود لما قبل متى.
  3. لا يُظهر أسلوب ومفردات أقوال “م” المعزولة جنس الوحدة النمطية لمصدر مكتوب. وهكذا، في حين أن بعض المواد قد تكون مكتوبة، يبدو أن معظمها كانت موجودة في التقاليد الشفوية وحدها. علاوة على ذلك، فإن مادة الأقوال التي ربما تعكس تاريخ ثلاثين إلى أربعين عاماً تشير إلى احتمالية عدم وصول المادة إلى متى من مصدر واحد.

وعلى الرغم من أن بروكس لا يوضح هذا الاستنتاج بالتفصيل، فمن المعقول أن نفترض أنه إذا كانت أقوال “م” القصيرة لا تعكس مصدراً مكتوباً، فإن الشيء نفسه ينطبق على الأرجح على مجموعة متى الخاصة بأكملها. وبالتالي، في حين قد تكون بعض أجزاء مادة متى الخاصة وصلت إليه من مصادر مختلفة، فإن الدليل لا يشير إلى أنه استخدم مصدر “م” الوحيد، سواءً كان مكتوباً أو شفهياً، الذي يحتوي على معظم مادته الخاصة.

وعلى الأرجح، تعكس هذه المادة تاريخ منتصف إلى أواخر كنيسة متى أكثر من كونه مصدراً سابقاً مستقلاً جاء إلى كاتب الإنجيل كما جاء “ل” إلى لوقا. خلاصة القول: لا يوجد أي مصدر من خارج القانون الكنسي يشهد على يسوع التاريخي في مادة متى الخاصة.

مصدر الإشارات للإنجيل الرابع: يسوع المسيح

يتراءى للقراء المتبصرين في الإنجيل الرابع وكأنه يشمل على نهايتين. الأولى، يوحنا: (20/30-31)، حيث يتحدث عن الإشارات، أو معجزات يسوع، التي كتبها المؤلف ليقنع قراءه أن يسوع هو المسيح. والثانية، يوحنا: (21/24-25)، وهي على غرار الأولى حيث تؤكد على حقيقة شهادة الرسول الحبيب الواردة في الإنجيل الرابع، وتوضح بعبارة بليغة مبالغ فيها أن العالم لا يمكن أن يحتوي على الكتب التي ينبغي أن تكتب حول الأشياء التي قام بها يسوع.

وقد ألمحت النهاية الأولى التي تؤكد على الإشارات ووصف الإشارات التي تشكل معظم إنجيل يوحنا (1-11)، ألمحت للبعض في أن الإنجيل الرابع يحتوي على “مصدر الإشارات”. كلمة المصدر “source” وهي بالغة الألمانية “Quelle“، ومن هنا جاء الرمز التقليدي “SQ” الذي يرمز إلى مصدر الإشارات

لقد بدأ نقد مصدر الإنجيل الرابع في أوائل القرن العشرين بعد مواصلة نقد مصادر الأناجيل السينوبتية. فقد قام علماء بارزون مثل: يوليوس فلهاوزن، ويلهلم بوست، موريس غوغيول، إدوارد شفايتزر، جوشيم يريمياس، ورودولف بولتمان، بالعمل عل مصادر يوحنا. وكان التحليل النقدي الذي قدمه بولتمان عام 1941 شاملاً عندما علق على مصدر يوحنا، حيث استنقذ هذا المصدر، ولعقود عديدة، مزيداً من العمل الخلاق في ه1ا المجال. فقد افترض بولتمان وجود عدة مصادر، بما في ذلك مصدر الإشارات ومصدر آلام مستقل، وأعاد ترتيب محتويات يوحنا بصورة معقدة.

وبالتنقيح المستمر من خلال إحدى وعشرين طبعة، ظل موقف هذا الكتاب الذي ينقد مصدر يوحنا مجالاً للمناقشة لمدة ثلاثين عاماً، وما يزال هذا الكتاب مهماً. فمنذ الحرب العالمية الثانية حتى نحو عام 1970 اكتفت محاولة بحثية محدودة للغاية بالكشف عن عمل بولتمان. كما لم يتم الإجماع على مصادر الإنجيل الرابع، مع استثناء رئيسي وحيد. فقد اتفق معظم نقاد المصادر وكثير من المعلقين مع بولتمان على أن بعض أساليب مصدر الإشارات تشكل أساس يوحنا. ومن ثم فتحت اثنتان من المحاولات الجديدة المسألة، الأولى: كانت عام 1970 بقلم روبرت فورتنا، “إنجيل الإشارات: تجديد مصدر السرد الذي يشكل أساس الإنجيل الرابع”.

والثانية: كانت عام 1989 بقلم إيرين فون واهلد، “النسخة الأولى لإنجيل يوحنا: استعادة إنجيل الإشارات”. حيث سيشكل هذان الكتابان أساس تحليلنا هنا. وسوف نقوم بوصف فرضية “فورتنا” ودراستها كونها المساهمة الرائدة والأكثر نفوذا في الآونة الأخيرة التي تنقد مصدر يوحنا، ومن ثم البحث في عمل “فون واهلد” باختصار.

محتويات مصدر الإشارات كما حدده “فورتنا” في يوحنا:

6:1-7، 19-23، 26-27، 32-34 شهادة يوحنا المعمدان
23:1-24، 35-50 تعميد التلاميذ الأوائل
إشارات يسوع
1:2-3، 5-11 الأولى: تحويل الماء إلى خمر
46:4-47، 49-54 الثانية: شفاء ابن خادم الملك
2:21-8، 10-12،14 الثالثة: اصطياد السمك بكميات كبيرة
1:6-3، 5، 7-14 الرابعة: إطعام الحشود
15:6-22، 25 فاصل: السير على الماء والنزول الخارق على اليابسة
1:11-4، 7، 11، 15، 4:4-7، 9، 16-19، 25-26، 28-30، 40، 17:11-20، 28، 32-34، 38-39، 41، 43-45 الخامسة: أخبار مرض لازاروس، الرحلة إلى يهوذا، إيمان امرأة سامرية، قيام لازاروس
1:9-3، 6-8 السادسة: شفاء الرجل الذي وُلد أعمى
2:5-9، 14 السابعة: شفاء الرجل المريض منذ ثمانية وثلاثين عاماً
موت يسوع وقيامته
14:2-16، 18-19، 47، 53 تنظيف الهيكل، مؤامرة القتل
1:12-5، 7-8 الدهن في بيت عنيا
12:12-15 دخول المنتصر
متفرقات وُجدت في 27:12، 2:13 أ، 4-5، 12-14، 18 ب، 21 ب، 26-7، 37-8، 31:14ب، 32:16ب العشاء الأخير
1:18-5، 10-12 الاعتقال
13:18، 24، 15-16، 19-23، 16-18، 25-28 يسوع في بيت رئيس الكهنة
28:18، 33، 37-38، 15:19، 39:18-40، 6:19، 12-14، 1-3، 16 المحاكمة أمام بيلاطس
16:19-20، 23-24، 28-30، 25، 31-34، 36-42 الصلب والدفن
1:20-3، 5، 7-12، 14، 16-20 القيام
30:20-31 الخاتمة: “هذه الإشارات مكتوبة لتؤمنوا”

يقدم “فورتنا” مناقشة موجزة لطبيعة مصدر الإشارات، فقد كان هذا المصدر عبارة عن كتاب مكتوب، كما توضح خاتمته الموجودة الآن في يوحنا (30:20-31). فهو إنجيل مثله مثل إنجيل متى ومرقص ولوقا وحتى يوحنا فكلها أناجيل، فهو يقدم قصة مترابطة ليسوع من بداية كهنوته، مروراً بآلامه، إلى الخاتمة التي تنتهي بالقيامة. ويتم تقديم كل هذا على شكل رسالة للإيمان بها، كما توضح خاتمته. وبما أنه لا يحتوي على تعاليم متقدمة ليسوع، فهو إنجيل بدائي، إلا أنه يبقي إنجيلاً.

إن مصدر الإشارات مصدر يهودي مسيحي نظراً للأسلوب ولاسيما المحتوى اليوناني الوارد فيه. فهو ليس لديه شك بقضية الوثنيين، وليس هناك خلاف بشأن الحفاظ على شريعة موسى. وعلاوةً على ذلك، وعلى الرغم من أن “فورتنا” لم يوضح ذلك، إلا أن مقصده يشير إلى أن المجتمع الذي أنتج هذا الإنجيل كان على اتصال تبشيري نشط مع المجتمع اليهودي الكبير، حيث يصعب تحديد الطبيعة الاجتماعية لهذا المجتمع أياً كانت جذوره، قد يكون المجتمع الناطق باللغة اليونانية، الذي استخدم ذلك المصدر على أنه إنجيل، قد يكون موجوداً في أي مكان من العالم الهيلينستي.

ولم يستطع “فورتنا” تحديد تاريخ مصدر الإشارات بأي قدر من الدقة، فقد تكون كتابته تمت قبل أو بعد التمرد اليهودي الأول 66-70م.

ووفقاً لفورتنا، كان القصد من مصدر الإشارات أن يكون بمثابة الكتاب التبشيري الذي يحمل هدفاً وحيداً إلا وهو الإثبات لليهود الذين قد تحولوا إلى النصرانية أن يسوع هو المسيح([9]). ففورتنا يؤول عقيدة مصدر الإشارات على أنها مسيحانية بحتة. فمعجزات يسوع هي إشارات على وضعه المسيحاني، وقد جعل وصف آلامه في مصدر الإِشارات “مسيحانياً” بإضافة أقوال يسوع التي تلفت الانتباه إلى موقفه المسيحاني.

ويمنح مصدر الإشارات ألقاباً كثيرةً ليسوع مثل: المسيح / يسوع المسيح، ابن الله، حمل الله، ملك اليهود، الرب، إلا أن اللقب الأول يشكل محور الارتكاز بالنسبة لباقي الألقاب. وهناك تأكيد مستمر على حقيقة مسيحانية يسوع إلى درجة الاستبعاد الكامل لأي شرح لطبيعتها. وهذا من شأنه الإشارة إلى أن كلاً من مصدر الإشارات والمجتمع اليهودي الكبير الذي كان هدفاً للتبشير كان لديهما فهم مشترك لما تتطلبه المسيحانية، الفهم الذي تمحور بوضوح حول فكرة أن المسيح يثبت نفسه بالمعجزات.

إن مصدر الإشارات هو في الواقع، إذا استخدمنا توصيف فورتنا: “ضيق” و”بدائي” بالمقارنة مع الأناجيل الكنسية. وربما يعود سبب ضيقه إلى غرابته وغرضه المنفذ بدقة: أي إقناع قرائه أن يسوع هو المسيح الذي ينبغي الإيمان به.

إن العمل الذي قام به إيرين فون واهلد عن نقد المصدر يؤكد على محاولات فورتنا تقريباً، فهو يسعى، كما يشير عنوان كتابه، إلى استعادة “النسخة الأولى” لإنجيل يوحنا، حيث ينطوي على هذه الطريقة اكتشاف الطبقات الأدبية في الإنجيل الحالي. ومن ثم يقوم قون واهلد بالاستفادة من “الفروق اللغوية” الأربعة، مثل المصطلحات المستخدمة للسلطات الدينية والمعجزات واليهود.

وبعدها يقوم بتطبيق تسعة “معايير أيديولوجية” مثل: الصيغ النمطية للاعتقاد، ردة فعل الفريسيين على الإشارات، الانقسام في الرأي حول يسوع، ولاسيما “غلبة السرد”. ويتبع ذلك المعايير اللاهوتية، بما في ذلك المسيحانية ومذهب الخلاص. أخيراً، يتم توظيف خمسة معايير متنوعة.

كما يقدم تحليله سبعاً وثلاثين وحدة تغطي كل مصدر فورتنا تقريباً، وتوسعه بنسبة تقارب الثلث. يحتوي إنجيل الإشارات هذا على مقاطع انتقالية أكثر من إنجيل فورتنا، كما يحتوي على علامات تتذر بموت يسوع. ويفسر فون واهلد خلفية المصدر وعقيدته بنفس طريقة فورتنا. فالإِشارات تلفت الانتباه إلى قوة يسوع وتولد الإيمان به لاسيما بين عامة الناس. كما أن مسيحانية المصدر ضئيلة إلى جانب وجود خلفية خاصة لتصنيف موسى.

ويؤكد في يهودا، نظراً للتأكيد على كهنوت يسوع هناك، وربما تكون كتابته قد تمت في الفترة الواقعة بين 70 و80م في المجتمع اليهودي المسيحي. على العموم، ليست طريقة متطورة أو مطبقة بدقة كطريقة فورتنا، فعمل الأخير يبقى المحاولة الرائدة في فهم مصدر الإشارات.

لقد ذكر ريموند براون بدقة: “لا يمكن للمرء في العقود الأخيرة من القرن العشرين التحدث عن نهج مجمع عليه ليوحنا.” وعلى وجه الخصوص بين أولئك الذين يتمسكون بمصدر الإشارات، وليس هناك توافق قوي حول ما يحويه بالظبط. إن النقطة الرئيسية في انعدام التوافق هذا تثير المخاوف فيما إذا كان مصدر الإشارات يحتوي على سرد للآلام والقيامة. هل مصدر الإشارات فريد بين جميع المصادر التي سبقت المصادر الكنسية باحتوائه على مثل هذا السرد، أم أنه احتوى على الإشارات فقط التي قام بها يسوع خلال كهنوته؟

لقد قام كل من فورتنا وفون واهلد بإعادة تجديد كاملة لأناجيل الإشارات بسرد عن الآلام والقيامة، إلا أن العديد من العلماء لم يوافقوا على ذلك. فعلى سبيل المثال، افترض بولتمان وآخرون جاؤوا بعده مصادر منفصلة عن الآلام والقيامة. فالقليل القليل في النصف الأول من مصدر الإشارات الذي أعده فورتنا يشير إلى موت يسوع، والقليل القليل في النصف الثاني يشير مجدداً إلى النصف الأول. وعلاوةً على ذلك، بوضع فورتنا تطهير المعبد ومؤامرة القتل في بداية سرد الآلام، لا يظهر النصف الأول لمصدر الإشارات الذي أعده أي عداء ضد يسوع الذي من شأنه أن يؤذن بموته.

إن انعدام الإشارة إلى موت يسوع وقيامته غريب حقاً بالنسبة للنصف الأول من إنجيل كامل، حتى ولو كان إنجيلاً بدائياً. أيضاً، يظهر النصف الثاني لمصدر الإشارات الذي أعده الصيغة التالية: “وهكذا، تم الإيفاء بالكتاب المقدس”، الأمر الذي لم يظهر النصف الأول. يبدو هذا التناقض غير معقول في حال كان مصدر الإشارات يشكل إنجيلاً كاملاً بسرد عن الآلام والقيامة.

لماذا يجب على إنجيل إشارات الإصرار على أن آلام يسوع هي الإيفاء بالكتاب المقدس بدلاً من استخدام حجة دينية واضحة لإثبات مسيحانية يسوع؟ علاوةً على ذلك، قد تمون الإشارات السبع، وهو عدد الكمال الإنجيلي، التي قام بها يسوع، دلالة على أن مصدر الإشارات تعامل فقط مع كهنوت يسوع العلني ولم يتعامل مع آلامه وقيامته كذلك.

إقرأ أيضاً:

([1]) سيكون الفصل القادم مجالاً للبحث في إنجيل مرقص السري وإنجيل بطرس كمصادر ممكنة لإنجيل مرقص الكنسي.

([2]) هذه الاستثناءات هي إغفال المواد من مرقص: 17:6-29 و45:6-8: 26. ومن ناحية أخرى يستند تأليف لوقا لرواية السفر في قسمه المركزي: 51:9-27:19 على مرقص: 10.

([3]) كتب مارشال في كتابه: إنجيل لوقا، الصادر عام 1978: “إن إخلاص لوقا العام لمصادره “م” أي مرقص، و”ق” تجعل المرء يشكك بالقول أنه أوجد مادةً كبيرةً في الإنجيل، وأنه من الأكثر منطقية أن مواقف لوقا تشكلت إلى حد كبير من خلال الأعراف التي ورثتها”.

([4]) كتب جوزيف فيتزماير في كتابه: الإنجيل حسب لوقا، الصادر عام 1981: “على الرغم من عدم يقينه فيما إذا كان “ل” مصدراً مكتوباً أو شفهياً، أو فيما إذا كان ممكناً وضعه على قدم المساواة مع “ق” أو مرقص، في قائمة فقراته… التي أعتقد أنه استمدها من “ل”، فهو يورد جميع مواد لوقا الخاصة”.

([5]) إن تحليل المحتوى الذي قام به “بافينروث”، لتميز المصدر عن التأليف الذي قام به لوقا، قد يؤدي في بعض الأحيان إلى التفكيك الكبير بينهما. فعلى سبيل المثال، لقد رأى الكثير من مفسري “ل” أن قصة زكا تتماشى مع لاهوت لوقا، وليست على خلاف معه. ثانياً، إن استخدامه لكلمات تثير الاهتمام من أجل اكتشاف وحدة المصدر التكوينية والموضوعية يمكن أن يتم انتقادها على أنها ليست الطريقة الدقيقة، مثلاً: عندما يكرر كلمة “الشرف”، التي لا تأتي على نحو صريح. وبذلك لا يمكن أن تكون أساساً لتكوين كلمات تثير الاهتمام.

أخيراً، يمكن التساؤل عما إذا كان قد استخدم لوقا “ل” بترتيبه الأصلى. يقدم بافينروث بعض الحجج الوجيهة من المضمون والأسلوب للإشارة إلى أن لوقا فعل ذلك. ومع ذلك، ونظراً لأن لوقا استخدم مرقص في الغالب بترتيبه واستخدم أيضاً “ف” بترتيبه الأًصلى على الأرجح، ربما كام من الصعب له استخدام مصدر “ل” بترتيبه الأصلي أيضاً. وعلى الرغم من هذه الانتقادات، يسهم تحليل “بافينروث” الشامل باستمرار في البحث في “ل”، هذه المساهمة يجب أن تأخذها البحوث التي ستجري في المستقبل بعين الاعتبار.

([6]) هنا يجب علينا أن نتذكر بأننا نملك هذه المصادر الافتراضية بالقدر الذي استخدمه كتاب الأناجيل لها. فعلى سبيل المثال، إن استخدام لوقا لمرقص على نحو انتقائي وخلاق لهو مؤشر حسن له بأنه قد يكون استخدم “ل” بالطريقة نفسها.

([7]) علق مانسون على نصوص “م” وقدم لها خلاصة من ثماني صفحات، تتناقش فيها السمات العامة والمواضيع اللاهوتية لـ”م”. ومع ذلك، فقد أفسد تحليله عندما أدرج الكثير من النصوص المعروف أنها تعود لـ”ق”.

([8]) شنيل، كتابات، 174. – ومع ذلك، فقد قال هانز كلاين: إن “م” منظم في ثلاث فئات وفقاً للشكل وللمضمون، وإن القصص التي تتحدث عن التحول إلى الفقراء وإلى المعاناة، والأقوال حول الناموس التي تحذر من التراخي في الحياة، والأقوال بشأن المجتمع وكل من القادة والأتباع، كل ذلك يبني أساساً متيناً لحياة الكنيسة.

([9]) يتعارض هذا الرأي مع الفهم العام بأن الأدب المسيحي المبكر كان من أجل الاستخدام الداخلي.

يسوع المسيح في مصادر الأناجيل الكنسية

شخصية يسوع وكونفوشيوس بين المصادر التاريخية

شخصية يسوع وكونفوشيوس بين المصادر التاريخية

شخصية يسوع وكونفوشيوس بين المصادر التاريخية

من هو كونفوشيوس؟

الاعتقاد العام ان كونفوشيوس ولد تقريباً عام 551 قبل الميلاد (Creel 1949, 25) .وامة تدعي يان وابوة يدعي كونج .وكان والده ظابطاً في الجيش .وتولده والدته يان كونفوشيوس بعد وفاة والده وكان عمره حينئذ ثلاث سنوات من العمر.وعندما بلغ من العمر التاسعة عشر تزوج Qiguan .وفي خلال عام انجبوا Kong Li .فولد كونفوشيوس في وسط ضم ما بين فئتين الارستقراطية وعامة الناس .ويقال ان كونفيشيوس قد عمل في الرعي .وخصوصاً رعي البقر .وكان موظفاً وحافظاً للكتب .عندما بلغ الثالثة والعشرين توفت والدته .ويقال انه نعاها لمدة ثلاث سنوات.

ومع ذلك كان كونفوشيوس فيلسوفاً ومعلماً صينياً .وقد عاش في فترة زمنية مضطربة من صراعات وحروب في تاريخ الصين .وهي فترة معروفة باسم  (the Spring and Autumn of the Zhou Dynasty ) .وقد حاول كونفوشيوس ان يعيد النظام الي الشعب .وذلك من خلال جعلهم يفكرون جدياً في مواجهة المشاكل والتركيز علي تعليم الآخرين .

وكان ينادي الي ان الناس العاديين يجب ان يكون في منصب السلطة لان بعضهم ذو كفاءة وهم يستحقون هذه المناصب .وبالتالي كان ينادي ان من هو في منصب السلطة ليس شرطاً ان يكون من ذو اسرة ذات نفوذ .توفي كونفوشيوس حوالي سنة 478 قبل الميلاد لاسباب طبيعية ودفن في مقبرة  Kong Lin التي تقع في تشوفو التاريخية.

المصادر النصية علي وجود كونفوشيوس ويسوع.

بخصوص كونفوشيوس :لدينا ثلاثة اعمال رئيسية تخبرنا عن حياة وتعاليم كونفوشيوس .وهي عباره عن مختارات ادبية.وايضاً نصاً من تاليف الفليسوف منسيوس والسيرة الذاتية ل Shiji المكتوبة من قبل Sima Oian .وبعض المصادر الاخري لكن من الناحية التاريخية المصادر مشكوك فيها للغاية من الناحية التاريخية ومن خلال المختارات الادبية لمنسيوس وشيجي ايضاَ يمكننا ان نرسم صوره لكونفوشيوس تاريخية.علي الرغم من اننا نستطيع ان نرسم صوره لكن لا نزال لا نعرف عنه الكثير.فهي مصادر بدائية والكثير منها يستند علي الاسطورة والتخمين .

(Patrick, Bresnan. ‘Awakening: An Introduction to the History of Eastern Thought’)

 بخصوص يسوع:نجد ان المصادر عن يسوع متنوعة جداً .ومن ضمنها المكتبة التي تكلمت عنه وهي 27 كتاباً .وقد كتبت هذه الكتب من خلال اكثر من عشرة اشخاص في القرن الاول.وتنقسم هذه الكتب الي الاناجيل وهي السيرة الذاتية ليسوع ” متي ومرقس ولوقا ويوحنا ” وايضاً الرسائل التي تشمل رسائل بولس كورنثوس الاولي والثانية تسالونيكي الاولي وفليمون وغلاطية ورومية وفليبي .. واايضاَ هناك تيمو ثاوس وافسس وتيطس.

وايضا تسالونيكي الثانية وكلوسي وغيرهم من يعقوب ويهوذا وبطرس الاولي والثانية ويوحنا الاولي . الخ

فالنتيجة هي ان هناك المزيد من النصوص التاريخية كتبها اشخاص عاشوا مع هذا الشخص المسمي بيسوع .فيمكن المعرفة بوضوح عن يسوع من خلال التراث النصي الهائل المتروك وراءه علي عكس تاريخية كونفوشيوس .

قرب السيرة الذاتية لكلاً من كونوفوشيوس ويسوع:-

بخصوص كونفوشيوس :ان اقدم سيره معروفة لكونفوشيوس هو ما جاء عنه في كتاب Shiji .وشيجي عباره عن مجموعة من السير الذاتية المكتوبة في القرن الاول قبل الميلاد .بواسطة المؤرخ الصيني Sima Qian .وقد استخدم سيما مصادر غير موثوق بها ومتأخره في كتابته عن كونفوشيوس.

كما ان الفجوة بين كتابة السيرة الذاتية ووفاة كرشنا علي الاقل اربع قرون .وهناك الكثير من العلماء غير واثقين ببعض المعلومات التاريخية وخاصتاً ما يتعلق بتاريخية الملوك في الفترات القديمة مثل هذا النص . Watson, Burton. ‘The World of Ssu-ma Ch’ieno’) ويعود هذا النص الي نحو عام 378 بعد موت كونفوشيوس .

بخصوص يسوع:اقدم مصدر للسير الذاتية ليسوع هو انجيل مرقس والاجماع انه كتب قبل عام 70 م ؟وهو احد انواع السير اليونانية وعندما ننظر الي يسوع نجد انه مات سنة 30 ميلادياً .وبالتالي الفجوة زمنية قصيرة اقل من جيل لتأريخ السيرة الذاتية .وهذا ما يجعل المصادر مصادر موثوقة .فالسيرة الذاتية ليسوع مبنية علي شهادة شهود العيان ويوجد ايضاً التقليد الشفوي قبل التدوين وما كتبة بولس من هذا التقليد المبكر في كورنثوس الاولي 15  : 3 – 7 .

النتيجة :الفرق في المصادر المبكرة بين يسوع وكونفوشيوس من الناحية التاريخي هو فرق بين شخص كتب سيرته بعد قرون من وجوده ووفاته ككونفوشيوس فالسيره كتبت بعد نحو 378 من حياته بينما يسوع الفجوه لا تتجاوز جيل اي اربعين عاماً من وجوده الارضي .

شخصية يسوع وكونفوشيوس بين المصادر التاريخية

يسوع خارج العهد الجديد – هل وجد يسوع فعلاً؟

يسوع خارج العهد الجديد – هل وجد يسوع فعلاً؟

يسوع خارج العهد الجديد – هل وجد يسوع فعلاً؟

حتى مؤخرً، لم يكن للتيار السائد في أبحاث العهد الجديد تأثير كبير على البحث في شخصية يسوع ضمن مصادر خارج العهد الجديد. على أية حال، فقد كان هنالك تيّار جانبي طويل المدى حمل مثل هذا التأثير. إنه السؤال الجدليّ، هل وجد يسوع فعلاً؟

قد يدهش بعض القرّاء ويصدمون بوجود العديد من الكتب والمقالات التي رفضت وبشدّة حقيقة وجود يسوع، مع أنها أكثر من مائة كتاب ومقالة في المائتي عام المنصرمة حسب احصائياتي. وبشكل نمطي، فقد رأى الباحثون المعاصرون في العهد الجديد حججهم تلك ضعيفة وغريبة حيث أنهم قاموا بإرجائها إلى حواشي الكتب وغالباً ما تجاهلوها بشكل كامل[1].

وتبعاً لذلك، فإن دارسيّ العهد الجديد ليسوا على ألفة بها. وفي هذا القسم، الذي يعدّ تابعاً لمخططنا عن تاريخ البحث، سوف نعاين بشكل موجز تاريخ ودلالات النظرية القائلة بعدم وجود يسوع.

وكما سنرى، فقد كان لقضية وجود يسوع التأثير الكبير على البحث في شخصية يسوع في المصادر غير المسيحية، وما زال تأثيرها اليوم ظاهراً في بعض المفاهيم الشائعة للعهد الجديد. على سبيل المثال “جون ميير”، أحد قادة البحث الثالث، قال: في حواراتي مع الصحفيين والمحررين الذين كانوا يسألونني في مختلف الأوقات أن أكتب عن يسوع التاريخي، كان السؤال الأول دائماً: لكن هل تستطيع إثبات وجوده؟[2]

ويزدحم الإنترنت بنقاشات تتناول هذا الموضوع. وبالبحث عن هذا الموضوع “هل وجد يسوع” عبر محرك البحث “ألتا فيستا” في 1 حزيران 1999، تمّ الوصول إلى 62 صفحة على الشبكة الرئيسية، و2580 مشاركة على “يوزنت” القناة الأساسية للنقاش.

تشكّل قضيّة عدم تاريخّية يسوع التيارَ الجانبيّ في دراسة العهد الجديد، وبالرغم من ذلك، فإن أولئك الذين يؤيدونها غالباً ما يشيرون إلى عمل الباحثين في التيار السائد، وبذلك يكون من الأفضل أن نميّز دراسة التيار السائد على أساس مصداقية الأناجيل ووجود يسوع. ومنذ ظهور النقد الإنجيليّ، اختلف الباحثون حول مستوى تاريخيّة الروايات التي تناولت يسوع في الأدب المسيحيّ القديم، وذلك حول كلّ من أحداث حياة يسوع وكلمات تعاليمه ومعانيها.

ففي أحد طرفي الطيف البحثي، خلُص البعض إلى أن الأناجيل الكنسية القانونية هي روايات تاريخيّة عن يسوع يعوّل عليها بشكل كامل، وبذلك يمكننا أن نعرف الكثير عنه. ونادراً ما يشير أولئك الذين ينكرون تاريخيّة يسوع إلى أعمال التقليديين إلاّ من أجل وصفها بالسذاجة.

وفي منتصف هذا الطيف يوجد الباحثون الذين يرون الأناجيل: على أنها مزيج من المواد التاريخيّة ذات المصداقية، والتأويلات اللاهوتية عن يسوع، مع تطورها بين زمنه وزمن المبشرين[3].

يعمل هؤلاء الدارسون، وهم الغالبية العظمى من الباحثين، على فهم التفاعل بين هذه العناصر، ويدركون “يسوع التاريخيّ” مع القليل من الثقة. يبدون أولئك الذين ينكرون وجود يسوع، وخاصّة شكّاكي القرن العشرين، على أنهم يهملون هذا الموقع المتوسط. فهم يفضّلون التعامل مع التطرف في هذا المجال.

وفي الطرف الآخر من هذا الطيف، يرى البعض أن الأناجيل الكنسيّة والأدب المسيحيّ الأول يحتوي الكثير من التأملات اللاهوتيّة والابتكارات حيث لا يمكننا معرفة إلاّ القليل عن حياة يسوع وتعالميه. وعلى الرغم من التقليل من شأن شخصيّة يسوع، فلم يجادل أيّ من أفراد هذه المجموعة الأخيرة بكون يسوع مجرّد ابتكار من قبل الكنيسة. وغالباً ما استخدم أولئك الذين ينكرون وجود يسوع التاريخيّ حججهم تلك.

وعلى أية حال، فإن أولئك الذين ينكرونه قد توصّلوا إلى نتيجة مفادها أن يسوع لم يوجد أصلاً، أمّا المجموعة الأخيرة من الطيف فلم تفعل ذلك[4].

وبالتحوّل إلى تاريخ هذا الموضوع، فإن الجدل حول وجود يسوع يعود إلى بداية الدراسة النقدية للعهد الجديد، ففي نهاية القرن الثامن عشر بدأة بعض التابعين للمتأله المتطّرف اللورد البريطاني “بولينغبروك” بنشر فكرة أن يسوع لم يوحد أبداً. وقد رفض “فولتير” هذه الفكرة بشدّة، مع أنه لم يكن مؤيداً للمسيحية التقليديّة، وعلّق أن أولئك الذين ينكرون وجود يسوع يظهرون أنفسهم “أكثر حذقاً من كونهم متعلمين”[5].

على الرغم من ذلك، في فترة 1790، كتب بعض مفكري عصر التنوير الفرنسيين الراديكاليين أنّ المسيحيّة ومسيحها كانت مجرّد أساطير، وقد نشر كلّ من “قسطنطين فرانسوا فولني” و”شارلز فرانسوا ديبوا”، كتباً تروج لهذه الأفكار، قائلين: إن المسيحيّة كانت مزيجاً غير محدّث من الأساطير الفارسية القديمة والبابليّة، وأنّ يسوع هو شخصيّة أسطورية بشكلٍ ممتاز.

بقيت هذه الفرضية لا تثير ضجة حتى جاء “برونو بور” (1809-1882)، كان “بور” أكثر كتّاب القرن التاسع عشر حدّةً في مواجهة تاريخيّة يسوع، ففي سلسلة من الكتب من عام 1840 إلى عام 1855، هاجم “بور” القيمة التاريخيّة لإنجيل يوحنا والأناجيل السينوبتيّة، محتجاً بكونها مجرد اختراعات من القرن الثاني. ولكنها بالمقابل تعطي رؤية جيّدة لحياة الكنيسة الأولى لكن بدون أن تقدم شيئاً عن حياة يسوع.

لقد حاول بور أن يُظهر في كتاباته الأولى أن النقد التاريخيّ يمكن أن يستعيد الحقيقة الأساسيّة للإنجيل من الكمّ الكبير لإشكالاته التاريخية، حيث يبيّن أن الوعي الذاتي الإنساني هو أمرٌ إلهيٌ، وأنّ الروح الإلهية يمكن أن تندمج مع الروح البشريّة لتصبح روحاً واحدة.

كان “بور” أوّل من ناقش فكرة عدم وجود يسوع بشكلٍ منهجيّ، ورأي أن الأناجيل الكنسيّة لم تكن فقط عديمة القيمة التاريخيّة، بل أن كافّة الرسائل التي كتبت تحت اسم “بولس” والتي كانت لها أن تكون دليلاً على وجود يسوع، كانت من محض الخيال، كما كانت الشواهد الرومانية واليهودية لوجود يسوع ثانويّة أو ملفّقة. وبإقصاء هذه الشواهد، يتلاشى الدليل على وجود يسوع، ويتلاشى معه يسوع. الذي أصبح نتيجة المسيحية وليس مُنتجها.

ويقول “بور”: إن المسيحية ومسيحها ولدا في روما والإسكندرية عندما اجتمع مناصرو الرواقيّة الرومانيّة، والأفلاطونية المحدثة اليونانيّة واليهوديّة، لتشكيل دين جديد احتاج مُوجداً له.

ووضع “بور” أسس الجدل التقليديّ ثلاثي الشعب، الذي يتبعه كافّة الرافضين لوجود يسوع، حتى لو لم يعتمدوه بشكل مباشر.

أولاً: استنكر “بور” قيمة العهد الجديد، وخاصّة الأناجيل الكنسيّة القانونيّة ورسائل بولس الرسول، في اثبات وجود يسوع.

ثانياً: يرى “بور” أن الافتقار لذكر يسوع في الكتابات غير المسيحيّة من القرن الأول يُظهر أن يسوع لم يوجد أصلاً. كما أنّ الذكر القليل ليسوع في الكتابات الرومانيّة في بداية القرن الثاني لا تثبت وجوده. ثالثاً: قام بدعم فكرة أن المسيحية في بدايتها كانت تعتمد على التوفيق بين المعتقدات القديمة والأساطير.

تمّ مهاجمة أفكار “بور” حول أصول المسيحية، بما فيها آرائه حول عدم وجود يسوع، من قبل السلطات الكنسيّة والأكاديميّة، كما تمّ دحضها بشكل فعّال من عقول الغالبية. فلم يكن لهذه الأفكار تأثير طويل الأمد على الدراسات اللاحقة، وخاصة في التيّار السائد. وقد يرتبط أكثر إرث “بور” أهميّة بشكل غير مباشر ببحثه الإنجيليّ، فعندما أقصته حكومة بروسيا عن منصبه في جامعة برلين 1839 بسبب أفكاره، أدى ذلك بأحد تلامذته “كارل ماركس” إلى راديكاليّة أكبر.

حيث سيقوم “ماركس” بضم أفكار “بور” حول الأصول الأسطورية ليسوع إلى أيديولوجيته، وإلى الأدب السوفيتي والدعاية الشيوعيّة التي نشرت معتقداته فيما بعد[6].

قام البعض بنقل استنكار وجود يسوع لكل من جمهور العامّة والباحثين، فعلى سبيل المثال، عام 1841 تمّ نشر عدد من الكتيّبات، مجهولة الكاتب، في إنكلترا، ثم جمعت في كتاب واحد يدحض وجود المسيح بدلائل دامغة، وذلك عبر سلسلة من الرسائل موجّهة من يهودي ألماني إلى المسيحييّن من كافة الطوائف، حيث يرفض الكاتب روايات العهد الجديد، والروايات اليهوديّة والرومانيّة التي تتناول يسوع، ويرى أنّ: الدين المسيحيّ قد استُمِدّ من الأديان القديمة، وأنه كان في الأصل مجردّ رواية من أساطير عبادة الشمس.

وفي سبعينات وثمانينيات القرن التاسع عشر، قام عدّة أعضاء من “المدرسة الهولندية الراديكالية”[7]بإعلان إنكارهم لوجود يسوع، وكان لهذه المجموعة، التي تمركزت في جامعة أمستردام، شكوك كبرى حول القيمة التاريخيّة للإنجيل، وبكل بساطة أنكر زعيم هذه المجموعة “آلارد بيرسون” وجود يسوع، وتبعه في ذلك: ي. لومان و”دبليو. سي. فان مانن” ببساطة. وقد تمّت مهاجمة وجهة نظرهم هذه بحدّة في هولندا، وبالأخص من قبل الباحثين الآخرين، لكنها أُهملت تماماً في الخارج.

وقد كانت كتابتهم حصرياُ باللغة الهولندية غير الشائعة، بصفتهم مدرسة تهتم بالعهد القديم، ولقيت نقاشاتهم النافية لوجود يسوع قلّة من الأتباع الملحوظين في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين، لكنّها تلاشت بعد ذلك تدريجياً[8].

ومع تلاشي آراء المدرسة الهولندية الراديكاليّة، أخذ انبعاث فرضية أخرى يلقى اهتماماً أوسع، وهي فرضية “عدم تاريخية يسوع”. وقد بدأت مع “جون. م. روبيرتسون” البريطانيّ المؤيد لحريّة الاعتقاد والمذهب العقلانيّ، والذي نشر كتاب “المسيحيّة والأسطورة” عام 1900، وكان الكتاب الأول لـ “روبيرتسون” في مهاجمة المسيحيّة من خلال مهاجمة تاريخية موجدها. وحسب آراء “روبيرتسون” العقلانيّة فإن الأديان تتطوّر من خلال إيجاد آلهة جديدة تناسب أزماناً جديدة.

كما يرى “روبيرتسون” أن طائفة يشوع اليهودية القديمة، التي رمز إيمانها: الحَمَل، قد عبدت الإله يشوع بوصفه الوريث المسيحي للدين التوحيديّ اليهودي. ويكاد يكون ذلك من ناحية أسطورية بالكامل مرتبطاً بعبادات تمّوز وأدونيس، وقد ثابرت هذه الطائفة حتى أوجدت إلهاً “مسيحياُ” جديداً، هو يسوع المسيح.

إن الأثر الوحيد الذي يمكن تقفّيه في الديانة المسيحيّة لـ “يسوع التاريخيّ” قد يكون بإعادة تشكيل مبهمة للشخصية التلموديّة “يسوع بن بانديرا”[9]، الذي أُعدم بأمر “ألكسندر جانيوس”[10](106-79 قبل الميلاد)، لكن يسوع العهد الجديد ليم يوجد أبداً.

إن روايات الأناجيل الكنسية القانونية هي عبارة عن مجموعة من الأساطير الوثنية القديمة والحديثة. على سبيل المثال: حكاية الإنجيل عن العشاء الأخير، العذاب، الخيانة، الصلب، الانبعاث، فهي ليست رواية أصيلة، بل دراما غامضة… ويمكن الاستنتاج أنها تطوّر لتقاليد فلسطينية عن التضحية بالبشر، كان الضحيّة السنويّة فيها هو “يسوع، ابن الآب”. فرسائل بولس الرسول تذكر موت “يسوع بن بانديرا” وليس يسوع الناصرة.

كانت آراء “روبيرتسون” حول الدين ومواضيع أخرى، آراء جدليّة في زمنه، وقد عبّر الباحث البريطاني في العهد الجديد “ف. سي. كونيبير” عن أكبر ردّ فعل تجاه آراء “روبيرتسون” عبر كتابه “المسيح التاريخيّ”[11]. وهناك ردّ فعل آخر أكثر شيوعاً تجسدّ بكتاب “إتش. ج. وود” بعنوان: “هل عاش المسيح فعلاً؟”، وكغيرهم ممن عارضوا “روبيرتسون”، فقد رأى كلّ من الكاتبين أنّ محاولة تشويه المسيحية من خلال إظهار أن مخلّص المسيحيين كان مجرّد أسطورة، يعني تجاهل “روبيرتسون” الطرق التاريخيّة السليمة.

وقد أشاروا إلى الكُتاب غير المسيحيين القدماء، رومانيين ويهود، لإثبات تاريخيّة يسوع.

على الساحة الأمريكية، أكثر المناصرين لعدم تاريخية يسوع كان أستاذ الرياضيات في جامعة تولين “وليم بينجامين سميث” (1850-1934)[12]. وقد شرح اعتقاده بوجود يسوع على أنه خليط من طائفة يسوعيّة سابقة للمسيحيين، وهي إحدى طوائف عبادة الشمس، مع ارتباط بين يسوع بوصفه حَمَل الله “آغنوس” وإله النار الهندي “آغني”. كما ناقش مبيناً عدم قيمة الشواهد اليهودية والرومانية على وجود يسوع، وخاصة كتابات “يوسيفوس” و”تاسيتوس”.

في ألمانيا، جرى الترحيب بآراء “سميث” وتمّ تعزيزها من قبل “آرثر دروز” (1865-1935)، أستاذ الفلسفة في “جامعة كارلسرو للتكنولوجيا”. فقد قاد “دروز” حملة شعبية تضمنت خطابات وكتابات ضدّ تاريخيّة يسوع، وهو ما رآه آخر عائق للوصول إلى نظرة وحدوية حول الحياة والإيمان.

وقام هو مناصروه، وخاصة “آلبرت كالثوف” و”بيتر جينسين”، بنشر كرّاسات وكتيّبات وكتب شعبية وتوزيعها على نطاق كبير. وقاموا برعاية مناظرات مع أبرز معارضيهم في مدن الجامعات عبر ألمانيا. وغالباً ما جمعت هذه المناظرات حشوداً كبيرة، ونُشرت خطوطها العريضة في الصحف.

كان هجوم “دروز” على تاريخيّة يسوع يفتقر للترابط الذي وجد فيما سبقه من هجمات، وخاصة هجوم “باور”. وكما هو حال هجوم “سميث”، كان هجوم “دروز” مزيجاً من نقاشات سابقة. لكن من بين كل المؤيدين لعدم تاريخيّة يسوع فقد كان “دروز” أكثر مهاجمي المسيحيّة صخباً. من أقواله: يسوع الذي ابتدعته المسيحية امتلك “أخلاقيات ذاتيّة زائفة”، و”وطنية ذات توجّه محدودة”، و”باطنية مبهمة”

رغم ضعف حجج “دروز” إلاّ أنّ شعبيته الكبيرة هو وحلفائه جعلت منهم أول من أثار دحضاً مستمراً من جانب الباحثين ومنهم بعض البارزين. وقد تناول بعض هذا الدحض الأدلة المستقاة من خارج العهد الجديد على وجود يسوع. وتمثل الفترة التي قام بها “دروز” بكتاباته، وهي العقود الأولى من القرن العشرين، ذروة موضوع اللاتاريخيّة.

أكثر النقّاد المعاصرين لتاريخية يسوع إصراراً وأغزرهم كتابةً كان “جورج أي ويليمز” (1926-) البروفسور المخضرم في اللغة الألمانية في جامعة “بيركبيك” بلندن[13]. اعتمد “ويلز” في هجومه على معلومات من آخر دراسات للأناجيل الكنسية، والتي خلصت إلى أن الأناجيل الكنسية القانونية كانت قد كُتبت بعد أكثر من أربعين عاماً من يسوع، من قبل كتاب غير معروفين لم يكونوا شهود عيان ليسوع. ويرى “ويلز” أن الأناجيل الكنسية تحتوي الكثير مما يُعتبر أسطورياً، كما أنها موجهة بأهداف لاهوتية وليس تاريخيّة.

فالأجزاء الأولى من العهد الجديد، وبشكل ملحوظ رسائل بولس الرسول، تفترض مقدماً وجود يسوع، لكنها لا تؤمّن أدلة تفصيلية يمكن أن تثبت وجوده. وبناء على ذلك، يرى “ويلز” أننا نحتاج تعاوناً مستقلاً من مصادر موضوعية أخرى لتؤكّد وجوده. وقام “ويلز” بدراسة دقيقة لهذه المصادر المقترحة، من كتابات “تاسيتوس” إلى التلمود، فوجد أنها لا تحتوي أي معارف مستقلة عن يسوع، وبالتالي، فهي ليست مصادر جديرة بالقبول، بل إنها تزيد من احتمال عدم وجود يسوع أصلاً.

يفسّر “ويلز” شخصيّة يسوع على أنها شخصية خيالية ظهرت من صوفيّة بولس الرسول، وكان على بعض المسيحيين من القرن الأول أن يفبركوا لها قصّة حياتها. ولذلك كان “ر. جوزيف هوفمان” محقاً بدعوته “ويلز” بـ “أكثر المدافعين المعاصرين عن قضية اللاتاريخيّة بلاغة”. فـ “ويلز” كان يكتب بنبرة ثقافية هادئة، بعكس آخرين سبقوه في هذا المضمار.

على أية حال، فإن ما علق به “ريتشارد فرانس” على طريقة “ويلز” هو صحيح أيضاً، حيث قال: “دائماً يختار “ويلز” تلك المواقف المتطرفة من مختلف دراسات العهد الجديد، والتي تناسب موضوع بشكل أفضل، ومن ثمّ يحبكها مع بعضها ليشكّل رواية جديدة لا يتفق معها أيّ من أولئك الذين اقتبس منهم”.

إن ما خلُص إليه “فرانس” يلقى موافقة كبيرة، حيث أن معظم دارسيّ العهد الجديد لا يتناولون حجج “ويلز” على الإطلاق، أما أولئك الذين يتناولونها فلا يدخلون بعمقها. وعلى الرغم من أن “ويلز” كان على الأرجح أكثر مؤيديّ نظرية اللاتاريخيّة قدرة. إلاّ أنه لم يكن أكثرهم إقناعاً، كما أنه الآن الصوت الوحيد تقريباً لهذه النظرية[14].

فنظرية عدم وجود يسوع هي الآن قضيّة ميّتة بحقّ[15].

لكن على أية أسس رفض باحثو العهد الجديد وغيرهم من المؤرخين فرضية عدم وجود يسوع؟ هنا سنلخّص الحجج الرئيسيّة المستخدمة ضدّ نظرية “ويلز” من هذه الفرضية، حيث أنه معاصر ومشابه لمن سبقه.

أولاً، يخطئ “ويلز” بتفسير عدم ذكر بولس الرسول لبعض تفاصيل حياة يسوع، مثل: التاريخ الدقيق لحياته، المكان الدقيق لدعوته، حقيقة أن بيلاطس البنطي[16] قد أدانه، وغيرها من الأمور.

وكما يعرف كلّ دارس جيّد للتاريخ، فمن الخطأ الافتراض بأن كل ما لم يُذكر أو ما لم يُفصل لم يوجد، وهكذا فالاعتماد على خلو التاريخ القديم من إشارات إنجيليّة وغير إنجيليّة عن يسوع كحجّة هو أمر فيه مخاطرة. علاوة على ذلك، يجب علينا ألا نتوقع إيجاد إشارات تاريخيّة في الأدب المسيحيّ الأول، فهي لم تكن مكتوبة لمقاصد تاريخيّة. ويفترض معظم قراء بولس الرسول، على أساس الدليل المقنع، أنه يعتبر يسوع شخصية تاريخيّة وليس شخصيّة خرافيّة أو غامضة.

ثانياً، يرى “ويلز” أن المسيحيين قد أبدعوا شخصية يسوع عندما كتبوا الأناجيل خارج فلسطين حوالي عام 100م، هذا التاريخ ليس فقط ببعيد عن إنجيل مرقص، الذي كُتب حوالي العام 70م، وإنجيليّ متى ولوقا، اللذين يعودان إلى فترة الثمانينات، بل لا يستطيع أيضاً أن يفسّر كون الأناجيل الكنسية تشير إلى تفاصيل عن فلسطين أغلبها دقيق.

ثالثاً، يدّعي “ويلز” أن الإشكاليات التاريخيّة في تطوّر الأحداث المذكورة في الأناجيل الكنسية تُظهر أن يسوع لم يوجد أصلاً. على الرغم من ذلك، ليس بالضرورة أن يعني التطوير إبداعاً كاملاً ولا تثبت الإشكاليات عدم وجوده. وقد يأخذ بعض قرّاء “ويلز” انطباعاً أنه في حال لم يكن هنالك تباين بين الأناجيل، فسيجد “ويلز” ذلك دليلاً على زيفها!

رابعاً، لم يستطيع “ويلز” أن يشرح السبب الذي منع أي وثنيّ أو يهوديّ، ممن عارضوا المسيحية، أن ينكر الوجود التاريخيّ ليسوع، أو أن يتساءل عنه في حال كان المسيحيون قد أبدعوا يسوع التاريخيّ قرابة العام 100[17].

خامساً، كان “ويلز” وأسلافه شكاكين جداً فيما يخصّ الشواهد غير المسيحيّة ليسوع، وخاصة كتابات “تاسيتوس” و”يوسيفوس”. فقد أشاروا إلى مشاكل تتعلق بالنص ومشاكل تتعلق بالمصدر في هذه الشواهد، وجادلوا أن هذه المشاكل تلغي قيمة هذه النصوص بكاملها، متجاهلين الإجماع الكبير على أن معظم هذه النصوص جديرة بالثقة.

سادساً، يبدو أن “ويلز” وآخرين قد طوّروا فرضيّة اللاتاريخية لأهداف غير موضوعيّة، بل من أجل مقاصد متحيّزة غير دينية. لقد كانت سلاحاً لأولئك الذين عادوا الإيمان المسيحيّ بكلّ أشكاله تقريباً، من الربوبيين الراديكاليين[18]، إلى مناصري حريّة الاعتقاد، وصولاً إلى العلمانيين الراديكاليين والملحدين الفاعلين، مثل: “مادلين موراي أوهير”. فلقد افترضوا بشكل صحيح أن إثبات هذه الفرضيّة سيقرع ناقوس الموت للدين المسيحي كما نعرفه، لكن النظريّة تبقى غير مثبتة.

أخيراً، فشل “ويلز” وأسلافه بتقديم فرضيات أخرى للتصديق لتفسّر ميلاد المسيحيّة، وتشكيل مسيحها التاريخي. إن الفرضيات التي قدّموها، المبنية على فهم خاص لعلم الأساطير، كانت تحمل القليل من الدلائل المؤيدة كي توصي بها إلى الآخرين. لطالما كان موضوع اللاتاريخيّة مثيراً للجدل، ولطالما فشل في إقناع الباحثين في عدّة مجالات ومن عقائد دينيّة مختلفة. زيادة على ذلك، لقد فشل دائماً بإقناع العديدين ممن ظُنّ أنهم قد يأخذونها بعين الاعتبار لأسباب من الشك الديني، من “فولتير” إلى “بيرتراند رسل”[19].

والآن يعتبر الباحثون الإنجيليون والمؤرخون الكلاسيكيون إنها قد فشلت بحق. ومع ذلك، فقد لفتت الانتباه بشكل مستمر إلى سؤال هامّ بحدّ ذاته: ما هو المعنى والقيمة التاريخيّة للدلائل القديمة خارج العهد الجديد؟

[1] يجسد النقص في دراسة هذه القضية اثنان من أكثر التواريخ تأثيراً في تفسير العهد الجديد، هما:

  1. رون رجي كميل، في كتاب “العهد الجديد، تاريخ التحقيق في مشاكله”، ولكنه يذكر هذه المشكلة ضمن الحواشي السفلية فقط، ويعلل ذلك بقوله: “إن الإنكار لوجود يسوع… اعتباطي ومبني على أسس خاطئة”. (367-447).
  2. نيل واريت، في كتاب “التفسير”، وهما لا يذكران هذه المشكلة على الإطلاق. وتبعاً لـ “بورنكام”: “أن تشكّ بالوجود التاريخي ليسوع بالمطلق… كان أمراً متروكاً لنقد مقصود من الوقت المعاصر، وهو أمر لا يستحق الذكر هنا”. (يسوع، 28)

[2] ميير، اليهودي الهامشي، 1: 68، انظر أيضاً: النعي الساخر ليسوع في أهم المجلات البريطانية، ذا إيكونميست، 3 نيسان 1999، 77. وعلى الرغم من معاملة حياة وموت يسوع على أنها تاريخية بالكامل، لكن يبدو أنه كان مجبراً على القول: إن الدلائل من مصادر قديمة غير مسيحية يؤمن تأويلات غير متحيزة، وشبه عصرية تقول: إن يسوع قد وجد بالفعل.

[3] المبشرون: هم أصحاب الأناجيل الأربعة: متى، مرقص، لوقا، يوحنا.

[4] على سبيل المثال: خلص رادولف بالتمان، الذي شكك بالعديد من أعراف الأناجيل الكنسية، إلى أنّ: “الشك بوجود يسوع لا أساس له، ولا يستحق الدحض. حيث لا يستطيع إنسان عافل أن يشك بأن يسوع هو مؤسس حركة تاريخية تتمثل مرحلته الأولى بالمجتمع الفلسطيني، (يسوع والكلمة، 13)

[5] ف. م. فولتير، يسو: من الله والإنسان، في الأعمال الكاملة لفولتيير. 279.

[6] يتحدث وود في كتابه: “هل عاش المسيح فعلاً؟” ص 7، عن رؤيته عام 1931 ملصقات مضادة للدين في نادي شيكاغو للعمال الروس، يساوون فيها بين يسوع وإله الشمس الفارسي ميثرا وإله الأرض المصرى إيزيس. (للمزيد عن بور وماركس، انظر زفاي روزن، “برونو بور وكارل ماركس”. (هيغ، 1977).

[7] أعطى الألمان هذا الاسم للمجموعة التي جعلت من مدرسة توبينغن تبدو معتدلة.

[8] دي فريز، الكتاب المقدس وعلم اللاهوت في هولندا، 54، يشير إلى أن “فولتير” و”إتش. يو. ميبوم” و”ج. ي. فان دي بيرغ”. على أنهم امتداد القرن العشرين لهذه المدرسة.

[9] ورد في التلمود البابلي: أن فيفوس بن يهوذا كان يقفل الباب على زوجته مريم ويخرج كي لا يراها الناس، فكرهته وخانته مع جندي روماني اسمه يوسف بانديرا، وبانديرا تعني نمر باللاتينية، وتلفظ أحياناً “بانثيرا”. فعوقبت مريم بتهمة الزنا، وطلقت من زوجها، مما أجبرها على تربية ابنها لوحدها، ومن ثم هاجر ابنها يشوع بن بانديرا إلى مصر وهناك تعلم المعجزات وعاد.

[10] ألكسندر جانيوس: ملك من السلالة المكابية، وسع مملكته في فلسطين، وبعد وفاته اختلف أبناؤه، فتدخل العرب الأنباط لمساعدة ابنه هيركانوس.

[11] كونيير، المسيح التاريخي (لندن 1914). كان كونيير، مثل روبيرتسون، عضواً قيادياً في الجمعية الصحفية العقلانية. لكنه كان يعرض آراء روبيرتسون للنقد اللاذع.

[12] سميث، الدين عند الآلهة (جينا 1906)

[13] ويلز، يسوع المسيحية الأولى (لندن 1971). مرجع سابق. هل وجد يسوع؟ (لندن 1975). مرجع سابق، الدليل التاريخي لوجود يسوع (بوفالو: 1982)، مرجع سابق، أسطورة يسوع (شيكاغو: 1996).

[14] دافع الفيلسوف “مايكل مارتن” من جامعة بوسكن عن “ويلز” في جدله بأن يسوع لم يوجد. وتبعه بمعظم ما قال في الفصل الأول من كتابه الدليل ضد المسيحيّة (فيلاديلفيا: 1991). ومن النقاد الذين يرفضون فرضيات ويلز: مايكل غرانت في كتابه: “يسوع: مراجعة تاريخية للأناجيل الكنسية”.

(نيويورك: 1977) وإيان ويلسن في كتابه: “يسوع: الدليل” (سان فرانسيسكو: 1984)، وغراي هاييرماس في كتابه: الدليل القديم لحياة المسيح (ناشفيل: 1984)، الذي يقول في ص 67: إن ما يعيب حجج “مارتن” هو اعتماده على “ويلز” في معلوماته حول أبحاث العهد الجديد، مع ذلك فإن “مارتن” يعتبر حجج “ويلز” موثوقة، ويضيف: “إلا أنن لن أعتمد عليها في بقية الكتاب حيث أنها جدلية وليست مقبولة بشكل كبير”.

[15] انظر: موراي هاريس، ثلاثة أسئلة جوهرية عن يسوع (غراند رابيز: 1994)، حيث أن السؤال هو: “هل وجد يسوع؟” فإن هذا الأمر جوهري من أجل الإيمان بيسوع، لكنه لم يعد جوهرياً من أجل دراسته.

[16] بيلاطس البنطي: كان الحاكم الروماني لمنطقة “اليهودية” بين عامي 26 إلى 36م. وحسب ما هو وارد في الأناجيل المعتمدة، فإنه هو الذي تولى محاكمة المسيح، وأصدر الحكم بصلبه، وذلك في عهد الإمبراطور الروماني طيباريوس قيصر، وقد أصدر بيلاطس الحكم بصلب المسيح خوفاً من اليهود الذين هددوا برفع الأمر إلى الإمبراطور واتهامه بالخيانة إذا قام بتبرئة المسيح الذي صرّح بأنه ملك، وهي تهمة سياسية خطيرة بالنسبة للرومان.

[17] المحاولة الوحيدة المعروفة في هذا الجدل تتمثل بكتاب “يوستنيوس الشهيد، حوار مع ترايفو”، المكتوب منتصف القرن الثاني الميلادي.

[18] الربويين: فلسفة تؤمن بوجود خالق عظيم خلق الكون، وبأن هذه الحقيقة يمكن الوصول إليها باستخدام العقل، ومراقبة العالم الطبيعي وحده دون الحاجة إلى أي دين، فيختلفون بذلك عن الملحدين.

[19] علماً بأن رسل، في كتابه: “لماذا لست مسيحياً” (نيويورك 1957) يقبل بشكل ضمني تاريخية يسوع.

يسوع خارج العهد الجديد – هل وجد يسوع فعلاً؟

Exit mobile version