يقول دوكينز: الصفات الخاصة بيهوه أو يسوع أو الله أو أي إله محدد آخر مثل بعل أو زيوس أو وتان. بدلاً من ذلك، سأقوم بتعريف فرضية الله بشكل أكثر دفاعًا: يوجد ذكاء خارق للطبيعة خارق للطبيعة صمم وخلق الكون وكل ما بداخله عن عمد، بما في ذلك نحن.
سيدافع هذا الكتاب عن وجهة نظر بديلة: أي ذكاء إبداعي، ذي تعقيد كافٍ لتصميم أي شيء، يأتي إلى الوجود فقط باعتباره المنتج النهائي لعملية ممتدة من التطور التدريجي. الذكاء الإبداعي، في طور التطور، يصل بالضرورة متأخرًا في الكون، وبالتالي لا يمكن أن يكون مسؤولاً عن تصميمه. الله بالمعنى المعرّف هو وهم[1].
حسنا هنا نجد فكر دوكينز قائم على نقطة هامة وهي يوجد فكر ابداعي لكنه الناتج عن التطور اي ان الله هو ناتج ظهور الكون وليس المسبب له فخلق البشر لفكرة السبب ناتج عن تطور الكون ورؤية البشر للناتج النهائي!!
ولكن الثغرة عزيزي القارئ انه وضح ان الله ناتج فقط ولم يلقي في مقدمته نظرة عن نقطة المسبب وهذة النقطة التي غيرت افكار طائفة اخرى من الملحدين للتحول من الإلحاد إلى الإيمان بوجود إله خالق.
على سبيل المثال
الملحد المعروف انتوني فلو من مشاهير الملحدين في القرن العشرين يقول القوانين التي تحكم مجموعة الأكوان. مرة أخرى، حتى تطور قوانين الطبيعة والتغييرات في الثوابت يتبع قوانين معينة. “ما زلنا نتساءل عن كيفية نشوء هذه القوانين” الأعمق “. بغض النظر عن مدى صدك لخصائص الكون باعتبارها “ناشئة” بطريقة ما، فإن ظهورها ذاته يجب أن يتبع قوانين معينة سابقة “.. والتفسير الوحيد القابل للتطبيق هنا هو العقل الإلهي [2]
وليس هو بل أيضًا فرانسيس كولينز مدير معاهد الوطنية الأمريكية أجبرتني الحجة من القانون الأخلاقي (والعديد من القضايا الأخرى) على الاعتراف بمصداقية فرضية الله. اللاأدرية، التي بدت وكأنها ملاذ آمن في المرتبة الثانية، تلوح الآن في الأفق مثل المشاركة العظيمة التي غالبًا ما تكون. بدا الإيمان بالله الآن أكثر عقلانية من عدم الإيمان [3]
وتوضح لنا مجلة التايم المعروفة سبب هذة الاقوال التي لا ترفض حجة وجود إله بل تؤكدها ولا تجعل من الاله ناتج من سبب بال المسبب ومافي الكون هو ناتج عن تصميم هذا المسبب لقد جاهد الملحدون العلميون لشرح هذا اللغز المقلق من خلال اقتراح وجود أكوان متعددة – مجموعة لانهائية من الأكوان، لكل منها معاييرها الخاصة. في بعض الأكوان، ظروف الحياة خاطئة.
ومع ذلك، بالحجم الهائل لهذا الكون المتعدد المفترض، يجب أن يكون هناك كون حيث كل شيء على ما يرام. ولكن إذا كان الأمر يتطلب قوة هائلة من الطبيعة لإنشاء كون واحد، فما مقدار القوة التي يجب أن تكون عليها هذه القوة من أجل إنشاء عدد لا نهائي من الأكوان؟ لذا فإن الكون المتعدد الافتراضي البحت لا يحل مشكلة الله. يقدم الضبط الدقيق للكون أقوى حجة لوجود كيان مبدع جوهري قد نسميه الله.
نظرًا لعدم وجود أدلة علمية مقنعة على عكس ذلك، فقد تكون هذه القوة ضرورية لفرض جميع المعايير التي نحتاجها لوجودنا – الكونية والفيزيائية والكيميائية والبيولوجية والمعرفية.[4] إذا كان الدفاع الاول للملحدين على فكرة وجود إله خالق هي فكرة وجود عدد لا نهائي من الاكوان ظنن انها تحل فرضية وجود إله ولكن للاسف هي لا تدحض وجود إله أو خالق لهذا الكون.
قد نفكر في الكون المتعدد (أو الأجزاء المكونة له) على أنه ليس كيانًا واحدًا بعيدًا عن الله، ولكنه موجود في كل تنوعه وضخامته من خلال تبرع الله بالوجود. هناك تركيز واحد فقط للوجود، وهو الله، وبالتالي حتى الأكوان المتعددة ذات الحجم والنطاق الهائل أو العديد من الأجزاء المكونة لا تحتاج إلى “التغلب على” أو “استبدال” الله كما يقترح أحيانًا كل من المؤيدين وفرضية الكون المتعدد.
بدلاً من ذلك، مع فكرة الأكويني عن الخلق والمشاركة، قد نفهم أن الله والكون المتعدد ليسا في منافسة، لكن تركيز الوجود دائمًا هو الله وأن كل شيء آخر موجود في علاقة مشاركة في الله. في ضوء نظرية الأكوان المتعددة، لا نحتاج إلى إخراج الله من المعادلة، بل علينا تذكير أنفسنا بأنه، بغض النظر عن طبيعة الخلق، فإنه يعتمد كليًا على علاقته بالله ولن يكون موجودًا بدون الله. [5]
إذا فلا تنفي فرضية الاكوان وجود عقل خالق في النهاية ينتهي الامر عند نقطة وجود مصمم ما وخالق لكل هذة الاكوان وفي الحقيقة نحن لم نعرف بعض المزيد عن الكون ليس لدينا النقطة الورقة النهائية.
فيقول اينشتاين يجب التأكيد على أن عملية جمع البيانات في علم الكونيات هي عملية صعبة، وأن هذه البيانات قابلة للتغيير وإعادة التفسير مع ظهور تقنيات وأفكار جديدة. يتغير فهمنا لكوننا بسرعة. من المؤكد أن الفصل الأخير عن علم الكونيات والنسبية العامة لم يكتب بعد. [6]
ولكن ما وصلنا له من ابحاث في كوننا هذا يثبت صحة وجود مصمم ذكي لهذا الكون وفوق كل هذا لا يستطيع ان يأتي الكون بمفرده ولا حتى يظل مضبوط كما هو الآن.
لان طبيعة المادة عشوائية فيقول العالم الراحل ستيفن هوكينج في أصغر المقاييس، تتصرف المادة بطريقة غريبة وغير واضحة للغاية، وهناك قيود أساسية على الدقة التي يمكن من خلالها معرفة موضع وسرعة الجسيم المجهري. تُعرف فكرة وجود عشوائية في جوهر الكون باسم مبدأ عدم اليقين لهايزنبرغ.[7]
فالمادة نفسها التي للكون هي عشوائية طبيعة هكذا لا تستطيع ان تظهر وتبني بنفسها بطريقة منظمة يجب ان تكون هناك قوى اقوى من مادة الكون قوى اخر غير عشوائية تضبط العشوائية الكونية.
حتى التطور لا نستطيع ان نقول انه أتى بالصدفة.
يقول جوناثان ويلز دكتور في علم الاحياء الخلوي [8] :تسلسل الحمض النووي لا يحدد حتى بشكل كامل الرنا، ناهيك عن البروتينات. ويتطلب الترتيب ثلاثي الأبعاد للبروتينات في الخلية معلومات مكانية تسبق تركيبها ويتم تحديدها بشكل مستقل عن الحمض النووي. لذلك، لا يحتوي الحمض النووي على برنامج لتطور الجنين، ولا يمكن للطفرات في الحمض النووي أن توفر المواد الخام للتطور التشريحي
ويكمل: هناك سبب أكثر جوهرية لعدم نجاح طفرات الحمض النووي في العمل: يتطلب التطور تغييرات في المعلومات التي توجه تطور الجنين، والكثير من هذه المعلومات مستقل عن الحمض النووي فلا يمكن ان يحث التطور للحمض النووي من داخل الحمض النووي ذاته لان المعلومات التي يستخدمها الحمض النووي في التطور مستقلة اصلا عن الحمض النووي
إذا فلا يمكن أن يحدث تطور أو تظهر الحياة من ذاتها لانها لا تمتلك المعلومات التي تبني عليها تطورها. وفي الحقيقة نستطيع ان نفتح قوس ونضع ما أثبته العلم على صحة وجود مصمم ذكي للكون.
وللرب المجد الدائم امين
[1] THE GOD DELUSION( Richard Dawkins @ 2006 ) P. 31
[2] there is a god How the World’s Most Notorious Atheist Changed His Mind( Antony Flew with Roy Abraham Varghese ) P. 121
[3] THE LANGUAGE OF GOD A Scientist Presents Evidence for Belief ( FRANCIS S. COLLINS @ 2006 ) , P . 30
[4] Why Science Does Not Disprove God ( BY AMIR D. ACZEL APRIL 27, 2014 5:45 AM EDT )
[5] The Multiverse and Participatory Metaphysics: A Theological Exploration ( By Jamie Boulding )
[6] RELATIVITY The Special and General Theory ( Albert Einstein Translated by Robert W. Lawson @ 2005 ) , P . 224
[7] Why Are We Here? Ch.4: Heisenberg’s Uncertainty Principle | Genius by Stephen Hawking
[8] Theistic Evolution A Scientific, Philosophical, and Theological Critique Edited by J. P. Moreland (philosophy), Stephen C. Meyer, Christopher Shaw, Ann K. Gauger (science), and Wayne Grudem (Bible/theology) Foreword by Steve Fulle ) P . 231.
هل الله موجود؟ لغز الحياة والحصول على الصورة الكاملة
هل الله موجود؟ لغز الحياة والحصول على الصورة الكاملة
هل الله موجود؟ لغز الحياة والحصول على الصورة الكاملة
“ من يزعم أنه يشك في مجموعة معينة من المعتقدات هو في الواقع مؤمن حقيقي بمجموعة أخرى من المعتقدات”.
فيليب إي. چونسون Phillip E. Johnson
حذر أستاذ الأديان طلابه المترقبين تحذيراً صريحاً منذ أول يوم في الفصل الدراسي:ِ” من فضلكم، اتركوا معتقداتكم الدينية في البيت. فعندما نتناول العهد القديم، قد أبدي بعض الملاحظات المخالفة تماماً لما تعلمتموه في مدرسة الأحد. ولست أقصد من ذلك إهانة أحد، ولكني أقصد أن أجري تحليلاً موضعياً للنص قدر المستطاع”.
أعجبني الكلام. فعلى أي حال، أنا (فرانك) سجلت فى تلك المادة لأني كنت في رحلة بحث روحي. ولم أرد أن أسمع كلاماً دينياً. كل ما أردته أن أعرف إن الله موجود أم لا. وهل من مكان للحصول على فكر موضوعي عن الله والكتاب المقدس أفضل من معهد علماني مثل”جامعة روتشسير”University of Rochester ؟ هكذا كنت أفكر.
ومن البداية اتخذ الأستاذ نظرة تشككية جداً للعهد القديم. وعلى الفور أكد نظرية أن موسى ليس هو كاتب أول خمسة أسفار في الكتاب المقدس، وأن الكثير من نصوص الكتاب التي يفترض أنها نبوية كتبت بعد وقوع الأحداث. وقد رجح أيضاً أن اليهود كانوا في الأصل يؤمنون بالكثير من الآلهة (الإيمان بتعدد الآلهة)، ولكن إلهاً واحداً فاز بالمنافسة؛ لأن آخر محرري العهد القديم كانوا “موحدين متعصبين دينياً”.
معظم الطلاب لم يجدوا غضاضة في تحليله، عدا شاباً واحداً كان يجلس أمامي بعدة صفوف. وبمرور الفصل الدراسي، اتضح أن ذلك الطالب يزداد غضباً تجاه نظريات الأستاذ التشكيكية. وذات يوم، عندما بدأ الأستاذ ينقد نصوصاً من إشعياء، لم يستطيع الطالب أن يتمالك نفسه.
وانفجر قائلاً: ليس صحيحاً. هذة كلمة الله.
فهمست بصوت خفيض للطالب الجالس بجوراي: ذلك الشاب متدين أكثر من اللازم.
فذكَّر الأستاذ الجميع: اسمعوا. لقد أخبرتكم جميعاً من البداية أنكم يجب أن تتركوا معتقداتكم الدينية في البيت. وإلا لن نكون موضوعيين.
وحاول الأستاذ تهدئة الموقف، ولكن الطالب انطلق غاضباً من قاعة المحاضرات ولم يعد أبداً.
ورغم أنى شعرت بشيء من التعاطف مع الطالب، وأدركت أن الأستاذ متحيز شخصياً ضد الدين، أردت أن أسمع منه المزيد عن العهد القديم، وخاصة عن الله. وعند نهاية الفصل الدراسي، كنت مقتنعاً نوعاً ما أن الأستاذ على صواب، فالعهد القديم لا يجب أن يؤخذ كما يبدو في ظاهره.
الإ أنني لم أحصل بعد على إجابة لسؤالي الأساسي: هل الله موجود؟ فحتى نهاية المحاضرة الأخيرة لم أكن قد حصلت على إجابة شافية، وهذة المسألة الصعبة لم تحسم. فتوجهت إلى الأستاذ الذي تحلق الطلاب حوله يسألونه أسئلتهم الأخيرة.
وانتظرت حتى انصرف الجميع تقريباً، وقلت: أستاذ. شكراً على المادة. أظن أني تعلمت منظوراً جديداً. ولكن لايزال عندي سؤال جوهري.
فأجاب: بكل سرور. تفضل.
دخلت هذه المادة لأكتشف ما إذا كان الله موجود حقاً أم لا. فهل…؟
ودون أن يتردد لحظة واحدة انطلق قائلاً: لا أعرف.
لا تعرف؟!
بلى. ليس لدي أدنى فكرة.
Uni-: بادئة تدخل على بعض الكلمات الإنجليزية وتعني واحد، أو مكون من واحد. (المترجمة)
Plural+: تعني جمع، أو مكون من أكثر من واحد. (المترجمة)
صدمت، وتمنيت لو أمكنني ان أوبخه قائلاً: “لحظة من فضلك. أنت تعلم بأن العهد القديم خاطئ، وأنت لا تعلم إن كان الله موجود أم لا؟ العهد القديم يمكن أن يكون صحيحاً إن كان الله موجود بالفعل”. ولكن بما أننا لم نكن قد أخذنا التقديرات النهائية للمادة. تراجعت، واكتفيت بمغادرة القاعة محبطاً من الفصل الدراسي بأكمله. كنت سأحترم الإجابة بكلمة “نعم” أو “لا” مصحوبة ببعض الأسباب، ولكني لم أقبل “لا أعرف”.
كان يمكنني أن أحصل على تلك الإجابة من شخص في الشارع قليل المعرفة. ولكني كنت أتوقع أكثر من ذلك بكثير من أستاذ دين جامعي.إلا أني عرفت فيما بعد أن توقعاتي كانت أعلى كثيراً من حدود الجامعة الحديثة. إن مصطلح “جامعة” “University” هو في الواقع مركب من كلمة “unity” (وحدة)، وكلمة “diversity”تنوع.
فعندما يذهب المرء إلى الجامعة، يفترض أن يجد من يرشده في مسعاه للعثور على الوحدة في التنوع، أي كيف أن كافة مجالات المعرفة المتنوعة (الفنون، والفلسفة، والعلوم الطبيعية، والرياضيات… إلخ) تتوافق معا لتكون صورة موحدة للحياة. مؤكد أنها مهمة شاقة، ولكن الجامعة الحديثة لم تهجرها فحسب بل فعلت عكسها.
فبدلاً من أن يكون عندنا University أصبح عندنا Pluraversities†، مؤسسات تعتبر كل وجهة نظر، مهما كانت تفاهتها، تتمتع بنفس القدر من القبول والمعقولية مثل غيرها من الأفكار، ماعدا الفكرة القائلة بأنه لا يمكن أن توجد إلا ديانة واحدة صحيحة أو منظور worldview واحد صحيح للحياة. فهذة هي وجهة النظر الوحيدة التى تعتبرها معظم الجامعات فكرة متعنتة لا تقبل الاختلاف.
ورغم الإنكار الذي ينساب من جامعاتنا، فإننا نؤمن بوجود طريقة لاكتشاف الوحدة في التنوع. وإن تمكن المرء من اكتشاف هذه الوحدة، سيكون كمن يرى الصورة الكاملة المبينة على سطح علبة لغز الصور المقطعة Puzzle.
فكما أنه من الصعب تجميع القطع المكونة للغز دون الرجوع للصورة الموضحة على سطح العلبة، هكذا يصعب إيجاد معنى في قطع الحياة الكثيرة المتنوعة دون صورة كاملة توحد هذه القطع. والسؤال: هل هناك من يملك سطح علبة هذا اللغز الذي نسميه الحياة؟ تزعم الكثير من ديانات العالم أنها تملك سطح العلبة. فهل أي منها على صواب؟
الدين وسطح العلبة
أديان العالم تمثل غالباً محاولات لتقديم سطح العلبة الذي يسمح لك أن ترى كيف أن القطع الكثيرة التي يتألف منها لغز الحياة تشكل صورة كاملة متناسقة. وعادة ما تبدأ هذه الصورة بزعم ما عن الله، وهي بداية منطقية. فما يؤمن به المرء عن الله يؤثر في سائر معتقداته الأخرى كافة.
وعندما سئل “مورتيمر آدلر” Mortimer Adler عن السر وراء أن الجزء الذي يتحدث عن “الله” هو أكبر جزء في سلسلة “كتب الغرب العظيمة” Great Books of the Western World (التي حررها)، جاء جوابه عميقاً ثابقاً؛ إذ أشار إلى أن النتائج المترتبة على موضوع الله تتجاوز ما يترتب على أي موضوع آخر. ومؤكد أن أهم خمسة أسئلة في الحياة تترتب على هذا الموضوع هى:
الأصل: من أين أتينا؟
الهوية: من نحن؟
المعنى: ما غرض وجودنا؟
الأخلاق: كيف يجب أن نعيش؟
المصير: إلى أين نحن ذاهبون؟
وإجابة كل من هذة الأسئلة تتوقف على وجود الله. فإن كان الله موجود، يكون لحياتك معنى وغرض نهائي. وإن كان لحياتك غرض حقيقي، عندئذ يكون هناك بالفعل أسلوب صحيح وأسلوب خاطئ للحياة. واختياراتك اليوم لا تؤثر عليك هنا فحسب، ولكنها تؤثر عليك في الأبدية.
وعلى العكس، إن لم يكن الله موجود، فحياتك يلا معنى. وما دامت الحياة ليس لها غرض نهائي بعيد، فما من أسلوب صحيح وأسلوب خاطئ للعيش. ولا يهم كيف تعيش أو بما تؤمن، فمصيرك إلى التراب.
فإن كان أي دين في العالم يمتلك الأجابة الصحيحة عن سؤال الله، فما هو؟ هل من ديانة تمدنا بسطح العلبة الصحيح للحياة؟ الحكمة الشائعة تقول لا، لعدة أسباب.
أولاً، يقول الكثيرون إنه ليس منطقياً أن تصدق أن ديناً واحداً يمكن أن يكون وحده الدين الصحيح. فلو كان دين بعينه صحيحاً، إذن مليارات المتدينين في سائر الأديان الأخرى جميعاً مخطئون اليوم، وكانوا مخطئين على مدى قرون. (وهي مشكلة كبيرة إن كانت المسيحية صحيحة؛ لأن المسيحية فيما يبدو تعلم بأن غير المسيحيين مصيرهم الجحيم!) هذا بالإضافة إلى الخوف المنطقي من أن مَن يعتقدون أنهم يمتلكون الحق لن يقبلوا آراء من لا يقبلونه.
والأمريكيون المتساهلون أكثر ميلاً للاعتقاد بأنه ليس هناك ديانة واحدة هي “الحق”، بأل التعريف. وهو موقف يعبر عنه غالباً مثل مفضل لدى الكثير من أساتذة الجامعات: مثل الستة رجال العمي والفيل. كل رجل من الستة يتحسس جزءاً مختلفاً من الفيل ومن ثم يتوصل إلى استنتاج مختلف بشأن الشيء الموجود أمامه. فأحدهم يمسك بالناب ويقول: “إنه رمح!” ويتحسس آخر الخرطوم ويقول: “هذا ثعبان!” أما من يحتضن الساق يزعم قائلاً: “هذه شجرة!”
والأعمى الذي يمسك الذيل يقول: “معي حبل!” أما من يتحسس الأذن يظن”أنها مروحة!” ومن ينحني على جانب الفيل يقول واثقاً: “أنه حائط!” ويقال إن هؤلاء الرجال العميان يمثلون ديانات العالم لأن كلاً منهم يتوصل إلى استنتاج مختلف عما يتحسسه. ويقال لنا إنه ما من دين واحد يمتلك”الحق” بأل التعريف، مثل كل رجل من الستة العمي. فما من ديانة واحدة تمتلك سطح العلبة الكامل. ولكن الأديان تمثل ببساطة طرقا مختلفة تؤدي إلى قمة الجبل نفسها. وهو طبعاً موقف جذاب جدا للعقل الأمريكي الذي يقبل الاختلاف قبولاً تاماً.
ففي أمريكا يعتبر الحق الديني تعبيراً متناقضاً. ولكنهم يقولون لنا إنه لا حق فى الدين. فهي مسألة أذواق وآراء أنت تحب الشوكولاتة.أنا أحب الڨانيليا. أنت تحب المسيحية، أنا أحب الهندوسية. إن كانت البوذية تناسبك، فهي صحيحة بالنسبة لك. ثم إنه ينبغي ألا تحكم على بمعتقداتي!
أما ثاني المشكلات الكبرى فى قضية الحق الديني هي أن بعض قطع الحياة يبدو أنها تستعصي على التفسير، يبدو أنها لا تتوافق مع أي سطح علبة ديني. ومنها وجود الشر وصمت الله حياله. وهي ما تمثل اعتراضات قوية لأي شخص يزعم بوجود إله كلي القدرة (يؤمن بوجود الله). فالكثير من المتشككين والملحدين يحاجون بأنه إن كان هناك إله حقيقي قدير، لتدخل لإزالة كل هذا الارتباك.
فإن كان الله موجود بالفعل، فلماذا يحتجب؟ لماذا لا يظهر نفسه ويبين خطأ الديانات الزائفة وينهى كل هذا الجدل؟ لماذا لا يتدخل ويوقف كل الشر المنتشر في العالم، بما فيه كل الحروب الدينية التي تلطخ اسمه؟ ولماذا يسمح بالضرر للأشخاص الصالحين؟ كلها أسئلة صعبة على أي شخص يزعم بأن دينه الذي يؤمن بوجود الله دين صحيح.
الموضوعية هي وجود الشيء مستقلاً عن الأفكار والآراء الشخصية وغير متأثر بها، وتشير في الفلسفة إلى الاعتقاد بأن الموجودات توجد مستقلة عن معرفة البشر بها أو إدراكهم لها. أما الذاتية فهي موقف فلسفي يرى أن المعرفة تتوقف على وجود الذات المدركة وأنه ليس هناك حقيقة موضوعية أو خارجية. (المترجمة)
وأخيراً، يشير الكثير من المفكرين المحدثين إلى أن أي سطح علبة يقوم على الدين يفتقد للمشروعية. لماذا؟ يقولون لأن العلم وحده هو ما يقدم الحق. فهم يقولون إن التطور لم يلغ الحاجة الى الله فحسب، بل ما يمكن اختباره في المعمل هو فقط ما يمكن اعتباره حقيقياً. أي أن العلم وحده هو الذي يتعامل مع الأمور الحقيقية، في حين أن الدين يظل محصوراً في نطاق الإيمان.
فلا معنى لمحاولة حشد الأدلة أو الحقائق لتأييد الدين لأن ذلك يشبه من يجمع حقائق لإثبات أن آيس كريم الشوكولاتة أحلى مذاقا من آيس كريم الڨانيليا. لا يمكنك إثبات الاستحسانات. ولذلك، بما أنهم يصرون على أن الدين ليس مسألة حقيقية موضوعية على الإطلاق ولكنه مجرد ذوق ذاتي، إذن أي سطح علبة مستمد من الدين لا يمكنه تقديم الصورة الموضوعية للحياة التي نبحث عنها.
فإلى أين يأخذنا كل هذا؟ هل البحث عن الله وعن سطح علبة الحياة مهمة ميئوس منها؟ هل يجب أن نفترض أنه ما معنى موضوعي للحياة، وأن كلاً منا يخترع سطح علبته الذاتي؟ هل يجب أن نقنع بإجابة الأستاذ: “ لا أعرف”؟ إننا لا نعتقد ذلك. بل نعتقد بوجود إجابة حقيقية.
وبالرغم مما رصدنا من اعتراضات قوية (سنناقشها في الفصول القادمة)، نؤمن أن الإجابة منطقية للغاية. بل إننا نعتقد حقيقة أن هذه الإجابة أكثر منطقية وتتطلب إيماناً أقل من أى إجابة أخرى من الإجابات المطروحة، بما فيها إجابة الملحد. فهيا بنا نبين لك ما نعني بذلك.
أي نوع من الآلهة؟
قبل أن نتقدم في مناقشتنا، لا بد أولاً أن نفهم المصطلحات. تندرج معظم ديانات العالم الرئيسية تحت واحد من ثلاثة منظورات دينية للحياة religious worldviews: الإيمان بالله الخالق الحافظ theism، وحدة الوجود pantheism، الإلحاد atheism.
المؤمن بوجود الله الخالق الحافظ theist هو من يؤمن بإله شخصي Personal God خلق الكون ولكنه ليس جزءاً من هذا الكون: وهو ما يمكن تمثيله بالرسام واللوحة. فالله مثل الرسام وخليقته مثل اللوحة. الله صنع اللوحة، وصفاته تنعكس فيها، ولكن الله ليس اللوحة. والديانات الرئيسية التي تؤمن بالله الخالق الحافظ هي: المسيحية، واليهودية، والإسلام.
على العكس من ذلك، المؤمن بوحدة الوجود pantheist هو من يؤمن بإله غير شخصي بأن الله صنع اللوحة، بل بأن الله هو اللوحة. وفي الواقع المؤمنون بوحدة الوجود يعتقدون أن الله هو كل الموجودات: الله هو العشب، الله هو السماء، الله هو الشجرة، الله هو هذا الكتاب، الله هو أنت، الله هو أنا…إلخ. والديانات الرئيسية التي تؤمن بوحدة الوجود هي مجموعة الديانات الشرقية مثل الهندوسية، وبعض أشكال البوذية، والكثير من أشكال” العصر الحديث”“New Age”.
أما الملحد atheist هو بالطبع من لايؤمن بأي نوع من الآلهة. وتمشياً مع المشابهة، فالملحد يؤمن أن ما يبدو وكأنه لوحة كان موجوداً باستمرار ولم يرسمه أحد. ويندرج ضمن هذه الفئة “الإنسانيون الدينيون”“ Religious humanists “.
وإليك طريقة سهلة لتذكر هذه المنظورات الدينية الثلاثة: الإيمان بالله الخالق الحافظ: الله صنع كل شيء. وحدة الوجود: الله هو كل شيء. الإلحاد: لا إله على الإطلاق.
والشكل 1-2 يصور الإيمان بالله الخالق الحافظ على هيئة يد تحمل العالم، ووحدة الوجود على هيئة يد في العالم، والإلحاد على هيئة العالم فقط دون سواه.
وسنستخدم كثيراً مصطلحاً أخر وهو لاأدري agnostic. وهو شخص لا يحسم موقفه بخصوص قضية الله.
المقصود الإيمان بوجود إله خلق الكون ويحفظه باستمرار، وغالباً سيشار إلى المصطلح في الفصول التالية بتعبير ’’الإيمان بالله الخالق‘‘ للتخفيف.(المترجمة).
وبعد أن عرفنا مصطلحاتنا، لنعد إلى قضية الإيمان والدين.
الإيمان والدين
الزعم القائل بأن الدين مجرد مسألة إيمان، على ما يبدو فيه من إقناع ظاهري، ليس إلا أسطورة حديثة، فهو زعم خاطئ. فرغم أن الدين يتطلب الإيمان بكل تأكيد، فالدين لا يقتصر على الإيمان. فالحقائق أيضاً تلعب دوراً جوهرياً في كل الأديان لأن كل المنظورات الدينية، بما فيها الإلحاد، تتضمن مزاعم تتعلق بالحق، والكثير من تلك المزاعم المتعلقة بالحق يمكن تقييمها بالفحص العلمي والتاريخي.
فمثلاً المؤمنون بالله الخالق الحافظ (مثل المسيحيين، والمسلمين، واليهود) يقولون إن الكون له بداية، في حينأن الكثير من الملحدين والمؤمنين بوحدة الوجود (مثل أتباع حركة العصر الجديد، والهندوس) يقولون إن الكون لا بداية له (الكون أزلي). وكل زعم منهما يلغي الآخر.
فلا يمكن أن يكون كلاهما صحيحاً. فإما أن الكون له بداية أم لا. وعندما نبحث في طبيعة الكون وتاريخه، يمكننا أن نستنتج منطقياً أن إحدى النظرتين صحيحة والأخرى خاطئة.
وتعتبر قيامة المسيح المزعومة مثالاً آخر على ذلك. فالمسيحيون يزعمون أن يسوع قام من الأموات، بينما يقول المسلمون إن يسوع لم يمت أصلاً. وبالمثل، يجب أن يكون أحد هذين الموقفين صحيحاً والآخر خاطئاً. فكيف نحدد الموقف الصحيح؟ بتقييم كل من هذين الزعمين المتضادين بشأن الحق بناء على الدليل التاريخي.
لاحظ أن الأديان المختلفة ليست الوحيدة التي تحاول أن تجيب عن هذه الأسئلة، ولكن العلماء أيضاً لهم رأي في هذه المسائل. أي أن العلم والدين غالباً ما يتناولون الأسئلة نفسها، من أين أتى الكون؟ من أين أتت الحياة؟ هل المعجزات ممكنة؟ وهكذا. أي أن العلم والدين لا يقصي أحدهما الآخر كما يرجح البعض.
ولكن من المؤكد أنه لا يمكن إخضاع كل المزاعم الدينية للفحص العلمي أو التاريخي. فبعضها يمثل عقائد لا يمكن التحقق منها. إلا أن الكثير منها يمكن إخضاعه للاختبار. فبعض المعتقدات منطقي، أي يمكن إثباته بيقين كبير، ولكن يتضح أن البعض الآخر غير منطقي.
معضلات المسيحية
هل المسيحية منطقية؟ نحن نؤمن أنها كذلك. إلا أنه لم يفحص المرء الأدالة فحصاً دقيقاً وبذهن منفتح، قد يبدو الاعتقاد في المسيحية إشكالياً. فأولاً، هناك الكثير من الاعتراضات الفكرية المفهومة، مثل ما ذكرناه آنفاً (مشكلة الشر، واعتراضات الكثير من العلماء).
وثانياً، هناك عوائق نفسية أحياناً ما تحول دون قبول المسيحية. فاعتقاد المسيحية أنها تنفرد بالحق Christian exclusivism، والاعتقاد في جهنم، ورياء المسيحيين؛ تمثل حواجز نفسية أمام الجميع تقريباً. (الواقع أن الرياء في الكنيسة غالباً ما يمثل أكثر العوامل المنفرة للناس. فقد قال أحدهم إن أكبر معضلة في المسيحية هي المسيحيون!).
وأخيراً، هناك أسباب إرادية لرفض المسيحية، ألا وهي الأخلاق المسيحية التى تبدو وكأنها تحد من خياراتنا في الحياة. فبما أن معظمنا لا يحب أن يحاسب، إذن إخضاع حريتنا لإله غير منظور ليس من الأشياء التى نميل إليها بطبيعتنا.
ولكن بالرغم من هذه العوائق الفكرية، والنفسية، والإرادية، نؤكد أن الإيمان بالمسيحية ليس هو الصعب، بل الصعوبة تكمن في الإيمان بالإلحاد أو بأي دين آخر. بمعنى أنه ما إن يمتحن المرء الأدلة، حتى يكتشف أن ما يحتاجه من إيمان ليعتقد في غير المسيحية يفوق الإيمان المطلوب للمسيحية. وهو ما قد يبدو زعماً مخالفاً للفهم الطبيعي المعتاد، ولكنه متجذر في حقيقة مفادها أن كل منظور ديني religious worldview يتطلب الإيمان، حتى المنظور الذي يقول بعدم وجود إله.
لماذا؟ لأننا بصفتنا بشر محدودين، لا نمتلك نوعية المعرفة التي تزودنا بالبرهان المطلق على وجود الله أو عدم وجوده. فخارج إطار معرفتنا بوجودنا (أنا أعرف أنى موجود لأني لا بد أن أكون موجوداً حتى أتمكن من التفكير في هذه المسألة)، نحن نتعامل مع احتمالات. وأياُ كان استنتاجنا عن وجود الله، يحتمل دائماً أن يكون الاستنتاج المضاد صحيحاً.
وفي الحقيقة، من المحتمل أن تكون استنتاجاتنا في هذا الكتاب خاطئة. ولكننا لا نعتقد أنها خاطئة لما لها من أدلة قوية تؤيدها. بل إننا نعتقد أن اسستنتاجاتنا صحيحة بما يتجاوز أي شك منطقى. (وهذا االنوع من اليقين، الذي ربما يتجاوز 95% هو أفضل ما يمكن لكائنات بشرية ناقصة محدودة أن تبلغه في معظم القضايا، وهو أكثر من كاف حتى في أهم قرارات الحياة.) إلا أنه لا بد من توافر قدر من الإيمان للتغلب على احتمالية أننا على خطإ.
إيمان الملحد
رغم أن قدراً من الإيمان ضروري لتصديق استنتاجاتنا، فالأمر المنسي غالباً أن الإيمان ضروري أيضاً لتصديق أي منظور للحياة، بما في ذلك الإلحاد ووحدة الوجود. وهو ما تذكرناه قريباً عندما التقينا بملحد يدعى “باري” “Barry” فى إحدى حلقاتنا النقاشية. لم يستطيع” باري” أن يصدق أن صديقاً مشتركاً بيننا يدعى “ستيڤ” Steve أصبح مسيحياً.
وقد قال:” لا يمكنني أن أفهم “ستيڤ”. فهو يزعم أنه مفكر، لكنه لا يستطيع أن يرد على كل الاعتراضات التي أطرحها عليه بخصوص المسيحية. وهو يقول أنه لا يعرف كل الإجابات لأنه مستجد وما زال يتعلم”.
فقلت(فرانك): “باري”، إن معرفة كل شيء عن موضوع ما تكاد تكون مستحيلة، وهي بالتأكيد مستحيلة إن كان الموضوع هو الله غير المحدود. لذا، لا بد أن تصل إلى نقطة حيث تدرك أنك امتلكت من المعلومات ما يكفي للوصول إلى استنتاج، حتى لو ظلت لديك أسئلة دون إجابات”.
وافقني “باري”، ولكنه لم يدرك أنه كان يفعل تماماً ما كان ينتقد “ستيڤ” عليه. فقد قرر”باري” أن منظوره الإلحادي صحيح رغم أنه لم يمتلك معلومات كاملة لدعمه. هل هو متيقن من عدم وجود الله؟ هل بحث كل الحجج والأدلة المؤيدة لوجود الله؟ هل يمتلك معلومات شاملة عن قضية الله؟ هل يمكنه الرد على كل اعتراض على الإلحاد؟ بالطبع لا. بل إنه من المستحيل أن يفعل ذلك. وبما أن “باري”، مثله مثل “ستيڤ”، يتعامل في مجال الاحتمالات لا اليقين المطلق، لا بد أن يمتلك قدراً معيناً من الإيمان ليصدق أن الله غير موجود.
ورغم أن “كارل ساجان” Carl Sagan كان يزعم أنه لاأدري، فقد نطق بالتصريح النموذجي عن الإيمان بالمادية الإلحادية عندما زعم أنه”لا ولم ولن يوجد شيء سوى الكون”. كيف علم ذلك علم اليقين؟ لم يعلم. وكيف أمكنه أن يعلم ذلك؟ لقد كان كائناً بشرياً محدوداً ذا معرفة محدودة. لقد كان”ساجان” يتحرك في محيط الاحتمالات تماماً مثل المسيحيين عندما يقولون إن الله موجود، ولكن السؤال هو: أيهما يمتلك مزيداً من الأدلة على استنتاجاته؟ أي الاستنتاجين أكثر منطقية؟ سنرى عندما نتناول الأدلة أن الملحد عليه أن يجمع قدراً من الإيمان يفوق كثيراً ما يحتاجه المسيحي.
وقد تقول في نفسك: “الملحد عليه أن يجمع قدراً من الإيمان يفوق كثيراً ما يحتاجه المسيحي! ترى ماذا يقصد جايسلر وتورك بذلك؟” نقصد أنه كلما تناقص ما لديك من أدلة تدعم موقفك، تزايد ما تحتاج إليه من إيمان لتصديق هذا الموقف (والعكس صحيح).
فالإيمان يسد ثغرة معرفية. وفي النهاية يتضح أن الملحد لديه ثغرات معرفية أكبر لأن الأدلة الداعمة لمعتقداته أقل كثيراً من أدلة المسيحي على معتقداته. أي أن الأدلة التجريبية والشرعية والفلسفية تؤيد بقوة الاستنتاجات المتوافقة مع المسيحية والمخالفة للإلحاد. وإليك بضعة أمثلة على تلك الأدلة التي سيأتي تفصيلها في الفصول القادمة:
الدليل العلمي يؤكد بما لايدع مجالاً للشك أن الكون أتى إلى الوجود من لا شيء. فإما أن شخصاً خلق شيئاً من العدم (الموقف المسيحي)، أو أنه ما من أحد خلق شيئاً من العدم (الموقف الإلحادي). فأي الموقفين أكثر منطقية؟ الموقف المسيحي. وأي الموقفين يتطلب مزيداً من الإيمان؟ الموقف الإلحادي.
أبسط شكل من أشكال الحياة يحتوي على معلومات تعادل 1000 موسوعة.والمسيحيون يؤمنون أنه لا يمكن إلا لكائن ذكي أن يخلق كائناً حياً يحوي ما يعادل 1000 موسوعة. أما الملحدون يؤمنون أن قوى طبيعية غير ذكية يمكنها لأن تفعل ذلك. ولكن المسيحيون لديهم من الأدلة ما يدعم استنتاجهم. وبما أن الملحدين لا يملكون مثل هذه الأدلة، إذن معتقدهم يتطلب قدراً من الإيمان أكبر بكثير.
تنبأت بعض الكتابات القديمة عن قدوم رجل هو الله بالفعل قبل إتيانه بمئات السنين. وقد تنبأت هذه الكتابات بأن هذا الإنسان-الإله سيولد في مدينة بعينها ومن نسب معين، ويتألم بشكل معين، ويموت في وقت معين، ويقوم من الأموات ليكفر عن خطايا العالم. وفور انقضاء الوقت الذي أشارت إليه النبوات أعلن العديد من شهود العيان ثم سجلوا أن تلك الأحداث التي تم التنبوء عنها وقعت بالفعل. وشهود العيان أولئك احتملوا الاضطهاد والموت، رغم أنه كان في قدرتهم أن ينقذوا أنفسهم بإنكار الأحداث. وقد تحول الآلاف من سكان أورشليم إلى الإيمان بهذا الشخص بعد أن رأوا هذه الأحداث أو سمعوا عنها، وسرعان ما اكتسحت هذه العقيدة أرجاء العالم القديم. والمؤرخون والكتاب القدماء يشيرون إلى هذه الأحداث أو يؤكدونها، والدلائل من علم الآثار تؤيدها. وحيث أن المسيحيين رأوا في الخليقة أدلة على وجود الله(نقطة رقم 1 أعلاه)، فقد آمنوا بأن هذه المجموعات العديدة من الأدلة تبين بما لا يدع مجالاً لأي شك منطقي أن الله كانت له يد في هذه الأحداث. ولكن الملحدون يحتاجون لقدر من الإيمان أكبر بكثير لرفض النبوات، وشهادة شهود العيان، واستعداد شهود العيان أن يتألموا ويموتوا، ونشأة الكنيسة المسيحية، وشهادة سائر الكُتَّاب التي تدعم الأحداث، ونتائج الأبحاث الأثرية، وغير ذلك من الأدلة التي سنفحصها لاحقاً.
والآن يحتمل أن هذه النقاط الثلاث أثارت في ذهنك بعض الأسئلة والاعتراضات. من المفترض أن يحدث ذلك؛ لأننا تركنا الكثير من التفاصيل التي سنشرحها على صفحات هذا الكتاب. ولكن ما يهمنا الآن أن تفهم ما نقصده بقولنا إن كل منظور للحياة، بما في ذلك المنظور الإلحادي، يتطلب قدراً من الإيمان.
وحتي المتشككين لديهم إيمان. فهم يؤمنون أن الشك صحيح. وبالمثل اللاأدريون يؤمنون أن اللاأدرية صحيحة. فالمعتقدات لا مكان فيها للمواقف الحيادية. وهو ما عبر عنه “فيليپ چونسون “ Phillip Johnson ببراعة فائقة عندما قال:”من يزعم أنه يشك في مجموعة معينة من المعتقدات هو في الواقع مؤمن حقيقي بمجموعة أخرى من المعتقدات”.
أي أن الملحد الذي يتشكك في المسيحية بطبيعة الحال هو في الواقع يؤمن إيماناً حقيقياً بالإلحاد. وكما سنرى، إن كان الملحد أميناً أمام ما يعرض له من أدلة، فهو يحتاج لمقدار من الإيمان للاحتفاظ بمعتقداته الإلحادية يفوق بمراحل ما يحتاج إليه المسيحي من إيمان للاحتفاظ بمعتقداته.
اكتشاف سطح العلبة
نزعم وجود ادلة قوية تؤيد المسيحية. فكيف سنتقدم في هذه الأدلة؟ منذ حوالي سنة 1996 ذهبنا سوياً إلى مناطق عديدة لإدارة حلقة نقاشية بعنوان “الاثنتا عشرة نقطة التي تثبت صحة المسيحية”“ The Twelve Points Show Christianity Is True‘‘ True Points Show Christianity ثبت صحة المسيحية‘‘ ’’ لإدارة حلقة نقاشية تثبت صحة المسيحيةقيقي بمجموعة أخرى من المعتقدات‘‘. لكن “.
وفي هذه الحلقة ننطلق من مسألة” الحق” ثم نتقدم منطقياً في المناقشة حتى نصل إلى الاستنتاج بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله. وهذا الكتاب يتبع بوجه عام ذلك المنهج المنطقي ذا النقاط الاثنتي عشرة:
الحق المتعلق بالواقع، أو حقيقة الواقع، أمر قابل للمعرفة.
عكس الحق هو الخطإ.
وجود إله خالق حافظ حق. وهو ما يستدل عليه من:
أ) بداية الكون(الحجة الكونيةCosmological Argument )
ب) تصميم الكون (الحجة الغائيةTeleological Argument/ المبدأ الإنساني Anthropic Principle)
ج) تصميم الحياة(الحجة الغائية)
د) القانون الأخلاقي(الحجة الأخلاقية Moral Argument)
إن كان الله موجود،إذن المعجزات ممكنة.
يمكن استخدام المعجزات لتأكيد رسالة من الله(أي باعتبارها أعمالاً إلهية تؤكد كلام الله).
العهد الجديد يتمتع بالمصداقية التاريخية. وهو ما يستدل عليه من:
أ) الشهادة الأولى
ب) شهادة شهود العيان
ج) الشهادة غير المفبركة(الصادقة)
د) شهود العيان الذين لم يكونوا مخدوعين
العهد الجديد يقول إن يسوع زعم أنه الله.
زعم يسوع أنه الله تأكد معجزياً بما يلي:
أ) تحقيقه للكثير من النبوات المختصة به
ب) حياته الخالية من الخطية وأعماله المعجزية
ج) تنبؤه بقيامته وإتمامه لها
إذن يسوع هو الله.
كل ما يعلمه يسوع(الذي هو الله)حق.
يسوع علم أن الكتاب المقدس كلمة الله.
إذن القول بأن الكتاب المقدس كلمة الله هو حق(وكل ما يتعارض مع الكتاب خطأ)
وقبل أن نبدأ في تقديم هذا المنهج الفكري، يرجى ملاحظة خمس نقاط:
أولاً: نحن لا نقول إن النقاط سالفة الذكر صحيحة في ذاتها. ولكن معظم هذه النقاط فرضيات يجب تعليلها بالأدلة. فمثلاً النقطة الثالثة تزعم أن “وجود إله خالق حافظ حق”. وذلك الزعم ليس حقاً لمجرد أننا نقول إنه حق. ولكن ينبغي دعمه بأدلة مقنعة، وبأسباب منطقية وجيهة. وسوف نقدم تلك الأسباب المنطقية عندما نصل إلى تلك النقطة في الكتاب.
ثانياً: لاحظ أننا ننطلق من نقطة شك كامل. أي أننا نبدأ مع شخص يقول إنه حتى لايؤمن بالحق. وينبغي أن نبدأ من هذه النقطة لأنه إن كانت النظرية السائدة في كثير من الثقافة صحيحة، ألا وهي أنه لا يوجد حق، إذن لا يمكن أن يكون حقاً القول بوجود إله خالق حافظ، أو كلمة حقيقة من ذلك الإله. ولكن إن كان الحق موجوداً، وهذا الحق يمكن معرفته، إذن يمكننا أن نتقدم نحو فحص الحق المتعلق بوجود الله وما يلي ذلك من نقاط (مثل إمكانية المعجزات، والمصداقية التاريخية للعهد الجديد، وهلم جراً).
ثالثاً: إن كان هذا المنهج الفكري سليماً(وهو افتراض كبير سيحاول هذا الكتاب إثباته)، فهو يثبت حتما خطأ ما تقوله الديانات الأخرى فيما تختلف فيه مع ما يقوله الكتاب المقدس.(وهو ما يبدو غروراً وكبرياء غير عادي، ولكننا سنتناول ذلك لاحقاً). ولكنه لا يعني أن كل الديانات الأخرى خاطئة تمامً أو أنها خالية من أي حق. فكل الديانات تقريباً تحوي شيئاً من الحق.
ولكن كل ما نقوله إنه إن كان الكتاب المقدس صحيحاً، إذن أي زعم بعينه يتناقض مع الكتاب المقدس لا بد أن يكون خاطئاً. فمثلاً، إن كان الكتاب المقدس صحيحاً، وهو يقول بوجود إله يتجاوز الكون وقد خلق الكون ويحفظه(الإيمان بالله الخالق الحافظ)، عندئذ فإن أي زعم ينكر الإيمان بالله الخالق الحافظ(مثل الإلحاد) لا بد أن يكون خاطئاً.
وبالمثل، إن كان الكتاب المقدس صحيحاً، وهو يزعم أن يسوع قام من الأموات، إذن إنكار تلك الحقيقة(في أي دين) لا بد أن يكون خاطئاً. (بالمناسبة، العكس أيضاً صحيح. فإن تبين بالدليل أن الزعم الآخر صحيح، إذن الكتاب المقدس مخطئ في ذلك).
رابعاً: إننا نقدم أدلة على المسيحية لأننا يجب أن نعيش حياتنا بناء على الحق. وقد قال سقراط ذات مرة إن الحياة التي لا تفحص لا تستحق أن تعاش. ونحن نري أن الإيمان الذي لا يفحص لا يستحق أن يصدق. وخلافاً للرأي الشائع، ليس مطلوباً من المسيحيين أن” يؤمنوا فحسب”. ولكن المسيحيين مأمورون أن يعرفوا ما يؤمنون به ولماذا يؤمنون به.
وهم مأمورون أن يقدموا إجابات لمن يسألهم (1بط15:3)، وأن يهدموا الحجج المضادة للإيمان المسيحي (2كو4:10-5). وبما أن الله منطقي (إش 18:1) ويريدنا أن نستخدم عقولنا، فهو لا يكافئ المسيحيين على غبائهم. بل إن استخدام العقل يمثل جزءاً من الوصية العظمى التي تقول: ((تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك)) (مت37:22) كما علم يسوع.
وأخيراً، غالباً ما نسأل:” إن كان للمسيحية الكثير من الأدلة المؤيدة، فلماذا لا يصدقها عدد أكبر من الأشخاص؟” وإجابتنا: رغم أننا نعتقد أن الأدلة التي سنقدمها بعد قليل تبين أن الكتاب المقدس صحيح بما يتجاوز أي شك منطقي، فالأدلة مهما كثرت لا يمكنها أن تجبر أي شخص على تصديقها. وذلك لأن التصديق يتطلب لا موافقة العقل فحسب، بل موافقة الإرادة أيضاً.
ورغم أن الكثير من غير المسيحيين لديهم أسئلة فكرية صادقة، فقد اكتشفنا أن أعدداً أكثر من هولاء تقاوم المسيحية إرادياً. أي أن المشكلة لا تكمن في قلة الأدلة، بل في أنهم لا يريدون أن يصدقوا. ويمثل الملحد العظيم “فردريك نيتشه” Friedrich Nietzsche نموذجاً على هذا النوع من الأشخاص. فقد كتب: “إن أثبت لنا أحدهم وجود إله المسيحيين هذا، يجب أن نصير أقل قدرة على الإيمان به”؛ وقال أيضاً:”إننا نرفض المسيحية بناءً على استحساناتنا، لا بناءً على الحجج المنطقية”.
وهكذا يتضح أن عدم إيمان “نيتشه” كان مبنياً على إرادته لا على فكره فقط. وعند هذه النقطة قد يعكس المتشكك الحجة ويزعم أن المسيحي هو من يريد أن يؤمن. صحيح، الكثير من المسيحيين لا يؤمنون إلا لأنهم يريدون أن يؤمنوا، ولا يمكنهم تعليل إيمانهم بالأدلة. ولكنهم يؤمنون ببساطة أن الكتاب المقدس صحيح. إلا أن إراداتهم أن يكون الشيء صحيحاً لا تجعله صحيحاً.
ولكننا نقول إن الكثير من غير المسيحيين يفعلون الشيء نفسه: يقفزون “قفزة إيمان عمياء” تتمثل في أن معتقداتهم غير المسيحية صحيحة لمجرد أنهم يريدونها صحيحة. وفي الفصول القدامة سنلقي نظرة فاحصة على الأدلة لنرى أي الفريقين عليه أن يقفز قفزة أكبر.
الكلمات المبرزة بالخط الأسود العريض في كل الآيات الكتابية المذكورة في هذا الكتاب من إضافة الكاتبين.
وعندئذ قد يتساءل المتشكك: “ولكن لماذا يريد أي شخص أن تكون المسيحية خاطئة؟ ما الذي يجعل أي شخص لا يريد هبة الغفران المجانية؟” سؤال وجيه، ولكننا نعتقد أن الإجابة تكمن في العوامل الإدراية التي لمسناها فيما سبق. أي أن الكثيرين يعتقدون أن قبول حق المسيحية يتطلب منهم تغيير تفكيرهم، أو أصدقائهم، أو أولوياتهم، أو أسلوب حياتهم، أو أخلاقهم، وهم لا يريدون أن يتنازلوا عن السيطرة على حياتهم بإجراء تلك التغييرات.
فهم يرون أن الحياة أسهل وأكثر إمتاعاً دون هذه التغييرات. وربما يدركون أنه في حين أن المسيحية تتمحور حول الغفران، فهي تتمحور أيضاً حول إنكار النفس وحمل الصليب. فالواقع أن المسيحية مجانية، ولكنها قد تكلفك حياتك.
هناك فرق بين إثبات فرضية وقبول فرضية. فقد يمكننا أن نثبت صحة المسيحية بما لا يرقى إليه أي شك منطقي، ولكن أنت فقط من تستطيع أن تختار قبولها. نرجو منك أن تفكر في هذا السؤال لتعرف إن كنت منفتحاً على قبولها: إن تمكن أحدهم من تقديم إجابات منطقية على أهم ما لديك من أسئلة واعتراضات بشأن المسيحية، منطقية إلى الحد الذي تبدو معه المسيحية صحيحة بما لايدع مجالاً للشك المنطقي، هل ستصبح مسيحياً؟ فكر في ذلك دقيقة.
إن كانت إجابتك الصادقة هي لا، إذن مقاومتك للمسيحية نفسية أو رإرادية، ولا تقتصر على المقاومة الفكرية. وما من أدلة مهما بلغت كثرتها يمكنها أن تقنعك، لأن الأدلة ليست هي العائق، ولكنك أنت العائق. وفي النهاية، أنت وحدك من يعرف إن كنت بالفعل منفتحاً على الأدلة المؤيدة للمسيحية.
ومن مظاهر جمال خليقة الله هو أنه: إن لم ترد أن تقبل المسيحية، لك الحرية أن ترفضها. وحرية الاختيار هذه التي تجعلنا مخلوقات أخلاقية وتمكن كلاً منا أن يختار مصيره النهائي. وهو ما يلمس غرض وجودنا في الصميم، ويفسر سبب عدم وضوح الله في كشفه عن ذاته لنا بالقدر الذي يتمناه البعض منا. لأنه إن كان الكتاب المقدس صحيحاً، إذن فالله أتاح لكل منا فرصة لاتخاذ قرار أبدي إما بقبوله أو برفضه.
ولكي يضمن أن اختيارنا حر بحق، يضعنا في بيئة زاخرة بأدلة وجوده، ولكن دون حضوره المباشر، وهو حضور شديد القوة حتى إنه يمكن أن يطغى على حريتنا، ومن ثم يلغي قدرتنا على رفضه. أي أن الله قدم أدلة في هذه الحياة كافية لإقناع أي شخص يريد أن يصدق، إلا أنه ترك أيضاً شيئاً من الغموض حتى لا يجبر من لا يريد. وهكذا يتيح الله الفرصة لنا أن نحبه أو أن نرفضه دون أن ينتهك حريتنا.
والحقيقة أن غرض هذه الحياة هو أن نتخذ هذا القرار الحر دون قسر. لأن الحب بطبيعته لا بد أن يعطى مجاناً. ولا يمكن الحصول عليه عنوةً. ولذلك كتب”سي.إس.لويس” C.S.Lewis: “إن طبيعة مخطط [الله] تمنعه من استخدام سلاحين، ألا وهما: ما يستعصي على المقاومة وما يستعصي على الشك.
فمجرد إبطال الإرادة البشرية (الذي لا بد أن يحدث إن شعر الإنسان بأقل وأخف درجة من درجات حضور الله) عديم الفائدة لله. فهو لا يستطيع أن يجبر ويغتصب. ولكنه يستطيع فقط أن يبهر ويجذب”.
ونتمنى أن ما سنقدمه من أدلة في هذا الكتاب يجذبك، ولو بقدر قليل، إلى الله. ولكن ضع في حسبانك أنها ليست أدلتنا، ولكنها أدلته. وكل ما نفعله أننا نجمعها معاً في نسق منطقي. ونحن نقصد من استخدام قصص وتشبيهات واقعية قدر المستطاع أن نقدم كتاباً سلساً ومنطقياً سهلاً مفهوماً.
الملخص والخلاصة
كما رأينا، يمكن فحص الكثير من المزاعم الدينية بشأن الحق وتحديد معقوليتها. وبما أن كل الاستنتاجات المختصة بهذه المزاعم تقوم على الاحتمالات أكثر ما تقوم على اليقين المطلق، إذن جميعها، بما فيها المزاعم الإلحادية، تتطلب قدراً من الإيمان. وبدراستنا للأدلة في الفصول التالية، سنرى أن استنتاجات من قبيل: “الله موجود” أو” الكتاب المقدس صحيح” استنتاجات مؤكدة بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي. إذن تصديق ما هو بخلاف المسيحية يتطلب إيماناً يفوق بكثير ما يتطلبه تصديق المسيحية.
إلا أننا نقر أيضاً أن الأدلة وحدها لا تستطيع أن تقنع شخصاً أن يصبح مسيحياً. ولكن بعض الملحدين وغير المسيحيين قد يرفضون المسيحية لا لقلة الأدلة، ولكن لأنهم لا يريدون أن يقبلوها. فالبعض يفضلون أن يحجزوا الحق عن أن يعيشوا به. والحقيقة أننا نحن البشر لدينا ميل قاتل نحو محاولة تكييف الحق على رغباتنا بدلاً من تكييف رغباتنا على الحق.
ولكن مهلاً، أليس من بديل ثالث؟ ما المانع من أن نظل لاأدريين مثل أستاذ العهد القديم المذكور في بداية الفصل؟ قال إنه لا يعلم إن كان الله موجود. قد يعتقد البعض إنه شخص منفتح العقل. ربما. ولكن الفرق شاسع بين انفتاح العقل وفراغ العقل. ففي ضوء الأدلة نعتقد أن اللاأدرية قرار بأن تكون فارغ العقل. فمهما كان أليس الغرض من انفتاح العقل أن نتمكن من التعرف على الحق عندما نصادفه؟ نعم.
إذن ماذا يجب أن نفعل عندما نجد من الأدلة ما يكفي لإرشادنا إلى الحق؟ فمثلاً، ماذا يجب أن نفعل عندما نرى أدلة لا يرقى إليها الشك المنطقي على أن چورچ واشنطن كان أول رؤساء الولايات المتحدة؟ هل يجب أن نظل “منفتحي العقل” بخصوص أول رئيس للولايات المتحدة؟ لا، لأننا في هذه الحالة نكون فارغي العقل. فبعض الأسئلة أغلقت وحسمت. وسنرى أن الأدلة المتعلقة بالمسيحية كافية للتوصل إلى استنتاج مؤكد منطقياً.
وكما أشار”مورتيمر آدلر”، أن استنتاجنا بشأن الله يؤثر على كل جوانب حياتنا. فهو مفتاح العثور على الوحدة والتنوع ومعنى الحياة النهائي. إنه حقاً أهم سؤال ينبغي على كل إنسان أن يجيب عنه. ولحسن الحظ، إن كان منطقنا صحيحاً، سنكتشف سطح علبة لغز الحياة في نهاية رحلتنا. فلنخطُ أول خطوة في تلك الرحلة. وهي تبدأ بمسألة الحق.
هل الله موجود؟ لغز الحياة والحصول على الصورة الكاملة
يسأل النقاد: ما معنى أن الإنسان خُلِق على صورة الله؟ وما هي صورة الله في الإنسان؟
ويتساءل ليوتاكسل بتهكم: “إن الله صنع الإنسان على صورته ومثاله”. إذاً ما الذي يميز التصوُّر اليهودي والمسيحي لله عن تصوُّر الديانات الأخرى له، الديانات التي “وصمتها” المسيحيًّة بالوثنية؟ فالرومان الذين أخذوا معتقداتهم من الإغريق، لم يتصوَّروا الآلهة إلَّا في صورة بشرية، الأمر الذي يرغمنا على القول: ليس الله هو الذي صنع الإنسان على صورته ومثاله، بل الإنسان هو الذي تخيل الآلهة على صورته ومثاله”.
وللإجابة على هذه الأسئلة أقول:
بكل تأكيد عندما قال الله: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا» لم يكن يقصد الصورة الخارجية لأننا نؤمن أن الله روح وليس جسد، غير محدود، أزلي أبدي، فنقرأ:
والسؤال: ما معنى أن الإنسان مخلوق على صورة الله؟ وما هي صورة الله في الإنسان؟
*عندما نقرأ قصة الخلق نجد أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي خُلِق على صورة الله. ونجد أن الله بعد أن خلق الكون وكل ما فيه، خلق الإنسان وأبدع في صنعه، وجعله تاجاً للخليقة وسيداً لها. ونجد الله عند خلق سائر المخلوقات كان يستخدم ضمير المفرد الغائب فيقول مثلاً: «لِيَكُنْ نُورٌ»، «لِيَكُنْ جَلَدٌ فِي وَسَطِ الْمِيَاهِ. وَلْيَكُنْ فَاصِلاً بَيْنَ مِيَاهٍ وَمِيَاهٍ»، «لِتَجْتَمِعِ الْمِيَاهُ …. وَلْتَظْهَرِ الْيَابِسَةُ»، «لِتُنْبِتِ الأَرْضُ عُشْبًا …»، «لِتَكُنْ أَنْوَارٌ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ .. » .. الخ.
أما عن خلق الإنسان فإنه استخدم ضمير المتكلم الجمع فقال: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا» (تك1: 26). وكأن الثالوث يتحاور في كيفية صنع الإنسان. بل ومن يقرأ بتدقيق يرى أنه في نهاية كل يوم يذكر الوحي “وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ”، ولكننا نقرأ في نهاية اليوم السادس بعد أن خلق الله الإنسان “وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا”.
*إن الكلمة العبرية ” صُورَتِنَا” هي (صَلم) وقد وردت في العهد القديم 17 مرة، وتعني (representative، resemblance) “يمثلنا، يعبر عنا، شبهنا، مثلنا”.
ولذلك ترد آيتنا في بعض الترجمات الإنجليزية كالتالي:
(CEB) “Let us make humanity in our image to resemble us.
وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإنسان على صُورَتِنَا ليمثلنا.
(MSG) “Let us make human beings in our image, make them reflecting our nature.
وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإنسان على صُورَتِنَا ليعكس طبيعتنا.
لذلك يقول القديس توما الأكويني عن صورة الله في الإنسان إنها القدرات الروحية في الإنسان، ومنها القدرة على التفكير، ويراها أوريجانوس النفس البشرية الخالدة، وهناك من يرى أنها القدرة على إقامة علاقات مع الله ومع الناس ومع الكائنات البشرية كلها. فالإنسان هو الكائن الوحيد من كل مخلوقات الله الذي له القدرة على إقامة العلاقات.
ولاشك أننا لا يمكن أن نحصر صورة الله في الإنسان في عدة صفات محددة، فالله غير محدود وصفاته غير محدودة ولاشك في أن الله وضع في الإنسان العقل المفكر والإرادة الحرة والضمير الحساس والقدرة على الإبداع والإبتكار، والقدرة على التعلم المستمر والتواصل مع الآخرين، والمشاعر والعواطف والأحاسيس… الخ.
إن الفعل (وجَبَلَ) يعني صور أو شكل (formed) والفعل يشير إلى أمرين هما المهارة، والسلطان. فالله بمهارته الفائقة وسلطانه المُطلق صوّرنا وشكّلنا في أجمل صورة.
والفعل (نَفَخَ) (breathed) يعني قُبله تحمل معنى عطاء النفس والذات، وتدل على علاقة شخصية حارة، فالله أعطى نفسه للإنسان، أعطى حياته، وهذا يُذكّرنا بما جاء في (يو20: 22) بعد قيامة المسيح نفخ في التلاميذ وقال لهم اقبلوا الروح القدس، إنها النعمة الميية للخليقة الجديدة.
وكلمة (نَسَمَةَ) تعني العطية الإلهية التي تميز الإنسان عن الحيوان.
وقال الرسول بولس: “لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ” (اف2: 10). وكلمة عمله في أصلها اليوناني تعني “مجده أو شِعرَهُ”، بمعنى نحن عمل رائع من إبداع الخالق. منظومة جميلة وليس مجرد عملاً عادياً، نحن لسنا مجرد أعداد في قطيعن وكننا أفراد متميزون عنده فهو يدعو خرافه الخاصة بأسماء، يقول لكل واحد منا: “دَعَوْتُكَ بِاسْمِكَ. أَنْتَ لِي” (إش43: 1). ولا يقول إله الآباء بل إله إبراهيم وإسحق ويعقوب.
أخيراً أقول:
الإنسان مخلوق على صورته أي لديه قدرة على التواصل، فنحن خُلقنا لنكون في شركة مع الله ذاته، ومع الآخرين.
الإنسان مخلوق على صورة الله أي يمكنه أن يعيش حياة القداسة، البر، والطهارة.
وهذا يتحقق من خلال قبولنا لعمل الله الفدائي في المسيح يسوع فنلبس الإنسان الجديد بدل الذي تشوه بسبب الخطية “وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ” (أف4:24).
الإنسان مخلوق على صورة الله لذا هو خالد وأبدي، هو الكائن الوحيد الذي لن تنتهي حياته بنهاية عمره على الأرض كباقي الخلائق ” فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ” (في3 :20). “جَعَلَ الأَبَدِيَّةَ فِي قَلْبِهِمِ” (جا3: 11).
الإنسان مخلوق على صورة الله أي له مشاعر وأحاسيس فهو يحب، ويفرح، ويحزن، ويغضب، ويتضايق، لذا يجب ألا ننكر مشاعرنا أن نكبتها، بل نعبر عنها، نروضها، ونضبطها أيضاً “وَكُلُّ مَنْ يُجَاهِدُ يَضْبُطُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ” (1كو9: 27).
الإنسان مخلوق على صورة الله اي له إرادة حرة والله ذاته يحترم ذلك ولا يرغمنا على شيء حتى عبادته أو تبعيته.
الإنسان مخلوق على صورة الله وهذا معناه إمتياز ومسؤولية فهو المخلوق الوحيد الذي كلفه الله برعاية باقي المخلوقات ” وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا” (تك2: 15)، كما أنه مسول أن يمجد الله على الأرض بأن يعكس صفاته وطبيعته ألا وهي الحب.
عزيزي القارئ: إن الحيوان ليس له دور يلعبه في هذا الكون، بينما الإنسان هو الذي يصنع الأحداث ويلعب الأدوار. الإنسان هو الذي جعل للذهب قيمة، وإن أراد يمكن أن ينزعها منها. فهو لا يحتل المكانة الأولى وسط الموجودات فقط بل هو الذي يمنحها المراتب والدرجات، وهو سيدها، والمتسلط عليها.
الإنسان أقام مزارع الدجاج والأغنام والأبقار وسمًنها ليذبحها وياكلها وهي جاهلة بذلك. ليس للكون قيمة بدون الإنسان. تخيّل أنك دخلت قرية أو مدينة بلا سكان سترتعب وتخاف إذ لا فرق بينها وبين الصحراء أو الغابات، أو المدافن.
في الكلمة الختامية لمجمع الفاتيكان الثاني التي ألقاها البابا بولس السادس قال: “نحن نؤمن بالإنسان”. ما أروع هذه العبارة!! هل تؤمن بنفسك وبقدراتك التي أودعها الله فيك؟ هل أنت تعكس صورته؟ هل أنت وكيل أمين على خليقته؟ هل تؤمن أن كل إنسان مخلوق على صورته؟ هل تتعامل مع كل إنسان باحترام شديد لنه مخلوق على صورة الله؟
بالعودة إلى العام 1896، أقدمرئيس جامعة كورنل Cornell University، أندرو دكسون وايت Andrew Dickson white على نشر كتاب تحت عنوان “تاريخ الحرب الدائرة بين العلم واللاهوت ضمن العالم المسيحي” A History of the warfare of science and theology in Christendom.1 ومنذ ذلك الحين، انتشر على نطاق واسع خلال النصف الأول من القرن العشرين، اعتماد الإستعارة “الحرب” في إطار وصف العلاقة ما بين العلم والإيمان المسيحي. وهكذا بات الرأي المهيمن ضمن مجتمعنا، حتى بين أوساط المسيحيين، أن العلم والمسيحية ليسا بحليفين في معرض البحث عن الحقيقة، بل يشكلان بالحري خصمين. لتوضيح هذا الأمر، كنت قد وافقت لسنوات خلت على المشاركة في حوار مع أحد فلاسفة العلم في جامعة سايمون فرايزر Simon Fraser في فانكوفر Vancouver، حول مسألة: “هل يعتبر كل من العلم والدين أن لا صلة لأحدهما بالآخر؟” لكن، لدى دخولي حرم الجامعة، وجدت كيف أن معشر التلامذة المسيحيين الراعين لهذا الحوار، كانوا قد روجوا له بواسطة أعلام وملصقات ضخمة تحمل العبارة “العلم مقابل المسيحية”. هؤلاء التلامذة المسيحيون، كانوا في الواقع يؤيدون هذا الصنف عينه من ذهنية الحرب التي كان أندرودكسون وايت قد أعلنها قبل قبل مئات السنين.
هل العلم والمسيحية حليفان أم خصمان؟
لكن، ما حصل في الواقع خلال النصف الثاني من القرن العشرين، هو أن مؤرخي وفلاسفة العلم، باتوا يُدركون كيف أن هذا التاريخ المفترض من الحرب، هو مجرد أسطورة. وكما يبين تشارلز ثاكستون Charles Thaxton مع نانسي بيرسي Nancy Pearcey في كتابهما “نفس العلم” The Soul of Science2 فإن العلاقة القائمة بين العلم والدين، أفضل ما يمكن وصفها هو بالتحالف، وذلك على طول الفترة التي زادت عن الثلاث مئة سنة، والممتدة بين نشوء العلم الحديث في القرن السادس عشر وأواخر القرن التاسع عشر. والآن بات يُعتبر كتاب وايت white كدُعابة سيئة، وكدعاية مشوهة منحازة إلى جانب واحد. ولا يُوتى على ذكرها اليوم إلا كمثال عما كيف لا ينبغي تناول تاريخ العلم.
يعترف الآن مؤرخو العلوم بالدور الأساسي الذي لعبه الإيمان المسيحي على صعيد تطور العلوم الحديثة وقدمها. فالعلوم ليست شيئا طبيعيا على الجنس البشري. وكما أكدت الكاتبة العلمية لورين آيزلي Loren Eiseley، بأن العلوم هي “مؤسسة ثقافية مبتكرة” تتطلب “تربة فريدة” حتى تزدهر فيها.3 العلوم الحديثة لم تنشأ في الشرق ولا في أفريقيا، بل في الحضارة الغربية. لماذا؟ هذا يعود إلى المساهمة الفريدة للإيمان المسيحي في تشكيل الثقافة الغربية. وكما تصرح آيزلي: “العالم المسيحي هو المسؤول عن إنشاء المنهج التجريبي للعلوم نفسها The Scientific Method، وعن عرضها بأسلوب واضح ومعبر.”4
المسيحية، وعلى نقيض الديانات الشرقية والأديان الشعبية. لا تنظر الى الكون على أنه إلهي أو مسكون بالأرواح، بل كونه النتاج الطبيعي لخالق متعال قام بتصميمه وإيجاده. وهكذا، فإن العالم هو مكان عقلاني مفتوح أمام محاولات الإستكشاف والإكتشاف. حتى أواخرالقرن التاسع عشر. كان العلماء عادة من المؤمنين المسيحيين الذين لايرون أي تعارض بين علومهم وإيمانهم – رجال مثال كبلر kepler وبويل Boyle وماكسويل Maxwell وفاراداي Faraday وكلفن Kelvin وغيرهم. أما فكرة وجود حرب بين العلوم والذين، فهي اختراع حديث العهد نسبيا تم في أواخر القرن التاسع عشر، وهي أيضا أسطورة غذاها بحذرالمفكرون العلمانيون الذين كان هدفهم تقويخى هيمنة الثقافة المسيحية والاستعاضة عنها بالمذهب الطبيعي Naturalism، الذي يقول إنه لا يوجد شيء حقيقي خارج الطبيعة، وإن الطريقة الوحيدة لاكتشاف الحقيقة هي من خلال العلوم. لقد نجحوا بشكل ملحوظ في دفع الكثيرين إلى قبول فكرتهم هذه.
ولكن، أدرك فلاسفة العلوم خلال النصف الثاني من القرن العشرين، أن المؤسسة العلمية بأكلمها تستند إلى افتراضات لا يمكن إثباتها علميا، إنما تضمنها النظرة المسيحية إلى العالم. مثلا، قوانين المنطق، والتنظيم الطبيعي للعالم الخارجي، موثوقية قدراتنا المعرفية على إدراك العالم، وصحة الاستدلال الاستقرائي، وموضوعية القيم الأخلاقية المستخدمة في العلوم. وأريد أن أوكد أن العلوم لا يمكن أن توجد بمعزل عن هذه الافتراضات، هذا مع كون هذه الافتراضات لا يمكن إثباتها علمياً. إنها افتراضات فلسفية، وما يثيرالإنتباه كونها تشكل جزءا لا يتجزأ من وجهة النظر المسيحية إلى العالم. وهكذا نجد أن اللاهوت هو حليف للطوم على نحو يقدم إطارا فكريا حيث يمكن للعلوم أن تتواجد. والأكثر من ذلك أن الدين المسيحي هو الذي قدم تاريخيا الإطار الفكري الذي ولدت فيه العلوم الحديثة وترعرعت.
وهكذا، نحن نعيش الآن في عصر من الاهتمام المتجدد في العلاقات بين العلوم واللاهوت المسيحي. في الواقع، قام في أمريكا الشمالية وأوروبا خلال الربع الأخير من القرن العشرين، حوار مزدهر بين العلم واللاهوت. كما ظهر العديد من الجمعيات لتعزيز هذا الحوار: الجمعية الأوربية لدراسة العلوم واللاهوت European Society for the study of Science and Theology، ومنتدى العلوم والدين Science and Religion Forum، ومركز علم اللاهوت والعلوم الطبيعية Center for Theology and Natural Science. وغيرها وغيرها. كذلك تكتسب أهمية خاصة المؤتمرات المنعقدة برعاية مركز اللاهوت والعلوم الطبيعية ومرصد الفاتيكان Vatican Observatory، حيث يتداول بعض العلماء البارزين من أمثال ستيفن هوكينج Stephen Hawking وبول ديفيز Paul Davies حول موضوع تاثير العلوم الطبيعية في علم اللاهوت مع لاهوتيين بارزين هثل جون يولكينفهورن John Polkinghorne وولوفهارت بننبرغ Wolfhart Pannenberg. هناك مجلآت متخصصة في مجال الحوار بين العلوم والدين مثل “زايغون” (Zygon) و”وجهات نظر حول العلوم والإيمان المسيحي” Perspectives on Science and Christian Faith، ولكن الأهم من ذلك هي المجلات العلمانية مثل “الطبيعة” Nature و”المجلة البريطانية لفلسفة العلوم” British Journal for the Philosophy of Science، التي تنشر أيضا مقالات تتعلق بالتأثيرالمتبادل بين العلوم واللاهوت. لقد أصبح الحوار بين العلوم واللاهوت هاماً جداً في أيامنا هذه، حتى إن كلا من جامعة كامبردج Cambridge University وجامعة أكسفورد Oxford University قاما بإنشاء دوائر اختصاص في مجال العلوم واللاهوت. أقول كل هذا ببساطة لمواجهة الأسطورة الثقافية المتأصلة في الجهل، ويقابلها معظم العلماء اليوم بالرفض، والتي مفادها أن كلا من العلم والإيمان المسيحي هما في صلب طبيعتهما متخاصمان، بدلا من كونهما حليفين في السعي في إثرالحقيقة.
كيف ينبغي أن تكون عليه علاقة اللاهوت بالعلوم؟
الإجابات ءن هذا السؤال الذي لطالما دارت حوله نقاشات تقسم الباحثين إلى فئتين: أولئك النين يصرون على عدم وجود أي تعارض بين العلوم واللاهوت، وأولئك الذين يرون أن وجود مثل هذا التعارض معكن. ينبغي أن يحذر المسيحيون من الإسراع إلى قبول الإجابة السهلة للفريق الأول. فإنه لمن المغري جدا للمؤمنين المتدينين أن يحاولوا تجنب المشكلة برمتها من خلال إصرارهم على أن العلوم والدين لا يمكنهما البتة أن يتعارضا، فلماذا القلق بشأن ذلك؟ ولكن هذه الإجابة يعكن أن تكون غير مقبولة حين ندرسها عن قرب. فالذي يختار الإجابة الأولى يجب أن يتبني إما نظرية الحق المزدوج Double-Truth Theory، أي إنه يمكن لأمر ما أن يكون غير صحيح علمياً، ولكنه صحيح لاهوتيا. وإما أن يتبنى نظرية التكامل Complementarianism وهو الإعتقاد أن العلم واللاهوت هما نطاقان غير متداخلين (العلم يقدم لنا الحقائق فيما اللاهوت يعطينا القيمة والمعنى). لكن نظرية الحق المزدوج هي غير متماسكة، لأن هناك حقا موضوعياً يتعلق بالطريقة التي يتكون منها الواقع. (والقول “لا توجد حقيقة موضوعية” يؤكد بحد بذاته وجود حقيقة موضوعية، وهو بذلك يدحض ذاته بذاته!) ولكن إن كانت هناك حقيقة موضوعية تختص بحالة العالم، فإنه لا معنى للإصرار، على سبيل المثال، على ان الكون من الزاوية العلمية هو أبدي وغير مخلوق، وأنه، ومع ذلك، من وجهة نظر لاهوتية، هو أيضا مخلوق وله بداية.
أما بالنسبة لنظرية التكامل، هذا النهج الشائع، فإنه غالبا ما يكون حجابا رقيقا لتجاهل الإدعاءات الدينية عن الحقيقة، كما هو واضح في تصريح فريمان دايسون Freeman Dyson الذي لا يخلو من الوقاحة، “في نهاية المطاف، العلم يختص بالأشياء، واللاهوت يختص بالكلمات.” لكن نظرية التكامل غير مقبولة أيضا لأن الإيمان المسيحي يدلي بتصريحات تاريخية، والتاريخ، على صعيد نظرية المعرفة، هوعلى قدم المساواة مع العلوم، كما هو واضح لا سيما في العلوم التاريخية مثل علم المتحجرات وعلم الكونيات. لذلك لا يمكن للمرء أن يتجنب احتمال وجود الحقانق المتضاربة في العلوم والدين. لا يمكن إنكار أن هذا الأمر يسبب إحراجا للعقيدة المسيحية، لأنه يضع الحق المسيحي على المحن. ولكنه أيضا يجعل المسيحية ديانة رائعة، لأن الكون عينه الذي يجعل الصراع بين العلوم والدين ممكنا، هو أيضا يتيح الإمكانية للتحقق من صحة الحقائق اللاهوتية المسيحية.
كيف تصف العلوم الحديثة الكون؟
سس يي سنو (C. P. Snow) في مقالته الشهيرة “الثفافتان The Two Cultures ” رثى كون معظم الناس. الذين يعيشون في عصر علمي ويتمتعون يوميا بفوائد العلوم الحديثة، لا يزالون يجهلون ما تعلمه العلوم عن الكون.٦ مع أن معظمنا قد درس مادة العلوم خلال كل من المرحلتين الابتدائية والثانوية، فإن قلة منا فقط تستطيع أن تصف، ولو بطريقة بدائية، صورة الكون التي ترسمها العلوم الحديثة. ولكن قبل أن نفهم نظرة العلوم المعاصرة للكون، سيكون من المستحيل علينا الربط بين لاهوتنا وبين العلوم الحديثة، حتى نصل إلى وجهة نظر موحده للكون لذلك، وبالاستعانة بفيكتور ويسكوبف Victor Weisskopf7، اسمحوا لي بأن أبسط ملامح النظرة العلمية الحديثة للعالم كما تطورت تاريخيا:
توحيد علم الميكانيكا الفضائي والأرضي: إن قوانين الطبيعة نفسها تسيطرعلى جميع أنحاء الكون.
وجود الأنواع الذرية: أي إن كل مادة هي نتيجة دمج نحو مئة نوع من الذرات المختلفة.
الحرارة كحركة عشوائية: أي إن الحرارة هي ناتجة من حركة الجسيمات المادية، وليست هي مادة في حذ ذاتها.
توحيد الكهرباء والمغناطيسية والبصريات: أي إن هذه كلها تجليات للحقل الكهرومغناطيسي.
تطور أنواع الكائنات الحية: نشأت الحياة والتعقيد البيولوجي كما وصفتهما التركيبة الداروينية الحديثة.
نظرية النسبية: المكان والزمان موحدان ضمن أربعة أبعاد مكانية وزمنية، يتوافق انحناؤهما مع الحقول الجاذبية.
نظرية الكم: هناك حدود على مستوى ما تحت الذري للمفاهيم الكلاسيكية مثل الموقع وقوة الدفع، وذلك بسبب ظاهرة اللإبهام السببي.
البيولوجيا الجزيئية: إن اكتشاف جزئية الحمض النووي. كشف الشفيرة الوراثية المسؤولة عن تطور الكائنات الحية.
“سلم” الكم: النظم المادية تتبع ترتيباً هرمياً بحيث كلما صغر النظام، ازدادت بذلك الطاقة المعبأة فيه. وبهذا نكشف سر الطاقة النووية
التوسع في الكون: إن للكون تاريخاً تطورياً كان قد بدأ في الإنفجار الكبير.
بعض الأسئلة الهامة من منطلق علم الدفاعيات المسيحية، تنشأ حول الكثير من هذه المجالات. المسيحيون المنتبهون، ولا سيما القادة بينهم، هم في حاجة أن يفهموا بعض الشيء عن هذه القضايا، وأن يكونوا على استعداد لتقديم وجهة نظر عنها، وعلى إرشاد المستفسرين إلى الموارد المناسبة للحصول على المزيد من الإجابات المتعمقة. هناك، للأسف، العديد من القضايا للمناقشة، كما أن المواضيع واسعة جداً، غير أنه ليس بوسعنا تناولها إلا بطريقة سطحية ضمن المساحة المخصصة هنا. ولذلك، اخترت التطرق بأختصار إلى أربعة مجالات فقط للتفاعل الدائر الآن بين اللاهوت المسيحي والعلوم.
من أين أتى الكون؟
النقطة العاشرة من ملامح النظرة العلمية إلى العالم، تثير مسألة أصول الكون. هذا هو السؤال الجوهري المتعلق بالخلق: من أين أتى الكون؟ ولماذا هو موجود؟ الكتاب المقدس يبدأ بعبارة: “في البدء خلق الله السماوات والأرض” وهكذا يعلمنا الكتاب المقدس أن الكون كان له بداية. وهو لا يعلم أن هذه البداية كانت حديثة العهد. هذا استنتاج خاطئ مبني على جمع سني حياة شخصيات متنوعة من العهد القديم. لكن سلاسل النسب في العهد القديم، لا ترمي إلى تسجيل كل جيل. وفي كل الأحوال، فإن مثل هذا الحساب يعيدنا فقط إلى زمن خلق الحياة على الأرض (تكوين ١: ٢) وليس إلى أصل هذا الكون (تكوين ١: ١) منذ العصور القديمة وحتى القرن العشرين، عقيدة الكتاب المقنس بأن الكون كان له بداية، كانت مرفوضة لدى الفلسفة اليونانية والإلحاد الحديث. وعلى الرغم من هذا، لقد صمدت الكنيسة بثبات في تأكيدها على أن خلق الكون حصل في زمان محند ومن العدم.
ثم في عام ١٩٢٩، حدث شيء ينذر بالخطر. اكتشف أحد العلماء ويدعى ادوين هابل Edwin Hubble أن الضوء المنبعث من المجرات البعيدة هو، على ما يبدو، أشد احمرارا مما يجب. الخلاصة المذهلة التي توصل إليها هابل هي أن الضوء هو أشد احمرارا لأن الكون هو في حالة تمدد دائم؛ إنه يتوسع! وبذلك، يتأثر الضوء الصادر عن المجرات، لأنها تتحرك بعيدا عنا.
هذا هو الجزء المثير في هذا الأمر: لم يُظهرهابل فقط أن الكون آخذ في التوسع، لكن هذا التوسع يحصل بالمقدار نفسه في جميع الاتجاهات. لتوضيح هذا الأمر، تخيل بالونا مع أزرار ملصقة عليه. على قدر ما تنفخ البالون، تبتعد الأزرار أكثر فأكثر بعضها عن بعض، على الرغم من كونها مثبتة في مكانها. هذه الأزرار هي أشبه بالمجرات في الفضاء. كلما توسع الفضاء، راحت جميع المجرات فى الكون تزداد بُعدا بعضها عن بعض.
والمعنى الضمني المذهل هو أنه كلما رجعنا إلى الوراء في الزمن، كانت الأشياء كلها أقرب مما هي عليه الآن. في نهاية المطاف، عند نقطة ما في الماضي المحدود، كان الكون المعروف كله مقلص إلى نقطة حسابية، يسميها العلماء “تفرد”، والتي انطلاقا منها تم التوسع منذ ذلك الحين. على قدر ما نرجع أكثر فأكثر إلى الماضي، يصبح الكون بذلك أكثر كثافة، بحيث يبلغ في النهاية نقطة كثافة لامتناهية، منها بدأ الكون في التوسع. هذا الحدث الأولي بات يعرف باسم “الإنفجار الكبير”.
هذا الحدث الذي شهد بداية الكون، يزيدنا ذهولا عندما نتذكر حقيقة أن لا شيء كان موجودا قبل ذلك. لا شيء كان قائما قبل “التفرد”، لأنه يقع على حافة المكان والزمان الماديين. ولذلك فهو يشكل الأصل، ليس لكل أشكال المادة والطاقة فحسب، بل أيضا للمكان والزمان الماديين. لاحظ عالما الفيزياء جون ب اروJohn Barrow وفرانك تييلر Frank Tipler التالي: “انطلاقا من هذا التفرد، المكان والزمان دخلا إلى حيز الوجود إذ حرفيا، لا شيء كان موجودا قبل التفرد. لذلك، إذا كان الكون قد نشأ من التفرد، سيكون لدينا حقا خلق من لا شيء.”8
مثل هذا الاستنتاج يثير القلق العميق عند كل من يفكر فيه. فإنه ثمة سؤال لا يمكن تجاهله: تُرى، لماذا الكون موجود بدلا من اللاشيء؟ لا يمكن وجود أي سبب طبيعي أو مادي لحدث الإنفجار الكبير لأنه، وبحسب تعبير الفيلسوف كوينتن سميث Quentin Smith، “من الزاوية التحليلية. يأتي في صلب مفهوم التفرد الكوني أنه لم يحصل نتيجة أية أحداث مادية سابقة. فتعريف التفرد… يستتبع أنه من المستحيل تمديد الزمن والمكان مرات عدة إلى ما بعد حدود التفرد… وهذا يستبعد فكرة كون التفرد قد حصل تحت تأثير عملية طبيعية سابقة.”9 السير آرثر إدينغتون Arthur Eddington وفي معرض تأمله في بداية الكون، رأى أن توسع الكون حصل بشكل غير معقول ولا يصدق حتى “إني أشعر بالسخط الشديد إن أقدم على تصديقه أحد سواي.”10 وفى النهاية، وجد نفسه مجبرا على استخلاص، “البداية، كما يبدو، لم تخل من صعوبات لا يمكن التغلب عليها ما لم نتفق على اعتبار أنها حصلت بشكل خارق للطبيعة.”11
انزعج بعض الناس من فكرة أن الكون، على ما يبدو، نشأ من لا شيء. لذا، حاولوا إيجاد سبل لتجنب التفرد الحاصل واستعادة أبدية الكون. ولكن من دون جدوى. كان تاريخ علم الكونيات في القرن العشرين، تاريخ التزوير المتكرر لمثل هذه النظريات غير القياسية، مع السعي لتثبيت نظرية الإنفجار الكبير.12 لقد كان هناك إجماع داخل المجتمع العلمي على أن أيا من هذه النظريات البديلة، لم يكن ليسموعلى نظرية الإنفجار الكبير. وقد ثبت مرارا وتكرارا بين النماذج التي تهدف إلى تجنب النموذج القياسي لحصول بداية للكون في المطلق، كما ثبت أن هذه النمانج البديلة إما أنها لم تكن لتصمد أمام الفحص والانتقاد، وإما لا تنفي وجود بداية للكون. على سبيل المثال في بعض هذه النظريات مثل “الكون المتأرجح” (الذي يبقى يتوسع ويتقلص إلى الأبد)، أو “كون التضخم الفوضوي” (الذي يولد باستمرار الأكوان الجديدة)، لئن بدا مستقبلها لامتناهياً، فإن لها ماضياً محددا. هناك أيضا النظريات التي ترتكز على تقلبات فراغ الكون (والتي تفترض وجود فراغ أبدي منه نشأ كوننا)، لا يمكنها أن تفسر لماذا، إذا كان الفراغ أبديا، لسنا نشهد كوناً قديماً بشكل لامتناه. كانت هذه النماذج لا تزال تظهر في الصحافة الشعبية، لكن جرى التخلي عنها من قبل معظم العلماء اليوم.
واحدة من المحاولات الأخيرة الأكثر شهرة لتجنب حصول التفرد في البدء، تاتي من ستيفن هوكينغ Stephen Hawking من خلال نظريته حول جاذبية الكم٠ التي لقيت قدراً كبيراً من الاهتمام في الصحافة الشعبية من خلال كتابه الأكثر مبيعاً تحت عنوان “موجز تاريخ الزمن” A Brief History of Time يلحظ هوكينغ في نظريته. أن الماضي هو محدود لكن ليس لديه أية نقطة بداية أو حافة. هوكينج لا يمانع على الإطلاق في استخراج انعكاسات لاهوتية من نموذجه. يكتب: “الكون لن يكون له بداية أو نهاية، ولن يكون قابلاً للخلق أو للدمار، وفي هذه الحال. أي مكان يبقى بعد لوجود خالق؟”13
بالنسبة إلى النين يحطون من قدر الخلق، وللأسف، لا يمكن لنمونج هوكينج أن يقدم وصفاً واقعياً للكون. يكفي أن نذكر نقطة واحدة فقط: يفترض هوكينج أن الكون موجود في وقت وهمي بدلا من الوقت الحقيقي. وهذا يعني أن هوكينج يستخدم في معادلاته أرقاما خيالية للدلالة على الوقت، أرقام مثل √-١. والمشكلة هي أن أمثال هذه الأرقام هي أدوات حسابية أو حيل، ليس لها معنى مادي. وفي تاريخ قديم. يرجع إلى العام ١٩٢٠ تقصى إدينغتون Eddington ما وصفه “بحيلة” استخدام ارقام خيالية لعامل الوقت، لكنه اعتبر أن “لا فائدة تُرجى” من الإنعكاسات المترتبة على ذلك، لأنه قال: “هذا لا يتعدى كونه مجرد أداة تحليلية.”١٤ لقد رأى أن الوقت الخيالي هو مجرد أداة توضيحية، والتي لا تتوافق بالتأكيد مع أي واقع مادي.”15
واللافت أن هوكينغ في أحدث كتاب له تحت عنوان “طبيعة المكان والزمان” The Nature of Space and Time (1996)، يعترف بهذا الأمر إذ يقول “النظرية العادية هي مجرد نموذج حسابي، ولا معنى للسؤال عما إذا كان هذا النموذج مطابقا للواقع… أما جُل اهتمامي هو أن تُنبئ هذه النظرية بنتائج القياسات.”16 لكن، إن كان هذا كل ما تفعله نظرية هوكينغ. فإنه من الواضح انها لا تُلغي وجود بداية حقيقية للكون أو الحاجة إلى الخالق. إنها وبكل بساطة، وسيلة حسابية لإعادة وصف الكون، الذي كان قد بدأ بموجب عملية تفرد، بشكل يسهو عن الحديث عن أي تفرد. وفي كل الأحوال فإن نظرية هوكينغ، لدى تفسيرها واقعياً لا تزال تدين بفكرة الأصل المطلق للكون، حتى لو لم يبدأ الكون بالتفرد كما هي الحال في النظرية القياسية المتعلقة بالإنفجار الكبير.١٧ نموذجه يفتقر إلى نقطة البداية، لكنه لا يلحظ سوى ماض محدود، وبالتالي أصل مطلق. وهوكينج نفسه يلخص المسألة على الشكل التالي: “الجميع تقريبا يعتقدون الآن أن الكون والزمن نفسه، كانا قد بدأا مع الإنفجار الكبير”18
وذظراً للانعكاسات اللاهوتية الواضحة التي تترتب على نشوء الكون من لا شيء، يُمكننا أن نتوقع ظهور نظريات بديلة لنموذج الإنفجار الكبير، والتي تحاول أن تثبت نظرية الكون الأبدي. بول ستينهاردتPaul Steinhardt من جامعة برينستون Princeton لقي في الآونة الأخيرة قدرا كبيراً من التغطية في الصحافة الشعبية لنموذجه الجديد عن العملية الدورية لخراب العالم، ومن ثم إعادة تكوينه. Cyclical Ekpyrotic Model of the Universe.١٩ هذه البدائل المقترحة يجب أن تكون موضع ترحيب على أن يتم تقييمها في ضوء الأدلة، لأنه إذا استمر نمط إحباط هذه البدائل، فإن هذا من شأنه إعطاء تأييد أوسع لنموذج الإنفجار الكبير مع ما يلحظه من وجود بداية مطلقة للكون، كما أنه سيُكسبه مصداقية أكبر. الأدلة المتراكمة قد دعمت باستمرار فكرة خلق الكون هن لا شيء. وذلك بالرغم من الميل السائد عند الكثيرين إلى رفض ذلك ج. م. ورسينجر M. Wersinger، أستاذ الفيزياء في جامعة أوبورن Auburn يصزح بهذه الملاحظات:
في البداية، كان المجتمع العلمي متردداً جداً في تقيل فكره ولادة الكون.
نمونج الإنفجارالكبيرء على ما يبدو. يُذعن للفكرة اليهودية المسيحية عن بداية العالم، كما يظهر عليه أنه يدعو إلى
حصول فعل خلق خارق…
استغرق الأمر وقنا، ريثما نجحت أدلة الرصد والتحقق بعناية من التوقعات التي أدلى بها نمونج الإنفجار الكبير، لإقناع المجتمع العلمي بقبول فكرة نشأة الكون.
…الإنفجار الكبير هو نموذج ناجح للغاية، استطاع أن يفرض نفسه على جماعة علمية مترددة.20
وهكذا تمكن العلم، وضد كل التوقعات، أن يُثبت ما كان قد صرح به الكتاب المقدس عن الكون.
ماذا نقصد بقولنا إن الكون مظبط بشكل دقيق جداً؟
وجود الكون، لا يضمن بطبيعة الحال أن تكون الحياة فيه ممكنة ظن العلماء في وقت من الأوقات أنه مهما كانت عليه الظروف الأولية للكون، فإنه سيطور في نهاية المطاف مجمل أشكال الحياة المعقدة التي نراها اليوم، كما هو مذكور في النقطة الخامسة من معالم النظرة العلمية الى العالم (راجع صفحة ٦٦). إلا أن واحداً من أحدث الاكتشافات المتعلقة بأصل الحياة وتطورها، أظهرت الضبط الدقيق لكوننا هذا منذ لحظة حصول الإنفجار الكبير بشكل يسمح بنشوء الحياة في اي مكان في العالم. وخلال الثلاثين عاما الماضية أو نحو نلك، ذهل العلماء حيال القدر العظيم من التعقيد والدقة، التي كان يجب أن تتسم بها الظروف الأولية للكون حتى تظهر فيه الحياة. ومن ثم تتطور. في مختلف مجالات الفيزياء، والفيزياء الفلكية وعلم الكونيات الكلاسيكية، وميكانيكا الكم. والكيمياء الحيوية. أعلنت الاكتشافات مرارا، أن وجود حياة يعتمد على توازن دقيق من الثوابت الفيزيائية والكميات. وفي حال تغيرت هذه قليلا. سيسقط التوازن والحياة لن تكون موجودة. حقا، في كثير من الحالات، لن يكون هناك وجود للنجوم والكواكب، ولا حتى للكيمياء، ولا حتى للمادة الذرية نفسها، ناهيك عن الحياة البيولوجية. وفي الواقع يبدو أن الكون قد تم تنظيمه بدقة لا تُستقصى، منذ لحظة إنشائه، ما يسمح بوجود حياة ذكية فيه.
على سبيل المثال، إن أي تغيير في قوة الجاذبية أو القوة الكهرومغناطيسية بنسبة جزء واحد فقط من 10 40، كان سيحول دون وجود نجوم مثل شمسنا. ما يجعل الحياة مستحيلة. كما أن كل نقصان أو زيادة في سرعة التمدد بنسبة جزء واحد فقط من مليون مليون عندما كانت حرارة الكون تبلغ 10 10 درجة، كان من شأنه جعل الكون منذ فترة طويلة يتخذ من جديد شكل كرة نارية ساخنة، أو كان سيمنع المجرات من التكثيف. وفي كلتا الحالتين، يصبح من المستحيل وجود الحياة. إن ما يُعرف بالثابت الكوني، والضروري جدا لتطوير كوننا، يجب أن تبقى دقته فائقة بشكل لا يوصف، إذ نسبتها جزء واحد من 10 53 حتى يكون هناك حياة في الكون. هذا ليس سوى غيض من فيض لجهة الثوابت والكميات التي يجب ضبطها بكل دقة، لكي يتسنى للحياة أن تظهر في الكون.
لايلزم ضبط كل كمية بمفردها وحسب، بل على الكميات المتفرقة أن تتبع نسبا محددة حيال بعضها بعضا. وبالتالي. الحالة هنا ليست أشبه بجميع ألعاب الروليت في مونتي كارلو حيث دوران العجلات يعطي في نهاية المطاف المجموعة المعينة نفسها من الأرقام، بل هي أشبه بجميع ألعاب الروليت في مونتي كارلو حيث دوران العجلات يعطي في نهاية المطاف المجموعة المعينة من الأرقام، على أن تتبع هذه الأرقام أيضا نسبا معينة حيال بعضها بعضا. على سبيل المثال، يجب أن يكون الرقم الظاهرعلى عجلة ما. سبع مرات أكبر من الرقم الظاهر على عجلة أخرى وثلث الرقم على عجلة أخرى. لذا، من غير المحتمل أبداً، بأي شكل من الأشكال، وجود كون قابل للحياة.
كيف ينبغي لنا إدراك مفهوم احتمال وجود كون صالح للحياة؟ جون بارو John Barrow وهو فيزيائي بريطاني، يعطينا فكرة حول هذاالأمر.21 هو يدعونا إلى وضع نقطة حمراء على قطعة من الورق على اعتبار انها تمثل عالمنا. والآن غير بعض الشروط الأولية قيد أنملة، فتحصل بذلك على كون مختلف. إذ كان يصلح للحياة، ضع نقطة حمراء وإن كان لا يسمح بوجود الحياة فيه. ضع نقطة زرقاء. إفعل هذا مرارا وتكرارا. حتى تمتلئ الورقة بالنقاط. هل تعرف ما ستحصل عليه أخيراً؟ أجل، سيرتسم أمامك بحر من النقاط الزرقاء مع قليل فقط من النقاط الحمراء. بهذا المعنى، يمكن القول عن حق إن وجود كون يسمح بالحياة هو أمر غير محتمل حصوله بشكل لا يُصدق.
في بعض الأحيان، سوف يقول الناس: “نعم، كوننا من غير المحتمل وجوده. ولكن أي كون آخر، من غير المحتمل وجوده أيضاً. فالأمر أشبه بالربح في اليانصيب. فإنه من غيرالمحتمل أن يربح شخص محدد، ولكن لابد أن يربح الجائزة شخص ما.” هذا الاعتراض يساعد على إبراز حقيقة أن ليس مجرد الاحتمال هو موضوع البحث، بل بالحري الاحتمال المحدد. الكلام ليس عن مدى احتمال وجود هذا الكون أو ذاك، ولكن الأمر يتعلق بكون يصلح لوجود الحياه عليه. وبالتالي، فإذ التشابه الجزئي الصحيح يفترض حصول يانصيب فيه مليار مليار مليار كرة سوداء جرى خلطها مع كرة واحدة بيضاء. وأنت نجهت إليك الدعوة لكي تتقنم وأنت معصوب العينين وتختار كرة واحدة. وفي حين أن كل كرة تتساوى مع جميع الكرات الأخري في نسبة احتمال انتقائها، لكن الحظوظ كاسحة بأن تأتي الكرة التي تختارها سوداء، لا بيضاء. ولتكميل هذا التشابه الجزئي، تخيل الآن أن حياتك تعتمد على اختيارالكرة البيضاء وإلا تعرضت للقتل! إ إذا مددت يدك، وأنت معصوب العينين، إلى ذلك العدد الهائل من الكرات السوداء، واكتشفت أنك قد سحبت الكرة الوحيدة البيضاء، فلك الحق عندئذ أن تشكك في صحة الأمرعلى اعتبار أنه لا يخلو من الغش والتزوير وإذا كنت لا تزال مرتاباً، تصور أنك تحتاج، لكي تتفادى الموت، أن تنجح في فعل ذلك ثلاث مرات على التوالي. إن الاحتمالات في هذه الحالة لن تكون مختلفة كثيراً، ولكن ستكون مجنوناً إذا اعتقدت أنك قد أنجزت هذا من طريق الصدفة.
ماذا تعني فرضية وجود “عوالم متعددة”؟
المدافعون عن الصدفة كبديل، أصبحوا الآن مرغمين على تبني نظرية غير عادية: فرضية وجود “عوالم متعددة” ووفقا لهذه الفرضية، كوننا هو مجرد جزء واحد من مجموعة أكبر من الأكوان، وكلها أكوان حقيقية، وقائمة فعلاً، لا أكواناً محتملة فقط. ولضمان إمكانية ظهور، في مكان ما من الكون. من طريق الصدفة، عالم منظم بكل دقة حتى يصلح للحياة، فإنه يشترط كذلك أن يكون هناك عدد لا حصر له من العوالم ضمن المجموعة (حتى تتحقق كل إمكانية أواحتمال)، وأن تكون الثوابت الفيزيائية والكميات مرتبة عشوائيا (حتى لا تكون هذه العوالم مماثلة على حد سواء). وهكذا. في مكان ما من مجموعة العوالم هذه. سوف يظهر من طريق الصدفة وحدها، بعض العوالم المنظمة بدقة كعالمنا. وينبغي ألا نتفاجأ لدى مراقبة رؤية أوضاع دقيقة كهذه، ذلك لأن المراقبين مثلنا لا وجود لهم إلأ في تلك الأكوان المضبوطة بدقة.
يأتي شعور بعض العلماء الموقرين بضرورة اللجوء إلى فرضية غير عادية نات طابع ماورائي، ليؤكد أهمية تقديم تفسير لظاهرة وجود نظام دقيق في الكون. في الآونة الأخيرة. أعلن بول ديفيز Paul Davies أن قضية وجود تصميم في الكون، تصمد أو تسقط في ضوء صحة وجود عوالم متعددة.
فماذا يُمكن أن يُقال عن هذه الفرضية؟ أولا، يتعين علينا إدراك كيف أنها ليست علمية أكثر من فرضية “المصمم الكوني”، ولا هي اقل ماوراثية منها. وكما يقول العالم واللاهوتي جون بولكينغهورن John Polkinghorne: “الناس يحاولون تمرير قصة “العوالم المتعددة” باعتمادهم تعابير ومصطلحات علمية زائفة، ولكن هذا هو العلم الملفق. فاحتمال وجود عدة عوالم تحكم فيها قوانين وظروف مختلفة، ليس سوى مجرد تخمين ما ورائي.”23 فرضية العوالم الكثيرة كفرضية الماورائية، بالإمكان برهان كونها أدنى من فرضية التصميم، ذلك لأن فرضية التصميم هي أبسط. ووفقاً للمبدإ المعروف باسم شفرة أكهام Ockham’s Razor، ينبغي عدم مضاعفة الأسباب فوق ما هو ضروري لتفسير النتيجة. فالتسليم بوجود مصمم كوني لتفسير عالمنا، يبقى أبسط من التسليم بوجود مجموعة لا محدودة من العوالم المستنبطة والمصنعة، والتي تتطلب ها فرضية عوالم كثيرة. لذا، يجب تفضيل فرضية التصميم.
ثانيا، لا توجد طريقة معروفة لتوليد مجموعة من العوالم. ولم يتمكن أحد من تفسير كيف أو لماذا وجدت هذه المجموعة المتنوعة من الأكوان. إلى ذلك، فإذ المحاولات التي بُذلت تتطلب هي نفسها ضبطا دقيقاً. على سبيل المثال، مع أن بعض علماء الكون يستندون إلى ما يُسمى نظريات تضخم الكون لإنشاء مجموعة عوالم، يبقى النمونج التضخمي الوحيد المتماسك هو نظرية لينده Linde عن التضخم المرتبط بالفوضى، وهذه أيضاً تتطلب ضبطا دقيقاً لبدء التضخم.
ثالثاً، فرضية العوالم الكثيرة تواجه تحدياً شديدا من نظرية “النشوء والإرتقاء البيولوجي”، التي تشكل أحد معالم النظرة العلمية إلى الأمور. أولا، لنذكر شيئاً عن خلفية الأحداث: اقترح خلال القرن التاسع عشر، الفيزيائي الألماني لودفيغ بولتزمان Ludwig Boltzman ما هو أشبه بغرضية وجود عوالم عدة، وذلك لتفسير لماذا لا نجد الكون يقبع في حالة من “موت الحرارة” أو توازن الديناميكا الحرارية، حيث تكون الطاقة موزعة بالتساوي في جميع أنحاء الكون25 بولتزمان افترض أن الكون ككل موجود في الواقع، في حالة من التوازن، ولكن مع مرور الوقت، قد تحدث التقلبات في مستوى الطاقة هنا وهناك في كل انحاء الكون، وقد يظهر الخلل في التوازن من قبيل الصدفة فقط في بعض المناطق المعزولة. وأشار بولتزمان إلى هذه المناطق المعزولة بالعبارة “العوالم” وينبغي ألا نتفاجأ من رؤية عالمنا في حالة من عدم التوازن هذه لأن من جملة العوالم، لابد من وجود، من قبيل الصدفة وحدها، بعض العوالم التي تشهد خللاً في توازنها. وقد شاءت الصدف أن يكون عالمنا من هذا الصنف.
المشكلة مع فرضية بولتزمان التي يتجرأ فيها التحدث عن عدة عوالم. هو أنه إذا كان عالمنا هو مجرد تقلب في بحر من الطاقة المنتشرة. فالإحتمالات في هذه الحالة تكون كاسحة برؤية منطقة خلل أصغر بكثير مما نشهده الآن. وحتى يُكتب لنا نحن الوجود. فإذ تقلبا أصغر واحدا، كالذي أنتج عالمنا على الفور بفعل وقوع حادث ضخم، هو أكثر احتمالا بما لا يُقاس، من الإنخفاض التدريجي لعامل الإذتروبيا في إطار تشكيل العالم الذي نراه. وفي الواقع، فإن فرضية بولتزمان، إذا تم اعتمادها، تجبرنا على النظر إلى الماضي. كشيء وهمي لا يملك سوى عمر ظاهري وفيه النجوم والكواكب وهمية. وهذا النوع من العالم، حيث النجوم تبدو مجرد “صور” يبقى احتمال وجوده أكبر بكثير، من عالم شهد في الماضي السحيق أحداثا حقيقية حصلت في الزمان والمكان. وذك نظراً لحالة التوازن العام الذي سادته. لذا، كان هناك إجماع ضمن الجماعة العلمية على رفض فرضية بولتزمان القائلة بوجود عوالم عدة. كما أن ظاهرة اختلال التوازن الراهنة. تُعتبر عادة مجرد نتيجة لوجود النسبة المنخفضة من الإنتروبيا، هذا الواقع الغامض الذي ساد الكون في بدايته.
ثمة مشكلة موازية أخرى تبرز لدى التسليم بفرضية وجود عوالم عدة لتفسير ظاهرة الدقة في التنظيم التي يعرفها عالمنا. فوفقا للنظرية السائدة عن التطور البيولوجي، الحياة الذكية كالتي نتمتع بها نحن البشر، وفي حال تطويرها. كانت لتحصل في أكثر وقت متأخر قدر الإمكان من عمر الشمس. فكلما قلت الفترة الزمنية المُتاحة لحصول عمليات التحول الجيني والانتقاء الطبيعي، انخفضت من جراء ذلك احتمالات خضوع الحياة الذكية لعامل التطور. ونظراً لمدى التعقيد الذي يسود الكيان البشري، فإن احتمالات تطور الكائنات البشرية في وقت متأخر من حياة الشمس، هي أكبر بكثير وبشكل كاسح، من إمكانية حصول ذلك في وقت مبكر. لذا، إن كان عالمنا هو مجرد جزء من مجموعة كونية، فاحتمالات وجود شمس قديمة العهد جدا، تكون أكبر بكثير وعلى نحو ساحق، من شمس فتية نسبيا عمرها بضعة ملايين من السنين. وفي حال جئنا نتيجة عملية تطور بيولوجي. يجب أن نجد أنفسنا داخل عالم حيث تطورنا خلال وقت لاحق من عمر نجمنا. وفي الواقع، إن تبني فرضية وجود عوالم عدة للتوصل إلى تفسير يحاول تجاوز ظاهرة الدقة في النظام، إنما يؤدي بنا إلى صنف غريب من الوهم. الاحتمالات كبيرة جدا بان نكون مخطئين في تقديراتنا الفلكية والجيولوجية والبيولوجية. والتي تشير إلى عمر فتي نسبيا، وبأن وجودنا يرجع حقا إلى زمن لاحق من عمر الشمس، وبأن مظهر الصبا الذي يبدوعلى كل من الشمس والأرض، هو وهم عظيم يعد ضربا من الجنون من الزاوية العلمية. وبالتالي، إما نحن لسنا من نتاج الصدفة التي رافقت عملية التطور البيولوجي (وفي هذه الحال، من الضروري وجود تصميم.)، وإما وجودنا لم يحصل بالصدفة كجزء من مجموعة عالمية (وفي هذه الحال أيضا، من الضروري وجود تصميم). وفي كلتا الحالتين، يقودنا ذلك إلى شخص المصمم.
الفشل الذي مُنيت به فرضية وجود عدة عوالم، أسقط آخر حاجز حيال وجود تصميم وراء النظام الدقيق السائد في العالم. وفي ضوء عدم احتمال أن تكون الظروف الأولية مؤاتية ومناسبة لوجود الحياة. هذا الأمر الذي يبقى قصياً عن الإدراك، إنه لمن المنطق الاعتقاد، كما يصرح الكتاب المقنس، أن العناية الإلهية هي التي رتبت أن يحوي هذا العالم مقومات الحياة.
كيف نفسر ما هو الأصل لفعلي للحياة؟
ما يشهده الكون من نظام دقيق، يؤمن بعض المتطلبات الضرورية لوجود الحياة في أي مكان من الكون لكنه لا يضمن نشوء الحياة فعلاً في الكون. وبكلام آخر، فلئن كانت هذه الظروف المرتبة بشكل دقيق ضرورية للحياة، فإنها تبقى غير كافية. لذا، قد نسأل، إلام تدعوالحاجة بعد؟ وكيف نفسر ما هو الأصل الفعلي للحياة؟
لعلنا في معظمنا كنا قد تعلمنا في المدرسة كيف أن الحياة كانت قد بدأت في الأصل داخل ما نعرف باسم “الحساء الإساسي”، وذلك نتيجة تفاعلات كيمائية حصلت من طريق الصدفة. ففي وقت سابق يعود إلى زمن الخمسينيات من القرن العشرين، تمكن ستانلي ميلر Stanley Miller من الحصول على بعض الأحماض الأمينية بإرساله صدمات كهربائية داخل غاز الميثاين. صحيح أذ الأحماض الأمينية ليست حية، غير أن البروتينات تتكون من أحماض أمينية، مع العلم أذ هذه البروتينات موجودة داخل الكائنات الحية. هذه النتيجة أحيت الآمال بأن يكون بالمستطاع، بشكل من الأشكال، تفسير ما هو أصل الحياة.
بحسب الظاهر، إن هذا السيناريو لأصل الحياة، بدا غير محتمل حصوله في المطلق. وبحسب تقدير الثنائي فرد هويل Fred Hoyle وشاندرا وكراما سينغي Chandra Wickramasinghe، فإن حظوظ حصول معا، من طريق الصدفة، عشرة من أصل العشرين من الأحماض الأمينية (مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه المرحلة لا تعرف أي شكل من أشكال الانتقاء الطبيعي. وبالتالي يغيب عنها أي تطور كيميائي) من أجل تكوين أنزيمة واحدة. هي بنسبة 1 من 10. ونظرا لحجم محيطات الأرض ولتوافر بلايين السنين، ظناً أنه بالإمكان مواجهة أمر كهذا بعيد الاحتمال. لكنهما أشارا إلى وجود ألفي أنزيمة مختلفة مصنوعة من الأحماض الأمينية، على أن تتكون جميعها من طريق الصدفة. أما حظوظ حصول ذلك هو بنسبة نحو واحد من 10 40000 وهي نسبة “صغيرة جدا بشكل خيالي”. ما يحول دون حدوثها، “حتى ولو كان الكون بأسره قوامه الحساء العضوي.” 26 ولا يشكل هذا سوى البداية إذ يبقى أن تنشأ جزيئة “الدي إن أي” DNA من البروتينات إلى جانب الوحدات الوظيفية الأخرى المعقدة داخل الخلية. هذه المسائل، هي على درجة من التعقيد. تحول دون إمكانية تحديدها بأرقام.
إذا، نجد كيف أن سيناريو الحساء الأساسي، لم يحظ منذ البداية بالدعم اللازم. وبالنسبة إلى الشخص العادي، ما يفوته إدراكه أن السيناريوهات القديمة هذه عن “أصل الحياة”، قد تلاشت اليوم وتم التخلي عنها. وهذه النقطة. جرى توثيقها بشكل رائع ضمن الكتاب “لغز أصل الحياة” 27. The Mystery of Life’s Origin يشير مؤلفو الكتاب إلى عدم وجود على الأرجح، أي شيء من صنف الحساء الأساسي. ذلك لأن عمليات التخريب والتخفيف، كان من شأنها الحؤول دون حصول تلك العمليات الكيميائية المفترض فيها أن تكون قد أدت إلى نشوء الحياة. إلى ذلك، كان الظن في البداية أن بلايين السنوات كانت متاحة لكي تبدأ الحياة من طريق الصدفة. لكن عندنا الآن متحجرات لأصناف من الحياة كانت موجودة في زمن باكر جداً يرجع إلى ٣.٨ بليون سنة قبلا هذا يعنى أن “نافذة الفرصة” حيث كان يترقب على الحياة أن تبدأ من قبيل الصدفة، راحت توصد تدريجيا، ولم تعد تتعدى اليوم سوى نحو 25 مليون سنة، مع العلم أن هذه الفترة الزمنية هي أقصر من أن تصلح كمسرح لسناريوهات الصدفة. إلى ذلك، فإذ السيناريوهات الكيميائية المختصة باصل الحياة، تفرض أن يكون الغلاف الجوي للأرض في البداية، خاليا تقرييا من غاز الأكسجين؛ إلا أنه تتوافر أدلة توحي بأن الغلاف الجوي في البدء كان غنياً بالأكسجين. كذلك، لم يكن هناك سبيل للاحتفاظ بأي من نتاج التطور الكيميائي لصالح العملية الثانية المفترضة على صعيد التطور. فالعمليات التي كونتها. تعمل هي نفسها على تخريبها. كما أن الديناميكا الحرارية تعرض مشكلة يستحيل حلها، بالنسبة إلى سيناريوهات كهذه، لأنه ما من سبيل لاستخراج هذه الطاقة الخام من الطبيعة، من البرق مثلا أو من الشمس، لجعلها تدفع عملية التطورالكيميائي قُدما.
لأجل هذه الأسباب وغيرها، كل الدراسات المعنية بأصل الحياة، هي واقعة في مأزق. فكل النظريات القديمة سقطت وتلاشت. وذلك في غياب أية نظرية جديدة تدور في الأفق. يبدو أنه من غير المستطاع تفسير أصل الحياة على الأرض. ففي نظر فرانسس كريك Francis Crick إن أصل الحياة على الأرض، “يوشك أن يكون معجزة”28 هذه المعضلات دفعت بعض العلماء إلى الظن أن الحياة قد لا تكون قد بدأت على الأرض. لكنها نُقلت إليها في الأصل بواسحله نيازك وشهب صادرة عن كوكب آخر. لكن هذا الفكر هو بمثابة قفزه ترتكز على الإيمان البحت. ولا يساهم كثيرا في إيجاد حل للمشكلة، إذ تُرى كيف بدأت الحياة في مكان آخر؟ هذا الذمط من التفكير لا يجيب عن السؤال، بل حتى يجعل من المُحال إمكانية الإجابة عنه.
أحيانا يدعي بعضهم أن الحياة لابد لها أن تبدأ من قبيل الصدفة، في مكان ما من الكون (أو ربما الأكوان) الفسيح الذي لا حدود له، وذلك بمعزل عن طابع عدم الاحتمال الذي يلف ظهور الحياة. وفي الواقع، إن كان الكون غير محدود ولامتناهي، فالحياة في هذه الحال سوف توجد من قبيل الصدفة، في كل أرجاء الكون مرات عدة وبشكل غير محدود. لكن المشكلة التي تبرز هنا مع هذا النمط من التفكير، هو أنه يضاعف موارد الاحتمالات من دون مسوغ لذلك. وإن كان يحق لنا فعل ذلك. فسيكون بوسعنا التقليل من أهمية أي حدث غير محتمل. حتى يغدو التصرف العقلانى شيئا من المحال. ومهما بدا الأمر غير محتمل حدوثه، سيكون بوسعناً الحد من أهميته من خلال الزعم بأن حصوله ممكن في مكان ما من العالم الفسيح والمترامي الأطراف. لكن، هل بوسعك تخيل أن يدور الحوار التالي عند طاولة للعبة الهوكر داخل إحدى قاعات تكساس الغربية؟
“تكس Tex، أنت رجن وغد، مخاتل ومنافق! كل مرة فيها توزع أوراق اللعب، تحصل على أربع أوراق من فئة الآص (واحد)!”
“حسنا يا سليم Slim، أنا أعرف أن الأمر يبدو مريبا جدا، عندما أحصل على أوراق من فئة الآص لدى توزيعي الأوراق لكن عليك أن تفهم أن هنا في هذا الكون اللامتناهي، يوجد عدد لامتناه من ألعاب الهوكر الشبيهة بهذه والحاصلة في مكان ما. فالحظوظ كبيرة أن أتمكن في بعض منها من الحصول على أربع أوراق من فنة الآص، في كل مرة أوزع الورق. لذا، إطرح مسدسك جانبا ولازم الصمت وأكمل اللعب بالورق!”
والآن، إن كنت مكان سليم العجوز، هل ستتصرف بجهل وحماقة إذ تجلس وتواصل لعب اليوكر مع صديقك؟ بناء على هذا النمط من التحليل، ويا للعجب. لم يكن بإمكاننا قط إعطاء أي دليل على لامحدودية الكون ذلك لأن أي دليل على لامحدودية الكون يبقى بالإمكان التقليل من أهميته على اعتبار حصول ذلك من قبيل الصدفة داخل عالم فسيح بما فيه الكفاية (مع أنه لا يزال محدودا)، حتى يظهر الدليل من قبيل الصدفة فقط! إذا، الاعتراض ينقض ذاته بذاته في نهاية المطاف، ولا يمكن تثبيته منطقياً.
والآن، لا يفصح الكتاب المقنس عن الطريقة التي بها وُجدت الحياة. فهو يكتفي بالتصريح: “وقال الله لتنبت الأرض عشبا وبقلا يبزر بزرا وشجرا… لتفض المياه زحافات ذات نفس حية” (تكوين ١: ١١، ٢٠). فالكتاب المقدس ليس بكتاب علوم. وهو لا يخبرنا عن الوسائل، في حال وجودها، التي كان قد اعتمدها الله في معرض خلقه الحياة. إلا أن الدليل العلمي يتلاءم بكل تأكيد مع أصل وجود الحياة، والذي يُعد معجزة بحسب تعبير فرانسس كريك، أي حدثا خارقا للطبيعة، عمله الله. إذا، لا يوجد أي تناقض حول هذه المسألة بين الكتاب المقدس والعلم. بل في الواقع، إن صح التعبير. يبدو الدليل العلمي أوضح من الكتاب المقدس، في تصريحه بأن أصل الحياة، جاء نتيجة عمل معجزي أقدم عليه الله الخالق.
كم استغرقت أيام الخلق بحسب سفر التكوين؟
لنتوقف قليلا قبل استئناف بحثنا. عندنا منذ البداية عدم احتمال أن تكون الظروف الأولية التي سادت الكون مرتبة ومنظمة بشكل يسمح بأي وجود على الإطلاق للحياة في الكون. وفوق هذا. يجب إضافة عدم احتمال أن يكون الأصل الفعلي للحياة قد حصل على الأرض في بادئ عهدها. لكن حتى ولو صحت هاتان الحالتان، لا يوجد ما يضمن تطور الحياة إلى كائنات معقدة. لذا وفوق كل عدم الاحتمالات التي بحثناها قبلاً، علينا الان إضافة عدم احتمال أن يكون التعقيد البيولوجي قد حصل من طريق النشوء والارتقاء.
هذه المسألة، تختلف حولها آراء المسيحيين أنفسهم. فبعض المسيحيين يعتبرون أن سفر التكوين يصف بشكل حرفي، أسبوع خلق يتألف من ستة أيام. لكن يبدو لي أن سفر التكوين نفسه لا يخلو من بعض المؤشرات إلى إن أسبوعا من الخلق ليس ما هومقصود هنا. مثلآ، فاليوم السابع لايشكل بوضوح فترة زمنية قوامها أربع وعشرون ساعة، إنما يشير إلى سبت الراحة الألهية من الخلق، والمستمرة حتى يومنا هذا. نحن نعيش فى اليوم السابع. أما بشأن اليوم الثالث فنقرأ: “لتنبت الأرض عشبا وبقلا يبرز بزراً، وشجراً ذا ثمر يعمل ثمراً كجنسه، بزره فيه على الأرض وكان كذلك. فأخرجت الأرض عشباً وبقلا يبزر بزراً كجنسه، وشجراً يعمل ثمراً بزره فيه كجنسه. ورأى الله ذلك أنه حسن. وكان مساء وكان صباح يوماً ثالثا” (تكوين 1: 11-13). والآن نحن كلنا نعرف كم من الوقت تحتاج إليه أشجار التفاح مثلاً لكي تنمو وتزهر ومن ثم تثمر. وما لم نتخيل حصول هذا في إطار أسلوب التصوير الفوتوغرافي الذي يختصرالفترات بين الحدث والآخر، كما هي الحال في فيلم والت ديزني Walt Disney “الصحراء الحية” The Living Desert حيث المزروعات من الأرض لكي تنضج فوراً وتبدأ تزهر ثم تثمر. ففي هذه الحال. كان حصول ذلك قد استغرق أكثر من أربع وعشرين ساعة. وأنا أجد من الصعب الاعتقاد بأن كاتب التكوين أراد لقرائه تخيل تعاقب نشوء الأمور فجأة وبشكل متسارع كما يحصل لدى الإسراع في تقديم الفيلم إلى الأمام. ولنلاحظ كيف أنى ابني حجتي حول هذا الأمر من النص نفسه، وليس على أساس ما يصرح به العلم.
تاريخياً، لم يُقدم معظم اليهود والمسيحيين على تفسير الفصل الأول من التكوين على اعتبار أنه يشيرإلى فترات زمنية، كل واحدة منها قوامها أربع وعشرون ساعة. هذا ما يشيرأليه البروفسور اليهودي ناثان أفيازرNathan Aviezer ضمن كتابه الحديث العهد تحت عنوان “في البدء” In The Beginning 29 يستعين أفيازر بالعديد من الرابيين القدامى النين كاذوا قد انكبوا على دراسة التوراة والتلمود. وذلك لدعم فكرته. كذلك، باستطاعة أحدنا اقتباس بعض آباء الكنيسة الأولين من أمثال إيرينايوس، وأوريجانوس، وباسيليوس، وأغسطينوس. لبرهان الأمر عينه. أنا لست أنكر شرعية تفسير الفصل الأول من التكوين بشكل حرفي، لكن من غير الممكن الادعاء بأنه يمثل التفسير الأوحد الذي يسمح به النص، كما أنه لا يمثل المفهوم التاريخي له عند معظم اليهود والمسيحيين.
لكن، إن صح ذلك، لا يعود سفر التكوين يخبرنا تقريبا أي شيء عن الطريقة التي بها عمل الله النباتات والحيوانات. تُرى، هل خلقها من العدم؟ أم هل خلقها انطلاقاً من أشكال من الحياة كانت موجودة قبلا؟ وهل اعتمد نظام النشوء والارتقاء لصنعها بشكل تدريجي؟ هذه أسئلة علمية، لا يتناولها الكتاب المقدس. فالفكرة الرئيسة وراء رواية الخلق، هو إعلامنا أن الله هو خالق كل شيء في العالم فالشمس والقمر كما الحيوانات والنباتات ليست بآلهة، لكنها مجرد مخلوقات صنعها الله أما طريقة قيامه بذلك، فيبدو أنها تُركت مفتوحة.
هذا يعني ان المسيحي لديه الحرية للاتباع إلى حيث يقوده البرهان. ومن هذا القبيل فإن حالته بكل تأكيد تبدو أفضل من حالة عالم الطبيعيات. ذلك لأنه إن كان الله غير موجود، فالنشوء والارتقاء، يبقى الاحتمال الوحيد. عندئذ، من الضروري أن يصح النشوء والارتقاء، وذلك بمعزل عن مقدار عدم احتمال حصول هذا الأمر أو ذاك، أو عما تبينه الأدلة، وذلك في غياب أي شيء آخر خارج الطبيعة من شأنه إحداث تعقيد بيولوجي. إذا، ما يخلص إليه عالم الطبيعيات هو مقرر مسبقاً في ضوء فلسفته التي يدين بها، لا على أساس ما تشير إليه البراهين والأدلة.
كتاب فيليب جونسون Phillip Johnson “داروين أمام المحكمة” Darwin On Trial والذي ساعد على إطلاق حركة التصميم الذكي 30 Intelligent Design movement، يُظهر بوضوح الفكرة الرئيسية والتي مفادها أن الداروينية المستحدثة، ليست شيئا بالإمكان استخلاصه من البرهان، لكنها تُبنى وتتأسس على التزام فلسفي بعلم الطبيعيات. جونسون يسره التسليم بأن الداروينية تبقى أفضل نظرية مبنية على التيار الطبيعي لتفسير ظاهرة التعقيد البيولوجي. لكن، وبما أن جونسون ليس بعالم طبيعيات، فإنه يكتفي بالقول: “إذا ماذا؟ ما أبغي معرفته ليس ما هي أفضل نظرية مبنية على التيار الطبيعي، بل بالحري. أية نظرية هي صحيحة.” حجة جونسون هنا، هي أنه ما إن تُسقط من حساباتك فرضية أن كل ما في هذه الحياة مبني على قوانين طبيعية وليست روحية، حتى ينتفي بذلك كل دليل قاطع على كون الداروينية المستحدثة هي صحيحة.
ما يدعمه الدليل هو التطور الخفي Microevolution. أي إحداث التغييرات ضمن حدود. فحتى أكثر المحافظين بين الأصوليين يُجمعون على ذلك، بما أن كل الأعراق البشرية، في اعتقادهم. كانت قد تحدرت من زوجين وحيدين من السلاسة البشرية، هما ادم وحواء. من هنا فإن التغيير الحاصل ضمن أنواع معينة. ليس قط بالأمر المستهجن. نظرية الداروينية المستحدثة. تشغل قفزة عظيمة أو توسعاً من مفهوم التطور الخفي المقبول عند الجميع إلى التطور الكبير Macroevolution. لكن حفل العلوم، يشهد على أمثلة كثيرة حيث أخفق هذا الصنف من التوسع في المفاهيم. مثلأ، حاول اينستاين Einstein الانتقال من مبدئه الناجح الخاص بالنسبية إلى مبدإ عام للنسبية. لكنه بدا عاجزاً عن فعل ذلك. فالنظرية العامة المتعلقة بالنسبية، تعتمد اسما مغلوطاً، بما أنها في الواقع نظرية تتعلق بالجاذبية. ولا تنجح في جعل كل أشكال الحركة نسبية. كما كان يأمل اينشتاين. ومن هذا المنطلق عينه، يجدر بنا أن نسأل لماذا الظن بأن الانتقال من التطور الخفي والتوسع منه إلى التطور الكبير، هو أمر مشروع؟ عندما نُسقط التزامنا المنهجي بكل ما هو طبيعي، لماذا نعود ونفكر في كون الداروينية المستحدثة هي صحيحة؟
هل نظرية الداروينية الحديثة صحيحة؟
التساؤل حول مدى صحة نظرية الداروينية المستحدثة، يطرح مسألة هي أعمق مما يظن معظم الناس. إذ جزءا من المعضلة يكمن في الغموض الذي يكتنف العبارة النشوء والارتقاء إو التطور. والتي يُنظر إليها أحيانا على أنها “تغيير في الوقت”، الأمر الذي لا يختلف عليه أحد. من هنا ضرورة تخطي حدود اللفظة نفسها من أجل النظر إلى ما تنطوي عليه هذه النظرية فعلياً. ثمة معتقدان رثيسان تُبنى عليهما نظرية الداروينية المستحدثة حول التطور البيولوجي: أولآ، ما بوسعنا تسميته عقيدة سلسلة النسب المشتركة، وثانيا، عمليات التحولات الجينية والانتقاء الطبيعي.
بحسب سلسلة النسب المشتركة، فإن الحياة على أشكالها كانت قد تطورت من سلف أساسي واحد. ما يؤيد هذه العقيدة كون الكائنات الحية، في معظمها. تتشارك في الشيفرة الجينية عينها أو”(الدي إن أي)” DNA. وهكذا بإمكان أحدنا القول ببساطة، إن الله كان قد اعتمد خطة التصميم الأساسية عينها في معرض صنعه للأنواع المختلفة من الكائنات المتفرقة. لكن قد يبدو معقولأ أكثر أن هذا التشابه الجيني لكل الكاننات الحية، مرده إلى كونها مرتبحلة بعضها ببعض، حيث تتشارك جميعها واحداً.
بالمقابل، يأتي الدليل المبني على المتحجرات لينقض بوضوح عقيدة السلف المشترك هذه. فعندما اقترح داروين ذظريته، برزت من جملة ثغراتها الرئيسة غياب أية كاننات تقف في الوسط ما بين الكائنات، لكونها أشكالا انتقالية. رد داروين على هذا بالقول إن هذه الحيوانات الإنتقالية كانت موجودة في الماضي، ولابد من اكتشافها في نهاية المطاف. لكن عندما أقدم علماء البليونتولوجيا على التنقيب عما خلفته وراءها الكائنات الحية تحت شكل متحجرات. لم يعثروا على أى من هذه الأشكال الإنتقالية، وكل ما اكتشفوه كان المزيد من الحيوانات والنباتات الميتة والمنفصلة بعضها عن بعض. بكل تأكيد، كان هناك بعض الأشكال الانتقالية. على ما يُظن. من صنف الأركيويتريكس Archaeopteryx. هذا الطائر الحاوي على بعض خصائص الزواحف. لكن، لو صحت نظرية الداروينية المستحدثة، لما وُجد عدد قليل ونادر من الحلقات المفقودة، بل بالحري، كما يؤكد على ذلك مايكل دانتن Michael Denton، لابد في هذه الحال من وجود ملايين الأشكال الانتقالية ضمن سجل المتحجرات.٣١ تفكر مثلا في كل الأشكال الانتقالية التي ينبغي توافرها حتى يتسنى لكل من الوطواط والحوت أن يتطورا من سلف مشترك! وهذه المشكلة لم يعد بالإمكان تجاهلها بالزعم أننا لم نعمق كما يجب في حفرياتنا. إنما هذه الاشكال الانتقالية، لم يتم العثور عليها، لأنها غيرموجودة. إذا الدليل المختص بعقيدة السلف المشترك، يشكل خليطا. فالدليل المبني على “الدي إن أي” DNA يسندها من جهة، إلا آن الدليل المستوحى من المتحجرات، يعمل ضدها.
والآن، ماذا عن آليات التحولات الجينية والانتقاء الطبيعي المفترض فيها. أن تكون هي العامل المحرك لعملية النشوء والارتقاء؟ بحسب النظرية، يحصل التطور لأن التحولات العشوائية تنتج خصائص جديدة داخل الكائنات الحية. وتلك التي تظهر مفيدة للبقاء والاستمرار على قيد الحياة، هي التي يحتفظ بها، كما أنها هي التي تتوالد.
أنا لست على علم على الإطلاق باى دليل على كون هذه الآليات قادرة على إنتاج ذلك الصنف من التعقيد البيولوجي الذي نشهده في العالم اليوم، وذلك انطلاقا من كائن يتألف في الأصل من خلية واحدة. بل في الواقع، تعمل الأدلة ضذ هذا الأمر، ذلك لأن هذه العمليات تجري وتحصل بشكل بطيء أكثر من اللزوم. العالمان باروBarrow وتبلرTipler يلحظان في كتابهما ,”المبدأ الكوني الخاص بالإنسان” The Anthropic Cosmological Principle عشر خطوات يجب حصولها في إطار حصول النشوء والإرتقاء على الصعيد البشري: تطورالتنفس الحيوائي Aerobic (أي حاجة الكانن البشري إلى الأكسجين للحياة)، تطور هيكل عظمي داخلي وتطور العين، على سبيل المثال. الاحتمالات بالنسبة إلى كل واحدة منها ضئيلة جدا لدرجة أنه قبل حصولها ستكون الشمس قد كفت عن أن تكون النجمة الرئيسة المتعاقبة. وقد أحرقت الأرض! 32 ثم خلصا إلى القول: “لقد تولد إجماع عام لدى معشر النشوئيين، ومفاده أن احتمالات حصول الحياة الذكية ضئيلة جدا، ما يجعل من المستبعد حدوث ذلك على متن أي كوكب آخر على صعيد كل الكون المذظور.”٣٣ وان صح ذلك، فلماذا الظن بأن الحياة الذكية كانت قد تطورت، من قبيل الصدفة، على هذا الكوكب؟
ثمة معضلة ثانية ترافق التحول الجيني والانتقاء الطبيعي. وتُختصر في عجزها عن تفسير أصل الأنظمة المعقدة التي لا تقبل أي تبسيط. وهذا يشكل الفكرة الرئيسة لكتاب مايكل بيهي Michael Behe “الصندوق الأسود لداروين”Darwin’s Black Box34 بيهي المتخصص في علم الجراثيم من جامعة لوهاي Lehigh، يشير إلى بعض الأنظمة داخل الخلية، من صنف آليات تخثير الدم أوالأشكال الآشبه بالشعرة والمعروفة بالأهداب، وهي كناية عن آلات مجهرية معقدة فوق كل تصور، ويلزمها لكي تعمل، أن تكون جميع أجزائها حاضرة وجاهزة للعمل. لذا، لا يمكنها أن تتطور جزئيا وتد ريجياً. بيهي، وبعد مراجعته للالاف من المقالات العلمية المتعلقة بهذه الأنظمة. اكتشف كيف أن لا شيء تقرييا كتب عن الطريقة التي بها كان بإمكان هذه الأنظمة المعقدة وغير القابلة للتبسيط، أن تتطور بفعل التحولات العشوائية والانتقاء الطبيعي. 35 لا يوجد عندنا أي إدراك علمي على الإطلاق للطريقة التي بها كانت قد بدأت أنظمة كهذه، بل بالنسبة إليها، لا تملك الداروينية في المطلق أية قدرة على تفسير وجود هذه الظاهرة.
لاختصار ما سبق. وفي غياب أي التزام منهجي بالنزعة إلى تفسير الأمور من زاوية طبيعية بحتة. يبدو أنه لا يوجد أي دليل قاطع على صحة نظرية الداروينية المستحدثة. بل على نقيض ذلك، إذ تتوافر أدلة دامغة ومقنعة على أن رواية الداروينية المستحدثة لا يمكنها أن تختصر القصة بأكملها. ومن جديد، لا يخبرنا الكتاب المقدس عن الطريقة التي بها خلق الله الكائنات المعقدة بيولوجيا، تماماً كسهوه عن ذكر أي شيء يتعلق بطريقة خلقه الحياة، (الرواية الخاصة بخلق الرجل والمرأة في الفصل الثاني من التكوين، يبدو عليها بوضوح أنها تحمل طابعاً رمزياً، ذلك لأن الله الذي يفتقر إلى أي من الرئتين أو الفم، لم ينفخ حرفيا في أنف آدم)- كان بوسعه أن يخلق x نيهيلو (من العدم)، أو كان بإمكانه اعتماد كائنات حية من مراحل أدنى بمثابة المواد الخام لخلق الأشكال الأعلى من طريق إحداث تغيرات نظامية، غير محتمل حدوثها بالكامل على صعيد رواية لا تدين إلا بالتفسير الطبيعي البحت فقط. اما المسيحي فهومنفتح على اتباع الدليل إلى حيثما قاده. لكن، ما يشيرإليه الدليل، على ما يبدو، هوأن ظاهرة التعقيد البيولوجي، إنما تفترض وجود ذكاء مصمم كالذي يصفه الكتاب المقدس.
الخلاصة
ما يظهر أعلاه. لا يشغل سوى عينة غير كافية عن العمل المثير والمشوق الجاري اليوم ضمن الحوار الدانر بين العلم والدين. يبقى هناك الشيء الكثير لنقوله حول مسائل من صنف مثلاً نظرية الكم ونظرية النسبية، والانتروبولوجيا (علم الإنسان)، والجهاز العصبي. الأسئلة الصعبة باقية، إلا أذ هذا يجب ألا يحمل المعسيحي المعاصر الذي يؤمن بالإنجيل على التخوف من العلم كعدو للإيمان المسيحي. لكن يجدر به أن يعتنق العلم كحليف له في فهم الحق المختص بالعالم الذي خلقه الله، وكمصدر غني في معرض الدفاع عن الإيمان المسيحي.
أسئلة للتأمل والمناقشة:
كيف ترد على من يدعي عدم إمكانية وجود أي خلاف أو نزاع ما بين الدين والعلم، وذلك لأن العلم يجيب عن الأسئلة المصدرة بكلمة “ماذا؟” فيما يخاطب الدين الأسئلة المصدرة بكلمة “كيف؟”؟
إذا سألك أحدهم: “أي دليل علمي لديك عن الله؟” بماذا تجيبه؟
3. على إفتراض أن أحد تلامذة المدرسة، ربما إبنتك أو إبنك، جاء ينقل إليك ظنه، بأن الله يدعوه إلى التخصص في أحد مجالات العلم. كيف ستكون عليه ردة فعلك؟ وبماذا ستنصحه؟
Andrew Dickson White, A History of the Warfare of Science with Theology in Christendom, 2vols. reprint ed. (New York: Dover, 1960).
Charles B. Thaxton and Nancy R. Pearcey, The Soul of Science (Wheaton, lll.: Crossway, 1994).
Loren Eiseley, “Francis Bacon,” in the Horizon Book of Makers of Modern Thought (New York: American Heritage, 1972), 95-96.
Loren Eiseley, Darwin’s Century (Garden City, N.Y.: Doubleday, 1961), 62.
Freeman J. Dyson, “ls God in the Lab?” The New York Review of Books, 28 May 1998, 8.
C. P. Snow, “The Two Cultures,” in the Two Cultures and a Second Look (Cambridge: Cambridge University Press, 1969).
Victor Weisskopf, “Frontiers and Limits of Science,” Alexander von Humboldt Stiftung: Mitteilungen 43 (March 1984): 1-11; cf. a similar paper by the same author in American Scientist 65 (1977):405.
John Barrow and Frank Tipler, the Anthropic Cosmological Principle (Oxford: Clarendon, 1986), 442.
Quentin Smith, “The Uncaused Beginning of the Universe,” in William Lane Craig and Quentin Smith, Theism, Atheism, and Big Bang Cosmology (Oxford: Clarendon, 1993), 120.
Arthur Eddington, the Expanding Universe (New York: Macmillan, 1933), 124.
Eddington, the Expanding Universe, 178.
For discussion see my “Naturalism and Cosmology,” in Naturalism: A Critical Appraisal, ed. Wm. L. Craig and J,P. Moreland, Routledge Studies in Twentieth-Century Philosophy (London: Routledge, 2000), 215-52.
Stephen Hawking, A Brief History of Time (New York: Bantam, 1988), 140-41.
Arthur Eddington, Space, Time, and Gravitation, reprint. ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 1987), 48,
Eddington, Space, Time, and Gravitation, 181.
Stephen Hawking and Roger Penrose, The Nature of Space and Time,The lsaac Newton lnstitute Series of Lectures (Princeton, N.J.: Princeton University Press, 1996), 3-4,121.
See John D. Barrow, Theories of Everything (Oxford: Clarendon, 1991), 67-68.
Hawking and Penrose, The Nature of Space ond Time, 20.
Andrei Linde, who thinks that Steinhardt’s model “is plagued by numerous unsolved problems,” complains that the cyclic/ekpyrotic scenrario is “very popular among journalists” but “rather unpopular among scientists” (“Cyclic Universe Runs into Criticism,” Physics World (June 2002J, 8).
J. M. Wersinger, “Genesis: The Origin of the Universe,” Notional Forum (winter 1996),9,12. Wersinger himself apparently tries to avoid the absolute origin of the universe from nothing by appeal to a vacuum fluctuation, an idea that has been shown untenable, as I explain in the article referred to in note 19.
John Barrow, The World Within the World (Oxford: Clarendon, 1988).
Paul Davies, “God and Time Machines,” Books and Culture (March/ April 2002), 29.
John C. Polkinghorne, Serious Talk: Science and Religion in Dialogue (London: SCM Press, 1996), 6.
I owe this insight to the philosopher of science Robin Collins.
Ludwig Boltzmann Lectures on Gas Theory, Trans, Stephen G. Brush (Berkeley: University of California Press, 1964), and 446-48.
Fred Hoyle and Chandra Wickramasinghe, Evolution from Space (New York: Simon & Schuster, 1981), 24.
Charles B. Thaxton, Walter L. Bradley, and Roger Olsen, the Mystery of Life’s Origin (New York: Philosophical Library, 1984).
Francis Crick, “ln the Beginning…,” Scientific American (February 1991), 125.
Phillip E. Johnson, Darwin on Trial (Downer’s Grove, lll.: lnterVarsity Press, 1991). The intelligent Design movement, whose leaders include William Dembski, Stephen Meyer, Paul Nelson, Michael Behe, and Jonathan Wells, emphasizes the need for intelligent agency behind biological complexity, while remaining neutral on issues of interventionism (creationism) and theism (God).
Michael Denton, Evolution: A Theory in Crisis (Bethesda, Md.: Adler & Adler, 1985), chapters 8-9.
Barrow and Tipler, the Anthropic Cosmological Principle, 561-65.
Barrow and Tipler, the Anthropic Cosmological Principle, 133.
Michael Behe, Darwin’s Black Box (New York: Free press, 1996).
For Behe’s response to critics, see Michael Behe, “The Modern lntelligent Design Hypothesis: Breaking Rules,” Philosophia Christi 3, No. 1 (2001), 165-79).