الاستراتيجية الدفاعية البارعة للكنيسة في العصور القديمة Michael J. Kruger – ترجمة ودراسة Patricia Michael

الاستراتيجية الدفاعية البارعة للكنيسة في العصور القديمة – ولماذا نحن في أمسّ الحاجة إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى Michael J. Kruger – ترجمة ودراسة – Patricia Michael

الاستراتيجية الدفاعية البارعة للكنيسة في العصور القديمة – ولماذا نحن في أمسّ الحاجة إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى Michael J. Kruger – ترجمة ودراسة – Patricia Michael

من أبرز مزايا التعمّق في دراسة تاريخ المسيحية المبكرة، إدراك أن التحديات التي تواجه الإيمان المسيحي في الزمن المعاصر ليست طارئة أو غير مسبوقة. فعلى الرغم من أن بعض الهجمات الحديثة قد تبدو جديدة في صياغتها أو شكلها—مما يدفع البعض أحيانًا إلى ردود فعل تتّسم بالقلق أو الارتباك—إلا أن الكنيسة الأولى قد واجهت صعوبات مماثلة، بل في كثير من الأحيان كانت أشد وطأة وأكثر جذرية.

ويُعدّ القرن الثاني الميلادي نموذجًا بارزًا لذلك السياق. فقد كانت الكنيسة آنذاك في طور التأسيس، ما تزال فتية وهشّة، شبيهة بمخلوق حديث الولادة على أراضي السافانا، يخطو خطواته الأولى المرتجفة وسط بيئة معادية لا ترحم. إذ لم تكن الظروف السياسية أو الاجتماعية أو الدينية تميل لصالحها، بل كانت الهجمات على المسيحيين تتوالى من كل جانب، بعنف وسرعة.

ومع ذلك، لم تقف الكنيسة موقف الدفاع السلبي أو الانكماش. بل استجابت بمبادرة فكرية ولاهوتية جريئة، حيث صاغ القادة المسيحيون حججًا متماسكة، وبلوروا أفكارهم العقائدية، ودخلوا في حوار نقدي مع خصومهم. ومن ثمّ، أُطلق على تلك المرحلة عن جدارة لقب “العصر الذهبي للدفاعيات المسيحية” (The “golden age” of apologetics)

ترتليان القرطاجي

من بين العديد من المدافعين عن الإيمان المسيحي في العصور الأولى—وكان عددهم كبيرًا—يبرز ترتليان كأحد ألمع الشخصيات وأكثرهم تأثيرًا. هذا الأب الكنسي من شمال إفريقيا كتب مؤلَّفه الدفاعي الشهير (Apologeticum) نحو عام 197م، وقد تميّزت حججه بمستوى رفيع من العمق المنطقي والوضوح الخطابي، حتى إن قارئها اليوم قد يظن أنها كُتبت في زمننا المعاصر.

وقد أشار المؤرخ ديفيد رايت (David Wright) إلى أن جاذبية هذا العمل الدفاعي تكمن في “روعة الحُجّة التي لا تزال، حتى يومنا، قادرة على أن تُلهِم القارئ وتثير إعجابه”.

أما إيفريت فيرغسون (Everett Ferguson)، فقد وصفه بأنه “التحفة الأدبية لترتليان” بلا منازع.

فما الذي جعل استراتيجية ترتليان الدفاعية بهذه الفاعلية؟

يمكن تمييز عدد من الخصائص الجوهرية التي ساهمت في نجاح خطابه الدفاعي، وسنستعرض أبرزها فيما يلي:

المناداة بالمعاملة العادلة

في السياق الاجتماعي والسياسي لعصر ترتليان، كانت المسيحية هدفًا دائمًا لسلسلة من الاتهامات العامة التي ألقت على أتباعها اللوم في كل واقعة مأساوية. فبسبب امتناع المسيحيين عن تقديم العبادة للآلهة الرومانية، اعتُبروا سببًا مباشراً لغضب الآلهة، وهو ما فسّره المجتمع الروماني على أنه السبب الكامن وراء الكوارث العامة، من أوبئة ومجاعات وهزائم عسكرية.

وقد أدّى هذا الربط المتعسّف بين المسيحية والكوارث العامة إلى انتشار واسع لأشكال العدالة الغوغائية، حيث كان المسيحيون يتعرضون للاتهام والإدانة دون أي سند قانوني أو محاكمة عادلة. فالاتهام باسم الانتماء الديني وحده كان كافيًا لإصدار الحكم.

أمام هذا الواقع الجائر، سعى ترتليان في دفاعه إلى تفنيد الأسس الظالمة التي بُني عليها الاضطهاد، مطالبًا السلطات الرومانية بتطبيق مبدأ العدالة الإجرائية. فقد شدّد على أن مجرّد الانتماء إلى “المسيحية” لا يُشكّل تهمة بحد ذاته، بل ينبغي أن يستند أي حكم إلى دليل على ارتكاب فعل جُرمي فعلي. وعندما تُخضع التهم الموجّهة إلى المسيحيين للفحص العقلاني، يتّضح – في نظر ترتليان – أنها تفتقر تمامًا إلى أي أساس واقعي أو قانوني.

وفي إحدى صوره البلاغية الرفيعة، يلخّص ترتليان المفارقة بقوله:

“وإنما دليل جهلهم، الذي يُدينهم ويعذرهم في آنٍ معًا على ظلمهم، هو أن الذين كانوا يكرهون المسيحية من قبل، لكونهم يجهلون حقيقتها، ما إن يكتشفوها حتى يُسقطوا فورًا عداوتهم، ومن أعداء يصيرون تلاميذ.”(Apol. 1.6)

بهذا، ينطلق ترتليان في مناشدته للسلطات العامة والجمهور على السواء، داعيًا إلى الإنصاف العقلي والأخلاقي: “لا تدينونا قبل أن تعرفونا”—وهي عبارة تختزل جوهر دعوته إلى معاملة قائمة على الفهم لا التحامُل، وعلى المعرفة لا الجهل.

🔸تطبيق على الكنيسة المعاصرة:

ادعُ حتى أكثر النقّاد عداءً إلى التعرُّف عليك وعلى مجتمعك المسيحي. فكثيرًا ما ندين ما نجهله. ان تقديم وعرض المسيحية من الداخل، لا من خلال مجرد التصورات الخارجية المسبقة عنها، قد يكون استراتيجية مؤثرة وناجحة.

الحرية الدينية

كثيرًا ما يُنظر إلى مفهوم “الحرية الدينية” بوصفه ثمرة تطورات فكرية حديثة، ارتبطت بمرحلة ما بعد التنوير وبالتحولات الفلسفية في الغرب الحديث. غير أن هذا التصور يتعرض للطعن من خلال كتابات آباء الكنيسة الأوائل، وعلى رأسهم ترتليان، الذي قدّم دفاعًا لافتًا عن هذا المبدأ في كتابه (Apologeticum).

فمن اللافت أن استراتيجية ترتليان لم تكن دعوة لإقصاء الأديان الأخرى أو المطالبة بفرض المسيحية كديانة رسمية للإمبراطورية، بل تمحورت حول مبدأ جوهري: وجوب السماح لكل جماعة دينية بأن تعبّر عن إيمانها بحرية، دون خوف من القمع أو الانتقام. لقد نادى بأن تكون العبادة فعلًا حرًّا يصدر عن القناعة الداخلية، لا نتيجة للإكراه أو الضغط.

وتبرز المفارقة حين نعلم أن هذا النوع من الحرية كان مكفولًا فعليًا لسائر الديانات ضمن النظام الديني المتسامح نسبيًا في روما، لكنّه كان يُسلب على نحو خاص من أتباع المسيح. فبينما سُمح لعبدة الأوثان بممارسة شعائرهم، حُرم المسيحيون من أبسط حقوقهم في التعبّد الحر، وكأن عبادة يسوع المسيح وحدها تُمثّل تهديدًا.

وقد عبّر ترتليان عن هذا المبدأ بوضوح حين كتب:

“فليكرّس أحدهم حياته لإلهه، وليقدّم آخر تيسًا ذبيحة. ولكن احذر أن تُضيف سببًا آخر لتهمة عدم التديّن، بأن تُنْتزع الحرية الدينية، وتُمنع حرية اختيار الإله، حتى لا أعود أعبد بحسب ميولي، بل أُجبر على عبادة ما يخالفها.”(Apol. 24.5-6)

العبارة التي قالها ترتليان تعبر عن دفاعه القوي عن الحرية الدينية وحرية المعتقد، وهي تحوي رسالتين أساسيتين:

  • حرية العبادة الشخصية:

يقول ترتليان إن لكل إنسان الحق في أن يكرّس حياته لعبادته الخاصة، مهما كان هذا الإله—سواء كان إلهه هو الله الحقيقي الذي يعبده المسيحيون، أو حتى إلهًا من نوع آخر مثل “تيس” (وهو رمز لحيوان يُقدّم في بعض الطقوس الوثنية).

الرسالة هنا أن الحرية في العبادة يجب أن تُحترم بغض النظر عن طبيعة الإله الذي يختاره الفرد.

  • التحذير من الإكراه الديني:

يحذر ترتليان من أن تُنتزع هذه الحرية، أي أن يُجبر الإنسان على عبادة إله معين ضد رغبته، لأن هذا يُعتبر سببًا إضافيًا لتهمة “عدم التدين” أو الافتقار إلى التقوى من وجهة نظر المجتمع. بمعنى آخر، عندما تُمنع حرية الاختيار الديني، يتحول ذلك إلى ظلم يعزز الاتهامات ضد المسيحيين ويجعل الوضع أسوأ، لأن الإكراه على العبادة يُعد انتهاكًا لحرية الضمير والعبادة.

باختصار: ترتليان يدعو إلى احترام حرية المعتقد والعبادة لكل فرد، وينتقد بشدة أي محاولات لفرض العبادة قسرًا، لأن ذلك يزيد من الظلم والاتهامات ضد المسيحيين.

🔸تطبيق على الكنيسة المعاصرة:

ينبغي أن تعي الكنيسة اليوم أن مهمة الدفاعيات المسيحية لا تكمن في السعي لفرض العقيدة بالإكراه السياسي أو الاجتماعي، بل في المطالبة المبدئية بحق مزدوج: أولًا، الحق في عبادة السيد المسيح بحرية وكرامة دون اضطهاد، وثانيًا، الحق في تقديم المسيح للآخرين بأسلوب مقنع لا يُقابل بالعقوبات أو المنع. هكذا يكون الدفاع عن الإيمان شهادة للحرية، لا وسيلة للهيمنة.

التمسك بالأساسيات في الدفاعيات المسيحية

في عالم الدفاعيات المسيحية، تتعدد القضايا والمواضيع التي يمكن تناولها للنقاش والجدال حولها، ولسوء الحظ، قد نسمح للموضوعات الساخنة في آخر الأخبار أن تتحكم في كل حوار نقوم به.

غير أن ترتليان يُذكّرنا بأهمية التمسك بالأسئلة الأساسية والجوهرية التي تقوم عليها الرسالة المسيحية، لأنه حين يُحقق النجاح في معالجة هذه القضايا المحورية، فإن الكثير من المسائل الأخرى ذات الطابع الفرعي أو الثانوية يمكن أن تُحلّ وتتضح في ضوئها لاحقًا.

أما هذه القضايا المحورية بالنسبة لترتليان، فتكمن في نقطتين رئيسيتين:

  • صدق وأصالة الكتاب المقدس
  • هوية المسيح وطبيعته الإلهية

فيما يخص الكتاب المقدس، قدّم ترتليان دفاعًا متقنًا عن أصالة النصوص، مؤكّدًا أن الكتب المقدسة ذاتها تحمل في طياتها الأدلة الكافية والشهادة على مصدرها الإلهي، إذ يقول:

“فالكتب المقدسة ذاتها تقدم برهانًا على أنها إلهية.” (Apol. 20.1)

أما فيما يتعلق بالمسيح، فقد أولى ترتليان اهتمامًا خاصًا لإثبات ألوهيته، مستعينًا بلغة “اللوغوس” (logos) التي استُخدمت من قبل كتّاب سابقين مثل يوستينوس الشهيد، وخصوصًا كما وردت في مقدمة إنجيل يوحنا.

🔸تطبيق على الكنيسة المعاصرة:

في خضم الحوارات الدفاعية المعاصرة، يجب على المؤمنين أن يحافظوا على تركيزهم الحاسم على حقيقة كلمة الله وهويّة السيد المسيح. إن استقرت هذه الركائز الجوهرية في الفكر، فإن سائر القضايا والموضوعات الدفاعية يمكن بناؤها عليها بثقة وثبات.

التحوّل من الدفاع إلى الهجوم في منهج ترتليان:”قلب الطاولة

على الرغم من أن ترتليان كرس معظم جهوده للدفاع عن المسيحية ضد الانتقادات الموجهة إليها، إلا أنه لم يقتصر على موقف المدافع السلبي. بل على العكس، كان يتخذ أحيانًا موقفًا هجوميًا يظهر من خلاله نقاط الضعف والتناقض في الأنظمة الفكرية والدينية غير المسيحية.

لقد أدرك ترتليان أن المسؤولية في تقديم مبررات للمعتقدات والسلوكيات لا تقع على عاتق المسيحيين فقط، بل ينبغي أيضًا أن تتحملها الأديان الوثنية. فعندما وُجهت إلى المسيحيين تهم باطلة مثل أكل الأطفال والانحلال الأخلاقي في اجتماعاتهم السرية، لم يكتفِ فقط بالنفي، بل كشف أن هذه الانحرافات كانت شائعة في الطقوس الوثنية التي لم يبدِ الرومان أيّة اعتراضات عليها.

وبالنسبة لرفض المسيحيين لعبادة الآلهة الرومانية، لم يكتفِ ترتليان بالمطالبة بالحرية الدينية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك ليجادل بأن آلهة الرومان لم تكن آلهة حقيقية بالأساس، وبالتالي فلا يمكن لوم المسيحيين على امتناعهم عن عبادتها.

🔸تطبيق على الكنيسة المعاصرة:

لا ينبغي أن تقتصر الدفاعيات المسيحية على الموقف الدفاعي فحسب، بل يجب أن تتضمن أيضًا استراتيجيات وتدابير مدروسة متنوعة. فمن المهم الرد على الاعتراضات، ولكن من الضروري أيضًا اغتنام الفرص لكشف التناقضات أو ضعف التماسك المنطقي في النظم الفكرية والدينية المنافسة.

الخاتمة

إذا اقتصر تركيزنا على الهجمات المعاصرة الموجهة إلى الإيمان المسيحي، فقد نقع في وهم الاعتقاد بأننا نواجه تحديات غير مسبوقة في تاريخ الكنيسة. غير أن نظرة متأنية وسريعة إلى مسيرة الكنيسة وتاريخها ، لا سيما خلال القرن الثاني الميلادي، تكشف لنا أن واقع الأمر مختلف تمامًا.

لقد مثّل القرن الثاني بحق العصر الذهبي للدفاعيات المسيحية، وكان عمل ترتليان بمثابة ذروة هذا العصر وتاجه المضيء. دفاعه اتسم بالعمق والرؤية، إلى حد أنه يبدو كأنه كُتب في زمننا الراهن. فقد دافع بجرأة عن حق المسيحيين في المعاملة العادلة، وحرية المعتقد الديني، ومصداقية الكتاب المقدس، وألوهية المسيح، كما اتسم بشجاعة المبادرة في توجيه النقد الحاد إلى منتقديه من غير المسيحيين، مما مكّنه من قلب الطاولة وموازين النقاش وتحويل الهجوم إلى دفاع حاسم عن المسيحية.

وبينما كانت استراتيجية ترتليان حاسمة وضرورية في زمنه، فإن قيمتها تزداد إلحاحًا في عصرنا الحديث، وربما أكثر من أي وقت مضى.

ليكون للبركة

Patricia Michael

The Brilliant Apologetic Strategy of the Ancient Church And Why We Need It Now More Than Ever – Michael J. Kruger

الاستراتيجية الدفاعية البارعة للكنيسة في العصور القديمة – ولماذا نحن في أمسّ الحاجة إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى Michael J. Kruger – ترجمة ودراسة – Patricia Michael

أقدم دليل في العهد الجديد على ألوهية السيد المسيح – مايكل ج. كروجر Michael J. Kruger – ترجمة Patricia Michael

أقدم دليل في العهد الجديد على ألوهية السيد المسيح – مايكل ج. كروجر Michael J. Kruger – ترجمة Patricia Michael

أقدم دليل في العهد الجديد على ألوهية السيد المسيح – مايكل ج. كروجر Michael J. Kruger – ترجمة Patricia Michael

 في القرن الأول الميلادي، نسمع عن أحد أبرز الرِّجال الذين وُجِدوا في التّاريخ. قبل ولادته، قيل لأمّه إنه لن يكون كسائر البشر، بل سيحمل طبيعة إلهيّة أي انه سيكون له صفات الهيّة تختلف عن باقي البشر. وعندما بلغ أشُدَّه، طافَ يُبَشِّر برسالته ويصنع المعجِزات: شفى المرضى، طَرَد الأرواح الشّرّيرة، وأقام الموتى.

وكان يحيط به جَمْعٌ من التّلاميذ الذين اعتبروه ابن الله. وفي نهاية المطاف، أثارت أعماله انتباه السُّلطات، فاعتُقِل، وقُدِّم للمحاكمة، وأُعدِم. غير أنّ أتباعه قالوا فيما بعد إنه حيٌّ، وجالسٌ في السماويّات. وكان اسم ذلك الرجل Apollonius of Tyana (أبولونيوس التِّياني)، نسبةً إلى مدينة (Tyana)، وهي مدينة قديمة تقع في منطقة كابادوكيا بجنوب آسيا الصغرى.

يسوع كواحدٍ من بين العديد من “الآلهة”

وكما هو متوقَّع، سارع الباحثون إلى الاستشهاد بأبولونيوس كدليل على أنَّ العالم اليوناني-الروماني القديم كان يَزْخَر بأشخاص يُنظر إليهم بوصفهم

ذوي مكانةٍ شبه إلهيّة ضمن سياقاتٍ معينة. وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أنهم كانوا يُعتَبرون بأنهم “الله” خالق الكوْن الأزلي والمتسامي، بل يُقصد أنه كان يُنظَر إليهم كشخصيّاتٍ استثنائيّة حَظِيَت بمكانةٍ شبهِ إلهيّة، كما هو حال العديد من “الآلهة” في العالم القديم.

وقد تمَّ تطبيق هذا الإطار التفسيري لاحقًا على السيد المسيح بشكل ما، إذ يُقال انّ أتباعه في مراحله الأولى، على الأقل، لم يكونوا ينظرون إليه باعتباره الإله الأعلى المتسامي للكوْن، بل رأوه إنسانًا عاديًّا رُفِع إلى نوعٍ من المكانة الإلهيّة التي لا تختلف كثيرًا عن تلك التي نُسِبَت إلى أبولونيوس.

ألوهيّة السيد المسيح وإنجيل يوحنا

يُفنِّد المسيحي التقليدي هذا الادّعاء بالإشارة إلى المواضع العديدة التي يُعلن فيها يسوع صراحةً ليس فقط عن ألوهيّته، بل كوْنِه هو ذاته إله العهد القديم.

 من أبرز هذه النصوص:

«فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ». (يوحنا 1:1)

ويمكن إضافة نصوص أخرى مثل:

 (يوحنا 8: 25)

“فَقَالُوا لَهُ: «مَنْ أَنْتَ؟» فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَنَا مِنَ الْبَدْءِ مَا أُكَلِّمُكُمْ أَيْضًا بِهِ”.

 (يوحنا 10: 30)

“أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ”.

ولكن هل هذا يَحْسِم الجَدَل؟ ليس تمامًا.

للباحثين المعاصرين ردّ على هذا النوع من الاستدلال. فهم يقرّون بأن إنجيل يوحنّا يُقدّم يسوع بوصفه إلهًا كاملًا، لكنّه كان آخر الأناجيل تدوينًا، وقد كُتب – على الأرجح – في تسعينيّات القرن الأوّل الميلادي. وبحلول ذلك الوقت، كانت النظرة إلى مكانة يسوع الإلهيّة قد نَمَت وتوسّعت وتطوّرت. أمّا عند الرجوع إلى أقدم الأناجيل – إنجيل مرقس، الذي كُتب في سبعينيّات القرن الأوّل فإننا – بحسب رؤية هؤلاء الباحثين– نجده يقدّم يسوع بصورة تُبرِز إنسانيّته وتُركّز على جوانبه البشريّة، بحيث يبدو انساناً عاديّاً تمامًا.

وهنا، لا ينبغي أن نقلّل من شأن مدى إقناع هذا المنطق لكثيرين. ففي العام الماضي، ألقيتُ محاضرة في جامعة برينستون “Princeton University” عن “الأناجيل المفقودة”، وكان هذا من أكثر الاعتراضات التي سمعتها شيوعًا.

اليهوديّة في القرن الأوّل وإله العهد القديم

كيف يمكن الإجابة على هذا السؤال؟ هل يوجد دليل في العهد الجديد يسبق إنجيل يوحنّا يُؤكِّد أن السيّد المسيح لم يُنظَر إليه كمجرّد شخص ذو مكانة شبه إلهيّة، بل باعتباره إله العهد القديم ذاته؟

حسنًا، يعتمد الأمر على الكيفيّة التي كان اليهود الاوائل ينظرون بها إلى إله العهد القديم. ما هي السِّمات المُميّزة التي اعتبرها اليهودي المؤمن بوحدانيّة الله ضروريّة لوصْف إله العهد القديم؟ وبعبارةٍ أُخرى، ما هي الخَصائص التي يجب أن يتحلّى بها الله ليكون الإله الأسمى للكوْن؟

الإجابة واضحة ومن السَّهل العُثور عليها. تُظهِر أقدم مصادرنا أن اليهود في القرن الأول، المؤمنين بوحدانيّة الله، كانوا يَصِفُونَ إله العهد القديم بطريقتين رئيسيتين:

أوّلًا: إله العهد القديم هو الإله الوحيد المُستحقّ العبادة.

وبالتالي إله الكتاب المقدّس هو الإله الحقيقي الوحيد، ولذلك هو الوحيد الذي يجب ان تقدَّم له العبادة.

ثانيًا: إله العهد القديم هو خالق كلّ الأشياء.

بالنسبة لليهودي، هناك فئتان فقط لا غير من الكائنات: الخالق، والمخلوق. وإله الكتاب المقدّس هو الذي خَلَق كلّ الاشياء، وهو في جَوهَره غير مخلوق.

وبناءً عليه نتساءل: هل لدينا نُصوصًا مسيحيّة مُبكّرة تَسبق إنجيل يوحنّا، تَشهد وتُؤكِّد أن الرَّب يسوع كان يتّصف بهاتَين الصِّفتَين معاً، وأنّه وحده المُستحَقّ للعبادة، وأنّه خالق كلّ الاشياء؟

الجواب: نعم. وهذه المصادر ليست أقدم من إنجيل يوحنّا فَحَسْب، بل وأقدم أيضًا من إنجيل مرقس. بل إنّ لهذه المصادر جُذورًا تَمتدّ إلى ما قبل أيّ كِتاباتٍ أُخرى في العهد الجديد بحوزتنا.

بولس الرسول وألوهيّة السيد المسيح

لفهم معتقدات المسيحيّين الأوائل حوْل الوهيّة السيد المسيح، ننتقل إلى بولس الطرسوسي. ولماذا بولس؟

يشرح لاري هورتادو (Larry Hurtado) ذلك على أفضل وجه قائلاً:

“المسيحيّة البولسيّة تُعدُّ أقدم شكل من أشكال الحركة المسيحيّة التي نمْلُك وصولا مباشرا اليها من مصادر أوليّة لا جدال فيها.”(Hurtado, Lord Jesus Christ, p. 85)

وكما سنرى، لم يؤمن بولس الرسول بأن يسوع هو إله بشكل هامشيّ او مجرّد كائن شبه الهي،بل اعتبره هو ذاته إله إسرائيل، ربُّ الكون الأزليّ، خالق الكوْن، الموجود قبل كل شيء.

دعونا نتأمل في مثاليْن فقط من كتابات بولس الرسول التي كتبها في خمسينيّات القرن الأول:

المثال الأول: (1كو 8: 5-6)

“لأَنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ مَا يُسَمَّى آلِهَةً، سِوَاءٌ كَانَ فِي السَّمَاءِ أَوْ عَلَى الأَرْضِ، كَمَا يُوجَدُ آلِهَةٌ كَثِيرُونَ وَأَرْبَابٌ كَثِيرُونَ. لكِنْ لَنَا إِلهٌ وَاحِدٌ: الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ لَهُ. وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ بِهِ.”

في صميم هذا النص الوارد في سياق حديث بولس الرسول حول مسألة تناول الطعام المقدَّم كذبيحة للأوثان في المُجتمع الروماني الوثني، يَكْمُن حرص بولس الرسول على التأكيد بشدّة على مفهوم الوحدانية، لا سيَّما وأن هذه المسألة مرتبطة بعبادة آلهة أخرى. إذ يؤكّد بولس انّه لا يوجد سوى إله واحد، خالق كل الاشياء، يستحق أن تُقدّم له العبادة، خلافًا للآلهة الزائفة في العبادات الوثنية.

في الواقع، من المتعارَف عليه بين كثير من الباحثين وعلى نطاق واسع، أنّ بولس يستند هنا بوضوح إلى جوهر العقيدة اليهودية التي تؤمن بالوحدانية، والمتمثلّة في “الشِّماع”(shema) في (سفر التثنية 6: 4) «اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلٰهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ».

لكن الجدير بالملاحظة، أن بولس يُدْرٍج يسوع المسيح ضمن مفهوم “الشِّماع”(shema)، مستخدمًا نفس الكلمة (“رَبٌّ” أي “كيريُوس” Κύριος”) التي كانت في الاصل تُستخدم للدلالة على اسم يهوه (יהוה). بولس هنا لا يُضيف يسوع إلى جوهر الله كما لو كان هناك إلهان، بل يعتبر انّ يسوع هو نفسه يهوه في الجوْهر الإلهي.

وتأكيداً على ايمانه بألوهية السيد المسيح في هذا النص، يَنسِب بولس الرسول إلى يسوع فِعْل الخَلْق ذاته الذي ينسبه إلى إله العهد القديم فيقول:

“لكِنْ لَنَا إِلهٌ وَاحِدٌ: الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ لَهُ. وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ بِهِ.” (1 كو 8: 6)، وعليه، فإنّ يسوع ليس مخلوقًا، بل هو الخالق ذاته.

وهكذا يخلص باوكهام (Bauckham) الباحث وعالم اللاهوت إلى القول:

“لا يمكن تصوُّر وجود كريستولوجيا أعلى من تلك التي يعرضها بولس الرسول في (1 كورنثوس 8: 6 )، وهذه الكريستولوجيا العالية (High Christology) هي الطابع المشترك لكل لاهوت العهد الجديد” (Bauckham, 2008: 30).

المثال الثاني: (فيلبي 2: 6 -11)

يُعَدّ هذا النص من أعمق وأوضح الإعلانات اللاهوتية في العهد الجديد التي تعكس ما يُعرف بالكريستولوجيا العالية (High Christology)، أي الإيمان بألوهية المسيح. فبولس لا يكتفي فيه بالتأكيد على الوجود السابق للمسيح وتجسُّده، بل يقدّمه كالمستحق للمجد الإلهي ذاته.

“الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا للهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ.”

يشير هذا الاقتباس بوضوح إلى (إشعياء 45: 23)، حيث يقول يهوه (יהוה) في سياقه الاصلي:

“بِذَاتِي أَقْسَمْتُ، خَرَجَ مِنْ فَمِي الصِّدْقُ كَلِمَةٌ لاَ تَرْجعُ: إِنَّهُ لِي تَجْثُو كُلُّ رُكْبَةٍ، يَحْلِفُ كُلُّ لِسَانٍ.”

في هذا السياق، يستخدم بولس نصّ (إشعياء 45: 23)، الذي يَرْد في أصله ضمن سياق يتكلّم فيه يهوه عن نفسه (יהוה)، ويطبّقه مباشرةً على السيّد المسيح. الأمر الذي يُشير إلى أن المجد الذي يُنسَب حصريًا ليهوه في العهد القديم يُنسَب بالكامل إلى السيد المسيح. ولا يُعدُّ هذا مجرّد اقتباس أو إشارة عابرة، بل يعكس رؤية بولس الرسول التي تعتبر أن المجد المنسوب ليهوه في العهد القديم يعود بالكامل إلى يسوع المسيح، مما يدل على إيمانه بأن يسوع هو يهوه (יהוה) ذاته في الجوهر الإلهي.

وقد لاحظ هورتادو (Hurtado)، أنه عند النظر الى هذا النص في (فيلبي 2: 6 – 11) كوحدة واحدة، فانه يصف عمل المسيح في تسلسل سَرْدي، يبدأ بوجوده السابق، ثم تجسُّده، ثم اتضاعه، وانتهاءً بصعوده وبعودته الى مجده الالهي السابق (Hurtado, 2003:123).

الجدير بالملاحظة أن العديد من الباحثين يَروْن في هذين النصّيْن انعكاسًا لتقليد لاهوتي مسيحي سابق لزمن تدوين رسائل بولس نفسها.

فالنص الوارد في (فيلبي 2: 6–11) يُعتبر على نطاق واسع ترنيمة مسيحيّة قديمة ذات طابع كريستولوجي، وقد استخدمها بولس الرسول في سياق هذه الرسالة.

وبالمثل، يُنظر إلى النص في (1 كورنثوس 8:5 – 6 ) بوصفه أحد أقدم الصِّيَغ العقائدية الواردة ضمن مجموعة الرسائل البولسية.

بالتالي، لا تُظهر هذه النصوص فقط أن بولس الرسول نفسه تبنّى كريستولوجيا عالية (High Christology) — أي إيمانًا واضحًا بألوهية المسيح — بل تكشف أيضًا أنّ هذا التصوُّر اللاهوتي عن المسيح يعود إلى ما قبل كتابات بولس وكان حاضرًا في أقدم مراحل الإيمان المسيحي، ربما حتى في أوائل أربعينيّات القرن الأول.

يسوع باعتباره إله العهد القديم

تنسب النصوص في (1 كورنثوس 8: 5-6) و(فيلبي 2: 6-11) إلى السيد المسيح الخاصّيتين الأساسيتين اللتين كان أيّ يهودي في القرن الأول ينسبهما إلى إله العهد القديم وهما: أنه وحده المستحقّ العبادة، وأنه خالق جميع الأشياء.

ويرجع هذان النصّان إلى خمسينيات القرن الأول الميلادي، أي قبل إنجيل يوحنا، بل وحتى قبل إنجيل مرقس ، ويرجّح انهما يعودان إلى زمن أقدم من أي مصدر مسيحي آخر متوفر لدينا في العهد الجديد.

فما معنى هذا؟

هذا يعني أن الكرستولوجيا العالية لألوهية المسيح، كما يعرضها إنجيل يوحنا، لم تكن تطورًا لاحقًا أو نتيجةً لمسارٍ تدريجي في الفكر اللاهوتي. بل من الواضح أن هذا الفهم كان حاضرًا منذ البدايات الأولى لانتشار المسيحية.

ليكون للبركة

Patricia Michael

What’s the Earliest New Testament Evidence for the Divinity of Jesus?

Michael J. Kruger

أقدم دليل في العهد الجديد على ألوهية السيد المسيح – مايكل ج. كروجر Michael J. Kruger – ترجمة Patricia Michael

Exit mobile version