تشتت بنو إسرائيل مرات متعددة فى تاريخهم ووجدت أعداد كبيرة منهم فى مصر وبابل وغيرها وتكلموا بلغات هذه البلاد التى عاشوا فيها فدعت الضرورة إلى إيجاد ترجمات لأسفار العهد القديم بلغات متعددة لكى يستطيعوا قراءتها وفهم إعلان الله، ولما انتشرت المسيحية زادت الحاجة أكثر إلى هذه الترجمات بل وإلى ترجمات أكثر.
1- الترجمات اليونانية:
1- الترجمة السبعينية للعهد القديم:
وهى أقدم ترجمة للعهد القديم من العبرية إلى اليونانية وقد عرفت بالسبعينية لاشتراك 70 عالماً يهودياً فى ترجمتها، وقد بدأ العمل فى ترجمتها أيام الملك بطليموس فلادليفوس ملك مصر (285-246ق.م.) وقد أمر الملك بترجمة أسفار العهد القديم بناء على نصيحة ارستيان أمين مكتبة الإسكندرية وفوض لجنة من العلماء اليهود للقيام بهذه المهمة فترجموا أسفار موسى الخمسة أولاً ثم ترجموا بقية أسفار العهد القديم الأخرى تدريجياً.
وبعد انتشار المسيحية استخدم المسيحيون الناطقون باليونانية هذه الترجمة بشكل واسع، واقتبس آباء الكنيسة منها واستشهدوا بنصوصاً ومازالت، هذه الترجمة، باقية فى مخطوطات قديمة عديدة أهمها المخطوطة الفاتيكانية والتى ترجع إلى القرن الرابع الميلادى والمخطوطة الإسكندرية والتى ترجع إلى القرن الخامس الميلادى. ثم ظهر فى القرن الثانى ترجمات يونانية أخرى ولكنها كانت أصغر وأقل.
ولكن انتشار الترجمة السبعينية بين المسيحيين واستشهادهم بها جعل اليهود يطلبون ترجمات أخرى للنصوص العبرية، فجاءت إلى الوجود عدة ترجمات أخرى.
2- ترجمة أكويلا للعهد القديم:
ترجم أكويلا البنطى الذى كان مهتديا حديثا إلى المسيحية ترجمته هذه (حوالى 150م) وحاول أن يترجم الكلمات العبرية إلى اليونانية كلمة كلمة بدون أى اعتبار لقواعد اللغة اليونانية أو بناء الجملة، فجاءت ترجمته حرفية للغاية ومن ثم وقعت فى أخطاء عديدة نتيجة لهذه الحرفية غير المقبولة لغوياً. ومع ذلك فقد قبلها يهود الشتات.
3- ترجمة ثيودوشن للعهد القديم:
وترجم ثيودوشن الأفسسى (161-180م) المتحول إلى اليهودية الأسفار العبرية مستخدماً يونانية أكثر اصطلاحية ويبدو أنه بنى ترجمته على ترجمة أخرى ترجمت فى القرن الأول.
4- ترجمة سيماخوس للعهد القديم:
وترجم سيماخوس، وهو يهودى مسيحى، ترجمته هذه فى القرن الثانى الميلادى أيضا وكانت أكثر اصطلاحية من ترجمة أكويلا البنطى. وجمع العلامة أوريجانوس هذه الترجمات الأربع مع النص العبرى بحروف عبرية والنص العبرى فى حروف يونانية فى ستة أعمدة متجاورة فى كتاب واحد دعاه الهيكسابلا أى السداسى، فكان عمله هذا أول دراسة نقدية لنص العهد القديم. ثم ظهرت ترجمات أخرى منقحة من القرنين الثالث والرابع مثل ترجم لوسيان وترجمة هسيخوس.
2- الترجمة الآرامية للعهد القديم:
كانت المجامع اليهودية تمارس ترجمة شفوية من العبرية إلى الآرامية منذ القرن الرابع قبل الميلاد، وترجع هذه الترجمات الشفوية إلى زمن عزرا ونحميا اللذين لما عادوا إلى أورشليم بعد السبى وجدا الشعب يتكلم لغة مهجنة لذا اضطروا إلى قراءة الأسفار بلغتها العبرية ثم ترجموها شفوياً إلى الآرامية التى يتكلم بها الشعب. وازدادت الحاجة إلى هذه الترجمة الشفوية مع الوقت حتى اتخذت الصفة الرسمية فى المجامع.
وكان المترجم يدعى “ميترجمان” وكانت ترجمته تدعى “ترجوم” أى ترجم. وقد ظلت هذه الترجمة تتم شفوية حتى دونت فى القرن الخامس الميلادى تقريباً. ودعى الكتاب المدون فيه هذه الترجمة “ترجوم”. وأهم هذه الترجمات هو ترجوم انكيلوس للأسفار الخمسة الأولى أو التوراة وترجوم يوناثان بن أوزيل للأنبياء، ويعتقد أنها كتبا فى القرن الخامس الميلادى. وأصبحا كلاهما كتابين رسميين فى اليهودية. ويميل الأول إلى الترجمة الحرفية المحافظة على القديم ويميل الثانى إلى التفسير. وهناك ترجومات عديدة ظهرت عبد ذلك.
3- الترجمة السريانية للعهد القديم:
وجدت عدة ترجمات فى العصور الأولى للمسيحية بالسريانية، اللهجة الشرقية للآرامية، وأهم هذه الترجمات هى البشيتا أى “البسيطة” أو العامة، والتى يرجع تاريخها إلى القرن الأول الميلادى. وتتميز هذه الترجمة بالحرفية المتزنة فى أسفار مثل التوراة – أسفار موسى الخمسة – وسفر أيوب، كما تمتاز بالشرح المنساب الحر فى أسفار راعوث وأخبار الأيام.
وهناك تنقيحان للنص بين مخطوطات البشيتا أحدهما حرفى أكثر والأخر تفسيرى أكثر مع تأثير للترجوم الفلسطينى، وتتأثر أجزاء كثيرة من هذه الترجمة بالترجمة السبعينية. وتوجد لهذه الترجمة مخطوطات عديدة أهمها مخطوطة المتحف البريطانى والتى تؤرخ بسنة 464م وهى أقدم مخطوطة كتابية مؤرخة.
وهناك ترجمات أخرى إلى السريانية مثل ترجمة الفيلوكسينيان والسيريانية الفلسطينية وترجمة جاكوب الاديسى والسريو هكسابلا التى بنيت على نص العمود الخامس من هيكسابلا أوريجانوس والتى ترجمها بولس أسقف تيلا (615-617م) والموجودة فى مخطوطة ترجع إلى القرن الثامن الميلادى.
4- الترجمة اللاتينية للعهد القديم:
بدأت هذه الترجمة أولاً فى شمال أفريقيا وكان أول شاهدان على وجود ترجمات لاتينية هما القديسان ترتليان وكبريان من القرن الثانى الميلادى. وكان هناك عدداً من الترجمات ولكنها لم تكن ثابتة فتشعبت قراءتها مما دعى داماسوس أسقف روما (383م) إلى تفويض سكرتيره القديس جيروم لإعداد ترجمة لاتينية يعتمد عليها.
وبدأ القديس جيروم ترجمة العهد القديم بترجمة سفر المزامير، ثم أدرك أنه لكى يترجم العهد القديم بدقة يجب علية أن يترجم من اللغة العبرية مباشرة وانتهى من ترجمة العهد القديم كله سنة 405م ودعيت هذه الترجمة بالفولجاتا Volgate أو العامة. واكتسبت هذه لترجمة دوراً بارزاً واحترام الكنيسة اللاتينية بالتدريج وعلى مر العصور حتى كانت أول الكتب التى طبعت بعد اختراع الطباعة على يد وليم جوتنبرج (1400ـ1468م).
5ـ الترجمة القبطية للعهد القديم:
تمت هذه الترجمة، باللهجة الصعيدية، فى القرن الثانى الميلادى تحت إشراف القديس بنتينوس الذى تولى رئاسة مدرسة الإسكندرية سنة 181م والذى ادخل الأبجدية القبطية مستخدماً الحروف اليونانية والتى أضاف إليها سبعة حروف من اللهجة الديموطيقية القديمة، أخر تطور للمصرية القديمة بعد الهيروغليفية والهيراطيقية. ويعود أقدم شاهد من هذه الترجمة إلى حوالى سنة 300م وهى مخطوطة على ورق البردى ومحفوظة فى المتحف البريطانى. وهناك أيضاً الترجمة القبطية باللهجة البحيرية والتى يبدو أنها ترجمت بعد الصعيدية، وهناك ترجمات باللهجة الأخميمية واللهجة الفيومية والتى مازال يوجد منها جزئيات تعود إلى القرن الرابع والخامس الميلاديين.
6ـ الترجمة العربية للعهد القديم:
جاءنا أول دليل على وجود ترجمة عربية لأى جزء من العهد القديم فى مدراش سيفير على تث 3:34 والذى يقول أن التوراة جاءت إلى إسرائيل بأربع لغات هى العبرية واليونانية والعربية والسريانية وهذا يعنى أنه كانت هناك ترجمات عربية للعهد القديم من قبل القرن السادس أو السابع الميلاديان ولكن أقدم جزء باق من العهد القديم باللغة العربية يرجع إلى القرن الثامن الميلادى وقد وجد فى مسجد بدمشق. وقد ترجمت أهم ترجمة عربية سنة 942م فى بابل وكانت مقبولة من أقباط مصر. وهناك ترجمات عربية عديدة ترجمت بعد ذلك.
وهناك العديد من الترجمات التى ترجمت بعد القرن الثانى الميلادى وحتى اليوم والتى تمثل معظم اللغات القديمة والحديثة.
عن كتاب: التوراة كيف كتبت وكيف وصلت إلينا؟ للقمص عبد المسيح بسيط
1- ما هو الوحي :
1- قال داود النبى “وحي داود بن يسى … روح الرب تكلم بى وكلمته على لسانى(1)”، وقال نحميا “وأشهدت عليهم بروحك عن يد أنبيائك(2)”، وقال بطرس الرسول “وأما الله فما سبق وأنبأ به بأفواه جميع أنبيائه أن يتألم المسيح قد تممه هكذا(3)”، وقال الرسل في صلاتهم “القائل بفم داود فتاك(4)”، وقال بولس الرسول “حسنا كلم الروح القدس آباءنا بأشعياء النبى قائلاً(5)”، وقال السيد المسيح عن دعوة داود للمسيح ربا “كيف يدعو داود بالروح ربا(6)”.
هذه الآيات جميعاً وغيرها توضح حقيقة واحدة وهى أن الله تكلم إلى الشعب بروحه مستخدماً أفواه أنبيائه، فقد كان هو العامل فيهم أو المحرك لهم، والقائل بواسطتهم ومن خلالهم، إذا فالوحي هنا هو كما قال وبستر في قاموسه الشهير “هو تأثير روح الله الفائق للطبيعة على الفكر البشرى، به تأهل الأنبياء والرسل والكتبة المقدسون لأن يقدموا الحق الإلهى بدون مزيج من الخطأ”، أو كما جاء في قاموس شامبرز هو “النفس : التأثير الإلهى الذي بواسطته أرشد كتبة الكتاب المقدس القديسون”.
2- قال القديس بطرس الرسول أيضا “وعندنا الكلمة النبوية وهى أثبت الذين تفعلون حسنا أن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم. عالمين هذا أولاً أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص. لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل بكلام أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس(7)”.
وكلمة “مسوقين” هنا معناها الحرفى “محمولين”، والمعنى أن الروح القدس حمل أو ساعد، قاد، حرك، أرشد، هيمن على كتاب الوحي، حملهم لكتابة الإعلان الإلهى لكل البشرية. كما يؤكد الوحي هنا على أن جميع النبوات “ليست من تفسير خاص”، وإنما هى كلام الروح القدس على الأنبياء، ليست بمشيئة إنسان، بل بمشيئة الله. مصدر الكتب المقدسة هنا هو الروح القدس الذي حرك الأنبياء وتكلم بأفواههم وذكرهم بكل شئ لأنه ماكث فيهم، ويرشدهم إلى جميع الحق(8).
3- جاء في الرسالة الثانية إلى تيموثاوس قول الوحي “كل الكتاب هو موحي به من الله(9)”، وتعتبر “موحي به من الله” في اللغة اليونانية “ثيئوبنوستوس ـ Theopneustos” ويعنى حرفياً “نفس الله” أو “تنفس الله” أو “الله تنفس”، فتكون الآية حرفياً “كل الكتاب تنفس به الله” أو “كل الكتاب هو نفس الله”. ونفس الله كما توضح لنا الآية التالية : “بكلمة الرب صنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها(10)”، هو التعبير عن القدرة الإلهية الكلية، وعندما خلق الله الإنسان الأول جبله ترابا من الأرض “ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفساً حية(11)”.
نسمة الله أو نفس الله أعطت لآدم الحياة وخلقت الكون، والكتاب المقدس هو “نفس الله” أو “تنفس الله” أو الذي “تنفس به الله” وهذا يعنى أنه كلمة الله الذي أعطاه للبشرية إذ تنفس به، كتبته القدرة الإلهية التى خلقت الكون إذ حركت الرسل والأنبياء التى ذكرتهم بكل شئ وأرشدتهم إلى كل الحق وحفظتهم من كل زلل أو خطأ، عصمتهم من الخطأ، أثناء كتابتهم لكلمة الله الحية، فهو ذاته نفس الله خالق الكون ومعطى الحياة، هو كلمة الله الحية التى تنفس بها الله الحى، هو كتاب الله الحى.
4- قال السيد المسيح في أول كلماته، في بداية خدمته، في التجربة على الجبل “مكتوب(12)”. وقال في كلماته الأخيرة قبل الصعود “مكتوب … في ناموس موسى والأنبياء والمزامير(13)”، وكرر هذه الصيغة “مكتوب” مرات عديدة مؤكداً حتمية إتمام هذا المكتوب “ليتم المكتوب(14)”، وأن كل ما يحدث له لابد أن يتم “لأنه مكتوب”.
وهذا يؤكد أن “المكتوب” ليس مجرد مذكرات أنبياء أو كتابة بشرية، أدبية أو فكرية أو دينية، وإنما هو كلمة الله ذاتها التى أعلنها لأنبيائه وحركهم لكتابتها، تنفس بها، التي تكلم بها الروح القدس مستخدماً أفواههم وأعضائهم البشرية في إعلانها وكتابتها، لذلك يقول الرسول بولس، أنه ليس “أقوال تعلمها الحكمة الإنسانية بل بما يعلمه الروح القدس(15)”.
2- المسيحية ووحي العهد القديم :
وكما أكد السيد المسيح على حتمية إتمام المكتوب عنه في العهد القديم، فقد كان العهد القديم أيضا هو كتاب المسيحية الأول إلى جانب البشارة الشفوية بالإنجيل ولما دون العهد الجديد وكتب وكان هو العهد الجديد المبنى على ما جاء في العهد القديم، لقد كان وما يزال العهد القديم هو الجزء الأول من كتاب الله وكلمة قدرته، كلمة الله الحية والفعالة، الجزء الأول من الكتاب المقدس بعهديه.
فاقتبس من التلاميذ والرسل واستشهدوا به وبكل ما كتب فيه عن السيد المسيح “مات المسيح لأجل خطايانا حسب الكتب(16)”، بل كان هو في الأغلب نقطة البداية في الكلام عن المسيح والبشارة به “وأبتدأ من هذا الكتاب (سفر أشعياء) فبشره بيسوع(17)”، “وكان يحاجهم من الكتب ثلاثة سبوت موضحاً ومبيناً أنه كان ينبغى أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات(18)”، “وأنا لا أقول شيئاً غير ما تكلم الأنبياء وموسى أنه عتيد أن يكون(19)”، “لأن داود يقول فيه (المسيح)(20)”، “الكتاب إذ سبق فرأى أن الله بالإيمان يبرر الأمم سبق فبشر إبراهيم أن فيك تتبارك جميع أمم الأرض … لتنصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح(21)”.
وكان الرسل يستخدمون دائما تعبير “المكتوب”، “كلمة الله”، “تكلم الله بفم”، “تكلم الروح القدس”، فقد كان العهد القديم بالنسبة لهم ـ كما علمهم السيد المسيح نفسه ـ هو كلمة الله الحية التى كتبها “أناس الله القديسين مسوقين من الروح القدس” و”كل الكتاب هو تنفس الله” موحي به من الله.
3- كتاب الإعلان ودورهم في الكتابة :
العهد القديم مثل العهد الجديد هو كلمة الله وأعماله الخلاقة، فهو يضم كلمة الله وعمله الخلاق إلى جانب الأحداث الجارية التى جرت في عصور الإعلان المختلفة، إذ يضم أيضا بعض أعمال الأنبياء وأسلوب وكيفية تلقيهم للإعلان وكيفية توصيله للبشر وكيفية تقبل البشر له، والظروف والأحداث التى كانت ملازمة للإعلان وتأثير هذا الإعلان فيها، كما أنه في كتاب الإعلان استخدمت كل ألوان وأنواع الأساليب الأدبية من شعر ونثر ودراما وقصة وملحمة وأمثال وحكم وتاريخ وأدب … الخ، فما دور الكتاب في هذا الإعلان؟
ونجيب على هذا السؤال بمثال حى وهو حقيقة تجسد السيد المسيح، فهو كلمة الله الأزلى الحى الخالق، عقل الله الناطق الذي لكى يظهر للبشرية “اتخذ جسداً”، “صار جسداً(22)”، “ظهر في الجسد(23)”، “تشارك مع البشرية في اللحم والدم(24)”، “شابه البشرية في كل شئ ماعدا الخطية(25)”، ومن ثم كان يتكلم بأقوال الله ويعلن عن ذاته ويعمل أعماله، كل أعماله(26)، فهو كامل في لاهوته، وكان يتكلم كإنسان ويعمل أعمال الإنسان، عدا الخطية، فهو أيضا كامل في ناسوته، إنسانيته، أنه إله وفى نفس الوقت إنسان، الله الذي اتحد بالبشرية في ذاته.
والكتاب أيضا هو كلمة الله الحية الفعالة إلى ظهرت في شكل كلمات بشرية لأن الله أستخدم البشر في كتابتها فصيغت بكلمات وعبارات يفهمها البشر، صيغت بأسلوبهم وأدبهم، وكتبت بيديهم فعبرت عنهم وعن قوتهم وضعفهم.
الكتاب إذاً هو كلمة الله ونفس الله الذي تكلم به بروحه على أفواه قديسيه وكتبه بأقلامهم وأسلوبهم، هو إعلان الله عن ذاته وإرادته وغايته لكل البشرية، وهو أيضا كتاب الإنسان لأنه يحكى تاريخه ويعبر عنه في كل مواقف حياته، أنه كتاب الله في علاقته مع الإنسان وكتاب الإنسان الذي حمله روح الله على كتابته أو الذي استخدمه الله في تدوينه وكتابته، أنه نفس الله الذي تنفسه فصارت الكلمات التى يستخدمها البشر حية، كلمات حية هى كلمة الله الحية والفعالة التى تكلم بها وكتبها البشر إذ نطقها الروح القدس بأفواههم وكتبها بأقلامهم.
ولكننا لا نقصد هنا ولا يشير الكتاب ذاته إلى وحي إملائى، ميكانيكى، آلى، جامد، بمعنى أن الروح القدس أملى على كتاب الوحي أو حفظهم أو لقنهم كل كلمة وكل حرف وكأنهم مجرد شريط تسجيل لا دخل له فيما يسجل عليه، نعم هناك نصوصاً كتبت إملائياً، أملاها الله وكان على البشر أن يحفظوها كما هى مثل الوصايا العشر التى كتبها الله بنفسه على لوحي الحجارة، ولكن الله في الكتاب المقدس مثل المؤلف الموسيقى والأنبياء كعازفى الكمان أو الفرقة الموسيقية التى تعزف ما ألفه المؤلف الأصلى بآلاتهم وأسلوبهم.
لقد كتب الكتاب بأسلوبهم واحتفظوا بتفردهم ولم تلغى شخصياتهم ودورهم كشهود وأعضاء عاملين في توصيل الإعلان، فكتبوا بأسلوبهم واستخدموا قدراتهم بل واختلف أسلوب كتابة كل واحد منهم. وعلى سبيل المثال يختلف أسلوب كتابة موسى النبى الذي تعلم بكل حكمة المصريين وأسلوب كتابة دانيال الذي تربى في مدرسة الحكمة في بابل بل وصار الوزير الأول عن أسلوبه كتابة عاموس راعى الغنم وجانى الجميز.
وعلى ذلك نسب الكتاب كله لله ونسب للبشر أيضا، فيقال “موسى كتب(27)”، “قال موسى(28)”، “أشعياء … يقول(29)”، “أشعياء قال(30)”، “صاح أشعياء(31)”، “تنبأ أشعياء(32)”، “يقول داود(33)”، “قال داود(34)”، ثم يقال أيضا “قال الله”، “كلمة الله”، فكلام الكتاب هو كلام الله الذي تفوه به الأنبياء “لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم(35)”، “سبق الروح القدس فقاله بفم داود(36)”، أو صموئيل أو أشعياء … الخ.
عن كتاب: التوراة كيف كتبت وكيف وصلت إلينا؟ للقمص عبد المسيح بسيط
حمل الأنبياء الرسالة وقدموا الإعلان شفوياً أولاً ثم حرك الروح القدس الأنبياء لكتابة هذا الإعلان فى أسفار ليظل كشهادة حية للأجيال التالية، كما يقول القديس بالروح “كل ما سبق فكتب كتب لأجل تعليمنا(1)”فكتب موسى النبى الأسفار الخمسة الأولى، التوراة، فدون سفر التكوين تاريخ إعلان الله منذ الخليقة وسقوط آدم وطرده من جنة عدن إلى طوفان نوح ودعوة إبراهيم حتى دخول بنى إسرائيل مصر إذ جمع التقاليد التى تسلمها من آبائه والذين تسلموها بدورهم عن آبائهم حتى آدم.
ثم كتب أسفار الخروج واللاويين والعدد والتثنية والذى عاش أحداثهم بنفسه وكان هو بطلها والتى تسلم فيها الوصايا والناموس من الله مباشرة “فماً لفم”. وأكمل يشوع ما بدأه موسى وكتب السفر المعروف باسمه وأكمل صموئيل النبى وجاد وناثان النبيان ما بدأه موسى ويشوع وكتبوا أسفار القضاة وراعوث وصموئيل الأول والثانى وأكمل هذا العمل أيضا أرمياء النبى وبعض معاصريه
وكتبوا أسفار الملوك الأول والثانى وسفر أرمياء الذى أملاه بنفسه على باروخ تلميذه وكتب أشعياء النبى وحزقيال ودانيال وبقية الأنبياء أسفارهم المعروفة باسمهم كما كتب داود ومجموعة من أنبياء ومرنمى الهيكل كيدثون وآساف وهيمان سفر المزامير وكتب سليمان أسفار الأمثال والجامعة ونشيد الإنشاد … الخ. وكان الله قد كتب بنفسه الوصايا العشر على لوحين من الحجارة(2).
1- موسى النبى وكتابة التوراة :
كتب موسى النبى بناء على أمر الله المباشر له بالكتابة فى كل مناسبة سلمه فيها وصايا ونواميس :
“فقال الرب لموسى أكتب هذا تذكارا فى الكتاب وضعه فى مسامع يشوع”(3).
“فكتب موسى جميع أقوال الرب”(4).
“وقال الرب لموسى اكتب لنفسك هذه”(5).
“وكتب موسى مخارجهم (بنى إسرائيل) برحلاتهم حسب قول الرب”(6).
وأمر موسى نفسه بنى إسرائيل أن يكتبوا على حجارة :
“فيوم تعبرون الأردن إلى مصر التى يعطيك الرب إلهك تقيم لنفسك حجارة كبيرة وتشيدها بالشيد (الجبس) وتكتب عليها جميع كلمات هذا الناموس … وتكتب على الحجارة جميع كلمات هذا الناموس نقشاً جيداً”(7).
وقبل موت موسى النبى مباشرة، وفى ختام سفر التثنية يقول :
“وكتب موسى هذه التوراة وسلمها للكهنة بن لاوى حاملى تابوت عهد الرب ولجميع شيوخ إسرائيل … تقرأ هذه التوراة أمام كل نبى إسرائيل فى مسامعهم … ويحرصوا أن يعملوا بجميع كلمات هذه التوراة … فعندما كمل موسى كتابة هذه التوراة فى كتاب إلى تمامها أمر موسى اللاويين حاملى تابوت العهد قائلاً خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم ليكون هناك شاهداً عليكم”(8).
وأوصى موسى بنى إسرائيل أنه عندما يقيمون ملكاً عليهم “وعندما يجلس على كرسى مملكته يكتب لنفسه نسخة من هذه الشريعة فى كتاب من عند الكهنة واللاويين فتكون معه ويقرأ فيها كل أيام حياته لكى يتعلم أن يتقى الرب إلهه ويحفظ جميع كلمات هذه الشريعة وهذه الفرائض ليعمل به”(9).
2- توراة موسى والأنبياء :
كانت التوراة منذ عصر موسى هى الكتاب الأول والمرجع الأول لكل الأنبياء والكهنة والقضاة والملوك وكل فئات الشعب وكان محور دعوة الأنبياء هو حث الشعب على اتباع وصاياها وتحذيره من مخالفتها، وقد بدأت هذه الدعوة من التوراة نفسها ” “إن لم تحرص لتعمل بجميع كلمات هذا الناموس المكتوبة فى هذا السفر لتهاب هذا الاسم الجليل المرهوب الرب إلهك، يجعل الرب ضرباتك وضربات نسلك عجيبة(10)”، “وأما أنت فتعود وتسمع لصوت الرب وتعمل بجميع وصاياه التى أنا أوصيك بها اليوم فيزيدك الرب إلهك خيراً فى كل عمل يدك فى ثمرة بطنك وثمرة بهائمك وثمرة أرضك … إذا سمعت لصوت الرب إلهك لتحفظ وصاياه وفرائضه المكتوبة فى سفر الشريعة هذا”(11).
وكلم الله يشوع خليفة موسى قائلاً : “لا يبرح سفر هذه الشريعة من فمك(12)”، وعمل “يشوع كما هو مكتوب فى سفر توراة موسى(13)”، “وكتب هناك على الحجارة نسخة توراة موسى التى كتبها أمام بنى إسرائيل … وبعد ذلك قرأ جميع كلام التوراة البركة واللعنة حسب كل ما كتب فى سفر التوراة”. وأوصى يشوع الشعب قبل موته بقوله : “فتشردوا جدا لتحفظوا وتعملوا كل المكتوب فى سفر شريعة موسى حتى لا تحيدوا عنها يميناً أو شمالاً”(14).
وكانت وصية داود قبل موته لسليمان ابنه “احفظ شرائع الرب إلهك … كما هو مكتوب فى سفر شريعة موسى لكى تفلح فى كل ما تفعله وحيث توجهت”(15). وكان شعار جميع الذين تنبأوأو حكموا وقضوا لبنى إسرائيل هو العمل “كما هو مكتوب فى سفر شريعة موسى(16)”، حتى أنه يندر أن يخلو سفر من أسفار العهد القديم من ذكر “شريعة موسى”.
وكان ظهور التوراة فى أشد فترات بنى إسرائيل ظلاما هو النور الذى أضاء هذا الظلام كما حدث عند وجودها فى الهيكل أيام يوشيا الملك الصالح فحفزته على الإصلاح الذى قام به(17)، كما كان ظهورها بعد السبى بمثابة عودة الروح للشعب الذى أنغمس فى ارتداده عن الله(18).
3- كتابة أسفار العهد القديم الأخرى :
كان موسى بالنسبة للأنبياء الذين أتوا بعده هو النموذج والمثال الذى ساروا على خطاه، فقد أمروه هم أيضا بكتابة الإعلان الذى تلقوه من الله بروحه القدوس فكتب يشوع سفره قبل موته “وكتب يشوع هذا الكلام فى سفر شريعة الله(19)”، وكتب صموئيل النبى “فى السفر ووضعه أمام الرب(20)”، وكتب داود “وحى داود بن يسى وحى الرجل القائم فى العلا مسيح إله يعقوب ومرنم إسرائيل الحلو.
روح الرب يتكلم بى وكلمته على لسانى(21)”، وكتب سليمان “ألم أكتب لك أموراً شريفة من جهة مؤامرة ومعرفة(22)”، وكتب أشعياء “وقال الرب خذ لنفسك لوحا كبيرا وأكتب عليه(23)”، “تعال الآن اكتب هذا عندهم على لوح وارسمه فى سفر ليكون لزمن آت للأبد(24)”، وأرمياء “هكذا تكلم الرب إله إسرائيل قائلاً : أكتب الكلام الذى تكلمت به إليك فى سفر(25)”، “خذ لنفسك درج سفر وأكتب فيه كل الكلام الذى كلمتك به على إسرائيل وعلى يهوذا وعلى كل الشعوب من اليوم الذى كلمتك فيه من أيام يوشيا إلى هذا اليوم … فدعا أرمياء باروخ بن نيريا فكتب باروخ عن فم أرمياء كل كلام الرب الذى كلمه به فى درج سفر”.
وأوصاه قائلاً : “أدخل أنت وأقرأ فى الدرج الذى كتبت عن فمى كل كلام الرب فى أذان الشعب فى بيت الرب”(26).
ويتكلم بعض الأنبياء بصيغة المتكلم، بضمير “أنا”، مما يدل على أنهم هم كتاب الأسفار المعروفة باسمهم، فمثلاً يقول حزقيال فى افتتاحية سفره “وأنا بين المسبيين عند نهر خابور أن السموات انفتحت فرأيت رؤى الله(27)”، ويقول دانيال “ظهرت لى أنا دانيال رؤيا(28)”، “أنا دانيال فهمت من الكتب(29)”، ويتكلم نحميا كثيراً بصيغة المتكلم … الخ.
وبرغم أن كل أسفار الأنبياء الصغار، الاثنى عشر، تتكلم فى بدايتها وكأنها بصيغة الغائب، إلا أنها جميعاً تبدأ بتحديد شخصية النبى متلقى الإعلان، “قول الرب الذى صار إلى هوشع(30)”، “قول الرب الذى صار إلى يوئيل(31)”، “أقوال عاموس(32)”، “رؤيا عوبيديا(33)”، “قول الرب إلى يونان(34)”، “قول الرب الذى صار إلى ميخا(35)”، “سفر رؤيا ناحوم(36)”، “الوحى الذى رآه حبقوق(37)”، “كلمة الرب التى صارت إلى صفنيا(38)”، “كلمة الرب عن يد حجى النبى(39)”، “كلمة الرب إلى زكريا(40)”، “وحى كلمة الرب إلى إسرائيل عن يد ملاخى(41)”.
4- السيد المسيح ورسله يشهدون لكتاب العهد القديم :
أشار السيد المسيح ورسله إلى حقيقة محتوى العهد القديم وأقتبسوا منه وأستشهدوا به، كما أشاروا إلى عدد من الأنبياء على أنهم كتاب الأسفار المعروفة باسمهم، فقد أشاروا إلى موسى ككاتب التوراة أكثر من خمسين مرة(42)، كما أشاروا إلى يشوع وأعماله المذكورة فى سفره(43)، وأشاروا إلى صموئيل أبرز القضاة والأنبياء بعد موسى “وجميع الأنبياء أيضا من صموئيل فما بعده الذين تكلموا سبقوا وأنبأوا فى هذه الأيام(44)”.
كما أشاروا إلى داود ككاتب المزامير مرات عديدة “داود نفسه يقول فى كتاب المزامير(45)”، وإلى الذى أتت مملكة التيمن لتسمع حكمته(46)، وإلى أيوب وصبره الذى هو محور سفره(47)، وإلى أشعياء ككاتب سفره “لكى يتم ما قيل بأشعياء(48)”، “كما قال أشعياء النبى(49)”، وإلى أرمياء ككاتب سفره “حينئذ تم ما قيل بأرمياء النبى القائل(50)”، وأكد السيد المسيح أن دانيال هو كاتب سفره “فمتى رأيتم رجسة الخراب التى قال عنها دانيال النبى(51)”، كما أشاروا إلى هوشع “كما يقول هوشع أيضا(52)”، وإلى يونان وحوته(53). وأقتبسوا الكثير من آيات العهد القديم ككلمة الله دون ذكر الأسفار التى أخذت منها أو كتابها لأنها كانت شائعة ومعروفة عند اليهود.
عن كتاب: التوراة كيف كتبت وكيف وصلت إلينا؟ للقمص عبد المسيح بسيط
1- الكتابة قبل التوراة
1-تاريخ الكتابة :
ترجع أقدم نصوص وصلت إلينا باللغة المسمارية واللغة الهيروغليفية إلى ما قبل سنة 3000 ق.م.، فقد وجدت فى مدينة أوروكا، اركا حاليا (آرك فى تكوين 10:10) بالعراق، ألواح طينية مسمارية ترجع إلى سنة 3500 ق.م. وهى عبارة عن رسوم وصور، كما اكتشفت الهيروغليفية المصرية، والتى كانت تتكون من الكتابة التصويرية والهجائية وعناصر صوتية مقطعية، فى مناطق كثيرة بمصر وترجع إلى الألف الرابع قبل الميلاد.
وقد تطورت اللغة الصورية المرسومة إلى حروف هجائية (ألف باء) فى الفترة من 2000 إلى 1500 ق.م. حتى أنه فى سنة 1500 ق.م. كانت هذه الكتابة منتشرة وشائعة الاستخدام فى سوريا وفلسطين. وقد أخذت فى الأصل عن الهيروغليفية وقد وجدت أقدم كتابة بالحروف الهجائية فى سرا بيت الخادم فى سيناء كتبها ساميون آسيويون كانوا يعملون فى أحد المناجم هناك وترجع إلى حوالى 1800 ق.م.
كما وجد فى تل عيد دوير (لافيش، يش 3:10) بالقرب من أورشليم كتابة بالحروف الهجائية منها نقش على خنجر يعود تاريخه إلى حوالى 1600 ق.م. كما اكتشفت كتابة بالحروف الهجائية أيضا فى رأس شمرا، أو غاريت القديمة فى شمال سوريا ترجع إلى سنة 1400 ق.م.، ووجد نقش ملكى للملك شافاط بعل ملك جيبال (بيبلوس) يرجع إلى سنة 1600 ق.م.
ثم نقل الفينيفيون هذه الحروف إلى الإغريق الذى أضافوا إليها الحروف المتحركة إذ كانت قاصرة على الحروف الساكنة وغيروا اتجاه كتابتها من اليمين إلى الشمال ثم انتشرت عنهم بعد ذلك.
2- المواد التى كان يكتب عليها:
الأحجار:
كانت الكتابة قديماً تكتب بالحفر أو النقش على الصخور والأحجار فى المبانى وقواعد التماثيل وعلى ألواح حجرية أيضا أو على أوانى حجرية.
الخزف:
وكانت النقوش تحفر أو تدهن أو تختم على الخزف قبل حرقه، وقد وجدت نقوش على كسر خزفية فى مصر وسوريا والعراق وفلسطين.
الأسطح الجبسية :
كانت تطلى بعض الأحجار بالجبس وينقش عليها، وقد وجد فى تل دير ايلا بالأردن نقش آرامي طويل بالحبر الأحمر يرجع إلى سنة 700 ق.م.
المعادن (البرونز والفضة والذهب والرصاص) :
مثل التماثيل والأوانى والعملات المالية والحلى وأحياناً الأدراج والتى كانت الكتابة تخفر عليها.
العاج :
كانت تصنع ألواح من العاج ويطلى سطحها بالشمع ثم يكتب عليها.
الخشب :
وكانت تصنع أيضا ألواح من الخشب ويطلى سطحها بالشمع ويكتب عليها مثل ألواح العاج بآلة حادة. وكانت هذه الألواح منشرة فى مصر.
الطين :
وكان السومريون يصنعون ألواح من الطين ويكتبون عليها وهى طرية ثم تجف وتحرق بعد ذلك. وقد وجدت فرن فى أوغاريت لحرق ألواح الطين ترجع إلى سنة 1200 ق.م. وبداخلها بعض ألواح لم تحرق بعد.
ورق البردى Papyrus :
كان يستخرج من نبات البردى بمصر وتصنع منه لفائف طويلة بلصق صفاته معاً وتوجد منه لفائف ترجع إلى سنة 2700 ق.م. وكان قد صنع قبل ذلك بمئات السنين، وكان يصدر إلى مدينة جوبلا الفينيقية. ومن هناك يعاد تصديره إلى اليونان فى الألف الثانى ق.م. وقد عاش تحت ظروف مناخية مناسبة وكان يمكن الكتابة عليه أكثر من مرة بإزالة الكتابة القديمة.
الجلد والرقوق :
استخدم البشر الجلد بصفة عامة حوالى سنة 4000 ق.م. وقد استخدم للكتابة عليه فى مصر وآسيا الغربية. وكانت تستخدم هذه الجلود بعد معالجتها معالجة خاصة لتصبح رفيعة ومتينة تخيط صفحاتها معا لتكون لفائف أو أدراج طويلة مثل لفائف البردى.
النسيج :
كتبت بعض النصوص قديماً على الكتان الذى كانت تلف عليه مومياوات قدماء المصريين ويوجد منه نص الآن فى متحف زغرب فى يوغسلافيا.
3- أدوات الكتابة وأشكال النصوص المكتوبة :
كان يكتب على الألواح الطينية الطرية أو الجافة والدرج الذى هو عبارة عن لفة طويلة سواء المصنوع من ورق البردى أو الجلد وكان يلف على قضيب من خشب أو على قضيبين من جهتى الدرج وكان يكتب على الأدراج فى الأغلب على وجه واحد وعادة فى أعمدة متجاورة. وكان يربط لوحين من الخشب أو العاج معاً ثم صنع الأقباط الكتاب بشكله الحالى فى القرون الأولى للمسيحية.
واستخدمت آلات حادة مدببة للكتابة بها، بالحفر والنقش، على الحجر أو الخزف أو المعادن وكانت هذه الآلات من الحديد أو البرونز أو الرصاص. واستخدمت أيضا آلات (أقلام) من الخشب أو القصب للكتابة بها على ألواح الطين.
واستخدمت الفرش أيضا للكتابة أو النقش أو الرسم بالسوائل، وكانت تصنع من نبات الاسل وكان ينقش بها على الأوانى قبل الحرق. واستخدمت أقلام القصب أيضا للكتابة بالحبر الأسود والأحمر. واستخدم ريش الطيور فى بداية العصور الوسطى كأقلام للكتابة بالحبر.
واستخدمت الأختام أيضا ولكن بصورة محدودة، فى إسرائيل القديمة، لختم الأوانى الخزفية التى كانت تحتوى على زيت أو خمر.
وكان يستخدم الحبر الأسود المصنوع من الكربون المخلوط بالصمغ والحبر الأحمر الذى كان يصنع من أوكسيد الحديد أو من لون المغرة للكتابة على ورق البردى والجلد والأسطح الملساء.
وكانت الأحبار توضع، عند قدماء المصريين، فى لوحات خشبية ذات تجويفين واحد للحبر الأسود والآخر للحبر الأحمر، كما استخدمت الدواة أيضا. وقد وجدت أوانى حجرية للحبر فى خربة قمران شبيهة بأوانى الحبر التى استخدمت فى عصور الرومان.
ب- الكتابة فى العهد القديم
1- اللغة العبرية وتاريخها :
اللغة العبرية هى إحدى اللغات السامية التى ترجع إلى سام بن نوح (تك 21:10،22)، وهى من أقدم اللغات فى العالم ويرجع تاريخها إلى ما قبل سنة 2000 ق.م. وأقدم إشارة لاستخدام هذه اللغة وردت فى تكوين 47:31 إذ يدعو لابان خال يعقوب كومة من الحجارة (رجمة) باللغة الأرامية “يجر سهدوثا” بينما يدعوه يعقوب بالعبرية “جلعيد”، وهذا الحدث يرجع إلى حوالى سنة 1950 ق.م. ودعيت هذه اللغة فى 1ملوك 26:18 بـ “لغة يهوذا” أى بعد يعقوب بحوالى 1000 سنة كما دعيت فى أشعياء 18:19 بـ “لغة كنعان” ودعيه فى مقدمة يشوع بن سيراخ (130 ق.م.) بـ “اللغة العبرية”.
وأقدم كتابة وصلتنا باللغة العبرية هى التوراة، أسفار موسى الخمسة، ولم يصلنا أى شئ مما كتبه العبرانيون سواء قبل موسى أو بعده سوى العهد القديم. أما أقدم النقوش العبرية خارج العهد القديم والتى وصلتنا هى كالآتى :
نقش عزبة سارتة، الذى أكتشف سنة 1976 م ويرجع إلى ما قبل سنة 1000 ق.م. ويحتوى على حوالى 80 حرفاً.
تقويم جيزر ويرجع إلى سنة 925 ق.م. ويذكر قائمة بالمعنى الزراعى لشهور السنة المتعاقبة ومكتوب بالنقش العبرى القديم.
نقوش كونتلة عجرود بسيناء التى اكتشفت سنة 1976 م وهى عبارة عن 70 نقشاً عبرياً وفينيقياً وترجع إلى ما بين سنة 850 و 750 ق.م.
نقوش سلوام وترجع إلى سنة 705 ق.م.
عامود السامرة والذى يؤرخ بيربعام الثانى حوالى 770 ق.م.
خطابات لاخيش وترجع إلى سنة 587 ق.م.، وهى عبارة عن اتصالات لقاعدة أمامية إلى قيادتها. وهى تبين الطريقة التى كانت تتهجى بها اللغة فى تلك العصور.
لفائف ومخطوطات البحر الميت والتى ترجع إلى القرون الثلاثة قبل الميلاد.
2- اللغة العبرية حروفها ومفرداتها :
تتكون اللغة العبرية من 22 حرفاً ساكناً وكانت حتى سنة 1000 ق.م. تكتب بحروف ساكنة فقط بون الحروف المتحركة (a – e – I – o – u) وكان القارئ يدرك النطق الصحيح ويضع الحروف المتحركة من الذاكرة تقليديا، خاصة وأن أكثر الناس قراءة كانوا هم الأنبياء والكهنة والكتبة. وحوالى سنة 900 ق.م. بدأ الكتبة يستخدمون الحروف “هيه، واو، يودا” والتى تساوى “هـ، و، ى” بالعبرية، كحروف نصف ساكنة، فقد استخدما “هيه” فى آخر الكلمة لتنطق همزة “ء” وأحيانا واو قصيرة.
وحوالى سنة 600 ق.م. استخدمت هذه الحروف الثلاثة كحروف متحركة. وفى الفترة من 500 إلى 1000 م ميز الماسوريين 14 صوتاً متحركاً ثم وضعوا حركات الفتح والكسر والضم والسكون.
وتأخذ مفردات اللغة العبرية من المصدر الذى تشتق منه الأفعال والصفات والأسماء .. الخ. ويتكون كل مصدر من ئلائة حروف ساكنة مثل ” ك ت ب” الذى يشتق منها مثلاً “كتب ـ Katab” أى ينقش أو ينحت و “مكتاب ـ Miktab” و”كتاب ـ Ketab” أى كتابة. وهى تضم حوالى 1800 مصدر منهم حوالى 30 مصدر من أربعة حروف والباقى كله من ثلاثة حروف. وتضم مفردات اللغة العبرية بحسب ما جاء فى فهرس سترونج 8674 كلمة، منها، كما يحسب الينوجين 146 كلمة أو أقل من 2% كلمات دخيلة.
جاء 50% من هذه الكلمات من اللغة الآكادية، أقرب اللغات السامية إلى العبرية، والتى تضم كلمات من أصل سومرى، و22% من اللغة المصرية القديمة، و18% من الفارسية، 10% من أصل يونانى وهندى، إلى جانب 268 آية بالآرامية الرسمية أو الإمبراطورية جاءت فى (دا 4:2؛ 28:7؛ عز 8:4؛ 18:6؛ أر 11:10).
وبعد السبى البابلى فقدت اللغة العبرية مكانها كلغة حديث وحلت محلها اللغة الآرامية التى كانت سائدة فى المنطقة، ولكن ظلت اللغة العبرية حية فى العهد القديم كاللغة المقدسة ولغة الأدب. وكان ذلك نتيجة لنقل الطبقة المتعلمة إلى بابل فى بداية السبى البابلى وهروب البعض إلى مصر واستيعاب البقية التى ظلت فى الأرض واختلطت بالشعوب المجاورة للغة الآرامية حتى أنه عندما عاد نحميا إلى أورشليم سنة 432 ق.م.
وجد اليهود يتكلمون لغة مهجنة “نصف كلام بينهم باللسان الأشدودى ولم يكونوا يحسنوا الكلام باللسان اليهودى، (نح 23:13)، فاضطر عزرا الكاتب ورفاقه من قراءة الشريعة، كما هى، باللغة العبرية وترجمتها شفويا للشعب باللغة الآرامية “فسروا المعنى وأفهموهم القراءة” (نح 8:9). وحوالى سنة 200 ق.م. تبنت اللغة العبرية، تحت تأثير الآرامية، الخط المربع أو الحروف المربعة فى الكتابة بدلا من الخط العبرى القديم، وهى الحروف التى لازالت مستخدمة حتى اليوم فى الأدب العبرى إلى جانب العهد القديم.
وكان لغة، كان هناك تنوع فى اللهجات يبدأ أول ذكر له فى سفر القضاة، فمثلاً نطق الأفرايميون كلمة “سبولت” والتى تعنى “سيل المياه” (أش 12:27؛ مز 2:69، 15) هكذا بينما كان الجلعاديين ينطقونها “شبولت” (قض 6:12). ويرى بعض العلماء أن سفر أيوب مكتوب بلهجة تختلف عن العبرية التقليدية.
3- الكتابة والأدوات الكتابية فى العهد القديم :
استخدم العهد القديم كلمة “كتب ـ Katab” من المصدر “ك ت ب” والذى يعنى فى الآرامية والعبرية “ينحت، ينقش” والذى يرادفها فى اليونانية “جرافو ـ Grapho” وذلك للكتابة على الأسطح الصلبة بقلم حاد وأيضا للكتابة على بالحبر على ورق البردى والجلد والرقوق. ويشتق من الفعل “ك ت ب” الأسمين “كتاب” و”ميكتاب” ويعنيان “كتابة ـ Writing”.
أ- طرق الكتابة :
كان موسى النبى، الذى تربى فى مصر وتعلم بكل حكمة المصريين بل وعاش كل حياته فى مصر وسيناء، وكذلك بنى إسرائيل الخارجين معه من مصر، يعرفون كل مواد الكتابة التى كان يستخدمها المصريون وأهمها الكتابة على ورق البردى. ولذا يذكر العهد القديم أنهم استخدموا هذه المواد فى كتابة الوحى الإلهى، فقد كتبت الوصايا العشر على لوحين من الحجارة (خر32) وكتبت الشريعة على أحجار مطلية بالجبس (تث 2:27-4).
كما كتبوا على الألواح “خذ لنفسك لوحا كبيراً واكتب عليه بقلم” (أش 1:8) واستخدم القلم المصنوع من القصب (حز 1:45) والمصنوع من الرصاص (أى 24:19) والحديد (أر 1:17) وكتبوا بالحبر (أر 18:36) وعلى ألواح من خشب أو ورق البردى كما يذكر سفر عزدراس الأبوكريفى (2عز 24:14).
ب- الكتاب :
استخدم العهد القديم كلمة “سفر ـ Selpher” العبرية بمعنى كتاب أى وثيقة مكتوبة مثل، كتاب طلاق (تث 3:24، أش 1:50)، قائمة أنساب (نح 5:7)، أو سجل تاريخى (1مل 4:11)، أو كتاب أعمال الإنسان (ملا 6:3) .. الخ. وأهم كتاب كان هو “سفر توراة موسى” (يش 31:8)، أو “سفر الناموس” (تث 61:28) أو “سفر التوراة” (يش 34:8)، أو “سفر شريعة الله” (يش 26:24)، أو “كتاب موسى” (نح 1:13). ثم بقية كتب العهد القديم (2مك 32:2؛ 2أخ 11:16؛ 25:35). كما استخدمت الكلمةاليوناينة “بيبلون ـ biblion” للأسفار المكتوبة باليونانية (1مكابيين 56:1،57؛ طوبيت 12:7،13).
جـ- الدرج :
وهو بالعبرية “ميجيلا ـ megilla” أى شئ يلف (أر 36). وكانت تستخدم أوراق البردى أو الجلود (الرقوق 2تى 13:4) فى صنع الأدراج. وقد ورد ذكر الدرج فى (أر 36؛ مز 7:40؛ حز 9:2؛ زك 21:5). وكانت الكتابة عادة تكتب على جانب واحد على اللوح أو الدرج أو أى سطح يكتب عليه ونادراً ما كان يكتب على الجانبين مثل لوحى الشهادة (خر 5:32). وكان الكاتب يكتب بنفسه أو يملى على أحد تلاميذه مثل أرمياء النبى الذى كان يملى على تلميذه باروخ (أر 36).
عن كتاب: التوراة كيف كتبت وكيف وصلت إلينا؟ للقمص عبد المسيح بسيط
1- أصل كلمة نبى :
كلمة “نبى” فى العبرية هى “نبى – Nabi” وينقسم العلماء والمفسرين فى تفسيرها وشرح معناها كالآتى :
الكلمة مشتقة من كلمتى “نون – nun” و”بيت – beth” بمعنى “ينبع” أو “ينفجر” وصيغته السلبية “انفجر فيه أو أندفق فيه” وهذا يعنى “اندفاق الروح فى النبى”.
الكلمة مشتقة من الآشورية أو الآكادية من الفعل “نابوـ Nabu” بمعنى “يدعو” أو “ينادى”.
الكلمة مشتقة من الفعل العربى “نبأ” أى أعلن أو أخبر.
هناك صلة بين “نبى” وبين الفعل “بو” أى “يدخل فى”، وبذلك يكون النبى هو من “يدخل فى علاقة مع الله”.
هناك ارتباط بين كلمتى “نبأ” و”نعم” التي تعنى يهوه، فيكون النبى هو المتكلم بوحى الله.
كلمة نبى فى العهد القديم :
ولكن “نبى” فى العهد القديم تعنى الشخص الذي يحمل رسالة، الذي يحمل إعلان الله، الذي يتكلم نيابة عن الله، واسطة أو وسيط الإعلان بين الله والناس. وتوضح لنا علاقة موسى بأخيه هارون هذا ما آمرك به .. وهرون أخاك يكلم فرعون (1)”. وأيضا علاقة موسى بالنسبة لله “أذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به (2)”.
فالنبى هنا هو من يتكلم نيابة عن الإله والذي يضع الله الكلام فى فمه فيتكلم بكلام الله وليس بكلامه هو. وهذا يتجلى بصورة واضحة فى قول الله لموسى الذي جعله مجازاً إلهاً لأخيه هرون وهرون نبيه “فتلكمه (أى هارون) وتضع الكلمات فى فمه. وأنا أكون مع فمك ومع فمه وأعلمكما هذا تصنعان.
وهو يكلم الشعب عنك. وهو يكون لك فماً وأنت تكون له إلهاً (3)”، والمعنى أن الله يضع الكلام فى فم النبى ويكون مع فمه ويوجهه ويعلمه ما يجب عليه أن يفعله والنبى يحمل هذا الكلام، كلام الله، والله معه، إلى الشعب أو متلقى الإعلان، وقال بعد ذلك عن النبى بصفة عامة “وأجعل كلامى فى فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به. ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامى الذي يتكلم به باسمى أنا أطالبه (4)”، النبى إذاً، هو الذي يتكلم باسم الله ويحمل كلامه ويعلنه، الكلام الذي وضعه الله فى فمه.
وكان لموسى النبى بالذات إمتياز خاص عن جميع الأنبياء فى بنى إسرائيل إذ يقول عنه الوحى “إن كان منكم نبى فبالرؤيا أستعلن له فى الحلم أكلمه. أما عبدى موسى فليس هكذا بل هو أمين فى مل بيتى فما إلى فم وعياناً أتكلم معه لا بالألغاز. وشبه الرب يعاين (5)”.
وكان الله يختار الأنبياء بحسب إرادته ودون علم سابق من النبى أو من الشعب بل وبصورة غير متوقعة على الإطلاق، فقد أختار موسى فى الوقت الذي رفض العبرانيان أن يحكم بينهما وقال أحدهما له “من جعلك رئيساً وقاضياً علينا (6)”، وموسى نفسه رأى أنه غير مناسب لهذه المهمة “من أنا حتى أذهب إلى فرعون وحتى أخرج بنى إسرائيل من مصر (7)”، وقال عاموس النبى “لست أنا نبياً ولا أنا ابن نبى بل أنا راع وجانى جميز.
فأخذنى الرب من وراء الضأن وقال لى أذهب تنبأ لشعبى إسرائيل (8)”، وقال أرمياء النبى عندما أختاره الله “أنى لا أعرف أن اتكلم لأنى ولد. فقال الرب لا تقل أنى ولد لأنك إلى كل من أرسلك إليه تذهب وتتكلم بكل ما آمرك به .. ومد الرب يده ولمس فمى وقال الرب لى ها قد جعلت كلامى فى فمك (9)”.
وكانت وظيفة النبى أيضا أن يتنبأ وقد ذكر الفعل العبرى “نبأ ـ Naba” أى يتنبأ أولاً حين أختار موسى سبعيناً من الشيوخ لمعاونته فى قيادة الشعب فحل عليهم روح الرب “فلما حلت الروح عليهم تنبأوا (10)”، أى أن النبى يتنبأ بحلول الرب عليه، روح النبوة. وتنبأ شاول الملك عندما أستقرت عليه الروح وأيضا جماعة الأنبياء المذكورين فى صموئيل الأول (11).
والتنبؤ كما يصفه عاموس النبى هو أيضا إعلان كلام الله “السيد الرب لا يصنع أمراً إلا وهو يعلن سره لعبيده الأنبياء. الأسد قد زمجر فمن لا يخاف. السيد الرب قد تكلم فمن لا يتنبأ (12)”.
وقال الله لحزقيال النبى “وأنت يا ابن آدم فتنبأ وقل (13)”.
وكان مرنمو الهيكل أيضاً يتنبأون بالآلات الموسيقية “بنى آساف وهيمان ويدثون المتنبئين بالعيدان والرباب والصنوج بنو .. يدثون المتنبئ بالعود لأجل الحمد والتسبيح .. لخدمة بيت الله تحت يد الملك (داود) ويدثون وهيمان (14)”. وكان جماعة الأنبياء المذكورون فى سفر صموئيل الأول يتنبأون “وأمامهم رباب ودف وناى وعود (15)”، وكانت مريم النبية أخت موسى وهرون ترنم للرب وهى تقود النساء “بدفوف ورقص (16)”.
2- ألقاب الأنبياء :
“عبد الرب”، لقب الأنبياء بهذا اللقب لأن العبد ملكاً لصاحبه وخاضعاً له، والأنبياء أثارهم الله فلم يعودوا ملكاً لأنفسهم به لله، وكانوا خاضعين له ومنفذي لإرادته وحاملين لإعلانه. وقد وصف جميع الأنبياء بأنهم “عبيد الرب”، “كلام الرب الذي تكلم به عن يد عبيده الأنبياء (17)”.
“رجل الله”، وهذا اللقب لقب به مجموعة من الأنبياء الذين قاموا بأعمال عظيمة مثل موسى المشرع العظيم (18)، وصموئيل آخر القضاة وأعظمهم (19)، والنبى الذي أعلن دينونة الله على بيت عالى الكاهن، وشمعيا (20)، ورجل الله الذي كلم الملك أمصيا (21)، وإيليا الذي قالت له المرأة بعد أن أقام أبنها من الموت “هذا الوقت علمت أنك رجل الله وأن كلام الرب فى فمك حق (22)”، وإليشع النبى الذي لقب بهذا اللقب حوالى 35 مرة (23)، كما دعت أم شمشون الملاك الذي بشرها بولادة شمشون “رجل الله (24)”.
“الرائى” فى العبرية “رأه ـ roeh” من الفعل “رئى ـ ra,a” والذي معناه “يرى، يدرك، يفهم”، والرائى هو الشخص الذي يعلن الله ويكشف من خلاله أسراره” “رجل الله فيخبرنا عن طريقنا .. النبى اليوم كان يدعى سابقاً الرائى (25)”.
واستخدم الفعل “رئى” أيضا للتعبير عن الجانب الرؤى سواء فى حالات الظهورات الإلهية أو الأحلام أو الرؤى، فدعت هاجر اسم المكان الذي ظهر لها فيه ملاك الرب “إيل رئى” “لأنها قالت أهنا رأيت بعد رؤية (26)”.
ويعبر أشعياء عن رؤياه بالقول “رأيت السيد الرب (27)”، كما يعبر كثير من الأنبياء مثل أرمياء وحزقيال ودانيال وعاموس عن رؤاهم بالقول أنهم رأوا أو أن كلمة الرب صارت إليهم فى رؤيا (28)، فقد كانت كلمة الله أيضا تعطى فى هيئة رؤيا.
“الرائى” الذي فى العبرية “حوزى ـ hozeh” والذي لقب به الأنبياء من مرنمى الهيكل الذين كانوا تحت قيادة داود النبى والملك، “هيمان وآساف ويدوثان (29)”. كما لقب اللقب أيضا “الرائين” الذي كانوا فى البلاط الملكى والذين تنبأوا أثناء حكم داود وسليمان ويهوشافاط ومنسى “جاد الرائى (30)”، “عدو الرائى (31)”، “حنانى الرائى (32)”، والموصوفين بـ “الرائين الذين كلموه باسم الرب (33)”. وكان هؤلاء “الرائين” ناصحين ومسيرين للملوك، وكانت لهم حولياتهم “أخبار الرائين (34)”التى كانت أحد مصادر الأسفار التاريخية، (صموئيل والملوك وأخبار الأيام).
والفعل “حزا ـ haza”، أى “يرى، يدرك” أستخدم فى العديد من كتب الأنبياء، “رؤيا أشعياء بن أموص التي رآها (35)”، “الأمور التي رآها أشعياء (36)”، “أقوال عاموس .. التي رآها (37)”، “قول الرب الذي صار إلى ميخا .. الذي رآه (38)”، “الوحى الذي رآه حبقوق (39)”، وذلك للتعبير عن رؤية النبى أو إدراكه لأقوال الله وإعلانه.
وتشير الأسماء المشتقة من “حزا” إلى الإعلان الذي أستلمه النبى فى هيئة رؤيا، والذي يشير عادة إلى حلم أو رؤيا كما هو فى سفر دانيال النبى، كما تعنى كلمة “حزون ـ hazon” فى أسفار أشعياء وعوبيديا وناحوم وأيضا فى ألقاب الأسفار التاريخية المكتوبة عن أنبياء معينين (40)، الرؤيا الإعلانية أو الإعلان الرئوى أو الإعلان الذي أستلمه الأنبياء فى هيئة رؤيا، موضوع الرؤيا هو كلمة الله نفسها.
3- رسالات الأنبياء :
كان الإعلان الذي حمله الأنبياء أو رسالاتهم التي حملوه إلى البشرية هى معرفة الله وفهم غايته والسير بحسب إرادته، وكانت تحمل الرسالات الوعود والتحذيرات وكانوا يبلغون الإعلان شفوياً أو مكتوباً فى لفائف (أدراج)، أو يقدمونه بأسلوب رمزى. وكان يقع عليهم مسئولية حمل الشعب على الرجوع إلى الله والسير بحسب وصاياه وكانت دعامتهم فى ذلك هى شخص الله ذاته ووحدانيته وعدله ورحمته وغفرانه وسيادته على الكون وسيادة حكمه فى التاريخ.
“ليكن أسم الله مباركاً من الأزل وإلى الأبد لأن له الحكمة والجبروت، وهو يغير الأوقات والأزمنة يعزل ملوكاً وينصب ملوكاً. يعطى الحكماء حكمة ويعلم العارفين فهماً. هو يكشف العمائق والأسرار. يعلم ما هو فى الظلمة وعنده يسكن النور (41)”.
أ- استلام الرسالة “الإعلان” :
اختلفت رسالة كل نبى والإعلان الذي حمله عن الأخر، فقد كان هناك أنبياء حملوا رسالة طويلة كموسى وصموئيل وأشعياء وأرمياء وحزقيال وهناك أنبياء حملوا رسالة قصيرة جداً حتى لم يظهر اسم بعضهم فى العهد القديم إلا مرات محدودة وبعضهم لم يذكر أسمه نهائياً بل أشير إليه بتعبير “رجل الله” فقط. وكان هناك أنبياء وظيفتهم هى النبوة مثل الأنبياء المذكورين وأنبياء آخرين كداود (42) الذي دعى فى الأصل ليكون ملكاً وكان الله يكلمه أحياناً من خلال النبيين ناثان وجاد ومع ذلك تنبأ وأوحى إليه وكانت كلمة الرب على لسانه (43).
وكان الأنبياء يعبرون عن استلامهم أو تلقيهم للإعلان الإلهى بالقول “وصارت إلى كلمة الرب”، “جاءت كلمة الرب إلى”، “هوذا كلمة الرب على”، “روح الرب على”، “ودخل فى روح”، “وحملنى الروح”، أو “رؤيا .. النبى”، “وحى النبى” .. الخ. فقد تلقى الأنبياء الإعلان فى هيئة كلمات أو أقوال أو حلم أو رؤيا. فأرمياء النبى يقول أن الله وضع كلماته فى فمه (44)، وأشعياء يقول أنه قيل له “أذهب وقل (45)”، ودانيال يفسر الأحلام ويرى رؤى (46)، وإبراهيم وإسحق ويعقوب يتحدث الله إليهم من خلال ظهورات إلهية، وحزقيال يدخل فيه روحاً ويرى رؤى ويأكل الدرج.
كان روح الله هو الذي يحرك النبى ويقوده ويحمله ويهيمن عليه أثناء حمله للإعلان “روح الرب تكلم بى وكلمته على لسانى (47)”، “وكان روح الرب على عزريا .. فخرج .. وقال (48)”، “ولبس روح الرب زكريا .. فوقف وقال (49)”، “فدخل فى روح .. وقال لى يا ابن آدم أنا مرسلك (50)”، “أنا ملآن قوة روح الرب (51)”، وهكذا دعى الوحى النبى فى سفر هوشع “رجل الروح (52)”، ويقول زكريا النبى “الكلام الذي أرسله رب الجنود بروحه عن يد الأنبياء الأولين (53)”.
ب ـ تبليغ الرسالة “الإعلان” :
حمل الأنبياء الإعلان أولاً وبلغوا رسالتهم شفوياً فكان الإعلان فى أحيان كثيرة مرتبطاً بالأحداث الجارية ثم كانوا يدونونه بعد ذلك كما فعل أغلبهم مثل موسى ويشوع وصموئيل وأشعياء وأرمياء …. الخ. كما كانوا يقدمونه أو يبلغونه مكتوباً كالوصايا العشر ودرج أرمياء. فتكلم أشعياء مع احاز الملك مباشرة (54)، ومع حزقيا (55)، وكلم أرمياء الشعب فى الهيكل (56)، كما بشر الملك حزقيا بصفة خاصة (57)، وتنبأ حزقيال على رعاة إسرائيل وبالطبع كلمهم شفاهة ومباشرة (58)، قبل أن يدون سفره.
وكانت هذه الرسالات تشمل الوعود (59) والتذكير بعهد الله إلى جانب اللوم والتوبيخ والمراثى (60) والأحاجى (61).
كما كانت تقدم فى صور أدبية وبلاغية متنوعة ورائعة مثل تكرار الكلمات أو العبارات والكلمات المسرحية والتضادات أو المقابلات والأسلوب الشعرى السامى واستخدم صور الحديث التخيلية والواضحة إلى جانب النشر الحرفى البسيط (62)، وذلك إلى جانب الأسلوب الرمزى البسيط، كما شق أخيا الشيلونى النبى رداءه الجديد إلى أثنتى عشر قطعة ليشير إلى تمزق المملكة (63)، ودفن أرمياء منطقة الكتان إلى جوار الفرات كرمز لترك الله لنبى إسرائيل (64).
وذهب إلى منزل الفخارى ليرى درساً فى سيادة الله على خليقته (65)، وكسر ابريق الخزف أمام عيون الشعب ليصور دمار أورشليم القادم (66)، كما رسم حزقيال على لبنة سوراً لأورشليم وجعل عليها حصاراً رمزياً لحصار الأعداء القادم عليها (67)، وحمل أمتعته وحفر حفرة فى السور ليصور رحلة الشعب أثناء الجلاء عن أورشليم والسبى إلى بابل، وكان هدف الأنبياء من ذلك جذب انتباه الشعب صلب الرقبة الذي تمرد ولم يستمع لكلمة الله التي أرسلها له عن يد أنبيائه.
جـ – محتوى الرسالة “الإعلان”:
غطت رسالة أنبياء بنى إسرائيل حوالى ألف ومائة سنة من موسى سنة 1500ق.م. إلى ملاخى سنة 1400 ق.م. تغيرت فيها الظروف والأحوال الاجتماعي والسياسية والدينية مرات عديدة إذ عاشوا تحت حكم أنبياء عظماء كموسى وصموئيل وملوك صالحين كداود ويوشيا وملوك أشرار وهم كثيرون، كما عاشوا تحت العبودية فى مسر والسبى فى بابل إلى جانب الحكم الآشوري والفارسى واختلاطهم فى أحيان كثيرة بالشعوب والقبائل التي كانت محيطة بهم.
فتنوعت رسالات الأنبياء وحمل كل منهم إعلان للشعب عامة أو للملوك خاصة، كما تنبأوا على مستقبل شعوب المنطقة كمصر وبابل وآشور وصور وصيدا واشقلون كما تنبأوا عن مستقبل بنى إسرائيل أنفسهم.
ولكن كان يربطهم دائماً عامل واحد هو شرائع ووصايا الله التي أعطاها لهم بواسطة موسى النبى، التوراة، وكان اختيار بنى إسرائيل وخلاصهم من مصر والعهد مع الله والإيمان به كرب لهم وتطبيق شرائعه ووصاياه هى الأركان الأساسية لرسالات الأنبياء جميعا. فكانوا يحثون الشعب دائماً على القيام بواجباتهم الأدبية والأخلاقية وممارسة الطقوس بروحانية للتقرب من الله والشركة الدائمة معه.
وكان الأنبياء يصورون ويقيسون علاقة الله بالشعب، بعلاقة الأب بالابن (68) والفخرانى بالطمى (69) والراعى بالقطيع (70) والزوج بزوجته (71)، بل أن محور ارتكاز دعوة الأنبياء جميعاً كان هو الإيمان بوحدانية الله (يهوه) واجب الوجود، الدائم الوجود، أصل وعلة وسبب كل وجود، سيد الكون ومدبره والمهيمن عليه، وعبادته تعالى دون سواه، ورفض عبادة الأوثان التي هى من صناعة أيدى البشر، فبركات العهد لا ينالها إلا الذين يحبون الله ويخافونه ويعبدونه وحده (72) ويكونوا قديسين لأنه القدوس (73).
ولكن بنى إسرائيل تعدوا على وصايا الله ونقضوا عهده وعصوه وأرتدوا عنه وعبدوا الأوثان، فأعلن الأنبياء كراهية الله لأعمالهم ووبخوهم على خطاياهم وحذروهم من دينونة الله لهم وحلول لعنة العهد عليهم (74) وهزيمتهم عسكريا وسبيهم إلى بابل أن لم يتوبوا (75). وطالبوهم أن يتجنبوا هذا المصير بالعودة إلى الله (76)، ولكنهم أهملوا كلام الأنبياء الذي هو كلام الله وساروا وراء كلام الأنبياء الكذبة الذين خدعوهم وأضلوهم (77).
ولكن الأنبياء، لم يكونوا دعاة دينونة فقط، بل كانوا أيضا مبشرين بعطف الله وحبه ورأفته ورحمته على خليقته فتنبأوا بعودة المشتتين من الأمم (78)، بل وبعودة الأمم إليه، ورفع غضبه عن خليقته (79) لأن حبه أبدى ورحمته دائمة (80)، وأنه سوف يخلص شعبه من أجل اسمه (81) ويجدد عهده ووعوده السابقة بعهد (82) جديد يسكب فيه روحه على كل بشر بالنسل الآتي، نسل إبراهيم واسحق ويعقوب الذي تتبارك به جميع القبائل والشعوب والأمم (83).
ابن داود الذي سيجلس على عرشه إلى الأبد (84) الذي سيولد من عذراء (85) فى قرية بيت لحم أرض يهوذا (86) فى ملئ الزمان (87)، فى زمن الإمبراطورية الرابعة من الإمبراطوريات العالمية التي رآها دانيال النبى (88)
والتى بدأت ببابل ثم فارس ثم اليونان ثم الرومان بل وتحدد بدء عمله بـ 490 سنة تبدأ بخروج الأمر ببناء وتجديد أورشليم (89) والذي صدر سنة 454 ق.م. (90) ، وسوف يتألم لكى بآلامه وجراحاته يحمل خطايا الكثيرين وتأتى إليه جميع الأمم، إلى أورشليم (91)، الروحية، ويؤسس ملكوت الله ويسود على جميع الأمم والشعوب سيادة أبدية لا تنقرض ولا تزول (92). ثم تموت الأرض، تزول (93) ويخلق الله أرضاً جديدة (94) وسماء جديدة ويقوم الموتى من القبور للحياة (95)، الأشرار إلى الدينونة الأبدية والأبرار إلى الحياة الأبدية (96).
الإعلان الإلهى في العهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط
الإعلان الإلهى في العهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط
الإعلان الإلهى في العهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط
عن كتاب: التوراة كيف كتبت وكيف وصلت إلينا؟ للقمص عبد المسيح بسيط
1- ما معنى الإعلان وما هو؟
تعنى كلمة إعلان فى العهد القديم، إعلان الله لذاته وإرادته وغايته، خاصة للإنسان الذى هو، أصلاً، سبب الإعلان. وقد أتت كلمة إعلان فى العهد القديم من الفعل العبرى “جالا ـ gala” والذى يعنى “يكشف”، “يستعلن”، “يعلن” كما توضح ذلك الآيات التالية :
“أن السيد الرب لا يصنع أمراً إلا وهو يكشف سره لعبيده الأنبياء(1)”.
“لأن الرب أستعلن لصموئيل فى شيلوة بكلمة الرب(2)”.
“فأعلن فى أذنى رب الجنود(3)”.
وهو يعبر دائماً عن معنى لاهوتى عندما يكون موضوع الإعلان هو الله، وأيضا عندما يكون الموضوع المعلن عنه دينياً وأخلاقياً ويتضمن الإعلان كشف للأسرار التى يريد الله ذاته الإعلان عنها من جهة البشرية “حينئذ لدانيال كشف السر فى الليل .. هو يكشف العمائق والأسرار .. يوجد إله فى السموات كاشف الأسرار وقد عرف الملك .. ما سيكون فى الأيام الأخيرة … وكاشف الأسرار يعرفك بما سيكون(4)”.
2- طبيعة الإعلان :
خلق الله الإنسان على صورته ومثاله(5)، كتاج لخليقته وخليفة له فى الأرض، ليستمتع بنعمة الوجود فى الحياة ككائن حى وبنعمة الوجود فى الحضرة الإلهية، فيعرف الله ويحبه ويعبده كمخلوق يقدم الحمد والشكر والمجد لخالقه، وأعطاه السلطان على كل شئ على الأرض، “على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض(6)”.كان الإنسان صورة الله وخليفته على الأرض، عرف الله وتحدث معه واستمتع بالوجود فى حضرته.
وبعد السقوط فى الخطية وطرد آدم من جنة عدن، فصلت الخطية بينه وبي الله وحرم من نعمة الإعلان الإلهى المباشر، فقد جعلت الخطية آدم يتصور أنه يخفى نفسه ويختبئ من الله(7)، ولم يعد يحتمل الوقوف فى حضرة الله، وصارت هناك هوة عميقة بين الإنسان والله.
ولكن الله الذى أحب البشرية حتى المنتهى(8) والذى يجد لذته فى بنىآدم(9) لم يفرط فى الإنسان فبادر هو بذاته تعالى للاتصال بالإنسان والإعلان عن ذاته “بأنواع وطرق كثيرة(10)”، ومن ثم فقد أعلن ذاته فى التاريخ كما أعلن فى المستقبل.
3- إعلان الله لذاته فى التاريخ :
الله بطبيعته وقدرته الكلية ووجد المطلق، غير المحدود فى المكان أو الزمان أو القدرة، لا يستطيع العقل البشرى المحدود إدراكه، إذ لا يمكن للمحدود أن يعرف غير المحدود، ولا يستطيع أحد أن يعرف شيئاً عن الله ألا هو ذاته، وهو وحده تعالى الذى يعلن عن ذاته، بكلمته “وليس أحد يعرف الابن إلا الآب ولا أحد يعرف الآب إلا الابن. ومن أراد الابن يعلن له”، “الابن الوحيد الذى هو فى حضن الآب هو خبر(12)”، وأيضا بروحه القدوس “لأن الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله(13)”.
والإعلان لا يقدم لنا مجرد حقائق مجردة عن الله، مجرد نصوص، لأن كلمات الله وأعماله لا يمكن أن تكون مجرد حقائق منفصلة عن شخصه الحى، فغاية الإعلان هى عودة الإنسان إلى الله، إلى علاقته مع الله، العلاقة التى فصلتها الخطية. فالاعتقادات والحقائق والحقوق مهمة ولكن لا يجب أن تكون مجرد فرائض وتعاليم وطقوس لمجرد الحفظ والممارسة لأن هدف الإعلان وغايته هو العودة بالإنسان إلى الله وإعادة المياه إلى مجاريها كما كانت قبل السقوط والطرد من الحضرة الإلهية.
إن هدف الإعلان وغايته هو إعلان حب الله المستمر للبشرية “تراءى لى الرب من بعيد. ومحبة أبدية أحببتك من أجل ذلك أدمت لك الرحمة(14)”، وإعلانه البحث عنها، فهو يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون(15)”.
لذا بحث الله بنفسه عن آدم وجاء بنفسه إلى إبراهيم(16) وجعله خليله وتكلم مع موسى “وجهاً لوجه كما يكلم الرجل صاحبه(17)”، وقال له “لأنك وجدت نعمة فى عينى وعرفتك باسمك(18)”، وكشف له عن أسمه “يهوه” الدال على وجوده الأزلى الأبدى وكونه موجد كل شئ(19)، كما أعلن ذاته بواسطة العديد من أنبيائه، “الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة(20)”، على مدى العصور والأزمان.
1- إعلان الله هو إعلان الفداء :
الله يعرف ضعف البشرية ولذا لم يتعامل مع الإنسان على أساس ضعف بشريته وميله للانحراف عن عبادته تعالى، نعم لقد كره الخطية ولكنه لم يكره الخاطئ بل عطف عليه وبحث عنه ودبر له الوسيلة للخلاص منها، لقد تعامل مع الخطية بقصد تخليص الإنسان منها ومن نتيجتها التى هى الموت الأبدى فدبر له الفداء فى “ملء الزمان(21)”، فى الوقت الذى شاءت إرادته الإلهية أن يكون والتى رأت أنه الوقت المناسب، فاختار إبراهيم أبو الأباء ووعده بأن يكون “أباً لجمهور كثير من الأمم(22)”، وأن يجعل من نسله الآتى فى “ملء الزمان” بركة لجميع قبائل وشعوب وأمم الأرض “وتتبارك فى نسلك جميع قبائل الأرض(23)”.
وكما أعلن عن حبه أعلن عن غفرانه ورحمته ونعمته، فهو الإله الرحيم، الغفور، المنعم “الرب إله رحيم ورؤوف بطئ الغضب وكثير الإحسان والوفاء. حافظ الإحسان إلى ألوف. غافر الآثم والمعصية والخطيئة(24)”، أم كما يقول المرنم بالروح “الرب رحيم ورؤوف طويل الروح وكثير الرحمة، لا يحاكم إلى الأبد ولا يحقد إلى الدهر. لم يصنع معنا حسب خطايانا ولم يجازنا حسب آثامنا. لأنه مثل ارتفاع السموات فوق الأرض قويت رحمته على خائفيه … كما يترأف الآب على البنين يترأف الرب على خائفيه، لأنه يعرف جبلتنا يذكر أننا تراب(25)”.
2- إعلان الله هو إعلان إرادته لشعبه :
الله قدوس وبار، وقداسته قداسة مطلقة وبره غير محدود ولذلك فقد أعلن عن ذاته كالإله القدوس البار “قدوس قدوس قدوس رب الجنود(26)”، وكانت إرادته أن تتقدس البشرية ويكون البشر قديسين “لأنى قدوس أنا الرب مقدسكم(27)”. “تكونون قديسين لأنى أنا قدوس(28)”، ولكن البشرية، بضعفها لا تستطيع ذلك، فلن يكون أحد كاملاً فى بره أمامه، ويصرخ المرنم معبراً عن هذه الحقيقة “لا تدخل فى المحاكمة مع عبدك فإنه لن يتبرر قدامك حى”.
وهنا تأتى الحاجة إلى المصالحة وإلى الوسيط الذى يقوم بهذا الصلح الذى بحث عنه أيوب البار “ليس بيننا مصالح يضع يده على كلينا(29)”، ومن ثم فقد وضع أمله وأمل البشرية فى أن الله سوف يدبر هذا الوسيط المصالح “أن وجد عنده مرسل وسيط واحد من ألف ليعلن للإنسان استقامته، يترأف عليه ويقول أطلقه من الحفرة قد وجدت فديه(30)”.
ثم أعلن الله الناموس بواسطة موسى كليمه ليعيش الشعب بمقتضاه ويعرف حدود الخطية وما هو البر، فيرفض الخطية ويعيش باراً، يعرف ما هى الواجبات التى عليه تجاه الله وما هو حق الله عليه. وارتبط الناموس بعهد بين الله والإنسان، كان عهد الله أولا مع إبراهيم “وأقيم عهدى بينى وبينك وبين نسلك من بعدك فى أجبالهم عهداً أبدياً .. لأكون إلهاً لك ولنسلك من بعدك(31)”، ثم أعطى العهد مجدد مع الشعب بواسطة موسى، هذا العهد الذى أرتبط بالناموس والوصايا “فالآن إن سمعتم لصوتى ولحفظتم عهدى تكونون لى خاصة من بين جميع الشعوب(32)”.
وأعطى الله بنفسه الوصايا والشرائع لموسى وكلمه “فما لفم” وكتب بنفسه الوصايا العشر على لوحين من الحجر(33)، وأراد أن يكتب هذا الناموس على قلوب شعبه(34).
4- الإعلان الماضى والحاضر والمستقبل :
وإعلان الله هو إعلان عن ماضى البشرية وحاضرها كما هو أيضا إعلان عن مستقبلها. أنه إعلان عن الماضى السحيق حتى من قبل أن يوجد الإنسان وإعلان الحاضر الذى عاصر الإعلان الإلهى وإعلان عن المستقبل الحالى أو القريب والمستقبل البعيد المتصل بالأمم فى تاريخ الفداء وحتى الأبدية.
أنه إعلان للماضى الذى عاشته البشرية منذ فجرها وإعلان للحاضر المعاش وإعلان للمستقبل الذى يقع خارج القدرات البشرية المحدودة والذى يتحدى به أشعياء الأوثان التى عبدتها البشرية من دون الله “اعلمونا المستقبلات. اخبروا بالآتيات فيما بعد يعرف أنكم آلهة(35)”.
والإعلان بالمستقبل نابع من سلطان الله الكلى المطلق على الكون باعتباره خالقه ومدبره وكونه الإله الواحد “أنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيرى .. وضعت الشعب القديم. والمستقبلات وما يأتى(36)”.
فأعلن لموسى أنه سيخرج بنى إسرائيل من مصر بواسطته(37)، وأعلن لجدعون أنه سيستخدمه لخلاصهم من المديانيين(38)، واستخدم الطفل صموئيل ليعلن لعالى الكاهن سقوط بيته وموت ولديه(39)، وأعلن بواسطته إيليا موت إيزابل(40)، وجعل أشعياء ينبأ بخلاص بنى إسرائيل من الآشوريين(41)، ويتنبأ أيضا بهزيمة بابل النهائية برغم أن تصور ذلك فى وقته كان محال(42). هذا الإعلان المستقبلى يعبر عنه عاموس النبى بالقول “الرب لا يصنع أمراً إلا وهو يعلن سره لعبيده الأنبياء(43)”.
وكان هذا الإعلان المستقبلى مرتبطاً بعلاقة الله بشعبه من حيث ارتدادهم عنه وعودتهم إليه. كما تنبأ الأنبياء أيضا خاصة أشعياء وأرمياء وحزقيال ودانيال على مستقبل أمم كثيرة مثل مصر وبابل وآشور وصور وصيدا .. الخ. كما كان إعلان المستقبل الحالى أو القريب يرمز فى بعض صوره للمستقبل النهائى عندما يتم الفداء وحتى الدينونة.
وكان قمة الإعلان هو الإعلان عن الفداء العظيم بمجئ المسيا الفادى والذى حدد صفاته وأعماله والأم التى ستلده والقرية التى سيولد منها والزمن الذى سيولد فيه. وهذا ما عبر عنه السيد المسيح نفسه بقوله “لأنه لابد أن يتم فى جميع ما هو مكتوب عنى فى ناموس موسى والأنبياء والمزامير(44)”.
صلب المسيح حقيقة مؤكدة تاريخياً ومسيحياً ووثائقياً – القمص عبد المسيح بسيط
صلب المسيح حقيقة مؤكدة تاريخياً ومسيحياً ووثائقياً – القمص عبد المسيح
إن حقيقة صلب المسيح كحادثة تاريخية بمغزاها التاريخي والعقيدي واللاهوتي تشكل ثلث الإنجيل بأوجهه الأربعة وبقية أسفار العهد الجديد، بل وتكررت كلمة صليب عن المسيح ومرادفاتها ؛ الصليب وصلب ويصلب وصلبوا وصلبوه ومصلوب والمصلوب أكثر من ثمانين مرة، وكانت عقيدة صلب المسيح وفدائه للبشرية هي محور وجوهر وقلب الإنجيل المبشر به للعالم كله.
كما شهد لها، إلى جانب التاريخ المسيحي، التاريخ اليهودي والروماني واليوناني والسوري، ولدينا الوثائق التاريخية التي سجلت ذلك.
يتكلم أصحاب نظرية الشبه ونقاد الكتاب المقدس بصفة عامة عن الكتاب المقدس وعقائده وكأنها خرجت من زاوية مغمورة في مكان مغمور وفي زمن شبه مجهول !!!!! ويتجاهلون حقيقة أن أحداث الإنجيل تمت وسط عشرات الآلاف بل وملايين البشر، وأن الجماهير الغفيرة كانت تحيط بالمسيح دائماً “ حتى كان بعضهم يدوس بعضا ” (لو1:12)، كما يقول القديس لوقا، كما أن أحداث صلب المسيح لم تتم سرا ولا في زاوية، بل تمت في أورشليم وفي عيد الفصح اليهودي الذي كان يحضره، بحسب تقدير المؤرخ والكاهن اليهودي يوسيفوس، حوالي 2 مليون ونصف يهودي من جميع بلاد الإمبراطورية الرومانية.
ومن ثم كان الناس، سواء في فلسطين أو سوريا، منذ الأيام الأولى لكرازة الرسل يعرفون هذه الأحداث جيداً. لذا فعندما وقف القديس بولس الرسول يحاكم أمام الملك هيرودس أغريباس قال له ” لأنه من جهة هذه الأمور عالم الملك الذي أكلمه جهارا إذ أنا لست اصدق أن يخفى عليه شيء من ذلك. لأن هذا لم يفعل في زاوية ” (أع26:26) .
1 – صلب المسيح وقيامته هما قلب الإيمان المسيحي وجوهر رسالة المسيحية:
يقول الكتاب المقدس في أول قانون إيمان مكتوب في الكنيسة صدر يوم الخمسين لقيامة السيد المسيح ودونه القديس بولس الرسول بالروح القدس في رسالته الأولى إلى كورنثوس والتي يُجمع العلماء والنقاد على أنها كُتب حوالي سنة 55م أي بعد خمسة وعشرين سنة من القيامة والتي تشهد على إيمان الكنيسة في فجرها الباكر حيث تسلم القديس بولس نفسه هذا الإيمان في السنة الثالثة للقيامة ” وأعرفكم أيها الأخوة بالإنجيل الذي بشرتكم به وقبلتموه وفيه تقُومون وبه أيضا تخلصُون أن كنتم تذكرون أي كلام بشرتكم به إلا إذا كنتم قد آمنتم عبثاً.
فأنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضا أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكُتب (أي أسفار العهد القديم). وأنه دُفن وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب. وأنه ظهر لصفا (بطرس) ثم للأثنى عشر. وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمس مئة أخ أكثرهم باق إلى الآن (سنة 55م) ولكن بعضهم قد رقدوا. وبعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل أجمعين. وآخر الكل كأنه للسّقِط ظهر لي أنا ” (1كو1:15-8).
فالصلب والقيامة هما أساس الإيمان المسيحي وجوهر رسالة المسيحية ودعوتها لأنها قامت على هذا الأساس. وقد سجل لنا العهد الجديد في كل أسفاره وكذلك التقليد وكتابات أباء الكنيسة في القرون الثلاثة الأولى وقوانين الأباء الرسل أحداث وتفاصيل الصلب والقيامة ومغزاها بالنسبة للإيمان المسيحي، بل وكانت أول عظة بعد حلول الروح القدس هي عن الصلب والقيامة، بل وكان أول ما كتب في الإنجيل بأوجهه الأربعة، بإجماع العلماء، هي أحداث الصلب والقيامة.
ويتلخص هذا الإيمان فيما جاء في قانون مجمع نيقية المُنعقد سنة 325م ” وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطي، وتألم وقبر، وقام من الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السموات “.
2 – موقف التلاميذ والرسل قبل القيامة وبعدها:
قدم معظم التلاميذ والرسل حياتهم ثمناً لدعوتهم في المسكونة كلها بأن المسيح صلب ومات وقام من الموت وصعد إلى السماء، وذهبوا إلى السماء شهوداً وشهداء، ولكن هؤلاء التلاميذ والرسل لم يكونوا قبل القيامة بهذا الحماس وهذه القوة، كما لم يكونوا على حافة الإيمان وينتظرون من يحركهم حتى يقوموا بدعوتهم وإنما العكس تماماً، فقد كانوا متشككين ويائسين وخائفين وفاقدي الأمل وضعفاء وقد تركوا السيد عند القبض عليه ” كلهم هربوا ” (مت56:26)، ولم يدخل معه المحكمة إلا يوحنا لأنه ” كان معروفاً عند رئيس الكهنة ” (مت58:26)، أما بطرس فقد تبعه عن بُعد وأنكره عندما أنكشف أمره.
وعند صلبه وموته ودفنه لم يظهر أحد منهم علانية سوى يوحنا والنساء (يو25:18)، وكانوا في حزن شديد وغم واكتئاب وقد فقدوا الرجاء في قيامته برغم أنه كرر أمامهم، ولهم خاصة، مرات عديدة أنه سيقوم من الموت في اليوم الثالث وأغلقوا على أنفسهم الأبواب خوفاً من اليهود لئلا يفعلوا بهم نفس ما فعلوه بسيدهم وتشتت البعض وعاد البعض إلى قراهم وتحقق فيهم ما سبق وأنبأهم به السيد ” الحق الحق أقول لكم أنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح.
أنتم ستحزنون ولكن حزنكم يتحول إلى فرح. المرأة وهي تلد تحزن لأن ساعتها قد جاءت. ولكن متى ولدت الطفل لا تعود تذكر الشدة لسبب الفرح لأنه قد ولد إنسان في العالم. فأنتم كذلك عندكم الآن حزن. ولكن سأراكم أيضا فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم ” (يو20:16)، كما وعدهم.
وكان السيد أيضا قد سبق ووعدهم انه بعد قيامته سيظهر لهم وحدهم ” بعد قليل لا يراني العالم… أما أنتم فترونني. إني أنا حي فأنتم ستحيون ” (يو9:14).
وبعد أن قام السيد وظهر لهم وحدهم حسب وعده الصادق لهم وتوالى ظهوره لهم مرات عديدة تحولوا إلى النقيض تماماً، فتحول حزنهم إلى فرح، ونسوا بعد القيامة الشدة التي عاشوها قبلها وامتلئوا بالفرح الذي لم ينزع منهم إلى الأبد.
وبعد حلول الروح القدس عليهم، حسب وعد معلمهم لهم (1)، يوم الخمسين عندما حل الروح القدس عليهم وتحولوا إلى شجعان أقوياء ووقفوا أمام العالم كله وليس في أيديهم سوى الإنجيل وانتصروا على هذا العالم بقواته الروحية الشريرة والمادية، فقد حول مجد القيامة وقوتها هؤلاء الحزانى الضعفاء إلى أعظم منتصرين وقادهم السيد ” في موكب نصرته ” (2كو 14:2)، وشحنهم الروح القدس بطاقة روحية وكان معهم في كل مكان وزمان كما زودهم السيد بالآيات والمعجزات التي برهنت على صحة إيمانهم.
3 – مواجهة الرسل للعالم بحقيقة الصلب والقيامة:
وقف القديس بطرس الرسول مع التلاميذ والرسل جميعاً، بعد أن حل عليهم الروح القدس في يوم الخمسين ونادوا في قلب أورشليم، التي صلب فيها المسيح منذ سبعة أسابيع فقط، أمام الآلاف الغفيرة من اليهود وقال: ” أيها الرجال اليهود والساكنون في أورشليم أجمعون… أسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم أيضا تعلمون.
هذا أخذتموه مسلماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدي آثمة صلبتمُوه وقتلتمُوه. الذي أقامه الله ناقضاً أوجاع الموت إذ لم يكن ممكناً أن يُمسك منهُ. لأن داود يقول فيه… لأنك لن تترك نفسي في الهاوية ولا تدع قدوسك يرى فساداً… فإذا كان نبياً وعلم أن الله حلف له بقسم أنه من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح أنهُ لم تترك نفسه في الهاوية ولا رأى جسده فساداً. فيسوع هذا أقامه الله ونحن جميعاً شهوداً لذلك ” (أع 14:2، 22-25).
وفي نفس الأسبوع صعد القديسان بطرس ويوحنا إلى الهيكل عند صلاة الساعة التاسعة (الثالثة ظهراً) وشفيا الأعرج من بطن أمه فأندهش الناس لذلك فقال لهم القديس بطرس ” إله آبائنا مجد فتاه يسوع الذي أسلمتوه أنتم وأنكرتموه أمام وجه بيلاطس وهو حاكم بإطلاقه، ولكن أنتم أنكرتم القدوس البار وطلبتم أن يُوهب لكم رجل قاتل. ورئيس الحياة قتلتموه الذي أقامه الله من الأموات ونحن شهوداً لذلك ” (أع 13:3-15).
ولما قُبض عليهما وحوكما أمام رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ ” امتلأ بطرس من الروح القدس وقال لهم يا رؤساء الشعب وشيوخ إسرائيل… فليكن معلوماً عند جميعكم وجميع شعب إسرائيل أنه باسم يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم الذي أقامه من الأموات. بذلك وقف هذا صحيحاً أمامكم ” (أع 10:4).
وبعد سجن بطرس الرسول وإخراج الملاك له من السحن وقف الرسل ثانيه أمام رؤساء الكهنة وقالوا لهم ” قد ملأتم أورشليم بتعليمكم وتريدون أن تجلبوا علينا دم هذا الإنسان ” فقال لهم الرسل ” إله آبائنا أقام يسوع الذي أنتم قتلتموه معلقين إياه على خشبه. هذا رفعه الله بيمينه… ونحن شهود له بهذه الأمور والروح القدس أيضاً ” (أع 30:5-32).
وكذلك وقف القديس أستفانوس وهو يحاكم أمام السنهدرين وقال لهم ” أي الأنبياء لم يضطهده آباؤكم وقد قتلوا الذين سبقوا فانبأوا بمجيء البار الذي أنتم الآن صرتم مسلميه وقاتليه ” (أع 52:7).
وكانت نتيجة هذه العظات وغيرها هي انضمام آلاف اليهود بما فيهم كهنه ورؤساء كهنة وغيرهم من رجال الدين إلى المسيحية، ثم حدوث اضطهاد عظيم على الكنيسة في أورشليم وتشتت المؤمنون، عدا الرسل، إلى خارجها. وفي كل الحالات لم يجرؤ اليهود على مواجهه الرسل بأي شئ يمكن أن يناقض إيمانهم سوى القتل والاضطهاد، الذي صار بركة للكنيسة. كما أن إيمان الآلاف منهم بالمسيح بحقيقة قيامته نتيجة لكرازة الرسل والآيات التي أجراها الله على أيديهم (أع 12:5)، لهو أكبر دليل على صحة كل حرف تكلموا به.
وعندما بشر القديس بطرس الرسول أول جماعه من الأمم في قيصرية بفلسطين وعلى رأسهم القائد الروماني كرنيليوس، قال لهم ” أنتم تعلمون الأمر الذي صار في كل اليهودية مبتدأً من الجليل بعد المعمودية التي كرز بها يوحنا. يسوع الذي من الناصرة… الذي أيضاً قتلوه معلقين إياه على خشبه. هذا أقامه الله في اليوم الثالث وأعطى أن يصير ظاهراً ليس لجميع الشعب بل لشهود سبق الله فأنتخبهم. لنا نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الأموات” (أع37:10-41).
فقد بشر الرسل أناس من اليهود والأمم يعرفون كل ما جرى وحدث للرب يسوع المسيح من صلب وموت ودفن، أما القيامة وظهوراتها فقد خص الله بها الشهود الذين سبق فأختارهم والذين سبق فوعدهم ” بعد قليل لا يراني العالم أيضاً وأما أنتم فترونني ” (يو19:14)، وكان على هؤلاء الشهود أن يشهدوا بما سمعوا ورأوا للعالم أجمع ” وتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض ” (أع8:1). وفي مواقفهم لم يجرؤ أحد أن يناقض أو يكذب حرف مما قالوه لأنه كان معلوماً عند الجميع.
وبعد تحول القديس بولس إلى المسيحية وقف في مجمع اليهود في إنطاكية بيسيدية وقال لهم ” أيها الرجال الأخوة من جنس بنى إبراهيم والذين بينكم يتقون الله إليكم أرسلت كلمه الخلاص. لأن الساكنين في أورشليم ورؤساءهم لم يعرفوا هذا.
وأقوال الأنبياء التي تقرأ كل سبت تمموها إذا حكموا عليه. ومع أنهم لم يجدوا عله واحدة للموت طلبوا من بيلاطس أن يقُتل. ولما تمموا كل ما كُتب عنه أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في قبر. ولكن الله أقامه من الأموات. وظهر أياماً كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم الذين هم شهود عند الشعب ” (أع 26:13-31). وقال للملك هيرودس أغريباس ومجمع الحاضرين معه ” أنا لا أقول شيئاً غير ما تكلم الأنبياء وموسى أنه عتيد أن يكون إن يؤلم المسيح يكن هو أول قيامه الأموات ” (أع22:26و23).
وهكذا واجه تلاميذ المسيح ورسله اليهود بحقيقة قيامه المسيح الذي صلبوه، كما واجهوهم باللوم لصلبهم له برغم أن ذلك تم بإرادة الله ومشورته الأزلية وعلمه السابق، كما واجهوا العالم الوثني وقدموا له المسيح المصلوب برغم عثره الصليب بالنسبة له ” نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثره ولليونانيين جهالة ” (1كو23:1)
وواجهوا الجميع بالقيامة، قيامة الرب من الأموات، ولم يكن للعالم دليل ضدهم فاليهود يعترفون بأنهم صلبوا المسيح واليونانيون والرومان ينظرون إليه باعتباره الذي صلبه اليهود، أما القيامة فلم يستطع العالم إنكار حقيقتها خاصة وأن الذين نادوا بها أيدهم الله بالبراهين والآيات والعجائب والمعجزات التي أثبتت صحة دعواهم وكرازاتهم ولم يكن أمام العالم سوى قبول هذه الحقائق والإيمان بالمسيحية أو اضطهاد رسل المسيح حتى الدم.
تسلم التلاميذ ورسله الرسالة من الرب يسوع المسيح، وكان لهؤلاء التلاميذ والرسل خلفاء وتلاميذ، أسمتهم الكنيسة بالآباء الرسوليين، ومن هؤلاء من كان تلميذاً للقديس بطرس مثل أغناطيوس أسقف إنطاكية، وبوليكاربوس أسقف سميرنا بآسيا الصغرى والذي كان تلميذا للقديس يوحنا الرسول تلميذ المسيح، واكليمندس الروماني تلميذ القديس بولس وغيرهم. هؤلاء استلموا منهم الإنجيل الشفوي قبل أن يكتب، مع بقية المؤمنين، ثم الإنجيل المكتوب، ثم سلموه بدورهم لخلفائهم هم أيضا، مع بقية الجماعة والكنيسة المسيحية.
كانت هناك دائما سلسلة متواصلة من الشهود. فمثلا كان القديس يوحنا تلميذا للمسيح وكان من ضمن تلاميذ يوحنا القديس بوليكاربوس ومن تلاميذ القديس بوليكاربوس القديس أريناؤس أسقف ليون بفرنسا، وبالتالي ما يقوله الواحد هو ما نقله عن الآخر، فقد نقل بوليكاربوس عن يوحنا ونقل أريناؤس عن بوليكاربوس وبالتي ما كتبه أريناؤس هو شهادة القديس يوحنا المنقولة عبر بوليكاربوس، وهكذا.
وهؤلاء سلموه بدورهم لمن بعدهم حتى جاءت المجامع الكنسية سواء المحلية والتالي بدأت في نهاية القرن الثاني الميلادي، أو المسكونية التي بدأت بمجمع نيقية سنة 325م. وقد واجه هؤلاء العالم كله بحقيقة الصلب والقيامة، وكان العالم جميعه ينظر إليهم كأتباع المصلوب الذي صلبه اليهود ولكنهم واجهوه بحقيقة قيامته وانتصاره على الموت وصعوده إلى السماء وجلوسه عن يمين العظمة في السماء. وهذه بعض فقرات مما كتبوه:
(1) اكليمندس الروماني (30 – 100م):
تلميذ الرسل وأسقف روما: يقول في رسالته: ” لنركز أنظارنا على دم المسيح متحققين كم هو ثمين لدى أبيه، إذ سفكه لأجل خلاصنا، وقدم نعمه التوبة للعالم كله “. ” لنكرم الرب يسوع المسيح الذي قدم دمه لأجلنا “. ” وقد صار الرب يسوع المسيح باكورة القائمين من الموت “. ” وبعدما تسلم الرسل أوامرهم واقتنعوا بقيامه ربنا يسوع المسيح تماماً، وتأكدوا من كلمه الله، ذهبوا في ثقة الروح القدس للكرازة “.
(2) أغناطيوس الأنطاكي ( 30 – 107م) تلميذ بطرس الرسول وأسقف كنيسة إنطاكية:
يقول في رسالته إلى أفسس ” أن روحي هي ضحية الصليب، والصليب هو عثره لغير المؤمنين، أما لنا نحن فهو خلاص وحياه أبديه ” (أف 1:18).
ويقول في رسالته إلى ترالس ” يسوع المسيح… تألم حقاً على عهد بيلاطس البنطى، وصلب حقاً ومات حقاً أمام السمائيين والأرضيين ومن تحت الأرض قام حقاً من الأموات ” (1:9،2).
وقال في رسالته إلى سميرنا ” أنا أؤمن أنه بعد القيامة كان ما يزال له جسد، وأؤمن أنه هكذا الآن، ومثال ذلك، عندما جاء للذين كانوا مع بطرس قال لهم ” جسونى وانظروا أنى لست روحاً بدون جسد ” وفي الحال لمسوه وأمنوا أنه كان روحاً وجسداً… وبعد قيامته أكل وشرب معهم… ” (ف2).
(3) بوليكاربوس (65-155م) تلميذ القديس يوحنا الرسول:
يقول في رسالته إلى فيلبى: ” يسوع المسيح سيدنا الذي تحمل الموت من أجلنا وأقامه الله حالاً رباطات الجحيم ” (2:1). ” أمنوا بمن أقام سيدنا يسوع المسيح من بين الأموات وأعطاه مجداً ” (1:2). ” فلنلتصق دائماً برجائنا وعريس عدالتنا يسوع المسيح الذي حمل خطايانا في جسده على الخشبة (الصليب) ” (1:7).
(4) رسالة برنابا المكتوبة سنة 100م وقد جاء فيها:
” أن السيد قد أحتمل تسليم جسده إلى الفساد. كان المقصود هو تنقيتنا وغفران خطايانا الذي تم بنضح دمه ” (1:5). ” يا أخوتي إذا كان السيد قد أحتمل أن يتألم من أجل نفوسنا وهو رب المسكونة… فكيف قبل أن يتألم على أيدي الناس؟ ولكي يعطل الموت ويبرهن على القيامة من الأموات ظهر بالجسد وأحتمل الآلام ” (5:5). ” أنه هو الذي أراد أن يتألم هكذا، وكان عليه أن يتألم على الصليب ” (12:5).
وأيضا ” قد تألم ليحيينا بجراحه، فلنؤمن أن أبن الله لم يتألم إلا لأجلنا وقد سقى الخل والمر أره عندما صلب ” (2:7،3). ” لذلك نعيد اليوم الثامن بفرح. اليوم الذي قام فيه المسيح من الأموات وظهر وصعد إلى السماء ” (9:15).
(5) يوستينوس الشهيد (100-165م):
يقول في حواره مع تريفو اليهودي ” لأنه حقاً بقى المسيح على الشجرة (الصليب) حتى المساء تقريباً ودفنوه في المساء وفي اليوم الثالث قام ثانيه “(2).
وقال في كتابه على القيامة ” لماذا قام (المسيح) في الجسد الذي تألم به إلا لكي يبين قيامه الجسد؟ وتأكيداً لهذا، فعندما لم يعرف تلاميذه أن كان قد قام بالجسد حقاً وكانوا ينظرون إليه بشك قال لهم: ” أليس لكم إيمان حتى الآن، انظروا أنى أنا، وسمح لهم أن يجسوه ويروا آثار المسامير في يديه، وعندما اقتنعوا تماماً أنه هو نفسه وفي الجسد سألوه أن يأكل معهم كي ما يكونوا أكثر يقيناً، أنه قام في جسده الحقيقي؟ فأكل شهد عسل وسمكاً “(3).
(6) ايريناؤس (120 – 220) أسقف ليون بفرنسا:
هذا القديس كتب فصولاً طويلة شرح فيها آلام السيد المسيح وصلبه وموته ودفنه وقيامته نكتفي منها بهذه الفقرة: ” وكما قام المسيح بجوهر الجسد وكشف لتلاميذه أثار المسامير والفتحة في جنبه… فقد قام بقوته هو”(4).
4 – التقليد المسيحي وحقيقة الصلب والقيامة:
التقليد المسيحي هو تعليم رسل السيد المسيح الذي تسلموه من السيد نفسه وسلموه لخلفائهم وتلاميذهم، وقد مارسوه عملياً من خلال شعائرهم وصلواتهم وأصومهم واحتفالاتهم ” وتحفظون التعاليم التي سلمتها إليكم ” (1كو 11:2)، ” فأثبتوا إذاً أيها الأخوة وتمسكوا بالتعاليم التي تعلمتموها سواء بالكلام أم برسالتنا” (2 تس 15:2)، ” فكيف ننجو نحن أن أهملنا خلاصاً هذا مقداره قد أبتدأ الرب بالتكلم به ثم تثبت لنا من الذين سمعوا شاهداً الله معهم بآيات وعجائب وقوات متنوعة ومواهب الروح القدس حسب إرادته ” (عب 2:2-4).
(1) القداس الإلهي:
والذي يتركز جوهره حول موت المسيح مصلوباً ودفنه وقيامته من الأموات وصعوده. وقد مُورست صلوات القداس منذ فجر الكنيسة على أيدي الرسل، حيث بدأ بعد حلول الروح القدس مباشرة ” كانوا يواظبن على تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز والصلوات ” (أع42:2).
يقول القديس بولس الرسول لأهل كورنثوس ” كأس البركة التي نباركها أليست هي شركه دم المسيح. الخبز الذي نكسره أليس هو شركه جسد المسيح ” (1كو16:10)، ” لأنني تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضا أن الرب يسوع في الليلة التي أسلم فيها أخذ خبزاً شكر فكسر وقال (خذوا كلوا) هذا هو جسدي المكسور لأجلكم. اصنعوا هذا لذكرى. كذلك الكأس أيضاً بعدما تعشوا قائلاً هذه الكأس هي العهد الجديد بدمى. اصنعوا هذا كل ما شربتم لذكرى. فأنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجئ ” (1كو23:11،26).
ومن أقدم القداسات التي استخدمتها الكنيسة، قداس القديس يعقوب، قداس كنيسة أورشليم، وقداس القديس مرقس، قداس كنيسة الإسكندري واللذان استخدمهما الرسولان قبل استشهادهما في القرن الأول الميلادي.
أ – قداس القديس يعقوب، وتوجد منه أجزاء من مخطوطة ترجع للقرن الثالث جاء فيه ” وعند تقديم حياته بإرادته للموت على الصليب… أخذ خبزاً على يديه… وقال خذوا كلوا، هذا هو جسدي المكسور لأجلكم يعطى لمغفرة الخطايا… وهكذا أيضاً بعد العشاء أخذ الكأس… وقال لنا أشربوا منها كلكم، هذا هو دمى الذي للعهد الجديد، المسفوك لأجلكم ولأجل كثيرين يعطى لمغفرة الخطايا… هذا اصنعوه لذكرى، لأن كل مره تأكلون هذا الخبز وتشربون هذه الكأس تبشرون بموت الرب وتعترفون بقيامته إلى أن يجئ… تذكروا، إذاً، آلام تقديم حياته وصليبه المنقذ وموته ودفنه وقيامته من الموت في اليوم الثالث وصعوده إلى السموات “(5).
ب – قداس القديس مرقس، والذي تفرع منه قداسات القديس باسيليوس والقديس كيرلس والقديس أغريغوريوس، وقداس كل الرسل أو القداس الأثيوبي، وهذا القداس، قداس القديس مرقس تطور عنه قداس القديس كيرلس، وجاء في هذه القداس ” لأن كل مره تأكلون من هذا الخبز وتشربون من هذه الكأس تبشرون بموتى وتعترفون بقيامتي وصعودي إلى أن أجيء… أيها السيد والرب القدير ملك السماء، عندما نبشر بموت أبنك الوحيد ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح ونعترف بقيامته المباركة من الموت في اليوم الثالث “(6).
(2) يوم الأحد:
قدست الكنيسة منذ فجرها يوم الأحد تذكاراً لقيامه السيد المسيح فيه من الموت، وكانت تدعوه اليوم الأول من الأسبوع ” وفي أول الأسبوع (الأحد) إذ كان التلاميذ مجتمعين ليكسروا خبزاً ” (أع 7:20)، ويوم الرب ” كنت في الروح في يوم الرب ” (رؤ4:1)، وجاء في رسالة برنابا (9:15) ” لذلك نُعيد اليوم الثامن بفرح. اليوم الذي قام فيه المسيح من الأموات “، ويقول القديس يوستينوس الشهيد في بداية القرن الثاني ”
وفي اليوم المسمى يوم الشمس (الأحد) يجتمع معاً كل الذين يعيشون في المدن والريف وتقرأ مذكرات الرسل (الأناجيل) أو كتابات الأنبياء… الأحد هو اليوم الذي نجتمع فيه جميعاً لأنه اليوم الأول الذي غير الله فيه الظلمة والمادة وعمل العالم وفي نفس اليوم قام يسوع المسيح مخلصنا من الموت لأنه صُلب في اليوم الذي قبل السبت وفي اليوم الذي بعد السبت، الذي هو يوم الأحد ظهر لرسله وتلاميذه وعلمهم هذه الأمور التي سملناها لكم أيضاً لفائدتكم “(7).
(3) عيد القيامة:
كانت القيامة هي محور التعليم المسيحي وجوهره وقد احتفلت الكنيسة بعيد القيامة مُنذ بدايتها ويذكر العلامة أوريجانس في نهاية القرن الثاني في رده على كلسس كيف أن الكنيسة تحتفل بأيام معينه وهى الأحد من كل أسبوع ويسميه ” يوم الرب ” والاستعداد والفصح الذي هو عيد القيامة ويقول أن المسيحي الكامل ” لا يتوقف أبداً عن حفظ عيد البصخه (الفصح) لأن The Pascha الفصح، تعنى العبور، وهذا العبور هو قيامتنا مع المسيح، قمنا مع المسيح ” و ” ورفعنا وأجلسنا معه في السمائيات “(8).
(4) صوم الأربعاء والجمعة:
صامت الكنيسة منذ أيامها الأولى الأربعاء والجمعة لأن الأربعاء تمت في المؤامرة علي السيد المسيح عندما وعد يهوذا رؤساء الكهنة أن يسلمه لهم مقابل ثلاثين من الفضة (مت14:26،15)، ويوم الجمعة لأنه اليوم الذي صلب فيه السيد المسيح ومات ودفن. وقد جاء في الدسقولية المكتوبة قبل سنة 100م: ” أما أنتم فصوموا الأربعاء والجمعة ” (الدسقولية ف8).
وجاء في كتاب قوانين الرسل القديسين والذي يرجع لعصر الرسل وكتب قبل القرن الثالث ؛ ” أمرنا (الرب) أن نصوم في اليوم الرابع (الأربعاء) والسادس (الجمعة) من الأسبوع، الرابع بسبب خيانته فيه والأخير بسبب آلامه “(9)، ” صوموا… في اليوم الرابع من الأسبوع ويوم الاستعداد (الجمعة) لأنه في اليوم الرابع انقضى الحكم ضد الرب، فقد وعد يهوذا بخيانته الرب لأجل المال، وفي يوم الاستعداد لأنه في ذلك اليوم عانى الرب موت الصليب في عهد بيلاطس البنطي “(10).
(5) علامة الصليب:
كان الصليب قبل صلب المسيح عليه علامة خزي وعار، وبعد قيامته صارت علامة مجد وفخر ” نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونانيين جهالة. أما المدعوين يهوداً ويونانيين فبالمسيح قوة الله وحكمة الله ” (كو23:1،24)، ” أما من جهتي فحاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح “، ومن ثم صارت علامة الصليب مصدر فخر لجميع المؤمنين، وكانوا يرسمونه على منازلهم ومقابرهم وكنائسهم، ويرى البعض في قوله: ” أنتم الذين أمام عيونكم قد رسُم يسوع المسيح بينكم مصلوباً ” (غل 14:6)، رسم للصليب.
وكان المؤمنون يطردون الأرواح النجسة برسم علامة الصليب، وقد جاء في مخطوطة ترجع للقرن الأول أكتشفها علماء الآثار وتوجد الآن في المكتبة الأهلية بقاعة الرسامات بباريس، ما نصه ” يا صليب طهرني. أطردك أيها الشيطان. بحيث لا تبرح مقرك أبداً. أفعل ذلك باسم سيدي الحي (أي المسيح) “(11).
5 – المجامع المسكونية:
كان المسيحيون منذ البدء عندما يختلفون في أمر عقيدة ما يجتمعون في مجامع مكانية، أي في دولة واحدة، عندما يكون هذا الأمر موجود في هذه الدولة فقط، ويجتمعون في مجامع مسكونية، أي عالمية، تضم ممثلين عن المسيحيين من رجال الدين في كل بلاد العالم المسيحي، لكي يناقشوا هذه العقيدة، وكان على رأس هذه المجامع المسكونية مجمع نيقية سنة 325م، ومجمع القسطنطينية سنة 381م، ومجمع أفسس سنة 431م، ومجمع خلقيدونية سنة 451م، والتي ناقشت مواضيع خاصة بشخص المسيح من جهة لاهوته وتجسده.
ولكن موضوع صلب المسيح فلم يختلف عليه أحد ولم يناقش في أي مجمع، سواء كان مكانياً أو مسكونياً، وكان أمراً متفقاً عليه ولا خلاف حوله، بل وقد وضع مجمع نيقية خلاصة الإيمان المسيحي في هذا الأمر وهو قوله ” تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنس، وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطي، تألم وقبر وقام من بين الأموات في اليوم الثالث وصعد إلى السموات وجلس عن يمين أبيه “. وهذه الصيغة كانت مقبولة في كل المجامع المكانية والمسكونية، بل ويرددها المسيحيون في كل مكان في العالم مهما كانت طوائفهم.
ولم تكن هذه الصيغة هي الأولى في تاريخ الكنيسة فقد سبقها عدة صيغ، تسمي بصيغ المعمودية، كان يقولها الشخص الذي ينضم إلى المسيحية عند عماده، وفيما يلي بعض نماذج لها:
جاء في قانون إيمان الرسل (القرن الأول): ” تألم في عهد بيلاطس البنطي، وصُلب (ومات) ودُفن ؛ (ونزل إلى الجحيم)، وفي اليوم الثالث قام من الأموات “
وجاء في قانون إيمان القديس إيريناؤس بلاد الغال، فرنسا حاليا، (عام 170م): ” الذي صار جسداً (من العذراء) لأجل خلاصنا ؛ وآلامه (في عهد بيلاطس البنطي)، وقيامته من الأموات “.
وجاء في قانون إيمان العلامة ترتليان، من شمال أفريقيا (200م): ” ثُبّت على الصليب (في عهد بيلاطس البنطي)، مات ودُفن ؛ قام في اليوم الثالث “.
وجاء في قانون العلامة أوريجانوس، من الإسكندرية (230م): ” تألم حقا، ومات، قام من الأموات “.
وجاء في قانون إيمان لوقيانوس، أو لوسيان (مُعلم أريوس)، إنطاكية (300م): ” الذي تألم من أجلنا، وقام من أجلنا في اليوم الثالث “.
وجاء في قانون إيمان يوسابيوس، أسقف قيصرية (325م): ” الذي من أجل خلاصنا صار جسدا بين البشر ؛ وتألم، وقام في اليوم الثالث “.
بل وجاء في إقرار الإيمان الذي قدمه أريوس في مجمع نيقية: ” نؤمن بإله واحد، الآب القدير ؛ وبالرب يسوع المسيح ابنه، المولود منه قبل كل الدهور، الله الكلمة الذي به صنع كل شيء، ما في السموات وما على الأرض. الذي من نزل وصار متجسدا ؛ وتألم، وقام ثانية “(12).
وهكذا كان المؤمنون بالمسيحية في كل أنحاء العالم مؤمنون بصلب المسيح ولم يشذ عن ذلك سوى مجموعة من الأفراد الذين خلطوا بين فكرهم الغنوسي الدوسيتي الوثني السابق وبين المسيحية وقد انتهت بدعتهم وهرطقتهم مع نهاية القرن الثاني ولم يبق منهم سوى مجرد أفراد يظهرون بين الحين والآخر ويردون نفس القول لنفس السبب !!!!
وحتى هؤلاء فقد آمنوا بصلب المسيح ودونوا في كتبهم التي أسموها أناجيل نفس تفصيلات أحداث الصلب كما وردت في الأناجيل القانونية، كما بينا، مع إضافة عبارات تشير لفكرهم القائل بأن المسيح لاهوت فقط وأنه ظهر كشبح وخيال لذا فقد كان صلبه بالنسبة لهم مجرد شبح وخيال !!!!
6 – التاريخ العام لا يعرف إلا المسيح المصلوب:
(1) التلمود اليهودي:
ويقر اليهود في تلمودهم بأنهم قتلوا المسيح وصلبوه فقد جاء في نسخته التي نشرت في أمستردام عام 1943، ص 42 قوله ” لقد صُلب يسوع قبل الفصح بيوم واحد. وقبل تنفيذ الحكم فيه، ولمدة أربعين يوماً خرج مناد ينادي: إن (يسوع) سيُقتل لأنه مارس السحر وأغرى إسرائيل على الارتداد، فعلى من يشاء الدفاع عنه لمصلحته والاستعطاف من أجله أن يتقدم. وإذ لم يتقدم (أحد) للدفاع من أجله في مساء (ليلة) الفصح.
وهل يجرؤ أحد عن الدفاع عنه؟ ألم يكن مفسداً؟ وقد قيل في الأنبياء إن شخصاً مثل هذا: ” لا تَسْمَعْ لَهُ وَلا تُشْفِقْ عَيْنُكَ عَلَيْهِ وَلا تَرِقَّ لَهُ وَلا تَسْتُرْهُ، بَلْ قَتْلاً تَقْتُلُهُ ” (تث8:13و9)(13).
وقال يوحنا بن زكا تلميذ هليل المعلم الشهير في كتابه سيرة يسوع الناصري ” إن الملك وحاخامات اليهود قد حكموا على يسوع بالموت لأنه جدف حين ادعى أنه ابن الله… وأنه الله “. ثم قال بعد ذلك: ” ولما كان المسيح في طريقه إلى الموت كان اليهود يصرخون أمامه: فلتهلك كل أعدائك يا رب ” (عوض سمعان ” قضية الغفران ” ص 108 ونقولا يعقوب غبريال ” مباحث المجتهدين ” ط 6 ص 76.).
وقال الحاخام اليهودي جوزيف كلاونز الذي عاش في القرن التاسع عشر في كتابه يسوع الناصري بعد فحص الإشارات إلى يسوع في التلمود معترفا دون محاباة قائلا ” لم ينكر شيئاً في الأناجيل !! فقد جري تحريفها (في التلمود) فقط إلى مصدر لوم واستهزاء “(14).
(2) تقرير بيلاطس البنطي:
وهذا التقرير ذكره القديس يوستينوس الشهيد عام 150م في أثناء دفاعه الأول حيث أكد أن صلب المسيح يثبته تقرير بيلاطس، كما يلمح في نفس الدفاع إلى طائفة من العجائب وأعمال الشفاء، ثم يقول: ” إنه حقاً قد. صنع هذه ويمكنك التأكد منها من تقرير بيلاطس ” وأشار ترتليان أيضاً إلى نفس هذا التقرير(15).
(3) التاريخ الروماني:
ويشهد التاريخ الروماني لصحة الحادثة بحسب ما يذكر كورنيليوس تاسيتوس (55-125م)، وهو مؤلف روماني عاصر ستة أباطرة ولُقب بمؤرخ روما العظيم. وقال عنه ف. ف بروس F.F.Bruce أنه، تاسيتوس، كان، بحكم علاقته بالحكومة الرومانية، مطلعاً على تقارير حكام أقاليم الإمبراطورية وسجلات الدولة الرسمية. وقد أشار إلى المسيح في كتابيه ” الحوليات والتواريخ ” ثلاث مرات أهمها قوله في الحوليات الجزء الثالث ” لكي يتخلص نيرون من التهمة (أي حرق روما) ألصق هذه الجريمة بطبقة مكروهة معروفة باسم المسيحيّين، ونكَّل بها أشد تنكيل.
فالمسيح الذي اشتق المسيحيون منه اسمهم، كان قد تعرض لأقصى عقاب في عهد طيباريوس على يد أحد ولاتنا المدعو بيلاطس البنطي. وقد راجت خرافة من أشد الخرافات إيذاء، وإن كانت قد شُكمت لفترة قصيرة، ولكنها عادت فشاعت ليس فقط في اليهودية المصدر الأول لكل شر، بل انتشرت أيضاً في روما التي أصبحت بؤرة لكل الأشياء الخبيثة والمخزية التي شرعت ترد إليها من جميع أقطار العالم “(16).
واضح أن الخرافة أو الإشاعة التي ألمح إليها هي قيامة المسيح من الأموات.
(4) التاريخ اليوناني:
وكذلك أيضا شهادة التاريخ اليوناني حيث يقول لوسيان اليوناني: والذي كان أحد مؤرخو اليونان البارزين في مطلع القرن الثاني الميلادي. وقد علق في مقال نقدي ساخر على المسيحيين والمسيح. وإذ كان ينتمي إلى المذهب الأبيقوري فقد عجز عن استيعاب طبيعة الإيمان المسيحي واستعداد المسيحيين للاستشهاد في سبيل عقيدتهم، وحسبهم شعباً مخدوعاً يتعلق بأوهام عالم ما بعد الموت بدلاً من التمتع بمباهج العالم الحاضر وملذاته وأبرز ما قاله ” إن المسيحيين، كما تعلم، ما زالوا إلى هذا اليوم يعبدون رجلاً – وهو شخصية متميزة، استنّ لهم طقوسهم الجديدة وصُلب من أجلها… ومنذ اللحظة التي اهتدوا فيها (إلى المسيحية) وأنكروا آلهة اليونان وعبدوا الحكيم المصلوب، استقرّ في عرفهم أنهم أخوة “(17).
(5) الرواقي مارا السوري (73 – 160):
كتب في رسالة له لابنه سيرابيون، كتبها من السجن، عن يسوع باعتباره ملك حكيم كسقراط وفيثاغورس قائلاً ” أية فائدة جناها اليهود من قتل ملكهم الحكيم لم يمت هذا الملك الحكيم إلى الأبد لأنه عاش من خلال تعاليمه التي علم بها “، ولكن الله أنتقم له ” بتدميرهم وتشتيتهم في كل مكان “(18).
مع ملاحظة أن هؤلاء، باستثناء اليهود وبيلاطس، قد كتبوا من منطلق معرفتهم عقيدة المسيحيين في صلب المسيح عن طريق المسيحيين أنفسهم، أي أنه كان هناك إجماع عند المسيحيين، سواء في سوريا وما حولها واليونان وبقية الإمبراطورية الرومانية، على صلب المسيح وهذا ما عرفه هؤلاء المؤرخون منهم. أما تقرير بيلاطس فهو يكتب كشاهد عيان وكذلك اليهود.
المسيح يخبر عن صلبه وموته وقيامته قبل صلبه – القمص عبد المسيح بسيط
المسيح يخبر تلاميذه قبل صلبه أنه سيصلب ويموت ويقوم – القمص عبد المسيح بسيط
المسيح يخبر عن صلبه وموته وقيامته قبل صلبه – القمص عبد المسيح بسيط
كان موضوع صلب المسيح وقيامته بالنسبة للرب يسوع المسيح نفسه ليس مجرد نهاية حياة على الأرض أو حتى مجرد استشهاد مثل بقية الشهداء، كما انه لم يكن ابن ساعته أو يومه، أو مجرد حكم بالإعدام تم باستخدام وسيلة إعدام هي الصلب، وإنما كما أعلن الرب يسوع نفسه وكما أعلن الوحي الإلهي في العهد الجديد، كان أمراً محتوماً منذ الأزل، ومعروفاً سابقاً قبل العالم، كقول القديس بطرس بالروح القدس:
” دم المسيح. معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم ولكن اظهر في الأيام الأخيرة لأجلكم ” (ابط19:1و20)، أو كما قال، لليهود بالروح القدس: ” هذا (يسوع المسيح) أخذتموه مسلماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدي أثمه صلبتموه وقتلتموه” (أع32:2).
ويؤكد الرب يسوع المسيح انه ما جاء، بالدرجة الأولى، إلا لهذا السبب ” هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلّص به العالم ” (يو16:3و17).
وكان يسمي وقت صلبه بالساعة، أي الساعة المعينة التي سيتم فيها صلبه، وأنه ما جاء إلا لأجل هذه الساعة: قال لتلاميذه قبل العشاء الرباني:
” قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان. الحق الحق أقول لكم أن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها. ولكن أن ماتت تأتي بثمر كثير… الآن نفسي قد اضطربت. وماذا أقول. أيها الآب نجني من هذه الساعة. ولكن لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة... وأنا أن ارتفعت عن الأرض اجذب إليّ الجميع. قال هذا مشيرا إلى أية ميتة كان مزمعا أن يموت ” (يو23:12-30).
وبعد خطابه الوداعي لتلاميذه بعد العشاء قال لهم ” لكني قد كلمتكم بهذا حتى إذا جاءت الساعة تذكرون أني أنا قلته لكم. ولم اقل لكم من البداءة لأني كنت معكم ” (يو4:16). وبعد انتهاء خطابه الوداعي وقبل القبض عليه بلحظات يقول الكتاب ” تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء وقال أيها الآب قد أتت الساعة. مجد ابنك ليمجدك ابنك أيضا ” (يو1:17).
1 – نبواته وإعلاناته عن آلامه وصلبه منذ بداية خدمته:
وفيما يلي أهم نبوّات وإعلانات الرب يسوع المسيح عن القبض عليه ومحاكمته وآلامه وصلبه وموته وقيامته:
(1) برغم أن الرب يسوع المسيح صنع أمام جموع اليهود معجزات عديدة لا حصر لها إلا انهم طلبوا منه آية، معجزة كبرى تبرهن على صحة رسالته !! وقالوا له ” يا معلم نريد أن نرى منك آية، فأجاب وقال (لهم) جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له إلا آية يونان النبي. لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال. رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه لأنهم تابوا بمناداة يونان.
وهوذا أعظم من يونان ههنا ” (مت38:12-41). وفي إجابته عليهم يقدم لهم اكبر واعظم آية وهي موته ودفنه ثلاثة أيام ثم قيامته من الموت التي هي لكل الأجيال وليس فقط لذلك الجيل، كما كانت آية يونان لأهل نينوى، فهو الأعظم ” هوذا أعظم من يونان ههنا “. فمعجزة قيامة المسيح من الموت هي الوحيدة الباقية إلى الأبد.
(2) وفى حادثة تطهير الهيكل المذكورة في الإنجيل الذي دونه القديس يوحنا بالروح القدس طلبوا منه أيضا أن يقدم لهم آية تبرهن على سلطانه الذي يعمل به ويتكلم به، وكانت آيته لهم ” انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه “، ولم يكن يقصد هيكل سليمان الذي أعاد بناءه هيرودس الكبير، وكان الهيكل قد أعيد بناؤه حتى وقت المسيح في ” ست واربعين سنة ” وإنما كان يشير إلى هيكل جسده:
” أما هو فكان يقول عن هيكل جسده. فلما قام من الأموات تذكر تلاميذه انه قال هذا فأمنوا بالكتاب والكلام الذي قاله يسوع ” (يو18:-22). وكأنه كان يقول لهم: اقتلوا هذا الجسد، جسد المسيح، وسوف يقوم في اليوم الثالث، إذ أن اعظم آياته هي موته وقيامته من الموت في اليوم الثالث.
(3) ولما جاء إليه أحد معلمي الناموس وعضو السنهدرين الأعظم ويدعى نيقوديموس , ليلاً، وعلمه الرب يسوع معنى الولادة الجديدة، أعلن له عن سر الفداء الذي لابد أن يتم بآلامه وموته مصلوباً وقيامته من الأموات مصوراً له عملية الصلب بمثال الحية النحاسية التي رفعها موسى النبي في البرية، بناء على أمر الله، وكل من نظر إليها ممن لدغته الحيات يشفى:
” وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل له الحياة الأبدية، لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية ” (يو15:3و16).
(4) وبعد معجزة إشباع خمسة آلاف رجل غير الذين كانوا معهم من نساء وأطفال بخمسة أرغفة وسمكتين نادى أمام كل هذه الجموع قائلاً ” أنا هو خبز الحياة… أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء، إن أكل أحد هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي ابذله من اجل حياة العالم… الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم، من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه ” (يو48:6-58). والإشارة هنا واضحة إلى آلامه وسفك دمه وتقديم جسده على الصليب.
(5) وفي نواحي قيصرية فيلبس كشف الوحي الإلهي للقديس بطرس الرسول عن حقيقة وشخص الرب يسوع المسيح وهو ” المسيح ابن الله الحي ” (مت16:16)، وبعد مدح الرب يسوع المسيح لبطرس على هذا الإعلان وتأكيده هذه الحقيقة لبقية التلاميذ، يقول الكتاب:
” من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يُظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم ” (مت21:16-22).
وهذا الإعلان لا يحتاج إلى إيضاح. إذ أن حقيقة كونه ابن الله الحي مرتبطة بحتمية آلامه وصلبه وموته وقيامته. ولكن الفكر البشري لم يستطع أن يفهم إرادة الله وتمثل ذلك في قول بطرس له ” حاشاك يا رب لا يكن لك هذا ” ولكن الرب يسوع المسيح كان يرى أن الاعتراض على هذه الحقيقة هو من الشيطان، ” فالتفت وقال لبطرس اذهب عني يا شيطان. أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس ” (مت23:16).
(6) وبعد ستة أيام من ذلك أخذ الرب يسوع ” بطرس ويعقوب ويوحنا ” وأعلن أمامهم شئ من مجده على جبل عال منفردين. ” وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور.
وإذا موسى وإيليا قد ظهرا لهم يتكلمان معه “، وكان كلام موسى وإيليا معه، كما يقول القديس لوقا بالروح القدس ” عن خروجه الذي كان عتيداً أن يكمله في أورشليم ” (لو31:9) أي عن صلبه وموته وقيامته، يقول الكتاب أن الرب يسوع المسيح أوصى تلاميذه وهم نازلون من على الجبل ” لا تكلموا أحداً بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات “. لأن ” ابن الإنسان أيضا سوف يتألم منهم ” (مت12:17).
(7) وأثناء تردده في الجليل كان يعلم تلاميذه ويقول لهم ” ابن الإنسان سوف يسلم إلى أيدي الناس فيقتلوه وفي اليوم الثالث يقوم ” (مت22:17و23).
(8) وأثناء تعليمه للشعب ” تقدم بعض الفريسيين قائلين له أخرج وأذهب من ههنا لأن هيرودس يريد أن يقتلك. فقال لهم امضوا وقولوا لهذا الثعلب ها أنا أخرج شياطين وأشفي اليوم وغداً وفي اليوم الثالث أُكمل. بل ينبغي أن أسير اليوم وغداً وما يليه لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجاً عن أورشليم ” (لو31:13-33). وهو هنا يؤكد حتمية موته مقتولاً في أورشليم بسفك دمه.
(9) وبعد أن فتح عيني المولود أعمى الذي صنع له عينين من الطين نادى قائلاً:”أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف… وأنا أضع ذاتي عن الخراف ” (يو15:10). وهو هنا يشير إلي بذل ذاته، تقديم ذاته، نيابة، فديه، على الصليب.
ثم يؤكد حتمية ذلك وحقيقة انه يقدم ذاته بإرادته، دون أن يكون هناك أي مجال للإجبار أو العرض والصدفة بقوله ” لأني أضع نفسي لأخذها أيضا. ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن أخذها أيضا ” (يو17:10و18).
(10) وعندما تناقش تلاميذه في أحقية الجلوس عن يمينه أو يساره في ملكوته قال لهم ” أن ابن الإنسان لم يأت ليخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين ” (مت28:20ومر45:10).
(11) وفي الطريق إلى أورشليم للمرة الأخيرة كشف لتلاميذه ما سيحدث له بكل وضوح ” وفيما كان يسوع صاعداً إلى أورشليم احذ الأثنى عشر تلميذاً على انفراد في الطريق وقال لهم: ها نحن صاعدون إلي أورشليم وابن الإنسان يُسلم إلي رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت. ويسلمونه للأمم لكي يهزأوا بهويجلدوه ويصلبوه ” (مت18:20و19). وهذا إعلان تفصيلي في إيجاز عن كل ما سيحدث من محاكمة يهودية إلي تسليمه للرومان واستهزاء وجلد وصلب وموت وقيامة.
(12) ” وفيما كان يسوع في بيت عنيا في بيت سمعان الأبرص تقدمت إليه امرأة معها قارورة طيب كثيرة الثمن فسكبته على رأسه وهو متكئ “، فتصور تلاميذه أن هذا ” إتلاف “، ” لأنه كان يمكن أن يباع هذا (الطيب) بكثير ويعطى للفقراء “، فقال لهم يسوع مشيراً إلي موته ” إنها إذ سكبت هذا الطيب على جسدي إنما فعلت ذلك لأجل تكفيني ” (مت12:26).
(13) وبعد دخوله الانتصاري الأخير لأورشليم واحتدام الصراع بينه وبين رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ أعطاهم مثل الكرم والكرامين وكشف لهم من خلاله كيف أن الله سلمهم الكرم ولكنهم لم يعطوه من ” ثمر الكرم ” فأرسل إليهم خدامه ورسله وأنبياءه فقتلوهم ورجموهم ” فقال صاحب الكرم ماذا أفعل ؟ أرسل ابني الحبيب. لعلهم إذا رأوه يهابون. فلما رآه الكرامون تأمروا فيما بينهم هذا هو الوارث. هلموا نقتله لكي يصير لنا الميراث. فأخرجوه خارج الكرم وقتلوه ” (لو9:20-16). وهو هنا يشير إلي نفسه بالابن الحبيب الذي قتلوه.
(14) وفي أورشليم طلب ” أناس يونانيون من الذين حضروا ليسجدوا في العيد ” من فيلبس أن يروا يسوع وكانت إجابة الرب يسوع على هذا الطلب ” قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها. ولكن أن ماتت تأتي بثمر كثير “، ثم أضاف ” وأنا إن ارتفعت عن الأرض اجذب إلى الجميع. قال هذا مشيراً إلى أية ميته كان مزمعاً أن يموت ” (يو20:12-33). والجملة الأخيرة هي تعليق إيضاحي لمعنى كلام المسيح مؤكداً أن قصده هو الموت معلقاً على الصليب.
(15) وقبل عيد الفصح بيومين قال لتلاميذه ” تعلمون انه بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يسلم ليصلب ” (مت1:26و2). هل يوجد إيضاح اكثر من هذا ؟ بالطبع لا، فالرب يسوع المسيح كان يتطلع دائماً لهذه الساعة، ساعة الصلب.
2 – نبوّاته وإعلاناته عن آلامه وصلبه أثناء العشاء الرباني:
وفي يوم الخميس قام الرب يسوع المسيح مع تلاميذه بعمل الفصح تمهيداً لتقديم ذاته في اليوم التالي، الجمعة، في نفس الوقت الذي كان يذبح فيه اليهود خروف الفصح، أي يقدم ذاته كالفصح الحقيقي، الحمل الحقيقي، في نفس الوقت الذي يذبح فيه خروف الفصح الرمزي.
فقد ذهب في إلى أورشليم في العيد لأجل هذا السبب، يقول الكتاب ” وحين تمت الأيام لارتفاعه ثبت وجهه لينطلق إلى أورشليم ” (لو51:9). وأثناء تناول الفصح قال لتلاميذه ” الحق الحق أقول لكم أن واحداً منكم سيسلمني ” (يو21:13). وبعد دهشة التلاميذ واستفسارهم أشار إلي يهوذا الاسخريوطي (يو26:13) وقال ” أن ابن الإنسان ماض كما هو. مكتوب عنه.
ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان. كان خيراً لذلك الرجل لو لم يولد ” (مت24:26ومر21:14)، ثم قال ليهوذا ” ما أنت تعمله فأعمله بأكثر سرعة ” (يو27:13). وغمس لقمة وأعطاها له ” فذاك لما اخذ اللقمة خرج للوقت. وكان ليلاً ” (يو30:13)، خرج يهوذا إلى رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ لكي يسلم لهم يسوع في تلك الليلة لأنه يعرف المكان الذي سيجتمع فيه الرب يسوع مع تلاميذه.
وبعد خروج يهوذا بدأ الرب يعد للعهد الجديد الذي كان على وشك أن يعلنه بدمه، وبدأ بمراسم هذا العهد الجديد، وقدم العشاء الرباني، الخبز والخمر، أو الجسد والدم الذي كان على وشك أن يقدمهما على الصليب ” وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وأعطى التلاميذ وقال خذوا كلوا هذا هو جسدي. وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً اشربوا منها كلكم.
لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من اجل كثيرين لمغفرة الخطايا” (مت26و26-28)، وهذا الخبز هو الذي سبق أن قال عنه ” والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي ابذله من اجل حياة العالم ” (يو51:6)، وهذا الدم هو الذي سبق أن قال عنه ” ودمي مشرب حق ” (يو55:6)، ” من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه ” (يو56:6).
3 – نبواته وإعلاناته عن آلامه وصلبه في خطابه الوداعي:
وبعد عشاء الفصح والعشاء الرباني خرج الرب يسوع مع تلاميذه متوجهين إلى جبل الزيتون حيث بستان جيسماني وفي الطريق بدأ يكشف لهم ما سيحدث له في تلك الليلة ” كلكم تشكون في هذه الليلة لأنه مكتوب أني اضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل ” (مت32:26ومر28:14).
والشك هنا راجع لاعتقاد اليهود أن المسيح لن يموت بل يبقى إلى الأبد (يو34:12 مع مز 36:89،أش 7:9؛8:53،دا 14:7،في7:4)، فقالوا له ” سمعنا في الناموس أن المسيح يبقى إلي الأبد ” (يو43:12). وهو في تلك الليلة سيقبض عليه وفي اليوم التالي سيموت. ولكنه يؤكد انه سيقوم من الموت ويقابلهم حياً في الجليل.
ثم اكمل ” هوذا تأتي ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلي خاصته وتتركوني وحدي. وأنا لست وحدي لأن الآب معي ” (يو32:16). فقال له بطرس ” وإن شك فيك الجميع فأنا لا أشك أبداً. قال له يسوع الحق أقول لك انك في هذه الليلة قبل أن يصيح ديك تنكرني ثلاث مرات.
قال له بطرس ولو اضطررت أن أموت معك لا أنكرك، هكذا قال أيضا جميع التلاميذ ” (مت31:26-35ومر27:14-31). ثم عاد فأكد بأكثر إيضاح ما سيحدث الليلة وغداً وأنه مقضي به ومحتوم ” لأني أقول لكم انه ينبغي أن يتم في أيضاً هذا المكتوب أحصى مع أثمه. لأن ما هو من جهتي له انقضاء“(لو37:22 مع إش12:53).
وبعد هذه الإعلانات الرهيبة خيم على التلاميذ جو الحزن وساد عليهم وجوم فبدأ يسوع يعزيهم ويؤكد لهم أن حزنهم لن يطول لأنه سيقوم من الموت وسيروه ثانية ” بعد قليل لا تبصرونني. ثم بعد قليل أيضاً ترونني لأني ذاهب إلى الآب. فقال قوم من تلاميذه بعضهم لبعض ما هو هذا الذي يقوله لنا بعد قليل لا تبصرونني ثم بعد قليل أيضا ترونني ولاني ذاهب إلى الآب ” (يو16:16و17).
وقد صور حزنهم الحالي وفرحهم المُقبل بآلام المرأة التي تلد وحزنها لذلك وفرحها بعد ميلاد الطفل ” فعلم يسوع انهم كانوا يريدون أن يسألوه فقال لهم أعن هذا تتساءلون فيما بينكم لأني قلت بعد قليل لا تبصرونني ثم بعد قليل أيضا ترونني. الحق الحق أقول لكم إنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح. انتم ستحزنون ولكن حزنكم يتحول إلى فرح. المرأة وهي تلد تحزن لأن ساعتها قد جاءت.
ولكن متى ولد الطفل لا تعود تذكر الشدة لسبب الفرح لأنه قد ولد إنسان في العالم. فأنتم كذلك عندكم الآن حزن ولكني سأراكم فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم ” (يو19:16-22).
هذه أهم نبوّات وإعلانات الرب يسوع المسيح عن حتمية آلامه وصلبه وموته وقيامته من الموت في اليوم الثالث والتي كان يرددها دائماً منذ بداية خدمته الجهارية وحتى القبض عليه، وان كان تكرارها قد أزداد كثيراً في أيامه الأخيرة، خاصة في رحلته الأخيرة إلى أورشليم وقبل القبض عليه مباشرة، حتى يكون التلاميذ على بينة لكل ما سيحدث له.
فهل يمكن لأحد بعد ذلك أن يدعي غير ذلك ؟! أو أن ينكر ما قاله الرب يسوع المسيح عن حتمية آلامه وصلبه وقيامته ؟!
قال الأستاذ خالد محمد خالد ” لقد كان الصليب الكبير الذي أعده المجرمون للمسيح يتراءى له دوماً ” (معاً على الطريق ص 34،131).
وقال الأستاذ منصور حسين في كتابه دعوة الحق ” أن المسيح عليه السلام كان عالماً بأنه سيصلب وبهذا أخبر تلاميذه “. ثم يفاجئنا بعد ذلك انه غير رأيه وتراجع عن قراره وصُلب يهوذا بدلاً منه !!!!!!
فهل يحتاج مثل هذا الكلام إلى تعليق ؟! قال الرب يسوع المسيح ” السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول ” (مر31:13).
المسيح يخبر عن صلبه وموته وقيامته قبل صلبه – القمص عبد المسيح بسيط
إيمان الفرق الدوسيتية بصلب المسيح – القمص عبد المسيح بسيط
إيمان الفرق الدوسيتية بصلب المسيح – القمص عبد المسيح بسيط
إيمان الفرق الدوسيتية بصلب المسيح – القمص عبد المسيح بسيط
أستغل البعض قول الهراطقة الدوسيتيين الغنوسيين بأن المسيح اتخذ جسدا خياليا، نجميا، روحيا، ولاهوتيا ولم يتخذ جسدا فيزيائيا ماديا طبيعيا، بل كان شبحاً وخيالاً، ولذا فقد كانت عملية صلبه أيضا عمليه خيالية مظهرية، بمعنى أنه صلب ظاهريا، بدا للناظرين مصلوبا على الصليب ولكنه كان نورا ومعلقا أيضا على صليب من نور في آن واحد، وأن بعضهم قال بصلب المسيح الإنسان وعدم صلب المسيح الإنسان، أي صلب الناسوت وصعد اللاهوت.
وقالوا أنه وجدت فرق مسيحية قالت بعدم صلب المسيح، هكذا بعدم فهم، أو كمجرد حجة سوفسطائية (جدلية) يتخذونها على المسيحيين !!!!!
ونقول لهم أن هذه الفرق الهرطوقية التي برهنا في الفصل السابق من أقولهم إيمانهم بتعدد الآلهة، وبالتالي فهي وثنية وليست مسيحية، ولكن قولكم أنها لم تكن تؤمن بأن المسيح قد صلب، هو قول باطل وغير صحيح، لأن غالبيتهم العظمى، مع قلتهم الشديدة، قالوا بأن المسيح علق على الصليب فعلاً ولكن لأنه إله وليس له جسد فيزيائي طبيعي من لحم ودم وعظام، لذا بدا لهم يصلب وبدا ينزف الدم وبدا لهم أنه مات ثم قام من الموت
ومنهم من قال أن المسيح الإله نزل من السماء وحل على يسوع (عيسى) في العماد وفارقه عند الصلب وبالتالي فالذي صلب هو يسوع (عيسى)، أو المسيح الإنسان وليس المسيح الإله. ولم يقل أحد غير شخص واحد هو باسيليدس فقط ومن أتبعوه بصلب بديل للمسيح وذلك بسبب إيمانه بأن المسيح أحد الآلهة العديدين المتصارعين.
وبالرغم من أن كتبهم تركز على ما تسميه بالأقوال السرية الصوفية، ومعظمها عبارة عن مجموعات من الأقوال المنسوبة للمسيح والرسل، كما أن الكثير منها يتكلم عما بعد قيامة المسيح من الموت وظهوره لتلاميذه وأحاديثه معهم، وعنصر الأحداث فيها قليل، إلا أنها كثير منها ذكر أحداث الصلب والقيامة بصورة شبه متطابقة مع ما جاء في الإنجيل بأوجهه الأربعة.
وفيما يلي فقرات من بعض كتب هؤلاء الهراطقة التي أسموها أناجيل ونسبوها للرسل لتلقى رواجا عند العامة، تثبت إيمانهم بصلب المسيح:
(1) إنجيل بطرس(1): ويرجع إلى القرن الثاني وقد وجدت نسخته في أخميم في شتاء 1886-1887م، وهو الآن في متحف القاهرة. ويبدأ الجزء الموجود منه بغسل أيدي بيلاطس وهو يبرئ نفسه من دم المسيح ويشتمل على محاكمة المسيح وصلبه وموته وقيامته وينتهي بعد القيامة بحديث يدل على إن له بقية مفقودة والعبارة الأخيرة منه مبتورة. وهذا نصه كاملاً:
“1:1 ولكن لم يغسل أحد من اليهود يديه، لا هيرودوس ولا أياً من قضائه، وعندما رفضوا أن يغسلوا أيديهم قام بيلاطس 2 ثم أمر هيردوس الملك أن يأُخذ الرب وقال لهم: ما أمرتكم أن تفعلوه افعلوه.
3:2 وكان يقف هناك يوسف صديق بيلاطس وصديق الرب، ولمعرفته أنهم كانوا على وشك أن يصلبوه، جاء إلى بيلاطس وألتمس جسد الرب ليدفنه، 4 فأرسل بيلاطس إلى هيردوس وألتمس جسده 5 فقال هيردوس: أخي بيلاطس حتى إذا لم يلتمس الجسد أحد سوف ندفنه، خاصة وأن السبت بدأ يحل لأنه مكتوب في الناموس لا تغرب الشمس على جثه إنسان ميت. وأسلمه للشعب في اليوم الذي قبل الخبز غير المختمر (الفطير)، عيدهم.
6:3 وأخذوا الرب ودفعوه بسرعة وقالوا: لنسوق ابن الله الآن إذ صار لنا الآن سلطان عليه. 7 وألبسوه ثوب أرجوان وأجلسوه على كرسي للقضاء وقالوا لحكم بعدل يا ملك إسرائيل وأحضر واحداً منهم إكليلا من الشوك ووضعه على رأس الرب. 9 وآخرين من الواقفين بصقوا على وجهه، وآخرين لطموه على خديه وآخرين ضربوه بقصبة والبعض سخروا منه قائلين: ” فنكرم ابن الله بمثل هذه الكرامة “.
10:4 وجاءوا بلصين وصلبوا الرب في الوسط بينهما، أما هو فعقد سلامه كما لو أنه لم يشعر بألم 11 وعندما نصبوا (رفعوا) الصليب كتبوا عليه العنوان: هذا هو ملك إسرائيل 12 ونزعوا عنه ملابسه أمامه واقتسموها بينهم واقترعوا عليها. 13 ولكن أحد اللصين وبخهم قائلاً: أننا نتعذب بسبب الأعمال الشريرة التي صنعناها، ولكن هذا الرجل، الذي صار مخلصاً للبشر، ماذا صنع من شر؟ 14 وكانوا حانقين عليه وأمروا أن لا تكسر رجليه حتى يموت بعذابات كثيرة.
15:5 ولما صار منتصف النهار غطت الظلمة كل اليهودية وكانوا قلقين ومضطربين لئلا تغرب الشمس وهو ما يزال حياً، لأنه مكتوب لهم: لا تغرب الشمس على أحد تحت حكم الموت، 16 وقال واحد منهم: أعطوه ليشرب خل مع مر، فمزجوهما وأعطوهما له ليشرب. 17 وأتموا كل شئ وأكملوا مكيال خطاياهم على رؤوسهم، 18 وذهب إلى هناك كثيرون بالمشاعل فقد ظنوا أنه كان ليلاً، فذهبوا للنوم أو تعثروا. 19 ونادى الرب وصرخ: قوتي يا قوتي، أنت تركتني، ولما قال هذا كف. وفي تلك الساعة أنشق حجاب الهيكل في أورشليم إلى أثنين.
21:6 ثم سحبوا المسامير من يدي الرب وأنزلوه على الأرض فتزلزلت كل الأرض وحدث خوف عظيم، ثم أشرقت الشمس ووجدوا أنها الساعة التاسعة. 23 فأبتهج اليهود وأعطوا جسده ليوسف ليدفنه حيث أنه رأى كل ما صنع (يسوع) من خير. 24 وأخذ الرب وغسّله ولفه بكتان ووضعه في قبره الذي كان يُدعى بستان يوسف.
25:7 ثم أدرك اليهود والشيوخ والكهنة مدى الشر العظيم الذي فعلوه لأنفسهم وبدءوا ينوحون ويقولون: الويل على خطايانا، فقد اقتربت الدينونة ونهاية أورشليم. 26 وحزنت أنا ورفقائي ولأننا جرحنا في قلوبنا أخفينا أنفسنا إذ كانوا يبحثون عنا كفاعلي شر وكراغبي إشعال النار في الهيكل. 27 وبسبب كل هذه الأشياء كنا صائمين وجلسنا ننوح ونبكى ليلاً ونهاراً حتى السبت.
28:8 ولكن الكتبة والفريسيين والشيوخ اجتمعوا معاً الواحد مع الآخر عندما سمعوا أن كل الشعب كان ينوح ويقرع صدوره ويقول: إذا كان بموته قد حدثت كل هذه العلامات العظيمة، انظروا كم كان هو باراً. 29 وكان الشيوخ خائفين وذهبوا إلى بيلاطس وتوسلوا إليه وقالوا: 30 أعطنا جنود لنحرس قبره لمده ثلاثة أيام لئلا يأتي تلاميذه ويسرقونه ويظن الشعب أنه قام من الأموات ويفعلوا بنا شراً. 31
فأعطاهم بيلاطس بيتروتيوس قائد المئة مع جنود لحراسه القبر. وجاء معهم إلى القبر شيوخ وكتبه. 30 ودحرج كل الذين كانوا هناك معاً حجراً عظيماً ووضعوه على مدخل القبر مع قائد المئة والجنود. 33 وختموه بسبعه أختام ونصبوا خيمه وحرسوه.
34:9 وباكراً في الصباح عندما كان السب ينسحب جاء جمهور من أورشليم وتخومها ليروا القبر الذي خُتم. 35 ثم في الليلة التي كان ينسحب فيها يوم الرب عندما كان الجنود يقومون بحراستهم اثنان اثنان في كل ساعة رن صوت عظيم في السماء. 36 ورأوا السموات مفتوحة ونزل رجلان من هناك بنور عظيم واقتربوا من القبر. 37 وبدأ الحجر الذي وضع على باب القبر يتدحرج من ذاته وجاء على جانب وفُتح القبر ودخل الشابان.
38:10 وعندما رأى أولئك الجنود ذلك أيقظوا قائد المئة والشيوخ. لأنهم كانوا هناك للمساعدة في الحراسة. 39 وبينما كانوا يعلنون الأمور التي رأوها رأوا ثانيه ثلاثة رجال خارجين من القبر واثنين منهم يساندان واحداً وتبعهم صليب. 40 ووصلت رؤوس الاثنين السماء ولكن رأس ذلك المُنقاد منهم باليد تجتاز السموات. 41 وسمعوا صوت من السماء يقول: لقد بشرت الراقدين. 42 وسُمعت إجابة من الصليب: نعم.
43:11 لذلك أستشار هؤلاء الرجال أحدهما الآخر عما إذا كانوا يذهبون ليخبروا بيلاطس بهذه الأمور. 44 وبينما كانوا يفكرون في ذلك شوهدت السماء تُفتح ثانيه ونزل رجل ودخل القبر. 45 وعندما رأى قائد المئة والذين كانوا معه ذلك أسرعوا ليلاً إلى بيلاطس تاركين القبر الذي كانوا يحرسونه وأخبروا بيلاطس بكل شئ رأوه، وكانوا مضطربين بدرجة عظيمة وقالوا: حقاً كان ابن الله. فأجاب بيلاطس وقال: أنا برئ من دم ابن الله، أنتم الذين قررتم هذا. 47 فاقتربوا منه متوسلين إليه وطالبوه أن يأمر قائد المئة والجنود أن لا يخبروا أحد بما رأوه. 48 لأنهم قالوا: أنه من الأفضل لنا أن نكون مذنبين بالإثم العظيم أمام الله ولا نقع في أيدي شعب اليهود فنرجم. 49 فأمر بيلاطس قائد المئة والجنود أن لا يقولوا شيئاً.
50:12 وباكر في صباح يوم الرب ذهبت مريم المجدلية وهى تلميذه للرب. خوفاً من اليهود لأنهم كانوا متقدين بالغضب، ولأنها لم تفعل عند قبر الرب ما كانت النساء تريد أن يعملنه للموتى الذين يحبونهم أه وأخذت معها صديقاتها وجئن إلى القبر حيث وضع، 52 وخفن أن يراهن اليهود وقالوا: على الرغم من أننا لم نستطع أن نبكى وننوح في اليوم الذي صلب فيه، فلنفعل ذلك الآن على قبره. 53 ولكن من سيدحرج لنا الحجر الذي وُضع على باب القبر، إذ يجب أن ندخل ونجلس بجانبه ونفعل ما يجب؟ 54 لأن الحجر كان عظيماً. ونخشى أن يرانا أحد. وإذا لم نستطع أن نفعل ذلك، دعونا على الأقل، نضع على بابه ما أحضرناه لذكراه ولنبك وننوح حتى نعود إلى البيت ثانيه.
55:13 فذهبن ووجدن القبر مفتوحاً واقتربن ووقفن ورأين هناك شاباً جالساً في وسط القبر جميلاً ولابساً رداء أبيض لامعاً فقال لهن 56 من أين أتيتن؟ من تطلبن؟ أتطلبن الذي صلب” لقد قام وذهب. وإذا لم تصدقن قفن في ذلك المكان وانظرن الموضع الذي كان يرقد فيه، لأنه ليس هو هنا. لأنه قام وذهب هناك حيث أُرسل. 57 ثم هربت النسوة خائفات.
58:14 وكان اليوم الأخير للفطير وذهب الكثيرون عائدين إلى منازلهم حيث أن العيد انتهى. 59 ولكن نحن، الأثنا عشر تلميذاً للرب نحنا وبكينا وكل واحد حزن لما حدث وعاد لمنزله. 60 ولكن أنا سمعان بطرس وأخي أندراوس أخذنا شباكنا وذهبنا إلى البحر وكان معنا لاوي ابن حلفي الذي الرب… ” دعاه من دار الجباية (؟)… “.
وينتهي هنا الكتاب بصوره مبتورة تدل على أن جزأ قد ضاع منه.
وهذا الكتاب، المدعو ” إنجيل بطرس “، كما نرى، يتفق مع روايات الأناجيل القانونية، الحقيقة، في معظم تفاصيل المحاكمة والصلب ويثبت بدون شك أن كل ما كُتب في القرنين الأول والثاني سواء في داخل الكنيسة وعلى رأسها تلاميذ المسيح ورسله أو حتى في دوائر الهراطقة يؤكد صحة وحقيقة وتاريخية أحداث الصلب والقيامة.
(2) إنجيل الحقيقة(2): ويرجع للقرن الثاني، وقد اكتشف في نجع حمادي سنة 1945، جاء فيه عن صلب المسيح: ” لهذا السبب كان يسوع الرحيم الأمين صبورا في قبوله الآلام حتى أخذ ذلك الكتاب، لأنه يعرف أن موته هو حياة للكثيرين “.
” لهذا السبب ظهر يسوع… وسمر علي الشجرة وأعلن أمر الآب علي الصليب، يا له من تعليم عظيم، فقد وضع نفسه للموت برغم أن الحياة الأبدية ترتديه “.
(3) إنجيل ماركيون الهرطوقي، ويسمى أيضا بإنجيل الرب(3): وقد تكلم عن محاكمة السيد المسيح بكل تفصيلاتها كما جاء في الإنجيل للقديس لوقا ثم صلبه وقيامته وصعوده، وفيما يلي نص ما قاله عن صلبه:
” وفيما هم ذاهبون به امسكوا سمعان القيرواني الذي كان راجعا من الحقل فوضعوا عليه الصليب ليحمله خلف يسوع.وتبعه جمهور كبير من الشعب ومن نساء كن يلطمن صدورهن وينحن عليه فألتفت يسوع إليهن وقال: لا تبكين علي يا بنات أورشليم، بل أبكين على أنفسكن وعلى أولادكن. ستجيء أيام يقال فيها: هنيئا للواتي ما حبلن ولا ولدن ولا أرضعن، ويقال للجبال أسقطي علينا وللتلال غطينا. فإذا كانوا هكذا يفعلون بالغصن الأخضر، فكيف تكون حال الغصن اليابس. وكان هناك مذنبان آخران ساقوهما للموت، وعندما وصلوا إلى المكان الذي يدعى الجُمجُمة، صلبوه هناك مع المذنبين واحدا عن اليمين والآخر عن اليسار.
فقال يسوع، أغفر لهم يا أبي لأنهم لا يعرفون ما يفعلون. ووقف الشعب هناك ينظرون، ورؤساؤهم يقولون متهكمين، خلص غيره أما نفسه فما خلصها، فليخلص نفسه، أن كان هو المسيح مختار الله. واستهزأ به الجنود أيضا وهم يقتربون ويناولونه خلا ويقولون، خلص نفسك أن كنت أنت ملك اليهود. وكان فوق رأسه لوحة مكتوب فيها بحروف يونانية ولاتينية وعبرية ” هذا هو ملك اليهود “.
وأخذ أحد المذنبين المعلقين معه يشتمه ويقول له: أن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا. فأنتهره الآخر قائلاً: أما تخاف الله وأنت تتحمل العقاب نفسه؟ نحن عقابنا عدل، نلنا جزاء أعمالنا، أما هو فما عمل سوء، وقال ليسوع: اذكرني متى جئت في ملكوتك. فقال له يسوع الحق أقول لك، اليوم تكون معي.
وكانت حوالي الساعة السادسة وكانت ظلمة على الأرض كلها حتى الساعة التاسعة واحتجبت الشمس وانشق حجاب الهيكل من الوسط. وعندما صرخ يسوع بصوت عال، قال يا أبي في يديك استودع روحي، قال هذا واسلم الروح. فلما رأى قائد المئة ما جرى مجد الله وقال بالحقيقة كان هذا الرجل بارا.
والجموع التي حضرت ذلك المشهد، فرأت ما جرى رجعت وهي ترجم الصدور. وكان كل معارفه والنساء اللواتي تبعنه من الجليل يشاهدون هذه الأحداث عن بعد. وجاء رجلا، من الرامة، مدينة لليهود، وكان هو أيضا ينتظر ملكوت الله، اسمه يوسف وكان رجلا مشيرا وشريفا وبارا لم يوافق على رأيهم ومشورتهم.
هذا الرجل ذهب إلى بيلاطس وطلب جسد يسوع، وأنزله ولفه بكتان ووضعه في قبر محفور في الصخر، لم يدفن فيه أحد من قبل. وكان يوم الاستعداد والسبت كاد يبدأ. واتت النسوة اللواتي جئن معه من الجليل، تبعنه (أي يوسف) فرأين القبر وكيف وُضع جسده (يسوع) فيه. ثم رجعن وهيّأن طيبا وحنوطا واسترحن في السبت حسب الشريعة “.
ثم يشرح قصة القيامة بالتفصيل كما جاءت في الإنجيل للقديس لوقا.
صورة لنص ما جاء في إنجيل ماركيون كما نقله القديس أبيفانيوس أسقف قبرص
(4) إنجيل الأثنا عشر(4): والذي يرى البعض أنه من أقدم الأناجيل الأبوكريفية، وهو قريب جدا من الأناجيل الأربعة معا وقد جاءت فيه أحداث القبض على المسيح ومحاكمته وصلبه وقيامته بالتفصيل، وفيما يلي فقرات من أحداث الصلب والقيامة: ” وبعد أن أطلق لهم باراباس وعندما سخر بيسوع أسلمه إليهم ليصلب…وألبسوه تاج شوك… وكانت الساعة الثالثة عندما صلبوه وأعطوه خلا ممزوج بمرا وعندما ذاقه لم يرد أن يشرب، وقال يسوع آبا آما أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ما يفعلون.
ولما صلب العسكر يسوع اقتسموا ثيابه أربعة أجزاء لكل جندي قسم وأخذوا قميصه أيضا وكان قطعة واحدة لا خياطة فيها منسوجة كلها من أعلى إلى أسفل، فقالوا بعضهم لبعض لا نشقه بل نقترع عليه، فنرى لمن يكون، فتم الكتاب القائل أقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون.
هذا فعله الجنود وجلسوا يرقبونه. وكانت هناك لوحة مكتوبة فوقه بالحروف اللاتينية واليونانية والعبرية، هذا هو ملك اليهود. وقرأ هذا العنوان الكثيرون من اليهود لأن المكان الذي صلب فيه يسوع كان قريبا من المدينة… وقال أحد المذنبين المعلقين معه أن كنت أنت المسيح خلص نفسك وإيانا، فأجابه المذنب الآخر موبخا أما تخاف الله وأنت تحت الحكم نفسه؟ نحن عقابنا عدل، نلنا جزاء أعمالنا، أما هو فما عمل سوء، وقال ليسوع: اذكرني متى جئت في ملكوتك.
فقال له يسوع الحق أقول لك، اليوم تكون معي في الفردوس… ومن الساعة السادسة كانت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة… وفي حوالي الساعة السادسة صرخ يسوع بصوت عظيم إيلي إيلي لما شبقتني، أي إلهي إلهي لماذا تركتني… وعندما رأى يسوع أمه تقف مع التلميذ الذي كان يحبه قال لأمه: يا امرأة هوذا ابنك، وقال للتلميذ: هوذا أمك… بعد ذلك كان يسوع يعرف أن كل شيء قد أكمل الآن، وأن الكتاب يجب أن يتم قال أنا عطشان… ثم صرخ يسوع بصوت عظيم آبا آما في يديك أستودع روحي… وقال قد أكمل وأحنى رأسه وأسلم الروح “. ويرد بعد ذلك الأحداث التي حدثت بعد موته ودفنه ثم قيامته بالتفصيل كما هي مذكورة في الأناجيل الأربعة.
(5) حكمة يسوع المسيح(5): وترجع أقدم مخطوطاته إلى القرن الثالث أو بداية الرابع ويبدأ هكذا: ” بعد أن قام (يسوع) من الأموات تبعه تلاميذه الاثنا عشر وسبعة نساء اللواتي تبعنه كتلميذات، عندما جاءوا إلى الجليل… وهناك ظهر لهم المخلص، ليس في شكله الأصلي ولكن في الروح غير المرئي، كان ظهور ملاك عظيم من نور. أما شكله فلا أستطيع وصفه… وقال سلام لكم، سلامي أنا أعطيكم “.
(6) إنجيل فيلبس(6): ويرجع إلى القرن الثاني وقد وجدت له مخطوطة ترجع إلى
القرن الثالث ضمن مجموعة نجع حمادي مترجمة إلى القبطية الصعيدية. وجاء فيه قول منسوب للرب يسوع المسيح علي الصليب: ” الهي الهي لماذا يا رب تركتني؟ قال هذه الكلمات علي الصليب، لأنه انقسم هناك… قام الرب من الموت “.
(7) إنجيل برثلماوس(7): ويرجع للقرون الأولي، وتبدأ مقدمته بالقول ” بعد قيامة ربنا يسوع المسيح من الموت، جاء برثلماوس إلى الرب وسأله قائلا: يا رب أكشف لنا أسرا السموات ” ويدور الحوار بعد ذلك عن السموات.
(8) أبوكريفا يعقوب(8): وجد هذا العمل الابوكريفي في نجع حمادي 1945 وقد جاء به: ” فأجاب الرب (يسوع) وقال الحق أقول لكم لن يخلص أحد إلا إذا آمن بصليبي. والذين آمنوا بصليبي لهم ملكوت الله… سأحضر إلى المكان الذي منه جئت… استمعوا إلى التسابيح التي تنتظرني في السموات لأني اليوم سآخذ مكاني علي يمين الآب… مباركين أولئك الذين ينادون بالابن قبل نزوله “.
(9) حديث بعد القيامة(9):Epistula Apostolorum ويرجع هذا العمل إلى القرن الثاني. جاء فيه ما يسمي بتعليم التلاميذ الاثنى عشر فيما يختص بربنا يسوع المسيح والذي علمهم إياه بعد قيامته من الأموات: ” نحن نعرف هذا، أن ربنا ومخلصنا يسوع المسيح اله. ابن الله الذي أرسل من الله، حاكم العالم كله… رب الأرباب وملك الملوك وحاكم الحكام. السماوي الذي هو فوق الشاروبيم والسرافيم ويجلس عن يمين عرش الأب “.
(9) كتاب الحكمة(10): The Pistis Sophiaويرجع للقرن الثالث. يبدأ الكتاب الأول منه بالحديث عن قيامة السيد المسيح من الموت ” بعد أن قام يسوع من الموت “. ويتحدث في الثاني عن صعود السيد المسيح إلى السموات ويروي أفراح السماء بصعوده إليها واضطراب كل قوات السماء. ثم يتحدث عن ظهوره لتلاميذه ” ثم انفتحت السموات… ورأوا يسوع وقد نزل وبهاؤه (أشرافه) ساطع جدا وكان نوره لا يقاس… ولم يستطع البشر في العالم أن يصفوا النور الذي كان عليه “، ثم يروي خوف التلاميذ واضطرابهم لرهبة هذا المنظر ” ولما رأي يسوع، الرحيم والحنان أن التلاميذ في غاية الاضطراب.قال لهم: تهللوا أنا هو لا تخافوا… ثم سحب بهاء نوره، عندئذ تشجع التلاميذ ووقفوا أمام يسوع وخروا معا وسجدوا له بفرح وابتهاج عظيم “.
(10) إنجيل نيقوديموس: ويرجع للقرن الثاني ويقسم إلى جزأين:
(أ) أعمال بيلاطس(11): ويروي محاكمة السيد المسيح وصلبه وموته وقيامته من بين الأموات ! وهذه بعض الفقرات منه: ” قال يسوع: موسى والأنبياء تنبئوا عن موتي وقيامتي (لو44:24-46) ” (ف4:3).
قال السيد المسيح للص اليمين: ” اليوم تكون معي في الفردوس (لو43:23) ” (ف10:2). وقال الرب يسوع المسيح لتلاميذه بعد القيامة وقبل الصعود مباشرة ” اذهبوا إلى العالم أجمع وأكرزوا بالأناجيل للخليقة كلها، من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يدن، وهذه الآيات تتبع المؤمنين: يخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بألسنة جديدة، يحملون حيات وإن شربوا شيئا مميتا لن يضرهم ويضعون أيديهم علي المرضي فيبرأون (مر15:16-18). وبينما كان يسوع يتكلم مع تلاميذه رأيناه يصعد إلى السماء.
(ب) نزول المسيح إلى الجحيم(12): يروي نزول المسيح إلى الجحيم أثناء خروج روحه من جسده وإخراجه للأرواح المنتظرة علي الرجاء: ” صاح صوت عظيم مثل الرعد قائلا: افتحوا أيها الحكام أبوابكم وارتفعي أيتها الأبواب الداهريات فيدخل ملك المجد ” (ف1:5).
” ومد الملك يده اليمني وأمسك أبينا آدم وأقامه، أتحه إلى الباقين وقال: تعالوا معي يأكل الذين ذقتم الموت بالشجرة التي لمسها الإنسان لأني أقمتكم ثانية بشجرة الصليب… قال الأنبياء والقديسون نقدم لك الشكر أيها المسيح مخلص العالم لأنك خلصت حياتنا من الفساد ” (ف1:8).
(11) إنجيل ماني ” الإنجيل المتوافق “(13): استخدم ماني الهرطوقي ” المبتدع الأناجيل الأربعة الصحيحة إلى جانب دياتسرون تاتيان والأناجيل الأبوكريفية مثل إنجيل فيلبس وكتاب طفولة الرب وجمعها في مجلد واحد، متوافق، شبيه بدياتسرون تاتيان، وهذه فقرة منه عن محاكمة السيد المسيح: ” بالحقيقة هو ابن الله. وأجاب بيلاطس هكذا، أنا بريء من دم ابن الله… “. وفي فجر الأحد ذهبت النسوة إلى القبر حاملات الطيب ” واقتربن من القبر… ولما كلمهن الملاكان قائلين: لا تبحثن عن الحي بين الأموات ! تذكرن كلام يسوع كيف علمكم في الجليل: سوف يسلمونى ويصلبونى وفي اليوم الثالث أقوم من الموت “.
(12) كرازة بطرس kyrygma petru(14): ويرجع هذا العمل للنصف الأول من القرن الثاني وقد اقتبس منه اكليمندس الإسكندري ونسبه للقديس بطرس تلميذ المسيح. وننقل هنا حيدث بطرس في ” الكرازة ” عن الرسل كالآتي: ” لقد فتحنا كتب الأنبياء التي لدينا ووجدنا اسم يسوع المسيح ومجيئه وموته وصلبه وبقية العذابات الأخرى التي أنزلها به اليهود وقيامته وصعوده إلى السماء، البعض بأمثال والبعض بألغاز والبعض بكلمات واضحة ومؤكدة “.
(13) أعمال يوحنا(15): شهد لها اكليمندس الإسكندري في القرن الثاني وتوجد لها مخطوطات عديدة بلغات متعددة أخرها برديات البهنسا، يقول فيها الكاتب عن صلب المسيح: ” وعندما كان معلقا (علي الصليب) يوم الجمعة في الساعة السادسة حدثت ظلمة علي الأرض“.
(14) أعمال بطرس(16): وترجع إلى ما قبل سنة 190م، اقتبس منها اكليمندس الإسكندري وأوريجانوس ويوسابيوس القيصري. جاء فيها هذا القول منسوبا للقديس بطرس: ” أيها الواحد الوحيد القدوس، أنت ظهرت لنا، أنت الإله يسوع المسيح، باسمك اعتمد هذا الرجل وتعلم بالعلامة (علامة الصليب) المقدسة “.
(15) أعمال اندرواس(17): وترجع إلى ما قبل القرن الرابع، من عمل الهراطقة أشار اليها يوسابيوس القيصري. وقد جاء فيها هذه الصلاة التي يقال، حسب هذا العمل، أنها لأندراوس قبل استشهاده مباشرة ” لا تسمح يا رب أن اندراوس الذي التصق بصليبك يطلق حر، لا تطلقني أنا الذي تعلقت بسرك (صليبك)… أنا المتعلق بنعمتك… يا يسوع المسيح الذي أنا رأيته والذي أنا ملكه والذي أحبه والذي فيه أنا كائن وأكون. اقبلني بسلام في مساكنك الأبدية “.
(16) أعمال بطرس وبولس(18): وترجع أقدم مخطوطات هذا العمل إلى القرن التاسع وأن كان الكتاب نفسه يرجع لتاريخ أقدم من ذلك فقد أشار أوريجانوس (185 –245 م) إلى إحدى قصصه، السيدة كوفاديس Domine quovadis. وقد جاء في نهايته انه لما أمر نيرون بقطع رأس بولس وصلب بطرس ” ولما جاء بطرس إلى الصليب قال: لأن ربي يسوع المسيح الذي نزل من السماء إلى الأرض رفع علي الصليب ورأسه لأعلي، وتلطف ودعاني إلى السماء أنا الذي من الاراض، لذا يثبت صليبي ورأسي أتسفل لاوجه قدمي للسماء، لأني لست أهلا أن أصلب مثل ربي، فقلبوا الصليب وسمروا رجليه لأعلي “.
(17) أعمال اندراوس(19): أشار إليها أبيفانيوس (403م) وترجع إلى ما قبل ذلك، جاء فيها قول أندراوس لغريمه ” أن أمنت بالمسيح ابن الله الذي صلب سأشرح لك كيف أن الحمل الذي ذبح سيحيا بعد أن صلب “.
(18) رؤيا بطرس(20): وترجع إلى ما قبل 180م. جاء فيها إعلان المجيء الثاني هكذا: ” أجاب ربنا (يسوع ) وقال:… لأن مجيء ابن الله لن يكون مبينا ولكن مثل البرق الذي يظهر من الشرق إلى الغرب، هكذا سيأتي على سحاب السماء مع جمهور عظيم في مجدي، وصليبي ذاهبا أمام وجهي. سآتي في مجدي مع كل قديسى وملائكتي، عندما يضع أبى إكليلا على رأسي لأدين الأحياء والأموات وأجازى كل واحد بحسب أعماله “.
وجاء في مخطوطة أخرى ولكن بصورة أكثر غموضاً وصوفية “ والذي صلبوه هو البكر، وموطن الأرواح والإناء الحجري الذين يسكنون فيه، لإلوهيم، للصليب، الذي تحت الناموس. ولكن الذي يقف قريبا منه هو المخلص الحي، الأول فيه الذي امسكوه وأطلقوه، الذي يقف مبتهجا ينظر إلى أولئك يعاملونه بعنف، حتى انقسموا بين أنفسهم. لذا فقد ضحك على نقص إدراكهم، عالما أنهم ولدوا عميان، لذا فالقابل للألم سيأتي، لأن الجسد هو البديل، ولكن الذي أطلقوه كان جسدي الروحي. ولكني أنا الروح العقلي المملوء بالنور المشع. الذي تراه آتياً إليّ هو ملء اللاهوت العقلي الذي يوحد النور التام مع روحي القدوس “(21)!!
وفي هذا النص يتكلم الكاتب عن المسيح كروح عقلي من نور، وأن الذي صلب لا الروح العقلي النوراني المشع، بل الجزء الجسدي، الذي هو البكر، والبكر هو لقب المسيح في الفكر المسيحي عموماً !! أي أنه يقول أنهم صلبوا الجزء الجسدي منه لكنهم لم يصلبوا الروح العلوي النوراني المشع !!
(19) رؤيا بولس(22): ذكرت في قانون البابا جلاسيوس (496م) وأشار إليها القديس أغسطينوس (430م). جاء فيها ” ثم رأيت ابن الله نازلا من السماء وإكليلا على رأسه وعندما رآه الذين وضعوا في العذاب، صرخوا جميعهم معا: ارحمنا يا ابن الله العلي، فأنت الذي منحت الراحة للكل في السماء وعلى الأرض. ارحمنا نحن أيضا، فقد حصلنا على راحه منذ رأيناك. وجاء صوت الله في كل مكان في العذابات قائلا: ما الذي فعلتموه لتسألوني عن الراحة؟
لقد سال دمى لأجلكم ولم تتوبوا. لبست تاجا من الشوك على رأسي لأجلكم. لأجلكم لطمت على خدي، ومع ذلك لم تتوبوا. علقت على الصليب وطلبت الماء فأعطوني خلا ممزوجا بمر، فتحوا جنبي الأيمن بحربة. لأجل أسمى قتلوا خدامي، الأنبياء والأبرار، أعطيتكم الفرصة في كل هذا للتوبة ولم تريدوا “.
إقرأ أيضاً:
(1) ) New Testament Apocrypha Vol. 1. p. 184.
(2) The Nag Hammadi Library In English p. 39.
(3) TERTULLIAN: AGAINST MARCION BK. IVCHAP. XLIII &
علماء مسلمون قالوا بصلب المسيح وأسباب قولهم بذلك – القمص عبد المسيح بسيط
علماء مسلمون قالوا بصلب المسيح وأسباب قولهم بذلك – القمص عبد المسيح بسيط
العلماء المسلمون الذين قالوا بصلب المسيح وأسباب قولهم بذلك
1 – عدم وضوح معنى الآية:
كما سبق أن بينّا من عدم وضوح معنى قوله ” وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ” فقد وُجد هناك أربعة أراء لأربع مجموعات من العلماء المسلمين:
1 – الرأي الأول والذي يقول بإلقاء شبه المسيح على آخر، ولكن كيف ومتى ومن هو الشبيه فهذا غير معلوم، وهذا ما يتلخص في قول الإمام محمد أبو زهرة ( أن القرآن الكريم لم يبين لنا ماذا كان من عيسى بين صلب الشبيه ووفاة عيسى أو رفعه على الخلاف في ذلك، ولا إلى أين ذهب، وليس عندنا مصدر صحيح يعتمد عليه )، وهذا هو الرأي التقليدي ورأي الأغلبية.
ومن ضمن أصحاب هذا الرأي الذين نقلوا روايات عن جهلاء أهل الكتاب العرب، كما يقول أبن خلدون، أو الذين راحوا يؤلفون روايات من وحي خيالهم هم !!
2 – الرأي الثاني والذي يرى أن المسيح صلب فعلا وإنما قول القرآن جاء من باب مجادلة اليهود والمقصود بها التنقيص من شأنهم، كقول د. عبد المجيد الشرفي ” هذا فليس من المستبعد أن يكون إنكار قتل اليهود عيسى وصلبه من باب المجادلة المقصود بها التنقيص من شأن المجادلين “.
3 – الرأي الثالث والذي يقول بصلب المسيح فعلا ولكن بعدم موته على الصليب، ومن هؤلاء الأستاذ الجوهري فضلا عما يناور ويقول به السيد أحمد ديدات !!
4 – الرأي الرابع والذي يقول بصلب المسيح كما جاء في الأناجيل، سواء عن طريق النقل من الإنجيل بأوجهه الأربعة دون تعليق، مثل المؤرخ الإسلامي اليعقوبي، والأستاذ خالد محمد خالد. وغيرهم. هذا فضلا عن البيضاوي الذي نقل قول النسطورية ” وقيل صلب الناسوت ولم يصلب اللاهوت “.
ولو كان نص الآية واضحاً تماما لما أختلف المسلمون عبر التاريخ في جزئية واحدة حول معنى الآية، ولكن اختلاف المفسرين، بهذه الصورة دليل على عدم وضوحها، وخاصة أنها الآية القرآنية الوحيدة التي تكلمت عن هذا الموضوع، باستثناء آيات الموت الوفاة، وهذا موضوع آخر.
2 – العلماء والمؤرخون المسلمون الذين قالوا بصلب المسيح:
ظهر بعض الكتاب والعلماء والمؤرخين المسلمين الذين حاولوا التوفيق بين حقيقة وتاريخية صلب المسيح وتفسيرهم لقوله ” وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ” (النساء:157). ولذا فقد قالوا بصلب المسيح، وفيما يلي أهم من قالوا بذلك:
(1) وقال الشيخ احمد بن أبي يعقوب، اليعقوبي، الذي يُعد من أقدم مؤرخي الإسلام والذي قال ” ولما طلب اليهود من بيلاطس أن يصلب المسيح. قال لهم خذوه أنتم واصلبوه أما أنا فلا أجد عليه علة. قالوا قد وجب عليه القتل من أجل أنه قال أنه ابن الله. ثم أخرجه وقال لهم خذوه أنتم واصلبوه فأخذوا المسيح وحملوه الخشبة التي صلب عليها “(1).
(2) وقال أخوان الصفا من القرن الخامس الهجري (457 – 459): ” فلما أراد الله تعالى أن يتوفاه (أي المسيح) ويرفعه إليه اجتمع معه حواريوه في بيت المقدس في غرفة واحدة، وقال أني ذاهب إلي أبي وأبيكم وأوصيكم بوصية 00 وأخذ عهدا وميثاقا فمن قبل وصيتي وأوفى بعهدي كان معي غدا 000 فقالوا له ما تصديق ما تأمرنا به. قال أنا أول من يفعل ذلك. وخرج في الغد وظهر للناس وجعل يدعوهم ويعظهم حتى اُخذ وحُمل إلى ملك إسرائيل فأمر بصلبه. فصلب ناسوته (جسده) وسمرت يداه على خشبتي الصليب وبقي مصلوبا من صحوة النهار إلى العصر. وطلب الماء فسقي الخل وطعن بالحربة ثم دفن في مكان الخشبة ووكل بالقبر أربعون نفرا. وهذا كله بحضرة أصحابه وحوارييه فلما رأوا ذلك منه أيقنوا وعلموا أنه لم يأمرهم بشيء يخالفهم فيه. ثم اجتمعوا بعد ذلك بثلاثة أيام في الموضع الذي وعدهم أن يتراءى لهم فيه. فرأوا تلك العلامة التي كانت بينه وبينهم وفشا الخبر في بني إسرائيل أن المسيح لم يقتل. فنبش القبر فلم يوجد فيه الناسوت “(2).
(3) ويقول د. عبد المجيد الشرفي (عميد كلية الآداب بتونس، وله كثير من المقالات التي تتعلق بالعلاقات المسيحية – الإسلامية ): ” وكما نفي القرآن ألوهية عيسى وعقيدة الثالوث، فإنه نفى في الآية 157 من سورة النساء أن يكون اليهود قتلوا عيسى أو صلبوه (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم 00 وما قتلوه يقيناً)، فهل تعني هذه الآية أنه قُتل وُصلب، لكن على غير أيدي اليهود أم أنه لم يُقتل ولم يُصلب البتة؟ لا شئ مبدئياً يمكّننا من ترجيح أحد الاحتمالين إن اقتصرنا على النص القرآني وحده، ولم نعتمد السنة التفسيرية التي بتت في اتجاه نفي الصليب جملة في أغلب الأحيان. على أن هذه الآيات لا يجوز أن تفصل عن الآية 33 من سورة مريم: (والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً)، وكذلك عن الآية 35 من آل عمران: (يا عيسى إني متوفيك)، وعن الآية 117 من المائدة: (وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم)، وهي صريحة في أن عيسى يموت ويتوفى.
فليس من المستبعد أن يكون إنكار قتل اليهود عيسى وصلبه من باب المجادلة المقصود بها التنقيص من شأن المجادلين، لا سيما أن كل الأحداث المتعلقة بحياة المسيح لم تزل منذ القديم محل أخذ ورد واختلاف، ولا أحد يستطيع ادعاء اليقين فيها. يضاف إلى هذا أن إقرار القرآن برفع عيسى في الآية الموالية يتفق والعقيدة المسيحية في هذا الرفع، بل ويتماشى والعقلية الشائعة في الحضارات القديمة والمؤمنة بهذه الظاهرة. والأمثلة على ذلك كثيرة. فهل نحن في حاجة إلى التنقيب عن مصدر العقيدة القرآنية المتعلقة بنهاية حياة المسيح في آراء الفرق الظاهرانية (Docetiste )؟¨، ” أليس في منطق الدعوة ذاته ما يفسر هذا الموقف الواضح في سائر الأنبياء من جهة، والذي يترك الباب مفتوحاً للتأويل واعتماد المعطيات التاريخية في أمر من جهة أخرى “. ويقول المؤلف أيضاً تحت عنوان: الصلب:
” من اليسير أولاً أن نسجل أن هذا الفرض لم يكن محل عناية كبيرة من قبل المفكرين المسلمين، رغم أنه غرض محوري في المنظومة اللاهوتية المسيحية ويحق لنا أن نتساءل عن علة هذا الإعراض النسبي، وهل ينم عن نوع من الحرج في مواجهة الرواية ذات الصبغة التاريخية المتعلقة بالصليب والسائدة في أوساط النصارى 00 بمجرد آية قرآنية؟ أم هل اعتبر المسلمون أن نظرية الفداء تسقط بطبيعتها إن لم ترتكز على أساس متين بعد النقد الصارم الذي وجه إلى عقيدتي التثليث والتجسد؟ “(3).
(4) وقال عبد الرحمن سليم البغدادي الذي كان عراقياً ولد وعاش ومات في بغداد (1832 – 1911)، وكان رئيساً لمحكمتها التجارية وانتخب نائباً في المجلس العثماني ” (وما قتلوه وما صلبوه) لا يفهم منها أن المسيح لم يمت قط، بل هو نص صريح في أن القتل والصلب لم يقعا على ذاته من اليهود فقط “. ربما يقصد إنما صلب على أيدي الرومان(4).
(5) وقال الأستاذ نبيل الفضل ” إن عملية الصلب لا يهم أن تكون على عمود رأسي وآخر أفقي كما في الصليب، بل قد تكون على عمود رأسي فقط. وصلبالمسيح ربما كان على صليب ذي عمودين رأسي وأفقي، أو ربما على عمود رأسي فقط، فإن كان المسيح قد ُصلب على عمود رأسي فقط، فإن تعبير(صلب المسيح) يكون تعبيراً غير كامل. فتعبير صلب يجوز في حالة وجود عمود رأسي وأفقي، فإن كان عمود واحد فالأدق أن يكون التعبير هو (تعليق المسيح) لا (صلب المسيح). ورغم أن الحالتين تؤديان إلى الوفاة بالاختناق، إلا أن هذا يذكرنا بقول القرآن (وما صلبوه) “(4).
(6) وقال المفكر والفيلسوف الدكتور فؤاد حسنين على أستاذ الفلسفة ” قتلوه وما قتلوه، صلبوه وماصلبوه ولكن شبه لهم. قتلوا الجسد وما قتلوا الكلمة، صلبوا الجسد وصعدت الروح إلىخالقها 00″. ثم تحدث عن محاكمات المسيح وكلماته على الصليب واستهزاء اليهود به ثم قال ” أسلم يسوع روحه فصعدت إلى ربها راضية مرضية ” وتحدث عن صلب المسيح وموته باستفاضة وكذلك عن دفنه حتى وصل إلى قيامته من الموت فقال ” وموت المسيح على الصليب ليس هو معجزة المسيحية. والعكس هو الصحيح أعني قيامة المسيح من بين الموتى ” إلى أن ختم مقاله بقوله ” إذ قال الله يا عيسى أني متوفيك ورافعك إلي 000ألخ “(5).
(7) وكذلك تبني السيد أحمد ديدات وناشر كتبه السيد على الجوهري لقول الفرقة القاديانية التي تعتقد أن المسيح صلب على الصليب ولكنه لم يمت عليه بل أغمى عليه وأنزل من على الصليب حّياً(6)!!
(8) بل وقال الأمير شكيب أرسلان في كتابه ” حاضر العالم “: ” قال درنغم (أحد المستشرقين): فقول القرآن (وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) يذكرنا بأقوال العهد الجديد 000 إننا لو فرضنا وجوب أخذ هذه الآية على ظاهرها فلا مانع من ذلك حسب عقيدة الكنيسة نفسها، لأن آباء الكنيسة ما زالوا يقولون، إنه ليس ابن الله هو الذي صلبه اليهود، وأماتوه على الصليب، وإنما الطبيعة البشرية في المسيح. وهكذا لا يكون اليهود قتلوا كلمة الله الأبدية، ولكن يكونون قتلوا الرجل الذي يشبهها، واللحم والدم المتجسدين في بطن مريم “.
” وقال (المستشرق): فلا يكون القرآن فيما قاله بشأن الصلب إلا مؤيداً عقيدة الكنيسة الكبرى، وهي أن في المسيح طبيعتين: إلهية وبشرية، وأن القتل وقع على الطبيعة البشرية فقط 00″. وقال الأمير أرسلان معلقاً ” ولا نريد أن نفرغ من هذه المسألة بدون أن نعلق على بعض الملاحظات على ما قاله درنغم فيها. فأما ذهابه أن مراد القرآن بالآية الكريمة: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) إنما هو وقوع القتل على الجسد فقط، وأن الله بعد ذلك رفعه إليه، (فأن له وجها وجيهاً) لا سيما وأن آية أخرى: ” إذ قال الله يا عيسى أني متوفيك ورافعك إليّّ، ومطهرك من الذي كفروا) تعزز هذا الرأي “(7).
(9) وقال الإمام محسن فاني في كتابه الدابستاني في القرن التاسع للهجرة ” أنه عندما قبض اليهود على عيسى، بصقوا عل وجهه المبارك ولطموه ثم أن بيلاطس حاكم اليهود جلده حتى أن جسمه من رأسه إلى قدمه صار واحدا 000 ولما رأى بيلاطس من إصرار اليهود على صلب عيسى وقتله قال ” أني بريء من دم هذا الرجل وأغسل يدي من دمه “، ” فوضعوا الصليب على كتف عيسى وساقوه للصلب “(8).
(10) وقال الكاتب الإسلامي المعروف خالد محمد خالد، بعد أن تكلم في فصل كامل عن محاكمات المسيح: ” لقد كان الصليب الكبير الذي أعده المجرمون للمسيح يتراءى له دوما “. ” المسيح قد حمل الصليب من أجل السلام “.” الصليب الذي حمله المسيح سيف أراد اليهود أن يقضوا على ابن الإنسان ورائد الحق “.
ثم قال ” وأريد للمسيح أن تنتهي حياته الطاهرة على صورة تشبه الأحقاد الملتوية، الملتاثة. لخراف إسرائيل الضالة “(9).
(11) ونقل الكاتب محمود أبو ريه فقرات كاملة من الإنجيل بأوجهه الأربعة خاصة بكلام المسيح قبل صلبه مباشرة وكلام المسيح وهو معلق على الصليب وعند قيامته. وذلك كحقيقة تاريخية(10).
(12) ويرى د. محمد أحمد خلف الله (في كتابه الفن القصصي في القرآن الكريم) أن القصة القرآنية لم يُقصد بها التاريخ، ولكن العظة والاعتبار ولذلك يُهمل الزمان والمكان، وهي تمثل الصور الذهنية للعقلية العربية في ذلك الوقت ولا يلزم أن يكون هذا هو الحق والواقع ومن حقنا أن نبحث وندقق. وهذا هو ما كتبه بالنص:
+ ” يدلنا الاستقراء على أن ظواهر كثيرة من ظاهرات الحرية الفنية توجد في القرآن الكريم، ونستطيع أن نعرض عليك منها في هذا الموقف ما يلي:
1 – إهمال القرآن حين يقص لمقومات التاريخ من زمان ومكان 000 “.
2 – اختياره لبعض الأحداث دون البعض، فلم يعن القرآن بتصوير الأحداث الدائرة حول شخص أو الحاصلة في أمة تصويراً تاماً كاملاً، وإنما كان يكتفي باختيار ما يساعده على الوصول إلى أغراضه.
3 – كما لا يهتم بالترتيب الزمني أو الطبيعي في إيراد الأحداث وتصويرها وإنما كان يخالف هذا الترتيب ويتجاوزه.
4 – إسناده بعض الأحداث لأناس بأعينهم في موطن ثم إسناده نفس الأحداث لغير الأشخاص في موطن آخر.
5 – إنطاقه الشخص الواحد في الموقف الواحد عبارات مختلفة حين يكرر القصة.
6 – وجود مواقف جديدة لم تحدث في سياق القصة التي تصور أحداثاً وقعت انتهت. ” القرآن يجري في فنه البياني على أساس ما كانت تعتقد العرب وتتخيل، لا على ما هو الحقيقة العقلية ولا على ما هو الواقع العملي “.
” إن المعاني التاريخية ليست مما بلغ على أنه دين يتبع، وليست من مقاصد القرآن في شئ، ومن هنا أهمل القرآن مقومات التاريخ من زمان ومكان وترتيب للأحداث 00 إن قصد القرآن من هذه المعاني إنما هو العظة والعبرة أي في الخروج بها من الدائرة التاريخية إلى الدائرة الدينية. ومعنى ذلك أن المعاني التاريخية من حيث هي معان تاريخية لا تعتبر جزءاً من الدين أو عنصراً من عناصره المكونة له. ومعنى هذا أيضاً أن قيمتها التاريخية ليست مما حماه القرآن الكريم ما دام لم يقصده.
” إن ما بالقصص القرآني من مسائل تاريخية ليست إلا الصور الذهبية لما يعرفه المعاصرون للنبي من التاريخ، وما يعرفه هؤلاء لا يلزم أن يكون الحق والواقع، كما لا يلزم القرآن أن يصحح هذه المسائل أو يردها إلى الحق والواقع، لأن القرآن الكريم، كان يجئ في بيانه المعجز على ما يعتقد العرب، وتعتقد البيئة ويعتقد المخاطبون. ويضيف الكاتب أيضاً:
” إن القرآن الكريم لا يطلب الإيمان برأي معين في هذه المسائل التاريخية. ومن هنا يصبح من حقنا أو من حق القرآن علينا أن نفسح المجال أمام العقل البشري ليبحث ويدقق، وليس عليه بأس في أن ينتهي من هذه البحوث إلى ما يخالف هذه المسائل، ولن تكون مخالفة لما أراده الله أو لما قصد إليه القرآن لأن الله لم يرد تعليمنا التاريخ، ولأن القصص القرآني لم يقصد إلا الموعظة والعبرة وما شابههما من مقاصد وأغراض. ونوجز ما سبق فيما يلي:
1 – القصة القرآنية، قصة لا تتوافر فيها مقومات التاريخ، ولم يكن هدفها التاريخ بل العظة والاعتبار. وهي ما يعرفه المعاصرون للنبي من تاريخ، ولا يلزم أن يكون هذا هو الحق والواقع.
2 – هناك أقوال جاءت على لسان بعض الأشخاص، لم ينطقوا بها بل القرآن أنطقها على لسانهم.
3 – القرآن لا يطلب منا الإيمان برأي معين في هذه المسائل التاريخية ومن حقنا أو من حق القرآن علينا أن نبحث ونفتش لمعرفة الحدث التاريخي كما وقع ومخالفتنا للقصة القرآنية لا يمس القرآن.
وإذا طبقنا هذه المبادئ على حادثة صلب المسيح نرى:
+ إن اليهود لم يقولوا أن المسيح هو رسول الله، وإن القول ” ما قتلوه وما صلبوه ” هو ما يعرفه بعض المعاصرين.
+ إن القرآن لا يطلب منا الإيمان بعدم قتل وصلب المسيح. إذا رأينا من الكتب المقدسة أو من التاريخ ما يؤكد حقيقة صلب وموت المسيح، فالواجب علينا أو من حق القرآن علينا أن نؤمن بذلك، ولهذا فالمسيح قد صلب ومات على الصليب.
” إن القرآن لم يقصد إلى التاريخ من حيث هو تاريخ إلا في النادر الذي لا حكم له، وأنه على العكس من ذلك عمد إلى إبهام مقومات التاريخ من زمان ومكان “.
” إن وصف عيسى بأنه رسول الله في قول اليهود الذي حكاه عنهم القرآن في قوله تعالى: (وقولهم إن قتلنا المسيح عيس بن مريم رسول الله)، لا يمكن أن يفهم على أنه قد صدر حقاً من اليهود فهم لم ينطقوا بهذا الوصف وإنما القرآن هو الذي أنطقهم به، ذلك لأن وصفه بالرسالة ليس إلا التسليم بأنه رسول الله وهم لم يسلموا بهذا، ولو سلموا بهذا لأصبحوا مسيحيين، ولما كان بينهم وبينه أي لون من ألوان العداء، ولما كان قُتل وصُلب. إن اليهود إنما يتهمون عيسى بالكذب، وينكرون عليه أنه رسول الله، ويذكرونه بالشر، ويقولون إنه ابن زنا وأن أمه زانية. يقول اليهود كل هذا وأكثر منه، ومن هنا لم يستطع العقل الإسلامي أن يسلم بأن وصف عيسى بأنه رسول الله قد صدر حقاً من اليهود “.
” مصادر القصص القرآني في الغالب هي العقلية العربية، فالقرآن لم يبعد عنها إلا القليل النادر، ومن هنا جاءت فكرة الأقدمين القائلة: إن القرآن ليس إلا أساطير الأولين، وذلك لأنهم نظروا فوجدوا الشخصيات القصصية والأحداث القصصية مما يعرفون “(11).
(13) الأستاذ على الجوهري: والذي ترجم عددا من كتب السيد أحمد ديدات والتعليق عليها، وكان رأيه في قضية موت المسيح، كما بينّا في الفصل السابق، هو كالآتي: ” إذا لم يكن معنى قوله سبحانه وتعالى: ولكن شبه لهم هو إلقاء شبه المسيح على شخص آخر غيره، فما هو معناها؟ هل لها معنى آخر، وما هو هذا المعنى الأخير؟ ثم يركز بعد ذلك على القول بعدم موت المسيح على الصليب وإنزاله من على الصليب حيا، مغمى عليه(12)!!!
وقد تصور بذلك أنه حل مشكلتين الأولى عدم تاريخية ومعقولية ومنطقية إلقاء شبه المسيح على آخر، والثانية هي إبطال عقيدة الفداء بدم المسيح.