تعاليم آباء الكنيسة ضد التهود والمتهودين – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تعاليم آباء الكنيسة ضد التهود والمتهودين – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تعاليم آباء الكنيسة ضد التهود والمتهودين – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تعاليم آباء الكنيسة ضد التهود والمتهودين – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – سبتمبر 2023م

 

 

الفهرست

تعاليم آباء الكنيسة ضد بدع التهود والمتهودين. 1

الآباء الرسوليون. 2

رسالة برنابا 2

إلغاء الذبائح والفرائض الناموسية. 2

الرسالة إلى ديوجنيتوس… 3

رفض المعتقدات والحرفية اليهودية. 3

ق. أغناطيوس الأنطاكي. 4

رفض التهود والمتهودين. 4

الرفض التام للتفاسير اليهودية. 4

الآباء المدافعون. 6

ق. يوستينوس الشهيد 6

إبطال العهد الجديد للعهد القديم 6

ق. إيرينيؤس أسقف ليون. 7

رفض التهود والارتداد إلى الناموس.. 7

التهود ورفض التجسُّد الإلهي. 7

ق. ميلتيوس أسقف ساردس… 9

الناموس العتيق ووقتية المثال. 9

إبطال مثال الناموس بحقيقة الإنجيل. 9

الآباء اليونانيون. 11

العلامة أوريجينوس… 11

التهود وإتباع ناموس اليهود 11

ق. أثناسيوس الرسولي. 11

التهود والتظاهر بالمسيحية. 11

التهود ورفض التبني لله الآب.. 12

التهود وتحريف تفسير نصوص الكتاب المقدس.. 13

التهود وإلباس اليهودية اسم المسيحية. 13

يوسابيوس القيصري.. 14

التهود والخلاص بالناموس والمسيح. 14

ق. باسيليوس القيصري الكبير. 15

الناموس هرم وشاخ. 15

ق. غريغوريوس النيسي. 16

الناموس ظل وصورة 16

ق. يوحنا ذهبي الفم. 16

الناموس القديم جزئي وناقص… 16

العهد الجديد أكثر أهمية من القديم 17

ق. كيرلس الإسكندري.. 18

كلمات الناموس مجرد رموز وظلال. 18

معرفة الناموس ناقصة. 19

عدم كمال الناموس.. 20

الخلاصة. 21

 

 

 

 

 

تعاليم آباء الكنيسة ضد بدع التهود والمتهودين

سوف نحاول في هذا البحث تسليط الضوء على قضية من أخطر القضايا التي واجهت الكنيسة، وهي قضية التهود، والتهود في معناه البسيط هو الارتداد عن المسيحية إلى الطقوس والعقائد والممارسات اليهودية، وتُعتبر هذه القضية من أخطر القضايا التي واجهت الكنيسة منذ نشأتها وحتى عصرنا هذا.

فلا يوجد عصر من العصور لم يتسلل فيه التهود إلى الكنيسة، ولا يوجد عصر من العصور لم يوجد فيه المتهودون المؤمنون بالأفكار والعقائد اليهودية بشكلٍ مباشرٍ أو بشكلٍ غير مباشر. ويتسلل التهود إلى الكنيسة بطريقة خفية من خلال دراسة الخلفية اليهودية للعهد الجديد من الناحية التاريخية والطقسية والعقائدية، وهذا شيء لا غبار عليه، ولكن عند التوغل في هذه الدراسة لدرجة تصل إلى تفسير العهد الجديد على مقياس العهد القديم فهذا يدق ناقوس الخطر، وينبئ عن انزلاق غير محسوس نحو التهود، وعودة الفكر اليهوديّ مرة أخرى ليسود الكنيسة في ثوبٍ جديدٍ، ويُعتبر هذا من أخطر الأمور على الإيمان المسيحيّ الأرثوذكسيّ، لأن الذين يقومون بذلك يقعون فريسة للتهود دون دراية بدافع دراسة الخلفية اليهودية لنصوص العهد الجديد، فيبدأ هنا الارتداد عن المسيحية للسقوط في هوة التهود.

سوف نستعرض في هذا البحث كيف واجه آباء الكنيسة قضية التهود منذ العصر الرسوليّ وفي القرون الأولى للمسيحية، وسوف نستعرض أهم صور التهود التي رفضها آباء الكنيسة وحاربوها بشدة، وسوف نطرح وجهة نظر آباء الكنيسة حول عقائد وممارسات وطقوس العهد القديم وعلاقتها بعقائد وممارسات وطقوس العهد الجديد.

 

 

الآباء الرسوليون

سوف نستعرض في هذا الجزء موقف الآباء الرسوليين من بدع التهود في بداية المسيحية منذ القرن الأول وما بعده، وسوف نرى كيف كانت الكنيسة تنظر إلى الناموس والذبائح اليهودية في العصر الرسوليّ.

رسالة برنابا

إلغاء الذبائح والفرائض الناموسية

يشير كاتب رسالة برنابا إلى رفض الله لكافة الذبائح والمحرقات والتقدمات اليهودية عن طريق أنبيائه، وأنه ألغى كل الأمور الناموسية لكي يكون ناموس ربنا يسوع المسيح الجديد خاليًا من نير الفروض والإجبار كالتالي:

لأن [الله] أعلن لنا عن طريق كل أنبيائه أنه لا يحتاج ذبائح، ولا محرقات، ولا تقدمات، قائلاً: ’لماذا كثرة ذبائحكم لي؟ يقول الرب. شبعتُ من محرقات الكباش ودهن الحملان، ولا أريد دم العجول والتيوس، ولا أن تأتوا لتظهروا أمامي. لأنه مَنْ طلب هذا من أيديكم؟ لا تسيروا في ساحتى مرةً أخرى. حينما تحملون لي دقيقًا فاخرًا، فهو بلا قيمة لي، وحين تُقدِّمون بخورًا فهو نجس، ولم أعد أحتمل أعياد أول الشهور والسبوت التي لكم‘ (إش 1: 11-13). وهكذا ألغى [الله] كل هذه الأمور، لكي يكون ناموس ربنا يسوع المسيح الجديد حاليًا من نير الإجبار، ولا يقبل تقدمة يُجبَر البشر على تقديمها“.[1]

ولكن بعد ذلك نجد البعض بمنتهى الغرابة ينادي بالإلغاء الجزئيّ للناموس اليهوديّ وفرائضه، وينادون بكل جرأة بأن أحكام الناموس اليهوديّ لازالت قائمة وسارية في المسيحية وعلى الكنيسة المسيحية، يا له من تعليم متهود فاسد!

الرسالة إلى ديوجنيتوس

رفض المعتقدات والحرفية اليهودية

يطلب كاتب الرسالة إلى ديوجنيتوس من المؤمنين المسيحيين ألا يتعلموا أيّ شيء بشأن المعتقدات والتأويلات اليهودية حول الطعام، وأيام السبوت، والختان، والصوم، والأعياد اليهودية، ويطلب منهم الابتعاد عن سخافات اليهود النجسة كالتالي:

”وبالنسبة لأولئك الذين يظنون أنهم يُقدِّمون له ذبائح دموية ورائحة دهن الذبائح، والمحرقات، ويعتقدون أنهم يُكرِّمونه بواسطة هذه التقدمات، فبالنسبة لي، فإن هؤلاء لا يختلفون شيئًا عن أولئك الذين يُقدِّمون هذه الكرامة للأوثان الصماء […] وأكثر من ذلك وسوستهم بخصوص الطعام، ومعتقداتهم بخصوص أيام السبوت، وتباهيهم الباطل بالختان، وزعمهم بخصوص الصوم وأوائل الشهور، فهذه أمور سخيفة، ولا تستحق أيّ حديث، وأنا لا أظن أنك تحتاج إلى أن تتعلَّم مني أيّ شيء من تلك الأمور […] أعتقد الآن، أنك قد تعلَّمت بشكلٍ كافٍ أن المسيحيين هم على حق في ابتعادهم عن سخافات اليهود النجسة هذه، وحرفيتهم الخادعة، وافتخارهم، ولكن بالنسبة لسر عبادتهم الخاصة، فلا تتوقع أن تستطيع تعلُّمها من إنسان“.[2]

ق. أغناطيوس الأنطاكي

رفض التهود والمتهودين

يرفض ق. أغناطيوس الأنطاكيّ التهود بكل أشكاله رفضًا قاطعًا مُستنكرًا أن يتلفظ البعض باسم يسوع المسيح، ولكنهم مازالوا يعيشون ويُفكِّرون كما يعيش ويُفكِّر اليهود، فليست المسيحية هي التي آمنت باليهودية، بل اليهودية بالمسيحية كالتالي:

”اِطرحوا عنكم الخمير الفاسد العتيق، وتحوَّلوا إلى الخمير الجديد الذي هو يسوع المسيح. وليكن هو ملح حياتكم حتى لا يفسد واحدٌ منكم، لأنكم من رائحتكم تُعرَفون. إنه من غير اللائق أن تتلفظ باسم يسوع المسيح، وأنت تعيش كما يعيش اليهود. فليست المسيحية هي التي آمنت باليهودية، بل اليهودية بالمسيحية، التي فيها اجتمع كل إنسان يؤمن بالله“.[3]

الرفض التام للتفاسير اليهودية

يُشدِّد ق. أغناطيوس الأنطاكيّ على مقاطعة أيّ أحد يُفسِّر المسيحية من خلال التفاسير اليهودية، ويُشبِّه هؤلاء المتهودين الذين لا يتحدَّثون عن المسيح بتاتًا بأنهم كشواهد القبور الحجرية وكقبور الأموات تحمل فقط أسماء الأشخاص المائتين كالتالي:

إذَا فسَّر لكم أحدٌ وفقًا لليهودية، فلا تسمعوا له. لأنه مِن الأفضل أن تسمعوا مختونًا يكرز بالمسيحية، مِن أن تسمعوا غير مختونٍ يكرز باليهودية. وإذَا لم يكلِّمكم أيٌّ منهما عن يسوع المسيح، فهما بالنسبة لي كشواهد القبور الحجرية، وكقبور الأموات، كُتِبَ عليها فقط أسماء الأشخاص الموتى“.[4]

 

 

الآباء المدافعون

سوف نستعرض بداية وتطور حركة التهود التي أزعجت الكنيسة في القرون الأولى لأنها كانت رافضة لرسالة الإيمان المسيحيّ، وذلك في كتابات الأباء المدافعين في القرون الأولى للمسيحية.

ق. يوستينوس الشهيد

إبطال العهد الجديد للعهد القديم

يُؤكِّد ق. يوستينوس الشهيد في القرن الثاني على رفض الكنيسة للتهود والمتهودين، بل ويشير إلى أن ناموس المسيح قد أبطل الناموس الموسويّ وفرائضه ووصاياه، وأن المقصود منه كان اليهود فقط وليس المؤمنين المسيحيين. بل ويُصرِّح ق. يوستينوس الشهيد تصريحًا، قد يبدو للمتهودين في أيامنا هذه تصريحًا صادمًا، وهو أن العهد الجديد قد أبطل العهد القديم، وأنه حلَّ محله، ولا يُفرَض علينا أيً من فرائضه أو وصاياه. فهل كان ق. يوستينوس الشهيد بهذا التصريح ماركيونيًا كما يدَّعي البعض كذبًا في هذه الأيام على الناطقين بالحق الأرثوذكسيّ بأنهم ماركيونيون؟ فيقول التالي:

غير أن رجاءنا ليس بموسى أو الناموس، وإلا صارت عاداتنا كعاداتكم. وقد قرأت أنه ينبغي أن يكون هناك ناموسًا حاسمًا وعهدًا مُلزِمًا أكثر من العهود الأخرى، يحترمه جميع الذين يسعون إلى ميراث الله. فإن الناموس الذي أُعطِيَ على جبل حوريب قد أُبطِلَ وكان المقصود به اليهود فقط. بينما الناموس الذي أتحدَّث عنه أنا هو ببساطة لجميع الناس. وكما أن أيّ قانون جديد إذَا تعارض مع قانون القديم، فهو يُبطِل القديم، فهكذا العهد الجديد يحل محل القديم. لقد أُعطِيَنا ناموسًا أبديًا كاملاً، وهو المسيح ذاته، وأخذنا عهدًا جديرًا بالثقة لن يكون بعده أيّ ناموس أو فريضة أو وصية“.[5]

ق. إيرينيؤس أسقف ليون

رفض التهود والارتداد إلى الناموس

يُوضِّح ق. إيرينيؤس في صراعه مع التهود أن الرب لا يريد للمؤمنين المسيحيين أن يرتدوا إلى ناموس موسى، لأن الناموس قد تحقَّق بالمسيح، وأننا نخلُص بواسطة الإيمان والمحبة نحو ابن الله وبجدة الحياة بمعونة الكلمة كالتالي:

”وأيضًا يُعرِّفنا إشعياء أن الرب لا يريد للمؤمنين أن يرتدوا إلى ناموس موسى، لأن الناموس قد تحقَّق بالمسيح، لكن بواسطة الإيمان والمحبة نحو ابن الله نخلُص بجدة الحياة بمعونة الكلمة، بقوله: ’لا تذكروا الأوليات والقديمات لا تتأملوا بها. هأنذا صانع أمرًا جديدًا. الآن ينبت. ألا تعرفونه. اجعل في البرية طريقًا في القفر أنهارًا. يُمجِّدني حيوان الصحراء الذئاب وبنات النعام لأني جعلت في البرية ماء أنهارًا في القفر لأسقي شعبي مختاري. هذا الشعب جبلته لنفسي، يُحدِّث بفضائلي‘ (إش 43: 18-20 سبعينية)“.[6]

التهود ورفض التجسُّد الإلهي

يتحدَّث ق. إيرينيؤس عن شيعة الأبيونيين، وهم فرقة مسيحية مُتهودة كانت تُحافِظ على التقاليد والتفاسير اليهودية جنبًا إلى جنب مع التفاسير المسيحية، وكانوا يُوؤِّلون نصوص العهد الجديد في ضوء نصوص العهد القديم، حيث يرفضون عقيدة التجسُّد الإلهيّ واتحاد الله بالإنسان في المسيح كالتالي:

”باطلون أيضًا هم الأبيونيون، الذين لا يقبلون الإيمان في نفوسهم بالاتحاد بين الله والإنسان، بل يظلون في الخميرة القديمة التي للميلاد الطبيعيّ، ولا يريدون أن يفهموا أن ’الروح القدس حلَّ على مريم، وقوة العلي ظلَّلتها‘ (لو 1: 35)، لذلك، فالذي وُلِدَ منها قدوس وابن العلي، الله آب الكل، الذي تمَّم تجسُّد هذا الكائن، وأظهر نوعًا جديدًا من الولادة، حتى أنه كما بالولادة السابقة ورثنا الموت، هكذا بهذه الولادة الجديدة نرث الحياة.

لذلك، هؤلاء الناس يرفضون مزج الخمر السمائيّ، ويريدون أن يكون ماء العالم فقط، فلا يقبلون الله لكي يكون لهم اتحاد معه، بل يظلون في ذلك الآدم، الذي انهزم وطُرِدَ من الفردوس، غير مُقدِّرين أنه كما في بداية خلقتنا في آدم أن نسمة الحياة التي صدرت من الله إذ اتَّحدت بما كان قد شُكِّلَ قبلاً، فإنها أحيت الإنسان، وأظهرته ككائن مُنِحَ له عقل، هكذا أيضًا في أزمنة النهاية، فإن كلمة الآب وروح الله، إذ قد صارا مُتَّحِدين بالجوهر القديم لخلقة وتكوين آدم، جعلا الإنسان حيًا كاملاً، ومستعدًا لتقبل الآب الكامل، حتى كما في آدم الطبيعيّ، كُنا جميعًا مائتين، هكذا في الروحانيّ نصير كُلنا أحياء“.[7]

ق. ميلتيوس أسقف ساردس

الناموس العتيق ووقتية المثال

يشير ق. ميلتيوس أسقف ساردس إلى سر الفصح بأنه كان قديمًا بحسب الناموس، ولكنه جديدًا بحسب الكلمة نفسه، وأنه كان مؤقتًا بحسب المثال، ولكنه خالدًا بحسب النعمة كالتالي:

”فافهموا، إذًا، يا أحبائي، كيف يكون سر الفصح: جديدًا وقديمًا، أبديًا ومؤقتًا، قابل للفساد وغير قابل للفساد، زائلاً وخالدًا. قديمًا بحسب الناموس ولكنه جديدًا بحسب الكلمة. مؤقتًا بحسب المثال، لكنه خالدًا بحسب النعمة. قابل للفساد بذبح الحمل، وغير قابل للفساد بحياة الرب. زائلاً بدفنه في الأرض، وخالدًا بقيامته من بين الأموات. قديم هو الناموس، ولكن جديد هو الكلمة. مؤقت هو المثال، أبدية هي النعمة […] ففي الخروف كان المثال، وفي الرب ظهرت الحقيقة“.[8]

إبطال مثال الناموس بحقيقة الإنجيل

يعقد ق. ميلتيوس مقارنة بين الناموس والإنجيل، وبين الشعب الإسرائيليّ والكنيسة، ويُؤكِّد على أن الناموس هو كتاب الأمثال والرموز، ولكن الإنجيل هو شرح الناموس وكماله، وليس العكس كما يدَّعي المتهودون الجدد ذلك، ويُحاولون تفسير العهد الجديد في ضوء العهد القديم. كما يشير ق. ميلتيوس إلى إبطال مثال الناموس مانحًا صورته للإنجيل الذي هو حقيقيّ بالطبيعة، وهكذا بطُل الشعب الإسرائيليّ لمَّا قامت الكنيسة كالتالي:

”فشعب إسرائيل كان مثال الصورة الأولية، والناموس كان كتاب الأمثال؛ والإنجيل كان شرح الناموس وكماله، والكنيسة هي مستودع الحق. وهكذا، فالمثال كان مُكرَّمًا قبل الحقيقة، والرمز كان عجيبًا قبل التفسير؛ أعني أن الشعب كان مُكرَّمًا قبل أن تُشيَّد الكنيسة، والناموس كان عجيبًا قبل أن يُنير الإنجيل. ولكن، لمَّا شُيَّدت الكنيسة، وظهر الإنجيل، بطُلَ المثال مانحًا قوته إلى ما هو حقيقيّ، وأُكمل الناموس مُسلِّمًا قوته للإنجيل. وبنفس الطريقة، حين بطُلَ المثال مانحًا صورته لِما هو حقيقيّ بالطبيعة، وحين أُكمِلَ الرمز مُستنيرًا بالتفسير، هكذا، أُكمِلَ الناموس لمَّا أضاء الإنجيل، وبطُلَ الشعب لمَّا قامت الكنيسة؛ ونحلَّ المثال بظهور الرب. واليوم، ما كان مُكرَّمًا مرةً بات مُحتقرًا، بعد أن ظهر ما هو مُكرَّمًا بالطبيعة“.[9]

 

 

الآباء اليونانيون

سوف نبحث في هذا الجزء صراع الآباء اليونانيين مع بدع التهود والمتهودين التي ظلَّت تلاحق الكنيسة على مر عصورها وإلى يومنا هذا.

العلامة أوريجينوس

التهود وإتباع ناموس اليهود

يشير العلامة أوريجينوس إلى جماعة الأبيونيين المتهودين الذين كانوا يتظاهرون بالمسيحية، حيث كانوا يقبلون بيسوع ويفتخرون بأنهم مسيحيون، ولكنهم مازالوا يريدون العيش وفق ناموس اليهود كجموع اليهود، ولكن يُقرَّ العلامة السكندريّ بأنهم يُقدِّمون أفكارًا غريبةً لا تنسجم مع العقائد التقليدية التي تسلَّمناها من الرب يسوع لنكون مسيحيين كالتالي:

ولنعترف بأن البعض يقبلون يسوع أيضًا، ولهذا السبب يفتخرون بأنهم مسيحيون مع أنهم لا يزالون يريدون العيش وفق ناموس اليهود كجموع اليهود. هذه هي طائفتا الأبيونيين، الأولى تعترف كما نفعل بأن يسوع وُلِدَ من عذراء، والثانية تؤمن بأنه لم يُولَد فيها بهذه الطريقة، ولكن مثل الرجال الآخرين“.[10]

ق. أثناسيوس الرسولي

التهود والتظاهر بالمسيحية

يُشبِّه ق. أثناسيوس الآريوسيين بأنهم مثل اليهود، لا يؤمنون بألوهية المسيح، ويطالبهم بأن يُختتنوا مثل اليهود، ولا يتظاهرون بالمسيحية، ويحاربونها في الخفاء، وهذه هي صورة التهود التي تتسلل دائمًا إلى الكنيسة، حيث يتظاهر البعض بالمسيحية والدفاع عن العقائد المسيحية، بل ويلبسون ثياب المسيحية، ولكن للأسف عقولهم وقلوبهم وأفكارهم مملوءة ومتشبعة بأفكار التهود وعقائده غير المسيحية قائلاً:

لماذا، إذًا، وهم يعتقدون مثل اليهود، لا يختتنون مثلهم، بل يتظاهرون بالمسيحية، بينما هم يحاربونها، لأنه لو كان غير موجود، أو لو كان موجودًا ثم رُقِيَ فيما بعد، فكيف خُلِقَت كل الأشياء بواسطته، وكيف يفرح به الآب لو لم يكن كاملاً؟“.[11]

التهود ورفض التبني لله الآب

ويصف ق. أثناسيوس بدعة الآريوسيين مُنكري ألوهية اللوغوس، بأنها بدعة المتهودين المعاصرين، حيث يشرح المتهودون الثالوث بصورة تتطابق مع الشرح الآريوسيّ، بحيث أن السامع لا يمكنه إدراك الفرق بين الأرثوذكسية والتهود أثناء الحديث، ويتعجب ق. أثناسيوس من كلام المتهودين الجدد الذين يرفضون بنوة الله الآب، وإعلان الابن المتجسِّد عنه كأب حقيقيّ للبشر كالتالي:

”وهؤلاء المشارِكون الأولون كيف لا يُشارِكون اللوغوس؟ وهذا التعليم ليس حقيقيًا، بل هو بدعة المتهودين المعاصرين. فكيف، إذًا، في هذه الحالة –يمكن لأيّ أحد على الإطلاق، أن يتعرَّف على الله كأب؟ لأن من غير المستطاع أن يحدث التبني بغير الابن الحقيقيّ، وهو نفسه القائل: ’ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومَن أراد الابن أن يُعلِن له‘ (مت 11: 27)“.[12]

التهود وتحريف تفسير نصوص الكتاب المقدس

يُشبِّه ق. أثناسيوس الآريوسيين، بأنهم مثل اليهود يتبنون أسلوب قيافا في تحريف معاني أقوال الكتاب المقدَّس، حيث أنهم بذلك يريدون أن يتهودوا، وهكذا يُحرِّفون معاني الكتاب المقدَّس لخدمة أغراضهم غير الأرثوذكسية، بل ولا يستخدمون الأقوال الرسولية في العهد الجديد كالتالي:

”ولكنهم بدلاً من المعنى الحقيقيّ، فإنهم يلقون بذور سم هرطقتهم الخاصة، لأنهم ’لو عرفوا لما صلبوا رب المجد‘ (1كو 2: 8)، ولما كانوا يُحرِّفون معاني أقوال الكتاب الحسنة. إذًا، فإنْ كانوا يتبنون أسلوب قيافا صراحةً، فإنهم يكونون تبعًا لذلك قد قرَّروا أن يتهودوا، حتى أنهم يجهلون المكتوب بأنه ’حقًا سيسكن الله على الأرض‘ (زك 2: 10)، دعهم لا يفحصون الأقوال الرسولية، لأن هذا ليس من سمة اليهود“.[13]

التهود وإلباس اليهودية اسم المسيحية

ويُحارِب ق. أثناسيوس تهود الآريوسيين، الذين يتظاهرون بالمسيحية، ولكنهم في حقيقتهم ينكرون حقيقة التجسُّد الإلهيّ، وينكرون ألوهية وأزلية المخلِّص، مثل اليهود، فيدعوهم أن يُختتنوا ويتهودوا علانيةً. نفس االأسلوب الذي يتبعه المتهودون في كل عصر، يتظاهرون بالمسيحية، وهم ينكرون في داخلهم العقائد المسيحية الأرثوذكسية، ويحاولون إلباس اليهودية اسم المسيحية كالتالي:

”إذًا، طالما أن هذا الضلال هو يهوديّ، ويُوصَف هكذا نسبةً إلى يهوذا الخائن، فدعهم إذًا يعترفون صراحةً بأنهم تلاميذ قيافا وهيرودس، بدلاً من أن يُلبِسوا اليهودية اسم المسيحية، ولينكروا تمامًا كما سبق أن قُلنا حضور المخلِّص في الجسد، لأن هذا الإنكار أقرب إلى بدعتهم.

أو إنْ كانوا يخافون أن يُختتنوا ويتهودوا علنًا بسبب خضوعهم للملك قسطنطيوس، ولأجل أولئك الذين خُدِعوا منهم، إذًا، فدعهم لا يقولون ما يقوله اليهود، لأنهم إنْ تخلوا عن الاسم فيلزمهم عن حق أن يرفضوا العقيدة المرتبطة بالاسم، لأننا نحن مسيحيون. أيها الآريوسيون –نعم نحن مسيحيون ونحن نتميَّز بأننا نعرف جيدًا ما تقوله الأناجيل عن المخلِّص، ونحن لا نرجمه مع اليهود عندما نسمع عن ألوهيته وأزليته، كما أننا لا نعثر معكم، في الكلمات المتواضعة التي قالها من أجلنا كإنسان“.[14]

يوسابيوس القيصري

التهود والخلاص بالناموس والمسيح

يتحدَّث يوسابيوس القيصريّ عن جماعة المتهودين التي تُدعَى بـ ”الأبيونية“، التي نادت بأن المسيح مُجرَّد إنسانًا عاديًا، وأنه تبرَّر فقط بسبب فضيلته السامية، وإنه كان ثمرة لاجتماع رجل مُعيَّن مع القديسة مريم، ويعتقدون بأنه مِن الضروريّ الاحتفاظ بالناموس الطقسيّ، لأنهم لا يستطيعون الخلاص بالإيمان بالمسيح فقط كالتالي:

”وقد كان الأقدمون مُحقين إذ دعوا هؤلاء القوم ’أبيونيين‘ لأنهم أعتقدوا في المسيح اعتقادات فقيرة ووضيعة. فهم اَعتبروه إنسانًا بسيطًا عاديًا، قد تبرَّر فقط بسبب فضيلته السامية، وكان ثمرة لاجتماع رجل مُعيَّن مع مريم. وفي اعتقادهم أن الاحتفاظ بالناموس الطقسيّ ضروريّ جدًا، على أساس أنهم لا يستطيعون أن يخلُصوا بالإيمان بالمسيح فقط وبحياة مماثلة. […] وقد حافظوا مثلهم على السبت وسائر نظم اليهود، ولكنهم في نفس الوقت حافظوا على أيام الرب مثلنا كتذكار قيامة المخلِّص. ولهذا أُطلِقَ عليهم اسم ’أبيونيون‘ الذي يُعبِّر عن فقرهم في التفكير. لأن هذا هو الاسم الذي يُطلَق على رجلٍ فقير بين العبرانيين“.[15]

ق. باسيليوس القيصري الكبير

الناموس هرم وشاخ

يُشدِّد ق. باسيليوس الكبير على أننا ينبغي أن نعبد الله لا بالمعنى القديم للحرف، بل بالمعنى الجديد للروح. لأنه مَن لا يلتزم بحرف الناموس، بل بفهم روح الناموس، هذا يغني للرب أغنية جديدة كالتالي:

”’غنوا له أغنية جديدة‘ (مز 33: 3) بمعنى، أن تعبدوا الله، ليس بالمعنى القديم للحرف، بل بالمعنى الجديد للروح. فهذا الذي لا يلتزم بحرف الناموس، بل بفهم روح الناموس، هذا يُغنِي للرب أغنية جديدة. لأن ذلك الذي هرم وشاخ، قد مضى وانقضى من الوعد. أمَّا نحن فقد تَبِعنا الترنيمة الجديدة والمتجدِّدة التي لتعليم الرب، والذي يُجدِّد مثل النسر شبابنا (مز 3: 1-5)، عندما يفنى إنسان الخارج، ونتجدَّد يوما فيوم“.[16]

ق. غريغوريوس النيسي

الناموس ظل وصورة

يرى ق. غريغوريوس النيسيّ أن الناموس الذي أُعطِيَ منذ البدء هو ظل وصورة لمَّا سيأتي، لذا فإنه يظل غير صالح للمعارك الحقيقية، ولكن المسيح هو مُتمِّم الناموس كالتالي:

والناموس الذي أُعطِيَ منذ البدء كظلٍ وصورةٍ لمَّا سيأتي، يظلُّ غير صالحٍ للمعارك الحقيقية (عب 8: 5). وقائد الجيش هو الذي ’يُتمِّم الناموس‘؛ وهو الذي بُشِّر به مِن قبل وكان مُشترِكًا في الاسم مع خليفة موسى [يشوع] الذي كان على رأس جيش إسرائيل“.[17]

ق. يوحنا ذهبي الفم

الناموس القديم جزئي وناقص

يشير ق. يوحنا ذهبيّ الفم إلى أن المعرفة بناموس العهد القديم كانت جزئية وناقصة إذَا ما قُورنت بمعرفة العهد الجديد الآتية، وهكذا يُبطل الجزئيّ والناقص بالمعرفة الأخرى الكاملة، لأنه متى جاء الكامل فحينئذٍ يبطل ما هو بعض، فهل يجرؤ أحد المتهودين الجدد على الإدعاء بأن ذهبيّ الفم كان ماركيونيًا أو يتبع فكر الهرطقة الماركيونية؟ حيث يقول التالي:

”مِن كل هذه الاعتبارات يتضح أنه ليس مِن أيّ سوء في ناموس العهد القديم فشل في أن يأتي بنا، وإنما لأنَّ الوقت الآن هو وقت الوصايا الأسمى. وإنْ كان أنقص من الجديد فلا يعني هذا أنه شرير: وإلا بناءً على هذا المبدأ سيكون الناموس الجديد ذاته في الحالة نفسها شريرًا. فإن معرفتنا، في الحقيقة، إنْ قُورنت بالمعرفة الآتية، فهي نوع من الأمر الجزئيّ والناقص الذي يبطل بمجيء المعرفة الأخرى (الكاملة). يقول: ’لكن متى جاء الكامل فحينئذٍ يبطل ما هو بعض‘ (1كو 13: 10)، كما حدث للناموس القديم من خلال الجديد. ومع ذلك فنحن لا نلوم الناموس الجديد على هذا، لأنه يُفسِح المجال لحصولنا على الملكوت، لكنا ندعوه عظيمًا بسبب هذا كله“.[18]

العهد الجديد أكثر أهمية من القديم

يناقش ق. يوحنا ذهبي الفم معضلة صعوبة تفسير نبوات العهد القديم وسهولة تفسير العهد الجديد، رغم أن العهد الجديد يتحدَّث في أمور أكثر أهمية من العهد القديم، مثل: ملكوت السموات، وقيامة الأموات، والخيرات التي لا تُوصَف قائلاً:

”فدعونا نفتح آذاننا، طالما سوف نستمع إلى ألغاز نبوية لأن أقوال الأنبياء تُشبِه الألغاز، وتوجد صعوبة شديدة لفهمها في العهد القديم كما أن أسفاره عسرة الفهم، بينما العهد الجديد أكثر وضوحًا وأكثر سهولةً. ويمكن لأيّ أحد أن يتساءل ولماذا قد دُوِّن العهد القديم بهذه الطريقة، مع أن العهد الجديد يتحدَّث في أمور أكثر أهمية مثل ملكوت السماوات، وعن قيامة الأموات، وعن الخيرات التي لا تُوصَف وتتجاوز حدود العقل البشريّ؟“.[19]

ق. كيرلس الإسكندري

كلمات الناموس مجرد رموز وظلال

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ بدع المتهودين بضرورة إتباع الناموس، حيث يُؤكِّد على أن كلمات أسفار موسى هي مُجرَّد ظلال ورموز لكلمات المخلِّص الرب يسوع المسيح، لأن كلمات المسيح أسمى وهي الحق، فهل يمكن أن يتجرأ المتهودون الجدد في عصرنا على الإدعاء بأن ق. كيرلس الإسكندريّ كان ماركيونيًا في جعله لكلمات المسيح أسمى وأحق من كلمات أسفار موسى؟! فيقول التالي:

”قد يظن وبشكلٍ خاطئ أن أسفار موسى تفوق كلمات المخلِّص. لأن هذا ما تبدو عليه الآية بحسب الظاهر، وبقدر ما يقول قائل، معتبرًا الآية دون تدقيق، تسبغ على أسفار موسى شهرة أكثر من كلمات المخلِّص. لأنه بقوله: ’فإن كُنتم لستم تصدقون كُتب ذاك، فكيف تصدقون كلامي‘ (يو 5: 47). فإنه بطريقة ما يعطينا أن نفهم أن كتب موسى في موضع أسمى من كلماته هو. لكن طبيعة الأمر إذَا ما تفحصناه بعمقٍ سوف يكشف لنا عن مدى حماقة تلك الفكرة البعيدة عن التصديق والقبول، لأنه كيف يمكن أن تُعرَف كتب موسى بأنها تفوق كلمات المخلِّص، بينما كلماته كانت رموزًا وظلالاً وكلمات المسيح هي الحق؟“.[20]

معرفة الناموس ناقصة

يرى ق. كيرلس أن تعليم الناموس لم يكن كافيًا لتتميم حياة التقوى في خدمة الله، ولم يُكمِّل شيئًا. ويرى أن المعرفة التي أُعطِيت عن الله في الناموس هي معرفة ناقصة، ولكن يُعلِّم ربنا يسوع المسيح بأمورٍ أفضل مما كانت تحت الناموس. فهل يجرؤ أحد المتهودين الجدد في عصرنا على اتهام ق. كيرلس الإسكندريّ، الملقَّب بـ ”عمود الدين“، وبـ ”ختم الآباء“، بأنه كان ماركيونيًا؟ حيث يقول التالي:

”لأنه كما أن الناموس حينما أتى بهذا التعليم، الذي لم يكن كافيًا لتتميم حياة التقوى في خدمة الله، لم يُكمِّل شيئًا. هكذا أيضًا المعرفة التي أُعطِيت عن الله تحت الناموس كانت ناقصة، وكانت فقط تستطيع أن تمنع الناس من عبادة الآلهة الكاذبة، وتُقنِعهم أن يعبدوا الإله الحقيقيّ الواحد، لأنه يقول: ’لا يكن لك آلهة أخرى أمامي‘ (خر 20: 3)، و ’للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد‘ (مت 4: 10 من تث 6: 13).

ولكن يُعلِّم ربنا يسوع المسيح بأمور أفضل من التي كانت تحت الناموس، ويُعلِّم تعليمًا أوضح من وصية الناموس، ويُقدِّم للجميع معرفةً أفضل وأوضح من معرفة العهد القديم. لأنه أوضَّح لنا بأن وضع نفسه أمامنا على أنه صورة الآب قائلاً: ’مَن رآني فقد رأى الآب‘ (يو 14: 9). وأيضًا ’أنا والآب واحد‘ (يو 10: 30)“.[21]

عدم كمال الناموس

يشير ق. كيرلس إلى أن المسيح أنقص من قوانين الناموس، وأضاف إليها مُحوِّلاً الرمز إلى الحقيقة، فالمسيح لم يكن مثل الكتبة الذين كانوا يُطبِّقون تعليم الناموس في كل مرة في أحاديثهم معه، بل لم يكن المسيح يتبع الرموز التي كانت في كتب الناموس كأنه مُستعبَد لها، بل كانت كلمته مُميَّزةً بالقوة الإلهية كالتالي:

”لأن الكتبة كانوا يُطبِّقون تعليم الناموس في كل مرة في أحاديثهم معهم [أي اليهود]، أمَّا ربنا يسوع المسيح فلم يكن يتبع الرموز التي في كتب الناموس كأنه مُستعبَد لها، بل إذ هو يجعل كلمته مميَّزةً بالقوة الإلهية، فإنه يُنادِي: ’سمعتم إنه قيل في القديم لا تزن. أمَّا أنا فأقول لكم […] لا تشتهي‘ (مت 5: 27، 28). رغم أن الناموس يقول صراحةً إنه لا ينبغي لأيّ واحد أن يضيف على قوانين الله أو يُنقِص منها. ولكن المسيح أنقص منها وأيضًا أضاف إليها، مُحوِّلاً الرمز إلى الحقيقة. لذلك، فلا يمكن أن يُحسَب أنه مِن بين الذين هم تحت الناموس، أيّ مِن بين المخلوقات، لأن مَن وُضِعت على طبيعته وصية العبودية، يكون بالضرورة تحت الناموس“.[22]

تعاليم آباء الكنيسة ضد التهود والمتهودين – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الخلاصة

نخرج من هذا البحث ببعض النتائج الهامة والضرورية، وهي أن مجال الدراسات اليهودية هو مجال بحثيّ وأكاديميّ مهم في فهم الخلفية الحضارية، والتاريخية، والاجتماعية، والدينية لنصوص العهد الجديد، ولكن تفسير عقائد وتعاليم العهد الجديد ينبغي أن يكون في ضوء عمل المسيح وتدبيره للخلاص، وليس في ضوء تعاليم العهد القديم العتيق.

حيث يُؤكِّد آباء الكنيسة الجامعة على أن قد تحرَّرنا من أحكام ووصايا الناموس اليهوديّ، وحارب آباء الكنيسة بدع التهود والمتهودين في القرون الأولى منذ نشأة المسيحية، متمثلة في جماعة الأبيونيين وغيرهم من المسيحيين المتهودين، الذين كانوا يتظاهرون بقبول المسيحية، ولكنهم مازالوا يتبعون ناموس اليهود وتفاسيرهم وتأويلاتهم، ويقومون بتطبيقها في تفسير نصوص العهد الجديد، وهو ما نراه الآن يحدث في عصرنا الحديث تحت دعوى دراسة الخلفية اليهودية للأناجيل والرسائل على اعتبار أن المسيح والرسل كانوا يهودًا في الأصل، ولكن هذه في الحقيقة دعوات للارتداد إلى التهود بصورةٍ مُقنَّعةٍ وغير واضحة.

لقد أكَّد جميع الآباء والمعلمين الكنسيين بلا استثناء في القرون الأولى للمسيحية على أن العهد الجديد قد أبطل وصايا وشرائع العهد القديم، لأن العهد القديم كان مُجرَّد ظل وصورة ورمز للعهد الجديد. كما واجه آباء الكنيسة خطر التهود والارتداد إلى اليهودية، الذي بدا واضحًا في دخول التفاسير والتأويلات اليهودية للعقائد المسيحية الأساسية، فحذَّر آباء الكنيسة المؤمنين الحقيقيين من الانسياق وراء هذه المعتقدات والتفاسير والتأويلات اليهودية. وناشد آباء الكنيسة المؤمنين المسيحيين الحقيقيين عدم التعاطي مع هذه المعتقدات والأفكار اليهودية الدخيلة على إيمان الكنيسة المسلَّم من المسيح إلى الرسل.

وأشار آباء الكنيسة أيضًا إلى أن تعاليم وناموس العهد القديم هي تعاليم رمزية ومؤقتة بطُلت بمُجرَّد مجيء المرموز إليه وهو شخص الرب يسوع نفسه، مُتمِّم الناموس ومُكمِّله، وحجر الزاوية لكنيسة العهد الجديد. كما أكَّد آباء الكنيسة على أن تعاليم الناموس والعهد القديم هي تعاليم جزئية وناقصة كمُلت بمجيء تعاليم العهد الجديد الأسمى والأكمل، وأنه حينما يأتي الكامل فحينئذٍ يبطُل كل ما هو جزئيّ وناقص.

وعندما كان آباء الكنيسة يصفون تعاليم العهد الجديدة بتلك الأوصاف، لم يخشوا من الاتهامات بالهرطقة الماركيونية، التي يُطلِقها البعض في أيامنا هذه عن جهل وعدم وعي، على كل مؤمن حقيقيّ يريد التمسُّك بتعاليم الأرثوذكسية كما هي في الكتاب المقدَّس، وكما شرحها آباء الكنيسة بكل أمانة وتقوى. فهل يجرؤ هؤلاء المتهودون الجدد على إطلاق هذه الاتهامات الباطلة على آباء الكنيسة الأرثوذكسيين في سياق وصفهم لتعاليم العهد القديم، بأنها تعاليم ناقصة وجزئية عند مقارنتها بتعاليم العهد الجديد الكاملة والسامية؟!

[1] الآباء الرسوليون، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي، 2019)، رسالة برنابا 2: 4-6، ص 39، 40.

[2] المرجع السابق، الرسالة إلى ديوجنيتوس 3: 5؛ 4: 1-6، ص 429، 430.

[3] المرجع السابق، رسالة ق. أغناطيوس الأنطاكي إلى كنيسة مغنيسيا 10: 2، 3، ص 336، 337.

[4] المرجع السابق، رسالة ق. أغناطيوس الأنطاكي إلى كنيسة فيلادلفيا 6: 1، ص 356، 357.

[5] القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد (الدفاعان والحوار مع تريفون ونصوص أخرى)، ترجمة: أ. آمال فؤاد، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي، 2012)، الحوار مع تريفون اليهودي: 11، ص 148، 149.

[6] إيرينيؤس (قديس)، برهان الكرازة الرسولية، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2009)، الفصل 89، ص 146.

[7] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، 5: 1: 3، ص 274.

[8] ميلتيوس أسقف ساردس (قديس)، رحلة عبورنا إلى القيامة (العظة الفصحية)، ترجمة: القس لوقا يوسف، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 2009)، الفصول 2-4، ص 25-27.

[9] المرجع السابق، الفصول 40-43، ص 43.

[10] أوريجينوس (علامة)، ضد كلسس ج2، ترجمة: القس بولا رأفت، (القاهرة، 2022)، 5: 61، ص 269.

[11] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 11: 38، ص 104.

[12] المرجع السابق، 1: 11: 39، ص 106.

[13] المرجع السابق، 1: 13: 53، ص 130، 131.

[14] المرجع السابق، 3: 26: 28، ص 329.

[15] يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة: القمص مرقس داود، (القاهرة: مكتبة المحبة، 1999)، 3: 27، ص 130.

[16] باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج 1، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، عظة 6: 2، ص 186، 187.

[17] غريغوريوس النيسي (قديس)، حياة موسى أو الكمال في مجال الفضيلة، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1996)، القسم الثاني، ص 85.

[18] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح إنجيل متى ج 1، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، (لبنان، 1996)، عظة 16: 6، ص 182.

[19] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، القصد من غموض النبوات، ترجمة: د. چورچ فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، عظة 1: 3، ص 53، 54.

[20] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 3: 1، ص 313.

[21] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 369.

[22] المرجع السابق، ص 390.

 

تعاليم آباء الكنيسة ضد التهود والمتهودين – د. أنطون جرجس عبد المسيح

قانون الإيمان النيقاوي – دليلك من العهد الجديد وكتابات الآباء الرسوليين – فريق يسوع عبر التاريخ

قانون الإيمان النيقاوي – دليلك من العهد الجديد وكتابات الآباء الرسوليين – فريق يسوع عبر التاريخ

قانون الإيمان النيقاوي – دليلك من العهد الجديد وكتابات الآباء الرسوليين – فريق يسوع عبر التاريخ

قانون الإيمان النيقاوي – دليلك من العهد الجديد وكتابات الآباء الرسوليين – فريق يسوع عبر التاريخ

تحميل الكتاب بصيغة PDF

الاباء الرسوليون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج3

الاباء الرسوليون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج3

 

الاباء الرسوليون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج3

 

هذا الاسم ”الآباء الرسوليّون“ يُطلق على مجموعة من الكُتَّاب والكتابات التي تلت أخر أسفار العهد الجديد، أي هيَ أقدم كتابات وصلت إلينا بعد نصوص العهد الجديد.[1] هذه النصوص بالرغم من كونها كتابات غير قانونيّة، إلَّا إنّها تُعتبر كنزًا ثمينًا للمُهتمين بدراسة المسيحيّة المُبكرة.[2]

الآباء الرسوليّون هُم سبعة كُتَّاب كنسيّين: (كليمندس الرومانيّ، أغناطيوس الأنطاكيّ، بوليكاربوس أسقف سميرنا، هرماس، بابياس، ديوجينوس، ورسالة برنابا). رسالة الراعي لهرماس ورسالة برنابا ينتميان من حيث الشكل والموضوع إلى الأدب الرؤيويّ، بينما رسالة ديوجينتوس يغلب عليها الطابع الدفاعي وهيَ أقرب لكتابات الآباء المُدافعين، (يوستينوس، وأثيناغوراس، أرستيدس الأثيني، تاتيان السوري… وغيرهم).

بينما نجد رسائل ”كليمندس وأغناطيوس وبوليكاربوس“ أقرب ما يكون للرسائل الرعوية الرسوليّة في العهد الجديد من حيث الأسلوب. وقد أُضيف إلى هذه اللائحة مؤخرًا كتابيّ الديداخي، وتسابيح سُليمان.

من السمات الغالبة على هذه الكتابات هو اهتمّامها بأحوال الكنيسة وشئونها الداخليّة، والتأكيد على الوحدة تحت ظِلّ الإفخارستيّا التي يقودها إمام (الأسقف) ذاك الذي هو بمثابة الرأس للرعيّة ويجب أن يتحدوا معه. وقد كانت لهذه الكتابات تقديرًا كبيرًا في الكنيسة الأولى، حتّى أنّ مخطوطات الكتاب المُقدّس كانت تُلحق بها هذه الكتابات، رُبّما لقراءتها في الخدمات الليتورجيّة.

فتتسم كتابات الآباء الرسوليّين بسمات الرعاية، أمّا من جهة أسلوبها ومحتوياتها فإنّها تشبه كثيرًا كتابات العهد الجديد وخاصة رسائل الرسل. لذلك، يُمكن اعتبارها نقطة الوصل بين زمن الرؤيا وزمن التقليد، وشاهدًا هامًا للإيمان المسيحيّ الأوّل. وينتمي المؤلفون إلى بقاع خاصة، ومع ذلك فإنّهم يُمثلون عالمًا موحدًا في الآراء التي تعطينا صورة للعقيدة المسيحيّة خلال هذه الحقبة.

وتتشابه كلّ هذه الكتابات في سماها الإسخاتولوجيّة، فمجيء المسيح وشيك الوقوع. ومن الناحية الأُخرى، مازال شخص المسيح يُذكر في جلال وبهاء بسبب العلاقة المُباشرة التي كانت بين الكُتَّاب والرسل.

لم يقصد الآباء الرسوليّين أن يُقدّموا أي شرح علميّ للإيمان المسيحيّ، فكتاباتهم كانت تتضمن منطوقات مألوفة أكثر من كونها تحديدات لاهوتيّة عقائديّة. لكنّ، الكتابات عمومًا تُقدّم عقيدة واحدة عن طبيعة شخص المسيح، فالمسيح بالنسبة لهم هو ابن الله الذي هو موجود قبل الدهور والذي تجسد من أجل خلاصنا، وهو من اشترك مع الأقنومين الأخرين وفي خلقة العالم.

يؤثر على كتابات الآباء الرسوليّين قربهم الشديد من الرسل ومن عصر المسيح، والبُعد الإسخاتولوجيّ أو الأخرويّ هو الطابع المميز لتلك الكتابات، إذ كانت اشتياقاتهم تُحرِّك فكرهم وكيانهم نحو مجيء المسيح، ذلك الذي كانوا ينتظرونه أن يحدث وشيكًا جدًّا في أيامهم.

وهذه الكتابات ليست شرحًا نظاميًّا للعقيدة المسيحيّة، لكنّ، في ذات الوقت، فإنّنا نجد الإيمان المسيحيّ مُثبتًا داخلها من خلال تلك التعبيرات العرضيّة التي كتبوها بعفويّة غير مُتكلِّفة بمقاييس ومُصطلحات العقيدة التي صيغت مُصطلحاتها بعدهم بعدة قرون في مجمع نيقية.

لكنّ، برغم أنّ تعبيراتهم غير مُتخصّصة في تقديم التعاليم الثالوثيّة، رُبّما يرجع ذلك إلى أنّ الهرطقات ضد الثالوث القدّوس لم تكن قد ظهرت في حيز الوجود بعد في أيامهم. إلَّا إنّهم قد أوضحوا بجلاء أنّ إيمانهم ورجاؤهم وحبّهم مؤسّس على الآب والابن والروح القدس.

[1] Tony Lane, A Concise History of Christian Thought, Rev. Ed. of: Harper’s Concise Book of Christian Faith., Completely Revised and Expanded Edition (Grand Rapids, MI: Baker Academic, 2006), 8.

[2] Bart D. Eherman, ed., tran., The Apostolic Fathers (London: Harvard University Press, 2003), I.

 

الاباء الرسوليون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج3

كتاب الراعي لهرماس – اعداد: lll athenagoras lll

كتاب الراعي لهرماس

كتاب الراعي لهرماس

لا توجد كتابة خارج قانون العهد الجديد قبل القرن الرابع الميلادي أكثر شهرة من كتاب الراعي لهرماس والذي لاحقا صار غير معروف في الشرق بينما استمر شائعا في الغرب في الترجمة اللاتينية خلال القرون الوسطى.

النص اليوناني لكتاب الراعي كان مجهولا في الأزمنة الحديثة حتى اكتشاف مجلد اثوس (Codex Athous) ونص كتاب الراعي محفوظ في أربع مخطوطات رئيسية وهي:

 

أولا مجلد اثوس ويعود للقرن الخامس عشر يتضمن كل النص تقريبا 95% اكتشفت أوراق هذا المجلد في عام 1855م. على جبل اثوس وصدرت له نسخة طبق الأصل نشرت عام 1907م. وكان يعتقد أن النص معاد ترجمته من اللغة اللاتينية إلا انه لاحقا وبعد اكتشاف النص اليوناني لكتاب الراعي بالمخطوطة السينائية والتي تعود للقرن الرابع الميلادي صار مجلد اثوس أحد نسخ النص الأصلي اليوناني.

 

ثانيا المخطوطة السينائية (Sinaiticus Codex) وتعود للقرن الرابع الميلادي وقد اكتشفها العالم تشيندورف في دير سانت كاترين في سيناء ويقع نص كتاب الراعي بعد رسالة برنابا عقب سفر الرؤيا أخر قانون العهد الجديد. ثالثا بردية ميتشجن 129 وتعود لمنتصف القرن الثالث الميلادي وقد نشرت في عام 1934م. وتتضمن أجزاء من كتاب الراعي مع بعض الفراغات. رابعا بردية بودمر 38 وتعود لأواخر القرن الرابع أو أوائل القرن الخامس والنص في البردية مرتبط بعمل سابق بعنوان رؤيا دوروثيوس وأيضا النص اليوناني في البردية أقرب للمخطوطة السينائية عنه من مجلد اثوس وقد نشرت البردية عام 1991م.

 

إضافة الى ما سبق فيوجد نص كتاب الراعي في واحد وعشرين قصاصة يونانية وترجمتين لاتينيتين تقترب أحداهما من مجلد اثوس وبعض قصاصات باللغة القبطية باللهجة الإخميمية والصعيدية تعود للقرن الرابع والخامس وقد اقتبس البابا اثناسيوس في عظته الفصحيّة الحادية عشر عام 339م. من كتاب الراعي (الفقرة الأولى من قسم الوصايا) “أول كل شيء لنؤمن أن الله واحد الذي خلق كل الأشياء ووضعها في نظام وجعل كل شئ من لا شيء الذي يحوي كل الأشياء لكنه نفسه غير محوى” هذا إضافة الى ترجمة أثيوبية تعود للقرن الرابع مما يشهد لانتشار شعبية كتاب الراعي في الكنيسة المبكرة.

 

ويتكون نص كتاب الراعي من ثلاثة أقسام وهي: خمسة رؤى واثنا عشر وصايا وعشرة تشبيهات والرؤية الخامسة من القسم الأول تمثل بالفعل مقدمة لقسم الوصايا الثاني. أقدم أب استخدم كتاب الراعي في الشرق هو كليمندس السكندري وأوريجانوس اقتباسا من الثلاثة أقسام وأقدم أب استخدم كتاب الراعي من الغرب هو ترتليان واقتبس من قسم الرؤى والوصايا وذلك حسب تقسيم المخطوطات اللاتينية مما يعني انه بنهاية القرن الثاني الميلادي كان نص كتاب الراعي منتشرا في مصر وشمال أفريقيا.

 

وتناول آباء الكنيسة كتاب الراعي بشكل إيجابي ماعدا ترتليان عارض بسبب اختلافه مع كتاب الراعي بخصوص تصالح الزوجين بعد ندم أحد الطرفين في حالة الزنا وقد دعاه ترتليان كتاب “محب الزناة” و “راعي الزناة” حيث يقول كتاب الراعي:

“فقلت له يا سيد اسمح لي ان أسألك بعض الأسئلة الأخرى فقال تكلم قلت إذا كان رجلا متزوجا امرأة مؤمنة في الرب ووجدها في مواضع زنا فهل يخطئ اذا استمر مقيما معها؟ فقال اذا كان بغير علم فلا يخطئ أما اذا كان الزوج يعرف خطيتها والزوجة غير تائبة لكن متمسكة بفجورها واستمر الزوج مقيما معها فقد صار مسئولا عن خطيتها وشريكا في زناها فقلت يا سيد ماذا يفعل الزوج اذا استمرت الزوجة في هذه الشهوة؟

قال ليطلقها وليبقى الزوج مقيما بمفرده ولكن بعد طلاق زوجته تزوج بأخرى فقد ارتكب الزنا هو أيضا فقلت اذا تابت الزوجة بعد طلاقها وأرادت أن تعود لزوجها ألا تعود؟ قال بالتأكيد فاذا لم يرجعها الزوج فقد اخطأ ويجلب خطية عظيمة على نفسه في الحقيقة الذي يخطئ ويتوب يجب أن يرد لكن بغير تكرار لانه يوجد توبة واحدة لعبيد الله ولأجل احتمالية توبتها فان الزوج لا يتزوج هذا النهج يخص الزوجة والزوج” وجدير بالذكر أن ترتليان رفض كتاب الراعي بعد صار تابعا للهرطقة المونتانية (Montanist).

 

هناك رفض آخر لكتاب الراعي يوجد في الكتاب الأبوكريفي القبطي رؤيا بطرس بمكتبة نجع حمادي الذي يدعو شخصا يسمى هرماس بانه “بكر الشرير” لكن سياق النص غامض ولا يهاجم كتاب الراعي مباشرة ولكن بسبب الأصل المصري لكتاب رؤيا بطرس والشعبية الهائلة لكتاب الراعي في مصر في القرون الأولى يجعل الارتباط وارد.

 

لا يوجد شك أن كتاب الراعي كانت له منزلة كبيرة في الكنيسة المبكرة فقد استخدم في الصلوات الكنسية الليتورجية في بعض الاماكن فنجد ان ايرينيئوس يقتبس من كتاب الراعي ويقدمه ككتاب مقدس (γραφη) إلا انه لم يكن الاقتباس الوحيد في سياق النص فالقديس ايرينيئوس يقتبس بهذا الترتيب من (الراعي وملاخي ثم من الرسول بولس ثم من كلام الرب يسوع في إنجيل متى) ونلاحظ انه لم يذكر اسم كتاب الراعي ولم يذكر اسمه صاحبه وغير واضح بالضبط كيفية تقدير قانونيته.

“Irenaeus’ quotation of Shepherd of Hermas in Adversus haereses introduces it as χραφή, ordinarily understood as scripture, but the order of references (Hermas, Malachi, Paul, Jesus) indicates a recognition of the text as authoritative, even if it is not clear exactly how he would value its authority.” – (Osiek, C., & Koester, H. Shepherd of Hermas)

 

أيضا كليمندس السكندري اقتبس بكثرة من نص الراعي وأشار إليه كإلهام إلهي إلا انه لم يذكر شيء عن مدي قانونيته وارتباطه بالأسفار القانونية.

Θείως τοίνυν ἡ δύναμις ἡ τῷ Ἑρμᾷ κατὰ ἀποκάλυψιν λαλοῦσα (“the power that spoke divinely to Hermas by revelation”)

أوريجانوس أيضا استخدم كتاب الراعي بحرية في سنواته المبكرة لكن قل ذلك بمرور الوقت ويرجع ذلك الى انتقاله من الإسكندرية الى قيصرية حيث لم يكن كتاب الراعي معروفا أو مقدرا كما أن أوريجانوس قد ربط بين هرماس صاحب كتاب الراعي وشخصية هرماس المذكور في رسالة رومية 16: 14.

 

توجد قائمة كتابية بالأسفار القانونية في المخطوطة الغربية كلارومنتانوس ثنائية اللغة (تعود للقرن السادس) تضع بين رسالة فليمون والعبرانيين قائمة لاتينية للاسفار الكتابية تنتهي برسالة برنابا والراعي لهرماس وأعمال بولس ورؤيا بطرس إلا انه يبدو أن هذه القائمة مستقلة تماما عن المخطوطة نفسها وربما تعود للقرن الثالث الميلادي.

 

القانون الموراتوري الشهير يأخذ اتجاه على النقيض ناحية صرف النظر عن القيمة القانونية للنص بينما يشير الى فائدة القراءة السرية الشخصية للكتاب وهنا يقترن رفض القانون الموراتوري لقراءة كتاب الراعي في الكنيسة مع استحسان قراءته سريا بصورة شخصية أما السبب المقرر لرفض القراءة العلنية أو الاستخدام الشعبي للنص هو انه كتب لاحقا بيد أخو الأسقف بيوس ويظهر للكتاب كونه جاء من حقبة أخرى وهكذا استمر الرفض القانوني واستمرت القراءة السرية للكتاب.

coming from another era(Osiek, C., & Koester, H. Shepherd of Hermas)

 

ويعترف كل من يوسابيوس القيصري والقديس جيروم والبابا أثناسيوس بفائدة قراءة كتاب الراعي حيث يقول البابا أثناسيوس أن كتاب الراعي الأكثر فائدة (ὠφελιμωτάτη) بينما يعلن يوسابيوس إن كتاب الراعي ضروري (ἀναγκαιότατον) للبعض بالرغم من رفض الاخرين له. وربما تأثر يوسابيوس بربط أوريجانوس بين كتاب الراعي وشخصية هرماس المذكور في (رومية 16: 14).

 

يقول كل من يوسابيوس وأثناسيوس وجيروم إن كتاب الراعي مازال مستخدما في الصلوات الدينية بينما يضع روفينوز كتاب الراعي بين كتب الكنسية ولكن ليس بين الكتب القانونية لكي يقرأ ولكن ليس للاستخدام في المجادلات اللاهوتية.

 

“In the New Testament the little book which is called the Book of the Pastor of Hermas, [and that] which is called The Two Ways, or the Judgment of Peter; all of which they would have read in the Churches, but not appealed to for the confirmation of doctrine” – (Schaff, P. The Nicene and Post-Nicene Fathers Second Series Vol. III.)

 

وقد استمرت نسخ من كتاب الراعي منتشرة في مصر حتى القرن السادس الميلادي ثم انحسر الانتشار الشرقي حتى اكتشاف مجلد اثوس في القرن الخامس عشر بينما يبدو أن كتاب الراعي لم يختفي تماما في الغرب. وكانت الكتب المقدسة تنتشر متضمنة الكتب الأبوكريفية (أو المعروفة بالقانونية الثانية) مع الكتابات القانونية فنجد أن كتاب الراعي كونه كتاب أبوكريفي موضوع بين سفر طوبيا والمكابيين وفي حالة ثانية بعد سفر حكمة سليمان وفي حالة ثالثة بين المزامير والأمثال.

Antonio Carlini, “Tradizione testuale e prescrizione canoniche: Erma, Sesto, Origene,”

 

إن الإشارة الى مدينة روما نفسها ونهر التيبر والطريق الى روما هي مواضع محلية ولا يمكن التفسير بوضوح لماذا استخدمت هذه الأماكن إذا كان كتاب الراعي نسخ أول مرة في مكان أخر غير روما هناك أيضا العديد من التلميحات الى زراعة الكروم التي تتناسب مع وسط إيطاليا. الموضع الجغرافي الوحيد الذي لا يناسب وسط إيطاليا هو “اركاديا” والتي يجب أن ينظر إليها كأسطورة. فقد نشأ الكتاب إذن في روما وضواحيها فالكاتب متآلف مع بعض المناطق القروية وليس الحضرية فقط.

 

إن تاريخ كتابة الراعي يعتبر مسألة معقدة حيث يدور البحث في عدة محاور يتعلق بها تاريخ الكتابة وهي كما يلي: الشاهد المذكور في (رومية 16: 14) والذي يتحدث عن شخصية تعرف باسم هرماس. من المستحيل أن يكون هرماس هذا الذي عاش في النصف الثاني من القرن الأول وذكره الرسول بولس هو نفسه هرماس أخو بيوس أسقف روما الذي عاش في النصف الأول من القرن الثاني الميلادي.

وان ما قاله أوريجانوس بخصوص هرماس المذكور في (رومية 16: 14) ما هو إلا رأيه الخاص كمحاولة لوضع كتاب الراعي في مرحلة مبكرة قدر الإمكان كون أوريجانوس يعتبر الراعي مكتوب بإلهام إلهي. ولكن إذا كان يوسابيوس يعرف الهوية الموراتورية لكاتب الراعي وصلته بأخو بيوس كان سيدرك التضارب الزمني مع رأي أوريجانوس. هذا الصمت من جانب يوسابيوس يقوي فرضية تأخير القانون الموراتوري لما بعد يوسابيوس.

 

نقطة أخرى، القانون الموراتوري يؤرخ كتابة الراعي متأخرا في النصف الأول من القرن الثاني الى شخصية هرماس أخو بيوس والذي حسب يوسابيوس القيصري كان مشهورا في كنيسة روما في أربعينات القرن الثاني. وهنا تكمن المشكلة فالقانون الموراتوري يستخدم كنقطة انطلاق لتحديد تأريخ كتاب الراعي وشخصية هرماس تستخدم كنقطة انطلاق لتحديد تاريخ للقانون الموراتوري!!! أي أن البحث يدور في حلقة مفرغة فيما يعرف بالجدل الدائري.

 

ويفترض كرومبي (Crombie) إن هرماس واخوه بيوس كانا أحفاد هرماس المذكور في رسالة رومية وان الشعبية المبكرة لكتاب الراعي ترجع لهذه الهوية ولعدم وجود إجماع لي التأريخ فإن غالبية الدارسين يضعون زمن كتابة الراعي خلال النصف الأول من القرن الثاني.

وعليه فإن أفضل افتراض لتأريخ كتاب الراعي في الفترة الزمنية من نهاية القرن الأول حتى منتصف القرن الثاني الميلادي.

كتاب الراعي لهرماس

من هم الآباء الرسوليون ولماذا دعوا بهذا الإسم؟

من هم الآباء الرسوليون ولماذا دعوا بهذا الإسم؟

الآباء الرسوليون تلاميذ الرسل وخلفاؤهم وإيمانهم بلاهوت المسيح

من هم الآباء الرسوليون ولماذا دعوا بهذا الإسم؟

ج 72 –

الآباء الرسوليون هم الآباء الذين خلفوا الرسل مباشرة وعاشوا في القرنين الأول والثاني. وقد لعبوا دوراً هاماً جداً في الدفاع عن الكنيسة والإيمان ضد الهرطقات والبدع والعقائد الغريبة عن الإيمان المسيحي والتي كانت منتشرة أو مزدهرة في هذين القرنين. من هذه العقائد الفلسفة الغنوصية (المعرفية أو العرفانية)، والأفلاطونية وسواهما.

وأهمية الآباء الرسوليين في أنهم خلفوا الرسل مباشرة فكانوا مرحلة مهمة في تاريخ الكنيسة المسيحية حيث تطور فيها اللاهوت والعقائد والحياة الروحية والليتورجية والإدارية. من هؤلاء الآباء القديسون: كلمندس أسقف روما، إغناطيوس الأنطاكي، هرماس، بوليكاريوس وبابياس، وإيريناوس أسقف ليون. كتابات هؤلاء الآباء تسلط الضوء على تطور حياة الكنيسة وإدارتها في الفترة التالية لفترة كتابة العهد الجديد[1]. (د. عدنان طرابلسي).

[1] راجع كتاب المثلث الرحمات البطريرك الياس الرابع “الآباء الرسوليون”، منشورات النور 1970.

من هم الآباء الرسوليون ولماذا دعوا بهذا الإسم؟

الآباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

الآباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

الآباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

الآباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

الآباء الرسوليون هم الكُتاب المسيحيون الذين عاشوا في القرن الأول وبداية القرن الثاني الميلادي، والذين تُعتبر تعاليمهم بحق صدىً مباشراً لتعاليم الرسل. ولقد كان هؤلاء على اتصال شخصي بالرسل أو تعلموا من تلاميذهم. ولم يكن مصطلح “الآباء الرسوليون” معروفاً في الكنيسة الأولى، ولكن أدخله الدارسون في القرن السابع عشر. وقد أدرج (B. Cotelier) تحت هذا المسمى (Patres Aevi Apostolici, 2 vols 1672)، خمسة كُتاب كنسيين وهم: برنابا، وإكليمنضس الروماني، وإغناطيوس الأنطاكي، وبوليكاريوس أُسقف سميرنا (أزمير)، وهرماس.

لكن في وقت لاحق جرى العُرف على زيادة عدد الآباء الرسوليين إلى سبعة، وذلك بإضافة بابياس الذي من هيروبوليس (Hieropolis)، وكاتب الرسالة إلى ديوجنيتوس المجهول؛ وفي العصر الحديث أضيف إليهم الديداخي. ومن الواضح بالطبع أن هذا التقسيم لا يدل على مجموعة متجانسة من الكتابات؛ فراعي هرماس ورسالة برنابا ينتميان، من حيث الموضوع والشكل، إلى الأبوكريفا، في حين الرسالة إلى ديوجينتوس – بسبب الهدف الذي كتبت لأجله – يجب أن تُصنف ضمن كتابات المدافعين اليونانيين.

ولكتابات الآباء الرسوليين طابع رعوي، وهي تتشابه مع أسفار العهد الجديد – خاصة رسائل الرسل – من حيث المضمون والأسلوب، وبالتالي يمكن اعتبارها حلقة وصل بين عصر الوحي (الاستعلان) (Revelation) وعصر التقليد (Tradition)، كما أنها شاهد هام على الإيمان المسيحي. وينتمي الكُتاب لمناطق مختلفة تماماً من الإمبراطورية الرومانية: آسيا الصغرى، وسوريا، وروما، وقد كتبوا لظروف معينة، إلا أنهم يمثلون عالماً واحداً من الأفكار التي تعطينا صورة عن التعاليم المسيحية في نهاية القرن الأول.

والبعد الإسخاتولوجي هو الطابع المميز لكل هذا الكتابات، فمجيء المسيح كان يُعتبر وشيكاً. ومن ناحية أخرى، كانت الذكريات عن شخص المسيح لا تزال حية في الأذهان، وذلك لعلاقة الكُتاب المباشر بالرسل، لذلك تُظهر كتابات الآباء الرسوليين اشتياقاً شديداً للمسيح المخلص الذي عاد إلى السماء والمنتظر، وهو شوق يأخذ أحياناً كثيرة شكلاً سرائرياً (mystical) مثلما عند إغناطيوس الأنطاكي.

ولم يكن الآباء الرسوليون يهدفون إلى إعطاء شرح علمي للإيمان المسيحي، فكتابتهم تحتوي على تعبيرات عرضية أكثر منها تعريفات عقائدية. وبالرغم من هذا، فإنهم بشكل عام يؤكدون على نفس الإيمان الواحد بطبيعة المسيح، فالمسيح بالنسبة لهم هو ابن الله، والكائن منذ الأزل، والذي شارك في خلق العالم.

الآباء الرسوليون – دراسات في آباء الكنيسة

الآباء الرسوليون تلاميذ الرسل وخلفاؤهم وإيمانهم بلاهوت المسيح

الآباء الرسوليون تلاميذ الرسل وخلفاؤهم وإيمانهم بلاهوت المسيح

الآباء الرسوليون تلاميذ الرسل وخلفاؤهم وإيمانهم بلاهوت المسيح

الآباء الرسوليون تلاميذ الرسل وخلفاؤهم وإيمانهم بلاهوت المسيح

قدم هؤلاء الآباء الذين كتبوا في الفترة من 70 إلى 110م عقيدتهم في شخص المسيح من جهة لاهوته وناسوته كالإله المتجسد بنفس أسلوب وبساطة الرسل الذين تتلمذوا على أيديهم وشرحوا لنا حقيقة إيمانهم، بنفس بساطة الوحي الإلهي المكتوب في العهد الجديد، ولم يكونوا في حاجة لاستخدام مصطلحات لاهوتية أو فلسفية بسبب ظروف العصر وطبيعته حيث كان المؤمنون يعيشون حياة الإيمان وما رأوه وما شاهدوه بعيونهم مما جرى علي أيدي الرسل من معجزات ” وجرت على أيدي الرسل آيات وعجائب كثيرة في الشعب ” (أع5 :12)، ” فأقاما زمانا طويلا يجاهران بالرب الذي كان يشهد لكلمة نعمته ويعطي أن تجرى آيات وعجائب على أيديهما ” (أع14 :3). ويقول القديس بولس عن كرازته: ” بقوّة آيات وعجائب بقوة روح الله. حتى أني من أورشليم وما حولها إلى الليريكون قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح ” (رو15 :19). كما كانوا قد تعلموا على أيدي الرسل الذين كانوا يؤمنون ويثقون أنهم يتكلمون بالروح القدس.

(1) فقد جاء في كتاب الدياديكية أو تعاليم الرسل الاثني عشر (كتب حوالي سنة 100م)؛ أن المسيح هو ابن الله وهو الرب الذي سيأتي على السحاب ومعه الملائكة القديسون (7:16)، وكانوا يعمدون المؤمنين الجدد على اسم الثالوث القدوس ” وبعد أن تعلّموا كل ما سبق عمدوا كما يأتي ” باسم الآب والابن والروح القدس بماء جار ” (1:7).

(2) وجاء في رسالة برنابا (من 90 – 100م تقريبا)؛ قوله ” يا أخوتي إذا كان السيد قد احتمل أن يتألم من أجل نفوسنا وهو رب المسكونة وله قال الرب ” لنصنعن الإنسان على صورتنا ومثالنا “ فكيف قبل أن يتألم على أيدي الناس، فتعلموا أن الأنبياء بالنعمة التي أعطوها من عنده تنبئوا عنه. ولكي يبطل الموت ويبرهن القيامة من الأموات ظهر بالجسد وأحتمل الآلام ” (5:4،6)، ثم يضيف الكاتب لو لم يأت بالجسد لما استطاع البشر أن ينظروا خلاصهم. إذا كانوا لا يستطيعون أن ينظروا إلى الشمس التي هي من أعمال يديه فهل يمكنهم أن يحدقوا إليه لو كان قد جاءهم بغير الجسد. إذا كان ابن الله قد أتى بالجسد فلأنه أراد أن يضع حدا لخطيئة أولئك الذين اضطهدوا أنبياءه ” (10:4،11).

  ثم يشرح التجسد بأكثر دقة وتفصيل فيقول ” للمرة الثانية يظهر يسوع لا كابن للبشر بل كابن لله ظهر بشكل جسدي وبما أنه سيقال أن المسيح هو ابن داود فأن داود يسرع ويتنبأ قائلا ” قال الرب لربي أجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئا لقدميك “. خوفا من أن يسيء الخطاة فهم بنوة يسوع 000 فهل رأيتم كيف يعطيه داود اسم الرب لا اسم الابن؟ ” (10:12،11)(2).

(3) وقال القديس أكليمندس الروماني، والذي كان أسقفا لروما (من سنة92 إلى 100م)؛(3)، وكان أحد مساعدي القديس بولس الرسول والذي قال عنه أنه جاهد معه في نشر الإنجيل (في3:4)، كما تعرف على الكثيرين من رسل المسيح واستمع إليهم، ويقول عنه القديس إيريناؤس واحد تلاميذ الآباء الرسوليين وحلقة الوصل بينهم وبين من جاء بعده من آباء الكنيسة، أنه ” رأى الرسل الطوباويين، وتحدث معهم وكانت كرازتهم لا تزال تدوي في أذنيه وتقليدهم ماثل أمامه “(4)، في رسالته إلى كورنثوس حوالي سنة 96م، عن لاهوت المسيح بنفس أسلوب وطريقة القديس بولس:

U فيتكلم عن المسيح الذي أخفى عظمته الإلهية وجاء متضعا ” أن صولجان جلال الله، الرب يسوع المسيح، لم يأت متسربلا بجلال عظمته – كما كان في استطاعته – بل جاء متواضعا كما تنبأ عنه الروح القدس ” (ف 16).

U وأيضا يكتب نفس ما جاء في بداية الرسالة إلى العبرانيين ” الذي هو بهاء مجده، صار أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث أفضل منهم. فقد كتب ” الصانع ملائكته أرواحا وخدامه لهيب نار. ويقول الرب عن ابنه ” أنت ابني أنا اليوم ولدتك 000 ويقول له أيضا ” اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك تحت قدميك ” (ف36).

U كما يشير إلى ملكوته السماوي فيقول ” كل الأجيال من آدم إلى يومنا هذا قد عبرت، أما المتكلمون في الحب بالنعمة الإلهية فيجلسون في مجالس القديسين ويظهرون عند إعلان (مجيء) ملكوت المسيح ” (ف50).

U وأشار إلى عقيدة الثالوث، الآب والابن والروح القدس بأسلوب الرسل دون أن يقصد أي شرح، لأن هذا الموضوع لم يكن قد أثير بعد، فيقول ” أليس لنا إله واحد، ومسيح واحد، وروح نعمة واحد سُكب علينا ” (ف46)، ” حيّ هو الله، حيّ هو يسوع المسيح ربنا،، وحيّ هو الروح القدس ” (ف58).

U ويصف المسيح بابن الله الحبيب والوحيد ” ابنه الحبيب يسوع المسيح 000 بيسوع المسيح ابنك الوحيد 000 أنك أنت هو الله ويسوع المسيح هو ابنك ” (ف59).

U ويختم رسالته بنفس أسلوب الرسل ” نعمة ربنا يسوع المسيح تكون معكم ومع جميع الذين دعاهم لله في كل موضع بالمسيح الذي له ومعه المجد والكرامة والسلطان والعظمة والعرش الأبدي من جبل إلى جيل، آمين “.

(4) ويشرح القديس أغناطيوس (35 – 107م)؛ الذي كان أسقفاً لإنطاكية وتلميذاً للقديس بطرس الرسول، وقال عنه المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري ” أغناطيوس الذي اختير أسقفاً خلفاً لبطرس، والذي لا تزال شهرته ذائعة بين الكثيرين “(5)، إيمان الكنيسة في عصره، فيوضح كيف أن الرب يسوع المسيح هو الله ولكنه، ظهر في الجسد، تجسد وصار إنسانا حقيقيا، هو الإله المتجسد ” أنه المسيح المصلوب هو الإله المتجسد “، بل ويذكر تعبير إله والله عن المسيح حوالي 35 مرة:

U فيقول في مقدمة رسالته إلى الرومان ” حسب محبة يسوع المسيح إلهنا 000 سلام باسم يسوع المسيح ابن الآب 000 تحية لا شائبة فيها في يسوع المسيح إلهنا “. ويقول في نفس الرسالة أيضا ” وإلهنا يسوع المسيح عاد إلى حضن أبيه وبذلك صار يتجلى لنا بمزيد من الوضوح ” (ف 30: 3). ويقول في رسالته إلى أفسس ” حسب مشيئة الآب ويسوع المسيح إلهنا ” (مقدمة)، وأيضاً ” أنه حال فينا ونحن هياكله وهو إلهنا الساكن فينا ” (أفسس 15: 3)، كما يقول عنه أيضاً ” دعوني أقتدي بالآم إلهي “.

U وفي رسالته إلى روما ” وإلهنا كلنا يسوع المسيح ” (روما53:3)، وفي رسالته إلى أزمير يقول ” أشكر يسوع المسيح الإله الذي وهبكم مزيدا من الحكمة ” (أزمير1)، وفي رسالته إلى سميرنا ” المسيح إلهنا ” (سميرنا 1:107). ويختم رسالته إلى بوليكاربوس بقوله ” وداعا في إلهنا يسوع المسيح ” (بوليكاربوس1:1).

U ويقول أيضا أنه الله الذي تجسد وصار إنسانا ” لقد صار الله إنسانا لتجديد الحياة الأبدية ” (أفسس3:19). ووصفه بالإله المتجسد فيقول ” لأن إلهنا يسوع المسيح قد حبلت به مريم حسب تدبير الله ” (أفسس2:18). ويصفه بابن الله وابن الإنسان ” في إيمان واحد بيسوع المسيح الذي من نسل داود حسب الجسد؛ ابن الإنسان وابن الله ” (أف19:3)، كما يصف الدم الذي سفكه المسيح بأنه دم الله فيقول ” وقد أكملت عمل الأخوة حتى النهاية بدم الله ” (أفسس1:1). وأن آلامه هي الآم الله ” دعوني أقتدي بآلام إلهي ” (روما 6: 3).

U ويصف وحدة الآب والابن بقوله: ” يسوع المسيح الوحيد، الذي خرج من آب واحد وكان معه واحداً وعاد إليه واجدا ” (مغيسيا7:3).

U ويؤكد على حقيقة تجسده وكمال ناسوته حيث أتخذ جسدا حقيقيا ” فيقول ” المسيح يسوع الذي من نسل داود والمولود من مريم، الذي وُلد حقا وأكل حقا وشرب حقا، وصلب حقا على عهد بيلاطس البنطي، ومات حقا أمام السمائيين والأرضيين ” (ترالس 9)، ” أشكر يسوع المسيح الإله 000 الذي ولد حقا من نسل داود حسب الجسد ” (ازمير1)، ويقول في رسالته إلى بوليكاربوس ” وليكن نظرك على من لا يتغير أي ذاك الذي يعلو الزمان ولا يرى ولكن قد صار مرئيا لأجلنا، لا يلمس ولا يتألم ولكنه صار  ملموسا ومتألماً وأحتمل كل شيء لأجلنا ” (بوليكاربوس 3:2).

U ويؤكد على حقيقة كونه إلهاً وإنساناً في آن واحد ” يوجد طبيب واحد هو في الوقت نفسه جسد وروح (إنسان وإله)، مولود وغير مولود، الله صار جسدا، حياة حقيقية في الموت، من مريم ومن الله، في البدء كان قابلا للألم وأصبح الآن غير قابل للألم، هو يسوع المسيح ربنا ” (أفسس8: 2)، وأيضا ” إيمان واحد بيسوع المسيح الذي من نسل داود حسب الجسد؛ ابن الإنسان وابن الله ” (أفسس20: 2)، وأيضا ” يسوع المسيح الكائن قبل الدهور مع الآب وقد ظهر في ملء الزمان ” (مغنيسيا 6: 1).

U كما قدم لنا عقيدة الثالوث كما أمنوا بها في بساطتها: ” أليس إله واحد قد ظهر في يسوع المسيح ابنه وكلمته الخارجة من الصمت: (مغنيسيا 8: 22).

  ” انتم حجارة هيكل الله، معدون للبناء الذي يبنيه الآب، مرفوعون حتى القمة بآله يسوع المسيح التي هي صليبه، مع الروح القدس الذي هو الحَبْل (أف 9: 1).

  ” اعتنوا أن تقيموا في الإيمان في المحبة مع الابن والآب والروح القدس 000 وكونوا خاضعين للأسقف كما خضع الرسل للمسيح وللآب وللروح ” ( مغنيسيا 13: 1- 2).

  وهكذا قدم لنا يسوع المسيح في لاهوته وناسوته بصورة دقيقة ومتطابقة مع الإعلان الإلهي في الكتاب المقدس تماما. كما قدم لنا الثالوث في بساطته، وكان في أقواله هذه الرد الكافي والحاسم على كل من الأبيونيين والغنوسيين.  

(5) وقال القديس بوليكاربوس أسقف أزمير (65 – 155م)؛ والذي كان تلميذاً للقديس يوحنا الرسول وبعض الرسل الذين أقاموه أسقفاً على أزمير بآسيا الصغرى، كما يقول إيريناؤس أسقف ليون والمؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري(6) وجيروم سكرتير بابا روما(7)، والذي استلم التقليد الرسولي من الرسل. في رسالته القصيرة التي كتبها (فيما بين 108-110م)، ” من لا يعترف بأن يسوع قد جاء في الجسد فهو ضد المسيح ” (ف 7: 7). وهذا نفس ما قاله القديس يوحنا ” والذي رد به، بالروح، على الأبيونية والغنوسية معا. 

  وكان هذا هو نفس إيمان رسل المسيح وتلاميذه والذي كان معروفا عنهم في القرن الأول الميلادي سواء من الوثنيين أو اليهود. فقد كتب بليني في رسالة له للإمبراطور تراجان ” أن المسيحيين يعبدون المسيح كالله أو ابن الله “(8). وأيضا ” عادة يجتمع المسيحيون قبيل الفجر في يوم محدد لإكرام المسيح إلههم بالترانيم “(9).

(2) أما كتاب الرعي لرهرماس والذي كتب في نهاية القرن الأول أو بداية القرن الثاني فيصف المسيح بابن الله وسيد كل البشر ” أنه سيد كل البشر وقد أعطاه أبوه كل سلطان ” (مثل 6:5) ، وأنه الموجود مع الآب قبل الخليقة ” أن ابن الله هو قبل كل الخليقة وكان مستشار أبيه في عمل الخليقة لذلك هو أزلي 000 لأن ابن الله ظهر في الأيام الأخيرة من انتهاء العالم وقد عمل ليدخل معه إلى الملكوت السماوي الذين يخلصون 000 يسوع المسيح ابن الله الحبيب ” (مثل 2:9،5).     

(3) يوسابيوس ك 3 ف15. 

(4) Adv. Haer. b. 3:31.

(5) يوسابيوس ك 3 ف 2:36.

(6) يوسابيوس ك3 ف 1:26، ك4 ف 3:14.

(7) مشاهير الرجال ف 17.

(8) Theological Dic. NT vol. 3 p. 106.

(9) تاريخ الفكر جـ 1 : 155.

الآباء الرسوليون تلاميذ الرسل وخلفاؤهم وإيمانهم بلاهوت المسيح

رسالة الراعي لهرماس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

رسالة الراعي لهرماس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

رسالة الراعي لهرماس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

رسالة الراعي لهرماس وقانونية العهد الجديد

  من الكتب التي كتبت في منتصف القرن الثاني وينسب للآباء الرسوليين لأن البعض يرى أنه كان تلميذا للقديس بولس ويرون أنه المذكور في التحية الواردة في رسالته إلى رومية: ” سَلِّمُوا عَلَى أَسِينْكِرِيتُسَ، فِلِيغُونَ، هَرْمَاسَ، بَتْرُوبَاسَ، وَهَرْمِيسَ، وَعَلَى الإِخْوَةِ الَّذِينَ مَعَهُمْ ” (رو16 :14). ولكن لا يستطيع أحد أن يجزم بدقة أن كاتبه هو هرماس. وإن كان أغلب العلماء يميلون إلى أن هرماس هو كاتبه. وتقول الوثيقة الموراتورية المكتوبة في منتصف القرن الثاني تقريباً (165م): ” كتب هرماس الراعي في زمن حديث جدًا في مدينة روما عندما كان أخيه الأسقف بيوس (Pius) يجلس على كرسي الكنيسة في روما  (140 – 155) “[1].

  وأعتبره بعض الكتاب الكنسيين، خاصة الشرقيين، ككتاب من الكتب اللازمة للقراءة واستخدموا أقواله لشرح بعض الأمور اللاهوتية، مثل أوريجانوس الذي اقتبس فقرة منه في كتابه ” المباديء “، تقول: ” فأنه مكتوب في كتاب الراعي، ملاك التوبة، الذي وضعه هرماس: آمن أولاً بأن هناك إله خلق كل شيء ورتبه وصنع كل شيء بينما لم يكن شيء مما صنعه يستوعب الأشياء كلها وما من شيء يستوعبه “[2].

  كما يقول يوسابيوس أن إيريناؤس كان يقبله: ” وهو لا يعرف كتاب الراعي فقط بل أيضاً يقبله، وقد كتب عنه حسناً تكلم السفر قائلاً: أول كل شيء آمن بأن الله واحد الذي خلق كل الأشياء وأكملها “[3].

  ويقول أكليمندس الإسكندري: ” قالت القوة الإلهية التي كلمت هرماس في الرؤيا: ” الرؤى والإعلانات هي لهؤلاء الذين لهم عقل مزدوج، الذين يشكون في قلوبهم إذا

أتكون هذه الأشياء أو لا تكون “[4].

  ولا نعتقد هنا أن العالم والعلامة إيريناؤس، الذي اثبتت أكتشافات نجع حمادي للكتب الأبوكريفية علمه العظيم ودقته الشديدة في كل ما كتبه عن هذه الكتب الابوكريفية وعن الهراطقة، ولا العلامة أكليمندس الإسكندري الذي قرأ أكثر من ألف وخمسمائة كتاب في الآبائيات وجميع العلوم الكنسية والأدب اليوناني والفلسفة وغيرها من الكتب الكلاسيكية المختلفة، أن يخفى عليهما، أن هرماس كتب كتابه الراعي أثناء جلوس شقيقه الأسقف بيوس على كرسي روما فيما بين سنة 140 و155م، أي بعد رحيل القديس يوحنا بنصف قرن، يمكن أن يكون كتاباً قانونياً وموحى به، بل نظروا إليه بوجوب قراءته لفائدته. كما كان يعتبره القديس أثناسيوس، في رسالة وزعت في اعمال مجمع نيقية ف 18، ضمن الكتب المفيدة لكنه غير قانوني[5].

  ويقول عنه يوسابيوس القيصري: ” ولكن نظراً لأن نفس الرسول (بولس) في تحيته الواردة في آخر رسالة رومية (رو16 :14)[6] قد ذكر ضمن من ذكرهم هرماس الذي ينسب إليه سفر الراعي، فيجب ملاحظة أن هذا السفر أيضاً متنازع عليه ولا يمكن وضعه ضمن الأسفار المعترف بها، مع أن البعض يعتبرونه لا غنى عنه للذين يريدون تعلم مبادئ الإيمان. وعلى أي حال فنحن نعرف أنه يقرأ في بعض الكنائس، كما تبينت أن البعض من أقدم الكتاب اقتبسوا منه “[7]. ويضيف: ” وضمن الأسفار المرفوضة يجب أيضا أن يعتبر أعمال بولس وما يسمى بسفر الراعي “[8].

  ويضعه العلامة ترتليان ضمن الكتب الأبوكريفية. ويرى انه يحبذ الزناه[9]. ويقول القديس جيروم كان في القرن الرابع منسيا تماما في الغرب[10].

  وكان كتاب الراعي من اشهر الكتب في القرون الأولى للمسيحية، وكان مقتبسا منه بشكل واسع، كما بقي له أكثر من عشرين مخطوطة كاملة وجزئية، منفصلة، على ورق بردي أو رقوق تؤرخ فيما بين القرن الثاني والقرن السادس الميلادي، للنص اليوناني، وأجزاء من مخطوطتين باللغة اللاتينية، من القرن الثاني للقرن الرابع والخامس الميلاديين، ومخطوطتين للترجمة القبطية الصعيدية والأخميمية، كما توجد أيضا ترجمة تفسيرية باللغة الأثيوبية[11].   

  وعلى الرغم قول بعض الآباء أن كاتبه كان تلميذا للقديس بولس، كما يقول هو نفسه، في الرؤى، إلا أنه كان معاصرا لاكليمنس أسقف روما: ” أكتب كتابين. كتيب إلى أكليمندس وكتيب إلى جرابتي. ويسمح لأكليمندس أن يرسل ذلك إلى المدن التي في الخارج، وعلى جاربتي أن تنصح الأرامل والفقراء، أما أنت فعليك أن تقرأ ذلك في هذه المدينة على الشيوخ ومتقدمي الكنيسة ” (الرؤى 2 :4). ولكونه أخا لبيوس الذي جلس على كرسي رومية في الفترة من 140 – 155م، كما تقول الوثيقة الموراتورية، إلى جانب الدليل الداخلي تأكيد على أنه كتب في منتصف القرن الثاني[12].

  وعلى الرغم من أنه لم يقتبس بشكل مباشر سواء من العهد القديم أو العهد الجديد إلا أن الكثير من كلماته تدل على أنها صدى لما جاء بهما. وكان من الوضح أن الإنجيل للقديس يوحنا وأحد الأسفار المتماثلة (متى ومرقس ولوقا)، وكذلك الرسالة إلى أفسس والرسالة إلى يعقوب، كما سنبين، كانت في عقله وفكره، فيقول:

  ” لا يمكن لأحد أن يدخل إلى الملكوت السماوي إلا من الباب الذي هو يسوع المسيح ابن الله الحبيب ” (مثال 9 :12). وهذا صدى لما جاء بالإنجيل للقديس يوحنا خاصة قوله: ” الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً ” (يو3 :36)، و ” أَنَا هُوَ الْبَابُ. إِنْ دَخَلَ بِي أَحَدٌ فَيَخْلُصُ وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَجِدُ مَرْعًى ” (يو10 :9).

  وفي مثال 9 يبدو صدى هذه الفقرة: ” مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ. جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضًا فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ. رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، إِلهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ ” (أف4 :3-6). واضحاً ومؤكداً، فيقول في الفقرة التالية: ” أن أعضاء الكنيسة صار لهم فكر واحد وجسد واحد: ” الذين آمنوا بالرب بابنه ولبسوا لباس العذارى يشكلون روحا واحداً وجسداً واحداً وثوباً موحد اللون واحداً … روحاً واحداً وجسداً واحداً وثوباً واحداً ” (مثال 9 : 13. 5و7).

ويقول أن الذين نالوا المعمودية صار لهم فكر واحد وعقل واحد وإيمان واحد: ” لأن كل الشعوب التي تقطن تحت السماء بعد أن سمعت بالبشارة وآمنت حملت اسم ابن الله وعندما خُتمت (اعتمدت) بالختم صارت جميعاً بفكر واحد وعقل واحد وإيمان واحد ومحبة واحدة ” (مثال 9 :17 :4). وعندما تتطهر الكنيسة ستكون جسداً واحداً بعقل واحد: ” بعد طرد الأشرار تصبح الكنيسة جسداً واحداً وقلبا واحداً وروحاً واحداً وإيماناً واحداً ” (مثال 9 :18. 4).

  كما يستخدم هرماس تعبيرات رسالة يعقوب مرات عديدة وكثيرة، في كل اقسام الكتاب. وعلى سبيل المثال يستخدم هرماس تعبير (δίψυχος = double-minded = ذُو رَأْيَيْنِ) والتي لم ترد لا في ترجمة العهد القديم اليونانية، السبعينية، ولا في العهد الجديد بل في رسالة يعقوب فقط، في الفقرة التالية: ” رَجُلٌ ذُو رَأْيَيْنِ (δίψυχος) هُوَ مُتَقَلْقِلٌ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ ” (يع1 :8)، ” نَقُّوا أَيْدِيَكُمْ أَيُّهَا الْخُطَاةُ، وَطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ يَا ذَوِي الرَّأْيَيْنِ (διψυχοι) ” (يع4 :8). ويستخدم هذه الكلمة 19 مرة، ويستخدم فعلها 20 مرة، ويستخدم اسمها 16 مرة[13].

 إقرأ أيضاً:

[1] Ante-Nicene Fathers, Vol. II. Introductory Note To The Pastor Of  Hermas.

[2] أوريجانوس في المباديء، تعريب الأب جورج خوام البولسي، ص 104.

[3] يوسابيوس ك 5 :8.7.

[4] Clement of Alexandria Stromata 1 :29.

[5] الآباء الرسوليون  تعريب البطريرك الياس الرابع (معوض) ص 168.

[6] أنظر: ” سَلِّمُوا عَلَى أَسِينْكِرِيتُسَ، فِلِيغُونَ، هَرْمَاسَ، بَتْرُوبَاسَ، وَهَرْمِيسَ، وَعَلَى الإِخْوَةِ الَّذِينَ مَعَهُمْ ” (رو16 :14).

[7] يوسابيوس ك 3 : 25، 4.

[8] يوسابيوس ك3: 4.25.

[9] De Pudicitia, c. xx., also c. x.; De Oratione, c. xvi.

[10] De Viris Illustribus, c. x.

[11] Bruce M. Metzger p.63.

[12] Ibid. 64.

[13] Ibid. 67.

رسالة الراعي لهرماس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

بابياس أسقف هيرابوليس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

بابياس أسقف هيرابوليس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

بابياس أسقف هيرابوليس وقانونية العهد الجديد

بابياس أسقف هيرابوليس وقانونية العهد الجديد

  يقول عنه القديس إيريناؤس أنه كان تلميذاً (سامعاً) للقديس يوحنا ورفيقاً للقديس بوليكاربوس، وأنه ألف خمسة كتب[1]، كما يقول عنه القديس جيروم ” بابياس تلميذ يوحنا وهو أسقف هيرابوليس، كتب خمس مجلدات فقط في تفاسير أقوال الرب (of the Lord (lo`gia` ta) Exposition of Oracles)، يقول في مقدمته أنه لم يبتدع تعاليم مختلفة لكنه تسلم من الرسل أنفسهم “[2]. وكان أسقفاً لهيرابوليس فريجية بآسيا الصغرى، هذه الكنيسة التي تأسست بجهود ابفراس رفيق القديس بولس والعامل معه: ” يسلم عليكم ابفراس الذي هو منكم عبد للمسيح مجاهد كل حين لأجلكم بالصلوات لكي تثبتوا كاملين وممتلئين في كل مشيئة الله. فاني اشهد فيه أن له غيرة كثيرة لأجلكم ولأجل الذين في لاودكية والذين في هيرابوليس ” (كو4 :12و13).

  وكان بابياس شغوفا بمعرفة التقليد الحي أو الصوت الحي للرب يسوع المسيح المنقول مباشرة عن طريق تلاميذه ومساعديهم. وقد جمع بابياس التقاليد الشفوية عن أفواه الرسل ووضع كتاباً من خمس مقالات في تفسير كلام الرب.

وكان يهتم بكلام الرسل الحي المنقول عنهم بنفس درجة الكلام المكتوب، ، يقول عنه يوسابيوس القيصري نقلا عن إيريناؤس[3]: ” هو أحد الأقدمين، أستمع ليوحنا، وكان زميلا لبوليكاربوس … لأنه كتب خمسة كتب “، ويضيف يوسابيوس: ” أما بابياس نفسه، فأنه في مقدمة أبحاثة لا يصرح بأي حال من الأحوال أنه كان مستمعاً للرسل المباركين، ولكنه بين في كلماته أنه تلقى تعاليم الإيمان من أصدقائهم فيقول: ” ولكنني لا أتردد أيضا أن أضع أمامكم مع تفسيري كل ما تعلمته بحرص من الشيوخ (تلاميذ الرسل)، وكل ما أتذكره بحرص ضامنا صحته، لأني لم التذ – كما الكثيرين – بمن يقدمون وصايا غريبة، بل بمن يقدمون وصايا الرب للإيمان الصادر عن الحق نفسه.

وكلما أتى أحد ممن كان يتبع المشايخ سألته عن أقوالهم، عما قاله اندراوس أو بطرس، عما قاله فيلبس أو توما أو يعقوب أو يوحنا أو متى، أو أي أحد آخر من تلاميذ الرب أو عما قاله أريستون أو القس يوحنا أو تلاميذ الرب. لأنني لا أعتقد أن ما تحصل عليه من الكتب يفيدني بقدر ما يصل إلى من الصوت الحي من الصوت الحي الدائم “[4].

  كما يؤكد يوسابيوس أنه، بابياس، استمع لبنات فيلبس الرسول الذي سكن في هيرابوليس مع بناته، فيقول: ” ولكن يجب هنا ملاحظة أن بابياس معاصرهم قال بأنه سمع قصة عجيبة من بنات فيلبس، لأنه يقول أن واحد قام من الأموات في عصره. ويروي رواية عجيبة عن  برسابا الملقب يوستس (أع1 :23) إنه شرب سما مميتا ولكنه بنعمة الرب لم يؤذى “[5].

  وهذا يوضح لنا انه عندما كتب مجلداته الخمسة في أقوال الرب لم يعتمد فقط على الوثائق المكتوبة بل على التسليم، التقليد، الشفوي أيضا الذي أخذه عن مساعدي تلاميذ المسيح، كما يؤكد لنا هنا أيضاً وجود الإنجيل الشفوي، من خلال تلاميذ الرسل ومن استمعوا إليهم وحفظوا ما تسلموه منهم مع الإنجيل المكتوب جنباً إلى جنب  مما يؤكد استحالة التفكير في مجرد تغيير أو تعديل حرف واحد في كلمة الله المكتوبة، أو في العقيدة التي تسلمها آباء الكنيسة من الرسل.

  كما قال عن الإنجيل للقديس متى: ” وهكذا كتب متى الأقوال الإلهية (lo`gia` ta – Logia) باللغة العبرية (اللهجة الآرامية) وفسرها كل واحد على قدر استطاعته “[6]. ويبدو أنه قصد من قوله باللغة العبرية، إما العبرية نفسها أو اللهجة الآرامية. ويقول عالم النقد الكتابي بروس متزجر: ” هذه الرواية المبهمة تشير إلى أنه من المفترض بصفة عامة أنه يشير إلى أحد المصادر المعروفة لنا اليوم بالإنجيل الذي بحسب متى، وقد يتضمن ذلك جمع أقوال المسيح المنسوبة لمتى بحسب خبرته السابقة كجامع ضرائب مما يؤكد لنا انه كان قادرا على مثل هذه الكتابة “. ويضيف: ” الإشارة إلى تدوين متى باللهجة العبرية تعني بشكل عادي لغة سامية أما العبرية ذاتها أو اللهجة الآرامية “[7].

  وقال عن الإنجيل للقديس مرقس ” إن مرقس إذ كان هو اللسان الناطق (المتحدث) لبطرس كتب بدقة، ولو من غير ترتيب كل ما تذكره عما قاله المسيح أو فعله، لأنه لا سمع الرب ولا اتبعه ولكنه فيما بعد – كما قلت – اتبع بطرس الذي جعل تعاليمه مطابقة لاحتياجات سامعيه، دون أن يجعل أحاديث الرب مرتبطة ببعضها، ولذلك لم يرتكب أي خطأ إذ كتب – على هذا الوجه – ما تذكره. لأنه كان يحرص على أمر واحد؛ أن لا يحذف شيئاً مما سمعه، وأن لا يقرر أي شيء خطأ  “[8].

  ولكن العلماء لا يتفقون مع بعض مما قاله هنا عن القديس مرقس من جهة قوله أنه لا سمع الرب ولا تبعه، لأن القديس مرقس، بحسب أغلبية العلماء كان هو الشاب الذي تبع المسيح في البستان وقت القبض عليه وهرب عارياً: ” وتبعه شاب لابسا أزارا على عريه فامسكه الشبان. فترك الازار وهرب منهم عريانا ” (مر14 :51و52). لأنه الوحيد الذي ذكر هذه الحادثة.

كما كان منزل والدته، مريم أم يوحنا الملقب مرقس، تلميذة المسيح، في أورشليم، هو مقر الكنيسة الأولى والذي كان يجتمع فيه التلاميذ: ” بيت مريم أم يوحنا الملقب مرقس حيث كان كثيرون مجتمعين وهم يصلّون” (أع12 :12)، وابن أخت برنابا ” ومرقس ابن أخت برنابا ” (كو4 :10). وقد خدم مع كل من القديسين بولس وبرنابا: ” ورجع برنابا وشاول من أورشليم بعد ما كمّلا الخدمة وأخذا معهما يوحنا الملقب مرقس ” (أع12 :25)، وبعد ذلك فارقهما في بمفيلية (أع13 :13)، وكرز مع القديس برنابا في قبرس بعد أن انفصلا عن القديس بولس: ” وبرنابا اخذ مرقس وسافر في البحر إلى قبرس ” (أع15 :39). ثم عاد القديس بولس وطلبه ليخدم معه: ” لوقا وحده معي.

خذ مرقس واحضره معك لأنه نافع لي للخدمة ” (2تي4 :11). وكان من الخدام العاملين معه: ” ومرقس وارسترخس وديماس ولوقا العاملون معي ” (فل1 :24)، وأوصى أهل كولوسي أن يقبلوه: ” يسلم عليكم ارسترخس المأسور معي ومرقس ابن أخت برنابا الذي أخذتم لأجله وصايا. أن أتى إليكم فاقبلوه ” (4 :10). كما كان يعمل مع القديس بطرس الذي وصفه بابنه: ” تسلم عليكم التي في بابل المختارة معكم ومرقس ابني ” (1بط5 :13). هذا التاريخ الطويل للقديس مرقس في الخدمة وكونه أحد الذين شاهدوا المسيح وكان بيت والدته مقرا للكنيسة الأولى يؤكد أن ما قاله عنه بابياس لا يوفيه حقه وكونه ناظر الإله الإنجيلي كما تسميه الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

  ويضيف يوسابيوس أيضا عن بابياس: ” ويستقي نفس الكاتب (أي بابياس) بعض الشهادات من رسالة يوحنا الأولى ورسالة بطرس أيضاً “[9].

  ويضيف عالم النقد الكتابي بروس متزجر قائلاً: ” توجد أدلة أخرى مبعثرة ومحفوظة عن طريق يوسابيوس وجيروم وفيليب أسقف صيدا وأيضا آباء كثيرين متأخرين تؤكد أن بابياس كان يعرف الإنجيل الرابع ورسالة بطرس الأولى ورسالة يوحنا الأولى وسفر الرؤيا “[10]. وعلى الرغم من أنه لم يذكر شيئاً عن رسائل بولس أو الإنجيل للقديس لوقا فهذا لا يعني أن لا يعرفهم، لأن كتاباته مفقودة ولا نعرف كل ما جاء بها، كما أن طبيعة مجلداته الخمسة في أقوال الرب ركزت على ما جاء في الإنجيل للقديس متى وتفسيره لها، وهذا ما كان في بؤرة اهتمامه.

 إقرأ أيضاً:

 

 

[1] Ag. Her. V.33,4.

[2] مشاهير الرجال ف 18 .

[3] يوسابيوس ك3:39.

[4] آباء الكنيسة في القرون الثلاثة الأولى أسد رستم ص 42 . 

[5] يوسابيوس ك ف 39 : 9.

[6] يوسابيوس ك3 ف 39: 16 .

[7] B M Metzger, 54.

[8] يوسابيوس ك 3 ف 15:39.

[9] يوسابيوس ف 3 :39 ،16.

[10] B M Metzger, 54.

بابياس أسقف هيرابوليس وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

الرسالة الثانية المنسوبة لأكليمندس الروماني وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

الرسالة الثانية المنسوبة لأكليمندس الروماني وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

الرسالة الثانية المنسوبة لأكليمندس الروماني وقانونية العهد الجديد

الرسالة الثانية المنسوبة لأكليمندس الروماني وقانونية العهد الجديد

والتي يجمع العلماء على أنها ترجع لبداية القرن الثاني، وترجع قيمتها بالنسبة لنا في هذا المجال، لكونها كانت تعبر عن فكر إحدى الجماعات المسيحية فى بداية القرن الثاني وشهادتها لوحي أسفار العهد الجديد وقانونيتها. وقد وردت هذه الرسالة مع الرسالة المنسوبة للقدّيس أكليمندس الروماني في المخطوطات الثلاث الأول: المخطوطة الإسكندرية (A) والقسطنيطينية (C) والسريانية (S). وهي عبارة عن عظة وهذا واضح من تكوينها الأدبي وطابعها ونغمتها الوعظية (ف ١٧، ١٩، ٢٠). وكانت تقرأ في العبادة العامة بعد تلاوة فصل من الكتاب المقدّس (ف ١٩).

وهي منسوبة لأكليمندس الروماني لكن ليس هو كاتبها بإجماع العلماء وهي أقل بكثير من الرسالة الأصيلة في محتوياتها وطابعها، وقد كتبت في بداية القرن الثاني وترجع أهميّتها لنا لكونها أول عظة مسيحيّة وصلت إلينا حتى اليوم. ويقول كاتبها أنها كانت تقرأ عالياً: ” لذلك أيّها الاخوة والأخوات إذ سمعتم إله الحق الذي قرأته عليكم الآن متوسّلاً أن تهتمّوا بهذه الأمور المكتوبة لكي تخلَّصوا أنتم والذي يُقرأ بينكم ” (19 :1). عموما هي ليست رسالته ولا كاتبها هو أكليمندس.

ويقول لايتفوت[1]: ” إن كانت الرسالة الأولى لأكليمندس هي أول عمل يكشف لنا عن الليتورچيّا المسيحيّة، فإن المسمّاة بالرسالة الثانية هي أول مثل للعظة المسيحيّة “.

ويقول ريتشاردسون: ” تجد في هذه الوثيقة أقدّم عظة مسيحيّة محفوظة، تبدو من نتاج كنيسة الإسكندريّة قبل منتصف القرن الثاني. لها أهميّتها إذ تشير إلى استخدّام إنجيل مزور، كشهادة لبعض الآثار الغنوسيّة، وفي نفس الوقت في أساسها تهاجم الأفكار الغنوسيّة؛ كما تقدّم وجهة النظر تجاه الكنيسة بكونها استمرارًا للتجسّد “[2]. 

ويقول المؤرخ الكنسي يوسابيوس، والذي كان أول من تكلم عنها: ” ويجب أيضا ملاحظة ما قيل أنه توجد رسالة ثانية لأكليمندس. ولكننا لا نعرف بأن هذه معترف بها كالسابقة. لأننا لم نلاحظ الاقدمين أشاروا إليها “[3]. ويقول عنها القديس جيروم في ” مشاهير الرجال “[4]: ” توجد رسالة أخرى تحت اسمه رفضها الكتّاب الأوّلون “.

ويجمع العلماء على أنها ترجع لبداية القرن الثاني، وترجع قيمتها بالنسبة لنا في هذا المجال، لكونها تعبر عن فكر إحدى الجماعات المسيحية في بداية القرن الثاني وشهادتها لوحي أسفار العهد الجديد وقانونيتها. وهي تقتبس من الأناجيل الأربعة كثيراً وتسبق هذه الاقتباسات عبارات ” لأن الرب يقول في الإنجيل ” (8 :5). و ” يقول كتاب مقدس آخر ” (4 :2). ويؤكد استخدام الكاتب للفعل المضارع ” يقول ” أنه يشير إلى الأناجيل المكتوبة وإيمانه بأنها كلمة الله وكتابه المقدس. وفيما يلي بعض من اقتباساته من بعض أسفار العهد الجديد:

(1) يقتبس من الإنجيل للقديس متى بشكل مباشر أو بصورة جوهرية فقرات كثيرة، منها على سبيل المثال: يقول في الفقرة: ” فإنه هو بنفسه يُعلن: من يعترف بي قدّام الناس اعترف أنا أيضًا به قدّام أبي ” (3 :2). وهي مأخوذة من قوله: ” مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ ” (مت10 :23).

 

ويقول في الفقرة التالية: ” إذ يقول الرب: ستكونون كحملان بين ذئاب “. وهي مأخوذة من قوله: ” هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ كَغَنَمٍ فِي وَسْطِ ذِئَابٍ ” (مت10 :16).

ويقول أيضاً: ” إذ يقول الرب هؤلاء هم اخوتي، الذين يصنعون مشيئة أبي ” (9 :11). وهي مأخوذة من قوله: ” لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي ” (مت12 :50).

ويقول في (2 :7): ” فإن أشعّة نورهم، تضيء الخليقة كلّها من الآن بأعمالهم الصالحة، إذ هم بحق ” نور العالم “. وهي مأخوذة من قوله: ” فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ ” (مت5 :16).

ويقول في (12 :4): ” حسب تعليم ربّنا الذي قال: هذا الجنس لا يخرج بشيء ألاّ بالصوم والصلاة “. والمأخوذة من قوله: ” وَأَمَّا هذَا الْجِنْسُ فَلاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بِالصَّلاَةِ وَالصَّوْم ” (مت17 :21).

وفي (4 :1و2) يقول: إذن ليتنا لا نقف عند مجرّد دعوته ” يا رب “، فإن هذا لا يخلّصنا. إذ يقول: ” ليس كل من يقول لي يارب يارب يخلص بل الذي يفعل البرّ “. الجزء الثاني من الفقرة هو افتباس من (مت ٧ :٢١): ” لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَارَبُّ، يَارَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ “.

(2) ويقتبس من الإنجيل للقديس لوقا الفقرة التالية: ” يقول الرب في الإنجيل: إن لم تكونوا أمناء في القليل من يأتمنكم على الكثير؟ فإني أقول لكم الأمين في القليل أمين أيضًا في الكثير ” (5 :8). والمأخوذة من قوله: ” اَلأَمِينُ فِي الْقَلِيلِ أَمِينٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ، وَالظَّالِمُ فِي الْقَلِيلِ ظَالِمٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ. فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أُمَنَاءَ فِي مَالِ الظُّلْمِ، فَمَنْ يَأْتَمِنُكُمْ عَلَى الْحَقِّ؟ ” (لو١٦ :١٠ – 12).

(3) ويقتبس فقرات موجودة في الإنجيل للقديس متى والإنجيل للقديس لوقا معاً مثل الفقرات التالية: ” إذ يقول الرب ” هؤلاء هم اخوتي، الذين يصنعون مشيئة أبي ” (9 :11). وهي مأخوذة من: ” لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي ” (مت12 :50). وكذلك لوقا (لو8 :21): ” أُمِّي وَإِخْوَتِي هُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلِمَةَ اللهِ وَيَعْمَلُونَ بِهَا “.

وأيضاً: ” يقول الرب: ” لا يقدر خادم أن يخدم سيّدين. إن أردنا أن نخدم الله والمال، لا ننتفع شيئًا. لأنه ” ماذا يفيد الإنسان أن يربح العالم كلّه ويخسر نفسه؟! ” (6 :1و2). الأولى اقتباس مباشر من قوله: ” لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ ” (مت6 :24؛ لو16 :13). والثانية أقتباس من قوله: ” لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ ” (مت١٦ :٢٦؛ مر٨ :٣٦؛ لو٩ :٢٥).

ويقول أيضاً: ” إذ يقول الرب: ستكونون كحملان بين ذئاب. أجابه بطرس قائلاً: ” ماذا يكون إذا مزّقت الذئاب الحملان إربًا؟ قال يسوع لبطرس: الحملان بعد موتها لا تخاف الذئاب، هكذا لا تخافوا من الذين يقتلونكم وبعد ذلك ليس لهم ما يفعلون أكثر، بل خافوا بالحري من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنّم ” (5 :2 – 4). الجزء الأول  من هذه الفقرة مأخوذ من قوله: ” هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ مِثْلَ حُمْلاَنٍ بَيْنَ ذِئَابٍ ” (لوقا10 :3). والجزء الثاني من قوله: ” وَلاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَلكِنَّ النَّفْسَ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهَا، بَلْ خَافُوا بِالْحَرِيِّ مِنَ الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ النَّفْسَ وَالْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّمَ ” (مت10 :28). 

(4) ويأخذ فكرة النص التالي من رومية: ” وصايا الرب. وإذ يكون للكل ذهن واحد، نجتمع مع بعضنا البعض لنربح الحياة. (17 :3)، من الآية التالية: ” مُهْتَمِّينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ اهْتِمَامًا وَاحِدًا ” (رو12 :16).

(5) ويأخذ نص الفقرة التالية (11 :7): ” فإن فعلنا ما هو برّ في عينيّ الله ندخل ملكوته ونتقبل المواعيد، ما لم تسمع به أذن ولم تره عين ولم يخطر على قلب إنسان “، من قوله: ” فَإِذْ لَنَا هذِهِ الْمَوَاعِيدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ لِنُطَهِّرْ ذَوَاتِنَا مِنْ كُلِّ دَنَسِ الْجَسَدِ وَالرُّوحِ ” (2كو7 :1). وقوله: ” بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ ” (1كو2 :9).

(6) ومن أفسس يأخذ فكرة الفقرة: ” على أي الأحوال لست أفترض أنكم تجهلون أن الكنيسة الحيّة هي جسد المسيح ” (14 :2). ” لِلْكَنِيسَةِ، الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ ” (أف22و23). وفكرة الفقرة: ” فإنّنا أحيانًا نمارس الشر لا شعوريًا بسبب تردّد ذهننا وعدم الإيمان الكامن في صدورنا، إذ صار فهمنا مظلمًا بسبب شهواتنا الباطلة. (19 :2)، من قوله: ” إِذْ هُمْ مُظْلِمُو الْفِكْرِ، وَمُتَجَنِّبُونَ عَنْ حَيَاةِ اللهِ لِسَبَبِ الْجَهْلِ الَّذِي فِيهِمْ ” (أف4 :18).

(7) ومن الرسالة إلى العبرانيين فكرة الفقرة: ” فإنه أمين هو الذي وعد، يهب المكافأة لكل أحد حسب أعماله (11 :6)، من قوله: ” لِنَتَمَسَّكْ بِإِقْرَارِ الرَّجَاءِ رَاسِخًا، لأَنَّ الَّذِي وَعَدَ هُوَ أَمِينٌ ” (عب10 :23).

(8) كما اقتبس نص الفقرة التالية: ” لأن المحبّة تستر كثرة من الخطايا ” (ف 16 :4)، حرفياً من 1 بطرس: ” لِتَكُنْ مَحَبَّتُكُمْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ شَدِيدَةً، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا ” (١بط٤ :٨).

وهنا نلاحظ أن كاتب الموعظة قد استخدم في موعظته على الأقل نصوص من ثمانية أسفار من العهد الجديد، على رأسها الإنجيل للقديس متى ثم الإنجيل للقديس لوقا. ولا يقلل من قيمة استخدامه لهذه الأسفار الثمانية استخدامه لنص من إنجيل المصريين المزيف الذي يشبه نص إنجيل توما المزيف، والذي يقول: ” لأنه عندما سأل شخص الرب نفسه متى يأتي أجاب: عندما يصير الاثنان واحدًا، والخارج كما الداخل، والذكر مع الأنثى ليس ذكرًا ولا أنثى “. والتي استخدمها القديس أكليمندس الإسكندري أيضاً، فهذا يدل على أنها كانت منتشرة بين الآباء لتشابهها من جهة الشكل وليس المضمون مع تعليم الرب يسوع المسيح[5].

 إقرأ أيضاً:

[1] J.B. Lightfoot: The Apostolic Fathers, Part 1, vol II.

[2] Richadson: Early Christian Fathers, 189.

[3] يوسابيوس 3 :38,4.

[4] كتاب ” مشاهير الرجال ” للقديس جيروم ف 15.

[5] Strom 3 : 13 : 92.

Exit mobile version