كيف يكون ما فعله آدم وحواء شرًا وهما لم يكونا قد أكلا من شجرة معرفة الخير والشر ؟

كيف يكون ما فعله آدم وحواء شرًا وهما لم يكونا قد أكلا من شجرة معرفة الخير والشر ؟

كيف يكون ما فعله آدم وحواء شر وهما لم يكونا قد أكلا من شجرة معرفة الخير والشر ؟

كيف يكون ما فعله آدم وحواء شر وهما لم يكونا قد أكلا من شجرة معرفة الخير والشر ؟ 

كيف يكون ما فعله آدم وحواء شر وهما لم يكونا قد أكلا من شجرة معرفة الخير والشر ؟

نعود إليكم أحبائنا متابعي فريق اللاهوت الدفاعي بطرح فكرة جديدة للمدعو “ميمو” في سلسلة “يوميات إرهابي هارب” وفكرته اليوم كالعادة ساذجة جداً، وهى بإختصار، الشجرة التي مُنعَ آدم أن يأكل منها إسمها “شجرة معرفة الخير والشر” وبالتالي، فإن قبل أن يأكل منها آدم  لم يكن يعرف الخير والشر، وبالتالي، طالما لا يعرف الخير والشر، فلا يمكن أن نحتسب عليه الأكل من الشجرة أنها شر، ولا أنها خطية، ومن هنا فلا يوجد خطية على آدم وحواء ولا هناك سقوط لآدم وحواء وتكون قصة الفداء كلها مجرد قصة غير صحيحة!

 

وللحقيقة ربما تبدو هذه الفكرة ذات وجاهة في باديء الأمر، لكن عند تفحصها لاهوتيا سيظْهَر مدى سذاجتها، حيث أنه لا يلزم آدم معرفة الخير من الشر كمعرفة مسبقة لكي تُحسب عليه خطية، لأن الخطية هنا هي عدم طاعة الله، فبغض النظر عن معرفته بالخير والشر، فهو عارف بالوصية التي قالها له الله بألا يأكل هو حواء من شجرة معرفة الخير والشر، فهذه هي الوصية، ويعرف أيضاً أن عدم تنفيذ الوصية جزاؤه عقاب معين وهو “موتاً تموت”، فالعقاب هنا ليس عن معرفته بشرٍ في ذاته في خبرته، بل عن مخالفة أمر إلهي يعرفه آدم جيداً بل وحواء أيضاً.

فالمشكلة ليست هي الأكل من الشجرة في ذاتها، فلا خطية في الأكل ذاته، بل الخطية في عدم طاعة الله والإستماع لحواء في مقابل رفض كلام الرب، ولنضرب مثلاً لكي نقرب لعقل محمود داود هذا الكلام، المثل: لو أن والد أحدكم قال له، إن وقفت على قديمك سأُخرجك من منزلي، فهنا الوصية كوصية هي الأمر المطلوب تنفيذه، وعدم تنفيذه في حد ذاته يعرضه للعقاب، على الرغم من أن الوقوف على القدم ليس شيئاً خاطئاً في ذاته، ولكن العقاب هو لعدم التنفيذ، فأن كان آدم لا يعلم الخير من الشر، فهو يعلم بالوصية، ولهذا فالعقاب كان على كسر الوصية، وهذا الكسر توصيفه “شر” أي “خطية”، لذا فلا حاجة لآدم وحواء أن يكونا عارفين بخبرة سابقة في الخطية لكي يميزوا أن هذه شر أو خير.

هذا الرد هو بحسب فكر ميمو البسيط عن “شجرة معرفة الخير والشر” و”الخطية الأصلية” و”العقاب” و”فساد الطبيعة” لكن، الأمر في اللاهوت المسيحي أعمق وأصح من هذا الذي يعرفه محمود داود بكثير جداً، لكنا آثرنا الرد على ما قاله محمود حتى وإن كان غير صحيح في المسيحية.

هل الحية لم تكذب على حواء وصدقت في كلامها ؟ ولماذا عوقبت على شئ لم تكن تعلم انه شئ ؟

0

كيف يرسل اله محب اناس للجحيم ؟

جهنم

ان الدينونة الالهية من منظور الملحدين تمثل واحدة من عقائد المسيحية الاكثر اثارة للاستياء والسخط ,فكثيرا ما يجدوا في الكتاب المقدس تعليم عن غضب الله والدينونة الاخيرة وعقيدة جهنم

اله الدينونة لا يمكن ان يوجد حقا

يرجع رفض فكرة الدينونة للملحدين الي المتعلقات الثقافية الغربية , اذ ان فكرة الدينونة تثير استيائهم وفي نفس اللحظة يجدون التسامح وتحويل الخد الاخر تعليما فاتنا , اما في المجتمعات الشرقية فتعليم تحويل الخد الاخر لا يعني شيئا على الاطلاق اذ يجدونه منافي بشأن ما هو صواب ومع ذلك يجدون ان فكرة وجود اله ديان لا تشكل لهم ايه مشكلة
فاذا افترضنا ان المسيحية هي بالفعل حق الله الذي يتخطى الحضارات ,فمن شأننا ان نتوقع ان المسيحية لابد ان تناقض وتعثر كل حضارة بشرية في نقطة ما ,لان الحضارات البشرية دائمة التغير وغير كاملة , فان كانت المسيحية هي الحق لابد ان تكون مغيظة لك ومصححة لتفكيرك في مكان ما , وربما في هذه النقطة : الدينونة الالهية

اله الدينونة لا يمكن ان يكون اله سلام

فهم يروا ان وجود اله ديان سيجعل المؤمنين به لن يقاربوا اعدائهم برغبة في التصالح معهم , فان كنت تؤمن باله يضرب من يفعل الشر ,فقد تحسبه امرا مبررا ان تقوم انت نفسك بشيء من الضرب !
العكس هو الصحيح , عدم وجود اله منتقم هو الذي يغذي العنف في الخفاء . ولكن توقعنا الي العدالة يلبي بطريقة شريفة لا تغذي تلهفنا الي الانتقام الدامي , فان كنت لا اؤمن بوجود اله سيضع الامور في نصبها الصحيح , فاني ساحمل السيف واغوص في دوامة الانتقام التي لا نهاية لها , اما اذا كنت على يقين بان ثمة الها سيقوم جميع المظالم ويسوي جميع الحسابات تماما فعندئذ فقط تكون لي القدرة على الاحجام عن الاخذ بالثأر , حتى اننا نرى هذه الحجة التي يستخدموها الملحدين تتناقض مع حجة اخرى يستخدموها الملحدين ايضا وهي ادعاء ماركس ان الدين افيون الشعوب , لان الوعد بحياة بعد الموت حمل الفقراء والطبقة العاملة على تحمل الظروف الاجتماعية الجائرة , فاذا اخذنا ان الالحاد هو الاعتقاد بالعدم بعد الموت , صار هذا ايضا افيونا للشعوب , فهو يبرر خيانتنا وجشعنا وجبننا وجرائم القتل التي ارتكبناها كلها , فعدم الايمان باله ديان يقضي الي الوحشية

اله الدينونة لا يمكن ان يكون اله محب

ربما فكرة اله الدينونة لا تحض على فعل الشر , ولكن مكافحة الشر والظلم شيء وارسال الناس الي جهنم شيء اخر
الصورة الممسوخة عن الجحيم تسيء فهم الشر حيث يصور الملحدون الجحيم بان الناس الذين لم يقوموا بالاختيارات الصحيحة سيطرحون في جهنم طوال الابدية واذ تهوى النفوس المسكية عبر الفضاء تصرخ طالية الرحمة , ولكن الله يقول : فات الاوان لقد اتيحت لك فرصتك والان تتعذبين
الصورة التي يبرزها الله في الكتاب المقدس هي ان الخطية تفصلنا عن حضرة الله التي هي مصدر كل فرح وكل محبة وحمة حقا , وكل امر صالح من اي نوع كان ولما كنا قد خلقنا اصلا للتمتع بحضرة الله مباشرة فامام وجهه فقط ننمو ونزهو ونحقق اقصى امكانياتنا فان حرمنا حضرته كليا كان ذلك هو جهنم , اي فقدان قدراتنا على بذل المحبة او الفرح او تلقيهما

كيف يمكن لاله صالح ان يرسل اناسا الي جهنم ؟

يفترض هذا السؤال ان الله يرسل الناس الي جهنم ضد ارادتهم ولكن هذا ليس صحيحا , الله يريد ان الجميع يخلصون (2بط9:3) لذا فان غير المخلصين هم الذين لا يريدون ان يخلصوا , كما عبر عن ذلك سي اس لويس c.s.lewis (ملحد سابق ) ” ان باب الجحيم مقفل على الذين هم في داخلها ” كل الذين يذهبون الي هناك ,يقصدونه باختيارهم الشخصي ,ثم يضيف لويس , هناك نوعان فقط من البشر في نهاية المطاف , اولئك الذين يقولون لله لتكن مشيئتك ,واولئك الذين يخاطبهم الله بالقول :لتكن مشيئتكم انتم , كل الذين في جهنم هم هناك باختيارهم ” , فوجود جهنم لم يكن ممكنا لولا وجود حرية الاختيار الشخصي

هل الله ليس عادلاً لتعذيب الناس للأبد من بعض الخطايا التي ارتكبوها في خلال حياتهم المحدودة ؟

هؤلاء الموجودون في جهنم ارتكبوا خطية غير محدودة وليست فقط بتلك البساطة مجموع من الخطايا الصغيرة . من خلال رفضهم لله معطي الحياة وواهبها . وأيضاً,فإن جهنم هي النتيجة المنطقية عند الوجود بعيداً عن الله , وليس فقط ببساطة خطايا فردية !,فالعقاب يلائم الجريمة , لاتريد أن تحصل على الله ,فلن تحصل عليه ,فهناك نوعين من الناس هؤلاء الذين يقولون لله “الى هنا قد تم ” وهؤلاء الذي سيقول لهم الله “الى  هنا قد تم

لكن اليس الناس الذين في جهنم يريدون فعلا أن يكونوا مع الله اذا علموا أن جهنم هي فعلاً كذلك؟

لا ,فهؤلاء الذين قاوموا الله على الارض سيكملون بقساوة قلوبهم كما ان هؤلاء الذين يتمتعون به سيكملون التمتع بالله وليس لدينا ولا تلميح للتوبة في جهنم بحسب الكتاب المقدس , التمرد والكراهية والانانية ستستمر , الرجل الغني في جهنم (لوقا 19:16-26) يصف صورة الاسى , ولكن ليس التائب الذي يريد التغير بل الراحة!

مشكلة الشر – ريتشارد سوينبيرن The Problem Of Evil Ricahrd Swinburne

مشكلة الشر – ريتشارد سوينبيرن The Problem Of Evil” [1] Ricahrd Swinburne

مشكلة الشر – ريتشارد سوينبيرن The Problem Of Evil” [1] Ricahrd Swinburne

الإيمان بالله (Theismهي النظرة إلى أن هناك إله، كليّ القدرة وكليّ المعرفة، وكامل الخير، وهي نظرة مشتركة بين المسيحيين واليهود والمسلمين).

 

وأقوى اعتراض ضد الإيمان بالله كان دائماً ذلك الاعتراض القائل بأن كائناً كامل الخير سيقوم بمنع المعاناة والأفعال الخاطئة، وكائنٌ كليّ القدرة ستكون لديه القدرة لفعل ذلك. وبما أن الجنس البشري يعاني كثيراً، فإن الله غير موجود.

ولدحض هذا الاعتراض، فإن المؤمن بالله، بالرغم أن “الله” كلي القدرة وكامل الخير أن يفسر لماذا يسمح للإنسان بأن يعاني.

ولتقديم تفسير كهذا، فإنك تقدم ما يسمى “ثيوديسيا” Theodicy. وفي هذه الورقة سأقدم تفسيري “الثيوديسيا” لمشكلة الشر، حيث أن تفسيري كما سأوضح سيكون مبنياً على تعاليم السيد المسيح، وتطوره في التقليد الأرثوذكسي.

إني أفهم أن الله ” كليّ القدرة” بأنه قادر على فعل أي شيء “ممكن منطقياً”، وعلى سبيل المثال فإنه يستطيع أن يزيل الكون في لحظة!، ولكن ليس أن يفعل شيئاً مستحيل منطقياً (أي شيء يمكن وصفه على أنه متناقض منطقياً) –على سبيل المثال فهو لا يستطيع أن يجعلني موجوداً وغير موجود في نفس الوقت. والسبب وراء أن الله لا يستطيع أن يفعل المستحيل منطقياً ليس لأن الله ضعيف بل لأن مثل هذه التعبيرات “أن يجعلني موجوداً وغير موجود في نفس الوقت” لا تصف أي شيء يثير حس المنطق !، فليس هنالك أي حالات من الأمور التي تتضمن أن الله “يجعلني موجوداً وغير موجود في نفس الوقت “.

وكون الله “كليّ المعرفة “، أستطيع أن أفهمه، أنه يعرف كل شيء ممكن منطقياً. وإذا لم يكن من الممكن منطقياً لأي أحد أن يعرف خياراتنا الحرة المستقبلية، فإن معرفة الله الكلية لن تتضمن تلك المنطقة من المعرفة. [2]

ولكن وبالتأكيد سيكون خيار الله أن يمنحنا حرية الإرادة، وبالتالي فإنه سيكون هناك نوع ما من محدودية المعرفة. وأستطيع أن افهم أنه كائن حرٌ بأن خياراته ليست محدودة، أو تتأثر بأي نوع من القوى غير المنطقية، كما هو الحال في الخيارات الإنسانية.

فالله يرغب في أن يفعل شيئاً فقط إذا كان يرى سبباً لفعل ذلك، أي أنه يعتقد بأنه شيءٌ جيد ليفعله.

فكونه كلي المعرفة، فإنه يستطيع معرفة ما إذا كانت الافعال جيدة أو هناك أفعال أفضل من غيرها.

فإذا كان هناك أفضل فعل واحد يستطيع القيام به في موقف ما فإنه سيقوم به. ولكن إذا كان هناك فعلين اثنين متعارضين ومتساويين أو أكثر(أي أنه إذا كان هناك فعلين أو اكثر متساويين في الخير وأفضل من أي أفعال ممكنة أخرى ) ففي ذلك الموقف، فإنه سيختار بينهم بلا سبب على الإطلاق (كما نقوم نحن إذا كنّا في نفس الموقف).

والله على أية حال يجب غالباً أن يكون في موقف لا نستطيع أن نكون فيه، كأن يكون هناك خيار بين عدد لا نهائي من الأفعال الممكنة، وكل واحد منها أقل خيراً من الافعال الاخرى التي يستطيع أن يفعلها.

فعلى سبيل المثال، الملائكة والكواكب أو الحيوانات آكلة العشب فإنها أشياء جيدة ­­، وبالتالي المزيد منهم فإنه يكون الافضل (حيث أن، بالنسبة لقضية الحيوانات، فإنها منتشرة في ما بين عدد لانهائي من الكواكب، حيث لا تكون مزدحمة في ما بينها). وبالتالي مهما كان عدد هذه المخلوقات التي يخلقها الله، فإنه من الافضل أن يخلق المزيد منهم. (وهو يبقى قادراً أن يخلق المزيد منهم، وحتى لو قام بخلق عدد لا نهائي منهم! ).

وينتج معنا من ذلك أننا يجب أن نفهم أن الله كونه كليّ الخير سيفعل أكبر قدر ممكن من الأفعال الخيرّة، ولا أفعال سيئة، وأفضل فعل ممكن (خير) إذا كان هناك واحد فقط. على عكس ما كان يعتقد لايبنتيز، فنحن لا نستطيع أن نفهم أن الله كليّ الخير بأن يصنع عالم الأفضل من العوالم الممكنة –حيث أنه لا يوجد “عالم الأفضل من العوالم الممكنة”best of all possible worlds، فأي عالم سيصنعه الله سيكون عالماً أفضل better world.

فمشكلة الشر إذا ليست مشكلة أن هذا العالم ليس الأفضل في العوالم الممكنة، ولكن المشكلة هي أنها تبدو وكأن الله يسمح بحدوث أو يُحدِث حالات من الأمور جوهرياً سيئة – المعاناة والأفعال الخاطئة.

والآن سأقوم بالمحاججة بأن فعل السماح بالشر أو حدوثه ليس فعلاً سيئا أو شرًا، طالما أن الظروف المتوفرة مُقنعة، وسأقترح بأن ذلك فعلاً متوفر في حالة الشر الموجودة في عالمنا. ومن هنا فإن الشر، المعاناة والأفعال الخاطئة والتي (بحكم قدرته الكلية) باستطاعته أن يمنعها إذا اختار ذلك، فإنها لن تشكل أي دليل ضد وجود الله.

فالإنسان جيد لسماحه ببعض الشر أن يحدث (أي أن يسمح لشخص بأن يعاني ). طالما أن هذا السماح هو الطريقة الوحيدة لينتج بها بعض الخير، وطالما بمقدوره أن ينتج خير من ذلك، طالما لديه الحق للسماح لذلك الشّر بالحصول ( مسموح له أخلاقياً لفعل ذلك). وطالما أن الخير هو خير لدرجة كافية للمجازفة بحدوث الشّر.

على سبيل المثال يمكن للوالدين أن يقوما بأخذ طفلهما لطبيب الاسنان وجعله يعاني من ألم حشو الاسنان، وذلك من أجل عواقب صحة أسنانه، طالما أن هذه هي الطريقة الوحيدة ليعزز فيها حالة الخير، وحيث أنه الوالد، فلديه هذا الحق ليفعل هذا بالطفل. الجملة الاخيرة مهمة، فلا أحد غريب لديه الحق أن يأخذ طفلاً إلى طبيب الاسنان ليملأ أسنانه بدون أن يأخذ الإذن من والدي الطفل. حتى ولو كان هذا يعزز من حالة الخير لديه!

والان نحن كجنس بشري لا نستطيع أن نعطي دائماً الطفل عناية صحية لأسنانه من دون أن يعاني الطفل، ولكن الله يستطيع. فالمستحيل منطقياً هو ما لا يستطيع فعله، فإذاً نستكمل من قضية المعاناة إلى قضية الشر بشكل عام ومن تلك القضية إلى قضية الله الذي يستطيع أن يفعل أي شيء ممكن منطقياً.

فأنا افترض أن الله يمكنه أن يسمح للشر (ش) [ E ] لأن يحدث ومتوافقاً مع كمال خيره، وطالما أن الأربع شروط متوفرة.

أولاً، يجب أن يكون الامر مستحيلاً منطقياً بالنسبة لله أن يأتي ببعض الخير (خ) [ G] بأي طريقة تكون مسموحة أخلاقياً الا بسماح (ش) (أو أي شر مساوِ) لأن يحدث. على سبيل المثال فإنه من المستحيل منطقياً على الله أن يعطينا حرية إرادة مطلقة (Libertarian Freewill) لنختار بين الخير والشّر (حرية إرادة أن نختار بين هذه بالرغم من كل المسببات المؤثرة والتي لها نحن خاضعون)، ولكن أيضاً أن يُسببنا لأن نختار الخير. فإنه من المستحيل منطقياً لله أن يأتي بخيرنا حيث نمتلك حرية إختيار بدون أن يسمح بِشرِّ الخيار السيء(إذا كان ذلك ما اخترناه). ثانياً، الله يمكن أن يأتي بالخير (خ).

وبالتالي إذا سمح بالشر من جراء اختيارنا السيء، فإنه من اللازم أن يعطينا حرية إرادة لنختار بين الجيد والسيء. ثالثاً، الله لديه الحق ليسمح بالشر بأن يحدث(أي أنه مسموح له أخلاقياً بأن يسمح للشر أن يحدث). وأخيرأ يجب أن يكون هناك نوع ما من الشرط المقارن متواجداً. وهو لا يمكن أن يكون أقوى من شرط (خ)، هو خير أفضل من (ش)، هو شر. وذلك واضح، أننا غالباً من نُسوَّغ justified، وذلك لنضمن حدوث خير جوهري وكبير بالمجازفة بحدوث شر أضخم.

وطريقة منطقية لتصور هذا الامر هو القول ان القيمة المتوقعة للسماح ب (ش) أن تحدث-حيث أن الله يمكن أن يأتي ب (خ)-هو امر ايجابي. (أو بشكل غير محكم قليلا، ان كمية الشر المحتملة التي يمكن أن تنتج من سماح (ش)أن يحدث هي أقل من الخير (خ) ). سأقوم بتلخيص هذا الادعاء، بالنسبة لبعض الشر (ش)، حيث أنه إذا كان هناك إله، فإنه يستطيع وبكل توافق مع كماله للخير، أن يسمح به [الشر] أن يحدث لينتج خيرا (خ)، وحيث ان الادعاء بأن (ش) تخدم لخير أكبر.

وبالتالي ينتج من أنه إذا كانت حالة الخير هي فقط ملذة وسرور حسي، فإن الله لن يكون مُبرراً في أي سماح للشر بأن يحدث في العالم. حيث انه ليس حتى الشرط الاول يمكن أن يتوفر بالنسبة لهذا الشر. فالله يمكنه أن يزيل كل أنواع الالم الحسي والبلايا والمحنة العقلية وأي شيء اخر خاطئ في العالم، وإعطاء الكائنات الحساسة sentient creatures (بما فيهم نحن) حالة لا نهائية من السعادة الحسية من ذلك النوع الذي يسببه-حسب ما أعرف- الهيروين.

وبالتالي فإن وجود شر هذا العالم سيعتمد بصورة قطعية ضد وجود الله. فإذن فإن الشخص المؤمن بالله theist عليه أن يدعي بأن هناك أكثر من حالات السعادة الحسية، والتي لا يمكن لله أن يأتي بها الا بسماح الشر أن يحدث.

والآن فإنه ليس من المنطقي لأن نفترض بأننا نعلم كل حالات الخير الممكنة والتي يفيد الشّرُ بها. وبالتالي فإنه يبدو أنه ليس هنالك أي عدم معقولية بالذي يؤمن بوجود الله ويدعي أن شرور العالم تفيد في خير أعظم، على الرغم من أنه لا يعرف في الجزء الاكبر ما هي. حيث أن هناك إله فإن هذه الشرور يجب أن تخدم في خير أعظم (وإلا فإن الله لن يسمح لهم بالحدوث).

وإذا كان لديك منطق قوي لأن تفترض أن هناك إله، فإن لديك منطق قوي لأن تفترض بأنها تفيد خيراً أكبر. فالمشكلة هي أنه يبدو لكثير من الناس لأول وهلة وبشكل واضح أن كثير من شرور العالم لا يمكنها أن تنتج خيراً أكبر، حيث يبدو للكثير من الناس أن الألم غير القابل للعلاج، أو القسوة على الاطفال، أو تجارة العبيد في القرن الثامن عشر، الخ.

 لا يمكنها أن تنتج أي خيرٍ أعظم، ليس بسبب أنهم يعلمون ماهي احتمالات الخير، ولكنهم يدعون أنهم يعرفون كفاية حتى يعلموا أن على أقل تقدير فإن أحد هذه الشروط لا يمكن تلبيتها بالنسبة لبعض الشرور –بأن الله ليس له الحق بأن يسمح لها بالحدوث في سبيل جني خير أكبر، أو أن الخير الذي يمكن أن يلبيه حدوث هذا الشّر لا يمكنه في الواقع أن يحدث (بالرغم، أنه بوجود الشّر يمكن الله أن يجلب خيراً).

فغالبية الناس، وحسب رؤيتي من ضمنهم المتدينين الذين لا يمتلكون ذلك الايمان الثابت بوجود الله، يميلون للاعتقاد لأول وهلة أن الكثير من شرور العالم لا يمكنها أن تأتي بأي خير أعظم –وبالتالي فإن وجود الشّر يُشكل حجة قويّة ضد وجود الله. فهذه الثيوديسيا هي لتلك النوعية من الناس.

[وجهه نظري اي ان كان هذا، بالرغم من انه يبدو لأول وهلة أن القضية هكذا فإن الأربعة شروط مُقنعة بكل أنواع الشر. وبالرغم من انه لا يمكنني أن اشرح ذلك بالتفصيل في ورقةٍ قصيرة. ولكن يمكنني ان أعطي سبب لهذا الاعتقاد بان هذه الشروط مُقنعة لبعض انواع الشر الرئيسية التي هي سبب في معاناة البشر، وذلك –اتمنى- سيجعل الامر معقولاً بأن هذه الحجة من الشّر ضد وجود الله غير نافعة.

سأبدأ بلفت الانتباه الى طرق لشرح اول شرط علي انه مُقنع لانواع عدة من الشر، وسأبدأ بالشّر الاخلاقي moral evil (وهو الشر سواء بتعمُد او بإهمال(بدون قصد) والذي يسببه البشر لبعضهم ). قد أشرت مسبقا ان دفاع الحريه التقليديه free will defense والتي تُشير الى ان حريه الاختيار المطلقة بين الشر والخير ( منطقيا) يُمكن أن تأتي للوجود عن طريق السماح للشخص أن بفعل الشّر.

ولكن حريه الاختيار التي لم تصنع أي فرق في العالم لن تكون ذات قيمه بقدر اختيار صنع فرقاً. انه لعظيم للبشرية ان يكون حريه الاختيار المطلقة التي تسمح لنا ان نمارس المسئوليه الحقيقيه تجاه البشر وهذا يتيح الفرصه إما لمساعدة الآخرين أو إيذائهم. الله لديه القدرة لمساعده او إيذاء البشر. لو كان هناك أشخاص اخرين أعطي لهم المشاركة في خلقه البديع فإنه من الممكن ان يكون جيداً لو شاركوه هذه القوة أيضاً ( حتي لو كانت في درجة أقل).

في عالم حيث يستطيع الاشخاص ان تستفيد من بعضها، ولكنها لا تستطيع ان تؤذي بعضها سيكون عالماً يمتلكون فيه قدرا محدود من المسئوليه تجاه بعضهم البعض.

إذا كانت مسئوليتي تجاهك مقتصرة بأن أعطيك أو لا أعطيك احدث موديل تليفون ولكن لا أستطيع ان أسبب لك الم، أو أوقف نموك او أحُدَّ من طموحاتك في التعليم فأنا بالتالي لا املك المسئولية الكاملة تجاهك. فالله الذي أعطي مسؤولية محدوده لبعض الاشخاص تجاه أقرانهم فإنه لم يعطهم الكثير.

فقد خصص الله لنفسه كل الاختيارات الهامة في كيف سيكون العالم وفي نفس الوقت قد اعطي للبشر خيارات محدده ليملئوا بعض التفاصيل. هو كالإب الذي طلب من ابنه الأكبر ان ينتبه لأخيه الأصغر ولكنه يبقى متابع لكل تحركاته ليتدخل في اللحظه التي يفعل فيها ابنه الكبير خطأ.

ربما الابن الأكبر عن استحقاق يرد بالعكس(بحجة معاكسة)، بينما سيكون هو سعيداً في مشاركته لأبيه في عمله، وكان من الممكن ان يفعل هذا فقط إذا تركه ابوه ليصدر أحكامه الشخصية بنفسه في ماذا سيفعل، مع وجود نطاق ملحوظ للخيارات المتوافرة لأبيه. الله العظيم كالاب الحسن سيفوض مثل هذه المسئوليه. ولكن لكي يسمح للمخلوق ان يشارك في الخلق، كان يجب على الله يعطي لهم الخيار علي الإيذاء والتشويه أو احباط الخطة الالهية.

وبالتالي بسماح هذا الايذاء والتشويه فإن الله يجعله ممكناً أن الخير الاعظم للبشر أن يختاروا بحرية ليستفيدوا من بعضهم (على أن يؤذوا بعضهم)وبالتالي يشاركون في خطة الله. فيسوع علمنا أنه حسن ان نساعد بعضنا بعضًا، قائلا’مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ’ [3]. ومرة اخرى :”فدعاهم يسوع وقال لهم: أنتم تعلمون أن الذين يحسبون رؤساء الأمم يسودونهم، وأن عظماءهم يتسلطون عليهم فلا يكون هكذا فيكم. بل من أراد أن يصير فيكم عظيما، يكون لكم خادما.

ومن أراد أن يصير فيكم أولا، يكون للجميع عبدا. لأن ابن الإنسان أيضا لم يأت ليخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين[4]. هذه الفقرة تربط بين العظمة والخدمة وتفهم أن العظمة تتألف من الخدمة.

ولكن اختيارات الانسان الحسنه ليست جيدة في ذاتها وفي مقتضى عواقبها الفورية. جميع اختيارات الانسان شخصية التكوين – كل اختيار صالح يجعل الاختيار التالي من السهل ان يكون صالح – ووالاشخاص يمكنهم تكوين شخصيتهم. وعلق أرسطو قائلا ” اننا نصبح أشخاص عادلين عندما نفعل أعمالا عادلة ونصبح حكماء عندما تكون أعمالنا حكيمة وشجعان عندما نقوم بأعمال شجاعة”[5]. ولذلك ان نعمل اعمال صالحة عندما يكون من الصعب فعلها – عندما تكون ضد طبيعتنا ( هذه هي رغبتنا) نحاول ان نفعل الصالح بطريقه أسهل في المره القادمه- ونستطيع تدريجيا ان نغير من إرادتنا ولذلك علي سبيل المثال يصبح قيامنا بأعمال صالحة طبيعه فينا.

و بذلك يمكن ان نحرر أنفسنا من الرغبة الاقل صلاحاً والتي ننتمي إليها. ولكن أيضاً الصالح داخلنا له حريه الاختيار من التكوين الشخصي ( اختيار نوع البشر الذين نريد ان نكون) يكون ( منطقيا)إذا كنا نملك الاراده في ان نفسد أنفسنا (و نصبح أشخاص سيئين).

يدعي سفر التكوين ان الانسان خلق على صورة الله[6] وقد فهم الاباء أن محور تلك الصورة اننا نملك الارادة. لو استعملناها في الطريق الصحيح سوف نطابق الله ونشابهه. وعلى سبيل المثال، في القرن الرابع كتب القديس اغريغوريس النيسي “الأسبقية بين جميع الجوانب في هذه الصوره حقيقة اننا أحرار من اي ضرورة وغير مرتبطين بأي قوة طبيعية ولكن نملك القرار في قوتنا الخاصه كما نريدها”[7].

في القرن الثامن كتب يوحنا الدمشقي ” ان كل إنسان قيل انه علي صورة الله فيما يتعلق بسمو فكره وروحه- يمكن ان نقول ان الخاصية في الانسان التي لايمكن ان تفحص بدقه او تلاحظ هي أنه خالد وموهوب بإراده حرة بمقتضى ما يحكمه أو يولده أو يبنيه[8].

وفي نهاية فتره آباء الكنيسه الأوليين في القرن الرابع عشر القديس غريغوريوس بالاماسGregory Palamas كتب ” انه ليس بمقتضى الجودة الطبيعية ولكن بمقتضى ما يحققه الفرد من خلال إرادته الحره وذلك الشخص قريب او بعيد عن الله”[9]. وأكد القديس غريغوريوس واخرين أيضاً ان الجزء الأعظم في روح الانسان في انها تملك القدره علي السلطة [10]. إن روح الانسان تراقب الكون كله وتضع كل شيء في اهتمامها[11]. وهذا بحسب مفاهيمي فإن مجد الإنسان ليس فقط في حرية إرادته ولكن مسئوليته في عواقب ممارسته لهذه الحريه.

و الان تخيل الشر الطبيعي natural evil وهو الشر الذي لا يستطيع الانسان منعه كالمعاناه من مرض من نوع لا يمكن علاجه –حتى الان-. والذي يُعرف ب دفاع “الدرجات العليا للخير” higher-order goods أن بعض الحريات ذات القيمه في الاختيار ممكنه فقط كرد للشرور. أستطيع ( منطقيا) ان اظهر شجاعة في تحمل معاناتي فقط اذا كنت أعاني ( حالة الشر).

رثائي لذاتي خلال معاناتي من مرض ما عندما أمر بتجربة تعطي لي فرصه أن أُظهر شجاعةً. لأنه من الجيد أن يكون لدينا الفرصة ( أحياناً) لعمل شيء نقاوم به التجربة لأنه بذلك نُظهر كاملَ تعهدنا للخير والصلاح. (الالتزام الذي لا نقوم بتنفيذه حينما يكون الاغراء بفعل عكسه ليس قويا ليس بالتزام كامل).

ومن الجيد أيضاً من خلال الأعمال الصالحة انه لدينا الفرصة ( أحيانا) لمساعدة الآخرين الذين يعانون والمحرومين من خلال تعاطفنا معهم ومساعدتنا لهم لاجتيازها. المساعده تبدو عظمتها وقت احتياجها وعندما يكون الفرد في معاناة وحرمان. ولكن أستطيع ( منطقيا) مساعدة الآخرين الذين يعانون فقط اذا كان هناك شر في معاناتهم. ففي هذه الحالات لو هنالك إله، يمكنه ان يقدم اختيارات حره جيده بأنواع معينه ما بين الخير والشر الذي – منطقيا- لا يمكن أن يمنحه لنا من غير أن يسمح بالشر (أو الشرور المتساوية في سوئها) أن يحدث.

او ربما انه الشيء الأخلاقي الوحيد المسموح به ليعطينا الحرية. يمكنه، هذا صحيح، أن يعطينا حرية اختيار مساعدة الآخرين او أن نرفض ذلك ( اختيار يمكنه بشكل معقول أن يسمح بإعلان التزامنا للخير أو الشر ) بدون احتمالية أي معاناة. لان الله قادر أن يصنع عالماً مخادعاً يبدو فيه الناس في الم شديد في حين أنهم لا يعانوا أي شيء. ولكن في هذا الموقف، أولاً لن يكون لدينا المسئولية تجاه الآخرين والتي تحسب جيدة، ثانيا غير مسموح أخلاقيا – من وجهة نظري- لله أن يصنع عالماً فيه الناس تساعد الاخرين لهدف جيد في حين أنهم لا يحتاجون مساعده علي الإطلاق.

فالله، إذا لم يكن يخدعنا ويعطينا الحرية في مساعدة أو عدم مساعدة لآخرين يجب أن يصنع عالم هؤلاء يعانون فيه فعليا. والسماح المجرد بالمعاناة التي سببها الشر الاخلاقي لن يعطي الاختيارات الكثير والتي من ضمنها مقاومة التجارب، ولذلك نحن بحاجه إلى مرض، حادث، أو ضعف سن الشيخوخة.

هذه المعاناة بركه للذي يعاني في تلك الفُرص التي تزوده أو تزودها بالعمل البطولي أو تكوين الشّخصية هي شيء ثابت في موضوع الروحانية في المسيحية الارثوذكسية. لذلك كتب القديس بطرس الدمشقي : 

” من خلال ما نحسبه معاناة نحصل علي الصبر التواضع والأمل في الفترة القادمة، والذي ندعوه معاناه اقصد أشياء كمرض، حزن، بلوى، ضعف، ضيقه غير مرغوب فيها، ظلام، إهمال، فقر، سوء حظ عام، الخوف من فقدان أحدهم، إهانة، حزن، أو عوز وغيرها”. [12]

هذه العطايا كما يدعوها القديس بطرس، تسمح لنا )لكن لا تجبرنا(، بالرد بالطريقة السليمة عليهم عن طريق أعمال الرحمة التي قد لا نجد فرصة للقيام بها في بعض الأحيان فالفقر هو الذي يتحمله الإنسان بصبر وشكر، والمرض هو أن يجوز للإنسان أن ينال إكليل الصبر وكل هذه العطايا تمنح الفرص للآخرين الذين لديهم العطايا المضادة للرد بالطريقة الصحيحة.

وكتب القديس بطرس أن الثراء يمكننا من عمل الرحمة وذكر أخيرا، ُ أنه لا يستطيع الغني خلاص نفسه والفرار من إغراءات الثروة بدون الفقير وتمكننا الصحة من مساعدة المحتاجين والقيام بأعمال تليق بالله.

إنه جيد أيضاً أن من بين الخيرات المتوفرة للبشر أن يكون الاختيار ليس مجرد مساعدة الآخرين للتغلب على الشرور الطبيعية مثل الأوبئة لكن أيضاً تخفيض عدد حدوث تلك الشرور في المستقبل، مثل الحماية من الأمراض، ولكن لكي نحصل على هذا الاختيار، نحتاج إلى معرفة أسباب الشرور.

الطريقة العادية ( دعم العلماء دعماً مالياً عن طريق الآخرين ) التي نحاول بها اكتشاف تلك الأمور هي الطريقة الاستقرائية التي نسعى لاكتشافها بالعمليات الطبيعية مثل البكتيريا، الفيروسات وغيرها، ومن ثم بناء النظريات ومزيد من النظريات الآلية بها، لكن العلماء لا يستطيعون العمل بها إلا إذا كان هناك عمليات منتظمة لعرض المرض، وأيضاً دراسته تحت مناخ انتشار المرض بين كثير من السكان والعكس عن أسباب عدم انتشار المرض بينهم، لذلك من أجل الاختيار الجيد لهذا البحث، (أو بدلاً من إزعاجه بالبحث)، فهناك شر لابد منه وهو المرض الفعلي.

فإذا كان لدى البشر فرصة عظيمة لتكريس حياتهم للبحث العلمي لفائدة أو لصالح الإنسان وإن كان ذلك لن يزعجهم لابد من وجود من يعانون الأمراض لجعل ذلك ممكنا.

كثيراً من الآباء المسيحيين الأولين قد رأوا العقلانية (إمكانية تتبع ذلك البحث العلمي كمثال نموذجي) مع الإرادة الحرة هم الشيئان اللذين يمتلكهما الإنسان يشكلان صنع الإنسان كصورة الله ومثاله.

وبالتالي كتب القديس يوحنا الدمشقي أن الله يخلق بيديه الإنسان بطبيعة مرئية وأخرى غير مرئية، وعلى صورته ومثاله: من ناحية صنع الله الإنسان من الأرض بيديه، ومن ناحية أخرى خلق له روح المنطق والتفكير… إن عبارة “على صورته” تشير بوضوح إلى جانب طبيعته التي تتكون من العقل والإرادة الحرة، في حين أن “وعلى مثاله” يعني التشابه في الفضيلة بقدر الإمكان “[13].

كذلك، قد تسأل، أليس من الأفضل إذا انبت الله فينا المعتقدات الحقيقية القوية عن أسباب جميع الأمراض وغيرها من الشرور الطبيعية، ومن ثم يتركنا لاختيار أو عدم اختيار علاجهم؟ أليس وجود فرصة لممارسة العقلانية في الطريقة الاستقرائية يستحق هذا الثمن؟ ولكن إذا ألغى الله ضرورة البحث العقلاني وقدم لنا معتقدات حقيقية قوية عن أسباب الأشياء والتي من شأنها تقليل صعوبة اتخاذ القرارات الأخلاقية بشكل كبير، وتسهيله لدرجة كبيرة لنا لإظهار الالتزام التام بالصلاح وصنع الشخصيات البطولية.

رغم أن معظم القرارات الأخلاقية هي القرارات التي اتخذت في حالة اللا يقين بشأن عواقب أفعالنا في العالم الفعلي. إلا إني لا أعرف على وجه اليقين أنه إذا كنت أدخن، سأصاب بالسرطان؛ أو أن لا أعطي مالاً للأعمال الخيرية، سيموت الناس جوعا. لذلك يجب علينا اتخاذ القرارات الأخلاقية على أساس كيفية احتمالها وأن أفعالنا سيكون لها نتائج مختلفة، كيفية احتمال أني قد أصاب بالسرطان إذا استمررت في التدخين (على خلاف ذلك لا أصاب بالسرطان)، أو احتمالية أن شخص ما سوف يموت جوعا إذا كنت لا أتصدق (حيث انه لن يموت جوعا على خلاف ذلك(

هذه القرارات في ظل عدم اليقين ليست مجرد قرارات أخلاقيةعادية، بل إنها حقاً صعبة، حينما كان تقييمها أيضاً صعباً، إلا إنه من السهل إقناع ذاتك أن من الصواب أخذ الفرصة حتى تقل الأضرار المحتمل حدوثها عند طلب القرار( هذا هو القرار الذي يجب عليك العزم عليه بشدة). وأيضاً، إذا واجهت التقدير الصحيح للاحتمالات وحسن التفاني الحقيقي الظاهر في العمل فإن على الرغم من احتمال أن ذلك أفضل عمل فقد لا يحصل على النتائج الجيدة على الإطلاق.

لذلك من أجل إعطاء الفرصة لنا للتعامل مع جميع المسائل الهامة من خلال ممارسة العقلانية وأيضاً لكي تعطينا الفرصة لإظهار التزامنا الشديد بالخير بجعل اختيارنا في حالة عدم اليقين، أمر جيد أن الله لا يجعلنا نولد بمعتقدات حقيقية قوية عن نتائج أفعالنا، وهكذا ينبغي أن يكون لدينا الفرصة لاختيار السعي أو عدم السعي إلى المزيد من معرفة معينة عن نتائج أفعالنا، والتي سوف تشمل الحصول على المزيد من المعلومات حول عواقب الأحداث، مثال ذلك، معلومات من الماضي عن ما حدث للمدخنين الذين تجاهلوا معلومة أن التدخين يسبب السرطان، ساعين نحو معرفة معينة وهي في كلمات أخرى تشمل إعادة الاعتماد المعنى بالاستقراء العادي والذي يتطلب وجود الشرور الطبيعية.

وماذا بعد عن المعيار (2)؟ لقد تبين لي أهمية تعدد أنواع الشر لممارسة الإرادة الحرة المطلقة أو التحررية التي تصنع اختلافات هامة بين بعضنا البعض، وأيضاً بين العالم، لكن، هل لدينا حقا الإرادة الحرة المطلقة في هذا المعنى من الحرية لاختيار ما يجب القيام به، في ضوء كل التأثيرات التي تؤثر علينا، مثل اختيارنا الذي يجعل هنالك اختلافاً للحالات العقلية وبالتالي الافعال التي نقوم بها في الملأ؟ حيث نقوم باختياراتنا التي تبدو لنا أنها كاختيارنا وأنها المبدأ الأساسي المنطقي، الذي يجعل من المحتمل أن تكون الأمور كما تبدو في غياب المنطق المناقض له.

لا أعتقد أن هناك أي سبب مبرر لإنكار أن تكون الأمور كما هي تبدو لنا في هذا الصدد. وكان من المتداول إدعاءُ أن العلوم قد أظهرت أن الطبيعة تتبع الحتمية فلذلك يجب أن يكون خياراتنا مُسببة، حتى لو كان العلم قد تبين حدوث هذا في العالم المادي (العام)، فإن وصفاً شاملاً لما في العالم يجب أن يشمل الأحداث العقلية (التى هي كل من الأحاسيس، والأفكار والنوايا،…. ألخ).

إن الأحداث العقلية هي مختلفة جدا عن الاحداث المادية (وتشمل أحداث الدماغ التي تتصل بالعديد من الوقائع العقلية)، وبالتالي فإنه غير مبرر تماماً للمحاججة من حتمية الطبيعة المادية إلى أي حتمية في الطبيعة العقلية.

ولكن بعد ذلك، قد يُدّعى أن العلم قد أشار أن الواقع المادي مغلق، وهذا يعني أن الأحداث المادية هي السبب وهي بدورها مُسببة من قبل أحداث مادية فقط، وحتى إذا كانت إرادتنا حرة فإنها لا تؤثر في العالم.

ولكن العلوم لم تظهر أي شيء من هذا القبيل، ومن الواضح تماما أن أحداث الدماغ (الجسدي) تسبب الأحداث العقلية-إذا وخزت إبرة في فإنى أشعر بألم، فعلى قدم المساواة وبشكل واضح تقريبا أن تحدث الأحداث العقلية تأثيرا على الأحداث الجسدية- الذي يجعلني أقول لكم عن شعوري بالألم (حدث جسدي) هو ألمي ( الذي هو حدث عقلي[أي ليس مادي])

وهذا واضح بيّن في كل منا حسب حالته؛وإذا لم نعتقد ذلك، فلن يكون لدينا أي سبب أن نصدق ما يقوله الناس عن حياتهم العقلية mental lifeلأنهم سيكونون مُسببين لينطقوا الالفاظ التي يريدون، ليس فقط عند حصول الالم، ولكن فقط من بعض حالات الدماغ التي لا نملك أي سبب لربطها بالالم. فالعالم الواقع ليس مُغلقاً، ومن ناحية أخرى، وفقاً لما أعتقد فيكون الرأي الغالب بين علماء الفيزياء، أن نظرية الكم قد أظهرت على المستوى الدقيق [الذري] أن العالم المادي ليس محدداً deterministic على الإطلاق.

بينما يجوز الحتمية على المقياس الصغير[الذري] بطريقة عادية تتساوى على النطاق الكبير (إذا كل ذرة لديها فرصة 50٪ من الاضمحلال في فترة معينة، فإن ما يقرب من نصف كتلة متوسطة الحجم من تلك الذرات سوف تضمحل خلال تلك الفترة)

فمن السهل جداً بناء نظام على نطاق دقيق له تغييرات لاحتمية تقدم تأثيراً للنطاق الاكبر، يشبه العقل نظام أشبه بذلك النوع الذي فيه التغييرات الضئيلة تضخمت بشكل كبير.

في هذه الحالة أن أي حدث للعالم العقلي على الدماغ سوف لا يعطل عملية القوانين الفيزيائية الطبيعية التي هي قوانين نظرية الكم. لذلك استنتجت، أنه حتى ولو كان هذا الموضوع ليس مؤكداً، فإن من المعقول أن نفترض غياب الأدلة العكسية أن لدينا إرادة حرة تحررية وأن ممارستنا لها يؤثر على ما نقوم به في العالم العلني.

ولكن إذا كنت مخطئا وليس لدينا إرادة حرة تحررية فعالة، ستكون بعض من حججي اللاحقة لن تكون مقنعة[14] نظراً إلى أننا لدينا إرادة حرة تحررية، فمن المؤكد أنها إرادة حرة مسئولة-كما أوضحت أن أعمالنا لها تأثير كبير على أنفسنا وعلى بعضنا البعض وبالتالي لدينا مسئولية خطيرة لأنفسنا وبعضنا البعض.

 

إذاً بالنظر إلى وجود خيرات وشرور في الحالة (1) وفي الحالة (2)، فماذا عن الحالة (3) ؟

هل يملك الله الحق ليُسبب أو ليسمح للشر أن يحدث للبشر من أجل خير أعظم؟ المشكلة قد تبدو أكثر حدة من ذلك في كثير من الحالات. بما في ذلك ما تم ذكره أعلاه، صلاح لفرد واحد حدث عن طريق الشر يعاني منه أفراد آخرين. هل يملك الله الحق أن يجعلك تُعاني من أجل منفعتي؟

أن تسمح لشخص أن يعاني من أجل منفعته الشخصية أو من أجل منفعة شخص آخر، على المرء أن يكون بعلاقة أبوية تجاهه. أنا ليس لدي الحق في السماح لشخص غريب، (شخص اسمه جو بلوجز) Joe Bloggs، أن يُعاني من أجل منفعته أو من أجل منفعة(بيل سنوجز) Bill Snoggs، ولكني أملك بعض الحق بذلك فيما يتعلق تجاه أولادي. قد اسمح لابني أن يُعاني بعض الشيء من أجل مصلحته، أو من أجل مصلحة أخاه الأكبر – فقد أُوكل الأخ الأصغر لرعاية مؤقتة للأخ الأكبر، مع احتمالية أن الأخ الأكبر قد يؤذي الأخ الأصغر.

أو قد أُرسل ابنتي إلى مدرسة الحي التي قد لا تستمتع بها كثيراً، ولكن هذا سيعود بالنفع على الآخرين من الحي. أنا أملك مثل هذا الحق فيما يتعلق بأولادي، والسبب هو أنني –ولو بجزء بسيط- مسئول عن حياة أولادي وعن أشياء أخرى. إنه بسبب أن الأب (وليس بالضرورة الأب البيولوجي ولكن أيضاً قد يكون الأب المُربي) هو مصدر الكثير من الخير للابن الذي من حقه أن يأخذ شيء منه (أو ما يعادله) إن كان ضرورياً. (على سبيل المثال، وجود جوانب سيئة في الحياة بشكل من الأشكال) لو استطاع الابن أن يتفهم، سيفهم أن الأب يُعطي حياة، غذاء وتعليم، بعض الهدايا المقدور عليها.

إن كان هذا صحيح، إذاً من باب أولى، فالله الذي هو، بحكم الفرضية، مصدر أكبر بكثير لوجودنا من آباءنا، لديه الكثير من الحقوق في هذا الصدد. لأننا نعتمد عليه كلياً من لحظة لأخرى، وقدرة الآباء والأمهات وغيرهم لإفادتنا تعتمد عليه. لكن يجب أن تبقى قضية أن حقوق الله مقتصرة أو محدودة بحالة أنه، ومع مرور الوقت، لا يجب أن يأخذ أكثر مما يعطي. لا بد له أن يكون مُحسن بشكل متوازن.

لكن هناك نظرة في الكثير من الأحيان إلى أن الشر أكثر من الخير في الحياة، والتي تجعلنا نقول أنه كان من الأفضل لهذا الشخص لو لم يكن على قيد الحياة أساساً. أنا أحث بكل الأحوال على أن هذا تقييم خاطئ لحياة أشخاص كثر. لأنه لا يأخذ بعين الاعتبار الخيرات التي لحد الآن لم أذكرها – خيرات أن تكون مفيد للآخرين. أنه لأمر جيد وهائل لأي شخص أن يكون مُفيد للآخرين- سواء من خلال ما يقومون به بإرادة حُرة، أو بشكل إلزامي أو عن طريق ما يحدث لهم، بما في ذلك الأشياء التي يعانون منها.

من الواضح أن مساعدة شخص بإرادة حرة هو عمل خيّر وعظيم للمُساعد. نحن عادةً نُساعد السجناء، ليس من خلال منحهم أماكن مُريحة أكثر، ولكن من خلال السماح لهم بمُساعدة المعاقين؛ والشفقة بدلاً من الحسد “الفتاة المسكينة الصغيرة الغنيّة” التي تملك كل شيء ولا تُساعد أي أحد. وظاهرة واحدة سائدة في أوروبا الغربية المعاصرة في السنوات الأخيرة توجه انتباهنا إلى هذا الخير- شر البطالة.

بسبب أنظمتنا للضمان الاجتماعي، فإن العاطلين عن العمل بشكل عام، لديهم المال الكافي للعيش من دون الانزعاج كثيراً. بالتأكيد هم أفضل حالاً من الكثير من العمال في أفريقيا أو آسيا أو بريطانيا بالقرن التاسع عشر.

إن الشر الموجود في بطالة أوروبا الغربية المعاصرة لا يُشكل أي نوع من أنواع الفقر لهم وإنما عدم الجدوى والاستفادة من وجودهم. فهم غالباً ما يُخبرون عن شعورهم بعدم القيمة والفائدة من المجتمع، ” كومة من الخردة” إنهم بحق يعتقدون أنه سيكون أفضل لهم للمساهمة، ولكن لا يستطيعون.

إنه ليس فقط الأعمال الإرادية مُختارة بحُرية، وإنما أيضاً الأعمال التي تؤدى بشكل إلزامي. والتي لها عواقب جيدة للآخرين وتشكل أيضاً خيراً بالنسبة لأولئك الذين يؤدونها. لو كان العاطلون عن العمل مُجبرين لعمل بعض الأشياء المفيدة، سيكونون بالتأكيد محقين باعتبار هذا الشيء جيد بالنسبة لهم بالمقارنة بالشعور بعدم الفائدة منهم. وليس فقط الأعمال الإرادية وإنما الخبرة التي خضعوا لها مُجبرين. (أو تقليص التجارب الجيدة الغير طوعية، كإعدامها) التي لها عواقب جيدة والتي تشكل أمراً جيد لمن يملكها. (حتى لو أن خيراً أقل من ذاك الذي تم بإرادة حُرة مشكلاً هذه النتائج).

ضع بعين الاعتبار المجند الذي قُتل بنهاية حرب ناجحة مدافعاً عن بلاده ضد المعتدي المستبد. تقريباً جميع الشعوب، بصرف النظر عن أولئك من العالم الغربي من عصرنا، اعتبروا أنه أمر عظيم أن يموت الشخص من أجل بلده. حتى ولو كان الشخص مجنداً بشكل إلزامي. ضع بعين الاعتبار أيضاً شخصاً جُرح أو قُتل بحادث، وأن هذا الحادث قد أدى لإجراء بعض الإصلاحات لمنع وقوع حوادث مماثلة له في المستقبل (مثلاً، شخص قُتل بحادث تحطم للسكك الحديدية، نتج عنه تركيب نظام جديد للسكك الحديدية والذي من شأنه أن يمنع حوادث مماثلة في المستقبل).

 

الضحية وأقربائه غالباً ما يُعلقون على مثل هذه الحالات على أنه بنهاية المطاف لم يُعاني أو يمت هدراً. على الرغم من أنهم عادةً لا يزالون يعتبرون أن المعاناة أو الموت نتيجة لتوازن الشر، فإنهم قد يعتبروا هذا مصيبة أكبر للضحية. (بصرف النظر تماماً عن عواقبه بالنسبة للآخرين). إن كانت معاناته أو موته لم تخدم غرض مفيد. إنه أمر جيد بالنسبة لنا لو أن خبراتنا لا تضع سداً وإنما أن تستخدم لفائدة الآخرين، إن كانت وسائل صالحة، فإنها لن تأتي للآخرين من دونهم.

قد يعترض أحدهم ويقول أن مصلحة الشخص لا تكمن (مثلا) بموته بتصادم سكك حديدية والذي من شأنه تحديث وتطوير معايير السلامة لاحقاً، ولكن الموت في حادث تحطم السكك الحديدية عندما تعلم أن معايير تحسين السلامة ستنتج؛ وبشكل عام، أن الخير هو التجربة (الشعور بالخير) التي تم استخدامها. ولكن هذا لا يمكن أن يكون صحيحاً، أن يكون شخصاً ما سعيداً عندما يعلم أن معاناة شخص (أو أياً كان) كان لها تأثير جيد. وهي ليست أنه لم يتعلمها بل ولكن أنه بالحقيقة لها تأثير جيد.

 

“. لو لم يفكر احد كذلك- سواء أكان احدٌ يعلم عنها أم لا- انه من الجيد أن المعاناة يكون لها بعض التأثير، فهناك من لا يكون مسرورًا بها عندما يتعلم أنها كذلك. للقيام بتشبيه- بسبب أني اعلم انه من الجيد أن تجتاز من امتحاناتك حتى لو لم اعلم عنها. ولكن سأكون مسرورًا عند معرفتي بها.

وهكذا عموما، انه حسن أيضاً ان يعتقد الفرد ان معاناة شخص لها تأثير جيد، ولكن هذا لان لها تأثير جيد في ذاتها. وان كان هناك شيء جيد عندما يعرفها شخص ليس لها فقط استفادات اخرى بطريقة ما ولكن بمعاناة الشخص نفسه هو الذي يكون سببا في هذا التأثير، وبعد ذلك يكون هذا جيداً حتى لو لم يعلم عنها شيء.

 

ويتبع من ذلك من ان تكون مستخدماً يكون هذا خير عظيم فحين يسمح الله بشيء سيء يحدث ل “ب” ( مثلا جعل “ب” في معاناة) من اجل أن يقدم شيء جيد إلى “أ” ( مثلا حرية الاختيار في كيف تتعامل مع هذه المعاناة) فان “ب” يستفيد أيضاً – فحياته لا يضيعها بل هو مستخدم أيضاً ( سواء من خلال تحمله شيء سيء او استعداده لعمل ما). هو في استخدام ل “أ” وأيضاً مستخدم في يد الله، يقوم بدور مهم في إرادة الله لـ “أ”.

و كونك مستخدم في الفداء لخليقته لهو خير عظيم. الجوع، والاضطهاد، وسوء المعاملة مفيد بالنسبة للأغنياء الذين يظهرون من على عتبة أبوابهم[الفقراء] لأنه – بالنسبه لهم- الغناء غير مستعمل وغير مفيد. انهم محرك يمكن بواسطته أن ينقذوا الأغنياء من الانغماس في الملذات وتعلم السخاء في العطاء. وبذلك يكونوا أداه استعمال في يد الله.

عندما يأخذ الفرد في الاعتبار أن الذين يمتلكون هذه الحالات من الامور الشريرة التي تحمل الشيء الجيد للآخرين ( وبالطبع أحيانا لأنفسهم) وسيحصلون علي فوائد عديدة، أصبح منطقياً أن تفرض أن الله لديه الحق في أن يسبب الشر. حيث أنه مهما كنت توزن الواحد ضد الاخر فالشر يحمل الجيد في ان تكون مستعمل. ، والذي يساهم في ان يجعل حياة الضحية بشكل متوازن هو جيد.

نفسه الذي يجعل ان الله له القدرة في وجود بعض الشر. ولكن يجب ان أضيف لو ان هناك اي حياة علي الارض في توازن سيء فإن الله قادر ان يعوض عن هذا السوء في الآخرة وبذلك يكون مجموع حياة الفرد في توازن جيد. هو في قدرته علي كل شيء يمكن ان يفعل هذا.

وهذا جيد لنا، ليس فقط لو اخترنا بحريتنا ان نخدم الآخرين او نخدم الله، ولكن نحن في لفائدة الآخرين او الله عندما نعاني هي الفكره الرئيسيه في العهد الجديد. في مواضع كثيرة تعلمنا ان الذين يعانون من اجل اختيارهم اسم المسيح لهم حظ في ان ينالوا دور بارز عند استعلان الإنجيل. الرسل اضطهدوا من اجل تبشيرهم بالانجيل وابتهجوا بأنهم حُسبوا أهلاً لأن يعانوا من أجل اسمه [15]

 قائلا انه لايحسب الاضطهاد من اجل اسم المسيح شيئا امام المجد المعد لنا. معلمنا بولس الرسول كتب الي كولوسي انه “تهلل” في الاضطهاد الذي عاناه من اجلهم. [16]

اخيرا وصلت الى الشرط المقارن الرابع. من الممكن لاحد ان يوافقني ان الذي يريد هذا القدر الكبير من الشرور المتنوعة من اجل إتاحة الفرصه لأشياء جيدة. وربما يشعر بان هناك اكثر من اللازم من الشرور في العالم لتجعل الخير ممكنا. ليس هناك خير تم من خلال هوريشيما، تجارة العبيد، زلزال لشبونة، او الموت الاسود[17]، يزعم المعترض.

وفي هذا الاعتراض انه لو كان هناك اله، فهو قد قام بأكثر من اللازم، اشعر بتعاطف أولي مُعتبر. وعندما أقوم الان بتبرير سبب قيام الله بكل هذا، اتمني منك ان لا تعتبرني قاسياً. انه لشيء فظيع، وعندما تحدث لأفراد يجب ان نشجب. ولكن في أوقات الهدوء ( واتمني ان هذه الان واحده منهم ) يحب ان نحلل كل المواضيع العقليه بمحايدة تامة علي قدر ما نستطيع، ونأخذ بجدية، الخير الذي جعله الشر ممكنا.

ما الذي جعل هذه الشرور ضخمة الا “عدد” الأفراد المتضررين !. ولكن لو كل مصاب من ألوف من المتضررين تكون شروطي الاربعة مكتفية بذلك. ويكون الألف المتضررين، بحيث تكون الشروط، أيضاً مُقنعة.

بحيث أن مصاب مقعد في زلزال ليشبونه يتيح له ان يظهر شجاعة، واقربائه الذين لديهم الفرصه للتعاطف ومساعدته والآلاف من الأفراد المقعدين قدموا له أيضاً مساعده. فكل أضافه صغيرة للمصابين يتيح الفرصه للذي يمكنه القيام باختيارات جيده. وكل نقص في المصابين ينقص من عدد الذين يمكنهم القيام باختيارات جيده. ربما هناك نوع جديد من الشر( غير المعاناة) له اثر لو كل الجماعه شعرت بالمعاناة وليس فقط الأعضاء.

لو هذا هو الحال – مثلا، ان جماعه بكل تقاليدها تتوقف عن الوجود فإن هذا شر اضافي على معاناة الافراد- احيانا يكون الحال ان كمية كبيرة من الشر تعطي فرص اضافيه من اجل استجابات جيدة ( بخلاف الفرص المتاحه للأفراد الذين يعانون) كحملات عالميه لمساعدة الضحايا ( كما حدث في تاسونامي اسيا)، كذلك حملات تمنع الرعب من ان يحدث مره اخري( كالرعب بسبب إعصار كاترين في نيو اورلاند كان سبب في حملات من اجل العديد من التحسينات لمواجهة الفيضانات). “

 

أحيانأتكون المشكلةمع بالغ الشرور هي ليست عدد الذين يعانون ولكن هي درجة المعاناة. فإذ كان هناك إله، أفلا تكون المعاناة التي يأمر بها أو يسمح للآخرين بفرضها بعض الأحيان قاسية جداً من أجل العمل الصالح؟، لكن لا يهم كثيراً إذا حدث الشر الاقل فسوف لايهم كثيراُ إذا تم تجاهلها.

من خلال الشرور التي تحدث، يجبر الله الناس التي سمحت لأنفسها عيش حياة سهلة، (ولذا يصبح عدم الإحساس بكثير من المطالب الأدبية العادية) الخيارات الصعبة الوحيدة (تعطى السبات[18] الأدبي)وحدها التي ستسمح لهم بالبدء لكي يصبحوا شعباً مقدساً بدلا من السعى إلى أنانية غير الإنسانية، لذلك يرى كثير من الناس العاديين الأنانيين شرور التعذيب الخطيرة والأمراض المؤلمة للغاية التي تجعلهم ينتقلون إلى إختيار هذا التغير الحياتى ( حيث أن عدم وجود الشرور العادية لا تجعله ينتقلون هكذا) وأخيراً بتلك الخيارات يصبحون قديسيين.

ما يقول به المعترض هو، انه ينبغي وجود الأمراض، لكن ليست التى تشوه أو تقتل والحوادث التي تعوق الناس لمدة سنة أو أثنين وليس لمدى الحياة، ينبغيأننتمكن من أن نصيب بعضنا بالألم أولانساعدبعضناالبعضلننال المعرفةبدون تدمير شخصيتنا أو بعضنا البعض. وينبغي أن يقتصر تأثيرها على الذين نتواصل معهم، كما ينبغي عدم إمكانية تأثيرها على الأجيال البعيدة الصالحة أو الطالحة. وينبغي أن تكون معظم معتقداتنا عن كيفية حدوث تأثيرات صالحة أو شريرة، هى تلك المعتقدات التى ولدنا بها.

قد يكون هذا العالم لعبة عالمية عالم يؤثر على الأشياء لكن ليس تأثيراُ شديداً، بينما نستطيع أن نختار، ويمكن أن يحدث اختيارنا تأثيراًضئيلاًولكنتبقىالخياراتالحقيقيةلله. ويسأل المعترضين الله: انه ينبغي ان لا يشاء الله ان يكون طيب القلب ويجعلنا نثق بعالمه ولا يعطينا الفرص العارضة لإظهار أنفسنا في أفضل بطولة.

 

قال المعارضين إنه من المؤكد أن هناك حد للمعاناة التى تجعل من الممكن أن يبررها الله بهدف العمل الصالح. نعم يوجد هذا الحد بطبيعة الحال، ويوجد أيضاً حد للكم الفعلى من المعاناة التي يعانيها أى انسان (ماعدا التي يختارها بنفسه). يوجد حدً للوقت-هذه الأيام، وهو ما يقرب من ثمانون عاماً. ويوجد بوضوح أيضاً حد للشدة. فما يجب ان يزعم إليه المعترض هو شدة إتساع الحد الفعلي- إذا فهناك اله يطلب الكثير منا.

ومع ذلك عندما يبدأ أحد أخذ في الاعتبارالفوائدالعظيمة، التي ناقشتها سابقاً أن ألم المتألم ميزة لإعطاء الآخرين فرصة مساعدته وميزة أيضاً لنفسه ليكون لديه الإختيار الحر بكيفية التعامل مع معاناته وبدء تكوين الشخصية المقدسة. ثم بدأت أن أؤمنبالصحة البالغةفى إدعاء أن الإمتيازات المتوقعة من الله تسمح بأن الكمية ودرجة حدوث الألم الذي حدث بالفعل يفوق شر المعاناة.

 

اسمحوا لي بمساعدتكم على رؤية هذا الفكر من خلال تجربة صغيرة قد تكون مألوفة لدى أحد منكم ممن قرأها في أي من كتاباتي الأخرى. أولاً لنفترض أنك موجود فى عالم آخر، قبل ولادتك في هذا العالم ولديك الخيار لأن تختار الحياة هنا، وقالوا لك انك ستكون حياتك قصيرة وربما تكون لدقائق بالرغم من انها ستكون حياة بالغين بمعنى أن سيكون لديك صفات البالغين في ثراء المشاعر والإعتقاد.

لكن لديك أن تختار نوع الحياة التى ترغب العيش بها، يمكنك اختيار إما الحياة لبضع دقائق سعيدة جداً، من نوع إنتاج بعض المخدرات مثل الهيروين، التي تكابدها بنفسك ولا تؤثر إطلاقاً على من في العالم ( على سبيل المثال لن يعلم بها أحد غيرك) أو أن تختار حياة شديدة الألم مثل ألم الولادة (لا تعلمه في وقت الألم) التي سيكون لها بعد هذا آثار كبيرة جيدة على الآخرين على مدى عدة سنوات بعد الولادة.

قيل لك أنه إذ لم تختار الاختيار الثاني هؤلاء الآخرين لن يعيشوا ولذلك أنت لست تحت الإلتزام الأخلاقي لتختار الاختيار الثاني. ( الالتزامات الأخلاقية هو التزامات بآخر ويمكنك فقط أن تحصل على التزامات أخلاقية لهؤلاء الذين يعيشون بعض الأحيان فى الماضى والحاضر أو المستقبل. ) ولكنك تسعى لجعل الاختيار هو الأمر الذي سيجعل حياتك الخاصة تقودك إلى حياة أفضل. فكيف سوف تختار؟ صراحةً الاختيار الذي أتمنى أن تختاره ويجب عليك اختياره هو البديل الثاني.

 

طبعاًقد يغضب الله السماح بمعاناة لانهائية ان تعطي تلك الفرص اللانهائية لخدمة مؤلمة، لكن الله لا يمنح أي منا ( إلا ما إختارناه بأنفسنا) معاناة لانهائية. فيسمح الله بالمعاناة غالباً لفترة قصيرة من حياتنا الأرضية لكي ما نستطيع مساعدة بعضنا البعض في هذه الحياة ونشكل أنفسنا بطرق عظيمة جدا، وقد نكون أكثر فقرا بدون هذه الفرص.

 

[1]تمت الترجمة بإذن من الكاتب
معظم هذه الورقة هي نفس المحاضرة التي قُدمت في مونستر في عام 2007، وتم نشرها في مجلد من الاوراق الأخرى التي تناقش كتابتي الفلسفية الأخرى (ed. ) N. Mössner and others، Richard Swinburne : Christian Philosophy in the Modern World، Ontos Verlag، 2008، وهذه الورقة تُلخّص النقاط الرئيسية من كتابي العناية الإلهية ومشكلة الشّر Providence and the Problem of Evil ، وفي هذا الكتاب أناقش عدة أنواع من الشّر (بالنسبة للحيوانات كما للانسان) ونقاط إضافية غير مذكورة في هذه الورقة

[2]نظرة ريتشارد سوينبيرن لقضية الله كليّ المعرفة تقول أن معرفة الله لا تتضمن معرفة الافعال الحرة للاشخاص في المستقبل ويقف معه في نفس الصف فلاسفة اخرين، ولكن هناك مجموعة أخرى من الفلاسفة تقول بإمكانية معرفة الافعال الحرة للاشخاص في المستقبل ومنهم الفيلسوف المشهور وليام كريج (المترجم)

[3]كما يقتبسها القديس بولس، راجع أعمال 2035

[4]راجع مرقس 10 42-45

[5]Nichomachaean Ethics 1103b.

[6]Genesis 1:26.

[7]On the Making of Man، 16. 11.

[8]St John of Damascus، ‘On the Virtues and Vices’، in G. E. H. Palmer، P. Sherrard، and K. Ware (ed. and trans. )، Philokalia، ii (Faber & Faber، 1981)، 341.

[9]St Gregory Palamas، ‘Topics of Natural and Theological Science’، in G. E. H. Palmer، P. Sherrard، and K. Ware (ed. and trans. )، Philokalia، iv (Faber and Faber، 1995)، 382.

[10]Ibid. 374.

[11]Ibid. 356.

[12]Extract from St Peter’s writings in Philokalia op. cit. iii، p. 174. See also St John of Damascus، On The Orthodox Faith، 2:29، on the diverse good states which bad states make possible.

[13]On the Orthodox Faith 2:12.

[14]لرؤية الحجة الكاملة لوجهة النظر القائلة بأن لدينا إرادة حرة تحررية انظر كتابي، Mind، Brain and Free Will، Oxford Univeristy Press، 2013، especially chs 4، 5، 7 and 8.

[15] Acts 5:41

[16] Colossians 1:24

[17] الموت الاسود هو طاعون انتشر في العصور الوسطى نتيجة تفشي الاصابة ببكتيريا Yersinia pestis
http://en. wikipedia. org/wiki/Black_Death (المترجم)

[18] بمعنى الجمود او النوم (المترجم)

مشكلة الشر – ريتشارد سوينبيرن The Problem Of Evil” [1] Ricahrd Swinburne

خالق الشر – القديس يوحنا ذهبي الفم

خالق الشر – القديس يوحنا ذهبي الفم

خالق الشر – القديس يوحنا ذهبي الفم

خالق الشر  – القديس يوحنا ذهبي الفم

 

” أنا الرب وليس آخر، مُصوِّر النور وخالق الظلمة،

صانع السلام وخالق الشر” (إش 45: 6،7).

 

 

في الواقع، هذه الآية تبعث على القلق العميق في الشخص الغير منتبه إنتباهاً شديداً. لذلك، انصتوا بإهتمام، اشحذوا السمع، واصغوا لما يقال بإنصرافكم عن كل إهتمام دنيوي … ” أنا الرب وليس آخر، مُصوِّر النور وخالق الظلمة، صانع السلام وخالق الشر”. اني استمر في ترديدها حتى تصبح محفورة في ذهنكم، وبعد ذلك نبحث عن الحل. انه ليس الشخص الوحيد الذي قال هذا، كاتب آخر أيضاً كان على إتفاق معه عندما قال: “هل تحدث بليَّة في المدينة والرب لم يصنعها؟” (عا 3: 6). ما معنى هذا النص؟ يجب أن يكون هناك حل واحد للاثنين. فما هو الحل؟ لنستمع جيداً وبإنتباه شديد. ليس بشكل عشوائي أو بلا غرض نوصيكم بهذا باستمرار، بل لأننا الآن ماضون إلى عمق المعنى. هناك بعض الأمور جيدة، البعض الآخر سيئ، والبعض الآخر ما بين هذا وذاك ـــ بينما يعتقد الكثير من الناس بشأنه أنه سيئ، إلا أنه في واقع الأمر هو ليس كذلك، بل فقط يتم وصفه واعتباره كذلك. 

 

ولكن لكي أوضح ما أقوله، دعونا نُحلِّل وجهة نظرنا بإستخدام الأمثلة أيضاً. بينما يعتقد كثير من الناس أن الفقر شراً، هو في الواقع ليس كذلك، بل بالأحرى قد يكون له مفعول إزالة الشرور، إذا نظرتم إليه بتجرد وبقيَّم سليمة. وبالمثل، بينما يعتقد الكثير من الناس أن الثروة حسنة، في واقع الأمر هي ليست كذلك من جميع النواحي، إذا لم يتم استعمالها بشكل صحيح. لو كانت الثروة حسنة من جميع النواحي، لكان الذين يمتلكوها أيضاً صالحين، لكن بما أنه ليس جميع الأغنياء صالحين بل فقط أولئك الذين يستخدمون الثروة بشكل جيد، فمن الواضح أن الثروة ليست حسنة في ذاتها بل هي في وضع متوسط. لنفكر ملياً في هذا: هناك صفات في الجسد تعطي نعتها للناس الذين يمتلكونها. على سبيل المثال، جمال الطلعة ليس جوهر بل خاصية، شيء ينتمي للجوهر بشكل عرضي، وإذا أصاب شخص ما فإننا ندعو هذا الشخص جميلاً. وبالمثل، المرض هو أيضاً خاصية تحدث عرضاً، وإذا أصاب شخص ما فإننا ندعو هذا الشخص مريضاً. هكذا أيضاً إذا كانت الثروة فضيلة لكان يتبع ذلك أن يكون الشخص الغني كذلك ويُدعى فاضلاً. لكن لو كان الغني ليس بفاضل على الاطلاق، تكون الثروة ليست فضيلة من كل الأوجه ولا حسنة من كل الأوجه، بل تصير كذلك فقط بحسب عقلية من يستخدمها. وبالمثل، لو كان الفقر شراً، لكان يتبع ذلك أن يكون جميع الفقراء أشراراً، لكن إذا كان الكثير من الفقراء قد بلغوا السماء، فالفقر بالتأكيد ليس شراً. 

 

قد تسأل، لماذا إذن يدفع الفقر الكثير من الناس للتجديف؟ إن الفقر ليس هو السبب، بل هم يفعلون ذلك من قلة وعيهم ووضاعة مستواهم الروحي. وأيوب الطوباوي دليل على ذلك: بالرغم من كونه قد صار في فقر مدقع، بعيداً عن أي تجديف استمر في مباركة الله قائلاً: “الرب أعطى والرب أخذ، ما بدا حسناً للرب ذلك حَدَث، فليكن اسم الرب مباركاً” (أي 21: 1 س). وربما تقول أيضاً فيما يخص الأغنياء أن الكثير منهم جشعين وطماعين. هذا ليس بسبب الثروة بل بسبب إفتقارهم للإحساس. ونفس الرجل (أيوب) يشهد أيضاً لذلك: بالرغم من أنه كان يتمتع بمثل هذه الثروة الكبيرة، لم يأخذ ما يُخصَّ الآخرين، بل أعطى مما له وأعدَّ مأوى وملاذاً للغرباء، قائلاً: “غريب لم يبت في الخارج. فتحت للمسافر أبوابي” (أي 31: 32). إبراهيم أيضاً الذي كان عنده مثل هذه الثروة الكبيرة صرفها كلها على عابري السبيل. الثروة لم تجعل الأول أو الثاني جشعَين، كما أن الفقر لم يجعل أيوب أو لعازر يُجدفان، بل على العكس، على الرغم من عدم توفر الغذاء الضروري لهما، بَرزَّت فضيلة كل منهما، فواحد تلقى شهادة حسنة من الله ــ الذي له معرفة واضحة بالأفكار الخفيَّة ـــ والآخر حُمِلَّ من ههنا بواسطة موكب ملائكة، جاعلين مسكنه في رفقة البطريرك ليتنعم بنفس الخيرات مثله. 

 

إذاً تلك الأمور هي في الوسط ـــ الفقر والغنى، الصحة والمرض، الحياة والموت، المجد والشرف، العبودية والحرية، وما إلى ذلك. ليست هناك حاجة للعبور عليها كلها، لئلا تصير الخطبة طويلة جداً، بل يكفي هذه الأمثلة لكي تكون لنا الفرصة أن نبلغ إلى قضايا أكثر إلحاحاً. يقول الكتاب المقدس: ” أعطِ حكيماً فيكون أوفر حكمَةً” (أم 9:9). إذاً كل تلك الأمور هي بَينَ بَينَ، وبالتالي يمكن للناس إستخدامها للخير أو الشر. والدليل على ذلك قدمه لنا إبراهيم الذي استخدم غناه بشكل صحيح. أيضاً في حالة الغني ولعازر، نرى أن الغني قد برهن على ذلك أيضاً، منفقاً ممتلكاته على خراب ذاته. لذلك، الغِنىَ ليس شيئاً جيداً أو سيئاً في جميع الحالات. لو كان حسناً في جميع الحالات وليس بَينَ بَينَ، ما كان الرجل الغني قد عانى تلك العقوبات الفظيعة، ولو كان سيئاً ما كان إبراهيم بغناه قد تمتَّع بمثل هذه السمعة الطيبة. 

 

المرض هو شيء مماثل. لو كان المرض أمر سيء لكان يتبع ذلك أن يكون كل مريض أيضاً سيء. ولكان مُقدَراً لشخص مثل تيموثاوس أن يكون سيئاً بلا شك، إذ كان يقاوم مرضاً شديداً. “استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة”، كما يقول الكتاب (1 تي 5: 23). لكن بما أن تيموثاوس حقاً لم يكن سيئاً، بل في الواقع نال مكافأة إضافية بوفرة من خلال تحمله للمرض بنبل، فمن الواضح أن المرض ليس أمراً سيئاً. كاتب مُلهَّم آخر عانى من ضعف البصر، لكن بدلاً من أن يكون سيئاً لهذا السبب، كان في الواقع شخصاً مُلهماً، وتنبأ بالمستقبل، وبرهن أن المرض ليس عائقاً أمام الفضيلة. من الناحية الأخرى، الصحة ليست جيدة من كل الأوجه، ما لم يستعملها الشخص بشكل صحيح وليس للأغراض الشريرة أو للخمول الطائش الذي لا يخلو من الأخطاء، لذا قال بولس أيضاً: “إن كان أحد لا يريد أن يشتغل فلا يأكل أيضاً” (2 تس 10:3). 

 

هذه الأمور هي بَينَ بَينَ، فتبرهن أنها على هذا الجانب في هذا الظرف، وعلى الجانب الآخر في ظرف آخر، وهذا يتوقف على الاستخدام الذي نتخذه بشأنها. لماذا نذكر فقط الصحة والمرض، الغنى والفقر؟ بل حتى الأمور التي بحسب تقدير عامة الناس تقع على قمة الأمور الجيدة أو في قاع الأمور السيئة، أعني الموت والحياة، ليست هكذا في جميع الحالات، بل هي في الوسط، مبرهنة أنها جيدة أو سيئة إعتماداً على توجه الذين يستخدمونها. وكمثال على ذلك: الحياة جيدة عندما يستخدمها الشخص بشكل صحيح، لكن عندما تُستخدم للخطية والفوضى، لا تُعَد جيدة، بل على العكس يكون من الأفضل لمثل هذا الشخص أن يفارق الحياة. مرة أخرى، ما هو في تقدير عامة الناس أنه ينبغي تجنبه (الموت) قد يكون مصدر خيرات لا تعد ولا تحصى، عندما يكون الدافع مناسب. تأملوا الشهداء المباركين أكثر من أي شخص آخر بسبب موتهم. هذا هو سبب عدم إشتياق بولس أن يكون على قيد الحياة في المسيح لأي غاية، بل فقط لأن ذلك كان له ثمر عمله. إذ يقول: “فماذا أختار؟ لست أدري. فإني محصور من الاثنين: لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح، ذاك أفضل جداً. ولكن أن أبقى في الجسد ألزم من أجلكم” (في 1: 22 – 24). لذلك قال أيضاً الكاتب المُلهم: “عزيز في عيني الرب موت اتقيائه” (مز 116: 15) ـــ ليس أي موت بل هذا النوع من الموت ـــ وأيضاً في موضع آخر: “موت الأشرار رديء” (مز 34: 21 س). 

 

ألا ترون أن هذا الأمر (الموت) أيضاً هو في الوسط، لا خيراً من كل النواحي ولا شراً من كل النواحي، بل يعتمد على سلوك من يجتازه؟ لهذا السبب سليمان الحكيم أيضاً عند سرده للأمور الحيادية يُبيِّن أنها ليست جيدة أو سيئة من كل الأوجه، بل تُصبح كذلك في الوقت المناسب، بل تصير حتى عبئاً عندما يكون الوقت لم يحن بعد: “للبكاء وقت وللضحك وقت، للحياة وقت والموت وقت”. بكلمات أخرى، الابتهاج ليس دائماً حسناً، بل هناك أوقات يكون فيها ضاراً، ولا الحزن دائماً حسناً بل هناك أوقات يكون فيها فادح ومدمر. ق. بولس أيضاً وضَّح هذه النقطة قائلاً: “لأن الحزن الذي بحسب مشيئة الله يُنشئ توبة لخلاص بلا ندامة، وأما حزن العالم فيُنشئ موتاً” (2 كو 7: 10). ألا ترون أن هذا الأمر أيضاً يقع ضمن الأمور الـوسط؟ لذلك لم يوصينا بالفرح دون قيد أو شرط، بل بالفرح في الرب (في 4:4). 

 

إن معالجتنا قد قدمت لكم توضيحاً كافياً عن الأمور التي في الوسط. حان الوقت لكي نمضي قدماً للحديث لا عن الأمور الوسط بل عن الأمور الحسنة التي لا يمكن أن تكون رديئة، والأمور الرديئة التي لا يمكن أن تكون حسنة. ما ذكرته قبلاً، يكون بهذا النوع في وقت ما، وبنوع آخر في وقت آخر، مثل الغنى الذي يكون سيئاً في بعض الأحيان عندما يتم إنفاقه على الجشع، ويكون حسناً في أحيان أخرى عندما يتم استهلاكه في عمل الصدقة. وهكذا، بالنسبة للأمور الأخرى المشابهة وفقاً لهذه القاعدة. هناك أمور أخرى لا يمكن أن تكون سيئة في أي وقت من الأوقات، وأمور عكسها لا يمكن أن تكون حسنة في أي وقت من الأوقات، مثل المعصية، والتجديف، والفجور، والوحشية، واللاإنسانية، والشراهة، وما شابه. أنا لا أقول أن الشخص الرديء لا يمكن أن يصير صالحاً في أي وقت من الأوقات، أو أن الصالح لا يمكن أن يصير رديئاً في أي وقت من الأوقات. فبينما تلك الأمور لها فئة خاصة بها، البعض حسن، والبعض رديء، إلا أن البشر خلافاً لذلك يكونون صالحين عندما يختارون الأمور الحسنة، وأردياء عندما يختارون عكس ذلك. 

 

هناك إذن، ثلاثة أنواع: بعض الأمور حسنة ولا يمكن أبداً أن تكون رديئة، مثل ضبط النفس، عمل الصدقة، وما شابه. وبعض الأمور رديئة ولا يمكن أبداً أن تكون حسنة، مثل الفسق والقسوة. وهناك أمور أخرى تصير حسنة أو رديئة بحسب توجه الشخص الذي يستخدمها. على سبيل المثال، الغنى أحياناً يُساهم في الطمع وأحياناً في العطاء، إعتماداً على سلوك المستخدم. الفقر أحياناً يُساهم في التجديف وأحياناً في البركة والاعتزال. غير أن معظم الناس غير الحكماء يصنفون كرديء ليس فقط الأمور الرديئة التي لا يمكن أن تكون حسنة بل أيضاً الأمور التي في الوسط، مثل الفقر، الأسر، العبودية، والتي قد أظهرنا أنها لا تنتمي للأمور الرديئة بل لتلك الفئة المتوسطة، في حين أن كثير من الناس ــ كما قلت قبلاً ــ يصنفون كرديء ما هو ليس رديئاً بالفعل، والتي بشأنها يقول الكاتب الملهم (إشعيا) أنها ليست رديئة في واقع الأمر، بالرغم من تصنيفها كذلك بحسب تقدير عامة الناس، مثل الأسر، والعبودية، والجوع، وما شابه. 

 

والدليل على أن هذه الأمور ليست رديئة، بل ربما تساعد على طرد الأمور الرديئة، دعونا نركز أولاً على الجوع، والذي يعتقد الجميع أنه فظيع ومخيف. لنرى إذاً، كيف أنه ليس رديئاً، ولنتعلم التمسك بالقيم الصحيحة. عندما انحدر العبرانيون بسلوكهم إلى الافراط في الشر، نجد إيليا العظيم ــ الجدير بالسماء ــ في رغبته أن يتغلَّب على مرض اللامبالاة ويُقوِّمه، يقول: “حَيُّ هو الرب إله إسرائيل الذي وقفت أمامه، إنه لا يكون طلٌّ ولا مطرٌ في هذه السنين إلاعند قولي” (1 مل 1:17). على الرغم من إمتلاكه فقط عباءة واحدة، أغلق السماء، وكان لديه مثل هذه الثقة في الله. ألا ترون أن الفقر ليس رديئاً؟ لو كان الأمر كذلك، ما كان سيتمتع أكثر الناس إحتياجاً بمثل هذه الثقة، بحيث يبرهن بكلمة واحدة على مثل هذا السلطان الرائع، بينما لا يزال يخطو على الأرض. بقوله هذا، أَدخَلَ الجوع كمربي ممتاز ومُصلِح للشرور العارضة. وكما تضرب الجسم حمى مُستعرَّة، جفَّت السيول سوياً مع النباتات، وصارت الأرض منذ ذلك الحين عقيمة. ومن ثم، ربح الناس فائدة ليست بقليلة بالتخلص من فيضان الشرور، وتيقظوا، وصاروا أكثر قبولاً للإنقياد، وأصبحوا أكثر إستجابة للنبي. وأولئك الذين ذهبوا وراء الأصنام وضحوا بأطفالهم للشياطين صاروا ليس لديهم اعتراضاً على ذبح كهنة البعل، وبدلاً من الإنزعاج تحمَّلوا الحَدَث في صمت وخوف، وأصبحوا على نحو أفضل من خلال الجوع. 

 

ألا ترون أن الجوع ليس فقط غير رديء بل يعمل حتى على إلغاء الشرور، مُصححاً الأمراض على غرار الدواء؟ إذا كنتم تعتبرون العبودية أيضاً كأمر رديء، تأملوا ما كان عليه اليهود قبل السبي، وما كانوا عليه أثناء الأسر، حتى تتعلم أنه لا الحرية حسنة من كافة النواحي ولا الأسر سيئ. تذكروا أنهم عندما كانوا يتمتعون بالحرية، وكانت لهم بلدهم الخاصة، ارتكبوا مثل هذه الأمور الفظيعة، حتى كان الأنبياء يحتَّجون عليهم يوماً بعد يوماً لكون الناموس يُداس تحت الأقدام، والأصنام تُعبَّد، ووصايا الله تُنتَهَك. لكن عندما اقتيدوا إلى أرض غريبة وعاشوا في بلاد أناس قساة، تأدبوا وتغيروا للأفضل وخضعوا للناموس. ومن الممكن إدراك حقيقة ذلك من المزمور الذي يتعيَّن علينا أن نُركِّز عليه اليوم، حتى نتعلم ثمار السبي. أي مزمور هذا؟ “على أنهار بابل هناك جلسنا. بكيناً أيضا عندما تذكرنا صهيون. على الصفصاف في وسطها علقنا أعوادنا. لأنه هناك سألنا الذين سبونا كلام ترنيمة. ومعذبونا سألونا فرحاً قائلين: رنموا لنا من ترنيمات صهيون. كيف نرنم ترنيمة الرب في أرض غريبة؟” (مز 137). 

 

ألا ترون كيف أدبهم السبي؟ أما قبل الأسر، ما كانوا يتحملون دوي مناشدة الأنبياء بعدم خرق الناموس. بينما بعد الأسر، بالرغم من ضغوط الشعب القاسي، وإصرار أسيادهم، لم يستجيبوا لهم، بل قالوا: “لن نرنم ترنيمة الرب في أرض غريبة، نظراً لأن الناموس لا يسمح بذلك”. تأملوا أيضاً الثلاثة فتية الذين ليس فقط لم يتضرروا من الأسر بل صاروا أكثر تميُّزاً بواسطته، ودانيال كذلك. وماذا عن يوسف؟ أي شر قد عاناه، بالرغم من أنه صار منفياً وعبداً وأسيراً؟ ألم يكتسب بسبب ذلك سمعة طيبة وصار مشهوراً؟ وتلك المرأة الأجنبية (إمرأة فوطيفار)، التي كانت تعيش في ثراء وبهاء وحرية، أي خير حصلت عليه من كل ذلك؟ ألم تكن إمرأة بائسة أحقَّر من جميع النساء، لعدم رغبتها في إستعمال كل ذلك إستعمالاً سليماً؟ 

 

وهكذا، ظهر لكم بوضوح أن هناك بعض أمور رديئة والبعض حسنة والبعض في الوسط، وحقيقة أن الكاتب المُلهم (إشعيا) يقول أن الأمور الوسط ليست حقاً سيئة بل يُظَّن أنها كذلك بواسطة عامة الناس، كالأسر والعبودية والنفي. الآن، من الضروري أن نوضَّح السبب وراء هذه العبارة. فالله كليّ المحبة والسريع في إظهار الرحمة، بينما بطيء في ممارسة العقوبة، أرسل الأنبياء وذلك لكي يتجنب تسليم اليهود للعقاب، معتزماً أن يخيفهم بالكلمات حتى لا يعاقبهم بالفعل. وقد فعل ذلك أيضاً في حالة أهل نينوى، عندما هددَّ بقلب المدينة، ليس بقصد الإطاحة بها بل لتجنب الإطاحة بها، كما تم بالفعل في واقع الأمر. هذا ما فعله في هذه الحالة أيضاً، إذ أرسل الأنبياء مهدداً بقدوم البرابرة، واندلاع الحروب، والسبي، والعبودية، والنفي، والعيش في أرض غريبة. تماماً كما يفعل الأب المحب مع طفل متمرد كسول، راغباً في إعادته إلى رشده، إذ يبحث عن السوط ويهدد بالكلمات عن الجلدات: سوف أربطك، أجلدك، أتخلص منك، فيصير خائفاً فزعاً، وبهذه الطريقة يُخضع الصبي ويبعده عن طريقه الشريرة، هكذا أيضاً الله يهدِّد بشكل مستمر، راغباً في تغييرهم إلى نحو أفضل من خلال الخوف. أما الشيطان في رغبته لتقويض التغيير الناتج عن هذا التهديد، فقد أرسل أنبياء كذبة، ومما يتعارض مع تهديدات الأنبياء بالأسر والعبودية والمجاعة، بشروا خلافاً لذلك أي بالسلام والازدهار والتمتع بالخيرات الكثيرة. ومن ثم، سَخَرَ منهم الأنبياء أيضاً، بقولهم: “سلام، سلام، ولا سلام” (إر 14:6). وكل شيء تمَّ كما تنبأ الأنبياء ضد الأنبياء الكذبة (كما يعرف كل باحث)، الذين كانوا يزعزعون حماسة الشعب. 

 

لذا، عندما زعزعزوا الناس بهذه الطريقة وأفسدوهم، قال الله بواسطة الأنبياء: ” أنا الرب وليس آخر … صانع السلام وخالق الشر” (إش 45: 6،7). أي نوع من الشر؟ تلك المذكورة: العبودية، الأسر، وما شابه. لا الزنا أو الفسق أو الطمع أو أي شيء آخر من هذا القبيل. لهذا قال نبي آخر: “هل تحدث بلية في مدينة والرب لم يصنعها؟” (عا 6:3)، فهو يُشير إلى هذه المحَّن: المجاعة، الأمراض، الأوبئة، المرسلة من الله. هكذا أيضاً السيد المسيح بقوله: “يكفي اليوم شرُّه” كان يشير إلى العمل والجهد والصعوبات. هذا إذاً هو ما يقصده النبي: لا تدع الأنبياء الكذبة يضعفوك، فالله قادر أن يعطيك السلام ويدفعك للأسر. هذا هو معنى “صانع السلام وخالق الشر”. ولكي تعلم أن هذا الأمر صحيح، لنفحص نص الآية بتدقيق، إذ بعد أن قال ” أنا الرب وليس آخر، مُصوِّر النور وخالق الظلمة”، استطرد قائلاً: “صانع السلام وخالق الشر”. لقد استشهد بنقيضين أولاً، ثم بنقيضين بعد ذلك، لكي تعلم أنه لا يشير إلى الزنى بل للكوارث. أعني، ما هو الشيء المعاكس للسلام؟ بكل وضوح، هو الأسر والسبي لا الفسق أو الزنى أو الطمع. وكما استشهد بنقيضين أولاً، هكذا أيضاً في الحالة الثانية، ونقيض السلام ليس الزنا أو الفجور أو غيرها من الرذائل بل السبي والعبودية. 

 

وكما خلق الله النور والظلمة، ومعظم الناس يعتقدون أن النور لطيف والظلام غاشم، ويسيئون فهم الليل كشيء شرير، هكذا في هذه الحالة أيضاً. غير أنه لا ينبغي أن يساء فهم الليل أو الظلام، ولا أيضاً الأسر أو العبودية في جميع الحالات. أخبرني، أين الرداءة في الظلام؟ أليس فيه إستراحة من العمل؟ أليس فيه إغاثة من الهموم؟ أليس فيه إزالة الشدَّة؟ أليس فيه زيادة في القوة؟ من ناحية أخرى، لو لم يكن هناك ظلام وليل فهل كان من الممكن أن نتمتع بالنور؟ ألا كان هذا الإنسان الحي قد دُمِّر وفُقِدَ؟ هكذا، كما يعتقد الناس الحمقى أن الظلام شراً، وهو ليس كذلك، بل يفيدنا ويجعل الذين يستريحون أثناءه أكثر نشاطاً للعمل، هكذا أيضاً الأسر ليس عديم القيمة ـــ وقد كان النبي يتكلم عنه عندما قال “صانع السلام وخالق الشر” ــ بل هو على العكس، له فائدة ومنفعة لأولئك الذين يستعملونه بشكل صحيح، جاعلاً إياهم أكثر إعتدالاً وعقلانية، بإزالة حماقتهم. 

 

هكذا نرى، أن الفضيلة لا تُقيَّد، ولا شيء يستطيع أن يسود عليها، لا أسر، لا فقر، لا مرض، ولا حتى ما هو أكثر جبروتاً من أي شيء، الموت ذاته. هذا واضح من جميع الذين تحمَّلوا كل هذه الأشياء، وصاروا بواسطتها أكثر سطوعاً: فأي ضرر أصاب يوسف (ليس هناك ما يمنعنا أن نركز على نفس الشخص مرة أخرى)؟ من قيوده؟ من سلاسله؟ من الإفتراء عليه؟ من المكائد؟ من العيش في بلد غريبة؟ أي ضرر أصاب أيوب من فقدانه لقطعان الماشية، موت أبنائه القاسي والمفاجئ، البلاء الجسدي، حشود الديدان، الألم الذي لا يطاق، الجلوس في المزبلة، تآمر زوجته عليه، سخرية الأصدقاء، سوء معاملة الخدم؟ أي ضرر أصاب لعازر من اضطجاعه عند البوابة، لحس جسده بواسطة ألسنة الكلاب، الجوع المستمر، إزدراء الرجل الغني، الجروح، المرض الغير المحتمل، الحرمان من الأصدقاء، الاحتقار من جانب المساعدين؟ أي ضرر أصاب بولس من تعاقب تلك السجون، والاعتقالات، والميتات، والغرق، وجميع التجارب الأخرى التي يستحيل تعدادها؟ 

 

بمراعاة كل هذه الأمور، دعونا نتجنب الشر ونسعى وراء الفضيلة. وبينما نحن نصلي أن لا ندخل في تجربة، دعونا لا نتعثر أو نضطرب إذا سقطنا في وقت ما. هذه الأمور (التجارب) هي أسلحة الفضيلة بالنسبة لأولئك الذين يستخدمونها بشكل صحيح، وسوف ننجح في الحصول على الاستحسان من خلالها، ونتمتع بالخيرات الأبدية، لو كنا ساهرين. ليكن هذا نصيبنا جميعاً أن نُحقِّق هذا، في المسيح يسوع ربنا، الذي له المجد إلى أبد الآبدين آمين.

 

 

 

 

 

المرجع: دورية المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة، العدد الواحد والثلاثون، يناير 2013، ترجمة المدونة الآبائية

 

 

Reference: John Chrysostom, Old Testament Homilies, translated by  Robert Charles Hill, Holy Cross Orthodox Press.

Exit mobile version