مقدمة لشرح آيات من الأناجيل عن التجسُّد – للقديس أثناسيوس الرسولي

مقدمة لشرح آيات من الأناجيل عن التجسُّد – للقديس أثناسيوس الرسولي

مقدمة لشرح آيات من الأناجيل عن التجسُّد – للقديس أثناسيوس الرسولي

 

          26ـ انظر إنهم لا يملّون من تكرار كلمات الكفر، بل إذ قد تقّسوا مثل فرعون فإنهم حينما يستمعون إلى ما يشير إلى صفات المخلّص البشريّة ويرونه مدوّنًا في الأناجيل أن الابن هو إله كامل مثل الآب، فإنهم يتناسون تمامًا مثل بولس الساموسطى[1]، وبوقاحة لسان يجعجعون قائلين: [ كيف يمكن أن يكون الابن من الآب بالطبيعة، ويكون واحدًا معه في الجوهر؟ وهو الذي يقول “دفع إليّ كل سلطان” (مت18:28) و ” الآب لا يدين أحدًا بل قد أعطى كل الدينونة للابن ” (يو22:5)، ” الآب يحب الابن وقد دفع كل شئ في يده، الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية ” (يو35:3). وأيضًا ” كل شئ قد دفع إليّ من أبي. وليس أحد يعرف مَن هو الآب إلاّ الابن ومَن أراد الابن أن يعلن له ” (لو2:10)، وأيضًا ” كل ما يعطني الآب فإليّ يقبل ” (يو37:6) ].

إنهم يعلّقون على هذه الآيات ويقولون: [ لو كان الابن كما تقولون، ابنًا بالطبيعة، لما كان في احتياج أن يأخذ، بل كل شئ يكون له بالطبيعة كابن، أو كيف يكون هو القوّة الطبيعية والحقيقية للآب وهو في وقت الآلام قال ” الآن نفسي قد اضطربت وماذا أقول؟ أيها الآب نجني من هذه الساعة ولكن لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة أيها الآب مجّد اسمك فجاء صوت من السماء مجدت وأمجد أيضًا ” (يو27:12ـ28).

وأيضًا قال كلمات مشابهة في مرّة أخرى ” يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ” (مت39:26) وعندما قال يسوع هذا اضطرب بالروح وشهد وقال ” الحق الحق أقول لكم إن واحدًا منكم سيسلمني ” (يو21:13). وبالإضافة إلى كل هذا، يتساءل هؤلاء الأغبياء قائلين: لو كان هو القوّة لما كان قد ضَعُفَ، بل لكان قد أعطى قوّة لآخرين بالأحرى، ويضيفون قائلين لو كان هو حكمة الآب الحقيقية والذاتية، فلماذا كُتِب عنه: ” وكان يسوع ينمو في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس ” (لو52:2).

وبالمثل عندما جاء إلى نواحي قيصرية فيلبس سأل التلاميذ ” ماذا يقول الناس إني أنا ” (مت13:16). وأيضًا حينما جاء إلى بيت عنيا سأل عن لعازر ” أين دفن ” (انظر يو18:11). وأيضًا قال لتلاميذه ” كم رغيفًا عندكم ” (مر38:6).

ويقولون: كيف إذًا يكون هو الحكمة وهو ينمو في الحكمة، وكان يجهل الأمور التي كان يسأل عنها الآخرين؟ ويقولون أيضًا: كيف يمكن أن يكون هو كلمة الآب الذاتي الذي بدونه لم يكن الآب أبدًا والذي به يخلق الآب كل الأشياء كما تعتقدون أنتم، وهو الذي قال على الصليب ” إلهي إلهي لماذا تركتني ” (مت46:27). وقبل ذلك صلى قائلاً “ مجد اسمك ” (يو28:12) وأيضًا ” مجدني أنت أيها الآب بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم ” (يو5:17). واعتاد أن يصلي في البراري وأوصى تلاميذه أن يصلوا لئلا يدخلوا في تجربة، بل وقال لهم ” الروح نشيط أما الجسد فضعيف ” (مت41:26). وأيضًا ” أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة ولا الابن” (مر32:13).

          وبالإضافة إلى هذا فإن هؤلاء التعساء يدّعون أيضًا ويقولون: [ لو كان الابن بحسب رأيكم هو موجود أزليًا مع الله لما كان قد جهل ذلك اليوم بل لكان قد عرفه باعتباره أنه هو الكلمة، ولما كان قد تركه ذلك الذي هو كائن معه، ولما كان قد سأل أن ينال المجد طالما أن له هذا المجد مع الآب، ولما كان قد سأل أين ينال المجد طالما أن له هذا المجد مع الآب، ولما كان قد صلى على الإطلاق إذ أن الكلمة ليس في احتياج إلى أي شئ، ولكن حيث إنه مخلوق وواحد من الموجودات لذلك تكلّم هكذا وكان محتاجًا إلى ما لم يكن عنده، لأنه معروف عن المخلوقات أنها تسأل الأشياء التي لا تملكها، وتحتاج إليها ].

          27ـ هذه هي الأشياء التي يدّعي بها الجاحدون في أحاديثهم ويتكلّمون بها، ولكن طالما هم يفكرون هكذا فكان يمكنهم أن يسألوا بجرأة أكثر قائلين [ ” لماذا صار الكلمة جسدًا على الإطلاق “؟ ويمكن أن يضيفوا أيضًا ” كيف يمكن وهو الله، أن يصير إنسانًا “؟] أو [ كيف يمكن لمن لا جسد له أن يلبس جسدًا؟ أو يمكن أن يتكلّموا بطريقة يهودية أكثر من قيافا ويسألون عمومًا، لماذا يجعل المسيح نفسه إلهًا وهو إنسان؟ ] لأن أقوالاً مثل هذه وغيرها قد قالها اليهود وتذّمروا عليه. والآن فإن الآريوسيين حينما يقرأونها هم أيضًا لا يؤمنون، وقد سقطوا في التجاديف، والآن فمن يمتحن أقوال هؤلاء وأولئك فبالتأكيد سيجد أن كليهما يتفقان في عدم الإيمان ويتساويان في كفرهما وفي جرأتهما ضدنا ويشتركان معًا في محاربتهما لنا، لأن اليهود يقولون ” كيف يمكن وهو إنسان أن يكون إلهًا “؟ (انظر يو33:10). أما الآريوسيون فيقولون [ لو كان إلهًا حقيقيًا من إله، فكيف يمكن أن يصير إنسانًا؟ ] واليهود عثروا عندئذٍ واستهزءوا قائلين ” لو كان ابن الله، لما كان قد قبل الصليب “؟ والآريوسيون يتفقون مع اليهود ويهاجموننا ويقولون: [ كيف تتجاسرون أن تقولوا إن الذي هو الكلمة الذاتي من جوهر الآب، هو الذي أخذ جسدًا، واحتمل كل هذا ]؟ وأيضًا، فبينما حاول اليهود أن يقتلوا الرب لأنه قال إن الله أبوه، وجعل نفسه معادلاً لله، وإنه يعمل الأعمال التي يعملها الآب؛ فإن الآريوسيين أيضًا ليس فقط تعلّموا أن ينكروا أن الكلمة مساوي لله وأن الله هو الآب الطبيعي للكلمة، بل هم أيضًا يحاولون أن يقتلوا مَن يؤمنون بهذا. وبينما يقول اليهود ” أليس هذا هو يسوع ابن يوسف الذي نحن عارفون بأبيه وأمه “؟ (يو42:6) فكيف يقول إذًا ” قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن ” (يو58:8) و ” أني نزلت من السماء “؟ (يو42:6)، فالآريوسيون بدورهم يجيبون بنفس الأقوال ويقولون: [ كيف يمكن أن الذي ينام ويبكي ويطلب أن يعرف كإنسان، يكون هو الكلمة أو هو الله ]؟ ولهذا فالفريقان فقدا صوابهما وأنكرا أزلية الكلمة وألوهيته متعلّلين بتلك الصفات البشريّة التي نسبها المخلّص لنفسه بسبب الجسد الذي لبسه.

          28ـ إذًا طالما أن هذا الضلال هو يهودي، ويوصف هكذا نسبة إلى يهوذا الخائن، فدعهم إذًا يعترفون صراحةً أنهم تلاميذ قيافا وهيرودس، بدلاً من أن يُلبِسوا اليهودية اسم المسيحية، ولينكروا تمامًا كما سبق أن قلنا حضور المخلّص في الجسد. لأن هذا الإنكار أقرب إلى بدعتهم. أو إن كانوا يخافون أن يختتنوا ويتهوّدوا علنًا بسبب خضوعهم للملك قسطنطيوس، ولأجل أولئك الذين خُدِعوا منهم، إذًا فدعهم لا يقولون ما يقوله اليهود، لأنهم إن تخلّوا عن الاسم فيلزمهم عن حق أن يرفضوا العقيدة المرتبطة بالاسم. لأننا نحن مسيحيون. أيها الآريوسيون ـ نعم نحن مسيحيون ونحن نتميّز بأننا نعرف جيدًا ما تقوله الأناجيل عن المخلّص ونحن لا نرجمه مع اليهود عندما نسمع عن ألوهيته وأزليته، كما أننا لا نعثر معكم، في الكلمات المتواضعة التي قالها من أجلنا كإنسان. إذًا فإن أردتم أن تصيروا مسيحيين فارفضوا جنون آريوس، وآذانكم التي تلوثت بكلمات التجديف طهّروها بكلمات التقوى، عالمين أنه بمجرد توقفكم عن أن تكونوا آريوسيين فإنكم ستكفون أيضًا عن خبث اليهود المعاصرين. وعندئذٍ سيشرق عليكم نور الحق ويخرجكم من الظلمة،ولن تعودوا عندئذٍ تعيّروننا باعتقادنا بوجود اثنين أزليين. بل ستعترفون أنتم أنفسكم أن الرب هو ابن الله، الحقيقي بالطبيعة وليس مجرد أنه أزلي، بل وتعترفون أنه كائن في الآب، ومع الآب أزليًا لأن هناك موجودات تسمى أزلية، وهو صانعها لأنه مكتوب في المزمور 7:23س ” ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم، وارتفعي أيتها الأبواب الدهرية “، فمن الواضح أن هذه الأبواب (الدهرية = الأزلية) قد صُنِعَت بواسطته. ولكن إن كان هو خالق حتى الأشياء الدهرية فمَن منا يمكنه عندئذٍ أن يشك في أنه هو سابق على تلك الأشياء الدهرية؟ وبالتالي يتبرهن أنه الرب، ليس من كونه أزليًا فقط بل ولكونه ابن الله. وكإبن هو غير منفصل عن الآب ولم يكن هناك زمن ما لم يكن فيه موجودًا، بل كان كائنًا على الدوام، ولأنه صورة الآب وشعاعه، فَلَهُ أزليّة الآب.

          والآن فما قلناه أعلاه باختصار يكفي لكي يبرهن على سوء فهمهم للآيات التي تعلّلوا بها وأن ما يتعلّلون به الآن من الأناجيل يعطونه بالتأكيد تفسيرًا غير صحيح، ويمكننا أن نرى هذا بسهولة إذا وضعنا أمامنا كهدف ذلك الإيمان الذي نمسك به نحن المسيحيون وأن نستخدمه كقاعدة كما يعلّمنا الرسول في قراءة الكتب الموحى بها (انظر 2تيمو16:3). لأن أعداء المسيح بسبب جهلهم لهذا الهدف، قد ضّلوا عن طريق الحق، واصطدموا بحجر الصدمة (انظر رو33:9)، معتقدين في أمور لا ينبغي أن يؤمنوا بها.

          29ـ والآن فإن هدف الكتاب المقدس وميزته الخاصة كما قلنا مرارًا هو أنه يحوي إعلانًا مزدوجًا عن المخلّص: أي أنه كان دائمًا إلهًا وأنه الابن إذ هو كلمة الآب وشعاعه وحكمته، ثم بعد ذلك اتخّذ من أجلنا جسدًا من العذراء مريم والدة الإله، وصار إنسانًا. وهذا الهدف نجده في كل الكتب الموحى بها، كما قال الرب نفسه ” فتشوا الكتب، وهي تشهد لي ” (يو39:5). ولكن لكي لا أُكثرْ في الكتابة بجمع كل الآيات عن هذا الموضوع فسوف أكتفي بذكْرْ عيّنة من هذه الآيات. فأولاً، يقول يوحنا ” في البدء كان الكلمة. والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله، كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان ” (يو1:1ـ3). وبعد ذلك يقول ” والكلمة صار جسدًا، وحلّ بيننا، ورأينا مجده، مجدًا كما لوحيد من الآب ” (يو14:1). ثم يكتب بولس ” الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون مساويًا لله، لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد صائرًا في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ” (في6:2ـ8).

          ويمكن لأي إنسان أن يبتدئ بهذه الآيات ويجتاز خلال كل الكتاب وسوف يرى كيف أن الآب قال في البدء ” ليكن نور” (تك3:1)، و  ” ليكن جلد” (تك6:1) و “ لنعمل الإنسان” (تك26:1)، ولكن في ملء الأزمنة أرسل ابنه إلى العالم، ” لا لكي يدين العالم بل ليخلّص به العالم ” (يو17:3). وكما كُتب ” ها العذراء تحبل، وتلد ابنًا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا ” (مت23:1).

          30ـ إذًا فمَن يقرأ الكتاب المقدس، سيعرف هذه الآيات من كُتْبْ العهد القديم، ومن الأناجيل أيضًا وسيُدرِك أن الرب صار إنسانًا، لأن الكتاب يقول ” الكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا ” (يو14:1). والكلمة صار إنسانًا، ولم يأت إلى داخل إنسان، لأن هذا ضروري أن نعرفه، لئلا يضل هؤلاء الناس عديمي التقوى ومن ثَمَ يخدعون الآخرين بهذا الضلال ظانين أنه كما اعتاد الكلمة أن يأتي إلى القديسين في العهد القديم، هكذا يأتي الآن أيضًا في إنسان ويقدّسه ويظهر بواسطته كما أَظهَرَ نفسه في السابقين، لأنه لو كان الأمر كذلك، وأنه ظهر فقط في إنسان، لما كان هذا أمرًا غريبًا، ولما تعجب أولئك الذين رآوه قائلين “من أين هو”؟ (انظر يو9:19) و” وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا ” (يو33:10) لأنهم قد اعتادوا على مجيء كلمة الله إلى الأنبياء من الكلمات التي تقول ” صارت كلمة الرب ” إلى هذا أو ذاك من الأنبياء. ولكن الآن، حيث إن كلمة الله، الذي به كان كل شئ، قبل أن يصير ابن الإنسان، ووضع نفسه، آخذًا صورة عبد، لذلك صار صليب المسيح لليهود عثرة أما لنا نحن، فالمسيح هو قوة الله وحكمة الله (انظر 1كو24:1).

          لأنه كما قال يوحنا “الكلمة صار جسدًا”. فمن عادة الكتاب أن يدعو الإنسان بلفظة جسد، كما يقول بيوئيل النبي ” أسكب روحي على كل جسد ” (يوئيل 4:3) وكما قال دانيال إلى أستياجيس ” لست أعبد الأصنام المصنوعة بالأيدي بل الإله الحيّ الذي خلق السماء والأرض، وله سلطان على كل جسد ” (تتمة دانيال 5). فكل من دانيال ويوئيل يدعو جنس البشر جسدًا.

          31ـ ومنذ القديم صار هذا مع كل واحد من القديسين لكي يقدّس أولئك الذين يقبلونه بأمانة، ولكن حينما وُلد أولئك الأنبياء، لم يَقُل عندئذٍ أنه الكلمة صار جسدًا، ولا حينما تألموا قيل أنه هو نفسه قد تألم. ولكن حينما جاء بيننا من مريم العذراء في نهاية الأزمنة لأجل إبطال الخطية، لأنه هكذا سُّر الآب أن يرسل ابنه الذاتي ” مولودًا من امرأة مولودًا تحت الناموس ” (غلا4:4)؛ عندئذٍ قيل إنه أخذ جسدًا وصار إنسانًا، وبهذا الجسد تألّم لأجلنا كما يقول بطرس ” فإذ قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد ” (1بط1:4)، لكي يقبل الكّل ويؤمنوا أنه كان إلهًا على الدوام، وقد قدّس أولئك الذين أتى إليهم، ورتّب كل الأشياء حسب مشيئة الآب، وفيما بعد صار لأجلنا إنسانًا، وكما يقول الرسول  ” اللاهوت حلّ في الجسد ” (كو9:2)، وهذا يساوي القول ” إنه هو الله، له جسده الخاص به، وقد صار إنسانًا لأجلنا مستخدمًا هذا الجسد كأداة.

          وبناء على هذا فقد قيل عن خواص الجسد أنها خاصة به حيث إنه كان في الجسد، وذلك مثل أن يجوع، وأن يعطش، وأن يتألم، وأن يتعب، وما شابهها من الأمور المختصّة بالجسد، بينما من الناحية الأخرى فإن الأعمال الخاصة بالكلمة ذاته مثل إقامة الموتى، وإعادة البصر إلى العميان، وشفاء المرأة نازفة الدم، قد فعلها بواسطة جسده، والكلمة حمل ضعفات الجسد كما لو كانت له، لأن الجسد كان جسده، والجسد خَدَم أعمال اللاهوت، لأن اللاهوت كان في الجسد ولأن الجسد كان جسد الله. وحسنًا قال النبي “حملها” (إش4:53، مت17:8) ولم يقل إنه ” شفى ضعفاتنا ” لئلا إذ تكون هذه الضعفات خارج جسده هو، وهو يشفيها فقط ـ كما كان يفعل دائمًا فإنه يترك البشر خاضعين للموت، ولكنه حمل ضعفاتنا، وحمل هو نفسه خطايانا، لكي يتضّح أنه قد صار إنسانًا لأجلنا، وأن الجسد الذي حَمَل الضعفات، هو جسده الخاص، وبينما هو نفسه لم يصبه ضرر أبدًا ” بحمله خطايانا في جسده على الخشبة ” كما قال بطرس (1بط24:2) فإننا نحن البشر قد افتدينا من أوجاعنا وامتلأنا ببر الكلمة.

          32ـ وتبعًا لذلك فعندما تألّم الجسد، لم يكن الكلمة خارجًا عنه، ولهذا السبب يقال إن الآلام خاصة بالكلمة، وعندما عمل أعمال الآب لاهوتيًا، لم يكن الجسد خارجًا عنه، لكن الرب عمل هذه الأعمال في هذا الجسد نفسه، لهذا فحينما صار إنسانًا، قال ” إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي ولكن إن كنت أعمل فإن لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فيّ وانأ فيه ” (يو37:10ـ38). ولذلك فحينما كان هناك احتياج لإقامة حماة بطرس التي كانت مريضة بالحمى، فإنه مدّ يده إليها بشريًا ولكنه أوقف المرض إلهيًا (انظر مت14:8). وفي حالة الإنسان المولود أعمى فإن تَفْل البصاق كان من الجسد ولكن فتّح عين الأعمى بالطين إلهيًا. وفي حالة لعازر، فلكونه إنسانًا فقد دعاه بصوته البشري ولكونه في نفس الوقت إلهًا فقد أقامه من الأموات. وهذه الأمور حدثت هكذا وظهرت هكذا لأنه كان قد اتخّذ لنفسه جسدًا حقيقيًا وليس خياليًا[2]، ولذا كان يليق بالرب بأخذِه جسدًا بشريًا أن يكون لهذا الجسد كل الخواص التي للجسد، حتى كما نقول إن الجسد كان جسده هكذا أيضًا نقول إن آلام الجسد كانت خاصة به أي بالكلمة رغم أنها لم تمسه بحسب لاهوته. فلو كان الجسد هو جسد خاص بآخر غيره لكانت الآلام قد نُسِبَت لهذا الآخر أيضًا، ولكن إن كان الجسد هو جسد الكلمةلأن الكلمة صار جسدًا ” (يو14:1) فبالضرورة إذًا أن تُنسَب آلام الجسد أيضًا للذي له هذا الجسد[3]. والذي تنسب له هذه الآلام مثل المحاكمة، والجلد والعطش والصلب، والموت وضعفات الجسد الأخرى، فلابد أن تنسب له بالأحرى النصرة والنعمة.

          لهذا السبب إذ كان ضروريًا وملائمًا أن لا تُنسب مثل هذه الآلام لآخر بل للرب، حتى تكون النعمة أيضًا منه ولا نصير نحن عابدين لآخر، بل تكون عبادتنا لله حقًا، لأننا لا ندعو مخلوقًا من المخلوقات، ولا إنسانًا عاديًا، بل ندعو الابن الحقيقي والذي هو الله حسب طبيعته، الذي صار إنسانًا وهو في نفس الوقت الرب والإله المخلّص.

          33ـ فمَنْ الذي لا يُعجَب بهذا الكلام؟ أو مَن هو الذي لا يوافق أن هذا الأمر هو إلهي بالحقيقة؟[4] لأنه لو كانت أعمال ألوهية الكلمة لم تحدث بالجسد، لما كان الإنسان قد تأله[5]، وأيضًا لو أن الضعفات الخاصة بالجسد لم تنسب للكلمة، لما كان الإنسان قد تحرّر منها تمامًا. وحتى لو أنها كانت قد توقّفت لفترة قليلة كما قلت سابقًا[6] لظلّت الخطية وظلّ الفساد باقيان في الإنسان، كما كان الحال مع الجنس البشري قبل التجسد. ولهذا فهناك أمثلة لكثيرين قد تقدّسوا وتطهّروا من كل خطية مثل إرميا الذي تقدّس من الرحم (انظر إر5:1) ويوحنا الذي وهو لا يزال جنينًا في البطن ارتكض بابتهاج عند سماع صوت مريم والدة الإله (انظر يو44:1). ومع ذلك فقد ” ملك الموت من آدم إلى موسى، وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم ” (رو14:5)، وهكذا ظلّ البشر مائتين وقابلين للفساد كما كانوا، ومعرّضين للأوجاع الخاصة بطبيعتهم، أما الآن فإذ صار الكلمة إنسانًا وجعل الأمور الخاصة بالجسد خاصة به، فلم تَعُد تلك الأمور تمسك بالجسد بسبب الكلمة الذي قد جاء في الجسد، فقد انهزمت الأوجاع بواسطته ومنذ ذلك الحين فصاعدًا لم يبقَ الناس بعد خطاة وأمواتًا بحسب أوجاعهم بل قد قاموا بقوة الكلمة، وصاروا غير مائتين وغير فاسدين وأقوياء دائمًا. ومن هنا أيضًا فبينما وُلِدَ الجسد من مريم والدة الإله، فإن الكلمة نفسه يقال إنه قد وُلِد، وهو الذي يعطي بداية الوجود للكائنات الأخرى، لكي ينقل بداية تكويننا إلى نفسه، ولكي لا نرجع فيما بعد كمجرد تراب إلى تراب، ولكن بارتباطنا بالكلمة الذي من السماء، فإننا نُحمَل إلى  السماوات بواسطته. لذلك فإنه بطريقة مماثلة قد نقل إلى نفسه أوجاع الجسد الأخرى لكي يكون لنا شركة في الحياة الأبدية ـ ليس كبشر فيما بعد ـ بل أيضًا لأننا قد صرنا خاصين بالكلمة.

          لأننا لم نَعُد نموت بحسب بدايتنا الأولى في آدم، بل بسبب أن بدايتنا وكل ضعفات الجسد قد انتقلت إلى الكلمة، فنحن نقوم من الأرض، إذ أن لعنة الخطية قد أُبطلت بسبب ذاك الذي هو كائن فينا، والذي قد صار لعنة لأجلنا. وكما أننا نحن جميعًا من الأرض وفي آدم نموت هكذا نحن إذ نُولَد من فوق من الماء والروح فإننا في المسيح نُحيا جميعًا. فلا يعود الجسد فيما بعد أرضيًا بل يكتسب قوّة بسبب كلمة الله، الذي لأجلنا صار جسدًا.

          34ـ ولكي ما نصل إلى معرفة أكثر دقة بخصوص عدم قابلية طبيعة الكلمة للتألم وبخصوص الضعفات التي نُسبت له بسبب الجسد، جيد لنا أن نستمع إلى الطوباوي بطرس لأنه شاهد موثوق فيه عن المخلّص. فهو يكتب في رسالته هكذا “ فإذ قد تألّم المسيح لأجلنا بالجسد ” (1بط1:4)، لذلك أيضًا فحينما يُقال عنه، إنه يجوع، وإنه يعطش، وإنه يتعب، وإنه لا يعرف، وإنه ينام، وإنه يبكي، وإنه يسأل، وإنه يهرب، وإنه يُولَد، وإنه يتجنّب الكأس، وعمومًا إنه يحتمل كل ما يخص الجسد، فينبغي أن يقال في كل حالة من هذه الحالات إن (المسيح) عندما يجوع ويعطش فإنه يفعل هذا بالجسد لأجلنا، وعندما يُقال إنه لم يعرف وأنه لُطِم، وأنه تعب، فإنه فعل هذه بالجسد لأجلنا، وأيضًا عندما يُقال إنه صعد وإنه قد وُلِدَ وكان ينمو فإن هذا كان بالجسد، وكذلك عندما يقال إنه خاف واختبئ فإن هذا كان بالجسد، وكذلك عندما قال ” إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ” (مت39:26). وعندما يقال إنه ضُرِب وإنه تحمّل فإن كل هذه كانت بالجسد لأجلنا. وعلى وجه العموم فكل مثل هذه الأمور قد تحمّلها بالجسد لأجلنا. ولهذا السبب قال الرسول نفسه إن المسيح عندما تألّم، لم يتألّم بلاهوته، بل “لأجلنا بالجسد”، لكي لا تعتبر هذه الآلام خاصة بطبيعة الكلمة ذاتها، بل هي خاصة بطبيعة الجسد ذاتها. لذلك لا ينبغي أن يَعثُر أحد بسبب الأمور الإنسانية، بل بالحرى فليعرف، أن الكلمة نفسه بالطبيعة هو غير قابل للتألّم، ومع ذلك فبسبب الجسد الذي اتخذه تقال عنه هذه الأمور، حيث إنها أمور خاصة بالجسد والجسد نفسه خاص بالمخلّص، فبينما هو نفسه غير قابل للتألم بالطبيعة، ويظّل كما هو دون أن تؤذيه هذه الآلام، بل بالحرى إذ هو يوقفها ويلاشيها، فإن آلام البشر تتغيّر وتتلاشى في ذلك الذي هو غير متألم، وحينئذٍ يصير البشر أنفسهم غير متألمين وأحرارًا من هذه الأوجاع إلى الأبد كما علّم يوحنا قائلاً ” وتعلمون أن ذاك أظهر لكي يرفع خطايانا وليس فيه خطية ” (1يو5:3). ولأن الأمر هكذا فلا يعترض أحد من الهراطقة قائلاً: [ كيف يقوم الجسد وهو بالطبيعة مائت؟ وإن قام، فلماذا لا يجوع ويعطش ويتألّم ويظّل مائتًا؟ لأنه قد صار من التراب، فكيف يمكن أن تفارقه حالته الطبيعية ]؟ عندئذٍ يستطيع الجسد الآن أن يجاوب هنا الهرطوقي المقاوم ويقول: [ أنا من التراب، وبحسب الطبيعة مائت، ولكن فيما بعد قد صرت جسد الكلمة، وهو حَمَلَ أوجاعي، مع أنه هو نفسه غير متألم، هكذا صرت أنا حرًا من هذه الأوجاع ولم أعد بعد مستعبدًا لها بسبب الرب الذي قد حرّرني منها. لأنك إن كنت تعترض على تحرّري من ذلك الفساد الذي هو من طبيعتي، فانتبه أنك بهذا تعترض على أن كلمة الله قد أخذ صورة العبد الخاصة بي. لأنه كما أن الرب بلبسه الجسد قد صار إنسانًا، هكذا نحن البشر فإننا نتأله[7] بالكلمة باتحادنا به بواسطة جسده، ولهذا فنحن سنرث الحياة الأبدية ].

          35ـ لقد وجدنا أنه من الضروري أن نبحث هذه الأمور أولاً لكي حينما نراه يعمل أو يقول ما يليق بالله بواسطة جسده، فإننا نعرف أنه يعمل هكذا لأنه هو الله، وأيضًا إذ رأيناه يتكلّم أو يتألّم إنسانيًا فإننا لا نجهل أنه باتخاذه الجسد صار إنسانًا ولذلك فهو عمل هذه الأعمال وتكلّم بهذه الكلمات. لأننا عندما نعرف ما هو خاص بكل منهما (الله والإنسان)، نرى ونفهم أن هذه الأمور التي تجري من كليهما، إنما تتم بواسطة واحد[8]، فإننا نكون مستقيمين في إيماننا، ولن نضل أبدًا. أما إن كان أحد وهو ينظر إلى الأعمال التي يعملها الكلمة إلهيًا، ينكر الجسد، أو وهو ينظر إلى تلك الأمور الخاصة بالجسد، ينكر حضور الكلمة في الجسد، أو بسبب ما هو بشري يفكر أفكارًا حقيرة عن الكلمة، مثل هذا يكون كبائع خمر يخلط الخمر بالماء[9] فيحسب الصليب عثرة أو يكون مثل اليوناني، الذي يعتبر الكرازة جهالة[10]. هذا هو إذًا ما أصاب الآريوسيين أعداء الله، لأنهم بنظرهم إلى ما هو بشري في المخلّص قد اعتبروه مخلوقًا. لذلك كان يلزمهم أيضًا عندما ينظرون الأعمال الإلهية للكلمة أن ينكروا تجسده، وبذلك فإنهم يصنفون أنفسهم مع المانويين[11]. فليتهم يتعلّمون ولو متأخرًا أن الكلمة صار جسدًا، أما نحن فإذ نحتفظ بهدف الإيمان، ندرك أن ما يسيئون تفسيره، له تفسير سليم.

 

 

 

 

1 بولس الساموساطي: كان أسقفًا لأنطاكية في القرن الثالث. علّم تعاليمًا خاطئة عن شخص المسيح له المجد، وقال إن الكلمة قد حلّ على طبيعة المسيح البشرية مثل حلول شخص على شخص وبالتالي فإن المسيح لا يختلف عن أي نبي آخر سوى في الدرجة وكانت تعاليمه هذه أساس لما علّم به نسطور فيما بعد ولقد أدانت ثلاث مجامع في انطاكية تعاليم الساموساطي وعزل عن كرسيه في عام 268م.

2 هنا يرد ق. أثناسيوس أيضًا على بدعة الخياليين التي أنكرت أن التجسد كان حقيقيًا، وعلّمت بأن الكلمة في تجسّده قد اتخذ جسدًا خياليًا. ولقد حارب ق. يوحنا هذه البدعة في رسالته الأولى 3:4.

3 تضع الكنيسة هذه التعاليم العقائدية الهامة أمامنا في صلوات الساعة السادسة عندما نتضرّع لله الكلمة الابن المتجسد والرب يسوع المسيح قائلين ” … اقتل أوجاعنا بآلامك المشفية المحييّة .. “.

4 يُلّخص ق. أثناسيوس في هذا الفصل نتائج هذا الأمر الإلهي الذي هو تجسد الابن الوحيد، وقد شرح في كتابه “تجسد الكلمة” بالتفصيل ما نالته البشرية بظهور الله الكلمة في الجسد. انظر كتاب “تجسد الكلمة” ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الفصول 6ـ32.

5 انظر هامش رقم 27 ص50.

6 انظر المقالة الثانية ضد الآريوسيين، ترجمة أ. صموئيل كامل، ود. نصحي عبد الشهيد، إصدار مركز دراسات الآباء 1987. فقرة 65 صفحة 89، فقرة 86 صفحة 106

7 انظر هامش ص50 رقم 27.

8 أى بواسطة شخص واحد، ومن هنا تتضّح هنا الأسس السليمة التي اعتمد عليها ق. كيرلس بخصوص تعليمه عن طبيعة السيد المسيح الواحدة والتي استقاها من ق. أثناسيوس الرسولي.

9 إش22:1.

10 1كو23:1.

11 انظر الهامش رقم 22 ص36.

مقدمة لشرح آيات من الأناجيل عن التجسُّد – للقديس أثناسيوس الرسولي

أنا والآب واحد، ليكونوا واحد كما نحن – شرح نصوص (يو30:10، يو11:17) – للقديس أثناسيوس الرسولي

أنا والآب واحد، ليكونوا واحد كما نحن – شرح نصوص (يو30:10، يو11:17) – للقديس أثناسيوس الرسولي

أنا والآب واحد، ليكونوا واحد كما نحن – شرح نصوص (يو30:10، يو11:17) – للقديس أثناسيوس الرسولي

          10ـ غير أنهم أيضًا يحاولون أن يشكّكوا في هذه الحقائق بواسطة الخرافات الناتجة عن خيالاتهم، فيدّعون أن الابن والآب لا يمكن أن يكونا “واحدًا” أو “متماثلين” بالكيفيّة التي تُعلّم بها الكنيسة، بل بالكيفيّة التي يريدونها هم. إذ يقولون إن ما يريده الآب يريده الابن أيضًا، وهو لا يتعارض معه في الفكر أو في القرار، ولكنه موافق له من جميع الوجوه، وهو يعلن التعاليم نفسها مثل الآب ويقول الكلام المُتّفِق والمتناسق مع تعاليم الآب، لذلك فهو ـ حسب رأيهم ـ واحد مع الآب. ولقد تجرأ البعض[1] منهم أن يكتب هذا وأن يقوله.

          وهل يمكن لأحد أن يقول ما هو أكثر غرابة وعدم معقولية من هذا؟ لأنه لو كان الابن والآب هما واحدًا، بحسب رأيهم هذا، وإن كان الكلمة مثل الآب بهذه الكيفيّة، فينتج عن هذا أن الملائكة أيضًا والكائنات الأخرى الأعلى منا، الرؤساء والسلاطين والعروش والربوبيات، وما نراه نحن مثل الشمس والقمر والنجوم كل هؤلاء سيكونوا أبناء أيضًا مثل الابن، وينبغي أن يقال عنهم أيضًا عندئذٍ أنهم هم والآب واحد، وأن كلاً منهم هو صورة الله وكلمته. لأن ما يريده الله يريدونه هم أيضًا، وهم لا يخالفونه لا في الإرادة ولا في الفعل، بل هم يخضعون لخالقهم في كل شئ. لأن كل هذه الكائنات ما كانت تستطيع أن تبقى في مجدها لو لم تشأ ما شاءه الآب أيضًا. فمثلاً إن ذاك الذي لم يبقَ ” في مجده “، بل ضلّ بعيدا، سمع الكلمات: ” كيف سقطت من السماء يا يوسفوروس[2] المشرق في الصباح “؟ (إش12:14س).

          وإن كان الأمر هكذا، فكيف يكون هو وحده الابن الوحيد الجنس والكلمة والحكمة؟ أو كيف، بينما يوجد كثيرون مثل الآب، يكون وحده هو الصورة؟ لأنه يوجد كثيرون مثل الآب بين البشر، فكثيرون جدًا صاروا شهداء ومن قبلهم الرسل والأنبياء وقبلهم أيضًا البطاركة، وكثيرون أيضًا، الآن يحفظون وصية المخلّص إذ هم رحماء مثل الآب الذي في السماوات (لو36:6) وحفظوا الوصية القائلة ” تمثلوا بالله كأولاد أحباء واسلكوا في المحبة، كما أحبنا المسيح أيضًا ” (أف1:5ـ2). وكثيرون أيضًا تمثلوا ببولس كما تمثل هو أيضًا بالمسيح (1كو1:11)، ولكن ولا واحد من هؤلاء هو الكلمة، أو الحكمة، أو الابن الوحيد الجنس، أو الصورة. ولم يتجزأ أي واحد منهم أن يقول ” أنا والآب واحد ” (يو30:10)، أو ” أنا في الآب والآب فيّ ” (يو10:14)، بل قد قيل عنهم جميعًا ” من مثلك بين الآلهة يا ربي “؟ (مز8:85) و ” من يشبه الرب بين أبناء الله “؟ (مز6:89)، ولكن قيل عن الابن وحده إنه الصورة الحقيقية للآب ومن جوهره، ورغم أننا قد خلقنا حسب الصورة ودعينا صورة الله ومجده[3] فذلك ليس من ذواتنا، بل بسبب صورة الله ومجده الحقيقي الساكن فينا، الذي هو كلمته، والذي صار جسدًا لأجلنا فيما بعد، لكي ننال نحن نعمة هذه الدعوة.

          11ـ وحيث إن فكر الآريوسيين هذا يظهر غير لائق وغير معقول، لذلك فمن الضروري أن يرجع هذا التماثل وهذه الوحدة بين الآب والابن إلى جوهر الابن نفسه، لأنه إن لم يكن سبب التماثل هو وحده الجوهر، فلن يظهر أن الابن يملك شيئًا أكثر من المخلوقات كما سبق القول ولا حتى أنه هو مثل الآب، لكنه سيكون كالآب في التزامه بتعاليم الآب وهو يختلف عن الآب في أن الآب هو آب، أما التعاليم والوصايا فهي للآب. وإن كان الابن هو مثل الآب من جهة التعاليم والوصايا فحينئذٍ ـ بحسب رأيهم ـ يكون الآب أبًا بالاسم فقط، والابن لن يكون صورة الآب التي لا تتبدّل أو بالحري لن يظهر أن له صفات الآب الذاتية وأنه يماثله. لأنه أية مماثلة أو صفات ذاتية يمكن أن يكون لمن هو مختلف تمامًا عن الآب؟ فبولس رغم أنه علّم بنفس تعاليم المخلّص، إلاّ أنه لم يكن مثله في الجوهر.

          فهؤلاء لأن عندهم مثل هذه الأفكار، يتكلّمون بافتراءات كاذبة. لكن الابن والآب هما واحد، كما قلنا سابقًا. وبنفس الطريقة فالابن هو مثل الآب ومن ذات الآب كما يمكن أن يرى وأن يفهم المرء أن أي ابن هو من أبيه، وكما يمكن أن يرى أن الشعاع هو من الشمس. إذًا لأن علاقة الابن بالآب هي هكذا، فحينما يعمل الابن يكون الآب هو العامل، وعندما يأتي الابن إلى القديسين فالآب هو الذي يأتي في الابن، كما وعد حينما قال ” نأتي أنا والآب ونصنع عنده منزلاً ” (يو23:14). لأنه في الصورة يُرى الآب كما أنه في الشعاع يكون النور. لذلك أيضًا وكما قلنا قبل ذلك بقليل، فحينما يُعطى الآب النعمة والسلام، فالابن أيضًا يعطيهما، كما يكتب بولس في كل رسالة له قائلاً ” نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح ” (رو7:1، 1كو3:1، أف1، 2). لأنه توجد نعمة واحدة وهي نفس النعمة التي من الآب في الابن، كما أن نور الشمس وشعاعها هما واحد، وكما أن إنارة الشمس تحدث بواسطة الشعاع. وهكذا أيضًا حينما يدعو الرسول لأهل تسالونيكي فهو يقول لهم ” والله نفسه أبونا وربنا يسوع المسيح يُهدي طريقنا إليكم ” (1تس11:3) فهو بهذا يحفظ وحدة الآب والابن معًا. فهو لم يقل يهديان، كما لو كانت هناك نعمة مزدوجة تعطى من مصدرين: هذا وذاك، بل قال “يهدي” لكي يبيّن أن الآب يُهدي بواسطة الابن، كل هذا كان ينبغي أن يخجل منه هؤلاء عديمو التقوى، ولكنهم لا يخجلون.

          12ـ لأنه لو لم تكن هناك وحدة (في الجوهر) ولو لم يكن الكلمة هو وليد جوهر الآب كالشعاع من النور، وكان الابن مختلفًا في الطبيعة عن الآب، لكان يكفي أن الآب وحده هو الذي يُعطي، طالما أن أي واحد من المخلوقات لا يشترك مع خالقه في العطاء. ولكن الآن كما هي حقيقة الأمر، فإن مثل هذا العطاء يُظهر وحدة الآب والابن. فلا أحد يصلي إلى الله والملائكة أو إلى أي مخلوق آخر، لكي ينال منهم شيئًا وليس هناك من يدعو قائلاً ” ليت الله والملاك يعطيك ” ولكنه يُطلَب من الآب والابن، بسبب وحدتهما (في الجوهر) ووحدة عطائهما. لأن ما يُعطىَ إنما يُعطىَ بواسطة الابن. وليس هناك شئ إلاّ ويعمله الآب بالابن. لأن مَن يطلب هكذا ينال بالتأكيد نعمة. فإن كان رئيس الآباء يعقوب وبينما هو يبارك حفيديه افرايم ومنسى قال “.. الله الذي رعاني منذ وجودي إلى هذا اليوم. الملاك الذي خلّصني من كل شر يبارك الغلامين .. ” (تك15:48ـ16)، فهو لم يُقرِن أي من أولئك الذين خُلقوا بالطبيعة ملائكة، مع الله خالقهم. كما أنه لم يُهمِل ذكْر الله الذي رعاه، ولكنه طَلَبَ البركة لحفيديه من الملاك. لأنه بقوله ” الذي خلّصني من كل شر، لم يشر إلى ملاك مخلوق، بل إلى كلمة الله، الذي قَرَنَه مع الآب في طلبته، الذي بواسطته يخلّص الله أولئك الذين يريدهم لأنه إذ يعرف أنه يُدعى أيضًا ملاك المشورة العظمى للآب ” (إش6:9س)، قال إنه ليس هناك سواه هو الذي يُعطى البركة ويخلّص من الشر. ومع أنه استحق أن ينال البركة من الله إلاّ أنه عندما رغب في مباركة حفيديه، فإنه طلب ذلك من الملاك الذي كان قد سبق وأن طلب منه البركة لنفسه قائلاً: ” لن أتركك إن لم تباركني ” (تك26:32). إذ أن هذا الملاك كان هو الله بحسب ما ذَكَرَ يعقوب نفسه قائلاً: ” قد رأيت الله وجهًا لوجه ” (تك30:32). وهذا هو الذي صلّى إليه أن يبارك أيضًا ابني يوسف. فما يناسب عمل الملاك إذًا هو أن يخدم أوامر الله، وكثيرًا ما كان يذهب أمامهم لكي يطرد الأموريين، وكان يُرسِل ليحرس الشعب في الطريق[4]. لكن ليست هذه هي أعماله بل هي أعمال الله الذي أمره وأرسله، وهو أيضًا الذي يخلّص الذين يريد أن يخلّصهم. لهذا فملاك المشورة لم يكن سوى الرب الإله نفسه الذي قد رآه يعقوب وهو الذي قال له ” وها أنا معك وأحفظك حيثما تذهب ” (تك15:28).

          ولم يكن آخر بل أيضًا كان هو الله الذي لم يسمح للابان أن يخدع يعقوب وأَمَرَه ألاّ يتكلّم بالشر معه، ولم يكن أيضًا سوى الله الذي توسّل هو إليه قائلاً ” نجني من يد أخي عيسو. لأني خائف منه ” (تك11:32س)، ولأنه أيضًا حينما تحدّث مع زوجاته عن لابان قال  ” الله لم يسمح له أن يصنع بي شرًا ” (تك7:31).

          13ـ وداود أيضًا لم يدع إلهًا آخر سوى الله نفسه لكي ينجيه عندما صرخ إليه قائلاً ” إلى الرب في ضيقي صرخت فاستجاب لي يا رب نج نفسي من شفاه الكذب من لسان غش ” (مز1:120ـ2). وأيضًا في اليوم الذي أنقذه فيه الرب من يد جميع أعدائه ومن يد شاول رنّم بكلمات الفرح شاكرًا الله هكذا ” أحبك يا رب يا قوتي. الرب صخرتي وحصني ومنقذي ” (مز1:18ـ2). وبولس بعد أن احتمل اضطهادات كثيرة. لم يقدّم الشكر إلى أحد سوى إلى الله وحده إذ قال ” ومن الجميع أنقذني الرب الذي لنا رجاء فيه أنه سينجي ” (2تيمو11:3، 2كو10:1).

          كما أن إبراهيم واسحق لم يباركا أحدًا سوى الله. فاسحق طلب لأجل يعقوب قائلاً: ” والله القدير يباركك ويجعلك مثمرًا ويكثرك فتكون جمهورًا من الشعوب ويعطيك بركة أبي إبراهيم ” (تك3:28ـ4). ولكن إن كان الله وحده وليس سواه هو الذي يبارك وينجي وليس سوى الرب نفسه هو الذي أنقذ يعقوب، وهو الذي أعطى لرئيس الآباء البركة التي طلبها لأحفاده، فمن الواضح أن يعقوب لم يُقرن مع الله ـ في صلاته ـ أحد سوى كلمة الله، لأنه هو وحده الذي يعلن الآب، ومن أجل هذا دعى كلمة الله بـ “الملاك”[5]. وهذا هو ما فعله الرسول أيضًا حينما قال ” نعمة لكم وسلام من الله والرب يسوع المسيح ” (رو7:1). فإنه بهذا صارت البركة مؤكّدة بسبب وحدة الآب والابن، ولأجل ذلك فالنعمة التي تعطى منهما هي واحدة وهي هي نفسها. فرغم أن الآب يعطي النعمة، إلاّ أنها تُوهب بالابن، ورغم أن الابن هو الذي يَهِبُ النعمة، فالآب هو الذي يعطيها بالابن وفي الابن. لأن الرسول يقول وهو يكتب إلى أهل كورنثوس ” أشكر إلهي في كل حين من جهتكم على نعمة الله المعطاة لكم في يسوع المسيح ” (1كو4:1).

          وهذا يمكن أن نراه في مثال النور والشعاع، لأن ما ينيره النور إنما ينيره بشعاعه، وما يشعه الشعاع فهو يأخذه من النور، هكذا أيضًا حينما يُرى الابن يُرى الآب، لأنه هو شعاع الآب، ولذلك فالآب والابن هما واحد (في الجوهر).

          14ـ ولا يستطيع أحد أن يقول هذا بالنسبة للأشياء الصائرة والمخلوقة لأن ما يعمله الآب، لا يعمله أي ملاك أو أي مخلوق آخر، لأن ولا واحد من هؤلاء هو علّة فاعلة بل هو من الأشياء المخلوقة، وفضلاً عن ذلك فلأنها بعيدة ومنفصلة عن الإله الوحيد ومختلفة في الطبيعة وهي أيضًا مخلوقة، فإنها لا تستطيع أن تعمل ما يعمله الله، كما أنها ـ كما قلت سابقًا ـ لا تستطيع أن تشترك مع الله في إعطاء النعمة.

          ولا يستطيع أحد عندما يرى ملاكًا أن يقول إنه قد ر أي الآب لأن الملائكة كما هو مكتوب ـ هي أرواح خادمة، مرسلة للخدمة (عب14:1)، وهم يبشرون بالعطايا التي تُوهَب من الآب بواسطة الكلمة إلى أولئك الذين ينالونها.

          كما أن الملاك نفسه عند ظهوره، يعترف أنه قد أُرسِل من سيّده كما اعترف جبرائيل عندما ظهر لزكريا وأيضًا عندما ظهر لمريم والدة الإله. ومن يرى منظر ملائكة يعرف أنه ر أي ملاكًا ولم ير الله. فزكريا ر أي ملاكًا، وإشعياء ر أي الرب ومنوح ابو شمشون ر أي ملاكًا، أما موسى فر أي الله وجدعون ر أي ملاكًا، أما إبراهيم فقد ظهر له الله. فالذين رأوا الله لم يقولوا إنهم رأوا ملاكًا، كما أن الذين رأوا ملاكًا اعتبروا أنهم قد رأوا الله لأن الأشياء المخلوقة هي بالطبيعة تختلف اختلافًا عظيمًا بل بالحري اختلافًا كاملاً عن الله الخالق، ولكن يحدث أحيانًا أن يُرى ملاك، والذي يراه يسمع صوت الله، كما حدث في العليقة ” لأن ملاك الرب ظهر في لهيب نار من العليقة ” (خر2:3)، وكلّم الله موسى من العلّيقة قائلاً: ” أنا إله أبيك، إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب ” (خر6:3)، ولكن الملاك لم يكن هو إله إبراهيم، بل الذي تكلّم في الملاك هو الله فالذي ظهر هو ملاك، ولكن الله تكلم فيه. لأنه كما تكلّم الله مع موسى في الخيمة من خلال عمود السحاب هكذا أيضًا يظهر الله ويتكلّم من خلال الملائكة، مثلما تكلّم إلى يشوع بن نون بواسطة ملاك (يش2:1 الخ).

          فإن ما يتكلّم به الله من الواضح أنه يتكلّم به بواسطة الكلمة وليس بواسطة آخر. فالكلمة ليس منفصلاً عن الآب، وليس له جوهر غير جوهر الآب ولا هو غريب عنه. فالأعمال التي يعملها، هي أعمال الآب وهو الخالق مع الآب، فالعطايا التي يعطيها الابن، هي عطايا الآب. والذي قد ر أي الابن، يعرف أنه برؤيته له، لم ير ملاكًا ولا شخصًا أعظم من الملائكة، ولا أي مخلوق على وجه العموم، بل قد ر أي الآب نفسه والذي يسمع الكلمة يعرف أنه يسمع الآب نفسه. مثل ذلك الذي يستنير بواسطة الشعاع، يعرف أنه يستنير بواسطة الشمس.

          15ـ ولأن الكتاب المقدّس يريدنا أن نفهم هذا الأمر هكذا، فقد أعطانا مثل هذه الإيضاحات، التي تكلّمنا عنها أعلاه، والتي بها يمكننا أن نُخجِل اليهود الخائنين من جهة وأن ندحض ادعاءات الوثنيين[6] من الجهة الأخرى، الذي يفكرون ويظنون أننا حينما نتحدّث عن الثالوث، فنحن نعترف بآلهة متعدّدة. لأنه كما يتضّح من المثال، نحن لا نقدم ثلاثة بدايات أو ثلاثة آباء كما يفعل أتباع ماركيون[7] وماني[8] حيث إننا لن نعرض صورة ثلاثة شموس بل شمس واحدة وشعاع واحد. وهناك نور واحد من الشمس في الشعاع، وهكذا فنحن لا نعرف سوى بداية واحدة ونعترف أن الكلمة خالق الكلّ ليس له مصدر آخر للاهوته سوى لاهوت الإله الوحيد، لأنه مولود منه. وعندئذٍ يكون الآسيويون بالحري هم المتهمين بتعدّد الآلهة أو الإلحاد، لأنهم يهذون بالقول عن الابن إنه مخلوق وغريب عن جوهر الآب وإن الروح القدس أيضًا جاء من العدم. لأنهم إما أن يقولوا إن الكلمة ليس هو الله، أو يقولوا ـ بسبب ما قد كتب عنه ـ إنه هو الله. لكنه ليس من ذات جوهر الآب وهكذا يقدمون لنا آلهة متعدّدة بسبب اختلاف الآلهة في الجوهر. إلاّ إذا تجاسروا أن يقولوا إن الابن يدعى إلهًا بالمشاركة فقط (في الجوهر) مثل كل المخلوقات الأخرى.

          وحتى إن كان هذا هو تصوّرهم فهم مازالوا على كفرهم. حيث إنهم يعتبرون الكلمة كواحد من بين المخلوقات. ولكن لا ندع هذا الفكر يأتي إلى أذهاننا إطلاقًا. لأن الألوهة هي واحدة، وهي كائنة أيضًا في الكلمة. وإله واحد هو الآب، كائن بذاته، إذ هو ضابط الكل وظاهر في الابن حيث إنه يتخلّل كل الأشياء بواسطته، وظاهر في الروح القدس حيث إنه يعمل كل شيء بالكلمة في الروح القدس. لأننا بهذا نعترف أن الله واحد في ثالوث، ونقول إن هذا الإيمان بالإله الواحد في ثالوث هو أكثر تقوى جدًا من التعليم بإله الهراطقة بأنواعه الكثيرة وأجزائه العديدة.

          16ـ لأنه إن لم يكن الأمر كذلك، وكان الكلمة مخلوقًا ومصنوعًا من العدم، فهو إما أنه ليس إلهًا حقيقيًا، بسبب أنه هو نفسه واحد من المخلوقات، أو إن كانوا يدعونه إلهًا خجلاً من الكتاب المقدّس، فينبغي بالضرورة أن يقولوا بوجود إلهين، واحد خالق، والآخر مخلوق ووجب أن يعبدوا ربين، واحد غير مخلوق والآخر مخلوق ومصنوع، وينبغي أن يكون لهم إيمانان إيمان بالإله الحقيقي وإيمان بواحد آخر صنعوه وصاغوه بأنفسهم ودعوه إلهًا. ويتبع بالضرورة عن هذا عمى عظيم جدًا حتى أنهم حينما يسجدون لغير المخلوق فَهُم يرفضون المخلوق وحينما ينشغلون بالإله المخلوق، فإنهم يتحوّلون عن الإله الخالق، لأنهم لا يستطيعون أن يروا الواحد كائنًا في الآخر، لأن طبيعتهما وأفعالهما هي غريبة ومختلفة عن بعضها. وحيث إنهم يفكرون بهذه الطريقة، فحتمًا ستقودهم خيالاتهم إلى الاعتقاد بوجود عدد أكثر من الآلهة، لأن هذه هي محاولات أولئك الذين قد ابتعدوا عن الله الواحد. ولماذا إذًا إن كان للأريوسيين هذه التصّورات والآراء، لا يحسبون أنفسهم مع الوثنيين؟ لأنهم مثل هؤلاء تمامًا يعبدون المخلوق بدلاً من الله خالق الكّل. وبينما يتحاشون تسميتهم بالوثنيين لكي يخدعوا غير المحنكين، إلاّ أنهم يضمرون في باطنهم فكرًا مشابهًا لفكر الوثنيين، بل ودائمًا ما يرددون قائلين ” نحن لا نعتقد في اثنين غير مخلوقين ” معتبرين أن قولهم هذا مليء بكل حكمة مع أنه من الواضح أنهم يقولونه لكي يخدعوا البسطاء. لأنه باعترافهم وقولهم ” نحن لا نقول باثنين غير مخلوقين ” فهم يقرون بوجود إلهين مختلفين في طبيعتهما واحد مخلوق، والآخر غير مخلوق، ورغم أن الوثنيين يعبدون إلهًا غير مخلوق وآلهة أخرى كثيرة مخلوقة، فهؤلاء الآسيويون يعبدون واحدًا غير مخلوق وواحدًا مخلوقًا، وهم في هذا لا يختلفون عن الوثنيين. لأن الإله الذي يدعونه مخلوقًا هو واحد بين كثيرين، وأيضًا الآلهة الكثيرة عند الوثنيين لها نفس طبيعة هذا الواحد، لأن الواحد والكثيرين هم مخلوقات.

          إنهم تعساء وتعاستهم هي بالأكثر ناتجة عن معتقداتهم التي هي ضد المسيح لأنهم قد سقطوا من الحق وقد فاقوا اليهود في حياتهم بإنكار المسيح وهم منغمسين مع الوثنيين، ومبغضين له مثلهم، عابدين الخليقة والآلهة المتعدّدة، لأنه يوجد إله واحد وليس كثيرون. وواحد هو كلمته وليسوا كثيرين لأن الكلمة هو الله[9]، وهو وحده صورة الآب. ولأنه هو المخلّص فإنه جعل اليهود يضطربون من هذه الكلمات: ” الآب نفسه، الذي أرسلني، هو يشهد لي، لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته وليست لكم كلمة ثابتة فيكم، لأن الذي أرسله هو لستم أنتم تؤمنون به ” (يو37:5ـ38). لذلك جمع بين “الكلمة” و “الهيئة” لكي يوضّح أن كلمة الله هو نفسه صورة ورسم وهيئة أبيه، وأن اليهود الذين لم يقبلوا الذي تكلّم إليهم لم يقبلوا الكلمة الذي هو صورة الله. وهذا أيضًا هو ما قد رآه يعقوب رئيس الآباء الذي نال البركة من الله وأعطى اسم إسرائيل بدلاً من يعقوب كما يشهد الكتاب الإلهي، قائلاً: ” وأشرقت له الشمس إذ عبر فنوئيل (وجه الله)” (تك31:32) وهذا هو نفسه الذي قال: ” من رآني فقد ر أي الآب ” و ” أنا في الآب والآب في ” و ” أنا والآب واحد ” (يو9:14ـ10، يو30:10).

          وهكذا فإن الله واحد والإيمان بالآب والابن هو واحد. لأنه رغم أن الكلمة هو إله، فالرب إلهنا رب واحد. لأن الابن هو خاص بذاك الواحد وغير منفصل عنه بحسب ذاته وخصوصية جوهره.

          17ـ ومع ذلك فالآريوسيون إذ لا يخجلون من هذا فإنهم يجيبون: [ ليس كما تقولون أنتم، بل كما نريد نحن لأنه طالما قد رفضتم آراءنا السابقة، فإننا قد أوجدنا رأيًا جديدًا، نقول فيه: كما أن الابن والآب واحد، وكما أن الآب هو في الابن والابن في الآب، هكذا أيضًا نكون نحن واحدًا فيه ].

          لأن هذا هو ما كُتِبَ في الإنجيل بحسب يوحنا، وهو ما طَلَبَه المسيح لأجلنا في هذه الكلمات ” أيها الآب القدوس إحفظهم في اسمك الذي أعطيتني ليكونوا واحدًا كما نحن ” (يو11:17). وبعدها بقليل يقول ” ولست أسأل من أجل هؤلاء فقط بل أيضًا من أجل الذين يؤمنون بي بكلامهم، ليكون الجميع واحدًا كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا ليؤمن العالم أنك أرسلتني وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد. أنا فيهم وأنت فيّ ليكونوا مكملين إلى واحد وليعلم العالم أنك أرسلتني ” (يو20:17ـ23). وبعد ذلك فهؤلاء الرجال الخادعون، كأنهم قد وجدوا حجة يستندون عليها يضيفون ويقولون [ إن كنا نصير نحن واحدًا في الآب، هكذا أيضًا يكون الابن واحدًا مع الآب، وهكذا أيضًا يكون هو في الآب، فكيف تستنتجون أنتم من قوله ” أنا والآب واحد”، و” أنا في الآب والآب فيّ ” أن الابن هو من ذات جوهر الآب ومساوٍ له؟ وهذا يتطلّب إما أن نكون نحن أيضًا من ذات جوهر الآب أو أن يكون هو غريب عن هذا الجوهر مثلما نحن غرباء عنه].

          هكذا يثرثر هؤلاء الناس، ولكني لا أرى في كلامهم الباطل هذا سوى وقاحة غير معقولة وجنون شيطاني، حيث إنهم يقولون مثلما قال الشيطان ” نصعد إلى  السماوات ونصير مثل العلّي “[10] لأن ما يُعطَى للإنسان بالنعمة هذا يجعلونه مساويًا لألوهية المُعطي لأنهم إذ سمعوا أن البشر سيصيرون أبناء لله، ظنوا أنفسهم مساويين للابن الحقيقي بالطبيعة والآن أيضًا إذ يسمعون من المخلّص قوله: ” لكي يكونوا واحدًا، كما نحن “، يخدعون أنفسهم وتصل بهم الوقاحة لدرجة أنهم يظنون أنهم سيوجدون مثلما الابن هو كائن في الآب والآب في الابن، غير معتبرين بسقوط أبيهم الشيطان، الذي سقط نتيجة لمثل هذا التخيّل والخداع.

          18ـ فإن كان كلمة الله ـ كما قلنا مرات عديدة ـ هو مثلنا ولا يختلف عنا في شئ سوى في الزمن، فهو يكون مساويًا لنا وله نفس الوضع الذي لنا عند الآب ولا ينبغي عندئذٍ أن يدعى الابن الوحيد ولا الكلمة الوحيد ولا كلمة الآب الوحيد، بل يطلق علينا جميعًا نفس الاسم بصورة مشتركة نحن الذين نماثله، لأنه من الصواب أن الذين لهم طبيعة واحدة، يكون لهم نفس الاسم، حتى لو اختلفوا الواحد عن الآخر من جهة الزمن لأن آدم كان إنسانًا وبولس كان إنسانًا وكل من يولد اليوم هو إنسان، فالزمن ليس هو الذي يغيّر طبيعة الجنس البشري. إذًا فإن كان الكلمة يختلف عنا فقط من جهة الزمن، فعندئذٍ يجب أن نكون مثله هو. ولكن حقيقة الأمر أننا لسنا الكلمة ولا الحكمة، كما أنه هو ليس مخلوقًا ولا مصنوعًا، وبالتأكيد سيتساءلون: لماذا هو فقط من دوننا يكون هو الكلمة مع أننا جميعًا قد خُلقنا بواسطة الله الواحد؟ لكن إن كانت هذه الأمور تناسبهم لكي يتكلّموا بها، فهي لا تناسبنا لأنه لا يجب أن نفكر في تجاديفهم هذه. ومع ذلك رغم أن هذه الآيات لا تحتاج إلى توضيح إذ أن معناها واضح جدًا في إيماننا المستقيم فإننا لكي نوضّح ضلالهم هنا أيضًا في فهم هذه الآيات وعدم أرثوذكسيتهم سوف نشرحها بعد قليل وبحسب ما استلمناه من الآباء.

          لقد اعتاد الكتاب المقدّس أن يستخدم ظواهر الطبيعة كصور وإيضاحات لأجل البشر وهو يفعل هذا لكي يشرح أفعال البشر الإختيارية مما يحدث في الطبيعة، وهكذا يُظهر سلوكهم إما شريرًا أو بارًا. ففي حالة ما هو شرير مثلاً يأمر قائلاً: ” لا تكونوا كفرس أو بغل بلا فهم .. ” (مز9:32)، وعندما يلوم أولئك الذين تشبهوا بهذه الحيوانات يقول ” إنسان في كرامة ولا يفهم يشبه البهائم التي تباد ” (مز20:49) وأيضًا يقول ” صاروا أحصنة معلوفة سائبة ” (إر8:5). والمخلّص لكي يكشف فكر هيرودس قال ” قولوا لهذا الثعلب ” (مت32:13). ومن الجهة الأخرى حذّر تلاميذه ” ها أنا أرسلكم كحملان في وسط ذئاب فكونوا حكماء كالحيّات وودعاء كالحمام ” (مت16:10). وهو قال هذا لا لكي نصير بالطبيعة حيوانات، أو حيّات، أو حمام لأنه هو نفسه لم يخلقنا هكذا، والطبيعة نفسها لا تسمح بذلك، ولكن لكي نتجنّب الانفعالات الحيوانية الخاصة بأحدها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نكون واعين لمكر الحيوان الآخر لكي لا نُخدع به، ولكي نكتسب أيضًا وداعة الحمام.

          19ـ وأيضًا فإن المخلّص إذ يتخّذ من الأمور الإلهية نماذج يقدّمها للإنسان فإنه يقول ” كونوا رحماء كما أن أباكم الذي في السماوات هو رحيم “، ” كونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل ” (لو36:6، مت48:5). وهو قد قال هذا ليس بالطبع لكي نصير مثل الآب، لأنه مستحيل علينا نحن المخلوقين الذين قد خُلقنا من العدم أن نصير مثل الآب. ولكن كما أنه أمرنا ” لا تصيروا كالحصان ” لا لئلا نكون كالحيوانات غير الناطقة، بل لكي لا نتمثل بها في نقص العقل، هكذا فقد قال ” كونوا رحماء مثل الآب ” لا لكي نصير مثل الله، بل لكي عندما نتطلّع إلى أعماله الصالحة فإن ما نفعله من أعمال حسنة إنما نفعله ليس لأجل الناس بل لأجله هو، حتى نأخذ مكافأتنا منه وليس من الناس.

          لأنه كما أنه يوجد ابن واحد حسب الطبيعة وهو الابن الحقيقي الوحيد الجنس، هكذا نصير نحن أيضًا أبناء، لكن ليس مثله هو بالطبيعة وبالحق، بل بحسب نعمة ذاك الذي دعانا، ورغم أننا بشر من الأرض، ومع ذلك نصير آلهة ليس مثل الإله الحقيقي أو كلمته، بل كما قد سرّ الله الذي قد وهبنا هذه النعمة؛ هكذا أيضًا نصير رحماء مثل الله، لا بأن نصير مساويين لله ولا بأن نصير صانعي خيرات بالطبيعة وبالحقيقة، لأن صُنع الخير في ذاته ليس من أنفسنا بل هو من الله ـ بل لكي نوزع على الآخرين الخيرات الموهوبة لنا من الله بالنعمة، دون أن نفرّق بين الناس، بل مقدّمين خدمتنا الرحيمة باتساع للجميع. لأننا بهذه الطريقة وحدها وليس بأي طريقة أخرى نصير متشبّهين به، حينما نقدّم للآخرين العطايا التي ننالها منه. وكما أننا نقدم معنى واضحًا ومستقيمًا لهذه الآيات، هكذا يكون الأمر أيضًا بالنسبة للآيات التي ذَكَرتُ من يوحنا، فهو لا يقول إننا ينبغي أن نصير مثلما أن الابن هو في الآب: فمن أين يمكن أن يكون هكذا طالما الابن هو كلمة الله وحكمته، وبينما نحن قد جُبلنا من الأرض، فإن الابن هو بالطبيعة وبالجوهر هو الكلمة والإله الحقيقي. لأنه هكذا يتكلّم يوحنا: ” ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق. ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح. هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية ” (1يو20:5).

          ونحن به نصير أبناء بالتبني وبالنعمة، مشتركين في روحه، لأنه مكتوب ” وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه ” (يو12:1). لذلك فهو أيضًا الحق لأنه يقول: ” أنا هو الحق ” (يو6:14). وفي مخاطبته لأبيه قال: ” قدّسهم في حقلك كلامك هو حق ” (يو17:17). أما نحن فبالتمثل به نصير فاضلين وأبناء.

          20ـ لذلك فهو لم يَقُل ” لكي يكونوا واحدًا كما نحن لكي نصير كما هو بل كما أنه هو، وهو الكلمة، هو في أبيه، هكذا نحن أيضًا ونحن متخّذين أباه مثالاً لنا ونحن ناظرون إليه، نصير واحدًا فيما بيننا في الوفاق ووحدة الروح. ولا نكون في اختلاف مثل الكورنثيين[11]، بل يكون لنا قلب واحد ونفس واحدة مثل أولئك الخمسة آلاف الذين ذُكِروا في سفر الأعمال (انظر أع4:4، 32) والذين كانوا كواحدٍ. فنحن طبعًا لسنا أبناء كالابن، ولسنا آلهة مثله هو نفسه، ونحن لسنا مثل الآب، بل نصير “رحماء كالآب”. وكما سبق أن قلنا، فإننا عندما نصير واحدًا، كما أن الآب والابن هما واحد، فنحن لن نصير واحدًا مثلما أن الآب هو في الابن بالطبيعة وكذلك الابن في الآب، بل بحسب ما يتّفق مع طبيعتنا الخاصة ومن هذا يمكننا أن نتشكّل وأن نتعلّم كيف يجب أن نصير واحدًا، مثلما تعلّمنا أيضًا أن نكون رحماء. لأن الأشياء المتماثلة هي بالطبيعة واحدة بعضها مع بعض، لأن كل ذي جسد يُولَد منه جسد من نوعه، أما الكلمة فهو مختلف عنا، ولكنه مثل الآب، ولذلك فهو واحد مع أبيه بالطبيعة والحق. وأما نحن فلأننا من جنس واحد (لأن كل البشر قد جاءوا من واحد، وطبيعة البشر جميعهم هي واحدة)، فإننا نصير واحدًا بعضنا مع بعض بالنيّة الصالحة، واضعين أمامنا مثال الوحدة الطبيعية للابن مع الآب. ولأنه كما علّمنا الوداعة بنفسه قائلاً ” تعلّموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب ” (مت29:11) لا لكي نصير مساويين له، لأن هذا غير ممكن ـ بل بنظرنا إليه نظل دائمًا ودعاء. هكذا هنا أيضًا، فهو إذ يريد أن تكون لنا نيّة صالحة بعضنا نحو بعض وتكون أُلفتنا حقيقية وثابتة وغير مضمحلّة، فإنه يجعل لنا من نفسه مثالاً ويقول: ” لكي يكونوا واحدًا، كما نحن ” تلك الوحدة التي لا انفصال فيها، أي بتعلّمهم منّا تلك الطبيعة غير المنقسمة، فإنهم بنفس الطريقة يحفظون الوفاق فيما بينهم، وكما سبق أن قلنا، فإن التمثّل بالأمور الطبيعية يمكن أن يتحقّق بين الناس بصورة مأمونة، حيث إنهم يظلّون بطبيعتهم غير متغيّرين، بينما سلوك الناس هو قابل للتغيّر، فيمكن للإنسان بنظره نحو غير المتغيّر بالطبيعة، أن يتجنّب ما هو رديء، وأن يعيد تشكيل نفسه على حسب الصورة الأفضل، ولهذا السبب أيضًا يكون للكلمات: ” ليكونوا هم أيضًا واحد فينا ” معنى مستقيم.

          21ـ فلو أنه كان من الممكن عندئذٍ أن نصير مثل الابن في الآب، لكان ينبغي أن تكون الكلمات هكذا ” لكي يكونوا هم واحدًا فيك ” مثلما أن الابن هو في الآب، ولكنه لم يَقُل الكلمات هكذا. بل بقوله “فينا”، أظهر المسافة والاختلاف بيننا وبين الابن إذ أنه هو وحده كائن في الآب كالكلمة الوحيد والحكمة الوحيد، ولكننا نحن موجودون في الابن وبواسطته موجودين في الآب. وبكلامه هكذا قصد هذا فقط: هكذا يمكن أن يصيروا واحدًا فيما بينهم بتمثلهم بوحدتنا، كما أننا واحد بالطبيعة وبالحق، وإلاّ فإنهم لن يستطيعوا أن يصيروا واحدًا إلاّ إذ تعلّموا من الوحدة الموجودة فينا. ويمكن أن نتعلّم أيضًا من بولس الرسول هذا المعنى الذي تعطيه كلمة “فينا” عندما نسمعه يقول ” فهذا أيها الأخوة حوّلته تشبيهًا إلى نفسي وإلى أبلوس من أجلكم لكي تتعلّموا “فينا” أن لا تفتكروا فوق ما هو مكتوب ” (1كو6:4). وبالتالي فإن كلمة “فينا” لم تذكر عن كينونة الابن في الآب، بل تقدم مثلاً وصورة بدلاً من أن يقول ” فليتعلّموا منا “. لأنه كما أن بولس يقدّم مثالاً للوحدة إلى أهل كورنثوس، هكذا تكون وحدة الابن والآب هي مثال تعليم ودرس للجميع، يمكن أن يتعلّموا بواسطته عن طريق تطلّعهم إلى الوحدة الطبيعية للآب والابن ـ كيف يجب أن يصيروا فيما بينهم واحدًا في الفكر. ولكن إن كانت كلمة “فينا” تحتاج أن تفسر بمعنى آخر فيمكن عندئذٍ أن تعني أنه: بواسطة قوة الآب والابن يصيروا واحدًا ويقولون “قولاً واحدًا ” (1كو10:1)، لأن هذا غير ممكن بدون معونة الله. وهذا المعنى يمكننا أن نجده أيضًا في الكتاب المقدس مثل ” بالله نصنع ببأس ” (مز12:60س) و ” بك ندوس أعداءنا ” (مز5:44س). فواضح إذًا أننا باسم الآب والابن نصير أشداء، ونصير واحدًا ممسكين برباط المحبة بقوة. وفي نفس المعنى يقول الرب ” وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد ” (يو22:17). فهنا أيضًا لم يَقُل ” لكي يكونوا فيك مثلما أنا فيك “. بل قال ” كما نحن ” والآن هو الذي يقول “كما” لا يقصد أن يتحدّث عن وحدة الطبيعة بل يتحدّث عن صورة ومثال لما ينبغي أن يكونوا عليه.

          22ـ إذًا فالكلمة هو في الواقع وبالحقيقة واحد مع الآب في الجوهر. أما نحن فقد أُعطِيَ لنا أن نتشبّه بهذه الطبيعة كما سبق أن قيل لأنه أضاف مباشرةً ” أنا فيهم وأنت فيّ، ليكونوا مكملّين إلى واحد ” (يو23:17). ولذا فالرب هنا يطلب لأجلنا شيئًا أعظم وأكمل. لأنه واضح أن الكلمة قد جاء لكي يكون فينا لأنه قد لبس جسدنا. وبقوله ” وأنت أيها الآب فيّ ” فهو يعني ” لأني أنا كَلِمَتك، وحيث إنك أنت فيّ، بسبب كوني كَلِمَتك، وأنا فيهم بسبب الجسد، ومنك يتحقق خلاص البشر فيّ، لذلك أسأل أن يصيروا هم واحدًا، بسبب الجسد الذي فيّ وبحسب كماله لكي يصيروا هم أيضًا كاملين إذ يكون لهم وحدة مع الجسد، ولأنهم قد صاروا واحدًا في هذا الجسد، فإنهم كما لو كانوا محمولين فيّ، يصيرون جميعًا جسدًا واحدًا وروحًا واحدًا (أف13:4) لأننا جميعًا، باشتراكنا فيه، نصير جسدًا واحدًا، لأننا نحصل على الرب الواحد في أنفسنا.

          وطالما أن هذه الفقرة لها هذا المعنى فإننا بذلك ندحض هرطقة أعداء المسيح بوضوح أكثر. وإني أكرر القول، إنه لو كان قد قال ببساطة وبصورة مطلقة ” لكي يكونوا واحدًا فيك ” أو ” لكي يصيروا هم وأنا واحدًا فيك ” لكان أعداء الله قد وجدوا بعض العذر رغم أنه عذر قبيح، ولكن حقيقة الأمر أنه لم يتكلّم هكذا بالمرّة بل قال ” كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا ” (يو21:17). وبالإضافة إلى ذلك فإنه باستعماله لفظة “كما” فهو يشير إلى أولئك الذين يصيرون مثله كما هو في الآب ولكن عن بعد، عن بعد ليس من جهة المكان ولكن من جهة الطبيعة لأنه من جهة المكان ليس هناك شئ بعيد عن الله، لكن من جهة الطبيعة وحدها فإن كل الأشياء هي بعيدة عن الله. وكما قلت سابقًا فإن استعمال الأداة “كما” لا يعني التطابق، ولا المساواة ولكن يعني التشّبه بمثال يُنظر إليه من جهة معيّنة.

          32ـ وهذا ما يمكننا أن نتعلّمه أيضًا من المخلّص نفسه، حينما يقول ” لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ” (مت40:12). فإن يونان طبعًا لم يكن مثل المخلّص، ويونان لم ينزل إلى الجحيم، ولا الحوت كان هو الجحيم كما أن يونان حينما ابتلعه الحوت لم يُخرج أولئك الذين كان الحوت قد سبق وابتلعهم قَبْلَه، بل هو وحده الذي خرج من الحوت حينما قذفه. لذلك فليس في لفظة “كما” هنا أي تطابق أو مساواة، بل شيئان مختلفان، فهي توضح نوعًا من التشابه في حالة يونان من جهة الأيام الثلاثة، وبنفس الطريقة فحينما يقول الرب “كما” فإننا نحن أيضًا لا نصير كالابن في الآب ولا كالآب في الابن، لأننا نحن البشر جميعًا نصير واحدًا في الفكر واتفاق الروح مثلما أن الآب والابن واحد.

والمخلّص سيكون مثل يونان في بطن الأرض ولكن بما أن المخلّص ليس هو يونان، وليس كما أُبتلع يونان هكذا نزل المخلّص إلى الجحيم لأن الابن مختلف عن يونان، هكذا بنفس الطريقة فإن صرنا نحن أيضًا واحدًا، مثلما أن الابن هو في الآب، فسوف لا نصير مثل الابن ولن نكون مساويين له، لأن الحديث عن الابن شئ، والحديث عنا شئ آخر. ولهذا السبب فإن لفظة “كما” تنطبق علينا، حيث إن الأشياء التي تختلف عن بعضها في الطبيعة، يمكن أن تصير مشابهة لبعضها البعض حينما ينظر إليها من جهة علاقة معينة تربط بينها. ولذلك فالابن ذاته هو في الآب لأن لهما طبيعة بسيطة[12]، والابن هو ابن الآب حسب الطبيعة، أما نحن فلسنا أبناء للآب حسب الطبيعة. ولهذا فالأمر قد احتاج أن يكون أمامنا نحن البشر مثال كي نكون واحدًا ولهذا قال عنا ” كما أنك أنت فيّ وأنا فيك “. وكأنه يقول “وحينما يصيرون كاملين هكذا حينئذٍ يَعرِفُ العالم أنك أنت أرسلتني” لأنني لو لم أكن قد جئت ولبست جسدهم، لما استطاع أحد منهم أن يصير كاملاً، بل لَظَلَ الجميع في الفساد. أيها الآب اعمل إذًا فيهم، وكما أعطيتني أن ألبس هذا الجسد إعط روحك لهم، لكي يصيروا هم أيضًا بالروح، واحدًا وأن يصيروا مكمّلين فيّ. لأن تكميلهم يدّل على أن كلمتك قد سَكَنَ بينهم، وعندما يراهم العالم كاملين وحاملين لله، فسوف يؤمن أنك أنت أرسلتني وأني أنا قد جئت هنا ـ لأنه من أين يأتيهم الكمال لو لم أكن أنا كلمتك قد أخذت جسدهم، وصرت إنسانًا، وقد أكملت الذي أعطيتني إياه أيها الآب إلى النهاية؟ قد اكتمل العمل، لأن البشر، وقد اُفتُدوا من الخطية لا يبقون أمواتًا بعد. بل إذ يتألهون[13] فإنهم بنظرهم إلىّ يصير لهم رباط المحبة فيما بينهم.

          24ـ ونحن إذ قد تكلّمنا كثيرًا محاولين شرح كلمات هذه الفقرة، فإن يوحنا المبارك في رسالته أظهر معنى هذه الفقرة بكلمات قليلة وأكثر كمالاً من كلماتنا، فهو يُظهر خطأ فهم أولئك الجاحدين، ويعلّمنا كيف أن الابن يختلف عنا في الطبيعة، وبذلك يوقف الآريوسيين عن التفكير في أنهم سيصيرون كالابن، لئلا يسمعوا القول ” أنت إنسان لا إله ” (حز2:28)، ” لا تقس نفسك بإنسان غني وأنت فقير ” (أم4:23س). فيوحنا يكتب هكذا ” بهذا نعرف أننا نثبت فيه وهو فينا أنه قد أعطانا من روحه ” (1يو13:4). لذلك، فبسبب نعمة الروح الذي أُعطيَ لنا نصير نحن فيه وهو فينا. وحيث إن روح الله فينا لذلك فبواسطة سكناه فينا وبسبب حصولنا على الروح نُحسب أننا في الله وهكذا يكون الله فينا.

          إذًا نحن لا نصير في الآب مثلما أن الابن كائن في الآب، لأن الابن ليس كائنًا في الآب بمجرد اشتراكه في الروح ولا هو ينال الروح بل بالحري هو نفسه الذي يَهِبُ الروح للجميع وليس الروح هو الذي يوّحد الكلمة مع الآب بل بالحري فإن الروح يأخذ من الكلمة. والابن كائن في الآب، ككلمته الذاتي وشعاعه، أما نحن فبدون الروح القدس فإننا نكون غرباء عن الله، وعن طريق اشتراكنا في الروح نصير أقرباء لله حتى أن وجودنا في الآب هو ليس منّا، بل هو خاص بالروح الموجود فينا والذي يسكن فينا، ونحن نحتفظ به في داخلنا عن طريق الإقرار كما يقول يوحنا ” مَنْ اعترف أن يسوع هو ابن الله فالله يسكن فيه وهو في الله ” (1يو15:4).

          إذًا فما هي المشابهة وما هي المساواة التي لنا مع الابن؟ بل إن آراء الآريوسيين تُدحض من كل ناحية وخاصةً بكلمات يوحنا، أن الابن هو في الآب بطريقة، أما نحن فنصير في الآب بطريقة أخرى. وأننا لن نصير مثل الكلمة أبدًا، ولا الكلمة سيصير مثلنا، إلاّ إذا تجاسروا كما يفعلون عادة ـ فقالوا إن الابن باشتراكه في الروح وبتقدّمه في الفضيلة صار هو نفسه في الآب. ولكن حتى مجرد قبول هذا الفكر هو كُفر شديد لأن الكلمة ـ كما سبق أن قيل ـ هو الذي يُعطي الروح، وكل ما هو للروح قد أخذه من الكلمة.

          25ـ إذًا فعندما يقول المخلّص ” كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا ” فهو لا يعني بهذا أنه سوف يصير لنا تطابق معه. لأن هذا قد أوضحه في مثال يونان، ولكن كلامه هذا هو طلب إلى الآب لكي يَهِبُ الروح بواسطته للذين يؤمنون به، والذي به نصير في الله، كما كتب يوحنا وبهذا نكون متحدين فيه. وحيث إن الكلمة هو في الآب، والروح يُعطى من الكلمة فهو يريد أن ننال نحن الروح، لكي عندما نناله يصير لنا روح الكلمة الذي هو في الآب، وبسبب الروح سوف نتمجد نحن أيضًا ونصير واحدًا في الكلمة، ومن خلاله في الآب. وعندما يقول ” كما نحن” فهو لا يعني شيئًا آخر سوى أن يسأل أن تصير نعمة الروح المعطاة للتلاميذ ثابتة بلا تزعزع، لأن ما هو للكلمة بالطبيعة في الآب ـ كما قلت سابقًا ـ يريد أن يعطيه لنا بواسطة الروح بلا رجعة. وهذا ما عرفه الرسول، فقال ” مَن سيفصلنا عن محبة المسيح ” (رو35:8). لأن “هبات الله ونعمة دعوته هي بلا ندامة ” (رو29:11). إذًا فالروح هو الكائن في الله ولسنا نحن بذواتنا، ولكن حيث إننا نصير أبناء وآلهة بسبب الكلمة الذي فينا هكذا أيضًا سنصير في الابن وفي الآب، وسوف نحسب أننا صرنا واحدًا في الابن وفي الآب، بسبب وجود ذلك الروح فينا نحن وهو الروح الذي يكون في الكلمة الكائن في الآب، إذًا حينما يسقط إنسان من الروح بسبب شر ما فإنه عندما يتوب ويرجع عن سقطته فالنعمة تظّل مستمرة بلا ندامة في أولئك الذين يريدونها. وإلاّ فإن مَن سقط لا يعود الله ساكنًا فيه (بسبب أن الروح القدس الباراقليط الذي هو في الله قد هجر هذا الإنسان)، ولكن ذلك الخاطئ يصير في ذلك (الروح الشرير) الذي أخضع نفسه له كما حدث في حالة شاول لأن روح الله فارقه، وبغته روح رديء (1صم14:16). وعندما يسمع أعداء الله هذا الكلام فيجب عليهم أن يخجلوا ولا يعودوا يساوون أنفسهم بالله، ولكنهم لا يفهمون لأن  ” الشرير لا يفهم معرفة ” (أم7:29)، ولا يحتملون كلمات التقوى بل يجدونها ثقيلة على مسامعهم.

 

 

 

 

1 يشير هنا إلى استيريوس الآريوسي.

2 هذه الكلمة وردت هكذا في الترجمة السبعينية للعهد القديم باليونانية وتعني نجم الصباح.

3 انظر 1كو7:11.

4 انظر سفر العدد 24:21، عاموس 9:2.

5 ἄγγελος باليونانية والفعل اليوناني ἀγγέλω معناه “يُعلِن” أو “يُبشر”

6 لم يفهم الوثنيين التعاليم المسيحية بخصوص الله الواحد مثلث الأقانيم، لهذا فقد اتهموا المسيحيين بأنهم يعبدون آلهة متعدّدة.

7 ماركيون: عاش في القرن الثاني وعلّم تعاليمًا خاطئة عن أن المسيحيين يؤمنون بإلهين: إله العهد القديم وهو إله متشدّد وقاسٍ وإله آخر حنون ومحب البشر وهو إله العهد الجديد.

8 ماني: هرطوقي من بلاد فارس علّم نفس تعاليم ماركيون تقريبًا. وُلد في عام 215 وخلط في تعاليمه ما بين العبادات الفارسية والمسيحية والديانات الشرقية وكان يؤمن بوجود بدايتين هما النور وهو مبدأ الصلاح والظلمة وهى مبدأ الشر.

9 انظر يو1:1.

10 انظر إش13:14ـ14.

11 انظر 1كو10:1، 21:2.

12 تعبير أن الطبيعة الإلهية هى طبيعة بسيطة تعني أنها طبيعة واحدة غير منقسمة، أى أنه ليس للآب نصف الطبيعة الإلهية وللابن النصف الآخر، بل أن لهما نفس الطبيعة الإلهية الواحدة أو كما يقول القداس الإلهي عندما يتحدّث عن الروح القدس مشدّدًا على طبيعته الإلهية وعمله فينا بكونه هو أحد أقانيم الثالوث القدوس ذو الطبيعة الإلهية الواحدة فيقول ” البسيط في طبيعته ….. “.

13 هذا التعبير عند الآباء لا يعني أن الإنسان يصير بطبيعته إلهًا، بل يعني أنه يشترك في الحياة الإلهية، حياة البر والقداسة.

أنا والآب واحد، ليكونوا واحد كما نحن – شرح نصوص (يو30:10، يو11:17) – للقديس أثناسيوس الرسولي

أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته – شرح نص يو3:17 للقديس أثناسيوس الرسولي

أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته – شرح نص يو3:17 للقديس أثناسيوس الرسولي

أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته – شرح نص يو3:17 للقديس أثناسيوس الرسولي

 

          7ـ ولكن بسبب أن عديمي الإيمان يستخدمون هذه الآيات أيضًا ويجدّفون على الرب، ويَسخَرون منا قائلين: [طالما أن الله يدعى الواحد والوحيد والأول، فكيف تقولون إن الابن هو الله؟ لأنه لو كان هو الله لما كان الله قد قال ” ليس إله معي ” (تث32، 39) ولا ” إلهنا واحد ” (تث6، 4). لذلك فمن الضروري أن نوضح معنى هذه الآيات، بقدر الإمكان، لكي يعرف الجميع من شرحِنا لهذه الآيات أيضًا أن الآريوسيين هم في الحقيقة محاربون لله.

          لأنه لو كان الابن منافسًا للآب إذًا لكانت هذه الكلمات قد قيلت ضده، ولو أن الآب ينظر إلى الابن مثلما حدث لداود حينما سمع عن أدونيا وأبشالوم[1]، إذًا لكان قد نطق بهذه الآيات عن نفسه، لئلا عندما يقول الابن عن نفسه إنه إله، يجعل البعض يتمردون على الآب، أما إن كان مَن يعرف الابن، يعرف الآب بالحرى، والابن هو الذي يكشف له الآب، فإنه يرى بالحري الآب في الكلمة، كما هو مكتوب، وإن كان الابن في مجيئه لم يمجّد نفسه بل مجّد الآب، إذ قال لواحد قد جاء إليه، ” لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس أحد صالح، إلاّ واحد وهو الله ” (لو19:18)، وردًا على سؤال من سأله ما هي الوصيّة العظمى في الناموس قال ” اسمع يا إسرائيل الرب إلهك رب واحد هو ” (مر29:12). وقال للجموع ” قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني ” (يو38:6)، وعلّم التلاميذ قائلاً ” أبي أعظم مني ” (يو28:14) وأيضًا ” الذي يكرمني يكرم الذي أرسلني ” (يو23:5، 20:13) فإن كان موقف الابن تجاه أبيه هو هكذا، فما هو التناقض الذي يمنع أي واحد من أن يتخّذ مثل ذلك المعنى السليم عن هذه الآيات؟

          ومن الناحية الأخرى إن كان الابن هو كلمة الآب فمَن يكون بهذه الدرجة من الحماقة ـ عدا أولئك الذين يحاربون المسيح ـ حتى يظن أن الله قد تكلّم هكذا لكي يطعن في كلمته وينكره؟ فحاشا أن يكون تفكير المسيحيين هكذا! لأن هذه الآيات لم تُكتب ضد الابن، بل لكي تستبعد الآلهة الكاذبة التي اخترعتها البشر. والدليل على ذلك يكمُن في معنى هذه الآيات.

          8ـ وبسبب أن أولئك الذين يعبدون الآلهة الكاذبة، يبتعدون عن الإله الحقيقي، لذلك فلأن الله صالح ومعتني بالبشر فهو ينادي الضالين مرة أخرى، ويقول: ” أنا هو الإله وحدي ” و “أنا هو” و “ليس إله معي”، ومثل كل هذه الآيات، وذلك لكي يحكم على الأشياء التي لا كيان لها، هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى يحوّل البشر إلى نفسه. وكما لو افترضنا أن شخصًا ما أثناء النهار وبينما الشمس ساطعة يرسم رسمًا بدائيًا للشمس على قطعة من الخشب، ثم يقول عن ذلك الرسم أنه سبب النور الساطع، فإن كانت الشمس عندما ترى هذا الرسم يمكنها أن تقول ” أنا هي نور النهار وحدي وليس هناك نور آخر للنهار سواي “، بينما يقول الرسّام هذا ليس عن شعاعها، بل عن رسمه الرديء على الخشب وعن خياله الباطل الذي زيّف الحقيقة.

          هكذا الأمر أيضًا بخصوص الآيات: “أنا هو”، “أنا هو الإله وحدي” و “ليس إله معي”، فالله يقول هذا لكي يجعل الناس يتركون الآلهة الكاذبة ولكي يعرفوا بالحري أنه هو الإله الحقيقي، وحينما قال الله هذا، فبلا شك أنه قاله بواسطة كلمته الذاتي، هذا إن لم يضف اليهود المعاصرون[2] قائلين إنه لم يقل هذا بواسطة كلمته. ولكني بالرغم مما يهذي به أتباع الشيطان هؤلاء، فإن الله قد تكلّم بواسطة كلمته لأن كلمة الرب قد صارت إلى النبي، وهذا هو ما سمعه النبي من (الكلمة). فإذا كان هذا قد قيل بواسطة الكلمة إذًا فلا يقول الله شيئًا أو يفعله إلاّ ويقوله ويفعله بالكلمة. لذلك فيا محاربي الله إن هذه الآيات ليست موجّهة ضد الابن، بل ضد الأشياء الغريبة عن الله، والتي ليست منه. لأنه بحسب الرسم الذي سبق وأشرنا إليه، إن كانت الشمس قد تكلّمت بتلك الكلمات فإنها لم تقلها كأن شعاعها غريب عنها إذ أن شعاعها يُظهر نورها ولكنها تكون قد قالتها لكي تكشف الخطأ وتصححه. لذلك فمثل تلك الآيات ليست لأجل إنكار الابن ولا هي قيلت عنه، بل هي قيلت لطرح الضلال بعيدًا.

          وبناءً على ذلك فإن الله لم يكلّم آدم بمثل هذه الأقوال في البداية، رغم أن الكلمة الذي بواسطته خُلقت كل الأشياء كان معه، إذ لم تكن هناك حاجة إلى ذلك لأن الأوثان لم تكن قد وُجدت بعد. لكن حينما قام الناس ضد الحق ودعوا لأنفسهم آلهة مثلما أرادوا، حينئذٍ صارت الحاجة لمثل هذه الأقوال، أي لأجل إنكار الآلهة التي لا كيان لها. بل أود أن أضيف أنها قد قيلت مسبقًا عن حماقة محاربي المسيح هؤلاء، ولكي يعرفوا أن أي إله يفكرون فيه ويكون غريبًا عن جوهر الآب، لا يكون إلهًا حقيقيًا، ولا هو صورة الآب وابنه، الإله الوحيد.

          9ـ إذًا فإن كان الآب قد دُعيَ الإله الحقيقي الوحيد فهذا لا يعني إنكار هذا الذي قال ” أنا هو الحق ” (يو6:14) بل يعني إنكار أولئك الذين ليسوا بطبيعتهم حقيقيين، مثل الآب وكلمته، ولهذا فقد أضاف الرب مباشرةً: ” ويسوع المسيح الذي أرسلته ” (يو3:17). وعلى هذا فلو أنه كان مخلوقًا لما كان قد أضاف هذه الكلمة ولما كان قد أحصى نفسه مع الخالق، فأية شركة توجد بين الحقيقي وغير الحقيقي؟!

          ولكن الابن إذ أحصى نفسه مع الآب، فقد أظهر أنه من طبيعة الآب نفسها، وأعطانا أن نعرف أنه المولود الحقيقي من الآب الحقيقي. وهكذا أيضًا تعلّم يوحنا وعلّم هذا كاتبًا في رسالته “ ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح. هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية ” (1يو20:5).

          وحينما يقول النبي عن الخليقة ” الذي بسط السماء وحده ” (أيوب8:9) وأيضًا حينما يقول الله ” أنا وحدي باسط السماء ” (إش24:44) يصير واضحًا للجميع أن لفظة (وحده) تشير أيضًا إلى الكلمة الخاص بالوحيد، الذي به خُلقت كل الأشياء وبغيره لم يُخلق شئ. لذلك إن كانت كل الأشياء قد خُلقت بالكلمة، ومع ذلك يقول ” أنا وحدي ” فإنه يعني أن الابن الذي به خُلقت السماوات، هو مع ذلك الوحيد.

          هكذا إن قيل “إله واحد”، ” أنا وحدي”، “أنا الأول” فهذا يعني أن الكلمة كائن في نفس الوقت في ذلك الواحد والوحيد والأول مثل وجود الشعاع في النور. وهذا لا يمكن أن يُفهم عن أي كائن آخر سوى الكلمة وحده. لأن كل الأشياء الأخرى خُلِقت من العدم بواسطة الابن، وهي تختلف اختلافًا كبيرًا جدًا فيما بينها من جهة الطبيعة، أما الابن نفسه فهو مولود حقيقي وطبيعي من الآب.

          ولهذا فهذه العبارة: “أنا الأول” التي اقتبسها هؤلاء الأغبياء لكي يدعموا بها هرطقتهم، هي بالحري تفضح نيتهم الشريرة لأن الله يقول ” أنا الأول وأنا الآخر” (إش6:44) إذًا فإن قلتم إنه الأول بالنسبة للأشياء التي أتت بعده كما لو كان محصى معها، لكي تأتي تلك الأشياء تالية له إذًا فأنتم تظهرون أنه هو نفسه يسبق الأعمال المخلوقة زمنيًا فقط، وهذا يفوق كل كفر. ولكنه لكي يبرهن أنه لم يأخذ بدايته من أي شئ، ولا يوجد شئ قبله ولكي يدحض الأساطير الوثنية، ولكي يبيّن أنه هو البداية والعلّة لكل الأشياء، قال “أنا الأول” أنه واضح أيضًا أن تسمية الابن “بالبكر” هذه لم تُعط فقط له لأجل إحصائه مع المخلوقات، بل لكي تبرهن أن خلق كل الأشياء وتبنيها إنما تم بواسطة الابن. لأنه كما أن الآب هو الأول، هكذا أيضًا “الابن أيضًا هو الأول كصورة الأول تمامًا، وبسبب أن الأول كائن فيه، وهو أيضًا وليد الآب، الذي به تمّ خلق كل الخليقة وتبنّيها.

 

 

1 انظر 2صم1:15ـ19، 41، 1مل5:1 للآخر.

يشير القديس أثناسيوس هنا إلى تمرّد أبشالوم وأدونيا، أولاد داود الاثنين، على أبيهما لاغتصاب المُلك منه، وهو يذكر هذا المثل من العهد القديم، لكي يبيّن أن الابن ليس منافسًا للآب كما ينافس الابنان المتمردان أباهم في المُلك، ويحاولان أن يبعدا الشعب عنه.

2 يستعمل القديس أثناسيوس عبارة “اليهود المعاصرون ” ليعبر بها عن الآريوسيين (انظر المقالة الأولى فصل 8 ص21، فصل 10 ص24 والمقالة الثانية فصل 1ص10.

أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته – شرح نص يو3:17 للقديس أثناسيوس الرسولي

أنا في الآب والآب فيّ – شرح نص يو10:14 للقديس أثناسيوس الرسولي

أنا في الآب والآب فيّ – شرح نص يو10:14 للقديس أثناسيوس الرسولي

أنا في الآب والآب فيّ – شرح نص يو10:14 للقديس أثناسيوس الرسولي

          1ـ يبدو أن الآريوسيين[1] المهووسين إذ قد قرروا أن يقبلوا آراء آريوس ويحتضنوها وأن يصيروا مقاومين للحق ومخالفين له فإنهم يسعون بإصرار لكي يجعلوا كلمات الكتاب: ” عندما يصل الشرير إلى عمق الشر يسلك باحتقار ” (أم3:18س) تنطبق عليهم. فهم لا يتوقفون عندما ندحض ضلالهم، ولا يخجلون من جراء شكوكهم، فإنهم في كفرهم، لا يخجلون أمام جميع الناس (انظر إر3:3).

          لأنهم في كل مرة يستشهدون بالنصوص الآتية ” الرب خلقني” (أم22:8)[2]، “ صائرًا أعظم من الملائكة ” (عب4:1)[3]، “والبكر” (رو29:8، كو15:1)[4] و ” كونه أمينًا للذي أقامه ” (عب2:3)[5] على أنها تبرر تعاليمهم مع أن لها تفسيرًا مستقيمًا وتثبت تقوانا من جهة المسيح، فأنا لا أفهم كيف لا يزال هؤلاء الناس ـ بتأثير سم الحيّة ـ لا يبصرون ما ينبغي أن يبصروه ولا يفهمون ما يقرأونه وكأنهم إذ يتقيأون من عمق قلبهم عديم التقوى، فإنهم بدأوا يحرّفون معنى كلمات الرب: ” أنا في الآب والآب فيّ ” (يو10:14)، قائلين ” كيف يمكن أن يَحتَوى الواحد الآخر والآخر يُحتَوى في الأول “؟ أو كيف يمكن أن يُحتَوى الآب الذي هو أعظم، في الابن الذي هو أصغر منه”؟ أو أي غرابة أن يكون الابن في الآب، طالما أنه مكتوب عنا نحن أيضًا ” به نحيا ونتحرك ونوجد ” (أع17، 28).

          هذه الضلالة في التفكير ناتجة عن إنحراف ذهنهم، فهم يظنون أن الله مادي، ولا يعرفون من هو ” الآب الحقيقي ” ولا من هو الابن الحقيقي “، ولا ما هو ” النور غير المنظور والأزلي “، وشعاعه غير المنظور، ولا يفهمون ما هو الكيان غير المنظور والرسم غير المادي، و الصورة غير المادية “[6].

          لأنهم لو عرفوا، لما جدّفوا على رب المجد ولا سخروا منه، ولما فسروا الأمور غير المادية بطريقة مادية، ولما حرّفوا الكلمات المستقيمة.

          فقد كان يكفي عند سماعهم كلمات الرب أن يؤمنوا بها حيث إن الإيمان البسيط هو أفضل من الاحتمالات[7] التي يفترضونها هم بفضولهم.

          ولكن حيث إنهم قد حاولوا تشويه هذه الآيات لخدمة هرطقتهم فقد أصبح من الضروري أن نفند ضلالهم، من ناحية، وأن نوضّح المعنى الحقيقي للآيات من ناحية أخرى، وذلك لأجل سلام المؤمنين وحفظهم. لأنه عندما يقول ” أنا في الآب والآب فيّ ” فهذا لا يعني كما يظن هؤلاء أن الواحد يفرّغ ذاته في الآخر ليملأ الواحد منهما الآخر، كما يحدث في الأواني الفارغة، حتى أن الابن يملأ فراغ الآب، والآب فراغ الابن، وكأن كلا منهما ليس تامًا ولا كاملاً في ذاته، فهذه هي خاصية الأجساد. لأن مجرد ذكر مثل هذا القول، هو أكثر من الكفر لأن الآب هو تام وكامل، والابن كذلك هو ملء اللاهوت. وما يحدث مع القديسين عندما يحلّ الله فيهم، ويقويهم، هذا لا يحدث في حالة الابن، إذ هو قوة الآب وحكمته. فالمخلوقات باشتراكها في الابن، تتقدّس في الروح، أما الابن نفسه فهو ليس ابنًا بالمشاركة، بل هو المولود الذاتي للآب.

          لأنه هو الحياة التي تأتي من الآب كما من نبع، وكل الأشياء تحيا وتقوم على هذه الحياة. لأن الحياة لا تحيا من حياة أخرى وإلاّ فهي لا تكون عندئذٍ حياة، لكن الابن بالحرى هو الذي يعطي حياة لكل الأشياء.

          2ـ دعونا نفحص إذًا ما يقوله السفسطائي أستيريوس[8]، المدافع عن الهرطقة فهو إذ يتمّثل باليهود يكتب ما يلي: [ إنه واضح جدًا أنه قد قال: أنا في الآب والآب أيضًا فيّ، لهذا السبب فلا الكلمة التي كان يقولها هي كلمته بل كلمة الآب، ولا الأعمال هي خاصة به بل خاصة بالآب، الذي أعطاه القوة ]. فلو كان (استيريوس) الذي قال هذا القول هو طفل صغير لالتمسنا له العذر بسبب صِغر سنه، ولكن لأن مَنْ كتب هذا يسمى حكيمًا ويزعم أن له معرفة كبيرة فكم يكون مقدار اللوم الذي يستحقه؟ ألا يثبت استيريوس نفسه أنه غريبٌ تمامًا عن الرسول طالما هو ينتفخ بكلام الحكمة الإنسانية المقنع (1كو4:2)، ويظن بهذا أنه يستطيع أن ينجح في خداعه، بينما هو لا يفهم ما يقوله. ولا ما يقرّره؟ (انظر 1تيمو7:1). لأن ما قد قاله الابن هو خاص فقط بمن هو ابن ولائق به، فهو كلمة جوهر الآب وحكمته وصورته. وهذا الذي قاله الابن، يجعله استيريوس خاصًا أيضًا بكل المخلوقات ومشتركًا بين الابن والمخلوقات. ويقول هذا المخالف إن الذي هو قوّة الآب، ينال قوّة، ويواصل كُفرَه فيقول إن الابن صار ابنًا[9]. فيقول إن الابن صار ابنًا في الابن وأن الكلمة أخذ سلطان الكلمة. وأيضًا إن الابن لم يكن يريد أن يتكلّم بما تكلّم به عن نفسه على أنه ابن، بل يكون هو الآخر قد تعلّمه، ويكون استريوس بهذا قد وضع الابن مع بقية المخلوقات من جهة التعلّم. لأنه لو أن الابن قد قال هذه الكلمات: “ أنا في الآب والآب فيّ ” كي يبيّن أن الكلمات التي يقولها والأعمال التي يعملها لم تكن له بل للآب، سيكون كداود الذي قال ” إني سأسمع ما يتكلّم به الرب الإله ” (مز8:84س) وكسليمان الذي قال ” كلماتي قد قيلت من الله ” (انظر 1مل24:10س) وأيضًا كموسى الذي كان خادمًا لأقوال الله. لأن كل واحد من هؤلاء الأنبياء لم يتكلّم مما له بل مما أخذه من الله قائلين: ” هكذا يقول الرب “. وحيث إن الأعمال التي عملها القديسون كما اعترفوا هم أنفسهم لم تكن أعمالهم الخاصة بل أعمال الله الذي أعطاهم القوة، فإيليا وإليشع مثلاً يطلبان إلى الله أن يقيم هو الأموات. وعندما طهّر إليشع نعمان من البرص قال له  ” لكي تعرف أنه يوجد إله في إسرائيل ” (انظر 2مل15:5)، وصموئيل أيضًا صلّى في أيام الحصاد لكي يُرسِل الله المطر. والرسل قالوا إنهم يصنعون العجائب لا بقوتهم الخاصة بل بنعمة الرب.

          فمن الواضح إذًا أنه بحسب استيريوس أن هذه الآية عامةً للكّل حيث يستطيع أي واحد من الكّل أن يقول ” أنا في الآب والآب فيّ “، وتبعًا لذلك فلا يكون بعد ابن واحد لله وهو الكلمة وهو الحكمة بل يكون مثل الآخرين واحدًا بين كثيرين.

          3ـ لكن لو كان الرب كذلك لما كانت كلماته هي ” أنا في الآب والآب فيّ، بل بالأحرى كان قد قال ” أنا أيضًا في الآب والآب فيّ “، لكي لا يكون له أي شئ خاص به أو مميز به كابن عن الآب، بل يكون له نفس النعمة المشتركة مع جميع المخلوقات. ولكن الأمر ليس كذلك، كما يظن هؤلاء. وإذ هم لا يفهمون أنه ابن حقيقي من الآب فإنهم يفترون عليه، الذي هو الابن الحقيقي والذي يليق به وحده أن يقول ” أنا في الآب والآب فيّ “. لأن الابن هو في الآب ـ بحسب ما يُسمَح لنا أن نعرف ـ لأن كل كيان الابن هو من جوهر الآب ذاته. كمثل الشعاع من النور، والنهر من الينبوع. حتى أن مَن يرى الابن يرى ما هو خاص بالآب، ويعرف أنه بسبب أن كيان الابن هو من الآب لذلك فهو في الآب. لأن الآب هو في الابن حيث إن الابن هو من الآب وخاص به مثلما أن الشعاع هو من الشمس، والكلمة هي من العقل والنهر من الينبوع. ولذلك فإن مَن يرى الابن، ويرى ما هو خاص بجوهر الآب، يدرك أن الآب هو في الابن. وحيث إن ذات الآب وألوهيته هي كيان الابن، لذلك فإن الابن هو في الآب والآب في الابن. لهذا السبب كان من الصواب أن يقول أولاً: ” أنا والآب واحد ” (يو30:10)، وبعد ذلك يضيف ” أنا في الآب والآب فيّ” (يو30:14) لكي يوضّح وحدانية الألوهية من ناحية ووحدة الجوهر من الناحية الأخرى.

          4ـ إذًا فهما واحد، ولكن ليس مثل الواحد الذي يمكن أن ينقسم إلى جزئين، كما أنهما ليسا مثل الواحد الذي يسمى باسمين، فمرّة يسمى الآب ومرة أخرى يسمى هو نفسه ابنه الذاتي، فهذا ما قال به سابيليوس[10] وبسببه حُكِمَ عليه كهرطوقي.

          لكن هما اثنان لأن الآب هو الآب ولا يكون هو نفسه ابنًا أيضًا، والابن هو ابن ولا يكون هو نفسه آبًا أيضًا. لكن الطبيعة هي واحدة، لأن المولود لا يكون غير مشابه لوالده لأنه هو صورته[11]، وكل ما هو للآب هو للابن (انظر يو15:16). ولهذا فالابن ليس إلهًا آخرًا، لأنه لم ينشأ من خارج (الآب) وإلاّ فسيكون هناك آلهة كثيرون لو أن إلهًا نشأ غريبًا عن ألوهية الآب. لأنه رغم أن الابن كمولود هو متمايز عن الآب إلاّ أنه بكونه إلهًا هو كالآب تمامًا. فهو والآب كلاهما واحد من جهة الذات الواحدة والطبيعة الواحدة والألوهية الواحدة. وكما سبق أن قلنا حيث إن الشعاع هو النور وليس في المرتبة الثانية بعد الشمس، ولا هو نور آخر، ولا هو ناتج من المشاركة مع النور، بل هو مولود كلّي وذاتي من النور ومثل هذا المولود هو بالضرورة نور واحد ولا يستطيع أحد أن يقول إنه يوجد نوران، فرغم أن الشمس والشعاع هما اثنان إلاّ أن نور الشمس الذي ينير بشعاعه كل الأشياء، هو واحد.

          هكذا أيضًا ألوهية الابن هي ألوهية الآب، ولهذا أيضًا فهي غير قابلة للتجزئة، ولذا فإنه يوجد إله واحد وليس آخر سواه. وهكذا حيث إنهما واحد، والألوهية نفسها واحدة، فكل ما يقال عن الآب يقال أيضًا عن الابن ما عدا أن يُلقّب بالآب. فمثلاً يقال عن الابن ـ كما يقال عن الآب ـ إنه هو الله، وكما جاء في (يو1:1) ” وكان الكلمة الله “، وإنه ضابط الكل. وهذا ما توضّحه الآيات فهو ” الذي كان والكائن والذي يأتي الضابط الكل ” (رؤ8:1). وهو “الرب”، كما أن هناك ” رب واحد، يسوع واحد ” (1كو6:8). وأنه هو النور كما قال عن نفسه ” أنا هو النور ” (يو12:8). وأنه يمحو الخطايا كما خاطب اليهود ” لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا ” (لو24:5)، ويمكنك أن تجد أقوال أخرى كثيرة. لأن الابن نفسه يقول ” كل ما للآب هو لي ” (يو15:16). وأيضًا يقول ” وكل مالي فهو لك ” (يو10:17).

          5ـ إن مَنْ يسمع تلك الأقوال التي تقال عن الآب سيرى أنها تقال أيضًا عن الابن. كما أنه سيدرك أن الابن في الآب عندما يكون ما يقال عن الابن، يقال هو نفسه عن الآب. ولماذا يكون ما يقال عن الآب هو نفسه ما يقال عن الابن إلاّ لأن الابن هو مولود من جوهر الآب؟ ولأن الابن مولود من جوهر الآب، لهذا يحق له أن يقول إن خصائص الآب هي خصائصه أيضًا، لذلك فبطريقة مناسبة ومتوافقة مع قوله ” أنا والآب واحد ” (يو35:10)، يضيف قائلاً: ” لكي تعلموا أني أنا في الآب والآب فيّ ” (يو38:10).

          وأكثر من ذلك فقد أضاف مرّة أخرى ” مَن رآني فقد ر أي الآب ” (يو9:14). وفي هذه الأقوال الثلاثة يوجد نفس هذا المعنى الواحد. فالذي يدرك هذا المعنى أي أن الابن والآب هما واحد يعرف جيدًا أن الابن هو في الآب والآب في الابن، لأن ألوهية الابن هي ألوهية الآب، وهذه الألوهية هي في الابن، ومن يدرك هذا، فإنه يقتنع أن ” من ر أي الابن فقد ر أي الآب “، لأن ألوهية الآب تُرى في الابن.

          وهذا ما يمكن أن نفهمه من مثال صورة الملك[12]، حيث يوجد شكل الملك وهيئته في الصورة، والهيئة التي في الصورة هي التي للملك، لأن ملامح الملك في الصورة، هي مثله تمامًا حتى أن من ينظر إلى الصورة يرى الملك فيها، وأيضًا مَن يرى الملك، يدرك أنه هو نفسه الذي في الصورة. وبسبب عدم اختلاف الملامح، فإن مَن يريد أن يرى الملك بعد أن يكون قد ر أي الصورة،فكأن الصورة يمكن أن تقول له: ” أنا والملك واحد “، لأني أنا في المُلك والمٌلك فيّ، وما تراه أنت فيَّ هذا تراه فيه، وما قد رأيته فيه تراه فيَّ. وتبعًا لذلك فمن يسجد للصورة فهو يسجد للمك أيضًا من خلالها، لأن الصورة لها شكله وهيئته. إذًا بما أن الابن أيضًا هو صورة الآب فينبغي أن يكون مفهومًا بالضرورة أن ألوهية الآب هي كينونة الابن وهذا هو ما قيل عنه ” الذي إذ كان في صورة الله ” (في6:2)، و  ” الآب فيَّ ” (يو10:14).

          6ـ وصورة الألوهية ليست جزءً من كلٍ، بل إن ملء ألوهية الآب هو كيان الابن، فالابن هو إله كامل. لذلك أيضًا إذ هو مساوٍ لله، فإنه ” لم يحسب المساواة بالله اختطافا ” (انظر في6:2). وأيضًا حيث إن ألوهية الابن وصورته ليست شيئًا آخر غير ألوهية الآب لذا يقول “أنا في الآب”. لذلك ” كان الله في المسيح مصالحًا العالم لنفسه ” (2كو19:5). لأن الابن هو من ذات جوهر الآب، وبواسطة الابن تصالحت الخليقة مع الله. وهكذا فالأعمال التي عملها الابن هي أعمال الآب لأن الابن هو صورة ألوهية الآب الذي به عُملت الأعمال. ولذا فمن ينظر إلى الابن يرى الآب لأن الابن يوجد ويرى داخل ألوهية الآب. وصورة الآب التي في الابن تُظهر الآب الكائن فيه. ولذلك فالآب هو في الابن. وهكذا فإن ألوهية الآب والخاصية الذاتية لأبوّة الآب للابن، تُرينا أن الابن هو في الآب، وتوضح أنه أزليًا غير منفصل عنه. وأيضًا فمن يسمع ويرى أن ما يقال عن الآب يقال أيضًا عن الابن ويدرك أن هذه الخصائص لم تتراكم لاحقًا مضافة إلى جوهر الابن بالنعمة أو بالمشاركة، بل لأن كيان الابن هو مولود من ذات جوهر الآب، عندئذٍ سوف يفهم حسنًا الآيات ” أنا في الآب والآب فيّ ” وأيضًا ” أنا والآب واحد “.

          إذًا فالابن هو كالآب تمامًا لأن له كل ما هو للآب. لذلك فعندما يُذكر الآب يشار ضمنًا أيضًا إلى الابن معه. لأنه إن لم يكن هناك ابن فلا يستطيع أحد أن يقول إن هناك آب. بينما حينما ندعو الله صانعًا فهذا ليس بالضرورة إعلانًا منا أن مصنوعاته قد أتت إلى الوجود، لأن الصانع موجود قبل وجود مصنوعاته ولكن حينما ندعو الله أبًا فنحن نعني في الحال وجود الابن. لذلك فمَن يؤمن بالابن يؤمن بالآب أيضًا. لأنه يؤمن بمَن هو من جوهر الآب ذاته. وهكذا يكون إيمان واحد بإله واحد. ومن يسجد للابن ويكّرمه، فهو ـ في الابن ـ يسجد للآب ويكّرمه. إذ أن الألوهية هي واحدة، ولذلك فالإكرام والسجود اللذان يقدمان إلى الآب في الابن وبه، هما واحد. ولهذا فالذي يسجد إنما يسجد لإله واحد، لأنه يوجد إله واحد وليس آخر سواه. ولذلك فحينما يسمّى الآب بأنه الإله الوحيد، كما هو مكتوب ” ويوجد إله واحد ” (مر29:12)، ” وأنا هو ـ أنا أكون ” (خر14:3)، وأيضًا ” ليس إله معي ” (تث39:32)، ” أنا الأول وأنا الآخر” (إش6:44)، يكون كل هذا بالصواب قد كُتب. لأن الله واحد وهو الوحيد وهو الأول، ولكن هذا لا يقال بقصد إنكار وجود الابن، حاشا، لأن الابن هو في ذلك الواحد والوحيد والأول، لكونه الكلمة الوحيد والحكمة والشعاع الذي من ذاك الواحد والوحيد والأول.

          فالابن أيضًا هو الأول إذ هو ملء لاهوت الأول والوحيد. إذ هو إله كامل وتام. فهذه الأقوال التي أشرنا إليها عن ” الإله الواحد والوحيد والأول ” لم تُقَل لاستبعاد الابن، بل لكي تستبعد أنه يوجد إله آخر غير الآب وكلمته. هذا هو إذًا معنى كلام النبي وهو واضح وظاهر للكل.

 

 

1 الآريوسيين: هم أتباع آريوس الذين كانوا يؤمنون وينادون بتعاليمه. وكثيرًا ما استخدم آباء الكنيسة هذا اللقب لوصف هؤلاء الأتباع فبخلاف القديس أثناسيوس نجد أن القديس ابيفانيوس أسقف قبرص على سبيل المثال قد أطلق عليهم هذه الصفة (المهووسين) (انظر ضد الهرطقات 2:2، ضد الآريوسيين المهووسين 13، 3 PG 42.201,220,401

2 انظر المقالة الثانية فصل 19. الترجمة العربية ص72.

3 انظر المقالة الأولى فصل 13 الترجمة العربية ص98.

4 انظر المقالة الثانية فصل 21 الترجمة العربية ص99.

5 انظر المقالة الثانية فصل 4 الترجمة العربية ص9.

6 انظر عب3:1 الذي يصف الابن قائلاً: ” الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره … “.

7 أى استخدام أدلة محتملة الحدوث بدلاً من الإثباتات.

8 أحد أتباع آريوس وتلاميذه.

9 خلاصة فكر استيريوس أن الابن ليس من جوهر الآب ولذلك فهو يقول عن الابن إنه ينال القوة من الله مثل باقي المخلوقات وليس هو قوة الله ذاتها كذلك أن الابن ليس ابنًا لله بالطبيعة بل هو يصير ابنًا بالتبني مثل باقي المخلوقات ـ وهذا هو معنى كلمة “في ابن” أى لم يكن هو ابنًا لله أصلاً وكذلك لا يكون الابن هو كلمة الله بالطبيعة بل يأخذ سلطان الكلمة مثل الأنبياء الذين أتت إليهم كلمة الله وهم مخلوقين.

10 سابيليوس: ظهر في روما في أوائل القرن الثالث وعلّم بأن الآب والابن والروح القدس هم أقنوم واحد وليسوا ثلاثة متحدين جوهريًا. وقال إن الآب أعطى الناموس في العهد القديم ثم تجسد هذا الأقنوم وظهر باسم المسيح ثم ظهر هو نفسه باسم الروح القدس، أى أن الثالوث هو ثلاث ظهورات متوالية في التاريخ لشخص واحد، وليس ثلاثة أقانيم متمايزة لهم جوهر واحد.

11 الابن فقط هو صورة الله الآب بسبب وحدة الجوهر الإلهي.

12 يستخدم ق. أثناسيوس هذا المثال نظرًا لما اعتاد عليه الوثنيون من السجود لصورة الإمبراطور باعتباره شخصية إلهية يجب أن يقدّم لها التكريم والذبائح.

 

أنا في الآب والآب فيّ – شرح نص يو10:14 للقديس أثناسيوس الرسولي

ضد الأريوسيين المقالة الثالثة – أثناسيوس الرسولي

ضد الأريوسيين المقالة الثالثة – أثناسيوس الرسولي

ضد الأريوسيين المقالة الثالثة – أثناسيوس الرسولي

مقدمة

هذه هى “المقالة الثالثة ضد الآريوسيين” التي كتبها القديس أثناسيوس دفاعًا عن ألوهية المسيح من خلال شرحه الدقيق لنصوص الكتاب المقدس التي حاول الآريوسيون أن يحرّفوا معناها للطعن في ألوهية المسيح، وهو بذلك يكمّل دفاعه وشهادته لألوهية المسيح في المقالتين الأولى والثانية ضد الآريوسيين  اللتين صدرتا في 1984، 1987 على التوالي.

ونذكّر القارئ مرّة أخرى أن القديس أثناسيوس يستخدم الترجمة السبعينية اليونانية للعهد القديم في الآيات التي يستشهد بها من العهد القديم وقد وضعنا حرف (س) بعد الشاهد للدلالة على أن الآية المقتبسة هى من الترجمة السبعينية.

أما الكلمات التي بين قوسين، فهى ليست موجودة في الأصل اليوناني ولكنها أُضيفت لتوضيح المعنى.

 

مصادر الترجمة:

النص اليوناني “للمقالة الثالثة ضد الآريوسيين” ظهر في المجلد 26 من مجموعة الآباء ميني باليونانية (M, PG 26:421-468)

ونفس النص اليوناني الذي تمّت عنه هذه الترجمة منشور في “سلسلة آباء الكنيسة ΕΠΕ أعمال أثناسيوس الأسكندري الكبير مجلد 3، إصدار مكتبة “غريغوريوس بالاماس” تسالونيكي اليونان 1975.

وقد تمت مقارنة الترجمة بالترجمة الإنجليزية التي أنجزها العالم الكاردينال نيومان المنشورة بالمجلد 4 من سلسلة “آباء نيقية وما بعد نيقية” المجموعة الثانية N.P.N. 2nd Series

 ولإلهنا الحيّ القدير يسوع المسيح المجد والسجود مع أبيه الصالح والروح القدس الثالوث القدوس الواحد، الآن وإلى الأبد آمين.

 

الفصل الثالث والعشرين: أنا في الآب والآب فيّ – شرح نص يو10:14

الفصل الرابع والعشرين: أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته – شرح نص يو3:17

الفصل الخامس والعشرين: أنا والآب واحد، ليكونوا واحد كما نحن – شرح نصوص (يو30:10، يو11:17) 

الفصل السادس والعشرين: مقدمة لشرح آيات من الأناجيل عن التجسُّد

الفصل السابع والعشرين: قد دفع كل شيء في يده – كل شيء قد دفع إليّ من أبي – شرح نصوص (يو35:3، مت27:11) 

الفصل الثامن والعشرين: معرفة الابن لليوم والساعة، التقدّم في النعمة والحكمة – شرح نصوص (مر32:13، لو52:2) 

الفصل التاسع والعشرين: إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس – الآن نفسي قد اضطربت – شرح نصوص مت39:26، يو27:12

 الفصل الثلاثون: اعتراضات ضد لاهوت المسيح والرد عليها 

 

ضد الأريوسيين المقالة الثالثة – أثناسيوس الرسولي

تأله ناسوت المسيح في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

تأله ناسوت المسيح في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

تأله ناسوت المسيح في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

يعلم آباء الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة بتعليم غاية في الأهمية هو تأله ناسوت المسيح، حيث يرى الآباء أن تأله ناسوت المسيح هو الطريق لتأله أجسادنا نحن بالمسيح في الروح القدس.

فنجد القديس أثناسيوس الرسولي يؤكد على تأله ناسوت المسيح، ويؤكد أيضًا على تبادل الخواص والصفات في المسيح كالتالي:

“بل كُتبت هذه العبارة عنه بسببنا ولأجلنا. لأنه كما مات المسيح ثم رُفع كإنسان، فبالمثل قيل عنه إنه أخذ كإنسان ما كان له دائمًا كإله، وذلك لكي تصل إلينا عطية مثل هذه النعمة، فإن اللوغوس لم يحط من قدره باتخاذه جسدًا حتى يسعى للحصول على نعمة أيضًا، بل بالأحرى فإن الجسد الذي لبسه قد تأله*، بل وأكثر من ذلك، فقد أنعم بهذه النعمة على جنس البشر بدرجة أكثر”.

أثناسيوس (قديس)، المقالات ضد الآريوسيين، ترجمة: د. صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، ١: ١١: ٤٢، ص ١١٠، ١١١.

ويكرر نفس الحديث عن تأله ناسوت المسيح في موضع آخر كالتالي:

“لأنه حينما صار إنسانًا، لم يكف عن أن يكون الله، ولا بسبب كونه الله يتجنب ما هو خاص بالإنسان، حاشا بل بالحري، إذ هو الله فقد أخذ الجسد لنفسه، وبوجوده في الجسد، فإنه يؤله* الجسد”.

المرجع السابق، ٣: ٢٧: ٣٨، ص ٣٤٣، ٣٤٤.

ويشدد أيضًا على تأله ناسوت المسيح في موضع آخر قائلاً:

“وعندئذ لم يقل ‘والابن’ كما سبق وقال إنسانيًا، بل قال: ‘ليس لكم أن تعرفوا’ لأن الجسد عندئذ كان قد قام وخلع عنه الموت وتأله*، ولم يعد يليق به أن يجيب بحسب الجسد عندما كان منطلقًا إلى السماوات، بل أن يعلم بطريقة إلهية”.

المرجع السابق، ٣: ٢٨: ٤٨، ص ٣٥٨.

وهذا هو أيضًا ما يقوله ق. غريغوريوس اللاهوتي عن تأله ناسوت المسيح، حيث يقول في عظته الثيؤفانيا (الظهور الإلهي) أو عظة عيد الميلاد التالي:

“الله قد خرج مع الجسد الذي اتخذه، واحد من اثنين كانا مختلفين، الجسد والروح، حيث أحدهما كان يؤله، والآخر يتأله*. فيا للخلط الجديد! يا للمزج العجيب! هو الذي هو، قد صار، والخالق خُلق، وغير المدرَك قد أُدرك بواسطة العقل كوسيط الذي هو في المنتصف بين اللاهوت وخشونة الجسد”.

Gregory of Nazianzus, Theophany, PG 36.325 B-C.

ويتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتي عن تأله ناسوت المسيح نفسًا وجسدًا في مواجهة أبوليناريوس الذي أنكر وجود النفس الإنسانية العاقلة في المسيح كالتالي:

“إذا كان الأقل نبلاً قد اُتخذ ليتقدس إذ أنه (المسيح) اتخذ جسدًا، أفلا يُتخذ الأكثر نبلاً ليُقدس إذ أنه (المسيح) صار إنسانًا، إذ كان التراب [يقصد الجسد] أيها الحكماء قد خمّر الخمير فصار عجينًا جديدًا، أفلا يُخمِّر الصورة [الروح] فترقى إلى الامتزاج بالله، بعد أن تكون قد تألهت بالألوهة*؟”.

غريغوريوس النزينزي (قديس)، رسائل لاهوتية، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ٢٠٠٠)، الرسالة الأولى إلى كليدونيوس، ص ٢٤.

ويقول ق. غريغوريوس اللاهوتي في خطبته اللاهوتية الأولى عن الابن في مواجهة الأفنوميين الآريوسيين منكري ألوهية المسيح متحدثًا عن تأله ناسوت المسيح، الذي فتح الطريق أمام تأله أجسادنا نحن أيضًا التالي:

“فالذي [أي الابن] هو الآن حقير في نظرك، كان قبلاً أرفع منك، الذي هو الآن إنسان، كان حينذاك غير مركب. وما كأنه بقي عليه، وما لم يكنه صار إليه [أي الناسوت]. كان في البدء بلا علة – وهل يكون لله علة؟ – ثم وُلد لعلة. وكانت العلة هي أن تخلُص، أنت المجدف عليه، ومحتقر الألوهة التي تحملت كثافتك، والإنسان الأرضي الذي اتحد بالجسد بواسطة روح، صار إلهًا* عندما امتزج بالله، وصار واحدًا، يغلب فيه الأفضل والأرفع، وبذلك أصبحُ أنا إلهًا بقدر ما أصبح هو إنسانًا”.

غريغوريوس النزينزي (قديس)، الخطب ٢٧-٣١ اللاهوتية، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ١٩٩٣)، ٢٩: ١٩، ص ١٠٠.

وهذا هو أيضًا ما يؤكد عليه ق. غريغوريوس النيسي في مواجهة الهرطقة الأبولينارية، حيث شدد على تأله ناسوت المسيح، واكتسابه خواص الألوهية بعد التجسد التدبيري لله الكلمة، وهذا بالطبع ينعكس على أجساد البشر الذين خلصهم الله الكلمة بتجسده من الخطية واللعنة والضعف، ومنحهم التأله وخواص الألوهية من الحكمة، والقداسة، والقوة، وعدم التألم كالتالي:

“إننا نضع في الاعتبار قول الرسول: إنه صار خطيةً، ولعنةً لأجلنا، وإنه قد أخذ ضعفنا عليه بحسب كلام إشعياء النبي، ولم يترك الخطية، واللعنة، والضعف دون شفاء، بل قد ابتُلع المائت من الحياة، ولقد امتزج كل شيء ضعيف ومائت في طبيعتنا مع الألوهية*، وصار ما تكونه الألوهية*”.

غريغوريوس النيسي (قديس)، الرسالة إلى البابا ثيؤفيلوس السكندري ٢٣ ضد الأبوليناريين، ترجمة: أنطون جرجس، (القاهرة: دورية مدرسة الإسكندرية رقم ٣١، ٢٠٢١)، ص ٥٢، ٥٣.

ويكرر النيسي نفس الحديث عن تأله ناسوت المسيح في نفس الرسالة قائلاً:

” لأنه باكورة الطبيعة البشرية التي أخذها امتزجت بالألوهية* كلية القدرة والقوة […] لكن بما أن كل هذه الخواص التي نراها مصاحبةً للمائت قد تحولت إلى خواص الألوهية*، فلا يمكن إدراك أي تمييز بينهما، لأن أي شيء يمكن أن يراه الإنسان في الابن هو الألوهية، والحكمة، والقوة، والقداسة، وعدم التألم”.

المرجع السابق، ص ٥٤.

وكذلك أيضًا يؤكد ق. هيلاري أسقف بواتييه الملقب بأثناسيوس الغرب على تأله ناسوت المسيح، حيث يقول التالي:

” إذ يتلخص التجسد في هذا، أن كل ما للابن – أي ناسوته ولاهوته- قد سمح له الآب أن يستمر في وحدة طبيعته، ولم يحتفظ فقط بقدرات الطبيعة الإلهية، بل وأيضًا بتلك الطبيعة نفسها. فإن الهدف المطلوب هو أن يتأله الناسوت*. لكن الناسوت المُتخذ لم يكن ممكنًا له بأية طريقة أن يبقى في وحدة الله، إلا إذا وصل إلى الوحدة مع اللاهوت”.

هيلاري أسقف بواتييه (قديس)، عن الثالوث، ترجمة: راهب من دير الانبا أنطونيوس، (مصر: دير الانبا أنطونيوس بالبحر الأحمر، ٢٠١٧)، ٩: ٣٨، ص٦٣١، ٦٣٢.

كما يؤكد ق. كيرلس السكندري الملقب بعمود الدين على تأله ناسوت المسيح، الذي يعد الوسيلة والطريقة لتأله أجسادنا نحن أيضًا، حيث يقول التالي:

” تتقدم الطبيعة البشرية في الحكمة وفقًا للطريقة الآتية: الحكمة الذي هو كلمة الله اتخذ الطبيعة البشرية فتألهت*، وهذا مبرهَن من خلال أعمال الجسد، والنتائج العجيبة في أعين أولئك الذين يرون الهيكل (الجسد) الذي أخذه، جعلته يرتقي بالنسبة لهم. هكذا ارتقت الطبيعة البشرية في الحكمة متألهةً* بواسطتها. لذلك أيضًا نحن بطريقة مماثلة للكلمة، الذي لأجلنا تأنس، نُدعى أبناء الله وآلهةً*. لقد تقدمت طبيعتنا في الحكمة منتقلةً من الفساد إلى عدم الفساد، ومن الطبيعة البشرية إلى الألوهية* بنعمة المسيح”.

كيرلس السكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١١)، ٢٨: ١١، ص ٣٩٦.

ويشرح ق. ساويروس الأنطاكي مثله مثل باقي الآباء السابقين عليه أن تأله ناسوت المسيح معناه لمعان جسد المسيح بالمجد الخاص بالله مقتبسًا ومفسرًا قول ق. غريغوريوس اللاهوتي من عظة الثيؤفانيا أو عيد الميلاد الذي أقتبسناه أعلاه، حيث يقول في رسالته الثانية إلى سرجيوس النحوي التالي:

“ففي العظة (Lebon p. 116) على الظهور الإلهي يقول [ق غريغوريوس] ‘الله خرج مع الجسد الذي اتخذه، واحد من اثنين كانا مختلفين، الجسد والروح، حيث أحدهما كان يؤله والآخر يتأله*’. لكن يُفهم تعبير ‘يتأله’ ويقال لأن الجسد قد لمع بالمجد الخاص بالله، كما يقول الحكيم (كيرلس) وليس لأنه تغير إلى طبيعة اللاهوت”.

ساويروس الأنطاكي (قديس)، الرسالة الثانية إلى سرجيوس النحوي، ترجمة: راهب من دير الانبا أنطونيوس، (مصر: دير الانبا أنطونيوس بالبحر الأحمر، ٢٠١٥)، ص ٣٢٣.

ويتضح من هنا إجماع آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا على تأله ناسوت المسيح كوسيلة وكتهيئة لتأله أجسادنا نحن بالمسيح في الروح القدس، وليس كما ينكر النساطرة الجدد تأله ناسوت المسيح مدعين عن جهل بأنه تعليم نسطوري، بل قد ثبُت من نصوص الآباء شرقًا وغربًا أن تأله ناسوت المسيح هو عقيدة أرثوذكسية راسخة في الكنيسة الجامعة.

تأله ناسوت المسيح في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته (يو3:17) – للقديس أثناسيوس الرسولي

أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته (يو3:17) – للقديس أثناسيوس الرسولي *

أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته (يو3:17) – للقديس أثناسيوس الرسولي

أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته (يو3:17) – للقديس أثناسيوس الرسولي

بسبب أن عديمي الإيمان يستخدمون هذه الآيات أيضًا ويجدّفون على الرب، ويَسخَرون منا قائلين: [ طالما أن الله يدعى الواحد والوحيد والأول، فكيف تقولون إن الابن هو الله؟ لأنه لو كان هو الله لما كان الله قد قال ” ليس إله معي ” (تث32، 39) ولا ” إلهنا واحد ” (تث6، 4). لذلك فمن الضروري أن نوضح معنى هذه الآيات، بقدر الإمكان، لكي يعرف الجميع من شرحِنا لهذه الآيات أيضًا أن الآريوسيين هم في الحقيقة محاربون لله.

لأنه لو كان الإبن منافسًا للآب إذًا لكانت هذه الكلمات قد قيلت ضده، ولو أن الآب ينظر إلى الابن مثلما حدث لداود حينما سمع عن أدونيا وأبشالوم[1]، إذًا لكان قد نطق بهذه الآيات عن نفسه، لئلا عندما يقول الإبن عن نفسه إنه إله، يجعل البعض يتمردون على الآب، أما إن كان مَن يعرف الابن، يعرف الآب بالحرى، والابن هو الذي يكشف له الآب، فإنه يرى بالحري الآب في الكلمة، كما هو مكتوب، وإن كان الابن في مجيئه لم يمجّد نفسه بل مجّد الآب، إذ قال لواحد قد جاء إليه، ” لماذا تدعوني صالحًا ؟ ليس أحد صالح، إلاّ واحد وهو الله ” (لو19:18)، وردًا على سؤال من سأله ما هى الوصيّة العظمى في الناموس قال ” اسمع يا إسرائيل الرب إلهك رب واحد هو ” (مر29:12). وقال للجموع ” قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني ” (يو38:6)، وعلّم التلاميذ قائلاً ” أبي أعظم مني ” (يو28:14) وأيضًا ” الذي يكرمني يكرم الذي أرسلني ” (يو23:5، 20:13) فإن كان موقف الابن تجاه أبيه هو هكذا، فما هو التناقض الذي يمنع أى واحد من أن يتخّذ مثل ذلك المعنى السليم عن هذه الآيات؟

ومن الناحية الأخرى إن كان الابن هو كلمة الآب فمَن يكون بهذه الدرجة من الحماقة ـ عدا أولئك الذين يحاربون المسيح ـ حتى يظن أن الله قد تكلّم هكذا لكي يطعن في كلمته وينكره؟ فحاشا أن يكون تفكير المسيحيين هكذا! لأن هذه الآيات لم تُكتب ضد الابن، بل لكي تستبعد الآلهة الكاذبة التي اخترعتها البشر. والدليل على ذلك يكمُن في معنى هذه الآيات.

بسبب أن أولئك الذين يعبدون الآلهة الكاذبة، يبتعدون عن الإله الحقيقي، لذلك فلأن الله صالح ومعتني بالبشر فهو ينادي الضالين مرة أخرى، ويقول: ” أنا هو الإله وحدي ” و “أنا هو” و “ليس إله معي”، ومثل كل هذه الآيات، وذلك لكي يحكم على الأشياء التي لا كيان لها، هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى يحوّل البشر إلى نفسه. وكما لو افترضنا أن شخصًا ما أثناء النهار وبينما الشمس ساطعة يرسم رسمًا بدائيًا للشمس على قطعة من الخشب، ثم يقول عن ذلك الرسم أنه سبب النور الساطع، فإن كانت الشمس عندما ترى هذا الرسم يمكنها أن تقول ” أنا هي نور النهار وحدي وليس هناك نور آخر للنهار سواي “، بينما يقول الرسّام هذا ليس عن شعاعها، بل عن رسمه الرديء على الخشب وعن خياله الباطل الذي زيّف الحقيقة.

هكذا الأمر أيضًا بخصوص الآيات: “أنا هو”، “أنا هو الإله وحدي” و “ليس إله معي”، فالله يقول هذا لكي يجعل الناس يتركون الآلهة الكاذبة ولكي يعرفوا بالحري أنه هو الإله الحقيقي، وحينما قال الله هذا، فبلا شك أنه قاله بواسطة كلمته الذاتي، هذا إن لم يضف اليهود المعاصرون[2] قائلين إنه لم يقل هذا بواسطة كلمته. ولكني بالرغم مما يهذي به أتباع الشيطان هؤلاء، فإن الله قد تكلّم بواسطة كلمته لأن كلمة الرب قد صارت إلى النبي، وهذا هو ما سمعه النبي من (الكلمة). فإذا كان هذا قد قيل بواسطة الكلمة إذًا فلا يقول الله شيئًا أو يفعله إلاّ ويقوله ويفعله بالكلمة. لذلك فيا محاربي الله إن هذه الآيات ليست موجّهة ضد الابن، بل ضد الأشياء الغريبة عن الله، والتي ليست منه.

لأنه بحسب الرسم الذي سبق وأشرنا إليه، إن كانت الشمس قد تكلّمت بتلك الكلمات فإنها لم تقلها كأن شعاعها غريب عنها إذ أن شعاعها يُظهر نورها ولكنها تكون قد قالتها لكي تكشف الخطأ وتصححه. لذلك فمثل تلك الآيات ليست لأجل إنكار الابن ولا هى قيلت عنه، بل هى قيلت لطرح الضلال بعيدًا.

وبناءً على ذلك فإن الله لم يكلّم آدم بمثل هذه الأقوال في البداية، رغم أن الكلمة الذي بواسطته خُلقت كل الأشياء كان معه، إذ لم تكن هناك حاجة إلى ذلك لأن الأوثان لم تكن قد وُجدت بعد. لكن حينما قام الناس ضد الحق ودعوا لأنفسهم آلهة مثلما أرادوا، حينئذٍ صارت الحاجة لمثل هذه الأقوال، أي لأجل إنكار الآلهة التي لا كيان لها. بل أود أن أضيف أنها قد قيلت مسبقًا عن حماقة محاربي المسيح هؤلاء، ولكي يعرفوا أن أي إله يفكرون فيه ويكون غريبًا عن جوهر الآب، لا يكون إلهًا حقيقيًا، ولا هو صورة الآب وابنه، الإله الوحيد.

إذًا فإن كان الآب قد دُعيَ الإله الحقيقي الوحيد فهذا لا يعني إنكار هذا الذي قال  ” أنا هو الحق ” (يو6:14) بل يعني أنه ينكر الذين ليسوا مثل الآب وكلمته في أنهم ليسوا حقيقيين بطبيعتهم، ولهذا فقد أضاف الرب مباشرةً: ” ويسوع المسيح الذي أرسلته ” (يو3:17). وعلى هذا فلو أنه كان مخلوقًا لما كان قد أضاف هذه الكلمة ولما كان قد أحصى نفسه مع الخالق، فأية شركة توجد بين الحقيقي وغير الحقيقي؟!

ولكن الابن إذ أحصى نفسه مع الآب، فقد أظهر أنه من طبيعة الآب نفسها، وأعطانا أن نعرف أنه المولود الحقيقي من الآب الحقيقي. وهكذا أيضًا تعلّم يوحنا وعلّم هذا كاتبًا في رسالته “ ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح. هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية ” (1يو20:5).

وحينما يقول النبي عن الخليقة ” الذي بسط السماء وحده ” (أيوب8:9) وأيضًا حينما يقول الله ” أنا وحدي باسط السماء ” (إش24:44) يصير واضحًا للجميع أن لفظة (وحده) تشير أيضًا إلى الكلمة الخاص بالوحيد، الذي به خُلقت كل الأشياء وبغيره لم يُخلق شئ. لذلك إن كانت كل الأشياء قد خُلقت بالكلمة، ومع ذلك يقول ” أنا وحدي ” فإنه يعني أن الابن الذي به خُلقت السموات، هو مع ذلك الوحيد.

هكذا إن قيل “إله واحد”، ” أنا وحدي”، “أنا الأول” فهذا يعني أن الكلمة كائن في نفس الوقت في ذلك الواحد والوحيد والأول مثل وجود الشعاع في النور. وهذا لا يمكن أن يُفهم عن أى كائن آخر سوى الكلمة وحده. لأن كل الأشياء الأخرى خُلِقت من العدم بواسطة الابن، وهى تختلف اختلافًا كبيرًا جدًا فيما بينها من جهة الطبيعة، أما الابن نفسه فهو مولود حقيقي وطبيعي من الآب.

ولهذا فهذه العبارة: “أنا الأول” التي اقتبسها هؤلاء الأغبياء لكي يدعموا بها هرطقتهم، هى بالحري تفضح نيتهم الشريرة لأن الله يقول ” أنا الأول وأنا الآخر” (إش6:44) إذًا فإن قلتم إنه الأول بالنسبة للأشياء التي أتت بعده كما لو كان محصى معها، لكي تأتي تلك الأشياء تالية له إذًا فأنتم تظهرون أنه هو نفسه يسبق الأعمال المخلوقة زمنيًا فقط، وهذا يفوق كل كفر. ولكنه لكي يبرهن أنه لم يأخذ بدايته من أى شئ، ولا يوجد شئ قبله ولكي يدحض الأساطير الوثنية، ولكي يبيّن أنه هو البداية والعلّة لكل الأشياء، قال “أنا الأول”.

أنه واضح أيضًا أن تسمية الابن “بالبكر” هذه لم تُعط فقط له لأجل إحصائه مع المخلوقات، بل لكي تبرهن أن خلق كل الأشياء وتبنيها إنما تم بواسطة الابن. لأنه كما أن الآب هو الأول، هكذا أيضًا “الابن أيضًا هو الأول كصورة الأول تمامًا، وبسبب أن الأول كائن فيه، وهو أيضًا وليد الآب، الذي به تمّ خلق كل الخليقة وتبنّيها.

* القديس أثناسيوس الرسولي، ضد الآريوسيين، المقالة الثالثة، ترجمة د. مجدي وهبة و د. نصحي عبد الشهيد، مراجعة  د. جوزيف موريس و د. نصحي عبد الشهيد، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، طبعة ثانية، إبريل 2007م، ص21ـ26.

1 انظر 2صم1:15ـ19، 41، 1مل5:1 للآخر.

يشير القديس أثناسيوس هنا إلى تمرّد أبشالوم وأدونيا، أولاد داود الاثنين، على أبيهما لاغتصاب المُلك منه، وهو يذكر هذا المثل من العهد القديم، لكي يبيّن أن الابن ليس منافسًا للآب كما ينافس الابنان المتمردان أباهم في المُلك، ويحاولان أن يبعدا الشعب عنه.

2 يستعمل القديس أثناسيوس عبارة “اليهود المعاصرون ” ليعبر بها عن الآريوسيين (انظر المقالة الأولى فصل 8 ص21، فصل 10 ص24 والمقالة الثانية فصل 1ص10.

أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته (يو3:17) – للقديس أثناسيوس الرسولي *

رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 2 – د. جوزيف موريس فلتس

رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 2 – د. جوزيف موريس فلتس

والرد على القائلين بإن الجسد الذي من مريم هو من نفس جوهر لاهوت الكلمة وعلى أقوال أخرى

من التراث العربي المسيحي للأقباط

رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 2 – د. جوزيف موريس فلتس

رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 2

          تحدّثنا في الجزء الأول المنشور هنا من هذا البحث، عن لمحة تاريخية عن هذه الرسالة، ثم أوردنا كيف تناول التراث العربي المسيحي هذه الرسالة الهامة، وسجّلنا ملاحظات عامة حولها، وأخيرًا أوضحنا بعضًا من تعاليم ق. أثناسيوس الخريستولوجية التي وردت بها.

          ونستكمل في الجزء الثاني، عرض باقي تعاليم هذا الأب والمعلّم، كما جاءت برسالته التي بعث بها إلى الأسقف إبكتيتوس ردًا على مذكرات أرسلها الأخير لبابا الأسكندرية العشرين يسترشد فيها بتعاليمه في مواجهة الأفكار المنحرفة التي نادى بها البعض في كورنثوس حينذاك.

          2ـ([1]) ففي رده على القائلين بأن الكلمة قد تحوّل إلى لحم وعظام وكل الجسد وتغيّر عن طبيعته الخاصة، يشدّد ق. أثناسيوس على أن طبيعة الكلمة لم تتغير بالمرة، بل وكما أشار من قبل [ إن كلمة الله غير المتألم والذي بلا جسد كان في الجسد الذي سُمِر على الخشبة وتألم ] (فقرة 5). وفي موضع آخر من نفس الرسالة يؤكد أن [ الابن إذ هو الله ورب المجد، كان في الجسد الذي سُمِرَ وأُهين بخزي أما الجسد فكان يتألم وهو على الخشبة، وكان يسيل من جنبه المطعون دم وماء.

ولكن بسبب أنه كان هيكل الكلمة بالحقيقة، فقد كان مملوءًا من اللاهوت، ولهذا السبب إذًا عندما رأت الشمس خالقها وهو يتألم في الجسد المُهان، سحبت أشعتها، واظلمت الأرض ولكن الجسد نفسه، وهو من طبيعة مائتة، قام بطبيعة تفوق طبيعته بسبب الكلمة الذي فيه، وتوقف فساده (اضمحلاله) الطبيعي، وإذ قد لبس الكلمة الذي فوق الإنسان هذا الجسد، فقد صار (الجسد) غير فاسد (غير مضمحل) ] (فقرة: 10).

ويتابع تعليمه بقوله: [ هذا الجسد هو الذي وضع في القبر ـ عندما تخلى عنه الكلمة ـ ولكنه لم ينفصل عنه ـ وذلك ” ليكرز للأرواح التي في السجن ” كما يقول بطرس (1بط19:3) ] (فقرة: 5).

          وهنا يضع ق. أثناسيوس القائلين إن الكلمة تحوّل إلى لحم وعظم، أمام معضلة تفسير أحداث موت المسيح وقيامته، فيوضح قائلاً: [ لو كان الأمر كذلك لما كانت هناك حاجة إلى قبر ولكان الجسد ذاته قد مضى بنفسه ليكرز للأرواح التي في الهاوية، أما الآن فإنه مضى هو بنفسه ليكرز، أما الجسد فبعد أن كفّنه يوسف بالكتان (قارن مر46:15) وضعه في الجلجثة ] (فقرة: 6).

          وهكذا يعلّم ق. أثناسيوس بكل وضوح [ أن الجسد لم يكن الكلمة وإنما هو جسد الكلمة، والكلمة لم يفارق الجسد لا عند الموت ولا بعد القيامة[2]. لذا يتابع ق. أثناسيوس تعليمه في نفس الفقرة بقوله: إنه عندما قام الجسد من بين الأموات لمَسَه توما ورأى فيه آثار المسامير (قارن يو25:20).

التي احتملها الكلمة ذاته والتي رآها توما مخترقة جسد (الكلمة) ذاته، والتي كان في استطاعته أن يمنعها ولكنه لم يمنعها، بل بالعكس فإن الكلمة الذي بلا جسد خصص لنفسه خصائص الجسد باعتباره جسده ذاته ][3] (فقرة: 6).

ونتيجة لهذا الإتحاد الأقنومي كما وصفه فيما بعد القديس كيرلس، بين الطبيعة الإلهية (الكلمة) والطبيعة البشرية (الجسد) حدث ما يسمى بتبادل الخصائص، أو كما عبّر عنه ق. أثناسيوس قائلاً: [ فلماذا حينما ضرب العبد، الجسد، تألم الكلمة نفسه وقال: لماذا تضربني (يو23:18) ورغم أن الله بطبيعته لا يمكن لمسه، إلاّ أنه قال ” أسلمت ظهري للسياط وخدي للطمات، ولم أرد وجهى عن خزي البصقات ” (إش6:50) ] (فقرة: 6).

          ويُجمل ق. أثناسيوس تعليمه حول هذه النقطة مبينًا البُعد الخلاصي في هذا التعليم وأن ما فعله الكلمة عندما تجسد، إذ أنه وهو غير المتألم قد قَبِلَ الآلام في جسده الخاص، كان كل هذا من أجلنا ومن أجل خلاصنا فيقول بكل وضوح [ إن الكلمة نفسه كان متألمًا وغير متألم، فمن ناحية كان (الكلمة) يتألم لأن جسده هو الذي كان يتألم وكان هو المتألم فيه، ومن الناحية الأخرى، لم يكن الكلمة يتألم لأن الكلمة ـ إذ هو إله بالطبيعة ـ فهو لا يقبل التألم.

وكان الكلمة غير الجسدي موجودًا في الجسد الذي يتألم، وكان الجسد يحوي فيه الكلمة غير المتألم الذي كان يبيد العلل الذي قبلها في جسده وكان يصنع هذا، وهكذا كان يصير، كي بعد أن يأخذ ما لنا (أى الجسد) ويقدمه ذبحة، يقضي على العلل والضعفات كلها، وهكذا يلبسنا ما له ][4] (فقرة: 6).

          ويختم رده بشهادة كتابية مشيرًا إلى ما جاء على لسان ق. بولس: ” وهذا ما جعل الرسول يقول: ” لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد وهذا المائت يلبس عدم الموت” (1كو53:15).

          وفي شرحه لما حدث بعد قيامة الرب من بين الأموات حيث ظهر لتلاميذه:       ” وأراهم يديه ورجليه ” (لو39:24، 40)، يشدّد ق. أثناسيوس مرة أخرى على حقيقة أن الكلمة لم يتغيّر أو يتحوّل إلى لحم وعظام، عندما تجسّد[5]، أو عندما قام، فقد ظلّت الطبيعة الإلهية لله الكلمة كما هى، والطبيعة البشرية التي اتحد بها كما هى أيضًا بدون تغيير أو تحول حتى بعد القيامة، لهذا يعلّق ق. أثناسيوس على حديث الرّب القائم مع تلاميذه فيقول:

[ من هذا الكلام نستطيع أن نفند كلام الذين يتجاسرون مرّة أخرى أن يقولوا إن الرّب قد تغيّر إلى لحم وعظام لأنه لم يقل كما تشاهدونني وأنا لحم وعظام، بل قال: كما ترون إنه لي به لكي لا يعتقد أحد أن الكلمة نفسه قد تحوّل إلى هذه الأشياء قبل الموت، وبعد القيامة ] (فقرة: 7).

          ويعود ق. أثناسيوس ليشدّد مرّة أخرى على أهمية الاعتقاد أن الكلمة نفسه لم يتحوّل إلى عظام ولحم بل قد صار في الجسد، لهذا نجده في فقرة: 8 من هذه الرسالة يقول: [ وإذ قد تم إثبات هذه الأشياء هكذا فإنه يكون من نافله القول أن نتعرّض للموضوعات الأخرى وندخل في جدل حولها، إذ أن الجسد الذي كان فيه الكلمة لم يكن من نفس جوهر اللاهوت، بل هو حقًا مولود من مريم. والكلمة نفسه لم يتحوّل إلى عظام ولحم بل قد صار في الجسد ].

          ويستند ق. أثناسيوس على تعاليم الكتاب المقدس ويستشهد بما جاء في إنجيل يوحنا في هذا السياق فيقول [ لأن ما قيل في إنجيل يوحنا “الكلمة صار جسدًا ” (يو14:1) له هذا المعنى ] (فقرة: 8). ويضيف: [ لأن القول: ” الكلمة صار جسدًا ” هو مساو أيضًا للقول: ” الكلمة صار إنسانًا ” حسب ما قيل في يوئيل ” إني سأسكب من روحي على كل جسد ” (يوئيل28:2)، لأن الوعد لم يكن ممتدًا إلى الحيوانات غير الناطقة، بل هو للبشر الذين من أجلهم قد صار الرب إنسانًا ] (فقرة:8).

          ومن الجدير بالملاحظة أن القديس أثناسيوس يعتمد ـ مثله مثل باقي آباء الكنيسة ـ على وحدة الكتاب المقدس. لذا نجده يقارن بين ما جاء في إنجيل يوحنا عن تجسد الكلمة، وما جاء في رسائل معلّمنا بولس الرسول حول نفس المفهوم، فيكتب قائلاً:    [ لأن ما قيل في إنجيل يوحنا ” الكلمة صار جسدًا ” (يو14:1) يمكن أن نجد معناه في موضع مشابه، فقد كتب بولس ” المسيح صار لعنة لأجلنا (غلا13:3).

وكما أنه لم يصر هو نفسه لعنة، بل قيل إنه صار لعنة لأنه احتمل اللعنة من أجلنا هكذا أيضًا، فإنه قد صار جسدًا لا بتحوّله إلى جسد، بل باتخاذه لنفسه جسدًا حيًا من أجلنا وصار إنسانًا ] (فقرة:8).

          3ـ ويفند ق. أثناسيوس الآراء التي نادت بأن الرّب لبس جسدًا خياليًا وليس طبيعيًا، حال تجسده، وهنا يبدو أن هذه الآراء قد عادت وانتشرت في القرن الرابع الميلادي أى وقت كتابة هذه الرسالة، إذ أن أساس هذه التعاليم كان قد نادى به بعض الهراطقة في القرون الأولى للمسيحية والذين علّموا أن المسيح لم يكن له جسد حقيقي لكن له فقط جسد خيالي.

ولهذا فقد دعوا بالدوستين Δοκηταί وبالتالي فقد أنكروا تَجسُّد كلمة الله، ويشهد ق. يوحنا الإنجيلي في رسائله عن وجود مثل هذه التعاليم في عصره فيقول ” لأنه قد دخل إلى العالم مضلّون كثيرون لا يعترفون بيسوع المسيح آتيًا في الجسد ” (2يو7) كما يذكر في رسالته الأولى أن ” كل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء بالجسد فليس من الله.

وهذا هو روح ضد المسيح ” (1يو3:4). ولقد حارب القديس أغناطيوس الأنطاكي الذي عاش وعلّم في القرن الثاني الميلادي، أصحاب هذه المعتقدات الخاطئة وذلك في رسائله واصفًا إياهم أنهم “غير مؤمنين” بل “وملحدين”[6].

كما أنه شدّد على أن المسيح ” بالحقيقة وُلِدَ، وأكل، وشَرَبَ وبالحقيقة صلب ومات … وبالحقيقة قام من الأموات “[7]. وفي القرن الثالث انتشرت هذه البدعة أكثر والتحمت أفكارهم مع أفكار الغنوسيين الذين كانوا يحتقرون كل ما هو مادي، أرضي، مخلوق، والذين كانوا ينادون أن الكلمة الأزلي نزل من العالم الروحي الأعلى وأنه اتحد في المعمودية، بالمولود من يوسف ومريم العذراء، بدون أن يصير إنسانًا حقيقيًا، بل حسب الظاهر.

وقَبلْ موت يسوع على الصليب، فإن الكلمة الأزلي قد فارقه حتى يكون موت الصليب هو موت الإنسان فقط. وفي تعاليم أخرى لهم قالوا إن جسد المسيح، هو جسد سماوي وإنه استخدم مريم العذراء كوسيلة فقط لكي يظهر بها على الأرض. والبعض الآخر كان يرفض بشدة أن يكون للمسيح جسد مخلوق[8].

          ولم يقف ق. أثناسيوس صامتًا أمام كل هذه التعاليم الخاطئة، بل وضع أمام أسقف كورنثوس ابكتيتوس إيمان الكنيسة بكل وضوح حتى يساعده في مواجهة القائلين بهذه التعاليم المنحرفة، فكتب له قائلاً: [ وهذه الأشياء[9] لم تحدث بمجرد الظن كما يقول أولئك، فإن هذا الظن يكون ضربًا من الخيال ] (فقرة: 7).

          وفي عبارات واضحة يربط القديس أثناسيوس البُعد الخريستولوجي بالبُعد السوتيرولوجي، بمعنى أنه بسبب تجسد الابن الوحيد وكلمة الله، واتحاده الأقنومي بطبيعتنا البشرية، اتحادًا حقيقيًا وطبيعيًا، صار خلاصنا، أمرًا حقيقيًا، وواقعًا ملموسًا، لهذا يستكمل ق. أثناسيوس في نفس الفقرة تعليمه ردًا على هذه الأفكار التي لو صدقت لكان [ خلاص الإنسان وقيامته يعتبران مجرد إدعاء غير حقيقي ] (فقرة 7)

ويستطرد موضحًا إيمان الكنيسة فيقول: [ إلاّ أن خلاصنا في واقع الأمر، لا يعتبر خيالاً، فليس الجسد هو الذي حصل على الخلاص، بل الإنسان كله من نفس وجسد حقًا، لقد صار له الخلاص في الكلمة ذاته ][10] (فقرة 7).

          ويَخلُص القديس أثناسيوس إلى حقيقة الأمر وهى أن جَسَد الرّب [ المولود من مريم هو بشري بالطبيعة، بحسب الكتب الإلهية، وأن جسده هو جسد حقيقي[11]. وهو حقيقي لأنه هو نفس جسدنا، حيث إن مريم هى أختنا، لأننا نحن جميعًا (هى ونحن) أيضًا من آدم ] (فقرة: 7).

 

          4ـ تفنيد الرأي القائل إن الجسد ليس أحدث (زمنيًا) من لاهوت الكلمة، بل هو مساوٍ له في الأزلية وهو معه على الدوام حيث إنه قد تكون من جوهر الحكمة.

          بعد أن أجمل ق. أثناسيوس ـ في بداية رسالته ـ كل التعاليم التي علّم بها المنحرفون، وذلك من خلال قراءة المذكرات التي بعث بها إليه الأسقف ابكتيتوس، نجده هنا يبيّن خطورة التعليم بأن الجسد المأخوذ من العذراء مريم ليس هو جسدًا بشريًا يشبه طبيعتنا المخلوقة في كل شئ ما عدا الخطية وحدها، إذ أن مثل هذا التعليم معناه أن الجسد من نفس جوهر الكلمة الأزلى، وحجتهم في هذا هو أنهم يدافعون عن عقيدة الثالوث، بقولهم: [ إن الجسد من نفس جوهر الكلمة وهكذا يبقى الثالوث ثالوثًا.

لأنه لا يكون هناك شيئًا غريب قد أضيف إلى الكلمة، ولكن إن قلنا إن الجسد المأخوذ من مريم، إنما هو بشري، فمن الضروري حيث إن الجسد غريب في جوهره عن الكلمة والكلمة كائن فيه، فإن إضافة الجسد تجعل هناك رابوعًا بدلاً من ثالوث ] (فقرة: 8).

          غير أن القديس أثناسيوس يُفند هذه المزاعم الكاذبة بقوله: [ إن الذين يتناولون هذه الأمور بهذه الطريقة، لا يدركون أنهم يقعون في تناقض مع أنفسهم، لأنهم حتى وإن قالوا إن الجسد ليس من مريم بل إنه من نفس جوهر الكلمة، (وهذا ما يتظاهرون أنهم يفكرون به وذلك لكي لا يظهروا حقيقة ما يفكرون فيه)

فإنه بحسب تفسيرهم هذا، يمكننا أن نوضح أنهم يقولون برابوع، لأنه كما أن الابن، بحسب الآباء، هو من نفس جوهر الآب، وليس هو الآب نفسه، بل يُقال إنه ابن من نفس جوهر الآب، هكذا جسد الكلمة (الذي يقولون) إنه من نفس جوهر الكلمة لا يكون هو الكلمة ذاته بل هو آخر بالنسبة للكلمة … ولكونه آخر (غير الكلمة) فإنه بحسب رأيهم يكون ثالوثهم رابوعًا ] (فقرة: 9).         

          وهنا يضع القديس أثناسيوس ـ بكل وضوح ـ إيمان الكنيسة في الثالوث القدوس فيقول: [ لأن الثالوث الحق، والكامل[12] بالحقيقة وغير المنفصل لا يقبل إضافة ] (فقرة:9). بل ويختم هذه الفقرة شاهدًا أن هذا الإيمان الثالوثي هو ما يُكرَز به في الكنيسة فيقول: [ إذًا فالثالوث هو ثالوث، رغم أن الكلمة حصل على جسد من مريم. والثالوث كامل لا يقبل زيادة أو نقصان، ولا نعرف إلاّ لاهوتًا واحدًا في الثالوث، وهكذا يكرز في الكنيسة بإله واحد هو أب الكلمة ] (فقرة:9).

          ويضع ق. أثناسيوس أصبعه على علّة هذا الاعتقاد الخاطئ من جهة الثالوث لدى هؤلاء المخالفين فيقول [ إن فكرة (الإضافة) قد اختلقها هؤلاء الأشخاص ] (فقرة:9).

          ويوضح سبب هذا الفكر الخاطئ لديهم بقوله: [ لأنهم يظنون أنه بسبب ما هو موجود في الكتب وما قيل فيها من أن جسد المخلّص هو من مريم وأنه بشري، فإنهم يعتبرون بذلك أن هناك رابوعًا بدلاً من ثالوث كما لو كانت قد حدثت إضافة بسبب الجسد ] (فقرة: 9). أما نتيجة هذا الفكر الخاطئ فهو [ إن الذين يساوون الخالق بالخليقة يضلون كثيرًا، إذ أنهم يتوهمون أنه من الممكن أن يقبل اللاهوت إضافة. وعجزوا عن أن يدركوا أن الكلمة صار جسدًا، ليس لأجل إضافة (شئ ما) إلى اللاهوت بل من أجل أن ينال الجسد قيامة ] (فقرة: 9).

وفي تعبيرات واضحة كل الوضوح يعلّم عن علاقة كلمة الله الأزلي، بالجسد الذي اتخذه من الروح القدس ومريم العذراء عندما تجسد فيقول: [ ولم يأتي الكلمة من مريم لكي يرتقي هو، بل لكي يفدي الجنس البشري. فكيف إذًا يفكرون أن الجسد وهو الذي افتداه الكلمة وأحياه، يقوم بإضافة شئ ما من ناحية اللاهوت إلى الكلمة الذي أحياه؟ بل بالعكس فإن الجسد البشري ذاته هو الذي الذي حدثت له زيادة كبيرة، بسبب شركة الكلمة معه واتحاده به، لأن (الجسد) صار غير مائت بعد أن كان مائتًا، ورغم أن الجسد كان حيوانيًا (نفسانيًا) فقد صار روحانيًا، ورغم أنه من تراب الأرض، فقد اجتاز الأبواب السماوية] (فقرة: 9).

 

5ـ الرد على الذين يَشكّون كيف أن الرب المولود من مريم بينما هو ابن الله بالجوهر والطبيعة فإنه من نسل داود من جهة الجسد ومن جسد القديسة مريم:

          وتتمثل خطورة التعاليم التي كان ينادي فيها البعض في كورنثوس والتي سجلها القديس ابكتيتوس في المذكرات التي بعث بها للقديس أثناسيوس في أن هذه التعاليم كانت تنكر وبطريقة مباشرة ألوهية المسيح، الله الذي ظهر في الجسد.

لهذا بعد أن بيّن القديس أثناسيوس إيمان الكنيسة القويم في ألوهية الكلمة المتجسد وكمال طبيعته البشرية، يدعوهم قائلاً: [ من أجل هذا فليصمت أولئك الذين سبق أن قالوا إن الذي جاء من مريم ليس هو المسيح والرب والإله، لأنه لو لم يكن إلهًا في الجسد، فكيف بمجرد ولادته من مريم دُعيّ ” عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا ” (مت23:1) ].

          ويسوق ق. أثناسيوس شهادة القديس بولس عن نفس الحقيقة فيقول: [ وأيضًا لو لم يكن هو الكلمة في الجسد، فكيف كتب بولس الرسول إلى أهل رومية: ” ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد آمين ” (رو5:9) ] (فقرة: 9).

 

6ـ تفنيد الرأى القائل إن المسيح المتألم بالجسد المصلوب ليس هو الرّب المخلّص والإله وابن الآب:

          ويضع ق. أثناسيوس هؤلاء الذين ينكرون الابن المتجسد، والمصلوب من أجلنا، في المواجهة مع حقيقة ما رآه توما بعينيه وما لمسه بيديه وما شهد به علانية فيقول:     [ أولئك الذين سبق لهم أن أنكروا أن المصلوب هو إله، فليعترفوا بأنهم قد أخطأوا، لأن الكتب الإلهية تحصنهم ـ وبنوع خاص ـ توما، الذي بعد أن رأى آثار المسامير صرخ قائلاً: ” ربي وإلهي ” (يو28:20) ] (فقرة: 10).

ومرّة أخرى يُسجل ق. أثناسيوس في رسالته في عبارات عميقة وواضحة إيمان الكنيسة بألوهية الابن المتجسد ووعيها بأحداث الصليب ونتائجه فيقول: [ لأن الابن إذ هو الله ورب المجد، كان في الجسد الذي سُمر وأُهين بخزي، أما الجسد فكان يتألم وهو على الخشبة، وكان يسيل من جنبه (المطعون) دم وماء.

ولكن بسبب أنه كان هيكل الكلمة بالحقيقة، فقد كان مملوءًا من اللاهوت. ولهذا السبب إذًا عندما رأت الشمس خالقها وهو يتألم في الجسد المُهان، سحبت أشعتها واظلمت الأرض، ولكن الجسد نفسه، وهو من طبيعة مائتة، قام بطبيعة تفوق طبيعته بسبب الكلمة الذي فيه، وتوقف فساده (اضمحلاله) الطبيعي، وإذ قد لبس الكلمة الذي هو فوق الإنسان، هذا الجسد، فقد صار (الجسد) غير فاسد (غير مضمحل) ] (فقرة: 10).

 

7ـ دحض الرأى القائل إن الكلمة قد حلّ على إنسان قديس كما كان يحل على أى واحد من الأنبياء، ولم يعد هو نفسه (الكلمة) إنسانًا باتخاذه الجسد من مريم:

          في رده المباشر على هذه الإنحرافات أو كما يسميها ق. أثناسيوس في رسالته [ ما يتخيله البعض ] (فقرة:11)، يكتب مؤكدًا: [ من العبث أن نجادل هذا القول، حيث إن جنونهم يحوي في طياته دينونته الواضحة.

لأنه لو كان قد جاء بهذه الطريقة، فلماذا جاء هذا الإنسان من عذراء ولم يولد هو أيضًا من رجل وامرأة؟ فإن جميع (الأنبياء) القديسين وُلِدوا هكذا (من رجل وامرأة) أما وقد جاء الكلمة هكذا (من عذراء)، فلماذا لا يقال إن موت كل واحد (من الأنبياء) قد حدث لأجلنا[13]، بل (يقال هذا فقط) على موت هذا الإنسان وحده؟ ] (فقرة: 11).

          ويأتي ق. أثناسيوس ببرهان كي يثبت أن تجسد كلمة الله يختلف عن حالة الأنبياء الذين قد صارت كلمة الله إلى كل واحد منهم، فيقول: [ وإن كان الكلمة قد سكن بيننا لفترة قصيرة، والأنبياء مثله قد أقاموا أيضًا فترة على الأرض، فلماذا يقال عن المولود من مريم إنه استوطن بيننا مرة واحدة عند انقضاء الدهر (عب26:9). وإن كان قد جاء هو، كما سبق أن جاء في القديسين (الذين قبله)، فلماذا مات جميع هؤلاء القديسين الآخرين ولم يقوموا بعد، في حين أن المولود من مريم وحده، قام من خلال فترة الثلاثة أيام؟ ] (فقرة: 11).

          ويستطرد ـ في نفس الفقرة ـ في سرد البراهين الكتابية التي تدعم تعاليمه العقيدية فيقول: [ وإن كان الكلمة قد جاء بطريقة مماثلة لتلك التي سبق أن جاء بها في الآخرين، فلماذا يُدعى المولود من مريم وحده، عمانوئيل، أى الذي وُلِد منها جسدًا مملوءً بالألوهية؟ لأن عمانوئيل تفسيره “الله معنا” ] (فقرة:11).

          ويوضح ق. أثناسيوس أن هناك فرقًا واضحًا بين الأنبياء والكلمة المتجسد ذلك أنه [ بينما يقال عن الآخرين أنهم فقط وُلِدوا متناسلين، يقال في حالة المولود من مريم وحده أن “الكلمة صار جسدًا ” (يو14:1) ] (فقرة: 11).

          وأخيرًا يختم ق. أثناسيوس رسالته فيوضح عمل الكلمة في الأنبياء، ويقدّم شهادة إيمان واضحة، تعكس ما آمنت به الكنيسة دائمًا من جهة ألوهية الكلمة المتجسّد، وكمال ناسوته فيقول: [ من كل هذا تبيّن أن الكلمة جاء إلى جميع الآخرين (الأنبياء) لكي يتنبأوا، أما الكلمة نفسه الذي وُلِدَ من مريم فقد اتخذ منها جسدًا وصار إنسانًا، إذ هو بطبيعة جوهره كلمة الله، أما من جهة الجسد فهو إنسان من نسل داود ومن جسد مريم كما قال بولس (انظر رو3:1) ].

          ولما كان البابا أثناسيوس هو المدافع الأول عن ألوهية الكلمة المتجسد، ضد هرطقة الآريوسيين، والذي شهد التاريخ لموقفه الحاسم، ودوره الفعّال في مجمع نيقية، فقد أراد في ختام رسالته أن يشدّد مرّة أخرى على أهمية الربط بين قانون الإيمان وقانون العبادة فالإله الذي نؤمن به هو الذي نقدم له العبادة وبهذا يتحقق فداؤنا، فيقول:

[ … وقد أظهره الآب في الأردن وعلى الجبل قائلاً: ” هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت ” (مت13:3) والآريوسيين أنكروه، أما نحن فنعترف به ونعبده ولا نفصل الابن عن الكلمة، بل نعرف أن الابن هو نفسه الكلمة الذي به قد كان كل شئ والذي به افتدينا نحن ] (فقرة: 11).

          لقد كان جون كواستن John Quasten عالِم الآبائيات، محقًا عندما شهد عن القديس أثناسيوس قائلاً: [ إن أعظم فضل لأثناسيوس يتركز في أنه دافع عن المسيحية التقليدية وحفظها من خطر التلوث اليوناني الكامن في هرطقة آريوس وأتباعه ][14].

          وها نحن نرى تأثير تعاليم القديس أثناسيوس يمتد في الكنيسة الجامعة في عصره، الأمر الذي جعل أسقف كورنثوس باليونان يطلب مشورته، بل وأيضًا نجد أن الآباء الأقباط في القرن العاشر الميلادي، قد أعطوا لهذه التعاليم وتلك الكتابات، المكانة التي تستحقها فعملوا على ترجمتها وحفظها في تراثهم العربي المسيحي.

[1]  نتابع هنا تعاليم ق. أثناسيوس التي سبق أن عرضناها في الجزء الأول من هذا المقال.

2 ولقد عبّرت الكنيسة عن هذا الإيمان في القداس الإلهي قائلة: ” لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين “.

3 كثيرًا ما كرر ق. أثناسيوس أن جسد الكلمة هو جسده الخاص. انظر مثلاً كتاب تجسد الكلمة، ترجمه عن اليونانية د. جوزيف موريس فلتس. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الطبعة الرابعة 2006 ص21، 22، 25، 57، 58، 73، 88.

4 وهذا هو أيضًا ما تُعبّر عنه الكنيسة في صلوات التسبحة قائلة في ثيؤطوكية الجمعة: ” هو أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له .. ” انظر الابصلمودية السنوية، طبعة دير البراموس الطبعة الثالثة 2007 ص373.

5 يردد الكاهن هذه الحقيقة في صلوات القداس الإلهي فيقول: ”  بل أنت وحدك بغير استحالة (تحوّل) تجسّدت وتأنست .. ” انظر الخولاجي المقدس، طبعة دير البراموس الطبعة الرابعة سنة 2006 ص317.

6 الرسالة إلى أهل تراليا:10، الرسالة إلى أهل سميرنا1:5ـ2.

7 الرسالة إلى تراليا1:9ـ2، الرسالة إلى سميرنا 2:4.

[8]  θρησκευτική καί ήθική ̉εγκυκλοπαιδεία, Αθηναι, 1964, Τόμος 5. σελ: 149-150.

9 يقصد كل ما فعله الله الكلمة، في سر التدبير الإلهي، بتجسده وموته وقيامته من أجلنا ومن أجل خلاصنا.

10 في موضع آخر من كتاباته يشرح ق. أثناسيوس بإسهاب معنى أن خلاصنا هو أمر واقع فيقول: ” وهكذا إذ اتخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد فقد بذل جسده للموت عوضًا عن الجميع، وقدّمه للآب.

كل هذا فعله من أجل محبته للبشر أولاً: لكي إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، وذلك لأن سلطان الموت قد استنفذ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر (المماثلة لجسد الرب). ثانيًا: وأيضًا فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يعيدهم إلى عدم الفساد ويحييهم من الموت بالجسد الذي جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم كما تبيد النار القش. تجسد الكلمة، المرجع السابق. فصل 4:8 ص22.

11 يشرح ق. أثناسيوس معنى أن جسد المسيح الذي اتحد به هو جسد حقيقي معتمدًا على ما جاء في الكتاب المقدس فيقول  ” عندما يتحدّث الكتاب الموحى إليهم عنه أنه يأكل ويشرب وأنه وُلِدَ فإنهم يقصدون أن الجسد كجسد وُلِدَ واقتات بالطعام المناسب لطبيعته.

أما الله الكلمة نفسه الذي كان متحدًا بالجسد، فإنه يضبط كل الأشياء. وكل أعماله التي عملها وهو في الجسد تُظهر أنه لم يكن إنسانًا بل كان الله الكلمة، وأما هذه الأمور فإنها تُذكر عنه لأن الجسد الذي أكل ووُلِد تألم لم يكن جسد أحد آخر بل كان جسد الرب نفسه. ولأنه صار إنسانًا كان من المناسب أن يقال عنه هذه الأمور كإنسان حتى يتبيّن أنه أخذ جسدًا حقيقيًا لا خياليًا ” تجسد الكلمة، المرجع السابق فصل 1:18 ص51.

12 وترد الكنيسة في صلواتها الليتورجية هذه الحقيقة عندما ترنم قائلة: ” لأنه مبارك الآب والابن والروح القدس الثالوث الكامل نسجد له ونمجده “.

13 كما نردد في قانون الإيمان .. هذا الذي من أجلنا ومن أجل خلاصنا ..

الجزء الأول: رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 1 – د. جوزيف موريس فلتس

[14] Quasten, Patrology, Vol. III. P. 66

رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 2 – د. جوزيف موريس فلتس

رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 1 – د. جوزيف موريس فلتس

رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 1 – د. جوزيف موريس فلتس

رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 1 – د. جوزيف موريس فلتس

رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 1

رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 1

والرد على القائلين بإن الجسد الذي من مريم هو من نفس جوهر لاهوت الكلمة وعلى أقوال أخرى

د. جوزيف موريس فلتس

من التراث العربي المسيحي للأقباط

I ـ لمحة تاريخية عن الرسالة:

    كتب القديس أثناسيوس الرسولي هذه الرسالة حوالي سنة 371/372م إلى أبكتيتوس أسقف كورنثوس، ردًا على مذكرات كان قد أرسلها إليه تتضمن تساؤلات أثيرت في إيبارشيته من بعض أتباع الفكر الآريوسي الذين تأثروا بأفكار أبوليناريوس وأيضًا من كانوا يعتقدون بمبدأ الخياليين Δοκηταί أو الدوستيين، من جهة حقيقة التجسد وعلاقة الجسد الذي إتخذه الإبن، بلاهوت الكلمة الأزلي.

    شَرَحَ القديس أثناسيوس في هذه الرسالة الهامة تعاليم الكنيسة وإيمانها السليم فيما يخص علاقة لاهوت المسيح بناسوته وبالتالي البعد الخلاصي المبنى على هذه العلاقة.

    ولذلك كان لهذه الرسالة أهمية كبيرة في الصراع الخريستولوجي الذي كان يشغل الكنيسة في القرنين الرابع والخامس، فنجد مثلاً أن القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص (315ـ403) قد أستعان بهذه الرسالة في الرد على بدعة أبوليناريوس التي أنكرت أن المسيح أتخذ جسدًا مثل جسدنا ذو نفس عاقلة، وفي كتابه المشهور الرَّد على الهراطقة” استشهد أيضًا بما جاء في هذه الرسالة.

    ونظرًا لأن كاتب هذه الرسالة هو البابا أثناسيوس الرسولي وحامي الإيمان الذي دافع عن إلوهية الابن المتجسد وصارت كتاباته مصدرًا أمينًا للتعاليم اللاهوتية وقد أقرتها الكنيسة، فقد حاول إتباع الهرطقة النسطورية في القرن الخامس تزييف نص هذه الرسالة مستغلين اسم ومكانة كاتبها، كي ينشروا أفكارهم المضللّة.

غير أن البابا كيرلس عمود الدين الذي كان دائمًا ما يستعين بكتابات البابا أثناسيوس في كتاباته وتعاليمه[1]، كشف زيفهم هذا في رسالة كتبها إلى يوحنا الأنطاكي قائلاً: “علمنا أن البعض قد نشروا نصًا مشوهًا لرسالة أبينا المجيد جدًا أثناسيوس إلى المبارك أبكتيتوس، وهي رسالة أرثوذكسية، حتى أن الكثير أصابهم الضرر (بسبب هذا التشويه)، ولهذا السبب رأيت أنه من النافع والضروري للأخوة أن أرسل لقداستكم نسخًا منها منقولة من النسخة القديمة الموجودة عندنا والتي هي نسخة أصيلة[2]”.

 

النص الأصلي والترجمات:

    النص الأصلي لهذه الرسالة كُتب باليونانية، لغة الآباء الشرقيون في القرون الأولى. غير أنه تمّ نشر ترجمات لهذه الرسالة بلغات أخرى منها اللاتينية، الأرمنية والسريانية والإنجليزية والعربية[3].

II ـ الرسالة إلى أبكتيتوس في التراث العربي المسيحي للأقباط:

    أهتم الأقباط بكتابات ق. أثناسيوس فترجموها من اليونانية إلى القبطية والعربية[4].

    من أهم المخطوطات المعروفة في التراث العربي المسيحي للأقباط هو مخطوط يرجع تاريخ تدوينه إلى القرن الحادي عشر ويحمل أسم “اعتراف الآباء”، وهو لمؤلف مجهول الاسم، وأهمية هذا المخطوط تكمن في أن كاتبه قد حاول أن يجمع فيه نخبة من نصوص من كتابات الآباء والكتاب الكنسيون منذ العصر الرسولي وحتى القرن الحادي عشر زمن حبرية البابا خرستوذولوس (1047م ـ1077م) تمّت ترجمتها من اليونانية والقبطية إلى العربية.

بلغت النصوص المترجمة التي جاءت في هذا المخطوط 234 نصًا لعدد 66 من هؤلاء الآباء والمعلّمين والكتاّب الكنسّيين. الجدير بالذكر أن للقديس أثناسيوس 17 نصًا عبارة عن فقرات منتقاه من كتاباته الدفاعية والعقائدية. أما الأمر الملفت للإنتباه فهو أن من بين هذه النصوص الـ 17، توجد ترجمة كاملة للرسالة التي نحن بصدد دراستها هنا، ويعتبر نص هذه الرسالة هو النص الوحيد، من بين كل نصوص المخطوط، الذي تم ترجمته بالكامل.

    هذا الأمر يبين مستوى الوعي اللاهوتي لجامع هذه النصوص ومدى إدراكه لأهمية محتوى هذه الرسالة وما فيها من تعاليم خرستولوجية وخلاصية علّم بها ق. أثناسيوس بابا الأسكندرية العشرون، وتمسّك بها ودافع عنها من بعده ق. كيرلس البابا الرابع والعشرون.

    وتتضح الصورة أكثر لو علمنا أن الهدف العام للمخطوط هو بيان ما تعترف به كنيسة الأسكندرية المتمثل في عنوان المخطوط “إعتراف الآباء” من عقائد خلاصية مثل عقيدة التجسد والفداء والثالوث، وخصوصًا عقيدة طبيعة المسيح وما أثير حولها من أفكار في القرنين الرابع والخامس الميلادي.

 

ملاحظات عامة حول الرسالة[5]:

    * تبدو من الرسالة ملامح شخصية أبكتيتوس أسقف كورنثوس وصفاته وحُسن تصرّفه في هذا الموقف، الأمر الذي صار مصدرًا لإعجاب ق. أثناسيوس الذي كتب له قائلاً ” أني تعجبت لمعاناة واحتمال تقواكم، وأن قدسكم لم يوقف هؤلاء الذين يقولون هذه الأشياء، بل شرحت لهم الإيمان المستقيم حتى إذا سمعوا يهدأون، أما إذا قاوموا فإنهم يُعتبرون هراطقة” (فقرة3).

    * يتضح من المذكّرات التي أرسلها أبكتيتوس إلى ق. اثناسيوس أن صبره وطول أناته وتمسّكه بإيمان الكنيسة ومحبته للسلام والتصالح، كل هذا قد أثمر، لذا نجد أن ق. أثناسيوس  يشاركه فرحه لِما إنتهت إليه الأمور فيكتب إليه قائلاً ” شكرًا للرّب إنه بقدر حزننا عند قراءة مذكراتكم، بقدر ما فرحنا بما أنتهت إليه هذه المذكرات، لأنهم مضوا بعد اتفاق وتصالح على الإعتراف بالإيمان الأرثوذكسي الحسن العبادة” (فقرة12).

    * ” كان أثناسيوس معيار الأرثوذكسية الحيّ “[6]، لهذا كانت شهادته للإيمان هي شهادة تسبب فرحًا لكل نفس لها هذا الإيمان عينه. فنجده يختم رسالته قائلاً “هذا في الواقع ما دفعنا أيضًا أن أكتب هذه الكلمات القليلة بعد أن أمعنت الفكر كثيرًا أولاً، خوفًا من أن يسبب صمتي ألمًا بدلاً من الفرح لأولئك الذين سببوا لنا فرحًا باتفاقهم معًا” (فقرة12).

    * معيار الحُكم لدى ق. أثناسيوس، على الأقوال التي رددها البعض والتي جاءت في المذكرات التي أرسلها الأسقف أبكتيتوس إليه، كان الآتي:

    + ” يكفي أن أقول مجيبًا على مثل هذه الأقوال بما يلي: يكفي أن هذا ليس تعليم الكنيسة الجامعة، ولا أعتقد الآباء بهذه الأمور” (فقرة 3).

    + “بعد إطلاعي على المذكرات التي كتبتها قدسك…أقول مَنْ سمع بمثل هذه الأمور قط؟ مَنْ هو الذي علّم هذا أو تعلّمه؟

    + إن ما يقولونه لا يوجد منه شيء في الكتب الإلهية. (فقرة4).

    + “هم يقولون….  أما الآباء الذين اجتمعوا في نيقية فقد قالوا….  فإما أن تنكروا إذن المجمع المنعقد في نيقية وكهراطقة يجلبون تعليمًا بالإضافة إلى ما قرره المجمع.

     وإما إن أردتم أن تكونوا أبناء الآباء فلا تعتقدوا بغير ما كتبه هؤلاء الآباء.

    * بعد أن قرأ ق. أثناسيوس مذكرات أبكتيتوس، لخص في بداية رسالته الأفكار التي علّم بها هؤلاء المنحرفون، ثم بدأ في الرد عليها إستنادًا على تعاليم الكنيسة الجامعة وتقليدها الحي والكتب الإلهية، فقد نادوا بأن:

    1ـ الجسد الذي من مريم هو من نفس جوهر لاهوت الكلمة؟

    2ـ إن الكلمة قد تحوّل إلى لحم وعظام وشعر وكل الجسد وتغيّر عن طبيعته الخاصة.

    3ـ إن الربَّ لبس جسدًا خياليًا وليس طبيعيًا.

    4ـ إن اللاهوت ذاته الذي من نفس جوهر الآب قد صار ناقصًا خارجًا من كامل، والذي سُمرّ على خشبة لم يكن هو الجسد بل هو جوهر الكلمة الخالق ذاته.

    5ـ إن الكلمة حوّل لنفسه جسدًا قابلاً للألم وهذا الجسد ليس من مريم بل من جوهره الذاتي.

    6ـ الجسد ليس أحدث (زمنيًا) من لاهوت الكلمة بل هو مساوٍ له في الأزلية وهو معه على الدوام حيث إنه قد تكوّن من جوهر الحكمة.

    7ـ يشكّون كيف أن الربَّ المولود من مريم بينما هو ابن الله بالجوهر والطبيعة، فإنه من نسل داود من جهة الجسد ومن جسد القديسة مريم.

    8ـ إن المسيح المتألم بالجسد والمصلوب ليس هو الربَّ والمخلّص والإله وإبن الآب.

    9ـ إن الكلمة قد حلّ على إنسان قديس كما كان يحل على أي واحد من الأنبياء، ولم يَصْر هو نفسه (الكلمة) إنسانًا بإتخاذه الجسد من مريم.

    10ـ إن المسيح هو شخص وأن كلمة الله الموجود قبل مريم وهو ابن الآب من قبل الدهور، هو شخص آخر.

    وبخبرته اللاهوتية والروحية يدرك القديس أثناسيوس أبعاد هذه الأفكار ويصفها بأنها ” رغم تباينها لكنها تحوي فكرًا واحدًا يهدف بفاعليته نحو عدم التقوى” (فقرة3) ويذهب في وصف ما قالوه بأنها ” أقوال غريبة من كل ناحية عن التعليم الرسولي… ومن الواضح أنها شريرة” (فقرة3).

    ويُرجع أفكارهم الخاطئة هذه إلى تعاليم الآريوسيين الذين قالوا أن الإبن مخلوق (فقرة4) وإلى تعاليم ماني الذي أنكر أن جسد المسيح هو جسد حقيقي بل خيالي. (فقرة7) بل وأنهم ذهبوا بأفكارهم ” بعيد إلى كفر آخر أشر من تعاليم الآريوسيين (فقرة4) وأخيرًا انهم ” إنحرفواإلى الكفر أكثر من كل هرطقة” (فقرة4).

 

III ـ تعاليم ق. أثناسيوس الخريستولوجية:

    بعد أن أجمل ق. أثناسيوس كل الأفكار الخاطئة التي جاءت بالمذكرات التي أرسلها له الأسقف أبكتيتوس، أخذ يفند بإسهاب، كل هذه التعاليم المنحرفة كالآتي.

    1ـ ففي رده على القائلين بإن الجسد واحد في الجوهر مع لاهوت الكلمة كتب يقول: ” إن الابن نفسه وليس الجسد ـ هو من نفس جوهر الآب” وإن الآباء في مجمع نيقية قد اعترفوا بحسب الكتب بإنه “بينما الابن هو من جوهر الآب إلاّ أن الجسد هو من مريم” ويحلل

ق. أثناسيوس النتائج الخطيرة التي تؤدي إليها مثل هذه الآراء الخاطئة والتي تصل إلى أفكار ألوهية الآب نفسه، الأمر الذي لم يذهب إليه الآريوسيين أنفسهم رغم أفكارهم عن إلوهية الإبن فيقول ” فإنه لو كان الكلمة من نفس جوهر الجسد الذي هو من طبيعة أرضية، في حين أن الكلمة هو من نفس جوهر الآب، بحسب إعتراف الآباء، فإن الآب نفسه أيضًا يكون من نفس جوهر الجسد الصائر من الأرض، فلماذا يكرمون الآريوسيين الذين يقولون إن الإبن مخلوق. وأنتم أنفسكم تزعمون أيضًا أن الآب من نفس جوهر المخلوقات” (فقرة4).

    إن تعاليمهم هذه تؤدي إلى أن طبيعة الكلمة تتحوّل إلى طبيعة الجسد المخلوق وهذا يعني “تغيير الكلمة ذاته” وهنا نجد أن القديس أثناسيوس يواجه هذه الأفكار الخاطئة بتقديم منهج لاهوتي خلاصي، أي بإيضاح خطورة مثل هذه التعاليم على إيماننا بخصوص ما أتمه الكلمة من أجلنا ومن أجل خلاصنا، عندما إتخذ جسدًا من الروح القدس ومريم العذراء وسكن بيننا، فيقول ” لأنه لو كان الكلمة من نفس جوهر الجسد، فإن ذكر مريم وضرورتها يكونان أمرين لا لزوم لهما، إذ إنه كان من المستطاع أن يكون موجودًا أزليًا قبل مريم…

كما أن الكلمة ذاته أزلي أيضًا. فلو كان الكلمة حقًا من نفس جوهر الجسد حسبما تقولون، فأية حاجة كانت هناك لكي يقيم الكلمة بيننا، لكي يلبس ما هو من نفس جوهره الخاص، أو أن يتحوّل عن طبيعته الذاتية فيصير جسدًا؟” (فقرة4).

    وهنا يبرز ق. أثناسيوس البعد الخلاصي في تعاليمه اللاهوتية، الأمر الذي تميّز به في كل كتاباته، كمعلّم في الكنيسة فيقول: ” لأن اللاهوت لم يأت لمساعدة نفسه حتى يلبس ما هو من نفس جوهره، كما أن الكلمة لم يخطئ في شيء وهو يفتدي خطايا الآخرين، حتى يصير جسدًا ويقدّم ذاته ذبيحة لأجل نفسه وأفتدى نفسه” (فقرة4).

ويتابع ق. أثناسيوس حججه اللاهوتية معتمدًا على ما جاء في الكتاب المقدّس فيقول:   ” لكن حاشا له أن يكون هكذا. لأنه كما قال الرسول جاء لمساعدة نسل إبراهيم[7]، ومن ثم كان ينبغي أن “يشبه أخوته في كل شيء” ويتخذ جسدًا مشابهًا لنا. ولهذا السبب أيضًا كانت مريم في الحقيقة مفترضة من قبل[8]، ليأخذ الكلمة منها (جسدًا) خاصًا به وتقدمه من أجلنا”. (فقرة 5).

ويجد في إنجيل “لوقا” عدة آيات تخدم عرضه في إيضاح بشرّية الكلمة المتجسد التي أتخذها من الروح القدس ومِن كائن بشري هو العذراء القديسة مريم، فاستغل دقة الوحي الإلهي فيما سجله البشيرين لتدعيم حجته فيقول: ” أرسل الله جبرائيل إلى العذراء، ليس إلى مجرد عذراء بل إلى “عذراء مخطوبة لرجل” (لو27:1) لكي يبين من كونها مخطوبة أن مريم كائن بشري بالحقيقة ولهذا السبب ذكر الكتاب أيضًا إنها وَلَدَته وإنها قمطّته (لو7:2) ولذلك فإن الثديين اللذين رضعهما يعتبران مباركين (قارن لو27:11). وقد قدّم ذبيحة، لأنه بولادته فتح الرحم (انظر لو32:2) وهذه كلها براهين على أن العذراء هي التي وَلَدَته” (فقرة 5).

    ويرى ق. أثناسيوس في بشارة الملاك للعذراء بميلاد ربّ المجد دليلاً آخر على أن الجسد الذي أتحد به الكلمة هو جسد بشرّي، به شابهنا في كل شيء ما عدا الخطية وحدها، فالملاك { لم يقل مجرد “المولود فيك” حتى لا يُظن أن الجسد غريب عنها ومجلوب إليها من الخارج، بل قال “المولود منك” لكي يعتقد الجميع أن المولود خارجًا منها}. (فقرة 5).

    ويسوق ق. أثناسيوس براهين مما يحدث في طبيعة البشر، فإن كان قد ذُكِرَ في الإنجيل أن العذراء قد طوّبت لأنها أرضعت الطفل يسوع من ثدييها (لو27:11) فهذا معناه أن ولادته من العذراء كانت ولادة حقيقية ” إذ أن الطبيعة تبين هذا بوضوح، فمن المستحيل على عذراء أن تدر لبنًا إن لم تكن قد وَلَدَت. ومن المستحيل أن الجسد يتغذى باللبن ويُقمّط إن لم يكن قد وُلِدَ بصورة طبيعية قبل ذلك” (فقرة5).

    ويعطي القديس أثناسيوس المفهوم السليم والعميق لأحداث في حياة المسيح له المجد، على الأرض، فكيف يَصْدِقُ الإدعاء بأن الجسد هو واحد في الجوهر مع لاهوت الكلمة إذ كان الطفل يسوع قد أختتن وأن سمعان قد حمله وأنه كان ينمو حتى صار عمره إثنتا عشرة سنة، وإنه بلغ الثلاثين عامًا عندما بدء خدمته العلنية؟

لأن عكس هذا الإدعاء، “هو المقصود بالختان في اليوم الثامن بعد ولادته، وإن سمعان تلقاه في أحضانه وهذا يدل على إنه قد صار طفلاً، وإنه نما حتى صار له من العمر إثنتا عشر سنة (انظر لو21:2ـ42) إلى أن بلغ الثلاثين عامًا (لو23:3) وليس كما يظن البعض أن جوهر الكلمة نفسه قد خُتن بعد أن تحوّل. لأنه لا يقبل التحول أو التغيّر. لأن المخلّص نفسه يقول ” أنظروا، لأني أنا هو ما تغيّرت” (ملاخي6:3س)” (فقرة5).

    ويختم ق. أثناسيوس تعليمه حول هذه النقطة بقوله ” إن كلمة الله غير المتألم والذي بلا جسد كان في الجسد الذي خُتِن وحُمِلَ والذي أكل وشرب والذي تعب والذي سُمر على الخشب وتألم” (فقرة 5)[9].                                      

يتبع هنا: رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 2 – د. جوزيف موريس فلتس

 

1 رسائل ق. كيرلس إلى نسطور وبوحنا الأنطاكي: ترجمة د. موريس تاوضروس، د. نصحي عبد الشهيد. يونيو 1988. رسالة رقم (39) فقرة (7) ص47.

2 رسائل ق. كيرلس إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي: المرجع السابق. رسالة (39) فقرة (8) ص49.

3  لمزيد من المعلومات عن هذه الترجمات وأماكن نشرها راجع: أثناسيوس (راهب من الكنيسة القبطية): فهرس كتابات آباء كنيسة الأسكندرية ـ الطبعة الأولى يناير 2003م ص216.

4 عن هذه الأهتمامات راجع: د. جوزيف موريس فلتس: تأثير القديس أثناسيوس الرسولي في التعليم اللاهوتي للكنيسة القبطية: دراسات آبائية ولاهوتية. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. السنة الأولى 1998، العدد الثاني ص40ـ53.

5 رجعنا إلى نص عربي مترجم عن نص يوناني محقق وليس إلى نص المخطوط، راجع: المسيح في رسائل ق. أثناسيوس عربها عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد و د. نصحي عبد الشهيد طبعة ثانية 2000م، الرسالة إلى ابكتيتوس ص34ـ48.

[6]  Bouyer, L’incarnation et l’Eflise – corpus du Christ dans la theologie de st. Athanase 1943, p. 22.

7 أي عبيدك نسل إبراهيم (انظر عب16:2، 17).

8  كانت متضمنة في خطة الخلاص في قصد الله ليأخذ منها الكلمة جسدًا.

9  نوجه عناية القارئ إلى إنه مع الإنتهاء من قراءة هذه الدراسة يكون قد قرأ فيما بين القوسين، النص الكامل تقريبًا لرسالة القديس اثناسيوس إلى ابكتيتوس.

 

رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أبكتيتوس 1 – د. جوزيف موريس فلتس

التجسد والفداء في تعاليم القديس أثناسيوس – د. جوزيف موريس فلتس

التجسد والفداء في تعاليم القديس أثناسيوس – د. جوزيف موريس فلتس

التجسد والفداء في تعاليم القديس أثناسيوس – د. جوزيف موريس فلتس

التجسد والفداء في تعاليم القديس أثناسيوس – د. جوزيف موريس فلتس

مقدمة كتابية عامة:

لقد اعتمد الآباء.. ومنهم القديس أثناسيوس بالطبع ـ في حياتهم وتعليمهم وكتاباتهم على الحق الإلهي المُعلَن في الكتاب المقدس وحياة الكنيسة. ولكي نفهم البعد الكتابي لمفهوم الفداء لدى القديس أثناسيوس سنستعرض في إيجاز معنى هذا المصطلح الهام في كل من العهد القديم والجديد.

إن معنى كلمة “فداء” ¢polÚtrwsh والتى بمقتضاها ” يحرّر أو يُطلِق ” الله شعبه، كذلك المعنى القريب منها ” ἐxagorάzw ” بمعنى “يدفع الثمن”، لترتبطان معًا في الكتاب المقدس بمعنى كلمة “خلاص” وكل هذه المصطلحات تُحدّد الطريقة التي اختارها الله لكي يخلّص شعب إسرائيل منقذًا إياه من عبودية المصريين له.

صار لهم مخلصًا في كل ضيقتهم“[1] “ذبيحة فصح للرب… لما ضرب المصريين وخلّص بيوتنا “[2]، وأيضًا ” قفوا وانظروا خلاص الرب فإنه كما رأيتم المصريين.… لا تعودون ترونهم أيضًا إلى الأبد ” وفي العهد الجديد نجد أيضًا نصًا[3] يستعرض بإيضاح شديد عمل المسيح يسوع وهو المخلّص ” لأنه يفدينا من كل إثم ¢nom…a ويطهّر لنفسه شعبًا خاصًا.

وهكذا تتضح أبعاد خطة الخلاص بدون أن تغيب عنها كل جديد يمكن أن تحمله النبوات الحقيقية.

 

+ ففي العهد القديم هناك خروج وعهد.

فبالنسبة لعملية الخروج نجد أن العهد القديم يتكلّم دائمًا عن عملية الفداء فالخبرة الروحية التي اكتسبها إسرائيل تسمح لنا أن نتفهّم بعمق معنى هذه الكلمة لأنه بالنسبة للضمير اليهودي فإن عملية الخروج لا يمكن أن تنفصل عن العهد، فالله انتزع شعبه من العبودية لكي يحضره أمامه ” أنا الرب وأنا أخرجكم من تحت أثقال المصريين وأنقذكم من عبوديتهم “[4].

وبسبب هذا العهد أصبح إسرائيل شعب مقدس، شعب مختار لله ” إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدى تكون لى خاصة من بين جميع الشعوب فإن لى كل الأرض وأنتم تكونون لى أمة مقدسة “. وأيضًا يقول إشعياء ” هوذا الرب قد أخبر إلى أقصى الأرض قولوا لابنة صهيون هوذا مخلصك، آت ها أجرته معه وجزاءه معه ويسمونهم شعبًا مقدسًا مفدي الرب “.

فعبارة ” شعب مقدس” وعبارة ” مفدى الرب ” هى عبارتان مترابطتان، كذلك فإن إرميا يؤرخ للعهد الذي قطعه الله مع شعبه من ذلك اليوم الذي اتخذهم فيه شعبًا: “ويكونون لى شعبًا وأنا أكون لهم إلهًا وأعطيهم قلبًا واحدًا وطريقًا واحدًا كل الأيام لخيرهم وخير أولادهم بعدهم وأقطع لهم عهدًا أبديًا….“[5].لهذا فإن معنى كلمة فداء هى في الواقع تحمل معنى إيجابيًا يؤكد حقيقة الشركة والاتحاد بالله مثلما تمامًا المعنى الذي تحمله كلمة التحرر من عبودية الخطية.

 

+ الفداء المسيانى

في إشارتهم إلى عملية التحرّر من السبي يشير أنبياء العهد القديم دائمًا إلى نفس العبارات، وتعبير “فادى” هو من ذلك الوقت، من أفضل العبارات التي كانت تستخدم وتطلق على الله ” يهوة ” ولم ينكر أحدًا أن محتوى الرجاء المسيانى كان يُعبّر عنه دائمًا بلفظ “الفداء”، “لأن عند الرب الرحمة وعنده فدى كثير”[6].

كما أن حزقيال ـ أكثر من جميع الأنبياء يركز على مثل هذا الفداء المقدم للمسبيين. ” ولكنى أذكر عهدى معك في أيام صباك وأقيم لك عهدًا أبديًا فتذكرين طرقك وتخجلين إذ تقبلين إخواتك الكبر والصغر وأجعلهم لك بنات ولكن لا بعهدك، وأنا أقيم عهدى معك فتعلمين إني أنا الرب “[7].

ويحدد أيضًا طبيعة العهد الجديد ” أجعل روحي في داخلكم “. فالفداء يقوم على بعث روح الله في صورة الناموس، وكما يقول يوحنا بعد ذلك ” لأن الناموس بموسى أُعطى وأما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا “[8]

ويؤكد بولس الرسول نفس المعنى عندما يقول:

“لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقنى من ناموس الخطية والموت لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه… فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد. الخطية ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد”[9].

 

+ العهد الجديد

واستمرت كل هذه المعانى أيضًا في العهد الجديد مثل كل المعانى والألفاظ التي جاءت في العهد القديم معبرة عن دور المسيا والتي تناسب عمل المسيح سواء في تجسده أو عند مجيئه الثاني. وهكذا فإن لفظ “الفداء” لا يعبر فقط عما عمله المسيح في الجلجثة[10]، وأما عما سيفعله ويكمله عند مجيئه الثاني حيث الغلبة والنصرة بقيامة الأجساد[11].

ففي كلتا الحالتين نتحدّث عن إجراء عتق وتَحرُّر بل وأكثر من ذلك افتداء، وعن اقتناء لله يكون في البداية مؤقت وبعد ذلك نهائي عندما يكون الإنسان بنفسه وجسده مع كل المسكونة في الحالة التي عبر عنها بولس الرسول ” تمتلئوا إلى كل ملء الله حيث يصبح الله الكل في الكل “

لهذا استطاع العهد الجديد أن يعبر من ناحية أخرى عن المعنى السابق بفعل يشترى. ” لأنكم قد اشتريتم بثمن “[12].

وهذا حدث ليس لأنه يريد أن يعادل عملية الفداء بعملية مقايضة تجارية تتطلب حسب القانون أن يكون هناك تساوى للأدوات أو الأشياء حيث يُطلب مثلاً من السجان أن يُطلق المسجون نظير مقابل أو ما تسمى “الفدية” أو يطلب من البائع أن يعطى بضاعته نظير مقابل مادى، لقد حدث هذا لأن كاتب العهد الجديد أراد بدون شك أن يُعبّر عن أننا أصبحنا ملكًا له طبقًا لقانون قد كَمُلَت شروطه. ” قد دفع الثمن لأنكم اشتريتم بثمن فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التى هى لله “.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن عملية التشابه والمقارنة قد توقفت. فالعهد الجديد لا يشير من قريب أو من بعيد إلى شخص معين دفع له الثمن وفي الحقيقة فإن العهد الجديد قد أشار إلى معنى عملية الشراء كما هى موجودة في العهد القديم، غير أن سفر الرؤيا قد استخدم فعل يشترى (اشترينا لله بدمك)، فبدم الحمل أصبح جميع البشر ومن كل الأمم ملكية خاصة لله كما في العهد القديم عندما أصبح إسرائيل شعب الله بفضل العهد الذي قطعه الله معهم بالدم أيضًا. وسفر أعمال الرسل في وصفه لنفس الحقيقة يستخدم نفس التعبير [تدعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه].

 

+ الفداء ـ الموت الاختياري ليسوع المسيح

العهد الجديد يركز على أن هناك مسافة وبُعد بين الرمز والحقيقة. فعهدى الله مع إسرائيل القديم وأيضًا إسرائيل الجديد يُختَم عليهما بالدم. لكن الآن في العهد الجديد فإن الدم هو دم ابن الله الحقيقي.

وعملية الفداء يلزم لها مقابل كبير، فالذبائح غير العاقلة تمثل ذبيحة المسيح الذي لابد ” وأن يُسلّم نفسه للموت “. والمسيح جاء لكي لا يُخدم بل ليخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين وتضحيته هذه هى المقابل الذي قدّمه لفدائنا. وقد أشار القديس يوحنا الإنجيلي في كلامه عن آلام المسيح إلى هذا الموت الاختياري وأيضًا إن أمكننا أن نقول هذا عندما أشار إلى حادثة العشاء الأخير حيث قدّم المسيح نفسه للموت قبل أن يتم ذلك بالفعل يوم الجمعة.

 

+ انتصار المسيح على الموت

كان الموت بالنسبة للتلاميذ عثرة فقد دَلّت على أن المسيح ليس هو الفادى والمخلّص المنتظر. لكنهم بعد أن عاشوا خبرة القيامة وحلول الروح القدس عليهم فهموا أن آلام وموت معلّمهم كانت ليس فقط نجاحًا للخطة الإلهية لأجل خلاصنا ولكن أيضًا لكي تتم كل النبؤات الكتابية. فلقد أصبح الحجر الذي رفضه البناؤون هو حجر الزاوية في بناء الهيكل الجديد. فلقد ارتفع المسيح إلى السماء ومُجد حسب ما وصف من قِبل إشعياء النبى “هوذا عبدى يعقل يتعالى ويرتقى ويتسامى جدًا “[13]، ولأنه ” سكب للموت نفسه “[14]

فموت المسيح بالرغم من أنه ظهر وكأنه هزيمة، ففي الحقيقة هو انتصار على الموت والشيطان الذي كان هو سبب الموت.

+ الموت والقيامة

عندما تكلّم الرسل عن الفداء فإنهم تذكروا القيامة أولاً وذلك لما تلعبه من دور أساسي فيه حيث يكاد لنا أن نرى أن كل ما تحدّث عن الفداء في العهد الجديد لم يتحدّث عن شئ آخر سواها[15]، لقد كان الرسل وهم منقادين بالروح القدس يكتشفون كل يوم أن الآلام والموت من جهة والقيامة والصعود من جهة أخرى يمثلان سلسلتين من الحقائق لا يكمل بعضهما البعض فقط بل هما مرتبطان ببعض ويمثلان وجهان لسر واحد هو سر الخلاص.

لهذا فالقديس لوقا مثلاً يقص علينا من تحت مظلّة الصعود “وحين تمت الأيام لارتفاعه ثبت وجهه لينطلق لأورشليم “[16]. كل أحداث رحلة المسيح إلى أورشليم والعكس فهو عندما يتكلّم عن مجد المسيح يذكر آلامه وموته على الصليب[17]. كذلك فعل القديس بولس ففي المواضع التي يتحدث فيها عن الموت فقط نجده يذكر شيئًا عن القيامة

فالحياة التي يتحدّث عنها باستمرار هى حياة بسبب الاشتراك في حياة القائم من بين الأموات[18].

وأخيرًا فإن القديس يوحنا يربط الحدثين بشدة معًا حيث أن الكلمات التي يعبر بها عن قيامة المسيح بمجرد أن بشروا بها يستخدمها في نفس الوقت ليصف آلامه ومجده[19]، ولهذا أيضًا يظهر الحمل في سفر الرؤيا كأنه قائم وفي نفس الوقت كأنه مذبوح كدليل الفداء.

+ سر الحب

يرى يوحنا الإنجيلي كمثال، أن سر الفداء هو سر حب لحياة إلهية. طالما أن الله محبة. نحن هنا بصدد حب الله الآب ” الذي أحب العالم حتى بذل ابنه الوحيد ” وهو في نفس الوقت حب الابن للآب وحبه للإنسان حب هو من الله أبيه والذي منه كل الإنسان وله الطاعة الكاملة. هو حب أكبر من كل شئ ولا يوجد شئ يحده.

لأنه إن كانت حياة المسيح هى “محبة لخاصته” فإن آلامه كانت تمثل “محبة إلى المنتهى” فبالتحديد هى محبة قد قبلت أن يُسلّم من أحد الاثنى عشر، أن يحاكم كمُجدف باسم تطبيق الناموس وأن يموت بأشنع وأحقر طريقة وهى الصليب كمجرم حيث كان المعلق على خشبة يلوث أرض إسرائيل وفي هذه اللحظة المعينة استطاع المسيح أن ينطق بكل صراحة بتعبير “قد أُكمل” لقد تحقق إلى أقصى ما يمكن.. محبة الآب التي أُعلن عنها في الكتب وتجسدت في قلب يسوع المحب. وحتى ولو مات من أجل محبته، فلقد فعل هذا لكي ينقل هذه المحبة للبشر، لإخوته.

 

والآن نعود إلى مفهوم الفداء عند القديس أثناسيوس الرسولى

هناك علاقة وثيقة في كتابات أثناسيوس بين عقيدة الثالوث الأقدس وعقيدة الفداء والخلاص وهو يربط في كتاباته بين تعليمه عن شخص المسيح كأحد أقانيم الثالوث الأقدس وعمل المسيح ـ ابن وكلمة الله ـ الأقنوم الثاني كفادى ومخلّص. فكلا العقيدتان متلازمتان ومترابطتان.

يرى أثناسيوس أن ألوهية المسيح الحقة والتي لا يشوبها شئ بالمرّة لا يمكن التعبير عنها بالكلام أو وصفها في تعبيرات، بل هى حياة معاشة، وهذا يتضح بشدة في محاربته لأفكار الآريوسيين ومحاولته لإثبات ألوهية الكلمة” في علاقته بتجسد الله الكلمة” من أجل فداء وخلاص البشرية.

ففي الحقيقة لقد كان القديس أثناسيوس يرفض حتى أن يسمع مجرد كلمة عن “مسيح” طالما أن هذا “المسيح” لن يجيء بفداءً وخلاصًا للبشرية.

ومبتدئًا من بشارة الرسل وما ترتب عنها من تعليم الكنيسة، علّم أثناسيوس عن المخلّص الحقيقي وعن عمله الخلاصى… كخلاص حقيقي. وفسّر كيف أن المخلّص لابد وأن يكون كائن حقيقي إلهي في جوهره، بل لابد وأن يكون إله لكي يكون له الإمكانية الحقيقية لهذا العمل الخلاصى ولهذا فعند أثناسيوس أن المنكر لوحدانية الابن مع الآب في الجوهر، هو في الوقت نفسه يقلّل من قدرة الابن ويضعه في صفوف المخلوقات.

وينكر بالتالي ويشكك في الخلاص الذي تم بواسطة الابن، والتي هو في الواقع كان ضرورة حتمية لأجل الإنسان. وهذا النكران يقود ـ حسب رأى أثناسيوس ـ إلى عدم الاعتراف بربوبية الابن حسب روح الإنجيل وأيضًا لعدم الإدراك العميق لأبعاد وهول الفساد والهلاك الذي حل بالإنسان بعد سقوطه من ناحية، ومن ناحية يقود لعدم الاعتراف بإمكانيات الخلاص التي تمت بواسطة تجسُّد الله الكلمة” والتي أعادت الإنسان إلى شركة الثالوث مرّة أخرى.

 

+ سقوط الإنسان كان السبب الرئيسي لتجسُّد الله ” الكلمة ” وذلك لمحبته للبشر

يُعّلم ق.أثناسيوس أن السقوط كان نتيجة فعل حر للإنسان، ومن النتائج السلبية المباشرة لهذا الفعل الحر بل وأهمها هو الموت والفساد نتيجة الموت الذي عمّ البشرية نتيجة لذلك. وهذا ما يوضحه في الفصول الأولى من كتابه تجسد الكلمة ليثبت أن السبب الأول لعملية التجسد هو القضاء على الموت وإعادة الإنسان للحياة الحقيقية. تلك الحياة التي فقدها الإنسان نتيجة المخالفة وتعدى الوصية الإلهية والبعد ـ بالتالي ـ عن الله وفقد النعمة الإلهية.

وفي الفصل الرابع من نفس الكتاب يذكر ” أن نزوله إلينا كان بسببنا، وأن عصياننا استدعى تعطف الكلمة لكي يسرع الرب في إعانتنا والظهور متأنسًا “[20].

 

+ أزليّة المشيئة الإلهية بشأن التجسُّد وهدفها

لقد كان في عِلم الله السابق إمكانية سقوط الإنسان ونتائجه. كذلك أيضًا عملية التجسُّد وحتميتها. هكذا ركز أثناسيوس في الفصل الأول من كتابه تجسُّد الكلمة. إن الله منذ بداية خطته خَلق العالم بالكلمة وأيضًا سوف يخلّصه بالابن، وذلك لأن صفات الله التي لا يمكن أن تتغيّر أو تتبدّل لا تسمح بأن يؤخذ قرار التجسد وخلاص الإنسان بعد سقوطه. كأن الله قد فوجئ بهذا الأمر، بل كان هناك مشيئة أزليّة.

ويعود القديس أثناسيوس ليوضح هذا الأمر عندما يشرح بعض آيات الكتاب المقدس وذلك في سياق رده على الآريوسيين[21] إذ يقول:

” لأنه رغم النعمة التي صارت نحونا من المخلّص قد ظهرت كما قال الرسول، وقد حدث هذا عندما أقام بيننا، إلاّ أن هذه النعمة كانت قد أعدت قبل أن يخلقنا بل حتى من قبل أن يخلق العالم. والسبب في هذا واضح ومذهل، فلم يكن من اللائق أن يفكر الله بخلاصنا بعد أن خلقنا لكي لا يظهر أنه يجهل الأمور التي تتعلّق بنا. فإله الجميع إذًا عندما خلقنا بكلمته الذاتي، ولأنه كان يعرف أمورنا أكثر منا ويعرف مقدمًا أننا رغم أنه قد خلقنا صالحين

إلاّ أننا سنكون فيما بعد مخالفين الوصية، وأننا سنطرد من الجنة بسبب العصيان ـ ولأنه وهو محب للبشر وصالح فقد أعد من قبل تدبير خلاصنا بكلمته الذاتي ـ الذي به أيضًا خلقنا. لأننا حتى وإن كنا قد خُدِعنا بواسطة الحيّة وسقطنا فلا نبقى أمواتًا كلية بل يصير لنا بالكلمة الفداء والخلاص الذي سبق إعداده لنا لكى نقوم من جديد ونظل غير مائتين “.

كما أنه في تفسيره لما جاء في رسالة معلّمنا بولس إلى أهل أفسس: ” مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح يسوع، كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قدامه في المحبة قديسين وبلا لوم، إذ سبق فعيننا للتبنى بيسوع المسيح نفسه“[22]، يتساءل ق. أثناسيوس مستنكرًا كيف اختارنا قبل أن نخلق إن لم نكن ممثلين فيه من قبل كما قال هو نفسه؟ كيف سبق فعيننا قبل أن يخلق البشر إن لم يكن الابن نفسه قد ” تأسس قبل الدهور ” آخذًا على عاتقه تدبير خلاصنا؟[23]. ويعطى مثالاً رائعًا لكي يثّبت هذا التعليم فيقول:

 ” ولأن الله صالح وهو صالح على الدوام وهو يعرف طبيعتنا الضعيفة التي تحتاج إلى معونته وخلاصه لذا فقد خطّط هذا، وذلك مثلما لو كان مهندس حكيمًا يريد أن يبنى منزلاً فإنه يُخطّط في نفس الوقت كيفية تجديده مرة أخرى لو دُمر يومًا ما بعد أن تم بناؤه. وهو يعد لهذا من قبل عندما يخطط، ويعطى للقائم على العمل الاستعدادات اللازمة للتجديد. وهكذا يكون هناك استعداد مسبق للتجديد قبل بناء المنزل وبنفس الطريقة فإن تجديد خلاصنا من جديد فيه، فالإرادة والتخطيط قد أُعد منذ الأزل، أما العمل فقد تحقق عندما استدعت الحاجة وجاء المخلص إلى العالم “[24].

 

+ التجسُّد في مواجهة الطبيعة البشرية الساقطة:

كانت وصية الله لآدم يوم أن وضعه في الفردوس، ألاّ يأكل من شجرة معرفة الخير والشر محذرًا إياه أنه يوم أن يأكل منها موتًا يموت. يضع القديس أثناسيوس هذا النص كأساس كتابي وكبرهان على ضرورة وحتمية التجسد.. إذ أن الموت صارت له سيادة شرعية علينا من ذلك الوقت، ويفسر عبارة “موتًا تموت” قائلاً إن المقصود بها ليس مجرد الموت بل البقاء إلى الأبد في فساد الموت[25].

ولأنه لم يكن ممكنًا أن ينقض الناموس، لأن الله هو الذي وضعه بسبب التعدى، أصبحت النتيجة في الحال مرعبة حقًا وغير لائقة، لأنه لا يمكن أن يكون الله كاذبًا، ولأجل تغيير هذا الوضع فإن توبة الإنسان لا تصلح إذ يقول بالحرف الواحد ” لكن التوبة لا تحفظ مصداقية الله لأنه لن يكون الله صادق إن لم يظل الإنسان في قبضة الموت إذ أنه تعدى الوصية فحكم عليه بالموت كقول الله الصادق، ولا تقدر التوبة أن تستعيد الإنسان مما هو حسب طبيعته “[26].

لقد كان الاحتياج إلى شئ أساسى وجوهري وحاسم لكي يعيد الإنسان إلى الوجود الحقيقي، إلى الحياة، إلى الشركة مع الله. كان هناك احتياج إلى التدخل الحاسم لكلمةالله من جديد. وكان حتمًا إذًا أن يتجسد الله الكلمة “الذي هو وحده قادر على تصحيح هذه الأوضاع وإعادة الحياة وعدم الفساد إلى الإنسان “لأنه لو كان تعدى الإنسان مجرد خطية ولم يستتبعها فساد كانت ستصبح التوبة كافية، أما الآن وقد حدث التعدي مرة فقد تملك البشر الفساد الطبيعي ونزعت منهم نعمة مماثلة صورة الله، فماذا بقى إذًا كان يجب أن يحدث؟

أو مَن ذا الذي يستطيع أن يصيد للإنسان تلك النعمة ويرده إلى حالته الأولى إلاّ كلمة الله الذي خلق في البدء كل شئ من العدم؟ لأنه كان هو وحده القادر أن يأتي بالفاسد إلى عدم الفساد، وأيضًا أن يصون مصداقية الآب لأجل الجميع، وحيث أنه هو كلمة” الآب ويفوق الكل وبالتالي كان هو وحده القادر أن يعيد خلقة كل شئ وأن يتألم عوض الجميع وأن يشفع عن الكل لدى الآب “[27].

 

1 إش9:63

2 خر 12:27

3 انظر مثلاً تيطس 13:2

4 خر 6:6

5 إر 38:32ـ39

6 مز 7::130

7 حز 60:16

8 يو 17:1

9 رو 2:8ـ4

10 رو 24:3

11 لو 28:21، رو 23:8

12 1كو 20:6

13 إش 13:52

14 إش 12:53

15[ انظر على سبيل المثال 1بط 3:1، 1تس10:1 ]

16 لو 51:9

17 (7:24.26.39.46)

18 غلا20:2، 14:6، رومية 4:6

19 يو 23:12.34.32

20 القديس أثناسيوس الرسولس، تجسد الكلمة، ترجمه عن اليونانية وتعليقات د. جوزيف موريس فلتس. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. الطبعة الرابعة سنة 2006. فصل2:4 ص10.

21 المقالة الثانية فصل 75.

22 أف 3:1ـ5

23 رسالة 2 فصل 76

24 رسالة 2 فصل 77

25 تجسد الكلمة، المرجع السابق، فصل 3

26 تجسد الكلمة، المرجع السابق، فصل 7

27 تجسد الكلمة، المرجع السابق، فصل 7

التجسد والفداء في تعاليم القديس أثناسيوس – د. جوزيف موريس فلتس

Exit mobile version