العلامة اوريجانوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثالث
العلامة اوريجانوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثالث
العلَّامة أوريجانوس
وُلِد أوريجانوس بالإسكندريّة عام 185م وصار عميدًا لمدرسة الإسكندريّة منذ العام 203 حتّى 231م. ثُمَّ ذهب إلى قيصريّة فلسطين، وأسّس مدرستها اللاهوتيّة، وعلَّم بها حتّى سنة 249م.
وكان أوريجانوس واسع العلم والمعرفة، ومع ذلك فالمعرفة والعلم الغزير لم يدفع بأوريجانوس إلى الكبرياء والتشامخ، بل على العكس، كان يدرك أن الكارز يلزمه أولًا وقبل كلّ شيء أن يكون رجل صلاة. وفي مرّات كثيرة حينما كان يقف أمام عبارة صعبة يتوقّف عن الكلام ويطلب من سامعيه الصلاة من أجله لينال فهمًا أفضل للنص.[1]
ويُعتبر أوريجانوس أحد مؤسّسيّ التعاليم النسكيّة، وبجانب حياته النسكيّة اهتمّ بممارسة الصلاة بكونها جزءًا لا يتجزأ من الحياة النسكيّة، تسنده في تحرير النفس ودخوله إلى الإتحاد مع الله بطريقة أعمق. يرى في الصلوات أمرًا ضروريًا لنوال نعمة خاصة من قِبَل الله لفهم النص الإلهيّ.[2] وقد رأى إنّ الإنسان يطلب الإتحاد مع الله خلال حفظ البتوليّة،[3] فينسحب عن العالم وهو بعد يعيش فيه،[4] مُقدّمًا تضحية في أمور الترف قدر ما يستطيع،[5] مُحتقرًا المجد البشريّ.[6]
لأوريجانوس مكانة عظيمة في وقته في ردّ الكثير من المرتدين أو مُنحرفيّ الفكر إلى الإيمان الأرثوذكسيّ. في الكثير من المناسبات، كانت تتمّ دعوته إلى العربية ليتناقش مع الأساقفة في أمور الإيمان والعقيدة،[7] وقد أشار المؤرّخ يوسابيوس إلى اثنين من هذه المناقشات، نذكر منها ذلك المجمع العربيّ الذي عُقد في عام 244م لمناقشة وجّهة نظر الأسقف بريلوس Barylius في شخص السيد المسيح.
انعقد هذا المجمع على مستوى واسع، وقد أدان الأسقف بسبب قوله إنّ الله أقنوم واحد، وقد حاولوا باطلًا إقناعه أن يعود إلى الإيمان المستقيم.[8] أسرع أوريجانوس إلى العربيّة ونجح في إقناع الأسقف الذي يبدو أنه بعث إليه برسالة شكر،[9] وصار من أكبر المُدافعين عنه.[10]
تعرّف أوريجانوس على صديق ثري، يُدعى أمبروسيوس،[11] كان يتّبع هرطقة فالنتينوس، وهو من عائلة طيبة ويشغل مركزًا ممتازًا، إذ إلتقى أوريجانوس بأمبروسيوس، جذبه إلى الإيمان المستقيم وأظهر له فساد هرطقة فالنتينوس التي سقط فيها. وإذ أعجب أمبروسيوس بصديقه، ضغط عليه أن يكتب، وأمدّه بأكثر من سبعة من الكتبة في دورات بجانب الكثير من النُسّاخ وبعض الفتيات اللواتي يجدن الكتابة.[12] وفيما بعد صار أمبروسيوس هذا أحد المعترفين[13] في أثناء اضطهاد مكسيميان.
عن الدور الذي قام به أوريجانوس في ردّ الكثير من مُشتتي الفكر إلى الإيمان، يكتب المؤرخ يوسابيوس: ”إذ جذبت سمعة أوريجانوس العلميّة أنظار الكثيرين… ورنّ صداها في كلّ موضع، جاءوا إليه يختبرون قدرة ذكائه في العلوم الدينيّة، فتتلمذ على يديه كثير من الهراطقة (الذين ردّهم للإيمان المُستقيم)، وعدّد ليس بقليل من أبرز الفلاسفة، وتلقّوا التّعليم على يديه لا في الأمور الدينيّة فحسب بل والفلسفة الدنيويّة…
لقد اشتهر كفيلسوف عظيم حتّى بين اليونانيّين أنفسهم… ويشهد لنبوغه في هذه العلوم فلاسفة عصره اليونانيّين، فكثيرًا ما أشاروا إليه في كتاباتهم، بل وأحيانًا كانوا يكتبون إهداءً إليه في مُقدّمة كتاباتهم، كما كان بعضهم يقدّمون له مؤلفاتهم ليبديّ رأيه فيها“.[14]
كما كان له دور بارز في أوقات الاضطهاد التي كانت تحلّ بالكنيسة، يصفه لنا شيخ مؤرخي الكنيسة، يوسابيوس القيصريّ على النحو التالي: ”برّز اسمه بين قادة الإيمان، وذلك بسبب اللطف والرعاية والرقّة التي أظهرها نحو الشهداء والقديسين، سواء كانوا معروفين لديه أو غرباء عنه. كان يرافقهم في السجن ويمكث معهم أثناء المُحاكمة، بل يبقى معهم حتّى لحظات الموت…
غالبًا عندما كان يذهب إلى الشهداء يهتمّ بهم ويُحيّيهم بقبلة دون أي اعتبار لما ينتج عن ذلك، فكان الوثنيّون المحيطون بهم يثورون عليه ويكادوا أن يهجموا عليه ليضعوا حدًّا لحياته“.[15] ويقول الأب والعالم الآبائيّ فرار Farrar: ”إنّ قديسين وشهداء اشتهوا الجلوس عند قدميه“.[16]
ويروي لنا أبيفانيوس[17] قصة عن رعاع الوثنيّين الذين أمسكوه ذات يوم وهو سائر في الطريق وحملوه بضجيج شديد إلى هيكل سيرابيوم الشاهق، وحلقوا رأسه، ووضعوا عليها قلنسوة، وألبسوه حُلّة بيضاء على طريقة كهنتهم رغمًا عنه، ثُمَّ أخرجوه خارج الهيكل وأصعدوه على القمة الكبرى التي أعلى السلم، وأعطوه سعف النخل، وأمروه أن يقوم بتوزيعه على عبدة الأوثان المجتمعين حوله، وكانوا يسخرون به مصفقين.
فأسرع أوريجانوس يلوح بالأغصان وينثرها على المتجمهرين وهو يقول بصوت عظيم: ”هلمّوا خذوا هذه الأغصان لا برسم الأوثان بل باسم يسوع المسيح خالق الإنسان“، فصَرّوا بأسنانهم عليه وأرادوا قتله، لكنّ الرّبّ أنقذه من أيديهم.
الصراع مع البابا ديمتريوس
حواليّ عام 216م إذ نهب الإمبراطور كاركلا Caracalla مدينة الإسكندريّة وأغلق مدارسها واضطهد مُعلّميها وذبحهم، قرّر أوريجانوس أن يذهب إلى فلسطين. هناك رحبّ به صديقه القديم الإسكندر أسقف أورشليم كما رحبّ به ثيؤكتستوس Theoctistus أسقف فلسطين، الذين دعاه أن يشرح الكتاب المُقدّس في اجتماعات المسيحيّين، وفي حضرتهما.
غضب البابا ديمتريوس السكندريّ جدًّا، لأنّه حسب عادة الكنيسة السكندريّة آن إذ أنّ العلمانيّ لا يستطيع أن يعظ في حضرة الأسقف، فأمر بعودته إلى الإسكندريّة سريعًا. وبالفعل أطاع أوريجانوس بطريركه في خضوع، وبدت الأمور تسير كما كانت عليه قبلًا، لكنّ هذا الحديث صار مُقدّمة لصراع أوشك أن يحدث بعد عدة سنوات (واستمر حواليّ 15 عامًا).
قد أورد المؤرّخ يوسابيوس دفاع الأسقفين الإسكندر وثيؤكتستوس عن نفسيّهما، والذي جاء فيه: ”جاء في رسالته، أنّه لم يسمع عن أمر كهذا من قبل، ولا حدث إلى الآن أن وعظ علمانيّون في حضرة أساقفة! ولست أدري كيف يقرّر أمرًا غير صحيح، لأنّه متى وُجِد أناس قادرون على تّعليم الإخوة يحثّهم الأساقفة القديسون على وعظ الشعب.
هذا ما حدث في لاراندا عندما طلب ذلك نيون من يولبس، وفي أيقونيّة عندما أمر كلسّس بولينوس… والأرجح أنّ هذا حدث في أماكن أُخرى لا نعلمها“.[18]
أُرسِل العلَّامة أوريجانوس إلى اليونان لضرورة مُلحة تتعلق ببعض الشئون الكنسيّة، وبقيَّ عامين غائبًا عن الإسكندريّة. ذهب إلى آخائية ليعمل صُلحًا، وكان يحمل تفويضًا كتابيًّا من بطريركه. وفي طريقه عبّر بفلسطين، وفي قيصريّة سُيّم قسًا بواسطة أسقفها.[19]
فقد بدى للأساقفة أنّه لا يليق بمرشد روحيّ مثل أوريجانوس بلغ أعلى المستويات الروحيّة والدراسيّة أن يبقى علمانيًّا. هذا وقد أرادوا أن يتجنّبوا المخاطر التي يثيرها البابا ديمتريوس بسماحهم له أن يعظ وهو علمانيّ في حضرتهم.
وقد اعتبر البابا هذه السيامة أكثر خطئًا من التصرف السابق، حاسبًا إيّاها سيامة باطلة لسببين:
1- إنّ أوريجانوس قد قَبِل السيامة من أسقف آخر غير أسقفه، دون أخذ تصريح من الأسقف التابع له.
2- إذ كان أوريجانوس قد خصى نفسه، فهذا يحرمه من نوال درجة كهنوتيّة، فإنّه حتّى اليوم لا يجوز سيامة من يخصي نفسه.
وإخصائه لنفسه هذا، يرجع إلى حضور النسوة كي يستمعن لمحاضراته، ولكي لا تحدث عثرة رأى أن ينفذ حرفيًّا ما ورد في الإنجيل أن أناسًا خصوا أنفسهم من أجل ملكوت الله (مت 19:12)، لكنّ يبدو أنّه قدّم توبة على هذا الفعل، حيث نجده في تفسيره لهذا النص من إنجيل متى، فسرّه تفسيرًا رمزيًّا لا حرفيًّا.[20]
إدانته
لم يحتمل البابا ديمتريوس هذا الموقف فدعى لانعقاد مجمع من الأساقفة والكهنة بالإسكندريّة. رفض المجمع القرار السابق مكتفيًّا باستبعاده عن الإسكندريّة.[21]
لم يكن هذا القرار كافيًا لإرضاء البابا، فدعى مجمعًا من الأساقفة وحدهم عام 232م، قام بإعلان بطلان كهنوت أوريجانوس واعتباره لا يصلح بعد للتّعليم، كما أعلن عن وجود بعض الأخطاء اللاهوتيّة في كتاباته.
بالرغم من أنّ أوريجانوس رُبّما قد أخطأ في قبول الدرجة الكهنوتية من غير أسقفه، إلَّا إنّه الرجل النبيل الذي أطاع القرار مُتحاشيًا كلّ انقسام، أطاع بروح مسيحيّة لا تحمل شيئًا من الأنانيّة، معتبرًا استبعاده عن الأرض -الغالية عليه جدًّا أكثر من أيّة بقعة أُخرى على الأرض- ليست بالتضحية الكُبرى من أجل حفظ وحدة الكنيسة. فبالرغم من وجود أصدقاء لهم سلطانهم في الإسكندريّة وفي الخارج، وكان يمكنه أن يقود حركة مضادة للبابا، لكنّه أبى أن يفعل شيئًا من هذا.
في هدوء، ترك الإسكندريّة شاعرًا أنّه لن يوجد من يقدر أن يفصله عن كنيسته المحبوبة، إذ يقول: ”يحدث أحيانًا أنّ إنسانًا يُطرد خارجًا، ويكون بالحقّ لا يزال في الداخل، والبعض يبدو كما لو كانوا في الداخل مع أنّهم في الحقّيقة هم في الخارج“.[22]
كانت هذه العاصفة التي ثارت ضدّ أوريجانوس بلا شك صفعة مرعبة، ومع ذلك فإنّنا نراه وهو يتحدّث عنها يتكلّم بإتزان، إذ يقول في مُقدّمة الكتاب السادس لإنجيل يوحنا:[23]
”بالرغم من العاصفة التي هبّت ضدّنا في الإسكندريّة أكملت المجلّد الخامس (من تفسير إنجيل القديس يوحنا) لأنّ يسوع أمر الرياح والأمواج أن تهدأ. لقد بدأت فعلًا في المجلّد السادس حين طُردت من أرض مصر. منذ ذلك الحين والعدوّ يضاعف عنفه، فينشر رسائله الجديدة، التي هيَ بالحقّ غريبة عن الإنجيل، هكذا يطلق علينا الرياح الشرّيرة قادمة علينا من مصر.
وكان للعقل أن يشير علينا أن نستعد للمعركة. لكنّ، لا يمس هذا الأمر سلامنا إلى حد كبير فيعود الهدوء إلى ذهننا حتّى نقدر أن نكمل أعمالنا السابقة الخاصة بدراسة الكتاب المُقدّس“.
نياحته
في أيام داكيوس Decius (249-251)، ثار الاضطهاد مرّة أُخرى، وألقيَّ القبض على أوريجانوس. تعذّب جسده، ووُضِع في طوق حديدي ثقيل وألقيَّ في السجن الداخليّ، وربطت قدماه في المقطرة أيامًا كثيرة، وهُدّد بالإعدام حرقًا.[24]
احتمل أوريجانوس هذه العذابات بشجاعة، وإن كان لم يمت أثناءها، لكنّه مات بعد فترة قصيرة، رُبّما كان متأثّرًا بالآلام التي لحقت به.
قبل أن يموت أرسل إليه البابا الإسكندريّ ديونسيوس، الذي كان تلميذًا لأوريجانوس في مدرسة الإسكندريّة، وقد خلف هيراقليس في الباباويّة وزعامة المدرسة أيضًا، رسالة ”عن الاستشهاد“، لعلّه بذلك أراد أن يُجدّد العلاقة بين العلَّامة السكندريّ أوريجانوس وكنيسة الإسكندريّة.
في عام 254م رقد أوريجانوس في مدينة صور بفلسطين وكان عمره في ذلك الحين 69عامًا،[25] وقد اهتّمّ مسيحيّو صور بجسده اهتمّامًا عظيمًا، فدفنوه إزاء المذبح، وغطّوا قبره ببوابة من الرخام، نقشوا عليها:”هُنا يرقد العظيم أوريجانوس“.
وقد شاهد الكاتب غيليوم الصوري هذا القبر والباب الرخاميّ في أواخر القرن الثاني عشر.[26]
آراء العلماء وآباء الكنيسة عنه
ألكسندروس أسقف أورشليم الذي كان يتطلّع إلى أوريجانوس كمعلّمه وصديقه، خليفة الاستاذين المُبجّلين بنتينوس وإكليمندس، بل وأعظم منهما. ففي اليوم التالي لنياحة القديس إكليمندس، كتب ألكسندر لأوريجانوس هكذا:
”إنّنا نعرف جيدًا الأبوين الطوباويّين اللذين سلكا الطريق قبلنا وسنلحق بهما سريعًا: ”بنتينوس الطوباويّ والمعلّم القدير، وإكليمندس المبجّل معلّمي ومعيني، وأيضًا آخرين مثلهما، وقد تعرّفت خلالهما عليك، إذ أنت هو ممتاز معهما، يا معلّمي وأخي“.[27]
فهو المُعلّم والباحث الممتاز في الكنيسة الأولى، شخصيّته لا يشوبها عيب، يحمل في تّعليمه دائرة معارف موسوعيّة، ويعتبر أحد المفكرين الأصليين الذين شاهدهم العالم“.[28] ”يرى البعض في العلَّامة أوريجانوس أعظم فكر يحمل عمقًا ظهر في تاريخ الكنيسة“.[29]
وصفه القديس ديديموس الضرير هكذا: ”أعظم معلّم للكنيسة بعد الرسل“، نقلها لنا القديس جيروم، وقد وضعها في مُقدّمة ترجمة ”عظات حزقيال“ لمعلّمه العظيم.[30]
لُقِب العلَّامة أوريجانوس بـ”أدمانتيوس“ أي ”الرجل الفولاذي“، إشارة إلى قوّة حجّته التي لا تقاوم وإلى مثابرته.[31]
كتب بروفيسور كواستن استاذ علم الباترولوجي الشهير في بداية دراسته عن أوريجانوس ما يلي:
”بلغت مدرسة الإسكندريّة (اللاهوتيّة) أهميتها العُظمى بقيادة أوريجانوس، المعلم والعالم البارز للكنيسة الأولى، إنسان بلا لوم في أخلاقه، وذو معرفة موسوعيّة، وأحد أكثر مفكري العالم أصالة في العصور كلها“.[32] ويكمل في حديثه عنه، قائلًا: ”رغم أنّ أوريجانوس أعطى اهتمامًا عظيمًا بدراسة الكتاب المُقدّس، واعتبر الفلسفة مُجرّد خادمة للمسيحيّة، إذ نجده يؤكد على أهمّيّة الكتاب المُقدّس أكثر من معلّمه كليمندس الإسكندريّ“.[33]
ويذكر كواستن، أنّ أوريجانوس بالغ في استعمال الطريقة الرمزيّة في تفسير الكتاب المُقدّس مما نتج عنه بعض الأخطاء.
ولهذا السبب حدث خلاف في الرأي بين الآباء منذ القرن الرابع حول ما ورد في كتابات أوريجانوس من بعض الأفكار إلى أن انتهى الأمر في القرن السادس بإدانة الأفكار الخاطئة الشائعة عنه، في مجمع عقده الإمبراطور جوستنيانوس الأوّل بالقسطنطينيّة سنة 543، وهو المجمع المسكونيّ الخامس عند الروم، والذي لم تشترك فيه الكنيسة القبطية الأرثوذكسيّة طبعًا لأنّه بعد انشقاق مجمع خلقيدونية تاريخيًّا.
ويضيف كواستن:
”كان مصير أوريجانوس أن يكون علامة اختلاف وتعارض، أثناء حياته، كما بعد وفاته أيضًا. ويندر أن نجد شخصًا مثله له أصدقاء كثيرون جدًّا وأعداء كثيرون جدًّا. صحيح أنّه ارتكب بعض الأخطاء، لكنّ لا يُمكن أن يشكّ أحد أنّه كان تواقًا وراغبًا بشدة أن يكون مسيحيًّا على الدوام، مستقيم الإيمان، عميقًا في إيمانه وثقته بالله.
فهو يسجل في بداية كتابه اللاهوتيّ الرئيسيّ ”المبادئ“: ”إنّ ما يجب أن يكون مقبولًا على أنّه هو وحده الحقّيقة والحقّ، هو ما لا يختلف من أي جهة من الجهات مع التقليد الكنسيّ والرسوليّ“.[34] ولقد جاهد أوريجانوس بكل قواه لكي يتّبع هذه القاعدة وختم جهاده هذا بدمه في نهاية حياته“.
قال عنه العالم واللاهوتيّ جان دانيلو:
”يمكن القول بإنّ كتابات أوريجانوس تشير إلى فترة حاسمة في كلّ ميادين الفكر المسيحيّ. فقد بحث في تاريخ نسخ الكتاب المُقدّس المتنوّعة، كما أنّ تعليقاته على المعاني الحرفيّة والروحيّة للعهد القديم والجديد، جعلته مؤسّسًا للدراسة العلميّة للكتاب. هو أوّل من وضع النظرة اللاهوتيّة العظيمة، وأوّل من حاول تقديم تفاسير منهجيّة للأسرار المسيحيّة.
إنّه أوّل من وصف الطريق الذي تسلكه النفس في رجوعها لله، وبهذا يكون أوّل مؤسّس للاهوت الحياة الروحيّة. كذلك نتساءل: إن كان يعتبر هو السلف -إلى حد ما- لظهور الحركة الرهبانيّة الكبرى في القرن الرابع“.[35]
مدحه أيضًا الأب فنسنت الليرنزيّ Vincent of Lerins، قائلًا:
”إن كان من جهة الحياة فعظيمة هيَ صناعته! عظيمة هيَ نقاوته وصبره واحتماله! من جهة النبل فأيّ شرف أعظم من أن يولد في بيت يتجمد بالاستشهاد؟! إن كان من جهة الفصاحة والحكمة والفلسفة فقد فاق الجميع. تخرّج من أحضانه معلّمون بلا حصر وكهنة ومعترفون. أي مسيحيّ لا يكرمه كنبي أو فيلسوف ومُعلّم؟! فإنّه حتّى الأمراء كرّموه. لا يكفيني اليوم كله أن أخبرك عن عظمته أو حتّى تحسّست نصيبًا منها!“.[36]
تلاميذ أوريجانوس والمعجبون به
في الإسكندريّة تتلمذ (البابا) ديونسيوس على يديه، وحينما بدأ العالم ينقلب عليه بقيَّ البابا يشعر أنه مدين بالجميل له، فأرسل إليه رسالة عن الاستشهاد عام 259م.
وقد مدحه القديس ديديموس الضرير مدير مدرسة الإسكندريّة وأكمل عمله في حقل التفسير واللاهوت الرمزيّ.
ودافع عنه البابا أثناسيوس الرسوليّ ولقّبه بألقاب جميلة مثل: ”العجيب“ و”العامل بالحب“.
أمّا الآباء الكبادوك فقد أحبّوه وورثوا تعاليمه،[37] تلك التي نُقِلت إليهم بواسطة تلميذه القديس غريغوريوس صانع العجائب الذي تتلمذ هو وأخوه ثيودورس على يديه بسبب اهتمامهما بالعلوم اليونانيّة وحبّهما للفلسفة، لكنّه استبدل غيرتهما القديمة في الفلسفة والعلوم اليونانيّة، بدراسة اللاهوت، وإذ لبثا في الدراسة خمس سنوات، أظهرا تقدّما عظيمًا في الروحيًّات حتّى سُيَّم كلاهما أسقفًا في كنائس بنطس رغم حداثة سنهما.[38]
فالقديسين غريغوريوس النزينزيّ وباسيليوس الكبير، وإن كانا لم يقبلا نظامه اللاهوتيّ بكليّته، لكنّهما رأيَّ فيه الشكل الوحيد الكافي للفكر العلميّ المسيحيّ المعروف في ذلك الحين، فتتلمذا على منهجه، كما ضمَّا بعض أقواله في كتاب ”الفيلوكاليا“ شهادة لاعتقادهما أنّ فكر أوريجانوس يحوي الأسّس التي بواسطتها يُمكن تقديم الإيمان في لاهوت عقليّ. في محاولتهما أرادوا تحقيق هذا الحُلم: ”تحالف الإيمان مع العلم“، والذي وجدوا بذرته الأولى عند أوريجانوس.[39]
كما تأثر به القديس باسيليوس تأثرًا كبيرًا في مُعالجته لموضوع العالمين المنظور وغير المنظور، من خلال كتابه عن الروح القدس.[40]
لَقَب القديس غريغوريوس النيصي العلَّامة أوريجانوس بـ ”زعيم الفلاسفة المسيحيّين“،[41] وقد شارك القديسان السابقان اعتقادهما تجاه العلَّامة أوريجانوس ومنهجه، وإن كان قد تشرّب بروحه أكثر منهما، يظهر ذلك بوضوح في مقاله Oratio Catechelica الذي يقترب جدًّا من روح كتاب ”المبادئ“ لأوريجانوس أكثر من أي عمل آخر في القرن الرابع.[42]
لقد حفظ القديس الكثير من مقالاته، وأدرك بفهم منهجه، وإن كان قد رفض مبالغاته. لقد أخذ عنه بعض أفكاره وتفسيره الرمزيّ وتّعليمه في حريّة الإنسانيّة، واعتقاده في الصلاح المُطلق لكل الأشياء.. لكنّه لم يكن مُجرّد ناقل.
ويعتبر القديس أوغريس من بنطس هو المسئول عن نشر تعاليمه بين رهبان مصر، فقد اعتمد على كتاباته وكان ينشرها أثناء وجوده في مصر. ومن خلاله أيضًا تسلّم القديس يوحنا كاسيان تعاليمه وبهذا انتقلت إلى الرهبنة الغربية.[43]
ونسخ بمفيليوس البيروتي تلميذ بيروس مدير مدرسة الإسكندريّة معظم مؤلفات أوريجانوس بيده وشغف بقراءتها.
عُرِفت أعماله في الغرب بواسطة روفينوس الإكويلي، الذي أعُجِب به جدًّا، ودافع عنه بشدّة.
ويعتبر القديسان هيلاري وأمبروسيوس مدينان لتفاسيره بالكثير.
أمَّا القديس جيروم فقد كان منذ صباه المُبكّر مُعجبًا به جدًّا، دعاه ”أعظم مُعلمي الكنيسة بعد الرسل“،[45] دفع الكثير ليقتني كلّ كتبه، وترجم الكثير من مقالاته إلى اللاتينيّة، وجعل اسمه مشهورًا في الغرب. معرفته للتفسير جائت عن رجال أوريجانوسيّين مثل ديديموس الضرير وغريغوريوس النزينزيّ. لكنّه، فيما بعد، انقلب إلى عدوّ لدود ضد أوريجانوس.
كما مدحه القديس أغسطينوس.
بين المؤرخين الأوّلين مدحه يوسابيوس وسقراط جدًّا.
أخيرًا أتذكّر مُجرّد أسماء لتلاميذه والمُعجبين به: القديس يوحنا أسقف أورشليم، ويوسابيوس أسقف Vercellae، والإخوة الطوال القامة،[46] الذين بسببهم تعرّض ذهبي الفم لكثير من المتاعب. والقديس بلاديوس، وتوتيم أسقف سيتي الذي اعترض على أبيفانيوس عدوّ أوريجانوس.
شهادة القديس أثناسيوس لتعاليم أوريجانوس
كتب القديس أثناسيوس الرسوليّ كتابًا للدفاع عن صيغة إيمان مجمع نيقية المسكونيّ الأوّل المنعقد سنة 325 De Decretis
وفي الفصل (6) من هذا الدفاع يستشهد القديس أثناسيوس بأربعة آباء ومعلّمين استلم منهم آباء مجمع نيقية الإيمان المُستقيم بأن ابن الله من نفس جوهر الآب. وقد كان أوريجانوس هو أحد هؤلاء الآباء الذين استشهد بهم.
وننقل هنا ما كتبه القديس أثناسيوس عن إيمان أوريجانوس:
”وفيما يخص الوجود الأزليّ للكلمة مع الآب، وأن الكلمة ليس من جوهر آخر بل هو من الآب ذاته، كما قال الأساقفة في المجمع، يمكنكم أن تسمعوا أيضًا من أوريجانوس؛ محب الأتعاب،[47]
لأنّ ما كتبه من باب البحث والتدريب، لا ينبغي لأى أحد أن يعتبره مُجرّد مشاعره الشخصيّة، بل هى أفكار الفرق المتصارعة في البحث، أمّا ما يعلنه بصورة مؤكدة ومحدّدة، فهذا هو فكر هذا الإنسان المحب للأتعاب… فهو يقدّم اعتقاده الشخصيّ هكذا:
صورة الإله غير المنظور هى صورة غير منظورة، بل أتجاسرّ وأقول بما أنه صورة الآب فهو كان موجودًا دائمًا. لأنّه متى كان الله -الذي بحسب يوحنا يدعى النور (لأن ”الله نور“)- متى كان بدون بهاء لمجده الذاتي، حتّى يتجرأ أي إنسان أن يؤكد أن أصل وجود الابن كأنه لم يكن موجودًا قبلًا؟ لكنّ متى كان صورة الآب التي لا يعبر عنها، والجوهر الذي لا يسمى ولا ينطق به، ذلك التعبير والكلمة، والذي يعرف الآب، متى كان غير موجود. بل دع ذلك الذي يتجاسرّ أن يقول:
”كان الابن غير موجود في وقت ما“، دعه يفهم جيدًا أنه بهذا هو يقول إنّ الحكمة لم تكن موجودة في وقت ما، والكلمة لم يكن موجودًا، والحياة لم تكن موجودة“.
[11] ليس هو القديس أمبرسيوس أسقف ميلان، فقد كان أمبرسيوس صديقًا لأوريجانوس، وكان علمانيًّا، وثريًا، ينفق من ماله الخاص لخدمة التعاليم التي يقوم بها أوريجانوس.
أورد القديس أثناسيوس هذا الوصف بمدح أوريجانوس مرة أُخرى في الرسالة الرابعة إلى الأسقف سرابيون عن الروح القدس (انظر الرسائل عن الروح القدس إلى سرابيون 9:4) الترجمة العربية.
العلامة اوريجانوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثالث
الاباء المدافعون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج4
الاباء المدافعون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج4
فرضّت الظروف على المسيحيّين في القرنين الثاني والثالث أن يواجهوا حربًا على جبهتين، فقد كانت تواجه الدولة الرومانيّة التي أعدت جيوشها، وشحذّ فلاسفتها أقلامهم لمُحاربة المسيحيّة، ومن جهة أُخرى، كانت تُواجه اليهوديّة التي تغلغلت تعاليمها إلى بعض المسيحيّين الأوائل. وبين هذا وذاك، كانت الكنيسة تُجاهد للحفاظ على نقاوة وطهارة عقيدتها.
فالداخليّن الجُدّد إلى الإيمان المسيحيّ كانوا أمّا من خلفية يهوديّة، أو من بيئة فلسفيّة تنجذب للفكر أكثر من الإيمان. وجاء هؤلاء وأولئك مُحملين بأفكار قديمة، ترسخت معهم، ولم يستطيعوا التخلي عنها بسهولة حين دخلوا المسيحيّة. فحاول الفريق الأوّل أن يرتدّ بالمسيحيّة من النعمة إلى الناموسيّة، وهم الأبيونيون أو المتهودون. وحاول الفريق الآخر تحويل المسيحيّة إلى ديانة أفلاطونيّة بحتة، مثل الغنوصيّون بفرقهم المُختلفة.[1]
فكان لزامًا أن يظهر داخل الكنيسة، إنتاج أدبي من نوع جديد، وهو كتابات المُدافعون Apologists، وقد حاول هؤلاء المدافعين دفع التهم عن المسيحيّة، وفي نفس الوقت، ربح الحكومة والاِمبراطوريّة إلى جانب المسيحيّة، ودفع الأفكار الخاطئة التي كانت تُشاع عن المسيحيّين.
من هذه الاتهامات التي سجلها لنا التاريخ غير المسيحيّ، ما كتبه سويتونيوس المؤرخ الوثنيّ، واصفًا المسيحيّة بأنها:
”خرافة جديدة، سحرية ومؤذية، تُعلنها جماعة من الناس يدعون مسيحيّين“.[2]
فوصفها بالخرافة يعني أنها تشوّه الديانة الرومانيّة الرسمية، وتُعرّضها للخطر. بينما وصفها بالـ ”جديدة“ يعني أنها تُهدّد استقرار الدولة ونظامها.
صفات مُشابهة نجدها عند المؤرخ الرومانيّ الشهير ”تاسيتوس“، حيث يصف المسيحيّة هُنا كالتالي:
”بعد أن قُمِعت تلك الخرافة المشؤومة في مهدها، على يد الإمبراطور طيبآريوس، عادت فظهرت، لا في اليهوديّة وحسب، حيث نشأ الشر، بل في روما أيضًا، إلى حيث يفد كلّ ما هو قبيح ومُشين في العالم، ويجد اتباع كثيرين“.[3]
كما وُصِفت بالـ”ديانة ذات الطقوس الغامضة“، وذلك بسبب سرّيّة التعاليم المسيحيّة في مهدها، خوفًا من الاضطهاد من جهة، ومن جهة أُخرى حفاظًا على قدّسية التعاليم. جاء هذا الوصف في الأحكام الشرعية ليوليوس باولوس، كالتالي:
”هؤلاء من يُنادون بأديان جديدة، تُعلن طقوسًا غامضة وعادات غريبة، تشوش على عقول الناس، إن كانوا من أصحاب الطبقات العُليّا سوف يتمّ نفيهم، وإن كانوا من الطبقات الدُنيا، سوف يُعاقبون بالإعدام“.[4]
من الأمثلة الصارخة على التعنت والأحكام الجائرة ضد المسيحيّين، نجد في واحدة من رسائل بيليني، نجده يكتب:
”هذه هيَ القاعدة التي اتّبعتها في مُعاملة أولئك الذين أحيلوا على لأنهم مسيحيّون. لقد سألتهم إن كانوا مسيحيّين، والذين اعترفوا بذلك، سألتهم ثانية وثالثة مُهدّدًا إياهم بالتعذيب. والذين أصرّوا على جوابهم أعدمتهم. فأيًا كان معنى اعترافهم، كنت مُقتنعًا بأنه لابد من أن أُعاقب –على الأقل- ذلك العنادو التعنت. وهُناك آخرون مِن مَن يتمتعون بالمواطنية الرومانيّة، يتملكهم الجنون نفسه، فكتبت في حقهم كيما يتمّ إرسالهم إلى روما.
أمّا الذين أنكروا انهم مسيحيّون، وكانوا مسيحيّين قبلًا، فإنّ رفعوا الصلوات للألهة في الصيغة التي أُلقيها عليهم، وقربوا النبيذ والبخور أمام صورتك التي أُحضرها إليهم (الإمبراطور)، مع تماثيل الآلهة، وجدّفوا على المسيح، وهيَ أمور يُُقال إنّها لا يُمكن أن تصدر عن أي مسيحيّ حقّيقيّ، فقد رأيت من واجبي أن أُطلق سراحهم“.[5]
فكان عمل المُدافعين كالمُحامين، يُدافعون عن قضية المسيحيّين أمام بطش الدولة الغاشم والجائر بحقّهم. فنجد يوستينوس الشهيد يُشدّد على أنه لا يجب الحكم على الاسم، لكنّ على الأعمال، وإن كان المسيحيّون لا يسلكون طريق الجُرم، فيجب على الدولة أن ترفع الأحكام عنهم.[6] وترتليان كان يُطالب بألاّ يُحكم عليهم حكم مُسبق.[7] وإنّ ديانتنا لا يوجد بها تعاليم سرّيّة.[8]
ويوضح المُدافعون أيضًا للعالم الوثنيّ، أن الاعتراف بتفوق الله على الإمبراطور ليس ذنبًا،[9] وبأننا لا نهرّب من الحياة، ولا نرفضها، بل نرفض التسليات المُخلة،[10] وأن المسيحيّون إن كانوا مُلحدين، فهم مُلحدون من جهة آلهة روما الباطلة فقط.[11]
[1] إيريل كيرنز، المسيحيّة عبر العصور، ترجمة عاطف سامي (قبرص: نيقوسيا، 1992)، ص 119.
[2] حياة نيرون، 16: 2.
[3] الحوليات، 15: 44.
[4] Collected Sentences, V. 21; Origen, Against Celsus, VIII: 17, III: 14.
[5] الرسالة، 10: 96: 2- 5.
[6] الدفاع 1: 4؛ أثيناغوراس، الدفاع 1؛ ترتليان، الدفاع 1: 4، 5، 3: 1؛ ثيوفيلس، إلى أوتوليكس 1: 12.
[7] الدفاع 2: 10، 11؛ يوستينوس، الدفاع 1: 7.
[8] الرد على كلسوس، 1: 7.
[9] ترتليان، الدفاع 30: 1- 3؛ أثيناغوراس، الدفاع، 7، 13.
[10] ترتليان، الدفاع 42: 3؛ 38: 3- 4.
[11] يوستينوس، الدفاع 1: 6.
الاباء المدافعون – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج4
الاطار العام للمسيحية في القرن الثاني – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج2
الاطار العام للمسيحية في القرن الثاني – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج2
الاطار العام للمسيحية في القرن الثاني
بعد أن عاشت الكنيسة الإيمان الثالوثيّ المُستلم من الرسل، سواء مما كتبوه وتركوه لنا في العهد الجديد، أو مما سلَّموه شفاهة، وعاش في خبرة الكنيسة كجماعة ليتورجيّة مُتعبدة، وبعد رحيل آخر الرسل (القديس يوحنا اللاهوتيّ)، ثُمَّ مرحلة الاصطدام باليهود والرومانيّون، مع الإيمان المسيحيّ، الذي كان يخالفهم الرأي، ويتصدى لمعتقداتهم، ويفضحها، ويجرّدها من معانيها.
كان صوت المسيحيّين هذا، إنطلاقًا من الأمانة التي أودعها المسيح في الكنيسة، إذ اعلن لها عن إله يسكن فيها، وهيَ بدورها تحيا كارزة له، بالعمل وبالكلمة، وما لا يُمكن أن تقبله على نفسها، هو أن تطمر هذه الوزنة مثل العبد الجبان، الذي انتظر الساعة الأخيرة ليُعيدها إلى سيده (مت25: 14- 31)، بل أن تستثمرها، وتحميها، وتصونها، وتُدافع عنها عند الحاجة، وتسبر الغنى الموجود فيها، لتستمد منه غذاء مُشبعًا لكل ما يُثار من أفكار حول الإيمان.
انطلاقًا من هذه الرسالة، التي سلّمها يسوع المسيح للكنيسة، وائتمنها عليها، راحت الكنيسة تُبشّر بتعاليمه، وتَدرِس في الوقت عينه، صفات المُعلم، لترد على تساؤلات شخصيّة، وعلى استفهامات المُرتدين الجُدّد.[1]
كانت الأجوبة في البدء تعتمد كُلّيًّا على الكتب المُقدّسة، إذ كانت الحرب مع اليهود، ويكفي إثبات مسيّانيّة يسوع حتّى يؤمنون. ثم، تطوّر الوضع، حتّى لا تتشتّت الجماعة من تفسيرات مُختلفة للنص الكتابيّ، فأصبح التقليد هو المقياس الذي يُبنى عليه تفسير العهدين، والتّعليم اللاهوتيّ على السواء.
بعد قليل، واجه المسيحيّون الوثنيّين، فكان لابد من التعامل معهم من نفس الأرضيّة التي يتحركون منها للنقد، وهيَ الفلسفة والبحث النظريّ، وعلوم اللغة. إذا أضفنا إلى كلّ ما سبق الهرطقات التي نشأت في بوادر المسيحيّة، فإنّنا نجد من كلّ ذلك العوامل التي دفعت مُعلميّ الكنيسة الأولين نحو تأسيس علم اللاهوت المسيحيّ، الذي نما وتطوّر عبر القرون واللغات، ولم يتغيّر أساسه الأصليّ الذي وضعه الرسل، ونحتته الكنيسة على مدى العصور.
عند قراءتنا للنصوص اللاهوتيّة عند آباء ما قبل القديس إيرينيئوس –ولا سيَّما حقبة الآباء الرسوليّون والمُدافعون- يجب أن نضع في أذهاننا أن هؤلاء الآباء لم يفكروا بوضع لاهوت نظاميّ، بل كان جلَّ اهتمامهم مُنصبًا على الشأن الرعويّ، أي التمسك بما تسَلمّوه من تعاليم الرسل، وكيفية تطبيق هذه التعاليم بشكل عمليّ أمام التحديّات التي تواجهها الكنيسة في ذلك العصر.
كما أنّ آباء حقبة ما قبل نيقية، عاشوا ورحلوا قبل بدء المجامع المسكونيّة ومشكلة تحديد الصيغ الإيمانيّة، تلك المجامع التي نحتّت الصيغ اللاهوتيّة، تلك المُستخدمة في الشرح اللاهوتيّ حتّى عصرنا الحاليّ، مثل: ثلاثة أقانيم وجوهر واحد، مفهوم الأقنوم، مفهوم الطبيعة، مفهوم الجوهر… وغيرها.
لذا، فإنّ هؤلاء الآباء قد نحتوا ألفاظهم اللاهوتيّة الخاصة، تلك الألفاظ المُختلفة -في الغالب- عن المفاهيم اللفظية المُستخدمة في الشروحات اللاهوتيّة منذ فترة ما بعد نيقية. هذا الأمر الذي جعلهم في كثير من الأحيان موضع شك وريبة من الباحثين في ما إذا كانوا يعتقدون الاِعتقاد السليم في الإيمان، أم كان لديهم خلط بين الأقانيم، أو أنّهم اعتقدوا في التبعية.[2]
أيضًا الهرطقات والمُشكلات اللاهوتيّة التي كانوا يواجهونها، كان لها تأثيرًا كبيرًا في أسلوب التفسير وفي استخدام المُصطلحات. فمثلًا النص المذكور في إنجيل ق. يوحنا ”أبي أعظم مني“ (يو14: 28)، فمع نهاية القرن الثاني وبدايات القرن الثالث نجد تفسيرات ترتليان وأوريجانوس لهذا الشاهد هيَ محاولة للتمييز بوضوح بين الآب والابن، ذلك لأنّهم كانوا في مواجهة الهرطقة المونارخيّة أو السابليّة التي تُشدّد بشكل مُفرط على وحدانيّة الله لجعلها أقرب للشكل الصنميّ الجامد الواحد عدّديًّا.
وعلى الرغم من أن ترتليان وأوريجانوس كانا يؤكدان دائمًا على أن المسيح هو الله مثل الآب تمامًا – كما سنرى في الفصول القادمة – إلَّا إنّهم رغبوا من خلال هذا الشاهد في التمييز بين الآب والابن وايضاح أنهما أقنومان وليسا أقنومًا واحدًا.
بينما نفس هذا النص في القرن الرابع أتجه التفسير الآبائيّ من خلاله للتدقيق على الوحدة بين الآب والابن، وذلك لأنّ المُشكلة التي تواجهّها الكنيسة في عصرهم ليست المونارخيّة، بل الآريوسيّة التي تُنادي بأنّ الابن إله أقل من الآب، أو بمعنى آخر فهي تُنادي بإلهين.[3] ولهذا فالخلفيات الثقافيّة واللاهوتيّة مُهمة للغاية لمعرفة ما كان مقصد كلّ أب من الآباء بتدقيق.
يُعتبر القرنين الثاني والثالث، مرحلة حاسمة في تاريخ الكنيسة، فلم تعد المسيحيّة محصورة في مجموعات صغيرة، تنتمي اجتماعيًّا إلى الأقليات. بل، أصبحت مُتأصلة تأصلًا متينًا في طبقات المجتمع كلها، ومُنتشرة جُغرافيًا انتشارًا واسعًا من المُحيط الأطلسي إلى بلاد فارس.
على العكس مما نتصوّره غالبًا، لم تتعرض المسيحيّة للاضطهاد المُستمر، بل مرّت بأحداث هدوء وسلام طويلة، وقد كان هذا خير سبيل نحو انتشار الرسالة، ونمو الكنيسة الداخليّ، على السواء.
وكما رأينا في الفصول السابقة، فإنّ مُحاربة البدع قد أدّت إلى وضع علم لاهوت حقّيقيّ، وأن هذا التطوّر الذي شهده الفكر المسيحيّ، قد بلغ شأوًا أوقع الفلاسفة اليونانيّين في القلق. وهذا ما دفع ”كلسّس“ (177- 180م) إلى مُهاجمة المسيحيّة واليهوديّة كمنشأ لها، وتصدى له العظيم أوريجانوس.
على صعيد آخر، اجتهدت الكنيسة في وضع أسّس متينة، وبدأ ظهور إكليروس تراتيبي حول الأسقف، وتطوّر ليتورجيّ، وقانونيّ وتنظيمي إن صح قولنا.
وقد انعقدّت الكثير من المجامع المحلية، التي تجمع بين كنائس تنتمي إلى بُقعة جُغرافية محدودة. فزادت من أواصل الوحدة بين المسيحيّين. حتّى إن القديس كبريانوس، قد جمع حوله واحد وسبعين أسقفًا في مدينة قرطاجنة عام 256م، وهو أولى المجامع المحلية الهامة.
لكنّ لم تمتد هذه الفترة طويلًا، إذ بعد وقت ليس ببعيد، سيثير الشيطان دقلديانوس ليُذيق المسيحيّين أشد أنواع الاضطهادات وأعنفها على مدى التاريخ، ذاك الذي سوف يستمر نحو ثماني سنوات (303: 311م).[4]
[1] انظر: أنطوان عرب، ميشال أبرص (الأبوان)، المجمع المسكونيّ الأول (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1997)، ص 36، 37.
[2] Subordination: هرطقة، غالبًا ما تُنسب إلى بعض آباء ما قبل نيقية كيوستينوس وترتليان وأثيناغوراس وأوريجانوس، وهيَ في المجمل تعني أنّ الابن والروح القدس أقل من الآب وتابعين له.
[3] للمزيد انظر: جورج عوض، الآباء والكتاب المُقدّس (القاهرة: مؤسّسة القديس أنطونيوس، 2015)، 50 وما بعدها.
[4] انظر: أنطوان الغزال، صبحي حموي (الأبوان)، تاريخ الكنيسة المُفصل (بيروت: دار المشرق، 2002)، ص 75، 76.
الاطار العام للمسيحية في القرن الثاني – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج2
الخلفيات الثقافية للمسيحية المبكرة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج1
الخلفيات الثقافية للمسيحية المبكرة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج1
أفلاطون plato ولد أفلاطون أريستون في القرن الخامس ق. م. ولد في أحداث مؤسفة حيث هُزِمت أثينا من إسبارطه.
قام بالكثير من الرحلات حيث ذهب إلى مختلف المدن اليونانيّة وجنوب إيطاليا، ووصل رحلاته في الشرق حتّى مصر القديمة.
حاول كثيرًا أن يعمم فلسفته السياسيّة من خلال الحُكّام، خاصة مع ديونسيوس حاكم مدينة سيراقوصة، ولكنه فشل، واقتنع حينها أن عليه اولًا أن ينشيء الشباب على حبّ الفلسفة، واحترامها، ثمّ ستتغيّر حينها الأحوال السياسيّة.
ومن هُنا أنشأ مدرسته الفلسفيّة، وهي اولى المدارس الفلسفيّة في أثينا عند حديقة البطل أكاديموس، وأسماها الأكاديميّة، وقد قامت على الحوار والنقاش.
تقوم ركيزة نظريات أفلاطون الفلسفيّة على نظرية المُثل، وتقول النظريّة بأنّنا نعيش في عالم من الظلال والأوهام، والتي لن نستطيع أن نكتشف حقيقتها إلَّا حين نفك عنّا القيود التي تُكبلنا بهذا العالم، وهذا يحدث عن طريق معرفة الحقيقة..
ومن هُنا جاء المثل الذي وصلت شهرته إلى شهرة أفلاطون نفسه، وهو الكهف، حيث يقول إنّنا نحيا داخل كهف كبير، مُكبلين إلى الحائط، ولا نرى سوى الظلال المنطبعة على حائط الكهف المقابل لمدخله الذي منه يأتي النور من عالم الحقيقة, لكن الذين في الكهف، لم يروا سوى الظلال، فاعتقدوا أنّها حقيقة.
وتنقسم النفس الإنسانيّة عنده إلى ثلاث: النفس الشهوانيّة، والنفس الغضبيّة أو الحماسيّة، والنفس العاقلة. وربما من هذه الثلاثيّة تحدث أفلوطين عن الثالوث الذي يوصله نحو الله.
ومن هذا التقسيم السابق أخذ أوريجانوس تقسيمه للنفوس الروحانيّة، ولقُرَّاء الكتاب المُقدّس.
وتعدُّ محاورتيه ”تيماوس أو عن الخلق، وفيدون أو عن النفس“ من أهمّ المحاورات التي استند عليها آباء الكنيسة الشرقيّة عامّة في تعاليمهم.
وقد تأثر بفلسفته كثيرًا الآباء الكبادوك، والسكندريون، ولكن السكندريّين دخلت عليهم كتابات أُخرى طورت من فكرهم كما سنعرف.
أرسطو وُلِد أرسطو طاليس نيقوماخوس في مدينة باسطاغير على ساحل إيونيا في أوائل القرن الرابع ق. م.
مات والده وهو في الثامنة عشر، فترك مقدونيا والتحق بأكديمية أفلاطون بأثينا، وتتلمذ على يد أفلاطون الذي لمح نبوغه ودعاه بـ”عقل الأكاديمية“، ولسعة اطلاعه وقراءاته دعاه بـ”القَرَّاء“.
بعد وفاة أفلاطون، ترك الأكاديمية وانتقل من أثينا إلى مقدونيا، وبعد عدّة سنوات دعاه فيليب ملك مقدونيا ليتلمذ ابنه الإسكندر (الأكبر)، ولبى أرسطو الدعوة وتلمذ الإسكندر لمدة أربع سنوات.
وبعد أن مات الملك فيليب وقاد الإسكندر الجيش ليفتح شرق البلاد، غادر أرسطو مقدونيا إلى أثينا، وبدأ يتطوَّر فكره عن فكر مُعلِّمه أفلاطون.
أسّس مدرسته الخاصة ”اللوقيون“ لتكون منافسة للأكاديميّة، أو لنقل متميّزة عنها، حيث ألحق بها متحفًا به العديد من النباتات والحيوانات التي كان يجري عليها التجارب، وجعل فترة مسائيّة خاصة بالجمهور من العامّة يلقي عليهم علومه وخطاباته، وهو ما قضى تمامًا على السفوسطائيّة التي فشل سقراط وأفلاطون في القضاء عليها.
نظرية المعرفة عند أرسطو تبدأ من الحواس التي تقودنا إلى المعرفة العقليّة التأمليّة، فليس العقل الخالص هو ما يقودنا إلى المعرفة.
وأهمّ ما يُميّز فلسفته هو الجوهر والعرض συμβεβυκος وببساطة تعني أنّ الجوهر هو الطبيعة أو استقلال الشيء بذاته في حدود، أمّا العرض فهو الوجود من خلال الطاقات، فهو صورة الجوهر لا الجوهر ذاته. وإنّ الاتحاد والاختلاط لا يحدث بين جوهرين، بل بين طاقات جوهرين، لإنّه في حالة اختلاط جوهرين فإنّهما يُنتجان شيئًا جديدًا ويتلاشيان فيه.
من هذه النظريّة أخذ الأنطاكيّون تفسيراتهم عن: وجهي الكتاب المُقدّس التاريخيّ والروحيّ، وطبيعتي المسيح، ومفهومهم عن التألُّه بالطاقات غير المخلوقة.
وهكذا نجد أنّ أكثر من تأثر بفلسفته هم الأنطاك.
فيلو Philo فيلسوف يهوديّ عاش في الفترة من (30 ق. م- 50م)، بمدينة الإسكندريّة، حيث التحق بمدرستها الفلسفيّة، وهو أشهر فيلسوف دينيّ في عصره، حاول أن يوفق بين الفلسفة اليونانيّة ونصوص الكتاب المُقدّس، فكان ينطلق من الحدث الدينيّ ليتحرك نحو المفهوم الفلسفيّ الذي يحمله.
تأسّست الرمزية في اليهودية الإسكندرانية على وجهها الأكمل على يد فيلون[1] Philo الذي وضع لها نظامًا لتضييق الفجوة بين إعلان العهد القديم والفلسفة الأفلاطونية، إذ حمل إلى اليهود الفكر الهيليني في شرح العهد القديم لكسب المثقفين، مستخدمًا الرمزية. ويقارن فيلون المعنى الحرفي للكتاب بالظل، باحثًا عن الحقيقة الأصلية العميقة في المعنى الروحي الذي يرمز إليه[2].
وهو في هذا لا يقلل من شأن المعنى الحرفي أو يتجاهل المغزى التاريخي، لكنه ينظر إليه كجسم الإنسان الذي يحظى بكل احترام[3]، وإن كانت النفس أثمن منه.
تأثر به وبمنهجيته في التوفيق بين الدين والفلسفة جميع آباء الكنيسة.
أمونيوس ساكاس Ammonius Saccas أحد أشهر مُدرسي مدرسة الإسكندريّة الفلسفيّة، خلط المطوَّب جيروم في كتابه مشاهير الرجال بينه وبين مسيحيّ يُدعى أمونيوس، فاعتقد أنّه مسيحيًّا وبقيَّ على مسيحيّته، إلَّا إنّ أغلب الدراسات الحديثة ترفض كونه مسيحيًّا، فقد كان يونانيّ الدين والثقافة.
وقد دمج المفاهيم الفلسفيّة بالصبغة الصوفيّة الدينيّة، وهو ما ظهر عند كلّ تلامذته، فقد تتلمذ على يديه أفلوطين وأوريجانوس.
أفلوطين Plotinus ولد أفلوطين بليكوبوليس بأسيوط بصعيد مصر، وذهب إلى الإسكندريّة ليتتلمذ على يد أمونيوس ساكاس، ثمّ ذهب إلى روما حيث أنشأ مدرسته الفلسفيّة هُناك.
أسّس الفلسفة الأفلاطونيّة الحديثة، وهي فلسفة تمزج بين الأرسطية والرواقيّة والأفلاطونيّة.
وفي فلسفته هُناك ثلاثة مباديء انبثقت منها الحياة، هم الواحد أو الله والعقل أو صور الأشياء الموجودة، والنفس وهي ما يتم به تحقق الصور في العالم الماديّ.
ويتحدث عن الانتقال من النفس إلى العقل عن طريق التأمل، ثمّ بكثرة التأمل ينخطف العقل البشريّ لنرى الله الواحد.
والإنسان عند أفلوطين عالم صغير Microcosmos، يحوي في داخله كلّ ما في العالم بالقوة، فهو مُشتت مثل الرياح، وحالم كالطبيعة، وحياته يُمكن أن تنجرف نحو المادة أو الطبيعة أو تسمو فوق السماوات بالمعرفة والتأمل.
ومن فكرته عن الثالوث، والإنسان، والصوفيّة أي انخطاف العقل والالتصاق بالواحد أخذت عنه المسيحيّة الكثير من الشروحات لتؤسّس عليه تعليمها.
وكان لمدرسته أثر كبير على الفكر الآبائيّ الشرقيّ، ولا سيّما السكندريون.
[1] Philo (c. 20 BC. – c. AD. 50), the Jewish thinker and exegete in whom that literature flourished also lived in Alexandria. He belonged to a prosperous priestly family of Alexandria, and was firmly convinced that the teaching of the Old Testament could be combined with Greek speculation. His philosophy of religion embodies such a synthesis. (Esmat Gabriel: St. Clement of Alexandria, Coptic Church Review, Spring 1980, v.1, No. 1, p. 22.)
[2] De confus. Ling. 190.
[3] De. Migrat. Abrah. 89-93; J.N.D. Kelly: Early Christian Doctrines, 1978, p. 9.
الخلفيات الثقافية للمسيحية المبكرة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج1
انتشار المسيحية واماكن تبشير الرسل – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الأول ج3
انتشار المسيحية واماكن تبشير الرسل – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الأول ج3
انتشار المسيحية واماكن تبشير الرسل
انتشار المسيحيّة بسوريا وأثره انتشار المسيحية شمالًا داخل سوريا وكليكية أحدث انزعاجًا للمجامع اليهودية مما أدي إلى أن نشأت حركة مضادة ومسلحة ومؤيدة برسائل من الرؤساء في أورشليم يقودها يهودي من كيليكية تلميذ للرابي اليهودي المشهور غمالائيل يدعى بولس أو شاول الطرسوسي، فريسي مؤمن بكمال الناموس الموسوي وبالتالي مضطهدًا غيورًا للكنيسة الوليدة.
وهو مسافر إلى دمشق تقابل فجأة مع المسيح القائم، ومن تلك اللحظة صار مسيحيا مؤمنًا ورجلًا غيورًا؛ وكان عنده رغبة جارفة للتبشير ونشر الإنجيل بين الأمم.
على الأرجح لم يكن بولس أول كارز للمسيحية بين الأمم، ولكن من البداية كان هو العامل الرئيسي في هذه المهمة، وهو نفسه كان مقتنعًا أن دعوته دعوة خاصة وفريدة ليكون رسولًا للأمم، يمارس السلطان الرسولي على كنائس الأمم سواء بالافتقاد أو بالرسائل (وقد وجد أن رسائله تعطي تأثيرًا أكثر من وعظه)، ويمثلها وينوب عنها في الحوار مع الكنيسة الأم في أورشليم.
بينما تعطينا رسائل بولس الرسول وسفر الأعمال بعض الإشارات عن نمو الكنيسة في وسط الأمم، لا نعلم إلا القليل عن الكنيسة الأم في اليهودية. أغلب التلاميذ الاثني عشر اختفوا فجأة من التاريخ. لم يبق سوى بطرس ويوحنا ويعقوب أخو الرب، وبعض الأسماء.
الرسل والإنجيليون بحسب أشهر مناطق تبشيرهم إلي الفرق الآتية بحلول القرن الثالث ظهرت بعض القصص والروايات التي تحكي عن إرساليات الاثني عشر، ويمكن حصرها في أربع فرق أساسية:
الفرقة الأولى: التي عملت في اليهودية وتخومها . وتتكون من الرسل: بطرس ويعقوب البار ومتياس الذي حل محل يهوذا الإسخريوطي (ولبطرس رسالتان وليعقوب رسالة).
الفرقة الثانية: التي عملت في آسيا الصغرى وما حولها وتتكون من الرسل فيلبس و برثولوماوس ويوحنا (وللأخير إنجيل وثلاث رسائل وسفر الرؤيا).
الفرقة الثالثة: التي ذهبت إلي بلاد العجم (إيران) والهند وتتكون من الرسل يهوذا و سمعان القانوي وتوما (وليهوذا رسالة).
الفرقة الرابعة: التي ذهبت إلي أقاليم أوربا المختلفة وتتكون من الرسل اندراوس ويعقوب الكبير وبولس ولوقا الإنجيلي (ولبولس أربعة عشر رسالة وللوقا إنجيله وسفر أعمال الرسل).
الفرقة الخامسة: التي ذهبت إلي مصر وأثيوبيا بأفريقيا . وتتكون من الإنجيلين متى ومرقس (ولك منهما إنجيله) .
توما في فارس والهند،
أندراوس في سيكيثيا جنوب روسيا.. إلخ.
إلا أن هذه الروايات مثلها مثل قصص العصور الوسطى التي تقول إن يعقوب الرسول بشر في الفلبين ويوسف الرامي في إنجلترا. ومصدر هذه الروايات عن الرسل كتب الأبوكريفا التي انتشرت في النصف الأخير من القرن الثاني.[1] يوجد تقليد من القرن الثاني جدير بالتصديق يقول إن يوحنا بن زبدي عاش في أيامه الأخيرة في أفسس، وفيلبس المبشر وبناته الأربع اللواتي كن يتنبأن (أع9:21) مات في فريجية.
هذا الخروج الذي حدث لكنيسة أورشليم إلى أسيا الصغرى قد يكون بسبب الحرب اليهودية (من سنة 66 م إلى 70م). والإنجيل الرابع يحتوي على تعاليم التلميذ المحبوب. حوالي سنة 200م نجد أن كنائس آسيا الصغرى تنظر إلى القديس يوحنا كمؤسس لها وتكرم رفاته في قبره الذي في أفسس.[2]
الأفسسيين يعتقدون أن القديسة العذراء مريم عاشت في بيت القديس يوحنا (انظر يو27:19)، وفي القرن الخامس كرست فيها أول كنيسة باسم السيدة العذراء. ولكن من وجهة نظر أخرى أول من نادى بها كان إبيفانيوس سنة 375م، الذي تكلم عن العذراء كسر خفي متعالٍ لا يدركه، أن القديسة مريم لم تذهب إلى أفسس ولم تذق الموت أصلًا.
يعقوب البار “أخو الرب” كان أسقفًا على كنيسة أورشليم إلى يوم استشهاده في62م. (الحدث الذي أثار استياء المسيحيون من أصل أممي) خلفه ابن عم الرب (سمعان بن كلوبا). طبيعة العلاقة بين يعقوب (البار أخو الرب) وبطرس المتقدمين في الرسل والذين عهد الرب إليهما مسئولية الكنيسة غامضة وغير معروفة.
في رسائل بولس الرسول وسفر الأعمال نجد أن للكنيسة الأولى سلطتان متوازيتان إخوة السيد المسيح والاثني عشر، وإن حدث بينهما أي خلاف فسرعان ما يزال (الأعداد من مر 31:3-35 قد تلمح إلى ذلك).
وبحسب التقليد الغربي (مت18:16) دعي الرب بطرس باسم الصخرة التي يبنى عليها كنيسته، حتّى أن البعض ظن أن بطرس وليس يعقوب هو أسقف كنيسة أورشليم بعد الصعود. السلام الموجود داخل الكنيسة الأولي كما وصفه سفر أعمال الرسل.
علاقة بطرس وبولس غامضة أيضًا. المشاجرة الشهيرة التي نشبت بينهما في انطاكية من المؤكد أنه حدث عرضي أو لم يحدث بالصورة التي تم وصفها في (غل2)، وعلى الأقل فهما لم يفترقا عند موتهما. فكلاهما مات في روما شهيدًا في الاضطهاد الذي شنه نيرون.[3]
بلا شك وجود بطرس في روما في ستينات القرن الأول يمثل أهمية بالنسبة لمسيحيو الأمم ولكن لا توجد أي معلومات عن المدة التي قضاها أو العمل الذي قام به. وقصة إقامته في روما مدة خمسة وعشرون عامًا هي رواية من القرن الثالث.
[1] These are translated in M. R. James, The Apocryphal New Testament (Oxford.2nd edn., 1955). See also E. Hennecke’s New testament Apocryphal (ed. W. Schneemelcher, transl. R. M. Wilson, 2 vol., London, 2nd edn., 1991).
[2] الكتاب اللاتين نقلوا من ترتليانوس وجيروم قصة أن القديس يوحنا ألقي في الزيت المغلي في روما لكنه هرب سالمًا؛ وفي القرن السابع قيل أن هذا حدث عند الباب اللاتيني ويحتفل به في 6مايو، أما هذا الأمر فكان مجهولًا عند الكتاب اليونانيين.
[3] هناك إشارة إلى استشهاد بطرس جاءت في (يو18:21، 36:13) ومن قال إنه حدث في روما كليمندس في رسالته إلى كورنثوس ورسالة أغناطيوس إلى روما والإجماع العام لتقليد كلّ أباء الكنيسة في القرن الثاني. بالإضافة إلى التذكار السنوي والاحتفال الذي يقام في ضريحه في الفاتيكان وقد بني عام 160-170م
انتشار المسيحية واماكن تبشير الرسل – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الأول ج3
ما بين الأسينيين والكنيسة الأولى يتشابه الأسينيين مع الكنيسة الأولى في بعض النواحي. فكانوا مترابطين كجسد واحد وكان كلّ شيء بينهم مشتركًا، وكلّ واحد يأخذ على قدر حاجته. حياتهم كانت بسيطة وكل من له ثوبان يعطي ثوبًا لأخيه المحتاج ويلبس الآخر إلى أن يبلى. وكانوا مختلفين فيما بينهم على مسألة الدفاع عن أنفسهم. فالغالبية رفضت حمل السلاح، ولكن بعضهم كان من الغيورين الذين كانوا يدافعون عن وطنهم ضد المستعمر الروماني.
وادي قمران صار مسرحًا للحرب اليهودية الدموية 66-70م، الأسينيين رفضوا العبودية على أساس أن البشر جميعهم سواسية أمام خالقهم؛ وعلى الرغم من أنهم لا يحرمون الزواج إلا أن كلّ أعضاء جماعتهم من الممتنعين عنه.
والانضمام إلى هذه الجماعة كان يتطلب اختبارات ونذور يتعهد بها المنضم حديثًا، وأي تقصير يستوجب الطرد. كانوا يمارسون طقس الغسل بالماء باستمرار.
ويشتركون في وليمة مقدسة غير مسموح للغريب عنهم أن يتناول منها.
وعلى الجانب الآخر هناك أيضًا فروق جوهرية كثيرة بين الأسينيين والكنيسة الأولى:
الأسينيين كانوا متمسكين بشدة بوصية تقديس يوم السبت،
وكانوا يتحاشون الاشتراك في أي احتفالات رسمية.
وبحسب مصادرنا اليونانية كانوا يستيقظون قبل الفجر ويقدمون الصلوات باكرًا جدًا،
ولهم تعاليم سرية عن جذور الأشياء والأحجار وأسماء الملائكة الخفية.
هناك تشابه في الإطار العام؛ فعلى سبيل المثال ذكر في مخطوطة اسمها ’درج الحرب‘ خبر عن معركة فاصلة بين أبناء النور وأبناء الظلمة والتي تشبه معركة هرمجدون التي ذكرت في سفر الرؤيا وربما أيضا ما أشارت إليه الرسالة إلى أفسس (إصحاح 6).
ولكن من المنصف أن نقول إنه في النقاط التفصيلية فإن المتشابهات والمتطابقات ليست بكثيرة أو مؤثرة؛ بالإضافة إلى أن ’معلِّم البر‘ -الذي هو قريب الشبه جدًا من يسوع- لا يلعب دورًا رئيسيًا في فكر جماعة قمران كما يلعبه يسوع في فكر وإيمان الكنيسة الأولى.
باختصار؛ العهد الجديد ومخطوطات قمران يلقي كلّ منهما الضوء على الآخر ولكن لا يمكن القول بأن أحدهما يشرح الآخر. من المحتمل أن يصير الأسيني مسيحيًا ولكن من غير الممكن أن يكون هناك أي استمرارية لهذه الجماعة داخل الكنيسة الأولى.
بل من العجيب أن المسيحيين الأوائل تبنوا نظرة إيجابية للعبادة داخل الهيكل في أورشليم أكثر من جماعة قمران نفسها (أع7،6). وفي ذات الوقت هناك الكثير يجعلنا نعتقد أن المسيحيين لن يحتملوا جماعة تستحوذ عليها فكرة الحاجة المستمرة إلى التطهيرات الجسدية وطقوس الغسل بالماء التي تتخلل اليوم عدة مرات[1].
[1] وأهم ما يُميز المسيحية عن الأسينيين هو أن المسيحية هي كرازة عالمية مؤسسة على الإيمان بشخص يسوع لا ترتبط بسياسة مُعينة ولا قانون مُعين ولا شعب مُعين، بينما الأسينيين لم يخرجوا عن دائرة الديانة اليهودية المُنغلقة ابدًا كما أنه من أهم تعاليمهم هو الحصول على البر من خلال حفظ ناموس موسي، بينما في المسيحية فالبر بالإيمان بشخص المسيح والشركة فيه عن طريق سري المعمودية والإفخارستيا وحياة الشركة مع جماعة المؤمنين.
الخلفية اليهودية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الأول ج1
الخلفية اليهودية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الأول ج1
الخلفية اليهوديّة المسيحيون الأوائل كانوا يهودًا. ولا يوجد ما يفرق بينهم وبين أقرانهم سوى الإيمان بأن يسوع الناصري هو المسيا المنتظر مشتهى الأمم وقد جاء الآن. وسلَّموا أن بمجيئه تحقق كلّ شيء ويجب أن يضاف إلى إعلانات الله السابقة لشعبه، دون أن يعني هذا انفصال عن العهد القديم الذي قطعه الله مع إبراهيم ويتمثل في الختان، أو عن الناموس الذي أعطي لموسى على جبل سيناء.
إن كان هناك شيئًا جديدًا قد حدث فهو من عمل الله الواحد نفسه خالق الكون، رب التاريخ، إله إبراهيم واسحق ويعقوب والاثني عشر سبطًا. كلامه إلى شعبه في العهد الجديد يجب أن يكون متسقًا مع كلامه في الماضي على فم الأنبياء.
وبسبب هذا الشعور العميق بالاستمرارية للعهد القديم، ظلت العديد من الممارسات الطقسية والأفكار والعادات اليهودية باقية وممتزجة مع الفكر المسيحي. فقد آمن اليهود بفكرة سبق الاختيار، لأن الرب سبق واختار إسرائيل ليكون هو الشعب المختار، والغير ملوث بالمعتقدات والتأثيرات الوثنية. ولكن مع وجود هاتين الخاصيتين اللتين هما:
(1) العناية التي خصَّه الرب بها دون الاعتماد على أية ميزة أو استحقاق في هذا الشعب المختار، بل بفضل سيادة الله المطلقة ومشيئته غير المدركة.
(2) دعوة إسرائيل ليقوم بعمل الكهنوت نيابة عن كلّ البشرية. متمسكين بناموسهم بشدة، مؤمنين بأن الرب أعطاه لموسى على جبل سيناء.
لذا تبنى اليهود موقفًا معاديًا ضد كلّ الديانات الوثنية واعتبروها من أعمال الأرواح الشريرة. وفي المجتمع اليونا-روماني كانوا منغلقين على أنفسهم مما عرضهم ذلك إلى الشك والارتياب وفي بعض الأحيان العداء والأذى. كانوا يرفضون المشاركة في الممارسات الرومانية، على الرغم من أنهم يقدمون الذبائح بصفة يومية في هيكلهم بأورشليم على اسم الإمبراطور، وكانوا يفتتحون جلسات مجمع السنهدريم بقولهم:
[باسم الرب وعلى شرف الإمبراطور.]
وكان ما يميزهم عن الناس في مجتمعاتهم هو علامة الختان وما عرف عنهم عن عدم أكل لحم الخنزير وباقي الأطعمة غير الطاهرة. ففي القرن الثاني قبل الميلاد فضَّل المكابيون الموت على أكل الخنزير. ولا يمكن أيضًا لليهود أن يأكلوا مع الأمميين أو يقبلوا أي اعتراف بأي إله وثني في المحافل أو المناسبات الرسمية.
السلطة المحتلة وحالة الفقر الموجودة في فلسطين أدت إلى نزوح جماعي لليهود لكل أنحاء العالم القديم، وسموا ’يهود الشتات‘. لذا يمكن أن تجد تجمعات يهودية في أي مكان من كاديز (في أسبانيا) إلى كريميا (في أوكرانيا).
في روما وحدها كان يوجد إحدى عشر أو اثني عشر مجمعًا وذلك في القرن الأول الميلادي. وفي الإسكندرية كانوا يمثلون جزءً كبيرًا من المجتمع هناك وبلغ عددهم مليونًا وذلك في الإسكندرية وكل أرض مصر[1]، وكانوا دائمًا على صلة بالسلطات المحلية، على الرغم من أن عزلتهم الاجتماعية منعتهم من أن يكونوا أداة ضغط جماهيري.
العبادة اليهوديّة وتأثيرها على المسيحيّة اليهود في كلّ مكان كانوا يرفضون الاختلاط بالسكان الوثنيين بل ينغلقون على أنفسهم لممارسة طقوسهم فكانوا يجتمعون كلّ سبت لتلاوة المزامير وقراءة التوراة يتبعها عظة تفسيرية ثم الصلاة. والمستخدم لكتاب الصلوات اليومية (كالأجبية) هو وريث أصيل لهذه الطريقة في العبادة[2].
وبالرغم من تشتتهم في أماكن بعيدة إلا انهم كانوا يحتفظون بمشاعر الانتماء إلى أرض آبائهم من خلال الحج إليها سنويًا وإرسال ضريبة سنوية للاهتمام بالهيكل. وأحيانًا يسبب نقل العملات من مقاطعة يكون فيها عدد اليهود كبير إلى أورشليم مشكلة لدى الرومانيون المسئولين عن الأموال، إلا أنهم في هذه الأمور كما في غيرها يتركوا اليهود ليتصرفوا كما يشاؤوا طالما أن هذا من مبادئ الدين الأساسية.
في المقابل وعلى الرغم من أن الختان ممنوع على اليونانيين والرومانيين إلا أن هناك العديد ممن انجذبوا لفكرة الإله الواحد، وأخلاق اليهود السامية وأقدمية -إن لم يكن أسلوب-أسفارهم المقدسة، دون تبني المنهج النسكي فيما عدا بعض الشيع المنحرفة[3].[4]
فقد نادت اليهودية بالطهارة والترابط الأسري، وكانوا يساعدون بعضهم البعض، يزورن المرضى، يدفنون الموتى، يستضيفون الغرباء، يتصدقون على الفقراء. حول العديد من هذه المجامع التي في الشتات تجمع عدد من الأمميين المتعبدين ودعوا ’خائفي الله‘ (الاسم كان يطلق على أي عضو صالح في المجمع).
الأممي عليه أن يخضع للختان ثم للمعمودية كما هو شائع بالأكثر ليمكنه أن يكون دخيلًا، لكن هذا الأمر كان نادرًا بين يهود الشتات المتأثرين بالثقافة الهيللينية البعيدون عن السلطات (اليهودية) المتزمتة في فلسطين، ويقبلون الأمميين كدخلاء دون إلزام بالختان كضرورة للخلاص.
ومن هذه الجماعات الأممية (الدخلاء) جاء أول من قبلوا الكرازة بالمسيحية من غير أهل الختان. وكانوا فعلًا ثمرة صالحة ليس فقط لأنهم متلقنين الوصايا الأخلاقية بل لأنهم أيضًا متعلمين الكتب المقدسة اليهودية.
الدين اليهودي كان دين يعتمد على كتابه المقدس بصورة أساسية تختلف عن أي دين آخر. إعادة تكوين المجتمع اليهودي مرة أخرى بعد العودة من السبي البابلي اعتمدت في الأساس على ناموس موسى.
لقد توقف الله عن الكلام مع شعبه بصورة مباشرة ولم يعد هناك أنبياء. وإعلانه أصبح مقتصرًا على المكتوب، ويحتاج إلى من يشرحه كالكتبة وشيوخ الشعب. لذلك تم إرفاق شرح للمدارس الرابية مع النصوص الأصلية (الذي أسماه الرب تقليد الشيوخ، وقد أدت هذه التقاليد إلى نزاع حاد بين الكنيسة والمجمع في القرن الأول).
الترجمة السبعينية ولما دعت الحاجة إلى ترجمة الكتاب المقدس إلى اليوناني لليهود الذين هم خارج فلسطين، ظهرت عدة ترجمات منها السبعينية أي الترجمة التي قام بها السبعون شيخًا والتي صارت هي النسخة المعتمدة لدى كنائس الأمم الأولى. تمت الترجمة في الإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد وتحت رعاية الملك بطليموس فيلادلفيوس ملك مصر كما يخبرنا التاريخ.
بالنسبة ليهود الإسكندرية أحاطوا هذه الترجمة بهالة من القداسة، وعملوا احتفالًا سنويًا طقسيًا تذكارًا لها، وترددت بعض القصص المعجزية عنها. مما هو جدير بالذكر أن بطليموس انتدب إثنين وسبعون شيخًا وأتموها في إثنين وسبعون يومًا. فيلو الفيلسوف اليهودي آمن بأن هذه الترجمة حازت على معونة إلهية. إن قصة الإثنين والسبعون شيخًا مؤكدةـ وعدت الترجمة السبعينية نسخة موحي بها ولها سلطة لم تنالها أي ترجمة أخرى.
فقط بعد أن اعتمدها المسيحيون انقلب عليها اليهود، وصاروا يستخدمون ترجمات أكثر حرفية منها. حتّى أن بعض الرابيين كان يهاجم اليهودية الهيللينية كما يهاجم المسيحيين ويرفض ترجمة الكتاب المقدس إلى اليونانية معتبرًا أن ترجمة الكتاب المقدس إلى اليونانية خطية تعادل خطية عبادة العجل الذهبي.
الكنيسة الأولى من البدء وفي صميم يقين الكنيسة الوحدة مع إسرائيل واستمرارية معاملات الله في الماضي مع ما عمله في يسوع الناصري وعمله أيضًا في أتباعه في الحاضر.
في إنجيل متى يظهر يسوع أنه موسى الجديد المنحاز إلى شعبه عندما كان في مصر، وتعاليمه الأخلاقية التي تتماشى مع أسمى التعاليم اليهودية. الرب ما جاء لينقض بل ليكمل ومهمة المسيحيين هي جعل أقرانهم من اليهود يتعرفون على مسيح الرب -المسيَّا -الذي أسلمه رؤسائهم بجهل ليقتل في عهد بيلاطس البنطي الحاكم الروماني. وأقامه الله من الأموات معلنًا إياه المسيح والرب، المسيا المنتظر.
والاعتراض بأن الأنبياء قالوا إن المسيا سوف يأتي بالقوة والمجد وليس بالضعف والصلب. كان الرد بأن المسيح تألم كما العبد المتألم في نبوة أشعياء، وكان ذلك فداءً عنا، وبموته صنع عهدًا جديدًا بين الله والناس، كما تنبأ أرميا النبي (أر31:31-34).
في البداية ظهرت المسيحية على أنها شيعة من شيع اليهودية التي كان من المعتاد وجود اختلافات مذهبية بينها وبين بعض. فاليهودية ليست مذهبًا واحدًا. هناك فرق بين الفريسيين والصدوقيين يصل إلى حد الخلاف الحاد.
الفريسيين: كانوا أكثر المذاهب حرصًا على التدين الحرفي والحفاظ على نمط الحياة اليهودية في وجه التأثير الهيلليني والسلطة الرومانية؛ وكانوا متمسكين ليس بالناموس الموسوي فحسب بل بتقاليد الشيوخ وتفسيرهم للناموس.
أما الصدوقيين: الذين كانوا من الطبقة الأرستقراطية الحاكمة، تمسكوا فقط بناموس موسى ولم يرتبطوا بالتقليد ورفضوا أن يصدقوا القيامة من الأموات[5] كعقيدة ذكرت فقط في أسفار مثل سفر دانيال الذي كتب بعد موسى بمدة طويلة لذلك فهو في نظرهم فاقد للمصداقية.
هذا الخلاف الذي بين الفريسيين والصدوقيين حول عقيدة القيامة مكَّن بولس الرسول في وقت لاحق من أن ينجو بنفسه من مأزق (أع6:23-10). بالرغم من أن صفة العنف التصقت بالفريسيين كما جاء في إنجيل متى 23 إلا أن عدد كبير منهم ومن ضمنهم القديس بولس الفريسي الشهير صاروا مسيحيين.
بالإضافة إلى الفريسيين والصدوقيين توجد جماعة أخرى وربما جماعات مرتبطة ببعضها البعض يطلق عليهم:
’الأسينيين‘. بليني الكبير وفيلو ويوسيفيوس أعطوا وصفًا لأسلوب حياتهم والأخير كان على اتصال مباشر بهم. لقد كونوا مجتمعًا مستقلًا تمامًا وكان تجمعهم الرئيسي على الساحل الغربي للبحر الميت، بالرغم من وجود بعض المنتسبين لهم في مواضع أخرى من اليهودية.
ومن المحتمل ولكن ليس أكيدًا أن الأسينيين كانوا ضمن الجماعة التي كانت تستعمل المخطوطات التي اكتشفت في وادي قمران لقربه من الشاطئ الغربي للبحر الميت. هذه الجماعة رفضت الذبائح والكهنوت الرسمي والعبادة التي تمارس في هيكل أورشليم، وتطلعوا إلى البطل الذي أسس هذه الجماعة ’معلم البر‘ الذي هجم عليه الكهنة الأشرار المتسلطين على إسرائيل.
[1] هذا ما يؤيده أيضًا سفر الأعمال حيث يذكر ان شخص يُدعي أبولوس كان يهوديًا إسكندرانيًا مُقتدرًا في الكتب (أع 18) وفيلو الفيلسوف اليهودي الشهير كان سكندري أيضًا، وهذا ما جعل المسيحيون في مصر في بواكير المسيحية كانوا من أصل يهودي من يهود الإسكندرية كما يتحدث عنهم فيلو قائلًا: “يبدوا انهم كانوا من أصل عبراني ولذلك فهم يُراعون عوادا الأقدمين (يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة ق/ مرقس داود، القاهرة- 1979 ص90)”.
[2] يتم عادةً ترجيح هذا الرأي من قبل العلماء لأن المسيحيين الاوائل خصصوا الساعات الثالثة والسادسة والتاسعة للصلاة، وهذه الاوقات توازي اوقات الصلاة عند اليهود. كما أن المسيحيون الاوائل في مصر اتبعوا العادات اليهودية بدقةٍ صارمة (للمزيد راجع: الأجبية أي صلوات السواعي، للقمص اثناسيوس المقاري، القاهرة- ابريل 2006، ص 60: 66).
[3] ربما هو هُنا يقصد الأسينيين وهي شيعة ليست مُنحرفة، وقد كتب عنهم بوقار كبير كلّ من يوسيفوس وبيليني الكبير وفيلو والعلامة هيبوليتس الروماني. وقد كانوا يتمسكون بحفظ الأحكام الأخلاقية حفظًا دقيقًا مُظهرين محبتهم لله بطرقٍ مُختلفةٌ، مثل الطهارة والإبتعاد عن الحلف ومحبة الفضيلة والتحرر من الاستعباد للمتلكات الأرضية وضبط النفس والتواضع، وكانوا يحيون بنظام الشركة، فطعامهم وكل ما يملكون هو ملكًا مشتركًا للجميع.
(للمزيد راجع: مخطوطات البحر الميت للمؤرخ الأنطاكي أسد رستم. وكتاب: نُساك قُمران ومخطوطاتهم للأب رافائيل البراموسي القاهرة- 2014، ص 58- 64) حتي ان الكثير من الدراسات الحديثة الآن تربط يوحنا المعمدان بطائفة الأسينيين
(see, Joseph A. Fitzmyer, The Dead Sea Scrolls and Christian Origins, Studies in the Dead Sea Scrolls and Related Literature (Grand Rapids, MI; Cambridge, U.K.: William B. Eerdmans Publishing Company, 2000)
[4]طبقًا لما قاله فيلو ويوسيفيوس المؤرخ هم شيعة الأسينيين التي استقرت على شاطئ البحر الميت وكانوا يمارسون العزلة. ولم تخبرنا مخطوطات وادي قمران عنهم أي شيء
[5] قدّم القديس كيرلس الأورشليمي ردًا على رفض الصدوقيين والسامريين لعقيدة قيامة الأموات في مقاله الثامن عشر لطالبي العماد، كما أورد أمثلة منطقية من اسفار موسي الخمسة فقط ليستنبط منها عقيدة القيامة كالتالي:
“فهل كان ممكنًا أن تتحول عصا موسى التقي إلى حيَّة، وغير ممكن أن تحيا أجساد الأتقياء وتقوم ثانيةً؟ وهل عمل هذا خلافًا للطبيعة، وهل لا يعودون هم ثانية بحسب الطبيعة؟!”
كذلك عصا هرون ولو أنها قُطفت، لكنها ازدهرت بدون رائحة الماء (أي 14: 9). ولو أنها تحت سقف أزهرت أزهارًا كما لو كانت في الحقول، ولو أنها وضعت في مواضع جافة وحملت في ليلة الزهور وأثمر النبات الذي يُسقى سنينًا عديدة، فهل قامت عصا هرون من الموت، وهرون نفسه لا يقوم؟! هل يعمل الله معجزات في الخشب ليضمن له الكهنوت، ولا يتعطف بقيامة هرون نفسه؟
تحوّلت امرأة إلى ملح على خلاف الطبيعة، وتحول جسدها إلى ملح، أفلا يرجع اللحم إلى لحم؟! هل تحولت امرأة لوط إلى عمود ملح وامرأة إبراهيم ألا تقوم ثانية؟!
بأية قوة تغيرت يد موسى النبي التي في ساعة صارت كالثلج وعادت ثانية بأمر الله؟! فهل كان أمره يحمل قوة والآن بلا قوة؟! (القديس كيرلس الأورشليمي، حياته ومقالاته لطالبي العماد، للقمص تادرس يعقوب مالطي، الأسكندرية- 2005، 18: 12، ص 270)”
الخلفية اليهودية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الأول ج1
عند التحدث مع الناس حول كفن تورينو، يعترف الكثيرون بأنهم لا يعرفون الكثير عنه. كثير ممن يعرفون شيئًا ما، رفضوه باعتباره مزيفًا بسبب النتائج المنشورة على نطاق واسع لاختبار الكربون في عام 1988م والتي أرّخت أنَّ القماش يعود إلى العصور الوسطى (1290-1360م). ومع ذلك، نظرًا للأدلة التي ظهرت من علم الطب الشرعي والبحث التاريخيّ على مدار الأربعين عامًا الماضية، فإنَّ المزيد والمزيد من الناس يتوصلون إلى نتيجة مختلفة بشكلٍ مذهل. ستقدم هذه الورقة دليلاً على الأصالة وستحاول شرح سبب كون كفن تورين هو بالفعل كفن الفعلي الذي قُمِط به جسد يسوع.
الكلمات الدالة: كفن تورينو المقدس؛ العلم؛ تاريخ الكنيسة؛ اختبار C-14 الكربون المشع؛ فن مسيحيّ؛ دفاعيات؛ أصالة؛ المسيحيَّة المبكرة.
المقدّمة
عرفنا عن الجدل حول كفن تورين في عام 2015م بأنّه “مأزق”[3]. يتعلق “اللغز الكبير” للكفن بالصورة الباهتة لكامل الجسم لرجل مصلوب. تظهر على “رجل الكفن” بقع الدم والجروح المعذبة التي تتوافق مع الجروح التي لحقت بيسوع كما هو مسجل في الرواية الكتابيَّة. يدور الجدل حول كيفية تشكل الصورة، وبالتالي، ما إذا كان الكفن هو القماش الذي قَمط جسد يسوع.
من ناحية، هناك أولئك العلماء الذين يزعمون أنَّ الصورة الشبحيَّة على الكفن هي نتاج مزور من القرون الوسطى[4]. إذ يستشهدون بتأريخ الكربون المشع من دراسة عام 1988م التي حددت تاريخ القماش ما بين: 1260-1390م[5]. ومع ذلك، لم يستطع أحد أن يشرح بشكلٍ كافٍ كيف تم هذا التزوير[6]، ولم يتمكن أيّ شخص من تكرار الصورة بالكامل بخصائصها الفريدة- بما أنَّ الصورة، من ناحية، هي صورة فوتوغرافية سلبيَّة![7] لماذا إذًا كانت الصورة المزورة سلبيَّة؟ لماذا ينتج مزور من العصور الوسطى صورة لا يستطيع هو ولا أيّ من معاصريه رؤيتها؟ ظهرت هذه التفاصيل الرائعة التي لا يمكن تفسيرها لأوّل مرّة عن طريق التصوير الفوتوغرافي في عام 1898م. فكيف إذًا لم يتمكن أحد اليوم من عمل نسخة تزييف يعود لألقرن الرابع عشر مع معرفة وتقنية القرن الحادي والعشرين؟
“السؤال الجيد الذي يجب طرحه هو: كيف يمكن لفنان من العصور الوسطى أن يصنع أو يلتقط صورة سلبيَّة بينما لم يُقدم التصوير للعالم إلّا بعد 500 عام أي في عام 1839م؟”[8]
على الجانب الآخر، يستشهد عدد متزايد من الباحثين بأوراق تمت مراجعتها من قِبل الزملاء والتي تشكك في صحة اختبار الكربون المشع عام 1988م. والأهم من ذلك، يبدو أنَّ العينة المختبرة كانت جزءًا من رقعة من القرون الوسطى تم صبغها وإعادة حياكتها بخبرة، وبشكل غير مرئي للعين المجردة![11] إذ احتوت العينة على قطن. مع ذلك، فإنَّ القماش الأصلي للكفن مصنوع بالكامل من الكتان. لذلك يشكك المعارضون في صحة تجربة عام 1988م للأسباب التالية:
(3) الإجراءات غير المتقنة أثناء التجربة حيث انتُهك عدد من البروتوكولات المهمة[14].
(4) “التناقضات الخطيرة” بين المعامل الثلاثة التي أجرت الاختبار[15].
ينظر الكثيرون الآن إلى محاولة C-14 عام 1988م لتأريخ القماش على أنّه “إخفاق تام”[16]، وتجربة “فاشلة”! وصف البروفيسور هاري جوف Harry Gove، مخترع طريقة التأريخ بالكربون المشع المستخدمة في عينة الكفن، تجربة عام 1988م بأنّها “مشروع رديء إلى حدٍ ما”[17]، [18].
كتب محرّر العلوم الفيزيائيَّة لموقع Nature.com التعليق التالي في عام 2008م، بعد عشرين عامًا من التجربة الشائنة:
“من العدل القول إنّه على الرغم من الاختبارات التي بدت نهائيَّة في عام 1988م، فإنَّ حالة كفن تورين أكثر ضبابيَّة من أيّ وقتٍ مضى. على الأقل فيما يخص طبيعة الصورة وكيفيَّة تثبيتها على القماش التي لا تزال محيرة للغايَّة”[19].
سيؤكد مؤيدو أصالة الكفن أنَّ الأبحاث المكثفة على مدى العقود العديدة الماضيَّة- التي أجراها علماء في العديد من التخصصات، وكذلك المؤرخون وعلماء الآثار وعلماء الأمراض وعلماء الدين- قد جمعت عددًا كبيرًا من الأدلة الجنائيَّة لدعم الاستنتاج القائل بأنَّ كفن تورين هو قماش الدفن الأصيل ليسوع المسيح[20].
استنتاج واحد مؤكد: صورة التعذيب والصلب المرسومة على القماش تناسب رجل واحد فقط وقصّة واحدة في التاريخ كلّه! “المقارنة بين العهد الجديد وصورة الكفن تصطف في كلّ نقطة”[21]. منذ زمن بعيد، اعترف هربرت ثورستون (1856-1939م)، أحد أبرز المشككين في الكفن من الكاثوليك في أوائل القرن العشرين، بما يلي:
“أمّا بالنسبة إلى هويَّة الجسد الذي يُرى صورته على الكفن، فلا شك في ذلك. الجروح الخمسة، والجَلد القاسي، والثقوب التي تحيط بالرأس… لم يكن من الممكن التحقق من هذه التفاصيل في أيّ شخص آخر منذ بدء العالم”[22].
بدأ المؤلف الحالي تحقيقه في الكفن باعتباره متشككًا قويًا. ومع ذلك، فقد اقترب من الموضوع بعقل متفتح وسمح لنفسه باتباع الدليل أينما كان. اكتشف الأدلة الوقائعيَّة والجنائيَّة والتاريخيَّة التالية لتكون مثيرة للاهتمام بشكلٍ خاص:
من الواضح أنَّ “الرجل الذي يرتدي الثوب” كان مجرمًا أدين بارتكاب جريمة يعاقب عليها بالإعدام إذ تم جَلده (وهي بشكل عام- وليس حصريًا- عقوبة للجرائم التي لا يُعاقب عليها بالإعدام)[23] وصلب (وهي عقوبة مخصصة للعبيد وغير الرومانيين). وبموجب القانون اليهوديّ[24]، كان ينبغي دفن الجثة قبل غروب الشمس، ربما في إحدى المناطق المخصصة للمجرمين على وجه التحديد[25].
كمجرم ذي مكانة اجتماعيَّة متدنية، دُفن هذا الرجل لسبب غير مفهوم مستخدمًا قطعة قماش نادرة ومكلفة للغايَّة من الكتان الناعم مع نسج متعرج فريد من نوعه- نوع من القماش لم يُصنع خلال العصور الوسطى[26]. القماش يناسب الوصف الكتابيّ للثوب الكهنوتيّ الأعظم[27].
الصورة لرجل حقيقي- حوالي بطول 180سم، 175 رطلاً، 30-35 سنة، بسمات يهوديَّة مميزة (مثل الشعر المجدول)[28]– خضع لحالة صلب فريدة، ومطابق لجروح صلب يسوع كما ورد في الكتاب المقدس. مع العلم، فقد حرم الإمبراطور قسطنطين الصلب في أوائل القرن الرابع![29]
توفر حبوب اللقاح والزهور الموجودة على القماش خريطة الطب الشرعي لوجود الكفن في منطقة أورشليم[30] في الربيع ولعدد قليل من المواقع الرئيسة لما كان من المحتمل أن يكون المسار التاريخيّ الذي تنقل إليه الكفن قبل الوصول إلى تورين بإيطاليا على مدى القرون العديدة الماضية[31].
إنَّ تصوير الدفن اليهوديّ والصلب الرومانيّ الموجود على هذه الصورة “ليس ما كان يفكر فيه أيّ مزور بافتراضات العصور الوسطى أو الحديثة؛ لكنها تعطي معنى كاملًا للنصوص ووسائل الدفن مع الأدلة القديمة الأخرى”[32]. على سبيل المثال، كيف عرف مزور القرون الوسطى بـ[33]:
حدد موقع المسامير في الرسغين (المكان الوحيد في منطقة اليد القادر على الحفاظ على وزن الجسم) وضم الإبهامين للداخل (بسبب قطع أو إتلاف العصب المتوسط)، على عكس اللوحات من العصور الوسطى؟[34]
أضف حبوب اللقاح إلى الكفن والزهور بجانب الكفن الذي تنفرد بها منطقة أورشليم خلال آذار / مارس وحتّى نيسان / أبريل؟[35]
وضع شرائح مجهريَّة من نوع نادر من الحجر الجيريّ من أورشليم في الأوساخ بالقرب من القدمين؟[36]
هل قام باستخدام الدم الذي يحتوي على نسبة عاليَّة من البيليروبين بسبب الصدمة الناتجة عن الجَلد والصلب؟[37]
وضع حلقات بلازما غير مرئيَّة (تُرى فقط بالأشعة فوق البنفسجيَّة) حول إفرازات الدم لعلامات الجلد؟[38]
استخدم غرزة فريدة من نوعها ترجع للقرن الأوّل لخياطة الشريط الجانبي بعرض 3 بوصات على الكفن الرئيس؟[39]
تكشف القائمة أعلاه من الميزات المذهلة- جنبًا إلى جنب مع القائمة التاليَّة لخصائص الصورة- لماذا يمكن لشخص منطقي وعلمي أن يستنتج أنَّ الصورة الباهتة لكامل الجسم الخاص برجل مصلوب على القماش “لم تكن من نتاج عمل فنان ما”[40].
كشفت التجارب العلميَّة الخصائص المثيرة للاهتمام التالية حول الصورة الشبحيَّة على القماش[41]:
سطحيَّة للغاية- تخترق فقط الألياف الدقيقة العلويَّة!
لا يوجد طلاء أو حبر أو صبغة أو بقع أو مواد كيميائيَّة أو أبخرة أو حرق!
لا يوجد حدود خارجيَّة للصورة!
لا اتجاه للرسم مثل ضربات الفرشاة!
لا توجد اختلافات في الكثافة كما هو الحال مع الأعمال الفنيَّة المعروفة!
يجب أن يُنظر إليه من مسافة عدة أقدام قبل أن يمكن تمييزه!
الجسم والجروح مثاليَّة تشريحيًا إلى مستوى عالٍ من التفاصيل!
الدم من الجروح حقيقي!
الدم من نوع AB إيجابي، والحمض النووي بشريّ!
كان الدم على القماش قبل الصورة! (لا توجد صورة تحت الدم)
علامات تيبس الميت لكن لا يوجد أثر للتحلل والتعفن!
لا يُعرف كيف يمكن للصورة أن تتشكل بشكل طبيعي هكذا![42]
الصورة لها خصائص مرتبطة بالأبعاد الثلاثيَّة والعالية الوضوح، والصورة السلبيَّة!
تلقي العديد من العلامات التاريخيَّة بظلال من الشك على تجربة C-14 لعام 1988م التي أعطت تأريخًا لمنشأ الكفن في العصور الوسطى (1260-1390م). لا يُقصد من الورقة الحاليَّة أن تكون شاملة في مناقشتها وعرض الأدلة التراكميَّة التي تشير إلى تاريخ أقدم بكثير لكفن تورينو. توجد العديد من العبارات المثيرة للاهتمام، عبر القرون، والتي من المحتمل أن يكون لها تأثير على الكفن. هذه البيانات لن تكون محور هذه المقالة[45]. وبدلاً من ذلك، سيتم تقديم أربع قطع أثريَّة قديمة- كلّ منها أقدم من تاريخ العصور الوسطى الذي حدده اختبار C-14- ليتفكر القارئ فيها[46].
1. مخطوط الصلاة
إحدى العلامات التاريخيَّة التي من المحتمل أن لها صلة بما نعرفه اليوم باسم كفن تورين هي مخطوطة مجريَّة للصلاة، وهي مخطوطة مؤرخة ما بين 1192-1195م. تُظهِر صفحة ملونة من المخطوطة مشهد دفن مزدوج للربّ في القبر: صورة للرب مضجع ومشهد آخر للقيامة للقبر الفارغ، وملاك يُظهر اللفائف الفارغة للنساء اللواتي وصلن إلى القبر.
تشير العديد من السمات اللافتة للنظر إلى أنَّ كفن تورينو هو النموذج الأصلي للكفن الظاهر بالرسم: (1) جثة عاريَّة تمامًا (وهو أمر غير معتاد في تلك الفترة) مع (2) ذراعان متقاطعتان عند الرسغين. الأصابع (3) طويلة بشكل غير عادي، و(4) لا توجد إبهام مرئيَّة. تم وضع الجثة على (5) قطعة واحدة طويلة من القماش بها (6) نسج هندسي متعرج. (7) يبدو أنَّ أربع دوائر صغيرة ومميزة تشكل نمط الحرف “L” تتطابق مع النمط المقلوب على شكل حرف “L” من الثقوب المحترقة على كفن تورينو والتي يشار إليها عادةً باسم “ثقوب الحرق”[49]. (8) بقعة دم على الجبهة فوق العين اليمنى تتوافق مع البقعة العكسيَّة على شكل “3” على كفن تورينو. قد يكون الصليب الأحمر (9) توضيحًا للعديد من علامات الجلد على كفن تورينو.
فيما يتعلق بهذه المميزات، علقت إحدى هيئات النسيج البارزة:
“لا بد أنَّ رسام هذه الصورة قد رأى كفن تورينو، وإلّا فلن يكون ذلك ممكنًا لأنه (يحتوي) بالضبط على العلامات التي نجدها على الكفن”[50].
وتسأل مؤرخ الفن، توماس دي ويسيلو:
“ألا تبدو هذه محاولة لتخيل دفن المسيح على أساس الكفن؟ ما هي احتمالات كلّ هذه التشابهات النادرة مع الكفن ليرد في نفس الصورة بالصدفة فقط؟”[51]
بمجرد إقناع شخصٍ ما، بأنَّ رسام هذه الورقة الملونة قد رأى كفن تورينو، يؤدي المزيد من الأدلة إلى سلسلة منطقيَّة من الاستدلالات المحتملة التي تربط هذا الكفن بالذات بالكفن الذي سرقه الصليبيون الفرنسيون من القسطنطينيَّة عام 1204م، ثم ربط ذلك الكفن مع تلك التي أتت من الرها إلى العاصمة البيزنطيَّة عام 944م، ومن المحتمل أن يكون هذا الكفن هو نفس القماش الذي ارتبط بالرها لقرون مثل “صورة الرها”[52].
هناك قطعة أثريَّة قديمة أخرى تلقي بظلال من الشك على موثوقيَّة تجربة التأريخ لعام 1988م وهي العملة الذهبيَّة البيزنطيَّة الصوليدوس (“soldier”) الصادرة في عام 692م. في ذلك العام، أنتج الإمبراطور الشاب جستينيان الثاني عملات معدنيَّة تُظهر على الوجه صورة المسيح. نُقش على هذه القطع النقديَّة “المسيح ملك الذين يحكمون”. إنّها أقدم تمثيل معروف لشكل يسوع البشريّ على عملة معدنيَّة. وبينما كانت صورة وجه الإمبراطور على العملات المعدنيَّة تُصوَّر عادةً بمنظر جانبي، على عملات الصوليدوس، يُصوَّر يسوع وهو يظهر في وضع أمامي لوجهه، تمامًا كما نراه على كفن تورينو. لديه شعر طويل مموج وشارب ولحية متشعبة وأنف طويل. نُشرت دراسة تفصيليَّة توضح الارتباط الوثيق بين صورة وجه الكفن والصورة على عملة الصوليدوس. أفاد الحساب الإحصائي للدراسة عن وجود يقين “أكثر من 99.99٪” من أنَّ الكفن كان النموذج المستخدم في عملة جستينيان لعام 692م الصوليدوس المصنوع من الذهب[54].
3. منديل أوفيدو
القطعة الأثريَّة الثالثة القديمة التي تقدم دليلًا على أنَّ كفن تورينو أقدم بكثير مما اقترحه اختبار C-14 لعام 1988م وهو منديل أوفيدو الذي يعتقد الكثيرون أنّه “قماش الوجه” (σουδάριον) المذكور في الإنجيل الرابع:
حُفظ المنديل في مدينة أوفيدو بإسبانيا منذ عام 718م ويمكن إرجاع تاريخ وصوله إلى إسبانيا من فلسطين في العام 616م، قبل غزو القوات الفارسيَّة[58]. “من المؤكد تاريخيًّا أنَّ المنديل لم يكن مرتبط بالكفن منذ وصوله إلى إسبانيا”[59]. لذلك، فإنَّ المرّة الوحيدة التي واجه فيها كلا القطعتين حبوب اللقاح من الشرق الأوسط كانت قبل عام 616م.
باستخدام عمليَّة تُعرف باسم “تقنيَّة تطابق الصور المستقطبة” على صور القطعتين، اكتُشِف وجود 120 نقطة تطابق (PC) بين البقع على القماش. تؤدي أدلة التشريح هذه إلى الاستنتاج المنطقي القائل بأنَّ “كلا القطعتين لمستا نفس الوجه”[60]!
القطعة الأثريَّة الرابعة القديمة التي سيقدمها هذا المؤلف كدليل للقارئ للنظر فيها فيما يتعلق بأصالة كفن تورينو هي لوحة المسيح باندوكراطور (“ضابط الكلّ”)، التي اكتُشِفت في عام 1962م في دير سانت كاترين في صحراء سيناء النائيَّة. يعود تأريخ اللوحة إلى حوالي 550م[62]. عندما تمت ترجمة الكتاب المقدس العبريّ إلى الترجمة السبعينيَّة اليونانيَّة، واُستخدم باندوكراطور παντοκράτωρ في ترجمة كلّ من YHWH Sabaoth “رَبُّ الْجُنُودِ، السّيِّدُ الرَّبُّ إِلهُ الْجُنُودِ”[63]، وأيضًا El Shaddai، “الله القدير”[64]. أصبحت أيقونة الباندوكراطور هي الصورة الرمزيَّة المقبولة للمسيح في الفن البيزنطيّ واستمرت كذلك في الكنيسة الأرثوذكسيَّة الشرقيَّة حتّى الوقت الحاضر.
يبدو أنَّ هناك رسالة لاهوتيَّة قد وضعت في الأيقونة:
عند مشاهدة الأيقونة، يُظهر الجانب الأيسر للوجه غير المتناسق للمسيح بنظرة لطيفة ويده مرفوعة في بركة ورحمة تمتد إلى البشريَّة جمعاء… المخلّص. الجانب الأيمن من الوجه غير المتماثل للأيقونة يُظهر المسيح بتعبير شديد ونظرة ثاقبة وهو يحمل الكتاب الذي يحتوي على الناموس… القاضي و”ضابط الكلّ”[65].
ما هو المصدر أو النموذج الأصلي وراء رسم الوجه هذا ليسوع؟ صرح مؤرخ الفن الشهير هانز بيلتينج Hans Belting بما يلي حول أيقونة المسيح الباندوكراطور:
… يبدو أنَّه يعيد إنتاج نسخة أصليَّة معروفة في ذلك الوقت حددت نموذج شكل المسيح المفضل في الرسم البيزنطيّ… في الواقع، المظهر العام للأيقونة مشتق من نموذج ملموس لا تزال هويته سؤالًا مفتوحًا. مع كلّ تلقائيتها في التعبير، لم يخترعها راسمها، ولكن يبدو أنَّه يعيد إنتاج صورة شهيرة للمسيح، لهذا الغرض، تم تكرارها بتكليف معين[66].
حُلِلت نقاط التطابق (PC) بين اللوحة وصورة الوجه على الكفن باستخدام “تقنيَّة تطابق الصور المستقطبة”[67]. عادة ما تعد 45-60 نقطة دليلًا على تطابق كافي للإعلان تشريحيًّا أنَّ الصورتين للوجه موضع الفحص تنتمي إلى نفس الشخص. وعندما تمت مقارنة صور الوجه بين اللوحة والكفن، وجد الباحثون أكثر من 150 نقطة تطابق!
… أيقونة المسيح البانطوكراتور من دير سانت كاترين هي إلى حدٍ بعيد التمثيل غير الفوتوغرافيّ الأكثر دقة لصورة الكفن التي رأيناها[68].
قبل منتصف القرن السادس، كان يُصوَّر وجه المسيح عادة على أنّه بلا لحية وشعر قصير، مثل آريس وهيرميس، كان يُصور بشكلٍ شائع بين الآلهة اليونانيَّة الرومانيَّة (كما في الصورة).
يبدو أنَّ شيئًا ما حدث خلال القرن السادس تسبب في حدوث تغيير جذري في ظهور يسوع في اللوحات. في بازيليكا سانت أبولينير الجديدة، رافينا، إيطاليا، هناك نوعان من الفسيفساء الجميلتين للمسيح يعود تاريخهما إلى القرن السادس، لكن من المدهش أنهما مختلفتان تمامًا. تصور إحدى الفسيفساء السيد المسيح بلا لحية. توضح الأخرى وجه يسوع تمامًا مثل أيقونة الباندوكراطور بشعر طويل داكن (مفترق أسفل المنتصف) ولحية كاملة وأنف طويل. ما الذي كان يمكن أن يسبب مثل هذا التغيير الجذري في الرؤيَّة؟
لوحتان من الفسيفساء تصوران السيد المسيح من نفس القرن داخل نفس الكنيسة!
نشب حريق كبير ضرب أنطاكيَّة سوريا عام 525م، مما تسبب في أضرار جسيمة. أعقب الحريق بعد ذلك بوقت قصير زلازل كبيرة (في 526 و528م)، مما أسفر عن مقتل 250000 شخص وترك جدران المدينة والمباني في حالة خراب[70]. في وقتٍ لاحق، قام الإمبراطور جستنيان بتمويل مشروع إعادة الإعمار على مدى العقد المقبل. خلال ذلك الوقت، بالقرب من باب الشاروبيم في سور المدينة القديمة، عُثر على “صورة للمسيح” التي أصبحت “موضوع تبجيل خاص”[71]. وقد كتب راهبًا عن الاكتشاف بعد عدة عقود يصف الصورة (الأيقونة) بأنّها “رائعة”[72].
أثناء زيارة الإمبراطور يوليان لأنطاكيَّة قبل حوالي 170 عامًا (362م)، اندلع حريق في معبد أبولو الوثنيّ، مما أدى إلى إتلاف تمثال للإله. على الرغم من نشأته كمسيحيّ، حاول يوليان إحياء الوثنيَّة. عُرف باسم “يوليان المرتد”. ألقى باللوم على المسيحيين في الحريق. أمر بإغلاق كاتدرائيتهم العظيمة ومصادرة كنوزهم الكنسيَّة. ومع ذلك، قبل أن تُؤخذ الكنوز، قام كاهن الكنيسة، يدعى ثيؤدوروس، بإخفاء كنوز الكنيسة. لقد حُكم عليه بالإعدام لأنه لم يكشف عن مكان إخفائهم[73].
هل يمكن أن تكون “الصورة الرائعة للمسيح” المُكتشَفة داخل إحدى فتحات جدار أنطاكيَّة، خلال النصف الأوّل من القرن السادس، هي كنزًا خبأه ثيؤدوروس قبل قرنين من الزمان؟[74] هل يمكن أن يكون هذا الكنز هو ما نعرفه اليوم باسم كفن تورينو، مما تسبب في تغيير لوحات يسوع بشكلٍ جذري في نفس الوقت تقريبًا؟
الإيمان أم العلم؟
يواصل المشككون في أصالة الكفن الاعتماد على تجربة واحدة (فاشلة) فقدت مصداقيتها مرارًا وتكرارًا على مدار الثلاثين عامًا الماضية. لم يُقدم أيّ إجراءات مضادة جادة، باستثناء التأكيد فلسفيًّا على استحالة المعجزات![75] أولئك الذين يقولون إنَّ الصورة مزيفة يفعلون ذلك على الرغم من أنهم لا يستطيعون تكرار الصورة المزيفة أو شرح كيف تم ذلك! وبالتالي، فإنَّ استنتاجهم يقوم على إيمان أعمى، وليس على أدلة قوية. لم تقم أيّ تجربة بإعادة إنتاج الصورة بشكل كافٍ بخصائصها الفريدة العديدة التي لا يمكن تفسيرها. لذلك، لا يستطيع المشككون المطالبة بدعم المنهج العلميّ. ببساطة، “لا يوجد دليل على أنّها من القرون الوسطى”[76].
أولئك الذين يعتقدون أنَّ كفن تورينو هو الأداة الحقيقيَّة لا يمكنهم أيضًا شرح العمليَّة الإبداعيَّة الكامنة وراء الصورة بالكامل، ولا يمكنهم تكرارها. لم يكن أحد حاضرًا ليشهد متى وكيف تشكلت الصورة. لذلك، فإنَّ استنتاجهم بشأن تكوين الصورة هو خطوة إيمان[77]. ومع ذلك، فإنَّ إيمانهم بأصالة الكفن على أنَّه قمّط جسد يسوع لمرّة واحدة مدعوم بأدلة قويَّة، مثل العلامات التاريخيَّة الأربع المقدّمة في هذه المقالة.
لا ينخدع القارئ في اعتقاده أنَّ درجة الإيمان متساويَّة للمتشككين والمؤمنين على حدٍ سواء! عندما يتعلق الأمر بمسألة الدليل المهمة، فإنَّ “المواجهة” الحاليَّة غير متوازنة تمامًا. إذا تم عمل الصورة بأيدي بشريَّة خلال العصور الوسطى، فمن المؤكد أنَّه يمكن اليوم- مع المعرفة والتكنولوجيا الفائقة- شرح الصورة وتكرار صنعها. مطلوب إيمان كبير للاعتقاد بأنَّ الكفن غير أصيل بالنظر إلى مثل هذه العقبات غير المفسرة من جهة المعارضين! يتمسك المعارضون بـ”فرضيَّة التزوير” على الرغم من عدم وجود أدلة داعمة وحقيقة ظهور عدد كبير من الأدلة التي تشير إلى عكس فرضيتهم.
إليكم سؤال مهم يستحق التأمل: كيف يتقبل القارئ “الحقائق التاريخيَّة”؟ لماذا تعرف أنَّ جورج واشنطن عاش وكان أوَّل رئيس للولايات المتحدة؟ هل قابلته شخصيًّا أو سمعته يتكلم؟ لا! لا يمكن للعلم إحياء أحداث الماضي وتكرارها”[78]. وبدلاً من ذلك، تُعرف الحقائق التاريخيَّة أو “تُثبت” بواسطة أدلة موثوقة ومميزة. الهدف المنشود هو الوصول إلى نتيجة “لا مجال للشك فيها”[79].
المؤرخون على يقين من أنَّ هوارد كارتر وفريقه اكتشفوا قبر توت عنخ آمون في عام 1922م. إذا كان من الممكن تخصيص أشياء معينة لفرعون الأسرة الثامنة عشر (1334 – 1325 ق.م) بمستوى عالٍ للغايَّة من اليقين، فلماذا إذًا لا يمكن أيضًا تخصيص قماش دفن ليسوع الناصريّ (حوالي 30م) بدرجة عالية من اليقين؟[80]
أولئك الذين يؤمنون بأصالة الكفن قد تأثروا بالأدلة الماديَّة والموضوعيَّة- التي ظهرت على السطح من الأبحاث العلميَّة والتشريحيَّة والفنيَّة والنسيجيَّة والطبيَّة والتاريخيَّة. لا يوجد ما هو أقل من الأدلة الماديَّة القوية التي تدعم “إيمان”[81] أولئك الذين يعتقدون أنَّ كفن تورينو هو قماش الدفن الحقيقي الذي غطى جسد يسوع ذات يوم!
تكوين الصورة: خياران فقط
ما هي “أفضل محاولة” يمكن أن يطرحها كلّ جانب لشرح كيفية تكوين الصورة الخفيَّة على القماش؟ ما هو التفسير الذي يقدمه الخبراء من كلّ جانب من الجدل؟
العلماء الذين يرون الصورة إمّا أنها تزوير متعمد أو كشيء ناتج عن عمليات طبيعيَّة (أي بوسائل الطبيعة) يكافحون لشرح كيفية تكون الصورة بالضبط. والمثير للدهشة أنهم لم يتبق لهم سوى “لغز” غير مُفسر. هذا هو أفضل ما يمكنهم فعله! استنتجت مجلّة تايم أنَّ الصورة كانت “لغز العصور”[82]. أشارت إليها ناشيونال جيوغرافيك على أنها “واحدة من أكثر الألغاز المحيرة في العصر الحديث”[83] و”لغز غير عادي يتحدى كلّ جهد في التوصل إلى حل (طبيعي)”[84]. “أصلها يبقى لغزًا محاطًا في لغز”[85]. لذلك، فإنَّ البحث عن تفسير طبيعي لتكوين الصورة قد أصبح فارغًا، تاركًا المستفسر مع لغز غير قابل للتفسير، “اللغز العنيد”. أمر مثير للإعجاب!
من ناحيَّة أخرى، فإنَّ عددًا متزايدًا من العلماء على استعداد لاتباع الدليل الذي يؤدي إليه والتفكير في تفسير يتجاوز الطبيعة: “فرضيَّة القيامة”. وإدراكًا منهم لفشل الأسباب الطبيعيَّة في تكرار العمليَّة أو التفسير الكامل لكيفية تكوين هذه الصورة الفريدة، فقد استنتجوا أنَّ الأدلة تشير إلى وجود طاقة من داخل (أو من خلال) الجسد بطريقة ما أنتجت الصورة الموجودة داخل القماش! تتصور الفرضيَّة الواعدة أنَّ وميضًا قويًّا للغاية (ولكنه قصير للغاية) من الأشعة فوق البنفسجيَّة تسبب في تغير لون القماش بسبب الجفاف وأكسدة ألياف الكتان السليلوز. الوميض الشديد للضوء- القادم من الجسد- ترك الصورة الباهتة ثلاثيَّة الأبعاد، الفوتوغرافيَّة السلبيَّة، والخفيَّة على الجزء الداخلي من القماش الذي كان بمثابة شريط تصوير[86]، [87]. رائع حقًا! في الحديث العام نسمي ذلك “معجزة“!
أهميته؟
ما الفرق الذي تحدثه هذه المعجزة؟ ما أهمّيّة أصالة الكفن؟ يقترح المؤلف الحالي الإجابة التاليَّة:
إنَّها عطيَّة الله الكريمة للإيمان لكلّ مؤمن ولكلّ توما شكاك![89]
إنَّها شهادة الآب الصامتة والقوية لحقيقة الإنجيل![90]
إنَّه دليل موضوعي وملموس للاهوتيّ في بحثه عن يسوع التاريخيّ![91]
كان بمثابة خيمة مقدّسة (σκηνή) خلال خدمة الكهنوت الأعلى ليسوع. (عب 9: 11-12)[92].
إنَّه يقدم أدلة عميقة على الحياة بعد الموت لأتباع المسيح![93]
إنَّه بمثابة تحذير للدينونة الآتية على الأشرار![94]
استنتاج
عندما يتعلق الأمر بما إذا كان كفن تورينو أصليًّا أم لا، سيبدأ الجميع بتحيز معين. سيلعب قلب الإنسان دورًا مهمًا في الاختيار بين “لغز غير مفسر” و”معجزة إلهيَّة”. ثلاث اقتباسات تستحق التفكر فيها بهذا الصدد. الاقتباس الأوّل هو تصريح أدلى به أستاذ الفلسفة البارز والسابق في جامعة برنستون توماس ناجيل Thomas Nagel:
“أريد أنَّ يكون الإلحاد حقيقيًّا… لا يقتصر الأمر على أنني لا أومن بالله… بل أنني آمل ألا يكون هناك إله! لا أريد أن يكون هناك إله. لا أريد أن يكون الكون هكذا”[95].
الاقتباس الثاني منسوب إلى يسوع، مأخوذ من مَثَله “الملك العائد”:
في عصرنا الحديث، هل كفن تورينو قطعة أثريَّة فريدة من نوعها حيث يمس العلم الإيمان؟ هل هذا القماش القديم، بصورته التي لا يمكن تفسيرها، هو شاهد الله الصامت والقوي لحقيقة قصّة الإنجيل؟ هل يقدم دليلًا عميقًا على الحياة بعد الموت؟ في النهاية، القرار بشأن صحة الكفن لن يعتمد فقط على الأدلة. سيلعب قلب المرء دورًا حاسمًا في الوصول إلى نتيجة.
“للقلب أسبابه التي لا يعرف العقل شيئًا عنها… نحن نعرف الحقيقة ليس فقط بالعقل بل بالقلب” – بليز باسكال
Larry Stalley, Is the Shroud of Turin the Actual Burial Cloth of Jesus?, 2020, from academia.edu
[1] كتب المؤلف تسع أوراق إضافيَّة عن كفن تورينو. تقدم معظم هذه الأوراق تحليلات تفسيريَّة لتصريحات محددة في العهد الجديد من المحتمل أن تكون مراجع مستترة أو غامضة للكفن. يمكن العثور عليها على موقعه على الإنترنت:
Å كاهن كنيسة مار مينا السراروة، بأبراشية جرجا، وخريج كلية الآداب جامعة سوهاج قسم ترجمة لعام 2013م، وخريج الكلية الإكليريكية بالأنبا رويس القسم النهاري دفعة 2017م، بتقدير عام امتياز، وطالب ماجستير بالكلية الإكليريكيَّة بالأنبا رويس.
ÅÅ خريج كلية التجارة جامعة القاهرة لعام 2012م، خريج الكلية الإكليريكيَّة بالأنبا رويس القسم النهاري دفعة 2017م، بتقدير عام امتياز، وطالب ماجستير بالكلية الإكليريكيَّة بالأنبا رويس، ومُعيد بقسم اللاهوت بالكلية، ومدرس بمعهد الأنبا أثناسيوس بمطرانية ببا والفشن وسمسطا، ومحاضر وخادم بمدرسة تيرانس بالإسكندريّة.
[3] “مأزق” هي الكلمة التي اختارها فرانك فيفيانو الذي كتب مقالة موجزة عن الكفن لناشيونال جيوغرافيك. انظر
Frank Viviano, “Why Shroud of Turin’s Secrets Continue to Elude Science,” National Geographic, April 17, 2015 at https://news.nationalgeographic.com/2015/04/150417-shroud-turin-relics-jesus-catholic-church-religion-science.html
Ian Wilson, The Blood and the Shroud (New York, NY: The Free Press, 1998) 9-12. See also Joe Nickell, Relics of the Christ (Lexington, KY: University Press of Kentucky, 2007); Tom Chivers, “The Turin Shroud is fake. Get over it,” Daily Telegraph (December 20, 2011); R. E. Taylor, Radiocarbon Dating, Second Edition: An Archaeological Perspective (Routledge, 2016), pp. 167-168; and Matteo Borrini and Luigi Garlaschelli, “A BPA Approach to the Shroud of Turin,” Journal of Forensic Sciences (July 10, 2018), https://doi.org/10.1111/1556-4029.13867.
[5] P. e. Damon et al., “Radiocarbon dating of the shroud of Turin”, Nature, vol. 337, no. 6208 (February 16, 1989): 611-15.
[6] لتحليل المشاكل التي ينطوي عليها الوصول إلى تفسير طبيعي وراء تكوين الصورة على الكفن، انظر
Kenneth E. Stevenson and Gary R. Habermas, Verdict on the Shroud: Evidence for the Death and Resurrection of Jesus Christ (Ann Arbor, MI: Servant Books, 1981) 191-97.
[7] باري شورتز هو عضو أصلي في الفريق العلمي (STURP) الذي سافر إلى تورينو لدراسة الكفن في عام 1978م. وهو يدرس الكفن منذ أكثر من 40 عامًا وهو مؤسس موقع الويب الشهير www.shroud.com. أثناء محادثة هاتفية مع باري- وهو مصور محترف- قال لي: إنَّ كفن تورينو “له خاصية واحدة مثل الصورة السلبيَّة، وهي أنَّ النور والظل في الصورة معكوسة أو مقلوبة… لكن هناك خصائص أخرى لتلك الصورة لم يكن بمقدور أيّ صورة فوتوغرافيَّة سلبيَّة أخرى في التاريخ تضمينها، وهذه معلومات عميقة أو معلومات مكانيَّة بناءً على المسافة بين القماش والجسم عند تشكل الصورة “(19 يونيو 2019).
[8] Quote taken from “Shroud of Turin Facts,” online at:
[11] J.G. Marino and M.S. Benford, “Evidence for the skewing of the C-14 Dating of the Shroud of Turin Due to Repairs”, Worldwide Congress ‘Sindone 2000’ (Orvieto, Italy: August 28, 2000), http://www.shroud.com/pdfs/marben.pdf; Raymond N. Rogers, “Studies on the Radiocarbon Sample from the Shroud of Turin,” Thermochimica Acta, Vol. 425, Issue 1-2 (January 20, 2005) 189-194. Rogers (d. 2005) was a well-published chemist and a Fellow of the Los Alamos National Laboratory.
[12] صرح الدكتور ماركو رياني من جامعة بارما بإيطاليا، أنَّ “التأريخ الذي يأتي من قطعة في الحافة العلويَّة [لعينة غير مقطوعة] يختلف تمامًا عن التاريخ الذي يأتي من قطعة مأخوذة من الحافة السفليَّة”. نقلا عن Viviano. انظر أيضًا
Rogers, op. cit., and Alan Adler, “Updating Recent Studies on the Shroud of Turin,” in M.V. Orna (ed.), Archaeological Chemistry: Organic, Inorganic and Biochemical Analysis. ACS Symposium Series (Washington, D.C.: American Chemical Society) 625:223-28.
[13] In addition to Rogers, op. cit., see also the research revealing a “bioplastic coating of bacteria” by Dr. Leonicio Garza-Valdes and Dr. Stephen J. Mattingly at the University of Texas, reported by Jim Barrett, “Science and the Shroud: Microbiology Meets Archaeology in a Renewed Quest for Answers” in The Mission (A Journal of the University of Texas Health Science Center at San Antonio) Spring 1996.
[14] للحصول على ملخص ممتاز حول كيفيَّة عدم حفظ البروتوكولات المعمول بها، انظر
Vittorio Guerrera, The Shroud of Turin (Tan Books: Charlotte, North Carolina, 2001) 112-139.
لتحليل شامل للتجربة، انظر
Joseph G. Marino, “The Politics of the Radiocarbon Dating of the Turin Shroud” in three parts (September 9th, 2016) http://newvistas.homestead.com/C-14PoliticsPt1.html; and William Meacham, The Rape of the Turin Shroud: How Christianity’s Most Precious Relic Was Wrongly Condemned, and Violated (Lulu.com: 2013).
[15] See Tristan Casabianca, et al., “Radiocarbon Dating of the Turin Shroud: New Evidence from Raw Data,” Archaeometry (March 22, 2019) online at:
[16] كتب أحد مؤرخي الفن الذين درسوا كلاً من الكفن والتجربة (وهو ليس مسيحيًا): “من المحتمل أن يُدرج التاريخ الكربوني للكفن في التاريخ باعتباره أحد أعظم الأخطاء في تاريخ العلم. سيكون دراسة حالة ممتازة لأيّ عالم اجتماع مهتم باستكشاف الطرق التي يتأثر بها العلم بالتحيزات والأحكام المسبقة والطموحات المهنيَّة، ناهيك عن المعتقدات الدينيَّة (وغير الدينيَّة)”.
Thomas de Wesselow, The Sign: The Shroud of Turin and the Secret of the Resurrection (New York: Penguin Group, 2012) 172.
[17] Harry E. Gove, Relic, Icon or Hoax? Carbon dating the Turin Shroud (London: The Institute of Physics Publishing, 1996) 242.
[18] قام الباحث البارز في الكفن مؤخرًا، جو مارينو، بتجميع 30 عامًا من الدراسة حول تجربة C-14 في كتاب. إنّه يوفر كشفًا متفجرًا حول السياسة غير المعروفة والمقلقة إلى حدٍ كبير، والطعن بالظهر، والأجندات الشخصيَّة، والأنانيَّة، وعدم كفاءة أعضاء فريق التحليل الكربونيّ، ولكن حتّى الكنيسة الكاثوليكيَّة أيضًا. انظر
Joseph G. Marino, The 1988 C-14 Dating of The Shroud of Turin: A Stunning Exposé (Dublin, OH: Joseph G. Marino, 2020).
[19] Philip Ball, “Shrouded in mystery,” Nature Materials (May 1, 2008) 7.5: 349,
https://www.nature.com/articles/nmat2170.
[20] تفضل الأدلة الطبيَّة والتاريخيَّة والنباتيَّة والعلميَّة والنسيجيَّة والفنيَّة أصالة كفن تورينو كقماش دفن ليسوع. لقد وجدت الدراسات التالية ممتازة في مسح الأدلة على صحة الكفن:
Marc Borkan, “Ecce Homo? Science and the Authenticity of the Turin Shroud,” in Vertices: The Duke University Magazine of Science, Technology, and Medicine, (Winter 1995) 10.2:18-51; Robert J. Spitzer, “Science and the Shroud of Turin,” Magis Center of Reason and Faith (May 2015) 1-33, online at https://www.magiscenter.com/science-and-the-shroud-of-turin/; Fr. Vittorio Guerrera, The Shroud of Turin: A Case for Authenticity, op. cit., 67-111; John Jackson, The Shroud of Turin: A Critical Summary of Observations, Data, and Hypotheses (The Turin Shroud Center of Colorado: www.shroudofturin.com), 2017; and Simon J. Joseph, “The Shroud and the ‘Historical Jesus’: Challenging the Disciplinary Divide,” 2012, online at https://www.shroud.com/pdfs/sjoseph.pdf.
[21] Stevenson and Habermas, Verdict on the Shroud, 45.
[22] Herbert Thurston, 1903, “The Holy Shroud and the Verdict of History,” The Month, CI, p. 19, quoted in Ian Wilson, The Shroud of Turin: The Burial Cloth of Jesus? (Image Books: New York, NY, 1979) 53.
[23] Stevenson and Habermas, Verdict on the Shroud, 37.
[25] See Herbert Danby, trans., “Sanhedrin,” in The Mishnah (Oxford: Oxford University Press, 1933) 6.4-5: 390-91.
[26] John Tyrer, “Looking at the Turin Shroud as a Textile,” Textile Horizons (December 1981) 20-23.
[27] هل كان هذا الكفن نوعًا من الثوب الكهنوتيّ الذي كان يرتديه هارون كرئيس كهنة (راجع عب 9-11)؟ كان لباس هارون مصنوعًا من الكتان الناعم، ليتم تقديسه عن طريق رشه بدم ذبيحة، ونسج “عمل المدقق” الخاص! انظر خر28.4، 39؛ 29.21. علاوة على ذلك، في يوم الكفارة، لم يلبس رئيس الكهنة ثيابه الملونة بالمجد والجمال في قدس الأقداس، ولكن ببساطة يرتدي باسه الأساسي، سترة الكتان الأبيض (لاويين 16: 4). راجع مقالة المؤلف، “كفن تورينو خدم كخيمة أثناء الخدمة الكهنوتية ليسوع!”، ويمكن الوصول إليه على www.theincredibleshroud.com.
[28] Stevenson and Habermas, Verdict on the Shroud, 34-36; Frederick T. Zugibe, The Crucifixion of Jesus: A Forensic Inquiry (New York, NY: M. Evans and Company, Inc., 2005) 190-91.
[29] Ian Wilson, The Blood and the Shroud, 207; Mary Fairchild, “A Brief History of Crucifixion in the Ancient World,” Learn Religions (July 11, 2019), https://www.learnreligions.com/crucifixion-history-700749.
[30] Avinoam Danin, “The Origin of the Shroud of Turin from the Near East as Evidenced By Plant Images and By Pollen Grains,” Shroud of Turin Website, http://shroud.com/danin2.htm.
[31] Max Frei, “Nine Years of Palynological Studies on the Shroud,” Shroud spectrum International (1982) 1(3):3-7; and S. Scannerni, Mirra, aloe, pollini e altre tracce. Ricerca botanica sulla Sindone, Editrice Elle Di Ci, Leumann (Turin, 1997) 50.
[32] تم التوصل إلى هذا الاستنتاج بواسطة العالم اليونانيّ في العهد الجديد،
John A. T. Robinson, “The Shroud of Turin and the Grave-Clothes of the Gospels,” Proceedings of the United States Conference of Research on the Shroud of Turin (Albuquerque, New Mexico, 1977) 23-30. The quote is taken from page 25.
[35] اكتشف الأستاذ الفخري في علم النبات في الجامعة العبريَّة صور حبوب اللقاح والزهور على الكفن الفريدة في منطقة القدس. “مارس – أبريل هو الوقت من العام الذي يكون فيه التجمع الكامل لحوالي 10 من النباتات المحددة على الكفن في حالة ازدهار.”
Avinoam Danin, Botany of the Shroud of Turin: The Story of Floral Images on the Shroud of Turin (Jerusalem: Danin Publishing, 2010).
[36] البصمة الترابيَّة مشابهة كيميائيًا للتربة والحجر من مناطق معينة من أورشليم. عُثر على هذا الحجر الجيريّ فقط في أماكن قليلة على وجه الأرض.
Joseph A. Kohlbeck and Eugenia L. Nitowski, “New Evidence May Explain Image on Shroud of Turin,” Biblical Archaeology Review (August 1986) 23.
[37] Alan D. Adler, “The Nature of the Body Images on the Shroud of Turin,” Turin Shroud — Image of Christ?, William Meacham, ed. (Hong Kong, March 1986) 59-61,
https://www.shroud.com/pdfs/ssi43part4.pdf.
[38]Ibid., 103, https://www.shroud.com/pdfs/ssi43part10.pdf; Kelly P. Kearse, “Blood clotting, serum halo rings, and the bloodstains on the Shroud of Turin,” (January 21, 2020)
https://www.shroud.com/pdfs/anc-kearse-pap3.pdf.
[39] Mechthild Flury-Lemberg, “The Linen Cloth of the Turin Shroud: Some Observations of its Technical Aspects,” Sindon, new series, no. 16 (December 2001) 55-76. See also Ian Wilson, The Shroud (London: Bantam Books, 2010) 107-10.
[40] كان هذا هو الاستنتاج الأولي الذي توصل إليه فريق مكون من 33 عالمًا تمت دعوتهم لدراسة القماش عن قرب في عام 1978م. انظر
“A Summary of STURP’s Conclusions,” https://www.shroud.com/78conclu.htm.
[41] يمكن العثور على عرض موجز للنتائج التي توصل إليها الفريق العلمي STURP في
Jackson, Shroud of Turin, 40-41, 67-77.
[42] تمت مناقشة المشكلات المرتبطة بالفرضيات المقترحة التي قد تكون الصورة قد تكونت من خلال عمليات طبيعيَّة في ورقة من وضع المؤلف،
“The Image on the Turin Shroud is ‘The Sign of Jonah’ for Our Generation!” at www.shroud.com.
[45] يمكن للقارئ استكشاف بيانات من فترة الكنيسة الأولى من خلال الوصول إلى الأوراق الأخرى التي كتبها الكاتب الحالي، مثل
“Is the Image on the Shroud of Turin ‘the Father’s Witness’? (1 John 5.5-13)?”; “The Crucified Christ Seen by the Galatians: A Literal Context for ΠΡΟΕΓΡΑΦΗ” (Galatians 3.1); “Are There Veiled References to the Shroud of Turin in the New Testament?” and additional papers at his website, www.theincredibleshroud.com, or at www.academia.edu. Also see Jackson, Shroud of Turin, 7-39; and John Long, The Shroud of Turin’s Earlier History, in four parts, Associates for Biblical Research (2013),
[46] بروفيسور أكسفورد إدوارد هول والدكتور مايكل تيتي يعلنان نتائج تجربة عام 1988. سيستفيد كلاهما لاحقًا من تبرع بقيمة مليون جنيه إسترليني مقابل عملهما من خمسة وأربعين رجل أعمال و “أصدقاء أثرياء”. انظر
[49] مؤرخ الكفن، إيان ويلسون، يروي كيف يمكن لهذه الثقوب أن تعود إلى تجربة “التجربة بالنار” والتي ترجع إلى 680م تقريبًا.
Wilson, The Shroud (London, UK: Bantam Press, 2010) 197-200, 243.
[50] David Rolfe, director, The Shroud of Turin, DVD (London, UK: Performance Films for the BBC, 2008). Interview with Flury-Lemberg at minute 23 concerning the Pray Manuscript. Cited by Jackson, Shroud of Turin, 27.
[51] Thomas de Wesselow, The Sign, the Shroud of Turin and the Secret of the Resurrection, (New York: Dutton, 2012) 179, cited by Jack Markwardt, “Modern Scholarship and the History of the Turin Shroud,” St. Louis International Shroud Conference (Oct. 2014) 67,
http://www.shroud.com/pdfs/stlmarkwardtpaper.pdf.
[52] See Wilson, The Shroud, 156, 159-248, 385-90; Markwardt, “Modern Scholarship,” op. cit., and Long, “Shroud of Turin’s Earlier History,” op. cit.
[60] Mark Guscin, “The Sudarium of Oviedo: Its History and Relationship to the Shroud of Turin” in Proceedings of the Nice Symposium on the Shroud of Turin (May 1997) 1-6,
https://www.shroud.com/guscin.htm; Spitzer, “Science and the Shroud,” 14.
[66] Hans Belting, Likeness and Presence: A History of the Image before the Era of Art, Edmund Jephcotti, trans. (Chicago: The University of Chicago Press, 1994) 133-34.
[67] Alan D. Whanger and Mary Whanger, “Polarized image overlay technique: a new image comparison method and its application,” Applied Optics (March 15, 1985) 24.6:766-72.
[68] Mary and Alan Whanger, The Shroud of Turin, An Adventure in Discovery (Franklin, TN: Providence House Publishers, 1998) 48.
[69] المسيح جالس على العرش بين رسله، وقد رُممت اللوحة الجداريَّة من القرن الرابع داخل سراديب الموتى في سانتا دوميتيلا، روما.
[70] Glanville Downey, A History of Antioch in Syria from Seleucus to the Arab Conquest (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1961) 519-25.
[72] John Moschos, The Spiritual Meadow (Pratum Spirituale), John Eviratus, trans. (Collegeville, MN: Liturgical Press, 2008) 212, cited by Jackson, Shroud of Turin, 16.
[73] Gustavus A. Eisen, The Great Chalice of Antioch (New York, NY: Kouchakji Freres, 1923) 5.
[74] See Jack Markwardt, “Antioch and the Shroud,” Shroud of Turin International Research Conference (Richmond, VA, 1999) 10-12, https://shroud.com/pdfs/markward.pdf.
[75] لم تعد حجة هوم Hume ضدّ إمكانيَّة المعجزات تعتبر سليمة بواسطة معظم فلاسفة العلم والدين الذين درسوا المسألة. حتّى أنَّ فيلسوف العلم جون إيرمان John Earman، وصف حجة هوم Hume بأنها “فشل ذريع”.
John Earman, Hume’s Abject Failure: The Argument against Miracles (Oxford: Oxford University Press, 2000).
[76] أكدت مقالة حديثة في الدوريَّة الإيطاليَّة “La Repubblica” (بتاريخ 20/ 5/ 2020م) أنَّ الاستنتاج الذي توصل إليه اختبار الكربون المشع سيئ السمعة لعام 1988م الذي تم إجراؤه على الكفن يُنظر إليه الآن على أنّه لا أساس له من الصحة وغير صالح:
[77] علق فيلب بال Philip Ball، محرّر العلوم الفيزيائيَّة في Nature.com، قائلًا: “بالطبع، السمتان الأساسيتان في الأهمّيّة الدينيَّة المزعومة للكفن- أنَّه كان يلف جسد يسوع، وأنَّه من أصل خارق للطبيعة- هما بالتحديد هاتان السمتان اللتان لا يمكن للعلم ولا التاريخ إثباتها على الإطلاق”.
Philip Ball, “Shrouded in mystery,” Nature Materials (May 2008) 7:349. His statement is epistemologically misleading! See Gary Habermas, “The Shroud of Turin, Could it be Real?”,
https://www.youtube.com/watch?v=Rh3cmzDSOhk.
[78] يدرس العلماء “الانفجار العظيم” وعلم الكونيات على الرغم من أنَّه- من الناحية التقنيَّة- لا يمكن إثبات أيّ منهما بالمنهج العلميّ. انظر
Alvin Plantinga, “Science and Religion,” The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2014), ed. Edward N. Zalta, http://plato.standord.edu/entries/religion-science/(2014).
[79] لنأخذ على سبيل المثال إدانة سكوت بيترسون Scott Peterson بالقتل. وقد أدانته هيئة المحلفين لقتله زوجته الحامل، لوسي Laci. توصلت هيئة المحلفين إلى “تصديق” الأدلة ضدّه “بما لا يدع مجالًا للشك”. ما هو الدليل بالضبط؟ بناء على دليل الطب الشرعي الوحيد المتمثل في وجود خصلتين من الشعر تم جمعهما من كماشة على قارب زوجها! (“شهد المحققون أنهم أخذوا شعرة واحدة من الكماشة، لكن بعد شهور اكتشفوا خيطين داخل الظرف”). واستند باقي الحكم إلى أدلة ظرفيَّة. يعتقد المؤلف الحالي أنَّ هناك الكثير من الأدلة الماديَّة والعلميَّة لبناء قضية أنَّ كفن تورينو هو قماش الدفن الحقيقي الذي غطى جسد يسوع ذات يوم.
“Hair Strands A Key In Laci Trial, CBS News (September 9, 2004),
[81] بالمعنى الكتابيّ، “الإيمان” ليس الإيمان بما هو غير منطقي ويفتقر إلى الأدلة الداعمة! لا! على العكس من ذلك، فإنَّ “الإيمان” هو الإيمان بشيء يؤكد صحة الأدلة الموثوقة على الرغم من عدم رؤيتها. في العهد الجديد اليونانيّ، “الإيمان” أو “الثقة” (πίστις) هو اسم الفعل “يؤمن” أو “يثق” (πιστεύω). “وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى” (عب 11: 1).
[82] “The Shroud of Turin,” Time Magazine, April 20, 1998
[83] “The Mystery of the Shroud,” National Geographic (June 1980) 157.6:730.
[86] See Jackson, The Shroud of Turin, 79-87, and John P. Jackson, “An Unconventional Hypothesis to Explain all Image Characteristics Found on the Shroud Image” in History, Science, Theology and the Shroud, ed. by A. Berard (St. Louis: Symposium Proceedings) 1991,
[87] في عام 2010م (بعد خمس سنوات من إجراء التجارب)، تمكن فريق من ستة علماء فيزيائيين من ثلاثة مراكز بحثيَّة، باستخدام دفعة قصيرة للغاية من الأشعة فوق البنفسجيَّة من أحدث ليزر إكزايمر قوي، من تحقيق تلوين الجزء الخارجي من ألياف من مادة الكتان يشبه في مظهره صورة الكفن. ومع ذلك، لا يستطيع ليزر واحد وحده تفسير الصورة ثلاثيَّة الأبعاد على كامل طول الجسم. قدر مدير الفريق، للقيام بذلك، أنَّ الأمر سيستغرق 34 تريليون واط من الطاقة القادمة من 14000 ليزر من هذا القبيل ينبعث منها “نبضات ذات فترات أقصر من واحد وأربعين مليار من الثانية”. وأضاف: “الضوء فوق البنفسجي اللازم لتكوين الصورة يتجاوز الطاقة القصوى الصادرة عن جميع مصادر الضوء فوق البنفسجي المتاحة اليوم”. قد يتطلب الأمر “نبضات ذات مدد أقصر من واحد وأربعين من المليار من الثانية، وشدة في حدود عدة مليارات واط”. إذا كانت أكثر التقنيات تقدمًا المتاحة في القرن الحادي والعشرين لا يمكنها إنتاج نسخة من صورة الكفن، فكيف تم تنفيذها بواسطة مزور من العصور الوسطى؟ انظر
[88] انظر رقم 20 أعلاه. هذا هو الشعار وراء موقع المؤلف وعرضه على الكفن المقدس.
[89] See the author’s paper, “’He Saw and Believed!’ Is the Shroud of Turin in the Background of John’s Resurrection Narrative? (John 20:1-10)” at www.theincredibleshroud.com.
[90] See Stalley, “The Sign of Jonah,” op cit. and Stalley, “Is the Image on the Shroud of Turin the ‘Father’s Witness’? (1 John 5.5-13),” at www.theincredibleshroud.com.
[91] See the author’s paper, “One Solitary Sign!” at www.theincredibleshroud.com.
[92] See the author’s two papers, “The Shroud of Turin Served as a Tabernacle During the High-Priestly Ministry of Jesus!” and “Is the Shroud of Turin Foreshadowed in the Transfiguration Story? (Matthew 17.1-9)” at www.theincredibleshroud.com.
[97] هذه حكاية مثيرة للاهتمام. كان Yves Delage أستاذًا في علم التشريح المقارن في جامعة باريس (“السوربون”) وكان لا أدريًّا مقتنعًا. كان مفتونًا بالكمال التشريحيّ للصورة على كفن تورينو. بعد دراسة مفصلة، ذكر أنَّ الأدلة الطبيَّة أقنعته بأنَّ رجل الكفن ليس سوى يسوع المسيح التاريخيّ في العهد الجديد. قوبل استنتاجه برد فعل عنيف من قبل أكاديميَّة العلوم الفرنسيَّة. كان العديد من زملائه غاضبين، وفي عام 1902م رفضت الأكاديميَّة نشر النتائج التي توصل إليها. هذه القصّة رويت من قِبَل
Stevenson and Habermas, Verdict on the Shroud, 33-34, who cite the following two references: John E. Walsh, The Shroud (New York, 1963) and Thomas Humber, The Sacred Shroud (New York, 1977).
عندما يتعلق الأمر بأصالة كفن تورينو، فمن الأفضل أن نفهم وجود حرب روحيَّة (راجع أف 6: 12)! القوى القوية تقاوم بشدة الأشخاص الذين يؤمنون بالمسيح!
[98] هل قام جميع المشاركين الذين شاركوا في اختبار التأريخ C-14 عام 1988م بعملهم كعلماء موضوعيين؟ في يوم الجمعة العظيمة (24 مارس 1989م)، بعد النتائج المنشورة للتجربة، أفاد بيان صحفي في المملكة المتحدة أنَّ 45 من رجال الأعمال و”الأصدقاء الأثرياء” قد تبرعوا بمليون جنيه إسترليني لمختبر أكسفورد، لصالح اثنين من كبار رجال الأعمال. العلماء الذين أشرفوا على التجربة، لإثبات أنَّ كفن تورينو مزيف من القرون الوسطى.
Ian Wilson, The Blood and the Shroud, 185-86, 311; and Joe Marino, Shreds of Evidence (September 23, 2013) at
fn 50 above. For other intriguing and questionable happenings associated with the now infamous experiment, see Harry Gove, Relic, Icon or Hoax? Carbon dating the Turin Shroud (Bristol and Philadelphia: Institute of Physics Publishing, 1996); and Joseph G. Marino, The Politics of the Radiocarbon Dating of the Turin Shroud, in three parts, 2016, at http://newvistas.homestead.com/C-14PoliticsPt1.html.
[99] لا ينبغي التقليل من تأثير التحيزات والدوافع وجداول الأعمال على البيانات والنتائج حتَّى في الأوراق العلميَّة المنشورة والمراجعة. ضع في اعتبارك كيف نُشرت دراستان رئيستان ومؤثرتان مؤخرًا ثم تم التراجع عنهما (واحدة من Lancet والأخرى من قبل مجلة نيو إنجلاند الطبيَّة) بشأن استخدام هيدروكسي كلوروكين لعلاج فيروس كورونا -كوفيد 19:
https://www.nbcnews.com/health/health-news/lancet-retracts-large-study-hydroxychloroquine-n1225091; and https://rightedition.com/2020/06/06/a-second-major-covid-study-is-retracted/.
يحتل مجمع نيقية 325م مكانًا فريدًا في تاريخ الكنيسة المسيحية باعتباره “المجمع الكبير والمقدس” أو “المجمع المسكوني الكبير”، الذي اتخذته كافة المجامع اللاحقة كمعيار رئيس لها. وهذا لأن قانون الإيمان الذي وضعه الآباء في نيقية قد حمى بشكل حاسم الإيمان الرسولي الجامع من أي تحريف مخرِّب للإنجيل، مما أدى في آخر الأمر إلى ضبط وتوحيد فكر الكنيسة كلها وتثبيتها بشكل لا لبس فيه في الإيمان بأن الله الآب كشف عن ذاته من خلال ابنه يسوع المسيح وفي روح واحد[1].
كذلك فإن الارتباط الجوهري بين نص الإنجيل وبين “الإيمان المُسلَّم مَرَّةً للقديسين”[2]، قد ظهر بوضوح في نيقية بطريقة بسيطة وموجزة، حتى إنه صار يُنظر إلى ما حدث في نيقية فيما بعد، برهبة ووقار بكونه عملاً من الروح القدس، الأمر الذي يدعو للدهشة في ظل ما كان قائمًا ـ في ذلك الوقت ـ من تباين كبير في الآراء وفي الصيّغ الإيمانية.
ومع انقضاء القرن الرابع وبقاء وصمود الكنيسة رغم الهجمات الشرسة من قِبل الهراطقة ـ والتي كادت تهدد لب الرسالة الإنجيلية التي اؤتمنت عليها ـ فإن التقليد أخذ يكرِّم قانون إيمان نيقية بصورة متزايدة على أنه هو “التحديد الكنسي غير القابل للتغيير” (imperturbata constitutio)، أو “الحدث العظيم الذي لا رجعة فيه في حياة الكنيسة”[3]، والذي يأتي مباشرةً بعد الأساس الواحد الذي وضعه المسيح نفسه في الرسل والأنبياء[4]، بل إن قانون الإيمان نفسه، كان يخدم ذلك الأساس ويبني عليه ويشاركه ـ بشكل ما ـ في طبيعته غير القابلة للتكرار.
ومما يذكر أن ق. غريغوريوس النزينزي الذي رأس الجلسة الافتتاحية لمجمع القسطنطينية عام 381م كرئيس أساقفة، كتب إلى كليدونيوس أحد كهنة نزينزا يقول: “نحن من جانبنا لم نعتبر ولن نعتبر أي تعليم مفضَّل على إيمان الآباء القديسين الذين اجتمعوا بنيقية لهدم الهرطقة الأريوسية، ونحن بمعونة الله لا نحيد ولن نحيد عن هذا الإيمان، مكمِّلين ما قد تركوه بخصوص الروح القدس”[5].
وكان ق. غريغوريوس النزينزي يُعبِّر عن التقليد السائد، عندما تحدث في “عظته عن أثناسيوس الكبير” ذاكرًا “مجمع نيقية المقدس” واجتماع الثلاثمائة وثمانية عشر رجلاً “المختارين” بكونهم قد “وحَّدهم الروح القدس”[6]. كما كان ق. غريغوريوس يمثل رأي الكثيرين أيضًا، في إعطائه القديس أثناسيوس الدور الحاسم في أعمال المجمع؛ إذ قال: “وعلى الرغم من أنه لم يكن بعد في ترتيب صفوف الأساقفة، إلاّ أنه احتل الترتيب الأول بين أعضاء المجمع، لأن الأفضلية كانت للتميّز بنفس القدر الذي كانت به للمنصب.
وكرجل الله الذي نطق بقوة للحق، حافظ ق. أثناسيوس بلباقة على وحدة اللاهوت إذ علَّم بإخلاص عن الثالوث تعليمًا اشتمل على العلاقات الأقنومية: بغير ضياع للأقانيم الثلاثة في داخل الوحدة، ولا تقسيم للجوهر فيما بين الأقانيم الثلاثة؛ بل ظل ق. أثناسيوس داخل حدود التقوى متجنبًا الميل الزائد أو المعارضة الزائدة لأحد الرأيين”[7].
الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين
كان ق. أثناسيوس يعتبر أن الآباء في مجمع نيقية لم يبتكروا شيئًا جديدًا، بل إنهم تنفَّسوا روح الكتب المقدسة واعترفوا بالإيمان الإلهي والرسولي بدقة شديدة، حتى إنه (أي ق. أثناسيوس) استطاع بعد سنوات كثيرة أن يكتب إلى أساقفة إفريقيا قائلاً: “إن كلمة الرب التي جاءت عن طريق مجمع نيقية المسكوني باقية إلى الأبد”[8]، ولم يكن يعني بهذا أن الله قد أعطى أساقفة نيقية كشفًا جديدًا، بل إنهم كانوا فقط أداة في يد الله، وذلك بتسليمهم (لمن بعدهم) ـ بشكل صادق وأمين ـ كلمة الله ذاتها، وهي عينها التي كانوا قد تسلَّموها بأنفسهم من تعاليم الرسل في الكتب المقدسة فيما يتعلق بالله الآب والابن والروح القدس.
وفي الواقع كان التقليد الرسولي، والتعاليم المعطاة في الكتب المقدسة، بالنسبة للقديس أثناسيوس شيئًا واحدًا تمامًا، حيث لا يوجد عدة تقاليد “للحق” سواء مكتوبة أو غير مكتوبة، بل هو التقليد الواحد المتضمَّن في الكتب المقدسة المُعترف بها، وهو إيمان الكنيسة الحقيقي الذي تسلَّموه، والذي كان عليهم أن يحافظوا عليه ويسلِّموه مرة أخرى[9].
هكذا فهم ق. أثناسيوس عمل الآباء بمجمع نيقية المسكوني، لذلك كتب لأساقفة إفريقيا في خطابه المجمعي لهم يقول: “إن الإيمان السليم المُعطى لنا من المسيح والذي أعلنه الرسل، قد سلَّمه للأجيال التالية الآباء الذين اجتمعوا في نيقية من كافة أنحاء العالم”[10].
وعندما أُثير التساؤل حول التعليم الرسولي التقليدي عن الروح القدس، أصر ق. أثناسيوس على ضرورة وضع تقليد وتعليم وإيمان الكنيسة الجامعة في الاعتبار من البداية، هذا الذي أعطاه الرب، وأعلنه الرسل، وحافظ عليه الآباء. وقد استطاع ق. أثناسيوس، وهو يتحدث عن نفسه، أن يقول: “طبقًا للإيمان الرسولي المُسلَّم لنا من الآباء بواسطة التقليد، فإني قد سلَّمت التقليد بدون ابتكار أي شيء خارجًا عنه.
وما تعلَّمته هذا قد سجلته وفقًا للكتب المقدسة”[11]. فالمهم كان هو تقديم الكتب المقدسة بدقة وبإخلاص، بالإضافة إلى تناول التقليد بأمانة[12].
وكان ق. أثناسيوس دائم الإشارة إلى قانون إيمان نيقية على أنه “الإيمان الذي اعترف به الآباء بنيقية” طبقًا للكتب المقدسة وتقليد الكنيسة السليم، وكان يقول عنه إنه هو هو “الإيمان المسلَّم من مخلِّصنا بواسطة رسله”، وقد اعتبر أن صياغة قانون الإيمان كانت في الأساس عملاً إيمانيًّا ورعًا ومخلصًا قام به المجمع المسكوني “باعتباره في حضرة الله”[13].
هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة
لقد كان هناك سببان لانعقاد مجمع نيقية: أولاً التوصل إلى اتفاق مسكوني حول يوم الاحتفال بعيد القيامة، وثانيًا الحكم على الهرطقة الأريوسية التي كانت تخل بتناغم الكنيسة، إلاّ أن نوع القرار الذي اتخذه المجمع في كل حالة ـ كما أوضح ق. أثناسيوس ـ كان مختلفًا تمامًا. فبالنسبة لعيد القيامة، كتب الآباء: “يبدو حسنًا ما يلي”، لأنه كان بالفعل يبدو حسنًا أن يكون هناك اتفاق عام.
ولكن بالنسبة للإيمان فإنهم لم يكتبوا “يبدو حسناً”، بل كتبوا: “هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة”، ليؤكدوا بذلك أنهم إنما كانوا يعترفون بما يؤمنون به، ولكي يبيِّنوا أن آراءهم ليست جديدة بل هي تعاليم رسولية، وأن ما كتبوه لم يكن اكتشافًا من عندياتهم، بل كان هو نفسه ما علَّم به الرسل[14].
بل والأكثر من ذلك، أن آباء نيقية عبَّروا عن هذا التعليم بدقة شديدة لدرجة أن كل من يقرأ هذه النصوص بأمانة، فإنها لا بد وأن تعيده إلى التقوى والإيمان بالمسيح (εις Χριστὸν ευσέβειαν) المُعلَن عنه في الكتب المقدسة[15]. أي أن قانون إيمان نيقية ينبغي أن يُفهم كصياغة كرازية للإيمان، حسب مبادئ الإنجيل الأولى البسيطة، لأن الإيمان الذي سُلَّم للكنيسة مرة واحدة يمكن تسليمه فقط بالإيمان، من إيمانٍ إلى إيمان[16].
ومن الواضح أن ق. أثناسيوس كان يرى أن مجمع نيقية ـ من خلال اعترافه بالإيمان بشكل موجز وبسلطان مسكوني ـ قد حقق الغرض الذي كان قد تصوره هو نفسه قبل المجمع، والذي ذكره في بيانه عن”أساس الإيمان” (κεφάλαιον τη̃ς πίστεως)، ألا وهو إدراك العمل الخلاصي لابن الله المتجسِّد[17]، مرتبطًا بدراسة الكتب المقدسة وبفهم أعمق لرسالتها[18].