علم الآباء 3 – صور وتصنيف كتابات الآباء

علم الآباء 3 –  صور وتصنيف كتابات الآباء

علم الآباء 3 –  صور وتصنيف كتابات الآباء

صور كتابات الآباء

تنوّعت الصور التي استخدمها الآباء في التعبير عن موضوع كتاباتهم على حسب الصورة التي تخدم المؤمنين؛ فلم يكن اهتمامهم يرجع للصورة الأدبيّة للنصوص المكتوبة بل استخدموا الرسائل، المواعظ، النصوص، الشعر كما يأتي:

  1. الرسائل:

تركّزت أكبر صورة لكتابات الآباء على الرسائل، التي أخذت أكبر قدر من كتاباتهم، ونحن بصدد الحديث عن كتابات الآباء، نوضح أنها لم تكن بهدف الكتابة فقط، فقد كان لكل رسالة هدف واضح لأجل بناء الكنيسة ونفع المؤمنين، في إما تعالج مشكلة في الكنيسة، مثل رسالة القديس أكْلِمَنْضُس الروماني على كنيسة كورنثوس، والتي تعالج موضوع الانقسام الحادث عندهم، أو للرد على أسئلة صعبة سواء في التفسير أو في اللاهوت، أو بهدف التعليم، إذ أن رسائل الآباء مملوءة بالتعاليم النافعة.

ويمكن تصنيف الرسائل إلى الآتي:

  • رسائل موجّهة لحكام.
  • رسائل لتنظيم الكنيسة.
  • رسائل للرد على البدع والهرطقات.
  • رسائل لاهوتية.
  • رسائل تعليمية.
  • رسائل في تنظيم الحياة الاجتماعية.
  • رسائل فِصْحِيّة.
  • رسائل تعزية.

وقد كان هناك تقليد قديم استمر إلى عهد قريب، ألا وهو: أن يكتب الآباء أو الأب البطريرك رسالة في عيد القيامة “عيد الفصح” تُقرأ في الكنائس كلها، تحقيقاً لمبدأ الوحدانية الكنسية والتعليمية والرعويّة.

من أشهر الآباء الذين كتبوا رسائل:

القديس أثناسيوس الرسوليّ (328 -373م):

كتب القديس أثناسيوس الرسوليّ فصحية، كما كتب أربعة رسائل للقديس سيرابيون في ألوهية الروح القدس عام 359م، كما كتب رسائل عقائدية في تعاليم ديونيسيوس عام 352م، وفي قوانين مجمع نيقية عام 350، 351م، كما كتب رسالة عامة إلى الأساقفة 340م، كما كتب رسائل أخرى.

القديس غريغوريوس النزينزي (329 -390م):

وهو من أول مؤلف باليونانية ينشر رسائله، وذلك بناء على طلب نيكوبولس Nicobulus حفيد أخته جورجونيا، بغير قصد وضع نظرية “كتابة الرسائل”، إذ طلب أن تكون قصير وواضحة ولطيفة وبسيطة… (رسالة 51، 54).

وقد كتب غريغوريوس رسائل عديدة وصلنا منها (245) رسالة أكثرها شخصية، لذويه وأصدقائه لبعضها أهمية لاهوتية، خاصة الرسالتين إلى الكاهن كليدونيوس نحو 382م وفيها الرد على الأبوليناريين، اعتمد منهما مجمع أفسس 431م مقطعاً كبيراً. كذلك الرسالة إلى نكتاريوس الذي خلفه على كرسي القسطنطينية وكان سابقاً لذهبيّ الفم، لكي يحض الإمبراطور ثيودوسيوس على محاربة الهراطقة، فاستجاب الإمبراطور وحظر على الأريوسيين عقد الاجتماعات ورسامة الأساقفة[1]. قد تبادل الرسائل ليُعبر عن أفكاره ومواقفه، ولكي يُجيب أيضاً على أسئلة كنسية واجتماعية…

وتُعد هذه الرسائل صورة صادقة عن إنسان شريف لا يتردد في قول الحقيقة، وتتحلى رسائله بالإيجاز والتماسك والجمال[2].

القديس باسيليوس الكبير (330 -379م):

كتب رسائل عددها (366) رسالة، في الفترة ما بين (357 -379م)، وهي توضح صوراً كثيرة، وتحتوي على مواضيع عديدة مختلفة حول الحياة النسكية والرهبانية والصداقة والمحبة[3].

تحمل رسائل القديس باسيليوس أهمية كبيرة إذ تنطوي على موضوعات لاهوتية وتاريخية ونسكية، وهي تكشف عن أخلاق وطباع كاتبها الذي وإن كان يقسو أحياناً لكنه لا يلبث أن يلين في فيض من الروحانية[4].

القديس أغسطينوس (354 -430م):

كتب أكثر من 270 رسالة، من (386 إلى 429م)… لجهات مختلفة، بعضها يحوي أبحاثاً فلسفية ولاهوتية ورعوية عملية أهمها التي وجهها إلى جيروم[5]. ونذكر من بين هذه الرسائل:

  • حرية الإرادة (388 -395).
  • التعليم المسيحيّ (397 -426).
  • في المعمودية ضد الدونابيين (401).
  • في النعمة ضد بيلاجيوس (415).
  • في الثالوث (399 -419).
  1. المواعظ:

العظة في القرن الثالث تميزت بالاتجاه إلى البحث عن التوازن والمنهجية، في تُشكل مرحلة انتقالية بين طابع العظة الخاريزماتيكي، والعفوي كما في عصر الرُسل وعصر الآباء الرسوليين، إلى القرن الثالث.

أخذ الوعظ في الكنسية وضعه في القرنين الرابع والخامس، مع انتشار المدارس الفلسفية وظهور مدرسة الإسكندرية بمُعلّميها، والحاجة إلى خطاب كنسي قوي لبنيان المؤمنين، ولمواجهة احتياجات الحوار مع المثقفين الوثنين من الخارج ودحض البدع والهرطقات من الداخل. ومن ثم ارتفع مستوى ثقافة الإكليروس والشعب[6]، إذ كان يركّز على التعاليم العقائدية لمواجهة الهرطقات.

وكانت العظات تشمل تفاسير للكتاب المقدس، مثل تفسير القديس أُغسطينوس للمزامير، الذي كان عبارة عن مجموعة عظات، كذلك تفاسير القديس يوحنا ذهبيّ الفم، معظمها عظات في الأعياد…

كذلك القديس إغريغوريوس النزينزي له 45 عظة قدمها في أهم فترة في حياته من 379 -381م، حينما كان أسقفاً على القسطنطينية، جاذباً أنظار العالم إليه.

  1. نصوص عقائدية وليتورجية:

في القرون الأولى للكنسية كانت هناك نصوص خاصة بكل كنيسة محليّة، تتضمن بنود الإيمان وصلوات الليتورجيات المختلفة… ورغم أنّها كانت خاصة بكل كنيسة، إلا أنها كان لها مضمون واحد ومحتوى عقيدي وروحي واحد.

بعد المجامع المسكونية وإقرار قانون الإيمان النيقاويّ القسطنطينيّ، أصبح هناك نصّ واحدٌ لإيمان الكنيسة الجامعة في كل مكان، وفيما يخص الليتورجية كان هناك ليتورجيات كثيرة، ولكن كل منها تشتمل على عناصر أساسية مشتركة؛ على مثال ما فعله السيد المسيح في تأسيس سر الإفخارستيا للتلاميذ، مثل: الشكر، التسبيح، الطلبات، التعليم…

وتُعدٌ أشهر الليتورجيات هي: ليتورجية القديس باسيليوس أسقف قيصرية كبادوكية في آسيا الصغرى (القرن الرابع)، وليتورجية القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات النزينزيّ (القرن الرابع)، وليتورجية القديس كيرلس عمود الدين (القرن الخامس).

كما كانت هناك ليتورجيات المعمودية، وقد تحدّث ابن العسّال في “المجموع الصفوي” عن التعميد، من جهة أحكامه والقوانين المتعلّقة به والصلوات الخاصة به، ففصّل أحكامه وأورد القوانين المتعلّقة به، ثم قال: “قد وضع في البيعة القبطية كتاب خاص بالتعميد مشتق من القوانين، مُشتمل على كيفية التعميد وجميع الصلوات المخصوصة به والاعتماد عليه في ذلك. ويجب التحرُز العظيم فيه[7].

هناك أيضاً ليتورجيات خاصة بترتيب صلوات وطقوس رسامة وتكريس كل من الأب البطريرك والأسقف والمطران والقس والإيغومانس (القُمصّ) والشماس والرهبان والراهبات ورئيسة الراهبات…، وأيضاً تحوي شروط وكفاءات المتقدّم للرسامة في كل درجة من الدرجات كما تشرح وتفسر بعض القوانين وتدعم بعض التحديدات والتحريمات فيها[8].

كذلك ليتورجية خاصة بصلوات سر الزيجة، ثم كتب صلوات تدشين الكنائس، وعمل الميرون المقدس، وتبريك المنازل الجديدة، وقدّاس اللقان، وتقديس زيت مسحة المرضى، وباقي الأسرار الكنسيّة.

  1. الشعر:

وقد كتب آباء كثيرون بطريقة شعرية، ويشمل ألحان الكنيسة بنغماتها الأصلي، وتُعد الإبصلمودية بما تحتويه، من وضع الآباء، ويُطلق عليها شعر ليتورجي، وقد وجد شعر كنوع آخر يسمّى “الشعر غير الليتورجي، وهو شعر تأمليّ روحي، بشرط أن تتفق هذه الأشعار مع العقيدة الأرثوذكسية.

من أشهر الآباء الذين كتبوا بلغة شعرية:

القديس مار أفرام السرياني (203 – 273م):

كان القديس مار أفرام السرياني غزير الإنتاج فوق العادة حيث يذكر مؤلف “الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة”[9]، 12 ألف قصيدة، 550 مدراشاً، وغير ذلك الكثير من الصلوات والابتهالات[10].

يعد من أشهر مَن كتب شعراً كنسيّاً حيث دُعي قيثارة الروح، واستخدم أناشيد عقائدية قاوم بها الهرطقات، وإذ رأى أحد الهراطقة قد ألّف (150) نشيداً تحمل عقائد خاطئة يترنم بها الشعب، ألّف هو أيضاً (150) نشيداً بذات النغم مع استقامة الإيمان وعذوبة الأسلوب وقوته، فحلّت محل الأناشيد الأولى[11].

وتظهر كتاباته الشعرية فيما يعرف بالميامر: وهي مواعظ شعرية على بحر واحد، تتناول العقيدة والأخلاق المسيحية، وقد نشر قسماً كبيراً منها المستشرق أدموند بك في (مجموعة الكتبة المسيحيين الشرقيين CSCO)[12] في لوفان، ينصها السرياني مع ترجمة ألمانية أو لاتينية، وكان قد نشر ميامر عن الإيمان رقم 212/213 سنة 1961، وأخرى عن ربنا رقم 270/271 سنة 1966، وميامر عن أسبوع الآلام رقم 412/413 سنة 1979. كما نشر “كرافن” ميامر عن المائدة (الإفخارستيا) في الشرق السريان عدد 4 سنة 1959، وميمراً عن نيقوديموس نشره “ش. رينو” في الباترولوجيا الشرقية مجلد 37 جزء 2 سنة 1975.

وبجانب الميامر هناك المدرايش: وهي ترانيم منظومة على أوزان الشعر المختلفة، ومُلحّنة وتدور حول مواضيع كتابية وإيمانية وأخلاقية، وكانت جوقته الكنسيّة تنشد معظمها خلال الصلوات الدينية والاحتفالات.

القديس غريغوريوس النزينزي (329 -390م):

له قصائد شعرية كتبها في أواخر حياته، وفي خِلْوته بأرينز [13]Arianzum، ولم يبق منها سوى (400) قصيدة، في أحدها سجل لنا سبب اتجاهه للشعر في أواخر حياته، ألا وهو: ليعبر عن إحساسه وخبرته وليقدم للشباب ومحبي العلم والقراءة، لإظهار أن الثقافة المسيحيّة الجديدة ليست أقل من الثقافة الوثنية بأية حال، وليقاوم قرار يوليان، ولأن بعض الهرطقات كالأبولينارية تستخدم القصائد في نشر أفكارها، لهذا استخدم ذات السلاح للرد عليها.

وقد جاءت بعض قصائده لاهوتية، فقد كتب 38 قصيدة عقائدية في الثالوث، وعمل الله، والعناية الإلهية، والتجسد، ومعجزات السيد المسيح، كما كتب 40 قصيدة أخلاقية و99 قصيدة تاريخية، وهناك قصائد تعبّر عن نفس دقيقة تطلب الراحة في أحضان الله، وأخرى كلاسيكية في لغتها، فقد استخدم لغة هوميروس، التي لسبب صعوبتها لم تحتل مكانة كبيرة لدى الشعب، وشعره مصدر مهم عن حياته[14].

القديس أمبروسيوس (339 -397م):

يعتبر القديس أمبروسيوس “أبا الترنيم الكنسي اللاتيني” وهو أسقف ميلان وقد ترك تراثاً ثميناً، فمن جانبه اهتم بتنظيم العبادة الليتورجية العامة في ايبارشيته، حيث تحتل أناشيده جزءاً مهماً في صلوات السواعي في الكنيسة اللاتينية، فهي تخاطب القلب وتلائم ساعات النهار والأعياد، وتتسم بخفة الأوزان الشعرية[15]. فقدم تدبيراً ليتورجياً جميلاً يعتز بها أهل ميلان.

كما أدخل نوعاً من الموسيقى الكنسية دُعيت بالإمبروسية Ambrosian كلها ذات أوزان شعرية قصيرة ولها نغمة واحدة وهي غير مقفاة، ففيها تعبير هادئ ثابت وسلاسة ووضوح في الكلام، ولها خاصية الهيبة والوقار التي في لغة القانون والحرب، تختلف عن الكلام العامي للشعب، ويخُبرنا القديس أمبروسيوس والقديس أغسطينوس أن الشعب كان يترنم بها أثناء العمل وفي الطريق وفي المنزل، كما كانت تُنشدها مجموعات كبيرة في داخل الكنيسة[16].

القديس أغسطينوس (354 -430م):

كتب القديس أُغسطينوس (6 كتب) عالج فيها الإيقاع، كما كتب “مزمور ضد الدوناتيين” في 30 مقطعاً، كما كتب منظومة سداسية في النفس[17].

القديس ساويرُس بطريرك أنطاكية (459 -538م):

اهتم بالترنيم، كأب نزل إلى أبنائه الصغار ليضع لهم ترانيم بسيطة، وكان يؤلف الألحان ويرنمها وبهذا أحل الترانيم المقدسة عوض الأغاني المعثرة.

قيل إنه في أيامه كانت الميادين العامة تشبه الكنائس، إذ كان صوت الترانيم والتسابيح المقدسة يُسمع فيها عوض الأغاني العابثة[18].

  1. التفاسير:

أسهب الآباء في شرح وتفسير آيات الكتاب القدس بمناهج مختلفة، فقد كتبوا ووعظوا بما لا يستطيع أحد أن يحصره. كما سنرى

  1. القوانين الكنسية[19]:

تناولت كتابات الآباء أيضاً وضع قوانين، تعتمد أساساً على الكتاب المقدس وتعاليم الرسل، لتنظيم وضبط الحياة الكنسية، وأهم هذه الكتابات:

  1. الدسقولية:

تحوي على تعاليم وقوانين الرسل، ويلحق بها الديداكي (تعاليم الرب كما سلمه للرسل الاثني عشر)، وتسمل الدسقولية (28) باباً تختص بعمل كل رتب الإكليروس، وبناء الكنائس، والقدس الإلهي، وخدمة الأرامل والأيتام والشمّاسات والعلمانيين، وفيها تعاليم عن الصوم والتناول والتسبيح وأوقات الصلاة.

أما قوانين الرسل فهي (127) قانوناً نشرتها Potrologia Orientalis في كتابين، ولخصها القديس Hippolytus في مجموعته التي تُسمّى بالعربية “قوانين أبوليدس”، كما أرسلت على يد أكلمنضس الروماني، وسُميت في بعض المجموعات قوانين أكلمنصس.

  1. قوانين المجامع المسكونية والمحلية:

وتشمل قوانين مجمع نيقية المنعقد سنة (325م)، وهي عبارة عن (20) قانوناً، يضاف إليها قانون الإيمان، وقوانين مجمع القسطنطينية المنعقد سنة (381م) وهي (7) قوانين، يضاف إليها حروم القديس كيرلس عمود الدين ضد النساطرة وهي (12) حرماً.

  1. قوانين المجامع المحلية والإقليمية:

وهي المجامع التي انعقدت في إقليم ما، واقتصرت على أساقفة هذا الإقليم أو عدة أقاليم مجاورة، ولكن دون أن تأخذ صفة المسكونية، ولكن قوانينها حازت قبولاً واعترافاً من الكنيسة الجامعة، وهذه المجامع انعقدت قبل مجمع خلقيدونية سنة 451م وتشمل:

† مجمع أنقرا (سنة 314م) وأصدر 25 قانوناً

† مجمع قيصرية الجديدة (سنة 315م) وقد أصدر 15 قانوناً.

وكلا المجمعين السابقين قبل مجمع نيقية، وهناك مجامع إقليمية بعد نيقية، منها:

  • مجمع غنغرا وأصدر 20 قانوناً.
  • مجمع أنطاكية وأصدر 25 قانوناً.
  • مجمع سرديقية وأصدر 20 قانوناً.
  • مجمع لاوديكية وأصدر 60 قانوناً.

† مجمع قرطاجنة الذي يُسمى مجمع أفريقيا الذي انعقد سنة 419م وأصدر 136 قانوناً، وقد حضره 217 أسقفاً برئاسة القديس أورويسيوس كما حضره القديس أغسطينوس.

  1. قوانين الآباء الكبار:

وهي القوانين التي أصدرها الآباء القديسون، وغالبية هذه القوانين منشورة في الجزء الرابع عشر مجموعة Nicene & Post Nicene Fathers

  1. قوانين وضعها البابا ديونيسيوس الإسكندري (تنيح سنة 265م): 4 قوانين.
  2. قوانين وضعها البابا بطرس الإسكندري الملقب بخاتم الشهداء (استشهد 311م): 14 قانوناً.
  3. قوانين وضعها البابا أثناسيوس الإسكندري الملّقب الرسولي (328-272م): 107 قانوناً.
  4. القديس باسيليوس الكبير رئيس أساقفة الكبادوك (329 -279م): 106 قانوناً (وفي بعض المراجع 92 قانوناً).
  5. البابا تيموثاوس الإسكندري (تنيح سنة 355م): 17 قانوناً.
  6. القديس غريغوريوس أسقف نيصص (355 -395م): 8 قوانين.
  7. البابا ثاوفيلس الإسكندري (384 -412م): 14 قانوناً.
  8. هيبوليتس أسقف روما الملقب أبوليدس (170 -235م): 38 قانوناً.
  9. البابا كيرلس الإسكندري الكبير (412 -444م): 12 قانوناً.

10.القديس يوحنا ذهبي الفم بطريرك القسطنطينة (347-407م) 12قانوناً.

 القوانين التي صدرت في عصور متأخرة مثل قوانين البابا كيرلس بن لقلق، وقوانين البابا غبريال بن تريك، وقوانين وضعها بابوات كنيسة الإسكندرية (بعد مجمع خلقيدونية) وهي مُلزمة للكنسية القبطية فقط:

  1. البابا قزمان الثالث (920 – 932م)، والذي وضع فصولاً في المواريث وأحكامها.
  2. البابا خريستوذولوس (1047 -1077م).
  3. البابا كيرلس الثاني (1078 -1092م).
  4. البابا غبريال بين تريك (1131 -1145م).
  5. البابا كيرلس الثالث الملقب ابن لقلق (1235 – 1243م).

وهناك مَنْ اهتم بجمع القوانين، ومن أهمهم ابن العسال في كتابه “المجموع الصفوي”، لكن عليه ملاحظات وانتقادات[20].

تصنيف كتابات الآباء

لدراسة كتابات الآباء بصورة منظمة، تطلّب ذلك تصنيف كتابات الآباء على أُسس محددة، وقد اتبع طرق مختلفة أهمها:

1 – الأساس الزمني:

الأساس الزمني لتقسيم كتابات الآباء وفيه يعتبر أول مجمع مسكوني (325م) خطاً فاصلاً بين نوعين من الآباء ومن جهة كتاباتهم وتراثهم وهما:

مجموعة أباء ما قبل نيقية Ante Necene Faghers، ويشمل (24) مجلداً، وهي تتصف بالبساطة وتضم جميع كتابات آباء ما قبل القرن الثالث الميلادي.

عصر نيقية وما بعد نيقية Nicene and Post Nicene Fathers وهي تتسم بالقوة، وتضم كتابات القديس أغسطينوس ويوحنا ذهبي الفم، كما تضم كتابات آباء القرن الرابع مثل كتابات القديس أثناسيوس والقديس غريغوريوس النزينزي والقديس كيرلس الأورشليمي ويوسابيوس القيصري….

2 – اللغة التي كتبوا بها:

 تُقسم كتابات الآباء على أساس اللغة التي كتبوا بها إلى: آباء يونانيون، آباء لاتينيون، آباء أقباط، آباء سريان، آباء أرمن، وقد قام العالم Migne بمجهود كبير في تقسيم كتابات الآباء لمجموعتين:

  1. كتابات الآباء باللغة اليونانية (Patrologia Greece).
  2. كتابات الآباء باللغة اللاتينية (Patrologia Latina).

هذا إلى جانب كتابات باللغات القومية مثل القبطية والسريانية والأرمنية، هذا وقد تُرجمت كتب كثيرة من هاتين المجموعتين إلى اللغات الحديثة.

3 – المكان:

يقسم البعض، الكتابات حسب المناطق:

  1. كتابات آباء مصر، خاصة مدرسة الإسكندرية وآباء البرية.
  2. الآباء الأنطاكيون.
  3. الآباء الكبادوك.
  4. الآباء اللاتين.

كل مجموعة تحمل فكراً خاصاً واهتمامات خاصة تُنسب للظروف المحيطة بها، لذا جاءت كتابات كل منها إلى حد ما بطابعها الخاص.

4 – مادة الكتابة:

أحياناً يقوم التقسيم حسب مادة الكتابة كالآتي:

  1. كتابات دفاعية.
  2. تفسير الكتاب المقدس.
  3. عظات ومقالات.
  4. رسائل.
  5. ليتورجيات كنسية.
  6. كتابات شعرية وتسابيح.
  7. حوار.
  8. نسكيات.
  9. قوانين كنسية.
  10. كتابات تاريخية.

5 – تقسيم عام يمثل مزيج للتصنيفات السابقة:

وهو الأكثر استخداماً عنج معظم الباحثين، وعليه يمكن تقسيم كتابات الآباء إلى:

عصر بداية كتابات الآباء:

وتشمل كتابات الآباء الرسوليين والآباء المدافعين وآباء القرنين الثاني والثالث مثل:

  1. رسائل أكلمنضس الروماني: الرسالة الأولى إلى الكورنثيين سنة 96م، الرسالة الثانية المسيوبة إلى أكلمنضس، رسالتان عن البتولية.
  2. رسائل أغناطيوس الأنطاكي السبع إلى كنائس آسيا حتى سنة (107م)
  3. رسالة القديس بوليكاريوس أسقف أزمير إلى كنيسة فيلبي حوالي سنة (156م).
  4. كتاب الـ” ديداكي: تعليم الرب للأمم بواسطة الرسل الاثني عشر”.
  5. كتابات الكُتاب المعاصرين للآباء الرسوليين: الرسالة المنسوبة لبرنابا حوالي سنة (100م)، بابياس سنة (130م)، كتاب الراعي لهرماس (القرن الثاني).

وترجع أهمية هذا العصر إلى:

  1. كتابات الآباء الرسوليين في القرن الأول وبداية الثاني، بكونها بداية انطلاق للتراث خلال من تتلمذوا على يدي الرسل.
  2. بدراسة كتابات آباء هذه العصر نعرف أن ما نعيشه الآن من عقيدة وطقس…هو من أيام الآباء الرسل، الذين سلموها لتلاميذهم وهكذا بالتتابع. فهو “الإيمان المسلم مرة للقديسين” (يه 3)، فهذا العصر هو عصر بدء القوانين الرسولية والشكل الليتورجي، حيث كانت الكنيسة تحتاج إلى هذا النظام لتمارس حياتها التعبدية ووجود دستور لسلوكها.
  3. فرزت الكنيسة الكتب الأبوكريفا عن الأناجيل وبقية أسفار العهد الجديد القانونية.
  4. نَظم المسيحيون الأوائل شعراً للتسبيح للتعبير عن مشاعر حبهم لله مخلصهم.
  5. كتب بعض أبنائها سير الشهداء، فظهرت أول أعمال الشهداء.

كتابات الآباء المدافعين:

كتابات الآباء المدافعين Apologists ليست هي كتابات هجوم، ولكن في الحقيقة هدفها الأساسي جذب غير المؤمنين للتمتع بعمل الله، مثل دفاع أثيناغوراس الذي قدمه للإمبراطور وابنه، حيث ذكر فيه النقاط التي يتهمون بها المسيحيين، ثم قدم دفاعه عن هذه النقاط. أو ما جاء في الرسالة إلى ديوجينتيس: “إن رغبت أن يكون لك هذا الإيمان… فيا ليتك تُطهر عقلك من التعصّب الذي يمنعك من التفكير.

وأهم المدافعين هم:

أ – كودارتس (124م).

ب – أرستيدس من أثينا (125م).

ج – أرستو بيللا (140م).

د – يوستينوس الشهيد (165م).

ه – تاتيان السوري (172م).

و – أبوليناروس من هيرابوليس (172م).

ز – أثيناغوراس (177م).

ح – ثاؤفيلوس الأنطاكي (حوالي 180م).

ط – ميليتو أسقف ساردس (190م).

ي – ملتيادس (192م).

ك – مينوكيوس فيلكس (200م).

ل – هرمياس الفيلسوف (200م).

آباء القرنين الثاني والثالث:

كانت الإسكندرية أكبر مركز للثقافة الهيلينية، تشتهر بمدارسها الفلسفية مثل الموزيم (المتحف)، ولهذا رأت الكنيسة منذ عهد القديس مارمرقص الرسول، أن تجابه هذه الثقافة الوثنية بإنشاء مدرسة مسيحية قادرة على مواجهة التيار الهيليني القوي، فظهرت مدرسة الإسكندرية التي اشتهرت بآبائها الذين لمعت أسماؤهم في الشرق والغرب.

كما ظهر آباء في أسيا الصغرى وسوريا وفلسطين، ومن أشهر المدارس في الشرف كانت مدرسة أنطاكية، التي تبنت التفسير الحرفي للكتاب المقدس، كمقابل لمدرسة الإسكندرية التي اشتهرت بالتفسير الرمزي، كما ظهرت مدرسة قيصرية.

بدأ الأدب اللاتيني المسيحي على يدي مينوسيوس فيلكس وهيبوليتس الروماني ونوفاتيان وسائر أساقفة روما.

ومن مشاهير هذا العصر كان: إيريناوس أسقف ليون (140 -202م)، أكْلِمَنْضُس الإسكندرية (150 -210م)، أوريجانوس (185 – 254)، ديونيسيوس الإسكندري (264م)، غرغوريوس العجائبي (213 – 270)، ميثوديوس الأولمبي (نهاية القرن الثالث)… من الشرق، وترتليان (220)، كبريانوس أسقف قرطجنة (200 -258)، هيبوليتوس الروماني (160 -235)، أرنوبيوس (280 -310) من الغرب.

آباء القرنين الرابع والخامس:

تعتبر فترة ما بين نيقية سنة (325م) ومجمع خلقيدونية سنة (451م) هي العصر الذهبي للكتابات الآبائية الشرقية، ويسمونه عصر نيقية وما بعد نيقية Nicene and post Nicene Fathers، من سمات هذا العصر:

† ظهور كتابات البابا ألكسندروس الذي واجه أريوس المبتدع، والبابا أثناسيوس الرسولي، وسيرابيون أسقف تيمي، وديديموس الضرير، والبابا ثاوفيلس، والبابا كيرلس عامود الدين… في مصر.

† كما ظهرت كتابات مؤسسي الحركة الرهبانية في مصر، وكتابات من جاءوا إلى مصر ليمارسوا الحياة الرهبانية ويسجلوا أقوال آباء البرية في مصر، مثل أنبا أنطونيوس الكبير وأمونيوس باخوميوس أب الشركة وهوريسيوس وتادرس ومقاريوس المصري وأغريس من بنطس وبالاديوس وإيسيدورس الفرمي أو البلوزي والقديس الأنبا شنودة بأتريب.

† في أسيا الصغرى نجد يوسابيوس النيقوميدي وثيؤحنيس من نيقية وأوستيرس السوفسطائي ومارسيليوس بأنقرا وياسيليوس بأنقرا، وإبيفانيوس أسقف سلاميس…

† ظهر آباء الكبادوك العظام مثل القديس باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزي وغريغوريوس أسقف نيصص وأمفيلوجيوس أسقف إيقونيم وأوستيروس من أماسي.

† في أنطاكية وسوريا أوستاثيوس الأنطاكي وأتبوس الأنطاكي وأونوميسوس من Cyzicus  وجلاسيوس القيصري ويوسابيوس من أمسيا، ومار أفرام السرياني، ومار فليكسنوس أسقف منبج، وساويرُس الأنطاكي، مار إسحق السرياني، القديس يوحنا الدرجي.

† ظهر كيرلس الأورشليمي وأبوليناريوس من لادوكيا وإبيفانيوس أسقف سلاميس وديؤدور الطرسوسيّ وثيؤودور من المصيصة ويوحنا ذهبي الفم وأكاكيوس من Beroea وأنتيخوس من بتللاميس وسيرفيان من جبالة ومقاريوس ماجنيس وهستخيوس الأورشليمي ونيلس من أنقرا ومرقس الناسك وبروكليس من القسطنطينية وباسيليوس من سيليكا.

† وفي الغرب ظهر هيلاري أسقف بواتييه، وأمبروسيوس أسقف ميلان، وجيروم، وروفينوس، ويوحنا كاسيان، والبابا غريغوريوس الكبير.

† ظهر أيضاً المؤرخون الكنسيون مثل فيليب Philip Sidetes وسقراط وسوزومين وثيؤدورت أسقف قورش.

كتابات ما بعد مجمع خلقيدونية:

إذ عزل مجمع خلقيدونية الشرق عن الغرب إلى حد ما، جعل الكنائس اللاخلقيدونية تهتم بالكتابة عن طبيعة السيد المسيح، وقد برز قادة عظماء في هذا المجال. يقول ميندورف: “خلال النصف الثاني من القرن الخامس والنصف الأول من القرن السادس، قد ساد اللاهوتيين (المونوفزيت) على المسرح، وهم ثيموثاوس أوليروس وفيلكسينوس أسقف منبج Manbbug، وعلى وجه الخصوص ساويرس الأنطاكي، ولم يكن لدى الخلقدونيين لاهوتي واحد بارز يقف أمامهم”[21].

بعد دخول العرب مصر والشرق الأوسط تحوّل اهتمام الكُتاب الشرقيين إلى الحوار مع المسلمين، وجاءت القرون من (11-13) غنية بالتراث المسيحي المصري في ذلك المجال، أما الكنائس الخلقيدونية فواجهت مشاكل مثل محاربة الأيقونات، وانبثاق الروح القدس….

[1] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة القرون الأولى – القمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 223.

[2] راجع تاريخ الكنيسة المسيحية، أفغراف سميرنوف، سنة 1964، مطرانية حمص، ص 302.

[3] الأب جوزيف زبارة – القديس باسيليوس الكبير، إصدار جمعية التعليم المسيحي بحلب.

[4] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 218.

[5] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 273، 274.

[6] البروفيسور يوأنس فندولي – علم الوعظ – تعريب – القمص أثناسيوس اسحق حنين – مجلة الكرمة 2008 – ص 131.

[7] القديس صليب سوريال –دراسات في القوانين الكنسية الكتاب الرابع –في كتاب المجموع الصفوي لابن العسال-1992-ص46.

[8] أحد رهبان برية القديس مقاريوس – التدبير الإلهي في بنيان الكنيسة – الطبعة الأولى 2001 – ص 50-58.

[9] الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة – المجلد الأول – مار إغناطيوس أفرام الأول برصوم بطريرك انطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس، حمص 1940م.

[10] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 173.

[11] لويس ساكو، القديس أفرام، اللاهوت هو صدى للإنجيل، مجلة الفكر المسيحي، نيسان 1987، ص 129-135.

[12] الجزء الأول رقم 305/306 سنة 1970، والجزء الثاني رقم 311/312 سنة 1970، الجزء الثالث رقم 320/ 321 سنة 1972، الجزء الرابع رقم 324/ 325 سنة 1973.

[13] أريانزوس Arianzus قرية جنوب غربي الكبادوك

[14] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 232.

[15] نظرة شاملع لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 260.

[16] القديس أمبروسيوس – الأسرار – مركز دراسات الآباء – الطبعة الثانية 1996 ص 60، 61.

[17] نظرة شاملع لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 272-273.

[18] القمص تادرس يعقوب ملطي – قاموس آباء الكنيسة وقديسيها – (ج – ص) – 2001م – ص 274.

[19] راجع كتاب التدبير الإلهي في بنيان الكنيسة، لأحد رهبان برية القديس مقاريوس، الطبعة الأولى 2001، من صفحة 50-58.

[20] مجلة الكرازة في 9 ديسمبر 1994 م العدد 45 و46.

[21] J. Meyendorff: Christ in the Eastem Christian Thought, 1969. P. 24.

علم الآباء 3 –  صور وتصنيف كتابات الآباء

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

 

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

أول من استعمل مصطلح (باترولوجيا  Patrologia)، هو اللوثري الألماني الجنسية (جون جرهارد  John Grehard)، القرن السابع عشر، حيث استخدم كلمة (Patorologia) كعنوان لكتاب نشره عام 1653م، يُقسّم فيه علم الآباء إلى عدة مراحل وإن كانت غير محددة، ألا وهي:

1- عصر الآباء الأولين:

أخذتْ أقوال الآباء فترة من الزمن تُسلّم من جيل إلى جيل شفهياً، لا لغرض دراسيّ، أو كهدف في ذاتها، بل كوديعة تحمل داخلها الإيمان الحيّ، فلم تُكتب أو تُدرَّس كفلسفة؛ ولهذا لم يُكتَب منها إلاّ القليل، وعلى مستوى فرديّ مثل كتابات يوحنا كاسيان.

ونحن بصدد الحديث عن أقوال اللآباء في العصر الأول، نلاحظ الآتي:

أ – محاولة المؤمنين حفظها قدر المستطاع لقُدسيتها، فيقول القديس أكلِمَنْضُس السكندريّ: “هؤلاء الرجال قد حفظوا التقليد الصحيح، تقليد التعليم المبارك، المُسلّم لهم مباشرةُ من الرسل القديسين بطرس ويعقوب ويوحنا وبولس… والذي وصل إلينا بعناية الله ابناً عن أب[1]، كما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصُص: “يليق بنا أن نحفظ التقليد الذي تسلّمناه بالتتابع من الآباء ثابتاً بغير تغير”، كما يقول القديس كيرلس الإسكندريّ: “إنني مُحب للتعليم الصحيح مقتفياً آثار آبائي الروحيّة” [2]..

 ساد هذا العصر روح التلمذة، فالتلميذ يسمع من معلّمه وخاصة في الحياة الرهبانية، ويحفظ لا أقواله فقط، إنما حياته ككل؛ فهو يأكل معه ويصلي معه ويسهر معه، يأخذ روح الإيمان العمليّ من أبيه، وغالباً بعد نياحة الأب يكتب التلميذ حياة أبيه وكل التعاليم التي أخذها منه.

ب – في الكنائس كان يميل البعض إلى كتابة تعاليم الآباء الأسبوعية، كشرح للكتاب المقدس أو المواضيع العقائدية أو الروحيّة، مثل عظات القديس يوحنا ذهبيّ الفم وعظات القديس أُغسطينوس.

ج – وفود قادة كثيرين إلى مصر للتلمذة على أيدي متوحدي مصر، أو داخل الأديرة، أو بمدرسة الإسكندرية، وتدوينهم أقوال الآباء وسيرهم وأفكارهم وترجمتها بلغاتهم سوء اليونانية أو السريانية أو اللاتينية، مثل يوحنا كاسيان (حوالي 360 -435م)[3]

أحد مشاهير الكُتَّاب الروحيّين في القرن الخامس في جنوب بلاد الغال (فرنسا)، خاصة في الفكر الرهبانيّ، وقد نجح في تطوير الحياة الرهبانية في فرنسا، فكان سفيراً للتراث الآبائي النُسكي القبطي في الغرب، وأحد أعمدة التقليد الكنسيّ النسكيّ فيما يختص بالطقس الرهبانيّ الحيّ، يربط بين نواحيه الخارجية والداخلية، وبين الطقس والروحانية بطريقة حية، وقد التقى بآباء الرهبنة في مصر، وسجل لنا خبرات الآباء في كتابين غاية الأهمية ألا وهما: (المناظرات) Conferences of John of Cassian   و(المؤسسات) Institutes of the Coenobia.

† كما جاء الراهب بلاديوس من القسطنطينية إلى مصر، وعاش فيها ما يقرب من خمس سنوات، في أديرة مختلفة، ودوَّن ملاحظاته وكتب سيَر وأقوال عددٍ كبيرٍ من الآباء، ثم أرسل مذكراته هذه إلى صديق له يُدعى (لوسيوس) ليتعرف على الحَياة النسكية، فصار هذا التراث الهام يُعرف بـ (التاريخ اللوزياكي) والآن يُعرف باسم بستان الرهبان (365 -425م)[4].

† كما سجّل لنا روفينوس (345 -410م)[5] أحاديث عن آباء مصر الرهبان، في كتابه تاريخ الرهبنة في مصر المعروف باسم (هستوريا موناخورم)، ويُذكر أنَّ روفينوس جاء إلى مصر حوالي سنة (373م) بمعيّة السيدة ميلانيا الشريفة الرومانية – التي كرّست حياتها بعد ترمّلها لخدمة القديسيو والعاملين في كنيسة الله – وقد قابل عدداً كبيراً من آبائها، وكان أحد تلاميذ القديس ديديموس الضرير[6].

هذا وقد جذبت مدرسة الإسكندرية الكثير من قادة الكنيسة في العالم، فجاءوا إليها ونقلوا منها تُراثها لكي يتتلمذوا عليه، وبلغ شَغف أوسابيوس أسقف قرسيل (بإيطاليا) بكتابات أوريجانوس، ووجد نفسه أنه لم يَر فلسفة حقيقية في غيرها.

د – كثير من رهبان مصر خرجوا من الأديرة إلى العالم، سواء إلى مدرسة الإسكندرية أو بغرض الكرازة حاملين معهم التراث الآبائي.

2 – عصر ظهور المؤرخين الكنسيين:

1- يوسابيوس القيصري (260 -340م)

هو أول مَن سجل تاريخ الكنيسة، وقد عَمَّد الملك قسطنطين الكبير، ورغم ميوله الأريوسية في بعض العقائد (نصف أريوسي)، إلا أنه صاحب فكرة نشر أقوال الآباء وكتاباتهم، يقول في كتابه (التاريخ الكنسي) The Church History of Eusebius (326م) عن هدف كتابات: “هذا هو هدفي أن أكتب تقريراً عن خلافات الرسل (التتابع الرسولي) القديسين، وأن أُشير إلى أولئك الذين في كل عصر نادوا بالكلمة الإلهية سواء كتابة أو شفاهاً، وأيضاً أسماء وأعداد أولئك الذين اندفعوا إلى طريق الخطأ وانحراف التعليم، الذين أبرزوا أنفسهم كدُعاة معرفة وعلم بالكذب”[7].

وقد كان الدافع لهذا العمل هو الهجوم الذي قام به اليهود والوثنيون، حيث اتهموا المسيحيين بأنهم جماعة سُذّجٌ بسطاء ليس لهم فكرٌ ولا علمُ ولا معرفة، فأراد يوسابيوس أن يكشف عن شخصية القيادات الكنسية، فاهتم أن يَذكُر أغلب قيادات الشرق، ويُبرز الجوانب العلمية لهم وكتاباته، وترجماتهم، وتفاسيرهم…. كما سجل لنا مُقتطفات صغيرة جداً من هذه الكتابات، وفعلاً قدّم يوسابيوس قائمة بكل الكُتاب وكتاباتهم، ويُعَدّ عمله هذا من أهم الأعمال حيث إن هناك شخصيات لم يتناول ذكرها أحد غيره.

جاء بعد يوسابيوس مؤرخون كثيرون حاولوا تكملّة عمله مثل: (سقراط Socrates)، و(سوزومين Sozomen) و(ثيؤدوريت Theodoret)… وكانت كتاباتهم مركّزة على الكنيسة الشرقية.

كما قام (روفينوس Rufinus) بترجمة تاريخ يوسابيوس من اليونانية إلى اللاتينية، وأضاف إليه بعض الأحداث حتى عصر الإمبراطور ثيؤدوسيوس سنة 392م.

2- القديس جيروم Jerome

سجل لنا (جيروم Jerome) تاريخ الأدب المسيحي اللاهوتي في كتاب (مشاهير الرجال) عام (392م) في (135) فصلاً، مستمداً معلوماته من تاريخ يوسابيوس، حتى إنه كرّر نفس أخطائه، وأضاف شخصيات، وحذف شخصيات، في (78) فصلاً منهم، وكان الدافع لهذا العمل أيضاً هو نفس الدافع لكتاب يوسابيوس وبصورة أقوى، وهو قول الوثنيين أمثال: (كيلسوس Celsus)، (بروفيريوس Prophyry)، (يوليان Julian)… بأن المسيحيين ليس لهم في الأدب أو الفكر.

وقد حدّد جيروم في مقدمة كتابه أن مجال عمله هو الآباء، الذين كتبوا عن الكتاب المقدس (رغم أنه شمل لاهوتيين)، وقد نقد القديس أغسطينوس هذا الكتاب، حيث إن جيروم لم يفصل بين الكُتّاب الأرثوذكسيين وبين الهراطقة مثل ذكره لشخصية (تاتيان Tatian)، و(بريسكيليان Priscillian)  و(أونوميس الأريوسيّ)، كما ذكر فلاسفة وثنيين مثل (سينيكا Seneca)، ويهوداً مثل (فيلون) و (يوسيفوس).

ولم يذكر جيروم في كتابه أيّ شيء عن كتابات أغسطينوس التي ظهرت في ذلك الوقت، ولعل هذا هو سر الخلاف بينهما.

ومن الأخطاء المنسوبة لجيروم أنه قد أغفل ذكر شخصيات كبيرة، أو ذكر القليل عن البعض الآخر مثل القديس أثناسيوس الرسولي والقديس باسيليوس الكبير وكبريانوس الأسقف.

فتح جيروم الباب أمام الشرق والغرب في الكتابة عن آباء الكنيسة وكتاباتهم وأفكارهم…

3- جيناديوس Gennadius

حوالي عام 480م كتب (جيناديوس Gennadius) كاهن “مرسيليا” – وهو نصف بيلاجيّ ومع ذلك يُحكم عليه من كتاباته أنه واسع الاطّلاع دقيق في أحكامه) – كتاباً بنفس اسم كتاب جيروم (مشاهير الرجال)، ويعتبر إضافة لعمل جيروم، ولكنه كان عملاً هزيلاً ليس ذا قيمة بالمقارنة بعمل جيروم، شمل 99 فصلاً حتى عام 495م.

4- آخرون

† بعد جيناديوس قام كُتاب كثيرون مثل: (إيسيذوروس Isidore of Serville) (تنيح عام 636م)، الذي اهتم بالكُتّاب الاسبان.

† كذلك في أواخر القرن الحادي عشر، قام راهب بندكتي ببلجيكا يُسمّى سيجبيرت (Sigebert of Gembloux) بالكتابة عن سير الآباء البندكت.

† وفي عام (1122م) كتب (هونوريوس Honorius Ausgusodunum ) باسم الكنيسة المنيرة Luminaaribus Ecclesaia.

† وفي سنة (1494م) ألّف أبٌ لدير بندكتي في (Sponheim)، يُسمى الراهب (جوهانس تريثيموس Johannes Trithemius) كتاباً باسم “الكُتّاب الكنسيون، يحوي سيرة (963) أب مع كتاباتهم، ويستقي معلوماته من كتابات جيروم وجيناديوس، وقد حصل على شهرة فائقة، إذ جمع مكتبة من حوالي (2000) مجلداً.

† أم في الشرق فلم يظهر ما يفيد بأن هناك كُتّاباً سجلوا الكُتّاب الكنسيين، مع ذلك كتب البابا (فوتيوس Photius) بطريرك القسطنطينية (تنيح عام 891م) كتابا مماثلاً تحت عنوان (Photil Bibliotheca) يمتاز بالدقة، وذكر فيه مؤلفين وثنيين.

† وفي الكنيسة القبطية ظهر السنكسار الذي يركز على سير الآباء القديسين، كما اهتم البعض بنسخ كتابات الآباء الأولين، وظهر بعض المؤرخين مثل يوحنا النيقيوسي وغيره.

† وفي عصر النهضة الأوروبية من القرن السادس عشر إلى التاسع عشر، بدأت التجميعات العظيمة والطبعات الخاصة الممتازة لنصوص الآباء، ففي القرن الخامس عشر قام في القسطنطينية (نسيفورس كالستوس) بوضع تاريخ الكنيسة منذ نشأتها حتى عام (911م) معتمداً على كتابات يوسابيوس وأضاف إليه سير بعض الرهبان، وقد عبر عبوراً سريعاً في حديثه عن الكنيسة اللاتينية بعد القرن الخامس الميلاديّ.

3- عصر النهضة العلمية والدراسات النقدية[8]:

† في عصر النهضة (القرن السادس عشر) بدأ الاهتمام بترجمة ونشر كتابات الآباء، إمّا بأعمال فردية للمؤلف أو كمجموعة كاملة، وقد ازدهر هذا العمل جداً في القرن السابع عشر، حيث نَشر (Marguerin de la Migne)، مجموعة كبيرة لأكثر من 200 كاتب في عمله (Bibliotheca Sanctorum Patrum) أُضيفت إليها أعمال أخرى بالتدريج، وقد صارت عام (1616) أربعة عشر مجلداً باسم Patrum (Magna Bibliotheca Veterum) أُعيد طبعها في ليون عام (1677م) في (27) مجلد باسم (Bibliotheca et antiq orum eccelsiasticorum).

† في القرن الثامن عشر قام (A. Galland) بنشر مجموعته في (14) مجلد بفينيس عام (1765 -1781) باسم (Bibliotheca Veterum Patrum).

† في القرن التاسع عشر اغتنت المكتبات بالكتب المسيحية القديمة، وظَهرت الحاجة إلى كتابتها بعد تحقيقها علمياً وتنقيتها من الدخيل عليها من النساخ، وتُعتبر أعظم مجموعة كاملة تلك التي قام بها (Migne) في القرن التاسع عشر باسم (Patrilogiae)، وهي عبارة عن إعادة طبع للنصوص السابق نشرها لتكون في متناول اللاهوتيين وهي عبارة عن مجموعتين:

1- مجموعة الآباء اللاتين (P.L.) طبعة باريس (1844 -1855) وتتكون من (221) مجلداً بها فهارس.

2- مجموعة الآباء الإغريق (P.G.) أي الكتابات اليونانية طبعة (1857 -1866م)، وتتكون من 161 مجلداً وَرد بها ترجمة كاملة باللغة اللاتينية وهي بغير فهارس، وقد تُرجم الكثير من هاتين المجموعتين إلى اللغات الحديثة من ألمانية وفرنسية وإنجليزية ولهجات عديدة أخرى.

كما توجد مجموعات أخرى تُعتبر ملحقاً لمجموعتي Migne وهي:

1- كُتاب القرون الثلاثة الأولى اليونان المسيحيين، وقد قامت بنشرها أكاديمية برلين عام 1897 مع مُقدمات وفهارس بالألمانية، وقد بلغ عددها (41) مجلداً.

2- (Coprus orum ecclesiasticorum Latinorum) وقد قامت بنشرها أكاديمية فيينا عام (1866) ونُشرت في (70) مجلداً.

3- (Bibliotheca Teubneriana, Leibzig) وتشمل كثير من كتابات الآباء.

4- (The Loeb Classical Library) وقام بنشرها (Rouse, Capps and Page) بلندن ونيويورك، وتشمل الكثير من كتابات الآباء اليونان واللاتين.

5- مجموعة (Patrologia Orientals) قام بنشرها (Nau, Graffin) بباريس عام (1907) في (28) مجلد.

6- (The ante-Nicene Fathers& Nicene and Post-Nicene Fathers) وتشمل ترجمة جميع أقوال الآباء مع غرض لسير هؤلاء الآباء ل (A Clevland Coxe)، وقام بوضعها (Wace & Scgaff) بنيويورك عام (1900) في (37) مجلداً، وهي تُعتبر الأكثر انتشاراً على الإطلاق في العالم كله لدقتها اللاهوتية والعلمية.

† أكاديمية فيينا وبرلين أول من طرقت هذا المجال، فقد طَبعت مجموعة مطبوعات لكتابات الآباء باللغتين اليونانية واللاتينية.

† منذ عام (1951) تُعقد مؤتمرات دولية بصفة استمرارية كل (4) سنوات للدراسات الآبائية في جامعة أُكسفورد بلندن، ويجتمع فيها جميع الدارسين لـ علم الآباء أو الآباء لتبادل الخبرات والدراسات، وينتج عن كل مؤتمر مُجلّد يُوضع فيه نتيجة أعمال المؤتمر، ويقوم مركز الدراسات الآبائية بترجمته.

في القرن العشرين كان الاهتمام أكثر بدراسة تاريخ الأفكار وتاريخ المفاهيم في الكتابات المسيحية القديمة، كما يقول البروفيسور (كواستين Quasten) أستاذ الآباء بجامعة واشنطن أن الاكتشافات الحديثة في القرن العشرين لأوراق البردي في مصر، قد مَكَّنت العلماء من استعادة الكثير من الأعمال الآبائية التي كانت مفقودة.

ومن مظاهر الاهتمام بذلك انعقاد مؤتمرات آبائية عالمية مثل مؤتمر جامعة أكسفورد بإنجلترا لدراسة الآبائيات سنة (1951م)، وينعقد مرة كل (4) سنوات، كما بدأت مؤتمرات دولية أخرى تُعقد في جامعات أوربا المختلفة، ويُخصص كل مؤتمر لدراسات أحد الآباء، مثل مؤتمر دراسة كتابات أغسطينوس، ومؤتمر دولي للتراث العربي المسيحي في جامعة سيدني بأُستراليا.

علم الآباء في مصر:

† إذ كانت الإسكندرية أكبر مركز هيلينيّ فلسفيّ (مدرسة الإسكندرية الفلسفية)، التزمت الكنيسة منذ عهد القديس مرقص الرسول بإنشاء مدرسة مسيحة قادرة على مواجهة التيار الهيلينيّ القوي، فظهرت مدرسة الإسكندرية بآبائها الذين لمعت أسماؤهم في الشرق والغرب.

† كذلك اهتم الآباء ولا سيما الرهبان بنسخ كتابات الآباء سواء باليونانية أو القبطية أو العربية، فهناك اهتمام كبير في مصر بـ علم الآباء وتاريخ الآباء، منع أنه في العصور الوسطى وبداية العصر الحديث حمل عُلماء الغرب كنوز أديرتنا إلى مكتباتهم ومتاحفهم وجامعاتهم، وصارت مادة أساسية في قيام علم الآباء…

منها المخطوطات السريانية التي لا تُقدر بثمن، والتي أُخِذت من دير السريان، النصيب الأعظم منها كان للمتحف البريطاني وجزءاً منها لمكتبة الفاتيكان وبعض متاحف أوروبا، رغم ذلك ما زالت المخطوطات والبرديات المصرية تفتح آفاقاً جديدة في علم الآباء – حسب شهادة الغرب – لا تزال حية بالروح الآبائية الأصيلةن نستطيع أن ننتفع بها في الأبحاث العلمية.

† في القرن السابع قام الأنبا يوحنا أسقف نيقيوس بالمنوفية، بكتابة تاريخ آدم حتى نهاية القرن السابع الميلاديّ، وهذا الكتاب كُتب باللغة القبطية، وتُرجم إلى الأثيوبية، وتُرجم من الأثيوبية إلى الفرنسية، وحدث أن فُقدت النسخة الأصلية القبطية وأخيراً صدرت ترجمة عربية لهذا الكتاب عن اللغة الحبشية.

† في القرن العاشر قام الأنبا ساويرس ابن المقفع أسقف الأشمونين بكتابة تاريخ بطاركة الكنيسة القبطية، بدءاً من عصر مار مرقص حتى القرن العاشر، وكتبه باللغة العربية.

† وُجد مخطوط عربي مشهور من القرن الحادي عشر بعنوان (اعتراف الآباء) يضم تعاليم الآباء العقائدية فيما يخص الثالوث والتجسد وطبيعة المسيح، من مخطوطات البطريركية القديمة بالأزبكية، وتوجد نسخ أخرى في المتحف القبطي ودير المحرق وبعض الأديرة الأخرى.

† السنكسار يرجع إلى القرن الثاني عشر، كتبه الأنبا ميخائيل أسقف أتريب ومليج بالمنوفية، وراجعه الأنبا بطرس أسقف مليج، يُقرأ في الكنيسة بعد سفر أعمال الرسل، ويحتوي على سيراً مختصرة للقديسين والشهداء حسب أيام السنة القبطية، ولكنه لا يحتوي إلا على القليل من أقوال الآباء.

† في القرن العشرين قام الأرشدياكون حبيب جرجس، بجمع مؤلفات الآباء القديسين من أوروبا منذ العصر الرسولي حتى مجمع نيقية، وعَهد إلى بعض الخدام الأمناء بالترجمة إلى العربية ونشرها في أعداد مجلة الكرمة سنة (1923م)، وقدمها بقوله: “إن كتابات الآباء لها المقام الأسمى في عالم المؤلفات الدينية، لقُرب عهد مؤلفيها بالعصر الرسولي وأقوالهم حُججاً قوية على تعاليم الكنيسة في عصرها الأول”.

† كذلك قام القس مرقص داود بترجمة كتاب (تجسد الكلمة) للقديس أثناسيوس سنة (1946م)، ثم أكمل كتابات القديس أثناسيوس.

† في عصرنا الحالي تُوجد مؤسسة القديس أنطونيوس لترجمة ونشر كتابات الآباء حيث تأسست هذه المؤسسة سنة (1979م)، وقد كان للسيد صموئيل كامل عبد السيد أستاذ اللغة اليونانية دور بارز في تأسيس هذه المؤسسة، وتنيّح سنة (1986م).

† وفي عام (1991م) تأسس مركز دراسات الآباء، وبلغ عدد نصوص الآباء التي نشرها حتى الآن (138) عملاً، ويقوم المركز بعمل دراسات على هذه النصوص الآبائية المترجمة وتصدر في سلسلة باسم “دراسات آبائية” وصل عددها إلى 32 كتاباً، كما تُنشر مجلة دورة بدأت في يناير (1998م) وهي مجلة نصف سنوية.

اتباع أثر الآباء:

بعد أن تعرفنا على الآباء وعلى كتاباتهم التي كتبوها بإرشاد الروح القدس العامل في الكنيسة، يجب علينا اتباع أثر الآباء في حياتنا، فلا تستطيع الكنيسة أن تعيش دون أن تشرب وترتوي من تعاليم الآباء وحياتهم وكتاباتهم، وهذا ما قاله الله للكنيسة في نشيد الأنشاد “إِنْ لَمْ تَعْرِفِي أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ، فَاخْرُجِي عَلَى آثَارِ الْغَنَمِ، وَارْعَيْ جِدَاءَكِ عِنْدَ مَسَاكِنِ الرُّعَاةِ” (نش 1: 8)، وهذا ما يقوله لنا معلمنا القديس بولس الرسول:

” اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ” (عب 13: 7)، فالآباء هم امتداد للرسل ونحن نفتخر أن لنا آباء، وهذا يتضح من قول القديس أثناسيوس الرسولي للأريوسيين “قد أظهرنا أن فكرنا قد سُلِّم من أب إلى أب، وأما أنتم أيها اليهود الجدد وتلاميذ قيافا (يقصد الأريوسية) فإلى أي أب من الآباء تستطيعون أن تنسبوا أقوالكم”[9]

اتباع الآباء ليس هو تعلقاً بشخصيات، إنما هو استقاء لكيفية كون هذا الأب عضواً في جسد المسيح الواحد. إنه علم الآباء.

[1] المتنوعات كتاب 51: 1: 11.

[2] القمص تادرس يعقوب ملطي: مفاهيم إيمانية (2): الكنيسة والتقليد، ص9

[3] J. Quasten. Patrology. Vol. 4 ,p.512 ff.

[4] نيافة الأنبا مكاريوس – الأسقف العام: فضيلة النسك الطبعة الأولى –  مارس 2006 م. ص 8، 9

[5] ولد بالقرب من مدينة أكويلا الواقعة على شاطئ البحر الأدرياتيكي بإيطاليا. درس في روما حيث التقى بالقديس جيروم، وكان روفينوس واحداً من مئات الشباب الذين استهوتهم الحياة النسكية فاندمجوا فيها بحرراة، عاش في جماعة نسكية في وطنه، ثم قصد الأراضي المقدسة حيث عاش بضع سنوات منع رهبانها. وحالما وصل رؤفينوس إلى الإسكندرية قصد لفوره إلى الصحراء حيث قابل عدداً كبيراً من آرائها. القمص تادرس يعقوب ملكي – قاموس آباء الكنيسة.

[6] القمص تادرس يعقوب ملطي – قاموس آباء الكنيسة وقديسيها (ح – ص) – 2001 – ص200.

[7] يوسابيوس القيصري – تاريخ الكنيسة 1: 1 – مرجع سابق – ص 9.

[8]  القمص تادرس يعقوب ملطي – المدخل لـ علم الباترولوجي ص 18.

[9] N&P.N.Fathers, 1st ser . Vol. IV p.168

علم الآباء2 – نظرة إلى علم الباترولوجي

Exit mobile version