زيارة المجوس للمسيح وهروبه إلى مصر

زيارة المجوس للمسيح وهروبه إلى مصر

زيارة المجوس للمسيح وهروبه إلى مصر

زيارة المجوس للمسيح وهروبه إلى مصر

أولاً : زيارة المجوس للطفل يسوع :

1 ـ المجوس [1]:

          المجوس هم كهنة زرادشت فى بلاد مادى وفارس. وكانوا معروفين بلباسهم الخاص وسكناهم المنفرد عن بقية الناس. وكانوا أيضًا علماء الأمة الفارسية يعلّمون الفلسفة والفلك، كما اشتغلوا بالتنجيم ورصد حركات النجوم وعلاقتها بأحداث الأرض. وقد وصفهم دانيال بالحكمة (أنظر دا20:1). ويُرجح أنهم عرفوا عن ولادة المسيح :

          أ ـ إما من اليهود وقت أن كانوا مسبيين فى بلاد فارس من (القرن 6 ق.م). أو من دانيال النبى الذى صار رئيسًا للمجوس مدة من الزمن أثناء السبى (أنظر دا8:4ـ9، 11:5). وعرفوا نبوته القائلة: ” إنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعًا” (25:9) أى حوالى 490 عامًا حين يُحسب اليوم بعام. وبناء على هذه المعرفة كانوا ينتظرون مجيئه فى تلك الأيام. ولذا أظهر الله لهم علامة مجيئه فى شكل نجم[2].

          ب ـ أو بسبب أنهم ـ حسب رأى يوسابيوس القيصرى ـ من نسل بلعام بن بعور الذى استدعاه الموآبيون لكى يلعن بنى إسرائيل، فنطق بنبوة  عن مجيء المسيا: ” أراه ولكن ليس الآن أبصره ولكن ليس قريبًا، يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل فيحطم طرفى موآب ويهلك كل بنى الوغى” (عد17:24). ولذلك كانوا يراقبون النجوم ويعتقدون أن كوكبًا سيظهر عند ميلاده بظهور هذا النور العجيب[3].

          ج ـ وربما كان المجوس أساسًا من اليهود الذين بقوا فى بابل بعد السبى، وكانوا يعرفون نبوات العهد القديم عن مجيء المسيح[4].

          د ـ ومن المحتمل أنهم من الشرقيين المهتمين بالتنجيم ودراسة المخطوطات القديمة وقد وقعت بين أيديهم نسخ من العهد القديم بعد سبى اليهود لبلادهم[5].

          هـ ـ كما من الجائز أن تكون قد وصلتهم رسالة خاصة من الله قادتهم إلى المسيح.

2 ـ زمن زيارة المجوس للطفل يسوع :

بعض الآباء والكُتّاب الكنسيين في القرن الرابع (إبيفانيوس ـ يرونيموس ـ يوسابيوس) يأخذون بالرأى القائل إن المجوس أتوا فى السنة الثانية لميلاد السيد المسيح، أما القديس يوحنا ذهبى الفم فيقول إن النجم ظهر للمجوس قبل الميلاد بسنتين وإنهم وصلوا أورشليم وقت الميلاد[6].

والرأى الأول يرتب الحوادث هكذا :

1 ـ أن الطفل وُلد فى بيت لحم (أنظر مت4:2ـ6).

2 ـ وفى نفس الوقت ظهر نجمه فى المشرق للمجوس (انظر مت1:2ـ2)

3 ـ وأن الطفل خُتن بعد ميلاده بأسبوع (أنظر لو21:2).

4 ـ ثم قُدم إلى الهيكل بأورشليم بعد أربعين يومًا من ولادته (انظر لو22:2).

5 ـ ثم ذهبت الأسرة إلى الناصرة كما فى (لو39:2).

6 ـ وإن أفراد الأسرة ربما كانوا يزورون بيت لحم لكونها مسقط رأسهم (انظر لو4:2) من وقت إلى آخر.

7 ـ والمجوس أتوا إلى أورشليم بعد الميلاد بسنتين حيث كانت الأسرة فى ذلك الوقت فى أحد بيوت بيت لحم وكان الطفل يسوع ابن سنتين. ولذا قال الإنجيلى متى إن المجوس أتوا إلى “البيت” ولم يقل “المذود” (انظر 11:2) وأنهم رأوا “الصبى” ولم يقل “الطفل” (انظر 11،9:2)، وأن هيرودس قتل جميع الصبيان الذين فى بيت لحم من ابن سنتين فما دون (انظر مت16:2).

8 ـ ثم أن الأسرة بعد هذه الزيارة مباشرة، هربت إلى مصر.

أما الرأى الثانى فيرى صاحبه ـ ذهبى الفم ـ أن التسميات: البيت، المذود، الصبى، الطفل هى مجرد استبدالات لفظية ويفترض الآتى :

1 ـ أن النجم قد ظهر للمجوس قبل ميلاد المسيح بزمن طويل (سنتان على الأقل) لأنه كان ينبغى أن يقضى المجوس وقتًا طويلاً فى رحلتهم. فلو ظهر لهم النجم فى المشرق عند ولادة المسيح فى فلسطين لما استطاعوا أن يروه فى المهد إذ المسافة التى يلزم أن يقطعوها هى بعيدة جدًا. كما أن الطاغية هيرودس قتل الأطفال من ابن سنتين فما دون بحسب زمان ظهور النجم الذى تحققه من المجوس وليس حسب زمن الميلاد، كما أن غضب هيرودس ورعبه جعلاه يضيف الكثير على الزمان المحسوب من أجل أن يضمن عدم نجاة أحد (أنظر مت16،7:2).

2 ـ أن المجوس جاءوا إلى بيت لحم وقت الميلاد وزاروا الطفل وهو رضيع.

3 ـ أن العائلة توجهت فورًا إلى مصر.

4 ـ ثم إلى الناصرة بعد موت هيرودس (أنظر مت19:2ـ23). أما قول إنجيل لوقا أنهم ذهبوا إلى مدينتهم الناصرة بعدما أكملوا كل شئ حسب ناموس الرب  (أنظر 39:2) فلا يعنى حتمًا أنهم ذهبوا إليها بعد الأربعين، بل بعد رجوعهم من مصر.

ويبدو لنا أن الرأى الأول هو الأرجح بسبب الدقة التاريخية فى ترتيب الأحداث. وغالبًا أن المجوس جاءوا فى موكب عظيم يتقدمهم ثلاثة من كبارهم يحملون الهدايا للملك العجيب ولذلك أحدث دخولهم أورشليم حركة غير عادية فى المدينة (أنظر مت3:2). هذا وإن كان بعض المفسرين يقدر عددهم بقدر هداياهم الثلاث (الذهب واللبان والمر) ويذكرونهم بالاسم: ملخيور وبلتاصار وكاسبار.

ثانيًا: الهروب إلى مصر :

بالعودة إلى الإنجيل حسب متى (1:2ـ13) نرى أن المجوس بعد دخولهم أورشليم وسؤالهم عن مكان المولود ملك اليهود، استدعاهم هيرودس سرًا ـ لأنه كان فى حسبانه أن اليهود يهتمون بأمر هذا الطفل المولود ـ واستعلم منهم عن زمن ظهور نجم الطفل، ثم أرسلهم إلى بيت لحم بعد معرفته أنها مكان مولد المسيح ـ وفقًا للنبوات ـ من رؤساء الكهنة ليبحثوا بالتدقيق عن الصبى وأن يخبروه بعد ذلك عن مكان وجوده.

ومرة أخرى نجد أن النجم الذى قادهم من بلاد المشرق إلى أورشليم، هو نفسه يقودهم من أورشليم إلى بيت لحم وبالتحديد إلى البيت الذى كان فيه الصبى مع مريم أمه. فلما رأوا الصبى خروا وسجدوا له، ثم فتحوا كنوزهم وقدّموا له هدايا ذهبًا ولبانًا ومرًا. ثم إذ أُوحى إليهم فى حلم أن لا يرجعوا إلى هيرودس انصرفوا فى طريق أخرى إلى كورتهم. وبعدما انصرفوا إذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف فى حلم قائلاً: “ قم وخذ الصبى وأمه وأهرب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبى ليهلكه ” (مت13:2).

هذا هو الحلم أو الرؤيا الثانية التى تلقاها يوسف من الله، كشف الله له فى الحلم الأول أن خطيبته مريم حُبلى من الروح القدس وأن مولودها هو المسيا الذى سيخلص شعبه من خطاياهم (انظر مت20:1ـ21). أما الحلم الثانى فقد عرّفه كيف يحافظ على حياة الصبى من الشر المزمع أن يرتكبه هيرودس الملك.

ومع أن يوسف لم يكن هو الأب الطبيعى ليسوع، إلاّ أنه كان هو المسئول عن حماية الصبى وسلامته، إذ نلاحظ أن الملاك هنا لا يخاطب مريم وإنما يخاطب يوسف. كما أنه يقول: ” قم خذ الصبى وأمه واهرب…“، ولا يضيف ” امرأتك ” كما فى الحلم الأول، وإنما قال ” أمه ” فقط، فطالما أن الولادة قد تمت، وانتفى الشك من جهة يوسف، وأشرق فى قلبه نور الإيمان، فإن الملاك يتكلم معه بصراحة مؤكدًا كلامه فى الحلم الأول.

ومن الجدير الإشارة إليه هنا أن يوسف لم يتعثر عند سماعه هذا الأمر من الملاك، ولم يقل إن هذا الأمر صعب . قد قلت لى ” إنه سيخلص شعبه..” (مت21:1)، وها هو الآن لا يستطيع أن يخلص نفسه، وها نحن مضطرون إلى الهرب والرحيل إلى بلاد نائية. إن كل هذا جاء على خلاف الوعد.

لم يقل شيئًا من هذا إطلاقًا ولا حتى سأل الملاك عن موعد رجوعه من مصر، على الرغم من أن كلام الملاك له كان مبهمًا ” وكن هناك حتى أقول لك..“. كان هذا الرجل ذو إيمان لا يضعف، ولم يتباطئ فى حمل المسئولية بل أطاع وخضع لساعته متحملاً بفرح كل المحن. وقام ليلاً وأخذ الصبى وأمه وانصرف إلى مصر (مت14:2). إن الله محب البشر الصالح يمزج الأتعاب الشاقة فى حياتنا بحلاوة التعزية.

فلا يشاء أن نظل فى تعب مستمر، ولا فى راحة دائمة، لكنه يسمح لنا بفترات أحزان كما يمتعنا أيضًا بفترات فرح. وهذا ما يجب أن نلاحظه فى يوسف البار: فقد رأى العذراء حاملاً فقلق وبدأ يداخله الشك. ولكن فى الحال وقف به الملاك وبدد شكه ونزع عنه خوفه. وعندما عاين الطفل مولودًا امتلأ فرحًا عظيمًا ثم حلّ به القلق حينما اضطربت المدينة وامتلأ الملك غضبًا عند سماعه بميلاد ملك اليهود.

وبعد الاضطراب جاء الفرح بظهور النجم وسجود المجوس. ثم بعد السرور عاد الخوف والخطر ” لأن هيرودس يطلب نفس الصبى ” بحسب تعبير الملاك. ومن جديد أمر الملاك يوسف أن يهرب ويسير فى طريق المنفى، ويلتزم يوسف بالهروب إلى مصر. هذه هى صورة الحياة التقوية الحقة، هى مزيج مستمر من الضيقات مع الأفراح يسمح بها الرب لأجل تزكيتنا وبنياننا روحيًا[7].

لم يكن الذهاب إلى مصر أمرًا غريبًا، إذ كان بها العديد من الجاليات اليهودية فى كثير من المدن الرئيسية هناك. وقد بدأت هذه الجاليات فى فترة السبى الكبير (ق6 ق.م.) (أنظر مثلاً إر44،43). ووصلت إلى أعداد كبيرة فى القرن الأول الميلادى كانت متركزة فى بابليون مصر القديمة والأسكندرية، وجزء منها فى صعيد مصر.

وهناك تشابه يسترعى النظر بين الهروب إلى مصر؛ وما نجده فى تاريخ إسرائيل.

فعندما كانت إسرائيل أمة ناشئة ـ بنى يعقوب ـ ذهبت إلى مصر على أثر المجاعة الشديدة. وهكذا ذهب يسوع فى طفولته هاربًا من اضطهاد هيرودس. كما أن اضطهاد فرعون ـ الذى لم يكن يعرف يوسف ـ لأطفال بنى إسرائيل وقتلهم، لم يكن إلاّ نبوة على الواقع والتاريخ لاضطهاد هيرودس ـ الذى لم يكن يعرف يسوع ـ وقتله لأطفال بيت لحم.

وحينما قال هوشع النبى: ” من مصر دعوت ابنى” (1:11). كان قوله هذا تاريخيًا عن حدث مضى، وهو ذاته نبويًا عن حدث آتٍ. أى أن الهروب إلى مصر والعودة منها لم يحدث صدفة وبدون غاية، بل تم كل شئ بعناية إلهية ووفقًا للتدبير الإلهى الذى أخبر عنه الأنبياء.

هذه النبوة قالها هوشع النبى متخذًا من عودة إسرائيل من مصر مصدرًا للتعبير المسيانى لدعوة المسيح الابن الوحيد من مصر ” لما كان إسرائيل غلامًا أحببته ومن مصر دعوت ابنى” (1:11)، فهو هنا يعتبر إسرائيل وخروجه من مصر مثالاً لخروج الابن الوحيد المحبوب بعد تغربه فى مصر.

أما الرحلة إلى مصر وتواجد العائلة المقدسة فيها وتحديد المواضع التى عبرت عليها أثناء الرحلة وأقامت فيها، من شمال مصر إلى جنوبها فقد احتفظ لنا التقليد بالكثير منها. وعلى أى حال فقد تباركت أرض مصر بنزول الطفل يسوع فى حضن أمه ويوسف البار. وكما نزل يوسف ابن يعقوب إلى مصر واختزن القمح لإحياء العالم الجائع، هكذا نزل الخبز الحى النازل من السماء ليتغرب فى مصر لتُحفظ حياته من يد الناقمين حتى يضمن الحياة للعالم.

وكما أن نشيد الكرمة الذى قاله داود بالروح عن خروج إسرائيل من مصر وعن تأكيد اختياره كابن له “ كرمة من مصر نُقلت … يا إله الجنود اطلع من السماء وأنظر وتعهد هذه الكرمة والغرس الذى غرسته يمينك والابن الذى اخترته لنفسك” (مز8:80و14و15). هذا الدعاء تحقق عمليًا بنزول المسيح إلى مصر كونه هو “الكرمة الحقيقية” (انظر يو1:15). والابن الوحيد (انظر يو18:1). كذلك كان نزول الحمل الحقيقى وفصحنا المسيح الذى ذُبح لأجلنا (أنظر يو29:1، 1كو7:5)، إلى مصر ما هو إلاّ تطابق مع الفصح الأول الذى تم فى مصر (انظر خر12، ورؤ8:11).

ولما قال الملاك ليوسف ” قم وخذ الصبى وأمه واهرب إلى مصر” لم يعدهما بأن يرافقهما لا فى الذهاب ولا فى الإياب مبينًا أن أعظم رفيق لهما هو الصبى نفسه، الذى عند ظهوره غيّر كل ما فى العالم .

أما السؤال: لماذا هرب السيد المسيح؟[8]

فيمكن الإجابة عليه بالآتى :

1 ـ الملاك نفسه أدلى بسبب الهرب عندما قال ” لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبى ليهلكه” (مت13:2). وترجع الأسباب الرئيسية لرغبة هيرودس فى التخلص من الطفل المولود: لعلمه أن كثير من اليهود يكرهونه لأصله الأدومى ويعتبرونه مغتصبًا للحكم. وأن الشعب يتوقع مجيء المسيا (أنظر لو15:3) وأغلب اليهود كانوا ينتظرون المسيح محررًا حربيًا وسياسيًا عظيمًا (أنظر مثلاً يو15:6). وربما سأل سائل ألم يكن من الممكن أن يقع الطفل بين يدى هيرودس ولا يستطيع أن يُجهز عليه؟

بالطبع كان يمكن ولكن لو حدث شئ مثل هذا ما كان يمكن أن يُقال بعد عن السيد إنه اتخذ جسدًا حقيقيًا، ولما ثبتت حقيقة التجسد. بمعنى آخر أنه لو كان المسيح قد صنع فى أول حياته هذه المعجزة لما صدّق أحد بعد أنه إنسان أيضًا. وهكذا فإن هروب السيد المسيح من الشر أكد حقيقة تجسده. وتأمل معى كيف تبدو الألوهية مخفية هنا تحت ظواهر البشرية الوضيعة.

2 ـ كما أن الإنجيلى متى لم يلبث أن قال لنا سبب آخر وهو: ” لكى يتم ما قيل من الرب بالنبى القائل من مصر دعوت ابنى “.

هذا وإن اعترض البعض على هذه النبوة زاعمين أنها عن إسرائيل، نجيبهم بأن الأنبياء كان من عادتهم أن يقولوا أشياء عن أشخاص، ولكنها تتم فى سواهم، خذ مثلاً ما قيل عن شمعون ولاوى: ” أقسمهما فى يعقوب وأفرقهما فى إسرائيل ” (تك7:49).

إلاّ أن هذه النبوة تمت فى ذريتهما لا فيهما بالذات (أنظر عد2:35ـ8، يش1:19ـ9، 3:21ـ8)، وما تنبأ به اسحق ليعقوب بالبركات ” ليُستعبد لك شعوب وتسجد لك قبائل كن سيدًا لأخوتك وليسجد لك بنو أمك ” (تك29:27)، لم تتم إلاّ فى ذريته (انظر 2صم6،2:8، 19:10، 14:8، 1مل15:11 ـ16، تك8:49). وكيف يمكن أن يكون هو المقصود بها وقد كان يخاف من أخيه عيسو وكثيرًا ما كان يسجد قدامه؟. ثم من أحق أن يُدعى ابن الله؟ أذاك الذى سجد للعجل الذهبى وضحى بأبنائه للشياطين أم الذى هو ابنه بالطبيعة .

وأنظر كيف يعبّر الإنجيلى عن فكره، حينما يقول: ” لكى يتم ما قيل…” مبينًا أن هذا القول لم يتم إلاّ بذهاب المسيح إلى مصر وعودته منها.

وليس من قبيل الصدفة، أن هذا الأمر يتسبب في تطويب السيدة العذراء ويزيد كرامتها. لأن الشيء الذى استطاع شعب برمته أن يناله من المديح لنفسه، نالته هى بمفردها. فاليهود كانوا يذكرون بالفخر خروجهم من مصر ويتباهون به (أنظر مثلاً عا7:9)، هذا الفخر الشعبى حازته البتول وحدها.

3 ـ هروبه كممثل للبشرية يقدم لنا منهجًا روحيًا أساسه عدم مقاومة الشر بالشر، بل علينا أن نحب أعدائنا ونبارك لاعنينا وأن نحسن إلى مبغضينا ونصلى لأجل الذين يسيئون إلينا (أنظر مت44:5). فالنار لا تُطفأ بالنار بل بالماء.

4 ـ لكى نتعلم توقع المحن والمكايد فى حياتنا ومنذ البداية. فإذا امعنت النظر معى فيما جرى للمسيح وهو بعد فى اللفائف، حينما وُلِدَ، ثار ثائر طاغية، واضطربت مدينة بأكملها وحدث هرب وانتقال إلى خارج الوطن، فقد هرب مع أمه ويوسف النجار إلى بلاد الأمم دون ذنب ما. دقق النظر فى هذا حتى إذا ما كنت مكلفًا بخدمة روحية، ثم اعترضتك عقبات فلا تضطرب ولا تيأس بل تحملها بصدر رحب.

5 ـ أيضًا كان إرسال الصبى إلى مصر، وعودة المجوس إلى بلاد فارس، مقدمة لتبشير المسكونة. لأن مصر وبابل كانتا تصطليان بنار الوثنية، فأعلن المسيح منذ البدء أنه سيصلحهما كليهما.

وهنا يليق بنا أن نقف قليلاً لنسجل كيف أن كنيستنا القبطية الأرثوذكسية قد وضعت بارشاد الروح القدس هذا الفصل من الإنجيل ـ إنجيل الهروب إلى مصر ـ (مت13:2ـ23) في قراءات الأحد الأول من شهر طوبة (وهو الأحد الذي يلى عيد الميلاد مباشرة 29 كيهك)، وكأنها تريد أن تعلن بذلك أن مجيء السيد المسيح إلى أرض مصر هو إشارة إلى إعلان المخلص المولود حديثًا للأمم. ومما يؤكد هذه الفكرة، أن القراءات الأخرى لذلك اليوم كلها تدور أيضًا حول الإعلان للأمم.

فالبولس يركز على أنه وإن كان يسوع يسوع صار خادم الختان من أجل صدق الله، إلاّ أن الأمم أيضًا قد مجدّوا الله من أجل الرحمة (انظر رو4:15ـ19).

والكاثوليكون بدوره من (1يو1:3ـ11) يكشف عظمة محبة الله التى جعلت كل من يؤمن به من الأمم في آسيا الصغرى الذي كتب إليهم يوحنا الرسول، يصيرون أبناء الله.

أيضًا فصل سفر الأعمال (24:14، 3:15)، يخبرنا كيف أن رجوع الأمم كان سبب سرور عظيم لجميع الاخوة.

ثم يأتى المزمور (2:98ـ3) ليقول صراحة إن كل أقاصى الأرض رأت خلاص إلهنا.

          6 ـ وأخيرًا، بلا شك كان يمكن للسيد أن يلتجئ إلى مدينة فى اليهودية أو الجليل، لكنه أراد تقديس أرض مصر وليقيم فى وسط الأرض الأممية مذبحًا له. فى هذا يقول إشعياء النبى: ” هوذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر فترتجف أوثان مصر من وجهه… فى ذلك اليوم يكون مذبح للرب فى وسط أرض مصر وعمود للرب عند تخمها… فيُعرف الرب فى مصر ويعرف المصريون الرب فى ذلك اليوم ويقدمون ذبيحة وتقدمة وينذرون للرب نذرًا ويوفون به” (إش21،19،1:19). وتأمل معى هذا الأمر المدهش أن فلسطين تتآمر عليه بينما مصر تتلقاه وتجعله بمنجى من الأخطار.

 يقول القديس يوحنا ذهبى الفم: [ إذا ما طفت صحراء مصر تجدها أجمل جنات العالم، إنك ترى فيها أجواقًا كثيرة من الملائكة بشكل بشرى، وفرقًا من الشهداء وجماعات من العذراى لا تُحصى، ترى طغيان الشيطان قد كُسرت شوكته، والمسيح يتجلى بكل مجده. مصر هذه أم الشعراء والفلاسفة وعلماء الفلك التى ابتدعت كل ضروب السحر ونقلته إلى سائر الأمم، تراها الآن تجعل فخرها فى الصيادين … والصليب فى طليعة كل شئ … إنك ترى فى كل مكان من تلك البلاد جيش المسيح وقطيعه الملكى وحياة القوات السماوية … فمن يعرف مصر القديمة محاربة الله، الحمقاء … يدرك حق الإدراك قدرة المسيح][9].

لهذه الأسباب.. ولأسباب أخرى استطرد فى ذكرها كُتّاب آخرون، صار دخول السيد المسيح أرض مصر عيدًا عظيمًا تُعيد له الكنيسة القبطية بكل فرح فى 24 بشنس (1 يونيو) من كل عام .

ثالثًا : قتل أطفال بيت لحم : (مت16:12ـ18)

اضطرب هيرودس الملك وغضب جدًا عندما رأى أن المجوس قد سخروا به وعادوا إلى كورتهم ولم يرجعوا إليه ليخبروه عن مكان الصبى. لأنه ربما ظن، إنه إذا كان المسيح هو الوارث الحقيقى للعرش، فسيكون هذا كفيلاً بإثارة المتاعب له، كما أنه ربما خشى من التفاف الشعب اليهودى ـ فى المستقبل ـ حول هذه الشخصية التى تنبأت عنها الكتب.

لم يكن يحق لهيرودس أن يغضب ويُقدِم على أمور لا قِبلَ له على إتمامها، غير أنه لم يحبس عنان نفسه. وهذا الغضب الذى بات يغلى فى صدره ـ من المجوس الذين خدعوه ـ صب جامه على الصبيان الأبرياء. مجددًا فى فلسطين تلك المأساة التى جرت وقائعها قديمًا فى مصر (أنظر خر15:1ـ22) إذ أرسل وقتل جميع الصبيان الذين فى بيت لحم وفى كل تخومها من ابن سنتين فما دون بحسب الزمان الذى تحققه من المجوس.

قتل هيرودس ملك اليهود، كل الأولاد دون سن سنتين، فى محاولة مستميتة لقتل يسوع، الملك المولود. لقد لطخ يديه بالدم، أما يسوع فلم يُصبه أى ضرر. كان هيرودس ملكًا معينًا من البشر، أما الرب يسوع فقد كان ملكًا بتعيين إلهى. ولا يمكن لأحد أن يعرقل خطط الله، وكل من يُقدم على هذا، لا يضّر فى النهاية إلاّ نفسه.

كان هيرودس يخشى أن يأخذ عرشه الملك المولود، فهو لم يفهم إطلاقًا السبب الذى من أجله جاء المسيح. لم يكن الرب يسوع يريد أن يأخذ عرش هيرودس، ولكنه أراد أن يكون ملكًا على حياة هيرودس، لم يرد أن يأخذ منه حياته الزمنية بل أن يهبه حياة أبدية.

وإذا كان البعض يتهم العناية الإلهية بأنها لم تبال بأمر قتل الصبيان نقول[10] إن المسيح لم يكن السبب فى قتل أولئك الصبيان، بل قسوة الملك هيرودس، فالمعروف عنه تاريخيًا أنه كان محترفًا القتل ولم يتورّع عن قتل حتى أولاده عندما أحس أنهم ينازعونه فى العرش. فإذا كان هذا الملك جحودًا فليس ذلك ذنب طبيب النفوس الحكيم الذى لم يدع وسيلة ليُصلح بها ما فسد من خُلق هذا المريض، إن النفس متى كانت غبية لا ينفعها الدواء الذى يعطيه الله نفسه.

ألم يعلم هيرودس أن المولود إلهيًا؟ ألم يدعو هو نفسه رؤساء الكهنة وكتبة الشعب وسألهم عن مكان ميلاده؟ وهؤلاء بدورهم ألم يوضحوا له النبوة التى أخبرت من قبل عن هذه الحوادث؟ ألم يرَ الأمور القديمة وكيف تنطبق على الأمور الحديثة؟ ألم يسمع من المجوس أن نجمًا يثبت النبوة؟ ثم لماذا لم يحترم غيرة الأممين؟ ولا شعر بالرهبة أمام صدق النبوة؟ ولماذا لم يستخلص بنفسه من كافة هذه الأمور أن ما جرى له مع المجوس لم يكن خدعة منهم وإنما كان فعل قدرة إلهية قد دبرت كل ما يجب أن يكون؟ وببساطة لماذا لم يدرك النهاية من البداية؟ ولنفرض أن المجوس قد خدعوه فلماذا يقتل الصبيان ولا ذنب لهم؟

ولكن إذا كان هذا الرجل ظالمًا فلماذا سمح الله بالظلم ؟ لماذا سمح ملك السلام أن تحدث هذه الكارثة بسبب ميلاده؟ ولماذا فى الوقت الذى فيه انطلقت الملائكة بالتسبيح تطوب البشرية لتمتعها بالسلام السماوى، وجاء الغرباء يحملون الهدايا إلى طفل المذود ؟ يُسمع صوت نوح وبكاء وعويل كثير فى الرامة وراحيل تبكى على أولادها ولا تريد أن تتعزى؟

أقول إنه تُوجد قاعدة عامة تُطبق على كل ضيقة نتعرض لها مثل هذه. وهى أن كثيرين يظلمون ولا أحد يطيق الظلم. وأن ما نعانيه ظلمًا من أى إنسان يحسبه الله لتزكية إيماننا وزيادة مكافأتنا ـ ولتوضيح هذا الأمر، نقدم هذا المثل: لنفرض أن عبدًا مدين بمال كثير لسيده وأن هذا العبد اعتدى عليه أُناس أشرار فسلبوا جزءً كبيرًا من مقتناياته، فلو أن سيده ـ القادر على صد السالب الطماع، لم يستوف ماله، وحسب مسئولاً عن سداد الأشياء المسلوبة، فهل يكون هذا العبد مظلومًا؟ كلا. وما قولك لو عوض عليه بأكثر مما فقده؟ ألاّ يربح عندئذ ربحًا عظيمًا.

ولعلك تقول أية خطيئة ارتكبها هؤلاء الأطفال؟ ولماذا يحل بهم الظلم؟

قد تقول إنهم كانوا يستطيعون أن يحوزوا مكافآت كثيرة لو أمد الله في عمرهم. لكن ليس بالشيء القليل المكافأة التى استحقوها بموتهم لأجل قضية مثل هذه. ولو كان قد قُيض لهم أن يكونوا فيما بعد رجالاً عظامًا لما سمح الله للموت أن ينتزعهم. فالله الذى يحتمل بطول أناته أولئك الذين تنقضى حياتهم فى الإثم، لا يسمح بالأحرى بأن يهلك أولئك الصبيان قبل الأوان لو كانوا قد أُعدوا لأعمال عظيمة.

كما أن الانتقام لم يلبث أن حلّ بهيرودس، وأنزل به أشد العقوبة، جزاء ما اقترفته يداه. لأن المأساة التى اجتاحت يومئذ بيت لحم ليست أمرًا ضئيلاً إذ أن الصبيان انتُزعوا من ثدى أمهاتهم وأُخذوا إلى تلك المجزرة الظالمة الرهيبة .

هذه هى بعض الأسباب التى لدينا لا كلها. إنما يوجد غيرها بعيدة المنال يعلم بها ذاك الذى يضبط الكل.

ويبدو لنا أن عمل هيرودس الفظيع فى قتل أطفال بيت لحم الذكور يشبه قتل فرعون الذكور من شعب إسرائيل بلا رحمة، (أنظر خر1) فالنية السيئة واحدة والتنفيذ الإجرامى مطابق. وكان الخوف على موسى وهو فى المهد رضيعًا من سيف فرعون هو نفس الخوف على يسوع الطفل من سيف هيرودس.

وكنيستنا المقدسة إذ وضعت أمامها كل ما سبق جعلت يوم 3 طوبة (11 يناير) تذكارًا لاستشهاد أطفال بيت لحم.

حينئذِ تم ما قيل بإرميا النبى القائل صوت سُمع فى الرامة نوح وبكاء وعويل كثير. راحيل تبكى على أولادها ولا تريد أن تتعزى لأنهم ليسوا بموجودين ” (مت17:2ـ18).

 إذ وصف الإنجيلى متى لقرائه تلك المجزرة الهائلة الظالمة الوحشية، يعود ويعزيهم قائلاً إن تلك الحوادث لم تتم بدون إذن من الله وبغير علمه بل سبق فعرفها وأخبر عنها بواسطة نبيه. فلا نضطرب ولا تهن عزيمتنا إبان المحن بل بالحرى علينا أن نحوّل بصرنا إلى عنايته التى يتعذر وصفها فهو يعلم ما نعانيه ويُدرك استعدادنا ويعتنى بنا، ويتدخل فى الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة.

والإنجيلى أيضًا إذ يبين لنا أن ذلك الجرح كان بليغًا لا يبرأ بقوله: ” .. ولا تريد أن تتعزى لأنهم ليسوا بموجودين“. يريد أن يعلمنا كذلك أن لا نضطرب حينما يحلّ بنا ما يخالف وعد الله. فذاك الذى جاء لخلاص شعبه بل لخلاص العالم ماذا كانت أوائله: أمه تلجأ إلى الهرب، وطنه يقع فى شدائد لا يمكن التغلب عليها، قتل أشد مرارة من كل قتل، بكاء وعويل كثير ونحيب فى كل مكان. لكن لا نقلق لأن الله يأذن دائمًا بأن تتم تدابيره بما يناقضها، إذ يعطينا بذلك دليلاً قاطعًا على قدرته.

كانت راحيل زوجة ليعقوب، أب الآباء، الذى من أبنائه الاثنى عشر جاء أسباط إسرائيل الاثنى عشر، وكانت راحيل أم يوسف وبنيامين ولما ماتت أثناء ولادتها لبنيامين دُفنت بالقرب من بيت لحم (أنظر تك19:35). فلما كان قبرها داخلاً فى نصيب ابنها بنيامين (الرامة) (أنظر يش25:18) وبنيامين هو الجد الأكبر لأهل الرامة. كان الإنجيلى على صواب عندما يدعو الصبيان المقتولين، أولاد راحيل (أنظر إر15:31).

وراحيل هنا فى (إر15:31) يصورها النبى وكأنها مازالت حية تعيش وتراقب الجماعة البائسة من الشعب التى جُمعت فى الرامة تمهيدًا لنقلهم إلى السبى فى بابل. وبينما هى تسمع صراخهم وعويلهم، صورها إرميا على أنها أخذت تنوح عليهم وكانت تنوح بمرارة لأن نسلها يُنتزع من أحضانها ولم يعودوا موجودين إذ يُرحلون للأسر (أنظر2مل5:17ـ6 و2أى14:36ـ21).

والآن يأتى القديس متى ليصوّر نحيب راحيل على أولادها أطفال بيت لحم الذين ذُبحوا ولم يعودوا بموجودين ولكن ليس بعد بسيف ملك بابل بل بسيف ملك اليهودية. أما الطفل الذى ركز عليه الطاغية هيرودس فقد نجا من الموت وهرب إلى مصر بإرادته لكي يموت في الوقت المناسب ويخلص العالم بموته وقيامته.

رابعًا: العودة من مصر والسكنى فى الناصرة :

فلما مات هيرودس إذا ملاك الرب قد ظهر في حلم ليوسف في مصر قائلاً: قم وخذ الصبي وأمه وأذهب إلى أرض إسرائيل لأنه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبي. فقام وأخذ الصبي وأمه وجاء إلى أرض إسرائيل. ولكن لما سمع أن أرخيلاوس يملك على اليهودية عوضًا عن هيرودس أبيه خاف أن يذهب إلى هناك وإذ أوحي إليه في حلم أنصرف إلى نواحي الجليل، وأتى وسكن في مدينة يُقال لها ناصرة لكي يتم ما قيل بالأنبياء أنه سيدعى ناصريًا” (مت19:2ـ23).

هذا هو الحلم الثالث ليوسف (أنظر مت20:1و13:2) وفيه يأمره ملاك الرب أن يأخذ الصبى وأمه ويرجع إلى أرض إسرائيل، ذاكرًا السبب لأن الذين كانوا يطلبون نفس الصبى قد ماتوا. ومن المعروف ـ تاريخيًا ـ أن هيرودس بعد مذبحة أطفال بيت لحم، مرض مرضًا خطيرًا وسافر إلى شرقى الأردن للاستشفاء بحماماتها، ثم عاد إلى أريحا أسوأ مما كان عليه قبلاً. ومات هناك سنة 4 ق.م. وهو فى السبعين من عمره، بعد ملك دام أربعًا وثلاثين سنة.

وإذا كان الطفل يسوع قد هرب إلى مصر مع يوسف وأمه فى نفس السنة التى مات فيها هيرودس (ربما قبل الوفاة بشهور) فإن نزوله إلى مصر بعد زيارة المجوس مباشرة وبقائه فيها لم يدم كثيرًا .

ومعروف أنه بموت هيرودس خلفه ثلاثة من أولاده. الأول (أكبرهم) أرخيلاوس[11] على اليهودية والسامرة وأدومية (أنظر مت22:2)، والثانى هيرودس أنتيباس رئيس ربع على الجليل وبيرية (أنظر لو1:3)، والثالث فيلبس رئيس ربع على المناطق الشمالية مثل أيطورية وتراخونيتس (أنظر لو1:3).

كانت طاعة يوسف لأمر الملاك حاضرة دائمًا، فقام وأخذ الصبى وأمه من مصر وعاد إلى أرض إسرائيل . ولابد أن الرحلة كانت ميسّرة بعناية القدير. وربما كانت النية مبيّتة على الاستقرار فى بيت لحم لكون يوسف ومريم من بيت داود وعشيرته (أنظر لو4:2)، ولقربها من أورشليم. ولكن عند وصوله إلى أرض إسرائيل عَلِمَ أن أرخيلاوس يملك على اليهودية عوضًا عن هيرودس أبيه، فخاف. ولكى يتجنب هذا الخطر انصرف إلى نواحى الجليل فى الشمال وأتى وسكن فى مدينة الناصرة[12].

ولعل ذهاب يوسف إلى الناصرة، وهى بلدة ليست بذات قيمة وليس فقط هى وإنما كل منطقة الجليل (أنظر يو46:1، 52:7). بجانب رغبته فى تجنب الشر، أراد الله به أن يحطم من البداية ما اتسم به اليهود من افتخارهم بنسبهم إلى أسباط معينة، وإلى بلاد ذات شهرة. وأن يظهر لنا أنه ليس بمحتاج إلى الأمور الخاصة بالبشر ولكى نعلم أنه لا يجب علينا أن نزدرى بأي شئ.

وهكذا عاد يوسف ومعه الطفل وأمه إلى الناصرة وطنهم السابق. فالإنجيلى لوقا يخبرنا أن يوسف ومريم لم يصعدا إلى بيت لحم لسبب آخر إلاّ للاكتتاب (انظر لو3:2ـ5 ” وبينما هى هناك تمت أيامها لتلد فولدت ابنها البكر“). فضلاً عن أنه لم يكن لهما هناك منزل يقيمون فيه (أنظر لو7:2) ولذا فبعد أن أكملا ما صعدا لأجله عادا إلى الناصرة. كما يذكر لوقا أيضًا أنه بعد أن أكملوا كافة مراسم التطهير فى هيكل أورشليم عادوا أيضًا إلى مدينتهم الناصرة (أنظر لو39:2). وهو يقول هذا مخبرًا عن الزمن الذى سبق النزول إلى مصر لأن يوسف لم يذهب بهما إلى هناك قبل التطهير.

لكى يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيُدعى ناصريًا “.

لا توجد فى العهد القديم نبوة بهذا النص ولذا لم يذكر القديس متى اسم نبى بالذات، بل قال ” ما قيل بالأنبياء”، وقد يعنى هذا:

أ ـ أنها نبوة شفهية لم ترد مكتوبة فى الأسفار بل تناقلتها الأجيال شفهيًا. وقد أثبت الكتاب أن هناك نبوات نطق بها الأنبياء شفهيًا ولم يسجلها الوحى مثل نبوة يونان عن رد تخم إسرائيل ” من مدخل حماة إلى بحر العربة..” أى استرداد ما كان حزائيل الآرامى قد اغتصبه. ولم ترد هذه إلاّ عند إتمامها إذ قيل ” حسب كلام الرب ـ عن يد عبده يونان بن أمتاى ” (2مل25:14).

كما ورد فى سفر طوبيت أن نينوى ستخرب كما تكلم عنها يونان (أنظر طو4:14) بينما لم يذكر سفر يونان إلاّ تهديد نينوى بالخراب الذى رُفع عنها حين تابت. كما أورد العهد الجديد فى رسالة يهوذا نبوة أخنوخ النبى وهى غير واردة فى العهد القديم ” وتنبأ عن هؤلاء أيضًا أخنوخ السابع من آدم قائلاً: هوذا قد جاء الرب فى ربوات قديسيه ليصنع دينونة على الجميع..” (آية14 ـ15)[13].

ب ـ وهناك رأى آخر يقول إن كلمة “ناصرة” مأخوذة من الكلمة العبرية Natzar ومعناها “غصن”. كما يُقال إن مدينة الناصرة كانت مُحاطة بأشجار قصيرة ولذا سُميت “غصن”. كما أن هناك أيضًا النبوات التى فيها تسمى السيد المسيح “بالغصن”، كقول إشعياء مثلاً: ” ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله ” (1:11). أى أن السيد المسيح سُمى “غصن”  والناصرة تعنى “غصن” ولذا دُعى ” ناصريًا” وعليه يكون الأنبياء الذين عناهم متى والذين أوردوا هذه التسمية هم إشعياء(2:4، 1:11) وإرميا(5:23، 15:33) وزكريا(8:3، 12:6)[14].

ج ـ يُضاف إلى كل هذا أن السيد المسيح صرف فى الناصرة الجزء الأكبر من الثلاثين سنة الأولى من حياته (أنظر لو23:3، مر9:1) وربما لهذا السبب لُقب بيسوع ” الناصرى ” نسبة إليها. ولقد جاء هذا اللقب على لسان الشياطين فى اعترافها به أنه قدوس الله (أنظر مر24:1) وسمعه عنه بارتيماوس الأعمى من الجمع الغفير فى أريحا (أنظر مر 46:10ـ47). وعرّفته الجموع بهذا اللقب عندما دخل أورشليم وارتجت المدينة كلها  سأله من هذا ؟ (مت11،10:21).

وأيضًا كان عنوان صليبه وعلة موته ” يسوع الناصرى ملك اليهود” (يو19:19). كما أن بطرس الرسول دعا السيد المسيح بالناصرى (أنظر أع22:2)، وكذلك بولس (أنظر أع9:26). بل إن يسوع نفسه استخدم هذا اللقب لنفسه وقت ظهوره لشاول الطرسوسى ” … وسمعت صوتًا قائلاً لى شاول شاول لماذا تضطهدنى فأجبت من أنت يا سيد، فقال لى أنا يسوع الناصرى الذى أنت تضطهده ” (أع7:22ـ8).

كما أن تلاميذ المسيح لُقبوا “بالناصريين” (أنظر أع5:24) وقد شاع هذا اللقب حتى اليوم. فالذى يقبل الإيمان بالمسيح ويعتمد يعتبر أنه “تنصر” والمعنى أنه صار تابعًا ليسوع الناصرى .

———————————-

1 مجوس: كلمة فارسية تعنى كهنة، وبالرغم من أنه فى أيام دانيال كان يُفصل بين المجوس والسحرة (أنظر مثلاً دا10:2)، إلاّ أن لفظ مجوسى كان يُستعمل أحيانًا فى وقت بدء المسيحية ليعنى ساحرًا، وكان منهم سيمون الساحر (أع9:8)، وباريشوع (أع6:13) اللذان يوصف الواحد منهما فى بعض الترجمات بكلمة “ساحر” وفى أخرى بكلمة “مجوسى”. أنظر الأنبا أثناسيوس، إنجيل متى، بنى سويف 1985، ص 103ـ104؛ وأيضًا قاموس الكتاب المقدس ص 842.

2 أنظر الأنبا أثناسيوس، إنجيل متى، بنى سويف 1985، ص104.

3 الأنبا أثناسيوس: المرجع السابق ص 104.

4 أنظر قاموس الكتاب المقدس ص 842.

5 المرجع السابق

6 أنظر القديس يوحنا ذهبى الفم، شرح إنجيل متى، الجزء الأول، ترجمة عدنان طرابلسى، لبنان 1996، ص94.

7 أنظر القديس يوحنا ذهبى الفم، “عظة فى هرب المسيح إلى مصر”، كتاب خطيب الكنيسة الأعظم، للأب إلياس كويتر المخلصى، لبنان 1988، ص 399.

8 أنظر القديس يوحنا ذهبى الفم ، المرجع السابق، ص398ـ400.

9 أنظر القديس يوحنا ذهبى الفم ، المرجع السابق، ص 401ـ402.

10 القديس يوحنا ذهبى الفم: المرجع السابق، ص404ـ406.

11 الكلمة ” أرخيلاوس ” يونانية وتعنى “حاكم الشعب”. وقد حدث عند ارتقائه العرش أن قام اليهود بثورة ضده فى أورشليم، أخمدها هو بالقوة. ويظهر من مثل “الأمناء” (لو12:19ـ27) أن الرب يسوع يشير إلى ما حدث عندما تسلم أرخيلاوس مقاليد الحكم. وبسبب سوء حكمه خلعه أغسطس قيصر من ملكه فى سنة 6 م ونفاه إلى بلاد الغال. وبعد ذلك تولى الحكم فى اليهودية والسامرة ولاة رومانيون من أمثال بيلاطس البنطى وغيره. أنظر قاموس الكتاب المقدس ص 46.

12 الناصرة: هى مدينة فى الجليل (أنظر لو26:1، مر9:1) تقوم على جبل مرتفع (أنظر لو18:4، 29) وتبعد حوالى 86 ميلاً (حوالى 137كم) إلى الشمال من أورشليم. ولم تكن المدينة قديمًا ذات أهمية بل كانت محتقرة ربما لأن موقعها عند تقاطع طرق القوافل التجارية جعل سكانها يختلطون بأناس من الأمم. وربما لأن الحامية الرومانية المنوط بها حماية منطقة الجليل، كانت تعسكر فيها (أنظر يو46:1).

فى الناصرة ظهر الملاك لمريم يبشرها بالحبل الإلهى (أنظر لو26:1) وإليها عادت مريم مع يوسف من مصر (أنظر مت23:2) وفيها نشأ المسيح وترعرع (أنظر لو16:4). ولكنه ما إن بدأ رسالته حتى رفضه أهلها مرتين (أنظر لو16:4ـ30، مت54:13ـ58، مر1:6ـ6). أنظر قاموس الكتاب المقدس ص 946ـ947.

18 أنظر الأنبا أثناسيوس: المرجع السابق، ص 107.

20 أنظر القمص تادرس يعقوب: تفسير إنجيل متى، سبورتنج الأسكندرية 21992، ص64.

زيارة المجوس للمسيح وهروبه إلى مصر

الختان وتقديم الطفل يسوع للرب فى الهيكل – دياكون د. مجدى وهبه

الختان وتقديم الطفل يسوع للرب فى الهيكل – دياكون د. مجدى وهبه

الختان وتقديم الطفل يسوع للرب فى الهيكل – دياكون د. مجدى وهبه

الختان وتقديم الطفل يسوع للرب فى الهيكل – دياكون د. مجدى وهبه

دياكون د. مجدى وهبه

أولاً: الختان (لو21:2)

ولما تمَّت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سُمِىَ يسوع كما تسمَّى من الملاك قبل أن حُبل به في البطن “.

 

مقدمة

من سفر التكوين (10:17ـ14) نرى التزام كل ذكر ابن إبراهيم أن يختتن في اليوم الثامن لمولده، كعلامة عهد مقدس مع الله، ودخول إلى عضوية الجماعة المقدسة، وكفرض دينى للتمييز بين نسله وباقى الناس (أنظر أيضًا رو9:4ـ12). وكان عقاب الذكر (الأغلف) الذي لا يُختتن في لحم غرلته القطع من شعبه.

كان الختان (التطهير، قطع لحم الغرلة) يقوم به عادةً رب البيت ـ كما في حالة تختين إبراهيم لأهل بيته وعبيده الذكور (أنظر تك23:17ـ27)، وأحيانًا الأم ـ كما فعلت صفورة زوجة موسى النبى مع ابنها (أنظر خر24:4ـ26). أو أحد العبرانيين (أنظر 1مكا60:1).

ثم تجددت سنة الختان لموسى في (لا3:12) وقضى أن لا يأكل الفصح رجل أغلف (أغرل) (أنظر خر48:12) وكان اليهود يحافظون كل المحافظة على هذه السنة لدرجة أنهم كانوا يتممون الختان في السبت (أنظر يو22:7ـ23) وعندما أهملوا الختان أثناء رحلتهم في برية سيناء التي استغرقت أربعين سنة نرى قائدهم يشوع بن نون يصنع سكاكين من الصوان ويختن بنفسه الشعب كله قبل دخوله أرض كنعان (أنظر يش2:5ـ9).

وكان مفروضًا على كل الغرباء الذين يقبلون الدخول في اليهودية أن يخضعوا لهذا الفرض مهما تكن أعمارهم (أنظر تك14:34ـ17، 22 ، خر43:12ـ44) وقد خُتن إبراهيم وهو في التاسعة والتسعين من عمره وإسماعيل ابنه وهو في الثالثة عشرة (أنظر تك11:17ـ27).

والمعنى الروحى للختان عند اليهود هو تكريس الجسد، ولذلك كانوا يدعون أنفسهم بافتخار ” أهل الختان ” ويدعون مَن عداهم باحتقار ” أهل الغرلة” (أنظر رو17:2ـ20 ، فيلبى3:3ـ5). وفي بكور العصر المسيحى زعم فريق من اليهود المتنصرين أن حفظ تلك السُنة ضرورى للخلاص (أنظر أع1:15)، ولهذا اجتمع الرسل والمشايخ في أورشليم لينظروا في هذا الأمر، وقرروا ألاّ يُثقل على الراجعين إلى الله من الأمم بالختان وحفظ ناموس موسى (أنظرأع6:15ـ21).

هذا ولا يزال اليهود المعاصرون يمارسون هذه السُنة بكامل طقوسها، بمنزل الطفل في اليوم الثامن لمولده فيأخذه رجل يدعى ” سيد العهد” ثم يأتي الخاتن ويجرى عملية الختان مع بعض الطقوس والمراسيم. ويُسمى الطفل باسمه في ذلك اليوم أيضًا وسط احتفال من العائلة والأصدقاء بدخول الطفل إلى عهد الله مع بنى إسرائيل (أنظر لو59:1ـ60 ، 21:2)[1]

ختان الطفل يسوع

يقص لنا القديس لوقا (21:2) كيف أن الطفل أختُتن حسب عادة اليهود في اليوم الثامن، وتسمى باسم يسوع، كما تسمَّى من الملاك قبل أن يُحبل به في البطن ” ها أنت ستحبلين وتلدين ابنًا وتسمينه يسوع ” (لو30:1ـ31). وهكذا تمت أيضًا نبوة إشعياء النبى القائلة: ” الرب من البطن دعانى، من أحشاء أمى ذكر اسمى ” (1:49). ولنلاحظ هنا كيف أن التدبير الإلهى يسير منسقًا، فبين إشعياء والملاك تسجيل محفوظ عن الاسم، حفظته الأيام والسنين 700سنة على الأقل. والاسم يحمل المهمَّة العظمى التي أُعطى أن يحملها ” فستلد ابنًا وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم ” (مت21:1).

والسيد عندما جاء متجسدًا لم يكن بالتأكيد محتاجًا للختان لنفع خاص به. إنما قبل أن ينحنى بإرادته خاضعًا للناموس لأنه ” لما جاء ملءُ الزمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة مولودًا تحت الناموس” (غلا4:4) وذلك لأنه كان يليق به أن يكمل كل بر (أنظر مت15:3). وبعبارة أخرى أننا نجد هنا في الختان، الله المشرع ينفذ القانون الذى شاءَ فسنّه.

يقول حامى الإيمان في القرن الخامس الميلادى القديس كيرلس الأسكندرى ” إذا ما رأيت المسيح يطيع الناموس فلا تضطرب ولا تضع المسيح الحّر في زمرة العبيد، بل فكر في عمق السّر العظيم، سّر الفداء والخلاص[2]. ويواصل القديس إيضاحه قائلاً: ” ورغم إنه هو بالطبيعة الله ورب الكل، فإنه لا يحتقر حالتنا.. بل يخضع نفسه معنا لنفس الناموس[3]. ويُعلل ختان السيد هكذا: ” لقد ختن ـ مثل اليهود ـ في سن ثمانية أيام لكى يبرهن على خروجه من نفس أصلهم. وذلك لكى لا ينكروه. فإن كان ورغم ختانه قد قالوا عنه: ” هذا الإنسان لا نعلم من أين هو ” (يو29:9) فربما كان سيصير لهم بعض العذر في إنكارهم لهم لو لم يكن قد خُتن في الجسد وحفظ الناموس “[4].

ويمكننا أن نضيف على ذلك سببًا آخر وهو أن السيد قَبِل الختان في جسد بشريته وذلك حتى لا يشك أحد في تأنسه. ولهذا السبب ـ وللأسباب الأخرى ـ تعتبر الكنيسة عيد الختان من أعيادها السيدية السبع الصغرى وتحتفل به في 6طوبة (15يناير) من كل عام.

ولكن هل من حاجة إلى الختان الآن؟

1ـ بقيامة السيد المسيح من بين الأموات في اليوم الثامن (أنظر مر9:16) وإعطائه الختان الروحى لنا والذي يتم بصورة رئيسية في وقت المعمودية المقدسة (أنظر مت19:28) حينما يجعلنا المسيح مشتركين في الروح القدس (أنظر 1كو16:3) أُبطل هكذا طقس الختان ولم نعد بعد في حاجة إليه. وبولس الرسول يقول في رسالته إلى أهل غلاطية ” أنه في المسيح يسوع ليس الختان ينفع شيئًا ولا الغرلة بل الخليقة الجديدة ” (15:6، 6:5).

فالختان كان يشير مقدمًا إلى نعمة وفعالية المعمودية الإلهية، لأنه كما كان في القديم، يحسب المختون ضمن شعب الله بواسطة ذلك الختم، هكذا أيضًا فإن مَن يعتمد يدرج ضمن عائلة الله بالتبنى (أنظر يو12:1ـ13، كو11:2ـ12) وقد كان يشوع بن نون في القديم مثالاً أيضًا لهذا. لأنه قاد بنى إسرائيل وعبر بهم الأردن، وبعد ذلك ختنهم بسكاكين من صوان. هكذا نحن حينما نعبر الأردن (المعمودية) فإن المسيح يختنا بقوة الروح القدس ” وبه أيضًا خُتنتم ختانًا.. مدفونين معه في المعمودية .. ” (كو2: 11ـ12).

2ـ ختان العهد القديم كان يصنع باليد وكعلامة لتكريس الجسد للرب بينما ختان العهد الجديد يقول عنه بولس الرسول: ” وبه أيضًا خُتنتم ختانًا غير مصنوع بيد بخلع جسم خطايا البشرية بختان المسيح ” (كو11:2).

3ـ في القديم كان الختان يتم بقطع جزء من جسد الإنسان كرمز لقطع شغب اللذات الجسدية والشهوات، بينما المؤمنين في العهد الجديد حينما يتأسسون في النعمة ويصيرون مختونين بالروح فإنهم لا يقطعون الجسد بل ينقون القلب الذي منه مخارج الحياة (أنظر أم23:4).

ثانيًا : تقديم الطفل يسوع للرب فى الهيكل

” ولما تمت أيام تطهيرها حسب شريعة موسى صعدوا به إلى أورشليم ليقدموه للرب. ولكى يقدموا ذبيحة كما قيل فى ناموس الرب .. ” (لو22:2ـ24).

تطهير الأم القديسة كان بناء على وصية سفر اللاويين (1:12ـ7) إذ تظل الأم غير طاهرة بسبب الدم سبعة أيام، وتبقى فى البيت ثلاثة وثلاثين يومًا حتى تصير طاهرة ومهيأة للخروج، وحينئذٍ تُقدَّم الذبيحة فى اليوم الأربعين[5]. والذبيحة تقدمها فى المكان المخصص لذلك فى الهيكل فى أورشليم. وكان على القديسة مريم أن تقدم كذبيحة تطهير خروفًا حولى يُقدم كمحرقة مع فرخ حمامة أو يمامة كذبيحة خطية حيث يقدمها الكاهن أمام الرب ويكفّر عنها فتطهر من ينبوع دمها (أنظر لا6:12ـ7). ولكن لأن العذراء القديسة ويوسف لم تنل يدهما كفاية لشاة، اقتصر على تقديم زوج يمام أو فرخى حمام الواحد محرقة والآخر ذبيحة (أنظر لا8:12).

أما تقديم الطفل البكر للهيكل فينبغى أنه مُقدّم ذبيحة لله كما مكتوب فى ناموس الرب أن “ كل ذكر فاتح رحم يُدعى قدوسًا للرب ” (خر1:13ـ2، لو23:2). فهو يُدعى قدسًا لله، من خاصته، يأخذه لنفسه ليخدمه وذلك حتى لا ينسى الشعب أنه عندما تقسّى قلب فرعون عن إطلاقه ليعبد إلهه فى البرية، قتل ملاك الرب كل بكر فى أرض مصر من بكر فرعون الجالس على كرسيه إلى بكر الأسير الذى فى السجن وكل بكر بهيمة (أنظر خر29:12، 14:13ـ15).

ويُلاحظ أنه بعد أن يقدم البكر إلى الهيكل ويتراءى أمام الله، كان من المفروض أن يُحجز ليخدم الرب، ولكن الله أعفى الأبكار من خدمته واختار بنى لاوى لخدمته كسبط بأكمله.

وكلّم الرب موسى قائلاً: ها إنى قد اخترت اللاويين من بين إسرائيل بدل كل بكر فاتح رحم من بنى إسرائيل فيكون اللاويون لى. لأن لى كل بكر. يوم ضربت كل بكر فى أرض مصر قدست لى كل بكر فى إسرائيل من الناس والبهائم لى يكونون. أنا الرب ” (عد11:3ـ13).

وهكذا عوض الحجز للخدمة بالنسبة للبكر اقتصر الناموس على أن يتراءى أمام الله فى الهيكل وأن يُدفع لخزانة الهيكل خمسة شواقل فضة شاقل القدس[6] (أنظر عد44:3ـ51).

ويُلاحظ أيضًا أنه من وقت تقدمة ذبيحة اسحق والوعد بالنسل الذى فيه تتبارك جميع الأمم (أنظر تك22). من ذلك اليوم وشهوة كل بيت من بيوت الإسرائيليين تزداد بمرور الأيام فى أن يكون بكره هو النسل الموعود به لإبراهيم. وهذا ما قد تم هنا بالحرف الواحد فى ملء لزمان لبيت داود. ومن ذلك الزمان وفيما بعد صار تقديم الطفل يسوع للرب فى الهيكل عيدًا للكنيسة المرتشدة بالروح القدس تحتفل به فى 8 أمشير (15 فبراير) من كل عام.

تسبحة سمعان الشيخ (لو25:2ـ35)

وكان رجل فى أورشليم اسمه سمعان وهذا الرجل كان بارًا تقيًا ينتظر تعزية إسرائيل والروح القدس كان عليه ” (لو25:2).

وصف هذا الرجل أنه بار توضح صلته الوثيقة بالهيكل والعبادة والصلاة، كذلك صفة التقوى تفيد شدة الانتظام فى تأدية الواجبات الدينية. ولكن ما يستدعينا بالأكثر هنا أنه كان ينتظر تعزية إسرائيل، أى كان لديه رجاء قوى فى تحقيق الخلاص الذى أعده الله أمام وجه جميع الشعوب والذى سيكون بمثابة مجد لشعب إسرائيل، بالطبع فى شخص المسيا الذى ينتظروه، والدليل على صلة سمعان الشيخ الروحية بالله فى العبادة وعلى الرجاء المبارك الذى تمتع به، يؤكده القول بأن ” الروح كان عليه “، الأمر الذى تحقق يقينًا عندما أُوحِىَ إليه (بالروح القدس) أنه لا يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب.

وعندما ساقه الروح لدخول الهيكل لحظة دخول العذراء حاملة المسيح تعرّف عليه فى الحال وسط مئات الأطفال، واعتراف ببداية الخلاص لشعب إسرائيل وبامتداده كنور إلى كل العالم (أنظرلو26:2ـ32). وهكذا عندما دخل بالصبى يسوع أبواه ليصنعا له حسب عادة الناموس أخذه سمعان على ذراعيه وبارك الله لأن عيناه قد أبصرتا هذا الخلاص فى شخص الطفل الإلهى المولود. ولم يكن له فيما بعد أى شئ آخر ينتظره، ولذا طلب من السيد ” أن يطلق نفسه بسلام ” (أنظر لو27:2ـ32).

فى العهد القديم كان يمكن أن يعطى الله وعوده ويراها الموعود بها قبل أن يموت، تحقيقًا لإيمانه وتشديدًا لقومه لذلك كان سمعان بالنسبة للعهد الجديد قمة فى تحقيق وعود الله فى العهد القديم، وبرهانًا قويًا على الحق والإيمان بالحق.

هذا وإذا كانت المرأة المريضة فقط بلمسها لأهداب ثوب المسيح قد نالت شفائها فى الحال (أنظر مت20:9)، فكم وكم يكون الخير الروحى العظيم الذى ناله سمعان عندما حمل المسيح بين ذراعيه وضمه إلى صدره. وهكذا أيضًا طالما أن الإنسان لا يحمل المسيح فهو باقى فى سجنه وعاجز عن فك الربط التى تقيده. فإذا أراد الإنسان الانعتاق من كل عبودية والانطلاق فى حياة المحبة والقداسة عليه أن يحمل المسيح لا بين ذراعيه بل فى قلبه. وتأمل معى هنا كيف أن السلام مرتبط بهذا التحرر.

وقول سمعان الشيخ ” الآن تُطلق عبدك يا سيد بسلام ” يحمل أيضًا شهادة ويؤكد اعتقادًا أن لخدام الله سلامًا وراحة فى انطلاقهم فعندما تنسحب أرواحنا من زوابع هذا العالم تبلغ ميناء مدينتنا الأبدى الهادئ. والكنيسة انطلاقًا من هذا الإيمان وبحكمة وضعت هذا الجزء من إنجيل لوقا فى صلاة الساعة الثانية عشر، وصلاة وتسبحة نصف الليل، ولا يخفى على القارئ العلاقة الرمزية بين انتهاء نهار اليوم وانتهاء حياتنا الأرضية.

والخلاص الذى تحدث عنه سمعان يراه كل بشر، لا برؤية العين ـ كما رآه هو ـ ولكن بالاستعلان، فالمسيح يُستعلن الآن لكل الشعوب بالروح القدس كنور وينالون منه الخلاص بالإيمان. يقول المخلص نفسه: ” أنا قد جئت نورًا إلى العالم حتى كل من يؤمن بى لا يمكث فى الظلمة” (يو46:12)، وأيضًا يقول: ” أنا هو نور العالم من يتبعنى فلا يمشى فى الظلمة بل يكون له نور الحياة ” (يو12:8).

كما يُلاحظ أن تسبحة سمعان تعلن عمومية الخلاص وجامعية الكنيسة. فسر الفداء كان منذ القدم وقبل تكوين العالم ولكن لم يُعلن إلاّ فى ملء الزمان (أنظر غلا4:4). فكان للأمم، الشعب الجالس فى الظلمة وفى كورة الموت وظلاله، نورًا (أنظر مت13:4ـ17، 19:28ـ20) وكان لإسرائيل مجدًا لانتساب المسيح المخلص إليهم حسب الجسد.

وإذ سمع يوسف والقديسة مريم هذه التسبحة كانا يتعجبان:

أ ـ ربما لأن ما أعلنه لهما الله سرًا عند البشارة عن ولادة يسوع الذى سيخلص شعبه من خطاياهم (أنظر لو31:1 ومت20:1ـ21) صار معلنًا لسمعان الشيخ بصورة واضحة.

ب ـ وربما يرجع تعجب يوسف وأمه مما قيل، إلى أنهما ولأول مرة سمعا أن المسيح هذا سيكون نورًا للأمم وخلاصًا لجميع الشعوب. هذه النغمة لم تكن مألوفة لدى الإسرائيليين حتى وإن كانت من الأنبياء (أنظر إش5:49ـ6، 6:42). فاليهودى بطبيعته يرفض كل ما هو أممى.

ج ـ كذلك كان تعجبهما شديدًا إذ من أين عرف هذا الشيخ بسر الصبى وعلو شأنه على كل شعوب الأرض. الآن نحن نعرف أن الروح القدس كان عليه ولكن لا يوسف ولا مريم كانا يعرفان هذا.

لكن ماذا يعنى سمعان النبى بقوله عن المسيح : ” ها أن هذا قد وُضع لسقوط وقيام كثيرين فى إسرائيل ولعلامة تُقاوم ” (لو32:2)؟

1 ـ من المحتمل أنه يعنى إن كان الله قد أرسل ابنه متجسدًا لخلاص العالم (أنظر لو16:3) خلال علامة (خشبة) الصليب (أنظر يو14:3ـ15، 32:12ـ33)، لكن ليس الكل يقبل هذه العلامة ويتجاوب مع محبة الله الفائقة، بل يقاوم البعض الصليب ويتعثرون فيه. ” فكلمة الصليب عند الهالكين جهالة أما عندنا نحن المُخلَّصين فهى قوة الله ” (1كو18:1) فرسالة الصليب ستُسقط كثيرين فى العثرة وتقيم الكثيرين فى المجد.

2 ـ وربما يزيد القول أن السيد المسيح إذ هو ” حجر زاوية مختار كريم ” (1بط6:2) فالذين آمنوا به لم يخزوا. أما أولئك الذين لم يؤمنوا به سقطوا وتهشموا (أنظر مت 44:21ـ44، مز22:88ـ23) والله قال أيضًا فى موضع آخر ” هاأنذا أضع فى صهيون حجر صدمة وصخرة عثرة والذى يؤمن به لن يخزى ” (إش16:28، 1بط6:2، رو33:9).

فاليهود والأمم الذين آمنوا بالمسيح تحولوا من عبادة ناموسية وعبادة الخليقة إلى عبادة روحية للخالق نفسه، وتغيروا من روح العبودية الذى فيهم واغتنوا بذلك الروح الذى يجعل الإنسان حرًا، أى الروح القدس، وحُسبوا أهلاً أن يكونوا أبناء الله بالتبنى. ولك أن تدرك بعد ذلك ضرر عدم الإيمان به.

وكما أن النور وإن كان يُحسب ظلمة بالنسبة للكفيف لكنه يبقى فى طبيعته نورًا، هكذا الإنجيل وإن كان البعض يهلك بسبب عدم الإيمان به، رائحته تبقى دائمًا ذكية لأنه ليس هو السبب فى هلاكهم، إنما عدم رغبتهم فى الإيمان بالمخلص هو السبب. ” وهذه هى الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور ولا يأتى إلى النور لئلا تُوبخ أعماله. وأما من يفعل الحق فيُقبل إلى النور لكى تظهر أعماله أنها بالله معمولة ” (يو19:3ـ21).

3 ـ يمكن أن يعنى أن المسيح كديان حقيقى وعادل فإنه فى يوم الدينونة، سيجلس على كرسى مجده ويجتمع أمامه جميع الشعوب فيميز بعضهم من البعض كما يميز الراعى الخراف من الجداء. فيقيم الخراف عن يمينه ويسقط الجداء من على يساره (أنظر مت31:25ـ33).

4 ـ هذا من جانب ومن جانب آخر فربما سقوط وقيام الكثيرين يشير إلى سقوط ما هو شر فى حياتنا وقيام ما هو خير. فعمل السيد المسيح وباستمرار هدم الإنسان العتيق وإقامة للإنسان الجديد الذى يتجدد على صورته: ” إن كان أحد فى المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكل قد صار جديدًا ” (2كو17:5).

أما ” العلامة التى تُقاوم ” فيقصد بها الصليب المقدس الذى يقول عنه بولس إنه ” عثرة لليهود وجهالة لليونانيين ” (1كو23:1). وأيضًا يقول عنه إنه ” للهالكين جهالة، وأما عندنا نحن المُخلَّصين فهو قوة الله للخلاص ” (1كو18:1).

ويقول سمعان بعد ذلك للعذراء القديسة: ” وأنت أيضًا يجوز فى نفسك سيف. لتُعلن أفكار من قلوب كثيرة ” (لو35:2). ويقصد بالسيف هنا الألم الذى ستعانيه لأجل المسيح حينما تراه مصلوبًا وهى لا تعرف أنه سيكون أقوى جدًا من الموت، وأنه لابد من قيامته من القبر، ولا عجب إن غابت عن العذراء هذه الحقيقة فقد غابت أيضًا عن التلاميذ (أنظر مر9:9ـ10، يو22:2). وتوما ـ على سبيل المثال ـ إذا كان لم يبصر أماكن المسامير فى يدى السيد بعد قيامته ويلمس آثارها بأصبعه ويضع يده فى مكان الحربة بجنبه لما صدق أن سيده قام من الأموات (أنظر يو24:20ـ29).

أى أن السيدة العذراء سيجوز الحزن فى قلبها كالسيف، وهى واقفة أمام الصليب. والكنيسة تصلى فى قطع الساعة التاسعة (ساعة تسليم الروح) قائلة: ” عندما نظرت الوالدة الحمل والراعى مخلص العالم على الصليب معلقًا قالت وهى باكية : أما العالم فيفرح لقبوله الخلاص، وأما أحشائى فتلتهب عند نظرى إلى صلبوتك الذى أنت صابر عليه من أجل الكل يا ابنى وإلهى ” .

مع حنة النبية

وكانت نبية حنة بنت فنوئيل من سبط أشير. وهى متقدمة فى أيام كثيرة. قد عاشت مع زوج سبع سنين بعد بكوريتها وهى أرملة نحو أربعة وثمانين سنة لا تفارق الهيكل عابدة بأصوام وطلبات ليلاً ونهارًا ” (لو36:2ـ37).

حنة هى بالعبرية Hanah ومعناه ” حنان، حنون، نعمة “. وفنوئيل معناها ” وجه الله ” (أنظر تك30:32). وأشير هو الابن الثامن من بين أبناء يعقوب والثانى من بين أبناء زلفة أمة ليئة (أنظر تك12:30ـ13). وهو اسم عبرى معناه ” سعيد ” أو ” مغبوط ” وسبط أشير هو واحد من الأسباط العشرة المستوطنة للجزء الشمالى والتى انفصلت عن يهوذا فى عصر رحبعام.

على أية حال كان لهذه النبية رؤية إلهية لمعرفة الأشياء الخفية عن الناس العاديين، وبهذه الرؤية استطاعت أن تتعرف على الطفل يسوع داخل الهيكل الذى كانت تستوطنه أربعة وثمانين سنة تصلى صائمة. ولما تعرّفت عليه أخذت تعلن عنه لجميع الذين يترجون الخلاص مثلها.

ولكن أهم ما يثير انتباهنا إلى هذا الشاهد المبارك هو أنه رغم كونها متقدمة جدًا فى سنها (7 سنوات زواج + 84 ترمل = 91 + 14 سنة قبل الزواج على الأقل = 105 سنة تقريبًا)، إلاّ أنها كانت تملك رؤية روحية عالية وقدرة فائقة على الصوم المتواتر والصلاة الدائمة وسهر الليل المتواصل. إنه حقًا أمر يفوق العقول. كذلك عزوفها عن العالم فى سن العشرين (بعد ترملها) ولمدة 84 سنة أمر جدير بالاحترام. وربما كان هذا كله سببًا فى حيازتها على نعمة الله التى ساعدتها على التعرف على المسيح.

بمعنى آخر إن حياتها المديدة فى الصلاة والصوم والعبادة كونها فى الوقت نفسه نبية جعلتها ذات حساسية روحية مرهفة، فلما دخلت العذراء حاملة المسيح أحست بروحها فقامت بسرعة يقودها الروح حتى وقفت أمام الطفل يسوع تمجد وتسبح الله وتحكى عمن هو هذا المحمول على الذراع وعن الفداء المزمع أن يكون على يديه.

 

ملاحظات

أ ـ كان اليهود عادة يصومون خمسة أيام فى السنة:

1ـ يوم الكفارة عن الخطايا وذلك فى الشهر السابع (تشرى ـ إيثانيم ـ سبتمبر ـ أكتوبر) فى عاشر الشهر (10/7).

2 ـ اليوم العاشر فى الشهر العاشر (طبيت ـ ديسمبر، يناير) تذكارًا لحصار أورشليم (أنظر 2مل1:25 وإر4:52ـ6 وزك19:8) من نبوخذ نصر ملك بابل (10/10).

3 ـ اليوم التاسع فى الشهر الرابع (تموز ـ يونيو، يوليو) تذكارًا لسقوط المدينة (أنظر 2مل3:25ـ7، إر6:52، زك19:8) بعد سنتين من الحصار (9/4).

4 ـ اليوم السابع من الشهر الخامس (آب ـ يوليو، أغسطس) تذكارًا لخراب الهيكل (2مل8:25ـ11، إر12:52ـ13، زك19:8) (7/5).

5 ـ يوم فى الشهر السابع (إيثانيم، تشري ـ سبتمبر، أكتوبر) لمقتل جدليا الذى أقامه ملك بابل على الأرض وكل اليهود الذين كانوا معه (أنظر إر1:41ـ2، 2مل25:25) (/7).

وإلى جانب هذه الأصوام كان هناك الصوم التطوعى. فقد صام داود مثلاً راجيًا أن يعيش ابنه الذى ولدته له امرأة أوريا (2صم16:12). وكان الفريسيين وتلاميذ يوحنا أيام السيد المسيح يصومون كثيرًا (أنظر مت14:9). وكان اليهود يحفظون أصوامهم بتقشف فكانوا ينقطعون عن الطعام غالبًا من غروب الشمس إلى الغروب التالى. وكانوا يلبسون المسح على أجسادهم وينثرون الرماد على رؤوسهم ويتركون أيديهم غير مغسولة ورؤوسهم غير مدهونة وكانوا يصرخون ويتضرعون ويبكون (أنظر مت16:6ـ18).

ب ـ وكانوا يصلون خمسة مرات فى اليوم :

1 ـ عند الساعة الثالثة (9ص) . 2 ـ والسادسة (12 ظهرًا). 3 ـ والتاسعة (3ظ).

4 ـ وعند بداءة الليل (الثانية عشرـ 6 م). 5 ـ وعند نهايته (الأولى ـ 6 ص)

(أنظر أع1:3، 9:10، مز17:55).

وكانت الصلوات تشمل تلاوة مزامير وصلوات معينة .

العودة للناصرة

ولما أكملوا كل شئ حسب ناموس الرب رجعوا إلى الجليل إلى مدينتهم الناصرة“(لو39:2)

العودة للجليل وللناصرة، حيث ـ كمثل كل طفل يهودى ـ دراسة التوراة على يد معلّم وحضور المجمع وسماع الكلمات والنبوات ولذا قيل عن يسوع ” وكان الصبى ينمو ويتقوى بالروح ممتلئًا حكمة وكانت نعمة الله عليه ” (لو40:2).

إن الله كما يقول بولس الرسول ” أخلى ذاته آخذًا صورة عبد صائرً فى شبه الناس ” (فى7:2). أى أنه أخلى نفسه بقبوله الطبيعة البشرية. وبحمله ناسوتنا صار مثلنا بالرغم من عدم انفصاله قط عن لاهوته، وبسبب هذا الناسوت قيل عنه ” كان ينمو…” . بالتأكيد كان يمكن لله أن يتخذ جسدًا من امرأة فيصبح بمجرد ولادته رجلاً كاملاً نامى الأعضاء، لكن لو كان قد حدث ذلك، لكان من قِبل الخرافات، ولذلك سار الصبى على قوانين الطبيعة البشرية.

لقد سُجل عن الصبى أنه كان ينمو ويتقوى بالروح فلبدء عمل الخلاص انتظر السيد حتى بلغ الثلاثين من عمره، أى حين أكمل كل القامات البشرية، لا لمنفعة خاصة، ولكن لكى يسلمنا هذه القامات جميعها مقدسة وبحالة روحية كاملة.

ربما البعض يسأل كيف يتقدم الله وينمو؟ وكيف يمكن لله الذى يهب الملائكة والناس الحكمة والنعمة يُمنح هو الحكمة والنعمة؟ لنلاحظ أن الإنجيلى لم يشر إلى الطبيعة الإلهية بل أشار فى غير غموض إلى المسيح وقد وُلد إنسانًا من امرأة واتخذ صورتنا، لقد نما الجسم فى القامة، وتقدمت النفس فى الحكمة، أما الله فبطبيعته الإلهية كامل. وإذ كان اللاهوت وهو متحد بالناسوت يُعلن أكثر فأكثر لمرور الأيام لذا كانت نعمة الله على يسوع تتزايد أمام أعين الناس.

 

المراجع

1 ـ ” خطيب الكنيسة الأعظم ـ القديس يوحنا ذهبى الفم ” إعداد الأب إلياس كويتر ، منشورات المكتبة البولسية ـ بيروت ، لبنان 1988.

2 ـ تفسير إنجيل لوقا ” الجزء الأول ” للقديس كيرلس الأسكندرى، إصدار مركز دراسات الآباء ـ القاهرة 1990.

3 ـ الإنجيل بحسب القديس لوقا ، الأب متى المسكين ، دير القديس مقاريوس ـ وادى النطرون 1998.

4 ـ الإنجيل بحسب لوقا ـ للقمص تادرس يعقوب ـ كنيسة مار جرجس سبورتنج ـ الأسكندرية 1990.

1 أنظر قاموس الكتاب المقدس حرف الـ(خ) ص 337ـ338

2 تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس الأسكندرى الجزء الأول. إصدار مركز دراسات الآباء . القاهرة 1990، عظة(3) ص40

3 المرجع السابق عظة (3) ص42

4 المرجع السابق عظة (3) ص42

5 فى حالة ولادة أنثى تظل الأم غير طاهرة أسبوعين ثم تقيم ستة وستين يومًا فى البيت، وبعد ذلك تقدم الذبيحة فى اليوم الثمانين (أنظر لا5:12).

6 شاقل القدس يزن عشرون جيرة (قمحة) أى ما يعادل 11 جم فضة وبالتالى خمسة شواقل تزن حوالى 55 جم فضة.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

الختان وتقديم الطفل يسوع للرب فى الهيكل – دياكون د. مجدى وهبه

Exit mobile version