المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

المسيح – كيف عرفنا يسوع – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

كيف عرفنا يسوع – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

 

ما هي الأناجيل

في البابين الأولين من هذا الكتاب، ذكرنا الكثير عن حياة المسيح وتعليمه، ولكننا لم نتحدث إلا القليل جداً عن الكيفية التي عرفنا بها يسوع المسيح. ومن الطبيعي أن الصورة التي تخيلناها عنه قامت على أجزاء العهد الجديد التي تحدثت عن حياته وعمله، وهي الأسفار الأربعة التي نطلق عليها “الأناجيل” والتي ترتبط عادة بأسماء: “متى ومرقص، ولوقا، ويوحنا.

إلا أنه يتعين أن يكون واضحاً الآن أنه في فهمنا للأناجيل قمنا بعمل عدة افتراضات، وبشكل أو بآخر، تخيلنا صورة يسوع المسيح التي قدمت هنا. وعلى سبيل المثال، افترضنا أن الأناجيل ليست سيراً ذاتية للمسيح، بقدر ما هي عرض لمختارات من نواحي حياته وتعليمه التي بدت ذات أهمية بالغة لأولئك الذين كتبوها لأول مرة. وعلاوة على ذلك، افترضنا أن هناك الكثير من التداخل والتكرار في الروايات العديدة لحياة يسوع، ولذلك ربما يستخدم إنجيل لتوضيح أو تفسير التعليم الذي ورد في إنجيل آخر.

ثم لمحنا أيضاً إلى أنه من الممكن في الواقع معرفة شيء عن يسوع المسيح من دراسة الأناجيل، وأنه على الرغم من أنها فعلاً من نتاج الكنيسة الأولى، إلا أنها لا تحدثنا عن كاتبيها فقط، بل عن يسوع المسيح نفسه.

وقد حان الوقت الآن لدراسة بعض هذه الافتراضات، بشيء أكثر تفصيلاً لشرح الأسباب التي دفعتنا على افتراضها، ولاستكشاف تداعياتها.

ما هو الإنجيل؟

لماذا ندرس الانجيل

القارئ الحديث الذي يرى أحد الأناجيل لأول مرة قد يعتقد أنه يشبه إلى حد كبير سيرة ذاتية للمسيح. إلا أن لمحة خاطفة لأي منها، ستبين أن الأمر ليس كذلك. فالسيرة الذاتية الجيدة تبدأ عادة برواية عن سنوات طفولة الشخصية التي تتناولها، ثم تعرض بالتوالي إلى مرحلة المراهقة ثم البلوغ، كي تبين كيف نما الشخص الناضج استجابة للتأثيرات المختلفة في بداية حياته والبيئة التي نشأ فيها.

وعلى النقيض من ذلك، نرى أن التأكيد الرئيسي في الأناجيل لا ينصب على مجرى حياة يسوع المسيح، بل على أحداث الأسبوع الأخير منها على وجه التقريب. وهذه سبقتها تقارير عن تعليم يسوع، ورواية عن بعض الأحداث القليلة ترجع إلى فترة الثلاث سنوات السابقة لوفاته، مع عدم أي ذكر في الواقع لطفولته وفترة مراهقته. ولو كانت هذه سيرة ذاته، فإنها لا ريب سيرة ذاتية غير عادية.

وبمقدورنا وبمنتهى السهولة أن نعرف حقيقة الأمر بالرجوع إلى الأناجيل ذاتها. وعوض أن نحاول تصنيفها كما يفعل أي أمين مكتبة الآن، علينا أن نسأل، ماذا اعتقد كاتبوها بخصوص ما يفعلون وهم يكتبونها؟ لنأخذ على سبيل المثال إنجيل مرقص، وهو الإنجيل الذي يعتقد بوجه عام أنه أقدم الأناجيل الأربعة. والكتاب يصف عمله في العبارة الافتتاحية على أنه “بدء إنجيل يسوع المسيح”[1].

وهذا القول يأتي كعنوان أو مقدمة لما سيتبعه، ونجد هنا كلمتين هامتين لفهم الغرض من هذا الإنجيل، والكلمتان هما: “بدء” و”إنجيل”. وكلمة “إنجيل” هي ببساطة ترجمة لكلمة مرقص اليونانية “Evangilion” وقد اختيرت أساساً لأن للكلمتين معنى واحد هو: “أخبار سارة”. إذاً، فقد كان مرقص يكتب عن “بدء الأخبار السارة”.

وماذا يعني هذا؟ لقد سمع مرقص وكتبة الأناجيل الأخرى “الأخبار السارة” عن يسوع المسيح [2]. ولقد تقبلوا مصداقيتها واعترفوا بالمسيح كسيد لحياتهم[3]. ومرقص نفسه أصبح بناء على ذلك منخرطاً بشكل عميق في عمل الكنيسة، وتضمن جزءًا هاماً من عمله كلاً من الكرازة وتعليم الرسالة مما غير مجرى حياته هو شخصياً[4].

والكرازة والتعليم المشار إليهما سجلا في العهد الجديد، وفي صيغته الأساسية الخالصة يتكون من أقوال لخصها “دود” في تعريفه في كتابه “الكرازة الأولى”.

وبالنسبة لمرقص ومعاصريه لم تكن هذه الرسالة مجرد ذكر للحقائق المتعلقة بالإيمان المسيحي، بل كانت بمعنى أهم “الأخبار السارة” لإيمانهم، لأنهم فيما قبلوا دعوتها للتوبة وجودها اختبار تغيير حياة.

ولذلك حين وصف مرقص إنجيله بأنه “بدء الأخبار السارة” فهو بهذا كان يقول إن هدفه هو أن يصف المرحلة الأولى من تطور الرسالة التي استجاب لها هو وآخرون. والقصة التي يرويها تشكل جزءًا هاماً لا يتجزأ من قصتهم واختبارهم كمسيحيين، وكان للوقا غرض مماثل: فهو يكتب ليعرف قراءه المضامين الكاملة للرسالة المسيحية التي كثيراً ما سمعوا عنها[5]. والواقع أن لوقا شعر أنه من الواجب عليه أن يؤكد استمرارية حياة الكنيسة بحياة المسيح، وذلك بكتابة سفر آخر (سفر أعمال الرسل) ليجعل القصة كاملة تماماً.

وحين نطلق على كتبة الأناجيل لقب “إنجيليين” فإننا بذلك نصف قصدهم الحقيقي. لأنهم كانوا مهتمين بالدرجة الأولى بأن يوصلوا رسالتهم عن يسوع المسيح إلى معاصريهم، ثم بعد ذلك – بصفة ثانوية – يتناولون الاهتمامات العادية لكاتب السيرة، ولو أنهم لم يهتموا بهذه النقطة الأخيرة. وهذه الحقيقة لها على الأقل ثلاث نتائج هامة لفهمنا للأناجيل التي كتبوها:

يجب النظر إلى الأناجيل على اعتبار أنها تتضمن أقوالاً أو أحداثاً انتقائية تتعلق بحياة يسوع المسيح وتعليمه. وفي كرازتهم للرسالة لا ريب أن الرسل وآخرين تحدثوا عن أحداث من حياة المسيح بنفس الطريقة التي قد يستخدم بها الكارز الحديث توضيحات ملائمة لتفسير نفس النقاط اللاهوتية التي يعرض لها.

ولا ريب أن مرقص والإنجيليين الآخرين كانوا قد سمعوا عن هذه الأحداث التي استعملت لتوضيح كثير من المواعظ، وضمنوها أناجيلهم لأغراض مماثلة وبشكل أوسع. والواقع أن “بابياس Papias” وهو أباء الكنيسة الأولى زعم أن إنجيل مرقص يتكون من مادة استخلصت من كرازة بطرس نفسه.

وحقيقة أن المعلومات التي تتضمنتها الأناجيل التي استعملت أولاً لتوضيح رسالة الكنيسة تفسر لنا أيضاً بعض الصعاب التي كثيراً ما نستشعرها عما يبدو لنا من عدم اكتمال بعض روايات الإنجيل. وإذا جمعنا بين الأناجيل الأربعة معاً فبالكاد تحوي المعلومات الكافية لتسجيل ثلاث سنوات من حياة أي شخص، فما بال أن يكون هذه الشخص نشيطاً كالمسيح، إلا أنه إذا ما عرفنا أن المعلومات المتوافرة لنا قد حفظت بسبب ارتباطها بحياة أولى الكنائس، سنفهم بسهولة السبب في أن الكثير مما كنا نود معرفته قد ترك دون تدوين.

وهذا يفسر لنا السبب في أننا لا نجد أي ذكر في العهد الجديد لطفولة يسوع المسيح المبكرة، بل ولا أية أوصاف بالنسبة لشبهه أو من أية نوعية من الأشخاص كان. ولو كان الإنجيليون يكتبون لمجرد إشباع فضول الناس ورغبتهم في معرفة كل شيء عن يسوع المسيح، لضمنوا أناجيلهم هذه النوعية من المعلومات. ولكن هذا لم يكن قصدهم، لأنهم كانوا مهتمين بصفة أساسية بربح الناس للإيمان بربهم وسيدهم، ولهذا السبب لم تكن مثل هذه التفاصيل تهمهم من هذه الناحية.

إذا كانت الأناجيل توضيحات للكرازة الرسولية، فهذا معناه أن ليس بوسعنا النظر إلى محتوياتها على اعتبار أنها قصص بسيطة عن يسوع المسيح. فلا بد وأن يكون لها صلة وثيقة بالفكر اللاهوتي لكتاب الإنجيل. وقد جاء وقت انتشرت فيه فكرة افتراض أنه من الممكن أن نستخلص من الإنجيل صورة لمعلم جليلي بسيط، غيرها بولس وآخرون في وقت لاحق إلى رسالة لاهوتية عن ابن الله.

إلا أنه أصبح من المعروف الآن، وعلى نطاق واسع أن الأناجيل نفسها هي بذاتها من بين أكثر الوثائق اللاهوتية الهامة للكنيسة الأولى، وأن الحقيقة هي أنها ليس بوسعنا إطلاقاً اكتشاف صورة للمسيح كمعلم بسيط من الجليل. وبقدر ما استطعنا الرجوع إلى المصادر القديمة، فإن يسوع المسيح الذي وجدناه على صفحات العهد الجديد هو دائماً شخص يزعم لنفسه أموراً عظيمة، ويدلي بأقوال محددة عن علاقة الإنسان بالله. وكل تعاليمه، وكل حدث سجلته الأناجيل يتضمن بصفة خاصة شيئاً لاهوتياً يريد قوله لنا.

ç وكما سبق لنا القول، فإنه إذا كان كتبة الأناجيل قد اختاروا مادة للكتابة ليخدموا أهدافهم الشخصية، فمعنى هذا أنه قد يكون بوسعنا اكتشاف شيء عنهم وعن قرائهم بمقارنة اختيار كل منهم للمعلومات المتعقلة بالمسيح واستخدامه لها. وبالنسبة للأناجيل الثلاثة الأولى بمقدرونا عمل ذلك بكل يسر، لأنها على وجه التقريب تروي لنا نفس القصة وبنفس الترتيب، وكل منها يكرر أجزاء كبيرة من المادة التي نجدها في الأناجيل الأخرى.

وبمقارنة الطرق المختلفة التي استخدم بها كل من متى ومرقص ولوقا أعمال يسوع المسيح وتعليمه في رواياتهم، يمكننا بسهولة أن نعرف شيئاً عنهم والوضع الذي عاشوا وعملوا فيه.

وعلى هذا، فإنه لكي نفهم الأناجيل فهماً تاماً فإن ذلك يشكل عملية معقدة. فنحن نحتاج إلى معرفة السبب في أن الإنجيليين كتبوا بالطريقة التي كتبوا بها، ومتى كان ذلك. فإننا سنحتاج إلى محاولة فهم الطريقة التي جمعوا بها مادتهم، ولماذا استخدموها بطريقة معينة دون أخرى. كما أننا علينا أن نتذكر وبصفة دائمة أن أناجيلهم لم تكتب إلا بقصد المهمة الكرازية للكنيسة: وهي لم تكتب كسيرة ذاتية أو تاريخ، أو حتى كمادة لاهوتية بالمعنى المألوف.

الكرازة والكتابة

هناك سؤال واضح يمكن طرحه فيما يختص بالأناجيل وهو: من أين استقى كُتاب الأناجيل معلوماتهم، وما الذي عملوه بها؟ وللوهلة الأولى قد يبدو هذا سؤالاً خارجاً إلى حد ما عن الموضوع، أو نوعاً من تسلق قمة جبل إفرست بالنسبة للاهوتي، يجب عليه قهرها لا لشيء سوى أنها موجودة. لكنه سؤال مفيد يؤدي إلى فهم مقنع لطبيعة الأناجيل. فتتبع مصادر كاتب ما وفحص أسلوبه في استخدامها يمكن أن يشكل جزءًا هاماً لفهم ما يقوله.

فإذا كنا نعرف ما يعلمه، فبإمكاننا أن نفهم وبوضوح أكثر، ما الذي يهدف إليه. وإذا أسأنا فهم طريقته، فمن المحتمل تماماً أننا سنفشل في فهم رسالته الأساسية.

وبالنظر إلى أنه من المؤكد أن الأناجيل قد كتبت في سياق كرازة الكنيسة الأولى، فلنا أن نتوقع وجود بعض إلماحات إلى أصلها، وذلك بفحص رسالة الكنيسة. وهذا ما يتضمن بالضرورة ثلاثة موضوعات رئيسية، أولاً: الإنجيل المسيحي مرتبط بالمواعيد المذكورة في العهد القديم. ثانياً: سلسلة من الأقوال عن يسوع المسيح وأهميته. وأخيراً: كانت هناك دعوة للناس أن يتوبوا أو يقبلوا الرسالة.

نصوص العهد القديم

بدأت الرسالة بالقول إن المواعيد التي تضمنها العهد القديم قد تحققت في حياة يسوع المسيح. وفي ملخصات العهد الجديد لهذه الكرازة، كثيراً ما يقدم هذا القول بطريقة عامة إلى حد ما. إلا أنه في مواقف الحياة الواقعية لا بد وأنه كان إعلاناً جاء أكثر وضوحاً. فأي شخص ملم بالعهد القديم لن يقتنع إلا بعد أن يعرف تماماً ما هي النبوات التي كان من المفترض أن تتم بالمسيح. ونعرف من دليل آخر من بين الأعمال المفضلة لدى اليهود هي جمع قوائم لفقرات العهد القديم التي سيتممها المسيا حين يأتي.

وعلى سبيل المثال نجد أن أهل قمران كانوا يحتفظون بمثل هذه القوائم، وهكذا فعلت جماعات يهودية أخرى. وهذه القوائم يشير إليها العلماء عادة بكلمة “شهادات”.

وهناك عدد من الإشارات في العهد الجديد بأن قوائم النصوص هذه كان المسيحيون يستعملونها بشكل منتظم منذ البداية. فنجد في إنجيلي متى ويوحنا كثيراً من نصوص العهد القديم قد ذكرت للاستشهاد بها، مع إشارة إلى أنها تحققت في حدث معين في حياة يسوع المسيح. ومع ذلك ومما هو لافت للنظر أنهما بالكاد يستعملان نفس الفقرات. ولعل ذلك يرجع إلى أنهما كانا يستعملان مجموعات مختلفة من الشهادات.

كذلك في بعض رسائل بولس، نجد أيضاً نصوصاً من العهد القديم جمعت معاً في فقرات متصلة فيما يبدو أنها جاءت عشوائية، ومن المعقول أن نعتقد أن بولس وجدها أساساً وهي مجمعة معاً تحت نفس العنوان في مجموعة نصوص العهد القديم الخاص به. ولعل جمع هذه النصوص من العهد القديم كان من أوائل النشاط الأدبي للكنيسة المسيحية. فقد كانت من أجل تسهيل عمل الكارزين المسيحين، حتى يكون بمقدورهم أن يستشهدوا بنماذج معينة منها لدعم أقوالهم بأن يسوع المسيح أكمل مواعيد العهد القديم الخاصة بالمسيا.

 

كلمات يسوع

إن العنصر الرئيسي في الكرازة Kyrgma هو سلسلة الأقوال التي ذكرت عن يسوع المسيح نفسه. ومن المؤكد أنه في الأيام الأولى من وجود الكنيسة لم يكن من المستطاع إعلان الرسالة إلا بإشارة عابرة إلى حياة المسيح وتعليمه. ذلك أن معظم المسيحيين كانوا أصلاً من اليهود، وكانت الكنيسة لا تزال شيعة محلية فلسطينية، ولا بد أن كثيرين في فلسطين قد عرفوا شيئاً عن المسيح، مهما كان قليلاً.

إلا أنه لم يمر وقت طويل إلا وكان المرسلون المسيحيون ينتشرون في أماكن خارج فلسطين، حاملين تعليمهم إلى أجزاء الإمبراطورية الرومانية حيث لم يكن أحد يعرف شيئاً عن يسوع. ولا بد أنه كان من الضروري في هذه المرحلة، بالنسبة للكارزين بالأخبار السارة أن يضمنوا رسالتهم بعض المعلومات الحقيقية عن يسوع المسيح نفسه، حتى وإن اقتصرت على أحداث موته وقيامته.

وما أن يصبح الناس مسيحيين إلى ويحتاجون إلى تعليم بخصوص إيمانهم الجديد. وهذا التعليم يتضمن معلومات عن المعتقدات المسيحية، وكذلك نصيحة عن السلوك المسيحي من النوعية التي كثيراً ما نجدها في رسائل العهد الجديد. ومن مصادر هذا التعليم الواضحة والهامة لا بد وأن تكون الأقوال التي يذكرون أن يسوع المسيح نفسه قالها. وليس من الضروري أن تقدم هذه كمعلومات عن يسوع، وهذا ما نستطيع معرفته من نصيحة بولس إلى أهل رومية (12-13). فالكثير مما يقوله قريب جداً من تعليم يسوع المسيح في العظة على الجبل حتى أنه من الصعب الاعتقاد أن الاثنين لم يستندا إلى نفس المصدر.

ومع ذلك لم يقل بولس مطلقاً إن نصيحته مستمدة من تعليم المسيح نفسه. وهناك أجزاء أخرى من كتابات بولس تبين أيضاً أن تقاليد تعاليم يسوع المسيح كانت معروفة لدى كنائس الأمميين الأولى[6]. لذلك فمن المحتمل جداً أنه قبل كتابة الأناجيل بصورتها الحالية بوقت طويل كانت أقوال يسوع المسيح قد جمعت معاً كدليل لإرشاد المعلمين في الكنيسة الأولى. ولا شك أنه كان هناك عدد من مجموعات تعليم يسوع المسيح هذه، عملت لأغراض ومناسبات مختلفة في حياة الكنيسة، والدارسون كثيراً من يطلقون على هذه المجموعات كلمة “Logia” أي أقوال السيد المسيح.

وعلاوة على الاعتبارات العامة السابق ذكرها، هناك العديد من المبررات الأساسية الهامة للاعتقاد بأن هذه كانت من أول أنماط الكتابة المسيحية عن يسوع المسيح.

ç ونعرف أنه كانت توجد مجموعات لاحقة من هذه النوعية، حتى بعد كتابة أناجيل العهد الجديد بفترة طويلة. وهناك عدد من قصاصات البرديات التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث الميلادي، والتي وجدت في البهنسا في مصر، تحتوي على أقوال للمسيح، بعضها مختلف عن تلك الموجودة في الأناجيل.

وقد وجد كتاب كامل لمثل هذه الأقوال مكتوب باللغة القبطية تم العثور عليه في مصر. وقد عرف باسم “إنجيل توما”. وهو يحتوي على أقوال للمسيح ليست موجودة في العهد الجديد، ومع ذلك قد تكون حقيقية. ومع هذا وسواء كانت حقيقية أم لا، فإن هذه الوثائق لا تظهر بوضوح تام أنه كان من عادة الكنيسة الأولى أن تعمل هذه المجموعات الخاصة بأقوال السيد المسيح.

ç وفي الفترة 130-140م، كتب بابياس أسقف هيرابوليس، Papias the bishop of Hierapolis كتاب “شرح أقوال الرب” من خمسة أجزاء. ومع أن معظم هذا الكتاب مفقود الآن، إلا أنه لدينا بالفعل قصاصات قليلة منه على شكل مقتبسات وردت في كتابات أناس آخرين. وإذا كتب بابياس عن “متى قال إنه جمع أقوال المسيح “Logia” باللغة العبرية، وكل واحد فسرها بحسب ما استطاع. والمقصود بهذا القول على وجه الدقة أمر غير مؤكد، لكن معظم الباحثين يعتقدون أن اللوجيا “أقوال يسوع المسيح ” التي يشير إليها هي مجموعة من أقوال المسيح وليست السفر الذي نعرفه باسم “إنجيل متى”.

ç تنظيم المادة في الأناجيل كثيراً ما تشير إلى أن أقوال يسوع المسيح جمعت معاً قبل أن توضع في سياقها الحالي. وهناك مجموعات كثيرة من الأقوال بينها الصلة ضعيفة، ولا تشكل أي حجة مترابطة منطقياً. على سبيل المثال الأقوال عن الملح في إنجيل مرقص، تبدو في الواقع مختلفة تماماً بعضها عن بعض، ولعلها جمعت معاً لمجرد أنها كلها تذكر الملح[7].

ç ثم أمامنا العظة على الجبل بكاملها[8]. ولو حاول أي شخص في أي عصر أن يكتشف حجة الموعظة سيدرك استحالة المهمة، لأنها لا تتضمن حجة مترابطة منطقية. وما لدينا هو مجموعة تعاليم للمسيح جمعت معاً لأنها كلها تتناول مجموعات أخلاقية. ولكنها لا تتواصل بنفس الطريقة التي يتوقع أن تكون عليها العظة الحديثة. وطبقاً لما يقوله بروفسور جيرمياس Jeremias، أن السبب في ذلك يرجع إلى أن العظة في الأصل كانت تشكل مجموعة من أقوال يسوع المسيح، نظمت على هذا النحو لكي تكون سهلة التناول بالنسبة للمنضمين حديثاً في الإيمان المسيحي.

ç وهناك سبب قوي لافتراض وجود مجموعات من أقوال يسوع المسيح في وقت مبكر من تاريخ الكنيسة، يتمثل في حقيقة أنه كان لدى متى ولوقا كمية كبيرة من المادة المشتركة بين إنجيل كل منهما، ولكنها لا توجد إطلاقاً في إنجيل مرقص[9]. وتكاد هذه المادة تتكون في جملتها من تعاليم يسوع، ولكنها تتضمن أيضاً قصة عماده[10]. كما تتضمن التجربة وقصة معجزة واحدة هي شفاء عبد قائد المئة[11]. والتفسير العام المقبول لهذه المادة المشتركة هو أن متى ولوقا، استعمل كلاهما نفس مجموعة أقوال يسوع وأدمجها كل منهما في إنجيله[12].

والمفسرون يطلقون على هذه الأقوال المصدر (َQ). وربما كانت وثيقة مكتوبة، أو ربما تكون مجموعة من التقاليد الشفهية. ومن المؤكد أن وجودها في شكل ما أمر حقيقي، ولا سيما أن محتوياته تشابه إلى حد كبير مجموعات الأقوال النبوية التي نجدها في العهد القديم. وإلى جانب كلمات النبي التي تجمع معاً ويقوم تلاميذه بتحريرها، فإن الأسفار النبوية كثيراً ما تتضمن أيضاً رواية عن دعوة النبي، وحدثاً أو اثنين من الأحداث البارزة في حياته.

وهذا هو بالضبط ما نجده في التقليد المسمى (Q). فنجد قصة معمودية المسيح وتجربته في البرية (اللتان يمكن القول إنهما بمثابة دعوته)، كما نجد توضيحاً لأكثر أنشطته النمطية: معجزة وشفاء. إلا أن التأكيد الرئيسي إنما يكون على تعليمه.

وبناء على الدليل الذي تم جمعه حتى الآن، بوسعنا الاستنتاج انه من بداية وجود الكنيسة كان اهتمامها الرئيسي منصباً على نوعيتين من الكتابة هما: الشهادة Testimonia وأقوال يسوع المسيح Logia. ولعلهم أيضاً كان لديهم مخطط مشترك متفق عليه بالنسبة لمجرة حياة المسيح وتعليمه. إلا أنه قبل وقت طويل بدأت تبرز الحاجة إلى ضرورة جمع كل هذه المادة معاً في صورة تقبل الاستمراربة بشكل أكثر. وهذه العملية لم تتم بالطبع بين عشية وضحاها.

والواقع أنها ربما لم تكن في الحقيقة منفصلة على الإطلاق، بل كانت مجرد توسع وإكمال للعمل الذي سبق أن بدأ بعمل مجموعات من “الشهادة” و”أقوال يسوع”. غير أن المحصلة النهائية تمثلت في الوثائق الأربع التي نعرفها الآن بأسماء: إنجيل متى وإنجيل مرقص، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا.

وضع الأناجيل معاً

الأناجيل الثلاثة الأولى تسمى “المتشابهة Synoptics” لأنها تتشابه إلى حد كبير، والطريقة ذاتها التي حول الكتبة بها “أقوال يسوع” إلى أناجيل هي أساس مشكلة التشابه Synoptic Problem”.

وهذه الأناجيل في الواقع ما هي إلا ثلاث طبعات مختلفة لنفس المادة الأساسية تقريباً. وكثير من هذه التشابهات يمكن بالطبع تفسيره بافتراض أن هؤلاء الإنجيلين كانوا يستعملون نفس مجموعة الأقوال التي كانت متداولة بين مجموعة مختلفة من المسيحيين. ولكن التشابهات أكثر من ذلك تعقيداً، لأنه توجد أمثلة كثيرة جداً، حيث استعملت الأناجيل الثلاثة نفس اللغة بعينها من حيث المفردات اللغوية والتركيبات النحوية، الأمر الذي حمل معظم الباحثين على الاعتقاد بأنه لا بد وأنهم كانوا يستعملون نفس المصادر المكتوبة.

أما التفسير الذي قيل بوجه عام فيما يتعلق بهذه التشابهات فيتمثل في “نظرية المصدرين” والتي تفترض أن متى ولوقا استخدما نفس وثائق المصدرين في كتابة قصتيهما عن حياة يسوع المسيح وتعليمه. وكانت هذه هي المصادر التي نعرفها الآن بإنجيل مرقص والمصدر المفترض (Q). ومن المؤكد بالطبع، أن لوقا على الأٌقل استخدم مصادر متنوعة في كتابة إنجيله، ذلك لأنه يقول صراحة إنه فحص عمل أناس آخرين، واختار منها تلك الأجزاء التي كانت تناسب هدفه من الكتابة. وعلى ضوء العلاقات الأدبية الوثيقة بإنجيلي مرقص ولوقا، يبدو أن متى استخدم نفس الأسلوب في كتابة إنجيله.

وإذ توصل الباحثون إلى استنتاج أن متى ولوقا استخدما إنجيل مرقص كمصدر لهما، فقد حللوا نص الأناجيل الثلاثة المتشابهة مستخدمين على الأقل خمس معايير مختلفة:

ç الصياغة: مقارنة الكلمات المستخدمة في نصوص مختلفة تعد طريقة بسيطة جداً لتحديد العلاقة الأدبية بينها. وأكثر من نصف المفردات اللغوية المستخدمة فعلاً في إنجيل مرقص، نجدها متضمنة في إنجيلي متى ولوقا، وكلاهما يحتويان على أجزاء متطابقة لا نجدها في إنجيل مرقص. ولذا فإنه من الواضح أنه كان هناك مصدر واحد معروف لهم جميعاً، كما أن هناك مصدر واحد استخدمه متى ولوقا فقط.

ç الترتيب: إذا اتفقت ترتيب أحداث في قصة موجودة في أكثر من إنجيل واتفقت الأجزاء التي بها نفس الصياغة، نستطيع أن نخطو خطوة إلى الأمام ونفترض وجود مصدر مشترك اتبع ترتيبه واستخدمت كلماته بواسطة الإنجيليين الثلاثة جميعاً. وهنا أيضاً يوجد دليل كاف على هذا. فإن متى ومرقص ولوقا اتبعوا كلهم نفس الترتيب العام للأحداث. فهم يبدأون بخدمة يوحنا المعمدان، ثم ينتقلون إلى الحديث عن معمودية المسيح وتجربته في البرية.

بعد هذا تأتي خدمة عمل المعجزات والتعليم في الجليل، والتي بدأت تثير مقاومة من الرؤساء اليهود. ثم يقوم المسيح برحلات صوب الشمال ليعطي تعليماً لتلاميذه على انفراد. وأخيراً يتوجهون إلى أورشليم، ونجد قصة أيامه الأخيرة هناك، محاكمته، صلبه، ثم قيامته.

وفي هذا الإطار العام، هناك أحداث معينة سجلت أيضاً في كثير من الأحيان بنفس الترتيب.

وسمة الأناجيل المتشابهة هذه، تتضح على أفضل نحو إذا افترضنا أن إنجيلي متى ولوقا كانا يستخدمان إنجيل مرقص، كمصدر لهما وليس العكس. لأنه مما يلفت النظر أنه حين يخرج متى عن نهج نظام مرقص، نجد أن لوقا يحتفظ بنفس ترتيب مرقص، وحين يخرج لوقا عن نظام مرقص، نجد أن متى يتبع نهج مرقص. وهناك حدث واحد يضعه كل منهما بنظام يختلف عن ترتيب مرقص وهو: تعيين الاثني عشر[13].

فأحياناً يتخلى متى أو لوقا عن نمط قصة مرقص كي يضيف شيئاً جديداً[14]، غير أنهما بعد هذه الإضافة يعودان إلى النقطة التي في إنجيل مرقص، والتي كانا قد توقفا عندها[15]. وهذه من أقوى الدعامات التي تدعم الاعتقاد أن متى ولوقا استخدما إنجيل مرقص وليس العكس.

ç المحتويات: تحليل محتويات القصص كشف أيضاً عن استخدام مصادر مختلفة. فإذا سجل أحد الكتبة نفس القصة بنفس الكلمات والترتيب الذي استخدمهما كاتب آخر، فإنه يكون بوسعنا افتراض إما أن أحدهما استخدم عمل الآخر، وهذا ما حدث بالنسبة للأناجيل المتشابهة، فمن بين 661 آية الموجودة في إنجيل مرقص، نجد في متى منها 606 آيات بنفس صيغتها، ونصفها أيضاً نجده في إنجيل لوقا.

ç الأسلوب: هذا معيار صعب جداً من ناحية استعماله بطريقة مرئية، فأسلوب الكاتب يمكن أن يعتمد على أمور كثيرة، ومنها الوضع الذي يكتب أثناءه، والقراء الذين يقصدهم، وما إذا كان يستخدم سكرتيراً أم لا، وهكذا.

ومن المؤكد أن هناك اختلافات بارزة في الأسلوب بين مرقص والإنجيلين المتشابهين الآخرين. وإنجيل مرقص، على وجه العموم، كتب بلغة يونانية أقل مستوى من اللغة التي كتب بها الإنجيلان الآخران. على سبيل المثال، تراه كثيراً ما يصف الأحداث بالفعل المضارع التاريخي (يستخدم الفعل الحاضر للحديث عن شيء وقع في الماضي). ومع ذلك نجد أن متى ولوقا يستخدمان دائماً الفعل الماضي، وهذه بالطبع هي الصيغة الأدبية الصحيحة.

وكثيراً ما ثار الجدل بأن هذا الاختلاف يبين أن متى ولوقا كانا يستخدمان إنجيل مرقص – وليس العكس – وهي حقيقة مؤكدة أنه إذا كان مرقص قد اطلع على إنجيلي متى ولوقا لكان يعد أمراً شاذاً للغاية أن يقوم بتغير قواعد النحو الجيدة بأخرى رديئة.

ولكن هذه الحجة تعتمد على افتراض أن الإنجيليين استخدموا مصادرهم بطريقة خرقاء، حيث كانوا ببساطة ينقلون النص كلمة كلمة. غير أنه ليس هناك باحثون كثيرون ممن يتبعون مصدراً بحذافيره بحيث يسمحوا لأسلوبه بأن يعتم على أسلوبهم. وإذا كان مرقص ضعيف الكتابة باليونانية، فإن قواعد لغته المستعملة ستكون رديئة سواء كان ينقل عن مصدر آخر أم لا.

ولسوف نكون على صواب حقاً حين نلاحظ أنه في ثمان حالات سجل فيها مرقص أقوالاً للمسيح باللغة الآرامية، لا نجد لها مثيلاً في لوقا. ولا نجد سوى مثالاً واحداً لها في متى. والاحتمال الأكيد هو أن متى ولوقا حذفا الأقوال الآرامية، إلا أن مرقص تعمد ذكرها.

ç الأفكار واللاهوت: إذا أمكن بيان أن قصة أحد الأناجيل تتضمن فكراً لاهوتياً أكثر تطوراً من قصة أخرى، هنا يبدو من المعقول النظر إليها على أنها أحدث الاثنين. ويبدو هذا اختباراً بسيطاً، غير أنه من السهل تطبيقه من الناحية العملية، فكثيراً ما يكون من الصعب التأكد من أن ما يبدو أنه اختلاف في الوضع يكون بالفعل اختلافاً حقيقياً. وعلى أي حال، من الذي يحدد ما هو “فكر لاهوتي متطور”، وكيف لنا أن نكون واثقين أن هذا لا بد وأن ينتمي إلى وقت لاحق ولا يرجع إلى نظرة “أولية”؟

وحين نتذكر أن فكر بولس المتطور بدرجة عالية، كان موجوداً بالتأكيد في الوقت الذي كانت تتشكل فيه الأناجيل، وهنا يكون بوسعنا أن ندرك أن تحديد مثل هذه الاختلافات، وعلاقة ترتيبها الزمني بعضها ببعض، لا بد وأن يكون أمراً موضوعياً للغاية.

وهناك بالطبع عدد من التأكيدات المختلفة في الأناجيل. إلا أنه من الصعوبة أن نعرف على وجه اليقين ما هي أهميتها من ناحية كتابة الأناجيل. فعلى سبيل المثال، يبدو أن متى ولوقا عدلاً أو حذفاً أقوالاً معينة جاءت في إنجيل مرقص يمكن الاعتقاد أنها تشين يسوع. فقول مرقص الفظ إن المسيح في الناصرة: “لم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة”[16]، جاء في متى على هذا النحو: “ولم يصنع هناك قوات كثيرة”[17]، أما لوقا فقد حذف هذا القول بجملته.

ونفس الشيء يقال عن سؤال المسيح في إنجيل مرقص: “لماذا تدعوني صالحاً”[18]، جاء في متى على النحو التالي: “لماذا تسألني عن الصالح”[19]، بحسب إحدى الترجمات.

وهذه النقاط الخمس ليست جميعها على نفس القدر من الأهمية. فهناك صعبات في تقدير قيمة الاثنتين منها على الأقل. ولكنها إذا أُخذت معاً فإن محصلة الدليل الذي تشكله يمكن تفسيره بسهولة إذا افترضنا أن متى ولوقا استخدما قصة مرقص، إلا أن متى كان الإنجيل الأساسي الذي لخصه مرقص والذي اختار منه لوقا بعض المقتطفات.

مصدران أم أربعة

وما ذكر حتى الآن عن الطريقة التي يمكن أن تكون الأناجيل قد كتبت بها يمكن أخذه على أنه تقريباً الرأي الذي اتفق عليه باحثو العهد الجديد بشكل عام. وعلى الرغم من أنه قد توجد نقاط اختلاف بالنسبة للتفاصيل، إلا أن أغلبية من الخبراء اتفقوا على الخطوط العريضة للحقائق.

وبالإضافة إلى فكرة أن الأناجيل المتشابهة تعتمد بصفة أساسية على مصدرين: إنجيل مرقص والمصدر (Q) فقد قيل إن هذين لم يكونا المصدرين الوحيدين اللذين اعتمدت عليهما أناجيلنا. وكان “ستريتر B. H. Streeter” هو أول دارس بريطاني يقدم الحجج، على أن متى ولوقا استخدم كلاهما إنجيل مرقص، ولكنه ذهب إلى أبعد من ذلك، وقال إنه لكي نفهم كل تفاصيل الأناجيل (المتشابهة) فنحن في حاجة إلى نظرية أكثر دقة، لا تتناول مصدرين فحسب بل أربعة مصادر أساسية.

فإلى جانب إنجيل مرقص والمصدر (Q) حدد مصدرين أطلق عليها الحرفين (M) و(L). والواقع أن هذه المادة هي ببساطة ما تبقى من قصص متى ولوقا بعد استبعاد المادة من مرقص ومادة المصدر (Q). غير أن “ستريتر” قال إن مجموعتي المواد هذه كانت هي نفسها تشكل مصدرين منفصلين ولكن مترابطين منطقياً، ومن أصل مستقل.

مسودة لوقا

يبدأ “ستريتر” ملاحظاته من حقيقة أنه يبدو أن متى ولوقا استعملا إنجيل مرقص بطرق مختلفة، فمتى اتبع بشكل دقيق ترتيب إنجيل مرقص وإطاره العام، مع أنه في ذات الوقت كثيراً ما كان يعيد كتابة المادة الفعلية، وغالباً ما كان يوجز المادة المأخوذة من إنجيل مرقص لإفساح المجال لمزيد من المعلومات الإضافية. كان من شأن ذلك أن إنجيل متى بدا بالأحرى مثل طبعة جديدة ومبكرة من إنجيل مرقص. أما بالنسبة للوقا فكان الأمر مختلفاً. ففي حين أن متى انتفع تقريباً بك المادة الموجودة في إنجيل مرقص، نجد أن إنجيل لوقا لا يحتوي إلا على نص مادة إنجيل مرقص.

والأكثر من هذا أن “ستريتر” اكتشف أنه إذا ما نحينا جانباً كل المادة المأخوذة من مرقص من إنجيل متى نجد أن المادة المتبقية غير مترابطة، وينهار السفر إلى قطع متناثرة. ولكننا إذا فعلنا الشيء نفسه بإنجيل لوقا، فلسوف تبقى لنا قصة معقولة متماسكة ومتواصلة. وهذا ينطبق بصفة خاصة على القصص المتعلقة بموت يسوع وقيامته في إنجيل لوقا، والتي يبدو أنها دعمت بمعلومات من إنجيل مرقص، ولم تتخذ قصة مرقص أساساً لها.

ولذلك يرى “ستريتر” أنه قبل أن يكتب إنجيل مرقص كان لوقا قد كتب مسودة أولى لإنجيله، تقوم على أساس مجموعة الأقوال التي تضمنها المصدر (Q)، والمادة التي أطلق عليها الحرف (L) والتي تعلمها من الكنيسة في قيصرية حيث أقام بها حينما كان بولس في السجن (أع 23: 23 – 27: 2).

وأطلق “ستريتر” على هذه المسودة الأولى للإنجيل “مسودة لوقا Porto-Luke”، وقال إنه حين كان لوقا مقيماً في روما في تاريخ لاحق بعد ذلك بقليل، تعرف على إنجيل مرقص الذي كان قد كتب في السنوات التي تخللت ذلك، وقد ضمن مقتطفات منه في مسودة إنجيله التي كانت موجودة معه بالفعل، والتي أطلقنا عليها “مسودة لوقا”. وفي الوقت ذاته، ربما كان قد أضاف أيضاً المقدمة (لوقا 1: 1-4) وقصص ميلاد المسيح في الأصحاحين الأول والثاني.

وهناك عدد من الحقائق تتناسب تماماً وهذه النظرية. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما يذكر لوقا قصة مختلفة تماماً عن نص القصة الموجودة في إنجيل مرقص. فقصة رفض يسوع في الناصرة تعد مثالاً طيباً لذلك (مرقص 6: 1-6؛ لوقا 4: 16-30). ومن الواضح أن الإنجيلين كليهما يذكران نفس الحدث، غير أن قصة لوقا أكمل بكثير ومن ثم فمن الواضح أنه لا بد وأن يكون قد استخدم مصدراً مختلفاً للمعلومات التي ذكرها.

ثم إن هناك الطريقة التي وضعت بها أقسام صغيرة من قصة مرقص وبنفس ألفاظها تقريباً في وسط مادة أخرى في إنجيل لوقا، وتظهر كما لو أنها وضعت في وقت لاحق تقريباً، ومما يلفت الانتباه أيضاً أن كماً كبيراً من المعلومات التي تضمنها إنجيل مرقص محذوفة بكل بساطة في لوقا.

وينادي “ستريتر” بأنه إذا كان لوقا قد عرف بأمر عمل مرقص حين قام بعمل أول مسودة لإنجيله، لكان قد أضاف إليها المزيد من مادة مرقص. كذلك كثيراً ما لوحظ أن إنجيل لوقا يبدو وكأن له بدايتين. هناك بدايته الحالية (1: 1-4)، ولكن بعد قصص ميلاد يسوع، يبدو أنه يبدأ من جديد في (3: 1) مع تأريخ لوقا بحرص لخدمة يسوع، التي اتبعها بقائمة أسلافه في (3: 23-38). ويوضح “ستريتر” هذه السمة غير الطبيعية بافتراضه أن (3: 1) كان يشكل البداية الأصلية “لمسودة لوقا”، التي استهلها لوقا بعد ذلك بما يعرف الآن بالأصحاحين 1، 2 من إنجيله.

وأهمية نظرية “ستريتر” فيما يتعلق بالطريقة التي كتب بها لوقا إنجيله تكمن في حقيقة أنه إذا كان هناك بالفعل ما يسمى بمسودة لوقا فإنها ستشكل مصدراً مبكراً مستقلاً آخر لمعرفتنا لحياة يسوع وتعليمه. ومع ذلك فإن هذا لم يلق ما يشبه الموافقة الشاملة على الرغم من أن الكتاب المعاصرين قبلوا وجهة النظر هذه بشكل آو بآخر.

ولعل من أضعف النقاط في هذا الاقتراح هو ما افترضه عن طبيعة تقاليد الإنجيل في الكنيسة الأولى. ذلك أن “ستريتر” افترض أننا نتعامل مع عملية أدبية محددة على وجه حسن. وهو يميل إلى النظر إلى الإنجيلين كمحرري صحف، وقد جلسوا وأمامهم عدداً من المصادر المكتوبة يستخرجون منها أجزاء عديدة من الوثائق المختلفة.

وكان هذا يشكل مفهوماً شعبياً في الوقت الذي كتب فيه “ستريتر” اقتراحه (1924)، وكان يطبق على نطاق واسع على دراسة العهدين القديم والجديد، غير أن البحث اللاحق أثبت أن هذا تبسيط مفرط للموضوع، وربما كان لوقا على معرفة بالمادة المأخوذة من مرقص، ولكن ليس من خلال إنجيل مرقص بشكله الحالي.

وهذا أيضاً يشكل نقطة ضعف في اقتراحات أخرى قدمها “ستريتر”، فقد جادل ليس فقط في أنه يمكن تعريف أربعة مصادر تشكل خلفية للأناجيل المتشابهة، بل قال أيضاً إن كل منها قامت بتقديم تقاليد حياة يسوع وتعاليمه، كما حفظت في الأماكن الأربعة الأكثر أهمية في المسيحية الأولى: مرقص كُتب في روما، المصدر (Q) كُتب في أنطاكية، المصدر (M) في أورشليم، والمصدر (L) في قيصرية. ومع ذلك، هناك عدد من الصعاب التي تكتنف هذا الرأي.

افترض “ستريتر” أن المصدرين L وM مصدرين مترابطين منطقياً. ولكن هذا الأمر يصعب التمسك به. فحين أبعدت المادة المرقصة، ومادة المصدر (Q) من إنجيل متى، فما تبقى لم يشكل مجموعة مترابطة بأي شكل كان. ونفس الشيء يقال وبدرجة أقل عن المصدر (L)، والذي هو عبارة عن إنجيل لوقا بعد استبعاد مادة المصدر (Q) والمادة المأخوذة من مرقص.

يبدو أن هذه النظرية تفترض نوعاً من التعاقب الخطي في تطور الأناجيل، والذي بواسطته تقدم التقاليد من أشكال بدائية تقريباً إلى جمع أناجيلنا الأربعة الحالية بتطور أدبي خالص.

إلا أنه أصبح من المعروف الآن وعلى نطاق واسع، أنه ليس بوسعنا أن نتحدث بعد بثقة كبيرة عن هذه النوعية من التطور من قصص بدائية إلى قصص أكثر حنكة.

أضواء جديدة على مشاكل قديمة

ربي والهي – هل آمن توما بلاهوت المسيح حينما قال ربي والهي؟ Trent Horn

كثير من تركيز الدارسين للعهد الجديد الآن ينصب على هجر فكرة التحليل الآلي للأناجيل. ومع أن نظرية المصدرين الخاصة بأصل الإنجيل لا تزال مقبولة على نطاق واسع، إلا أن عدداً من الأسئلة الجديدة بدأ يطرح الآن على الساحة، بعضها قد يكون له تأثير حاسم على فهمنا للطريقة التي تم كتابة العهد الجديد بها.

وبين آونة وأخرى يتواصل طرح الأسئلة حول نظرية المصدرين نفسها، هل كان إنجيل مرقص فعلاً أول ما كتب من الأناجيل؟ وهل من الضروري حقاً افتراض أن المصدر (Q) يمثل مجموعة محددة من أقوال يسوع، أم أنها مجرد مجموعة غير مترابطة من التقاليد التي كانت معروفة لكل من متى ولوقا؟ وبالنظر إلى قوة الدليل لكل من أسبقية المادة المأخوذة من مرقص، والشكل الثابت لمصدر (Q)، فالأمر يتطلب حججاً قوية جداً لدحض وجهة النظر العامة.

والتشابهات اللفظية واللغوية الوثيقة بين الأناجيل المتشابهة الثلاث يبدو أنها تتطلب أن يكون إنجيل مرقص هو الأول، وأن المصدر (Q) له شكل ثابت تقريباً. وإذا تقبلنا الاقتراح القائل أن المصدر (Q) له شكل مماثل لشكل الكتابة النبوية في العهد القديم، إذاً لا بد وأن شكله كان له مادة مكتوبة أيضاً.

والفكرة الأقدم الخاصة بتطور خطى من الشهادة Testimonia وأقوال يسوع Logia والكرازة Kerygma إلى إنجيل تام، أصبحت الآن مصدر تساؤل. وما نعرفه عن الكنائس الأولى يوحي أنها كانت في الغالب مستقلة عن بعضها البعض. ولذلك فإن الكنائس في مختلف أنحاء الإمبراطورية الرومانية، كانت تتطور بحسب قدرتها، ومن المحتمل تماماً أن المسيحيين في المواقع الجغرافية المختلفة لن يكونوا في نفس مرحلة التطور في ذات الوقت.

وهذا معناه أنه ليس واقعياً افتراض أنه في مختلف التقاليد عن يسوع كانت هناك فترة كان كل الاهتمام فيها مركزاً على جمع أقوال يسوع، وأن هذه الفترة اتبعت بعد ذلك بفترة نشاط أدبي مكثف تم كتابة الأناجيل أثناءها. ومن المحتمل أن نمط المعلومات المعروفة عن يسوع الآن في أية كنيسة، كان يختلف بحسب احتياجات كل كنيسة على حدة.

وكان لذلك تأثير هام على موضوع تحديد تاريخ الأناجيل. وإذا كانت هناك ضرورة لافتراض تاريخ طويل للتطور من اللوجيا (أقوال يسوع) إلى الإنجيل، هنا يجب أن نأخذ في الاعتبار وقتاً لهذا عند تحديدنا تواريخ الأناجيل. ولكن إذا كانت أقوال يسوع والإنجيل كلاهما تكون في نفس الوقت، لمواجهة متطلبات الكنائس المختلفة، هنا لا يكون هناك سبب يحول دون نسبة تاريخ الأناجيل سابق إلى حد ما عن التواريخ المعتادة.

وثمة نقطة أخرى أثيرت فيما يتعلق “بالتطور اللاهوتي”، الذي يقول البعض إنه يمكن تتبعه في الأناجيل. ولقد أشار د. جون روبنسون Dr. John Robinson في كتابه “إعادة تحديد تواريخ العهد الجديد” أن الفكر اللاهوتي المصقول لا يشير بالضرورة إلى تاريخ أقدم بأكثر مما يشير إلى ذلك الفكر اللاهوتي البدائي.

وعلى سبيل المثال، فإن إنجيل مرقص بلا شك أقل تعقيداً من إنجيل يوحنا، وكان هذا من بين الأسباب (وليس بالطبع السبب الوحيد) التي تم الاستناد إليها في نسبة تاريخ قديم بصفة عامة إلى إنجيل مرقص، واعتبار يوحنا آخر الأناجيل. ولكن هذا يتطلب بالطبع تقدماً متطوراً مباشراً بالنسبة لكل الأناجيل.

ومع ذلك، فإنه إذا ما كانت الأناجيل المختلفة قد كتبت لخدمة احتياجات كنائس مستقلة وفي أماكن مختلفة، فليس من العسير أن الكنائس ذات الفكر اللاهوتي البدائي لابد وأنها كانت موجودة في ذات الوقت إلى جانب كنائس ذات عقيدة راسخة، وعلى هذا فإن تطور الفكر اللاهوتي، لا يشكل بالضرورة مفهوماً نافعاً للغاية في دراسة الأناجيل المتوافرة لنا الآن.

ولذلك يوجد عدد من الأسئلة الجديدة التي طرحت عن الأناجيل في أيامنا هذه، وهو من نوعية أصعب إلى حد ما عن تلك التي طرحتها الأجيال الأولى. فقد صار من المعترف به على نطاق واسع الآن، بغض النظر عن الجهة التي استقيت منها المعلومات، فإن كل إنجيلي كتب ما هو بالضرورة عمل أصلي، مميز من نواح هامة عن عمل أي من الآخرين، وكثير من اهتمامنا مركز الآن على “ما” كان الإنجيليون يعملون، وليس على معرفة كيف كانوا يعملونه. وهذا سؤال يتطلب إجابة لاهوتية لدعم الاكتشافات الأولى لنقاد الأدب.

نقاد الصيغ

ما أن قبلت نظرية المصدرين على نطاق واسع باعتبارها أكثر التفسيرات احتمالاً بالنسبة “للصناع” المختصين بكتابة الإنجيل، إلا وانهالت سلسلة عريضة من الأسئلة الجديدة، لأن عزل المصادر المختلفة التي كان يستخدمها الإنجيليون في كتابة قصصهم عن حياة يسوع وتعليمه، لم يجب إلا على السؤال: من أين جاءت الأناجيل؟ إلا أنه هناك سؤال آخر: من أين جاءت مصادرهم؟ وماذا كان يحدث للتقاليد التي كانت تتحدث عن يسوع خلال الفترة بين موته وقيامته، وحفظها كتابة في الأناجيل؟

لقد خطرت هذه الأسئلة على فكر بعض الباحثين في ألمانيا حتى قبل أن ينشر “ستريتر” كتابه العظيم عن مصادر الإنجيل.

وفي محاولتهم الإجابة عليها، استخدموا طريقة جديدة لتحليل أسفار الكتاب المقدس وأطلقوا عليها عبارة “تاريخ الصيغ” إلا أنه يشار إليها عادة في اللغة الإنجليزية بعبارة “نقاد الصيغ”. تم تطبيق هذا الأسلوب أولاً على العهد القديم بواسطة هيرمان جونكل Herman Gunked وهو مفكر ألماني، وعلى الرغم من أن بعض باحثي العهد الجديد البارزين كانوا الأسرع في معرفة مناسبته لدراسة الأناجيل. وكان أشهر هؤلاء ك. ل. شميدت K. L. Schmidt، م. ديبليوس M. Dibelus، ر. بولتمان R. Bultmann.

ولقد بدأ هؤلاء من ملاحظة أن الأدب القديم بصفة عامة يتطلب صيغة أدبية معينة، تعتمد على نوعية الكتابة. ولقد تم اختبار هذا المبدأ بطريقة متقنة للغاية في دراسة الكتابات الشعبية التقليدية لشمال أوروبا، التي يمكن تصنيفها إلى قصص خرافية، تاريخ، سير ذاتية، حكم وما إلى ذلك، وذلك بكل بساطة بملاحظة الطريقة التي كتبت بها. وقد افترض نقاد الصيغ أن نفس الشيء ينطبق على العهد الجديد.

فوحدات التقليد التي كون الإنجيليون منها أناجيلهم، كما يقولون، تطلبت صيغاً أدبية معينة للموقت الحياتي التي استخدمت فيها في الكنيسة الأولى. وعلى ذلك فبفحص الصيغة الأدبية لقصة ما، ادعوا أنهم قادرون على اكتشاف الاستخدام الأساسي لها من خدمة تعليم الكنائس الأولى.

وإذا أمكن عمل ذلك بنجاح، فلسوف يشكل ذلك عوناً قيماً لفهمنا للأناجيل. لأنه إذا كان بمقدورنا معرفة شيء عن استخدامات تقاليد الإنجيل في الكنيسة الأولى، نكون في وضع جيد لفهم علاقتها بحياة الكنيسة، من ثم نكتشف معناها الأساسي.

ومع ذلك، فإنه مما يؤسف له أن الذين درسوا الأناجيل بهذه الطريقة أخفقوا في الاتفاق عند نقطة واحدة حاسمة. فلا يوجد اتفاق مقبول على نطاق واسع عن أي الأنماط الأساسية يمكن أن توجد بالفعل في الأناجيل. ولقد ادعى مارتن ديبليوس أنه قادر على تمييز خمسة أشكال مختلفة، كل منها يتناغم مع موقف معين في حياة الكنيسة الأولى. غير أن اثنين فقط من بين هذه الأشكال الخمسة لم يعترف بهما إطلاقاً على نطاق واسع من قبل مفكرين آخرين وهما: الأمثلة والحكايات.

الأمثلة: وقد أطلق عليها فنسنت تايلر Vincent Taylor – وهو أحد نقاد الصيغ الإنجليز – “قصص إعلان”. وهذا التعبير يشير بشكل أدق إلى محتوياتها، لأنها على وجه العموم قصص صغيرة تصل في ذروتها إلى قول رائع قاله المسيح، أو قيل عنه، وطبقاً لما يقوله ديبليوس يرجع أصل هذا الشكل إلى الكنيسة الأولى التي استخدمت فيها مثل هذه القصص كأمثلة وتوضيحات.

وثمة قصة إعلان نمطية نجدها في الحدث الذي قطف فيه يسوع المسيح بعض سنابل القمح يوم السبت، وفسر عمله لليهود بقوله: “السبت إنما جعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت. وابن الإنسان هو رب السبت أيضاً” (مرقص 2: 23-28؛ متى 12: 1-8؛ لوقا 6: 1-5). وقصص من هذا القبيل كثيراً ما كانت تقال في الوعظ قبل أن تكتب في الأناجيل بوقت طويل. ونقاد الصيغ يميزون بشكل عام بين سمتين رئيسيتين في مثل هذه القصص:

ç دائماً تختتم بقول رائع للمسيح، وطبقاً لما يقوله البعض، كان هذا يعد وسيلة مفضلة لدى وعاظ الكنيسة الأولى. وفي حين أن الواعظ الحديث يبدأ عادة بالنص الذي اختاره، وربما احتفظ الرسل بنصهم إلى النهاية كي يستخدموه كذروة طبيعية لما حدث قبلاً.

ç وهذه قصص تحتوي على معلومات وصفية قليلة جداً، مجرد حقيقة بسيطة إلى أقل قدر ممكن لتهيئة الوضع للعنصر البالغ الأهمية وهو قول يسوع المسيح. وحين تقال أية قصة شفاهة فهناك أمران يمكن أن يحدثا لها. إما أنها تبلى من كثرة التكرار حتى إنه لا يتبقى منها إلا أكثر الحقائق ضرورة، ويعبر عنها بطريقة موجزة ورائعة. وإما أن يتم توضيحها أثناء سردها، وذلك حيث يضاف إليها المزيد من التفاصيل حتى تكتسب المزيد من الواقعية والإثارة. وطبقاً لما يقوله معظم نقاد الصيغ، فقد بقيت القصص المتضمنة إعلانات ولم يتبق منها إلا الضروريات عوض أن توضع أثناء تسلمها.

الحكايات: أطلق عليها تايلور Taylor قصص المعجزات، على الرغم من أنها لم تكن جميعاً مهتمة بالمعجزات. وكما يقول ديبليوس فإن الملح المميز لهذه القصص أنها توضحت ولم تبل أثناء تداولها. والواقع إنه يقول إن هذه القصص ربما وضعت في صياغتها الحالية بواسطة شخص من نوعية معينة في الكنيسة الأولى “راوي القصة” والذي كانت وظيفته صياغة قصص عن يسوع المسيح على نفس نمط قصص آلهة اليونان. وكانت قصصاً قصد بها أن تربح متجددين في الإيمان المسيحي بتوضيحها أن المسيح أسمى من الآلهة الأخرى.

ولا يوجد بالطبع أي شيء في العهد الجديد يشير إلى أمثال هذا الشخص. ومما يلفت النظر بوجه خاص أن بولس الذي ذكر أكثر من قائمة بأسماء أناس لهم وظائف خاصة في الكنيسة، لم يذكر إطلاقاً رواة قصص (1كو 12: 1-11؛ 28-30؛ رو 12: 6-8؛ أف 4: 11).

وربما تكون التفصيلات الرائعة في هذه القصص مأخوذة من مصدر مختلف تماماً. ولعلها كانت رواية شهود عيان، كانوا يتذكرون في الواقع تفاصيل كل الأحداث التي كانوا يصفونها، وبالنظر إلى حقيقة أن الأناجيل نفسها لم تكتب إلى بعد مرور ما لا يقل عن جيل على الأحداث التي تصفها، فمن الصعوبة تصديق أي رواة قصص محترفين أمكنهم بكل سهولة أن يخترعوا تفاصيل خيالية في الوقت الذي كان فيه كثيرون من شهود العيان الذين عاصروا يسوع المسيح ما زالوا على قيد الحياة.

ولقد عين ديبليوس ثلاث صيغ أخرى للقصة في الأناجيل، غير أن باحثين كثيرين لم يقبلوا رأيه بشأن هذه النقطة. وهذه الصيغ هي:

الخرافات: يشبهها ديبليوس بالقصص التي كثيراً ما ترتبط بقديسي العصور الوسطى. وعرفها بأنها “قصص دينية عن قديس تم الاهتمام بأعماله ومصيره”… والغرض منها تقديم أساس لتكريم القديس. ولا يحتاج الأمر اختلاق هذه القصص، على الرغم من أن ديبليوس يقول إنها تختلق في معظم الأحيان، ووظيفتها تمجيد الشخص الذي بصفة لا أن تقدم أية معلومات حقيقية عنه.

الأساطير: وهو الاسم الذي خلعه ديبليوس على أية قصص تتضمن شخصيات أو أحداث خرافية. وقصص العماد والتجربة والتجلي تنخرط تحت هذه النوعية.

النصائح التحذيرية: كانت بالضرورة التعليم الذي تضمنته الأناجيل، وكانت تستخدم لتعليم المتجددين في الكنيسة الأولى، وتابع آخرون دراسة قصص الأناجيل بعد العمل الرائد الذي قام ديبليوس، وليس من شك في أن هذا ألقى بعض الضوء على أصل الأناجيل. فهناك عدد من الأفكار الرائعة التي نسلم بها الآن جاءت كنتيجة مباشرة لعمل نقاد الصيغ.

ç وبمقدورنا أن ندرك الآن أنه لم يقصد بالأناجيل أن تكون سيراً ذاتية للمسيح. بل هي رواية منتقاة من أجزاء معينة من حياته وتعليمه حفظت لنفعها لخدمة الكنائس الأولى.

ç وبسبب هذا، أصبح من المعروف الآن أن تفاسير الأناجيل مرتبطة بشكل وثيق بالمفهوم الكلي للكنيسة الأولى. ولكن لنفهم علاقة الأناجيل ومعناها، ترانا في حاجة إلى فهم الأشخاص الذين كتبوها.

ç وهذه العملية أدت بدورها إلى فهم إيجابي مؤقت لما كان يدور في الفترة السابقة على كتابة أي من وثائق العهد الجديد، حيث كان تعليم يسوع المسيح يفسر ويطبق على مواقف جديدة في حياة أتباعه.

ولا شك أن هذه الأفكار لها قيمتها، ولا يجب التقليل من أهميتها – ولا سيما الرأي الأول، والذي أثر بشكل جذري في أسلوب تناولنا للأناجيل من جميع نواحيه. ومع ذلك يوجد عدد من النقاط كان عمل نقاد الصيغ بالنسبة لها أقل فائدة. وهناك ثلاثة انتقادات رئيسية يمكن توجيهها لعملهم. ولا سيما في الفترة المبكرة.

الصيغة والمحتوى: الكثير من تصنيفات ديبليوس كانت تعتمد في الواقع، ليس على الصيغة الأدبية، بل على المحتوى. فعلى سبيل المثال، لا يوجد سبب أساسي لوصع القصص التي تتضمن شخصيات خارقة في نوعية مختلفة عن القصص الأخرى. وإذ كانوا يضعون مثل هذه النوعية من التفريق كان نقاد الصيغ متأثرين بافتراضاتهم المسبقة القائمة على مذهبهم العقلاني.

وكما سبق أن ذكرنا، فإن اثنتين فقط من صيغ ديبليوس تم الاعتراف بهما، بل وأن بعض الباحثين شككوا فيما إذا كانت هاتين الصيغتين واضحتين على هذا النحو. هناك أمثلة عديدة لا نجد فيها فرقاً واضحاً بين الأمثال والحكايات وكثير من مادة الإنجيل يصعب تصنيفها. وحين يكون الاتفاق ضئيلاً بالنسبة لماهية الصيغ بالفعل، لا يمكن أن تتوافر لدينا ثقة كبيرة في التراكيب التي قامت عليها.

التقليد والإنجيل:

هناك مشكلة أساسية أخرى، وهي أن نقد الصياغة أقيم على افتراض أن تطور كتابة العهد الجديد يماثل تطور الفولكلور في شمالي أوربا. غير أنه توجد اختلافات هامة بين الاثنين. ولقد رأت الكنيسة الأولى أن مهمتها الرئيسية هي الكرازة بالأخبار السارة عن يسوع المسيح، وليس تسليم قصص تقليدية. فقد كانوا مهتمين بالحاضر بأكثر من اهتمامهم بالماضي.

وفيما يتعلق بموضوع اهتمامهم بالماضي، فقد كان ذلك ينصب على الماضي القريب، وليس – كما في حالة التقاليد الأوروبية – بالماضي السحيق الذي تم نسيانه منذ أمد طويل. ومعرفة الكنيسة بيسوع لم تأت من قصص تقليدية كانت تسلم من جيل إلى جيل، بل من التجربة المباشرة لبعض أعضائها، وهذا معناه أن المجال الفعلي لتطور التقاليد إلى صيغ معيارية لا بد وأنه كان في الحقيقة محدوداً للغاية.

الصيغ والحقائق:

كثيرون من نقاد الصيغ لم يكتفوا بإبداء ملاحظاتهم على الصيغة الأدبية للأناجيل، بل نزعوا إلى إصدار أحكام تاريخية على محتوياتها، على أساس نقد الصيغ. إذ يشير أرنست كيزمان Ernst Kasemann إلى نقاد الصيغ الأولي فقد كتب يقول إن عملهم الأساسي “كان يستهدف بيان أن رسالة يسوع المسيح كما قدمتها الأناجيل المتشابهة، ليست أصلية في معظم أجزائها بل غلب عليها إيمان المجتمع المسيحي البدائي في مراحله المختلفة.

وهذا الهدف واضح حتى من الأسماء التي أطلقها ديبليوس على بعض الصيغ التي اكتشفها كانت عبارتي “أسطورة” و”خرافة” من الكلمات التي تحمل معان كثيرة – بل أنه حتى في مناقشته ما أسماه “بالحكايات”، تكاد تكون بديهة أساسية عنده أنه بالنظر إلى وجود تشابهات أدبية بالقصص التي قيلت عن آلهة الوثنيين، هي الأصل الأساسي للقصص التي ذكرت على يسوع المسيح.

ولكن نقدين هامين يمكن توجيههما لهذا الإجراء:

ç الدليل المستمد من “صيغة أدبية ليس له قيمة على الإطلاق في صياغة الأحكام التاريخية. وهذا يصبح واضحاً تماماً إذا ما أخذنا مثالاً ما. فنحن في أيامنا هذه لا نفرق بوجه عام بين أنماط مختلفة للقصة بإعطائها صيغاً أدبية خاصة.

وقد عرض بروس F. F. Bruce مثالاً نافعاً بالمكان الوحيد الذي ما يزال القصة صيغة معينة. وهذا يكون في ساحة القضاء. فحين يدلي شرطي بشهادته في المحكمة، فهو لا يدلي بقصة أدبية بليغة عما رآه، بل نراه يلتزم وبشكل وثيق بقدر الإمكان بصيغة محددة – حتى إنه، بغض النظر عن التغيرات الخاصة بتفاصيل مختلفة – فإن وصف حادثة وقعت في الطريق سيبدو على وجه التقريب – كوصف أي حادثة أخرى – والأمل هو أنه باستخدام صيغة قالب Stereotyped، فإن أهم الحقائق يمكن إنجازها على نحو دقيق وبقدر الإمكان.

وما من عاقل يعتقد بأنه نظراً لأن الشرطي يصف حادثين بلغة متطابقة، فإنه كان يدلي بقصة مختلفة لحدث واحد فقط، ناهيك عن القول بأن أي منهما لم يحدث في الواقع، وأن الأقوال مختلفة من صيغة قانونية مألوفة. وسواء كان الحدث قد وقع أم لا، فإن هذا يعتمد على محك من نوعية مختلفة تماماً. ونفس الشيء ينطبق على الأناجيل. فليس بوسعنا أن نصدر ببساطة حكماً عن مصداقيتها التاريخية على أساس صياغتها الأدبية.

هناك أيضاً عدد من الأسباب القوية تدعو للشك في أن الكنيسة الأولى اختلقت قصصاً عن يسوع، كما زعم بعض نقاد الصيغ:

أولاً: هناك موضوع شهود العيان. وكثيرون منهم لا بد وأنهم كانوا على قيد الحياة في الوقت الذي كتبت فيه الأناجيل، والذين كانوا قد عارضوا كل الأحداث المختلفة والتي نسبت إلى حياة يسوع، ثانياً: ثمة افتراض أساسي لديبليوس وبولتمان هو أن الكنيسة الأولى لم تبذل أي جهد للتمييز بين تعليمها وتعليم يسوع المسيح. وعلى أي حال، هم يجادلون، بأن روح يسوع كان عاملاً في الكنيسة، وما قاله الرسل باسمه كان يعد شيء قاله يسوع المسيح أثناء خدمته.

ولكن هذا الاستدلال لا يدعمه العهد الجديد نفسه. لأن هناك أمثلة كثيرة أظهر كتابها أنهم ميزوا بالفعل بين تعليمهم وتعليم يسوع المسيح. وأبرز مثال على هذا نجده في (1كو 7)، حيث خرج بولس عن طريقه ليميز بين آرائه وكلمات يسوع. لكنه حتى في الأناجيل نفسها نجد أمثلة حيث التعليقات التحريرية للإنجيلين قد توضحت تماماً عن تعليم يسوع المسيح (مر 7: 19).

ثانياً: ثمة حقيقة أخرى تشير إلى نفس الاتجاه وهو الفرق بين الأناجيل وبقية العهد الجديد. فعلى سبيل المثال، دعي يسوع المسيح “ابن الإنسان” في الأناجيل، مع استثناء واحد وهو أن هذا اللقب وجد في موضوع آخر في العهد الجديد. وفضلاً عن ذلك فالموضوعات التي تناولتها الأناجيل ليست هي نفس الموضوعات التي أزعجت كتبة الرسائل. لنأخذ على سبيل المثال موضوع العلاقة بين اليهود وغير اليهود.

كانت هذه مسألة ملحة في الكنيسة الأولى، ولكن الأناجيل لم تتعرض لها في أي موضوع منها. وهذه الحقائق تشير إلى أن الكنيسة لم تشعر أنه لها الحرية إطلاقاً أن تضع أفكارها وتنسبها إلى يسوع المسيح، بل كانت إلى حد كبير تهتم بحفظ التقاليد التي تسلمتها من فترة سابقة.

هناك نقاد صيغ أكثر حداثة تعرفوا على هذه المشاكل في عمل أسلافهم وأصبحوا الآن لا يهتمون بالموضوعات الأدبية الشكلية. وموضوع مصداقية الأناجيل يفصل الآن فصلاً تاماً وبشكل تدريجي عن نقاد الصيغ. وبعد ذلك جاء تطور آخر هو من بعض النواحي يعد وريثاً لنقد الصيغ السابق. وهذا هو النظام الذي عرف باسم “نقاد التنقيح”.

ومع معرفتنا أن تاريخ الأناجيل لا يشبه تماماً تاريخ الفولكلور الأوروبي، أصبح من الواضح، أن أفضل سؤال نافع يمكن طرحه عن الأناجيل يجب أن يركز على كيفية استعمال الإنجيليين للمواد التي في مصادرهم. ما الذي كان يفعله هؤلاء الناس فيما كانوا يكتبون أناجيلهم؟

ولماذا احتاجوا أن يكتبوا أربعة أناجيل بدلاً من أن يكتبوا إنجيلاً واحداً متفقاً عليه؟ وما هي الظروف الخاصة التي سادت كنائسهم والتي حملتهم على الكتابة بهذه الطرق المعينة التي اتبعوها؟ هذه هي الأسئلة التي يحاول نقاد التنقيح الإجابة عليها. وهذا تطور حديث نسبياً في دراسة الأناجيل، ولا توجد على أية حال أية نتائج متفق عليها بعد. إلا أن كثيراً من توجهاته سيكون لها قيمة في الفصل التالي، وهو اكتشاف معنى وجود أناجيل مختلفة وأهمية ذلك.

 

 

[1] مرقص 1: 1.

[2] أعمال 12: 25 – 13: 13؛ 15: 36-40.

[3] كولوسي 4: 10.

[4] 2تيموثاوس 4: 11.

[5] لوقا 1: 4.

[6] 1كورنثوس 7: 10-11.

[7] مرقص 9: 49-50.

[8] متى 5-7.

[9] متى 3: 13 – 4: 11.

[10] لوقا 3: 21-22، 4: 1-13.

[11] متى 8: 5-13.

[12] لوقا 7: 1-10.

[13] مرقص 3: 13-19.

[14] متى 10: 1-4.

[15] لوقا 6: 12-16.

[16] مرقص 6: 5.

[17] متى 11: 58.

[18] مرقص 10: 18.

[19] متى 19: 17.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح

زيارة المجوس للمسيح وهروبه إلى مصر

زيارة المجوس للمسيح وهروبه إلى مصر

زيارة المجوس للمسيح وهروبه إلى مصر

زيارة المجوس للمسيح وهروبه إلى مصر

أولاً : زيارة المجوس للطفل يسوع :

1 ـ المجوس [1]:

          المجوس هم كهنة زرادشت فى بلاد مادى وفارس. وكانوا معروفين بلباسهم الخاص وسكناهم المنفرد عن بقية الناس. وكانوا أيضًا علماء الأمة الفارسية يعلّمون الفلسفة والفلك، كما اشتغلوا بالتنجيم ورصد حركات النجوم وعلاقتها بأحداث الأرض. وقد وصفهم دانيال بالحكمة (أنظر دا20:1). ويُرجح أنهم عرفوا عن ولادة المسيح :

          أ ـ إما من اليهود وقت أن كانوا مسبيين فى بلاد فارس من (القرن 6 ق.م). أو من دانيال النبى الذى صار رئيسًا للمجوس مدة من الزمن أثناء السبى (أنظر دا8:4ـ9، 11:5). وعرفوا نبوته القائلة: ” إنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعًا” (25:9) أى حوالى 490 عامًا حين يُحسب اليوم بعام. وبناء على هذه المعرفة كانوا ينتظرون مجيئه فى تلك الأيام. ولذا أظهر الله لهم علامة مجيئه فى شكل نجم[2].

          ب ـ أو بسبب أنهم ـ حسب رأى يوسابيوس القيصرى ـ من نسل بلعام بن بعور الذى استدعاه الموآبيون لكى يلعن بنى إسرائيل، فنطق بنبوة  عن مجيء المسيا: ” أراه ولكن ليس الآن أبصره ولكن ليس قريبًا، يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل فيحطم طرفى موآب ويهلك كل بنى الوغى” (عد17:24). ولذلك كانوا يراقبون النجوم ويعتقدون أن كوكبًا سيظهر عند ميلاده بظهور هذا النور العجيب[3].

          ج ـ وربما كان المجوس أساسًا من اليهود الذين بقوا فى بابل بعد السبى، وكانوا يعرفون نبوات العهد القديم عن مجيء المسيح[4].

          د ـ ومن المحتمل أنهم من الشرقيين المهتمين بالتنجيم ودراسة المخطوطات القديمة وقد وقعت بين أيديهم نسخ من العهد القديم بعد سبى اليهود لبلادهم[5].

          هـ ـ كما من الجائز أن تكون قد وصلتهم رسالة خاصة من الله قادتهم إلى المسيح.

2 ـ زمن زيارة المجوس للطفل يسوع :

بعض الآباء والكُتّاب الكنسيين في القرن الرابع (إبيفانيوس ـ يرونيموس ـ يوسابيوس) يأخذون بالرأى القائل إن المجوس أتوا فى السنة الثانية لميلاد السيد المسيح، أما القديس يوحنا ذهبى الفم فيقول إن النجم ظهر للمجوس قبل الميلاد بسنتين وإنهم وصلوا أورشليم وقت الميلاد[6].

والرأى الأول يرتب الحوادث هكذا :

1 ـ أن الطفل وُلد فى بيت لحم (أنظر مت4:2ـ6).

2 ـ وفى نفس الوقت ظهر نجمه فى المشرق للمجوس (انظر مت1:2ـ2)

3 ـ وأن الطفل خُتن بعد ميلاده بأسبوع (أنظر لو21:2).

4 ـ ثم قُدم إلى الهيكل بأورشليم بعد أربعين يومًا من ولادته (انظر لو22:2).

5 ـ ثم ذهبت الأسرة إلى الناصرة كما فى (لو39:2).

6 ـ وإن أفراد الأسرة ربما كانوا يزورون بيت لحم لكونها مسقط رأسهم (انظر لو4:2) من وقت إلى آخر.

7 ـ والمجوس أتوا إلى أورشليم بعد الميلاد بسنتين حيث كانت الأسرة فى ذلك الوقت فى أحد بيوت بيت لحم وكان الطفل يسوع ابن سنتين. ولذا قال الإنجيلى متى إن المجوس أتوا إلى “البيت” ولم يقل “المذود” (انظر 11:2) وأنهم رأوا “الصبى” ولم يقل “الطفل” (انظر 11،9:2)، وأن هيرودس قتل جميع الصبيان الذين فى بيت لحم من ابن سنتين فما دون (انظر مت16:2).

8 ـ ثم أن الأسرة بعد هذه الزيارة مباشرة، هربت إلى مصر.

أما الرأى الثانى فيرى صاحبه ـ ذهبى الفم ـ أن التسميات: البيت، المذود، الصبى، الطفل هى مجرد استبدالات لفظية ويفترض الآتى :

1 ـ أن النجم قد ظهر للمجوس قبل ميلاد المسيح بزمن طويل (سنتان على الأقل) لأنه كان ينبغى أن يقضى المجوس وقتًا طويلاً فى رحلتهم. فلو ظهر لهم النجم فى المشرق عند ولادة المسيح فى فلسطين لما استطاعوا أن يروه فى المهد إذ المسافة التى يلزم أن يقطعوها هى بعيدة جدًا. كما أن الطاغية هيرودس قتل الأطفال من ابن سنتين فما دون بحسب زمان ظهور النجم الذى تحققه من المجوس وليس حسب زمن الميلاد، كما أن غضب هيرودس ورعبه جعلاه يضيف الكثير على الزمان المحسوب من أجل أن يضمن عدم نجاة أحد (أنظر مت16،7:2).

2 ـ أن المجوس جاءوا إلى بيت لحم وقت الميلاد وزاروا الطفل وهو رضيع.

3 ـ أن العائلة توجهت فورًا إلى مصر.

4 ـ ثم إلى الناصرة بعد موت هيرودس (أنظر مت19:2ـ23). أما قول إنجيل لوقا أنهم ذهبوا إلى مدينتهم الناصرة بعدما أكملوا كل شئ حسب ناموس الرب  (أنظر 39:2) فلا يعنى حتمًا أنهم ذهبوا إليها بعد الأربعين، بل بعد رجوعهم من مصر.

ويبدو لنا أن الرأى الأول هو الأرجح بسبب الدقة التاريخية فى ترتيب الأحداث. وغالبًا أن المجوس جاءوا فى موكب عظيم يتقدمهم ثلاثة من كبارهم يحملون الهدايا للملك العجيب ولذلك أحدث دخولهم أورشليم حركة غير عادية فى المدينة (أنظر مت3:2). هذا وإن كان بعض المفسرين يقدر عددهم بقدر هداياهم الثلاث (الذهب واللبان والمر) ويذكرونهم بالاسم: ملخيور وبلتاصار وكاسبار.

ثانيًا: الهروب إلى مصر :

بالعودة إلى الإنجيل حسب متى (1:2ـ13) نرى أن المجوس بعد دخولهم أورشليم وسؤالهم عن مكان المولود ملك اليهود، استدعاهم هيرودس سرًا ـ لأنه كان فى حسبانه أن اليهود يهتمون بأمر هذا الطفل المولود ـ واستعلم منهم عن زمن ظهور نجم الطفل، ثم أرسلهم إلى بيت لحم بعد معرفته أنها مكان مولد المسيح ـ وفقًا للنبوات ـ من رؤساء الكهنة ليبحثوا بالتدقيق عن الصبى وأن يخبروه بعد ذلك عن مكان وجوده.

ومرة أخرى نجد أن النجم الذى قادهم من بلاد المشرق إلى أورشليم، هو نفسه يقودهم من أورشليم إلى بيت لحم وبالتحديد إلى البيت الذى كان فيه الصبى مع مريم أمه. فلما رأوا الصبى خروا وسجدوا له، ثم فتحوا كنوزهم وقدّموا له هدايا ذهبًا ولبانًا ومرًا. ثم إذ أُوحى إليهم فى حلم أن لا يرجعوا إلى هيرودس انصرفوا فى طريق أخرى إلى كورتهم. وبعدما انصرفوا إذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف فى حلم قائلاً: “ قم وخذ الصبى وأمه وأهرب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبى ليهلكه ” (مت13:2).

هذا هو الحلم أو الرؤيا الثانية التى تلقاها يوسف من الله، كشف الله له فى الحلم الأول أن خطيبته مريم حُبلى من الروح القدس وأن مولودها هو المسيا الذى سيخلص شعبه من خطاياهم (انظر مت20:1ـ21). أما الحلم الثانى فقد عرّفه كيف يحافظ على حياة الصبى من الشر المزمع أن يرتكبه هيرودس الملك.

ومع أن يوسف لم يكن هو الأب الطبيعى ليسوع، إلاّ أنه كان هو المسئول عن حماية الصبى وسلامته، إذ نلاحظ أن الملاك هنا لا يخاطب مريم وإنما يخاطب يوسف. كما أنه يقول: ” قم خذ الصبى وأمه واهرب…“، ولا يضيف ” امرأتك ” كما فى الحلم الأول، وإنما قال ” أمه ” فقط، فطالما أن الولادة قد تمت، وانتفى الشك من جهة يوسف، وأشرق فى قلبه نور الإيمان، فإن الملاك يتكلم معه بصراحة مؤكدًا كلامه فى الحلم الأول.

ومن الجدير الإشارة إليه هنا أن يوسف لم يتعثر عند سماعه هذا الأمر من الملاك، ولم يقل إن هذا الأمر صعب . قد قلت لى ” إنه سيخلص شعبه..” (مت21:1)، وها هو الآن لا يستطيع أن يخلص نفسه، وها نحن مضطرون إلى الهرب والرحيل إلى بلاد نائية. إن كل هذا جاء على خلاف الوعد.

لم يقل شيئًا من هذا إطلاقًا ولا حتى سأل الملاك عن موعد رجوعه من مصر، على الرغم من أن كلام الملاك له كان مبهمًا ” وكن هناك حتى أقول لك..“. كان هذا الرجل ذو إيمان لا يضعف، ولم يتباطئ فى حمل المسئولية بل أطاع وخضع لساعته متحملاً بفرح كل المحن. وقام ليلاً وأخذ الصبى وأمه وانصرف إلى مصر (مت14:2). إن الله محب البشر الصالح يمزج الأتعاب الشاقة فى حياتنا بحلاوة التعزية.

فلا يشاء أن نظل فى تعب مستمر، ولا فى راحة دائمة، لكنه يسمح لنا بفترات أحزان كما يمتعنا أيضًا بفترات فرح. وهذا ما يجب أن نلاحظه فى يوسف البار: فقد رأى العذراء حاملاً فقلق وبدأ يداخله الشك. ولكن فى الحال وقف به الملاك وبدد شكه ونزع عنه خوفه. وعندما عاين الطفل مولودًا امتلأ فرحًا عظيمًا ثم حلّ به القلق حينما اضطربت المدينة وامتلأ الملك غضبًا عند سماعه بميلاد ملك اليهود.

وبعد الاضطراب جاء الفرح بظهور النجم وسجود المجوس. ثم بعد السرور عاد الخوف والخطر ” لأن هيرودس يطلب نفس الصبى ” بحسب تعبير الملاك. ومن جديد أمر الملاك يوسف أن يهرب ويسير فى طريق المنفى، ويلتزم يوسف بالهروب إلى مصر. هذه هى صورة الحياة التقوية الحقة، هى مزيج مستمر من الضيقات مع الأفراح يسمح بها الرب لأجل تزكيتنا وبنياننا روحيًا[7].

لم يكن الذهاب إلى مصر أمرًا غريبًا، إذ كان بها العديد من الجاليات اليهودية فى كثير من المدن الرئيسية هناك. وقد بدأت هذه الجاليات فى فترة السبى الكبير (ق6 ق.م.) (أنظر مثلاً إر44،43). ووصلت إلى أعداد كبيرة فى القرن الأول الميلادى كانت متركزة فى بابليون مصر القديمة والأسكندرية، وجزء منها فى صعيد مصر.

وهناك تشابه يسترعى النظر بين الهروب إلى مصر؛ وما نجده فى تاريخ إسرائيل.

فعندما كانت إسرائيل أمة ناشئة ـ بنى يعقوب ـ ذهبت إلى مصر على أثر المجاعة الشديدة. وهكذا ذهب يسوع فى طفولته هاربًا من اضطهاد هيرودس. كما أن اضطهاد فرعون ـ الذى لم يكن يعرف يوسف ـ لأطفال بنى إسرائيل وقتلهم، لم يكن إلاّ نبوة على الواقع والتاريخ لاضطهاد هيرودس ـ الذى لم يكن يعرف يسوع ـ وقتله لأطفال بيت لحم.

وحينما قال هوشع النبى: ” من مصر دعوت ابنى” (1:11). كان قوله هذا تاريخيًا عن حدث مضى، وهو ذاته نبويًا عن حدث آتٍ. أى أن الهروب إلى مصر والعودة منها لم يحدث صدفة وبدون غاية، بل تم كل شئ بعناية إلهية ووفقًا للتدبير الإلهى الذى أخبر عنه الأنبياء.

هذه النبوة قالها هوشع النبى متخذًا من عودة إسرائيل من مصر مصدرًا للتعبير المسيانى لدعوة المسيح الابن الوحيد من مصر ” لما كان إسرائيل غلامًا أحببته ومن مصر دعوت ابنى” (1:11)، فهو هنا يعتبر إسرائيل وخروجه من مصر مثالاً لخروج الابن الوحيد المحبوب بعد تغربه فى مصر.

أما الرحلة إلى مصر وتواجد العائلة المقدسة فيها وتحديد المواضع التى عبرت عليها أثناء الرحلة وأقامت فيها، من شمال مصر إلى جنوبها فقد احتفظ لنا التقليد بالكثير منها. وعلى أى حال فقد تباركت أرض مصر بنزول الطفل يسوع فى حضن أمه ويوسف البار. وكما نزل يوسف ابن يعقوب إلى مصر واختزن القمح لإحياء العالم الجائع، هكذا نزل الخبز الحى النازل من السماء ليتغرب فى مصر لتُحفظ حياته من يد الناقمين حتى يضمن الحياة للعالم.

وكما أن نشيد الكرمة الذى قاله داود بالروح عن خروج إسرائيل من مصر وعن تأكيد اختياره كابن له “ كرمة من مصر نُقلت … يا إله الجنود اطلع من السماء وأنظر وتعهد هذه الكرمة والغرس الذى غرسته يمينك والابن الذى اخترته لنفسك” (مز8:80و14و15). هذا الدعاء تحقق عمليًا بنزول المسيح إلى مصر كونه هو “الكرمة الحقيقية” (انظر يو1:15). والابن الوحيد (انظر يو18:1). كذلك كان نزول الحمل الحقيقى وفصحنا المسيح الذى ذُبح لأجلنا (أنظر يو29:1، 1كو7:5)، إلى مصر ما هو إلاّ تطابق مع الفصح الأول الذى تم فى مصر (انظر خر12، ورؤ8:11).

ولما قال الملاك ليوسف ” قم وخذ الصبى وأمه واهرب إلى مصر” لم يعدهما بأن يرافقهما لا فى الذهاب ولا فى الإياب مبينًا أن أعظم رفيق لهما هو الصبى نفسه، الذى عند ظهوره غيّر كل ما فى العالم .

أما السؤال: لماذا هرب السيد المسيح؟[8]

فيمكن الإجابة عليه بالآتى :

1 ـ الملاك نفسه أدلى بسبب الهرب عندما قال ” لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبى ليهلكه” (مت13:2). وترجع الأسباب الرئيسية لرغبة هيرودس فى التخلص من الطفل المولود: لعلمه أن كثير من اليهود يكرهونه لأصله الأدومى ويعتبرونه مغتصبًا للحكم. وأن الشعب يتوقع مجيء المسيا (أنظر لو15:3) وأغلب اليهود كانوا ينتظرون المسيح محررًا حربيًا وسياسيًا عظيمًا (أنظر مثلاً يو15:6). وربما سأل سائل ألم يكن من الممكن أن يقع الطفل بين يدى هيرودس ولا يستطيع أن يُجهز عليه؟

بالطبع كان يمكن ولكن لو حدث شئ مثل هذا ما كان يمكن أن يُقال بعد عن السيد إنه اتخذ جسدًا حقيقيًا، ولما ثبتت حقيقة التجسد. بمعنى آخر أنه لو كان المسيح قد صنع فى أول حياته هذه المعجزة لما صدّق أحد بعد أنه إنسان أيضًا. وهكذا فإن هروب السيد المسيح من الشر أكد حقيقة تجسده. وتأمل معى كيف تبدو الألوهية مخفية هنا تحت ظواهر البشرية الوضيعة.

2 ـ كما أن الإنجيلى متى لم يلبث أن قال لنا سبب آخر وهو: ” لكى يتم ما قيل من الرب بالنبى القائل من مصر دعوت ابنى “.

هذا وإن اعترض البعض على هذه النبوة زاعمين أنها عن إسرائيل، نجيبهم بأن الأنبياء كان من عادتهم أن يقولوا أشياء عن أشخاص، ولكنها تتم فى سواهم، خذ مثلاً ما قيل عن شمعون ولاوى: ” أقسمهما فى يعقوب وأفرقهما فى إسرائيل ” (تك7:49).

إلاّ أن هذه النبوة تمت فى ذريتهما لا فيهما بالذات (أنظر عد2:35ـ8، يش1:19ـ9، 3:21ـ8)، وما تنبأ به اسحق ليعقوب بالبركات ” ليُستعبد لك شعوب وتسجد لك قبائل كن سيدًا لأخوتك وليسجد لك بنو أمك ” (تك29:27)، لم تتم إلاّ فى ذريته (انظر 2صم6،2:8، 19:10، 14:8، 1مل15:11 ـ16، تك8:49). وكيف يمكن أن يكون هو المقصود بها وقد كان يخاف من أخيه عيسو وكثيرًا ما كان يسجد قدامه؟. ثم من أحق أن يُدعى ابن الله؟ أذاك الذى سجد للعجل الذهبى وضحى بأبنائه للشياطين أم الذى هو ابنه بالطبيعة .

وأنظر كيف يعبّر الإنجيلى عن فكره، حينما يقول: ” لكى يتم ما قيل…” مبينًا أن هذا القول لم يتم إلاّ بذهاب المسيح إلى مصر وعودته منها.

وليس من قبيل الصدفة، أن هذا الأمر يتسبب في تطويب السيدة العذراء ويزيد كرامتها. لأن الشيء الذى استطاع شعب برمته أن يناله من المديح لنفسه، نالته هى بمفردها. فاليهود كانوا يذكرون بالفخر خروجهم من مصر ويتباهون به (أنظر مثلاً عا7:9)، هذا الفخر الشعبى حازته البتول وحدها.

3 ـ هروبه كممثل للبشرية يقدم لنا منهجًا روحيًا أساسه عدم مقاومة الشر بالشر، بل علينا أن نحب أعدائنا ونبارك لاعنينا وأن نحسن إلى مبغضينا ونصلى لأجل الذين يسيئون إلينا (أنظر مت44:5). فالنار لا تُطفأ بالنار بل بالماء.

4 ـ لكى نتعلم توقع المحن والمكايد فى حياتنا ومنذ البداية. فإذا امعنت النظر معى فيما جرى للمسيح وهو بعد فى اللفائف، حينما وُلِدَ، ثار ثائر طاغية، واضطربت مدينة بأكملها وحدث هرب وانتقال إلى خارج الوطن، فقد هرب مع أمه ويوسف النجار إلى بلاد الأمم دون ذنب ما. دقق النظر فى هذا حتى إذا ما كنت مكلفًا بخدمة روحية، ثم اعترضتك عقبات فلا تضطرب ولا تيأس بل تحملها بصدر رحب.

5 ـ أيضًا كان إرسال الصبى إلى مصر، وعودة المجوس إلى بلاد فارس، مقدمة لتبشير المسكونة. لأن مصر وبابل كانتا تصطليان بنار الوثنية، فأعلن المسيح منذ البدء أنه سيصلحهما كليهما.

وهنا يليق بنا أن نقف قليلاً لنسجل كيف أن كنيستنا القبطية الأرثوذكسية قد وضعت بارشاد الروح القدس هذا الفصل من الإنجيل ـ إنجيل الهروب إلى مصر ـ (مت13:2ـ23) في قراءات الأحد الأول من شهر طوبة (وهو الأحد الذي يلى عيد الميلاد مباشرة 29 كيهك)، وكأنها تريد أن تعلن بذلك أن مجيء السيد المسيح إلى أرض مصر هو إشارة إلى إعلان المخلص المولود حديثًا للأمم. ومما يؤكد هذه الفكرة، أن القراءات الأخرى لذلك اليوم كلها تدور أيضًا حول الإعلان للأمم.

فالبولس يركز على أنه وإن كان يسوع يسوع صار خادم الختان من أجل صدق الله، إلاّ أن الأمم أيضًا قد مجدّوا الله من أجل الرحمة (انظر رو4:15ـ19).

والكاثوليكون بدوره من (1يو1:3ـ11) يكشف عظمة محبة الله التى جعلت كل من يؤمن به من الأمم في آسيا الصغرى الذي كتب إليهم يوحنا الرسول، يصيرون أبناء الله.

أيضًا فصل سفر الأعمال (24:14، 3:15)، يخبرنا كيف أن رجوع الأمم كان سبب سرور عظيم لجميع الاخوة.

ثم يأتى المزمور (2:98ـ3) ليقول صراحة إن كل أقاصى الأرض رأت خلاص إلهنا.

          6 ـ وأخيرًا، بلا شك كان يمكن للسيد أن يلتجئ إلى مدينة فى اليهودية أو الجليل، لكنه أراد تقديس أرض مصر وليقيم فى وسط الأرض الأممية مذبحًا له. فى هذا يقول إشعياء النبى: ” هوذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر فترتجف أوثان مصر من وجهه… فى ذلك اليوم يكون مذبح للرب فى وسط أرض مصر وعمود للرب عند تخمها… فيُعرف الرب فى مصر ويعرف المصريون الرب فى ذلك اليوم ويقدمون ذبيحة وتقدمة وينذرون للرب نذرًا ويوفون به” (إش21،19،1:19). وتأمل معى هذا الأمر المدهش أن فلسطين تتآمر عليه بينما مصر تتلقاه وتجعله بمنجى من الأخطار.

 يقول القديس يوحنا ذهبى الفم: [ إذا ما طفت صحراء مصر تجدها أجمل جنات العالم، إنك ترى فيها أجواقًا كثيرة من الملائكة بشكل بشرى، وفرقًا من الشهداء وجماعات من العذراى لا تُحصى، ترى طغيان الشيطان قد كُسرت شوكته، والمسيح يتجلى بكل مجده. مصر هذه أم الشعراء والفلاسفة وعلماء الفلك التى ابتدعت كل ضروب السحر ونقلته إلى سائر الأمم، تراها الآن تجعل فخرها فى الصيادين … والصليب فى طليعة كل شئ … إنك ترى فى كل مكان من تلك البلاد جيش المسيح وقطيعه الملكى وحياة القوات السماوية … فمن يعرف مصر القديمة محاربة الله، الحمقاء … يدرك حق الإدراك قدرة المسيح][9].

لهذه الأسباب.. ولأسباب أخرى استطرد فى ذكرها كُتّاب آخرون، صار دخول السيد المسيح أرض مصر عيدًا عظيمًا تُعيد له الكنيسة القبطية بكل فرح فى 24 بشنس (1 يونيو) من كل عام .

ثالثًا : قتل أطفال بيت لحم : (مت16:12ـ18)

اضطرب هيرودس الملك وغضب جدًا عندما رأى أن المجوس قد سخروا به وعادوا إلى كورتهم ولم يرجعوا إليه ليخبروه عن مكان الصبى. لأنه ربما ظن، إنه إذا كان المسيح هو الوارث الحقيقى للعرش، فسيكون هذا كفيلاً بإثارة المتاعب له، كما أنه ربما خشى من التفاف الشعب اليهودى ـ فى المستقبل ـ حول هذه الشخصية التى تنبأت عنها الكتب.

لم يكن يحق لهيرودس أن يغضب ويُقدِم على أمور لا قِبلَ له على إتمامها، غير أنه لم يحبس عنان نفسه. وهذا الغضب الذى بات يغلى فى صدره ـ من المجوس الذين خدعوه ـ صب جامه على الصبيان الأبرياء. مجددًا فى فلسطين تلك المأساة التى جرت وقائعها قديمًا فى مصر (أنظر خر15:1ـ22) إذ أرسل وقتل جميع الصبيان الذين فى بيت لحم وفى كل تخومها من ابن سنتين فما دون بحسب الزمان الذى تحققه من المجوس.

قتل هيرودس ملك اليهود، كل الأولاد دون سن سنتين، فى محاولة مستميتة لقتل يسوع، الملك المولود. لقد لطخ يديه بالدم، أما يسوع فلم يُصبه أى ضرر. كان هيرودس ملكًا معينًا من البشر، أما الرب يسوع فقد كان ملكًا بتعيين إلهى. ولا يمكن لأحد أن يعرقل خطط الله، وكل من يُقدم على هذا، لا يضّر فى النهاية إلاّ نفسه.

كان هيرودس يخشى أن يأخذ عرشه الملك المولود، فهو لم يفهم إطلاقًا السبب الذى من أجله جاء المسيح. لم يكن الرب يسوع يريد أن يأخذ عرش هيرودس، ولكنه أراد أن يكون ملكًا على حياة هيرودس، لم يرد أن يأخذ منه حياته الزمنية بل أن يهبه حياة أبدية.

وإذا كان البعض يتهم العناية الإلهية بأنها لم تبال بأمر قتل الصبيان نقول[10] إن المسيح لم يكن السبب فى قتل أولئك الصبيان، بل قسوة الملك هيرودس، فالمعروف عنه تاريخيًا أنه كان محترفًا القتل ولم يتورّع عن قتل حتى أولاده عندما أحس أنهم ينازعونه فى العرش. فإذا كان هذا الملك جحودًا فليس ذلك ذنب طبيب النفوس الحكيم الذى لم يدع وسيلة ليُصلح بها ما فسد من خُلق هذا المريض، إن النفس متى كانت غبية لا ينفعها الدواء الذى يعطيه الله نفسه.

ألم يعلم هيرودس أن المولود إلهيًا؟ ألم يدعو هو نفسه رؤساء الكهنة وكتبة الشعب وسألهم عن مكان ميلاده؟ وهؤلاء بدورهم ألم يوضحوا له النبوة التى أخبرت من قبل عن هذه الحوادث؟ ألم يرَ الأمور القديمة وكيف تنطبق على الأمور الحديثة؟ ألم يسمع من المجوس أن نجمًا يثبت النبوة؟ ثم لماذا لم يحترم غيرة الأممين؟ ولا شعر بالرهبة أمام صدق النبوة؟ ولماذا لم يستخلص بنفسه من كافة هذه الأمور أن ما جرى له مع المجوس لم يكن خدعة منهم وإنما كان فعل قدرة إلهية قد دبرت كل ما يجب أن يكون؟ وببساطة لماذا لم يدرك النهاية من البداية؟ ولنفرض أن المجوس قد خدعوه فلماذا يقتل الصبيان ولا ذنب لهم؟

ولكن إذا كان هذا الرجل ظالمًا فلماذا سمح الله بالظلم ؟ لماذا سمح ملك السلام أن تحدث هذه الكارثة بسبب ميلاده؟ ولماذا فى الوقت الذى فيه انطلقت الملائكة بالتسبيح تطوب البشرية لتمتعها بالسلام السماوى، وجاء الغرباء يحملون الهدايا إلى طفل المذود ؟ يُسمع صوت نوح وبكاء وعويل كثير فى الرامة وراحيل تبكى على أولادها ولا تريد أن تتعزى؟

أقول إنه تُوجد قاعدة عامة تُطبق على كل ضيقة نتعرض لها مثل هذه. وهى أن كثيرين يظلمون ولا أحد يطيق الظلم. وأن ما نعانيه ظلمًا من أى إنسان يحسبه الله لتزكية إيماننا وزيادة مكافأتنا ـ ولتوضيح هذا الأمر، نقدم هذا المثل: لنفرض أن عبدًا مدين بمال كثير لسيده وأن هذا العبد اعتدى عليه أُناس أشرار فسلبوا جزءً كبيرًا من مقتناياته، فلو أن سيده ـ القادر على صد السالب الطماع، لم يستوف ماله، وحسب مسئولاً عن سداد الأشياء المسلوبة، فهل يكون هذا العبد مظلومًا؟ كلا. وما قولك لو عوض عليه بأكثر مما فقده؟ ألاّ يربح عندئذ ربحًا عظيمًا.

ولعلك تقول أية خطيئة ارتكبها هؤلاء الأطفال؟ ولماذا يحل بهم الظلم؟

قد تقول إنهم كانوا يستطيعون أن يحوزوا مكافآت كثيرة لو أمد الله في عمرهم. لكن ليس بالشيء القليل المكافأة التى استحقوها بموتهم لأجل قضية مثل هذه. ولو كان قد قُيض لهم أن يكونوا فيما بعد رجالاً عظامًا لما سمح الله للموت أن ينتزعهم. فالله الذى يحتمل بطول أناته أولئك الذين تنقضى حياتهم فى الإثم، لا يسمح بالأحرى بأن يهلك أولئك الصبيان قبل الأوان لو كانوا قد أُعدوا لأعمال عظيمة.

كما أن الانتقام لم يلبث أن حلّ بهيرودس، وأنزل به أشد العقوبة، جزاء ما اقترفته يداه. لأن المأساة التى اجتاحت يومئذ بيت لحم ليست أمرًا ضئيلاً إذ أن الصبيان انتُزعوا من ثدى أمهاتهم وأُخذوا إلى تلك المجزرة الظالمة الرهيبة .

هذه هى بعض الأسباب التى لدينا لا كلها. إنما يوجد غيرها بعيدة المنال يعلم بها ذاك الذى يضبط الكل.

ويبدو لنا أن عمل هيرودس الفظيع فى قتل أطفال بيت لحم الذكور يشبه قتل فرعون الذكور من شعب إسرائيل بلا رحمة، (أنظر خر1) فالنية السيئة واحدة والتنفيذ الإجرامى مطابق. وكان الخوف على موسى وهو فى المهد رضيعًا من سيف فرعون هو نفس الخوف على يسوع الطفل من سيف هيرودس.

وكنيستنا المقدسة إذ وضعت أمامها كل ما سبق جعلت يوم 3 طوبة (11 يناير) تذكارًا لاستشهاد أطفال بيت لحم.

حينئذِ تم ما قيل بإرميا النبى القائل صوت سُمع فى الرامة نوح وبكاء وعويل كثير. راحيل تبكى على أولادها ولا تريد أن تتعزى لأنهم ليسوا بموجودين ” (مت17:2ـ18).

 إذ وصف الإنجيلى متى لقرائه تلك المجزرة الهائلة الظالمة الوحشية، يعود ويعزيهم قائلاً إن تلك الحوادث لم تتم بدون إذن من الله وبغير علمه بل سبق فعرفها وأخبر عنها بواسطة نبيه. فلا نضطرب ولا تهن عزيمتنا إبان المحن بل بالحرى علينا أن نحوّل بصرنا إلى عنايته التى يتعذر وصفها فهو يعلم ما نعانيه ويُدرك استعدادنا ويعتنى بنا، ويتدخل فى الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة.

والإنجيلى أيضًا إذ يبين لنا أن ذلك الجرح كان بليغًا لا يبرأ بقوله: ” .. ولا تريد أن تتعزى لأنهم ليسوا بموجودين“. يريد أن يعلمنا كذلك أن لا نضطرب حينما يحلّ بنا ما يخالف وعد الله. فذاك الذى جاء لخلاص شعبه بل لخلاص العالم ماذا كانت أوائله: أمه تلجأ إلى الهرب، وطنه يقع فى شدائد لا يمكن التغلب عليها، قتل أشد مرارة من كل قتل، بكاء وعويل كثير ونحيب فى كل مكان. لكن لا نقلق لأن الله يأذن دائمًا بأن تتم تدابيره بما يناقضها، إذ يعطينا بذلك دليلاً قاطعًا على قدرته.

كانت راحيل زوجة ليعقوب، أب الآباء، الذى من أبنائه الاثنى عشر جاء أسباط إسرائيل الاثنى عشر، وكانت راحيل أم يوسف وبنيامين ولما ماتت أثناء ولادتها لبنيامين دُفنت بالقرب من بيت لحم (أنظر تك19:35). فلما كان قبرها داخلاً فى نصيب ابنها بنيامين (الرامة) (أنظر يش25:18) وبنيامين هو الجد الأكبر لأهل الرامة. كان الإنجيلى على صواب عندما يدعو الصبيان المقتولين، أولاد راحيل (أنظر إر15:31).

وراحيل هنا فى (إر15:31) يصورها النبى وكأنها مازالت حية تعيش وتراقب الجماعة البائسة من الشعب التى جُمعت فى الرامة تمهيدًا لنقلهم إلى السبى فى بابل. وبينما هى تسمع صراخهم وعويلهم، صورها إرميا على أنها أخذت تنوح عليهم وكانت تنوح بمرارة لأن نسلها يُنتزع من أحضانها ولم يعودوا موجودين إذ يُرحلون للأسر (أنظر2مل5:17ـ6 و2أى14:36ـ21).

والآن يأتى القديس متى ليصوّر نحيب راحيل على أولادها أطفال بيت لحم الذين ذُبحوا ولم يعودوا بموجودين ولكن ليس بعد بسيف ملك بابل بل بسيف ملك اليهودية. أما الطفل الذى ركز عليه الطاغية هيرودس فقد نجا من الموت وهرب إلى مصر بإرادته لكي يموت في الوقت المناسب ويخلص العالم بموته وقيامته.

رابعًا: العودة من مصر والسكنى فى الناصرة :

فلما مات هيرودس إذا ملاك الرب قد ظهر في حلم ليوسف في مصر قائلاً: قم وخذ الصبي وأمه وأذهب إلى أرض إسرائيل لأنه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبي. فقام وأخذ الصبي وأمه وجاء إلى أرض إسرائيل. ولكن لما سمع أن أرخيلاوس يملك على اليهودية عوضًا عن هيرودس أبيه خاف أن يذهب إلى هناك وإذ أوحي إليه في حلم أنصرف إلى نواحي الجليل، وأتى وسكن في مدينة يُقال لها ناصرة لكي يتم ما قيل بالأنبياء أنه سيدعى ناصريًا” (مت19:2ـ23).

هذا هو الحلم الثالث ليوسف (أنظر مت20:1و13:2) وفيه يأمره ملاك الرب أن يأخذ الصبى وأمه ويرجع إلى أرض إسرائيل، ذاكرًا السبب لأن الذين كانوا يطلبون نفس الصبى قد ماتوا. ومن المعروف ـ تاريخيًا ـ أن هيرودس بعد مذبحة أطفال بيت لحم، مرض مرضًا خطيرًا وسافر إلى شرقى الأردن للاستشفاء بحماماتها، ثم عاد إلى أريحا أسوأ مما كان عليه قبلاً. ومات هناك سنة 4 ق.م. وهو فى السبعين من عمره، بعد ملك دام أربعًا وثلاثين سنة.

وإذا كان الطفل يسوع قد هرب إلى مصر مع يوسف وأمه فى نفس السنة التى مات فيها هيرودس (ربما قبل الوفاة بشهور) فإن نزوله إلى مصر بعد زيارة المجوس مباشرة وبقائه فيها لم يدم كثيرًا .

ومعروف أنه بموت هيرودس خلفه ثلاثة من أولاده. الأول (أكبرهم) أرخيلاوس[11] على اليهودية والسامرة وأدومية (أنظر مت22:2)، والثانى هيرودس أنتيباس رئيس ربع على الجليل وبيرية (أنظر لو1:3)، والثالث فيلبس رئيس ربع على المناطق الشمالية مثل أيطورية وتراخونيتس (أنظر لو1:3).

كانت طاعة يوسف لأمر الملاك حاضرة دائمًا، فقام وأخذ الصبى وأمه من مصر وعاد إلى أرض إسرائيل . ولابد أن الرحلة كانت ميسّرة بعناية القدير. وربما كانت النية مبيّتة على الاستقرار فى بيت لحم لكون يوسف ومريم من بيت داود وعشيرته (أنظر لو4:2)، ولقربها من أورشليم. ولكن عند وصوله إلى أرض إسرائيل عَلِمَ أن أرخيلاوس يملك على اليهودية عوضًا عن هيرودس أبيه، فخاف. ولكى يتجنب هذا الخطر انصرف إلى نواحى الجليل فى الشمال وأتى وسكن فى مدينة الناصرة[12].

ولعل ذهاب يوسف إلى الناصرة، وهى بلدة ليست بذات قيمة وليس فقط هى وإنما كل منطقة الجليل (أنظر يو46:1، 52:7). بجانب رغبته فى تجنب الشر، أراد الله به أن يحطم من البداية ما اتسم به اليهود من افتخارهم بنسبهم إلى أسباط معينة، وإلى بلاد ذات شهرة. وأن يظهر لنا أنه ليس بمحتاج إلى الأمور الخاصة بالبشر ولكى نعلم أنه لا يجب علينا أن نزدرى بأي شئ.

وهكذا عاد يوسف ومعه الطفل وأمه إلى الناصرة وطنهم السابق. فالإنجيلى لوقا يخبرنا أن يوسف ومريم لم يصعدا إلى بيت لحم لسبب آخر إلاّ للاكتتاب (انظر لو3:2ـ5 ” وبينما هى هناك تمت أيامها لتلد فولدت ابنها البكر“). فضلاً عن أنه لم يكن لهما هناك منزل يقيمون فيه (أنظر لو7:2) ولذا فبعد أن أكملا ما صعدا لأجله عادا إلى الناصرة. كما يذكر لوقا أيضًا أنه بعد أن أكملوا كافة مراسم التطهير فى هيكل أورشليم عادوا أيضًا إلى مدينتهم الناصرة (أنظر لو39:2). وهو يقول هذا مخبرًا عن الزمن الذى سبق النزول إلى مصر لأن يوسف لم يذهب بهما إلى هناك قبل التطهير.

لكى يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيُدعى ناصريًا “.

لا توجد فى العهد القديم نبوة بهذا النص ولذا لم يذكر القديس متى اسم نبى بالذات، بل قال ” ما قيل بالأنبياء”، وقد يعنى هذا:

أ ـ أنها نبوة شفهية لم ترد مكتوبة فى الأسفار بل تناقلتها الأجيال شفهيًا. وقد أثبت الكتاب أن هناك نبوات نطق بها الأنبياء شفهيًا ولم يسجلها الوحى مثل نبوة يونان عن رد تخم إسرائيل ” من مدخل حماة إلى بحر العربة..” أى استرداد ما كان حزائيل الآرامى قد اغتصبه. ولم ترد هذه إلاّ عند إتمامها إذ قيل ” حسب كلام الرب ـ عن يد عبده يونان بن أمتاى ” (2مل25:14).

كما ورد فى سفر طوبيت أن نينوى ستخرب كما تكلم عنها يونان (أنظر طو4:14) بينما لم يذكر سفر يونان إلاّ تهديد نينوى بالخراب الذى رُفع عنها حين تابت. كما أورد العهد الجديد فى رسالة يهوذا نبوة أخنوخ النبى وهى غير واردة فى العهد القديم ” وتنبأ عن هؤلاء أيضًا أخنوخ السابع من آدم قائلاً: هوذا قد جاء الرب فى ربوات قديسيه ليصنع دينونة على الجميع..” (آية14 ـ15)[13].

ب ـ وهناك رأى آخر يقول إن كلمة “ناصرة” مأخوذة من الكلمة العبرية Natzar ومعناها “غصن”. كما يُقال إن مدينة الناصرة كانت مُحاطة بأشجار قصيرة ولذا سُميت “غصن”. كما أن هناك أيضًا النبوات التى فيها تسمى السيد المسيح “بالغصن”، كقول إشعياء مثلاً: ” ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله ” (1:11). أى أن السيد المسيح سُمى “غصن”  والناصرة تعنى “غصن” ولذا دُعى ” ناصريًا” وعليه يكون الأنبياء الذين عناهم متى والذين أوردوا هذه التسمية هم إشعياء(2:4، 1:11) وإرميا(5:23، 15:33) وزكريا(8:3، 12:6)[14].

ج ـ يُضاف إلى كل هذا أن السيد المسيح صرف فى الناصرة الجزء الأكبر من الثلاثين سنة الأولى من حياته (أنظر لو23:3، مر9:1) وربما لهذا السبب لُقب بيسوع ” الناصرى ” نسبة إليها. ولقد جاء هذا اللقب على لسان الشياطين فى اعترافها به أنه قدوس الله (أنظر مر24:1) وسمعه عنه بارتيماوس الأعمى من الجمع الغفير فى أريحا (أنظر مر 46:10ـ47). وعرّفته الجموع بهذا اللقب عندما دخل أورشليم وارتجت المدينة كلها  سأله من هذا ؟ (مت11،10:21).

وأيضًا كان عنوان صليبه وعلة موته ” يسوع الناصرى ملك اليهود” (يو19:19). كما أن بطرس الرسول دعا السيد المسيح بالناصرى (أنظر أع22:2)، وكذلك بولس (أنظر أع9:26). بل إن يسوع نفسه استخدم هذا اللقب لنفسه وقت ظهوره لشاول الطرسوسى ” … وسمعت صوتًا قائلاً لى شاول شاول لماذا تضطهدنى فأجبت من أنت يا سيد، فقال لى أنا يسوع الناصرى الذى أنت تضطهده ” (أع7:22ـ8).

كما أن تلاميذ المسيح لُقبوا “بالناصريين” (أنظر أع5:24) وقد شاع هذا اللقب حتى اليوم. فالذى يقبل الإيمان بالمسيح ويعتمد يعتبر أنه “تنصر” والمعنى أنه صار تابعًا ليسوع الناصرى .

———————————-

1 مجوس: كلمة فارسية تعنى كهنة، وبالرغم من أنه فى أيام دانيال كان يُفصل بين المجوس والسحرة (أنظر مثلاً دا10:2)، إلاّ أن لفظ مجوسى كان يُستعمل أحيانًا فى وقت بدء المسيحية ليعنى ساحرًا، وكان منهم سيمون الساحر (أع9:8)، وباريشوع (أع6:13) اللذان يوصف الواحد منهما فى بعض الترجمات بكلمة “ساحر” وفى أخرى بكلمة “مجوسى”. أنظر الأنبا أثناسيوس، إنجيل متى، بنى سويف 1985، ص 103ـ104؛ وأيضًا قاموس الكتاب المقدس ص 842.

2 أنظر الأنبا أثناسيوس، إنجيل متى، بنى سويف 1985، ص104.

3 الأنبا أثناسيوس: المرجع السابق ص 104.

4 أنظر قاموس الكتاب المقدس ص 842.

5 المرجع السابق

6 أنظر القديس يوحنا ذهبى الفم، شرح إنجيل متى، الجزء الأول، ترجمة عدنان طرابلسى، لبنان 1996، ص94.

7 أنظر القديس يوحنا ذهبى الفم، “عظة فى هرب المسيح إلى مصر”، كتاب خطيب الكنيسة الأعظم، للأب إلياس كويتر المخلصى، لبنان 1988، ص 399.

8 أنظر القديس يوحنا ذهبى الفم ، المرجع السابق، ص398ـ400.

9 أنظر القديس يوحنا ذهبى الفم ، المرجع السابق، ص 401ـ402.

10 القديس يوحنا ذهبى الفم: المرجع السابق، ص404ـ406.

11 الكلمة ” أرخيلاوس ” يونانية وتعنى “حاكم الشعب”. وقد حدث عند ارتقائه العرش أن قام اليهود بثورة ضده فى أورشليم، أخمدها هو بالقوة. ويظهر من مثل “الأمناء” (لو12:19ـ27) أن الرب يسوع يشير إلى ما حدث عندما تسلم أرخيلاوس مقاليد الحكم. وبسبب سوء حكمه خلعه أغسطس قيصر من ملكه فى سنة 6 م ونفاه إلى بلاد الغال. وبعد ذلك تولى الحكم فى اليهودية والسامرة ولاة رومانيون من أمثال بيلاطس البنطى وغيره. أنظر قاموس الكتاب المقدس ص 46.

12 الناصرة: هى مدينة فى الجليل (أنظر لو26:1، مر9:1) تقوم على جبل مرتفع (أنظر لو18:4، 29) وتبعد حوالى 86 ميلاً (حوالى 137كم) إلى الشمال من أورشليم. ولم تكن المدينة قديمًا ذات أهمية بل كانت محتقرة ربما لأن موقعها عند تقاطع طرق القوافل التجارية جعل سكانها يختلطون بأناس من الأمم. وربما لأن الحامية الرومانية المنوط بها حماية منطقة الجليل، كانت تعسكر فيها (أنظر يو46:1).

فى الناصرة ظهر الملاك لمريم يبشرها بالحبل الإلهى (أنظر لو26:1) وإليها عادت مريم مع يوسف من مصر (أنظر مت23:2) وفيها نشأ المسيح وترعرع (أنظر لو16:4). ولكنه ما إن بدأ رسالته حتى رفضه أهلها مرتين (أنظر لو16:4ـ30، مت54:13ـ58، مر1:6ـ6). أنظر قاموس الكتاب المقدس ص 946ـ947.

18 أنظر الأنبا أثناسيوس: المرجع السابق، ص 107.

20 أنظر القمص تادرس يعقوب: تفسير إنجيل متى، سبورتنج الأسكندرية 21992، ص64.

زيارة المجوس للمسيح وهروبه إلى مصر

من هو المسيح – كيف أرى يسوع المسيح ؟

من هو المسيح – كيف أرى يسوع المسيح ؟

من هو المسيح – كيف أرى يسوع المسيح ؟

قبل أن تقرأ هذا المقال

الكثيرون منا، وبالأخص الذين إذ يسمعون إسم يسوع أو يقرأون عنه، لا يسمعوا أو يقرأوا إلا ما يتوافق مع مورثاتهم العقائدية بلا تفكير أو تدبر، ما هو الحق؟!! وكأن ما ورثوه هو أصح الصحيح، ويرفضون أنيسمعوا ما يقوله الله عن يسوع المسيح. يل أنهم يؤولون ما يسمعونه على هواهم، لتصير كل الحقائق ملونة بلونهم الخاص. وبالطبع يكونون معطلين لأهم عطايا الله لهم، ألا وهو “العقل”.

والإنسان الذي لا يستخدم عقله هو طفل كبير، فهو لا يقرأ ولا يفكر ولا يعرف فن التأمل ولا يتذوق متعة الجلوس إلى النفس، فهو لا يستطيع أن يفجر طاقات فكره وعقله وله أعصاب تتوطر لأتفه الأسباب.

أما الإنسان الذي يفكر ويعطي لعقله الدور الذي رسمه له الخالق، فهو يحاول دائماً أن يعطي لحياته معنى إنسانياً، وذلك بأن يتفحص كل ما يقرأه بذهن الحياد، وكما كتب د/كمال قلته في كتابه “الانسان هو القضية الانسان هو الحل” جميع قضايا الإنسان، تتلخص في قضية واحدة: “الإنسان” وقضية الإنسان، تتلخص في قضية واحدة: هل يستخدم “عقله”؟

لذا فكل ما أأمله منك أيها القارئ أن تفحص ما أعلنه من خلال هذه السطور عن إيماني، فليس المطلوب أن تتفق معي في “إيماني” ولكن المكلوب أن تتفق معي في “منهج الحوار”، هذا المقال دعوة لك .. فهل تقبل!!

 

هذا السؤال الهام لهو خير ما نبتدئ به سطورنا تلك .. لأنه وكلما حاولنا الحديث عن المسيحية “كديانة” سنحد أنفسنا ملزمين بالحديث عن شخص “يسوع المسيح”. وهو أيضاً الشخص الوحيد الأكثر جدلاً حول طبيعته، بل وحتى طبيعة رسالته !!.

حتى أننا نجد أن كثرون يرونه “شخصية أسطورية” إبتدعها الخيال اليهودي (نقصد البعض منهم الذين أطلق عليهم فيما بعد المسيحيون) فيشككون في تاريخيته، وكأنه خرافة، فيقارنون بينه وبين أساطير الشرق الأقصى، أو الأساطير المصرية (إيزيس وأزوريس .. على سبيل المثال) …

والبعض لا يراه أكثر من نبي أو رسول، أرسل من قبل الله برسالة خاصة إنتهى جزء منها، والجزء الباقي مؤجل بقرب مجئ الساعة، حيث يظهر من جديد (ولا نعلم كيف؟) ليقضي على المسيح الدجال !!

والبعض يراه معلماً، مفوهاً وحكيماً، وهذا – كما يرون – ما خلد ذكراه، على مثال أرسطو وافلاطون، من فلاسفة الزمان الغابر، فيقارنون بينه وبين سقراط على وجه الخصوص..!!

والبعض يراه الله الظاهر في الجسد، متمماً مقاصد الله، بذاته، وفي ذاته !!

ولكن .. وقبل كل هذا من

أين تبدأ القصة لهذه

الشخصية الفريدة ؟!!

تبدأ القصة من حوالي ألفي سنة حيث دخل يسوع المسيح جنسنا البشري من خلال عائلة يهودية صغيرة كان عضواً في عائلة فقيرة تنتمي إلى إحدى الأقليات، سكنت في واحدة من أصغر بلاد العالم، عاش حوالي ثلاثة وثلاثين سنة تضمنت السنوات الثلاثة الأخيرة منها خدمته العامة، لتكتمل بحادثة صلبه، ثم قيامته، وصعوده.

كان هذا في هدوء .. وأيضاً رحل عن عالمنا في هدوء .. إلا أنه لا يوجد شخص ثار حوله كل هذا الخلاف مثل شخص المسيح. إلا أننا إذا تابعنا حياة يسوع المسيح وأثره، فإننا نلاحظ أنه حيثما إنتشرت رسالته حدث تغيير عظيم في حياة البشر والأمم.

غالباً ما يسمع المرء أن التاريخ هو قصته، قصة رجل واحد، فأنت إن رفعت أسم يسوع المسيح من التاريخ فإن التاريخ يصبح قصة مختلفة.

وصف كاتب تأثير يسوع المسيح قائلاً: “تسعة عشر قرناً جاءت ومضت، واليوم هو يحتل قلب البشرية ويقود قافلة التقدم، وأني لا أخطئ إن كل جيوش العالم التي اشتركت في المعارك، وكل الأساطيل البحرية، وكل المجالس النيابية التي أجتمعت، وكل الملوك الذين حكموا لم يؤثروا في حياة الإنسان كما فعل شخص واحد هو يسوع الناصري (نسبة إلى مكان ولادته”.

لقد إنقسم الناس عبر العصور حول هذا السؤال: ” من هو يسوع ” فلماذا كل هذا الخلاف حول شخص واحد؟

قبل الإجابة على هذا السؤال دعونا نطرح سؤال هان، ألا وهو:

لماذا ينفرد يسوع بلقب “السيد المسيح” حتى أنه صار ملازماً لإسمه؟!

يلزمنا أن نعرف معنى كلمة “المسيح”، حيث نعرف من الكتاب المقدس بلإن هذه الصفة تطلق، في العهد القديم، على الشخصيات التي تمسح بالزيت: الملك ( 1 صموئيل 7:24) وعظيم الكهنة (لاويين 4:2). وكانت تدل أيضاً، بالمعنى التوسعي على من اختاره الله للقيام بمهمة خاصة. وهذا اللقب كان ذا طابع خاص لدى اليهود، حتى أنهم اعتبروا يسوع المسيح “قد جدف” حين سألوه قائلين: “إن كنت أنت المسيح فقل لنا … أفأنت ابن الله؟” (لوقا 22: 67-70). لماذا؟

حين بدأ يسوع حياته العلنية كانت الأمة اليهودية تئن تحت النير الروماني، وكان الصولجان قد انتزع من يد سبط يهوذا، ولذا كانت الآمال بظهور المسيح تتفاعل في النفوس أكثر من أي وقت مضى، وفقاً للنبوات.

وكان هناك حزبان كبيران في صراع مرير على النفوذ: وهما الصدوقيون والفريسيون. فالصدوقيون كانوا متعاطفين مع السلطة الرومانية الإستعمارية، وأصحاب الوظائف الكهنوتية العليا التي منها رئاسة الكهنوت.

أما الفريسيون فلم تُدركهم حظوة الحكام وكانوا قبل كل شيء حزباً دينياً تميز بالتشدد في حفظ أحكام الناموس والنفور الجامح من كل اتصال بالأجنبي الوثني. وقد خرجت منهم فئة تدعى الغيورين، وهؤلاء عُرفوا بتقيدهم الصلب بالناموس وتفسيرهم الضيق له. وقد ناصبوا يسوع العداء وقاوموه وطاردوه بلا هوادة. وكثيراً ما اضطر يسوع ازاء تسميمهم روحية الشعب أن يفضح رياءهم وكبرياءهم.

فلا عجب اذن، ازاء مصالح هذه الأحزاب المتناقضة وتطلعاتها المتضاربة، اذا عثرنا على تقييم مختلف للرجاء بظهور المسيح. فإن الصدوقيين كانوا راضين بالوضع القائم وغير مستعجلين الخلاص المنتظر خوفاً من حدوث اضطرابات أو تغييرات وبالاً عليهم.

أما الفريسيون الذين كانوا يئنون تحت نير أجنبي ثقيل يذلهم ويتركهم بلا امتيازات فكانوا بالعكس ينتظرون بفارغ صبر مجئ ملكوت المسيح، هذا المجئ الذي يجعل العالم كله تحت سيطرة يهوه وشريعة موسى، ويقيم الأمة اليهودية في مكان الصدارة بين الأمم فيخفق علمها الظافر في أجواء الأرض كلها.

ولكن آراء اليهود كانت تنقسم حينما كان يثار الموضوع لمحاولة تحديد ميزة الملكوت الآتي. فبعضهم كان يشدد على ناحيته الأدبية والدينية ويعتبره انتصار الأبرار واليوم العظيم الذي يحصل فيه كلّ على ما يساوي استحقاقه.

وبعضهم – وكان السواد الأعظم – كان يعتبره مجداً زمنياً وازدهاراً دنيوياً ويرى في المسيح مفتتحاً جباراً وبطلاً حربياً عظيماً يظهر فجأة على سحاب السماء ويدخل ظافراً مدينة القدس، وهو على كل حال لم يكن في نظرهم على الأطلاق مسيحاً معذباً يحرر النفوس في الدرجة الأولى ويكّفر عن الخطية بذبيحة لها قيمة لا متناهية. ومن كل ما سبق، نعلم قيمة لقب “المسيح”، ونعلم لماذا اعتبر اليهود “يسوع المسيح” قد جدف حين أطلق على نفسه لقب “المسيح”.

وإن كان رفض اليهود لـ “يسوع” على أنه المسيح هكذا، ترى ما هي مواصفات المسيح في النبوات، كما ذكرت بالكتاب المقدس؟

سنستعرض هنا أهم النبوات عن المسيح الواردة في أسفار العهد القديم:

1- النبوات المتعلقة بأصل المسيح وصفاته الشخصية:

  • يكون من ذرية سام: “وقال (نوح): مبارك الرب إله سام، وليكن كنعان عبداً لهم” (تكوين 26:9)
  • ومن نساء ابراهيم: “وقال الرب لإبرام: …. وأبارك مباركيك ولاعنك ألعنه، وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض” (تكوين 3:12)
  • ومن سبط يهوذا: “لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب” (تكوين 10:49)
  • وسيكون وارثاً لعرش داود: “ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله، ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم والمشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب …” (إشعياء 11: 1-5)
  • يكون أبن الله: “أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قُدسي. إني أخبر من جهة قضاء الرب، قال لي : أنت ابني، أنا اليوم ولدتك، اسألني فأعطيك الأمم ميراثاً لك وأقاصي الأرض ملكاً لك” (مزمور 2: 6-8)
  • يكون كاهناً على رتبة ملكي صادق: “قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعدائك موطئاً لقدميك … أفسم الرب ولن يندم، أنت كاهن على رتبة ملكي صادق” (مزمور 110: 1-4)

2- النبوات المتعلقة بزمن مجيئه:

  • سيظهر بعد زوال القضيب من يهوذا: “لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب” (تكوين 10:49)
  • سبعون أسبوعاً من السنين تمضي بعد الجلاء من بابل، قبل مجيئه: قال الملاك جبرائيل لدانيال: “إني خرجت الآن لأعلمك الفهم في ابتداء تضرعاتك خرج الأمر وأنا جئت لأخبرك لأنك أنت محبوب، فتأمل الكلام وافهم الرؤيا. سبعون أسبوعاً قضيت على شعبي وعلى مدينتك المقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الإثم وليؤتى بالبر الأبدي ولختم الرؤيا والنبوة ولمسح قدوس القدوسين” (دانيال 9: 23-24)
  • سيظهر مشتهى كل الأمم قبل تدمير الهيكل: “قال رب الجنود: هي مرة بعد قليل فأزلزل السموات والأرض والبحر واليابسة. وأزلزل كل الأمم ويأتي مشتهى كل الأمم فأملأ هذا البيت مجداً، قال رب الجنود” (حجي 2: 7-10)

3- النبوات المتعلقة بميلاد المخلص وطفولته:

  • سيولد من عذراء: “يعطيكم السيد نفسه آية، ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل” (اشعياء 14:7)
  • يولد في بيت لحم: “أما أنت يا بيت لحم أفراتة وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطاً على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل” (ميخا 2:5)
  • سيقتل الأطفال لدى ميلاده: “هكذا قال الرب: صوت سُمع في الرامة، نوح بكاء مرً، راحيل تبكي على أولادها وتأبى أن تتعزى لأنهم ليسوا بموجودين” (إرميا 15:31)
  • سيهرب إلى مصر: “لما كان إسرائيل غلاماً أحببته ومن مصر دعوت ابني” (هوشع 1:11)

4- النبوات المتعلقة بحياته العلنية:

  • سيكون له سابق: “ها أنذا أرسل ملاكي فيهيء الطريق أمامي ويأتي إلى هيكله السيد الذي تطلبونه وملاك العهد الذي تُسرون به هوذا يأتي قال رب الجنود” (ملاخي 1:3)
  • سيبشر خاصة في الجليل: “ولكن لا يكون ظلام للتي عليها ضيق، كما أهان الزمان الأول أرض زبولون وأرض نفتالي يكرم الأخير طريق البحر عبر الأردن، جليل الأمم. الشعب السالك في الظلمة أبصر نوراً عظيماً، الجالسون في أرض ظلال الموت أشرق عليهم نور” (إشعياء 9: 1-2)
  • سيصنع المعجزات: “قولول لخائفي القلوب تشددوا، لا تخافوا، هوذا إلهكم، الإنتقام يأتي، جزاء الله، هو يأتي ويخلصكم، حينئذ تنفتح عيون العمي وأذان الصم تتفتح، حينئذ يقفز الأعرج كالأيل ويترنم لسان الأخرس لأنه قد انفجرت في البرية مياه وأنهار في القفر” (إشعياء 35: 4-6)

5- النبوات المتعلقة بآلامه وموته:

  • سيدخل المدينة المقدسة على أتان: “ابتهجي جداً يا ابنة صهيون، اهتفي يا بنت أورشليم، هوذا ملكك يأتي إليك عادل منصور ووديع وراكب على حمار وعلى جدش ابن أتان” (زكريا 9:9)
  • سيحمل أحزاننا وأوجاعنا: “لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها، ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلولاً، وهو مجروج لأجل معاصينا مسحوق لأجل أثامنا، تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا” (إشعياء 53: 4-5)
  • يخونه أحد أحبائه: “أيضاً رجل سلامتي الذي وثقت به أكل خبزي، رفع عليّ عقبه” (مزمور 9:41)
  • سيباع بثلاثين من الفضة: “فقلت لهم إن حسن في أعينكم فأعطوني أجرتي وإلا فامتنعوا، فوزنوا اجرتي ثلاثين من الفضة، فقال الرب: ألقها إلى الفخاري، الثمن الكريم، الذي ثمنوني به، فأخذت الثلاثين من الفضة وألقيتها إلى الفخاري في بيت الرب” (زكريا 11: 12-13)
  • تلاميذه وأحبائه سيتركونه: “استيقظ يا سيف على راعيّ وعلى رجل رفقتي يقول رب الجنود، اضرب الراعي فيتشتت الغنم وأرد يدي على الصغار” (زكريا 7:13)
  • سيصلبوه وتثقب يداه ورجلاه: “فيقول له ما هذه الجروح في يديك، فيقول: هي التي جرحت بها في بيت أحبائي” (زكريا 6:13)

“أما أنا فدودة لا إنسان، عار عند البشر ومحتقر الشعب. كل الذين يرونني يستهزئون بي، يفغرون الشفاه وويتنغصون الرأس قائلين: اتكل على الرب فلينجه، لينقذه لأنه سر به….أحاطت بي كلاب، جماعة من الأشرار اكتنفتني، ثقبوا يديّ ورجليّ. أُحصى كل عظامي، وهم ينظرون ويتفرسون فيّ. يقتسمون ثيابي وعلى لباسي يقترعون..” (مزمور 22: 1-19)

  • سيطعن بالحربة: “وأفيض على بيت داود وعلى سكان أورشليم روح النعمو والتضرعات فينظرون إلى الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيد له، ويكونون في مرارة عليه كمن هو في مرارة على بكره” (زكريا 10:12)

6- النبوات المتعلقة بقيامته وحياته المجيدة:

  • سيقوم من الموت: “من يد الهاوية أفديهم من الموت أخلصهم. اين أَوباؤك يا موت، اين شوكتك يا هاوية..” (هوشع 14:13)
  • سيصعد بمجد إلى السماء: “صعدت إلى العلاء، سبيت سبياً، قبلت عطايا بين الناس…” (مزمور 18:68)
  • سيجلس عن يمين الله: “قال الرب لربي اجلس عن يمين حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك” (مزمور 1:110)
  • سيرسل الروح القدس: “ويكون بعد ذلك أني أسكب روحي على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم، ويحلم شيوخكم أحلاماً ويرى شبابكم رؤى، وعلى العبيد أيضاً وعلى الإماء أسكب روحي في تلك الأيام” (يوئيل 28:2)

كانت هذه بعض النبوات المحفوظة لنا في العهد القديم، ولا عجب أن نراها وقد تحققت في العهد الجديد، ورغم كل هذا فقد رفض من قبل اليهود، وحتى الآن، مازال اسمه يسبب الضيق..

فلم لا يتضايق الناس عند ذكر أسماء أشخاص كبوذا وكنفوشيوس وغيرهما؟ يرجع السبب إلى أن أياً من هؤلاء الأشخاص لم يَدع أنه الله لكن يسوع زعم ذلك، وهذا ما يميزه عن غيره من القادة الدينيين.

يوجد أناس لا يؤمنون بأن يسوع هو أبن الله المخلص، بعضهم من كبار العلماء في العالم، ولكن أشد ما يثير دهشتي وعجبي عندما أقرأ وأتحدث إلى بعضهم عن المسيح وأكتشف أنهم في معظم الأحيان يجهلون الحقائق الأساسية للإنجيل، فهؤلاء الكُتَّاب كتبوا في موضوع لا يفهمونه فهماً كاملاً. لقد نصبِّبوا تماثيل من القش ثم راحوا يهدمون ما صنعوا.

ولم أقابل شخصاً بحث بجدية موضوع الأثباتات التي تتعلق بيسوع المسيح، ثم أستمر يقول أنه ليس أبن الله لقد إلتقيت بكثيرين لا يؤمنون، ولكن في أثناء الحديث وابحث معهم إعترفوا بإخلاص قائلين: “إننا لم نكرس وقتاً كافياً لقراءة الكتاب المقدس والبحث في الحقائق التاريخية المتعلقة بيسوع” رفضهم ليسوع مبني على ميراث فكري، عقائدي قد ورثوه، وبكل أسف فإن بعضهم يرفض المسيح بناء على تجارب أو صدمات من بعض المسيحيين الغير أمناء، إلا أنهم أيضاً، لم يبحثوا وبإخلاص في شخص يسوع المسيح وحقه في التملك على حياتهم.

وفي أحد الآيام صرخ في وجهي صديق لي سائلاً عدة أسئلة:

من هو يسوع ؟

كيف يمكن أن يكون إلهاً وإنساناً في نفس الوقت؟

وماذا يفعل الأن؟

إن أفضل الأجوبة على هذه الأسئلة موجودة في الكتاب المقدس، الذي هو كلمة الله، وفي هذا الدرس سنعالج هذه الأسئلة التي أراد صديقي معرفة إجابتها، وربما تشغلك أنت أيضاً.

يقول القديس إلياس مقار في كتابه الهام “إيماني” من السمات المسيحية الواضحة واعتدادها بعظمتها ويقينها وثباتها، أنها لا تفزع أو تضطرب يوما ما، مما يمكن أن يقال عن سيدها..كيف لا والمسيح نفسه يشجع الحرية الفكرية على الدوام في أقصى مداها، ولم يُعرف عنه يوماً أنه أرغم إنسان على الإيمان به..”ومن هنا كانت الآراء المختلفة حول شخصة”.

ترى ما هي الأكثر الآراء شيوعاً..؟

يلخصها لنا صاحب كتاب “إيماني” حيث يقول: “…من أقدم الآراء ذلك الرأي الذي نادى به الغنوسيون ممن أنكروا فكرة التجسد بالمعنى الشائع المعروف عند جمهور المسيحيين، وأقروا لاهوت المسيح دون ناسوته ومنهم “الدوسيتيون” والكلمة من أصل يوناني معناه “يتراءى أو يظهر”، وقد قالوا: أن المسيح ظهر فقط في هيئة إنسان دون أن يكون له حقيقة جسد اإنسان، وهو لم يولد بالحقيقة ولا تألم ولا مات، إذ كان جسمه طيفاً أو خيالاً منظوراً، وقد اعتنق هذا المذهب في القرن الخامس أحد أساقفة الإسكندرية المدعو “كيرل” ممن قال في معرض أحاديثه ذات ملاة:

“من أجل قائدة سامعيه تظاهر المسيح أنه لا يعرف”..ومن الغنوسيين من قال: أنه ملك سماوي، ولعل الذي شجع مثل هذه الآراء عند هؤلاء وأولئك هو الظهورات المتكررة في العهد القديم والتي يظهر فيها الله في شبه صورة إنسان، وإعتقادهم إلى جانب ذلك أن الجسد شر في أصله مناف لجلالته وعظمته ومجده.. وضعف هذه الآراء أنها آراء عاطفية تفتقر إلى الدليل، والمنادون بها على الأغلب ظنوا أنهم يمجدون المسيح، ينفي خضوعه لما يخضع له سائر الناس أجمعين، مع أن لغة الكتاب المقدس ضدها على خط مستقيم، كما أن الذين رأوا المسيح وعاشوا معه، وعاصروه ولمسوا حياته كإنسان ينفونها نفياً قاطعاً.

وقريب من هذه الآراء أيضاً مذهب “الأبوليناريين”، ومن ابتدعوا فكراً عن المسيح من غير سند، متأثرين بأراء أفلاطون في الانسان وقوله أنه (أي الإنسان) مكون من الجسد والنفس والروح الناطقة، ومرجع الضعف على هذا الرأي، أنه آمن بالرأي الأفلاطوني كحجة من غير جدال وفي الوقت عينه، قلبه جزئياً مبتوراً ناقصاً، إذ رفض وجود الروح الناطقة في المسيح كلإنسان ولم يبين كيف يتفق هذا مع قول المسيح على الصليب: “يا أبتاه في يديك أستودع روحي” (لو 46:23) ومن أجل هذا رفضت الكنيسة جميع هذه الآراء وعدتها ضلالات في مجمعي القسطنطنية عام 381م وخلقدونية عام 541 واعتبرت مبدعيها هراطقة لا يمكن أن يعبروا عن الوحي والعقيدة المسيحية.

وأيضاً، هناك أريوس صاحب البدعة القائلة أن المسيح إله، ولكنه من دون الله، إذ هو والروح القدس مخلوقان في البدء قبل أية خليقة أخرى وطبيعتهما تشبهان طبيعة الله، وأن المسيح بهذا المعنى ليس إلهاً بذاته، ولكنه صار بمنزلة إله نظراً إلى ارتقاء طبيعته، وأن الله أوكل إليه خلق العالم وهو كخالق وملك يستحق العبادة الإلهية، وقد وجدت هذه الآراء عند البعض الرأي المضاد، وهو الإيمان بناسوت المسيح دون لاهوته، إذ قالوا أن المسيح هو “الإنسان الكامل”، الإنسان الذي هو في عرف البعض: “قد يكرم كأعظم قائد وأروع بكل وأمجد شهيد ولكنهم لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يربطوا أنفسهم به أو يتأصلوا فيه أو يخضعوا حياتهم له بدون قيد أو شرط، وبالتالي لا يمكن أن يجعلوه مركز عقيدتهم وأساسها”.

ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى الرأي النسطوري، الذي حاول به “نسطور” وأتباعه التوفيق بين هذه الآراء المتعارضة، فأنتهى به التفكير إلى أن المسيح “بين بين” فلا هو بالإنسان الكامل أو الإله الكامل، إذ فصل “نسطور” بين الانسان في المسيح وبين اللاهوت، إذ لكل منهما شخصية مستقلة متميزة عن الأخرى، والمسيح هو ذلك الإنسان الذي يختلف عن جميع البشر، الذي حل فيه لاهوت الله حلولاً كاملاً، بينما يحل الله في غيره من الناس حلولاً جزئياً، ولعل الذي دفع “نسطور” إلى ذلك، أو في تعبير أدق “ورطة” فهو لم يكن يبحث أصلاً في العلاقة بين الناسةت واللاهوت، بل جاء بحثه وليد نزاع بينه وبين غيره حول “مركز العذراء من المسيح” فخرج رأيه ممسوخاً مشوهاً، لفظته الكنيسة مع غيره من الضلالات..وعيب عليه ما أغفل من أزلية المسيح السابقة على التجسد.

أما الرأي الذي عاش في الكنيسة من البدء وحتى يومنا هذا فهو، بأن للمسيح طبيعتين تامتين كاملتين، إذ هو إله وإنسان تام، إتحدا في شخصه الواحد.

فالمسيح يسوع هو إعلان الله المنظور عن نفسه للإنسان، فقد اختار الله أن يأخذ صورة إنسان لكي نستطيعأن نفهم الله بشكل أفضل، ونفهم خطته لخلاصنا، وباختباره أن يأخذ صورة إنسان أصبحت ليسوع طبيعتان في شخص واحد، وعما الطبيعة البشرية والطبيعة الإلهية.

نقرأ في (رومية 1: 3-4) الآتي:- “عن أبنه الذي صار من نسل داود من جهة الجسد وتعين أبن الله من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات”.

(1) الطبيعة الإنسانية:

ولد يسوع من عذراء تدعى مريم. “فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله وها أنت ستحبلين وتلدين أبناً وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيماً وأبن العلي يدهى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية” (لوقا 1: 30-33)

وهذا يعنى بأن المسيح الإنسان جاء إلى الأرض وعاش فيها وسار في بيدائها واختبر من أختبارات الحياة ما يمكن أن يختبره جميع الناس من ضيق وتعب بشدة وفقر وألم وحزن وما أشبه من التعاسات والعذابات التي يعانيها البشر في كل جيل وعصر، بل أنه وصل في الواقع إلى أعماق فيها هيهات أن يصل إليها مخلوق بشري، وذلك لأنه وهو الوحيد بين الناس الذي لم يعرف خطية، كان لابد أن يكون محرراً من البلادة التي تنشئها الخطية في حياة الناس.

كما أن صراعه ولا شك كان الصراع الأقسى والأكبر، إذ أن صراعنا في الأغلب صراع إجباري مفروض علينا، أما هو فقد كان صاحب الصراع الآختياري الدائم، وهل هناك ما هو أقسى من أن يحتمل القوي هوان الضعفاء وهو القادر على كل شيء؟

وأمام إنسانية المسيح يتعثر الكثيرون، كما يتعثرون أمام لاهوته. وقد عرضنا بعضاً من مواقفهم فيما سبق، ولكن تبقى حقيقة المسيح الإنسان الكامل. أجل هذا هو المسيح الإنسان بكل ما في الكلمة (إنسان) من معنى ومداول.

(ب) الطبيعة الالهية:-

فقد ولد من الله الآب..وحتى ما نقرب إلى فهمك هذا الحق تعالى نقرأ ما يقوله قانون الإيمان: أن المسيح هو أبن الله مولود غير مخلوق. ويضيف قائلاً: إنه مولود قبل كل الدهور.

فليكن واضحاً لديك أن لا علاقة بين هذا القول وولادة المسيح على الأرض كإنسان أبن عذراء، ولسنا هنا بصدد الولادة من عذراء بل نبحث في ما سبق خليقة الطبيعة قبل بدء الأزمنة. لقد ولد المسيح قبل كل العالمين ولم يُخَلق، فما معنى ذلك؟

عندما نقول “وُلِد” نعني “أصبح والداً” وكلمة “خُلَق” تعني “صُنِعَ” والفرق بينهما هو هذا: إن الذي يِلَدْ، إنما يَلِد من جنسه، فالإنسان يلد إنسان، والأرنب يلد أرنباً، والطير يلد طيراً، وأما الذي يصنَع، فَيَصنع ما يختلف عن نفسه، فالطير يصنع عشاً والأرنب يصنع جحراً والإنسان يصنع سيارة، أو قد يصنع شيئاً أشبه بنفسه..، ولا يتنفس ولا يفكر وليس حياً.

لذا يشدد قانون الإيمان على عبارة “مولود غير مخلوق”.

تمرين للتطبيق

1- لم لا يتضايق الناس عند ذكر أسماء كبوذا وكنفوشيوس وغيرعما، بينما يثرون عند ذكر أسم يسوع المسيح ويتجادلون حوله؟

2- أكاب وبإختصار بعضاً من الأقوال المختلفة حول شخص المسيح، ذاكراً رفض الكنيسة لهذه الآراء..!

3- لماذا يكون ألم يسوع المسيح كإنسان يفوق كل ألم عن كل البشرية؟

4- لماذا ينفرد “يسوع” وحده بلقب “المسيح”؟

5- أذكر بعض النبوات التي ذكرت في العهد القديم عن المسيح، مستعيناً بما درست.

6- لماذا اعتبر اليهود أن يسوع قد جدف حين قال عن نفسه أنه المسيح؟

1- إن أسم يسوع يشير إلى لاهوته، عندما قال الملاك أن اسم الطفل يسوع كان ذلك لسبب خاص جداً، فيسوع يعني “مُخَلِص” نقرأ في (متى 21:1)

“فستلد إبناً وتدعو اسمه يسوع، لأنه يخلص شعبه من خطاياهم”

2- كذلك فلقب “المسيح” له معنى خاص لأنه “الممسوح” أو “المسيا” وفي الماضي يقع الاختيار على إنسان ليصبح ملكاً، كان الزيت يسكب على رأسه خلال الاحتفال بتنصيبه وانسكاب الزيت كان يسمى “مسحاً” وهكذا فإن لقب “المسيح” أو “الممسوح” يعني أنه ملك. فالمسيا هو اللقب الذي أطلقه اليهود على الملك والمخلص الذي كانوا ينتظرونه، وسمعان بطرس إعترف به كملك إذ قال “أنت المسيح أبن الله الحي” (متى 16:16)

3- وأول عبارة تقابلنا في بشارة مرقس هي: “بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله” (مرقس 1:1) وهذه العبارة تشد انتباهنا إلى أنه مثل الله، الذي رأه رأى الله (يوحنا 9:14) لقد قال المسيح إن الذين يصلّون لأجل الذين يسيئون إليهم هم أبناء الآب السماوي لانهم يتصرفون مثله، فهو يشرق شمسه على الأشرار والصالحين (متى 45:5)، وهو أيضاً قد قال عن نفسه (أكثر من مرة) أنه ابن الله..“أتؤمن بأبن الله؟” راجع في ذلك الشواهد التالية:

(يوحنا 9: 35-37، يوحنا 10: 31-36)، ومن الأكيد أن أعداء يسوع اتخذوا لقب “ابن الله بمعناه الحقيقي: “أجابه اليهود قائلين: لسنا نرجمك لآجل عمل حسن، بل لأجل تجديف، فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاً” (يوحنا 33:10) وحكام يسوع في المحكمة العليا، يصرخون كلهم بعد اعتراف يسوع الشخصي “لقد جدف” وأنه مستوجب الموت (متى 26: 65-66) ولم يكن من المعقول أن ينزاوا حكماً كهذا بمتهم يدعي البنوة بالتبني شأنه في هذا شأن رجال الله والأنبياء.

وبعد كل هذا ماذا نقول لمن يسأل معترضاً: “لو أراد يسوع أن يقدم ذاته للبشر كابن حقيقي لله، لأكد ذلك بعبارة واضحة.

وعلى هؤلاء نجيب:

1- ان الحقائق الدينية لا يُترك أمر البت فيها للذكاء وحده، فان الإرادة لها حصتها أيضاً. وهذا ضروري ليصبح الإيمان ذا أجر، فينتج إذ أن المرء بمقدوره رفض فعل الإيمان. إن يسوع يتصرف هنا كما يتصرف في باقي الأمور، أي أنه يظهر من الحقيقة الكافية لتفرض ذاتها على النية السليمة، ويخفي منها القدر الضروري ليصبح رفض الإيمان ممكناً للإرادة الشريرة.

2- ويسوع كشف بشكل تدريجي عن مسيحيته وألوهيته، فكان يختار بحكمة فائقة، لهذا الإظهار، الفرصة المناسبة. فلم يشأ أن يفجر ألوهيته دفعة واحدة لئلا يثير الهلع بدل المحبة. فدرب البشر على اعتبار الزمن الذي هم فيه خطوة بالغة وأن الله قد أرسل لهم المسيح المنتظر، وان هذا المسيح هو إله يلطف الالوهة بإنسانية جذابة.

3- وإعلان يسوع عن لاهوته كان واضحاً كل الوضوح حتى أن تقليد المجتمع اليهودي، حول هذا الموضوع، ثابت حتى الأن، وفحواه: أن يسوع قد حُكم عليه بالموت لأنه نيب نفسه إلى الألوهة. ويقول كاهين في هذا المعنى: “إن يسوع بإعلان نفسه ألهاً، مساوياً نفسه بالله، زعزع فجأة وبصورة غير منتظرة عقائد معاصريه، وصدم صدمة عنيفة معتقدات الشعب التقليدية”.

ومن كل هذا ألا يكون تصريح يسوع المسيح عن نفسه، بأنه ابن الله واضحاً وجالياً…؟!!!!

ولكن ألا يطرح هذا سؤالاً..؟!

ألا يدعو الكتاب المقدس المؤمنون “أبناء الله” (رومية 14:8)

فما هو الفرق بين المسيح ابن الله. وبين المؤمنين أولاد الله؟

يقول الدكتور القس/ منيس عبد النور في كتاب (ألقاب المسيح): “الفرق الأول أن المسيح لبن الله من الأصل بالطبيعة منذ الأزل. أما المؤمنون فهم أبناء بالتبني، إذ رضى الله في رحمته أن نكون أبناء له! والمسيح هو الابن الوحيد..الذي وحده يقدر أن يقول: “أنا والآب واحد” يوحنا 30:10) وهو وحده الذي يقدر أن يقول: “الذي رآني فقد رآى الآب” (يوحنا 9:14)

أما المؤمن فهو يرى الله في المسيح “الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر” (يوحنا 18:1)

تمرين للتطبيق

1- إن الجمل التي على اليسار هي أوصاف ليسوع، أقرأ الآيات التي على اليمين ثم ضع رقم الوصف المناسب أمام كل آية.

…أ) فيليبي 7:2 1) أبوه هو الله

…ب) يوحنا 7:10 2) ولد من أمرأة

…ج) فيليبي 6:2 3) هو المخلص

…د) غلاطية 4:4 4) صار مثلنا وأخذ صورتنا

…هـ) أعمال 12:4 5) إنه إله وله طبيعة الله

1- موته (خلاص الخطاة من الدينونة)

لقد جاء المسيح يسوع إلى العالم ليخلص الإنسان من الخطية، ورد في (لو 10:19) القول: “لأن أبن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك”، وكان أمامه طريق واحد لكي يخلصنا به، وهو بذله حياته لأجلنا “لأن أبن الإنسان لن يأت ليُخَدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين” (مرقس 45:10).

إن معنى “يفدي” هو ” يحرر” أو “ينقذ” أو “يخلص” أو “ينجي” وهذا وعد رائع للبشرية جمعاء.

لكن لماذا كان على يسوع أن يموت؟!

إذا رجعنا إلى قصة آدم وحواء، نتذكر أن الله قال لهما إن الخطية ستؤدي إلى الموت، والله لا يقدر أن يتراجع عن حكمه على الخطية، فطالما ارتكبت الخطية فلابد أن يتبعها الموت.

ولكن قبل أن نستمر دعنا ننتبه إلى حقائق يجب أن نعيها هنا جيداً، وهي دائماً مصدر رئيسي لسوء الفهم الذي يؤدي غالباً إلى تشويه صورة الله ورفض عمل المسيح لأجلنا.

“منذ الأزل صورة الإنسان الكامله عند الله هي “ابنه” – “يسوع المسيح” فمشروع الله الفريد لم يوجد أولاً في حالة “فشل” وذلك بسقوط “آدم” في الخطية، ثم “أستدراك” بمحاولة علاج الخطأ “بالمسيح” فالفداء “أصلي” قبل الخطية والعذاب، واندرج في الزمن بحياة يسوع وآلامه، أي أن الفداء متزامن مع الخلق، وهذا ما توضحه جلياً رسائل بولس الرسول، وخاصة (أفسس 1: 3-14، كولوسي 1: 15-20) إن يسوع المسيح “بكر كل خليقة…الكل به وله خلق الذي هو قبل كل شيء وفيه يقوم الكل” (كولوسي 1: 15-16) يعمل عبر كافة الآزمنة في البشرية بروحه القدوس، قائداً إياها نحو الله، وهذه المسيرة – مسيرة الإنسانية جمعاء على مدار التاريخ – من الله وإلى الله في أبنه الوحيد.

“البعض يتصور أن الله هو “إله دموي” ثار غاضباً من الإنسان وطالب بعدالة القصاص- وكان الحل عنده هو الموت، وهذه الكلمة بالذات “الموت” جعلت الكثيرين يرسمون في أذهانهم صورة مشوهة عن الله، وأيضاً يصور البعض لنا على أن “يسوع المسيح” كباحث عن العذاب والموت.

فالموت قد يعني لهؤلاء “النهاية” كعقاب، هذا إذا كان مقروناً بالألم مثلما حدث للمسيح، لذا تتكاثر هنا علامات الإستفهام بل وتتعداها إلى الإستنكار، ولكن يسوع نفسه يقدم لنا تفسيراً للموت مخالفاً لهذا المعنى، بل وبرهاناً على أنه ما هو إلا عبور إلى الأبد (راجع يوحنا 12: 23-24، 32-33)

وموت المسيح قد أعلن حب الله اللامنتاه لكل البشر (يوحنا 16:3) فهو الذي كان جالساً على عرشه وحوله الملائكة جاهزة لتنفيذ أوامره، وهو الذي خلق السموات والأرض والإنسان، لكنه صار عبداً وسمح لخليقته أن تهينه وتختقره وتصلبه على صليب الجلجثة لكي يهبها الخلاص.

نقرأ في (1 بطرس 1: 18-19) الآتي:

“عالمين أنكم أفتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أة بذهب…بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح”.

هل جميع الناس خلصوا الآن بموت يسوع من أجلهم؟

كلا، فالله لم يسلبهم حرية الإختيار والله لا يفرض خلاصه عليهم، ولا يزال على الإنسان إتخاذ القرار بنفسه، وقبول يسوع كمخلص شخصي له، قال يسوع لأتباعه:

“إذهبوا إلى العالم أجمع وأكرزُوا بالإنجيل للخليقة كلها. من آمن وأعتمد خلص ومن لم يُؤمِن يُدن” (مرقس 16: 15-16)

” لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل أبنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن بإسم الله الوحيد” (يوحنا 3: 16-18)

لقد مات يسوع عوضاً عنا، ومع ذلك فلم يكن هناك من رجاء لنا لو بقى يسوع داخل القبر.

لقد أقامت ديانات كثيرة المزارات والأضرحة عند قبور قادتها المكرمين، وبداخلها توجد عظامهم، لكن قبر يسوع فارغ نتيجة المعجزة التي حدثت بعد ثلاثة أيام من صلبه، إذ قام من الأموات وظهر عدة مرات بعد قيامته.

“وأنه دفن وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب، وأنه ظهر لصفا ثم للإثنى عشر وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمائة أخ أكثرهم باق إلى الآن ولكن بعضهم قد رقدوا، وبعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل أجمعين” (1 كورنثوس 15: 4-7)

إن قيامة المسيح هي أحد البراهين على كونه ابن الله، ورد في (رومية 4:1) “تعين أبن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات” وبعد أن أظهر نفسه للكثيرين ووجه إليهم كلمات التعزية والتشجيع، صعد إلى السماء ليس بصورة خفية، بل على مرأى من تلاميذه.

“وأخرجهم خارجاً إلى بيت عنيا، ورفع يديه وباركهم، وفيما هو يباركهم أنفرد عنهم وأصعد إلى السماء” (لو 24: 50-51)

لقد قام يسوع من الأموات كما قال وظهر لمئات من المؤمنين به، ثم صعد إلى المجد وبصعوده أسترد المقام الذي كان له من البدء عن يمين الآب، وهو الآن يشفع فينا عند الآب، ولنلق على ثلاث آيات تخبرنا عن ذلك.

  • “وأما رأس الكلام فهو أن لنا رئيس كهنة مثل هذا قد جلس في يمين عرش العظمة في السموات” (عبرانين 1:8)
  • “وأن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار” (1 يوحنا 1:2)
  • “فمن ثم يقدر أن يخلص أيضاً إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله إذ هو حي في كل حين ليشفع فيهم” (عبرانين 25:7)

كم هو عظيم أن ندرك أن ثمن فدائنا الباهظ قد دفع عنا، وأكثر من ذلك، فإن يسوع بعد موته على الصليب وقيامته من القبر وصعوده إلى الآب لم ينسنا، وهو مهتم بنا إلى اليوم ويريد أن يساعدنا على قدر ما تعطيه الفرصة لذلك.

تمرين للتطبيق

1- ضع دائرة حول الحرف المقابل لكل تكملة صحيحة للجملة التالية

مات المسيح على الصليب لكي

أ) يمنح الخلاص لكل من يقبله كمخلصز

ب) يعطينا حياة أبدية.

2- أقرأ (لو 24: 46-47)، يخبرنا العدد (46) عن صلب يسوع وقيامته، كما يخبرنا العدد (47) لماذل ينبغي أن يموت ويقوم من الأموات، فما هو السبب الذي يقدمه العدد (47)؟

3- ضع دائرة حول الحرف المقابل للإجابة الصحيحة للسؤال التالي

ما هو الدور الذي يقوم به يسوع الآن حسب كلمة الله؟

أ) يهتم بخلائق أخرى.

ب) يشفع فينا لدى الآب.

ج) يقرر الذين سيحصلون على الحياة الأبدية والذين لن يحصلوا عليها.

4- توجد أربعة براهين على أن يسوع المسيح قد قام حقاً من الأموات “أقرأ الشاهد (الآيات المشار اليها) وأكتب بأسلوبك صياغة للبرهان.

البرهان الأول: تنبأ يسوع المسيح “ابن الله” عن قيامته سلفاً

1- ماذا قال يسوع لتلاميذه في (لوقا 18: 31-33)؟

2- إذا قال يسوع بوضوح بأنه سيقوم من الأموات، ثم أخفق في ذلك، فماذا نستنتج إذاً عنه؟

البرهان الثاني: إن القيامة هي التفسير المعقول الوحيد لقبره الفارغ

1- ماذا فعل أصدقاء يسوع ليكونوا على ثقة بأن جسده لن يؤخذ. (مرقس 46:15)؟

2- ماذا فعل أعداء يسوع ليكونوا على ثقة بأن جسده لن يؤخذ. (متى 27: 62-66)؟

البرهان الثالث: إن القيامة هي التفسير الوحيد المعقول لظهور يسوع لتلاميذه.

1- اذكر الأفراد أو الجماعات الذين رأوا يسوع المقام حقاً بحسب ما كتبه بولس في (1 كورنثوس 15: 4-8)

2- إذا لم يقم يسوع من الأموات، فماذا يجب إذاً أن نستنتج عن كل هؤلاء الشهود؟ (1 كورنثوس 15: 14-15)؟

3- لماذا ترى أن الجواب السابق خطأ ولا معنى له؟

4- أي شيء آخر يمكن أن يكون صحيحاً إذا لم يقم المسيح من الآموات ( 1 كورنثوس 17:15)؟

5- عندما ظهر المسيح لأتباعه، ماذا فعل ليبرهن لهم بأنه ليس خيالاً ( لوقا 24: 36-43)؟

البرهان الرابع: إن القيامة هي التفسير الوحيد لبداية الكنيسة المسيحية

1- يشير بطرس في يوم الخمسين، بعد بضعة أسابيع من قيامة المسيح، وابتدأت الكنيسة المسيحية. ماذا كان موضوع العظة الرئيسي (أعمال 2: 29-32)؟

2- ولكن كيف تجاوبوا معه (أعمال 2: 37، 38، 41، 42)؟

هذا الذي حُوكِم كمذنب أمام منبر بيلاطس، وحُكِم عليه ظلماً وسُخِر به وصُلِب مع الأثمة سوف يأتي بقوة ومجد عظيمين وتجتمع أمامه كل شعوب البشر وأجيالهم ليسمعوا من فمه القضاء الأخير عليهم، فيرتفع لدى كل الخلائق العاقلة ويكون قاضيهم المطلق المنظور، فيدين الأحياء والأموات وستكون شريعة الدينونة بحسب ناموس (قانون) الله على كل ما كُتِب في القلب أو أُعِلنَ في الكتاب المقدس، فَيِدان الذين كان عندهم الكتاب بالإعلان المكتوب، وأما الذين لم يكن عندهم إعلان خارجي فَيَدانون حسب النور الذي كان لهم.

“والأن هل أنت مستعد لمجيئه أيها الأخ الحبيب؟ كان هذا الموضوع درسنا، ونحن نهنئك على إتمامه، وسننتظر أن ترسل إجاباتك على مسابقة الدراسة، على أن نعيدها إليك مرة ثانية بعد مراجعتها”

نحن في درسنا هذا لم نقدم كل شيء عن “المسيح” ولكن تعريف موجز بإيماني المسيحي، وأنني أرجو لك المزيد من الفائدة، أثبت هنا بعضاً من الكتب التي استعنت بها في تحرير هذا المقال، وهي هامة جداً:

1- بين العقل والإيمان (الجزء الثالث) تأليف: د. هيرمان بافينك ترجمة: سعيد باز.

2- إيماني تأليف: القس إلياس مقار.

3- ألقاب المسيح تأليف: د. القس منيس عبد النور.

4- قاموس الكتاب المقدس.

5- نجار وأعظم تأليف: جوش مكدويل ترجمة: سمير الشوملي.

6- ثقتي في السيد المسيح تأليف: جوش مكدويل ترجمة: د. القس منيس عبد النور.

7- يسوع الفريد (سلسلة النضج المسيحي) المقدمة تأليف: بل برايت.

ستمكنك أسئلة المسابقة من استرجاع ما درسته، وستعطيك قدرة على إمتحان ما تعلمته بهدوء وتروي…

من هو المسيح – كيف أرى يسوع المسيح؟

السيد المسيح إله أم رسول؟

السيد المسيح إله أم رسول؟

المسيح على العرش


السيد المسيح إله أم رسول؟
هناك نص وحيد وفريد في كل أسفار العهد الجديد، نجد فيه اعترافاً صريحاً من فم المسيح يُبين فيه الأصل الأول من أصول دعوته، ذاكراً فيه اسمه الصحيح (المسيح عيسى) وأنه رسول الله، هذا النص نجده مذكور في إنجيل يوحنا (17: 3) “هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته.

كتب ع. م جمال شرقاوي:“هناك نص وحيد وفريد من نوعه في كل أسفار العهد الجديد، نجد فيه اعترافاً صريحاً من فم المسيح يُبين فيه الأصل الأول من أصول دعوته، ذاكراً فيه اسمه الصحيح (المسيح عيسى) وأنه رسول الله، هذا النص نجده مذكور في إنجيل يوحنا (17: 3) “هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته” هذه هي الحياة الأبدية، والحياة الأبدية هي الحياة الدائمة التي لا نهاية لها، إنها حياة ما بعد البعث والقيامة من الموت .. حياة النعيم المقيم أي الجنة كما يقول المسلمون .. وهناك تفسير آخر للحياة الأبدية .. إنها ملكوت الله، وملكوت الله هو دين الله الحق.

وبناء على ذلك التفسير: “وهذا هو الدين الحق” وأتباع الدين الحق سيفوزون بالحياة الأبدية .. أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك .. والمسيح عيسى الذي أرسلته” .. إنه اسمه المسيح عيسى، وأنه مرسل من ربه الحقيقي.

فهذا النص الوارد على لسان المسيح يُقرر صراحة أن المسيح اسمه عيسى وأنه رسول الله” (المسيح: عيسى أم يسوع؟ ص 69 – 74)

التعليق:

لكي تكون الصورة واضحة، وفي حدود المساحة المتاحة سنختصر الرد في نقاط محددة:

أولاً: ما هو المقصود بالحياة الأبدية؟

– في العهد القديم تستخدم الكلمة العبرية “عولام” للدلالة على الاستمرار والدوام وهي تعني: فترة زمنية محددة، مثلاً: في (تث15: 7) يقال: “عبداً مؤبداً” وواضح أن المعنى المقصود هو مدة حياة العبد على الأرض، ولكن عندما تقال هذه الكلمة عن الله فإنها تعني المعنى الحرفي المطلق “الأبد”

– في العهد الجديد الكلمة المستعملة هي “أيون” و”أيونيوس” المشتقة منها، وعندما يقال: الحياة الأبدية لا تبدأ بعد الموت، بل الآن فعندما يؤمن الإنسان بالمسيح وموته الفدائي على الصليب ينال الحياة الأبدية.

ثانياً: كيفية الحصول على الحياة الأبدية

يمكن الحصول على الحياة الأبدية الآن عن طريق الإيمان بالمسيح، وسنذكر بعض النصوص التي جاءت في إنجيل البشير يوحنا، والذي ذُكرت فيها الآية موضوع المقال:

أ- في حديث المسيح مع نيقوديموس المعلم اليهودي قال: “كما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (1يو3: 14- 16).

ب- قال المسيح لليهود: “الحق الحق أقول لكم من يؤمن بي فله حياة أبدية” يو6: 47.

ج- قال المسيح: “خرافي تسمع صوتي وأنا أعرفها أيضاً فتتبعني، وأنا أعطيها حياة أبدية ولن تهلك إلى الأبد” (يو10: 27).

من هذه النصوص التي ذكرناها والتي قالها المسيح نرى أن دخول الحياة الأبدية هو عن طريق الإيمان بالمسيح وننالها من لحظة هذا الإيمان.

والسؤال إذا كان الحصول على الحياة الأبدية عن طريق الإيمان بالمسيح فكيف يقول المسيح: “وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته” يو17: 3.

وهل في هذا النص ينفي المسيح إلوهيته، ويعلن أنه رسول الله؟

المسيح رسول الله، هذا أمر لا ننكره، فنحن نؤمن أن الله واحد (مر 12: 29)، وهذا الإله الواحد أُعلن في ثلاثة أقانيم: الآب والابن والروح القدس، أقنوم الابن اتخذ جسداً وحل بيننا (يو1: 14).

فالمسيح إله كامل، وإنسان كامل، وكإنسان هو مرسل من الله وكونه إنه رسول فهذا لا يعني دون الرسل أو أن الرسل أفضل منه.

عندما قال المسيح: “أنت الإله الحقيقي وحدك” مخاطباً الآب فإنه قصد أمرين: الأول، وحدانية الله. فالله واحد، ولكن ليس وحدانية مجردة (تنفي عن الله الصفات)، أو وحدانية مطلقة (ترى أن صفاته لم تكن عاملة أزلاً ثم أصبحت عاملة أي تنسب له التغيير)، ولكنها وحدانية جامعة (واحد في ذاته، مثلث في أقانيمه).

وبهذا الاعتبار: فالآب هو الإله الحقيقي، والابن هو الإله الحقيقي والروح القدس هو الإله الحقيقي (لأن كل أقنوم هو الإله الحقيقي).

الثاني: الإله الحقيقي بالمقارنة مع الإله الخيالي المحاط بالغموض والابهام، فكل من لا يعرف الله كالآب المحب يظل الله بالنسبة له كائناً خيالياً محاطاً بالغموض.

لذلك يقول الرسول يوحنا عن المسيح: “هذا هو الإله الحق (أو الحقيقي) والحياة الأبدية” (1يو5: 2).

• إن المسيح في هذا النص يعلن أن الحياة الأبدية ليست متوقفة على معرفة الآب وحده، بل على معرفته هو أيضاً، وهذا لأن الآب والابن والروح القدس إله واحد، وكما قال المسيح: “أنا والآب واحد” وكان يعني بذلك الوحدة في الجوهر.

• إذا افترضنا جدلاً أن الحياة الأبدية هي بمعرفة الآب، فالله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر” (يو1: 18) ونحن قد عرفنا الله في المسيح “لأن الله الذي قال أن يشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح” (2كو4: 6) ولكن هذا لا يعني أن المسيح مجرد وسيلة للمعرفة بل هو موضوع المعرفة، فمعرفة المسيح موازية لمعرفة الإله الحقيقي وحده بل هو الإله الحقيقي وحده. وهذه المعرفة هي أساس الحصول على الحياة الأبدية.

إذاً، الحصول على الحياة الأبدية هو بالإيمان بالمسيح، وأيضاً الحصول على الحياة الأبدية هي بالإيمان بالله الواحد.

إذاً، المسيح هو هذا الإله الحقيقي، وبالتالي فالنص لا ينفي إلوهية المسيح بل يؤكدها.

وعندما نرجع إلى إنجيل البشير يوحنا الذي جاء فيه هذا النص الذي يريد الكاتب أن يستخدمه لإنكار لاهوت المسيح نجد أنه من البداية في يو1: 1، 14 يعلن عن إلوهية الكلمة (أقنوم الابن) وتجسده “في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله .. والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً”.

إذاً، المسيح هو الله الظاهر في الجسد وباعتبار هذا الجسد (الناسوت) هو رسول الله.

المسيح رسول الله، هذا أمر لا ننكره، فنحن نؤمن أن الله واحد (مر 12: 29)، وهذا الإله الواحد أُعلن في ثلاثة أقانيم: الآب والابن والروح القدس، أقنوم الابن اتخذ جسداً وحل بيننا (يو1: 14).

د/ فريز صموئيل

السيد المسيح إله أم رسول؟

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

Exit mobile version