بحسب التاريخ فإن الفضل في وجود الهيكل يرجع الى سليمان النبي، وبحسب أقوال آباء اليهود فإن الفضل في وجود الهيكل يرجع الى شخصان هما يعقوب وسليمان.
أولاً يعقوب: (بُشِّر بفكرة الهيكل)
(تك 28: 16- 17)
[فاستيقظ يعقوب من نومه وقال حقا إن الرب في هذا المكان وانا لم اعلم. وخاف وقال ما ارهب هذا المكان. ما هذا إلا بيت الله وهذا باب السماء.]
بحسب التقليد فإن يعقوب (الثالث من الآباء الأولين) هو أول من بُشِر ببناء الهيكل [1] وهذا في أثناء هروبه من وجه عيسو أخيه (تك 28: 10-22). ففي نومه رأى رؤيا وكأن سلماً موضوعاً على الأرض وواصلاً الى السماء العُليا (دور الهيكل). حلم يعقوب بهذا وهو نائم ورأسه متكئة على حجر (تك 28: 11)، وعند استيقاظه قام بثلاث أمور هامة، أولا دشّن الحجر بالزيت (تك 28: 18) علامة على قدسيته، ثم أعلن وجود الله -تجليه- في هذا الموضع (تك 28: 16)، وأخيراً دعا اسم المكان (بيت إيل – בית אל) أي بيت الله (تك 28: 19). بحسب التقليد فإن في نفس المكان الذي دعاه يعقوب “بيت إيل” بُنيَّ الهيكل الأول [2].
ثانياً سليمان: (اختير لبناء الهيكل)
(1مل 8: 27، 9: 3)
[لأنه هل يسكن الله حقا على الأرض. هوذا السموات وسماء السموات لا تسعك فكم بالأقل هذا البيت الذي بنيت … وقال له الرب قد سمعت صلاتك وتضرعك الذي تضرعت به أمامي. قدّست هذا البيت الذي بنيته لأجل وضع اسمي فيه الى الأبد وتكون عيناي وقلبي هناك كل الأيام]
سُليمان (الثالث من الآباء الآخرين) هو من وقع عليه الاختيار الإلهي لبناء البيت المقدس بحسب النموذج الذي أعلنه الله. بناه سليمان في سبع سنين (1مل 6: 38) وعند تمام البناء حل مجد الله بشكل فائق جداً في المكان حتى أن الكهنة لم يستطيعوا أن يخدموا فيه (1مل 8: 11، 2أخ 5: 14).
وردت تفاصيل مبنى هيكل سليمان مرتان في الكتاب (1مل 6-8، 2أخ 3-5) بالإضافة لبضعة تفاصيل عن بناء الهيكل في أماكن متفرقة من الكتاب.
* هناك تشابه ملحوظ في هيئة يعقوب وهو نائم (أثناء تلقيه الرؤيا) مع هيئة الهيكل نفسه (إذا ما وضعنا العمودان في وضع أفقي). لاحظ أيضاً أن رأس يعقوب مرفوعاً على حجر كمقابل لقدس الأقداس والمرتفع عن سطح الهيكل ويُصعد له بدرج (انظر الصورة)
◆ الهيكل كنموذج.
ما بين هيكل سليمان والمسيح (1)
خروج 26: 30 [وتقيم المسكن كرسمه الذي أظهر لك في الجبل]
שמות כו: ל [והקמת את המשכן כמשפטו אשר הראית בהר]
بحسب الربوات فإن الرب قد أظهر نموذجاً مُصغراً لخيمة الاجتماع على الجبل لكي يراه موسى (رؤى العين) فيستطيع أن يصنع مِثاله الأكبر أي خيمة الاجتماع. بنفس المنطق قال بعض الربوات إن الهيكل نفسه (الذي يتجلى فيه الرب) هو بحد ذاته نموذج أصغر من العالم العُلوي الذي يسكن الرب فيه. ونموذج أكبر من الإنسان نفسه.
– من مدراش تنحوما [3]
[المسكن هو مشابه في مقارنته بالعالم ككل، وفي مقارنته بهيئة الإنسان والذي هو العالم الأصغر]
– قال الرابي أبراهام ابن عزرا أن الرب الله لا يسعه مكان فله ملء السموات وسماء السموات (1مل 8: 27) ومع هذا رأيناه قد تجلى في أماكن معينة (مثل جبل موسى)، بنفس الكيفية فإن الهيكل يُرى وكأنه عالم كامل أما قدس الأقداس بداخله فيمثل الموضع المُحدد الذي يتجلى فيه [4]. واستكمالاً لنفس الفكرة قال الرابي حاييم ابن يتسحاق ان الإنسان هو نموذج مُصغر من الهيكل فكما أن الرب هو حالل في كل الهيكل ولكنه يتجلى في داخل قدس الأقداس (من بين الكروبيم) هكذا فإن الرب عندما يحل في الإنسان فهو يسكن ويحل في داخل قلبه.
ولعل أبرز ما قيل في هذا الجزء هو ما قاله العلامة الرابي جيئون أن هناك ثلاث عوالم، العالم الكبير وهو الكون كله، والعالم المتوسط وهو الهيكل والعالم الأصغر وهو الجسد الإنساني [5]. بهذه الرؤية فإن الهيكل هو نموذج مُصغر من الكون كله والإنسان هو النموذج الأصغر لكلاً من الكون والهيكل.
◆ الهيكل الإنساني.
ذا الترابط الوثيق ما بين الهيكل والإنسان لم يكن مجرد ترابط فلسفي أو روحاني وإنما أيضاً ترابطاً حسياً ومادياً. وهذه الفكرة هي قديمة جداً وربما يمتد قِدم هذا التفسير الى القرن الثاني فقد ورد في الكبالة اليهودية بالزوهار ومدراش (هنعلم) أن عدد الأوامر أو الوصايا في التوراة (613) وتُقسم الى 248 وصية إيجابية (أي إفعل) + 365 وصية سلبية (أي لا تفعل) [6]، وقيل أيضاً أن عدد أجزاء ومكونات الهيكل هو (613) جزء، وفي هذا قال الحزال أن جسم الإنسان أيضاً يتكون من 613 جزء وتُقسم الى 248 عظمة + 365 جزء ما بين أنسجة وشرايين وأوردة [7].
* تفصيل الـ613 جزء من مكونات الهيكل تجدها في (أوهل يهوشع [8])، تفصيل أجزاء الجسد الـ613 بحسب ما رأوه الحزال موجود في (مشنا أوهلوت [9])
نُظِر أيضاً الى هيئة الخيمة والهيكل باعتبارهما مُشابهان لهيئة الجسم البشري، فمثلاً قال الرابي موسى بن ميمون أن خيمة الاجتماع تمثل شكل إنسان، فتابوت العهد يمثل القلب لأن فيه لوحي الشريعة وهي مركز الخيمة، كذلك القلب مركز الإنسان، أجنحة الكروبيم فوق التابوت تشير للرئتين فوق القلب، والمنضدة تشير للمعدة، الى آخره.
الرابي جيئون وضع نموذجا للمسكن وكيف إنه يشابه إنسان، فقال إن قدس الأقداس يمثل الرأس، لوحي العهد تمثل فصي المخ، المنارة التي تشع نوراً تمثل العين، مذبح المحراب يمثل الأنف، باب الهيكل يمثل الفم، المراحض تمثل الغدد اللعابية، قاعدة المذبح الخارجي حيث يُسال دم الذبائح يمثل القلب، الى آخره. الرابي ملبيم في جزء “رموز المسكن” وضع أيضا نموذجا للمسكن وكيف أنه يشبه شكل إنسان وأن لكل شيء فيه موضع محدد وكلا منها يشير لعضو معين في الجسم!
في الجزء الثاني سنعرض نموذجاً للهيكل وكيف انه يشابه شكل الإنسان المثالي من حيث هيئة المبنى ومحتوياته.
[1] מדרש הנעלם- פרשת (ויצא) מאמר (הארץ אשר אתה שוכב עליה)
[2] תרגום מיוחס יונתן כח”יא-כב، מדרש בראשית רבה סט”ז، מדרש הנעלם
[3] מדרש תנחומא פקודי פרק ג [המשכן שקול כנגד כל העולם וכנגד יצירת האדם שהוא עולם קטן]
[4] פירוש אבן עזרא על שמות פרק כה פסוק מ
[5] פירוש גאון על התורה – שמות כה’ ז’
[6] משנה מכות דף כג”ב כד”א [דרש רבי שמלאי שש מאות ושלש עשרה מצות נאמרו לו למשה שלש מאות וששים וחמש לאוין כמנין ימות החמה ומאתים וארבעים ושמונה עשה כנגד איבריו של אדם אמר רב המנונא מאי קרא (דברים לג) תורה צוה לנו משה מורשה תורה בגימטריא שית מאה וחד סרי הוי אנכי ולא יהיה לך מפי הגבורה שמענום]
[7] תרגום יונתן על בראשית פרק א פסוק כז [וברא יי ית אדם בדיוקניה בצלמא יי ברא יתיה במאתן וארבעין ותמני איברין בתלת מאה ושיתין וחמשא גידין וקרם עלוי מושכא ומלי יתיה בסרא ואידמא דכר ונוקבא בגוהון ברא יתהון]
[وكان فصح اليهود قريبا فصعد يسوع الى اورشليم. ووجد في الهيكل الذين كانوا يبيعون بقرا وغنما وحماما والصيارف جلوسا. فصنع سوطا من حبال وطرد الجميع من الهيكل. الغنم والبقر وكب دراهم الصيارف وقلب موائدهم. وقال لباعة الحمام ارفعوا هذه من ههنا. لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة. فتذكر تلاميذه انه مكتوب غيرة بيتك أكلتني]
– الآن نقرأ من التلمود البابلي
[في الأول من آدار (الشهر ما قبل الفصح) يُعلن (للتنبيه) عن الشواقل [1] والأدوات [2]..
.. في الخامس عشر منه (من آدار، أي قبل الفصح بشهر)، توضع الموائد في المدينة (اورشليم). في الخامس والعشرون (من آدار، أي قبل الفصح بعشرين يوم) توضع في المقدس (الهيكل). وحينما توضع في المقدس (الهيكل) يبدأوا يتعهدون (عن المتأخرين)، ولكن ممن يتعهدون؟ -من اللاويين والإسرائيليين والغرباء والعبيد المُطلَقين. ولكن لا نساء أو عبيد أو أطفال… ولا يتعهدون من الكهنة لأجل السلام.[3]
.. وهؤلاء مُلزمين بدفع الفائدة [4] (هي زيادة مالية)، اللاويين والإسرائيليين والغرباء والعبيد المُطلَقين لكن ليس الكهنة أو النساء أو العبيد أو الأطفال… الدافع شقل عن كاهن أو عن امرأة أو عن عبد أو صغير يكون معفي (من الفائدة). وان دفع لنفسه ولصاحبه فيجب عليه أن يدفع فائدة واحدة. الرابي مئير قال: يدفع فائدتين. الذي يدفع صِلع ويأخذ شقل يجب أن يدفع فائدتين.] [5]
__________________________________
[1] المقصود هو دفع كل ذكر لنصف شاقل فداءاً عن نفسه وتُدفع تلك القيمة سنوياً وهي منصوص عليها في التوراة (خر 30: 11-16).
[2] المقصود هو أدوات للفلاحة ولنزع البذور غير المرغوب فيها فبحسب التوراة أُعطيت تحذيرات بخصوص زراعة أكثر من صنف في الأرض (لا 19: 19، تث 22: 9) فكان يُعطى تنبيه بخصوص هذا الأمر في الأول من آدار وقبل أن تنمو تلك البذور المرغوب نزعها من الأرض حتى لا تصير الأرض مرفوضة بحسب الشريعة.
[3] أي كرامةً للكهنة وحتى لا تصير هناك نزاعات مع كهنة.
[4] اللفظ التلمودي جاء [كلبون-קּלבּוֹן] وهو موازي للفظ اليوناني [كولوبوس- χόλλῦβος] وهي بحسب البعض زيادة مالية كانت تُدفع خوفاً من ان يكون وزن الشقل المُقدم للتبديل أقل من الوزن المطلوب، وبحسب البعض تُدفع أجرة للصيارفة المسئولين عن التبديل.
يمكنكم المساهمة عن طريق أي فيزا/ماستر كارد أو أي أكونت باي بال، كما يمكن المساهمة لمرة واحدة فقط أو تحديد مبلغ شهري (برجاء ألا يزيد المبلغ عن 5$ = 80 جنية مصري).
الختان وتقديم الطفل يسوع للرب فى الهيكل – دياكون د. مجدى وهبه
الختان وتقديم الطفل يسوع للرب فى الهيكل – دياكون د. مجدى وهبه
الختان وتقديم الطفل يسوع للرب فى الهيكل – دياكون د. مجدى وهبه
دياكون د. مجدى وهبه
أولاً: الختان (لو21:2)
” ولما تمَّت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سُمِىَ يسوع كما تسمَّى من الملاك قبل أن حُبل به في البطن “.
مقدمة
من سفر التكوين (10:17ـ14) نرى التزام كل ذكر ابن إبراهيم أن يختتن في اليوم الثامن لمولده، كعلامة عهد مقدس مع الله، ودخول إلى عضوية الجماعة المقدسة، وكفرض دينى للتمييز بين نسله وباقى الناس (أنظر أيضًا رو9:4ـ12). وكان عقاب الذكر (الأغلف) الذي لا يُختتن في لحم غرلته القطع من شعبه.
كان الختان (التطهير، قطع لحم الغرلة) يقوم به عادةً رب البيت ـ كما في حالة تختين إبراهيم لأهل بيته وعبيده الذكور (أنظر تك23:17ـ27)، وأحيانًا الأم ـ كما فعلت صفورة زوجة موسى النبى مع ابنها (أنظر خر24:4ـ26). أو أحد العبرانيين (أنظر 1مكا60:1).
ثم تجددت سنة الختان لموسى في (لا3:12) وقضى أن لا يأكل الفصح رجل أغلف (أغرل) (أنظر خر48:12) وكان اليهود يحافظون كل المحافظة على هذه السنة لدرجة أنهم كانوا يتممون الختان في السبت (أنظر يو22:7ـ23) وعندما أهملوا الختان أثناء رحلتهم في برية سيناء التي استغرقت أربعين سنة نرى قائدهم يشوع بن نون يصنع سكاكين من الصوان ويختن بنفسه الشعب كله قبل دخوله أرض كنعان (أنظر يش2:5ـ9).
وكان مفروضًا على كل الغرباء الذين يقبلون الدخول في اليهودية أن يخضعوا لهذا الفرض مهما تكن أعمارهم (أنظر تك14:34ـ17، 22 ، خر43:12ـ44) وقد خُتن إبراهيم وهو في التاسعة والتسعين من عمره وإسماعيل ابنه وهو في الثالثة عشرة (أنظر تك11:17ـ27).
والمعنى الروحى للختان عند اليهود هو تكريس الجسد، ولذلك كانوا يدعون أنفسهم بافتخار ” أهل الختان ” ويدعون مَن عداهم باحتقار ” أهل الغرلة” (أنظر رو17:2ـ20 ، فيلبى3:3ـ5). وفي بكور العصر المسيحى زعم فريق من اليهود المتنصرين أن حفظ تلك السُنة ضرورى للخلاص (أنظر أع1:15)، ولهذا اجتمع الرسل والمشايخ في أورشليم لينظروا في هذا الأمر، وقرروا ألاّ يُثقل على الراجعين إلى الله من الأمم بالختان وحفظ ناموس موسى (أنظرأع6:15ـ21).
هذا ولا يزال اليهود المعاصرون يمارسون هذه السُنة بكامل طقوسها، بمنزل الطفل في اليوم الثامن لمولده فيأخذه رجل يدعى ” سيد العهد” ثم يأتي الخاتن ويجرى عملية الختان مع بعض الطقوس والمراسيم. ويُسمى الطفل باسمه في ذلك اليوم أيضًا وسط احتفال من العائلة والأصدقاء بدخول الطفل إلى عهد الله مع بنى إسرائيل (أنظر لو59:1ـ60 ، 21:2)[1]
ختان الطفل يسوع
يقص لنا القديس لوقا (21:2) كيف أن الطفل أختُتن حسب عادة اليهود في اليوم الثامن، وتسمى باسم يسوع، كما تسمَّى من الملاك قبل أن يُحبل به في البطن ” ها أنت ستحبلين وتلدين ابنًا وتسمينه يسوع ” (لو30:1ـ31). وهكذا تمت أيضًا نبوة إشعياء النبى القائلة: ” الرب من البطن دعانى، من أحشاء أمى ذكر اسمى ” (1:49). ولنلاحظ هنا كيف أن التدبير الإلهى يسير منسقًا، فبين إشعياء والملاك تسجيل محفوظ عن الاسم، حفظته الأيام والسنين 700سنة على الأقل. والاسم يحمل المهمَّة العظمى التي أُعطى أن يحملها ” فستلد ابنًا وتدعو اسمهيسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم ” (مت21:1).
والسيد عندما جاء متجسدًا لم يكن بالتأكيد محتاجًا للختان لنفع خاص به. إنما قبل أن ينحنى بإرادته خاضعًا للناموس لأنه ” لما جاء ملءُ الزمان أرسل الله ابنه مولودًامن امرأة مولودًا تحت الناموس” (غلا4:4) وذلك لأنه كان يليق به أن يكمل كل بر (أنظر مت15:3). وبعبارة أخرى أننا نجد هنا في الختان، الله المشرع ينفذ القانون الذى شاءَ فسنّه.
يقول حامى الإيمان في القرن الخامس الميلادى القديس كيرلس الأسكندرى ” إذا ما رأيت المسيح يطيعالناموس فلا تضطرب ولا تضع المسيح الحّر في زمرة العبيد، بل فكر في عمق السّر العظيم، سّر الفداءوالخلاص “[2]. ويواصل القديس إيضاحه قائلاً: ” ورغم إنه هو بالطبيعة الله ورب الكل، فإنه لا يحتقر حالتنا..بل يخضع نفسه معنا لنفس الناموس “[3]. ويُعلل ختان السيد هكذا: ” لقد ختن ـ مثل اليهود ـ في سن ثمانية أيام لكى يبرهن على خروجه من نفس أصلهم. وذلك لكى لا ينكروه. فإن كان ورغم ختانه قد قالوا عنه: ” هذا الإنسان لا نعلم من أين هو ” (يو29:9) فربما كان سيصير لهم بعض العذر في إنكارهم لهم لو لم يكن قد خُتن في الجسد وحفظ الناموس “[4].
ويمكننا أن نضيف على ذلك سببًا آخر وهو أن السيد قَبِل الختان في جسد بشريته وذلك حتى لا يشك أحد في تأنسه. ولهذا السبب ـ وللأسباب الأخرى ـ تعتبر الكنيسة عيد الختان من أعيادها السيدية السبع الصغرى وتحتفل به في 6طوبة (15يناير) من كل عام.
ولكن هل من حاجة إلى الختان الآن؟
1ـ بقيامة السيد المسيح من بين الأموات في اليوم الثامن (أنظر مر9:16) وإعطائه الختان الروحى لنا والذي يتم بصورة رئيسية في وقت المعمودية المقدسة (أنظر مت19:28) حينما يجعلنا المسيح مشتركين في الروح القدس (أنظر 1كو16:3) أُبطل هكذا طقس الختان ولم نعد بعد في حاجة إليه. وبولس الرسول يقول في رسالته إلى أهل غلاطية ” أنه في المسيح يسوع ليس الختان ينفع شيئًا ولا الغرلة بل الخليقة الجديدة ” (15:6، 6:5).
فالختان كان يشير مقدمًا إلى نعمة وفعالية المعمودية الإلهية، لأنه كما كان في القديم، يحسب المختون ضمن شعب الله بواسطة ذلك الختم، هكذا أيضًا فإن مَن يعتمد يدرج ضمن عائلة الله بالتبنى (أنظر يو12:1ـ13، كو11:2ـ12) وقد كان يشوع بن نون في القديم مثالاً أيضًا لهذا. لأنه قاد بنى إسرائيل وعبر بهم الأردن، وبعد ذلك ختنهم بسكاكين من صوان. هكذا نحن حينما نعبر الأردن (المعمودية) فإن المسيح يختنا بقوة الروح القدس ” وبه أيضًا خُتنتم ختانًا.. مدفونين معه في المعمودية .. ” (كو2: 11ـ12).
2ـ ختان العهد القديم كان يصنع باليد وكعلامة لتكريس الجسد للرب بينما ختان العهد الجديد يقول عنه بولس الرسول: ” وبه أيضًا خُتنتم ختانًا غير مصنوع بيد بخلع جسم خطايا البشرية بختان المسيح ” (كو11:2).
3ـ في القديم كان الختان يتم بقطع جزء من جسد الإنسان كرمز لقطع شغب اللذات الجسدية والشهوات، بينما المؤمنين في العهد الجديد حينما يتأسسون في النعمة ويصيرون مختونين بالروح فإنهم لا يقطعون الجسد بل ينقون القلب الذي منه مخارج الحياة (أنظر أم23:4).
ثانيًا : تقديم الطفل يسوع للرب فى الهيكل
” ولما تمت أيام تطهيرها حسب شريعة موسى صعدوا به إلى أورشليم ليقدموه للرب. ولكى يقدموا ذبيحة كما قيل فى ناموس الرب .. ” (لو22:2ـ24).
تطهير الأم القديسة كان بناء على وصية سفر اللاويين (1:12ـ7) إذ تظل الأم غير طاهرة بسبب الدم سبعة أيام، وتبقى فى البيت ثلاثة وثلاثين يومًا حتى تصير طاهرة ومهيأة للخروج، وحينئذٍ تُقدَّم الذبيحة فى اليوم الأربعين[5]. والذبيحة تقدمها فى المكان المخصص لذلك فى الهيكل فى أورشليم. وكان على القديسة مريم أن تقدم كذبيحة تطهير خروفًا حولى يُقدم كمحرقة مع فرخ حمامة أو يمامة كذبيحة خطية حيث يقدمها الكاهن أمام الرب ويكفّر عنها فتطهر من ينبوع دمها (أنظر لا6:12ـ7). ولكن لأن العذراء القديسة ويوسف لم تنل يدهما كفاية لشاة، اقتصر على تقديم زوج يمام أو فرخى حمام الواحد محرقة والآخر ذبيحة (أنظر لا8:12).
أما تقديم الطفل البكر للهيكل فينبغى أنه مُقدّم ذبيحة لله كما مكتوب فى ناموس الرب أن “ كل ذكر فاتح رحم يُدعى قدوسًا للرب ” (خر1:13ـ2، لو23:2). فهو يُدعى قدسًا لله، من خاصته، يأخذه لنفسه ليخدمه وذلك حتى لا ينسى الشعب أنه عندما تقسّى قلب فرعون عن إطلاقه ليعبد إلهه فى البرية، قتل ملاك الرب كل بكر فى أرض مصر من بكر فرعون الجالس على كرسيه إلى بكر الأسير الذى فى السجن وكل بكر بهيمة (أنظر خر29:12، 14:13ـ15).
ويُلاحظ أنه بعد أن يقدم البكر إلى الهيكل ويتراءى أمام الله، كان من المفروض أن يُحجز ليخدم الرب، ولكن الله أعفى الأبكار من خدمته واختار بنى لاوى لخدمته كسبط بأكمله.
” وكلّم الرب موسى قائلاً: ها إنى قد اخترت اللاويين من بين إسرائيل بدل كل بكر فاتح رحم من بنى إسرائيل فيكون اللاويون لى. لأن لى كل بكر. يوم ضربت كل بكر فى أرض مصر قدست لى كل بكر فى إسرائيل من الناس والبهائم لى يكونون. أنا الرب ” (عد11:3ـ13).
وهكذا عوض الحجز للخدمة بالنسبة للبكر اقتصر الناموس على أن يتراءى أمام الله فى الهيكل وأن يُدفع لخزانة الهيكل خمسة شواقل فضة شاقل القدس[6] (أنظر عد44:3ـ51).
ويُلاحظ أيضًا أنه من وقت تقدمة ذبيحة اسحق والوعد بالنسل الذى فيه تتبارك جميع الأمم (أنظر تك22). من ذلك اليوم وشهوة كل بيت من بيوت الإسرائيليين تزداد بمرور الأيام فى أن يكون بكره هو النسل الموعود به لإبراهيم. وهذا ما قد تم هنا بالحرف الواحد فى ملء لزمان لبيت داود. ومن ذلك الزمان وفيما بعد صار تقديم الطفل يسوع للرب فى الهيكل عيدًا للكنيسة المرتشدة بالروح القدس تحتفل به فى 8 أمشير (15 فبراير) من كل عام.
تسبحة سمعان الشيخ (لو25:2ـ35)
” وكان رجل فى أورشليم اسمه سمعان وهذا الرجل كان بارًا تقيًا ينتظر تعزية إسرائيل والروح القدس كان عليه ” (لو25:2).
وصف هذا الرجل أنه بار توضح صلته الوثيقة بالهيكل والعبادة والصلاة، كذلك صفة التقوى تفيد شدة الانتظام فى تأدية الواجبات الدينية. ولكن ما يستدعينا بالأكثر هنا أنه كان ينتظر تعزية إسرائيل، أى كان لديه رجاء قوى فى تحقيق الخلاص الذى أعده الله أمام وجه جميع الشعوب والذى سيكون بمثابة مجد لشعب إسرائيل، بالطبع فى شخص المسيا الذى ينتظروه، والدليل على صلة سمعان الشيخ الروحية بالله فى العبادة وعلى الرجاء المبارك الذى تمتع به، يؤكده القول بأن ” الروح كان عليه “، الأمر الذى تحقق يقينًا عندما أُوحِىَ إليه (بالروح القدس) أنه لا يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب.
وعندما ساقه الروح لدخول الهيكل لحظة دخول العذراء حاملة المسيح تعرّف عليه فى الحال وسط مئات الأطفال، واعتراف ببداية الخلاص لشعب إسرائيل وبامتداده كنور إلى كل العالم (أنظرلو26:2ـ32). وهكذا عندما دخل بالصبى يسوع أبواه ليصنعا له حسب عادة الناموس أخذه سمعان على ذراعيه وبارك الله لأن عيناه قد أبصرتا هذا الخلاص فى شخص الطفل الإلهى المولود. ولم يكن له فيما بعد أى شئ آخر ينتظره، ولذا طلب من السيد ” أن يطلق نفسه بسلام ” (أنظر لو27:2ـ32).
فى العهد القديم كان يمكن أن يعطى الله وعوده ويراها الموعود بها قبل أن يموت، تحقيقًا لإيمانه وتشديدًا لقومه لذلك كان سمعان بالنسبة للعهد الجديد قمة فى تحقيق وعود الله فى العهد القديم، وبرهانًا قويًا على الحق والإيمان بالحق.
هذا وإذا كانت المرأة المريضة فقط بلمسها لأهداب ثوب المسيح قد نالت شفائها فى الحال (أنظر مت20:9)، فكم وكم يكون الخير الروحى العظيم الذى ناله سمعان عندما حمل المسيح بين ذراعيه وضمه إلى صدره. وهكذا أيضًا طالما أن الإنسان لا يحمل المسيح فهو باقى فى سجنه وعاجز عن فك الربط التى تقيده. فإذا أراد الإنسان الانعتاق من كل عبودية والانطلاق فى حياة المحبة والقداسة عليه أن يحمل المسيح لا بين ذراعيه بل فى قلبه. وتأمل معى هنا كيف أن السلام مرتبط بهذا التحرر.
وقول سمعان الشيخ ” الآن تُطلق عبدك يا سيد بسلام ” يحمل أيضًا شهادة ويؤكد اعتقادًا أن لخدام الله سلامًا وراحة فى انطلاقهم فعندما تنسحب أرواحنا من زوابع هذا العالم تبلغ ميناء مدينتنا الأبدى الهادئ. والكنيسة انطلاقًا من هذا الإيمان وبحكمة وضعت هذا الجزء من إنجيل لوقا فى صلاة الساعة الثانية عشر، وصلاة وتسبحة نصف الليل، ولا يخفى على القارئ العلاقة الرمزية بين انتهاء نهار اليوم وانتهاء حياتنا الأرضية.
والخلاص الذى تحدث عنه سمعان يراه كل بشر، لا برؤية العين ـ كما رآه هو ـ ولكن بالاستعلان، فالمسيح يُستعلن الآن لكل الشعوب بالروح القدس كنور وينالون منه الخلاص بالإيمان. يقول المخلص نفسه: ” أنا قد جئت نورًا إلى العالم حتى كل من يؤمن بى لا يمكث فى الظلمة” (يو46:12)، وأيضًا يقول: ” أنا هو نور العالم من يتبعنى فلا يمشى فى الظلمة بل يكون له نور الحياة ” (يو12:8).
كما يُلاحظ أن تسبحة سمعان تعلن عمومية الخلاص وجامعية الكنيسة. فسر الفداء كان منذ القدم وقبل تكوين العالم ولكن لم يُعلن إلاّ فى ملء الزمان (أنظر غلا4:4). فكان للأمم، الشعب الجالس فى الظلمة وفى كورة الموت وظلاله، نورًا (أنظر مت13:4ـ17، 19:28ـ20) وكان لإسرائيل مجدًا لانتساب المسيح المخلص إليهم حسب الجسد.
وإذ سمع يوسف والقديسة مريم هذه التسبحة كانا يتعجبان:
أ ـ ربما لأن ما أعلنه لهما الله سرًا عند البشارة عن ولادة يسوع الذى سيخلص شعبه من خطاياهم (أنظر لو31:1 ومت20:1ـ21) صار معلنًا لسمعان الشيخ بصورة واضحة.
ب ـ وربما يرجع تعجب يوسف وأمه مما قيل، إلى أنهما ولأول مرة سمعا أن المسيح هذا سيكون نورًا للأمم وخلاصًا لجميع الشعوب. هذه النغمة لم تكن مألوفة لدى الإسرائيليين حتى وإن كانت من الأنبياء (أنظر إش5:49ـ6، 6:42). فاليهودى بطبيعته يرفض كل ما هو أممى.
ج ـ كذلك كان تعجبهما شديدًا إذ من أين عرف هذا الشيخ بسر الصبى وعلو شأنه على كل شعوب الأرض. الآن نحن نعرف أن الروح القدس كان عليه ولكن لا يوسف ولا مريم كانا يعرفان هذا.
لكن ماذا يعنى سمعان النبى بقوله عن المسيح : ” ها أن هذا قد وُضع لسقوط وقيام كثيرين فى إسرائيل ولعلامة تُقاوم ” (لو32:2)؟
1 ـ من المحتمل أنه يعنى إن كان الله قد أرسل ابنه متجسدًا لخلاص العالم (أنظر لو16:3) خلال علامة (خشبة) الصليب (أنظر يو14:3ـ15، 32:12ـ33)، لكن ليس الكل يقبل هذه العلامة ويتجاوب مع محبة الله الفائقة، بل يقاوم البعض الصليب ويتعثرون فيه. ” فكلمة الصليب عند الهالكين جهالة أما عندنا نحن المُخلَّصين فهى قوة الله ” (1كو18:1) فرسالة الصليب ستُسقط كثيرين فى العثرة وتقيم الكثيرين فى المجد.
2 ـ وربما يزيد القول أن السيد المسيح إذ هو ” حجر زاوية مختار كريم ” (1بط6:2) فالذين آمنوا به لم يخزوا. أما أولئك الذين لم يؤمنوا به سقطوا وتهشموا (أنظر مت 44:21ـ44، مز22:88ـ23) والله قال أيضًا فى موضع آخر ” هاأنذا أضع فى صهيون حجر صدمة وصخرة عثرة والذى يؤمن به لن يخزى ” (إش16:28، 1بط6:2، رو33:9).
فاليهود والأمم الذين آمنوا بالمسيح تحولوا من عبادة ناموسية وعبادة الخليقة إلى عبادة روحية للخالق نفسه، وتغيروا من روح العبودية الذى فيهم واغتنوا بذلك الروح الذى يجعل الإنسان حرًا، أى الروح القدس، وحُسبوا أهلاً أن يكونوا أبناء الله بالتبنى. ولك أن تدرك بعد ذلك ضرر عدم الإيمان به.
وكما أن النور وإن كان يُحسب ظلمة بالنسبة للكفيف لكنه يبقى فى طبيعته نورًا، هكذا الإنجيل وإن كان البعض يهلك بسبب عدم الإيمان به، رائحته تبقى دائمًا ذكية لأنه ليس هو السبب فى هلاكهم، إنما عدم رغبتهم فى الإيمان بالمخلص هو السبب. ” وهذه هى الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور ولا يأتى إلى النور لئلا تُوبخ أعماله. وأما من يفعل الحق فيُقبل إلى النور لكى تظهر أعماله أنها بالله معمولة ” (يو19:3ـ21).
3 ـ يمكن أن يعنى أن المسيح كديان حقيقى وعادل فإنه فى يوم الدينونة، سيجلس على كرسى مجده ويجتمع أمامه جميع الشعوب فيميز بعضهم من البعض كما يميز الراعى الخراف من الجداء. فيقيم الخراف عن يمينه ويسقط الجداء من على يساره (أنظر مت31:25ـ33).
4 ـ هذا من جانب ومن جانب آخر فربما سقوط وقيام الكثيرين يشير إلى سقوط ما هو شر فى حياتنا وقيام ما هو خير. فعمل السيد المسيح وباستمرار هدم الإنسان العتيق وإقامة للإنسان الجديد الذى يتجدد على صورته: ” إن كان أحد فى المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكل قد صار جديدًا ” (2كو17:5).
أما ” العلامة التى تُقاوم ” فيقصد بها الصليب المقدس الذى يقول عنه بولس إنه ” عثرة لليهود وجهالة لليونانيين ” (1كو23:1). وأيضًا يقول عنه إنه ” للهالكين جهالة، وأما عندنا نحن المُخلَّصين فهو قوة الله للخلاص ” (1كو18:1).
ويقول سمعان بعد ذلك للعذراء القديسة: ” وأنت أيضًا يجوز فى نفسك سيف. لتُعلن أفكار من قلوب كثيرة ” (لو35:2). ويقصد بالسيف هنا الألم الذى ستعانيه لأجل المسيح حينما تراه مصلوبًا وهى لا تعرف أنه سيكون أقوى جدًا من الموت، وأنه لابد من قيامته من القبر، ولا عجب إن غابت عن العذراء هذه الحقيقة فقد غابت أيضًا عن التلاميذ (أنظر مر9:9ـ10، يو22:2). وتوما ـ على سبيل المثال ـ إذا كان لم يبصر أماكن المسامير فى يدى السيد بعد قيامته ويلمس آثارها بأصبعه ويضع يده فى مكان الحربة بجنبه لما صدق أن سيده قام من الأموات (أنظر يو24:20ـ29).
أى أن السيدة العذراء سيجوز الحزن فى قلبها كالسيف، وهى واقفة أمام الصليب. والكنيسة تصلى فى قطع الساعة التاسعة (ساعة تسليم الروح) قائلة: ” عندما نظرت الوالدة الحمل والراعى مخلص العالم على الصليب معلقًا قالت وهى باكية : أما العالم فيفرح لقبوله الخلاص، وأما أحشائى فتلتهب عند نظرى إلى صلبوتك الذى أنت صابر عليه من أجل الكل يا ابنى وإلهى ” .
مع حنة النبية
” وكانت نبية حنة بنت فنوئيل من سبط أشير. وهى متقدمة فى أيام كثيرة. قد عاشت مع زوج سبع سنين بعد بكوريتها وهى أرملة نحو أربعة وثمانين سنة لا تفارق الهيكل عابدة بأصوام وطلبات ليلاً ونهارًا ” (لو36:2ـ37).
حنة هى بالعبرية Hanah ومعناه ” حنان، حنون، نعمة “. وفنوئيل معناها ” وجه الله ” (أنظر تك30:32). وأشير هو الابن الثامن من بين أبناء يعقوب والثانى من بين أبناء زلفة أمة ليئة (أنظر تك12:30ـ13). وهو اسم عبرى معناه ” سعيد ” أو ” مغبوط ” وسبط أشير هو واحد من الأسباط العشرة المستوطنة للجزء الشمالى والتى انفصلت عن يهوذا فى عصر رحبعام.
على أية حال كان لهذه النبية رؤية إلهية لمعرفة الأشياء الخفية عن الناس العاديين، وبهذه الرؤية استطاعت أن تتعرف على الطفل يسوع داخل الهيكل الذى كانت تستوطنه أربعة وثمانين سنة تصلى صائمة. ولما تعرّفت عليه أخذت تعلن عنه لجميع الذين يترجون الخلاص مثلها.
ولكن أهم ما يثير انتباهنا إلى هذا الشاهد المبارك هو أنه رغم كونها متقدمة جدًا فى سنها (7 سنوات زواج + 84 ترمل = 91 + 14 سنة قبل الزواج على الأقل = 105 سنة تقريبًا)، إلاّ أنها كانت تملك رؤية روحية عالية وقدرة فائقة على الصوم المتواتر والصلاة الدائمة وسهر الليل المتواصل. إنه حقًا أمر يفوق العقول. كذلك عزوفها عن العالم فى سن العشرين (بعد ترملها) ولمدة 84 سنة أمر جدير بالاحترام. وربما كان هذا كله سببًا فى حيازتها على نعمة الله التى ساعدتها على التعرف على المسيح.
بمعنى آخر إن حياتها المديدة فى الصلاة والصوم والعبادة كونها فى الوقت نفسه نبية جعلتها ذات حساسية روحية مرهفة، فلما دخلت العذراء حاملة المسيح أحست بروحها فقامت بسرعة يقودها الروح حتى وقفت أمام الطفل يسوع تمجد وتسبح الله وتحكى عمن هو هذا المحمول على الذراع وعن الفداء المزمع أن يكون على يديه.
ملاحظات
أ ـ كان اليهود عادة يصومون خمسة أيام فى السنة:
1ـ يوم الكفارة عن الخطايا وذلك فى الشهر السابع (تشرى ـ إيثانيم ـ سبتمبر ـ أكتوبر) فى عاشر الشهر (10/7).
2 ـ اليوم العاشر فى الشهر العاشر (طبيت ـ ديسمبر، يناير) تذكارًا لحصار أورشليم (أنظر 2مل1:25 وإر4:52ـ6 وزك19:8) من نبوخذ نصر ملك بابل (10/10).
3 ـ اليوم التاسع فى الشهر الرابع (تموز ـ يونيو، يوليو) تذكارًا لسقوط المدينة (أنظر 2مل3:25ـ7، إر6:52، زك19:8) بعد سنتين من الحصار (9/4).
4 ـ اليوم السابع من الشهر الخامس (آب ـ يوليو، أغسطس) تذكارًا لخراب الهيكل (2مل8:25ـ11، إر12:52ـ13، زك19:8) (7/5).
5 ـ يوم فى الشهر السابع (إيثانيم، تشري ـ سبتمبر، أكتوبر) لمقتل جدليا الذى أقامه ملك بابل على الأرض وكل اليهود الذين كانوا معه (أنظر إر1:41ـ2، 2مل25:25) (/7).
وإلى جانب هذه الأصوام كان هناك الصوم التطوعى. فقد صام داود مثلاً راجيًا أن يعيش ابنه الذى ولدته له امرأة أوريا (2صم16:12). وكان الفريسيين وتلاميذ يوحنا أيام السيد المسيح يصومون كثيرًا (أنظر مت14:9). وكان اليهود يحفظون أصوامهم بتقشف فكانوا ينقطعون عن الطعام غالبًا من غروب الشمس إلى الغروب التالى. وكانوا يلبسون المسح على أجسادهم وينثرون الرماد على رؤوسهم ويتركون أيديهم غير مغسولة ورؤوسهم غير مدهونة وكانوا يصرخون ويتضرعون ويبكون (أنظر مت16:6ـ18).
ب ـ وكانوا يصلون خمسة مرات فى اليوم :
1 ـ عند الساعة الثالثة (9ص) . 2 ـ والسادسة (12 ظهرًا). 3 ـ والتاسعة (3ظ).
4 ـ وعند بداءة الليل (الثانية عشرـ 6 م). 5 ـ وعند نهايته (الأولى ـ 6 ص)
(أنظر أع1:3، 9:10، مز17:55).
وكانت الصلوات تشمل تلاوة مزامير وصلوات معينة .
العودة للناصرة
” ولما أكملوا كل شئ حسب ناموس الرب رجعوا إلى الجليل إلى مدينتهم الناصرة“(لو39:2)
العودة للجليل وللناصرة، حيث ـ كمثل كل طفل يهودى ـ دراسة التوراة على يد معلّم وحضور المجمع وسماع الكلمات والنبوات ولذا قيل عن يسوع ” وكان الصبى ينمو ويتقوى بالروح ممتلئًا حكمة وكانت نعمة الله عليه ” (لو40:2).
إن الله كما يقول بولس الرسول ” أخلى ذاته آخذًا صورة عبد صائرً فى شبه الناس ” (فى7:2). أى أنه أخلى نفسه بقبوله الطبيعة البشرية. وبحمله ناسوتنا صار مثلنا بالرغم من عدم انفصاله قط عن لاهوته، وبسبب هذا الناسوت قيل عنه ” كان ينمو…” . بالتأكيد كان يمكن لله أن يتخذ جسدًا من امرأة فيصبح بمجرد ولادته رجلاً كاملاً نامى الأعضاء، لكن لو كان قد حدث ذلك، لكان من قِبل الخرافات، ولذلك سار الصبى على قوانين الطبيعة البشرية.
لقد سُجل عن الصبى أنه كان ينمو ويتقوى بالروح فلبدء عمل الخلاص انتظر السيد حتى بلغ الثلاثين من عمره، أى حين أكمل كل القامات البشرية، لا لمنفعة خاصة، ولكن لكى يسلمنا هذه القامات جميعها مقدسة وبحالة روحية كاملة.
ربما البعض يسأل كيف يتقدم الله وينمو؟ وكيف يمكن لله الذى يهب الملائكة والناس الحكمة والنعمة يُمنح هو الحكمة والنعمة؟ لنلاحظ أن الإنجيلى لم يشر إلى الطبيعة الإلهية بل أشار فى غير غموض إلى المسيح وقد وُلد إنسانًا من امرأة واتخذ صورتنا، لقد نما الجسم فى القامة، وتقدمت النفس فى الحكمة، أما الله فبطبيعته الإلهية كامل. وإذ كان اللاهوت وهو متحد بالناسوت يُعلن أكثر فأكثر لمرور الأيام لذا كانت نعمة الله على يسوع تتزايد أمام أعين الناس.
المراجع
1 ـ ” خطيب الكنيسة الأعظم ـ القديس يوحنا ذهبى الفم ” إعداد الأب إلياس كويتر ، منشورات المكتبة البولسية ـ بيروت ، لبنان 1988.
2 ـ تفسير إنجيل لوقا ” الجزء الأول ” للقديس كيرلس الأسكندرى، إصدار مركز دراسات الآباء ـ القاهرة 1990.
3 ـ الإنجيل بحسب القديس لوقا ، الأب متى المسكين ، دير القديس مقاريوس ـ وادى النطرون 1998.
4 ـ الإنجيل بحسب لوقا ـ للقمص تادرس يعقوب ـ كنيسة مار جرجس سبورتنج ـ الأسكندرية 1990.
في البداية، أين قال الكتاب أن المسيح ضرب به أحدًا من الباعة؟!
13 وكان فصح اليهود قريبا، فصعد يسوع إلى أورشليم، 14 ووجد في الهيكل الذين كانوا يبيعون بقرا وغنما وحماما، والصيارف جلوسا. 15 فصنع سوطا من حبال وطرد الجميع من الهيكل، الغنم والبقر، وكب دراهم الصيارف وقلب موائدهم. 16 وقال لباعة الحمام: «ارفعوا هذه من ههنا! لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة!». 17 فتذكر تلاميذه أنه مكتوب: «غيرة بيتك أكلتني»..
المشهد هو كالاتي :-يسوع صنع سوطاً من الحبال التي وجدها حوله .واخرج الغنم والبقر .ثم قلب موائد الصيارفة وقال لباعة الحمام يخرجوهم .فيسوع لم يستخدم السوط ضد اي شخص.واذا تم بالفعل استخدام السوط ضد اي شخص كان يجب ان يحاكم من الناحية اليهودية فبحسب ايام يسوع كان الرومان يعملون بالشريعة اليهودية في الاقاليم الفلسطينية التي يسكنونها,ولا يتدخل الحاكم الا عند الضروره .وكان المصادر المعتمد عليها ثلاثة مصادر سفر الخروج من الفصل 20 الي الفصل 23 , التثنية من الفصل 21 : 26 , وما وضع في اثناء السبي فيصير اجمالي القوانين 613 قانون يجتهد الكتبة في دراستها واستنباط الشرائع منها . (كتاب مجتمع يسوع تقاليده وعاداته دار المشرق بيروت صفحة 92 ).
والشريعة اليهودية تمنع اعتداء يهودي علي يهودي وهكذا ايضاً اعتداء اممي علي يهودي .ومما اعلاه نستنتج الاتي :
لم يتم توجيه اي تهمة الي يسوع ولم يشتكي احد عليه بانه ضربهم بالسياط .! ولم يمسكه الصيارفة لتقديمه للمحاكمة فاذا فعل يسوع هذا فلديهم شهود عيان والقضية في صالحهم وكان سيحاسب يسوع علي فعلته امام المحكمة اليهودية.هذا كله يدل ان يسوع لم يستخدم السوط ضد الاشخاص .لكنه استخدم السوط مثل أي راعي يرعي الماشية ليحافظ علي سيطرته علي الحيوانات داخل الهيكل وليخرجهم .فيسوع لم يعتدي علي أي انسان وقد اخطأ العديد من الرسامين في تصوير مشهد تنظيف الهيكل .
وقد كتب Cosmas Indicopleustes سنة 550 بعد الميلاد
“ان الزعم كان باطلاً لان يسوع لم يستخدم السياط ضد اي انسان او لضرب اي انسان لكن كان السياط للبهائم الهائجة الغاشمة فقط . كما هو مكتوب انه بعدما عمل السياط اخرج الغنم والبقر .لكن لم يضرب احد ولم يدفع احد بل انتقدهم كلامياً”
“And making a whip from rope, he drove them all from the temple, both the sheep and the oxen, and he poured out the coins of the moneychangers, and he overturned the tables.”
15 فصنع سوطا من حبال وطرد الجميع من الهيكل، الغنم والبقر، وكب دراهم الصيارف وقلب موائدهم.
فنجد انه في العدد 16 يقول لباعة الحمام ان يخرجوا ؟ وفي العدد 15 يقول انهوا طرد الجميع ” πάντας ” “pantas ” فعلي من تشير كلمة الجميع ؟ هل الناس والحيوانات معاً ام الحيوانات فقط . كانت الاجابة هي الغنم والبقر .وهذا ما يوضحه ما جاء في العدد 16 من طرد باعة الحمام وطلب يسوع منهم المغادره .فجميع المذكوره لا تشمل الجميع المذكور في العدد 14 .
ما معنى تمزق حجاب الهيكل اليهودي عند موت المسيح على الصليب؟
ما معنى تمزقّ حجاب الهيكل اليهودي عند موت المسيح على الصليب؟
حجاب الهيكل هو الستارة التي تفصل قدس الأقداس عن صحن الهيكل اليهودي. وظيفة الحجاب كانت فرز قدس الأقداس عن باقي الهيكل وتخصيصه والمحافظة على قدسيته التي يكتسبها بسبب وجود ألواح الوصايا وتابوت العهد فيه. في قدس الأقداس كان الحضور الإلهي موجوداً. يدخل رئيس الكهنة فقط مرة واحدة في السنة إلى قدس الأقداس عبر الحجاب وهناك يقدّم ذبيحة حيوانية كفّارة عن خطاياه وخطايا سائر الشعب.
عند موت المسيح على الصليب تمزقّ حجاب الهيكل. لهذا التمزقّ معانٍ عديدة. فأولا خسر قدس الأقداس مكانته وقدسيته ولم يعد مكاناً للحضور الإلهي الذي غادره عند موت المسيح وإلى الأبد.
ثانياً، خسر الشعب اليهودي امتيازه كشعب لله له أُعطيت العهود والوعود والشرائع، وخسر الهيكل اليهودي مكانته كمعبد إلهي، وصار غير المؤمنين بالمسيحَ من اليهود أعداء الله والإنجيل.
ثالثاً، لم يعد الإيمان بالله الواحد حكراً على اليهود بل صار الإيمان لجميع الناس وصارت العبادة لله الواحد ممكنة للجميع وفي كل مكان، لأن الله فتح الأبواب للأمم كما لليهود.
رابعاً، تمزق الحجاب هو علامة على الغضب الإلهي على صلب يسوع ابن الل. وهو ردة فعل على تمزيق رئيس الكهنة اليهودي لثيابه عند اتهامه ليسوع بالتجديف.
هنا الله الآب يتدخل من السماء بآية مظهراً بأن رئيس الكهنة هو المجدَّف برفضه بنوّة يسوع لله الآب وبأن الله يتبرّأ من الكهنوت اليهودي ومن الناموس اليهودي اللذين بطلا بمجئ المسيح [1]. (د. عدنان طرابلسي)
[1] راجع ترجمة شرح إنجيل متى للذهبي الفم، الجزء الرابع، الدراسات الكتابية. الرسالة إلى العبرانيين (9: 12 و 10: 20) ما يفيد أن دم يسوع فتح لنا أبواب السماوات التي انشقت حين اعتماد يسوع ونزول الروح القدس عليه (مر 1: 10).
ما معنى تمزق حجاب الهيكل اليهودي عند موت المسيح على الصليب؟
– مدراش رباه للعدد (מדרש במדבר רבה) (14: 8) [(عدد 7: 63) “وثور واحد ابن بقر..” انواع المحرقة ثلاثة وهي تشير الى الثلاثة مرات التي بُنِى فيها البيت المقدس (الهيكل) في قطاعه، واحد بأيام سليمان وواحد بأيام رجوع المسبيين والثالثة بأيام المسيح (في المستقبل)]
بينما ينتظر اليهود ان يأتي المسيح ليبني لهم الهيكل الثالث الذي يدوم للأبد ، نتمتع نحن المسيحيون بالهيكل الثالث بالفعل والذي بناه المسيح الحقيقي (يشوع الناصري) الذي اتى ولم يعرفوه !
✠ شرح: عندما خلق الله الانسان فضله على باقي المخلوقات بهبة الروح (تك 2: 7) ، فهو قد وهبه روحه القدوس داخله ، وكأن جسد الانسان الترابي من البداية هو بمثابة صندوق يحمل الكنز وهو روح الله القدوس ، ولكن هذا لم يدم اذ ان البشر عرفوا البشر وتوغل الشر داخلهم حتى انهم دنسوا هذا الموضع (الجسد) الذي يحمل روح الله فيه. وفي الجيل العاشر من البشرية (وقت نوح) نزع الله روحه القدوس من الاجساد البشرية (تك 6: 3 سبعينية) ولم يعد حلول الروح على البشر يتم الا في نطاق ضيق جدا على الانبياء والممسوحين وبشكل متقطع.
وهو ما اظهر الحاجة الى وجود الهيكل لكي يحل الله بروحه وسط الشعب ، فالهيكل هو بديل لجسد البشر الذ لم يعد مناسبا (بعد الخطية) لحلول الروح فيه ، ولهذا أمر الله به داود وقت استقرار مملكة اسرائيل ونفذه سليمان ابنه. فالهيكل الحجري ليس هو الأصل بينما في الحقيقة الهيكل الجسدي هو الأصل. كان الهيكل الحجري مرحلة مؤقتة فقط حتى يتطهر البشر بالحقيقة ويكونوا أهلا لعودة الروح اليهم. وما هو هذا الوقت الذي يكون فيه هذا ؟.
هو وقت المسيح المُرجع الكمال للبشرية (برشيث رباه 12: 6) والذي تنبأ زكريا النبي عنه قائلا انه يزيل اثم الارض في يوم واحد (زك 3: 9) ، ولهذا تنبأ اشعياء النبي انه على المسيح (جسده) سيحل روح الله (اش 11: 1-2) ، وكأن تلك النبوة تعلن ان جسد المسيح انما هو الهيكل الثالث الكامل الذي فيه يكون الروح لا في مبنى حجري وانما مبنى جسدي كما كان منذ ايام آدم.
الهيكل الثالث كما شرحنا هو جسد المسيح ، وهذا ما اعلنه الوحي في الانجيل صراحةً (يو 2: 21) . ولكن نكون اخطأنا ان قلنا ان الهيكل الثالث انما هو جسد المسيح وحده ، فجسد المسيح انما هو الحجرة الاولى او حجر الزاوية (مز 118: 22) . ونحن كلنا احجار حية في ذلك الهيكل الثالث والأخير (افسس 2: 20-21 ،1كو 3: 16، 2كو 6: 16) . فكل المؤمنون ليسوا كيانات منفصلة وانما كتلة واحدة او اعضاء لجسد واحد حجر اساسه هو المسيح.
اتى المسيح كبشر مثلنا وشاركنا في اللحم والدم وصالح الآب عنا كلنا كنائب عن البشرية وحل الروح عليه في مشهد كبير وامام الجميع وقت المعمودية (مت 3: 16). عاد الروح للبشرية عن طريقه وعن هذا تنبأ يوئيل النبي (يوئيل 2: 28) .
لم يخطأ اليهود عندما قالوا بحسب فهمهم للنبوات أن المسيح سيبني الهيكل الثالث بينما اخطأوا في توقع ماهية هذا الهيكل . ينتظر اليهود هيكلا حجريا على مثال هيكل حزقيال ، بينما نتمتع نحن بالهيكل الثالث الحقيقي.
فبالحقيقة بنى المسيح الهيكل الثالث ، فهو حجر أساس هذا الهيكل وهو من جلبنا له واعطانا ان نكون احجار حية في هيكل ضخم وعظيم يشمل كل المؤمنين وروح الله يعمل فيهم وفي وسطهم كائن.
وهذا الهيكل لم يكتمل بناؤه حتى الان ، فكل يوم ينضم فيه مؤمنين جدد هو بمثابة امتداد وتوسع لهذا الهيكل ، وسيكتمل هذا البناء العظيم وقت مجيئه الآخر في المجد. هذا ما نفهمه من الاسفار المقدسة ، فكما أنه قديما عند الانتهاء من بناء الهيكل بوقوا بالبوق وفجأة حل المجد الإلهي على الهيكل (2اخبار 5: 13-14) هكذا سيكون في النهاية ، عندما يبوق البوق الأخير (1كو 15: 52) وسيأتي المسيح في المجد وستتمجد كنيسته معه. ومن هو خارج رباط هذا الهيكل المقدس لن ينال من المجد شيئا بل من الندم وصرير الاسنان كل شيئ.
في خلق آدم قيل بالوحي تك 2: 15 ” وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا “
✤ كثير من المفسرين قالوا أن الله قد خلق آدم من تراب خارج جنة عدن ، وأن إدخال آدم الى الجنة بواسطة الله تم بعدها مباشرة (راجع تك 2: 7، 15). دخول آدم الى الجنة لم يكن دخولا عادياً وإنما دخولاً مُلكياً -كما ورد في مدراش رباه للتكوين (15: 4)- فهو دخل الى جنة عدن كملك لكي يملك عليها ويتسلط على كل ما فيها من بهائم وطيور واسماك بحسب وصية الله (تك 1: 26). تلك الصورة تعيد لذهننا صورة المسيح –مُصحح عمل آدم- الذي وُلِد خارج اورشليم وبترتيب إلهي وفي يوم أحد السعف (10 من نيسان) دخل الى اورشليم (بيت اليهود الكبير) . وفي هذا اليوم دخل كملك عظيم ليملك عليها -روحياً- مثلما تنبأ زكريا النبي قبلها بقرون عديدة (زكريا 9: 9) “هوذا ملكك يأتي اليكِ”.✤ من جهة أُخرى فبالرغم من أن آدم ليس أول مخلوقات الله فهو قد خُلِق أخيرا في آخر أيام الخلق (اليوم السادس) ، ومع هذا قد نال سلطانا على كل المخلوقات الأُخرى. ولماذا!؟ – لأن آدم أسمى من كل تلك المخلوقات فهو كان مُستقبلا لروح الله بداخله (تك 2: 7). وبالرغم من ان المسيح جاء بعد آلاف السنين من عمر البشرية ووصف الأنبياء وقته بـ”آخر الايام” ، إلا أنه بحق هو فقط من لديه السلطان على الجميع ولماذا!؟ -لأن المسيح أسمى من الكل فمن جهة ناسوته فهو ليس كآدم و كباقي البشر مُستقبلين لروح الله ، وإنما هو واهبه ومُعطيه (يو 15: 26). أما من جهة لاهوته فهو الله -مُتجسدا- هو خالق الانسان وهو له السلطان عليه مثلما للانسان على الحيوان.
✤ الهدف من دخول آدم الجنة كان أن يعمل بها ويحافظ عليها (تك 2: 15) وكذلك كان الهدف من دخول المسيح الى اورشليم كان ان يعمل بها عمله الفدائي ليحفظ البشرية.
✤ آدم هو الانسان الأول وحيث انه نال روح الله القدوس بداخله ، فهو بهذا يُعتبر أول هيكل لله في العالم ، لأن الرسول بولس أخبرنا أن الانسان الذي بداخله روح الله هو بمثابة هيكل إلهي (1كو 3: 16-17) . كانت الوصية لآدم هي أن لا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر ، وهي وصية بسيطة وسهلة ، ومع هذا لم يستطيع آدم ان يحفظها وبالفعل أكل من الشجرة وبدخول الثمرة الى فمه والى داخل جسده هو بذلك قد نجس هيكل الله إذ أدخل جسم مُحرم وممنوع اليه.
✤ وفيما سقط آدم قد ارتفع المسيح . ففي يوم الأثنين دخل المسيح الى هيكل الله ليُطهره ، فطرد كل ما هو غريب عن الهيكل ، قَلَبَ موائد الصيارفة واقفاص الحمام وطرد التجار . بهذا العمل طهر المسيح الهيكل مما ادخله فيه بني آدم . وكأن المسيح بهذا العمل يُعلن انه مُصحِح عمل آدم ، إن كانت خطية آدم هي تنجيس هيكل الله ، فأول ما فعله المسيح في اليوم التالي لدخوله اورشليم كان تطهير هيكل الله. فالمسيح طهر الهيكل الذي افسده آدم بخطيته وافسدناه نحن ومازلنا نفسده أيضاً بآثامنا.
✤ عندما خطأ آدم مباشرة خاط لنفسه ورق شجرة التين ليستتر بها مغطياً عورته. وهذا لم يكن تصرفا سليماً. إن كانت خطية الأكل من الشجرة المحرمة هي الخطية الأولى ، فإن الاستتار بورق التين هو بمثابة الخطية الثانية . لأن آدم ظن أنه يستطيع ان يحجب الخطية عن الله بواسطة ورق التين. وهو ما اثبت الله نفسه أنه خاطئ إذ أنه أعطى لآدم وامرأته لباساً من جلد ليستترا به عوض عن ورق التين.
وفيما سقط آدم قد ارتفع المسيح . فبينما آدم لم يأكل من ثمر شجرة التينة وأكل من الشجرة المحرمة ، وهو فقط أستخدم ورق التينة ليستتر بها ، فإن المسيح وفي يوم الأثنين لعن شجرة التينة المورقة والخالية من الثمر، وفي الحال بدأت تيبس. وفي يوم التالي اندهش التلاميذ لما رأوه اذ ان الشجرة قد يبست بالكامل. في هذا اليوم أسس المسيح سر التوبة والإعتراف.
✤ المشكلة لم تكن في ان آدم حاول ان يستتر ، ولكن المشكلة هي في انه حاول ان يستتر بشكل خاطئ ، الأستتار من الخطية لا يكون بإنكارها كما فعل آدم فعندما ناداه الله ،فهو لم يعترف بخطيته (تك 3: 10) وعندما واجهه الله ألقى باللوم على امرأته (تك 3: 12). بينما الأستتار الحقيقي من الخطية يكون بالتوبة والإعتراف أولاً ثم بالذبيحة ثانياً (لاويين 4) . فخطية ادم أستلزمت موت حيوان برئ عنه وبدلاً منه لكي مايستتر آدم بشكل صحيح.
✤ في هذا اليوم احبائي يبست التينة من جراء لعن المسيح لها . وكأنه بهذا العمل يعلن أن السُترة تكون بالتوبة والإعتراف ثم بالذبيحة ، فإن توبنا نحن وإعترفنا بخطايانا وقبلنا المسيح كونه الفادي ننال الغفران. فالله نفسه ستر خطايا العالم كله بالمسيح الذبيح البرئ ولم يتبقى لنا سوى العمل السهل وهو التوبة والإعتراف.
☜ في هذا اليوم المُبارك نرى المسيح البار مُحاربا للخطية الثانية. في النصف الأول من الاربعة ايام التي كان المسيح فيها بأورشليم اظهر المسيح ذاته كونه البار مُحارب الخطية . وفي النصف الثاني من الاربعة ايام اظهر المسيح ذاته كونه البار الذي سيحمل الخطية التي ليست له.
✤ بينما كان آدم يسير في الجنة ويأكل من الثمار في سلام ،كانت حواء الزوجة تتناقش مع الحية التي أغرتها بأن تأكل من الشجرة وأقنعتها بأن الأكل من الشجرة ليس فيه هلاك وموت وإنما إنتصار وإستزادة . وهو ما جعل حواء تفكر بجدية في أن تأكل من تلك الشجرة ذات المظهر الجيد.
✤ وبينما كان المسيح يسير في أورشليم يصنع سلاما كان يهوذا التلميذ يتناقش مع كهنة ورؤساء اليهود ، قال لنا الوحي أنه إتفق على أن يسلم المسيح لهم ولكن لم يقل الوحي عن الحوار الذي دار بين يهوذا ورئيس الكهنة او فيما كان يُفكر فيه يهوذا. ولكن مع مزيد من التأمل نستنتج أن رئيس الكهنة قد اقنع يهوذا بإنه لو سلم المسيح لهم فهم لن يؤذوه او يميتوه وهو بالظبط ما اقنعت الحية به حواء . ولأن المقابل كان ان يأخذ يهوذا فضة ، فهو استزاغ الامر وبدأ يفكر في الأمر بجدية.
☜ في هذا اليوم نرى المسيح البار -آدم الثاني- الذي سيحمل الخطية التي ليست له.
✤ بالرغم من بساطة تلك الآية إلا انها تحمل الكثير في داخلها من المعاني والتفاصيل . عاش آدم من قبل ان تُخلق حواء مدة لا نعلمها ربما تكون أيام وربما تكون سنين او قرون ، وفي تلك الفترة لم يفكر آدم مطلقا في ان يأكل من شجرة معرفة الخير والشر ،فهو كان بارا ويعيش حياة بر. ولكن عندما خُلِقت حواء وأغرتها الحية، فإنه بدافع حب آدم لها قد أخذ من يدها وأكل من ثمر الشجرة المُحرمة ، والموت كان نصيب من يأكل منها . وكأن آدم بدافع الحب قد أخذ الموت من يد حواء.
✤ تلك الصورة تعيد على ذهننا شخص المسيح الذي هو بلا خطية ولم يعرف خطية مُطلقا لم يكن مجرد شخص بار وانما كان هو شمس للبر كما قال ملاخي النبي (ملا 4: 2). ويا للعجب ، فبدافع الحب والعطف سمح المسيح ليهوذا بأن يُقبِّله وهو يعلم مُسبقا أن يهوذا قد جلب له الموت. وعلى مستوى أعلى نقول ان المسيح بدافع الحب أخذ من الكنيسة خطيتها وحملها في داخله ، فصار المسيح لعنة لأجلنا كما قال الرسول بولس. المسيح قد أخذ الموت المُستحق لنا ، فمات عنا ولأجلنا وكل هذا بدافع الحب.
✤ الموت كان الأكبر والأعظم من بين كل نتائج دخول الخطية للعالم (تك 3). سبق وحذر الله بأن المعصية سينتج عنها الموت في نفس اليوم (تك 2: 17)، وهو ما تحقق فعلاً فمن جهة أولى فإن اللحظة التي أخطأ فيها بدأ جسده في إختبار شئ جديد وهو الفساد والإنحلال والذي هو المرحلة الأولى للموت. ومن جهة أخرى فإن آدم بدل من أن يستمر للأبد ،هو مات قبل أن يتم ألفيته الأولى (تك 5: 5)، بحسب الكتاب فإن اليوم الواحد في نظر الله كألف سنة في نظر البشر (مز 90: 4)، وبهذا يكون آدم قد مات في نفس يوم خطأه. بحسب الكتاب فإن آدم حمل الخطية والموت من يد امرأته بدافع الحب وهو يدرك نتيجة هذا جيداً (1تي 2: 14).
✤ هذا يذكرنا بالمسيح الذي في يوم الجمعة العظيمة أخذ الخطية من العالم (يو 1: 29) وحملها على نفسه بدافع حبه العطيم (افسس 5: 2) وهو كان يدرك أن الموت سيكون النتيجة لتلك الفعلة (مت 20: 18) وهذا لم يجعله يتردد في عمله (في 2: 8).
☜ في هذا اليوم نرى المسيح البار -آدم الثاني- الذي مات من أجلنا بدافع الحب العظيم.
✤ تلك الآية وردت في التفاسير اليهودية بشكل مثير ، فكلمة تغشاني جاءت في الاصل العبري (ישׁופני) وهي تحتمل أيضا معنى الطعن والقتل، كما أن كلمة حولي جاءت في الأصل العبري (בעדני) وهي أيضا تحمل معنى عدني اي جنة عدن خاصتي . فلو أعدنا كتابة الآية بالمعنى الجديد تكون ” إنما الظلمة تطعنني ، فالليل يضئ بعدني ” على أساس هذا المعنى فسر اليهود تلك الآية وقالوا ان آدم كان يعيش في ضياء نور اليوم الأول (الذي هو أقوى سبعين مرة سبع مرات من ضوء اليوم الرابع أي الشمس) ومن شدة هذا النور لم يكن هناك ليل، وآدم لم يعرف قط الظلمة ، لكن حينما اخطأ اختفى نور اليوم الأول العجيب وسرعان ما أدرك آدم الظلمة لأول مرة في عمره كله ، فإرتعب بشدة وظن أن الظلمة هي كائن شرير يريد قتله! . أختلف الربوات في تحديد الوقت الذي اخطأ فيه آدم وفي تحديد الموعد الذي انطفأ فيه العالم وإختفى فيه نور يوم الأول العجيب. ولكن أحد الآراء كان مثير للاهتمام ، فأحد الربوات (في مدراش رباه للتكوين) أعلن أن آدم اخطأ قبل يوم السبت ، ولكن إكراما للسبت فالله لم يخفي نور اليوم الأول في هذا اليوم وانما اليوم التالي للسبت مباشرةً وهو ما يوافق باكر الأحد ، وأن النور انطفأ من تلك اللحظة عن العالم ، والعالم ينتظر نور اليوم الأول الذي سيعيده الله للعالم وقت المسيح.✤ ويا للعجب ، فالمسيح مات على الصليب حاملا الخطية يوم الجمعة وفي وقت وجوده على الصليب اظلمت الشمس في مشهد عجيب استعجب له الرومان واليهود على حدا سواء ، وفي اليوم الثالث وبالتحديد باكر يوم الأحد قام المسيح من القبر بنور عظيم معلنا عن انتصاره على الموت. وفي كل عام وفي قبر المسيح المقدس يظهر نوراً عجيباً لا يضر علامة وشهادة ان يسوع هذا هو المسيح المُنتظر هو النور المخفي و المُنتظر للعالم.