القديس إغريغوريوس النزينزي الثيؤلوغوس الناطق بالإلهيات – حياته، أعماله وفكره اللاهوتي

القديس إغريغوريوس النزينزي الثيؤلوغوس الناطق بالإلهيات – حياته، أعماله وفكره اللاهوتي

القديس إغريغوريوس النزينزي الثيؤلوغوس الناطق بالإلهيات

القديس إغريغوريوس النزينزي الثيؤلوغوس الناطق بالإلهيات – حياته، أعماله وفكره اللاهوتي

أولاً: حياته

هو علم من أعلام الفكر الإنساني، ورائد في اللاهوت الأرثوذكسي القويم، وهلّيني جمع في صدره الحضارتين الإغريقية والمسيحية، وإمام من أئمة الكلمة والتعبير، وخطيب عنيف تتدافع من عقيدته البلاغة الأخّاذة الساحرة، وأديب شاعر كان في عصره ألم من كتب باليونانية شعراً، وأخيراً قديس كره المناصب فقيد إليها مكرهاً، وتعشق العزلة والانفراد بالله فكانت أسقفيته صليباً صلب عليه العالم في سبيل الله والحقيقة.

ولد غريغوريوس نحو 329/330 في مدينة صغيرة تقع في الجنوب الغربي من كبادوكية وتدعى نزينزة، وقيل بل ولد في أرينزة، وهي ضيعة إلى جانب نزينزة كان لذويه فيها منزل وأملاك. وكان والدته نونا امرأة فاضلة عرفت بتقواها وتمسكها الشديد بالعقيدة الكاثوليكية القويمة. أما والده المعروف بغريغوريوس القديم فكان رجل الصراحة الصارمة، والكلمة الحكيمة الحازمة.

انتحل مذهب الهبسترية[1] ردحاً من الزمن ثم اهتدى إلى المسيحية فكان ملء عين المؤمنين الصالحين، وقبيل مولد ابنه انتخب أسقفاً على نزينزة، فكان أباً روحياً للجميع، وأباً بالجسد لثلاثة بنين نشأوا على إيمان عميق، وعلى أخلاق مسيحية عالية.

كان لغريغوريوس الابن طموح في العلم والفضيلة لا حد له، فراح يطلب الفضيلة في ينابيع الحكمة الإلهية، وراح يطلب العلم في كل مكان كان للعلم فيه سلطان: في كبادوكية، وقيصرية فلسطين، والإسكندرية، ولا سيما أثينا منهل العقل والقلب واللسان، حيث لقي باسيليوس (329/ 30 – 379) وربطته به صداقة شهيرة. وقد تخرج الشابان الكبادوكيان على أشهر الأساتذة من مثل ليبانيوس، وهيماريوس، وعمقا في نفسيهما حب الله والخير والصلاح.

وما إن قفلا راجعين إلى كبادوكية، باسيليوس أولاً ثم غريغوريوس (358/359)، حتى عملا على تحقيق الحياة “الفلسفية” التي نسجا خيوطها في أثينا. فانطلق باسيليوس يطلب الوحدة والتهجد، على شاطئ نهير أبريس[2] في أناسوبي، ولحق به صديقه غريغوريوس وفي نفسه ما في نفس صديقه، ولكن أباه استدعاه سنة 361، فعاد إلى نزينزة حيث عمل الجميع على إقناعه بقبول سر الكهنوت، وبعد تخوف رسم كاهناً، ومارس الكهنوت برهة من الزمن وفي سره حنين إلى مشاركة باسيليوس في عزلته وتفرغه للصلاة والتبحر في معاني الكتاب المقدس.

واشتد به الحنين، فهجر الديار وانضم إلى صديقه، وفي سنة 362 رجع إلى نزينزة ليحتفل بعيد الفصح.

في هذه الأثناء برز انشقاق في كنيسة نزينزة أدى إليه تورط الأسقف غريغوريوس الأب في توقيع بيان ريميني وكان لا يخلو من آراء آريوسية. فسعى الكاهن الشاب لدى أبيه وحمله على إعلان إيمانه الأرثوذكسي وأعاد بذلك السلام إلى تلك الكنيسة.

في سنة 370 انتخب باسيليوس اسقفاً على قيصرية ولم تمض سنتان على ولايته حتى حمل صديقه على تحمل أعباء الأسقفية وقام بتنصيبه على مدينة سازيموس سنة 372 عله يكون سداً منيعاً في وجه التيارات الهدامة. ولكن الأسقف الجديد لم يجد في هذا العمل ما يصبو إليه، فتركه وعاد إلى منسكه وقال: “خير لي أن أختبئ في الجبل وأعيش فيه العيشة التي أحب والتي أجد فيها مسرتي”.

ولكن والده، وقد طعن في السن، وثقلت عليه الشيخوخة، دعاه ليشاطره عبء المسؤولية، فلبى الدعوة في غير ابطاء. وعندما توفي الأسقف الشيخ قام مقامه في الخدمة ريثما ينتخب له خلف شرعي، وقد أظهر من الغيرة والحكمة ما لفت إليه الأنظار، فاجتمع عليه آراء الأساقفة، ووقع عليه اختيارهم، فهرب إلى سلوقية ايزوريا يطلب العزلة والتنسك.

وفي سنة 378 توفي الامبراطور فانس نصير الآريوسية وخلفه ثاودوسيوس الذي عرف بميله إلى الأرثوذكسية ومساندته لها فتوجه كاثوليكيّو القسطنطينية إلى غريغوريوس وتوسلوا إليه في امرهم وفي أن يكون لهم راعياً ومشيراً حيث لا راعي ولا مشير، وحيث انقلبت الدنيا إلى صراعات لاهوتية، ومناورات أيديولوجية، وقد توفي باسيليوس سنة 379، فكان وقع النبأ شديداً على نفس صديقه، وبعد تردد مرهق قبل أن ينتقل إلى القسطنطينية، جعل مركزه في كنيسة صغيرة باسم القيامة (أناستاسيا)، وراح من هناك ينثر الحكمة في غيرة رسولية متوقدة.

فكان هذا الانتقال فوزاً للأرثوذكسية، وقد ضجت من جرائه المدينة، وقامت قيامة الآريوسية، وتقارعت البدع والمذاهب، وامتد الحِجاج والنقاش من الساحات العامة والمعابد إلى الأسواق والمنازل والخدور. وفي هذا الجو الفلسفي اللاهوتي الغامر ألقى غريغوريوس سلسلة خطبه اللاهوتية التي دافع فيها عن عقيدة الثالوث، والتي اكسبته لقب “اللاهوتي”.

في أيار من سنة 381 دعاه ثاودوسيوس إلى حضور المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية، ولما توفي ملاتيوس أسقف أنطاكية الذي كان يرئسه، كُلف غريغوريوس بإدارة شؤونه، وما أن ختمت أعماله حتى بادر غريغوريوس إلى الاستقالة من أسقفية العاصمة، وانزوى في خلوة حياته الفلسفية مكبّاً على الصلاة، والتأمل، والدرس، ونظم الشعر، والمراسلة، وظل يهتم بكنيسة نزينزة إلى سنة 383، ثم سلم الأمر إلى ابن عمه أفلاليوس الذي خلفه أسقفاً عليها. وانتقل هو إلى أزينزة حيث توفي سنة 390.

ثانياً: أعماله

لم يكن غريغوريوس من المكثرين في الكتابة ولكن القليل الذي تركه يُعد من أروع من في التراث المسيحي عمقاً وابتكاراً وأسلوباً، وهو يقسم ثلاثة أقسام: الخطب، والرسائل، والشعر. إنه الشاعر الوحيد بين لاهوتيي القرن الرابع.

وهو في نثره وشعره أبداً سيد الكلمة وإمام المنابر، لا يبلغ شأوه أحد من أبناء المسيحية في عصره، فقد تفرد في البلاغة وروعة الأداء، كما تفرد في دقة الفكرة وعمقها، وفي المقدرة على استيعاب الحقائق البعيدة المدى والتعبير عنها تعبيراً تبنته الأجيال والمجامع من بعده، ووجدت فيه كلمة الفصل وجامع الكلمة.

 

1 – الخُطب

لغريغوريوس 45 خطبة هي أروع ما تركه لنا، وقد ألقى أكثرها ما بين سنة 379 وسنة 381، أي في أهم مرحلة من مراحل حياته يوم كان أسقفاً في القسطنطينية وكان أنظار العالم كله شاخصة إليه، وضمنها من أساليب البلاغة والبيان ما اقتضاه الموقف في مدينة جمعت جمعاً غفيراً من العلماء وأرباب الفكر والفلسفة واللاهوت، وكانت ميداناً واسعاً للصراع المذهبي والعقائدي: وسرعان ما أصبحت تلك الخطب مادة دراسة في معاهد الخطابة والبلاغة، ومثالاً يُحتذى على المنابر. وقد أصبحت المواقف الوجدانية، والمقاطع الغنائية فيها منطلقاً لأناشيد دينية وترانيم كنسية رائعة.

 

أ – الخطب اللاهوتية الخمس

نوع هذه الخطب

لقد سميت هذه الخطب “لاهوتية” لا لأنها تتسع للاهوت كما نفهمه اليوم، بل لكونها تبحث في الله نفسه، في وحدته وثالوثه، وهذا موضوع اللاهوت في معناه الضيق والقديم. وهي التي أكسبت غريغوريوس لقب “اللاهوتي”. وهذه الخطب لم ترد بهذا الاسم في المخطوطات المختلفة، فهو مستقى من فحواها ومنطبق تمام الانطباق على ما تهدف إليه. وهي ترد مجموعة معاً وتدل على أنها ألقيت في أوقات غير متباعدة.

 

المكان والزمان اللذان ألقيت فيهما

رأينا في كلامنا على صاحبها أنه ألقاها في القسطنطينية، وموضوعها نفسه وأسلوبها التحليلي والدفاعي يدلان بوضوح على أن جمهور المقبلين على سماعها هو جمهور مدينة كبيرة بساحاتها العامة، وأعيادها، ومشاهدها، وولائمها، جمهور أَلِفَ النقاش اللاهوتي إلى حد الهوس، وأدخله في كل مكان، وجعله للتظرف أحياناً كثيرة.

وكانت المدينة منذ نحو أربعين سنة تخضع للهيمنة الآريوسية، والأقلية الكاثوليكية فيها بلا كنيسة ولا أسقف، وما أن تولى ثاودوسيوس الحكم حتى تبدلت الأمور وتنفست الأرثوذكسية بملء رئتيها، واستعادت الكنائس التي كانت الآريوسية قد استولت عليها، وتعالى صوت خطبائها للدفاع عن الحقيقة وتفنيد حجج الهراطقة.

 

الآريوسية التي حملت عليها

ليست الخطب اللاهوتية أبحاثاً في اللاهوت وحسب، وإنما هي أيضاً رد على الآريوسية ودحض لأضاليلها.

ظهرت الآريوسية في الإسكندرية نحو سنة 320 عندما نهض الكاهن آريوس في وجه أسقفه في موضوع الثالوث، ونادى بالآب إلهاً أسمى، وباللامولودية جوهراً للألوهة، وأنكر أن تكون اللامولودية ميزة أقنومية الآب، وتدرج من ذلك إلى أن ولادة الابن جرت في زمان، ومن أقواله: “الابن خرج من العدم”، “كان زمن لم يكن فيه الابن”، وهكذا فألوهة الابن، في نظره، هي ألوهة نسبية، ألوهة بالتبني، وذلك لأن الآب خلق به ما خلق.

وراح آريوس يدعم آراءه بنصوص من الكتاب المقدس في غير تمييز. وقد قاده ضلاله إلى إنكار ألوهة الروح القدس أيضاً، وإلى أنه من صنع الابن. فشجب أسقف الإسكندرية هذه الآراء، وواجه عناد صاحبها بمجمع إقليمي دعا إليه، فزاد ذلك آريوس عناداً، وراح يضرب في البلاد، وراحت تعاليمه تنتشر ويتسع انتشارها، وكان ذلك سبب انعقاد المجمع المسكوني الأول في نيقية سنة 325، وصدور قانون الإيمان النيقوي الذي أقر نص العقيدة الأرثوذكسية في غير غموض ولا التباس.

ومع ذلك كله فقد ظلت الآريوسية متجذرة في الشرق على تشعب وتفرع، ومن أشهر فروعها الأفنوميون وعلى رأسهم أفنوميوس الذي أنكر ألوهة الابن والروح القدس، وأظهر من البلاغة والبراعة في التحليل، والحذلقة في الجدل ما ضلل الكثيرين. فغريغوريوس يتوجه إليه وإلى أتباعه بالتنديد والحجاج باسطاً العقيدة الأرثوذكسية النيقوية في غير مداورة ولا اعوجاج، ومفنداً آراء خصومه بكلام حافل بالآيات الكتابية، وبالأقيسة البرهانية التي لا تقرع.

كان أفنوميوس من أصل وضيع، وقد قاده حب العلم، والرغبة في التعلم، إلى الإسكندرية مدينة النور لذلك العهد، فعمل لدى ركن من أركان الآريوسية وتتلمذ له، وفي سنة 360 ظهر شماساً إنجيلياً في أحد مجامع القسطنطينية، ثم أسقفاً في مدينة قزيكا، وكثيراً ما نراه في القسطنطينة معلماً وعاملاً على إنشاء كنيسة منشقة تدين بآرائه وتدعو إلى اتباعه. وفي سنة 383 طرده الامبراطور ثاودوسيوس إلى كبادوكية موطنه الأصلي حيث توفي ما بين سنة 392 وسنة 295.

 

خلاصتها

وهذا الخطب، وإن كانت دفاعية في الدرجة الأولى، هي ثمرة النضوج في دراسة العقيدة الثالوثية. أما الخطبة الأولى فهي بمثابة مقدمة عامة للأربع الأخرى، وهي تعالج الشروط التي لا بد منها لمناقشة الحقائق اللاهوتية. وأما الخطبة الثانية فهي تعالج اللاهوت في ذاته، أي وجود الله وطبيعته وصفاته بقدر ما يستطيع العقل البشري أن يدركها ويحيط بها.

وأما الثالثة فهي تبين وحدة العقل البشري أن يدركها ويحيط بها. وأما الثالثة فهي تبين وحدة الطبيعة عن الأقانيم الثلاثة، ولا سيما ألوهة الكلمة (اللوغوس) ومساواته للآب. وأما الرابعة فهي تفنيد ودحض لاعتراضات الآريوسيين على ألوهة الابن وإيضاح معنى النصوص الكتابية التي يتسلحون بها لدعم مذهبهم. وأما الخامسة فهي دفاع عن ألوهة الروح القدس.

 

ب – الخُطب الأخرى

لغريغوريوس خطاب في رتبة الأسقفية وفيه إلى جانب موضوعه تحديد واسع لعقيدة الثالوث، وخطاب في موضوع الجدل والنقاش وضرورة التأني والانضباط فيه، وخطابان دفاعيان موجهان إلى يوليانوس الجاحد، الذي عرفه غريغوريوس في أثينا، وفيهما ثورة نفسية شديدة وسورة غضب لا حد لها؛ ومجموعة من الخطب الوعظية والتأبينية، ألقاها الخطيب في الأعياد الكبرى، أو أبّن فيها المكابيين، والقديس قبريانوس القرطاجي، والقديس أثناسيوس، ومكسيموس الفيلسوف، وشقيقته غرغونية، وصديقه باسيليوس.

وله إلى ذلك مجموعة كبيرة من خطب المناسبات، ضمن بعضها كلاماً مفصلاً على الكهنوت ومسؤولياته كان في أساس البحوث الستة التي وضعها القديس يوحنا الذهبي الفم في موضوع الكهنوت، وفي أساس القانون الراعوي الذي وضعه القديس غريغوريوس الكبير.

2 – الشعر

نظم غريغوريوس الشعر في أواخر حياته وفي خلوة أرينزة ليُبين أن الحضارة الجديدة المسيحية ليست دون الحضارة الوثنية شأناً، ولينافس الهراطقة، ولا سيما أبوليناروس، الذين عملوا على نشر بعض آرائهم بالأسلوب الشعري وبالكلام الموزون.

فلدينا منه خمس وثلاثون قصيدة عقائدية في الثالوث، وعمل الله الخلقي، والعناية الإلهية، والتجسد، ومعجزات المسيح وما إلى ذلك، وأربعون قصيدة أخلاقية، ومئتان وست قصائد تاريخية فيها سيرة حياته، وقد ضمنها آراءه وعواطفه، ومحبته لذويه وأصدقائه الذين غادروا هذه الدنيا، وآماله ورغباته، وما إلى ذلك مما جعل هذا القسم من المجموعة الشعرية حافلاً بالروعة والجمال.

وقد عدت سيرة حياته الشعرية خير ما كتب في فن السيرة عند الاغريق. ونحن نلمس في هذه القصائد المختلفة حياة صاحبها الداخلية، وما يغتلي فيها من إيمان وغيرة واندفاع، وهي في ذلك أشبه باعترافات القديس اوغسطينوس.

 

3 – الرسائل

كان غريغوريوس مترسلاً فذاً، وقد وضع في فن الترسل دراسة قيمة واشترط فيها للرسالة الناجحة أن تكون موجزة، وواضحة، وطريفة، وبسيطة، ورسائله، وإن كانت دون رسائل باسيليوس أهمية، تتفوق عليها فناً وروحاً. وقد كتب غريغوريوس مئتين وخمساً وأربعين رسالة، وجه معظمها إلى ذويه وأصدقائه.

لبعض هذه الرسائل أهمية لاهوتية، ولا سيما الرسالتين اللتين وجههما إلى الكاهن كليدونيوس نحو سنة 482، وضمنهما خطة الرد على الأبوليناروسيين. وقد اعتمد منهما مجمع أفسس (431) مقطعاً كبيراً، واعتمدهما بكاملهما مجمع خلقيدونية (451).

 

ثالثاً: لاهوت غريغوريوس

كان لباسيلوس تأثير على غريغوريوس في موضوع اللاهوت، وقد أعلن ذلك غريغوريوس في رسالة وجهها إلى باسيليوس فقال: “اتخذتك منذ البدء ولا أزال أتخذك دليلاً ومرشداً ومعلماً في اللاهوت”. وإنه وإن أعلن ذلك، يتجلى في دراساته تفوقه على صديقه أسقف قيصرية في التعبير اللاهوتي، وفي كنه اللاهوت على أنه علم، وفي النظرة العميقة إلى قضاياه. فهو “اللاهوتي” بأدق ما لهذه اللفظة من معنى.

وقد عالج في آثاره طبيعة اللاهوت وموضوعه، ومصادره، كما عالج الطريقة اللاهوتية معالجة وافية، والميزات التي يجب أن يتصف بها اللاهوتي، وتطرق إلى قضية العقل والإيمان، وإلى سلطة الكنيسة في شأن العقائد التي تعلنها.

 

1 – عقيدة الثالوث

كثيراً ما يتوقف غريغوريوس في شتى خطبه عند عقيدة الثالوث وكأنها هاجس لا يفارقه. فيدافع عنها في غير ملل، ويجد في التطلع إليها متعة لقلبه وروحه. قال في خطبة له عن المعمودية ملخِّصاً تعاليمه:

“إن أعطيك إعلان الإيمان هذا دليلاً وملاذاً تحتفظ به حياتك كلها: ألوهة واحدة، وقدرة واحدة في الثلاثة موحدين، وفي كل منهم منفصلين، لا أنهم غير متساوين في الجوهر أو في الطبيعة، ولا أنهم مزيدون أو منقصون بالإضافة أو بالطرح؛ إنهم متساوون من كل وجه، وهم حقيقة واحدة، كما أن جمال السماوات وعظمتها شيء واحد. ارتباط لا متناه لكائنين ثلاثة غير متناهين.

كل منهم بمفرده إله، كما الآب كذلك الاين، وكما الابن كذلك الروح القدس، يمتاز كل منهم بأقنوميته الخاصة، الثلاثة إله واحد في اجتماعهم. كل منهم إله من حيث وحدة الجوهر، وإله واحد من حيث المونرخيّا”.

وإننا إذا قارنا تعليم غريغوريوس بتعليم باسيليوس في شأن اللاهوت رأينا أن الأول أكثر تشديداً على الوحدة والمونرخيا، وعلى سيادة الله المطلقة الواحدة، وأوضح تحديداً للعلاقات الإلهية، وهذه العلاقات التي أكب غريغوريوس على ابرازها كانت عبر الأيام أساساُ لجميع الدراسات التي أنشئت في موضوع الثالوث، وغريغوريوس ينطلق من هذه العلاقات لكي يبرهن على اشتراك الأقانيم الثلاثة في الخلود، وعلى وحدة الجوهر فيهم، وذلك في وجه الهراطقة الذين أحدثوا في الثالوث انفصاماً جوهرياً.

وفيما يقف باسيليوس عند الابن فيما هو من العلاقة، نرى غريغوريوس يمتد فيها إلى الروح القدس، وهكذا كان غريغوريوس أول من حدد بوضوح ميزات الأقانيم الخاصة، وقدم للتاريخ ولعلم اللاهوت فكرة الترابط المصدري في الثالوث على أنه العلاقات المميزة.

وغريغوريوس يتفوق على باسيليوس أيضاً في كونه يعلن أن ميزات الأقانيم الخاصة هي اللامولودية (الآب)، والمولودية (الابن)، والانبثاق (الروح)، وهكذا يحدد بوضوح ميزة الروح القدس الخاصة على أنها الانبثاق، فيما يتوقف باسيليوس عند الآب والابن، ويعلن عجزه عن إبراز ميزة الروح القدس. يقول غريغوريوس: “الآب هو اسم من لا مصدر له، والابن اسم من ولد في غير بدء، والروح القدس اسم من انبثق أو أتى من غير ولادة”.

 

2 – الروح القدس

لقد تردد باسيليوس في إعلان حقيقة الروح القدس، أما غريغوريوس فقد أعلن ألوهته بوضوح وفي غير تحفظ ودعاه “الله”. ومن أقواله: “حتّام نجعل المصباح تحت المكيال، ونحزم الناس من معرفة ألوهة الروح القدس معرفة كاملة؟ إنه من الأفضل أن نجعل المصباح على المنارة فينتشر نوره في الكنيسة كلها، وفي جميع النفوس”.

 

3 – المسيح

كان للكنيسة وللمجامع المسكونية على مر العصور ينبوع فياض في رسائل غريغوريوس وخطبه، فقد دافع بدقة ووضوح عن كمال إنسانية المسيح، وهاجم أبوليناريوس الذي كان يرى في المسيح جسداً بغير روح إنسانية، وقال ب “اللوغوس إنسان” لا ب “اللوغوس جسد”؛ ونادى بأن الإنسانية في المسيح جسد وروح، وبأن في المسيح طبيعتين: طبيعة إلهية وطبيعة بشرية. وهو يقول: “إن الطبيعتين في المسيح متحدتان اتحاداً كاملاً إذ أن الألوهة تأنست، والإنسان تأله”.

وغريغوريوس يعلن أيضاً أن الطبيعتين في المسيح طبيعتان لشخص واحد: “لقد تنازل ليكون واحداً مؤلفاً من اثنين، طبيعتان تلتقيان في ابن واحد لا في اثنين”.

 4 – مريم العذراء

لقد أصبح الاسم “ثاوتوكوس” مع غريغوريوس حجر الزاوية في الأوثوذكسية وذلك قبل مجمع أفسس (431)، وقال:

“من أنكر أن تكون الطوباوية مريم والدة الإله فقد انفصل عن اللاهوت. من ادعى أن المسيح مر في العذراء كما في قناة. من غير أن يتكون فيها إلهياً وإنسانياً معاً، إلهياً أي بغير وساطة رجل، وإنسانياً أي بحسب نظام الحبل، فقد خرج من العقيدة وكان كافراً. من قال بأن إنساناً بأن إنساناً تكون أولاً، وأن الألوهة ألقيت عليه بعد ذلك، وجب تجريمه أيضاً لأنه أزال الولادة الإلهية ولم يُبق منها إلا ظاهر الولادة.

من ذهب إلى أن هنالك ابنين، واحداً من الله، وآخر من الأم، ملغياً الوحدة والإنيّة، فليكن محروماً من التبني الذي وُعد به المؤمنون إيماناً قوياً… من ادعى أن جسده نزل من السماء ولم يكن من ههنا…. فليكن مُبْسَلاً…”.

 

5 – الإفخارستيا

يرى غريغوريوس أن في الإفخارستيا ذبيحة سرية حقيقية. جاء في إحدى رسائله: “إن لسان الكاهن ينهض بالمريض عندما يكون في تأمل أمام السيد، فاصنع أكثر من ذلك وأنت تحتفل بالليتوروجيا، وحلّني من خطاياي الكثيرة عندما تكون ذبيحة القيامة بين يديك. يا صديقي الكريم، لا تتوقف عن الصلاة من أجلي والشفاعة فيّ، عندما تُنزل الكلمة بكلمتك، وعندما تفصل، بطريقة سرية وغير دموية، جسد الرب عن دمه، جاعلاً صوتك بمثابة الحرية”.

وهكذا فغريغوريوس رائد من رواد العقيدة الأرثوذكسية وكوكب اهتدت بنوره الكنيسة عبر العصور، وكلمة حق تمجد بها الكلمة الأزلي، ولنا الأمل الوطيد في أن تكون خطبه اللاهوتية خمير تجدد في شرقنا العزيز، وأن تكون منهلاً محيياً لطالبي الورود والحياة.

 

[1] نحلة ظهرت في القرن الرابع بكبادوكية وبقيت إلى القرن التاسع في القسطنطينية وقد عبدت الإله الواحد الأسمى ومن هنا اسمها، كما عبدت النور والنار، وقدست السبت، وتنكرت للأصنام والذبائح.

[2] ايريس: نهير ينبع في أرمينيا ويصب في البحر الأسود.

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

هل الله يتغير؟ وهل يعبد المسيحيون الجسد؟ – المذيع المسلم يذيعها مدوية: أنا لا أعرف شيء

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

القديس غريغوريوس النزينزي – حياته، أعماله وفكره اللاهوتي

الاستنارة الروحية (1) – د. موريس تاوضروس

الاستنارة الروحية (1) – د. موريس تاوضروس

الاستنارة الروحية (1) – د. موريس تاوضروس

الاستنارة الروحية (1) – د. موريس تاوضروس

1- مفهوم كلمة ” الاستنارة ”:

عملية الإنارة أو الإضاءة أو التنوير، تسمى باليونانية Φωτισμός وترتبط بالكلمة Φώτισμα التى تعنى أيضًا إنارة أو إضاءة وتستخدم عن المعمودية (انظر Patristic Greek Lexicon Lampe)

والآباء فى حديثهم عن المعمودية يؤكدون أهمية المعمودية فى الإنارة الروحية، فالقديس كلينضس الأسكندرى يقول: “إذ نعتمد نستنير”، والقديس باسيليوس الكبير يقول: “المعمودية ثوب منير”، والقديس مار إيوانيس الدارى السريانى يقول: “للمعمودية مفعولان رئيسيان هما: 1 ـ التطهير 2ـ الاستنارة”. ويشرح الاستنارة بأنها استنارة القلب بالنعمة الإلهية والفضائل السماوية التى بها يصبح المؤمن بارًا وابنًا لله ووارثًا للحياة الأبدية.

ويقول أيضًا إن ” هذا اللقب ـ أى الاستنارة ـ صار لقبًا مختصًا بسر المعمودية يميزها عن باقى الأسرار. وإن كانت الأسرار الأخرى هى أيضًا أنوار، غير ان سر المعمودية من حيث إنه يعطى النور الأول، احتفظ بهذا اللقب بذاته دون غيره”[1].

والقديس غريغوريوس النزينزى يقول عن المعمودية: [إنها ضياء النفوس ـ اشتراك فى النور ـ كمال العقل][2].

والقديس مقاريوس المصرى يقول: [ فى القديم كانت لهم معمودية لتطهير الجسد، أما عندنا نحن فتوجد معمودية الروح القدس والنار، وهكذا فإن المسيحيين يحصلون على مجد النور فى داخل نفوسهم، أما الظلمة ـ إذ لا تحتمل لمعان النور تضمحل وتهرب] [3].

ويقول أيضًا: [ حينما تعدى الإنسان الوصية ألقى الشيطان على النفس حجابًا مظلمًا، ثم تأتى النعمة فتزيل الحجاب تمامًا، حتى أن النفس إذ تصير نقية، وتستعيد طبيعتها ألأصلية وتصير صافية بلا عيب، فإنها تنظر دائمًا بصفاء ـ بعينها النقية ـ مجد النور الحقيقى ، وشمس البر الحقيقية ساطعة بأشعتها داخل القلب نفسه][4].

ولقد سبق للرسول بولس أن ربط بين فاعلية المعمودية والاستنارة الروحية للمؤمن فقال: ” لكى تذكروا الأيام السالفة التى فيها بعد أُنرتم، صبرتم على مجاهدة الآلام الكثيرة” (عب32:10).

والربط بين الاستنارة الروحية والمعمودية، يعنى أن الاستنارة الروحية هى المدخل الأول للحياة المسيحية أو هى العلامة الفاصلة بين المؤمن وغير المؤمن، وهى العودة بالإنسان إلى حالته الأولى قبل السقوط، وإلى عمل نعمة روح الله فى بناء حياتنا الروحية. ولذلك فإنه يُلاحظ فى طقس المعمودية، أن الاتجاه إلى الشرق يعنى طلب النور باعتبار أن النور ينتشر فى الكون من الشرق، وكما قال الرسول بولس: ” الذى قال أن يشرق نور من ظلمة هو الذى أشرق فى قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله فى وجه يسوع المسيح” (2كو6:4).

وتحدث ملاخى النبى عن المسيح باعتباره النور الذى أشرق علينا: ” ولكم أيها المتقون اسمى تشرق شمس البر والشفاء فى أجنحتها” (ملا2:4)، وفى الإنجيل للقديس لوقا، يرتبط مجئ السيد المسيح وبالإضاءة والإنارة والاستنارة: ” ليضيئ على الجالسين فى الظلمة وظلال الموت، لكى يهدى أقدامنا فى طريق السلام” (لو79:1)، وكما جاء أيضًا فى الإنجيل للقديس متى مقتبسًا من نبوة إشعياء: ” الشعب الجالس فى ظلمة أبصر نورًا عظيمًا، والجالسون فى كورة الموت وظلاله أشرق عليهم نور” (مت16:4).

وللارتباط القوى بين الحياة والنور، أصبح الشرق رمزًا للحياة، كما يقول المرتم: ” عندك ينبوع الحياة، بنورك يارب نعاين النور” (مز9:36)، ويقول النبى حزقيال: ” وإذا بمجد إله إسرائيل جاء عن طريق الشرق” (حز2:43)، كما أصبح الاتجاه نحو الغرب يعنى الظلمة؛ والظلمة تعنى الخطية والشر. ومن الطريف الربط هنا بين الكلمة اليونانية κακία التى تعنى الشر، وبين الكلمة القبطية χακι (كاكى) ـ وهى قريبة من الكلمة اليونانية ـ وتعنى الظلمة[5].

والرسول يوحنا يسهب فى الربط بين الظلمة وبين الشر، وعلى عكس ذلك يربط بين حياة النور وحياة الرب، فهو يقول: ” إن الله نور وليس فيه ظلمة البتة، إن قلنا إن لنا شركة معه، وسلكنا فى الظلمة نكذب ولسنا نعمل الحق، ولكن إن سلكنا فى النور كما هو فى النور فلنا شركة بعضنا مع بعض ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية” (1يو5:1ـ7). ويقول أيضًا: ” وصية جديدة أكتب لكم ما هو حق فيه وفيكم، أن الظلمة قد مضت والنور الحقيقى الآن يضيئ.

من قال إنه فى النور وهو يبغض أخاه فهو إلى الآن فى الظلمة. من يحب أخاه يثبت فى النور وليس فيه عثرة، وأما من يبغض أخاه فهو فى الظلمة، وفى الظلمة يسلك ولا يعلم أين يمضى لأن الظلمة أعمت عينيه” (1يو8:2ـ11).

2 ـ الحاجة إلى الاستنارة:

يقول القديس مقاريوس الكبير:

[وحينما صنع الله جسدنا هذا فإنه لم يمنحه أن تكون له حياة لا من طبيعة الله الخاصة ولا أن يحيا الجسد بذاته… ولا يمكن للجسد أن يعيش بدون الأشياء الخارجة عنه، أى بدون الطعام والشراب واللباس، فإن حاول أن يعتمد على طبيعته وحدها دون أن يأخذ شيئًا من الخارج فإنه يضمحل ويموت.

وهذا هو نفس الحال بالنسبة للنفس أيضًا فهى لا تملك النور الإلهى رغم أنها مخلوقة على صورة الله، وهكذا نظم الله أحوالها وقد سُر بأن لا تحصل على الحياة الأبدية من طبيعتها الخاصة، ولكن من لاهوته، أى من روحه، ومن نوره، تنال طعامًا وشرابًا روحانيًا، ولباسًا سماويًا وهذه هى حياة النفس، أى الحياة بالحقيقة] (المرجع السابق ص33).

وعن حالة آدم قبل أن يخطئ، قال القديس مقاريوس: [ كان كلمة الله معه وكان هو معلّمه وقد ألهمه أن يعطى أسماء لكل الأشياء. وكما كان يتعلم آدم من الكلمة هكذا سمى الأشياء جميعها].

ولما سُئل القديس مقاريوس: هل كل لآدم اختبار الروح وشركته، أجاب قائلاً: ” الكلمة نفسه بحضوره مع آدم، كان كل شئ بالنسبة له سواء كان معرفة أو اختبارًا أو ميراثًا أو تعليمًا أو إرشادًا، إذ ماذا يقول يوحنا عن الكلمة؟ ” فى البدء كان الكلمة” فأنت ترى أن الكلمة هو كل شئ وكائن قبل كل شئ. فإن كان لآدم (قبل السقوط) مجد خارجى حاضر معه فلا نستغرب أو نعثر من ذلك عندما يقول الكتاب: إنهما عريانيين وهما لا يخجلان، فلما تعديا الوصية انفتحت أعينهما فخجلا واختبئا من الله (انظر تك25:2، 10،7:3).

لو كانت الطبيعة الإنسانية لها القدرة بدون سلاح الروح القدس الكامل أن ” تقف ضد مكايد إبليس” (أف11:6) لما كان الرسول قد قال بتأكيد ” إله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعًا” (رو20:12).

أيضًا يقول: [ الويل على النفس التى لا يكون فيها المسيح الربان الحقيقى، فإنها توجد فى بحر مرارة الظلمة المرعب وتلاطمها أمواج الشهوات وتصدمها وتضربها عواصف أرواح الشر وتنتهى بالهلاك] [6].

[توجد عيون داخلية أعمق من هذه العيون الطبيعية ويوجد سمع أعمق من هذا السمع. وكما أن هذه العيون الجسدية تنظر وجه الصديق أو المحبوب وتتعرف عليه فإن عيون النفس المستحقة المؤمنة بسبب نوالها الاستنارة الروحية بنور الله، فإنها تنظر الصديق الحقيقى الذى هو العريس المحبوب جدًا والحلو جدًا أى الرب، وتتعرف عليه، إذ تكون النفس مملوءة ومشمولة بإشراق الروح الممجد][7].

لإن [النفس إن لم تولد الآن فى ” أرض الأحياء” (مز13:27) وتستمد غذاءً روحيًا منها وتنمو نموًا روحيًا أمام الرب وتكتسى من اللاهوت بحلل الجمال السماوى التى تفوق الوصف، فإنها بدون ذلك القوت لا يمكنها أن تعيش من نفسها فى فرح وراحة. إن الطبيعة الإلهية فيها خبز الحياة الذى قال ” أنا هو خبز الحياة ” (يو35:6)، “والماء الحى” (يو10:4)..” وزيت الابتهاج” (مز7:45)، وجميع أصناف طعام الروح السماوى ولباس النور، تلك التى تأتى من الله.

وفى هذه الأشياء تكون حياة النفس الأبدية. ويل للجسد حينما يعتمد على طبيعته الخاصة لأنه حينئذ يضمحل ويموت، وأيضًا ويل للنفس إن استندت على طبيعتها الخاصة ولم تضع ثقتها فى شئ سوى أعمالها الخاصة، ولم تنل شركة روح الله، فإنها تموت إذ أنها لم تحصل على حياة اللاهوت الأبدية الممنوحة لها] [8].

[ إن كل نفس لا تُصلّح وتُملّح بالروح القدس ولا تشترك فى الملح السماوى الذى هو قوة الله فإنها تفسد وتمتلئ برائحة الأفكار الرديئة الكريهة حتى أن وجه الله يتحول عن الرائحة المرعبة النتنة، رائحة أفكار الظلمة الباطلة وعن الشهوات التى تسكن فى مثل هذه النفس. والدود الشرير المرعب، الذى هو أرواح الشر وقوات الظلمة، تتمشى وتتجول فيها، وتسكن هناك، وتختبئ وتدب فيها وتأكلها وتأتى بها إلى التحلل والفساد. كما يقول المزمور ” قد أنتنت وقاحت جراحاتى ” (مز5:38)] [9].

3 ـ الاستنارة غير الوحى:

الاستنارة ليست وحيًا، والوحى ليس درجة عالية من الاستنارة، لأن المستنير ليس معصومًا من الخطأ، بينما أن الوحى يعصم الكاتب من الوقوع فى الخطأ. والاستنارة ليست على مستوى واحد عند جميع الناس، بينما لا يختلف الوحى فى درجته بين شخص وآخر، أو بالنسبة للكاتب الواحد بين عبارة وعبارة.

4 ـ الاستنارة تشمل الإنسان كله:

الاستنارة تشمل الإنسان كله، شخصه وما يصدر عنه من قول وفعل. فلا يمكن أن يكون هناك إنسان مستنير ويصدر عنه عمل أو قول غير مستنير، ولذلك ـ فى سفر الأمثال ـ سُمى السلوك بالنور ” أما سبيل الصديقين فكنور مشرق يتزايد وينير إلى النهار الكامل” (أم 18:4). كما عندما نتكلم عن شخص، فإن هذا الإيمان يشمل الشخص نفسه وأقواله وأفعاله وكل ما يصدر عنه.

المؤمن ليس هو الذى يؤمن فقط أن المسيح إله أو يؤمن بالثالوث القدوس، لكن الإيمان يظهر فى قوله وفى عمله وفى تصرفاته، ويظهر الإيمان فى ظروف حياته المختلفة.. فى فرحه يفرح فرح الإيمان، وفى حزنه يحزن حزن الإيمان، وفى رجائه يرجو رجاء الإيمان، وفى ضيقه يصبر صبر الإيمان، وفى علمه يُعلِّم تعليم الإيمان، وكما يقول الكتاب: ” فليضيئ نوركم قدام الناس لكى يروا أعمالكم الصالحة، ويمجدوا أباكم الذى فى السموات” (مت6:5). فالأعمال هنا هى نور مضئ. كل شئ يصدر عن المؤمن يكون كالنور المضيئ ” إن كان جسدك كله نيرًا ليس فيه جزء مظلم، يكون نيرًا كله، كما حينما يضيئ لك السراج بلمعانه” (لو37:11).

5 ـ الاستنارة ترتبط بإنارة الآخرين:

الاستنارة تحمل بطبيعتها الإشعاع على الآخرين، تمامًا كما لا يمكن أن يُوجد نور بدون إشعاع. ولذلك قيل عن السيد المسيح إنه “نور الناس”، ” والنور يضيئ فى الظلمة“، وقيل     ” كان النور الحقيقى الذى ينير كل إنسان آتيًا إلى العالم” (يو4:1و5و9). وقال المسيح عن نفسه: ” أنا هو نور العالم” (يو12:8). وعندما تحدث بولس الرسول عن رسالته قال: ” هكذا أوصانا الرب. قد أقمتك نورًا للأمم لتكون أنت خلاصًا إلى أقصى الأرض” (أع47:13). الشخص المستنير يعمل على إنارة الآخرين، كما قيل فى نبوة إشعياء عن المسيح: ” وأجعلك نورًا للأمم لتفتح عيون العمى، لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين فى الظلمة” (إش7:42).

6 ـ الاستنارة هى من طبيعة واحدة ولكنها ليست على درجة واحدة:

أ ـ فهى من حيث إنها من طبيعة واحدة، يقول القديس مقاريوس الكبير:

[ كما أن الأنوار والمصابيح الكثيرة تشتعل من نار واحدة، وهذه الأنوار والمصابيح المشتعلة هى من طبيعة واحدة، كذلك المسيحيون يشتعلون ويضيئون من طبيعة واحدة، هى النار الإلهية أى ابن الله، ولهم مصابيحهم مشتعلة فى قلوبهم وتضيئ قدامه].

ب ـ ومن حيث اختلاف الدرجة: يقول القديس يوحنا السُّلمى:

[ التمييز عند المبتدئين هو معرفة ذواتهم معرفة حقيقية، أما عند المتوسطين فهو حس داخلى يميز السجية الصالحة حقًا عن السجية الطبيعية وعن السجية الرديئة، وأما عند الكاملين فهو معرفة ناتجة عن استنارة إلهية تستطيع أن تضيئ بمصابيحها ما هو مُظلم عند الآخرين. ولعل تحديد التمييز بصورة عامة هو أنه معرفة ثابتة لمشيئة الله فى كل ظرف وفى كل آن ومكان، تتوفر فقط لأنقياء القلوب والأجساد والأفواه][10].

ولقد سبق وتناول بولس الرسول الحديث عن الاختلاف فى درجة الاستنارة فى رسالته إلى العبرانيين فقال: ” لأنكم إذ كان ينبغي أن تكونوا معلمين لسبب طول الزمان، تحتاجون أن يعلمكم أحد ما هي أركان بداءة أقوال الله وصرتم محتاجين إلى اللبن لا إلى طعام قوي. لأن كل من يتناول اللبن هو عديم الخبرة في كلام البر لأنه طفل. وأما الطعام القوي فللبالغين الذين بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدربة على التمييز بين الخير والشر” (عب 12:5ـ14).

ويلاحظ فى عبارات بولس الرسول ما يلى:

1 ـ عندما يقول ” ما هى أركان بداءة أقوال الله“، فإنه يستعمل فى اللغة اليونانية لكلمة “أقوال” صيغة التصغير فتعنى الكلمة ” أقوالاً مختصرة” .

2 ـ باعتبار أنهم فى حالة الطفولة فى الحياة الروحية، فلا يناسبهم أن يقدم لهم تعاليم متقدمة يصعب عليهم فهمها إذ ليس لهم خبرة روحية ولا يستطيعون أن يتعرفوا على التعاليم التى تكون على درجة عالية من التقدم والتى تقود إلى حياة التبرير وإلى الحياة الفاضلة المسيحية.

وحالة الطفولة فى الإيمان تكلم عنها بولس الرسول فى مواضع أخرى من رسائله فقال فى أفسس ” كى لا نكون فيما بعد أطفالاً مضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم بحيلة الناس بمكر إلى مكيدة الضلال” (أف14:4)، وقال فى رسالته الأولى إلى كورنثوس:   ” لما كنت طفلاً كطفل كنت أتكلم وكطفل كنت أفطن وكطفل كنت أفتكر، ولكن لما صرت رجلاً أبطلت كل ما للطفل” (1كو11:13). وقال أيضًا: ” أيها الاخوة لا تكونوا أولادًا فى أذهانكم بل كونوا أولادًا فى الشر، وأما فى الأذهان فكونوا كاملين” (1كو20:14).

3 ـ إن التعاليم الروحية العميقة هى من أجل المسيحيين الناضجين الذين بواسطة المران والاعتياد صارت لهم الحواس الروحية مُدربة على أن تميز بسهولة ويُسر بين الخير والشر وبين الحقيقة والباطل. ومعنى هذا أنه كما أن لدينا حواس جسدانية فلنا أيضًا حواس روحية. لنا أعين روحية ـ ولنا إذن روحية ـ ولنا تذوق روحى. هذه الحواس الروحية يتعطل عملها بالخطية، غير أنها تكتسب صحتها وقوتها بواسطة عمل نعمة الروح القدس.

4 ـ كلمة ” البالغين ” أى الكاملين، غالبًا يستعملها الرسول بولس فى المقارنة مع الأطفال غير الناضجين.

5 ـ الحواس = ملكات الإدراك العقلية.

6 ـ مدربة أى مروضة كما قيل ” روض نفسك للتقوى” (1تى7:4).

7 ـ التمييز بين الخير والشر: كما قيل فى رسالة فيلبى ” حتى تميزوا الأمور المتخالفة” (فى10:1)، ” وأريد ان تكونوا حكماء للخير وبسطاء للشر” (رو19:16)، ” زبدًا وعسلاً يأكل متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير” (إش15:7).

(يتبع)

[1] الأسرار السبعة: تأليف المطران (حاليًا البطريرك زكا عيواص الأول)، والأب الربان (حايًا المطران) اسحق ساكا ـ بغداد 1970 ص 32ـ35.

[2] Greg. Naz. 36, 361.

[3] عظات القديس مقاريوس الكبير ـ طبعة ثانية ـ ترجمة د. نصحى عبد الشهيد، 1991 ص345.

[4] المرجع السابق ص 178.

[5] الأنبا متاؤس: أسرار الكنيسة السبعة ـ الجزء الأول ـ 1991، ص 24ـ25.

[6] المرجع السابق: ص259.

[7]  المرجع السابق، ص260.

[8] المرجع السابق، ص 33و34.

[9] المرجع السابق، ص28.

[10] يوحنا السُّلمى: السُّلم إلى الله ـ تعريب رهبنة دير مار جرجس الحرف ـ منشورات النور ـ لبنان 1980 ص 143.

الاستنارة الروحية (1) – د. موريس تاوضروس

التعليم عن الخلاص في القداس الغريغوري – د. رودلف مرقس يني

التعليم عن الخلاص في القداس الغريغوري – د. رودلف مرقس يني

التعليم عن الخلاص في القداس الغريغوري – د. رودلف مرقس يني


التعليم عن الخلاص فى ليتورجية القديس غريغوريوس النيزينزي 
د. رودلف مرقس ينى [1]

مقدمة:

ليتورجية القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات هى إحدى الليتورجيات المستخدمة فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ، وهى من الليتورجيات القليلة الموجهة للابن والباقية إلى الآن. وقد ذكر جريجورى ديكس فى كتابه ” شكل الليتورجيا ” أن الليتورجيات التى تخاطب الابن كانت معروفة فى العالم القديم ، وهى تقليد قديم لدى السريان ؛ من ذلك ليتورجية القديس أداى ومارى (Adai and Mari) والليتورجيات الأخرى الكثيرة التى اشتُقت منها . وقد أحصى ديكس أيضًا ثلاث ليتورجيات إثيوبية، وليتورجية مصرية أخرى قديمة موجهة للابن، كما وجد أيضًا ما يدل على أن أمثال هذه الليتورجيات كانت معروفة فى الغرب [2].

وقد حُفظت ليتورجية القديس غريغوريوس فى اللغة القبطية وهى مُترجمة الآن للغات العربية والإنجليزية، وربما بعض اللغات الأخرى الحديثة لاستخدامها فى كنائس المهجر. كما توجد أجزاء من هذه الليتورجية فى مخطوطة يونانية ترجع إلى القرن الرابع عشر، اكتُشفت فى أوائل القرن العشرين فى دير القديس الأنبا مقار بوادى النطرون. ومن المحتمل أن الليتورجية كانت تُقام بهذه اللغة اليونانية ـ على الأقل فى بعض المناسبات ـ فى الدير فى ذلك الحين[3].

وقد ذكر بعض العلماء أن هذه الليتورجية ربما تعود إلى ما قبل مجمع نيقية، وأن بعض التغيرات أُضيفت إليها فى القرون التالية[4]. إلاّ أن آخرين يصرون على أنها تعكس تعاليم القديس غريغوريوس اللاهوتية. فهذا القداس هو شهادة من التقليد لتعليم آباء الكنيسة الشرقية فى القرنين الثالث والرابع عن الخلاص. وإن كانت كل إفخارستيا هى ذكرى (anamnesis) لعمل المسيح الخلاصى، إلاّ أن هذه الليتورجية تشرح لنا التعليم اللاهوتى عن عقيدة الخلاص بصورة حية لا تصل إليها أية ليتورجية أخرى . ولهذا أطلق عليها البعض اسم “ليتورجية المخلص ” [5]. وهذا المقال يتتبع موضوع الخلاص فى المراحل المختلفة من الليتورجية كما يوضح مطابقتها لتعليم آباء الكنيسة الشرقية بوجه عام، والقديس غريغوريوس بوجه خاص.

أولاً : صلاة الصلح

تتميز القداسات القبطية (قداس الإفخارستيا ، أو قداس المؤمنين) بوجود صلاة تمهيدية تُعرف باسم ” صلاة الصلح ” وفى هذه الصلاة التى يبدأ بها القُداس الغريغورى يوجد تعليم رئيسى عن الخلاص وهو يتعلق بظهور الرب بالجسد ، وهذا التعليم تتميز به كتابات الآباء الشرقيين بنوعٍ خاص. وقد أُطلق على هذا التعليم تعبير ” الخلاص بالتجسد ” .

[ أيها الكائن الذى كان الدائم إلى الأبد ؛

الذاتى والمساوى والجليس والخالق الشريك مع الآب ؛

الذى من أجل الصلاح وحده كوّنت الإنسان مما لم يكن ؛

ووضعته فى فردوس النعيم ؛

وعندما سقط بغواية العدو ومخالفة وصيتك المقدسة ؛

وأردت أن تجدده وترده إلى رتبته الأولى ؛

لا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا رئيس آباء ولا نبيًا إئتمنته على خلاصنا ؛

بل أنت بغير استحالة تجسدت وتأنست ؛

وشابهتنا فى كل شئ ما خلا الخطية وحدها ؛

وصرت لنا وسيطًا لدى الآب ؛

والحاجز المتوسط نقضته؛

والعداوة القديمة هدمتها ؛

وأصلحت الأرضيين مع السمائيين؛

وجعلت الاثنين واحدًا ؛

وأكملت التدبير بالجسد .. ] [6].

ثانيًا : الشكر

القسم الأول من الصلاة الإفخارستية (والذى دعاه علماء الليتورجيات المحدثين فى بداية هذا القرن ” المقدمة”) هو جزء لا يتجزأ من القداس والذى عُرف منذ القرون الأولى باسم “الشكر” (Eucharistia) . وبعد أن يبدأ القداس الغريغورى بشكر الله من أجل عمله فى الخليقة، ينتقل إلى عمله فى الخلاص مبتدئًا بالعهد القديم . وفى وصف الله المُحب يستخدم عددًا من الصور الكتابية . فهو الراعى الصالح ، والأب المحب، والطبيب الذى يستخدم “كل الأدوية المؤدية للحياة “. فهو الذى أرسل الأنبياء وأعطى الناموس :

[ أنت يا سيدى حولت لى العقوبة خلاصًا ؛

كراعٍ صالح سعيت فى طلب الضال ؛

كأب حقيقى تعبت معى أنا الذى سقط ؛

ربطتنى بكل الأدوية المؤدية للحياة ؛

أنت الذى أرسلت لى الأنبياء من أجلى أنا المريض ؛

أعطيتنى الناموس عونًا ] [7].

وبعد ذكر جميع هذه الوسائل التى استخدمها الله فى العهد القديم لمساعدة البشرية التى سقطت وتعرضت للفساد ، تستطرد الليتورجية فى الحال :

[ أنت الذى خدمت لى الخلاص لما خالفت ناموسك ؛

كنور حقيقى أشرقت لى أنا الذى أخطأت وعشت فى جهل ] [8].

وهنا تعود الليتورجية لتستأنف موضوع ” الخلاص بالتجسد ” الذى بدأته فى صلاة الصلح. ولكن قبل أن ندخل إلى العمق اللاهوتى الذى تبلغ إليه الصلاة هنا ، علينا ان نفهم معنى هذا التعبير من كتابات آباء شرقيين آخرين .

ما هو ” الخلاص بالتجسد ” ؟

هذا التعليم يمثل ركنًا أساسيًا فى مفهوم الخلاص لدى الآباء الشرقيين منذ القرون الأولى. فهو معروف لدى القديس إيريناوس (فى نهاية القرن الثانى)، والقديس أثناسيوس الرسولى، والقديس كيرلس الأسكندرى وغيرهم من الآباء .

لم تكن هناك وسيلة أخرى لخلاص الإنسان كما يقول القديس أثناسيوس : [ ماذا كان ممكنًا أن يفعله الله ؟ وماذا كان ممكنًا أن يتم سوى تجديد تلك الخليقة التى كانت على صورة الله؛ وبذلك يستطيع البشر مرة أخرى أن يعرفوه ؟. ولكن كيف كان ممكنًا أن يحدث هذا إلاّ بحضور نفس صورة الله ـ ربنا يسوع المسيح ؟. أتى كلمة الله بنفسه كى يمكنه وهو صورة الاب أن يخلق الإنسان على هذه الصورة من جديد .. ] [9]. فقد أخذ ابن الله جسدًا قابلاً للموت كى ينتصر فيه على الموت والفساد [10].

وهذه النقطة يشرحها القديس غريغوريوس بأكثر إسهاب ، فى عظته على الظهور الإلهى مستخدمًا نفس ألفاظ الليتورجية . وهناك مغزى عميق لتعرّض القديس لموضوع الخلاص فى عيد الظهور الإلهى، الذى كان فى ذلك الوقت، العيد الوحيد لتذكار التجسد الإلهى أى للميلاد والعماد معًا :

[ كان الإنسان قد نال التأديب بطرق كثيرة .. بالكلمة والناموس والأنبياء ، بالمنافع والإنذارات والأوبئة… وأخيرًا احتاج إلى ترياق قوى لأن علّله قد ازدادت سوءًا .. وإذ احتاجت هذه العِلل إلى خلاص أعظم ، جاء هذا الخلاص العظيم الذى هو كلمة الله نفسه ، الكائن قبل كل الأكوان ، غير المنظور ، غير المفحوص ، غير الجسدى ، بداية كل بداية ، النور الذى من النور ، مصدر الحياة والخلود .. الصورة غير المتغيرة ، كلمة الله ـ جاء إلى صورته ، وأخذ جسدًا من أجل جسدنا ، واتحد بنفس عاقلة من أجل نفسى ، كى يُطْهر المثيل بالمثيل . وصار إنسانًا كاملاً فى كل شئ ما خلا الخطيئة ] [11].

ويجب أن نؤكد هنا أن هذه العلاقة الوثيقة بين التجسد والخلاص التى كانت أحد المعالم الرئيسية لتعليم الآباء ، لم تكن واضحة فى تعليم الآباء الغربيين الذين كانوا يوجهون اهتمامهم بالأكثر إلى الناحية القانونية فى تعليمهم عن الكفارة . ويظهر هذا واضحًا فى تعليم ترتليان فى أوائل القرن الثالث . وقد انقطعت هذه العلاقة تمامًا فى العصور الوسطى حين أدخل أنسلِم أسقف كانتربرى تعليمه عن ” الترضية ” فى أوائل القرن الثانى عشر .

وإذ اتبع أنسلِم المبادئ القانونية المعروفة فى عصره، خَلُص إلى أن الترضية المطلوبة يجب أن يوفيها الإنسان ؛ وبذلك كان تعليمه، أن هذه الترضية قام بها المسيح كإنسان . فذبيحة المسيح التى قام بها كإنسان (حسب تعليم أنسلِم) هى تقدمة لله من جانب الإنسان على الأرض ، هى عمل بشرى للترضية . وواضح أن هذا يُناقض تمامًا تعليم الآباء الذين يتحدثون عن الله الذى تجسد ودخل إلى عالم الخطية والموت ، كى يغلب الأعداء الذين يستعبدون الإنسان ويقيدونه. وبذلك فإن الله نفسه هو الذى أتم العمل الخلاصى [12].

وبسبب تمسك المسيحيين الغربيين بضرورة قيام الإنسان بالترضية (لإيفاء العدل الإلهى حقه) أصبحت أى وسيلة أخرى لعلاج البشرية الساقطة تعنى تساهل الله وعدم عدله . وحسب هذه النظرية يجب أن يأخذ الله الترضية التى بدونها تصير المغفرة تساهلاً ؛ وهذه الترضية تمت بموت المسيح . على العكس من ذلك، نرى الآباء يعلمون بأن عمل الكفارة الذى عمله الله فى المسيح، هو تدبير إلهى يختلف تمامًا عن النظام القانونى . فالكفارة لا تقوم على أساس اتمام مطالب العدل حسب القوانين البشرية ولكنها أسمى منها. ومشكلة الإنسان لم تكن فى محاولة تقديم ترضية للآب الغاضب ، بل هى ـ كما ذكر الآباء مرارًا وتكرارًا ـ فى كيفية القضاء على الخطية والموت [13].

الإخلاء (Kenosis)

يتضمن عمل السيد المسيح فى الخلاص عدة مراحل . غير أن مجرد إخلائه لذاته ليأخذ جسدًا بشريًا يعتبر عملاً خلاصيًا فى حد ذاته ، كما يوضح القداس الغريغورى ، مستخدمًا كلمات الرسول فى (فى7:2) ” .. أخلى نفسه آخذًا صورة عبد .. ” إذ يقول :

[ أيها الغير المُحوى إذ أنت الإله لم تضمر اختطافًا أن تكون مساويًا لله ،

لكن أخليت ذاتك وأخذت شكل العبد ،

وباركت طبيعتى فيك ] [14].

والقديس غريغوريوس يعالج الموضوع نفسه فى عظته على الظهور الإلهى :

[ وهو الكامل أخلى ذاته ، إذ أنه أخلى نفسه من مجده لفترة قصيرة حتى يكون لى نصيب من ملئه . فيا لغنى صلاحه! ويا للسر المحيط بى ! لقد كان لى نصيب فى الصورة الإلهية ولم أحفظها . وها هو يشاركنى الجسد كى ينقذ الصورة ويهب الخلود للجسد ] [15].

ويوضح القديس أثناسيوس كيف تباركت البشرية كلها بمجرد تجسد ابن الله بالمثال التالى:

[ كما أنه إذا دخل ملك عظيم إلى مدينة كبيرة ، وسكن فى أحد بيوتها ، فإن مثل هذه المدينة تصير مستحقة لشرف عظيم فى جميع الأحوال ] [16].

 

ماذا يعنى تعبير ” الخلاص بالتجسد ” ؟

نرى فى تعليم الآباء الشرقيين أن خلاصنا هو فى قصد المسيح منذ الأزل، منذ وجوده فى حضن الآب إلى ميلاده ومعموديته وتعليمه وصلبه وقيامته وصعوده ومجيئه الثانى [17]. وعندما يذكر القداس الغريغورى أعمال المسيح على الأرض ، فإنه يستخدم الصور الآبائية القديمة التى تصف الرب بأنه المخلص والمعلم والغالب والتقدمة (أو الذبيحة) . ونلاحظ أن الليتورجية تجعل هذه العقائد الإيمانية مجالاً للتأمل وشكر الله وتمجيده من أجل عمله الخلاصى ، ذلك العمل الذى يبلغ ذروته فى سر الفصح الذى هو صلب المسيح وموته وقيامته . وإذ تستخدم الليتورجية فى هذا، كلمات إشعياء النبى فى أناشيد العبد المتألم (إش6،5:50)، فإنها تتبع تعليم الآباء الشرقيين، بأن المسيح كان فى ذلك ممثِلاً للبشرية وليس بديلاً عنها :

[ احتملت ظلم الأشرار ،

بذلت ظهرك للسياط ،

وخداك أهملتهما للطم ،

لأجلى يا سيدى لم تَرُد وجهك عن خزى البصاق .

أتيت إلى الذبح مثل حمل حتى إلى الصليب ،

أظهرت عظم اهتمامك بى ،

قتلت خطيتى بقبرك ،

أصعدت باكورتى إلى السماء .

أظهرت لى إعلان مجيئك .. ] [18].

 

 

 

ثالثًا : التذكار (الأنامنسيس) ” Anamnesis

تنتقل الليتورجيا من الشكر إلى التقديس والتذكار، حيث لا تستطيع أن تحصر ما تذكره الكنيسة وتعيشه فى الإفخارستيا ، والذى يلخصه الكاهن قبل صلاة حلول الروح القدس ذاكرًا مراحل عمل المسيح الخلاصى :

[ فإذن يا سيدنا فيما نحن نصنع ذكرى نزولك على الأرض ،

وموتك المحيى ، وقبرك ثلاثة أيام ،

وقيامتك من الأموات ،

وصعودك إلى السموات ، وجلوسك عن يمين أبيك ،

وظهورك الثانى الآتى من السموات المخوف المملوء مجدًا .. ] .

فى الذكرى (anamnesis) تعيش الكنيسة كل تاريخ الخلاص من التجسد إلى المجىء الثانى . وهذا يختلف تمامًا عن تعليم اللاهوت المدرسى الغربى الذى إذ يُقصر مشكلة البشرية على ناحيتها القانونية ، وهى دفع الدين وترضية الغضب الإلهى ، يعتبر الصليب نهاية عمل الرب الخلاصى بقوله “قد أُكمِل” (يو30:19). أما فى الكتاب المقدس وتعليم الآباء، فإننا نرى السيد المسيح هو مُمثل البشرية ورئيس كهنتها الذى قدم ذاته من أجلها، وقهر الشيطان وأبطل الخطيئة والموت. وإذ هو رئيس خلاصنا فقد صعد إلى السموات، وجلس (بجسده البشرى) عن يمين العظمة فى الأعالى . وسوف يأتى ثانية ” للخلاص للذين ينتظرونه ” (عب24:9). كل هذا تقوله الليتورجيا وتعيشه الكنيسة فى ” الأنامنسيس ” .

 

رابعًا : صلاة القسمة

وبعد ” الأنامنسيس ” وحلول الروح القدس تأتى الطلبات وتليها صلاة القسمة التى تُختم بالصلاة الربانية. وصلوات القسمة تنفرد بها القداسات القبطية ، وهى تختلف من قداس لآخر ومن مناسبة لأخرى. ولكن هدف كل صلوات القسمة هو إعداد الكنيسة للشركة المقدسة ، وهى تحوى تعاليمًا لاهوتية مختلفة . وصلاة القسمة فى القداس الغريغورى تخاطب الابن وتدعوه ” مخلص الكنيسة ” وتركز الكلام على الأسرار المقدسة التى عن طريقها يصل الخلاص الذى صنعه الرب إلى كل مؤمن، وفى ذلك تؤكد أن المعمودية والإفخارستيا تنبعان مباشرة من التجسد ومن الصليب :

[ مبارك أنت أيها المسيح إلهنا ضابط الكل مخلص كنيستك ! أيها الكلمة المتجسد ، الذى من قِبَل تجسدك غير المُدْرك أعددت لنا خبزًا سمائيًا ، جسدك المقدس هذا السرى والمقدس فى كل شئ.

مزجت لنا كأسًا من كرمة حقيقية التى هى جنبك الإلهى غير الدنس .

هذا الذى من بعد أن أسلمت الروح فاض لنا منه دم وماء ،

هذان الصائران طهرًا لكل العالم ..

أنت من أجل تحننك الجزيل جعلتنا كلنا أهلاً للبنوة بالمعمودية المقدسة .. ] [19].

بهذه الكلمات القليلة تسجل الليتورجية دور الأسرار فى الخلاص . ففى المعمودية والإفخارستيا نصير أبناء الله، وننال نعمة الشركة فى الحياة الإلهية التى كانت هدف الخليقة منذ البدء، وصارت الآن الغاية القصوى للخليقة الجديدة . ويؤكد القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات أن المعمودية هى الوسيلة الأولى التى يستخدمها الروح القدس كى يصل عن طريقها عمل المسيح لتأليه (Theosis) الإنسان ، فيقول : [ إذا لم يكن الروح القدس إلهًا نعبده، فكيف يمنحنا التأليه فى المعمودية؟]، كما يقول أيضًا [ كيف لا يكون الروح هو الله وهو الذى يقودكم إلى الله ] [20].

كذلك يشرح القديس غريغوريوس النيزينزى من ناحية أخرى، كيف أن الإفخارستيا تمحو الفساد الذى أدخلته الخطية للإنسان ، وبذلك تصير واسطة لنوال نعمة التأليه :

[بظهور الله اتحد بالطبيعة القابلة للموت ، كى تكون شركة الطبيعة البشرية مع الله وسيلة لمنحها نعمة الخلود معه . من أجل هذا كان تدبير النعمة الإلهية أن يتحد هو نفسه بالمؤمنين بواسطة هذا الجسد والدم اللذان من الخبز والخمر . وإذ يتحد بأجساد المؤمنين يصير الإنسان أيضًا خالدًا باتحاده مع الخالد ] [21].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 [1] هذا البحث قُدم فى الدورة السنوية الثالثة عشر للجمعية الأمريكية لدراسات الآباء المُنعقد فى مدينة شيكاغو فى الفترة من 28ـ30 مايو 1998.

[2] Dix G: Shape of the Liturgy. London: Black, 1945: 180.

[3] Evelyn White HE: The Monasteries of the Wadi ‘N Natrun. Part I: New Coptic Texts from the Monastery of Saint Macarius. New York, 1926: 200-213.

[4] Furman JE: The Coptic Liturgy of Saint Gregory. In: Coptic Church Review, 1987: 16

[5] Ibid, 17.

[6] The Liturgies of St. Basil, St. Gregory, and St. Cyril (translated from a Coptic Manuscript of the 13th century), London: Rivingtons, 1870: 2.

[7] Ibid. 3

[8] Ibid.

[9] Athanasius: Incarnation of the Word (Inc.), 13:7. (NPNF, second series, vol.4).

[10] Inc. 13:7,8 (NPNF, op. cit. 43).

[11] Oration 38. On the Theophany: 13 (NPNF, second series, vol. 7: 348-9).

[12] Gustaf Aulen: Christus Victor. London :S.P.C.K., 1961: 103, 104.

[13] Ibid. 105-119.

[14] The Liturgies of St. Basil, St. Gregory, and St. Cyril, op. cit., 3& 4.

[15] On the Theophany: 13, op.cit.

[16] Inc. op. cit. 9:3.

[17] Bebawi G: St. Athanasios: The Dynamics of Salvation. In Sobornost, London, 1986: 8:2:29.

[18] The Liturgies of St. Basil, St. Gregory, and St. Cyril, op. cit., 4.

[19] Ibid, 8.

[20] Winslow, op. cit., 133. The quotations are from Gregory , Orations 40:42 respectively, and 31:8.

[21] Or. cat. 37. Translated in The Later Christian Fathers by H. Bettenson. London: Oxford University Press, 1970: 163.

 

التعليم عن الخلاص في القداس الغريغوري – د. رودلف مرقس يني

الثالوث القدوس في تعاليم القديس غريغوريوس النزينزى  – نيافة الأنبا بيشوى

الثالوث القدوس في تعاليم القديس غريغوريوس النزينزى  – نيافة الأنبا بيشوى

الثالوث القدوس في تعاليم القديس غريغوريوس النزينزى  – نيافة الأنبا بيشوى

الثالوث القدوس في تعاليم القديس غريغوريوس النزينزى  – نيافة الأنبا بيشوى مطران دمياط وكفر الشيخ والبرارى

 

فى كنيستنا القبطية، يأخذ القديس غريغوريوس النزينزى دائماً لقب ” الثيؤلوغوس ” أى “اللاهوتى” أو ” الناطق بالإلهيات “. ونحن نصلى بالقداس الذى كتبه بشعبية كبيرة فى الأعياد الكبرى وفى مناسبات كثيرة.
إن لاهوت القديس غريغوريوس وتعاليمه عن الثالوث القدوس تُقبل بتقدير عظيم فى كنيستنا من خلال نص قداسه وتعاليمه الأخرى. فقد بزغ قدّاسه فى حياة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية كنبع لتأملات لا يفوقها شئ، ولفرح روحى فى العبادة.
وتعاليم القديس غريغوريوس عن الثالوث القدوس هى نفس تعاليم القديس أثناسيوس الأسكندرى فى جوهرها.
وفيما يلى بعض عبارات من تعاليمه عن الثالوث القدوس :

1- الله غير مدرك فى عقلنا البشرى :

كان القديس غريغوريوس لاهوتياً متضعاً، ففى خطابه اللاهوتى الثانى سلَّم بأنه 
“no man ever yet has discovered or can discover what God is in nature and in essence.”
1

الترجمة: ” لم يوجد بعد إنساناً اكتشف أو يمكنه أن يكتشف ما هو الله فى طبيعته وفى جوهره”.

وقال أيضاً :
“God would be altogether circumscript, if He were even comprehensible in thought: for comprehension is one form of circumscription.”
2

الترجمة: “كان الله ليكون محاطاً (ملماً به) بالكلية، إذا كان مدركاً ولو فى العقل، لأن الإدراك هو أحد أشكال الإحاطة (الإلمام)”.

فقد شرح أن معرفتنا لله هى تدفق قليل فقال:
“All that comes to us is but a little effluence, and as it were a small effulgence from a great Light. So that if anyone has known God, or had the testimony of scripture to his knowledge of God, we are to understand such an one to have possessed a degree of knowledge which gave him the appearance of being more fully enlightened than another who did not enjoy the same degree of illumination.” 
3

الترجمة: “إن كل ما يصلنا ما هو إلا دفق قليل، وحيث أنه بثق ضئيل من نور عظيم. حتى أنه إذا عرف أحد الله، أو كان له شاهداً من الأسفار فى معرفته عن الله، فإننا نفهم أن هذا الشخص يمتلك درجة من المعرفة أعطته مظهراً من الاستنارة الكاملة أكثر من غيره من الذين لم يتمتعوا بنفس درجة الاستنارة “.
ولكن القديس غريغوريوس تكلم عن معرفة أوضح بالله فى الحياة الأخرى.

 

2- الخواص الأقنومية للثلاثة أقانيم المتمايزة فى الثالوث القدوس :

عرَّف القديس غريغوريوس فى تعاليمه، الخواص المتمايزة لـ الثالوث القدوس أي للثلاثة أقانيم. فقد علَّم قائلاً :
“Let us confirm ourselves within our limits, and speak of The Unbegotten and The Begotten and That which Proceeds from the Father, as somewhere God the Word Himself saith.”
4

الترجمة: “دعنا نحد أنفسنا فى إطار حدودنا فنتكلم عن اللا مولود والمولود وذاك الذى ينبثق من الآب، كما قال الله الكلمة نفسه فى مكان ما.”

وعلَّم أيضاً عن الثالوث القدوس بأن :
“This is what we meant by Father and Son and Holy Ghost. The Father is the Begetter and the Emitter; without passion, of course, and without reference to time, and not in a corporeal manner. The Son is the Begotten, and the Holy Spirit is the Emission.”
5

الترجمة: ” هذا ما نقصده بالآب والابن والروح القدس. فالآب هو الوالد والباثق؛ بدون ألم (هوى ـ شهوة) طبعاً، وبلا إشارة لزمن، وليس بطريقة حسيَّة. والابن هو المولود والروح القدس هو المنبثق”.
لم يذكر القديس غريغوريوس أية صفات أخرى للتمايز.

 

3- أزلية وجود الابن والروح القدس :

استكمل القديس غريغوريوس مناقشته فى نفس الخطاب اللاهوتى قائلاً :
“When did these come into being? They are above all “when”. But, if I am to speak with something more of boldness, —when the Father did. And when did the Father come into being. There never was a time when he was not. And the same thing is true of the Son and the Holy Ghost. Ask me again, and again I will answer you, when was the Son begotten? When the Father was not begotten. And when did the Holy Ghost proceed? When the Son was, not proceeding but, begotten—beyond the sphere of time, and above the grasp of reason; although we cannot set forth that which is above time, if we avoid as we desire any expression as which conveys the idea of time. For such expression as “when” and “before” and “after” and “from the beginning” are not timeless, however much we may force them; unless indeed we were to take the Aeon, that interval which is coexistive with the eternal things, and is not divided or measured by any motion, or by the revolution of the sun, as time is measured. How are They not alike unoriginate, if They are coeternal? Because They are from Him, though not after Him. For that which is originate is eternal, but that which is eternal is not necessarily unoriginate, so long as it may be referred to the Father as its origin. Therefore in respect of Cause they are not unoriginate; but it is evident that the Cause is not necessarily prior to its effects, for the sun is not prior to its light. And yet They are in some sense unoriginate, in respect of time, even though you would scare simple minds with your quibbles, for the Sources of Time are not subject to time.” 
6

الترجمة: “متى وجد هذين (الابن والروح القدس)؟ إنهما فوق كل “متى”. لكن إن كان لى أن أتكلم بأكثر جسارة لأجبت “حينما وجد الآب”. ومتى وجد الآب؟ لم يكن هناك زمن لم يكن فيه الآب موجوداً. ونفس الشيء ينطبق على الابن والروح القدس. سلنى ثانية وثالثة فسوف أجيب : متى ولد الابن؟ حينما لم يكن الآب مولوداً. ومتى انبثق الروح القدس؟ حينما لم يكن الابن منبثقاً بل مولوداً – فوق حيز الزمن، وفوق إدراك العقل؛ رغم أننا لا نستطيع أن نوضح ذاك الذى هو فوق الزمن، إذا تحاشينا كما نرغب أى تعبير ينقل فكرة الزمن. لأن بعض هذه التعبيرات مثل ” متى” و” قبل” و” بعد” و” من البدء” ليست بلا حدود زمنية مهما حاولنا دفعها لذلك، إلا إذا تناولنا الدهر حقاً بالفعل، تلك الحقبة المصاحبة للأمور الأزلية، والتى لا تنقسم أو تقاس بأى حركة، أو بثورة الشمس كما يقاس الزمن. كيف إذاً هما غير متشابهين فى كونهما غير نابعين إذا كانا أزليين؟ ذلك لأنهما (الابن والروح القدس) منه (الآب) رغم أنهما ليسا بعده. لأن النابع أزلى، لكن هذا الأزلى ليس بالضرورة غير نابع، طالما يشار إلى الآب كأصل له. إذاً من جهة السبب هما غير نابعين، لكن من الواضح أن السبب لا يسبق آثاره بالضرورة، لأن الشمس لا تسبق نورها. رغم ذلك هما بطريقة ما غير نابعين من حيث الزمن، مع أنكم ترهبون بسطاء العقول بمراوغتكم، لأن منابع الزمن لا تخضع للزمن”.

إلى جوار استخدام القديس غريغوريوس لتشبيه الشمس والضوء، فقد استخدم أيضاً تشبيه العقل والكلمة كمثال آخر لشرح العلاقة بين الآب والابن في الثالوث القدوس :
“He is called the Word, because He is related to the Father as the Word to Mind”
7

الترجمة: ” يدعى الكلمة لأنه يرتبط بالآب كارتباط الكلمة بالعقل “.
ويتضح من هذا المثال أن العقل أيضاً لا يسبق الكلمة كما أن الشمس لا تسبق الضوء.

 

4 ـ استخدام التشبيهات والأمثلة فى شرح الثالوث القدوس :

بالرغم من أن القديس غريغوريوس استخدم كلاً من تشبيه ” الشمس والضوء” وتشبيه ” العقل والكلمة ” فى شرح العلاقة بين الآب والابن، إلا أنه حذّر من أن هذه التشبيهات ليست مطابقة للحقيقة الكاملة التى لله المثلث الأقانيم.
“I have very carefully considered this matter in my own mind, and have looked at it in every point of view, in order to find some illustration of this most important subject, but I have been unable to discover anything on earth with which to compare the nature of the Godhead. For even if I did happen upon some tiny likeness it escaped me for the most part, and left me down below with my example. I picture to myself an eye, a fountain, a river, as others have done before, to see if they first might be analogous to the Father, the second to the Son, and the third to the Holy Ghost. For in these there is no distinction in time, nor are they torn away from their connexion with each other, though they seem to be parted by three personalities. But I was afraid in the first place that I should present a flow in the Godhead, incapable of standing still; and secondly that by this figure a numerical unity would be introduced. For the eye and the spring and the river are numerically one, though in different forms.
Again I thought of the sun and a ray and light. But here again there was a fear lest people should get an idea of composition in the uncompounded Nature, such as there is in the sun and the things that are in the sun. And the second place lest we should give Essence to the Father but deny Personality to the others, and make Them only Powers of God, existing in Him and not Personal. For neither the ray nor the light is a sun, but they are only effulgences from the sun, and qualities of its essence. And lest we should thus, as far as the illustration goes, attribute both Being and Not-being to God, which is even more monstrous.” 
8

الترجمة: ” لقد تبصرت فى هذا الأمر بحرص شديد فى عقلى الخاص، ونظرت إليه من كل وجهات النظر، حتى أجد بعض الإيضاحات لهذه المادة ذات الأهمية القصوى، لكننى لم أكن قادراً على اكتشاف أى شئ على الأرض يمكن أن تقارن به طبيعة اللاهوت. لأننى حتى إذا حدث أن وجدت شبهاً طفيفاً فقد أفلت منى الجزء الأكبر، وتركنى فى الأعماق السفلى مع مثلى. صورت لنفسى عين ونبع ونهر، كما عمل آخرين من قبل، لأرى إذا أمكن أن يكون الأول مماثلاً للآب، والثانى للابن، والثالث للروح القدس. لأنه لا يوجد تمايز زمنى فيهم ولا تمزق فى صلتهم ببعضهم البعض، رغم أنه يبدو أنهم مفترقين إلى ثلاثة أشخاص. لكننى فى المقام الأول خشيت أن أقدم تدفقاً فى اللاهوت غير قابل لأن يتوقف بلا حراك، وفى المقام الثانى خشيت أنه بهذا المثل نقدم وحدة متعددة. لأن العين والينبوع والنهر هم واحد فى العدد لكن فى أشكال مختلفة.
ثم أننى فكرت فى الشمس والشعاع والضوء، ولكن هنا أيضاً كان هناك خوف لئلا يأخذ الناس فكرة التركيب عن الطبيعة غير المركبة، كما هو الحال فى الشمس والأشياء التى فيها. ومن جهة أخرى لئلا ننسب الجوهر للآب وننفى الأقنومية عن الآخرين (الابن الروح القدس)، بجعلهم مجرد طاقات فى الله، كائنين فيه وليسا أشخاصاً. لأن كل من الشعاع والضوء ليسا شمساً، لكنهما دفق منها وصفات لجوهرها. ولئلا، فى الشرح، ننسب الوجود وعدم الوجود لله الذى هو أكثر هولاً”.

 

5 ـ الثالوث القدوس أي الثلاثة أقانيم له نفس الجوهر الواحد (المساواة فى الجوهر)

تكلّم القديس غريغوريوس مرات عديدة عن الجوهر غير المنقسم لثلاثة أقانيم الثالوث القدوس. ففى حديثه عن الله الثالوث القدوس أي المثلث الأقانيم كسيد واحد (Monarch) بالنسبة لخليقته قال:
“But Monarchy is that which we hold in honour. It is however, a Monarchy that is not limited to one Person, but one which is made of an equality of Nature and a union of mind, and an identity of motion, and a convergence of its elements to unity—a thing which is impossible to the created nature—so that though numerically distinct there is no severance of Essence.”
9

الترجمة: “لكننا نوقر الأصل الواحد monarc». لكن تلك المونارشية غير محصورة فى أقنوم واحد، إنما هى لطبيعة متساوية، ووحدة فى العقل، وتماثل فى الحركة، وفى ميل عناصرها للوحدة – وهو الشئ المستحيل بالنسبة للطبيعة المخلوقة – حتى أنه على الرغم من التمايز العددى إلا أنه ليس هناك فصل فى الجوهر”.
وأيضاً فى تعليمه عن الابن قال:
“In my opinion He is called Son because He is identical with the Father in Essence, and not only for this reason, but also because He is of Him. And He is called Only-Begotten, not because He is the only Son and of the Father alone, and only a Son; but also because the manner of His Sonship is peculiar to Himself and not shared by bodies. And He is called the Word, because He is related to the Father as word is related to mind ; not only on account of His passionless Generation, but also because of the Union, and of His declaratory function.” 
10

الترجمة: ” فى رأيى دعى الابن ابناً لأنه مطابق للآب فى الجوهر، وليس فقط لهذا السبب، وإنما أيضاً لأنه منه. وهو يدعى الابن الوحيد الجنس ليس لأنه الابن الوحيد ومن الآب وحده، وابن فقط، إنما أيضاً لأن طبيعة بنوته خاصة بشخصه ولا تتشارك مع أجساد. ويدعى الكلمة، لأنه يرتبط بالآب كارتباط الكلمة بالعقل؛ ليس فقط بسبب الولادة بلا ألم وإنما أيضاً بسبب الوحدة وبسبب دوره الإيضاحي”. وفى نفس الخطاب استكمل القديس غريغوريوس قائلاً :
“And the Image as of one Substance with Him.” 
11

الترجمة: “هو (الابن) صورة من نفس الجوهر معه (الآب)”.

 

6- المساواة بين الثلاثة أقانيم في الثالوث القدوس :

فى خطاب القديس غريغوريوس اللاهوتى عن الروح القدس ضد الآريوسيون والأنوميون علّم قائلاً :
“What then, say they, is there lacking to the Spirit which prevents His being a Son, for if there were not something lacking He would be a Son? We assert that there is nothing lacking for God has no deficiency. But the difference of manifestation, if I may so express myself, or rather Their mutual relations one to Another, has caused the difference of Their Names. For indeed it is not some deficiency in the Son which prevents His being Father (for Sonship is not a deficiency), and yet He is not Father. According to this line of argument there must be deficiency in the Father, in respect of His not being Son. For the Father is not Son, and yet this is not due to either deficiency or subjection of Essence; but the very fact of being Unbegotten or Begotten, or Proceeding has given the name Father to the First, of the Son to the Second, and of the Third, Him Whom we are speaking, of the Holy Ghost that the distinction of the Three Persons may be preserved in the one nature and dignity of the Godhead. For neither is the Son the Father, for the Father is One, but He is what the Father is; nor is the Spirit Son because He is of God, for the Only-begotten is One, but He is what the Son is. The Three are One in Godhead, and One Three in properties*; so that neither is the Unity of Sabellian one, nor does the Trinity countenance the present evil distinction.” 
12

الترجمة: “يقولون ماذا بعد، هل هناك عجز فى الروح يمنع كونه ابنا، لأنه إن لم يكن هناك عجز لصار ابنا؟ نحن نؤكد أنه ليس هناك شيئاً ناقصاً فى الله لأن الله ليس فيه أى نقص. لكن الاختلاف هو فى الكشف إذا كان لى أن أعبِّر هكذا، أو فى علاقتهم (الأقانيم) المتبادلة الواحد بالآخر، هى التى سببت اختلاف أسمائهم. لأنه حقاً ليس بسبب وجود بعض العجز فى الابن هو ما منعه عن كونه آباً (لأن البنوة ليست عجزاً) ولكن رغم ذلك هو ليس آباً. وفقاً لهذا الخط من النقاش لابد أن يكون هناك عجزاً فى الآب، فيما يتعلق بعدم كونه ابنًا. لأن الآب ليس ابناً، وليس هذا نتيجة لعجز أو إخضاع للجوهر، لكن نفس حقيقة أنه غير مولود أو مولود أو منبثق هى ما أعطت الأول اسم الآب والثانى الابن والثالث الذى نتكلم عنه الروح القدس، حتى أن التمايز بين الثلاثة أقانيم يكون محفوظاً فى الطبيعة والكرامة الواحدة التى للاهوت. لأن الابن ليس أباً، لأن الآب واحد، لكن الابن هو كالآب؛ كما أن الروح القدس ليس ابناً لأنه من الله، لأن الابن الوحيد الجنس واحد ولكنه (الروح القدوس) كالابن. الثلاثة هم واحد من حيث اللاهوت، وهم ثلاثى واحد من حيث الخواص (*)، حتى أن الوحدة ليست وحدة سابيلية، كما أن ملامح التثليث ليست فى التمايز الشرير الحاضر.”

 

7 ـ الاشتراك فى نفس الخواص الجوهرية :

كان القديس غريغوريوس واضحاً كالقديس أثناسيوس فى تعليمه بأن الثلاثة أقانيم لا تختلف عن بعضها البعض إلا فى الخواص الأقنومية لكلٍ منها وهى : الأصل للآب، والمولود للابن، والمنبثق للروح القدس. باقى خواص الجوهر الإلهى جميعها تتشارك فيها الثلاثة أقانيم الإلهية ( الثالوث القدوس ).
فقال:
“For we have learnt to believe in and to teach the Deity of the Son from their (verses from the bible) great and lofty utterances. And what utterances are these? These: God—the Word—He That Was In The Beginning and With The Beginning, and The Beginning. “In the Beginning was the Word, and the Word was with God,” (John1:1) and “With Thee in the Beginning’ and “He who calleth her the Beginning from generations” (Isa. 41:4). Then the Son is Only-Begotten: The only “Begotten Son which is in the bosom of the Father, it says, “He that declared Him” (John 1:18), The Way, the Truth, the Life, the Light. “I am the Way, the Truth, and the Life;” (John 14:6) and “I am the Light of the World” (John 7:12, 9:5, 14:6). Wisdom and Power, “Christ, the Wisdom of God, and the Power of God.”(1 Cor. 1:24) The Effulgence, the Impress, the Image, the Seal; “Who being the Effulgence of His glory and the Impress of His Essence,”(Heb 1:3) and “the Image of His Goodness,”(Wisd. 7:26) and “Him Hath God the Father sealed”(John 6:27). Lord, King, He That is, The Almighty. “The Lord rained down fire from the Lord;”(Gen 19:24) and “A Scepter of righteousness is the scepter of The Kingdom;”(Ps. 45:6) and “Which is and was and is to come, the Almighty”(Rev. 1:8), all which are clearly spoken of the Son, with all other passages of the same force, none of which is an after thought, or added later to the Son or the Spirit, any more than to the Father Himself. For Their Perfection is not affected by additions. There never was a time when He was without the Word, or when He was not the Father, or when He was not true, or not wise, or not powerful, or devoid of life, or of splendor, or of goodness.”
13

الترجمة: ” لقد تعلمنا أن نؤمن ونعلّم لاهوت الابن من منطوقاتهم (آيات الكتاب المقدس) العظيمة السامية. وما هى هذه المنطوقات؟ هى هذه : الله -الكلمة- ذاك الذى هو منذ البدء ومع البدء والبدء. “فى البدء كان الكلمة … وكان الكلمة الله” (يو1:1) و”معك البدء” و”من فعل وصنع داعياً الأجيال من البدء” (أش41: 4). ثم أن الابن هو الابن الوحيد الجنس : “الابن الوحيد الجنس الذى هو فى حضن الآب هو خبر” (يو1: 18). هو الطريق والحق والحياة والنور “أنا هو الطريق والحق والحياة” (يو14: 6) و”أنا هو نور العالم” (يو9: 5) وهو الحكمة والقوة “المسيح قوة الله وحكمة الله” (اكو1: 24). البهاء والرسم والختم “الذى وهو بهاء مجده ورسم جوهره”(*) (عب1: 3) و”وصورة جودته” (تك19: 24) و”الذى ختمه الله الآب” (يو6: 27). الرب والملك والقادر على كل شئ ” فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتاً وناراً” (تك19″ 24) و”قضيب استقامة قضيب ملكك” (مز45: 6) “الكائن والذى كان والذى يأتى القادر على كل شئ” (رؤ1: 8). وهى كلها تتكلم بوضوح عن الابن مع كل العبارات الأخرى التى لها نفس القوة، ولم تكتب واحدة منها بعد تفكير ولم تضف لاحقاً للابن أو الروح القدس، عما للآب نفسه. لأن كمالهم لا يتأثر بالإضافات. فلم يكن هناك وقت كان الآب فيه بدون الكلمة، أو لم يكن هو فيه الآب، أو لم يكن الحق، أو لم يكن حكيماً أو لم يكن قديراً، أو كان خالياً من الحياة، أو البهاء، أو الصلاح”.

شرح القديس غريغوريوس فى خطابه اللاهوتى الرابع المساواة فى الجوهر بين الابن مع الآب فقال:
“The Son is a concise demonstration and easy setting forth of the Father’s Nature. For everything that is begotten is a silent word of him that begot it”… “He is … called… the Image as of one substance with Him, and because He is of the Father, and not the Father of Him. For this is of the Nature of an Image, to be the reproduction of its Archetype, and that whose name it bears; only that there is more here. For in ordinary language an image is a motionless representation of that which has motion; but in this case it is the living reproduction of the Living One, and is more exactly like than was Seth to Adam, or any son to his father. For such is the nature of simple Existences, that it is not correct to say of them that they are Like in one particular and Unlike in another; but they are a complete resemblance, and should rather be called Identical than Like. Moreover he is called Light as being the Brightness of souls cleansed by word and life. For if ignorance and sin be darkness, knowledge and a godly life will be Light… And He is called Life, because He is Light, and is the constituting and creating Power of every reasonable soul. For in Him we live and move and have our being, according to the double power of that Breathing into us; for we were all inspired by Him with breath, and as many of us were capable of it, and in so far as we open the mouth of our mind, with God the Holy Ghost.” 
14

الترجمة: ” إن الابن هو إيضاح موجز وعرض سهل لطبيعة الآب. لأن كل ما هو مولود هو كلمة صامته لذاك الذى ولده”. “هو … يدعى… صورة كما من جوهر واحد معه، ولأنه من الآب وليس الآب منه. لأنه من طبيعة الصورة أن تكون توالداً من أصل نوعها، ومما تحمل إسمه؛ لكن هناك أكثر من هذا الأمر هنا. لأن الصورة فى اللغة العادية هى تمثيل غير متحرك للمتحرك؛ لكن فى هذه الحالة هى توالد حى للحى تشابهه تماماً، أكثر من مشابهة شيث لآدم، أو أى ابن لأبيه. لأن هذه هى طبيعة الوجود البسيط، أنه ليس من الصواب أن نقول عنهم (الأقانيم) أنهم مشابهين فى واحدة بالذات وغير متشابهين فى الأخرى؛ لكن لهم تشابه كامل، حتى أنه يجب أن يسمى تطابقاً وليس تشابهاً. علاوة على ذلك فإنه يسمى النور لأنه ضياء الأرواح التى تنقت بالكلمة والحياة. لأنه إذا كان كل من الجهل والخطية ظلاماً، فبالتالى تكون المعرفة والحياة الإلهية نوراً. وهو يسمى الحياة، لأنه هو النور، وطاقة التكوين والخلق لكل روح عاقلة. لأننا فيه “نحيا ونتحرك ونوجد” (أع17: 28) وفقاً للطاقة المزدوجة لتلك النفخة فينا؛ لأننا جميعنا ألهما به بالنفخة ولأن كثيرين منا كانوا كفوئين لها، حتى نفتح أفواه عقولنا مع الله الروح القدس”.

 

8 ـ الروح القدس ينبثق من الآب وحده :

فرّق القديس غريغوريوس بوضوح بين ولادة الابن وانبثاق الروح القدس في الثالوث القدوس . ففى تعليمه ليس هناك خلط بين الخواص المتمايزة للثلاثة أقانيم فى الثالوث القدوس.
بعدما تكلم القديس غريغوريوس عن الاسم الخاص لجوهر الله “أهية الذى أهية ـ هو الذى هو” وذكر ألقاباً أخرى للاهوت مثل “القادر على كل شئ، ملك المجد أو الدهر أو القوات أو الملوك”. قال:

“Now these are names common to the Godhead, but the proper Name of the Unoriginate is Father, and that of the Begotten without beginning is Son, and that of the un-begottenly Proceeding or going forth is The Holy Ghost.” 

15

الترجمة” الآن هذه أسماء عامة للاهوت. لكن الإسم العلم للغير النابع هو الآب، وذاك الذى للمولود بلا بداية هو الابن، والذى للمنبثق غير الولادى أو المتدفق هو الروح القدس”. من الواضح إذاً أن الروح القدس ينبثق بغير ولادة وفى انبثاقه من الآب هو غير مرتبط فى شئ بالابن المولود.

 

9ـ أحادية الأصل الأبوى للآب فى الثالوث القدوس:

(patriki archy = patrik» triadik» )
شدد القديس غريغوريوس مرات كثيرة على لقب “أحادية الأصل الأبوى” (monarc…a) الخاص بالآب باعتباره الأصل الوحيد فى الثالوث القدوس. الآب هو الوحيد غير النابع.
“How then are They not alike unoriginate, if They are coeternal? Because They are from Him, though not after Him. For that which is unoriginate is eternal, but that which is eternal is not necessarily unoriginate, so long as it may be referred to the Father as its origin. Therefore, in respect of Cause They are not unoriginate, but it is evident that the Cause is not necessarily prior to its effects, for the sun is not prior to its light.” 
16

الترجمة: “كيف إذاً هما غير متشابهين فى كونهما غير نابعين إذا كانا أزليين؟ ذلك لأنهما (الابن والروح القدس) منه (الآب) رغم أنهما ليسا بعده. لأن النابع أزلى، لكن هذا الأزلى ليس بالضرورة غير نابع، طالما يشار إلى الآب كأصل له. إذاً من جهة السبب هما غير نابعين، لكن من الواضح أن السبب لا يسبق آثاره بالضرورة، لأن الشمس لا تسبق نورها.”\

وقد علّم القديس غريغوريوس أيضاً بوضوح أن:
“The Father is the Begetter and the Emitter.” 

17

الترجمة: “الآب هو الوالد والباثق”.

 

10 ـ هبات الله هى من الآب من خلال الابن فى الروح القدس :

قال القديس غريغوريوس فى خطابه عن هبات الله بالروح القدس:
“That He is the Gift, the Bounty, the Inspiration, the Promise, the Intercession for us, and, not to go into any further detail, any other expressions of the sort, is to be referred to the First Cause, that it may be shown from whom He is, and that men may not in heathen fashion admit Three Principles. For it is equally impious to confuse the Persons with the Sabellians, or to divide the Natures with the Arians.”
18

الترجمة: “أنه هو الهدية، والهبة، والإلهام، والوعد، والشفيع بالنسبة إلينا. وبدون الخوض فى تفاصيل أكثر، فإن أى تعبيرات أخرى من هذا النوع تحال إلى السبب الأول، حتى يظهر ممن هو، وحتى لا يقبل الإنسان ثلاثة رؤساء فى شكل وثنى. لأنه يتساوى فى الكفر أن نخلط الأقانيم ( الثالوث القدوس ) مع السابليين أو أن نقسم الطبائع مع آريوس”.
عبارة “السبب الأول” التى ذكرها القديس غريغوريوس فى هذه الفقرة الأخيرة تدل على أن مصدر هبات الله هو الآب وتعطى من خلال الابن بالروح القدس.
فى خطابه اللاهوتى عن الابن، تكلم القديس غريغوريوس عن الطاقة المزدوجة لنفخة الابن. بالطاقة المزدوجة للنفخة يقصد أن الهبات التى تأتى إلينا من الآب وتعطى لنا بالروح القدس، هى من خلال الابن.
“For in Him we live and move and have our being, according to the double power of that Breathing into us; for we are all capable of it, and in so far as we open the mouth of our mind, with God the Holy Ghost.” 
19

الترجمة: “لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد، بحسب القوة المزدوجة لتلك النفخة فينا، تلك التى نكون جميعاً كفوئين لها طالما أننا نفتح أفواه عقولنا مع الله الروح القدس”.

 

11ـ رسم يمثل تعاليم القديس غريغوريوس النزينزى عن الثالوث القدوس :

رسم يمثل تعاليم القديس غريغوريوس النزينزى عن الثالوث القدوس

 

الله محبة
لا يوجد حب كامل بدون ثلاثة أشخاص ( الثالوث القدوس )
(1يو4: 16)

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] Nicene & Post Nicene Fathers Vol.7 Second Series. Phillip Schaff & Henry Wace. Hendrickson Publishers June 1995. Article XVII Second Theological Oration. P.294.

[2] Ibid, 2nd Theological Oration, Article X, p.292.

[3] Ibid, 2nd Theological Oration, Article XVII, p.294.

[4] Ibid, 3rd Theological Oration Article II P.301.

[5] Ibid, 3rd Theological Oration (on the Son), Article II, p.301.

[6] Ibid, 3rd Theological Oration Article III, pp.301, 302

[7]  Ibid, Forth Theological Oration, Article XX, p. 316

[8] Ibid, 5th Theological Oration (on the Holy Spirit), Articles XXXI and XXXII, p.328.

[9] Ibid, 3rd Theological Oration (on the Son), Article II, p.301.

(*) مثلث السيادة triadik» ¢rc».

[10] Ibid, 4th Theological Oration, Article XX, p.316.

[11]  ibid p.317

[12] Ibid, 5th Theological Oration (on the Holy Spirit), Article IX, p.320.

* حذر القديس غريغوريوس كما ذكرنا سابقاً من أن ننسب الجوهر للآب وحده ونعتبر أن الابن والروح القدس هما صفات للجوهر وليسا أقانيماً حقيقة. فكل أقنوم له خاصيته الأقنومية ولكنه ليس مجرد خاصية جوهرية.

[13]  Ibid, 3rd Theological Oration, Article XVII, p. 307

* هذه الكلمة فى رسالة العبرانيين (عب1: 3) هى فى النص اليونانى (hypostasis – `UpÒstasij ) ويمكن ترجمتها أقنوم Person بدلاً من جوهر essence.

[14] Ibid, 4th Theological Oration (2nd on the Son), Article XX, pp.316, 317.

[15] Ibid, 4th Theological Oration (2nd on the Son), Articles XIX, p.316.

[16] Ibid, 3rd Theological Oration (on the Son), Article III, p.302.

[17] Ibid, 3rd Theological Oration (on the Son), Article II, p.301.

[18] Ibid, 5th Theological Oration (on the Holy Spirit), Article XXX, p.328.

[19] Ibid, 4th Theological Oration (2nd on the Son), Article XX, p.317.

 

يمكنك القراءة عن الثالوث القدوس أكثر في عن طريق المواضيع التي بهذا الرابط 
اضغط هنا

 

الثالوث القدوس في تعاليم القديس غريغوريوس النزينزى  – نيافة الأنبا بيشوى

Exit mobile version