المنهج الوجودي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج الوجودي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج الوجودي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج الوجودي لتفسير الكتاب المقدس

لم تقدم العقلانية الإجابات التي توقعها أنصارها بشأن معنى وهدف الحياة، فقد تجاهلت نواحي الحياة التي تمتد إلى ما هو أبعد من المنطق. أما الوجودية، التي تركز على مكان الإرادة والمشاعر، فقد ظهرت في بداية القرن العشرين كرد فعل للعقلانية. وقد قدمت الوجودية افتراضاتها بداية من حقيقة الوجود الإنساني، لكي تفسر الحياة بأكثر حماسة وشمولية.

من ناحية، تعتبر الوجودية بالفعل مضادة للفلسفة، إذ ان أنصارها يرفضون فرض صيغ أو أنظمة خارجية تقوم بتقيد التعبير الحر عن الوجود الإنساني. لذلك، فبخلاف المناهج الطبيعية وفوق الطبيعية التي قد تتميز بأنها “ذاتية نظرية” كثيراً ما تكون غير واعية لمنهجها الذاتي في التفسير، فإن الوجودية تكون “ذاتية متعمدة وظاهرة بوضوح” كمبدأ عمل أساسي لها.

يوجد للوجودية تعبيراتها العلمانية والمسيحية. فالوجوديون العلمانيون، من أمثال جان بول سارتر (1905-1980)، وألبرت كاموس (1913-1960)، كانوا يعتقدون أن الحياة ليس لها معنى موضوعي بعيداً عن الخبرة الحالية. وبدون نقطة موضوعية مرجعية، قادت الوجودية العلمانية إلى العدمية، واليأس من وجود أي معنى للحياة.

الوجودية المسيحية أيضاً تستقي المعنى والحق من الخبرة الشخصية، لكنها تزعم أن أكثر التجارب الأساسية في الحياة هي اللقاء مع الله. فهم يزعمون أن إعلان الله للبشر هو إعلان شخصي، وداخلي، واختباري. الليبرالية اللاهوتية، التي طغى عليها المنهج العقلاني، تم تحديها واستبدالها شرعياً بالوجودية في السنوات التي تلت الحرب العالمية الأولى.

وقد كان المنهج السائد في الخط الرئيسي من اللاهوتيين البروتستانت خلال النصف الثاني من القرن العشرين في فهم الكتاب المقدس، هو المنهج “الوجودي”.

اللاهوتيون الوجوديون

كارل بارث

يُعتبر سورن كيركجارد (1813-1855)، الفيلسوف الدنماركي، هو أب الوجودية المسيحية. لكن كارل بارث (1886-1968) ربما كان هو أكثر الأشخاص المؤثرين في هذه الحركة. كان بارث بوضوح من أنصار المنهج فوق الطبيعي، من حيث أنه كان يؤكد بشدة على العناصر المعجزية، مثل قيامة المسيح (رغم أنه لم يعتبر القيامة حدثاً يمكن التحقق منه تجريبياً في المكان والزمان، كما فعلت العقيدة الكلاسيكية). لقد اعترف بارث في منهجه بما هو فوق طبيعي؛ ومع ذلك، فقد كان أيضاً من الأنصار المدققين للمنهج الطبيعي.

وبدمج الطبيعي مع ما هو فوق الطبيعي، تم تسمية الحركة “التقليدية الجديدة”. فهي “تقليدية” في تأكيدها على ما هو فوق طبيعي، و”جديدة” في تمسكها بالافتراضات الطبيعية فهي تفسير الكتاب المقدس. استطاع بارث أن يدمج هذين المنهجين غير المتفقين بواسطة فصل الحق الكتابي عن المنطق والتاريخ.

فقد علم بارث أن العناصر فوق الطبيعية في الكتاب المقدس لا يمكن أن تكون حقيقية بالفعل إلا عندما يتم قبولها بواسطة المفسر، بالإيمان، على أنها كلمة من الله. وعندها تصبح “القفزة غير العقلانية للإيمان” ضرورية لكي يختبر الإنسان شخصياً كلام الله.

وهكذا فإن الوجودية المسيحية هي محاولة لأن يكون الإنسان في منتصف الطريق بين العقيدة التقليدية والليبرالية، وبين المنهج فوق الطبيعي والمنهج الطبيعي. تعتقد النظرة الوجودية للكتاب المقدس أن الكتاب المقدس هو بالحقيقة أداة إعلان الله للبشر. فالله يوصّل رسالته بواسطة الكتاب المقدس.

لكن الكتاب المقدس، في حد ذاته، لا يمكن أن نسميه إعلان الله. لأنه لكي يصبح الكتاب المقدس كلمة الله بالكامل، يجب أن يتم قبوله بواسطة شخص ما؛ تماماً مثل الصمغ الذي يصنع من الإيبوكسي والمقوي، فهو يصبح صمغاً فقط عندما يختلط العنصران معاً بطريقة سليمة. بنفس الطريقة، يصبح الكتاب المقدس إعلاناً، فقط عندما يتم مزجه بصورة سلمية مع إيمان القارئ أو السامع، فالكلمة في حد ذاتها لن تلصق.

وإلى أن يستجيب عقل بشري لكلمات الكتاب المقدس، لا تكون إلا كلمة الله “المحتملة”. وهكذا فإن “المزج” هو حقاً الذي يقرر حق وسلطة النص. لهذا السبب، فإن الوجودي الذي يقوم بالتفسير لا يجب أن يتحدث عن الكتاب المقدس على أنه “كلمة الله”، بل على أنه “يصبح” كلمة الله.

رغم أن المنهج الوجودي للكتاب المقدس يزعم أنه فوق طبيعي أولاً وقبل كل شيء، إلا أن توجهه الأساسي طبيعي من زاويتين. الأولى، أن المفسرين الوجوديين يستخدمون عامة الوسيلة النقدية – التاريخية، التي كما رأينا، تكون مبنية على افتراضات طبيعية مسبقة.

ثانياً، أن المفسر بادعائه السلطة الناجمة عن أهمية وضعه، يقوم في النهاية بالتحكم في المعنى، إذ ان الكتاب المقدس وحده ليس إعلاناً، فهو يصبح إعلاناً في عملية التقاء المفسر معه. وبذلك، فبافتراضاتهم الطبيعية، يعتنق الوجوديون نظرة للكتاب المقدس لا تماثل النظرة التي يعتقدها الكتاب المقدس نفسه عن نفسه.

لأنه بالنسبة لهم، يعتبر الكتاب المقدس سلطة غير مستقلة، لكنها خاضعة لحكم المفسر الذي يحدد أي من عناصر الكتاب المقدس هو الحق، وبالتالي هو كلمة الله الجديرة بالثقة.

رودلف بلتمان

إن المفسرين الذين يتعاملون مع الكتاب المقدس بحسب المنهج الوجودي يحاولون عادة أن يطهروا الكتاب المقدس من جميع العناصر التي لا تتفق مع نتائج نقدهم التاريخي الطبيعي. فإذا كان هناك أي شك بشأن الأساس الطبيعي للتفسير الوجودي، فإن مثل هذا الشك تم استعباده تماماً بواسطة تصاعد حركة رودلف بلتمان (1884-1976) وتلاميذه.

ذهب منهج بلتمان “بتخليص اللاهوت من الأسطورة” إلى ما هو أبعد من الوجوديين الأوائل، في إنكار المصداقية التاريخية لجميع العناصر فوق الطبيعية في الكتاب المقدس، بما فيها قيامة المسيح. فقد جادل بلتمان أنه على الرغم من السمة الطبيعية الكلية لكتب المقدسة، إلا أن تلك العناصر الطبيعية تشير إلى واقع أسمى، كان مخفياً في أسطورة.

فإن بعض العناصر في الكتاب المقدس لا يمكن أن يتم التعامل معها على أنها تاريخ رصين. فعملية فصل الأسطورة عنه وتقرير الأمور المهمة الباقية كان مهمة المفسر، كما يزعم بلتمان، وهكذا أصبحت عملية تخليص اللاهوت من الأسطورة هي الموضوع السائد للوجوديين بعد الحرب العالمية الثانية.

لا يكون واضحاً دائماً عملية استخدام أحد مفسري الكتاب المقدس أو الوعاظ لمنهج وجودي. فإحدى سمات هذا المنهج هي استخدام كلمات تقليدية بمعان غير تقليدية. فمثل هذا الشخص قد يعلم عن الميلاد الجديد، لكن يكون في ذهنه مفاهيم روحية تتكرر مرات ومرات. وقد يحدث عن أمور شيطانية لكنه لا يشير إلى أي كائن فوق طبيعي لكن يشير إلى قوى شريرة في المجتمع.

النظرة العالمية للمفسر

انتقل القادة في المنهج الوجودي مؤخراً إلى تحليل كيفية عمل التواصل البشري. وهذا يتبع الاتجاه العام للمحدثين، بأن يصرفوا الانتباه عن النص القديم وعن مؤلفه، وأن يزيدوا من التركيز على المفسر؛ أي أن يقوموا بالتركيز على دور المتلقي للمعلومات أكثر من تركيزهم على دور المرسل.

إن الله يرغب بالتأكيد أن تتغلغل كلمته بعمق وبطرق مغيرة للحياة في مفسري القرن العشرين، لكن تطبيق الكتاب المقدس يجب أن يتبع تفسيراً أميناً لمعنى النص، وليس أن يقرره. يخطئ المنهج الوجودي في إعطاء المفسر سلطة مساوية لسلطة النص، إن لم تكن أكثر. بهذه النظرة، يكون إسهام المفسر جزءًا سلطوياً في المزيج الذي يشكل الكلمة التي من الله.

إن الذين يدرسون ظاهرة فهم فكر شخص آخر يدركون أن المتلقي لأية معلومات يسمع بمجموعة من الافتراضات المسبقة التي تشكل نظرة عالمية. هذه النظرة العالمية هي عدسة يرى الشخص من خلالها كل الواقع. فهي تمثل قنوات للفكر، تفسر الخبرات، وتوجه السلوك. تعمل هذه العدسة باستمرار، لكن نادراً ما يتم ملاحظتها.

الأكثر من ذلك، إن اللغة التي يستخدمها المرء يكون لها معنى، فقط بالنسبة للشخص الذي يفهم النظرة العالمية للمتحدث أو الكاتب. لذلك فإن التواصل الفعال لا يحدث إلا عندما تكون اللغة المستخدمة بواسطة المرسل (مؤلفي الكتاب المقدس في هذه الحالة) متصلة مباشرة بالنظرة العالمية للمتلقي (مفسر الكتاب المقدس). فاللغة تصبح مفهومة فقط عندما يستطيع المتلقي أن يفهم النظرة العالمية للمرسل، وبذلك يسمع الكلمات في سياق النظرة العالمية للمرسل.

وحيث أن تأثير النظرة العالمية للشخص يكون شديد العمق والتغلغل، فقد يئس البعض من إمكانية وجود تواصل مفهوم بين البشر من حقب وثقافات مختلفة. بل الحقيقة أن أصحاب النظريات الأكثر تطرفاً قد يئسوا من إمكانية وجود تواصل دقيق بين الذكور والإناث من نفس الثقافة أو حتى بين أي شخصين.

لكن الوجودي المتدين يؤمن أن المشكلة تحل عندما يأتي الدارس للنص الكتابي القديم بحياته الشخصية إلى تلك العملية من الفهم، بحيث ينتج “المزج” بين النص القديم والاستجابة الشخصية المعاصرة، كلمة صحيحة من الله.

يزعم المنهج الوجودي أن الحياة الشخصية للمفسر تلعب دوراً تشكيلياً في معنى أي عملية توصيل للمعلومات. فالمفسر يصل دائماً إلى تفسير يتكون إلى درجة ما من مزيج من أفكاره الخاصة وأفكار المؤلف الأصلي. فحيث أن المفسر قد تفاعل مع النص، فإن النص يعيد تشكيل فكر المفسر، لكن بسبب تفاعل النص مع المفسر، يعيد المفسر تشكيل رسالة النص.

بحسب هذا الاتجاه الوجودي، لا تعد الفجوة بين النص والمفسر أمراً مؤسفاً، بل أنها تمثل الديناميكية التي تنشط كل تفسير. السبب في ذلك هو أن المنظور الجديد، المفترض أنه أوسع، الذي يحدث نتيجة التفاعل بين النص والمفسر، يصبح هو الأساس الذي عليه يحدث اللقاء التالي مع النص.

التفسير الجديد والدائرة التفسيرية

تم إعطاء اسم “التفسير الجديد” لعملية تطبيق المنهج الوجودي على ظاهرة الفهم البشري. ويطلق عليه “جديد” لأنه يأتي بالمفسر إلى دور تشكيلي في عملية التفسير. ويطلق عليه “تفسير” في صيغة المفرد، لأنه لا يعنى بالإرشادات أو الوسائل التي بها يعين المرء معنى النص – وهي المهمة التقليدية للتفسيرات (بصيغة الجمع) – ولكنه يعنى فقط بهذا المنهج أو النظرية المنفردة في فهم الفكر البشري.

يوضح التفسير الجديد مشكلة “الدائرة التفسيرية”. تتضح الناحية الدائرية للتفسير عندما يسأل المرء “أيهما جاء أولاً، النص أم سياق المفسر؛ أفكار المؤلف القديم أم أفكار المفسر؟” وهذا سؤال مشروع ويمكن أن ينبه المفسر لخطأ افتراض أن الكتاب المقدس يمكن قراءته بطريقة شديدة الموضوعية مما يجعل التفسير حراً من التحيز أو البقع المظلمة.

لكن هناك اختلاف جوهري بين منظور التفسير الجديد والمنهج التاريخي لفهم الكتب المقدسة، كما هو معروض في هذا الكتاب. يقول التفسير الجديد أنه لا يوجد طريق للخروج من هذه الدائرة، فلا توجد موضوعية في التفسير، ولا معنى ثابت في النص بمعزل عن مدخلات المفسر. لكن الكتاب المقدس هو توصيل لمعلومات من الله، واللغة البشرية الموحى بها في النص مؤيدة ومدعّمة بحقه ومصداقيته وعدم تغيّره.

فالنص صادق بطريقة موضوعية، ومستقل عن تفسير أي شخص له. وهكذا فإنه بالنسبة للذين يقبلون السلطة المستقلة للكتاب المقدس، لا يحاول المفسر أن يختلق معنى جديداً، رغم أنه يحاول أن يفهم ويطبق المعنى الموضوعي لمقطع كتابي بطريقة أكثر أصالة مما كان يحدث في الماضي. ربما يكون هناك بهذه الطريقة تفسير جديد سليم. للكن لا يكون هناك إعلان سلطوي جديد لحق الله.

لكن قبول الحق المستقل الموضوعي للكتاب المقدس لا يحل بالكامل المشكلة التي تثيرها “الدائرة التفسيرية”. فكيف يمكن لأي مفسر يعنق حشداً من الافتراضات المسبقة الواعية واللاواعية، أن يعرف أنه ينظر للنص من منظور الله، غير متأثر بتحيزاته الشخصية؟ يصدق التفسير الجديد عندما يزعم أن النص ليس سلبياً. بمعنى أن النص ليس مجرد موضوعاً للفهم، لكن الكتاب المقدس كتاب حي، يفحص ويفسر المفسر.

كما يصدق التفسير الحديث أيضاً عندما يرضى بأن يشترك النص مع المفسر في العملية. فكما أن المسيحي الحديث لا يولد في العائلة كامل النمو، ولكنه ينمو في التقوى طوال حياته، كذلك أيضاً النمو في الفهم وتطبيق الكتاب المقدس، يستمر طوال رحلة المسيحي. لكن التفسير الجديد معيب بصورة خطرة، لأنه ينكر موضوعية الحق ويرفض السلطة المستقلة للكتاب المقدس.

رغم أن الجزء القديم من عملية التفسير (النص الموحى به) والعنصر الحديث (دور المفسر) لا يمكن الفصل بينهما، إلا أنه يمكن ويجب التمييز بينهما. فسلطة الله تقف خلف الكلمة التي تم التحدث بها في السياق القديم؛ ولكنها لا تقف خلف ما يأتي به المفسر إلى النص. الكتاب المقدس حق وسلطوي؛ لكن التفسير قد يكون كذلك أو لا يكون.

بحسب التفسير الجديد، يقفز المفسر إلى عملية دائرية دائمة في التفسير، ويتحرك فيها بواسطة عدم يقينية وتعقيدات السياق الحالي، متأثراً بالنص القديم. لكن بحسب الوسيلة التي ينادي بها هذا الكتاب، يعترف المفسر بحق ومصداقية وسلطوية الكتاب المقدس الذي أعطي في السياق القديم، ويستخدم ويوظف الإرشادات لأجل التفسير المناسب الذي يجعل النص يتحدث عن نفسه.

رغم أن المفسر لا يكون حراً على الإطلاق من تأثير السياق الحالي، إلا أن معنى النص السلطوي يكون موجوداً ويكون عليه اكتشافه. يمكن للمسيحي أن يكون واثقاً من تقدمه نحو الفهم والتطبيق السليم للكتاب المقدس، لأن المسيحي يتحرك نحو هدف ونقطة ثابتة، وليس نحو هدف متحرك بالتفسير الوجودي.

الأكثر من ذلك، يمكن للمفسر المسيحي أن يكون على يقين تام من معنى التعاليم الأساسية العظيمة للكتاب المقدس – مثل وضوح إعلان الله. إن اليقين لا يتطلب معرفة مرهقة بكل حق الله. بكلمات أخرى، يمكن للمسيحي أن يفهم حق الله ويعيش في ضوئه بدون أن يزعم أنه فهم واستوعب بالكامل كل حق الله. هذا التمييز يساعد المسيحي على تجنب الشك القوي من ناحية، على عدم التهاون في العقيدة في التفسيرات موضع الخلاف، من ناحية أخرى.

تنشأ العديد من المفاهيم والتحذيرات عند تقييم التفسير الحديث. أولاً، يجب على المفسر أن يحمي الاستقامة والسلطة المستقلة للنص الكتابي بأي ثمن. ثانياً، إن تفسير الكتاب المقدس لا يمكن أن يتم بموضوعية كاملة. ثالثاً، يجب على المفسر أن يقترب إلى النص ويتعامل معه باتضاع.

رابعاً، حيث أن المفسر ليس هو الشخص الوحيد الذي يقوم بتفسير الكتاب المقدس، فإنه يجب أن يدرك قيمة وأهمية الكنيسة في التفسير. خامساً، تفسير الكتاب المقدس هو عمل يستمر طوال الحياة، حيث ينتقل بنا الله من درجة من المعرفة إلى أخرى. سادساً، يمكن للكنيسة أن تنال اليقين بدون الحاجة لأن تفهم تفسير الكتاب المقدس كله. وسابعاً، يجب تجنب الجزم بالرأي في الأمور التي لم تتضح بواسطة الكتب المقدسة.

إن التفكير الوجودي، السائد بواسطة بارث، ثم بلتمان، وأخيراً بواسطة التفسير الحديث، لم يعد له اتجاه سائد. بل بدلاً من ذلك، ينقسم مجال النقد التاريخي بين الكثير من المناهج والاتجاهات، ليس جميعها وجودي.

ففي البحث عن نماذج جديدة لعبور الفجوة من الوثائق القديمة إلى الفكر الطبيعي المعاصر، يسعى العلماء نحو النقد الأدبي، واللغوي، وفلسفة اللغة، والعلوم الاجتماعية. لكن لم يأت منهج ما إلى وضع السيادة والهيمنة بعد. من ناحية أخرى، يتجه العديد من العلماء الإنجيليين السابقين نحو منهج بارث القديم.

رغم أن الوجوديين في القرن العشرين قد شرعوا في استعادة كلمة الله من حطام العقلانيين، فإنه بنهاية القرن أصبحوا في مثل ذلك التدمير لأية كلمة موضوعية صادقة وسلطوية من الله. ربما يكون هذا نتيجة حتمية لمحاولة بشر محدودين ساقطين أن يبحثوا في أنفسهم عن إجابات، الأمر الذي يعتبر عيب قاتل للمنهج الوجودي. ففي النهاية لا يمكن أن نهرب من الذاتية، وخاصة ذاتية المنهج الطبيعي.

مراجع مختارة للمزيد من الدراسة

أكتيميير، بول جي. An Introduction to the New Hermeneutic. Philadelphia: Westminster. 1974.

بارث، كارل. Church Dogmatics المجلد الأول، The Doctrine of the Word of God ترجمة جي تي طومسون. New York: Scribners, 1936.

برونو، إميل. Truth as Encounter. ترجمة إيه دبليو لوس ودي كارنز Philadephia: Westminster, 1964.

بولتمان، رودلف. The Problem of Hermeneutics في Essays Philosophical and Theological ترجمة جي سي جي جريج، الصفحات 234-61. London: SCM.1955.

جرونلر، وريس جوردون. Meaning and Understanding: The Philosophical Framework for Biblical Interpretation. Grand Rapids: Zondervan. 1990.

سيلفا، مويزس. Has the Church Misread the Bible? The History of Interpretation. In the Light of Contemporary Issues. Grand Rapids: Zondervan, 1987.

روبينسو، أنتوني. The Two Horizons: New Testament Hermeneutics and Philosophical Description. Grand Rapids: Eerdmans, 1980.

المنهج الوجودي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج فوق الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج فوق الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج فوق الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس

المنهج فوق الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس

كما رأينا، لقد وضع يسوع النموذج الذي اتبعه من كتبوا العهد الجديد، في التعامل مع الكتاب المقدس على أنه كتاب فوق طبيعي. فأمور مثل الحية النحاسية، وأحداث مثل الخروج من مصر، وكلمات مثل التنبؤ بأن إشعياء سيكون له ابن؛ وأشخاص مثل ملكي صادق – يتم فهمهم جميعاً على أنهم إشارات ليسوع المسيح.

بعض الشواهد تكون واضحة بما يكفي بحيث أن المفسرين اليهود للعهد القديم – قبل زمن المسيح – كانوا يرون باستمرار إشارات للمسيا. لكن العديد من الشواهد، مثل تلك التي أشرنا إليها أعلاه، لن ترد إلى ذهن الشخص الذي يبحث عن المعنى الذي كان يقصده المؤلف. فغير المؤمنين قد يقولون إن هناك معنى معين تم فرضه على النص.

أما المؤمنون فيقولون إن المعنى يظل مخفي إلى أن يكشفه المسيح أو رسله. ففي أي حدث، يتم رؤية الكتاب المقدس على أنه كتاب فوق طبيعي، هذا لأن الأحداث المستقبلية لا يمكن التنبؤ بها بدقة وتفصيل زمني، قبل حدوثها بسنوات كثيرة، بواسطة الحكمة البشرية وحدها.

المفسرون اليهود وآباء الكنيسة

لم تكن الطريقة التي فهم بها يسوع الكتب المقدسة وفسرها طريقة غريبة بالنسبة لسامعيه من اليهود. فعلى الرغم من أن بعض المفسرين اليهود تعاملوا مع العهد القديم على أنه وثيقة يتم فهمها بمعناها الواضح، إلا أن معظم المفسرين في زمن المسيح وضعوا على عاتقهم مسؤولية أن يكتشفوا المعاني والفروق الدقيقة والمخفية في الكتب المقدس.

كان المفهوم المحوري في تفسير أحبار اليهود، وربما في تفسير الفريسيين الأوائل كذلك، هو مفهوم “Midrash”، بمعنى أنه مفهوم يحدد “التفسير الذي إذ يتعمق فيما هو أبعد من مجرد المعنى الحرفي، يحاول أن يتغلغل في روح الكتب المقدسة، لكي يفحص النص من جميع الجهات، وبذلك يستخرج تفسيرات لا تكون واضحة مباشرة”[1].

توجد بعض التشابهات الموجودة بين فكرة المجاز اليهودية (التي تعتقد أنه بين طيات “الحرف”، أو المعنى الواضح، يوجد المعنى الحقيقي) وبين الطريقة التي تعامل بها من كتبوا العهد الجديد مع العهد القديم. لكن العهد الجديد لم يتعامل مع كل مقطع في العهد القديم بتلك الطريقة، كما رأينا.  الأكثر من ذلك، لا توجد في العهد الجديد الاستنتاجات المتطرفة والخيالية، التي تعتبر نموذجاً لتفسيرات أحبار اليهود.

كان علماء الكتاب المقدس في حقبة الكنيسة ما بعد الرسولية يميلون لاتباع مثال اليهود، بل والمجازيين اليونانيين، أكثر من مثال من كتبوا العهد الجديد. وعلى الرغم من وجود مجموعة من العلماء في أنطاكية (كريزوستوم، وتيودور من موبسيويستيا، وتيودوريت) الذين سعوا لتحديد المعنى الحرفي الذي كان يقصده المؤلفون، إلا أن تلك المدرسة الفكرية لم تنتشر في الكنيسة.

كليمينت، وهو واحد من آباء الكنيسة الأولين العظام من شمال أفريقيا، وتلميذه أوريجن الاسكندري، وضعا نموذجاً لفهم الكتب المقدس منذ القرون الأولى للكنيسة وحتى الإصلاح.

كان أوريجن يعتقد أن المعنى الروحي لمجيء رفقة لاستقاء ماء لعبيد إبراهيم وجماله هو أننا يجب أن نأتي إلى ينابيع الكتب المقدسة لكي نلتقي مع يسوع. كما علم كليمنت أن الخمسة خبزات التي أطعم بها يسوع الجموع كانت تشير إلى التدريب الإعدادي لليونانيين واليهود الذي كان يسبق حصاد القمح. أما السمكتان فتشيران إلى الفلسفة الهلينية: منهج الدراسة، والفلسفة نفسها.

في قصة الدخول الانتصاري، كان الجحش يشير إلى حرف العهد القديم، وأن الأتان، الذي ركبه يسوع كان هو العهد الجديد. كما أن التلميذان اللذان أحضرا الحيوانين إلى يسوع يمثلان المعنى الأخلاقي والمعنى الروحي: لكن رغم أن كليمنت كان يعتقد أنه يمكن أن يكون هناك معنى حرفي ومعنى روحي معاً في النص، إلا أن أوريجن كان يعتقد أن كل شيء في الكتاب المقدس له معنى مجازي رمزي.

هذا الاتجاه في التعامل مع الكتب المقدسة والذي يطلق عليه “the quadriga”، أو “الوسيلة الرباعية في التفسير”، تم تأسيسه بقوة منذ القرن الرابع وحتى القرن السادس عشر. قامت هذه الوسيلة بفحص كل نص من ناحية أربعة معان: حرفية، وأخلاقية، وباطنية (مجازية)، ونبوية. وقد تم تعليم ذلك المنهج بواسطة ترنيمة شهيرة:

الحرف يوضح لنا ما فعله الله وآباؤنا؛

المجاز يوضح لنا أين يكمن إيماننا؛

والمعنى الأخلاقي يعطينا قواعد للحياة اليومية؛

والمعنى النبوي يوضح لنا أين ينتهي جهادنا.

مثال على ذلك كلمة “أورشليم” حرفياً، تمثل أورشليم مدينة بذلك الاسم؛ ومجازياً، تعني أورشليم الكنيسة. أما نبوياً، فهي المدينة السماوية؛ وأدبياً، هي النفس البشرية.[2]

لقد اتخذ المصلحون موقفاً قوياً تجاه ذلك النوع من التفسير. فكان اهتمام لوثر، وكالفن، وزوينجلي هو أن يجدوا المعنى الذي قصده المؤلفون، وأن يجعلوا هذا المعنى هو السلطة للإيمان والأعمال. وقد اتحد هؤلاء المصلحون الثلاثة في رفض زعم الكنيسة في أن تكون هي المفسرة؛ وأكدوا على حرية وقدرة ومسؤولية الفرد في فهم معاني الكتب المقدسة. كما اتفق هؤلاء الثلاثة على سلطة كلمة الله باعتبار أنها فوق كل السلطات الأخرى.

واتفقوا على أن الكتاب المقدس بأكمله جدير بالثقة، وبالتالي، أن الكتب المقدسة يمكنها بل ويجب أن تفسر نفسها بنفسها. الأكثر من ذلك، لقد اتفقوا على أن استنارة الروح القدس هي أمر ضروري لفهم الكتب المقدسة، وأن الدراسة الجادة والقوية هي أمر مطلوب كذلك. لكنهم لم يتفقوا من جميع النواحي على كيفية تفسير الكتب المقدسة.

اختلف المصلحون في أن كالفن كان أكثر ثباتاً وتمسكاً في اتباعه لهذه المبادئ. فقد تمسك بشدة بالمعنى الواحد الواضح لنص الكتب المقدسة. أما لوثر فقد كان أقل تدقيقاً، وكان في بعض الأحيان يستخدم المعنى الرمزي لتفسير المقطع بطريقة تدعم لاهوته الخاص.

وكان تفسيره عقائدياً، يحكمه النظام اللاهوتي الذي كان منتمياً له – وهو الخلاص بالنعمة من خلال الإيمان وحده. أكثر من ذلك، كان تفسيره في بعض الأوقات على أسس ذاتية، أو يزعم أنه تلقاه عن طريق الاستنارة المباشرة بالروح القدس.[3]

لكن على الرغم من اختلاف المصلحين في تلك الطرق، إلا أنهم اتحدوا في التزامهم بالافتراضات المسبقة التي كان يعتنقها من كتبوا العهد الجديد:

1 – بأن الكتاب المقدس هو من الله، وأنه كتب بواسطة البشر.

2 – بأنه نقل مباشرة لمشيئة الله للبشر.

3 – أنه يمكن فهمه باللغة البشرية العادية.

لقد قدم المصلحون جسراً يعبر من المجهودات التفسيرية التي كانت في كثير من الأحيان خيالية ولا يمكن توقعها دائماً في القرون الأولى والمتوسطة للكنيسة، إلى الحقبة البروتستانتية، التي فيها أصبح المعنى الذي يقصده المؤلف هو موضوع البحث لمن يرغبون في فهم كلمة الله.

وإذ قام المصلحون بكسر قبصة التفسير المجازي الرمزي، كانت هناك نتيجة أخرى، وهي أن العقلانيين الآن قد أصبحوا أحراراً في التعبير عن وجهات نظرهم. وفي الحال، أصبح هناك من يرون الكتاب المقدس على أنه كتاب طبيعي صرف. في النهاية، أصبح المنهج الطبيعي سائداً في التفسير البروتستانتي للكتاب المقدس.

المُروحنون المعاصرون

(أي إعطاء روحانية للنص أكثر مما هي فيه)

بقولنا أن المصلحين قد جاهدوا لكي يقربوا الكنيسة أكثر إلى النظرة التي كان يعتنقها الكتاب المقدس نفسه، وأن المصلحين قد حرروا الكنيسة من أولئك الذين كانوا ينظرون للكتاب المقدس على أنه كتاب فوق طبيعي خالص أو حتى سحري، سيكون من الخطأ الكبير أن نفترض أن التفسير الرمزي قد توقف.

فالحقيقة أن هذا الاتجاه في تفسير الكتاب المقدس لا يزال سارياً ومزدهراً، خاصة في الدوائر الإنجيلية. فكر مثلاً في الاستخدام التالي للكتاب المقدس بواسطة أحد المفسرين المشهورين واسعي الانتشار:

ثالثاً، الصمت المطلوب من “الشعب” في هذه المناسبة قدم خطاً مهماً آخر في الصورة النموذجية التي أوردتها هذه الحادثة – رغم أنه خط لا يجذب بالتأكيد الكثيرين من المسيحيين في العصر الحاضر. إن احتلال إسرائيل لأريحا بلا شك سبق تصوير الانتصارات التي حققوها تحت قيادة الله، بواسطة الإنجيل. فالكهنة الذين كانوا ينفخون في الأبواق المصنوعة من قرون الكباش يصورون خدام الله وهم يبشرون بالكلمة.

إن منع “الشعب” من فتح أفواههم تكمن أهميته في أنه يصور أن الأفراد العاديين من المسيحيين لا يجب أن يكون لهم دور في التبشير الشفهي بالحق – فهم غير مؤهلين لذلك، وليسوا مدعوين لخدمة الكلمة. فلا يوجد في أي مكان في الرسائل حث واحد لهؤلاء القديسين على أن يشتركوا في التبشير العلني، وليس حتى على أن يقوموا “بالعمل الفردي” ويسعوا “لربح النفوس”.

كما أنه ليس مطلوب منهم أن “يشهدوا للمسيح” بسلوكهم اليومي في العمل وفي المنزل. بل عليهم فقط أن “يظهروا تسابيح الله”، أكثر من أن “يخبروا” بها. عليهم أن يدعوا نورهم يضيء. فشهادة الحياة هي أكثر تأثيراً من كلام الشفتين السطحي. فالأفعال صوتها أعلى من الكلمات.[4]

لن ينفع لتبرير تلك الطريقة في التعامل مع الكتاب المقدس أن نقول إن هناك معنى واحد فقط لكن تطبيقات كثيرة. صحيح أن المقطع يمكن أن يتم تطبيقه بعدة طرق بالنسبة للخلفيات المعاصرة، لكن أن نتعامل مع الكتاب المقدس بهذه الطريقة، ونستخرج منه رسالة تبعد كثيراً عما يقصده المؤلف، فهذا نموذج للتفسير الذي لا يتعامل مع المؤلف وقصده بمحمل الجد.

في مثل هذا المنهج، لا يكون للكتاب المقدس سلطته الخاصة، ولا يكون حراً في أن يذكر هدفه المعين ويطلب الطاعة لتعاليمه، بل بدلاً من ذلك، فإنه يُستخدم لهدف آخر يكون في ذهن المفسر من خلال عملية الروحنة – والعثور على معنى خفي في النص.

تكون براعة دارس الكتاب المقدس هي القيد الوحيد لتفسيراته المثيرة للكتاب المقدس في مثل هذا المنهج. فعندما يقوم واعظ بالتعامل مع حدث تاريخي مباشر على أن له مضامين خفية وحقائق روحية مثيرة، فلا عجب في أن الكثيرين من المسيحيين الإنجيليين يتعاملون مع الكتاب المقدس بنفس الطريقة في الاستخدام التعبدي وفي طلب المشورة.

كثيرون من المسيحيين المخلصين في قراءة الكتاب المقدس بطريقة تعبدية يشعرون “بالبركة” فقط عندما يجدون فكرة مدهشة مفاجئة يوحي بها النص، وتكون فكرة ليس لها علاقة بقصد وهدف المؤلف. فبالنسبة لهم، يبدو السعي لمعرفة مشيئة الله من خلال الدراسة المتأنية وفهم قصد المؤلف، عملاً جافاً ومملاً.

وبنفس الطريقة، يستخدم كثيرون من المسيحيين الكتاب المقدس بطريقة “سحرية” للحصول على إرشاد معين للقرارات التي يجب أن يتخذوها، مثل، إلى أين يذهبون، وماذا يشترون، وما الوظيفة التي يقبلونها – والتي يتم اكتشافها جميعاً من خلال مقاطع الكتاب المقدس التي، بالمصادفة العجيبة، يكون لها معنى مزدوج. لكن أولاً، هناك الرسالة التي يقصدها المؤلف، ثم هناك المصادفة غير المرتبطة بالموضوع الذي لا يتشابه مع خبرتهم الشخصية الحالية.

على سبيل المثال، قد يسعى زوجين شابين لطلب مشيئة الرب بشأن وظيفتهما الحالية في منطقة جبلية في الولايات المتحدة، ورغبتهما في أن يذهبا عبر البحار لخدمة إرسالية في إحدى الجزر. وأثناء قراءتهما في الكتاب المقدس يكتشفان الأمر القائل: “كفاكم دوران بهذا الجبل” (تثنية 2: 3).

ويلي ذلك اكتشافهما لنبوة كتابية أخرى تقول: “وتنظر الجزائر شريعته” (إشعيا 42: 4). فماذا يمكن أن يكون توجيهاً أوضح لحياتهما الشخصية من تلك الكلمات ذات السلطان من الكتاب المقدس؟ فلا يهم عندها إن كانت الرسالة التي تلقوها ليست لها أية علاقة بالرسالة التي كان يقصد الكاتب توصيلها.

إنني لا أقول إن الله لم يقدم إرشادات مطلقاً من خلال مثل هذه المصادفات الجيدة، فهو ربما يستخدمها، كما يحدث في ظروف الحياة، مثل لقاء شخص بطريق “المصادفة”، والذي يصبح جزءًا مكملاً لإرشاد الله. لكن الكتاب المقدس لم يُعط لأجل هذا الغرض، وعندما نستخدمه بهذه الطريقة، زاعمين السلطة الكتابية أو تصديق الله على قراراتنا الشخصية، فإننا بذلك نسيء استخدامه.

كما يمكن للمصادفة أن تحدث كذلك كترتيب من العناية الإلهية من خلال الصحف اليومية، مفترضة مساراً ما للسلوك للشخص الذي يسعى لمعرفة مشيئة الله. لكن لا يمكن للمرء أن يزعم، في كلتا الحالتين، إعلاناً معصوماً من الخطأ لمشيئة الله، كمثل ما يمكنه أن يزعم بالنسبة لتعاليم مقطع كتابي قصد المؤلف توصيلها.

بل أن الكتاب المقدس يساء استخدامه بصورة أكبر إذا كانت هذه “الرسالة” السرية من الله تم استخدامها لاستبعاد تعليم واضح للكتاب المقدس – أو مبدأ كتابي، على سبيل المثال، يحظر المسار المقترح للسلوك. لأن الروح القدس لن يقول مطلقاً شيئاً من خلال كاتبي الكتاب المقدس، ثم يقوم بمناقضته أو تغييره بالنسبة للقارئ.

بكلمات أخرى، لن يقوم الله بإرشاد المسيحي من خلال فهم أو تطبيق للكتاب المقدس يبتعد بأي حال من الأحوال عما هو مكتوب. فإن لو قام بذلك، لن تكون هناك طريقة لمعرفة إن كان تفسيرنا هذا من الروح القدس، أم من ميولنا الخاطئة، أم من الشيطان، أم من باعث نفسي أو مادي آخر.

يجب أن يكون واضحاً أن الانطباعات الذاتية لا يمكن أن تتناقض مع تعاليم الكتاب المقدس، إن كنا نريد أن يكون الكتاب المقدس هو السلطة الوظيفية لتفكيرنا وسلوكنا.

لكن الخطر الأساسي من الاعتماد على الانطباعات الذاتية التي يثيرها الكتاب المقدس ليس أن تتناقض مع الكتاب المقدس، بل أن تمضي لمعان أكثر مما يقصده الكتاب المقدس، فتجد معاني لم يقصدها المؤلف على الإطلاق، خاصة فيما يتعلق بالمشورة والإرشاد الشخصي، ثم استخدام هذه الانطباعات بسلطة إلهية كما لو كانت كلمة الله المعصومة من الخطأ.

بمعنى أن استخدام الكتاب المقدس كوسيلة عادية للإرشاد الشخصي يروج لوهم “الحق المعلن” الذي يكون مستوى سلطته أعلى من سلطة ظروف العناية الإلهية الأخرى في الحياة، لمجرد أن هذا “الإرشاد” موجود في الكتاب المقدس.

لكن الكتاب المقدس يجب أن يستخدم للإرشاد “بطرق صحيحة”. وهذه الطرق الصحيحة تتكون من مشيئة الله المعلنة للسلوك البشري، التي تتفق مع المعنى الذي كان يقصده المؤلف. فعندما يكون للنص علاقة عرضية بالظروف الشخصية الحالية والقرار المبني على مثل هذا “الإعلان”، يمكن عندها للشخص أن ينادي فقط بانطباعه الذاتي الخاص عن إرشاد الروح القدس من خلال ظروف غير معتادة، وليس بسلطة الإعلان الكتابي.

إن الخطأ الأساسي في كل المناهج الأربع الخاطئة في التعامل مع الكتاب المقدس هو صفة الذاتية. ففي خاصية الذاتية، يصبح المفسر هو السلطة المطلقة النهائية للتفسير. وقد رأينا أن المنهج الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس هو ذاتي، لأن المفسر يقرر مسبقاً ما هو المقبول في الكتاب المقدس، بحسب افتراضاته الطبيعية المسبقة. على أن النوع الأقل ظهوراً للذاتية، خاصة بالنسبة للذين يتأثرون به، هو الروحنة الذاتية.

يعتبر الإنجيليون أكثر عرضة لهذا الخطأ، ربما لأنهم يتعاملون بجدية مع العلاقة بين الروح القدس وكلمة الله. لا يمكن الاستغناء عن عمل روح الله في التفسير الكتابي السليم. فقد ألهم الروح القدس الأشخاص الذين كتبوا الكتاب المقدس، وهو الذي ينير أذهان المسيحيين الذين يقرأون هذه الكلمات بعد ذلك بقرون.

فالوحي أو الإلهام يعني أن الله كان يراقب تدوين الكتاب المقدس حتى آخر كلمة فيه. والاستنارة تعني أن الروح القدس يعمل الآن في المسيحي لكي يساعده على فهم ما هو موجود بالفعل في الكلمة، ويساعده على تطبيق الكلمة بطريقة أصيلة وصحيحة.

أعطانا الوحي إعلاناً لمشيئة الله بدون خطأ، بحسب ما يقر الكتاب نفسه. ولكن الكتاب المقدس لا يقر بمثل هذا الوعد بالنسبة للإستنارة أو الفهم أو التطبيق الذي يساعد عليه الروح القدس. فكما يعمل الروح القدس فينا لكي يجعلنا قديسين، ولكننا لسنا قديسين بعد، هكذا يعمل فينا أيضاً لكي ينير أذهاننا من خلال الكتاب المقدس، لكن نتيجة هذه الاستنارة ليست فهماً كاملاً، لأنها لو كانت كذلك، لاتفق جميع المفسرين الأتقياء معاً في تفسيراتهم.

فعندما يتعامل المفسر مع الاستنارة كأمر معصوم من الخطأ، تماماً كما يتعامل مع نص الكتاب المقدس، يكون عندئذ قد سقط في الذاتية. لأنه عندما يدعى شخص ما مثل هذه السلطة في تفسيره لمعاني الكتاب المقدس يكون أمراً سيئاً بما يكفي، لكنه عندما يدعي مثل هذا المستوى من السلطة في انطباعه الذاتي بخصوص الإرشاد الشخصي، فإنه يخطئ أكثر، لأنه يتجاوز معنى النص الموحى به.

هل هذا يعني أن التفسير السليم و”البركة” الذاتية هما أمران متبادلان؟ بالتأكيد! لأن استخدام مبادئ التفسير لفهم وتطبيق الكتاب المقدس بصورة أصيلة، وإدراك المعنى الذي يقصده الله، سوف يسر الله بالتأكيد، ولكنه سيأتي أيضاً بالبركة الشخصية لحياتنا. فالكتاب المقدس يجب أن يكون له علاقة موضوعية بحياتنا، وإلا لن يتحقق هدفه في تغييرها. لكن التشبه بالمسيح لن يتحقق عندما نجعل الله وكلمته يتفقان معنا. لكن عندما نكون نحن أنفسنا متفقين مع الله ومع كلمته.

هل يوجد أكثر من معنى واحد؟

هل لكل مقطع كتابي معنى واحد، أم أن هناك معان خفية يجب استخراجها من خلال اتباع قواعد خاصة في التفسير، أم من خلال الحدس المباشر بالروح القدس؟ يقدم لنا الكتاب المقدس أمثلة لكلمات تم إعلانها لشخص، ومعنى هذه الكلمات تم إعلانها لشخص آخر. فعلى سبيل المثال، في اختبار كل من يوسف ودانيال، أعطيت الرسالة اللفظية أو الرؤية لشخص، بينما التفسير قد أعطي لشخص آخر (تكوين 41؛ دانيال 2).

فهل هذا هو ما حدث في حالة الكتاب الذين كتبوا العهد الجديد وبالنسبة ليسوع نفسه؟ هل كان لمؤلفي العهد القديم معنى واحد في ذهنهم، بينما كان المؤلف (الله) الذي هو خلف أولئك المؤلفين يقصد معنى آخر أو إضافياً، كشفه لشخص آخر في العهد الجديد؟

يوجد على الأقل رأيان في هذا المسألة. يعتقد البعض أنه يمكن أن يكون هناك معنى واحداً فقط للمقطع الكتابي إذا كانت اللغة يعتمد عليها وكان إيصالها للمعنى ممكن. هؤلاء الناس لا ينكرون احتمال أن يكون هناك عدة تطبيقات للمعنى الواحد. بل الأكثر من ذلك، فهم لا ينكرون احتمال أن يكون هناك معنا آخر أشمل محتوى داخل الإعلان الأصلي.

على سبيل المثال، في المشكلة الصعبة الخاصة باقتباس متى بشأن دعوة ابن الله من مصر (متى 2: 14-15)، يشير هذا الاقتباس بوضوح إلى خروج إسرائيل من مصر (هوشع 11: 1). فكيف إذاً يشير متى بذلك إلى إقامة مريم ويوسف والطفل يسوع في مصر؟ ألا يوجد هنا معنى مزدوج؟ لذلك فإن من يعتقدون بأن هناك معنى واحد فقط، وأن ذلك المعنى كان هو القصد الواعي للمؤلف، يفهمون المقطع على أنه تصريح عن قصد الله تجاه الرب يسوع منذ البداية.

وأثناء عملية الإعداد لهذا الأمر، وكرمز لحقيقة أن يسوع المسيح كان سيأتي من مصر، سمح الله لشعبه إسرائيل أن تكون لهم إقامة هم أيضاً في مصر. فالحقيقة أنه في البداية، دعا الله أول شخص اختاره، إبراهيم، من مكان اقامته في مصر. لذلك فإنه منذ البداية، كان هناك معنى واحد هو المقصود. لكن التحقيق التام لذلك المعنى انتظر حتى مجيء الشخص الذي حققه بالكامل.

هناك آخرون يجدون صعوبة في مثل هذا الاتجاه, إذ أنهم يؤمنون أن هناك مقاطع معينة في الكتاب المقدس لا يمكن تفسيرها على أن لها معنى واحد؛ فمثل هذه المقاطع يمكن أن يكون لها أكثر من معنى واحد مقصود. فالمعنى الثاني (الخفي أو الأقل ظهوراً) كان يمكن أن يكون في ذهن المؤلف أو ربما كان فقط في ذهن الروح القدس، الذي أوحى للمؤلف.

في كلتا الحالتين، فإنهم يعتقدون أن المعاني الإضافية موجودة هناك بواسطة القصد الإلهي. فالروح القدس قام بترميز الرسالة، ثم قام في وقت لاحق بإعلان المعنى الثاني لها من خلال متحدث آخر ملهم من الله. (معظم الكتب المقدسة التي يوجد جدل حاد بشأنها تتضمن نبوات). لكن سنقوم بالتعامل مع هذه المشكلة بتعمق أكثر في الفصل 18.

لكن لا بد من التسليم بأنه أمر مشروع بالنسبة لمؤلف أن يكون له معنى ثاني أو خفي. فإن كان أوليفر ويندل هولمز، مؤلف “The One-Hoss Shay”، قصد أن يكتب بيت شعري ليس فقط عن تحطم عربة تجرها الخيول، لكن لكي يسخر من النظام الكالفيني، فقد كان هذا حقه. وإن قصد كاتب فكاهي أن يخفي رسالة سياسية في مؤلفه الفكاهي، فإن له الحق الكامل في أن يقوم بذلك. فالحقيقة أن هذه تقنية أدبية شائعة.

لكن هناك قاعدة واحدة يجب مراعاتها، وهي أنه إذا تنصل المؤلف عن معنى خفي، لا يمكن لشخص آخر بمنتهى الثقة أو السلطة أن ينسب له هذا المعنى الخفي. بكلمات أخرى، أن المؤلف نفسه هو الوحيد الذي يستطيع بصورة شرعية أن يعرف ذلك المعنى الثانوي. هذه هي الحال مع الكتاب المقدس. إذا تم التسليم بأن هناك معنى ثانوي في مقاطع معينة. فالروح القدس هو الذي أوحى للمؤلف وهو الذي أوحى فيما بعد بالتفسير لذلك المؤلف.

إن مسألة ما إذا كان المؤلف لديه معنى مباشر ومعنى آخر أشمل في ذهنه هي أمر معقد وشديد الأهمية بالنسبة لغرضنا هنا من إقامة افتراض أساسي لفهم الكتاب المقدس، أعتقد أن هذه المسألة تحتاج أن يتم حسمها. لأنه حتى لو اعتقد المرء أن هناك معنى واحداً فقط في المقطع، وأن المؤلف كان على وعي بهذا المعنى في البداية وفي المضمون النهائي، إلا أنه يجب علينا أن نتفق أن ليس أي إنسان يمكنه أن يميز ذلك المضمون الأشمل أو النهائي.

ومن ناحية أخرى، إذا اعتقد الإنسان أن هناك مقاطع معينة في الكتاب المقدس تم ترميزها عن عمد بمعنى مزدوج – أحدهما واضح والآخر سيتم التعرف عليه في وقت لاحق – مرة أخرى، ليس أي شخص يمكنه أن “يفك الشفرة” أو يجد ذلك المعنى الخفي.

هذه نقطة مهمة، فمهما كان الوضع الذي لدى الشخص فيما يخص بمسألة المعنى الخفي أو الثانوي في النبوات، أو المعنى الأشمل المقصود منذ البداية، فإن يسوع المسيح أو كتاب الكتاب المقدس الموحى لهم هم الأشخاص الوحيدون الذين يمكنهم أن يحددوا ذلك المعنى الثانوي أو الأشمل. فعندما تحدث المسيح، كان له كل الحق في تفسير المؤلف. نفس هذا الأمر يمكن أن يقال عن أولئك الرسل الذين خول لهم أن يعلنوا عن مشيئة الله من خلال العهد الجديد.

فأن ينسب الشخص معان خفية للكتاب المقدس، فإنه بذلك يفترض لنفسه سلطة مساوية أو لاغية لسلطة ذلك المؤلف. فالمفسر، سواء كان فرداً أو كنيسة، يعني بذلك أنه سلطة تعلو فوق سلطة الكتاب المقدس. لكن الكتاب المقدس يجب أن يكون هو السلطة النهائية المستقلة لما يقوله الله لشعبه.

صحيح أن الإعلان هو فوق طبيعي في محتواه وفي الطريقة التي أعطي بها، وأن الكتاب المقدس له تأثيرات فوق طبيعة في حياة الذين يقرأونه ويسمعونه. لكن الأداة في توصيل تلك الرسالة فوق الطبيعة هي طبيعة، فهي اللغة البشرية التي توصل كلمات مفهومة لما هو في فكر الله.

فإن كان هناك معنى خفي، فإن المؤلف البشري أو الله نفسه هما الوحيدان اللذان لديهما السلطة لتأكيد ذلك. لذلك فإن أبناء الله الذين يرغبون في معرفة مشيئته وعملها يجب أن يدرسوا باجتهاد لك يتمكنوا من التعامل بطريقة سليمة مع كلمة الحق. فيجب عليهم أن يبذلوا كل اجتهاد لكي يتعرفوا على المعنى الواحد المقصود للمؤلف، وليس أن يبحثوا عن معان خفية.

وعندما يقوم الرب يسوع نفسه أو أحد مؤلفي الكتب المقدسة بإظهار معنى خفي في النص الكتابي، فإننا نفرح بذلك، ولا نندهش، لأن الكتاب المقدس هو كتاب فوق طبيعي، وهناك مؤلف واحد (الله) خلف كل هؤلاء المؤلفين له. لكننا يجب أن نترك مثل هذا النوع من التفسير لمؤلفي الأسفار المقدسة، إذ أننا غير مخولين من الله لأن نكون متحدثين باسمه معصومين من الخطأ بإعلان إضافي.

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

أكرويد، بي آر، وسي إفي إفانز، محرران. The Cambridge History of the Bible Cambridge: U. Press 1970.

فارار، فريدريك دبليو. History of Interpretation. 1886 reprint. Grand Rapids: Baker, 1961.

جرانت، روبرت إم. A Short History of the Interpretation of the Bible. مع ديفي تريسي طبعة ثانية منقحة Philadelphia: Fortress, 1984.

“History of the Interpretation of the Bible” The Interpreter’s Bible.

 New York: Abingdon-Cokesbury, 1952. 1:106-41.

سمولي، بيريل. The Study of the Bible in the Middle Ages. Notre Dame: U. of Nortre Dame, 1964.

وود، جيمس دي. The Interpretation of the Bible: A Historical Introduction. London: Duckworth, 1958.

[1] إس هوروفيتز، Midrash, Jewish Encyclopedia، 12 مجلد (New York: Ktav, 1904)، 8: 548.

[2] جيمس دي وود، The Interpretation of the Bible: A Historical Introduction (London: Ducworht, 1958)، صفحة 72.

[3] نفس المرجع. صفحة 87. انظر أيضاً بيمارد رام، Protestant Biblical Interpretation (Grand Rapids: Baker, 1870)، صفحة 54.

[4] آرثر دبليو بينك، Gleanings in Joshua (Chicago: Moody, 1978)، صفحة 102.

 

المنهج فوق الطبيعي لتفسير الكتاب المقدس

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز لي ستروبل

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز – لي ستروبل

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز لي ستروبل

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز – لي ستروبل

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز – لي ستروبل

بينما نتفحص كل الأدلة، تثار بقوة فكرة أن هناك قوة فائقة للطبيعة لا بد وأن تكون قد تدخلت. هل من الممكن أننا فجأة وبدون قصد، عثرنا بالصدفة على دليل علمي على وجود كائن فائق؟ هل الله هو الذي بدأ وصمم بعناية إلهية هذا الكون لفائدتنا؟

الفلكي جورج جرينشتاين[1]

إن الفلك يقودنا إلى حدث فريد من نوعه؛ إلى كون خُلق من العدم، كون يتمتع بأقصى توازن دقيق مطلوب لتوفير الشروط التي تسمح بوجود حياة، وكون له خطة كامنة (أو كما يقول واحد) “فائقة للطبيعة”.

أرنو بنزيا – حاصل على جائزة نوبل[2]

لا يوجد شيء غير عادي عن الأرض. أنها صخرة متوسطة بسيطة تدور بتلقائية حول نجم غير مميز في مجرة غير مميزة – “بقعة منعزلة في هذا الظلام الكوني الرهيب” كما قال الرحل كارل ساجان[3].

إن حقيقة أن الحياة تزدهر على كوكبنا ليست استثنائية. يقال لنا إن المخلوقات على أنواعها تتكاثر بلا شك في مواقع لا حصر لها بنا العشرة تريليون بليون نجماً في الكون. وقد قدر بعض العلماء أن هناك ما يصل إلى 10 تريليون حضارة متقدمة[4]. ووصل ساجان لرقم مليون بالنسبة لمجرتنا الطريق اللبني لوحدها.

وبالإجمال، فإن قوى الطبيعة أوتوماتيكية جداً حتى أنه من المؤكد أن الحياة قد ظهرت حيثما وُجد الماء. ولهذا عندما يثير العلماء فكراً جديداً عن الماء السائل كونه موجوداً على جسم سماوي آخر، فإن العوالم السرية لقمري كوكب المشتري المتجمدان يوروبا Europa، وجانيميد Ganymede هما حالياً الأمثلة الحية – ثم إن الادعاء الأوتوماتيكي هو أن الكائنات الحية لا بد بالضرورة أن تتبع ذلك.

إن كان بإمكان الحياة أن تظهر من اللا حياة بسرعة وبكفاءة كبيرة على كوكب عادي ككوكبنا كما يعتقدون، فلماذا لا يحدث هذا إذاً عبر مئات بلايين المجرات؟ بالنسبة لهم، تشبه الحياة مزيجاً من الحساء: أضف الماء فحسب![5]

إن عنوان كتاب الفلكي البيولوجي ديفيد دارلنج الذي صدر حديثاً يلخص بأناقة هذه الفلسفة المتفائلة؛ وهو “الحياة في كل مكان Life Everywhere”[6] إنه متحمس بخصوص التأكيدات القائلة بأن “الحياة قد تظهر بطريقة محتومة حيثما يتلاقى معاً مصدر طاقة مناسب، ومخزون مركز من المادة العضوية (المعتمدة على الكربون) والماء”. وقال إن هذه المكونات “تبدأ في أن تبدون موجودة في كل مكان في الفضاء”[7]. ونتيجة هذا، يعتقد ان الحياة الميكروبية على الأقل “منتشرة”[8].

باختصار، فإن الأرض ليس لها حالة مميزة. فالعالم البولندي نيكولاس كوبرنيكوس قلل من ذاتنا المبالغ فيها بوضعنا في مكاننا منذ زمن بعيد – فالكون لا يدور حولنا؛ ولكن بدلاً من ذلك، نحن اللذين نعيش في قرية رتيبة بعيداً جداً في ضاحية يصعب وصفها من مجرد الطريق اللبني الواسعة. ليس لدينا دوراً عظيماً، ولا معنى، ولا أهمية، ولا سبب لنكون أكثر من مجرد …. كائنات.

قال ريتشارد داوكنز من أكسفورد: “إن الكون الذي نلاحظه يتمتع بدقة بالخواص التي يجب أن نتوقعها إن كان هناك لا تصميم، ولا هدف، ولا شر أو خير، ولا شيء سوى اللامبالاة القاتلة والرهيبة”.

وهذا هو جوهر ما تعلمته عندما درست العلوم. فبالطبع دعمت هذه الاستنتاجات قيمي الإلحادية. وتمكنت بشكل ما أن أتجنب الاكتئاب الشديد بالتضمينات الشخصية لكل هذا، ومن الغريب أنني وجدت الرجاء والإلهام في الاعتقاد بأننا لسنا وحدنا في الكون. فحتى إن كان الله غير موجود، فعلى الأقل كانت هناك ملايين من الحضارات المتقدمة الأخرى[9].

رسائل لاسلكية إلى هرقل

منذ أن شاهدت للمرة الأولى الفيلم الكلاسيكي The Day the Earth Stood Still، وأنا طفل، أسرت بالصور الخيالية عن الحياة المتكاثرة داخل المجرات المصورة بالخيال العلمي. وبالطبع كان فيلمي Star Trek، وStar Wars سخيفان، لكن فكرة المخلوقات الغريبة الأخرى التي تعيش في زوايا وأركان الكون كانت ملفتة وحتى مريحة دائماً بالنسبة لي.

وبعد ذلك انبهرت بمعادلة Drake؛ وهي محاولة من الفلكي فرانك دريك لحساب عدد الحضارات التي قد توجد في مجرتنا. وعوامل المعادلة في مثل هذه المتغيرات مثل كم نجماً يمكنه أن يشبه شمسنا من بين الـ 200 – 300 بليون نجم في الطريق اللبني، ونسبة النجوم التي قد تكون بها كواكب في مناطق مسكونة، إلخ.

ومع أن الأرقام المحددة التي وضعها العلماء فيما بعد في معادلة دريك قد بلغت في مجملها تخمينات متأثرة بتحيزاتها الشخصية، اعترف عالم أنها كانت “طريقة لضغط كمية كبيرة من الجهل في فراغ صغير.”[10] – وهذا ما أعطى نوعاً من التأكيد العلمي لقضية تثير الكثير من التفكير.

ثم ابتهجت في منتصف السبعينات عندما أرسل دريك وساجان رسالة تهنئة للمجموعة الكونية العظيمة M13؛ والتي هي تركيز لربع مليون نجم في مجموعة نجوم هرقل، وفيما عرفت أنه لم يكن هناك الكثير من العلم العملي المتضمن في هذه المكالمة التليفونية عبر المجرات – فالأمر سيأخذ أكثر من 22000 سنة لوصول هذه الرسالة إلى مكانها المقصود – ومع ذلك كان هناك شيء رومانسي وجريء بخصوص محاولة الاتصال بالحضارات التي من المرجح جداً أنها سكنت تلك النجوم البعيدة.

كل هذا ساعد في تشكيل منظوري فيما كنت أتأمل عبر السنوات النجوم المتلألئة في السماوات المظلمة. أما الآن فقد تغير اتجاهي. فبعد دراسة آخر دليل من وجهات نظر علمية مختلفة – من الفلك إلى علم الكونيات إلى الجيولوجيا إلى علم المحيطات إلى الميكروبيولوجي – اتجهت استنتاجاتي إلى الاتجاه المعاكس.

يتضح أن الأرض يمكن أن تكون أي شيء سوى أن تكون شيئاً عادياً، وأن شمسنا أبعد من أن تكون متوسطة، بل وحتى موقع كوكبنا في المجرة موقع محظوظ بدرجة عجيبة. إن فكرة أن الكون هو مكان مزدهر لحضارات متقدمة تٌقوض الآن بالاستكشافات العلمية الجديدة المذهلة وبالتفكير الحديث.

وباختصار، فإن بالاستكشافات الجديدة تقول بأننا متميزين. فهناك أعداد متزايدة من العلماء يدرسون الالتقاء المذهل لنقاط “التزامنات” التي تجعل الحياة الذكية ممكنة على الأرض، ومستنتجين أن هذا لا يمكن أن يكون صدفة. إنهم يرون علامات تصميم، ونوعاً من تعديل حياة يشبه تعديل الفيزياء الذي استكشفناه في الفصل السابق.

في الواقع، قال باحث لامع: “إن الأدلة الحديثة التي استطاعت بقوة تفنيد فرضية [التصميم] انتهى بها الحال بتأكيدها”[11]. ومرة أخرى نجد أن دليل العلم يشير إلى خالق.

وبدلاً من أن تكون حياتنا بلا هدف، يقوم العلماء للمرة الأولى بالكشف عن أدلة ملموسة تقترح غرضاً مذهلاً واحداً على الأقل خلقنا من أجله؛ وهو أن نكتشف ونتعلم عما يحيط بنا في المكان الذي وضعنا فيه.

وبمعنى آخر، كما سنرى في هذا الفصل، أن هدفاً واحداً صُممنا لأجله هو أن نقوم بالعلم نفسه.

المكان الصحيح والزمان الصحيح

مع بزوغ فجر الألفية الجديدة، نشر الجيولوجي بيتر وورد، والفلكي دونالد براونلي[12] – وهما أستاذان بجامعة واشطن في سياتك – كتاباً ناجحاً ومثيراً للجدل أثار هذا السؤال المزعج بخصوص الأرض: “ماذا إن كانت فريدة تماماً: الكوكب الوحيد الذي به حيوانات في هذه المجرة أو حتى في الكون المرئي…. ؟”

وكتابهما “الأرض النادرة Rare Earth” ينظم الأدلة من مدى عريض من الفروع العلمية لبناء دفاعه بأن “ليس فقط الحياة الذكية، بل أيضاً أبسط مظاهر الحياة الحيوانية نادرة للغاية في مجرتنا، وفي الكون”[13]. وتوصلوا إلى الاستنتاج “الذي لا يمكن الهروب منه” بأن “الأرض مكان نادر حقاً”[14].

ومع أن وورد، وبراونلي يؤمنان بأن الحياة الميكروبية ربما تكون أكثر سيطرة؛ وهي رؤية يستخلصانها من الطريقة التي بد فيها أن الحياة قد تطورت على الأرض دون أدنى مجهود “بقدر ما سمحت الظروف البيئية ببقاءها”[15]، فإن اقتناعهما بأن وجود حياة معقدة أمر “نادر بطريقة استثنائية” هو اقتناع مدعم ببيانات مقنعة منفصلة عن أي إطار لاهوتي.

أطلق دون جوهانسون – مدير معهد الأصول الإنسانية في جامعة ولاية أريزونا – على كتابهما “عقلاني بحرص وماكر علمياً”، وقال: “رغم تفكيرنا التواق، ربما لن يظهر موزارت أو مونيه آخر”.[16] وأضاف ديفيد ليفي الذي أطلق اسمه على المذنب Shoemaker-Levy* “إن الحياة المعقدة كما نعلم قد تكون نادرة جداً، وثمينة جداً”[17] وقالت جريدة Times of London: “إن كانا على حق، فربما آن أوان عكس عملية كانت مستمرة منذ كوبرنيكوس”[18].

يلاحظ علماء متزايدون الطرق المدهشة التي يتمكن بها كوكبنا – على خلاف كل الشواذ – من تحقيق عدداً كبيراً من المعايير جيدة الاتزان الحاسمة تماماً لتدعيم موطناً مناسباً للبشرية.

قال معلما العلم جيمي ديفيز وهنري بو: “أهم من كونه كوكباً واحداً من بلايين الكواكب، فإن كوكب الأرض يبدو الآن الأرض الاستثنائية. فالبيانات تتضمن أن الأرض ربما تكون الكوكب الوحيد “في المكان المناسب في الزمان المناسب”[19].

تأكيـد جـريء

إن موقع الأرض، وحجمها، وتركيبها، وبنيتها، وجوها، ودرجة حرارتها، وحركاتها الداخلية، ودوائرها المعقدة الضرورية للحياة – دورة الكربون، ودورة الأوكسجين، ودورة النيتروجين، ودورة الفوسفور، ودورة الكبريت، ودورة الكالسيوم، ودورة الصوديوم، إلخ – تشهد بأن كوكبنا متزن بإتقان[20].

إنهما يذكران كيف أن جو الأرض يُزيل الأشعة فوق البنفسجية الضارة بينما يعلم مع المحيطات ليجعل المناخ معتدلاً من خلال تخزين وإعادة توزيع الطاقة الشمسية، وكيف أن الأرض من الكبر بمكان حتى إن جاذبيتها تحتفظ بالغلاف الجوي، ومع ذلك فهي من الصغر بمكان حتى إنها لا يمكنها الاحتفاظ بالكثير من الغازات الضارة. ثم يصفان داخل الأرض هكذا[21]….

…. محرك حراري ضخم، لكنه متزن بدقة يحفزه النشاط الإشعاعي…. إن كانت تسير ببطء أكثر… لما كانت القارات تشكلت على وضعها الحالي…. ولما انصهر الحديد ووصل لمرحلة السائل، ولما تطور المجال المغناطيسي… وإن كان هناك مزيد من وقود النشاط الإشعاعي، ومن ثم محرك دائر، لغطى الغبار البركاني الشمس، وصار الغلاف الجوي أكثر كثافة، وتحطم السطح بزلازل يومية وانفجارات بركانية[22].

هذا النوع من العلميات الجيولوجية عالية التنسيق – وهناك الكثير منها – يثير تفكري بقوة إزاء الطرق المذهلة التي يتهيأ بها مجالنا الحيوي بدقة للحياة. ومع ذلك، فإن الأكثر إثارة هو لماذا يحدث هذا. ما تفسير كل هذه “التزامنات” المدهشة؟

بينما كان بريس وسايفر مندهشان من أن الأرض “مكان خاص جداً”، إلا أنهما لا يؤكدان إمكانية التصميم.[23] أما وورد وبراونلي فيتجنبان القضية في كتاب “الأرض النادرة Rare Earth”، مفضلين بدلاً من هذا عادة أن يذكروا كلمات من قبيل “حظ تام”، و”صدفة نادرة تحدث”[24] وقد قال وورد في مؤتمر: “نحن محظوظون جداً. فشخص ما كان عليه أن يربح اليانصيب، وكنا نحن الرابحون”.

ولكن هل يفسر الحظ فعلاً لماذا تتمتع الأرض بهذا التقارب المذهل للظروف غير المحتملة تماماً التي سمحت بازدهار الكائنات الحية؟ بالعودة إلى الماضي، توصل المسيحيون إلى استنتاج مختلف تماماً: أن الله خلق الأرض كالمسرح الذي تجري عليه الدراما الإنسانية. والمثير في العلم الحديث – بما فيه الاكتشافات الحديثة في السنوات الأخيرة – هو أن رؤية الكون هذه تبدون مدعمة اليوم بشكل أفضل بكثير من الماضي.

فكر في استنتاج مايكل دينتون زميل بحث كبير في الجينات الجزيئية الإنسانية في جامعة أوتاجو في نيوزيلانده، في كتابه “مصير الطبيعة Nature’s Destiny” في العام 1998:

لم يتصور إنسان ان نظرية أو فكرة أخرى على الإطلاق يمكنها أن تتعادل في جراءتها وقوتها هذا التأكيد القوي… إن كل السماوات المرصعة بالنجوم، وأن كل أنواع الحياة، وأن كل خاصية من الواقع موجودة [كي تخلق موطناً مناسباً] للبشرية… ولكن اللافت للنظر جداً، هو أنه بافتراض جراءتها، إلا أنها تأكيد بعيد جداً عن أسطورة غير علمية مشكوك فيها. وفي الواقع، لم تتمكن أية ملاحظة من إثبات خطأ الافتراض. واليوم، بعد أربعة قرون من الثورة العلمية، بدأت هذه الفكرة تظهر من جديد. وفي هذه العقود الأخيرة من القرن العشرين تدعمت مصداقيتها باكتشافات في فروع عديدة من العلم الجوهري[25].

ما مدى صدق هذه الكلمات؟ هل الشروط الخاصة التي تسمح بالحياة على الأرض تتطلب مصمماً؟ للبحث عن إجابات دقيقة، رتبت لقاء في مطار أوهير O’Hare الجوي في شيكاغو مع خبيرين اشتركا في تأليف كتاب حديث الأسلوب عن هذا الموضوع. وستكون هذه فرصة رائعة لاستكشاف التفرد المذهل لكوكبنا.

[1] George Greenstein, The Symbiotic Unverse (New York: William Morrow, 1988), 27.

[2] Henry Margenau and Roy Abraham Varghese, editors, Cosmos, Bios, and Theos (LaSalle, III.: Open Court, 1992), 83.

[3] Carl Sagan, Pale Blue Dot (New York: Ballantine, 1994), 7.

[4] See: Peter D. Ward and Donald Brownlee, Rare Earth (New York: Coper-nicus, 2000), xxiv.

[5] Ibid., xiv.

[6] David Darling Life Everywhere (New York: Basic Books, 2002).

[7] Ibid., xii.

[8] Ibid., xi.

[9] Science 277 (1997), 892.

[10]Bernard Oliver quoted in Steven ,I, Dick, Life on Other Wolds (Cambridge: Cambridge University Press, 1998), 217.

[11] Michael J. Denton, Nature’s Destiny (New York: The Free Pres, 1998), 389.

[12] Peter D. Ward and Donald Brownlee, Rare Earth, xxiv.

[13] Ibid,. xiv.

[14] Ibid,.33.

[15] Ibid,. xix.

[16] Ibid, .back cover.

* مذنب اصطدم بالمشتري في العام 1994.

[17]Ibid.

[18] The Times of London (January 26, 2002), quoted in: David Darling, Life Everwhere, 91.

[19] Jimmy H. Davis and Harry L. Poe, Designer Universe Nashville: Broadman & Holman, 2002), 107.

[20] See: Michael Denton, Nature’s Destiny (New York: The Free Press, 1998), 88-89.

[21] Frank Press and Raymond Siever, Earth (New York: W. H. Freeman, 1986),3.

[22] Ibid., 4.

[23] Ibid., 3.

[24] Peter D. Ward and Donald Brownlee, Rare Earth, 37, 229.

[25] Michael J. Denton, Nature’s Destiny, 3-4.

برهان علم الفلك : الكوكب المتميز لي ستروبل

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

يمكن تشبيه الدفاعيات بإزاحة الستار حتى يتمكن الناس من رؤية لمحة لما يختبئ وراءها، أو يرفع ماسة مقابل النور فتتلألأ وجوهها وتبرق عند سقوط أشعة الشمس عليها. فالدفاعيات تهتم بتأسيس مداخل للإيمان، سواءً تخيلنا هذه المداخل فتح أبواب، أو إزاحة ستار، أو إضاءة مصباح حتى يرى الناس بمزيد من الوضوح، أو استخدام عدسة تضع الأشياء في البؤرة.

والموضوعات الرئيسية في الدفاعيات هي تلك التي تتيح للناس رؤية الأشياء بوضوح، وربما للمرة الأولى، تساعدهم على اكتشاف الأفكار المضللة، فيدركون فجأة سر ما يتمتع به الإيمان المسيحي من قدرة على الإقناع على المستوى الفكري وجاذبية على المستوى التخيلي.

فالدفاعيات تقوم بمد الجسور التي يعبر عليها الناس من العالم الذي يعرفونه إلى العالم الذي يودون اكتشافه، وتساعدهم في العثور على أبواب ربما لم يسمعوا بها من قبل، فيرَون عالماً يفوقُ كل تخيلاتهم ويدخلون فيه. والدفاعيات تفتح العيون وتفتح الأبواب بتأسيس مداخل للإيمان المسيحي. فما هي المداخل التي نقصدها؟

حتى عهد قريب، كان الاتجاه السائد في الدفاعيات يعتمد على استخدام الحجج للدفاع عن الإيمان المسيحي بشكل عقلاني. إلا أن هذا الاتجاه كان يمثل إلى حد كبير استجابة لثقافة عقلانية اتخذت من التوافق مع العقل معيارًا للحق. وسنرى أن استخدام الحجة ما زال يمثل جزءًا لا يتجزأ من الدفاعيات المسيحية ولا يجب تهميشه أبدًا. إلا أن تراجع المذهب العقلاني في الثقافة الغربية أدى إلى الإقلال من أهميتها. وخلَق جوًا يتطلب إدراكَ جوانب أخرى في الإيمان المسيحي، وعلى رأسها ما يتمتع به من جاذبية عظمى على مستوى الخيال، والأخلاق.

والكُتاب المسيحيون القدامى، وخاصةً كُتاب العصور الوسطى وعصر النهضة، علقوا أهمية كبرى على الصور التشبيهية والقصص الكتابية في تعليم الأشخاص المخلصين، إلا أن صعود تيار الحداثة أدى إلى الحط من قيمة هذين العنصرين، بقدر ما أدى ظهور تيار ما بعد الحداثة إلى إعادة اكتشاف قوة تأثيرهما.

وقد أدى نمو تيار ما بعد الحداثة مؤخرًا إلى تأكيد أهمية القصة والصورة من جديد لأن كلاً منهما يجذب الخيال البشري بشكل خاص. وكل من له دراية بتاريخ الدفاعيات المسيحية لا يصعب عليه أن يدرك أن المدافعين القدامى كانوا يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على هذين العنصرين باعتبارهما مداخل للإيمان، وخاصةً في عصر النهضة. ولذلك، فنحن بحاجة لاستعادة هذه الأساليب القديمة في الدفاعيات لخلق منهج متوازن يدافع عن الإيمان المسيحي ويبرز جماله في ظل ما تشهده ثقافتنا من تحولات.

وعلينا أن نكيف دفاعياتنا بم يتلاءم مع مستمعينا، مع الانتباه لوجود عدة نقاط للتلاقي بين الإنجيل والنفس البشرية. ويتضح أن العهد الجديد نفسه يُعنى بربط الإنجيل مع مفاهيم وخبرات المتلقين على اختلاف نزعاتهم. فإن كانت النفس تَعطش لله “كَأَرضٍ يَابِسَةٍ” (مز143: 6)، فكيف ترتوي؟ إن مهمتنا تحديد القنوات المتاحة التي تتدفق فيها مياه الإنجيل الحية فتنعش النفس البشرية وتغيرها، ثم استخدام هذه القنوات بأمانة وفاعلية. وفي هذا الفصل سأستخدم صورة المدخل لتساعدنا على فهم هذه المنهجيات المختلفة.

المداخل والدفاعيات: بعض الأفكار:

تُعتبر صورة الشمس والنافذة من أهم الصور التي استخدمها اللاهوتيون في العصور الوسطى لشرح ما تجريه نعمة الله من تغيير في النفس البشرية. وتُعَد كتابات “ألن الذي من لِيل” Alan of Lille (المتوفى سنة 1203) مثالاً جيدًا على هذا حيث يشَبه النفس البشرية بحجرة باردة مظلمة. ولكن عندما تُفتح النافذة على مصراعيها، يندفع نور الشمس إلى الحجرة فيشيع فيها النور والدفء.

إلا أن فتح النافذة لا يدفئ الغرفة ولا ينيرها، ولكنه يزيل حاجزاً من أمام القوة التي يمكنها أن تفعل ذلك، فسبب التغيير الحقيقي هو الشمس. وكل ما نفعله نحن أننا نزيل الحاجز الذي يمنع نور الشمس وحرارتها من دخول الحجرة.

وهذه الصورة تساعدنا على إدراك هذه الفكرة اللاهوتية، وهي أننا لا نتسبب في تغيير الناس وقبولهم للإيمان. ويؤكد “ألن” أننا نحن الذين لا بد أن نفتح نافذة عقولنا على مصراعيها، فتتمكن نعمة الله من العمل في حياتنا، وهكذا ينحصر دورنا في إزالة العوائق من أمام نعمة الله، أما تجديد نفوسنا فهو مهمة هذه النعمة الإلهية. إلا أن الصورة مهمة في مجال الدفاعيات أيضًا، فهي تُذكرنا أن الله هو من يغير النفوس، وتؤكد في الوقت نفسه أننا قادرون على تيسير هذه العملية بالمساهمة في إزالة الحواجز والعوائق التي تقف أمام نعمة الله.

والمدخل وسيلة تنفتح بها عيوننا على حقيقة حالتنا، وقدرة الإنجيل على تغييرها. ولكي نفهم هذه النقطة المهمة، تخيل أنك مصاب بتسمم في الدم، وحياتك ستنتهي في غضون ساعات لو لم تحصل على الأدوية اللازمة، ولكنك لا تعرف ما أصابك على وجه التحديد، ولا تعرف بوجود علاج لهذه الحالة. حاول أن تتخيل نفسك في ذلك الموقف. والآن فكِّر في الطرق التالية التي يمثل كلٌّ منها مدخلاً يؤدي إلى تغيير وضعك:

  1. يخبرك طبيب من أصدقائك أن ما تعانيه هو تسمم في الدم، ويشرح لك أن هذه الحالة إن لم تعالج تؤدي إلى الوفاة، ويعطيك أسماء عدة أدوية ويخبرك بالمكان الذي تحصل عليها منه وبكيفية استخدامها.
  2. يخبرك صديق آخر أنه أصيب بهذه الأعراض عينها، إلا أن شخصًا أخبره بدواء معين أنقذ حياته. يقترح عليك أن تجرب هذا الدواء. أي أنه يحكي لك قصته الشخصية التي تتقابل مع قصتك في هذه النقطة الحرجة.

الطريقة الأولى تمثل حجة تستند إلى أدلة، أما الثانية قصة تستند إلى خبرة شخصية يرى صاحبها أنها مطابقة للموقف الذي تمر به. ورغم أن كل أسلوب يختلف تمامًا عن الآخر، فكلٌّ منهما يمثل مدخلاً. كيف؟

أولاً، كلٌّ منهما يساعدك على رؤية الأمور على حقيقتها. ثانياً، كلٌّ منهما يتيح لك أن تدرك ما يجب فعله لتغيير الأوضاع. ثالثًا، كلٌّ منهما يشجعك على اتخاذ تلك الخطوة الحاسمة بالحصول على الدواء، وتناوله حتى تتحسن حالتك.

إن الدواء هو سبب شفائك، ولكنك لو لم تدرك حقيقة حالتك، وأنك تحتاج للدواء، لكان شفاؤك مستحيلاً. ونعمة الله هي الدواء، وبعد أن تُشفى بهذه النعمة يمكنك أن تساعد الآخرين على إدراك حاجتهم لها، ويمكنك أن تشهد عن قوتها. والله هو من يغير الناس ويأتي بهم للإيمان. أنت جزء صغير (ولكنه حقيقي) في عملية الشفاء هذه. ومن ثم، فما تقوله يمكن أن يمثل مدخلاً يسمح للناس برؤية الأمور من منظور مختلف، مما يساعدهم على تخيل طريقة جديدة للتفكير والعيش.

فما هذه المداخل المتاحة للدفاعيات المسيحية؟ سوف نبحث في هذا الفصل بعض الإمكانات المتوفرة للدفاعيات. وسنبدأ بأبسط الأساليب الدفاعية، ألا وهي شرح ماهية المسيحية.

المدخل الأول: الشرح:

أفضل دفاع عن المسيحية هو شرحها. أي أنك إن أردت أن تدافع عن المسيحية أو تبرز جمالها، فأفضل السبل لذلك أن تبدأ بتعريف الناس بماهية المسيحية، لأن الكثيرين لديهم مفاهيم خاطئة عن المسيحية تعيق قبولهم للإيمان.

ومن أروع الأمثلة على ذلك مثال يقدمه اللاهوتي العظيم القديس أغسطينوس الذي قبِل الإيمان بعد جولة طويلة في أراضي الفلسفة المجدبة.[1] كان أغسطينوس شابًا موهوبًا في الخطابة من شمال أفريقيا، وقد صاحب المانويين، وهي طائفة كانت شديدة الانتقاد للمسيحية، هكذا استقى جُل معرفته بالمسيحية من نقادها، لم تكن بالمعرفة الدقيقة. ورفض أغسطينوس المسيحية باعتبارها لا تستحق اهتمام شخص في ثقافته وذكائه.

وكان أغسطينوس طموحًا، فقرر أن يكون رجلاً ناجحًا في عاصمة الإمبراطورية، فغادر شمال أفريقيا متجهًا إلى روما. وبعد فترة وجيزة من وصوله، عُرِضَت عليه وظيفة خطيب عام في ميلانو، وهي المدينة الرئيسية في شمال إيطاليا. ونظرًا لإدراكه بأن هذه الوظيفة يمكن أن تمثل بداية لحياة مهنية ذات شأن في العمل المدني بالإمبراطورية، رحب أغسطينوس بالعرض. إلا أنه كان يعلم أيضًا أن تقدمه في المجال السياسي يعتمد على قدراته البلاغية. فمن يستطيع أن يساعده في تطوير هذه المهارات؟

اكتشف أغسطينوس بعد وصوله إلى ميلانو أن أمبروز Ambrose أسقف المدينة المسيحي مشهور ببراعته في الخطابة، فقرر أن يكتشف بنفسه ما إذا كان يستحق هذه الشهرة. فكان كل يوم أحد يتسلل إلى الكاتدرائية الكبيرة في المدينة ويستمع لعظات الأسقف. وفي البداية لم يكن اهتمامه بالعظات سوى اهتمام الشخص المتخصص الذي ينظر للعظة باعتبارها خطبة فخمة. ولكن محتوى العظات بداً يستحوذ عليه تدريجيًا.

اعتدت أن أسمع عظاته متحمسًا، ولكني لم أكن مدفوعاً لذلك بالدافع الصحيح، بل كنتُ أريد أن أختبر مهارته في الخطابة لأرى ما إذا كانت طلاقته أفضل مما قيل لي عنه أم أدنى… ولكني لم أكن مهتمًا بما يقول، وكانت أذناي لا تتجه سوى نحو أسلوبه في الخطابة… إلا أنه كما دخلت الكلمات التي أمتعتني إلى عقلي، هكذا دخلت المادة التي لم أكن أعبأ بها في بادئ الأمر، حتى إني لم أتمكن من الفصل بينهما. فبينما كنت أفتح قلبي لفصاحته، دخل معها أيضًا الحق الذي كان يعلنه.[2]

وكما يتضح من رحلة أغسطينوس الطويلة إلى الإيمان، نجح أمبروز (الذي أصبح أغسطينوس يعتبره واحدًا من أبطال اللاهوت) في إزالة عائق ضخم من طريق الإيمان. فقد أبطل مفعول الصورة المغلوطة التي روجتها المانوية عن المسيحية. وبعد أن استمع أغسطينوس لأمبروز بدأ يدرك أن المسيحية أكثر جاذبية وإقناعًا مما كان يظن بكثير. وهكذا أزيل عائق يقف أمام الإيمان. وبالرغم من أن أغسطينوس لم يؤمن بالمسيحية إلا بعد فترة، فقد كان لقاؤه مع أمبروز علامة بارزة على طريق البحث.

ولابد أن البعض ممن نلتقي بهم في خدمتنا الدفاعية يحمل أفكارًا مضللة ومشوهة تمامًا عن المسيحية. وهذه المفاهيم الخاطئة التي يلتقطها البعض دون وعي، والبعض الآخر ينشرها عن قصد، لابد من تحديدها وإبطال مفعولها بخطة مُحكمة مدروسة.

ننتقل الآن لنبحث ما قد يُعتبر أكثر مداخل الإيمان شيوعًا، ألا وهو استخدام الحجة المنطقية.

المدخل الثاني: الحجة:

تؤكد المنهجيات الكلاسيكية في الدفاعيات أهمية العقل في كلٍّ من بناء حجة فكرية تؤيد فكرة وجود الله، ونقد الأفكار المغايرة. وقد بحثنا فيما سبق دور الحجج في الدفاع عن وجود الله، ومنها:

  1. الحجة المبنية على التصميم argument from design: وهي تَعتبر أن ملاحظة التصميم الموجود في العالم، مثل ما يميزه من “ضبط دقيق”، أو بنية معقدة يشير إلى أن الله هو المصمم (ص 99، 100).
  2. الحجة المبنية على الإنشاء argument from origination: إن كانت للكون بداية، فهذا يعني أن له مسببًا أنشأه، وقد يكون هذا المسبب شخصًا أو شيئًا، وهو ما يشير تلقائيًا إلى فكرة الله في المسيحية باعتباره خالقَ كل شيء (ص 96- 98).
  3. الحجة المبنية على الترابط argument from coherence: وهنا نركز على قدرة الإيمان المسيحي أن يقدم تفسيرًا لما نلاحظه في العالم المحيط ولما نختبره داخلنا (ص79- 86، 101- 103).
  4. الحجة المبنية على الأخلاق argument from morality: تقول هذه الحجة باستحالة وجود قواعد ثابته وموثوق بها للقيم الأخلاقية إلا إذا كان لها أساس يتجاوز هذا العالم المادي، كإله بار مثلاً (ص 104-109).

وقائمة الحجج تطول، ولكن لابد أن نأخذ في اعتبارنا أن هذه الحجج لا يجب أن تُفهم على أنها “براهين” بالمعنى المنطقي الدقيق للكلمة. ولكن ما توضحه هذه الحجج بكل جلاء أن الإيمان بالله له أسباب وجيهة، أو أن الإيمان بالله له مبرراته، حتى وإن كان لا يمكن البرهنة عليه بشكل مطلق.

وكلمة “برهان” بمعناها الدقيق لا تنطبق إلا على المنطق والرياضيات، فكما يمكننا أن نبرهن على أن الكل أكبر من الجزء، يمكننا أن نبرهن أن 2+2 =4. إلا أنه يجب أن نحترس من الخلط بين “قابلية البرهنة” و”الحق”. ففي مطلع القرن العشرين أثبت عالم الرياضيات العظيم “كرت جودل” Kurt Gödel أنه بالرغم من كثرة ما نصوغه من قواعد الاستدلال، ستظل هناك بعض الاستدلالات التي لا تخضع لهذه القواعد، ومع ذلك فهي مقبولة.

أي أن هناك عددًا من الأفكار الصحيحة التي قد لا يمكننا إثبات صحتها،[3] وهذه الحقيقة تنطوي على معانٍ غاية في الأهمية من الناحية الفلسفية.[4]

ويمكن استخدام الحجج أيضًا في نقد بدائل الإيمان المسيحي وتقييمها، وذلك بإظهار عدم ترابطها على المستوى الفكري أو افتقارها لأساس من الأدلة يمكن الوثوق به. فقد أبرزنا مثلاً عبر صفحات هذا الكتاب قدرة الإنجيل على خلق معنى للأشياء.

ونحن بذلك لا نحصر جاذبية المسيحية في أبعادها العقلانية فحسب، لأنها غنية بالجوانب الوجدانية، والأخلاقية، والتخيلية، والوجودية. ويجب على المدافع الذي يتحلى بروح المسئولية أن يستفيد منها استفادة كاملة. ولا شك أن الكثيرين ينجذبون إلى الإيمان المسيحي بسبب قدرته على خلق معنى للأشياء.

ولكن ماذا عن بدائل المسيحية؟ ما مدى قدرة النظم المنافسة على خلق معنى للأشياء؟ هل تصمد أمام اختبار الاتساق التجريبي، أي هل تنجح نظرياتها في خلق معنى للملاحظة وللخبرة؟ وقد أكدنا في فصل سابق أهمية إظهار ما يميز الإيمان المسيحي من قدرة على خلق معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ولا يكفي هنا أن يقتصر المدافع على إظهار تفوق المسيحية في هذا الصدد، ولكنه لا بد أن يبين قصور البدائل الأخرى.

ويرجع الفضل في تصميم هذا الأسلوب لواحد من أهم المدافعيين الكتابيين في أمريكا الشمالية أثناء القرن العشرين، وهو “فرانسيس شِفَر” (1912- 1984). ويُبرز أسلوب “شِفَر” في الدفاعيات الكثير من النقاط التي تناولناها في هذا الكتاب.[5]

فهو يلفت النظر مثلاً لأهمية أخذ الجمهور في الاعتبار، والابتعاد عن استخدام منهج موحد للجميع: “إن أردنا أن نتواصل مع مستمعينا، لابد أن نصرف الوقت والجهد لنفهم لغتهم، حتى نوصل لهم الرسالة باللغة التي يفهمونها.”[6] أي أن المدافع لابد أن يستمع لجمهوره حتى يتعلم لغتهم ليتمكن من التواصل معهم بهذه اللغة.

ويبدو أن “شِفَر” اكتشف بنفسه أهمية الإصغاء لأفكار جمهوره ومخاوفهم وتطلعاتهم أثناء عمله المرسلي في المنطقة الناطقة بالفرنسية في سويسرا في أواخر الخمسينات وفي الستينات من القرن العشرين. ونظرًا لأنه كان يقيم في كوخ سويسري (اسمه “لابري” L’Abri وهو مشتق من الكلمة الفرنسية التي تعنى “مأوى” أو “ملجأ”) في قرية بجبال الألب تدعى “إيموز” Huemoz، فقد كان يستضيف الكثير من الطلاب الذين يتجولون في أنحاء أوروبا، ولاسيما الشباب الأمريكيين الذين كانون يتجولون في مختلف البلدان الأوروبية بحقيبة ظهر.

فكان يسمع آرائهم في الأفلام والروايات المعاصرة أو في الفلسفات الجديدة التي ظهرت آنذاك. وكان يتساءل كيف يمكن تقديم الكتاب المقدس بشكل يناسب الأفكار الوجودية العنيدة التي روجها الفلاسفة المؤثرون في تلك الحقبة مثل “جان بول سارتر”  Jean Paul Sartreوكذلك “سورن كيركجارد”. وإذ استمع “شِفَر” لهؤلاء الطلاب وهم يُعبرون عن أفكارهم، اكتشف أنه يمكنه التفاعل معهم في مستواهم وبلغتهم، مستخدمًا صورًا توضيحية من عالمهم ليساعدهم على إدراك معقولية الإيمان المسيحي.

إلا أن أعظم إساهم قدمه “شِفَر” للدفاعيات يكمن في الأهمية التي يعلقها على تحديد مَواطن الصراع في الفلسفات غير المسيحية واكتشاف ما تنطوي عليه من معانٍ أشمل. والمقصود أن أي فلسفة حياتية ترتكز على افتراضات مسبقة معينة، فإن كانت هذه الافتراضات المسبقة من صنع الإنسان ولا تتضمن تفويضًا أو تخويلاً إلهيًّا، فلن تتمكن من التوافق مع بِنَى الكون الذي خلقه الله.

كلما كان مَن يؤمن بفكر غير مسيحي منسجمًا مع افتراضاته المسبقة، ابتعد عن العالم الحقيقي، وكلما اقترب من العالم الحقيقي، تَبدد انسجامه مع افتراضاته المسبقة.[7]

ويقول “شِفَر” إن كل شخص يعيش بإحدى قدميه في أحد العالمَين ويضع الأخرى في العالم الآخر: العالم الحقيقي الخارجي الذي يتميز بعمقه وتعقيده، وعالم داخلي من الأفكار يشكله الاشتياق للتفهم، والحب، والقيمة. فإن وُجِد صراع بين هذين العالمين، يستحيل على الفرد أن يحيا حياة لها معنى.

فلابد من وجود توافق بين خبرتنا في العالم الخارجي وعالمنا الداخلي.[8] ولذلك، يرجح “شِفَر” أن المدافع لابد أن يستخدم الحجة المنطقية لتحديد وكشف التناقضات والصراعات الداخلية التي تحويها الفلسفات الحياتية غير المسيحية. وهو يبين أنها تقوم على فرضيات أو افتراضات مسبقة لا تتسق مع الوجود الإنساني الحقيقي ولا تتوافق معه.

كل مَن نتحدث إليه، سواءً أكان بائعًا في متجر أم كان طالبًا جامعيًا، يحتفظ بمجموعة من الافتراضات المسبقة، سواء قام بتحليلها أم لم يقم… ويستحيل على أي شخص غير مسيحي أو جماعة غير مسيحية أن تتوافق مع النظام الذي تتبعه سواء على مستوى المنطق أو على مستوى الممارسة.

وعندما يحاول الشخص إخفاء الصراع، عليك أن تساعده على كشفه، وفي نقطة معينة سيكتشف عدم الاتساق. وعندئذٍ سيجد نفسه غير قادر على الاستمرار، وهذا الصراع ليس صراعًا فكريًا فحسب، ولكنه يقع في صميم الكيان الإنساني ككل.[9]

ومن ثم، على المدافع أن يساعد الفرد على إدراك هذا “الصراع” والشعور بقوته الفكرية والوجودية، وهو ما يتضمن مساعدته على اكتشافه أولاً، وتقدير أهميته ثانيًا. ويرى “شِفَر” أن البشر يَقُون أنفسهم من هذا الصراع بحمايتها داخل شرنقة فكرية تمنعهم من مواجهة ذلك الاكتشاف المزعج بأن أفكارهم لا تتفق مع الواقع. ويستخدم “شِفَر” صورة يقتبسها من شتاء سويسرا لوصف هذه الحالة، فهو يشبه هذه الشرنقة الفكرية بأسقف أكواخ جبال الألب التي تعمل كمصدات تحمي المسافرين من الانهيارات الثلجية:

فهو يشبه المصدات الكبيرة التي تبنى على بعض الممرات الجبلية لحماية العربات من انهيارات الصخور والحجارة التي تهوي من فوق الجبل من آن لآخر. وهذه الانهيارات الثلجية في حالة غير المسيحي هي العالم الحقيقي الساقط المشوه الذي يحيط بهم. وعلى المسيحي أن يزيل المصدة بحب ويسمح لحقيقة العالم الخارجي وحقيقة الإنسان بأن تصدمه.[10]

ومن ثم يمكن النظر إلى الدفاعيات باعتبارها نزعًا لسقف هذا الكوخ لإجبار الشخص على إدراك أن طريقة تفكيره عاجزة عن الصمود في مواجهة العالم الحقيقي الخارجي.

فكيف يمكن تطبيق هذا المنهج؟ يعطينا “شِفَر” مثالاً يوضح هذا الأسلوب جيدًا. فقد كان يتحدث إلى مجموعة من الطلاب في غرفة بإحدى الكليات في جامعة كامبردج. وبينما كان الماء يغلي لتحضير الشاي، ابتدره أحد الطلاب الهنود قائلاً إن المسيحية لا معنى لها. فسأله “شِفَر” عن عقيدته قائلاً: “ألستُ على صواب إن قلت إن القسوة وعدم القسوة متساويات في عقيدتك، وليس بينهما أي فارق أصيل؟” فوافقه الطالب. ثم يروي “شِفَر” ما حدث بعد ذلك:

الطالب الذي اجتمعنا في غرفته فهم جيدًا ما يعنيه اعتراف الطالب السيخي، فتناول الغلاية الممتلئة بالماء الساخن الذي كان سيعمل به الشاي، ووضعها أعلى رأس الشاب الهندي والبخار يتصاعد منها. فنظر الشاب لأعلى وسأله: ماذا تفعل؟ فأجابه بنبرة حاسمة باردة ولكنها مهذبة: “لا فرق بين القسوة وعدم القسوة.” وعندئذ خرج الهندي صامتًا واختفى في ظلام الليل البهيم.[11]

وأسلوب “شِفَر” يتسم بقوته وبقدرته على الوفاء بالعديد من الأغراض، مما يجعله صالحًا لعدد من المواقف المختلفة. خذ مثلاً الوضعية المنطقية Logical Positivism، وهي حركة فلسفية حققت نجاحًا كاسحًا في العالم الناطق بالإنجليزية في ستينات القرن العشرين. وقد أعلنت هذه الحركة أن كل العبارات الميتافيزيقية*، بما فيها ما يتعلق بالله، عديمة المعنى.

وكان الأساس الذي اعتمدت عليه هذه الفلسفة في ذلك هو “مبدأ التحقق” الذي قصر العبارات ذات المعنى على القضايا الصحيحة في حد ذاتها (مثل “كل العزاب غير متزوجين”) أو التي تتأكد بالخبرة (مثل “كان في الحديقة الأمامية لقصر “باكينجهام” ست إوزات الساعة 5:23 صباحًا يوم 1 ديسمبر 1968″). وتطبيق منهج “شِفَر” يتيح لنا أن نؤكد أن مبدأ التحقق نفسه عديم المعنى لأنه لا يتماشى مع المعيار الذي اعتمدته الوضعية المنطقية لقياس المعنى.

أو خذ مثالاً أبسط للهجمة الشرسة التي غالبًا ما نواجهها في جامعات أمريكا الشمالية: “لا يمكن أن تتأكد من أي شيء”. وهذه النظرة تهدف إلى الإطاحة برؤية “الصورة الكبرى” للواقع، كتلك التي يقدمها الإيمان المسيحي لأنها تعني أننا لابد أن نتشكك حتى في كل العبارات المؤكدة المختصة بالحياة.

ولكن من الواضح أن هذا التصريح ذاتي المرجعية يعتمد في صدقه أو كذبه على ذاته self-referential، ويمكن تقويضه والقضاء عليه بطرح سؤال بسيط ردًا عليه: “هل أنت متأكد من ذلك؟” وهكذا فإن المنطق الذي يقوم عليه الادعاء هو نفسه الذي يُسقطه.

إلا أن هذا لا يعنى أن مهمتنا هي مجرد الفوز بالمجادلات أو تقديم المؤهلات العقلانية للإيمان. فمما يؤسف له أن تأثير حركة التنوير على الثقافة الغربية لم يختفِ، ولا سيما في الإصرار على تقديم براهين تثبت صحة العقائد، مما نتج عنه تقديم الدفاعيات المسيحية باعتبارها مجرد بناء حجج فعالة تهدف لإقناع الناس بصحة الإيمان المسيحي. إلا أن الخطورة في ذلك أنه قد يؤدي إلى إظهار المسيحية على أنها مجموعة من الحقائق الجامدة والأفكار المجردة. ولذلك، فإن هذا المنهج ينطوي على ثلاث صعوبات.

أولها، أنه ليس  مؤسسًا على الكتاب المقدس كما يجب. فالحق، ولاسيما في العهد القديم، يركز في المقام الأول على المصداقية والثقة. والقضية الأساسية في الدفاعيات تتلخص في أن الله هو قاعدة أمان، وأنه أساس آمن تُبنى عليه حياة الإيمان. أي أن “الإله الحقيقي” ليس مجرد إله موجود، بل إله يمكن الاعتماد عليه. والنظرة العقلانية التي تعتبر الحق هو كل افتراض تَثبت صحته تستبعد النظرة الكتابية التي تعتبر الحق مفهومًا علاقاتيًا.

والمشكلة الثانية أن جاذبية الإيمان المسيحي لا يمكن أن تقتصر على منطقية عقائده. ولكن المسيحية تستند بقوة على الخيال أيضًا. كما توضح كتابات “سي. إس. لويس.” وعندما كان “لويس” شابًا وجد نفسه يتوق إلى عالم له معنى، يشتعل حبًا، ويفيض جمالاً، ولكنه اقتنع أن هذا العالم لم ولن يوجد: “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وَهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[12]

لقد أخبره خياله بوجود عالم أفضل، ولكن عقله أخبره أنه كلام فارغ. فلم يجد أمامه خيارًا سوى مواجهة عالم مجدب مجرد من المشاعر، ومواجهة وجوده الخالي من أي معنى.

وأخيرًا اكتشف “لويس” عقلانية الإيمان المسيحي، إلا أن انجذابه للإيمان كان سببه أن الإنجيل يقدم معنى، وليس لأنه يُعبر عن افتراضات صحيحة. وقد علق “لويس” على هذا قائلاً: “إن العقل هو الأداة الطبيعية للحق، ولكن الخيال هو أداة المعنى.”[13] وجاذبية الإيمان المسيحي عند البعض تتمثل في جمال عبادته، أو في قدرته على التلامس مع المشاعر الإنسانية، أو في نتائجه الأخلاقية.

أما ثالث هذه المشكلات فهي أن المنهج العقلاني يقوم على نظرة حداثية. إلا أنه في معظم أنحاء العالم الغربي اليوم، حل اتجاه ما بعد الحداثة مكان الحداثة، مما يقلب الكثير من المعتقدات المحورية للحداثة رأسًا على عقب. فالاستناد إلى الصفة العقلانية الأصيلة في الإيمان ينجح في إطار حداثي، ولكن في أطر ثقافية أخرى، قد يفشل هذا المنهج نفسه الذي يقوم على الحجة والمنطق فشلاً ذريعًا في التلامس مع التطلعات والأفكار الثقافية المسبقة.

وكما سنرى في قسم لاحق من هذا الفصل، أن ميل ما بعد الحداثة للقَصص أكثر منه للحجة يتيح فرصًا عظيمة للدفاعيات الكتابية نظرًا لأن الأشكال القصصية تملأ صفحات الوحي.

ولكننا مع ذلك، ما زلنا نؤكد منطقية الإيمان ونشدد عليها، دون أن نحصره فيما يمكن للمنطق أن يبرهن عليه بشكل قاطع. فأسئلة الحياة الجوهرية تتجاوز حدود العقل بكثير، ومن هذه الأسئلة: من أنا؟ هل أنا مهم فعلاً؟ لماذا أنا هنا؟ هل يمكنني أن أُحدث اختلافًا؟[14] وهي أسئلة لا يمكن للعلم ولا للمنطق البشري الإجابة عنها.

ومع ذلك، إن لم يجد المرء إجابات لهذه الأسئلة، تصبح حياته بلا معنى. وعلينا نحن المدافعين أن نبين أن الإيمان المسيحي يقدم إجابات لأسئلة الحياة الجوهرية، وهي إجابات منطقية من ناحية، وناجحة على المستوى العملي من ناحية أخرى. فكما هو مهم أن نُظهر أن المسيحية صحيحة، مهم أحيانًا أن نُظهر أنها حقيقية.

المدخل الثالث: القصص:

إن تركيز تيار ما بعد الحداثة على القصص يمثل أهمية خاصة في الدفاعيات. فقد كانت الحداثة تنظر بعين الريبة للقصة في التعامل مع الواقع. ومن ثم، سعت لإجهاضها أو التخلص منها بالاستناد إلى التحليل أو الحجة العقلانية، بحيث تتحرر تمامًا من قيود عشوائية التاريخ الأليمة. وقد انعكس ذلك بكل وضوح في تفسير الكتاب المقدس. وكما أشار “هانس فري” Hans Frei  (1922- 1988) أستاذ اللاهوت في “جامعة ييل” Yale University، مختزلاً ما به من روايات تاريخية وأشكال قصصية (كأمثال المسيح) إلى أفكار مجردة من الزمن.[15] وكان يُنظر إلى القصة كأنها قشرة مزعجة غير مستحبة تغطي على الجوهر الفكري والأخلاقي للكتاب المقدس.

إلا أن تيار ما بعد الحداثة شهد استعادة للاهتمام بالقصة الكتابية بما فيها الأشكال القصصية الخاصة كالأمثال التي رواها يسوع ليُعَلم الجموع عن ملكوت الله. ولم يعد إثبات الحق يتوقف على الحجة، ولكن بدأ يُنظر للقصص على أنها قادرة على تكوين هوية مميزة من الناحية الأخلاقية والمفاهيمية.

فالمسيحية تعلن عن عالم يتشكل بالقصص وهي تسكن في هذا العالم، والأساس الذي يشكل أفكار هذا العالم وقيمه هو قصة تعاملات الله مع شعبه التي تبلغ ذروتها في قصة يسوع الناصري. وهكذا فالمسيحية في أساسها ليست مجرد مجموعة أفكار.

منذ حوالي سبعينات القرن العشرين، تزايد الاهتمام بدراسة دور القصة في كلٍّ من اللاهوت والفلسفة، وعلى صعيد الفلسفة الإنجليزية والأمريكية، ظهر بعض الكُتاب البارزين أمثال “بول ريكور” Paul Ricoeur وكذلك “ألاسدير ماكينتاير” وأيضًا “تشارلز تيلور” الذين تصدوا لتقديم معالجات جادة لما ينطوي عليه القَصَص من موضوعات أساسية. فقد درس “ريكور” القصة بوصفها أساسًا لكل صور فهمنا للعالم وبوصفها إطارًا يعيش فيه البشر. ويقول “ماكينتاير” بأن قرارات حياتنا تتشكل وتترتب بناءً على فهمنا لها باعتبارها تشكل جزءًا في “قصة” (أو تقليد) أكبر.

وهو يقول “لا يمكنني أن أجيب عن سؤال “ماذا يجب أن أفعل؟” إلا بعد أن أجيب عن سؤال أسبق، وهو “ما هي القصة التي أشكل جزءًا منها؟”[16] وكما سنرى، يمكن أن تمثل هذه المنهجيات قيمة عظمى للدفاعيات المسيحية.

والكثيرون اليوم يؤيدون الرأي الذي يقول بأن القصص هي المنظار الأساسي الذي يرى البشر الواقع من خلاله. فنحن نرى العالم باعتباره قصة تجيب عن الأسئلة المحورية المختصة بالوجود، والهوية، والمستقبل.

وهذه القصص يمكن أن تجيب عما يسميه الفيلسوف “كارل بوبَر” Karl Popper “الأسئلة العليا” “ultimate questions” وهو بذلك يريدنا أن نفهم المسائل الكبرى التي تتناول “معنى الحياة”، ومنها تلك التي يطرحها “روي بوميستر” Roy [17]Baumeister، وهي التي تتعلق بالهوية، والغرض، والتكليف، والقيمة وتتخذ شكل أسئلة مثل: “من أنا؟” “ما هدف الحياة؟” ” ماذا أفعل لأُحدث فرقًا؟”

وقد أدرك البشر من قديم الزمان الأهمية الثقافية والفكرية لوجود قصة تفسيرية شاملة. وغالبًا ما يستخدم مصطلح “الأسطورة” في المجال الأكاديمي للإشارة إلى هذه القصص التفسيرية التي تشرح الواقع والهوية الشخصية والاجتماعية. (عادةً ما يساء فهم مصطلح “الأسطورة” على أنه “قصة غير حقيقية”، إلا أن هذا المعنى ليس هو المقصود هنا). ولكن كما أشار “لويس” وآخرون، كلمة “أسطورة” تشير أساسًا إلى قصة عن العالم تُمكن الأفراد من فهمه والعيش فيه.

وهذه “الأساطير” تمثل العدسات التي ينظر بها أي مجتمع للعالم، فهي تقدم إطارًا يسهم في حل التناقض بين الخبرات العديدة ويعمل على خلق رابطة بينها.

والقصة المسيحية عند “لويس” التي يعتبرها المنحة الإلهية التي تكمل وتتوج المحاولات البشرية الأخرى في صنع الأسطورة، تمثل أعلى وأسمى قمة نرى منها الحقيقة ونفهمها. فالقصة المسيحية عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تعطي معنى لكل القصص الأخرى التي نرويها عن هويتنا وغاياتنا الحقيقية. إنها القصة الأم، الرواية العليا التي تضع سائر الروايات المختصة بأصل الإنسان ومصيره في مكانها الصحيح.

ويؤكد هذه النقطة أستاذ العهد الجديد والمدافع البريطاني ” ن. ت. رايت” N.T. Wright الذي يقول إننا عندما نروي قصة الكتاب المقدس كاملةً فنحن بذلك نعلن النظرة المسيحية للواقع وفي الوقت نفسه نتحدى البدائل العلمانية الأخرى. فبروايتنا لقصة الكتاب المقدس

مؤكد أننا نتحدى جوانب عديدة في نظرة العالم للأمور (أي نظرته للسلطة والقوة). ونقوض نظرته لماهية العالم ولغرضه بالكامل، ونقدم نظرة جديدة للعالم بأفضل طريقة ممكنة.[18]

والكتاب المقدس عند “رايت” يتحدى طرق التفكير الأخرى ويبرز جمال طريقته ويجسدها بوضوح. وهو يروي قصة تجيب عن أربعة أسئلة أساسية:

  1. من نحن؟ الكتاب المقدس يخبرنا أننا بشر مصنوعون على صورة خالقنا، ولا نكتسب هويتنا الجوهرية من العنصر الذي ننتمي إليه، ولا النوع، ولا الطبقة الاجتماعية، ولا الموقع الجغرافي.
  2. أين نحن؟ نتعلم من الكتاب المقدس أننا نحيا في عالم حسن وجميل، ولكنه مؤقت. وقد خلقه الله الذي نحمل صورته.
  3. ما المشكلة؟ نفهم من الكتاب المقدس أن البشرية تمردت على خالقها، وبالتالي انحرف العالم عن القصد المخلوق له.
  4. ما الحل؟ يطمئننا الكتاب المقدس أن الله عمل، ويعمل، وسوف يعمل في الخليقة من خلال المسيح يسوع والروح القدس ليتعامل مع الشر الذي نتج عن تمرد البشرية، وليصل بعالمه إلى الغاية التي صنعه من أجلها، ألا وهي أن يكون في توافق تام مع حضوره ومجده.[19]

وتطالعنا أعمال الروائي “ج. ر. ر. تولكين” بنظرة مشابهة. وقد عُرف “تولكين” بدفاعه المستميت عن الدور المحوري الذي تلعبه الأسطورة في خلق معنى للواقع وبمحاولته أن يطبق هذا الفكر في ثلاثيته الملحمية “ملك الخواتم” The Lord of the Rings.[20] ووفقًا لهذا النهج، تظهر قدرة القصة المسيحية الكبرى على تفسير الأمور في تَمَكُّنها من وضع غيرها من القصص الكبرى في موقعها الصحيح، وتفسيرها، وشرحها. والقصة المسيحية، مثل سائر القصص، لا يمكن “البرهنة عليها” بالوسائل الموضوعية منطقية كانت أم علمية.

بل يجب تقييمها بناءً على قدرتها أن تخلق للأشياء معنى أعمق من منافساتها الحالية أو التي قد تظهر فيما بعد، وذلك ببساطتها، وأناقتها، وسهولة فهمها، وقدرتها على خلق معنى يتجاوز حدودها.

فكيف نستفيد من عودة الاهتمام بالقصة في محاولتنا لفهم كيفية تقديم الإيمان المسيحي لثقافتنا؟ سأطرحُ هنا بعض الأفكار الشخصية. عندما كنت أصغر سنًا كنت أعتقد أن أفضل طريقة لمساعدة الآخرين على اكتشاف حق المسيحية المدهش هو مناقشتهم بالحجة. أي إقناعهم بأن المسيحية صحيحة وحق. وباختصار، كونت ما يطلق عليه الكثيرون اليوم منهجًا “حداثيًا”. ولكني اليوم أوصل حق الإنجيل بطريقة مختلفة. فأنا أحكي قصة قبولي للإيمان.

لماذا؟ لأن القصة أكثر تشويقًا من أي حجة، ولكن السبب الأهم أن قصتي تبين أن المسيحية حقيقية، أي أنها قادرة على تغيير حياة البشر، وإعطائهم أسباب جديدة للحياة ورجاء أكيد للمستقبل. فالقصة تدور حول فلسفة حياتية أصبحت تمثل نظرة شخصية في حياة صاحبها، وهي قادرة على التجديد والتغيير والاستثارة. وروايتي لهذه القصة الشخصية تؤكد أن الإنجيل حقيقي في حياتي.

إننا نعيش في عالم تشكله القصص. بالإضافة إلى أن “القصص الكبرى” قادرة على إضفاء معنى على العالم وعلى خلق علاقة مفيدة بين من يلاحظ الأحداث والأحداث نفسها. وهذه القصص عبارة عن شباك من المعاني نحكيها لنجمع فيها خبراتنا الشخصية ونحتفظ بها، ولنختزن فيها المعنى الذي نرى أنها تنقله أو تنطوي عليه.

والمسيحية تروي واحدة من هذه القصص، والإلحاد الجديد يروي قصة أخرى، وهناك قصص لا تحصى يرويها أولئك ممن لديهم أغراض يريدون تنفيذها، ورؤى ينشرونها، ومصالح أو أغراض شخصية يروجونها. إن القصص تحدد أماكن الحقائق بوضعها في إطار قصصي.

والآن بعد أن وضعنا أساسًا نظريًا لتأكيد أهمية القصص في الدفاعيات، سنتناول كيفية استخدامها. وسنبدأ بعد قليل بقصتين تُستخدمان في تدعيم الدعاوى التي يقيمها بعض الكُتاب ضد المسيحية، وسنرى كيف يمكن نقدهما.

على الدفاعيات المسيحية أن تنقد وتُقَيم غيرها من القصص الكبرى، مثل القصص العلمانية التي تعمل على تقويض المسيحية أو تهميشها. ولكنها لابد أن تُقدر في الوقت نفسه ما تتضمنه المسيحية من قصص خاصة بها. فالقصة المسيحية الكبرى عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تساعدنا أن نفهم معنى العالم، كما أشار “لويس” وغيره. ولكن هذه كلها “قصص كبرى” فماذا عن القصص العادية؟ وكيف يمكن استخدامها في الدفاعيات المسيحية؟

أَوضَحُ نموذج يمكننا البدء به هو أمثال المسيح. فاستخدام الرب يسوع للقصص حتى يتفاعل مع مستمعيه لم يكن من قبيل الصدفة، ولكن هذه القصص كان لها غالبًا أساس في الحياة اليومية للمجتمعات الريفية والزراعية التي سادت فلسطين في القرن الأول. وقد كانت قصصًا غاية في السهولة تجذب انتباه المستمعين وتثير خيالهم. وكلُّ من هذه الأمثال يحمل داخله قدرة دفاعية هائلة يجب اكتشافها وفهمها، بل استخدامها. وإذا استُخدمَت هذه الأمثال بحكمة فإنها تتمتع اليوم بذات التأثير الذي كانت تتمتع بها عندما قيلت لأول مرة.

والمدافع الحكيم هو من يدرس الأمثال الرئيسية ويسأل هذه الأسئلة المحورية: كيف تساعدني هذه القصة في توصيل الإنجيل؟ كيف تساعدني على التواصل مع هذه الفئة؟ فالقضية هنا ليست دراسة ما في المثل من صور ومفردات في ضوء الديانة اليهودية إبان القرن الأول، بل اكتشاف وسائل لاستخدامه دفاعيًا اليوم.

ولنأخذ مثالاُ لوضيح هذه النقطة، وليكن تلك القصة المعروفة التي عادةً ما يشار إليها باسم “مثل اللؤلؤة كثيرة الثمن.”

أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا تَاجِرًا يَطْلُبُ لآلِئَ حَسَنَةً، فَلَمَّا وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ الثَّمَنِ، مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَاهَا. (مت 13: 45، 46)

بالرغم من صياغة القصة بأقل عدد ممكن من الكلمات (خمس وعشرون كلمة فقط في الأصل اليوناني)، فالخيال البشري يمكنه بسهولة معالجتها وتذوق تأثيرها. والخبرة البشرية تؤكد صحتها. بالإضافة إلى أنه من السهل البناء عليها وتطبيقها. فكيف نستخدمها في الدفاعيات؟ سأعرض لك كيف أستخدمها، وأترك لك الحرية في تطويرها:

إننا جميعًا نبحث عن شيء له قيمة في الحياة. إلا أننا غالبًا ما نكتشف أن الأشياء التي كنا نظن أنها ستسعدنا وتفرحنا لا تفعل ذلك، فنشعر أنه ما من شيء يمكنه أن يمنحنا الفرح والسلام. ولكن يسوع روى قصة عن هذا الموضوع. فقد قال إن تاجرًا وجد لؤلؤة ثمينة كانت معروضة للبيع، فقرر أن يبيع كل شيء ليحصل عليها. لماذا؟ عندما رأي التاجر تلك اللؤلؤة المميزة أدرك أن كل ممتلكاته باهتة وتافهة مقارنةً بها. وكما يغطي لمعان الشمس على لمعان النجوم، فلا يُرى إلا ليلاً، هكذا أتاحت هذه اللؤلؤة الثمينة للتاجر أن يرى ممتلكاته من منظور مختلف.

فما كان يظن أنه سيشبعه ثبت أنه يكشف عدم شبعه، ويثير اشتياقه لشيء لم يكن في متناوله. ولكنه رأى تلك اللؤلؤة المتميزة، فأصر أن يحصل عليها، لأنها شيء عظيم القيمة، شيء يستحق الامتلاك، حتى إن كل مقتنياته الأخرى تبدو قليلة القيمة مقارنةً بها. هذا هو الإنجيل عندما تكتشفه لأول مرة. إنه شيء في غاية الروعة حتى إنه يتفوق على كل ما عداه.

وهنا نرى مثالاً لاستخدام قصة كتابية لتوضيح نقطة دفاعية مهمة. إلا أن القصص الكتابية يمكن أن تُستخدم أيضاً لتكوين أطر تقدم معاني أو تفسيرات يمكن استخدامها لإضفاء معنى على الحياة. وعندما نستخدم القصص ندعو المستمع للدخول في القصة ونسأله عما إذا كانت تعطي معنى لخبراته وملاحظاته.

ولكن ليست كل القصص الكتابية تلقي الضوء على نقاط محددة بهذا الشكل. فبعض القصص تتيح لنا أن نرى خبراتنا الحياتية وملاحظاتنا من منظور مختلف. ولتوضيح هذه الفكرة سنأخذ قصة من أعظم قصص العهد القديم، وهي قصة السبي البابلي وَرَدّ مسبيي أورشليم إلى أرضهم بعد سقوط الإمبرطورية البابلية.

وتُعتبر قصة السبي البابلي سنة 586 ق. م من أهم قصص العهد القديم. ففي سنة 605 ق.م هزم الإمبرطور البابلي نبوخذ نصر الجيوش المصرية التي تجمعت في كركميش، وهكذا أسس بابل باعتبارها أعلى قوة عسكرية وسياسية في المنطقة. إلا أن يهوياقيم ملك يهوذا تمرد على الحكم البابلي، فقامت القوات البابلية بغزو يهوذا، وهو ما فسره الكُتاب آنذاك بكل وضوح باعتباره تنفيذًا للقضاء الذي أخبر به الرب على شعبه الخائن وملكهم.

وفي مطلع سنة 597 ق.م استسلم كلٌّ من الملك، والعائلة المالكة، ومستشارو البلاط الملكي لقوات الحصار. وتم ترحيلهم إلى بابل مع عدة آلاف من المسبيين غيرهم. ثم حدثت موجة أخرى من الترحيلات سنة 586 ق.م ولم يحصل اليهود على حريتهم في العودة إلى أرضهم إلا بعد سقوط بابل أمام الفرس سنة 539 ق.م.

وغالبًا ما تستخدم هذه القصة التاريخية المؤثرة لخلق معنى للوضع البشري. فمن منظور مسيحي، يرمز وضع اليهود أثناء سبيهم في بابل لحالة البشر. وذلك لأن اليهود لم يكونوا ينتمون لبابل، ولكنهم كانوا مسبيين يتوقون للعودة إلى أرضهم. ومزمور 137 يرسم صورة تنبض باشتياقهم للعودة وتعبر عن ذكرياتهم المرتبطة بأرضهم: “عَلَى أَنْهَارِ بَابِلَ هُنَاكَ جَلَسْنَا، بَكَيْنَا أَيْضًا عِنْدَمَا تَذَكَّرْنَا صِهْيَوْنَ.” (ع1).

إن هذا الإطار يعطي الحياة الإنسانية معنى. فليس المفترض أن نكون هنا، وهذه الأرض ليست وطننا، ولكننا ننتمي لوطن آخر. ومازلنا نحمل في أعماقنا ذكرى هذا الوطن التي لا تستطيع قوة في الوجود أن تمحوها. إننا نتحرق شوقًا للعودة إلى وطننا، ونحيا على رجاء أننا يومًا ما سنكون في الوطن الذي ننتمي إليه بالفعل. إن هذا الإطار يشير إلى مصدرنا الحقيقي ومآلنا، ويعطي معنى للشوق والتوق العميق الذي تتناوله “الحجة المبنية على الرغبة.”

ولكن ماذا عن القصص التي تتحدى المسيحية؟ سنستعرض قصتين تهدفان لهدم المصداقية التاريخية لأهمية يسوع الناصري كما يصورها التقليد المسيحي. أولهما “شفرة دافينشي” The Da Vinci Code (2003) لكاتبها “دان براون” Dan Brown، والثانية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ    (2010) لمؤلفها “فيليب بولمان” Philip Pullman. ما المنهجيات التي يتبعها كلٌّ منهما؟ وكيف نرد عليهما؟

إن القصص تدعونا لنتخيل عوالم بديلة ونقارنها بعالمنا: أيهما أكثر معقولية؟ وأكثر جاذبية؟ وتجدر الإشارة إلى أن إعادة قراءة التاريخ بشكل مختلف عادةً ما يكون وراءها دوافع هجومية أو أخلاقية، ومنها على سبيل المثال تصوير شخصية تاريخية خبيثة بشكل أفضل، أو شخصية محبوبة بشكل أسوأ. فرواية “أنا كلوديوس” I, Claudius (1934) مثلاً لكاتبها “روبرت جرفز” Robert Graves تتعاطف مع الإمبرطور الروماني كلوديوس (10ق.م – 54 م) وترسم له صورة إيجابية، وهو شخص كان يُنظر إليه في التاريخ على أنه رجل أحمق لا يضر ولا ينفع.

إلا أن “جرفز” يبرز كلوديوس على أنه يروج هذه الصورة عمدًا حتى يخدع الآخرين فيضمن بقاءه في زمن ملئ بالمخاطر السياسية.

وقد تَمكَّن كتاب “دان براون” الذي صدر سنة 2003 من تحقيق نجاح باهر واستحوذ على انتباه قرائه بفضل حبكته المتقنة التي تروي بداية تاريخ المسيحية بدرجة عالية من المعقولية حتى إن القارئ لا يلحظ التحريفات الجذرية المدسوسة في الكتاب ببراعة. (والطبعات الأولى من الكتاب كانت بحمل على غلافها كلمة “رواية” تحت العنوان. ولكنها حُذفَت فيما بعد). والقصة المحورية في هذا الكتاب تتلخص في أن الكنيسة اخترعت صورة خاصة بها ليسوع وجعلت منه إلهًا وفرضت هذه الصورة بالمؤامرة السياسية والتهديد بالعنف. ويصور “براون” الإمبراطور قسطنطين على أنه شخص مكيافلي انتهازي يغير طبيعة المسيحية لتخدم أغراضه السياسية.

ويروي “براون” قصة خداع وقمع تنتهي بكشف “الحق” وتحرير الناس. ويركز جزء كبير من القصة على بداية تاريخ المسيحية، فيروي أن الإمبراطور قسطنطين أراد للمسيحية أن تكون الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، ولكنه أدرك أنها تحتاج لنوع من إعادة الصياغة حتى تفي بهذا الغرض. ومن ثم، كان لابد من رفع رتبة يسوع الناصري بحيث لا يظل ذلك المعلم الريفي الفلاح، فأعلن فسطنطين أن يسوع هو الله. وقد استلزم ذلك الحصول على عدد مناسب من الأصوات والتلاعب في النصوص.

ويتم إطلاع القارئ على هذه الأسرار في شخصية السير “لي تيبينج” Sir Leigh Teabing الذي يعلم بهذه الخفايا التاريخية، فيصرح بأنه لم يكن أحد يعتقد أن يسوع هو الله حتى مجمع نيقية سنة 325 عندما طُرحَت المسألة للتصويت، وحصلت على غالبية الأصوت بفارق ضئيل. وتُصدم “صوفي نفو” Sophie Neveu المتخصصة في فك الشفرات عندما تسمع هذا الكلام وتقول في حالة من الذهول: ” لست أفهم ما تقول. هل تتحدث عن ألوهيته؟”

صرح لها “تيبينج”: “عزيزتي، حتى تلك اللحظة، كان أتباع يسوع يتعتبرونه نبيًا فانيًا مثل كل البشر… رجل عظيم مؤثر، ولكنه إنسان، فانٍ”.

[قالت “صوفي”]: “ليس ابن الله؟”

أجاب “تيبينج”: “بلى. فكرة أن يسوع “ابن الله” طُرحَت رسميًا للتصويت في مجمع نيقية.”

“مهلاً. تقول إن لاهوت يسوع جاء نتيجة تصويت؟”

أضاف “تيبينج”: “بفارق ضئيل بين الطرفين.”[21]

ويشرح “تيبينج” كيف حظر قسطنطين الأناجيل التي تحدثت عن يسوع بلغة إنسانية بحتة، ولم يسمح إلا بالأناجيل التي تشير إلى ألوهيته.[22]

ويتم تعريف القارئ بالحقائق المحظورة الخطيرة التي تتعلق بتاريخ الكنيسة ويركز الكاتب بشكل خاص على جماعة يلفها الغموض تعرف باسم “جمعية سيون” Priory of Sion ويقدمها باعتبارها حارسة لأحد الأسرار الخطيرة. ويخبر “براون” قراءه بأن هذه “الجمعية” هي جماعة سرية تكونت سنة 1099 ومازالت موجودة حتى اليوم ويؤكد لهم أن هذه حقائق ثابتة.

والحقيقة أن هذا كلام خاطئ بكل المقاييس، لأن “جمعية سيون” عبارة عن منظمة اخترعها “بيير بلانتار”  Pierre Plsntard (1920- 2000) سنة 1956، وقد كان “بلانتار ” بارعًا في تأليف القصص الخيالية، فنسج قصصًا غاية في الإتقان عن هذه الجماعة التي اخترعها وربط بينها وبين أحداث من العصور الوسطى والأرض المقدسة.[23] أي أن الموضوع لا يمت بصلة لأي نوع من الحقائق.

ولست أعرف أي سند تاريخي ذا قيمة يؤيد أيًا من الأفكار الرئيسية التي تقوم عليها “شفرة دافينشي” التي يمكن تفنيدها جميعًا بمنتهى السهولة. ولكن مربط الفرس أن “براون” يروي قصة يتمنى الكثيرون أن تكون صحيحة ويدعوهم أن يصدقوها. وقصة “براون” تقوض الفكر المسيحي التقليدي في أذهان عموم القراء بتصويره لهذا الفكر على أنه نشأ من إساءة ممارسة السلطة والرغبة في قمع العناصر الأنثوية للإيمان.

والقصة “تُعرفنا” بأن الحقيقة هي أن يسوع تزوج مريم المجدلية وأن ابنتهما أنجبت نسلاً ملكيًا في فرنسا. وقد قال “براون” ردًا على الانتقادات الكثيرة التي تناولت الأخطاء التاريخية الفادحة في روايته إن كل ما فعله أنه وضع الكلمات في أفواه شخصيات الرواية وترك القارئ يفهم منها ما يفهمه.

وتكمن جاذبية منهج “براون” في المقام الأول في قدرته على الهدم. فالقصة مكتوبة بأسلوب ركيك يبدو أن معظم القراء يتقبلونه خاصةً مع سرعة توالي الأحداث. وهي من حيث الأسلوب على النقيض تمامًا من “يسوع الصالح والمسيح الشرير” لكاتبها “فيليب بولمان” التي صدرت سنة 2010.[24] فأسلوب “بولمان” يتبع نوعًا ما أسلوب ترجمة الملك جيمز King James للكتاب المقدس، وهو يتميز بفصاحة لا نجد لها أثرًا في أسلوب “براون” الممل الركيك.

وكتاب “بولمان” يعيد سرد قصة الإنجيل في قالب تخيلي يحتفظ بالأسلوب الأصلي للأناجيل ولكنه يغير المحتوى تغييرًا جذريًا. وتنطوي إعادة صياغة القصة بهذا الشكل على تقديم فرضية محورية يبني عليها “بولمان” أطروحته. فهو يصور مريم على أنها فتاة تعاني من ضعف قدراتها العقلية وصعوبات في التعلم، يخدعها أحد الرجال لتنام معه مؤكدًا لها أنه ملاك، فتلد توأمين، يسوع والمسيح، ولكن العلاقة بينهما تسوء منذ سن مبكرة.

كان يسوع رجلاً تقيًا، وواعظًا متجولاً يكرز بملكوت الله وينتظر من أتباعه أن يتغيروا أخلاقيًا. ويخبرنا “بولمان” أن يسوع، كأي كارز بروتستانتي ليبرالي من القرن التاسع عشر، لم يصنع معجزات بالمعنى المفهوم. ولكنه كان يجعل الأمور تحدث بشكل طبيعي. فما الذي حدث في إشباع الخمسة الآلاف؟ كل ما في الأمر أنهم تقاسموا ما كان معهم من طعام.

وهكذا يتضح أن يسوع شخص صالح ينتمي إلى عالم مثالي غير عالمنا ولا يحتك بواقع السلطة السياسية. إلا أن المسيح مختلف. فهو يلتقي بشخصية غامضة اسمها “الغريب” The Stranger تزرع في عقله فكرةَ أن يعيد كتابة قصة يسوع وتعاليمه على نحو يجعلها أكثر جاذبية وأطول عمرًا.

والنتيجة إنجيل أسطوري كُتِب أصلاً لأسباب تافهة بقلم توأم يسوع المزعوم. وما يريد “بولمان” أن يشير إليه من طرف خفي أن إنجيل المسيح “المحسَّن” والمزوَّر هو السبب الأساسي في ظهور كتابات بولس في العهد الجديد.

وهكذا تصبح الكنيسة مؤسسة على إنجيل المسيح الوهمي، وليس على حقيقة يسوع التاريخية المفقودة. فالمسيح يدرك بدهائه ضرورة خلق قصة كبرى، فلسفة حياتية مغرية لتضمن استمرار الكنيسة على مر التاريخ.

ونظرًا لفشل يسوع في تقديم هذه القصة، يقوم المسيح بتعويض هذا العجز بنفسه بتأليف قصة قادرة على إنشاء مؤسسة قوية والحفاظ عليها. والقوة المؤسسية تعتمد على الأمر الإلهي الذي يُفرض دون هوادة ويصبح أيديولوجية راسخة تضمن استمراريته. ويظهر بكل وضوح من هذه الرواية ومن ثلاثية “مواده السوداء” His Dark Materials أن “بولمان” يستهدف مؤسسة الكنيسة.

وأخيرًا يحرض “الغريب” المسيح على خيانة أخيه، خيانة تؤدي إلى موت الشقيق (نعم، يتضح في النهاية أن المسيح هو يهوذا الإسخريوطي). ثم تصبح القيامة مسرحية يحاول فيها المسيح الحي أن يُظهر نفسه على أنه يسوع الميت، وهو ما يعني طبعًا أن القيامة تمثيلية اخترعها المسيح ليعوض عن موت يسوع ميتة مؤسفة عادية. والموضوع مألوف لدى قراء الأعمال العقلانية التي أعادت تأليف حياة يسوع في القرن الثامن عشر، ولكن “بولمان” أدخل عليها تعديلات تاريخية جديدة ولكنها مستحيلة الحدوث.

وهذه هي المشكلة، فهذه القصة الهجومية غير معقولة على الإطلاق لدرجة أنها لا تطابق أدنى المعايير المستخدمة لتحديد صحة الأحداث من الناحية التاريخية. والقصة معقدة ومتداخلة حتى إنها لا يمكن أن بؤخذ على محمل الجد من الناحية التاريخية. ورغم أن الكاتب قَصَّاص من الطراز الأول عندما يؤلف قصصًا خاصة به، فعندما يعيد إنتاجَ قصص غيره، وخاصةً إذا كانت قصة مألوفة كقصة يسوع الناصري يتعثر كثيرًا. فالحبكة مفتعلة بشكل مفرط حتى إن براعة “بولمان” الأسلوبية تعجز عن التعامل مع هذا الخط القصصي المعقد اللازم لتحقيق أغراضه في مهاجمة التقليد.

وقد أقحم “بولمان” نفسه في القصة الكتابية على نحو سافر، فلم يكن دوره فيها سلبيًا ولا صامتًا. وأكثر المواقف التي يظهر فيها هذا الإقحام بشكل صريح هو صلاة يسوع في جثسيماني التي يفاجئنا بأن يسوع يختمها قائلاً أنه لا يوجد إله. ويأتي صوت المؤلف مملاً رتيبًا في مواقف كهذه، ولا سيما عندما يعظ يأخذ مكان يسوع ويعظ قراءه بنبرة حادة مزعجة.

وهو ما يختلف عن أسلوبه في ثلاثية “مواده السوداء”. وهو في رواية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” يفتعل حالة من التقوى المفرطة بشكل يثير الاشمئزاز. علاوة على أنه يَسهل على القارئ التنبؤ بما سيحدث قبل قراءته.

ومن الواضح أن القصة مستحيلة الحدوث التي نطالعها في هذه الرواية تهدف إلى هدم مؤسسة السلطة الدينية. ويتضح هذا الهدف بجلاء في سؤال طرحه أثناء لقاء أجري معه عقب نشر كتابه بفترة وجيزة: “إن استطعت أن ترجع بالزمن وتنقذ ذلك الرجل من الصَلب وأنت تعلم أن هذا يعني عدم ظهور الكنيسة لحيز الوجود، هل ستنقذه أم لا؟” وترتكز هذه الحجة على افتراض مسبق مفاده أن القارئ يشارك “بولمان” في كراهيته الشديدة للمؤسسة الكنسية، وهو ما يظهر بكل وضوح في أعماله الأسبق.

ولكن هل الأمور حقًا بهذه البساطة؟ وهل الحق التاريخي يتوقف على ما نحب؟ وهل الإنجيل يتمحور فعلاً حول الكنيسة باعتبارها مؤسسة؟

معروف أن “بولمان” يريد أن يزعزع أساس الإيمان المسيحي. ولكن كيف يدعم هذا الكتاب حجته؟ إن ما حصل عليه هذا الكتاب من ردود أفعال فاترة على المواقع الإلكترونية الإلحادية يؤكد مدى غموضه. وقد سألني أحد زملائي من الأساتذة الملحدين مؤخرًا: “ولكن ما الفائدة منه؟ ومن سيلتفت لهذا الهراء؟” وقد راودتني هذه الأسئلة الوجيهة الواضحة وأنا أقرأ هذا الكتاب. ورغم استمتاعي بأسلوبه، لم أتمكن من تصديق حبكته الركيكة. ولابد أن أعترف أني لم أجد إجابة مقنعة حتى الآن.

المدخل الرابع: الصور:

تُعتبر الصور، لا الكلمات، أعلى أشكال التواصل عند كُتاب ما بعد الحداثة. وشركات الدعاية والإعلان تنفق أموالاً طائلة لتحصل على أفضل صورة للشركة المعلِنة، وتصمم إعلانات تليفزيونية تعرض صورًا تجعلنا نريد أن نشتري منتجات معينة دون غيرها. إلا أن الكثير من المسيحيين، مثلي، يفضلون استخدام الكلمة (ولا سيما الكلمة المكتوبة، في حالتي) لتوصيل الإيمان وإبراز جماله. ولكن علينا أن نعي أن الصور يُنظر إليها في إطار ما بعد الحداثة على أنها تتمتع بمصداقية وقوة من نوع خاص وتتجاوز الحدود المفروضة على الكلمات.

والعقل البشري يعمل عن طريق توليد صور تساعدنا على “تصوير” العالم المحيط بنا وفهم معناه. ويمكن تشبيه الصور بالخرائط الذهنية التي تساعدنا على رسم أرض الواقع وتحديد مكاننا في الإقليم المحيط بنا. وهذه الصور مفيدة جدًا للمدافع، لأن الصور التي تُعبر عن الفكر المسيحي يمكن تقديمها بأشكال تجذب الخيال البشري. وعمومًا نحن نتعلم أن نسكن في صورة نستخدمها ونكتشف مدى ملاءمتها لواقع عالمنا.

وسنفحص في هذا الجزء عددًا من هذه الصور ونبحث كيفية استخدامها لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله. وبعضها مأخوذ من الكتاب المقدس، والبعض الآخر من الثقافة العلمانية. وأولى هذه الصور مأخوذ من أحد كلاسيكيات الفلسفة اليونانية القديمة، ألا وهو كتاب “الجمهورية” Republic لأفلاطون. (إن كنت قد قرأت رواية “الكرسي الفضي” The Silver Chair، وهي إحدى روايات سلسلة “نارنيا” لكاتبها “لويس”، ستكون الصورة مألوفة لك، حتى وإن لم تكن تعرف أصلها التاريخي[25]).

يدعونا أفلاطون لأن نتخيل كهفًا مظلمًا عاشت فيه مجموعة من الناس منذ مولدهم. وقد ظلوا محبوسين في هذا الكهف طيلة حياتهم حتى إنهم لم يعرفوا عالمًا آخر سواه. وفي أحد أطراف الكهف تشتعل نيران متوهجة بالدفء والضوء. اللهُّب المتصاعدة تلقي ظلالاً على جدران الكهف، فيشاهد الناس هذه الظلال التي تسقط أمامهم على الحائط، ويفكرون فيما تعنيه، فهذه الظلال المرتعشة هي كل ما يعرفه سكان الكهف عن العالم. وإدراكهم للواقع منحصر فيما يرونه ويختبرونه في هذا السجن المظلم.

فإن كان هناك عالم خارج الكهف، فإنه شيء لا يعرفونه ولا يمكنهم أن يتخيلوه، وكل آفاقهم محدودة ومحددة بالظلال وبما ينالونه من ضوء خافت. ولكنهم لا يعرفون أن الكهف سجن ولا أنهم محبوسون فيه، وليس لهم أن يصلوا إلى هذا الاكتشاف إلا إذا عرفوا بوجود عالم آخر.

ويزين أفلاطون هذه الصورة بالعديد من التفاصيل، منها أن سكان الكهف مقيدون بأغلال تمنعهم من الحركة في أنحاء الكهف. ولا يمكنهم أن يروا إلا الجدار المقابل لهم. ويمتد خلفهم ممر يعبر فيه أشخاص يحملون أشياء متنوعة على رؤوسهم، والنار تلقي هذه الظلال المتحركة على جدران الكهف.

والناس الذين يعبرون الممر يتحدثون بعضهم مع بعض فتُرَجِّع أصواتهم صداها في جنبات الكهف، ولكنها تأتي مشوهة بفعل الجدران. وهكذا يرى السجناء ظلالاً متحركة ويسمعون أصداء أصوات. فهم لا يرون ولا يسمعون أي شيء بشكل مباشر، ولكن خبرتهم بكل شيء تأتي على نحو غير مباشر وغير واضح المعالم.[26]

ولا يعنينا هنا البناء الفلسفي لهذا التشبيه كما وضعه أفلاطون، ولكن ما يعنينا هو إمكانية استخدامه في الدفاعيات. فكيف نستخدم هذه الصورة لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله في عالم اليوم؟ تخيل نفسك الآن تسكن في هذه الصورة بضع دقائق، ولاحظ أنك لابد أن تنسى كل شيء عن العالم الذي نعرفه جميعًا حيث الشمس الساطعة، والهواء العليل، والورود، والبحيرات، والأشجار. وتَذَكر أن العالم الوحيد الذي تعرفه هو ذلك الكهف المظلم الذي يمثل لك الواقع كله.

وأنت لا ترى إلا ظلالاً ولا تسمع إلا أصداء. وما يظهر من هذه الأشياء يصبح واقعًا لك.

احترس من مقارنة عالم الكهف بأي واقع آخر، ففكرة التشبيه كلها تقوم على أساس أنك لا تعرف أي شيء غير هذا الكهف الذي يمثل لك تعريف الواقع. وعندما تشعر بأنك اعتدت على الصورة، سنبدأ في فحصها ودراسة كيفية تطبيقها في الدفاعيات.

اسأل نفسك هذا السؤال: كيف يتأتى لسكان الكهف أن يدركوا أن هناك عالمًا أفضل خارج جدران الكهف المظلمة المدخنة؟ فكر قليلاً في السؤال ثم واصل القراءة بعد أن تصل إلى بعض الإجابات.

ثلاث وسائل تُمكن سكان الكهف من اكتشاف وضعهم الحقيقي:

  1. يدخل شخص من العالم الحقيقي الخارجي إلى داخل الكهف ويخبر سكانه بالعالم الحقيقي. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة فكرة الإعلان الإلهي.
  2. بنية الكهف نفسه تحتوي على دلائل تشير إلى وجود عالم خارج جدرانه. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بناءً على المؤشرات التي نراها في بنية العالم.
  3. عند هؤلاء المساجين معرفة حدسية تقول لهم إن هناك عالمًا أفضل من الكهف المظلم المدخن. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بالاستناد على المشاعر الإنسانية، ومنها الحجة المبنية على الرغبة.

وسوف نبحث فيما يلي ما تتضمنه كل وسيلة من إمكانية دفاعية مع الاحتفاظ بصورة الكهف.

أولاً، قد يقتحم الكهف شخص من عالم آخر، ويخبرنا عن ذلك العالم الآخر مستخدمًا تشبيهات مستمدة من الكهف. بل إنه قد يفعل ما هو أفضل من هذا فيعرض علينا أن يرشدنا لطريق الخروج. وقد يفعل ما هو أفضل من هذا وذاك، فيعرض علينا أن يُخرجنا بنفسه.

وهذا الأسلوب هو الذي ينعكس في عقيدة التجسد المسيحية التي ترى يسوع المسيح باعتباره الشخص الذي يدخل إلى عالم التاريخ والخبرة البشرية، ليُظهر لنا الأمور على حقيقتها وليعطينا القدرة أن نتحرر من ربط العالم وقيوده. وبالرغم من أن هذا الموضوع يملأ صفحات العهد الجديد، فهو يَبرز بشكل خاص في إنجيل يوحنا، كما يتضح من الآيتين التاليتين:

وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْدًا (يو 1: 14)

أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. (يو 6: 51)

والوسيلة الثانية تقول بأن عالم الكهف نفسه مرصع بمؤشرات ومفاتيح تشير إلى أنه ليس العالم الوحيد. فقد يكون على جدران الكهف علامات تشير إلى أصله أو إلى مصيره الحقيقي، مثل العلامات التي لاحظها أريستبوس على شاطئ جزيرة رودس (ص 122). فربما الكهف يكشف عن أدلة تشير إلى وجود تصميم أو بنية معقدة تثير أسئلة جوهرية عن نشأته. وقد تكون جدرانه مزينة بالرسوم أو غيرها من الدلائل التي تشير إلى أصله وتاريخه.

أما الحل الثالث هو أن من يلاحظون الكهف أنفسهم يملكون في أعماقهم حسًا فطريًا أصيلاً بوجود عالم آخر. وقد يتخذ هذا الحس شكل قناعة عميقة أن الحياة أكثر من مجرد ظلمة هذا الكهف المدخن، أو معرفة حدسية قوية بأن مصيرهم يجب أن يكون في مكان آخر، أو رغبة في شيء يشعر صاحبها أنها لن تُشبع أبدًا، وهو شعور يشير إلى أن عالمنا ليس العالم الوحيد، وأن إشباعنا الحقيقي لن يتحقق فيه.

فنار الشوق التي تشتعل داخلنا ولا تطفئها خبراتنا في هذا العالم تمثل مفتاحًا جوهريًا يشير إلى وضعنا الحقيقي ويدعونا لاكتشاف الواقع الأعظم الذي تشير إليه.

هكذا قمنا ببحث الأساليب الثلاثة وشرحها بسهولة مستخدمين صورة كهف أفلاطون. وكل وسيلة منها تتيح للدافع أن يبحث أحد جوانب الإيمان المسيحي ويكتشف تلامسه مع خبرتنا بالعالم المحيط ومع معرفتنا الحدسية وأشواقنا العميقة وقدرته على خلق معنى لكل هذه الأمور.

ويمكن إدماج هذه الصورة المعبرة بسهولة في الأحاديث، والعظات، والمحاضرات، ويمكن تطويرها بالعديد من الطرق المبتكرة. ويسهل كذلك إضافة طرق أخرى للثلاثة المذكورة أعلاه.

فما الصور الأخرى التي يمكن استخدامها في الدفاعيات؟ يستخدم بولس مجموعة من الصور القوية في رسائله ليساعدنا على فهم ما فعله المسح لأجلنا بصلبه وقيامته. ومن هذه الصور صورة التبني. وفيها يؤكد لنا بولس أننا أصبحنا أبناء الله بالتبني في المسيح (رو 8: 23، غل 4: 5). ويرى بولس أن هذه الصورة المستمدة من قانون الأسرة الروماني تلقي الضوء على امتيازات المؤمن ومكانته في علاقته بالله.[27] وهي صورة تتطلب منا أن ندركها في عقولنا ونقدرها في قلوبنا.

وصورة التبني سهلة الفهم نسبيًا، فهي تُعبر عن أسرة تقرر أن تمنح طفلاً لم يولد في أحضانها الامتيازات القانونية نفسها التي يحصل عليها الطفل المولود في الأسرة. وهو ما يستتبع أن الطفل المتبنى يتمتع بحقوق الميراث التي يتمتع بها الطفل الطبيعي.

وهكذا يمكن أن يرى المؤمن نفسه باعتبار أنه أُدخِل في عائلة الله ومُنح ذات الامتيازات القانونية التي يتمتع بها أي ابن طبيعي. ومن هو الابن الطبيعي لله؟ إنه المسيح نفسه. وبذلك، يشرح بولس هذه الفكرة القوية، ألا وهي أن كل ما منحه الله للمسيح باعتباره ابنه سيؤول إلينا في النهاية باعتبارنا أولاد الله:

أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ. فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ. (رو 8: 16، 17)

ولذلك فالسمات الأسرية التي تميز أولاد الله هي الألم في هذه الحياة والوعد بالمجد في الحياة الآتية. وهو ما يعني أن المجد يكمن وراء الألم، ولابد أن نتعلم أن نرى الألم باعتباره امتيازًا نحتمله مسرورين بوصفه نتيجة لمركزنا الجديد بصفتنا ورثة الله.

ولكن صورة التبني لا تخاطب العقل فحسب، بل تستحوذ على الخيال والقلب أيضًا. وهي بذلك تدعونا أن نترجمها بشكل تخيلي، ولا نكتفي بفهمها. فالتبني معناه أن الطفل مرغوب فيه، وهو يتضمن أيضًا معنى الانتماء. وهذه قضايا وجدانية عميقة تتلامس مع اهتمامات الكثيرين ومخاوفهم في مجتمعات تزداد انكسارًا يومًا بعد يوم.

فالتبني يعني دعوة الشخص ليدخل في بيئة مُحبة حانية. وهي تعني الترحيب بالشخص والرغبة في وجوده وتقديره . والتبني يقدر امتياز الدعوة التي يتم بمقتضاها الترحيب بشخص من خارج الأسرة وإدخاله في كنف الإيمان والحب.

والصورة التي يرسمها بولس للتبني تتوافق بشدة مع اشتياق الإنسان العميق للانتماء إلى مكان ما. فنحن نحتاج أن نشعر أننا مقبولون ومرغوبون. وتؤكد “سيمون فيّ” كثيرًا في كتاباتها أهمية هذه النقطة.

فهي تشير في كتابها “البحث عن الجذور” The Need for Roots إلى أهمية المجتمعات في تكوين الهوية الشخصية وحمايتها: “قد تمثل الحاجة للجذور أهم احتياجات النفس البشرية ولكنها الأقل حظًا من حيث إدراكها والاعتراف بها.”[28] ويتناول “ولتر بروجمَن” Walter Brueggemann أستاذ العهد القديم المعروف هذه الفكرة بمزيد من العمق عندما يشير إلى أن

الشعور بالضياع والتشرد وفقدان المأوى يسود ثقافتنا المعاصرة. وتوق الإنسان لأن ينتمي لمكان، ويكون له بيت، يحتمي في موضع آمن هو سعي عميق يثير في النفس لهيبًا من المشاعر المتأججة.[29]

ونجاح المسلسل التليفزيوني الأميريكي “في صحتك” Cheers يعكس هذه النقطة على أكمل وجه. وقد بدأ عرض المسلسل الذي تجري أحداثه في حانة في بوسطن سنة 1982 واستمر على مدى 271 حلقة حتى سنة 1993. ويرجع نجاحه الباهر إلى ما خلقه من شعور قوي بالانتماء لجماعة.[30]

فقد كانت الحانة مكانًا للأحاديث الخفيفة والأحاديث الجادة، وكانت ملجأ يرحب بكل من يأتيه، والجميع هناك يعرفك. أما خارج الحانة هناك جموع مجهولة من بشر لا يعرفهم أحد ولا يعرفون بعضهم البعض. ولكن داخل الحانة، أنت شخص مميز، ومهم عند الآخرين، أنت تنتمي لمكان. وقد عبَّرت أغنية المسلسل عن هذا المعنى أوضح تعبير: أنت تريد أن تكون في مكان “كل من فيه يعرف اسمك.”

ويمكن للمدافع أن يستخدم صورة التبني التي يرسمها بولس مشيرًا إلى ما تحمله من معانٍ على مستويات مختلفة. فهي لا تلقي الضوء على ما يعود علينا من موت المسيح وقيامته فحسب، ولكنها تخاطب اشتياق القلب البشري العميق للانتماء.

وهناك صور كتابية أخرى يسهل الاستفادة منها في الدفاعيات، مثل صورة الله الراعي، أو المسيح خبز الحياة. فالدفاعيات تتمتع بصندوق زاخر بالكنوز التي يمكننا الاستفادة منها، وهي تستخدم الخيال باعتباره مدخلاً للنفس البشرية. وينبغي على المدافع الناجح أن يجدد هذا الصندوق باستمرار مضيفًا إليه قصصًا وصورًا جديدة.

خطوة للأمام:

المداخل الأربعة التي تناولناها في هذا الفصل كلها مهمة ويمكن تطبيقها بسهولة في الدفاعيات. إلا أنها مجرد أمثلة توضيحية لا تشمل كل المداخل التي يمكن الاستفادة منها، بل يمكن إضافة مداخل أخرى لها. ومنها على سبيل المثال تجسيد المؤمن لإيمانه في حياته العملية، وهو مدخل يؤدي وظيفة دفاعية مهمة.

فالكثيرون يسألون عن الإيمان عندما يرون أن أصدقائهم يتميزون بشيء غير متوفر لهم، كالشعور بالسلام أو بوجود غرض للحياة، أو الشعور العميق بالحنان والحب للبشر، وهو ما يثير لديهم السؤال: “من أين لهم هذا؟” ويتمنون في أعماقهم أن يتمتعوا بما يتمتع به هؤلاء. ومحبة الله تتجسد وتعلَن عندما يخدم المسيحي الحقيقي العالم المحيط به.

والطريقة التي يتعامل بها المؤمن مع الموت تقدم شهادة مهمة لرجاء القيامة المغير الذي يمثل ركيزة أساسية في الإنجيل. فممارسة الحق في حياتنا العملية هي “دفاعيات متجسدة” تمثل في حد ذاتها شهاد قوية لذلك الحق. أي أننا نحتاج لما هو أكثر من الحجج، نحتاج أن نظهر أن الإيمان المسيحي يغير الحياة ويمنحها قوة، كما أشار المدافع “فيليب د. كنِسون” Philip D. Kenneson في ملاحظة حكيمة قائلاً:

إن ما ينتظره عالمنا، وما تبدو الكنيسة متقاعسة عن تقديمه، ليس الاستمرار في تقديم مزيد من الأحاديث عن الحق الموضوعي، بل شهادة متجسدة تعطي الآخرين سبباً للالتفات لهذا الحق.[31]

علاوة على ذلك، تقدم الحياة المسيحية شهادة مهمة لقدرة الإنجيل على تغيير حياة البشر، فعندما نشهد عن قصتنا الشخصية، نقدم شهادة غير مباشرة على أن الإنجيل حقيقي، وليس صحيحًا فحسب.

ومن السهل إضافة المزيد من الأساليب أو تطويرها حسب القضايا التي يواجهها المدافع أو الاتجاهات الثقافية التي يشعر أنه يجب التعامل معها. ومن الأمثلة الواضحة التي يمكن استخدامها في الدفاعيات من بعض المجالات الفنية والأدبية الأخرى:

  1. الأفلام: ربما يعتبر الفيلم، لما يميزه من المزج بين القصة والصورة، أفضل وسيلة للتواصل مع جيل يطَلِّع على الواقع بطريقة بصرية أكثر منها نَصية. والكثير من الأفلام الحديثة تثير قضايا لاهوتية ودفاعية كبرى، مما يتيح الفرصة لفتح مناقشات دفاعية.
  2. الشعِر: تُعبر الكثير من القصائد عن شعور بالقلق الشديد تجاه الوضع الحالي للعالم، وعن تطلع نحو الهدف الأسمى للبشرية. وليس من الصعب على المدافع أن يحدد بعض القصائد، وكلمات بعض الأغاني المشهورة، التي تتيح الفرصة لإثارة أسئلة أو فتح مداخل للدفاعيات.

  3. اللوحات الفنية: الكثير من الأعمال الفنية الكلاسيكية، ناهيك عن الصور المشهورة، يمكن أن تمثل مداخل دفاعية. فإذا أجريت بحثًا سريعًا على الإنترنت مثلاً ستجد لوحة مشهورة للفنان “إدفارد مونك” Edvard Munch اسمها “الصرخة” The Scream  (1893) يظهر فيها شخص في حالة من اليأس الوجودي المريع لعجزه عن التعامل مع العالم. فكيف نستفيد من هذه اللوحة؟ إنها مدخل ممتاز للدفاعيات، ويمكنك أن تجد الكثير غيرها بسهولة.

الآن وقد اطلعنا على أساليب تساعدنا في إبراز جمال الإيمان المسيحي وربطه بحياة الناس العاديين، لابد أن ننتقل للعثرات والشكوك التي يواجهها الناس في الإيمان وكيفية التعامل معها .

لمزيد من الاطلاع:

Garson, D.A.The God Who Is There: Finding Your Place in God’s Story. Grand Rapids: Baker, 2010.

Johnston, Robert K.Reel Spirituality: Theology and Film in Dialogue، 2nd ed. Grand Rapids: Baker Academic, 2006.

Keller, Timothy J. The Reason for God: Belief in an Age of Skepticism. New York: Dutton, 2008.

Marsh, Clive. Theology Goes to the Movies: An Introduction to Critical Christian Thinking. New York: Routledge, 2007.

McGrath, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville: Westminster john Knox, 2011.

Nash, Ronald H. Faith and Reason: Searching for a Rational Faith. Grand Rapids: Academie Books, 1988.

Peters, James R. The Logic of the Heart: Augustine, Pascal, and the Rationality of Faith. Grand Rapids: Baker Academic, 2009.

Piper, John. Think: The Life of the Mind and the Love of God. Wheaton: Grossway, 2010.

Sire, James W. Naming the Elephant: Worldview as a Concpt. Downers Grove, IL: Inter Varsity, 2004.

Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: HarperSanFrancisco, 2006.

[1] Peter Brown, Augustine of Hippo (London: Faber & Faber, 1967).

[2] Augustine, Confessions V.xiii.23-xiv.25.

[3] James Robert Brown, Philosophy of Mathematics: An Introduction to the World of Proofs and Pictures (London: Routledge, 1999, 71-78); George Bools, “Gödel’s Second Incompleteness Theorem Explained in Words of One Syllable,”, Mind 103 (1994): 1-3.

[4] For a highly influential discussion, see John Lucas, “Minds, Machines and Gödel,” Philosophy 36 (1961): 112-27.

[5] For two good assessments of Schaeffer’s approach, see Thomas V. Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics: A Critique (Grand Rapids: Baker, 1987); Bryan A. Follis, Truth with Love: Apologetics of Francis Schaeffer (Wheaton: Crossway, 2006).

[6] Francis Schaeffer, The God Who Is There, Complete Works of Francis Schaeffer, vol. 1 (Westchester, IL: Crossway, 1982), 130.

[7] Ibid., 134.

[8] For a good analysis, see Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics, 21-22.

[9] Schaeffer, The God Who Is There, 132.

[10] Ibid., 140.

[11] Ibid., 110.

* metaphysical وتترجم أحياناً إلى “ما وراء الطبيعة” والمقصود كل ما يختص بالبحث الفسلفي في المبادئ أو العلل الأولى للكينونة والمعرفة. (المترجمة)

[12] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 138.

[13] C. S. Lewis, Rehabilitations and Other Essays (London: Oxford University Press, 1939), 158.

[14] See Roy Baumeister, Meanings of Life (New York: Guilford Press, 1991). Baumeister’s analysis of the importance of questions of identity, value, purpose, and agency is of major importance to Christian apologetics.

[15] Hans Frei, The Eclipse of Biblical Narrative: A Study in Eighteenth and Nineteenth Century Biblical Hermeneutics (New Haven: Yale University Press, 1977).

[16] Alasdair MacIntyre, After Virtue (London: Duckworth, 1985), 216.

[17] Baumeister, Meanings of Life.

[18] N. T. Wright, “How Can the Bible Be Authoritative?” Vox Evangelica 21 (1991): 7-32.

[19] N. T. Wright, The New Testament and the People of God (Minneapolis: Fortress, 1992), 132.

[20] See Verlyn Flieger, Splintered Light: Logos and Language in Tolkien’s World (Kent, OH: Kent State University, 2002); Jeffrey L. Morrow, “J. R. R. Tolkien as a Christian for Our Times,” Evangelical Review of Theology 29 (2005), 164-77.

[21] Dan Brown, The Da Vinci Code: A Novel (New York: Doubleday, 2003), 233.

[22] Brown is totally wrong on all these points. See, for example, Bart D. Ehrman, Truth and Fiction in The Da Vinci Code: A Historian Reveals What We Really Know About Jesus, Mary Magdalene, and Constantine (Oxford: Oxford University Press, 2004), 23-24.

[23] The best account of the fabrication of this myth is Massimo Introvigne, Gli Illuminatie il Priorate di Sion (Milan: Piemme, 2005). An English summary of this work is available at http://www.cesnur.org/2005/pa_introvigne.htm.

[24] Philip Pullman, The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ (Edinburgh: Canongate, 2010).

[25] You might enjoy reading the interesting study of William G. Johnson and Marcia K. Houtman, “Platonic Shadows in C. S. Lewis’ Narnia Chronicles,” Modern Fiction Studies 32 (1986), 75-87.

[26] For a detailed discussion, see Gail Fine, Plato on Knowledge and Forms: Selected Essays (Oxford: Oxford University Press, 2003).

[27] James C. Walters, “Paul, Adoption, and Inheritance,” Paul in the Greco-Roman World, ed. J. Paul Sampley (Harrisburg, PA: Trinity Press International, 2003), 42-76.

[28] Simone Weil, The Need for Roots (London: Routledge, 2002), 43.

[29] Walter Brueggemann, The Land: Place as Gift, Promise, and Challenge in Biblical Faith, 2nd ed. (Philadelphia: Fortress Press, 2002), 1.

[30] Bill Carter, “Why ‘Cheers’ Proved So Intoxicating,” New York Times, Sunday, May 9, 1993.

[31] Philip D. Kenneson, “There’s No Such Thing as Objective Truth, and It’s a Good Thing, Too.” Christian Apologetics in the Postmodern World, ed. Timothy R. Phillips and Dennis L. Okholm (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1995), 155-70.

المداخل المتاحة للدفاعيات – فتح الباب للإيمان – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

تُعنى الدفاعيات بإقناع الناس بأن المسيحية تخلق للحياة معنى، حتى إن “سي.إس.لويس” الذي قد يُعتبر أعظم مدافع مسيحي في القرن العشرين يصف قدرة الإيمان المسيحي على خلق معنى للأشياء بفصاحة بليغة وبإيجاز قاطع قائلاً: “إني أؤمن بالمسيحية كما أؤمن بأن الشمس قد أشرقت، لا لأني أراها فحسب، ولكن لأني أرى كل الأشياء الأخرى بواستطها.”[1] وما يقوله “لويس” أساسي في الدفاعيات المسيحية: فالمسيحية لها معنى في حد ذاتها وهي قادرة على إضفاء المعنى على سائر الأشياء أيضًا.

ويعرض “لويس” في كل أعماله، حتى الخالي منها، نظرة المسيحية للأمور باعتبارها نظرة منطقية، ومقنعة، ومتصلة بحياة البشر. فما أن ننظر للعالم من منظار مسيحي حتى يتضح قصور وجهات النظر الأخرى. وقد أشار أحد زملاء “لويس” في جامعة أكسفورد، وهو اللاهوتي وأستاذ العهد الجديد “أوستين فارِر” Austin Farrer   إلي أن تفوق “لويس” في الدفاعيات يرجع إلى قدرته على إظهار الإيمان بالله منطقي وطبيعي.

لم تكمن قوة “لويس” الحقيقية في البرهان، بل في التصوير. فقد سكن في كتاباته عالَمٌ مسيحي يمكن للقارئ أن يفكر فيه ويشعر به. وكان يشعر في هذا العالم بارتياح تام، وقد تمكن من نقل الشعور ذاته لقرائه. كان يقدم القضايا الأخلاقية بمنتهى الوضوح ويبين ارتباطها بالإرادة الإلهية، وعندما يتمكن المرء من رؤيتها على هذا النحو، لا يمكنه أن يراها غير ذلك أبدًا.[2]

يُعتبر الاتساع الفكري الذي يتميز به الإيمان المسيحي من أعظم نقاط قوته، ويمكن استخدامه بكل قوة في الدفاعيات كما سنرى في هذا الفصل. وعندما اقول إن المسيحية قادرة على خلق معنى أعمق للواقع أكثر من غيرها لا أقصد أن وجهات النظر الأخرى غير منطقية.

فمعظم أشكال الإلحاد مثلاً لها منطقها الذي يفترض بعض الملحدين مثل “ريتشارد دوكينز” Richard Dawkins  وكذلك “كرستوفر هيتشنز” Christopher Hitchens  أنه الشكل الوحيد للعقلانية، وهو افتراض طفولي ساذج. إلا أن المسيحية تتفوق على غيرها من حيث قدرتها على إضفاء معنى أكثر عمقًا ومنطقية على الأمور، كما يرى معظم المدافعين.

والروائي الإنجليزي “إفيلين وُه” Evelyn Waugh  (1903-1966) الذي اشتهر بروايته ” العودة إلى برايدزهد” Brideshead Revisited  (1945) يشير إلى نقطة مشابهة. فبعد أن آمن بالمسيحية سنة 1930 كتب لأحد أصدقائه يشرح له كيف مَكًنه إيمانه الجديد من رؤية الأشياء بوضوح لأول مرة.

الاهتداء إلى الإيمان  يشبه الخروج من عالم “أليس في بلاد العجائب”، حيث يبدو كل شيء كاريكاتيريًا وعبثيًا، والدخول إلى العالم الحقيقي الذي صنعه الله، ثم تبدأ بعد ذلك رحلةٌ بهيجة لا نهائية لاستكشاف هذا العالم.[3]

فقبل الإيمان لم يرَ “وُه” إلا عالمًا مشوهًا وهميًا، ولكنه بعد إيمانه رأى الأمور على حقيقتها. وبدأ رحلة اكتشاف هذا العالم الجديد تملؤه مشاعر الحماس والدهشة والإثارة كما يتضح من كتاباته بعد الإيمان.

فكيف نفهم منطقية الإيمان؟ يمكن توضح منطقية الإيمان المسيحي بطريقتين مختلفتين، ولكنهما تكملان بعضهما البعض:

  1. بإظهار القاعدة القوية من الحجج والأدلة المؤيِّدة للعقائد الجوهرية في المسيحية: يتضمن هذا المنهج بناء حجج عقلانية تثبت وجود الله، أو حجج تاريخية تثبت قيامة يسوع الناصري. في هذا المنهج يتم الدفاع بشكل مباشر عن مصداقية العناصر الأساسية للأمان المسيحي.
  2. بإظهار أنه إذا كان الإيمان المسيحي صحيحًا، فهو يخلق للواقع معنى أعمق وأكثر منطقية من البدائل الأخرى: تتفوق المسيحية على البدائل الاخرى من حيث توافقها مع ملاحظاتنا وخبرتنا على نحو أكثر منطقية. وهي بذلك تشبه اختبار النظريات العلمية للتأكد من اتساقها مع الملاحظات أو قدرتها على تفسير هذه الملاحظات.

هذان المنهجان لا يلغي أحدهما الآخر، بل يمكن استخدامها معًا في الدفاعيات. سنتناول الآن بعض الأفكار والخطوط المنهجية التي تمثل قيمة محورية في الدفاعيات بوصفها أداة تُظهر لثقافتنا ما يتميز به الإيمان المسيحي من عقلانية ومنطقية.

وسنبدأ دراستنا بالنظر إلى طبيعة الإيمان.
طبيعة الإيمان:

أدى صعود تيار”الإلحاد الجديد” سنة 2006 إلى خلق اهتمام جديد بطبيعة الإيمان، وأصبح السؤال المطروح: لماذا نؤمن بالله إن كنا لا نستطيع إثبات هذا الإيمان بيقين مطلق؟ ومن أشد انتقادات الإلحاد الجديد وأكثرها شيوعًا هو القول بأن “الإمان بالله غير منطقي”، حتى إن “ريتشارد دوكينز”، ذلك الملحد الذي يعتمد أسلوب المواجهات في دعم قضاياه ، يرى أن الإيمان هروب من الأدلة بدفن الرؤوس في الرمال، ورفض التفكير.

وبالرغم من أن الكثير من المراقبين الإعلاميين أظهروا نوعًا من القبول لهذه الانتقادات في بادئ الأمر، فقد أظهر الفحص الدقيق مدى ضحالتها، لأن هذا الإلحاد الجديد نفسه له معتقداته وتعاليمه غير المثبَتة، وغير القابلة للإثبات، مثل غيره من الأفكار.

يقول نقاد حركة التنوير من الفلاسفة، مثل “ألاسدير ماكينتاير” Alasdair Maclntyre  أو “جون جري” John Gray  إن محاولة حركة التنوير أن تضع أساسًا ومعيارًا واحدًا وشاملاً للمعرفة قد ضعُف حتى انهار تمامًا تحت وطأة كمية ضخمة من الأدلة المضادة.[4] فالنظرة القائلة بوجود عقل وحيد شامل لا يمكن الدفاع عنها ولا يمكن تحقيقها. وذلك، لأننا باعتبارنا بشرًا محدودين ليس أمامنا خيار سوى أن ندرك أننا لابد أن نعيش في غياب بعض الحقائق العقلانية الصرفة، الواضحة، المطلقة التي لا تتحمل أي لبس.

فمؤكد طبعًا أنه علينا أن نضع معايير تثبت صحة معتقداتنا، وعلينا أن ندافع عن هذه المعايير، ولكننا في الوقت نفسه لابد أن ندرك أن تلك المعتقدات قد تستعصي على الإثبات. إلا أنها، على حد التعبير الذي أطلقه “وليم جيمز” William James  أحد علماء النفس بجامعة “هارفارد” Harvard ، وتُفهم على أنها “فرضيات مقبولة” ” Working hypotheses”.[5]

وسوف أضرب مثالاً لتوضيح هذه النقطة. بعض العبارات الأخلاقية مثل “الاغتصاب فعل خاطئ” لا يمكن إثباتها لا بالمنطق ولا بالعِلم، وهو ما ينطبق على بعض العبارات السياسية أيضًا، مثل “الديمقراطية أفضل من الفاشية.” ولكن هذا لا يمنعنا من الإيمان بهذه المعتقدات السياسية والأخلاقية والتصرف وفقًا لها. ولا يقتصر ذلك على الأخلاقيات الشخصية والآراء السياسية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى المعتقدات الاجتماعية، وأهمها العدالة. فما من أمة أو مجتمع يمكنه أن يبقى على قيد الحياة دون أن يكون عنده مفهوم للعدالة. ومع ذلك، لا يمكننا أن نثبت بالمنطق البشري المحض صحة مفهوم بعينه من مفاهيم العدالة.

ومؤخرًا أكد “مايكل ساندل” Michael Sandel  أستاذ الحكومة في جامعة “هارفارد” أن أي فكرة للعدالة تقوم على مفهوم ما للحياة الطيبة بما يتضمنه من شبكة معتقدات عن الطبيعة البشرية وقيمها وغرضها.[6] وقد أشار إلى أن هذه المعتقدات لا يمكن إثباتها، وهو محق في ذلك. صحيح أن بعض مفكري عصر التنوير، تلك الفترة العظيمة في الثقافة الغربية التي قالت بالمرجعية العليا للعقل البشري، آمنوا بأن العقل قادر على تقديم إجابات قاطعة لهذه الأسئلة.

فلا يمكن العثور على إجابات ذات معنى للأسئلة المتعلقة بالعدالة دون الاعتماد على معتقدات لا يمكن إثباتها بشكل نهائي. وقد تلاشى حلم التنوير بتأسيس العدالة على المنطق البحت، لأن فكرة “المنطق الخالص” هي فكرة خيالية، لأن مفاهيم العقلانية تتشكل وفقًا للبيئة الثقافية، كما أشار “ستيفن تولمين” Stephen Toulmin  في ملاحظة صائبة قائلاً:

إن ممارسة الحكم العقلاني في حد ذاتها تتم في إطار معين وتعتمد عليه في الأساس، والحجج التي نواجهها توجد في زمان معين وفي طروف معينة، وعندما نُقَيٍّمها لابد أن نحكم عليها في ظل هذه الخلفية.[7]

يبدو أن الكثير من مفكري التنوير نجوا من هذه الحقيقة التي تقوض بناءهم الفكري، وذلك بفضل محدودياتهم الأكاديمية التي كانت شديدة الارتباط آنذاك بالتقليد الغربي الكلاسيكي، ولكن هذا الوهم قد تلاشى، حتى إن “ألاسدير ماكينتاير” يختم تحليله العبقري للتناول العقلاني لكلٍّ من المعرفة والأخلاق بأن التنوع الكبير في طريق التناول “العقلاني” للعدالة والأخلاق لابد أن يؤادي للاستنتاج بأن “الإرث الذي خَلَّفته حركة التنوير هو نموذج مثالي للتفسير العقلاني الذي ثبتت استحالة تحقيقه.”[8]

فالعقل يعد بالكثير ولكنه يعجز عن الوفاء بكل ما يعد به.

ويمكننا في هذا الصدد أن نسوق الكثير من الأمثلة التي تصل جميعها إلى الاستنتاج ذاته الذي أشار إليه منذ عدة سنوات فيلسوف أكسفورد العظيم والمؤرخ الفذ السير “أيزيا برلين”” Sir Isaiah Berlin  (1909 – 1997 ) عندما قال بأن القناعات البشرية يمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات:

  1. قناعات يمكن إثباتها بالملاحظة التجريبية.
  2. قناعات يمكن إثباتها بالاستنباط المنطقي.
  3. قناعات لا يمكن إثباتها بأي من الطريقتين السابقتين.[9]

تتمثل الفئتان الأولى والثانية فيما يمكن التحقق منه بالعلوم الطبيعية، وما يمكن إثباته بالمنطق والرياضيات. وبذالك، ينحصر”البرهان” في نوعية محدودة من العبارات التقريرية، مثل:
2+2= 4
الكل أكبر من الجزء.
التركيبة الكيميائية للماء هي H₂O.

العبارة الأولى والعبارة الثانية يمكن إثباتهما منطقيًا، والأخيرة يمكن إثباتهما علميًا. أما الفئة الثالثة فهي التي تضم القيم والأفكار التي تشكل الثقافة البشرية وتُعَرِّف الوجود الإنساني، أي أنها المعتقدات التي تعطي للحياة الإنسانية سببًا، واتجاهًا، وغرضًا، ولا يمكن إثباتها بالمنطق أو العلم.

ما الذي يندرج تحت هذه الفئة؟ سنة 1948 أكدت الأمم المتحدة “إيمانـ]ها[ بحقوق الإنسان الأساسية.” ورغم أهمية هذا المعتقد، فبنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يمكن إثباتها منطقيًا ولا علميًا، كما لا يمكن إثبات الاعتقاد بأن الظلم شر أو أن الاغتصاب خطأ. فهذه أمور مستحيلة الإثبات. ومع ذلك يتخذ الناس منها عملاً لهم طيلة حياتهم انطلاقًا من اعتقادهم بأنها، أولاً صحيحة، وثانيًا مهمة.

وقد أشار الناقد الأدبي البريطاني “تِري إيجلتون” Terry Eagleton  في نقد قوي لكتاب “وهم الإله” the God Delusion  لمؤلفه “ريتشارد دوكينز” قائلاً: “إننا نؤمن بالكثير من المعتقدات التي ليس لها مبرر عقلاني يفوق مستوى الشبهات، ومع ذلك هذه المعتقدات منطقية إلى الدرجة التي تجبرنا على أخذها بعين الاعتبار.”[10] والإيمان بالله واحد من هذه المعتقدات.

وقد أكد الفيلسوف “ألفين بلانتيجا” Alvin Plabtinga  هذه النقطة منذ سنوات بالإشارة إلى مشكلة دائمة وهي مشكلة “العقول الأخرى”[11] التي تقول بأنه لا يمكنك أن تبرهن برهانًا مطلقًا على أن اللآخرين عندهم عقول. ومع ذلك لم يشغل أحد نفسه بهذا الأمر، لأنه افتراض مقبول ويتفق مع طبيعة الأمور. ثم يقول “بلانتينجا” بوجود توازٍ بين إثبات وجود “عقول أخرى” وإثبات وجود الله.

ويستطرد قائلاً إنه لا يمكن إثبات أي منهما، ويمكن تقديم حججٍ قوية ضد كلٍّ منهما، ولكن مؤيدي هاتين النظرتين يرون أنهما منطقيتان جدًا.

إن “ريتشارد رورتي” Richard Rorty  (1931- 2007 ) الذي قد يُعتبر أعظم فيلسوف أمريكي في القرن العشرين عرض نقطة مشابهة في خطابه الرئاسي أمام “الجمعية الفلسفية الأمريكية” American Philosophical Society  منذ عدة سنوات أشار إلى أنه

إذا كان أي شخص يؤمن بالفعل أن قيمة أي نظرية تتوقف على أساسها الفلسفي، عندئذٍ لابد أن يشك في أشياء مثل الفيزياء والديمقراطية إلى أن نتغلب على نسبية النظريات الفلسفية، ونجعل منها نظريات مطلقة. ولكن من حسن الحظ أنه ما من أحد يؤمن بشيء كهذا.[12]

ماذا يقصد “رورتي” بهذا الكلام؟ يقصد أننا يمكن أن نؤمن بالمفاهيم الجوهرية في عصرنا دون أن يتوفر لدينا إثبات مطلق.

إن الكل يؤمن منطقيًا بصحة معتقدات معينة رغم إدراكه أن هذه المعتقدات لا يمكن إثباتها، بالمعنى الضيق لكلمة إثبات. ألا أن نقاد العقائد الدينية غالبًا ما يرجحون أن “الإيمان” نوع من المرض العقلي لا يصيب إلا المتدينين. ولكن هذا خطأ لأن الإيمان جزء من إنسانيتنا.

وقد عبَّرت الفيلسوفة “جوليا كريستفا”  Julia Kristeva عن ذلك مؤخرًا بالقول: “سواءً أكنت أنتمي إلى دين، أو كنت لاأدرية، أو ملحدة، فعندما أقول “أنا أؤمن” فهذا يعني أني أقول “أنا أعتبر ]ما أؤمن به [ صحيحًا.”[13] فالإيمان بالله، وبالعدالة، وبحقوق الإنسان تعاني جميعًا من هذه المشكلة المزعومة، وهذه ليست إلا ثلاثة أمثلة، ولكن القائمة تطول.

وعادةً ما يعجز الكُتاب الملحدون عن أن يأخذوا في الاعتبار محدودية العقل البشري، ويرون أن قناعتهم تتميز بالصلابة والمصداقية والقدرة على التحدي. وهم يقولون إنهم لا يؤمنون بأي شئ، ويقتصرون على ما هو صواب، حتى إن المدافع الملحد “كريستوفر هيتشنز” أعلن بكل جرأة أن الملحدين الجدد من أمثاله لا يأخذون العقائد في حسبانهم قائلاً إن “عقيدتنا هي اللاعقيدة.”[14]

هذا خطأ، وأخشى أن “هيتشنز” يضلل نفسه، لأنه يتضح أن تحليله للدين يقوم على معتقدات جوهرية معينة لا يمكن إثباتها، حيث إن نقده العنيف للدين يقوم على قيم أخلاقية معينة (كما في القول بأن “الدين شر” أو ” الله غير صالح” لا يمكن إثباتها، وهو ما يمثل في النهاية نوعًا من التسليم القائم على مجرد  شعور بالثقة في في صحة هذه الأفكار. ومادام تقييم “هيتشنز” للدين أخلاقيًا في المقام الأول، فهو مجبر على افتراض قيم أخلاقية معينة لا يمكنه إثباتها. وكل القيم الأخلاقية تقوم في النهاية على معتقدات.

ونقد”هيتشنز” للمسيحية يقوم في نهاية الأمر على معتقداته ويُعبر عنها، أي أنه يقوم على ما يعتقد أنه صواب ويفترض أن أناسًا أخرين يعتقدون أنه صواب، ولكنه لا يستطيع إثباته فعليًا لا بالمنطق ولا بالعلم.

إلا أن مفهوم الإيمان في المسيحية أعمق بكثير من مجرد الاعتقاد بصحة بعض الأفكار. لأن الإيمان عند المسيحيين ليس معرفيًا (“أنا أعتقد أنا هذا صواب”) فحسب، ولكنه في الوقت نفسه يحمل بعدًا علاقتيًا ووجوديًا (“أنا اثق في هذا الشخص”). فالأمر لا يتوقف عند الاعتقاد بوجود الله، بل يمتد إلى أكتشاف حكمة هذا الإله ومحبته وصلاحه، مما ينتج عنه قرار إرادي بتسليم الحياة لهذا الإله. وهو ما عبَّر عنه “سي.إس.لويس” عندما قال إنك لا تواجه “حجة تطالبك بأن توافق عليها، بل شخصًا يطالبك بأن تثق فيه.”[15]

ولذا، فالإيمان يعني الثقة في شخص، وليس مجرد الاعتقاد في وجوده. وقد أشار الكاتب الدنماركي “سورن كيركجارد” Soren Kierkegaard  (1813 – 1855) إلى هذه الفكرة عندما أكد أن الايمان الحقيقي بالله هو “قفزة نوعية” من وجود إلى وجود مختلف. فالايمان المسيحي ليس مجرد إضافة بند الايمان بالله لما نختزنه من أفكار عن العالم. ولكنه يعني إدراك واعتناق “النظام الوجودي” mode of existence” ” الجديد الذي تتيحه هذه الثقة.

وتجدر الإشارة إلى أن الفيلسوف النمساوي “لودفيج فيتجنشتاين” Ludwig Wittgenstein  الذي يُعتبر عند الأغلبية من عباقرة القرن العشرين العظماء، كان يعاني من شكوك مضنية في فكرة “إثبات” وجود الله. وقد صرح بأنه لم يلتقِ بشخص واحد آمن بالله نتيجةً للحجة العقلية!

وقد تنبأ “جوناثان إدواردز” Jonathan Edwards  (1703- 1785 ) عالمِ اللاهوت البيوريتاني الأمريكي العظيم بهذا الموضوع في كتاباته حيث رأى أن الحجة العقلية لها قيمتها وأهميتها في الدفاعيات المسيحية، ولكنها قد تؤدي إلى مجرد الايمان بوجود الله دون أي تأثير يغير الحياة. وكما يشير ” إدوردز”، البعض “يخضع لحق الديانة المسيحية بناءً على البراهين أو الحجج العقلية التي تثبت صحته.”[16] إلا أن هذا لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير الحياة أو “الإيمان الحقيقي.”

وما يقصده “إدواردز” أن الشخص قد يؤمن بوجود إله دون أن يؤمن بهذا الإله. وهو موقف معروف من العهد الجديد. “أَنتَ تُؤمِنُ أَنَّ الله وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤمِنُونَ وَيَقشَعِرُّونَ!” (يع19:2). فالفرق شاسع بين القبول العقلاني والتغير الشخصي. ويصرح “إدواردز” بأن ما يغير الناس ليس الحجة بل “إدراك” مجد الله، أي التقدير الواعي لهذا المجد، أو لقاء مباشر أو اختبار شخصي مع الله.

قد تلعب [الحجج] دورًا فعالاً في تنبيه غير المؤمنين وحثهم على التفكير بجدية، وفي تثبيت إيمان القديسين الحقيقيين. ولكنها لا تتمتع بالأهمية ذاتها في خلق الإيمان الخلاصي لدي الأشخاص. فالاقتناع الروحي لا ينتج عن الحكم العقلاني، بل من إدراك مجد الأمور الإلهية وجمالها الروحي.[17]

ولكن قيادة الناس للتحول إلى الإيمان هي في النهاية مهمة الكرازة. فالدفاعيات تمهد الطريق لهذا التحول بإظهار أن الإيمان بالله منطقي. إنها تزيل الأحجار والركام من طريق الكرازة. وقد لا يمكننا أن نثبت وجود الله بالمعنى الجامد والمطلق لكلمة إثبات. ولكن مؤكد أنه يمكننا أن نبين أن الإيمان بوجود هذا الإله منطقي تمامًا من حيث أنه يعطي معنى أعمق للحياة وللتاريخ وللخبرة الإنسانية على نحو يتفوق على غيره من البدائل، وبعدها يمكننا أن ندعو الشخص ليتجاوب مع هذا الإله المحب ويثق في مواعيده.

 ما أهمية منطقية الإيمان المسيحي؟

لماذا تمثل هذه النقطة أهمية كبرى؟ لماذا يجب علينا أن نظهر أن العقيدة المسيحية منطقية؟ لماذا لا نكتفي بإعلان هذه الفكرة وحسب؟ من النقاط الدفاعية التي يجب تأكيدها هنا أنه من الصعب أن ندافع عن الأفكار التي تسير في اتجاه مضاد لطريق التفكير السائدة في الثقافة.

وقد أشار “أوستين فارر” إلى أن نجاح “سي. إس. لويس” المبهر في عمله بالدفاعيات يرجع في جانب منه لقدرته على “عرض قوة الأفكار المسيحية على المستوى الأخلاقي، والخيالي، والعقلاني عرضًا إيجابيًا.”[18] ويرى “فارر” أن منهج “لويس” في الدفاعيات أظهر أن المسيحية تعطي معنى لأعمق انطباعات العقل البشري والقلب والخيال.

إلا أن “فارر” كان معنيًا بوجه خاص بتأكيد أهمية إظهار منطقية الإيمان. ولكنه لم يقصد بذلك أن المنطق يخلق الإيمان، أو أن الناس يؤمنون بالله بفضل الحجج العقلانية. إلا أنه أراد أن يؤكد مدى صعوبة الدفاع عن الايمان المسيحي علنًا إن كان المجتمع يراه غير منطقي. ولذلك، فإن أعظم إنجاازات “لويس”، من وجهة نظر “فارر”، أنه أظهر منطقية الإيمان بشكل يَسَّر قبوله  على المستوى الثقافي.

رغم أن الحجة لا تخلق قناعة، غيابها يضرب الإيمان في مقتل. فما يُثبَت، قد لا يُعتنق، ولكن ما لا يستطيع أحد أن يدافع عنه سرعان ما يتخلى الناس عنه. وإن كانت الحجة العقلانية لا تخلق الإيمان، فهي تحفظ على مناخ ملائم يسمح له بالنمو.[19]

وإظهار منطقية الإيمان لا يعني إثبات كل عنصر فيه، بل يعني القدرة على إظهار أن الاعتقاد في مصداقية هذه العناصر وصحتها يقف على أسس سليمة. ومثال ذلك تبيان أن الإيمان المسيحي يعطي معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ومن ثم، يمكن تشبيهه بعدسة تضع كل شئ في البؤرة، أو بضوء يسمح لنا بالرؤية على مسافات أبعد وبشكل أوضح مما تتيحه لنا قدرتنا العادية.

وقد أكدت هذه الفكرة الفيلسوفية والناشطة الاجتماعية الفرنسية “سيمون فيّ”  Simone Weil ، وهي مفكرة يهودية آمنت بالمسيحية في شبابها. فقد استخلصت بعد إمعان النظر فيها يتضمنه إيمانها الجديد من معانٍ أن الإيمان بالله ينير الواقع على نحو أفضل من البدائل العلمانية الأخرى بكثير. وإن كانت طريقة تفكير بعينها قادرة على وضع الأشياء في البؤرة أو إنارة ما هو مظلم وملتبس، فهذا يعد دليلاً على مصداقيتها.

إن أنرتُ كشافًا كهربائيًا في شارع مظلم، لن أحكم على قوته بالنظر إلى المصباح الموجود بداخله، بل بعدد الأشياء التي يسلطه على الأجسام المظلمة. وقيمة أي منهج ديني، أو روحي، بوجه عام، تقَيَّم بكمية النور الذي يُسلِّطه على ما في هذا العالم من أمور.[20]

إن قدرة النظرية على إنارة الواقع ووضعه في بؤرة التركيز تُعتبر في حد ذاتها مقياسًا مهمًا لمصداقيتها. وهنا ترى موضوعًا جوهريًا في الدفاعيات المسيحية، ألا وهو أن الإيمان بصحة المسيحية له أسباب وجيهة، ومنها مدى قدرته على خلق معنى منطقي لما نراه حولنا وبداخلنا. وقد علًّق “برايان لفتو” Brian Leftow  الفيلسوف بجامعة أكسفورد على اختباره المسيحي الذي مكنه من رؤية الأشياء على حقيقتها قائلاً: “إن كنت ترى الأشياء على حقيقتها من الموقع الذي تقف فيه، فأنت في المكان الصحيح.”[21]

فماذا عن العلوم؟ إن “جون بولكينجهورن” John Polkinghorne  (المولود سنة 1930 ) الفيزيائي الذي ترك المجال العلمي وتخصص في اللاهوت يثير نقطة وثيقة الصلة بموضوع هذا الفصل:

إن البحث عن الحق مهما كان شكله لا يمكنه الوصول إلى استنتاجات يقينية مطلقة. ولكن الشخص الواقعي في تطلعاته هو من يطمح إلى الوصول لأفضل شرح ممكن للظواهر المعقدة، وهو هدف يمكن تحقيقه بالبحث عن فهم شامل مدفوع بدوافع طيبة ليوفر أساسًا للقبول العقلاني. فلا العلم ولا الدين يمكنه أن يأمل في بناء برهان قاطع تجبر منطقيتُه علي قبوله حتى إنه لا ينكره إلا الحمقى.[22]

إن كلاً من العلم والعقيدة المسيحية ملتزمان بإيجاد أفضل تفسير مدعوم بالدليل لما نلاحظه ونواجهه فعليًا في هذا العالم. ومن وجهة نظر المسيحي، تمثل الدفاعيات في جزء منها تأكيدًا للتوافق المفاهيمي بين الإطار النظري للمسيحية والأنظمة العميقة للعالم كما تكشفها العلوم الطبيعية.

فهل الإيمان بالله منطقي؟ أم أنه مجرد وهم، ونموذج أليم للتفكير الرغبوي عند بشر يعانون مشاعر الوحدة والتعطش؟ لقد قال “لويس” نفسه معلِّقًا على معتقداته الإلحادية قبل الإيمان” “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[23] لقد اكتسبَت هذه القضية أهمية في الآونة الأخيرة نتيجةً للمناقشات السائدة حاليًا في ثقافتنا.

وبالرغم من أن الإلحاد الجديد الذي انفجر سنة 2006 فقدَ الكثير من الجاذبية التي تكسو أي شيء جديد، فالأسئلة التي يطرحها مازالت موضع مناقشة، ومنها هل الإيمان بالله يُعبر عن حالة من التجاوب العقلاني مع الواقع، أم أنه ضلالة قديمة الطراز تتفشى بين الجماهير بفعل فيروسات عقلية تعيش على منطق هش ساذج وتفرضها مؤسسات وأفراد سلطويون؟

وهنالك طبعًا نظرة أكثر تشددًا تقول: إن المحاولات البشرية لتكوين معنى أو تأسيس قيم تتساوى في أنها جمعيًا ضلالات سواءً أكانت تؤمن بوجود الله أم كانت إلحادية. وهي نظرة للواقع شديد التشاؤم وتنعكس بكثرة في كتابات “ريتشارد دوكينز” كما في تصريحه الشهير بأن “خواص هذا الكون الذي نراه هي ذات الخواص التي يمكن أن نتوقعها في كون هو أساسًا بلا تصميم ولا غرض ولا شر ولا خير، ولا أي شيء سوى حالة من الحياد القاسي الأعمى حيث يكون كل شيء عاديًا، لا هو بالجيد ولا بالرديء.”[24]

وترى هذه النظرية أننا نفرض معنى وقيمة على عالم بلا معنى، فيصبح المعنى مخترعًا، وليس شيئًا أصيلاً يكتشفه الإنسان. وهذه الفكرة على قدرة اتساقها، إلا أنها شديدة القسوة على نحو يجعل الكثيرين يرونها لا تطاق.

ونحن في هذا الفصل نبحث قدرة الإيمان المسيحي على إضفاء معنى على الأشياء.
وتركيزي على مسألة منطقيته لا يعني اختزال المسيحية إلى تفسير عقلاني للأمور، ولا يعني أنه القيمة العليا في اللاهوت المسيحي. ولكن الغرض من ذلك توضيح أن المحيط الثقافي الحالي تَشَكَّل بصعود تيارات عدائية يؤكد أن الإيمان في الأساس غير عقلاني، ومن ثم وجب الرد على هذه الادعاءات بشكل واعٍ ومحسوب.

وقد شهد القرن العشرين طاقة فكرية جديدة تم حقنها في الدراسات الفلسفية للأدلة العقلية والتجريبية التي تتعلق بالله، وكان ظهور تفاسير علمية جديدة لنشأة الكون من العوامل التي حفزت هذه الطاقة الجديدة. وقد أكد فلاسفة الأديان مثل “ألفين بلانتينجا” وكذلك “ريتشارد سوينبرن” Richard Swinburne  مجددًا على منطقية الإيمان وأحيوا الحجج القديمة التي تشرح اساب الإيمان بالله، وهنالك تزيد في الاتفاق على أن الإيمان بالله عقلاني تمامًا، إلا إذا عرَّفت “العقلانية” على نحو يتعمد إقصاء هذا الإيمان.[25]

والأمر الذي يزداد وضوحًا أن العقلانية يمكنها فعليًا أن تسجن البشرية في نظرة جامدة متحجرة تحصر الواقع فيما يمكن إثباته عقلانيًا وحسب. وكما أشار “أيزيا برلين” أنه من اللافت للانتباه أن التيار السائد في الثقافة الغربية منذ أواخر القرن التاسع عشر وما بعده يتمثل في “رفض العقل والنظام باعتبارهما سجنًا للروح.”[26] فحصر الإنسان لنفسه فيما يمكن إثباته بالعقل والعِلم هو عبارة عن الأخذ بالقشرة السطحية للواقع والعجز عن اكتشاف ما يمكن تحتها من أعماق.

أما الكتُاب المسيحيون يرون أن الإيمان الديني ليس تمردًا على العقل بل ثورة على سَجن البشرية بين جدران الجمود العقلاني الباردة. فالمنطق والحقائق لا يمكنهما إلا أن “يصلا بنا إلى نقطة معينة في الرحلة، بعدها يجب علينا أن نكمل المسيرة حتى نصل للإيمان.”[27]

فقد يكون المنطق البشري كافيًا على المستوى العقلاني ولكنه قاصر على المستوى الوجودي. والإيمان يعلن عما هو أعمق من العقل، ولا يتعارض معه، بل يفوقه. فالإيمان يستخلص الموافقة العقلانية، ويدعو إليها، ولكنه لا يفرضها، وهو يصل إلى حيث يصل العقل ولكنه لا يحد نفسه عند نقطة تَوقُّف العقل بل يتجاوزها.

فلسفة العلوم باعتبارها أحد الموارد التي تعتمد عليها الدفاعيات:

يوضح “سي.إس.لويس” في روايته لقصة إيمانه بالمسيحية في كتاب “مندهش من الفرح” أن إيمانه بالله لم يأتِ نتيجةً لحجة استدلالية، بل نتيجةً لإمعان التأمل في خبرته، وهو ما يبين أنه يمكننا الاستفادة من منهجيات العلوم الطبيعية في الدفاعيات.

إن العلم يعتمد على الاستدلال inference  لا على استنباط براهين رياضية deduction of mathematical proof ، ويتم ذلك بتراكم سلسلة من الملاحظات التي تطرح السؤال الأعمق: كيف نقدم تفسيرًا حقيقيًا صحيحًا لما نلاحظه؟ ما “الصورة الكبرى” الأكثر توافقًا مع ما نلاحظه فعليًا في خبرتنا الواقعية؟ وقد استخدم العالم والفيلسوف الأمريكي “تشارلز إس.بيرس” Charles S. Peirce مصطلح “الاستدلال الاحتمالي” “abduction“ للإشارة إلى الطريقة التي يتبعها العلماء لتوليد النظريات التي من شأنها تقديم أفضل تفسير للأشياء.

إلا أن هذه الطريقة أصبح يشار إليها الآن باسم “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات” “inference to the best explanation”. وهنالك اتفاق عام الآن على أن هذا الأسلوب هو الفلسفة المميِّزة للعلوم الطبيعية في تقصيها للعالم. فكيف تتم؟

يُعبر “بيرس” عن عملية التفكير التي تؤدي إلى تكوين نظريات علمية جديدة أو طرق تفكير في الواقع كما يلي:

  1. لاحظنا واقعة مفاجئة سنرمز لها بالرمز (ج).
  2. ولكن إذا كانت الواقعة (أ) حقيقية يمكن أن تكون الواقعة (ج) متوقعة.
  3. إذَن هناك سبب يدعو إلى الشك في أن الواقعة (أ) حقيقية.[28]

فالاستدلال الاحتمالي هو عملية ملاحظة أشياء معينة ومحاولة اكتشاف الإطار الفكري الذي يمكن أن يفسرها. وقد كان “شرلوك هولمز” Sherlock Holmes ، المخبر الشهر بطل الروايات البوليسية، يستخدم هذه الطريقة رغم أنه كان يطلق عليها خطأ مصطلح “الاستنباط.” ويرجح “بيرس” أن الاستدلال الاحتمالي أحيانًا ما “يعبر بعقولنا كومضة خاطفة سريعة كأنه “فعل استبصار”.”[29] ولكنه أحيانًا ما يحدث عن طريق عملية بطيئة من التفكير المنهجي العميق أثنا محاولتنا لتوليد كل الاحتمالات التي من شأنها تفسير ما نلاحظه.

وقد فحص “بيرس” بدقة كيفية تكوين العلماء لأفكارهم، وهو يعتبر أن هذه العملية هي التي تكمن وراء المنهج العلمي. فالعلم يبدأ بجمع سلسلة من الملاحظات ثم يبحث عن إطار تفسيري يقدم أفضل شرح لهذه الملاحظات. وقد يكون هذا الإطار نظرية موروثة من عصر سابق، وقد يكون أسلوب تفكير جديد تمامًا.

والسؤال الذي يتطلب إجابه هنا هو: ما مدى الاتساق بين النظرية والملاحظة؟ وغالبًا ما يُستخدم مصطلح “الاتساق التجريبي” “empirical fit” للإشارة إلى هذا التوافق بين ما يُرى في العالم وما تقدمه النظرية.

خذ مثلاً حركة الكواكب التي خضعت للملاحظة على مدى آلاف السنين. ما أفضل تفسير لها؟ في العصور الوسطى كان يُعتقد أن أفضل تفسير لهذه الملاحظات هو النظام “البطلمي” الذي قال بمركزية الأرض، وهو ما يعني أن الشمس والقمر والكواكب تدور جميعها حول الأرض. إلا أنه في نهاية العصور الوسطى اتضح أن الملاحظات لم تكون في اتساق تام مع النظرية، وبدأ النظام البطلمي يتراجع ويضعف لعجزه عن تقديم أدلة أكثر دقة وتفصيلاً بناءً على ملاحظته لحركة الكواكب. وأصبح واضحًا أن العالم في حاجة لأسلوب جيد.

وفي القرن السادس عشر قال كلٌ من نيكولاس كوبرنيكس Nicolas Copernicus  ويوهانس كِبلر Johannes Kepler  إن كل الكواكب بما فيها الأرض تدور حول الشمس. وقد أثبت هذا النظام “الشمس مركزي” “heliocentric” أنه أكثر قدرة على شرح حركة الكواكب كما تُرى ليلاً في السماء. وهكذا كان الاتساق التجريبي الكبير بين النظرية والملاحظة علاقة قوية على صحة النظرية، ومازال هذا النظام هو النموذج القياسي الذي يتبعه علماء الفلك حتى اليوم.

ولكن ليس العلم فقط هو الذي يسير على هذا المنوال، بل إن “بيرس” نفسه أوضح أن المحامين أيضًا يعتمدون على الاستدلال الاحتمالي لكسب قضاياهم، فهم يصنعون عدسةً نظريةً تنير الأدلة وتضعها في البؤرة.  ونظام القضاء الجنائي يستلزم الوصول إلى اتفاق على أفضل تفسير للأدلة المقدَّمة للمحكمة التي تبحث عن إجابة للسؤال: ماهي “الصورة الكبرى” التي تقدم أفضل تفسير للأدلة؟ ففي نهاية الأمر النظرية التي ستقنع هيئة المحلفين هي تلك التي تنسج أكبر عدد ممكن من الأدلة في قصة واحدة مترابطة.

وهذا ما يعكس السعي لإيجاد الصورة الكبرى التي تعطي معنى للقطات المتناثرة، والرواية الكبرى التي تعطي معنى للقصص المنفردة، والنظرية الكبرى التي تربط الأدلة معًا في كلٍ مترابط مُرضٍ. وما ينطبق على النظريات العلمية والقانونية ينتطبق على محاولاتنا لإيجاد معنى الحياة ككل، بل معنى مسألة الله والإنسان. فكيف يمكن أن تساعد هذه المنهجيات في العمل الدفاعي؟

للتفسير العلمي ثلاثة أنماط رئيسية، وكلٌّ منها له قيمة كبرى في الدفاعيات: التفسير السببي أو العِلِّي causal explanation ، والاستدلال القائم على أفضل التفسيرات، والتفسير الترابطي الذي يتضمن عدة تفسيراتexplanation  unificatory. وسنتناول فيما يلي إمكانية استخدام كلٍّ منها في الدفاعيات.

  • التفسير بتحديد المسببات:

أول نمط في التفسير هو التفسير السببي الذي قد يُعتبر أكثر طرق التفسير العلمي شيوعًا. ويقول بأن (أ) تفسر (ب) إن تمكنَّا من إثبات أن (أ) تسبب (ب).[30] فهل هذا يعني أن المسيحيين يؤمنون أن الله يجول في الطبيعة ويخبط التفاح برفق ليسقط من الشجر فيجذبه إلى الأرض؟ لا. ولكن الله يفوض فاعلاً مسببًا في هذا النظام المخلوق.

وقد قال توما الأكويني Thomas Aquinas  بفكرة “السببية الثانوية” “secondary causality” باعتبارها امتدادًا للسببية الأولية primary causality  أي الله نفسه وليست بديلاً لها. أي أن ما يتم من أحداث في النظام المخلوق يتم عن طريق علاقات سببية معقدة دون أي إخلال باعتمادها النهائي على الله باعتباره العلة النهائية.[31]

والنقطة الجوهرية التي يجب إدراكها أن النظام المخلوق إذَن يعكس علاقات سببية يمكن للعلوم الطبيعية أن تبحث فيها. وتلك العلاقات السببية يمكن تقصيها وربطها معًا على هيئة “قوانين الطبيعية” مثلاً دون أن يعني ذلك مطلقًا أو يستلزم تبني نظرة إلحادية. ولتبسيط هذه الفكرة قدر المستطاع نقول: إن الله خلق العالم بأنظمة وعمليات خاصة تُسيره.

ولكن ماذا عن نشأة الكون؟ ظهر ميل بين العلماء في أواخر القرن التاسع عشر نحو الاعتقاد بأن الكون موجود أزلاً. إلا أنه في القرن العشرين بات واضحًا أن الكون دخل حيز الوجود بفعل انفجار ضخم يُعرف عادةً باسم “الانفجار الكبير” “the big bang”.[32] ومنذ أدرك العلماء أن الكون له بداية سعت فلسفة العلوم لإيجاد تفسير لكيفية وجود شيء من العدم. فكيف نقول إن العدم سبَّب شيئًا؟ ولكن انتشار فكرة أن الكون نشأ في الزمن وأنه ليس ازليًا أحدث تحولاً كبيرًا لصالح الاعتقاد في وجود “علة أولى” “first cause” وصانع عاقل intelligent designer.

فما الذي تسبب في ظهور الكون؟ محتمل أنه خلق نفسه، أو أنه وُجد بالصدفة، أو أنه خُلق بفعل فاعل، وليكن الله مثلاً. وإن كان هذا طبعًا لا يُثبت شيئًا بالمعنى المنطقي الجامد للكلمة، إلا أنه يعطي مصداقية جديدة لحجة من أشهر الحجج التقليدية المختصة بوجود الله التي يمكن التعبير عنها كما يلي:

  • كل ما يظهر إلى الوجود له سبب.
  • العالم ظهر إلى الوجود.
  • إذَن العالم له سبب.

 

  • البحث عن أفضل تفسير:

منذ حوالي سنة 1970 تكوَّن شبه اتفاق على أن الفلسفة الأساسية للعلوم الطبيعية تتمثل في النهج المعروف عمومًا باسم “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات.”[33] “البطلمي” الذي قال بمركزية الأرض، وهو ما يعني أن الشمس والقمر والكواكب تدور جميعها حول الأرض. إلا أنه في نهاية العصور الوسطى اتضح أن الملاحظات لم تكون في اتساق تامٍ مع النظرية، وبدأ النظام البطلمي يتراجع ويضعف لعجزه عن تقديم أدلة أكثر دقة وتفصيلاً بناءً على ملاحظته لحركة الكواكب. وأصبح واضحًا ان العالم في حاجة لأسلوب جديد.

وفي القرن السادس عشر قال كلٌ من نيكولاس كوبرنيكس Nicolas Copernicus  ويوهانس كِبلرJohannes Kepler  إن كل الكواكب بما فيها الأرض تدور حول الشمس. وقد أثبت هذا النظام “الشمس مركزي” “heliocentric” أنه أكثر قدرة على شرح حركة الكواكب كما تُرى ليلاً في المساء. وهكذا كان الاتساق التجريبي الكبير بين النظرية والملاحظة علامة قوية على صحة النظرية، ومازال هذا النظام هو النموذج القياسي الذي يتبعه علماء الفلك حتى اليوم.

ولكن ليس العلم فقط هو الذي يسير على هذا المنوال، بل إن “بيرس” نفسه أوضح أن المحامين أيضًا يعتمدون على الاستدلال الاحتمالي لكسب قضاياهم، فهم يصنعون عدسةً نظريةً تنير الأدلة وتضعها في البؤرة. ونظام القضاء الجنائي يستلزم الوصول إلى اتفاق على أفضل تفسير للأدلة المقدَّمة للمحكمة التي تبحث عن إجابة للسؤال: ما هي “الصورة الكبرى” التي تقدم أفضل تفسير للأدلة؟ ففي نهاية الأمر النظرية التي ستقنع هيئة المحلفين هي تلك التي تنسج أكبر عدد ممكن من الأدلة في قصة واحدة مترابطة.

وهذا ما يعكس السعي لإيجاد الصورة الكبرى التي تعطي معنى للقطات المتناثرة،
والرواية الكبرى التي تعطي معنى للقصص المنفردة، والنظرية الكبرى التي تربط الأدلة معًا في كلٍ مترابط مُرضٍ. وما ينطبق على النظريات العلمية والقانونية ينطبق على محاولاتنا لإيجاد معنى الحياة ككل، بل معنى مسألة الله والإنسان. فكيف يمكن أن تساعد هذه المنهجيات في العمل الدفاعي؟

للتفسير العلمي ثلاثة أنماط رئيسية، وكلٌّ منها له قيمة كبرى في الدفاعيات: التفسير السببي أو العِلِّي causal explanation، والاستدلال القائم على أفضل التفسيرات، والتفسير الترابطي الذي يتضمن عدة تفسيرات unificatory explanation. وسنتناول فيما يلي إمكانية استخدام كلًّ منها في الدفاعيات.

  • التفسير بتحديد المسببات:

أول نمط في التفسير هو التفسير السببي الذي قد يُعتبر أكثر طرق التفسير العلمي ويتلخص أساسًا في طرح السؤال: أي النظريات تقدم أفضل تفسير لما نلاحظه فعليًا في الطبيعة؟ وتطرح الكتابات الفلسفية الكثير من الآراء المهمة حول كيفية تحديد أفضل تفسير: هل هو الأبسط؟ أم الأفخم؟ أم الأكثر قدرة على توليد أفكار جديدة؟ ما “الصورة الكبرى” الأكثر توافقًا مع الأدلة؟ والطريقة التي اعتمدها “تشارلز داروين”  Charles Darwinفي  وضع نظرية “الانتخاب الطبيعي” “natural selection” تُعتبر حاليًا نموذجًا لهذا المنهج.

وتبرز هنا نقطتان في غاية الأهمية. الأولى، أن هذا المنهج يدرك أنه لا يمكن أن نثبت أي تفسير يُعتبر الأفضل، فهي مسألة تتوقف على حالة من الثقة والارتياح، أو القدرة على التمييز لدى أفراد المجتمع العلمي. وهذا ما نراه فيما يدور حاليًا من جدل حول “الأكوان المتعددة” “multiverse” حيث نجد تفسيرين مختلفين اختلافًا جذريًا للملاحظات نفسها، ومع ذلك نجح كلٌ منهما في حشد التأييد اللازم من المجتمع العلمي. ولكن لا أحد يعرف على وجه الدقة أيهما صحيح.

لذلك، فأنت تختار ما يعتقد في صحته على أساس الأدلة المتاحة، مع الأخذ في الاعتبار أن الأدلة ليست قاطعة بما يكفي لإثبات تفسير دون الأخر. (وقد يكون هذا المنهج غير مريح ولكنه على الأقل يضمن لك أن تعامل خصومك بالحسنى بدلاً من أن تتهمهم بأنهم مضلَّلون).

والنقطة الثانية أن “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات” يدرك احتمالية وجود تفاسير عديدة للأشياء، ويحاول أن يتوصل لإطار يؤدي إلى حل النزاع بين الآراء المتصارعة، ونادرًا ما يمكن إثبات صحة نظرية، ولكن هذا ليس ضروريًا، لأن المهم أن نتأكد أن نظريةً ما أفضل من منافساتها، بمعنى أن الكثير من النظريات العلمية لها ما يدعمها أو يبررها (أي أنها تستند على أدلة قوية) دون أن يعني ذلك أنها مثبَتة.

ومسألة الله تتلاءم تمامًا مع هذا المنهج، حتى إن “ريتشارد سوينبرن” فيلسوف الأديان بجامعة أكسفورد يقول إن الإيمان بالله يقدم أفضل تفسير لمجموعة ضخمة من الأشياء التي نلاحظها في العالم.[34] ويشير الفيزيائي “جون بولكينجهورن” في ذات الصدد إلى أن الإيمان بالله يقدم تفسيرًا لأسئلة “ما وراء النظرية” “metatheoretical” التي تبحث في أساس النظرية، وهي المعتقدات التي ينبغي على العلم أن يعتمد عليها رغم أنه لا يستطيع أن يثبت صحتها.

  • التفسير بتجميع عناصر رؤيتنا للواقع:

منذ حوالي عام 1990 ازداد الاهتمام في مجال فلسفة العلوم بفكرة “التجميع التفسيري”  “explanatory unification” وقد نشأ هذا الأسلوب في التفسير العلمي إبان السبعينات من القرن العشرين، وهو يحاول تكوين إطار مشترك يجمع الأحداث التي كان يُنظر إليها باعتبارها لا تمت بصلة بعضها لبعض.[35] ومنذ ذلك الحين تطور هذا الأسلوب تطورًا كبيرًا واستُخدم لتفسير بعض السمات الجوهرية في تكوين المنهج العلمي الحديث.[36] وموضوعه الأساسي بسيط يتلخص في ضرورة إيجاد إطار يتسع لأكبر عدد ممكن من العناصر.

ويقوم هذا الأسلوب في فهم التفسير العلمي على فكرة أن أَوجُه الواقع التي كان يُعتقد أنها تتطلب تفسيرات مختلفة يمكن أن تدخل ضمن إطار تفسيري واحد. ويُعَد التفسير الشهير الذي قدمه “جيمز كلرك ماكسويل” James Clerk Maxwell للترابط بين الكهرباء والمغناطيسية  مثالا واضحًا على هذا المنهج الذي كان له الفضل في اعتبار الكهرباء والمغناطيسية وجهين لعملة واحدة بعد أن كان  يُظن أنهما متمايزتان تمامًا.

وهكذا يعني تفسير الشيء، وفقًا لهذا المنهج، أن يوضع في إطار أكبر يسمح بفهم علاقاته المتداخلة مع أوجه الواقع الأخرى. ويصبح السؤال هو: أي شبكة من الأفكار توفر أقصى درجة ممكنة من الترابط بين مختلف المجالات والنظريات العلمية؟

ولا يصعب علينا أن نرى التوافق الكبير بين هذا الفكر وأحد الموضوعات الجوهرية في الإيمان المسيحي. فقد رأى القديس أغسطينوس أن الله مثل شمس فكرية تنير أرض الواقع وتتيح لنا رؤية أعمق أنظمته واكتشاف مكاننا فيها. وكتابات “سي. إس. لويس” تشير إلى معانٍ مشابهة.

معنى الأشياء: دراسة حالة:

لمزيد من التعمق في هذا الأمر سنتناول مدى فاعلية النظرة المسيحية للأشياء في إضفاء معنى على ما نلاحظه. وسنحاول أن نجيب على سؤال: ما مدى الاتساق بين النظرية والملاحظة؟

كيف يمكننا إذَن أن نفهم معنى التاريخ والخصائص المميِّزة للثقافة البشرية؟ قد تم طرح عدد من القصص التفسيرية لشرح هذه الأمر. تقول إحداها، وهي المفضلة لدى الإلحاد الجديد، بحدوث تطور تقدمي للوضع البشري نتيجةً لتآكل خرافة الدين، وتحرر البشرية من كل المحرَّمات والقيود الاعتباطية.

إلا أنه أصبح من الصعب الاستمرار في اعتناق هذه القصة في الغرب نظرًا لما مُنيت به اللبرالية الغربية من إخفاقات واضحة. ومن اللافت للانتباه أن هذه القصة التفسيرية الكبرى تمثل واحدًا من الموضوعات الرئيسية التي يستهدفها “إيجلتون” بتحليله الذي أجراه مؤخرًا للإلحاد الجديد الذي يواجه فيه انتقادات عنيفة لهذا الفكر.

فهو يصف “حلم التقدم البشري الذي لا يقف أمامه عائق” بأنه “خرافة متجسدة”، قصة خيالية من قصص الجنيات تفتقرِ لأي نوع من الأدلة. “إن وُجِدَت أسطورة دينية وخرافة ساذجة، فإنها ذلك الاعتقاد الليبرالي العقلاني بأننا نسير قدمًا على الطريق إلى عالم أفضل، باستثناء بعض الانتكاسات القلية.”[37] ومن اللافت للنظر أن “كريستوفر هيتشنز” ينهي هجومه على الدين بدعوة للرجوع إلى فكر التنوير ولاسيما للشكل الذي اتخذه في القرن الثامن عشر.

وهكذا يبدو أن أسطورة العصر الذهبي المفقود لا تزال قائمة في هذا الفكر بعيد المنال. ولكن لا شك أننا مدعوون لفحص الخيالات المتعلقة بكلٍّ من الفرد والمجتمع حتى لو كانت هذه الخيالات متأصلة في العقل الغربي العلماني.

وتتحدث القصة الشاملة (أو القصة الكبرى) للإلحاد الجديد عما عانته البشرية من عبودية للخرافات البدائية. ولكن تطبيق المنطق والعلم تطبيقًا ذكيًا في القرون الأخيرة مَكنَّها أن تتحرر من هذا القهر الطويل وتدخل عالمًا جديدًا مشرقًا بالحرية والاستنارة. عالم جديد مشرق يواجه حاليًا خطر عودة ما يشار إليه باسم “الخرافة” وباسم “اللاعقلانية.” فالدين عاد لمكانته وكانت عودته متوقعة ولكن غير مرغوب فيها. لذلك لابد من إنقاذ الموقف قبل فوات الأوان!

وكأي قصة جديدة، تتميز هذه القصة بالبساطة، ولكنها سرعان ما تفقد قيمتها عندما يثبت عجزها عن شمول التاريخ ككل، وليس فقط مجرد بضعة مقتطفات منتقاة بعناية. ووفقًا لهذه القصة يُفرض أن يكون الدين قد مات في الغرب منذ سنوات، ففي الستينات من القرن العشرين تنبأ علماء الاجتماع الأوربيون بقرب حلول نظام عالمي علماني وكانوا واثقين من ذلك كثافة الجيل السابق من المُنَظِّرين السياسيين السوفييت عندما أعلنوا أن سيادة الماركسية – اللينينية حتمية تاريخية.

وقد أجمع “أكبر علماء الاجتماع والأنثروبولوجي وعلم النفس” أن “أبناءهم، وإن لم يكن فأحفادهم، سيشهدون بزوغ عصر جديد تنضج فيه البشرية فتتخلى عن أوهام الدين الطفولية على حد تعبير “فرويد”.”[38]

إلا أن الدين لم يختفِ، بل إن الكثيرين الآن يقولون إنه أصبح أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى، بالرغم مما يُفرض من ضوابط اجتماعية للحج من تأثيره الاجتماعي في الكثير من بلدان أوروبا الغربية. فالاتحاد السوفيتي انهار، وعلمانيته التي كانت تُفرض بالقوة حلَّت مكانها حالة من النشاط والحماس الدينيين اللذين اجتاحا الأمم التي كانت تحت سيطرته. وهذا ما يخيف الملحدين الجدد لأن قصتهم الكبرى تواجه تحديًا خطيرًا، مما يبين أنها غير صالحة للاستخدام.

والقصة الكبرى لعصر التنوير تعجز عن تفسير أي شئ ذي قيمة. وكما أشار “ريتشارد شودَر” Richard Shweder  مؤخرًا أن “قدرتها التنبؤية تكاد تساوي صِفرًا.”[39] وهو يقول في ملاحظة فكاهية إن الدين قد يتضح في نهاية الأمر أنه ضلالة، ولكنه ضلالة لها مستقبل. “إن شعبية الهجوم على الدين حاليًا تخفي وراءها حالة من القلق الشديد الذي عاد مجددًا للمجتمع العلماني لا لأن قصة الدين وهمية بل لأن قصة التنوير هي الوهمية.”[40]

والقصة التي يتبناها التنوير ويعتمد عليها الإلحاد الجديد اعتمادًا كبيرًا لا تحمل ذرة واحدة من الواقع، وهي تشبه في ذلك تأكيد الماركسية على الحتمية التاريخية لسيادة الاشتراكية. فالصحوة الدينية في الكثير من مناطق العالم التي تم قمع الدين فيها على يد الحكومات الإلحادية مؤشر واضح على ضعف هذه القصة وهشاشتها. وفي كل الأحوال تُعَد فكرة “الحتمية التاريخية” حكمًا يصدره علم الاجتماع. ومن ثم، فهو لا يتصل كثيرًا بالصواب والخطأ من الناحية الفكرية أو الأخلاقية.[41]

فسواءً أكان أحد التطورات الاجتماعية “حتميًا” أم لا ، فهذا لا يعني صحته أوخطأه. وأحد التطورات الثقافية أو التاريخية قد يكون حتميًا بوصفه مرحلة تاريخية عابرة وليس تطورًا مستديمًا.

غالبًا ما يتهم الإلحاد الجديد من يؤمنون بالله بأنهم يتمسكون “بعقائد بلا دليل” عكس حقائق الملحدين “المستنيرين” التي لها إثباتات قوية. ولكن هل ينطبق هذا الكلام على اعتقاد الإلحاد الجديد بالتقدم البشري؟ يرى “إيجلتون” أن هذه الأسطورة ليست جديرة بأي اهتمام لأنها كالعمل الفني المزيَّف وأنها مثال صارخ على “الإيمان الأعمى.”[42]

فهل من شخص عاقل يقبل أسطورة علمانية كهذه تتعامل مع الكوارث التي صنعها البشر مثل هيروشيما، وأوشفتز Auschwitz  أكبر معسكرات الاعتقال النازية، والتفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا باعتبارها “بضع انتكاسات محلية بسيطة” لا تنفي التقدم المستمر للتاريخ ولا تعطله على الإطلاق؟ إن الفرق بين المسيحية والإلحاد الجديد يكمن في اختيارهما لما يطلق عليه المعتقدات التي لا تقوم على دليل والأساطير الكبرى الشاملة، ورغم أن كليهما غير قابل للإثبات، فهذا لا يمنعنا من تمييز أيهما أكثر مصداقية وجاذبية.

فماذا عن القراءة المسيحية للثقافة والتاريخ؟ يحكم هذه القضية موضوعان أساسيان أولهما أن الإنسان مخلوق على “صورة الله”، وثانيهما أنه خاطئ. وبالرغم من اختلاف اللاهوتيين والمدارس الفكرية الدينية فيما يولونه من أهمية لهذين العنصرين في الفهم المسيحي للطبيعة البشرية، فهما القطبان التوأمان اللذان يُكونان أي محاولة مسيحية لفهم لغز السلوك البشري على مستوى الأفراد والمجتمعات وحل طلاسمه.

ووفقًا لهذه النظرية فإننا نمتلئ حماسًا وإلهامًا بفضل رؤيتنا لله التي تجذبنا لأعلى، ولكننا في الوقت نفسه ننجذب لأسفل بسبب ضعف الطبيعة البشرية وسقوطها. وهو مأزق مألوف عَبَّر عنه بولس في إحدى فقرات الكتاب المقدس الشهيرة قائلاً: “لَستُ أَفعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَستُ أُرِيدُهُ فَإِيَاهُ أَفعَلُ.” (رو 19:7).

ومن هنا يتضح أننا من وجهة النظر المسيحية ندرك أن البشرية تتمتع بتطلعات وقدرات تفوق بكثير ما تسمح به معظم الأنظمة السياسية أو الفلسفية، وندرك في الوقت نفسه أنها تملكُ قدرة متساوية على العجز عن تحقيق هذه التطلعات.

وتساعدنا هذه النظرة على وضع إطار للصورة المعقدة للثقافة والتاريخ التي تتسم بالتطلع نحو العظمة والصلاح من ناحية، والظلم والعنف من ناحية أخرى. وقد علق الكثيرون على الغموض الرهيب الذي يكتنف التاريخ وتفنيده للنظريات الساذجة التي تقول بصلاح البشرية. وقد أشار الكثيرون أمثال “تِري إيجلتون” مؤخرًا إلى الجانب المظلم في الثقافة والتاريخ المعاصرين.

إن البشر باعتبارهم من المخلوقات يتمتعون بقدرة على فعل الصلاح، ولكن هذه القدرة تعادلها قدرة أخرى على فعل الشر. وإدراك هذا الغموض الشديد هو ما يساعدنا على التخلص من احلام المدينة الفاضلة المثالية في المجالات السياسية والاجتماعية التي تقوم على أحكام قيمية أيدولوجية ساذجة لم تخضع للتجربة. فالنظرة الساذجة للبشرية تُوَلد يوتوبيا سياسية حيث يفضي “التقدم” إلى كارثة، “ج.ر.ر. تولكين” J.R.R Tolkien  في نظرة ثاقبة للمستقبل سنة 1931 ليلة صعود النازية:

لن أسير مع عصوركم التقدمية

مع المغرورين والحكماء الذين يقودهم تقدمهم

إلى هوة مظلمة سحيقة تفتح فمها لاستقبالهم.[43]

خطوة للأمام:

درسنا في هذا الفصل أهمية إظهار “منطقية” الإيمان في العمل بالدفاعيات. فما من أحد يحب أن يعتنق إيمانًا غير منطقي. إلا أن بعض المسيحيين يرجحون أنه مادام بولس يتحدث عن الإنجيل باعتباره نوعًا من “الجهالة” التي تخزي معرفة العالَم وحكمته (كما في 1كو 18:1 مثلاً) فلا داعي لاستخدام الوسائل العقلانية للدفاع عن الإنجيل. إلا أنه من الواضح أن هذه النظرة تعكس خطأً في قراءة ما يشغل بولس في كنيسة كورنثوس من ناحية، وفهمهِ لدور “العقل” في الحياة المسيحية من ناحية أخرى.

لقد كانت المسائل التي تشغل بولس في كنيسة كورنثوس معقدة.[44] فالكنيسة كانت عرضة للتأثر بأشكال سابقة من الغنوصية التي كانت تقول بأن الأفراد يخلصون عن طريق معرفة سرية باطنية لا تتاح إلا للقلة. وكان البعض في كورنثوس يمجدون التحزلق الفكري ولم يكونوا مستعدين لقبول أي شئ يخلو منه أو أي نوع آخر من المعرفة الثقافية.

وبولس يرفض هذه الأفكار تمامًا ويصر أن الإنجيل لابد أن يؤخذ كما هو حتى لو كان يتعارض مع الفكر الثقافي السائد والمقبول في كورنثوس. فهو هنا يتحدى النظرية العلمانية للحكمة ولكنه لا يدعو للتخلي عن المنطق البشري.

وبولس يؤكد أننا نحن المسيحيين “لَنَا فِكرُ المَسِيحِ” “have the mind of Christ” (1كو 16:2) مميزًا بينه وبين غيره من منهجيات الحكمة التي سادت كورنثوس قبل دخول المسيحية. ويُعتبر “العقل المسيحي” “Christian mind” تركيبة عقلية متميزة من حيث إنه طريقة تفكير تتشكل وتزدهر بالإيمان المسيحي. فهو ليس سعيًا نحو الوصول إلى معرفة غريبة أو باطنية، ولا حالة من الغرور الإكاديمي، ولا انتكاسًا إلى عقلانية حركة التنوير التي سادت القرن الثامن عشر وفقدت مصداقيتها.

ولكنه السماح لنور المسيح أن يشرق على عقولنا حتى تتمكن قوة الله المغَيرة أن تجدد أذهاننا كما تجدد أرواحنا. إنه النتيجة التي يستحثها الله ويبغيها ونحن نسعى لخدمته في هذا العالم.

فكيف يعطي الإنجيل معنى للأشياء؟ كيف نفهم خطابه العميق الموجَّه لعقولنا ومشاعرنا وخيالنا وبحثنا عن المعنى وكيف نطبقه؟ سنستعرض في الفصل القادم ثمانية اتجاهات رئيسية في الدفاعيات يسهم كلٌّ منها بدور خاص في إفساح مجال للإنجيل في الثقافة المعاصرة.

لمزيد من الاطلاع:

Evans, C .Stephen. Natural Signs and Knowledge of God: A New Look at Theistic Arguments. New York: Oxford University Press, 2010

McGrathm, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville, Westminster John Knox, 2011

Morris, Thomas V., ed. God and the Philosophers: The Reconciliation of Faith and Reason. Oxford University Press, 1994.

Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: Harper San Francisco, 2006.

[1] C. S. Lewis, “Is Theology Poetry?” C. S. Lewis: Essay Collection (London: Harper-Collins, 2000), 21.

[2] Austin Farrer, “In His Image,” Remembering C. S. Lewis, ed. James T. Como (San Francisco: Ignatius Press, 2005), 344-45.

[3] Letter of 1949 to Edward Sackville-West, cited in Michael de-la-Noy, Eddy: The Life of Edward Sackville-West (London: Bodley Head, 1988), 237.

[4] See, for example, Alasdair MacIntyre, Whose Justice? Which Rationality? (London: Duckworth, 1988); Stephan Toulmin, Cosmopolis: The Hidden Agenda of Modernity New York: Free Press, 1990); John Gray, Enlightenment’s Wake: Politics and Culture at the Close of the Modern Age (London: Routledge, 1995).

[5] William James, “The Sentiment of Rationality,” The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy (New York: Longmans, Green, and Co., 1897), 63-110.

[6] See Michael J. Sandel, Justice: What’s the Right Thing to Do? New York: Farrer, Straus and Giroux, 2010).

[7] Stephan Toulmin, The Uses of Argument (Cambridge: Cambridge University Press, 1958), 183.

[8] MacIntyre, Whose Justice?, 6.

[9] Isaiah Berlin, Concepts and Categories: Philosophical Essays New York: Viking Press, 1979), 2-5, 161-62.

[10] Terry Eagleton, “Lunging Flailing, Mispunching: A Review of Richard Dawkins’s The God Delusion,” London Review of Books, October 19, 2006.

[11] Alvin Plantinga, God and Other Minds: A Study of the Rational Justification of Belief in God (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1990).

[12] Richard Rorty, “Pragmatism, Relativism, and Irrationalism,” Proceedings and Addresses of the American Philosophical Association 53 (1980): 719-38, quote at 730.

[13] Julia Kristeva, The Incredible Need to Believe (New York: Columbia University Press, 2009), 3.

[14] Christopher Hitchens, God Is Not Great: How Religion Poisons Everything (New York: Twelve, 2007), 5. For criticism of this approach, see Aloster McGrath, Why God Won’t Go Away: Is the New Atheism Running on Empty? Nashville: Thomas Nelson, 2011).

[15] C. S. Lewis, “On Obstinancy in Belief,” C. S. Essay Collection (London: Harper-

[16] Collins, 2000), 213-14. Jonathan Edwards, The Works of Jonathan Edwards, vol. (Edinburgh: Banner of Truth Trust, 1974), 290.

[17] Ibid.

[18] Austin Farrer, “The Christian Apologist,” Light on C. S. Lewis, ed. Jocelyn Gibb (London: Geoffrey Bles, 1965), 26.

[19] Ibid.

[20] Simone Weil, First and Last Notebooks London: Oxford University Press, 1970), 147.

[21] Brian Leftow, “From Jerusalem to Athens,” God and the Philosophers, ed. Thomas V. Morris (Oxford: Oxford University Press, 1994), 191.

[22] John Polkinghorne, Theology in the Context of Science (London: SPCK, 2008), 85-86.

[23] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 197.

[24] Richard Dawkins, River out Eden: A Darwinian View of Life London: Phoenix, 1995), 133.

[25] See, for example, Alvin Plantinga, “Reason and Belief in God,” Faith and Philosophy: Reason and Belief in God, ed. Alvin Plantinga and Nicholas Wolterstorff (Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 1983), 16-93.

[26] Isaiah Berlin, The Cooked Timber of Humanity: Chapters in the History of Ideas (London: Pimkico, 2003), 208-13. The curious title of this important collection of essays reflect a famous dictum of Immanuel Kant: “Nothing straight was ever made out of the crooked timber of humanity.”

[27] See M. Neil Browne and Stuart M. Keeley, Asking the Right Questions: A Guide to Critical Thinking, 8th ed. (Upper Saddle River, NJ: Pearson Prentice Hall, 2007), 196.

[28] Charles S. Peirce, Collected Papers, vol. 5, ed. Charles Hartshome and Paul Weiss (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1960), 189. I reflect further on the importance of this approach in Alister E. McGrath, Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things (Louisville: Westminster John Knox), 2011.

[29] Ibid.

[30] The best studies are Paul Humphreys, The Chances of Explanation: Casual Explanation in the Social, Medical, and Physical Sciences (Princeton: Princeton University Press, 1989); and James Woodward, Making Things Happen: A Theory of Casual Explanation (Oxford: Oxford University Press, 2003).

[31] For a good discussion of Aquinas of this point, see William E. Carroll, “Divine Agency, Contemporary Physics, and the Autonomy of Nature,” Heythrop Journal 49 (2008): 582-602.

[32] Helge S. Kragh, Conceptions of Cosmos: From Myths to the Accelerating Universe: A History of Cosmology (Oxford: Oxford University Press, 2006).

[33] See especially Peter Lipton, Inference to the Best Explanation, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 2004).

[34] Routledge, 2004). Richard Swinburne, The Existence of God, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 2004).

[35] Michael Friedman, “Explanation and Scientific Understanding,” Journal of Philosophy 71 (1974): 5-19; Paul Kitcher, “Explanatory Unification and the Causal Structure of the World,” Scientific Explanation, ed. P. Kitcher and W. Salmon (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1989), 410-505.

[36] For example, Margaret Morrison, Unifying Scientific Theories: Physical Concepts and Mathematical Structures (Cambridge: Cambridge University Press, 2000).

[37] Terry Eagleton, Reason, Faith, and Revolution: Reflections on the God Debate (New Haven: Yale University Press, 2009), 28.

[38] William S. Bainbridge and Rodney Stark, The Future of Religion: Secularization, Revival, and Cult Formation (Berkeley: University of California Press, 1985), 1.

[39] Richard Shweder, “Atheists Agonistes,” New York Times. November 27, 2006.

[40] Ibid.

[41] A point famously emphasized by Karl R. Popper, The Poverty of Historicism (London: Routledge & Kegan Paul, 1957).

[42] Eagleton, Reason, Faith, and Revolution, 87-98.

[43] J. R. R. Tolkien, “Mythopoeia,” Tree and Leaf (London: HarperCollins, 1992), 85-90; quote at p. 89.

[44] See especially Walter Schmithals, The Theology of the First Christians (Louisville: Westminster John Knox, 1997), 122-23, 146-51. See further Raymond Pickett, The Cross in Corinth: The Social Significance of the Death of Jesus (Sheffield, England: Sheffield Academic Press, 1997), 213-16; and Edward Adams and David G. Horrell, esd., Christianity at Corinth: The Quest for the Pauline Church (Louisville: Westminster John Knox, 2004).

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

مصطلحات عبرية تلمّح بلاهوت المسيا – القمص روفائيل البرموسي

مصطلحات عبرية تلمّح بلاهوت المسيا

مصطلحات عبرية تلمّح بلاهوت المسيا – القمص روفائيل البرموسي

مصطلحات عبرية تلمّح بلاهوت المسيا – القمص روفائيل البرموسي 

كنا قد درسنا بعض النبوات التي فيها إشارات صريحة للاهوت المسيا، الذي تمت فيه وبدقة ما نطق به الأنبياء بالروح القدس. يرافق التفسير المسيحي لهذه النبوات، تعاليم ثابتة ومؤكدة، والتي تنظر إليها اليهودية برفض شديد، كونها ضد الأسفار المقدسة. من هذه التعاليم: أن المسيا هو الله – الله واحد في الثالوث.

هاتان الحقيقتان مترابطتان بإحكام شديد. والإمكانية الوحيدة للإيمان بأن المسيح هو الله، لو اعتبرنا إنه واحد من الثالوث القدوس. ومن الثابت طوال قرون عديدة أن هذا الاعتقاد مرفوض تماماً لدى اليهود، ويعتبرنه من البدع التي اخترعتها الكنيسة المسيحية وسجلتها في العهد الجديد. وهؤلاء اليهود يتجاهلون تماماً ويتعامون عن حقيقة هامة إلا وهي، أن الذين دونوا العهد الجديد كلهم كانوا رجالًا يهودًا. واحد من هؤلاء الكتاب العظام للعهد الجديد، هو الرابي شاول، والذي عُرف بعد ذلك ببولس الرسول، والذي تعلّم على يدي الرابي غمالائيل، وهو يقول عن نفسه “أَنَا رَجُلٌ يَهُودِيٌّ وُلِدْتُ فِي طَرْسُوسَ كِيلِيكِيَّةَ، وَلكِنْ رَبَيْتُ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ مُؤَدَّبًا عِنْدَ رِجْلَيْ غَمَالاَئِيلَ عَلَى تَحْقِيقِ النَّامُوسِ الأَبَوِيِّ. وَكُنْتُ غَيُورًا للهِ كَمَا أَنْتُمْ جَمِيعُكُمُ الْيَوْمَ.” أعمال الرسل 2:22 –

مِنْ جِهَةِ الْخِتَانِ مَخْتُونٌ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، عِبْرَانِيٌّ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ. مِنْ جِهَةِ النَّامُوسِ فَرِّيسِيٌّ. مِنْ جِهَةِ الْغَيْرَةِ مُضْطَهِدُ الْكَنِيسَةِ. ” فيلبي 5:3-6.

يقول اليهود، أن أي فكرة عن الأقانيم الثلاثة في الإله الواحد، هو شيء مُنفر. ومع ذلك وجدنا ضمن كتب الأدب اليهودي القديم، كتاب شهيد يُسمى، “Zohar” يتجه نحو حقيقة الثالوث في شرحه للحروف الأربعة للاسم الشخصي لله. فكتب الآتي (تعال وأنظر السر العظيم لكلمة “يهوه יְהֹוָה“: توجد ثلاث درجات كل واحدة قائمة بذاتها، ومع ذلك هم واحد، ومتحدين لدرجة لا يمكن فصل الواحدة عن الأخرى. القدوس قديم الأيام، يظهر وكأن له ثلاث رؤوس، ومتحدة في واحد، والرأس الواحدة لها نفس مجد الثلاث. قديم الأيام يُوصف وكأنه ثلاث، لأن النور المنبثق منه يشمل الثلاثة. ولكن كيف أن الثلاثة واحد!! لا يُمكن أن يُعرف هذا إلا بإعلان الروح القدس) من كتاب Zohar vol. III, 288/ vol. II, 43.

في هذا الفصل، سوف ندرس بعض التلميحات التي تُشير إلى أُلوهية المسيا، وإثبات صحة الاعتقاد في الله كثالوث. سنرى أن التعليم بعقيدة الثالوث لها جذورها الثابتة في أسفار العهد القديم، وفي نفس الوقت أن كل أسفار العهد القديم تُشدد على وحدانية الله “يهوه”….و اليهودي أسهل عليه أن يموت من أن يُفرط في حرف واحد من أسفار العهد القديم.

ـــــــــــــــــــــــــــ

Zohar: كُتب في القرن الثالث عشر، وهو يبحث في الأسرار اليهودية Jewish Mysticism، ومقتطفات من العهد القديم، بأسلوب أدبي.

أولاً: الاسم الجمع “إلوهيم Elohim” אלוהים إ ل وه ي م

للتعبير عن الله في العهد القديم، عادةً يُستعمل الاسم العبري “إلوهيم Elohim”. وما هو معروف في اللغة العبرية، أن “إلوهيم” اسم جمع، له نهاية الجمع المذكر، أي אלוהים יםيم “. وهذا الاسم يُستعمل في العهد القديم للتعبير عن الإله الحقيقي، كما في: تكوين 1:1، ويُستعمل أيضاً للآلهة الكاذبة، كما في سفر الخروج 3:20، سفر التثنية 2:13

-“في البدء خلق الله (إلوهيم) السماوات والأرض” تكوين 1:1

-“لا يكن لك آلهة (إلوهيم) أخرى أمامي” خروج 3: 20

-“ولو حدثت الآية او الأعجوبة التي كلمك عنها قائلاً لنذهب وراء آلهة (إلوهيم) أخرى لم تعرفها ونعبدها فلا تسمع…” تثنية 2:13

بينما استخدم اسم الجمع “إلوهيم” ليُثبت عقيدة الثالوث القدوس، إلا أنه بلا شك يفتح باب التعليم بعقيدة الأقانيم الثلاثة في الإله الواحد، حيث أن نفس الكلمة تُستعمل لكل من: الإله الواحد الحقيقي، والآلهة الكاذبة العديدة. وهذه الكلمة سببت بعض المشاكل للرابيين. ففي كتاب “Siddur”، وهو كتاب يُستعمل لصلوات يوم السبت، والذي جمعه الرابي هيرتز Rabbi Herz يقول في تعليقه على تكوين 1:1 الآتي ] الجمع هنا يدل على كمال القدرة الإلهية، فالله يُدرك ويُوحد اللامحدودية واللانهائية، فهو أبدي وأزلي[. أحياناً يقولون – للتبرير – أن هذا الاسم “إلوهيم” يستعمل للدلالة عن كلا المعنين (الإله الواحد الحقيقي، والآلهة الكاذبة)، حيث لا تُوجد كلمة أخرى بديلة في اللغة العبرية. وهذا في الواقع غير صحيح على الإطلاق، لأن مفرد كلمة “إلوهيم” هو “إلوه Eloah” وتكتب بالعبرية “אלוה إ ل و ه”. وقد استعملت أكثر من مرة في العهد القديم، مثل:

-” «فَسَمِنَ يَشُورُونَ وَرَفَسَ. سَمِنْتَ وَغَلُظْتَ وَاكْتَسَيْتَ شَحْمًا! فَرَفَضَ الإِلهَ (إلوه) الَّذِي عَمِلَهُ، وَغَبِيَ عَنْ صَخْرَةِ خَلاَصِهِ. أَغَارُوهُ بِالأَجَانِبِ، وَأَغَاظُوهُ بِالأَرْجَاسِ. ذَبَحُوا لأَوْثَانٍ لَيْسَتِ اللهَ (إلوه).” تثنية 15:32-17.

-” اَللهُ (إلوه) جَاءَ مِنْ تِيمَانَ، وَالْقُدُّوسُ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ. ” حبقوق 3:3

صيغة المفرد “إلوه Eloah” اُستعملت كثيراً، ولكن ليس بنفس القدر لصيغة الجمع “Elohim”. فمثلاً، نجد أن صيغة المفرد اُستعملت 250 مرة مقابل 2,500 مرة بصيغة الجمع. والميل لاستخدام صيغة الجمع بكثرة، يأتي كبرهان واضح لصالح مبدأ الأقانيم الثلاثة في الإله الواحد، أكثر من عكس ذلك.

ثانياً: أفعال الجمع المستعملة مع الاسم إلوهيم

يقول الرابيون أيضاً، بالرغم من أن “إلوهيم” اسم جمع، إلا ان الأفعال المستخدمة معه دائمًا مفرد، في حالة تعبير عن الإله الواحد الحقيقي، دائماً جمع في حالة التعبير عن الآلهة الكاذبة. ونحن نرد عليم بقول، إنه بحسب قواعد اللغة العبرية، يتحتم أن الأفعال تتدفق مع الأسماء المرافقة لها، في كل من الجنس والعدد… جرت العادة في الأسفار المقدسة للعهد القديم، عندما يُستعمل الاسم “إلوهيم” للدلالة على الآلهة الوثنية، في هذه الحالة يتبعها دائماً الفعل في صيغة الجمع…ولكن يُستعمل الاسم “إلوهيم” للدلالة على الإله الواحد الحقيقي، في هذه الحالة نجد أن الفعل الذي يتبعه دائماً في صيغة المفرد… وهذا كسر للقاعدة المروضة للنحو في اللغة العبرية، إذ أن “إلوهيم” اسم جمع… كسر القاعدة النحوية لا يُمكن تفسيره إلا بتعدد الأقانيم في الإله الواحد.

وبالرغم من أن هذا الوضع – حقيقي –  في أحوال كثيرة، ولكن ليس دائماً هكذا. فقد نجد في مواضيع عديدة في العهد القديم، الاسم “إلوهيم” الذي يُقصد به الإله الواحد – إله إسرائيل – يتبعه أحياناً فعل في صيغة الجمع، فمثلاً:

  • تكوين 12:20 “وَحَدَثَ لَمَّا أَتَاهَنِي اللهُ مِنْ بَيْتِ أَبِي أَنِّي قُلْتُ لَهَا: هذَا مَعْرُوفُكِ الَّذِي تَصْنَعِينَ إِلَيَّ: فِي كُلِّ مَكَانٍ نَأْتِي إِلَيْهِ قُولِي عَنِّي: هُوَ أَخِي”. هذه هي كلمات إبراهيم، الذي يعبد الإله الواحد الحقيقي، حرفياً يقول “وحدث لما أتاهوني إلوهيم”.
  • تكوين 7:35 “وبنى هناك مذبحاً ودعا المكان إيل بيت إيل. لأنه هناك ظهر له الله حين هرب من وجه أخيه”. هذه هي كلمات يعقوب، وهو أيضاً يعبد الإله الواحد الحقيقي، حرفياً يقول “…لأنه هناك ظهروا له إلوهيم…”.
  • صموئيل الثاني 23:7 “وأية أُمّة على الأرض مثل شعبك إسرائيل الذي سار الله ليفتديه لنفسه شعباً ويجعل له اسماً ويعمل لكم العظائم والتخاويف…” هذه كلمات داود النبي، الذي يعبد الإله الواحد الحقيقي – إله إسرائيل – حرفياً يقول “…شعب إسرائيل الذي ساروا إلوهيم ليفتديه لأنفسهم…”. هو نفسه داود يقول قبل هذه الآية “، لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُكَ وَلَيْسَ إِلهٌ غَيْرَكَ ” صموئيل الثاني 22:7.
  • ” يَقُولُ الإِنْسَانُ: «إِنَّ لِلصِّدِّيقِ ثَمَرًا. إِنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ قَاضٍ فِي الأَرْضِ» “. مزمور 11:58 يقول داود النبي حرفياً” … يُوجد إلوهيم يقضوا…”.

هذه الآيات السابقة، مجرد أمثلة، يٌستعمل فيها الفعل في صيغة الجمع للدلالة على الإله الواحد الحقيقي… لتدعيم مبدأ الأقانيم في الإله الواحد.

ثالثاً: الاسم إلوهيم أطبق على المسيا

كما أن الدليل بوجود أقانيم في الإله الواحد، قوي، في آيات عديدة من أسفار العهد القديم…هكذا أيضاً، نجد أن الاسم “إلوهيم” يُستعمل للإشارة إلى المسيا، وفي نفس الوقت للدلالة على الإله الواحد الحقيقي، وفي نفس الآية.

فعلى سبيل المثال:

  • مزمور 6:45-7 ” كُرْسِيُّكَ يَا اَللهُ (إلوهيم) إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ. أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ (إلوهيم) إِلهُكَ (إلوهيم) بِدُهْنِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ. “. نلاحظ هنا، ان “إلوهيم” الأولى هو المخاطب (داود يخاطب المسيا بالإسم إلوهيم) … مسحك الله (تعود إلى أقنوم الآب، واستعمل أيضاً له الاسم إلوهيم) إلهك (أي “إلوهيم” الثانية هو “إلوهيم” للأول). فيكون معني الآية حرفياً: أن إلوهيم الجالس على كُرسيه إلى دهر الدهور، قد مسحه إلوهيم إلهه بزيت الفرح.
  • هوشع 7،2:1 “أَوَّلَ مَا كَلَّمَ الرَّبُّ هُوشَعَ، قَالَ الرَّبُّ لِهُوشَعَ: «اذْهَبْ خُذْ لِنَفْسِكَ امْرَأَةَ زِنًى وَأَوْلاَدَ زِنًى، لأَنَّ الأَرْضَ قَدْ زَنَتْ زِنًى تَارِكَةً الرَّبَّ … وَأَمَّا بَيْتُ يَهُوذَا فَأَرْحَمُهُمْ وَأُخَلِّصُهُمْ بِالرَّبِّ إِلهِهِمْ ( إلوهيم) “. المتكلم هو “إلوهيم” الذي يقول إنه سيرحم بيت يهوذا بواسطة يهوه “إلوهيم”. أي أن إلوهيم رقم 1 وعد أن يُخلص شعب إسرائيل بواسطة إلوهيم رقم 2. هنا نرى مرة أخرى أن الاسم “إلوهيم” استعمل للإشارة إلى المسيا والإله الواحد الحقيقي، في نفس الوقت.

رابعاً: الاسم “يهوه” يستعمل للدلالة على الأقانيم في الإله الواحد

יהוה يـ  هـ  ـو ه “

ليس فقط الاسم “إلوهيم” يُستعمل للدلالة على وجود أقانيم في الإله الواحد، بل أبضًا، الاسم المستعمل كثيرًا في العهد القديم لله “يهوه”. فعلى سبيل المثال:

  • تكوين 24:19-27 ” فَأَمْطَرَ الرَّبُّ (يهوه) عَلَى سَدُومَ وَعَمُورَةَ كِبْرِيتًا وَنَارًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ (يهوه) مِنَ السَّمَاءِ … وَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ فِي الْغَدِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ أَمَامَ الرَّبِّ (يهوه) وَتَطَلَّعَ نَحْوَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ … “. “يهوه” رقم 1 كان على الأرض، وقال إنه سيمطر كبريتاً وناراً من عند “يهوه” رقم 2 الذي هو في السماء. إذا هناك شخصان متميزان دُعيا باسم “يهوه” وفي نفس الآية.
  • زكريا 8:2-9 ” لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ (يهوه صاباؤوت): بَعْدَ الْمَجْدِ أَرْسَلَنِي إِلَى الأُمَمِ الَّذِينَ سَلَبُوكُمْ، لأَنَّهُ مَنْ يَمَسُّكُمْ يَمَسُّ حَدَقَةَ عَيْنِهِ. لأَنِّي هأَنَذَا أُحَرِّكُ يَدِي عَلَيْهِمْ فَيَكُونُونَ سَلَبًا لِعَبِيدِهِمْ. فَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَبَّ الْجُنُودِ (يهوه صاباؤوت) قَدْ أَرْسَلَنِي. “. مرة أخرى، نقرأ أن “يهوه” رقم 1 المتكلم في هذه الآيات، أرسل “يهوه” آخر ليُنجز عملاً محدداً.

خامساً: استعمال الضمير الشخصي الجمع لله الواحد

فالله يستخدم الضمير الشخصي الجمع “نحن” حينما يتكلم عن نفسه. فعادة في الأسفار المقدسة، الله يستخدم الضمير الشخصي المفرد “أنا”، ولكن – أيضاً – في أماكن عديدة يستخدم الله الضمير الشخصي الجمع “نحن”، عند التحدث عن نفسه. مع العلم أن في اللغة العبرية، لا يُستعمل الضمير الشخصي الجمع – أبداً – للدلالة على التعظيم أو التفخيم. وهذه نقطة هامة جدًا ينبغي أن نُلفت إليها ذهن القارئ العزيز… أما في بعض اللغات الأخرى كالعربية مثلاً، يمكن أن يستخدم الشخص الواحد (المفرد)، الضمير الشخصي “نحن” للدلالة على التعظيم والتفخيم.

  • تكوين 26:1 ” وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا …”. واضح جداً في هذه الآية تعدد الأقانيم في الإله الواحد. ويحاول الرابيون إيجاد مبرر في هذه الآية بالذات، بالقول: أن هذه التعبيرات “لنعمل … صورتنا… كشبهنا…” تُشير إلى حديث بين الله والملائكة، لكن للأسف، هذا التفسير بعيد كل البعد عن الحقيقة فالله وحده هو الذي خلق، ولا ذِكر للملائكة في هذا النص على الإطلاق. كما أنه من غير المعقول أن يستشير الله الملائكة في عملية الخلق – كما قال البعض – لأن النص لا يقول بذلك. كما أن التعبير ” على صورتنا كشبهنا” لا يمكن أن تُشير إلى الملائكة، حيث أن الإنسان خُلق على صورة الله وليس صورة الملائكة، والدليل على ذلك، أن النص يعود فيقول “فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه”. فيكرر الأمر مرتين.
  • رابي راشي RaSHi، يأتي بتفسير خاطئ لم يقل به أحد من قبله ]الإنسان خُلق على صورة الملائكة. ومع أن الملائكة لم تساعد الله الخلق، إلا أنه قال “نعمل …. كصورتنا كشبهنا”. وليعلمنا السلوك الحسن والتواضع.. كيف أن الشخص العظيم – هو أيضاً – يستأذن من الشخص الصغير[. هذه الفقرة توضح الإنكار الشنيع، إلى حد أن الرابي راشي يحاول أن يتفادى مبدأ الأقانيم، فيأتي بمبرر ضعيف وضد الكتاب المقدس نفسه.
  • ميدراش رباه على سفر التكوين: (8:8) Midrash Rabbah

]رابي صموئيل بن حانمان Rabbi Samuel bar Hanman بالنيابة عن رابي يوناثان Rabbi Jonathan يقول: في الوقت الذي كتب فيه موسى التوراه، كتب كل يوم جزء. وعندما وصل إلى الآية التي تقول “وقال إلوهيم نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، قال موسى لله: يا سيد الخليقة كلها، لماذا تُعطي العذر لهؤلاء المتعصبين هكذا (يقصد الذين يؤمنون بالله الواحد في ثلاثة أقانيم)، فأجاب الله موسى: اكتب، وكل من يريد أن يخطئ أتركه يخطئ[  من كتاب rash Rabbah on Genesis 1:25 – New York : NOP Press)

ويقصد بالمتعصبين او “الهراطقة” هم اليهود الذين آمنوا بالمسيح ويعتقدون بالثالوث القدوس. واضح أن ميدراش رباه، يحاول جاهداً أن يدور حول المشكلة، ويعجز عن شرح لماذا أشار الله إلى نفسه بصيغة الجمع.

  • ميدراش رباه على سفر التثنية: (9:8) Middrash Rabbah

[سأل الهراطقة رابي سيملاى Rabbi Simlai كم إله اشتركوا في خلق العالم؟. أجاب: لقد كُتب في التوراة “فأسال عن الأيام الأولى التي كانت قبلك من اليوم الذي خلق (ברא ب ر أ) الله (إلوهيم) فيه الإنسان” تثنية 32:4. فالفعل هنا في صيغة المفرد، ولم يقل “خلقوا Baru” في صيغة الجمع. فسألوه مرة ثانية: لماذا كُتب “في البدء خلق (bara) في صيغة المفرد، وهذا عكس قواعد اللغة العبرية. فأجاب: إنه لم يقل “خلقوا baru” بل “خلق bara”]

 واضح أن الحديث بين مسيحيين – من أصل يهودي – وأحد الرابيين.

أمثلة أخرى على استعمال الضمير الشخصي الجمع:

  • تكوين 22:3 ” وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: «هُوَذَا الإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفًا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ.”.
  • تكوين 6:11 ” وَقَالَ الرَّبُّ: «هُوَذَا شَعْبٌ وَاحِدٌ وَلِسَانٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِهِمْ، وَهذَا ابْتِدَاؤُهُمْ بِالْعَمَلِ. وَالآنَ لاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَا يَنْوُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ.”.
  • إشعياء 8:6 ” ثُمَّ سَمِعْتُ صَوْتَ السَّيِّدِ قَائِلاً: «مَنْ أُرْسِلُ؟ وَمَنْ يَذْهَبُ مِنْ أَجْلِنَا؟» فَقُلْتُ: «هأَنَذَا أَرْسِلْنِي». “.

الآية الأخيرة بالذات، نلاحظ أن الله يتكلم بصيغة المفرد في قوله ” من أُرسل” ثم يعود ويتكلم بصيغة الجمع في قوله “من أجلنا”. هذا يبين بكل يقين عقيدة الأقانيم في الإله الواحد: إله واحد (صيغة المفرد) في ثلاثة أقانيم (صيغة الجمع).

سادساً: الصفات في صيغة الجمع

نقطة هامة أخرى، تؤكد مبدأ الأقانيم في الإله الواحد، وهي: في أحوال كثيرة، الأسماء والصفات، المستعملة للحديث عن الله، تأتي في صيغة الجمع. عادة، عند التكلم عن الإله الواحد، تكون الصفات في صيغة المفرد…. لكن – رغم ذلك – قد نجدها في صيغة الجمع، فعلى سبيل المثال.

  • يشوع 19:24 ” فَقَالَ يَشُوعُ لِلشَّعْبِ: «لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَعْبُدُوا الرَّبَّ لأَنَّهُ إِلهٌ قُدُّوسٌ وَإِلهٌ غَيُورٌ هُوَ. لاَ يَغْفِرُ ذُنُوبَكُمْ وَخَطَايَاكُمْ. “. في النص العبري، الكلمة “قدوس – קְדֹשִׁ֖ים” صفة جمع وليس مفرد كما في الترجمة العربية. حرفيا بالعبري تترجم “قدوسة”، كما أن كلمة “إله” في النص العبري “إلوهيم” وهو اسم جمع كما قلنا سابقاً.
  • مزمور 2:149 ” لِيَفْرَحْ إِسْرَائِيلُ بِخَالِقِهِ. لِيَبْتَهِجْ بَنُو صِهْيَوْنَ بِمَلِكِهِمْ.”. في النص العبري، الكلمة “خالقه – בְּעֹשָׂ֑יו ” صفة جمع، وحرفياً تترجم “خالقيه”. من جهة أخرى، في اللغة العربية، الكلمة “خالق” هي أسم، أما في اللغة العبرية فهي صفة.
  • جامعة 2:12 “فأذكر خالقك في أيام شبابك…”. في هذه الآية، كلمة “خالقك – בּ֣וֹרְאֶ֔יךָ ” صفة جمع، وحرفياً تترجم “فأذكر خالقيك…”.
  • إشعياء 5:54 “لأن بعلك هو صانعك رب الجنود اسمه ووليك قدوس إسرائيل إلى كل الأرض”. في هذه الآية: كل من “بعلك בֹעֲלַ֙יִךְ֙ ” ” صانعك עֹשַׂ֔יִךְ ” صفة (وليس اسم) في صيغة الجمع.

سابعا: وحدانية الله

كل الحقائق التي ناقشناها سابقاً، تستند بثبات على آيات العهد القديم، وعلى اللغة العبرية التي دونت بها أسفاره، مع العلم بأن العهد القديم كله يشدد على وحدانية الله. هذا أمر لا جدال فيه. ويُقر أيضاً الرابيون بوحدانية الله، بينما في نفس الوقت يتجهون نحو مبدأ الوحدة المركبة، مقرين بصيغة الجمع للاسم الذي للإله الواحد.

كما قلنا سابقاً، أن فكرة تعدد الأقانيم في الإله الواحد، مرفوضة تماماً في اليهودية، بل ويزدرون بها. وعندما يناقشهم المسيحيون في ذلك الأمر، يقدمون لهم ما جاء في سفر التثنية 4:6، كبرهان مضاد لفكرة الأقانيم. في حين اننا نحن كمسيحيين نؤمن أيضاً بإله واحد، وبما جاء في سفر التثنية.

“الشــــيمــــع Shema”

الآية الواردة في سفر التثنية 4:6، تسمى عند اليهود “شيمع Shema” وهي بمثابة قانون الإيمان لدى اليهود (في مقابل قانون الإيمان المسيحي لدينا). “Shema” أي “اسمع”. – تثنية 4:6 “اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا. رب واحد”. وتكتب بالعبرية هكذا:”Shema Yisroel Adonai Elohenu Adonai Echad”

هذه الآية يستعملها اليهود أكثر من غيرها لإثبات وحدانية الله – الذي لا جدال فيه – ولأنكار مسألة وجود مبدأ تعدد الأقانيم في الإله الواحد. في حين أن هذه الآية – أيضاً – تثبت مبدأ تعدد الأقانيم في الإله الواحد، وعلى قدم المساواة مع إثبات مبدأ وحدانية الله.

ينبغي أن نُشير وقبل كل شيء، أن الكلمة الخطيرة “إلهنا” هي في الحقيقة في صيغة الجمع، كما في النص العبري للتوراة. وحرفياً تترجم “آلهتنا”. وكما قلنا سابقاً أن الاسم “أدوناي” وهو أحد أسماء الله، يأتي فقط في صيغة الجمع ولا يأتي أبدأ في صيغة المفرد، وهذا ما نراه – أيضاً – في هذه الآية. أما عن البرهان الرئيسي لإثبات وحدانية الله – رغم ذلك – فهو يكمن في الكلمة العبرية الوارد في الآية، وهي “واحد Echad” وهي تكتب بالعبرية “אֶחָד أ خ د ” وبإلقاء نظرة على إيات عديدة في العهد القديم بالعبرية، تستخدم الكلمة “واحد Echad”، سنرى أن هذه الكلمة تُستخدم للتعبير عن “واحد مطلق”، وأيضاً “واحد مركب”. وهذا أيضاً واضح في اللغة اليونانية: حيث أن كل من “Mono”، “’ Mai” تعني “واحد”، لكن هنالك فرق، فإن كلمة “Mono” تعني “واحد مطلق” أما كلمة “Mai” تعني “واحد مركب”. للأسف هذه التعابير غير واضحة في اللغة العربية. ولكي أسهل على القارئ العزيز فهم تلك الحقيقة، أُورد هذه الأمثلة:

  • في تكوين 5:1 ” وَدَعَا اللهُ النُّورَ نَهَارًا، وَالظُّلْمَةُ دَعَاهَا لَيْلاً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا. (Echad) “.
  • في تكوين 24:2 ” لِذلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. (Echad) “
  • في حزقيال 15:37-17 ” وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلاً: «وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ، خُذْ لِنَفْسِكَ عَصًا وَاحِدَةً وَاكْتُبْ عَلَيْهَا: لِيَهُوذَا وَلِبَنِي إِسْرَائِيلَ رُفَقَائِهِ. وَخُذْ عَصًا أُخْرَى وَاكْتُبْ عَلَيْهَا: لِيُوسُفَ، عَصَا أَفْرَايِمَ. وَكُلِّ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ رُفَقَائِهِ. وَاقْرِنْهُمَا الْوَاحِدَةَ بِالأُخْرَى كَعَصًا وَاحِدَةٍ، فَتَصِيرَا وَاحِدَةً Echad فِي يَدِكَ.

(تنبيه: هذه الآيات السابقة مجرد أمثلة لتسهيل الفهم، لكن من حيث طبيعة الله، فهو: إله واحد مثلث الأقانيم – جوهر واحد في ثلاثة أقانيم – ثلاثة أقانيم في جوهر واحد. وحاشا أن تكون طبيعة الله مُركبة).

وبالتالي، استعمال الكلمة العبرية “Echad” بمعني “واحد” في الأسفار المقدسة، يُمكن أن تعبر أيضاً عن “واحد مركب” وليس فقط “واحد على وجه الإطلاق”. أما الكلمة العبرية التي تعني “واحد فقط على وجه الإطلاق” فهي كلمة “Yachid”. وهذه الكلمة استعملت كثيراً في العهد القديم، للتأكيد على معني “فقط واحد مطلق”. لو كان موسى يريد أن يعلم بأن الله “واحد مطلق” لاستعمال الكلمة العبرية “Yachid”، وليس كلمة “Echad” التي تعني “واحد مركب”.

مصطلحات عبرية تلمّح بلاهوت المسيا

الدليل الاقدم لموت وقيامة المسيح

الدليل الاقدم لموت وقيامة المسيح

الدليل الاقدم لموت وقيامة المسيح

 

السجل المبكر لموت وقيامة المسيح في كرونثوس الاولي 15 :3-7 والتقليد الشفوي والمقارنة بالمصدر المتأخر في القرآن.

تم تقييم المصادر المتاحة لقيامة المسيح من قبل المؤرخين. لكن السؤال الهام ماهو تاريخ تلك المصادر. بالنسبة بما يتعلق بالشهادات المبكرة من المسيحية. قال المؤرخ “ديفيد فيشر “David Hacket Fisher:”المؤرخ لا يجب ان تتوافر لديه ادلة قوية فحسب. لكن ان تتوافر لديه افضل الادلة القوية وثيقة الصلة. وافضل الادلة القوية ذات الصلة. هي مع الاخذ بعين الاعتبار ,ان هذه الادلة تكون اقرب مباشرتاً من الحدث نفسة. ” (1)

المفتاح الرئيسي في دراسة المصادر المبكرة في حياة المسيح هو ان تضع في الحسبان الثقافة والبيئة اليهودية التي ولَّد‏ بها يسوع. كما يلاحظ “بول بارنيت Paul Barnett“ان وسط المسيحية المبكرة التي كانت مكتوب بها رسائل بولس والاناجيل كان مناخ رباني rabbinic ” (2)(متعلق بالمعلمين من حيث التعاليم واللغة ووجهات النظر). ونظراً للتشديد علي التعليم في المجمع. والمنزل. والتعليم الأولي. فانه ليس من المستغرب انه كان من الممكن للشعب اليهودي اعادة سرد(بالاسلوب الشفوي) وحكي كميات كبيرة من المواد التي كانت ايضاً اكبر بكثير من الاناجيل نفسها.

يذكر العهد الجديد المسيح بكونه رابي “Rabbi” في المواضع الاتية:(- متي 8 : 19 , 9 : 11 , 12: 28 , مرقس 4: 28 , 5: 35 , 9: 17 , 10 :17-20 ,12 :14 ,19, 32 ولوقا 19: 39 , ويوحنا 1 :38 , 3 :2 ) والكلمة تعني معلم او سيد. “وهناك العديد من العبارات التي من خلالها نستطيع ان نشاهد ونعرف معني جزء من مصطلح rabbinic في هذه الايام. حينما ذكر العهد الجديد تلك العبارات :وكان التلاميذ ” “تأتي ” اليه “تتبعه” “تتعلم منه” “وحمل النيره”(متي 11 :28- 30 مرقس 1 ).

(3) وبالتالي يبدو ان الانجيل في بداية انتشاره كان في شكل او قالب تراتيل وعقائد شفوية. بامكانك الرجوع لتلك المواضع:(لوقا 24 :34 ,اعمال الرسل 2 :22-24 ,30 -32 ; 3: 13-15 و 4 :10-12 و5 :29-32 ,10 :39 -41 ,13: 37- 39 , رومية 1: 3-4 ,4 :25 ,10 :9 , كورنثوس الاولي 11 :23 ,15: 3-8 وفليبي 26-11,وتيميثاوس الاولي 2 : 6 ,3: 16 ,6: 13 ,تيميثاوس الثانية 2 :8 وبطرس الاولي 3 :18 ويوحنا الاولي 4: 2 ) فكان هناك عناية هائلة وعظيمة “بالتسليم delivering”أي التقاليد المستلمة. فنجد ان يسوع استخدم التوازي parallelism و الايقاع والقافيةوالجناس والسجع. حيث مَكنة كلمات يسوع ليس فقط الحفظ من خلال الذاكرة بل السهولة في المحافظة علي تلك الكلمات.

(4) حتي بولس الرسول ,استخدمها. حيث دُرب علي يد رابي مختص في مدرسة رابانية تدعي هليل وهو الرابي” غمالئيل ” وهو رئيس وعضو في السنهدريم. يمكن ملاحظة ان كُتاب العهد الجديد وظفوا مصطلحات التقاليد الشفوية مثل: “تسليم” “تلقي” “يمر علي” “التعلم” “التمسك ” فالتعليم التقليدي يظهر في العهد الجديد بالقاء نظرة علي الفقرات الاتية:-

رومية ١٦ : ١٧ ١٧‏وَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تُلاَحِظُوا الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الشِّقَاقَاتِ وَالْعَثَرَاتِ، خِلاَفًا لِلتَّعْلِيمِ الَّذِي تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ. كورنثوس الاولى ١١ : ٢٣ ٢٣‏لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا: إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا فيلبى ٤ : ٩ ٩‏وَمَا تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَتَسَلَّمْتُمُوهُ، وَسَمِعْتُمُوهُ، وَرَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، فَهذَا افْعَلُوا، وَإِلهُ السَّلاَمِ يَكُونُ مَعَكُمْ. تسالونيكى الثانية ٢ : ١٥ ١٥‏فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا. رسالة 1 كورنثوس 15: 3-7 والموثوقية المبكرة لعقيدة صلب وموت المسيح:

يطبق بولس الرسول التقليد الشفوي في رسالة 1 كورنثوس 15: 3-7 التي تعد واحده من أقدم السجلات التاريخية لمضمون الأنجيل لعقيدة –موت وقيامة المسيح. العالم اليهودي الارثوزكسي الراحل” بنحاس لبيد Pinchas Lapide” كان معجباً جداً بالعقيدة التي في كورنثوس الاولي 15 و خلص الي ان “يمكن اعتبارها كصيغة ايمان كبيان من شهود العيان” (5) أستخدَام بولس لمصطلحات ربانية مثل “استلمت received ” “ما قبلته” يمكن مشاهدتها في رسالة كورنثوس الاولي 15 :3-8. . في الفقرات الاتية:-

3 فإنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضا: أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب 4 وأنه دفن، وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب 5 وأنه ظهر لصفا ثم للاثني عشر 6 وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمئة أخ، أكثرهم باق إلى الآن. ولكن بعضهم قد رقدوا 7 وبعد ذلك ظهر ليعقوب، ثم للرسل أجمعين 8 وآخر الكل – كأنه للسقط – ظهر لي أنا من المثير بالاهتمام اننا نجد بالتوازي ما صرح به وقاله بولس في اعمال يوسيفوس المؤرخ اليهودي يقول يوسيفوس ما يلي بشأن الفريسيين: “احب ان اوضح هنا ان الفريسيين نقلوا الي الناس بعض الأوامر من سلسلة متتاليه من الاباء.

التي لم تُكتب في ناموس موسي. لهذا السبب رفضت فئة الصدوقيين هذه الاوامر. علي المستوي المتوسط الواحد يحتاج الي التعرف علي الاوامر المكتوبة فقط. في حين ان هذا من تقاليد الاباء التي ليس من الضروري التقيد بها”. (6) يشير ريتشارد بيكهام. Richard Bauckham الي “نقطة مهمة لموضوعنا الي ان يوسيفوس المؤرخ اليهودي استخدم في لغتة تعبيرات مثل:-. الانتقال او التسليم” passing on” وايضاً تقليد التسليم من معلم الي اخر وايضاً التسليم من الفريسيين الي الشعب. ” (7) فيلاحظ بيكهام في كتابة يسوع وشهود العيان. والاناجيل وشهادة شهود العيان. ان الكلمة اليونانية ل شاهد العيان “eyewitness” (autoptai), ليس لها قصد قانوني.

فالمعني من الكلمة الانجليزية eyewitnesses يشير الي استعارة من المحاكم القانونية. وهذا غير صحيح قليلاً فكلمة autoptai تستخدم ببساطة للمراقبين للاحداث. وقد تابع بيكهام عمل “Samuel Byrskog صموئيل بيرسكوج “في حجتة بانه علي الرغم من ان الاناجيل في بعض النواحي تبدو شكلاً مميزة جداً وجذاباً للتاريخ. ألا انهما يشتركان علي نطاق واسع في موقف شهادة شهود العيان الذي كان ايضاً شائعاً بين المؤرخين في العصر الروماني واليوناني. هؤلاء المؤرخين كانوا موضع احترام كبير ,فجميع التقارير تعبر عن خبرة مباشرة عن الاحداث التي روت.

فأفضلهم من كان هو نفسه هو احد المشاركين في الاحداث. ويسمي هذا (الفحص المباشر)في حالة تعذر ذالك وكان المؤرخ غير حاضر في كل الاحداث التي تحتاج الي سرد. علي الاقل لسبب حدوث الاحداث في وقت واحد متزامنة. فالسعي وراء المبلغين الذين قد تكلموا عن معرفة مباشرة والذين استطاعوا اجراء مقابلات ورؤية الاحداث هو امر طبيعي ويسمي.

(فحص غير مباشر) وبعبارة اخري ل بيرسكوج تعرف “الفحص”بأنه وسيلة مرئية لجمع المعلومات حول موضوع معين. يمكن ان تتضمن وسائل اما ان تكون وسائل مباشرة (شهود عيان) او غير مباشر (الحصول علي شهود عيان) بيرسكوج يدعي ايضاً بانه يمكن القول ان هذا الفحص اسخدم في العهد الجديد بواسطة بولس في المواضع الاتية :(كورنثوس الاولي 9 :1 ,15 :5-8 ,وغلاطية 1 :16 )ولوقا في المواضع الاتية(اعمال الرسل 1: 21-22 ,10 :39 -41 ) ويوحنا في المواضع الاتية(19: 35 ,21 :24 ,ويوحنا الاولي 1:1 -4) فالكلمة “تسلمت” παραλαμβάνω (هو مصطلح يهودي)يعني استقبال شيئ ينتقل من شخص الي اخر. يمكن ان يحدث ذالك من خلال النقل الشفوي او عن طريق الاخرين ومنهم تواصل التقاليد.

مما يترتب علي ما قلناه نفهم ان بولس تلقي هذه المعلومات من خلال شخص اخر في وقت سابق. فكرونثوس الاولي تؤرخ بين 50 : 55 بعد الميلاد. منذ كان يسوع مصلوب تقريباً سنة 30 : 33 ورسالة كرونثوس مكتوبة بحوالي 20 : 25 سنة ميلادية من موت المسيح. لكن العقيدة الحقيقية موجودة في كورنثوس الاولي 15 استقبلها بولس في وقت سابق بكثير من سنة 55 ميلادية.

كما يلاحظ غاري هابرماس ان معظم علماء النقد يوافقون عادتاً ان تلك العقيدة لها أصل في وقت سابق للغاية. اوليرش ولكنيس. يعلن ان هذه العقيدة بلا شك تذهب بنا للخلف باعتبارها اقدم مرحلة من جميع تاريخ المسيحية المبكرة. (8) يواقيم ارميا يسميها. “التقليد الاقرب من الكل” (9)اي الأقرب من تاريخ المسيحية الاولي حتي العالم الغير مسيحي “جيرد ليدمان Gerd Ludemann” قال هذا “أنا اصر بان اكتشاف الاسس العقائدية قبل الرسول بولس هي وواحده من احدي انجازات العهد الجديد الدراسية”. (10) فجمهور العلماء الذين علقوا علي هذا الامر. اعتقدوا ان بولس ربما تلقي وتسلم هذه المعلومات بعد التحول للمسيحية بثلاث سنين.

التي حدثة ربما من سنة 1 الي 4 بعد الصلب. فيذكر الكتاب المقدس ان بولس زار اورشاليم للتحدث مع بطرس ويعقوب ,وكل واحد منهم تم ادراجة في قائمة ظهورات يسوع بعد القيامة. وظهر ذالك في المواضع الاتية من الكتاب المقدس (كورنثوس الاولي 15: 5 -7وغلاطية 1: 18-19 ) فتعود معرفتة تقريباً الي سنة 32-38 بعد الميلاد. حتي احدي المؤسسين وعضو في سيمينار يسوع “جون دومينك كروسان John Dominic Crossan” كتب قائلاً.

كتب بولس من افسس رسالة اهل كورنثوس في اوائل سنة 50 بعد الميلاد لكنة قال في كرونثوس الاولي 15 :3فإنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضا: أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب. ان المصدر الاكثر احتمالاً والوقت لاستلامه هذا التقليد كان في اورشاليم في وقت مبكر من سنة 30. كما قلنا مسبقاً وجاءة زيارتة لاورشاليم في الرسالة غلاطية 1 :18 ثم بعد ثلاث سنين صعدت الى اورشليم لاتعرف ببطرس فمكثت عنده خمسة عشر يوما (11) يقول ساندرز E. P. Sanders ايضاً : تم كتابة رسائل بولس في وقت مبكر من الاناجيل.

وذلك لاشارته الي الاثني عشر وهو اقرب الادلة. يتعلق الامر في الاعداد الاولي كرونثوس الاولي 15 ان بولس يكرر استخدامة للتقليد. وبالتالي اذا تتبعنا الايام الاولي لتحركاته. سنجد انه يعطي قائمة لظهورات القيامة التي جري تداولها. ٍ في كرنثوس الاولي 15. (12) وقال “كروسان بارتنر روبرت فنك Crossan’s partner Robert Funk” ان الاقتناع بان يسوع قد قام من بين الاموات كان قد له جذور في الوقت الذي تم تحول بولس حوالي سنة 33 بعد الميلاد. علي افتراض ان المسيح مات حوالي سنة 30 ميلادية. والوقت اللازم لنمو بولس كان سنتين او ثلاث سنين علي الاكثر. (13)

Robert Funk co-founder of the Jesus Seminar

هذه التعليق من كروسان واخرين يبدوا منطقيا لانه ضمن العقيدة المذكوره في كرنثوس الاولي 15 يشير بولس الي بطرس باسمة الارامي. , Cephasصفا. وبالتالي اذا كان هذا التقليد كان متداول باللغة الارامية. فكان الموقعين الذي يتحدث الناس فيهم بالارامية هم الجليل واليهودية. (14) المصطلح اليوناني historeo” ” تترجم في الانجليزية لزيارة to visit اولمقابلة to interview. (15) ومن هنا الغرض من رحلة القديس بولس ربما كان يهدف الي التأكد من قصة القيامة من بطرس نفسة الذي كان شاهد عيان فعلي علي قيامة يسوع كرنثوس الاولي 15 :5 لماذا هذا الموضوع؟

يقول “ايرك شابوت Eric Chabot “(16) كنت اتحدث مرة مع احد المسلمين عن تاريخ القرآن والعهد الجديد. فالاسلام ينص ان المسيح ما صلبوه لكن شبة لهم. وقد كتب القرآن بعد 600 سنة من حياة يسوع وهذا يجعله مصدر متأخر جداً للمعلومات بالمقارنة بالعهد الجديد. يبدو ان الادلة التي سبق لنا مناقشتها تخبرنا بان المحتوي التاريخي للأنجيل هو (موت يسوع وقيامتة)تم تداولها في وقت مبكر جداً بين المجتمع المسيحي.

كما قلنا للتو ان المؤرخين يبحثون عن السجلات الاقرب لتاريخ الحدث. بالنظر الي الوقت المبكر من كرونثوس الاولي 15 : 3-8 فمن الواضح تماماً ان هذه الوثيقة هي مصدر أكثر موثوقية من القرآن. وعلاوة علي ذلك. القول بان قصة المسيح تم اختلاقها في وقت لاحق يناقض الادلة المقدمة.

اغريغوريوس

aghroghorios

المراجع

 

1. Hacket Fisher, D. H. , Historians’ Fallacies: Toward a Logic of Historical Thought. New York: Harper Torchbooks. 1970, 62.

2. Barnett, P. W. , Jesus and the Logic of History. Downers Grove, IL: InterVarsity Press. 1997, 138.

3. Ibid.

4. Ibid.

5. Lapide, P. E. , The Resurrection of Jesus: A Jewish Perspective. Minneapolis: Ausburg. 1983, 98-99.

6. Bauckham, R. Jesus and the Gospels: The Gospels as Eyewitness Testimony. Grand Rapids, MI: Eerdmans Publishing Company. 2006.

7. Ibid.

8. Wilckens, U. , Resurrection, trans. A. M. Stewart. Edinburgh: St. Andrew, 1977, 2

9. Jeremias, J. New Testament Theology: The Proclamation of Jesus, trans. John Bowden. New York: Scribner’s, 1971, 306.

10. Ludemann, G, The Resurrection of Jesus Christ: A Historical Inquiry (Amherst, NY: Promethus, 2004), 37.

11. Crossan, J. D. & Jonathan L. Reed. Excavating Jesus: Beneath the Stones, Behind the Texts. New York: HarperSanFrancisco, A Division of HarperCollins Publishers, 2001, 254.

12. E. P. Sanders, The Historical Figure of Jesus (New York: Penguin Books), 1993

13. Roy W. Hoover, and the Jesus Seminar, The Acts of Jesus, 466.

14. Jones, T. P. , Misquoting Truth: A Guide to the Fallacies of Bart Ehrman’s Misquoting Jesus. Downers Grove, IL: InterVarsity Press. 2007, 89-94.

15. Ibid.

16. The Earliest Record for The Death and Resurrection of Jesus: 1 Corinthians 15: 3-7

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

تاريخ النور المقدس والرد على الأسئلة والتشكيكات المُثارة ضده | بيشوي مجدي

 

الدليل الاقدم لموت وقيامة المسيح

If Jesus is the Jewish Messiah, why don’t more Jews believe in him? | Brown, M. L

If Jesus is the Jewish Messiah, why don’t more Jews believe in him?

Actually, there are tens of thousands of Jews who have believed and do believe in him. The problem is that most Jews have not bothered to check into the facts about Jesus, and the only Jesus most of them know is either the baby Jesus of Christmas, an emaciated figure hanging on a cross in churches, or the Jesus of the Crusades and Inquisitions. The question is, Why don’t you believe Jesus is the Messiah? Do you really know who he is?

I encourage you to consider the following points.

1. Most Jews have never seriously studied the issue. Many of those who have decided to find out who Jesus is have been quite surprised by what they have learned. The greatest scholars and scientists in the world once believed the earth was flat—until firsthand investigation and discovery altered their outlook. It’s the exact same thing with Jews who honestly investigate the Messianic claims of Jesus. Everything changes—to put it mildly.

2. If most religious Jews learn anything about Jesus in their traditional studies, it is quite biased and negative. 22 Thus, they do not entertain even the possibility of the messiahship of Jesus.

3. Many so-called Christians have committed atrocities against Jews in the name of Jesus, helping to drive Jews away from their true Messiah. (See below, 2.7, for more on this, along with my book Our Hands Are Stained with Blood.)

4. These same Christians have often put forth a distorted picture of Jesus that bears little resemblance to the real Messiah who walked the earth two thousand years ago. Can Jews be blamed for thinking that Christians worshiped idols when the churches were filled with worshipers bowing before large, beautiful statues depicting Jesus as a babe in his mother’s lap?

5. There is often great pressure on those Jews—especially religious Jews—who put their faith in Jesus the Messiah. Some succumb to the fear, the pressure, the intimidation, the separation, and the loneliness, and they deny with their lips what they know to be true in their hearts.

6. Traditional Jewish teaching gives a slanted portrayal of who the Messiah is and what he will do. Since the description is faulty, people are looking in the wrong direction for the wrong person. No wonder relatively few have found him.

7. Once a learned Jew does believe in Yeshua, he is discredited, and so his name is virtually removed from the rolls of history. It’s almost as if such people ceased to exist. (Do you remember reading the novel Animal Farm in school? Revisionist history goes on to this day—even in traditional Jewish circles.) The story of Max Wertheimer provides one case in point. In the last century, Wertheimer came to the States as an Orthodox Jew, but over the course of time, he became a Reform Jew and was ordained a rabbi upon graduating from Hebrew Union College in Cincinnati in 1889. (He also received a Ph.D. from the University of Cincinnati the same year.) He then served as the greatly loved rabbi of B’Nai Yeshurun synagogue in Dayton, Ohio, for the next ten years. When he became a fervent believer in Jesus, however, pastoring a church as well, his name was literally removed from the rolls of the school—a school of alleged tolerance at that. Why was his name dropped? According to Alfred A. Isaacs, cited in the November 25, 1955, edition of the National Jewish Post, Wertheimer was disowned by Hebrew Union College solely because of his Christian faith. 23 And to think, this happened in a “liberal” Reform Jewish institution!

8. Although this may be hard for you to accept, because our leadership rejected Jesus the Messiah when he came, God judged us as a people (just as he judged us as a people for rejecting his law and his prophets in previous generations), and as a result, our hearts have become especially hardened toward the concept of Jesus as Messiah. 24 Paul explained this in his important letter to the believers in Rome: “What Israel sought so earnestly it did not obtain, but the elect did. The others were hardened, as it is written: ‘God gave them a spirit of stupor, eyes so that they could not see and ears so that they could not hear, to this very day’ ” (Rom. 11:7–8; the quote here is taken from Deut. 29:4 in our Torah and Isa. 29:10 in our Prophets).

If you stop to think about it, isn’t it strange that as a people we have almost totally lost sight of the fact that Jesus-Yeshua is one of us, actually, the most influential Jew ever to walk the earth? 25 Yet most of us think of him as if he were some fair-skinned, blue-eyed European. The good news is that Israel’s hardening was only partial: There have always been Jews who followed Jesus the Messiah, and in the end, our people will turn back to him on a national scale. Paul explains this a few verses later:

I do not want you [Gentiles] to be ignorant of this mystery, brothers, so that you may not be conceited: Israel has experienced a hardening in part until the full number of the Gentiles has come in. And so all Israel will be saved, as it is written: “The deliverer will come from Zion; he will turn godlessness away from Jacob. And this is my covenant with them when I take away their sins.”

Romans 11:25–27; the quote is taken from Isaiah 59:20–21; 27:9; and Jeremiah 31:33–34, all in our Prophets

Hopefully, you will be one of those Jews who is determined to find out the truth about the Messiah right now, determining to follow him at any cost. In the end, you must decide for yourself, and the bottom line question is one that only you can answer: Why don’t you believe Jesus is our promised Messiah?

What if more Jews—including your rabbi—did believe in him? Would you? Of course, that wouldn’t change the facts. Either Jesus is or is not the Messiah of Israel. Public opinion can’t affect the truth. But many times, when people find out that it’s okay to hold to a certain opinion, they come out of the closet.

Maybe it would help you to know that many of us in Jewish work have spoken with Orthodox and even ultra-Orthodox Jews who have told us in private that they believe Jesus is the Messiah, but they are afraid to go public for fear of what could happen to them. Maybe if a number of these religious Jews—some of whom are rabbis—showed up one day on your doorstep and told you their views, it would get you to think seriously about the matter.

As we grow and mature—from infants to children to teens to adults—we find out that not everything we have been told is true. Sometimes we just have to learn for ourselves. And even as adults, we often have skewed perspectives on many things. Just look at what Democrats believe about Republicans (and vice versa) or what Palestinians believe about Israelis (and vice versa) or what Black Muslims believe about Jews (and vice versa). Our perspectives, opinions, and convictions are not always right—no matter how strenuously we argue for our position. Common sense tells us that all of us can’t be right about everything all the time.

Even on an interpersonal level, how often have you met someone only to find out that all the bad things you heard about that person were greatly exaggerated or false? It happens all the time. As for the matter at hand, I assure you in the strongest possible terms: As a Jew, most everything you have heard about Jesus has been untrue. You owe it to yourself to find out just who this Jesus really is—and I say this to you whether you are an ultra-Orthodox rabbi reading this book in secret or you are a thoroughly secular, wealthy Jewish businessman who was given this book by a friend.

This much is certain: We have carefully investigated the claims of Jesus and can testify firsthand that Yeshua is who he said he was. What do you say?

[1]

 

22 The infamous Rabbinic collection of anti-Jesus fables, called Toledot Yeshu, is still studied in some ultra-Orthodox circles, although virtually all other Jewish scholars have long since repudiated the Toledot. These scurrilous writings, based in part on some Talmudic references, accusing Mary of fathering Jesus through a Roman soldier (or by rape), and portraying Jesus as an idolater, magician, and Israel’s arch-deceiver, were the primary source of information about Jesus for many traditional Jews, especially in the Middle Ages. Of course, as noted by the Oxford Dictionary of Jewish Religion, ed. Geoffrey Wigoder (New York: Oxford, 1997), 695, “the work is an expression of vulgar polemics written in reaction to the no less vulgar attacks on Judaism in popular Christian teaching and writing.” But as I have stated before, just as many Gentiles around the world have had a biased and inaccurate view of the Jewish people, so also have many Jews had a biased and inaccurate view of Jesus, the Jewish Messiah. For a representative sampling from the Toledot, see the excellent study of Walter Riggans, Yeshua ben David: Why Do the Jewish People Reject Jesus as Their Messiah? (Crowborough, England: Marc, 1995), 127–32. Interested readers of this present volume would do well to read Riggans as well.

23 For more on this, see Nahum Brodt, “The Truth about the Rabbi,” in Would I? Would You?, ed. Henry and Marie Einspruch (Baltimore: Lederer, 1970), 8–10. For a fuller account of Wertheimer’s faith, see Jacob Gartenhaus, Famous Hebrew Christians (Grand Rapids: Baker, 1979), 191–97.

24 This is not the first time in our history that God has hardened our hearts because we sinned against him. This is what God said to the prophet Isaiah more than twenty-five hundred years ago: “Go and tell this people: ‘Be ever hearing, but never understanding; be ever seeing, but never perceiving.’ Make the heart of this people calloused; make their ears dull and close their eyes. Otherwise they might see with their eyes, hear with their ears, understand with their hearts, and turn and be healed” (Isa. 6:9–10). The prophet was actually called to a ministry of hardening his people’s hearts! It was as if God were saying, “Fine. If you want to be hard-hearted, refusing to believe me or obey me, I will give you over to your hardness and make you even harder.” This is exactly what has happened to us regarding the Messiah: When so many of our people refused to follow him, God gave us over to our unbelief and obduracy to the point that through the centuries, we have become especially resistant to Jesus.

25 This well-known, anonymous tribute to Jesus, known as “One Solitary Life,” puts things in perspective: “He was born in an obscure village. He worked in a carpenter shop until He was thirty. He then became an itinerant preacher. He never held an office. He never had a family or owned a house. He didn’t go to college. He had no credentials but himself. He was only thirty-three when the public turned against him. His friends ran away. He was turned over to his enemies and went through the mockery of a trail. He was nailed to a cross between two thieves. While he was dying, his executioners gambled for his clothing, the only property he had on earth. He was laid in a borrowed grave. Nineteen centuries have come and gone, and today he is the central figure of the human race. All the armies that ever marched, all the navies that ever sailed, all the parliaments that ever sat, and all the kings that ever reigned have not affected the life of man on this earth as much as that one solitary life.”

[1]Brown, M. L. (2000). Answering Jewish objections to Jesus, Volume 1: General and historical objections. (21). Grand Rapids, Mich.: Baker Books.

Handling an Objection: “I love the moral teachings of Jesus but I don’t think He is divine.”

Handling an Objection: “I love the moral teachings of Jesus but I don’t think He is divine.”

 
This past week I was doing some outreach on a major college campus. When it came time to talk about the identity of Jesus, I heard two similar responses. Granted, I have heard this objection many, many, times. It goes like this:

“I really like the moral teachings of Jesus, but I don’t think he is divine.”

I could respond to this by using the C.S. Lewis argument that Jesus is either Lord, Lunatic, or Liar. I tend to not use that one a lot. While it still has some value it generally begs the question of the reliability of the New Testament. After all, some skeptics assume the deity of Jesus is a later invention of the Church. As I have noted elsewhere, this is incorrect. The Christology is Jesus was at the very start of the formation of the early Jesus movement.

Jesus is the Message

Anyway, how do I respond to this? First, since the person already admires the teachings of Jesus, I point to the blind spot in their thinking. First, it is not the moral teachings of Jesus that is the message. Rather, Jesus is the message!

Probably the most pertinent examples of how Jesus in the message is in the Gospel of John where we see the “I AM” (Gk. ego eimi,) statements. I am well aware that all these passages need to be studied in context. But we see clearly that Jesus is emphasizing He is the message. For example:

Then Jesus declared, “I am the bread of life. He who comes to me will never go hungry, and he who believes in me will never be thirsty. (John 6:35)

When Jesus spoke again to the people, he said, “I am the light of the world. Whoever follows me will never walk in darkness, but will have the light of life.” (John 8:12)

I am the gate; whoever enters through me will be saved. He will come in and go out, and find pasture. (John 10:9)

“I am the good shepherd. The good shepherd lays down his life for the sheep.” (John 10:11)

Jesus said to her, “I am the resurrection and the life. He who believes in me will live, even though he dies; and whoever lives and believes in me will never die.” (John 11:25-26)

Jesus answered, “I am the way and the truth and the life. No one comes to the Father except through me.” (John 14:6)

“I am the vine; you are the branches. If a man remains in me and I in him, he will bear much fruit; apart from me you can do nothing.” (John 15:5)

From a tactical perspective, when people say they only like the teachings of Jesus, it can allow you the opportunity to share these passages from John and ask them if they might rethink their position.

Why Was Jesus Crucified?

Second, I ask the person is why was Jesus crucified? One issue that can tend to be overlooked is that we can minimize the issue of blasphemy in a Jewish setting. by the way, none of the above figures were accused of blasphemy. According to Jewish law, the claim to be the Messiah was not a criminal, nor capital offense. Therefore, the claim to be the Messiah was not even a blasphemous claim. (1)

If this is true, why was Jesus accused of blasphemy? According to Mark 14:62, Jesus affirmed the chief priests question that He is the Messiah, the Son of God, and the Coming Son of Man who would judge the world. This was considered a claim for deity since the eschatological authority of judgment was for God alone. Jesus provoked the indignation of his opponents because of His application of Daniel 7:13 and Psalm 110:1 to himself.

Also, many parables, which are universally acknowledged by critical scholars to be authentic to the historical Jesus, show that Jesus believed himself to be able to forgive sins against God (Matt. 9:2; Mark 2: 1-12). Forgiving sins was something that was designated for God alone (Exod. 34: 6-7; Neh.9:17; Dan. 9:9) and it was something that was done only in the Temple along with the proper sacrifice. So it can be seen that Jesus acts as if He is the Temple in person. In Mark 14:58, it says, “We heard him say, ‘I will destroy this man-made temple and in three days will build another, not made by man.’ The Jewish leadership knew that God was the one who was responsible for building the temple (Ex. 15:17; 1 En. 90:28-29).(2)

Also, God is the only one that is permitted to announce and threaten the destruction of the temple (Jer. 7:12-13; 26:4-6, 9;1 En.90:28-29). (3) It is also evident that one reasons Jesus was accused of blasphemy was because He usurped God’s authority by making himself to actually be God (Jn. 10:33, 36). Not only was this considered by the Jews to be blasphemous, it was worthy of the death penalty (Matt. 26:63-66; Mk. 14:61-65; Lk. 22:66-71; Jn. 10:31-39; 19:7)

As the late Martin Hengal said:

“Jesus’ claim to authority goes far beyond anything that can be adduced as prophetic prototypes or parallels from the field of the Old Testament and from the New Testament period. [Jesus] remains in the last resort incommensurable, and so basically confounds every attempt to fit him into categories suggested by the phenomenology of sociology of religion.” (4)

Remember that there was a Jewish leader named Bar Kohba who made an open proclamation to be the real Messiah who would take over Rome and enable the Jewish people to regain their self-rule (A.D. 132-135). Even a prominent rabbi called Rabbi Akiba affirmed him as the Messiah. Unfortunately, the revolt led by Bar Kohba failed and as a result and both he and Rabbi Akiba were slain. And remember, Bar Kohba was not accused of blasphemy. He never claimed to have the authority to forgive sins or claim to be the Son of Man (as referring to Daniel 7).

Conclusion

In the end, I think the reason some people like the moral teachings of Jesus and avoid the divinity issue is an issue of autonomy. A non- divine Jesus is really not very threatening and doesn’t ask much of us.

Sources:

1. See Darrell L. Bock. Blasphemy and Exaltation in Judaism: The Charge Against Jesus in Mark 14:53-65. Grand Rapids, MI: Baker Books, 1998.
2. William Lane Craig. Reasonable Faith: Third Edition. Wheaton, Illinois: Crossway Books, 2008, 307.
3. Martin Hengel, The Charismatic Leader and His Followers. New York: Crossroad, 1981. 68-69; Cited in Edwards, 96.
4. Jacob Immanuel Schochet. Mashiach: The Principle of Mashiach and the Messianic Era in Jewish Law and Tradition. New York: S.I.E. 1992, 93-101.
5. Ibid.

The Rabbinic Messiah By: Rev. Tom Huckel

 
 The Rabbinic Messiah
 
The Rabbinic Messiah

 

 
Braude, William G. The Midrash on Psalms. Two Volumes. New Haven: Yale University Press, 1959.
Braude, William G. and Israel J. Kapstein. Pəsiqtâ də-Raḇ Kahănâ. 2nd ed., Philadelphia: Jewish Publication Society of America, 1978.
Danby, Herbert, D.D. The Mishnah. Oxford: Oxford University Press, 1933; reprint, Thetford, Norfolk: Lowe and Brydone Printers Limited, 1980.
Epstein, Rabbi Dr. I., ed. The Babylonian Talmud. 4th ed., London: The Soncino Press, 1978.
Freedman, Rabbi Dr. H., B.A., Ph.D. Midrash Rabbah. trans. by Rabbi Dr. H. Freedman B.A., Ph.D. and Maurice Simon, M.A., 3rd ed., New York: The Soncino Press, 1983.
Hammer, Reuven. Sifre A Tannaitic Commentary on the Book of Deuteronomy. New Haven: Yale University Press, 1986.
Klausner, Joseph, Ph.D. The Messianic Idea in Israel. trans. by W. F. Stinespring, Ph.D., New York: The Macmillan Company, 1955.
Landman, Leo. Messianism in the Talmudic Era. New York: KTAV Publishing House, Inc., 1979.
Levertoff, Rev. Paul P. Midrash Sifre on Numbers. London: The Macmillan Co., 1926.
Levey, Samson H. The Messiah: An Aramaic Interpretation The Messianic Exegesis of the Targum. Cincinnati: Hebrew Union College Press, 1974.
Neusner, Jacob Messiah in Context. Philadelphia: Fortress Press, 1984.
Visotzky, Burton L. The Midrash on Proverbs. New Haven: Yale University Press, 1992.
 
Introduction
 
Rabbinic Messiah is a collection of traditional Jewish Messianic belief quotes, as proclamated by the Rabbis down through the centuries. The quotes are taken from the most commonly used Jewish literature resources. These Messianic belief statements are arranged in canonical order, i.e. according to the traditional Canon of the Christian Bible. Since this is simply a collection of the quotes themselves with very little commentary by the author (only where he felt it was needed), this work then can be a helpful reference tool that can be useful to both Jewish and Christian scholars alike.
The author intends to add additional references in the future. He also hopes to compile a summarized portrait of the Jewish Messiah and the Messianic Era by gathering these texts into a unified picture.
I trust that you will find this tool a help in your Bible and Messianic studies.
 
Rev. Tom Huckel,
Director of Hananeel House
PO Box 11527
Philadelphia, Pa. 19116-0527

[gview file=”http://www.difa3iat.com/wp-content/uploads/2014/05/The-Rabbinic-Messiah.pdf” save=”0″]
 
 


 
Exit mobile version