الشعور بالعطش بجوار نافورة – فيليب يانسي

الشعور بالعطش بجوار نافورة – فيليب يانسي

الشعور بالعطش بجوار نافورة – فيليب يانسي

الشعور بالعطش بجوار نافورة – فيليب يانسي

 

“الكوميديا الإنسانية لا تجذب انتباهي بدرجة كافية، فأنا لست من هذا العالم… أن من مكان آخر. وهذا المكان يستحق البحث عنه خلف الأسوار. ولكن أين هو؟”.

يوجين يونسكو

عندما قمت بزيارة روسيا عام 1991 حضرت لأول مرة خدمة في كنيسة أرثوذكسية، والتي تعبر بصورة واضحة عن غموض وعظمة العبادة فيها. فالشموع المضاءة أضفت ضوءً هادئاً للكاتدرائية. واستمرت الخدمة ما بين ثلاث إلى أربع ساعات، بينما المتعبدون يدخلون ويخرجون متى شاءوا ذلك، ومثلما يحدث في الكنائس الأرثوذكسية فهنا لا أحد يتبادل معك السلام، أو يحييك بابتسامة، فهم يقفون – حيث لا توجد كراسي أو مقاعد – ويراقبون القساوسة الذي هم ومنذ ألف سنة لم يغيروا طقوسهم والتي تؤدى بشكل احترافي جداً.

وفي نفس اليوم اصطحبني كاهن، وممثل لجماعة خاصة تهتم بخدمة زيارة السجون، وزرت كنيسة صغيرة في بدروم أحد السجون القريبة. وفي عمل جريء قام موظف شيوعي في روسيا، الملحدة سابقاً، بالسماح بإقامة هذا السجن وبه الكنيسة، التي كانت سابقاً واحة للجمال في برج محصن مقيت. وقام السجناء بتنظيف الحجرة من قاذورات تراكمت عبر سبعين عاماً، وكسوا أرضية الغرفة رخاماً، وعلقوا الشمعدان النحاسي على الحوائط. وكانوا يفتخرون بكنيستهم تلك، لقد كانت الكنيسة الوحيدة، في ذلك الوقت، في كل سجون روسيا. كل أسبوع كان يسافر إليها الكهنة من أحد الأديرة ليقوموا بالخدمة هناك، وكان مأمور السجن يسمح للسجناء أن يتركوا زنزاناتهم لحضور الخدمة الروحية.

أمضينا دقائق قليلة ونحن محبون ومنجذبون لكل ما أنجزوه بأيديهم في هذا الغرفة، وأشار الأخر بونيفاتو إلى الأيقونة الموضوعة في كنيسة السجن “سيدتنا التي ترفع عنا أحزاننا” بهذه الكلمات علق رون بيكل أحد أعضاء المجموعة الزائرة، وأضاف قائلاً: لا بد وأنه يوجد الكثير من الحزن داخل هذه الحوائط، ثم تحول نحو الأخر بونيفاتو وسأله إذا كان في إمكانه أن يرفع صلاة من أجل السجناء. فنظر الأخر بونيفاتو والحيرة بادية على وجهه وقال: “هل بإمكانك أن تصلي من أجل السجناء”.

وسأل الأخ بونيفاتو “هل تريد صلاة؟” فأجبنا بالإيجاب. وإذا به يختفي خلف المذبح عند نهاية الغرفة، وأحضر أيقونة أخرى وأضاء حولها الشموع والبخور. وارتدى الزي الكهنوتي الخاص بالصلاة، وصليباً ذهبياً، استعداداّ لإقامة الصلاة.

تضمنت الصلاة سلسلة من الطقوس الرسمية، وبدأ الأخ بونيفاتو يقرأ مرتلاً لبعض الصلوات من كتاب خاص بالطقوس الدينية، وكان موضوعاً على طاولة. وبعد عشرين دقيقة طلب رون من بونيفاتو أن يصلي من أجل السجناء، وإذ به يقول: “آمين” وخرجنا من السجن إلى الهواء الطلق.

في أماكن أخرى بروسيا تقابلت مع مؤمنين غربيين، وهؤلاء انتقدوا بشدة الكنيسة الأرثوذكسية، فالاحترام، والتسليم، والخوف…. تلك الصفات التي ينقلها الأرثوذكس إلى المتعبدين أثناء فترة العبادة، حيث يظل الله بعيداً، متعالياً، ولا يمكن الاقتراب منه إلا بعد إجراء استعدادات كثيرة، ومن خلال وسطاء: مثل الكهنة والأيقونات. ومع ذلك؛ فقد خرجت وأنا مقتنع بأننا يجب أن نتعلم شيئاً من الأرثوذكس. حيث استمر الكنيسة الروسية، وتحت قمع جبروت حكومة لا تؤمن بوجود الله، وإن اتخذت مكان الله كمركز عبادتها، فقد تحملت أقسى هجوم إلحادي في التاريخ.

عرفت أن الأخ بونيفاتو لم يكن متعمقاً في الخدمة الروحية، لأنني شاهدت خدمته بين المجرمين في زنزانات السجن. فقد سيطرت عليه التقاليد، وساعدته الطقوس لأن ينتقل من روح الإلحاح والسرعة – وهذا ما تتطلبه خدمة السجون – إلى مكان هادئ حيث أنغام الأبدية.

يقول توماس ميرتون: “إذا وجدت الله بسهولة عظيمة، فربما لا يكون الذي وجدته هو الله”.

أشار العالم الفيزيائي “جون بولكينغورن John Polking Horne”، الذي استقال من وظيفته في جامعة كمبردج ليصبح قسيساً انجليكانياً، أشار إلى الفرق الكبير بين معرفة العلوم ومعرفة اللاهوت: حيث يمكن زيادة المعرفة العلمية بطريقة تدريجية: تدرس أولاً بطليموس، ثم جاليليو وكوبرنيكس ونيوتن وأينشتين. وكل واحد من هؤلاء العلماء بنى على الأساس الذي بناه الذين سبقوه، ولهذا فالعالم العادي اليوم لديه المزيد من المعرفة عن عالم الفيزياء أكثر مما كان لدى اسحق نيوتن. أما معرفة الله فتبدأ بطريقة مختلفة تماماً، فكل مواجهة مع الله هي فريدة في نوعها تماماً، مثل أي اجتماع بين شخصين. ولهذا فالمتصوف الذي عاش في القرن الخامس، أو المهاجر الأمي قد يكون لديهما معرفة عميقة بالله أكثر من اللاهوتي في القرن العشرين.

اعتاد كارل ساجان عالم الكوزمولوجيا (علم يبحث في مظهر الكون وتركيبه العام…) أن ينطق بما قد لا يعرفه: “الكون هو كل ما هناك وكل ما سيكون”. ومع ذلك فقد ظل ساجان محصناً من الرغبة في الاتصال بالآخر. وتحكي روايته “الاتصال Contact” عن حكومات ترغب في إنفاق نصف تريليون دولار لكي ترسل شخصاً لعالم آخر. وهذا الرسول، الذي لعبت دوره في السينما جودي فوستر، وقامت بهذا الاتصال فعلاً وعادت لتجد أن العلماء سخطوا على تقريرها بينما رجبت به الجماهير. وكشفت رواية ساجان أكثر مما كان يقصد أو يتوقع.

يدعي المؤمنون أنه هناك أوقات حدث فيها اتصال شخصي مع خالق الكون، فكتب مرة توما الأكويني عن مثل هذا المواجهة فقال: “رأيت أشياء جعلت كل كتاباتي تبدو كالقش”.

في فيلم “الاتصال” جلست جودي فوستر أمام أطباق الراديو الضخمة يوماً بعد يوم، وليلة بعد ليلة، حتى بدأ يصلها صوت واضح من خلال السماعات، وهي جالسة على الكرسي، وصاحت: شيء ما هناك! وبالنسبة للمؤمنين أيضاً فالاتصال أو التلامس قد يأتي بنوع من الصدمة. استمع لما يقوله س. إس. لويس:

“إنه أمر مروع أن نواجه الحياة ونحن نعتقد أننا بمفردنا، فنصرخ ونقول: “انظر إنه حي!”، ولهذا فإن هذه هي النقطة التي يتراجع عندها الكثيرون، ولا يتقدمون في حياتهم المسيحية. “الإله المجرد والمجهول” هو الأفضل. إله الجمال، والحق، والخير، في داخل أذهاننا، من الأفضل أن يظل كذلك. قوة حياة لا شكل لها ولا صورة تموج داخلنا، قوة هائلة يمكن أن نطلبها ونطرق بابها – هي الأفضل. أما الله نفسه الحي، والذي يجذب الحبل من طرفه الآخر، وربما يقترب بسرعة هائلة، الصياد، الملك، الزوج – فهذا أمر آخر تماماً. فقد يأتي لحظة يصمت فيها الأطفال الذين كانوا يلعبون معاً ويقولون: هل هناك وقع أقدام في الصالة؟ وقد تأتي لحظة يتراجع فيها أناس يبحثون عن الله بكل اجتهاد ويقولون: فلنفترض أننا وجدناه؟ لم يكن هذا قصدنا. وماذا لو وجدنا هو؟

لقد شعرت أنا أيضاً بهذه الجذبة العنيفة التي هزتني وأخرجتني من حالة الثورة، لقد كانت قوية لدرجة أنها وجهت حياتي نحو اتجاه آخر جديد. ومع ذلك؛ فقد ظللت لفترات طويلة جالساً في انتظار، وحاجة ماسة لرسالة من العالم الآخر، لتؤكد لي هذا الاتصال، ولكن لم يحدث شيء.

كيف يمكن أن شيئاً جوهرياً مثل الله الذي خلقنا لنعرفه، ونحبه، يصبح رقيقاً للغاية؟ وإذا كان الله، مثلما أخبر بولس جمهور الشكاكين، والفلاسفة في أثينا، “قد فعل هذا” حتى يمكننا أن نصل إليه ونجده، فلماذا لا يجعل نفسه في صورة أوضح بالنسبة لنا؟

إن الذين دوّنوا الوحي في الكتاب المقدس عاشوا في “الأرض المقدسة” حيث اشتعلت الشجيرات والصخور، والبراكين، وتدفقت منها استعارات مقدسة، والنجوم تحدثت عن عظمة ومجد الله. لم يعد يحدث ذلك الآن، ويبدو أن مثل هذا العالم الذي يفوق الطبيعة قد انزوى، تاركاً إيانا بمفردنا مع المرئيات. إن الشعور بالعطش إلى الله لكي نتواصل ونتلامس مع غير المرئي، والجوع إلى الحب من آب كوني والذي بإمكانه أن يصوغ المعنى لهذا العالم المتزاحم، شعور يحتاج إلى نوع من التحدي والمثابرة.

نحن الذين نعيش في عالم مادي في أجساد يكسوها الجلد نريد من الله أن يتصل بنا في عالمنا بطريقة نستطيع فهمها. قمت مرة بزيارة المزار المهيب لعذراء جوادلوبي Virgin of Guadelope خارج مدينة المكسيك. وفي غرفة بالمتحف توضح الإعلانات أن صورة العذراء ظهرت بطريقة معجزية لشخص هندي كان موجوداً بالموقع عام 1531 م تركت صورتها على معطفه، وكان المعطف عندما رأيته ممزقاً ومعلقً بالداخل. وقالوا أن عين العذراء كانت تحتجز صورة ذلك الهندي، وبدأ السياح يتفحصون بدقة وجه العذراء بحثاً عن صورة الرجل الهندي. ورافقني في ذلك اليوم آلاف السياح محملقين في تمثال العذراء بمساعدة بعض الأجهزة التي قادتنا إلى الجانب الآخر من السور الحديدي.

لست أدري ما إذا كان كارل ساجان زار هذا المكان، وبإمكاني أن أخمن رد فعله لو كان قد زاره، فسيقول: يتخيل الناس ما يريدون كشكل من أشكال الاسقاط أو الرغبة في تحقيقه. إننا نشتاق لما هو مرأي آملين أن نحضر ما هو فوق الطبيعة إلى مستوانا المادي.  وفي عام 1999م ظهرت  يسوع على زجاج مبنى إداري في فلوريدا، وتمكن البعض من رؤية هذا من زاوية معينة، وفي اليوم التالي تعطل المرور على مسافة ميل بسبب موكب السيارات في الشارع، والتي جاءت لترى الصورة. أيها الأحباء إننا نفقد الصبر مع أي شيء يُظهر نفسه لنا بالصورة التي نريدها نحن.

“ألن تيرنج” وهو أحد الرواد في عالم الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي، اقترح طريقة للإجابة على السؤال: “هل بإمكان الكمبيوتر أن يفكر؟” وهي وضع لوحة المفاتيح والشاشة إلى جانب من الحائط، وعلى الجانب الآخر شخص أو آلة (×). اسأل (×) عدة أسئلة وانتظر الإجابة حتى تظهر على الشاشة. من فضلك اكتب لي قصيدة عن الموضوع التالي [حدد الموضوع]. اجمع 34957 + 70764. هل تلعب الشطرنج [اطرح بعض ألغاز الشطرنج]. واقترح تيرنج أن الجهاز يمكنه أن يقول ما إذا كان السائل شخصاً أم آلة. وعندما كتب تيرنج هذا البحث عام 1950 عارض الكثيرون هذا الجهاز. أما الآن فقد تقدم الذكاء الصناعي إلى الدرجة التي يستطيع فيها الكمبيوتر أن يهزم أفضل لاعبي الشطرنج في العالم، كما أن المشورة التي تُعطيها البرمجيات Soft-Ware بإمكانها أن تدير حوارات ممتدة مع مستخدمي الكمبيوتر. والجهاز الذي يُدمج فيه برنامج جيد بإمكانه أن يُذهل ويربك من يسأله لفترة من الوقت.

ولأن الله سوف يظل غير مرئي، يميل الناس إلى رسم صورة له في أذهانهم. وكتاب “أحاديث مع الله” يشتمل على ثلاثة كتب، وهي من أفضل الكتب مبيعاً، والتي اقتناها ملايين القراء، والتي ادعى كاتبها أن الله أملاه إياها. لقد التقيت مرة بواحد من محبي قراءة الكتب وسألته أن يصف لي “الله الذي يؤمن به هو” فقال: “إن الله غير بعيد عنا. إنه خالق كل طاقة نافعة في العالم. نحن الذين نصور الله بحسب تفكيرنا”.

على النقيض من ذلك؛ يعتقد المؤمنون ان لله صفات عديدة: شخص لا يمكن التنبؤ عنه، يمكن إقامة علاقة معه، حر، ذكي، عاطفي، وأحياناً متعاون أو مقاوم. والمشكلة هي في كيفية وضع الله على الجانب الآخر من الحائط لكي يجيب على أسئلتنا. إنه لم يكتب شيئاً بمثابة جواب على الأسئلة. ويقول العلماء أن الله لا يمكن إثباته بالتجربة. ونحن يجب أن نؤمن بشيء ما – كقوى الغريزة مثل: الجوع، العطش – ولكننا لم نعد نعرف بماذا نؤمن. إن اللاهوت التقليدي يبدو لبض الناس كما لو أنك تقرأ وصفات طعام لأناس جوعى، ومثل ظمأ لا يمكن أن يُروى.

الفيلم الذي قدمه وودي ألن باسم “النائم Sleeper”، يقدم وودي وقد تجمد لفترة طويلة ثم استيقظ من سباته في القرن التالي، ومن خلال بعض الصور القديمة حاول أن يشرح لسكان العالم الفترة التي قضاها بعد مائة سنة. وبدأ يعلق على نورمان ميلر، وريتشارد نيكسون، وفي صورة أخرى تحدث عن المبشر المشهور بيللي جراهام، وادعى بأنه عرف الله شخصياً. وضحك كل من شاهد الفيلم، ومن يقدر على لومهم على ذلك؟ ومثل هذه الفكرة سخيفة ومضحكة، ومع ذلك لا شيء أفضل منها ليعبر عن الوعد الذي يحوم حولنا.

إن الله شخص؛ وأغلب اللاهوت المسيحي يطرق بشدة على جو الفلسفة اليونانية الخالصة، ويزيد من غموض هذه الحقيقة الواضحة باستخدام عبارات غير شخصية، مثل “أرض كل الكائنات”، و”استنتاجات لا يمكن تجنبها”، لكي يصف الله. ولكن الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد يصوّر الله الذي يؤثر فينا ويتأثر بنا “لأن الرب راض عن شعبه” (مز 149: 4). ويقول الأنبياء أنه في بعض المرات يتوقع الله الكثير من شعبه. وتظهر شخصية الله تقريباً في كل صفحة من صفحات الكتاب المقدس. يقول الرسول يوحنا: “الله محبة، ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه”. ومن الصعب ان نجد عبارات تعبر عن أن علاقتنا بالله شخصية أكثر من هذه الآيات.

لماذا إذا نجد أن الأمر صعب علينا في أن نتصل شخصياً بهذا الإله؟ وفي أوقات مختلفة يهتم الناس بالصلاة لقديسين محليين، والذين يبدو أنه من السهل الوصول إليهم ولا يخافونهم. ومع ذلك فالمصلحون البروتستانت والمتصوفون الكاثوليك يتحدوننا لكي نتصل بالله مباشرة، ودون أي وسيط. وتدعو الإنجيلية الحديثة لأن نعرف الله ونتحدث معه ونحبه كما نحب أصدقاءنا. استمع إلى الترنيمات في الكنائس الحديثة وستجد أنها تشبه أغاني الحب في الراديو، والفرق أننا نضع الله أو المسيح بدلاً من الحبيب.

نفس التقليد الإنجيلي الذي يحثنا على المزيد من الألفة والمودة أيضاً قد يسيء استخدام الكلمات: “لقد سألت الرب عن أي موضوع أتحدث فقال لي: لا تتحدث عن الكبرياء، بل تحدث عن الوكالة”، “أخبرني الرب أنه يريد مركزاً طبياً جديداً في هذه المدينة”، “إن الله يهمس في أذني الآن أنه يوجد الآن من بين المستمعين والمشاهدين شخص يعاني من زواج محطم”. وأعلم يقيناً أن البعض من مثل هذه الجمل خادع، ويتفوه بها متحدثون يتلاعبون بالألفاظ بطريقة غير دقيقة. إن مثل العبارات تتضمن نوعاً من الحديث المباشر بين الله والإنسان، وهذا لم يحدث، والتقرير الخاطئ يخلق نوعاً من عدم الاحترام والتقدير لاختبارات الآخرين.

القس مارتن مارتي، وهو خادم لوثري وكاتب مشهور اعترف قائلاً: “يمكنني أن أحسب على يد واحدة عدد المرات  في حياتي التي تمتعت فيها بعلاقة مباشرة مع الله بدرجة تستحق الحديث عنها، حتى للشخص الذي يجلس بجواري، ولا يمكنني أن أحسب ولا مرة واحدة تستحق الإعلان عنها  للجمهور” .بهذه الكلمات كان يتحدث عن فترة من تجلي الرب له، وعن الهجر والذي نزل عليه أثناء فترة طويلة من المرض لزوجته.

الكاتب فردريك بوتشنر الذي أقدره كثيراً في مهاراته والتزامه المسيحي. ترك هذا الكاتب وظيفته كروائي لكي يحضّر محاضرات وقابلاً العمل كخادم مشيخي، ولكي يعود للكتابة كمنبر، وعظه الأول. سجل في مذكراته عن منظر مدهش استلقى فيه تحت أشعة الشمس الدافئة ملتمساً ومتوسلاً من أجل معجزة، وليرى علامة محددة من الرب.

في أحد الأيام استلقيت على العشب وسيطرت عليّ توقعات جامحة. أحداها هو المعنى العظيم للثقة والإيمان بالله، وفي إمكانية حدوث المعجزة، ولظروف مختلفة كان لدي شعور قوي في تلك اللحظة بأن الوقت مناسب للغاية لحدوث معجزة، فأتمتع بحياة روحية ناضجة مستعدة لحدوثها. شيء ما سوف يحدث، شيء غير عادي يمكنني أن أراه وأسمعه، وازداد التأكيد داخلي حتى أنن عندما استعدت التفكير في الأمر اندهشت لأنني لم أتمكن بقوة الإيحاء الذاتي أن أجعله يحدث. ولكن أشعة الشمس كانت ساطعة والهواء نقياً، وخيط من شك في نفسي كان قوياً لكي يجعل من الممكن أن أتخيل أشباحاً بين أشجار التفاح، ولم يحدث شيء مما توقعت.

وكل الذي حدث بعد ذلك هو سماع الكاتب لصوت الرياح وحفيف الأغصان. هل تحدّث الله أم لا؟ لماذا لم يستخدم الله أسلوباً واضحاً لا يقودنا للشك؟ وهنا نرى أن الله يتحدث للكاتب بوتشنر كما كان يتوقع.

عندما كان في الخمسينات من عمرة أمضى بوتشنر مدة نصف عام في التدريب بكلية وايتون Wheaton حيث واجه ولأول مرة اللغة الحميمة والمنطلقة للإنجيليين، وعلق قائلاً: “أندهش عند سماعي الطلبة وهم ينتقلون بطريقة تلقائية، وعفوية من الحديث عن الطقس والأفلام السينمائية إلى الحديث عما  فعله الله في حياتهم. ولو أن واحداً تحدث بهذه الطريقة في المكان الذي أقيم فيه في بلدي لإنهار السقف واشتعلت النيران بالمنزل ولإتسعت عيون الناس دهشةً”. ومع أنه كان معجباً بحماسة الطلبة، كان يبدو له في البداية ان الله بالنسبة لهم كصديق كوني صالح.

هل نشبه نحن لوحة إعلانات تعلن عن مشروب البيبسي، وتثير عطشاً لا يمكننا أن نرويه؟ الأسبوع الماضي كانت كنيستي ترنم: “أريد أن أعرفك أكثر… أريد أن ألمسك… أريد أن أرى وجهك”، ولا يوجد مكان في الكتاب المقدس نجد فيه وعداً بأننا سنلمس الله، أو أن نرى وجهه، على الأقل ليس في هذه الحياة.

إنني هنا أموت عطشاً، بجوار النافورة.

ريتشارد ويلبر

تتحدث العقيدة الأمريكية الحديثة بكلمات تتسم بالصداقة مع الله، بالرغم مما يقوله س. إس. لويس في كتابه “أربعة أنواع من الحب  The four loves” يقول أ ن الصداقة هي صورة من صور الحب التي تصف بدقة حقيقة مواجهة المخلوق مع الخالق. كيف يمكننا إذاً أن تكون لنا “علاقة شخصية” مع الله الذي لا  نستطيع أن نراه ونحن غير متأكدين تماماً بأنه هناك؟

الشعور بالعطش بجوار نافورة – فيليب يانسي

ولادة ثانية في وضع خاطئ – فيليب يانسي

ولادة ثانية في وضع خاطئ – فيليب يانسي

ولادة ثانية في وضع خاطئ – فيليب يانسي

ولادة ثانية في وضع خاطئ – فيليب يانسي

“يا الله، أنا لا أحبك، ولا حتى أريد أن أحبك، ولكنني أرغب في أريد أن أحبك”

تيريز الأفيلية

في إحدى السنوات قمت أنا وزوجتي بزيارة بيرو، وهو البلد الذي أمضت فيه جانيت طفولتها. سافرنا إلى كوزكو Cuzco وماشو Machu لكي نشاهد آثار حضارة شعب الأنكا Inca العظيمة والتي حققت الكثير بدون أن تتعرف على الأبجدية، ولا حتى العجلة. وعلى مشارف كوزكو حيث سهل أخضر فسيح وقفنا أمام حائط مكون من أحجار رمادية اللون يزن كل منها حوال سبعة عشر طناً.

“لقد كانت الأحجار مقطعة بطريقة يدوية، ومرتبع مكونة الحائط بدون ملاط، وبدقة بالغة لا تسمح بوضع ورقة بين حجر وآخر”. هكذا قال مرشدنا السياحي، الذي هو من بيرو، بفخر. “ولا حتى أشعة الليزر الحديثة تقدر أن تقطعها بهذه الدقة. وحتى الأن لا أحد يعلم كيف فعل شعب الأنكا ذلك. ولهذا السبب قال إريك فون دانكن Erich von Daniken في كتابه “مركبات الآلهة” لا أن حضارة متقدمة من الفضاء الخارجي قد قامت بزيارة شعب الأنكا”.

سأل أحد أفراد مجموعتنا السياحية عن علم الهندسة الذي ساهم في نقل تلك الكتل الحجرية إلى أعلى التلة الجبلية، وبدون استخدام العجلات. غير أن شعب الأنكا لم يترك لنا أية سجلات مكتوبة يمكنها أن تجيب عن مثل تلك الأسئلة. ثم فكر بعمق مرشدنا السياحي كما لو كان سيذيع سراً عظيماً: “حسناً، إن الأمر هو هكذا…” وصمتت كل المجموعة علها تنال جواباً شافياً. وقال وهو ينطق كل كلمة بحذر شديد: “نحن نعرف الأدوات… ولكننا لا نعرف الآلات”. وبدت على وجهه الذي لفحته الشمس، علامات الرضى والارتياح لما قاله.

انتظرنا أن يضيف لما قاله أكثر، وملء عيوننا عطش لأية إضافات، غير أن مرشدنا تحول بناظريه عنا ليتابع الرحلة. إذ اعتبر أن ما قاله هو الإجابة الكافية لحل هذا اللغز. وعلى مدى الأيام القليلة التالية كان يجيب بنفس العبارة على أسئلتنا، وهذا أشعره بنوع من الأهمية وهو ما كان يضايقنا. وبعد أن ارتحلنا من كوزكو صارت إجابة المرشد السياحي نكتة تتندر بها المجموعة. فعندما يسأل أحدنا: هل يمكن أن يسقط المطر بعد الظهر، يجيب عليه شخص آخر بالاسبانية “حسناً نحن نعرف الأدوات… ولكننا لا نعرف الآلات”.

وردت على ذهني تلك العبارة الغامضة عندما حضرت تجمعاً للاتحاد مع العديد من زملاء الدراسة في كلية مسيحية. وبالرغم من أننا لم نر بعضنا منذ عشرين عاماً، إلا أننا بدأنا الحديث والدردشة بمودة شديدة. كل منا ناضل في حياة الإيمان ورغم هذا تمسكنا بإيماننا. كلنا اختبرنا الألم، وجددنا معرفتنا ببعضنا البعض، وتحدثنا أولاً عن الأطفال والعمل وتحركنا من مكان لآخر، وعن درجاتنا العلمية. ثم تحولت المناقشات إلى ما هو أصعب: عن الوالدين الذين أصيبا بمرض الزهايمر، وزملائنا الذين طلقوا، والأمراض المزمنة، والفشل الأخلاقي، والأطفال الذين تحرش بهن بعض أعضاء الكنيسة.

وفي النهاية توصلنا إلى أن وجود الله في حياتنا الآن أكثر ضرورة ولزوماً منه أيام الدراسة بالكلية. ولكن عندما استرجعنا بعض العبارات التي استخدمناها في التعبير عن اختباراتنا الروحية عندئذ أدركنا كل كانت تبدو غامضة وغير مفهومة. فمنذ 25 عاماً حين كنا ندرس في كلية اللاهوت، كنا ندرس عن حياة مملوءة بالروح، والخطية والطبيعة الجسدية، والتقديس، والحياة الوافرة. ورغم كل هذا لم نستطع تحقيق أي مبدأ منها وبالطريقة التي كنا نتوقعها. فلكي تشرح حياة الفرح بالروح لشخص يمضي كل يومه في العناية بأحد والديه المريض بالزهايمر، فإن هذا يبدو مشابهاً لإجابة ذلك المرشد السياحي الذي كان يشرح آثار حضارة شعب الأنكا قائلاً: “نحن نعرف الأدوات… ولكننا لا نعرف الآلات”. فاللغة لا تحتوي المعنى، ولا تعبر عنه.

إن الكلمات المستخدمة في الكنائس تسبب ارتباكاً للناس. فحين يقول الراعي: “إن المسيح يحيا فيك، ونحن أعظم من منتصرين”،  فمع أن هذا الكلمات قد تثير في الكثيرين شعوراً بالاشتياق لهذه النصرة، غير أنه يصعب تطبيقها في أحداث الحياة اليومية. لقد سمع هذه الكلمات مُدمن للجنس، وصلى من أجل التحرير، غير أنه استسلم، و في ذات الليلة، لرغبته الجنسية المحرمة، حين استلم رسالة على بريده الاليكتروني من فتاة تدعى كاندي، أو هيذر تعده فيها بأنها سوف تُشبع كل نزواته. وعلى نفس المقعد تجلس امرأة تفكر في ابنها المراهق المحجوز بإحدى المؤسسات بسبب إدمانه للمخدرات. لقد بذلت كل ما في وسعها كأم، ولكن الله لم يستجب لصلواتها. هل يحب الله ابنها بدرجة اقل منها؟

كثيرون آخرون لا يذهبون للكنيسة بمن فيهم ثلاثة ملايين أمريكي يدّعون أنهم مؤمنون إنجيليون، وبرغم ذلك فهم لا يحضرون للكنيسة. ربما كانوا مشتعلين روحياً عندما كانوا في الجامعة او في مجموعات التبشير في الكلية ثم فتروا وانزووا وانطفأوا. وكما قالت إحدى شخصيات جون أبديك في روايته “شهر من الأحداث A Month of Sundays”: “ليس لدي إيمان، ولكن يبدو وأنه صالح للتطبيق”.

إنني أصغي لمثل هؤلاء الناس، وأتلقى الكثير من خطاباتهم. إنهم يقولون أن الحياة الروحية ليس لها تأثير مستمر، ومختلف بالنسبة لهم. فما يختبرونه شخصياً يبدو أنه مختلف عما يسمعونه موصوفاً بكل أمانة وثقة من على المنبر. ومما يُدهشني، فإن الكثيرين لا يلومون الكنيسة او المؤمنين الآخرين. إنهم يلومون أنفسهم. تأمل في هذا الرسالة التي وصلتني من رجل من أيوا Iowa يقول فيها:

“أنا أعلم أنه يوجد إله: أومن أنه موجود، ولكنني فقط لا أعرف بماذا أؤمن؟ …. ماذا أتوقع من هذا الإله؟… هل هو يتدخل في حياتنا (غالباً/ نادراً) عندما نطلبه، أم أنه يجب عليّ أن أقبل ذبيحة ابنه من أجل خطاياي؟ إنني أحسب نفسي محظوظاً، وهل أجعل العلاقة تصل إلى هذا الحد؟

إنني أشعر أنني مؤمن غير ناضج: وأن توقعاتي من الله غير واقعية. وأعتقد أنني أصبت بخيبة الأمل مرات كافية حتى أنني أصلي من اجل أن لا يتكرر هذا الأمر مرات ومرات.

ما هي الصورة التي يجب أن تكون عليها العلاقة مع الله؟ وما الذي يجب أن نتوقع من الله الذي يقول أننا صرنا أصدقاؤه وأصفياءه؟

إن هذا السؤال المحير عن العلاقة يبرز بصورة غير متوقعة في الخطابات. كيف يمكنك أن تحتفظ بعلاقة مع كائن مختلف تماماً عن أي شخص آخر نعرفه، ولا نستطيع إدراكه بحواسنا الخمس؟ إنني أستمع إلى أعداد كبيرة من الناس تتصارع داخلهم هذه الأسئلة وتظهر في خطاباتهم وفي كتبي التي كتبتها بعنوان: “أين الله عندما أتألم؟”، و”خاب أملي في الله”.

كتب أحدهم رسالة أخرى يقول فيها:

“اجتزت في تجربة صعبة لمدة سنتين، وكدت أتحطم تحت ضغطها. وقد اهتز إيماني بالرب يسوع وما زلت أحاول أن ألملم شتات الإيمان الذي كان قوياً ثابتاً يوماً ما. بدأت أتساءل: هل إيماني او ما يُسمى بـ “العلاقة الشخصية” أمر حقيقي وموثوق به. ونظرت إلى ما كل ما قلته وفعلته لله وتساءلت: “هل حقيقة كنت أعني ما كنت أقوله؟” وبمعنى آخر: كيف يمكنني أن أقول أن لي إيماناً بالله في حين أنني أتساءل ما إذا كان هو موجوداً؟ إنني أسـمع عن أناس يُصلّون من أجل أمور معينة وأن الله أخبرهم بهذا وذاك، ولكنني أجد نفسي عندما أقول مثل هذه الأمـور الروحية بأنني أحاول فقط أن أقوم بالتأثير على أحدهم، أو ربما أشـعر بأنني غير أمين! أشعر بعدم ارتياح عندما أفكـر في هذا الأمر، وأظل أتساءل: “متى أسـتطيع فهم الأشياء فهماً صحيحاً؟ ومتى تسير الأمور سيراً حسناً بالنسـبة لي؟ ما هـو الخطأ فيّ؟”

وكتب قارئ آخر بنفس الروح الضعيفة متسائلاً: “ما إذا كانت العلاقة مع الله تحمل أي معنى؟ وقد وصف جده على أنه رجل إيمان يمضي كل يومه في الصلاة، وقراءة الكتاب المقدس، والكتب الدينية، ويستمع إلى العظات الروحية على شرائط كاسيت. وهو يمشي بصعوبة ويسمع بصعوبة، ويتناول الأدوية للتخفيف من آلام قدميه. ومنذ وفاة زوجته وهو يعيش بمفرده في حالة من الشك والارتياب، وينزعج من الفواتير أو الأنوار التي تُترك بدون استعمال. وعندما أنظر إليه لا أرى قديساً فرحاً بعلاقته مع الله، ولكنني أرى رجلاً عجوزاً متعباً يجلس فقط في انتظار موعد رحيله للسماء”. وقد اقتبس القارئ فقرة من كتاب للكاتب جارسون كايلور عن العمة العجوز ماري: “كانت تعلم أن الموت هو مجرد باب للملكوت حيث سيستقبلها يسوع ويرحب بها، وهناك لا يوجد بكاء ولا معاناة، ولكنها في ذات الوقت كانت تعاني من السمنة واعتلال بالقلب، وتعاني الوحدة مع كلابها الصغيرة، تسير في ترنح في منزلها الصغير المظلم، والممتلئ بالتماثيل الصينية الصغيرة”.

وآخر كتب موجزاً: “إنني أتساءل ما إذا كان التعبير المجازي “مولود ثانية” تعني مولود ناقص النمو”.

منذ فترة غير طويلة اجرينا تدريباً مع أعضاء مجموعة المناقشة التي أنتمي إليها، ووافقوا على أن يكتب كل واحد منا خطاباً مفتوحاً إلى الله، ويأتي به في اجتماعنا التالي. وعدت لأقلب في أوراقي لأجد خاطباً قد كتبته إلى الله منذ فترة غير بعيدة:

“عزيزي الله:

بالتأكيد انت لا تتصرف كما لو أن الله حي” – وهو نفس الاتهام الذي وجهه أصدقاء باتي إليها، وقد استحوذ على هذا السؤال منذ ذلك الوقت. هل أنا أتصرف كنا لو كنت أنت حياً؟

أحياناً أتعامل معك كمادة مخدرة، كالكحول أو الفاليوم، أحتاج إليه لتهدئة قسوة موقف معين، أو للتخلص منه. وأحياناً ساعياً لنسيان هذا العالم وأرغب في الذهاب إلى عالم غير مرئي، ومعظم الوقت أعتقد حقيقة أنه موجود، مثل هذا العالم الذي به الأكسجين، والخضرة، والماء. ولكن ماذا أفعل لكي يحدث العكس، ولكي أدع حقيقة عالمك أنت لأن تدخل إليّ وتحول حياتي اليومية المخدرة؟

وأعترف أنني أرى تقدماً في حياتي، إذ أراك الآن كشخص أحترمه أكثر مما أخافه. والآن أشعر أن رحمتك ونعمتك تؤثر فيّ أكثر من قداستك وخشيتك. وأعتقد أن هذا هو ما فعله يسوع من أجلي. لقد روضك لدرجة كافية لكي نتمكن من أن نعيش معاً في نفس القفص، بدون أن أظل في الركن طوال الوقت. لقد جعلك جذاباً وتستحق الحب. كما جعلني أنا جذاباً ومحبوباً لديك أيضاً. وهذا ما كنت أستطيع فعله من ذاتي، بل كان عليّ أن أصدق كلمتك. فمعظم الوقت أصدق هذا الأمر بصعوبة.

كيف أتصرف كما لو كنت أنت حياً؟ خلايا جسمي التي تعرق، وتتبول، وتكتئب، وتذهب للسرير ليلاً، كيف تحمل هذه الخلايا عظمة إله هذا الكون، بطريقة يمكن أن يراها الآخرون؟ كيف يمكنني أن أحب شخصاً بنفس الحب الذي أتيت به أنت إلينا؟

لقد أحببتك، وأحببت عالمك، وتعلمت كيف أتجاوب معه، ولكن كيف أوفق بين الاثنين؟ أعتقد ان هذه هي صلاتي: أن أؤمن بإمكانية التغيير. فلو أغلقت نفسي على ذاتي لن يحدث فيّ أي تغيير. لهذا؛ فغالباً ما يبدو الأمر وكأنه تعلم السلوك والتكيف مع البيئة كما يقول العلماء. كيف أمنحك الفرصة لتغيير طبيعتي من الداخل، وتجعلني أشبهك؟ هل هذا ممكن؟

من السهل عليّ أن أؤمن بالمستحيل، وبعبور البحر الأحمر، وبالقيامة، ذلك عن أن اؤمن، فيما يبدون أنه ممكن، بإشراق حياتك البطيء والثابت على أناس مثلي، ومثل جانيت، وديف، وماري، وبول. يا الله ساعدني لكي أؤمن بما هو ممكن”.

أذكر كيف اندهش جداً صديقي بول عند مطالعته لرسالتي تلك مع باقي المجموعة. وقال: يبدو أنه خطاب غير شخصي، بعيد ومؤقت. فما وصفته لا يتماشى مطلقاً مع شعوره بقرب الله منه. وعندما أحاول أن أتذكر رد فعله تثور شكوكي، وأتساءل: ما الذي يؤهلني لكي أكتب كتاباً باحثاً فيه علاقة شخصية مع الله. طلب مني أحد الناشرين كتاباً رعوياً، ولكنني لم أتمكن من كتابته، فأنا لست راعياً، بل سائح ورحالة يملأه الشك. ويمكنني فقط أن أقدم رحلة شخصية وفردية تعكس ما وصفه فردريك بوشنر على أنه “الشخص الذي يسير في طريقه وليس بالضرورة أن يكون قد سار لمسافة طويلة وفي ذهنه فكرة غامضة عمن يقدم له الشكر”.

لقد عشت معظم حياتي طبقاً للتقليد البروتستانتي الذي يؤكد على العلاقة الشخصية مع الله، وأخيراً قررت أن أكتب هذا الكتاب لأنني أريد أن أعرف بنفسي كيف تسير علاقتنا مع الله بطريقة صحيحة. وموقف التقليد الإنجيلي – شخص يبحث عن الله بمفرده، بدون وساطة رعاة، أو أيقونات، أو أي وسطاء آخرين – يناسب بصورة خاصة مزاج الكاتب. ورغم ذلك؛ فقد أستعين ببعض المراجع وأجلس مع بعض الحكماء، ولكن في النهاية أكتب أفكاري أنا، التي أؤمن بها. وهذا يشعرني بنوع من المخاطرة، لأن الحياة المسيحية لا تعني بأن يحياها شخص جالس بمفرده طوال اليوم متفكراً في الحياة المسيحية.

عندما أبدأ في كتابة أي كتاب آخذ المنجل وأبدأ في شق طريقي عبر الغابة، ليس لكي أعبد طريقاً للآخرين، ولكن لكي أجد طريقاً لي. هي سيتبعني أي شخص آخر؟ هل ضللت الطريق؟ فعندما أشرع في الكتابة فهذا يعني إنني لا أعرف إجابة محددة لتلك الأسئلة ولكنني أواصل استخدام المنجل.

فالصورة غير واضحة تماماً، لذا فعندما أشق طريقي أتبع خريطة وضعها آخرون من قبلي وهم “سحابة الشهود”. ونضالي في حياة الإيمان يعترف لهم بهذ الخدمة: لقد اجتازوا طريقاً طويلاً ومتميزاً من قبلي. وأجد نفس تعبيرات الشك والحيرة في الكتاب المقدس ذاته. فقد اتهم سجموند فرويد الكنيسة بأنها تُعلم أسئلة يمكن الإجابة عليها. وبعض الكنائس قد تفعل هذا، ولكن الله بالتأكيد لا يفعل ذلك. ففي سفر أيوب، وأخبار الأيام، وحبقوق، يطرح الكتاب المقدس أسئلة صعبة، ليس لها إجابة.

أثناء بحثي وجدت أن عظماء القديسين واجهوا الكثير من العقبات في الطريق، والمنعطفات، وطرق مغلقة، وهي تلك التي اختبرتها انا والتي عبّرت عنها بالخطابات التي وصلتني. وتتجه الكنائس الحديثة إلى إظهار بعض الشهادات لنجاحات روحية، ولا تتطرق إلى الفشل الذي قد يقود المجربين إلى حالة أسوء. وكذلك نجد أن الكتب والشرائط المسجلة (الكاسيت/ الفيديو) تركز على الانتصارات. ورغم ذلك؛ فإنها تحفر بعمق في تاريخ الكنيسة وسوف تجد قصة أخرى مختلفة عن أولئك الذين حاولوا أن يسبحوا ضد التيار، مثل سمك السلمون الأبيض.

يصف لنا القديس أوغسطينوس في اعترافاته، وفي تفاصيل دقيقة، يقظته البطيئة قائلاً: “كنت أود أن أتأكد من الأشياء التي لا أرها بنفس درجة تأكدي من أن 7 + 3 = 10”. ولكنه لم يصل إلى هذه الدرجة من التأكد. هذا العَالِم الذي عاش حياته في شمال أفريقيا في القرن الرابع الميلادي، رضيّ واقتنع بنفس القضايا التي تزعج المسيحيين اليوم: الإيمان لا يمكن رؤيته، وهزيمة الشك المستمر والمزعج للكنيسة.

في كتاب “السر المسيحي للحياة السعيدة” شجعت الكاتبة “حنة هويتال سميث” ملايين القراء، فترة حكم الملكة فيكتوريا، على أن يحيوا حياة روحية مرتفعة، ولكنها هي نفسها لم تجد السعادة مع أسرتها. فزوجها الذي كان إنجيلياً مشهوراً، قد اخترع معادلة جديدة للاستمتاع والنشوة التي تُشبع الاشتياقات الروحية عن طريق الاستثارة الجنسية. وفيما بعد انحرف إلى طريق الزنا وأنكر الإيمان. وظلت زوجته “حنة” معه، بينما هجر كل أبنائها الإيمان. فإحدى بناتها تزوجت الفيلسوف “برتراند راسل” وأصبحت ملحدة كزوجها. وقد وصف راسل حماته بأوصاف كثيرة، ولكنه لم يذكر أنها كانت مؤمنة منتصرة.

حضر المؤلف المعاصر “إيوجين بترسون” وهو في فترة المراهقة مؤتمراً دينياً، حيث كان الناس يلتقون كل صيف على ضفاف بحيرة. وكانت لهم قوة روحية ملتهبة، واستخدموا عبارات مثل: “الحياة العميقة”، و”البركة الثانية”. وعندما راقب بترسون حياة هؤلاء الناس لاحظ نوعاً من الاستمرارية بين روحانيتهم الشديدة في المؤتمر، وحياتهم اليومية في المدينة. “فأمهات أصدقاؤنا اللاتي كن زناة قبل الإيمان، واستمروا كذلك. ومدرس التاريخ بلنجتون الذي كان يتمتع بالاحترام في المؤتمر لم يتخل عما كان يفعله من تصرفات وضيعة في المدرسة الثانوية، بل أنه كان أسوء من باقي المدرسين.

لا أذكر هذا النوع من الفشل ليك أثبط من إيمان أي شخص، ولكن لكي أضيف جرعة من الواقعية للدعاية الروحية التي تعد بأكثر مما يمكنها أن تعطي. إن فشل الكنيسة يثبت العقيدة التي نؤمن بها. فالنعمة كالمياه، تجري إلى الأعماق، ونحن في الكنيسة لدينا الاتضاع والندم، لنقدمه للعالم، وليس وصفة نجاح. غالباً ما نصرّح في مجتمعاتنا الناجحة شكلياً، أننا فشلنا ونفشل، وسنفشل. والكنيسة في عام 3000 سوف يكون لديها نفس مشكلات عام 2000، أو تلك التي كانت عام 1000، ولهذا فنحن نعود إلى الله بيأس مفرط.

يقول س. إس. لويس: “إن للمسيحي امتياز عظيماً يميزه عن باقي الناس، ليس لأن لديه سقطات أقل، بل لأنه يعلم أنه إنسان ساقط في عالم ساقط”.

عندما بدأت كتابي هذه، ذهبت إلى بعض الأصدقاء الذين أحترمهم كمسيحيين. بعضهم قادة في كنائسهم، وقلة منهم لهم شهرة قومية. وآخرون مواطنون عاديون في هذا العالم وهم متمسكون بإيمانهم. وسألت هذا السؤال: “إذا جاءك باحث وسألك كيف أن حياتك كمؤمن/ كمؤمنة تختلف عن حياة الآخرين غير المؤمنين… ماذا تكون إجابتك؟ وأردت أن أسمع ما إذا كان إيمانهم قد لهم شيئاً ما غير الفشل في تحقيق الأحلام، وربما بعض الأمل في التغيير إن لم يحدث ذلك، فلماذا إذاً أهتم بهذا؟

بعض الناس ذكروا تغييرات محددة. قال أحدهم: “بسبب معرفتي بالرب لم ينهار زواجي، بالرغم من المشاكل الكثيرة التي لم تُحل”. وقال آخر: “لقد تأثر استخدامي للمال أيضاً.. فبحثت عن طرق لمساعدة الفقراء بدلاً من التفكير في رغباتي الذاتية فقط”.

وتحدثت امرأة كانت قد اجتازت عملية جراحية في الصدر، تحدثت قائلة عن قلقها: “لم أتمكن من التوقف لاستئصال الورم السرطاني، وانزعج  الآن على أولادي الذي ضلوا الطريق. إنني أعلم أنه لا فائدة من هذا القلق ولكنه يحدث لي. أنا أعلم أنه يوجد لديّ نوع من الثقة في الله، ورغم ذلك فقد تبدو خادعة وأؤمن أيماناً عميقاً أن الله مسيطر على الموقف. البعض يُسمي هذا النوع دعامة أو عكازاً، وأنا أسميه الإيمان. فبالنسبة للشخص الأعرج هناك شيء واحد أسوء من العكاز وهو أن يسير بدون عكاز”.

درجة أخرى من درجات الإحساس بحضور الله هي الإحساس بأنك لست وحدك: “عليّ أن أميل أذني لأسمع الله يتحدث، أحياناً يتحدث أفضل في السكون، ولكنه يتحدث”. قال أحدهم أنه يستطيع أن يكتشف التقدم الروحي بالنظر إلى الوراء”. أعرف ما إذا كانت النار قد شبّت في منزلي، فسوف أندفع لإنقاذ مذكراتي اليومية. إنها من أعظم ممتلكاتي، وهي سجل لعلاقتي مع الله. لقد كانت هناك بعض اللحظات الدرامية ولكن كان هناك أيضاً الكثير من اللحظات الحميمية معه. وعندما أقرأ الآن هذه المذكرات لاستعادة الأحداث الماضية، يمكنني أن أرى يد الله في حياتي”.

وصفت ممرضة كانت تعمل في نزل للمسافرين، وصفت نتائج الإيمان التي تكون واضحة بالقرب من سرير المريض الذي يكون قد مات: “إنني أرى فرقاً في كيفية تعامل الأسر المؤمنة مع الموت. بالطبع هم يحزنون، ويبكون، ولكنهم يعانقون بعضهم بعضاً، ويصلون ويرنمون، إنهم غير مرتعبين. أما بالنسبة لغير المؤمنين، فالموت هو نهاية كل شيء، إنهم يقفون معاً، ويتحدثون عن الماضي. أما المؤمنون فإنهم يذكرون بعضهم بعضاً بأنه يوجد مستقبل ينتظرهم”.

لربما كانت أكثر الاستجابات تأثيراً من صديق  اسمه معروف في الأوساط المسيحية. إنه مسؤول عن برنامج إذاعي، ويُعطي النصائح الكتابية كل أسبوع، ومع ذلك فقد اهتز إيمانه في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد مرض كاد أن يقضي عليه. وفي البرنامج الإذاعي بدأ يجيب على الأسئلة بصوت مرتفع متقطع، كما لو أنه يجيب على المستمع على الهواء مباشرة. ورغم ذلك، ففي هذه المرة فكر لبعض الوقت قبل أن يجيب، ثم قال لي:

ليست لديّ مشكلة في أنني أؤمن بصلاح الله. وسؤالي هو: أي صلاح هو؟ لقد سمعت منذ فترة أن ابنة “بيللي جراهام” كانت تجتاز في بعض المشكلات الزوجية، ولهذا سافرت عائلة بيللي جراهام إلى أوروبا لكي تلتقي معهم وتصلي من أجل الزوجين. وانتهى الأمر بالطلاق. فإذا كانت صلاة بيللي جراهام لم تُستجب فما فائدة صلاتي أنا؟ وأنظر لحياتي… مشكلاتي الصحية، وخلافات بناتي، وزواجي. إنني أصرخ إلى الله طلباً للمعونة، ويصعب عليّ معرفة الطريقة التي يجيبني بها، وفي الحقيقة، كيف إذاً نعتمد على الله؟

صدمني السؤال الأخير، وكأنه رصاصة قد استقرت بداخلي. أعرف لاهوتيين سوف يندهشون من هذه العبارة، ويعتبرونها علامة عن الإيمان المرتكز على الذات. ومع ذلك؛ فإنني أثق أنها تقع في قلب التحرر من الوهم مع الله. ففي كل علاقاتنا الشخصية – مع والدينا وأطفالنا، وأمناء المخازن، وعمال الغاز، والرعاة، والجيران – لدينا فكرة عما نتوقعه. ماذا عن الله؟ ماذا يمكننا أن نجني من علاقتنا الشخصية معه؟

كان شريك غرفتي لمدة عامين في الكلية المسيحية ألمانياً يُدعى رينر Reiner، وبعد التخرج عاد إلى ألمانيا وقام بمهمة التعليم في معسكر للمعاقين، مستعيناً بما تعلمه في الكلية، وألقى عليهم محاضرة حماسية عن الحياة المسيحية المنتصرة قائلاً: “وبالرغم من الكرسي المتحرك الذي تجلس عليه، فيمكنك أن تتمتع بحياة الانتصار. فالله يعيش بداخلك”. قال هذا لمستمعيه من المشلولين، والمعاقين ذهنياً. ووجد أن هذا أمر محبط بالنسبة لهم. فرؤوسهم كانت ترتعش والبعض سقط عن كرسيه، وكان لعابهم يزبد.

ووجد هؤلاء الشباب أن الاستماع لـ راينر أحبطهم، فذهب البعض منهم إلى “جراند” مدير المعسكر، واشتكوا من عدم قدرتهم على فهم ما يقوله لهم راينر، فطلب منهم المدير أن يبلغوا راينر بذلك.

إحدى السيدات استجمعت شجاعتها وواجهت راينر، وقالت له: “إنك تشبه من يتكلم عن الشمس، ونحن في غرفة مظلمة، ليست بها نوافذ. لا نستطيع أن نفهم أي شيء مما تقوله. لقد تحدثت عن الحلول وعن الأزهار بالخارج، وعن النصرة، وهذه أمور لا تتناسب مع حياتنا”.

انسحق صديقي راينر إذ كانت الرسالة واضحة للغاية بالنسبة له، لقد كان يقتبس مباشرة من رسائل بولس… أليس كذلك؟ وجُرحت كبرياؤه، لقد فكر أن يأتي إليهم بعصا روحية: هناك خطأ في حياتكم وتحتاجون لأن تنمو في الرب وتنتصروا على محنتكم.

المفاهيم تَخْلُق الأصنام، فقط الذي يتمنى أن يعرف يفهم أي شيء.

غريغوريوس النيصي

وبعد ليلة قضاها راينر في الصلاة عاد إليهم برسالة مختلفة وقال لهم في الصباح التالي: “أن لا أعرف ماذا أقول. إنني مرتبك، وبدون رسالة الانتصار لا أعرف ماذا أقول” وظل صامتاً.

فإذا بالمرأة التي واجهته تتحدث من الغرفة المملوءة بالمعاقين قائلة: “الآن قد فهمناك، وعلى استعداد لأن نسمعك”.

 

ولادة ثانية في وضع خاطئ – فيليب يانسي

الفردوس المفقود – فيليب يانسي

الفردوس المفقود – فيليب يانسي

الفردوس المفقود – فيليب يانسي

الفردوس المفقود – فيليب يانسي

 

“في أعماق قلب كل إنسان منذ ولادته وحتى مماته، يوجد شيء ما لا يُقهر متوقعاً، إنه في قلب كل جريمة تُرتكب أو يعاني منها، يشعر سراً بأن الأمر الصالح وليس الشرير هو الذي سيحدث…. ومصدر هذا الشعور هو أمر مقدس داخل كل إنسان”.

سيمون ويل

في اليوم الذي انتُخب فيه بيل كلينون للفترة الأولى، انتقلت إلى الفردوس، قمت بقيادة السيارة ومعي زوجتي، محملة ببعض الأوراق على المقعد الخلفي وسرنا عبر ولايتي أيوا، ونبراسكا متجهين إلى منزلنا في كولورادو. وفي اليوم التالي عند الغسق افرغنا ما معنا في السيارة لحين مجيء عربة الشحن التي بها أدواتنا من فردوس رائع.

وفي الأسابيع التالية بدأت أنظم كتبي ومكتبي وبدأت العمل في كتاب كنت قد بدأت كتابته في شيكاغو. يا له من فرق كبير بين ما أراه هنا في كولورادو عندما أتطلع من الشباك وبين شيكاغو. في شيكاغو كنت أعمل في بدروم وعندما كنت أنظر من النافذة كنت أرى أرجل الناس فقط وهي تسير. وكنت أرى الحمام والسنجاب والكلاب التي كانت تترك بقاياها لننظفها. أما هنا في كولورادو فكان يزورنا يومياً الغزلان والثعالب الحمراء والطيور.

كل فصل كانت له مسراته. في فصل الشتاء كنت أسير على الجليد خلف منزلنا محاولاً التعرف على آثار أقدام الحيوانات متتبعاً إياها إلى منازلها وسط الصخور والأشجار. وفي الربيع والصيف تظهر الزهور على التلال. وفي الخريف كانت تظهر الحيوانات لتحاول جمع غذائها قبل الشتاء.

ثم اكتشفنا الجانب الآخر من هذا الفردوس. فعندما كنا نقود السيارة إلى وايمنج لحضور حفل زفاف أحد الأصدقاء اكتشفنا وجود خمسة عشر حفرة بجوار منزلنا. وعندما سألنا الجيران قالوا أننا سمعنا أصوات طرق فاعتقدنا أنكم تبنون أرضية للمنزل. وفي الصباح التالي عند الساعة الخامسة عرفنا سر هذا الصوت عندما رأينا طائر نقار الخشب حول المنزل.

وفي الربيع زرعنا بعض الأشجار وحرثنا التربة ووضعنا بعض السماد ورويناها بالماء. وبعد فترة ازدهرت حتى جاء قطيع من الأيائل وأكل هذه الفروع التي أزهرت.

وجاء السنجاب ليتسلق المدخنة والمواسير، ثم جاء حيوان الراكون ومزق الألواح الخشبية بالسقف وتشوه الفردوس مثلما يحدث للعالم من حولنا، وتخيلت اجتماعاً عقدته الحيوانات عندما بدأ العمال في بناء منزلنا في الغابة: “البشر قادمون! السنجاب والراكون مسؤولان عن السقف، ونقار الخشب مسؤول عن الأشجار….”.

وفي كولورادو اكتشفت قصة الكون. العالم مكان جيد. العالم سقط، العالم يمكن فداؤه. وتعلمت الدرس الأول عندما جئت إلى هنا من مجرد نظرتي من النافذة، ثم تعلمت الدرس الثاني تدريجياً عندما تآمر الفردوس على سكانه من البشر. ومنذ ذلك الوقت بدأت العمل لإصلاح ما حولي: عندما علقت ثعابين من المطاط، وبومة من السراميك، وسنطأ بلاستيكية للزبالة لكي أخيف نقار الخشب، وبوضع مصيدة للفئران، ورش الأزهار والنباتات والأشجار بالكيماويات.

هذه الدورة من الصلاح والسقوط والفداء تنطبق على كل شيء في هذا الكون. الجنس، الأسرة، الكنيسة، الاقتصاد، الحكومات. وفي الحقيقة كل شيء يلمسه الإنسان تخرج منه الرائحة الأصلية للصلاح ثم الرائحة الكريهة للسقوط ثم يحتاج إلى الفداء والتوبة. وهذه هي “الخطة” والفكرة الرئيسية المقدمة في الكتاب المقدس، وهي خطة كل التاريخ.

العالم حسن وجيد. وبعد كل عملية في الخلق في سفر التكوين يقول “ورأى الله أن كل شيء حسن”.

ومن مكاني المفضل في غرفة زجاجية على تلال روكي استمع للموسيقا الهادئة من حولي، وفي هذا الجو الشاعري لا أجد صعوبة في فهم وتصديق أن كل شيء حسن. وفي ظرف ساعة واحدة رأيت ثعلباً يسير بكل قسوة على سنجاب رمادي كان يجلس على فرع شجرة. والعصافير تنتقل من شجرة إلى أخرى. ورجعت إلى سفر المزامير وإلى ترانيم الحمد التي كتبها داود في بيئة جميلة مثل هذه ونسمع منها صدى العبادة الروحية.

في العطلة الأسبوعية الماضية في رحلة إلى شيكاغو حضرت حفلاً موسيقياً وقدمت الأوركسترا حفلتين، واحدة من موسيقا موزارت والثانية أنطوان بروكنر. وكان الذي يغني السوبرانو إيطالي وآخر ألماني، أما التينور فهولندي وكان يقود الجميع دانيال بارنبويم وهو يهودي أرجنتيني وقادهم في عرض رشيق تسانده الآلات والأصوات من أوركسترا شيكاغو السيمفونية.

ورنموا “مجداً لله في الأعالي” وأعطوا مجداً لمن جاء من السماء، حمل الله الذي رفع خطية العالم. وعندما رنم الموسيقيون انفتحت أبواب السماء. وأنا جالس في هذه الصالة الفخمة وأستمع إلى هذه الموسيقا العذبة، ليست لدي مشكلة في أن أثق بأن هذا العالم حسن وجيد.

وبعد عشر ثواني خارج صالة الموسيقا ثارت شكوكي الكامنة. وعلى جانبي الطريق ظهر أناس شرسون يريدون الاعتداء على الأثرياء الذين حضروا الحفل الموسيقي. والليلة الماضية غطى الجليد كل شيء. وسائقو التاكسي بدأوا في الصياح والشجار معاً بحثاً عن مكان لسياراتهم. ورجعنا إلى حالة الفوضى ثانية وهي واقع العالم.

إنه شر الإنسان الذي يفسد حُسن وجمال هذا العالم. إن الناس في شيكاغو يتشردون بسبب الحاجة للعواطف والمشاعر وليس بسبب الحاجة للمكان أو الموارد. وبالمثل، فالعالم ينتج ما يكفي من الطعام ليغذي كل البشرية، ولكن الناس تموت جوعاً كنتيجة للطمع والظلم.

فمنذ أوغسطينوس وما بعده، أصر اللاهوت المسيحي على أن ما نسميه الأشياء السيئة هي في الواقع أشياء حسنة ولكن أسيئ استخدامها. الكذب يُغلف الحق، والفساد الجنسي يلطخ جمال الحب الجسدي، والشراهة والنهم تُفسد الطعام والشراب. إن الشر يجب أن يبتعد عن الخير إذ ليس له القدرة لخلق أي شيء جديد. وكما قال س. إس. لويس: “إن الفرح هو من اختراع الله وليس نحن. إنه هو الذي صنع كل هذا الفرح والسرور: وكل مجهوداتنا وبحثنا حتى الآن لم تمكنّا من أن نصنع شيئاً واحداً مثله”.

وبالطبع، أشياء كثيرة في هذا العالم لا تبدو أنها جيدة. ومع ذلك، فقد تعلمت أن أتطلع إلى ما وراء السلبيات الظاهرة الى الأمور الحسنة المختفية بدءاً من الجسم الإنساني. وتعلمت من الدكتور بول براند الذي شاركني في تأليف ثلاثة كتب، أن أصادق الكثير من الأمراض الجسدية التي نعتبرها أعدائنا.

فكل نشاط لأجسادنا الذي ننظر إليه بنوع من الغضب والضيق والاشمئزاز مثل البثور، والتورم، والحمى، الانفلونزا، السعال، القيئ…. إلخ، كل هذه الأمراض تبين قدرة الجسم على المقاومة والحماية. وبدون هذه الإشارات التحذيرية والخطوات الحرجة في عملية الشفاء، لكنا نعيش في خطر عظيم.

وآلامي العاطفية تكشف أيضاً عن أمور طيبة مختفية. ما هي ميزة الخوف؟ وأحاول أن أتخيل رياضة تسلق الجبال أو التزحلق على التلال بدون أن يحميني هذا الخوف ويحفظني من أي إهمال قد يحدث. أو قد أفكر في عالم بدون وحدة وعزلة، شكل من أشكال الألم الذي شعر به آدم قبل السقوط. هل يوجد الحب والصداقة بدون شعور داخلي يحثنا على ذلك ويبعدنا عن التفكير في الرهبنة والنسك؟ إننا بحاجة إلى قوة الشعور بالوحدة لكي تدفعنا لمصادقة الآخرين.

إن المشاعر السلبية قد يكون لها قيمة إيجابية إذا استجبنا لها بطريقة حسنة. وفي كلمات الطبيب النفسي جيرالد ماي ما يلي: “في الحقيقة إن حاجتنا لتحقيق الذات هي أثمن موهبة لدينا. إنها مصدر مشاعرنا وعواطفنا وإبداعنا وبحثنا عن الله. وكل الأمور الجميلة في حياتنا تأتي من اشتياقاتنا الإنسانية وشعورنا بعد الاكتفاء”. كلما ازداد حبنا ازدادت معاناتنا. ونحن نبتعد عن الموت لأننا نريد أن نحيا. وقد تعلمت تقديراً ثابتاً للأمور الحسنة في هذا العالم، هناك شيء حسن في الشيء السيء المتبقي.

فعندما يحدث أمر سيء، سوء تفاهم مع زوجتي أو صديق لي أو شعور بالذنب لأنني لم أؤدِّ مسؤولية ما، أحاول أن أنظر لهذا الأمر تماماً مثلما انظر لألم جسدي، كإشارة وتنبيه لي لكي أستعد لأمر يحتاج لتغيير. وأحاول أن أشكر ليس الألم ذاته بل الفرصة للاستجابة لاستخراج ما هو جيد مما قد يبدو سيئاً.

لقد سقط العالم. وفيلم الوادي الكبير يظهر بوضوح سقوط العالم بكلمات ربما أُخذت من القديس أوغسطينوس. ويحكي الفيلم قصة سائق شاحنة بمقطورة ويدعى داني جلوفر هدده خمسة مشاغبين وهو يحاول إنقاذ سائق موتوسيكل مرعوب فيقول: “يا رجل، لا يجب أن يكون العالم بهذه الصورة. ربما لا تعرف ذلك، ولكن لا يجب أن تسير الأمور هكذا. من المفروض أن أؤدي عملي بدون إذن منك. وهذا الرجل يجب أن يتمكن من الانتظار بسيارته دون أن تأذنوا له. كل شيء يجب أن يختلف عما هو عليه هنا”.

وفي الأزمنة المتفائلة يجب على المؤمنين أن يجعلوا هذا العالم الساقط قضيتهم. وأولئك الذين لهم النظرة المتفائلة للطبيعة الإنسانية والذين كانت لهم رؤية ثابتة للتقدم نحو خلق “إنسان اجتماعي جديد”، سقطوا في صحراء سيبيريا في المنطقة القطبية الشمالية وفي سهول الصين وربما وصل عدد جثثهم إلى مائة مليون. والآن، فالولايات المتحدة، التي كانت مرة الأمل المشرق لأوروبا المتعبة، ها هي تقود العالم بمقاييس مختلفة من العنف والفوضى الاجتماعية.

وما قاله سائق الشاحنة تقوله المبادئ المسيحية عن سقوط الإنسان: “إيها الأنسان، لا يصح أن يكون العالم هكذا…” وإذا كان الله قد خلق العالم في أحسن صورة فلا بد وأن شيئاً ما قد انحرف. وكلمة سقوط – والتي لم تُستخدم في الكتاب لوصف ما حدث لآدم وحواء – حققت مكاناً مركزياً في اللاهوت لأنها تبدو ملائمة لذلك. فقد وصل آدم وحواء إلى مكانة عالية، ثم فقدا توازنهما، ونزلا إلى الأرض بارتطام شديد.

ولدى اليونانيين قصص مشابهة، فقد سرق رجل يدعى برومثيوس ناراً تخص الآلهة، ثم صعد ولد يدعى إيكاريوس إلى أعلى بأجنحة من الريش وسقط وارتطم بالأرض، وامرأة تدعى باندورا فتحت صندوقاً سرياً للآلهة. وفي كل هذه القصص تتقدم الشخصيات بطريقة ما ولكنها تسقط بشدة. أما آدم وحواء سقطا بسرعة عندما عرفا الخير والشر وجلبا الشر للعالم، وبهذا خسرا فرصة الحياة كما كان يريدها الله.

وفي أزماننا، تكرر التكنولوجيا نفس دورة آدم وحواء، بارمثيوس، وإيكاريوس، باندورا لقد سيطرنا على الذرة ولكن محونا أنفسنا. إننا نتعلم أسرار الحياة فقط لكي نطور أساليب التدمير للأجنة والمسنين. لقد عرفنا الخريطة الجينية وفتحنا صندوق باندورا الأخلاقي. واستأنسنا السهول العظيمة بالصين بزراعتها، وتمكنا من إحداث فيضانات على الغابات وأذبنا الجليد. وربطنا العالم بالإنترنت فقط لنجد فيها أمور فاحشة. وكل تقدم يُدخل نوعاُ من السقوط.

أحد الذين بقوا أحياء من معسكرات النازي ويدعى بريمو ليفي قال: “لم يعط الإنسان الفرصة لكي يتمتع بسعادة غير ملوثة”. وهذا حقيقي. ولا يمكننا أن نعرف محبة أو صلاحاً أو أي شيء آخر غير ملوث. بسبب سقوط آدم تلوث كوكب الأرض كله. كل الاختيارات بها أمر خاطئ. ونحن نبذل جهداً لاختيار أقلها ضرراً. “ومع ذلك…” هاتان الكلمتان – طبقاً لما يقوله إيلي ويسل – تستخدمان دائماً، فحتى في عالم قد سقط بإمكاننا أن نرى لمحات من الحسن الأصلي الذي خُلق به.

كتب الفنان فان جوخ رسالة لأخيه ثيو يقول فيها: “أشعر بطريقة متزايدة أننا لا يجب أن نحكم على الله بما نراه في هذ العالم، إنها مجرد دراسة لم تنته. ماذا بإمكانك أن تفعل بدراسة خاطئة؟ – فإذا كنت معجباً بالفنان، فلن تجد لديه ما تنتقده – وتمنع لسانك عن الكلام. ولكن لك الحق ليك تطلب شيئاً أفضل.

وفيما بعد أضاف فان جوخ ما يلي: “لقد تحطمت هذه الدراسة بعدة طرق” إن السيد فقط هو الذي بإمكانه أن يُحدث مثل هذا الخطأ الفادح، وربما يكون هذا هو أفضل عزاء لنا في هذا الأمر، لأننا في مثل هذه الحالة يكون لنا الحق في أن نأمل بأن نرى نفس هذه اليد الخالقة ستصنع ما هو أفضل. فالأخطاء والأمور الناقصة في العالم وفي فان جوج نفسه أوجدت فيه دافعاً للأمل والرجاء.

يمكن للعالم أن يُفتدى. قالت الكاتبة الروائية مارلين رولنسون: “إنه لأمر حقيقي بالنسبة للعالم المسيحي وللبشرية أيضاً أن الإنسان سقط بسرعة بعد خليقته ليجعل من المسيحية والسقوط حادثتين في حادث واحد. فالموضوع المتكرر في الكتاب المقدس هو دائماً إنقاذ الإنسان، سواء كان نوح وأسرته، أو شعب إسرائيل أو فداء المسيح. والفكرة تقول أن هناك أملاً باقياً وهو أثمن من أن نفقده، وهو الذي سيحي البشرية، وقد كان دائماً أملاً جديراً بالثناء”.

وقد اخترت بعناية كلمة يُفتدى، لأنني أعلم أنه بمرور ضعف قيمتها. في الثقافة التي يُسمح فيها بوجود عبيد، استقر المترجمون الأوائل للكتاب المقدس على الفداء كأقوى صورة لما هو لدى الله ليعطيه للبشر. هل هناك أية صورة أخرى يمكن أن تعبر عن نعمة الله أكثر من شراء عبد لكي تطلقه حراً؟ ولكننا اليوم نحن نفتدي (نحرر) الرهانات والساعات وليس العبيد. لقد كادت الكلمة أن تفقد معناها.

ومع ذلك فلا توجد كلمة أخرى تناسب هذا المعنى. وكلمات مثل يسترد، يُصلح، يعيد خلق، وكلها تشير إلى الأصل الحسن الذي وعد الله يعيد إقراره، كلها كلمات تحتاج إلى معنى جديد. فالعبد الذي تحرر (وافتُدي) لم يُفتد أو يُسترد تماماً وحقيقة: فما زال يحمل جروح الكرباج الذي ضُرب به وصدمة وألم العذاب الذي عاناه في المنزل والأسرة والقارة إلى أن بيع في سلاسل إلى سيده. وبسبب هذا الضيق وهذه الصدمة، فالحرية تعني الكثير لهذا العبد المتحرر أكثر من أي معنى كان في ذهنه من قبل.

بالرغم من كل المصاعب – أو ربما بسببها – فإن شيئاً ما تقدم وتطور. ولمحات الكتاب المقدس عن حالتنا الأبدية توضح أن ما نحتمله على الأرض الآن، وكيف نستجيب له، سوف يكّون هذه الحالة، ويظهرها، وسوف نتذكرها هناك. حتى يسوع المقام احتفظ بجراحه.

إن الفداء لا يعد بإحلال شيء مكان آخر بل التغيير الذي يستفيد مما كان قبلاً. وسوف ندرك تخطيط الله الذي أصلح الأصل مثل الكاتدرائية التي يُعاد بناؤها بعد تدميرها بالقنابل. ويتضمن الفداء نوعاً من الكيمياء أو حجر الفلاسفة الذي يصنع ذهباً من التراب وفي النهاية سوف يتحول الشر إلى أداة للخير.

ويشترك اليهود والمسيحيون في وجهة النظر التاريخية هذه مع اختلاف واحد مهم. فيقبل اليهود فكرة صلاح وسقوط العالم، في حين أن المسيحيون، يرون التاريخ يحقق غايته بطريقة مُشابهة لبدايته. ففي حين ان سفر الرؤيا يرسم صورة لهذا العالم الذي اُفتدي، فهو يستعير مشاهد من أنبياء العبرانيين وينتهي بنفس المشهد الطبيعي الموجود في سفر التكوني.

جنّة، أشجار، نهر، سلام، حضور الله. والفرق في مدة آلاف السنين – أثناء فترة معاناتهم التي أظلمت تاريخهم الطويل – يستغيث اليهود طلباً لوعد الفداء بمجيء المسيا. بينما يؤمن المسيحيون أن المسيا قد جاء فعلاً وحقق ما لم يتحقق في موعده.

وفي كتابه “الصناع” قارن، أمين مكتبة الكونجرس دانيال بورستن، النظرة اليهودية المسيحية بالطرق الأخرى للنظر للعالم. فالبوذيون لا يهتمون كثيراً بالبدايات والنهايات وبدلاً من ذلك يحاولون الهرب من مشاكل هذا العالم. والهندوس والمسلمون يستسلمون للفكرة. ويقول بورستن: إن العلم والفن ازدهرا في التربة اليهودية والمسيحية بسبب ميلنا الفطري للنضال ضد هذا العالم المرتبك، وتنبع هذه الفكرة من الاعتقاد بأن لنا دوراً يجب أن نلعبه في فداء هذا العالم. الوقت مهم، والتاريخ مهم والأفراد مهمون. ونحن نتحرك نحو الفداء.

حتى الحركات التي تُنكر القصة المسيحية تقتبس منها بعض العناصر. فحركة التنوير وعدت بحركة فدائية تتجه نحو يقظة جديدة، والرومانسية سعت لتغطية البراءة الأصلية، والشيوعية وعدت بطريقة ضد السقوط بدون الحاجة للفداء. إن النساء والأقليات، والمعاقين، والناشطين في حقوق الإنسان والبيئة، كل هؤلاء يستمدون قوتهم الأخلاقية من قوة القصة المسيحية التي تعد بالفداء للمظلومين والمستعبدين.

ومع ذلك فالقصة المسيحية تحتاج إلى عناصر ثلاثة لكي تكتمل. افصل أي حلقة، تنفك السلسلة. فينكر الكثيرون اليوم أن الله الصالح هو الذي خلق العالم وبه الكائنات البشرية التي تلعب دوراً رئيسياً، ونتيجة لذلك يجدون صعوبة كبيرة في التمييز بين الخير والشر، وماله قيمة

“القلب نفسه ما هو إلا وعاء صغير، ومع ذلك فالتنين هناك والأسود أيضاً. وتوجد هناك الوحوش السامة وكل كنوز الشر. ولكن الله أيضاً موجود هناك، والملائكة والحياة والملكوت، النور والرسل، والمدن السماوية وكنوز النعمة – كل هذه الأشياء هناك”.

مقاريوس

وما ليس له معنى. (يقول الناشطون من أجل حقوق الحيوان أن الإنسان ليس له قيمة أكثر من خنزير). وكما ذكرت سابقاً، فإنني أسخر من المتفائلين الذين ينكرون سقوط الإنسان ويرسمون صورة وردية عن القوة الكامنة في الإنسان وينتهون إلى خلق أسوء المآسي التي رآها العالم. وأولئك الذين لا أمل لهم في الفداء يصلون إلى فكرة عن التاريخ كتلك التي كانت لماكبث: “إنه قصة سردها غبي أحمق، مملوء بالغضب، وقصة لا معنى لها”.

وتصر القصة المسيحية على أن التاريخ يتجه نحو حل. فكل شرارة جمال وهي ذات قيمة ومعنى جديد نختبره في هذا الوجود الغريب يسطع كأثر مقدس لعالم صالح ما زال يحمل آثار خلقه الأصلي الأول. وكل ألم، وقلق، وقسوة، وظلم هو علامة من علامات السقوط والبعد عن الخطة التي رسمها الله. وكل إعلان للحب والعدل والسلام والمشاعر هي حركة نحو فداء هذا العالم واليوم الذي قال عنه الرسول بولس: “الخليقة كلها سوف تتحرر من عبوديتها وتتمتع بحرية مجد أولاد الله”.

الفردوس المفقود – فيليب يانسي

يوم الجمعة العظيمة ثمار ومعاناة – فيليب يانسي

يوم الجمعة العظيمة – فيليب يانسي

ثمار معاناة يوم الجمعة العظيمة – فيليب يانسي

يوم الجمعة العظيمة ثمار ومعاناة – فيليب يانسي

 

“في كل المآسي الدرامية القديمة، سواء التي عاشوها فعلاً أو التي مُثلت على المسرح، نكتشف نفس النموذج: البطل – سواء كان الإسكندر أو أوديب – يصل إلى القمة ثم يهبط ويموت. أما في مأساة يسوع نجد نموذجاً عكسياً: فالبطل يموت لكي يحيا ويقوم”.

توماس كاهيل

في بداية هذا الكتاب اخبرتكم عن صديق قال لي: “ليست لدي أية مشكلة في الإيمان بأن الله صالح. ولكن سؤالي هو: أي صلاح هذا؟ عندما أصرخ طلباً للمعونة، يصعب عليّ معرفة كيف يستجيب. في أي شيء يمكننا أن نعتمد على الله؟” وهذا السؤال يكمن في خلفية كل فصل وهو دافعي الحقيقي لكتابة هذا الكتاب. وفي كل العلاقات الشخصية الأخرى لدينا فكرة عما نتوقع ونستند عليه. ماذا عن الله؟

ووجدت لمحة للإجابة على السؤال في عبارة كتبها دالاس ويلارد، الذي يشتمل كتابه “المؤامرة السماوية” على هذه الكلمات: “لم يحدث أي شيء لنا لا يمكن فداؤه أو يمكن أن يحدث لنا مستقبلاً في طريقنا إلى الأبدية”. العالم حسن وصالح، العالم سقط، العالم يمكن فداؤه. ويؤكد ويلارد أن نفس هذه الخطة تنطبق ليس فقط على هذا الكون ككل ولكن على كل شخص من أتباع الله. لا شيء مما نواجهه خارج نطاق قوة الله للفداء.

وفي أسلوب الله الساخر، ما نعتقد أنه عيب قد يكون ميزة، وهذه هي حقيقة أكدها الرب يسوع في كل قصصه تقريباً وكل اتصالاته الإنسانية. فقد أنقذ السامري الصالح – ولم ينقذه القادة الدينيون – كمثل للرحمة. كما أنقذ المرأة السامرية، المرأة التي كان لها خمسة أزواج والسادس ليس زوجها.

وأشار إلى قائد المئة الوثني كنموذج للإيمان، وخلص جابي الضرائب الشره الذي يدعى زكا وجعله نموذجاً للكرم. وعندما قارب على ترك هذا العالم، ترك إرساليته إلى تلاميذه وهم مجموعة من الفلاحين غير المتعلمين يقودهم بطرس الخائن. وفي كل هذه الاختيارات كان يؤكد على سخرية الفداء.

وبعد تجربة الكثير من المحاولات الفاشلة للعلاج من شرب الخمر، فهم بيك ولسون سخرية الفداء. وتوصل إلى الاقتناع الأكيد بأن السكير يجب أن يُضرب بقوة لكي يرتفع لأعلى. وكتب لزملائه ما يلي: “إنه لامتياز عظيم لنا أن نفهم جيداً هذا التناقض السماوي الظاهري بأن القوة تنبع من الضعف، والذي يحدث قبل القيامة: والألم ليس هو فقط الثمن بل هو حجر الإنقاذ للولادة الروحية”.

وتستمر السخرية عبر الشفاء. ومع أن السكير قد يصلي في يأس لكي يتخلص مما هو فيه، فقليلون من السكيرين أو مدمنين آخرين يحدث لهم شفاء معجزي. ومعظمهم يناضلون ضد التجربة كل يوم في حياتهم. إنهم يختبرون النعمة ليس كجرعة سحرية بل كبلسان تظهر قوته كل يوم بالاتكال الواعي على الله.

يعيش كل إنسان على الأرض وله حالته المتفردة والخاص من الصعوبات: فقد يظل أعزباً بينما الزواج هو هدف دائم، أو يعاني من إعاقة جسدية، أو فقر إيذاء جسدي في طفولته، تفرقة عنصرية، مرض مزمن، تفكك عائلي، إدمان، طلاق، فإذا نظرت إلى الله كما يراه Zeus (كبير الآلهة لدى اليونان) يطلق الصواعق على البشر البائسين الذين على الأرض، فسوف أوجه كل غضبي وضيقي نحو الله لأنه السبب الرئيسي لكل متاعبي.

ومن الجانب الآخر، إذا تخيلت أن الله يعمل من وراء ستار على الأرض، وهو يدعونا من خلال كل ضعف أو عدم مقدرة، فسوف أهيئ إمكانية الفداء لذات الشيء الذي أكرهه كثيراً في حياتي.

“إن الخير والشر – بالمعنى الأخلاقي – لا يوجدان في الأشياء بل دائماً في الإنسان نفسه”. فالأشياء والأحداث سواء كانت طيبة أم رديئة، هي ببساطة كما هي، محايدة أخلاقياً. والمهم في الأمر كله هو أسلوب تفاعلنا معها. ونادراً ما  نسيطر أو نتحكم في الأحداث ولكن – مع أولئك الذين يساعدوننا – نحن مسؤولون عن ردود أفعالنا… فالأحداث قد تمنحنا الألم أو الفرح، ولكن نمونا يتوقف على استجابتنا الشخصية لكل منها بمشاعرنا الداخلية”.

هذا ما كتبه بول ترونر وكطبيب بشري عارض ترونر موضوع الألم والمعاناة وبذلك قصارى جهده ليقنع مرضاه بهذا ويخفف عنهم. وكمستشار، استفاد من ذلك، ووجهه برفق مرضاه نحو استجابة تقودهم لأن ينمو من خلال الألم والمرض.

وكتب ترونر كتاباً عنوانه “المعاناة المبدعة” لكي يكتشف ظاهرة جديدة سببت له الحيرة دائماً: إن معظم الناجحين نشأوا في عائلات غير سعيدة. وأجرى أحد زملاء الدارسة بحثاً في حياة القادة الذين كان لهم تأثير عظيم في تاريخ العالم واكتشف أن معظمهم – تضمنت قائمة الأسماء 300 اسماً ومن بينهم الاسكندر الأكبر، يوليوس قيصر، لويس الرابع عشر، جورج واشطن، نابليون، الملكة فيكتوريا – اشتركوا في أمر واحد: لقد كانوا يتامى.

وتحير ترونر، فهو الذي أمضى وقته في إلقاء المحاضرات عن أهمية الأب والأم وتعاونهما في إقامة البيئة الصالحة للأسرة، وجد أن كل هؤلاء القادة كانوا محرومين من الحنان العاطفي في الأسرة. وكيتيم، بدأ ترونر ينظر إلى الصعوبات لا كأمر يحاول التخلص منه بل بالحري كأمر يُهده ويقوده للفداء الذي يحول الشر إلى خير.

وفي كتابه “نفوس عظيمة” أجرى الصحفي ديفيد أكمان تقييماً للقرن العشرين بحثاً عن أفراد تمتعوا بقوة روحية وأخلاقية. وتوصل إلى ستة أشخاص هم: الأم تريزا التي عملت بين أكثر الناس فقراً ومعاناة، وألكسندر هنشتاين Alexander Solzhenitsyn مؤرخ، جولاج Gulag، إيلي ويسل الذي ظل حياً من محرقة اليهود، ونيلسون مانديلا الذي سجن لمدة 27 عاماً، والبابا يوحنا بولس الثاني الذي نشأ تحت حكم النازي والشيوعيين، والمبشر بيللي جراهام.

ومن بين الستة الذين ذكرتهم بيللي جراهام فقط هو – رجل عادي من الطبقة الوسطى. ومع ذلك فيعتبر هؤلاء الستة في قمة القادة الروحيين في القرن العشرين.

وبالرغم من أنه ليس لنا الحق في أن نفرض على الآخرين وصفات منهجية لكي يتغلبوا على المعاناة بنعمة الفداء، كما أننا لا نستطيع أن نتجاهل شهادة أولئك الذين يصرون على هذا الحق. وأنا كصحفي شاهدت عن قرب قوة التحرر من الصعوبات. وأتذكر أنني التقيت جوني أريكسون عندما كانت في سن المراهقة، بعد عدة شهور من الحادث الذي تعرضت له، وكانت تتأمل في مستقبلها من خلال ضباب اليأس والارتباك.

كيف يمكنها أن تخدم الله وهي على كرسي متحرك ولا تستطيع حتى أن تطعم نفسها، أو ترتدي ملابسها بدون مساعدة آخرين؟ قالت لي: “أنت لا تستطيع أن تتخيل العار والذل الذي أنا فيه”. ما هو الخير الذي يمكن أن يأتي من هذه المأساة؟ والآن، بعد ثلاثين سنة من هذا الحادث، تتذكر جوني اليوم الذي كُسرت فيه عنقها وهي تقفز في مياه الخليج Chesapeake Bay وتدعو يوم الجمعة العظيمة كأفضل يوم في حياتها. لقد سمحت لله أن يعمل فيها ويفتديها ويحررها من هذا المأساة، لكي يخرج الخير من الشر.

وأتذكر أيضاً شخصاً يدعى سادان وهو أحد مرضى البرص بمستشفى الدكتور بول براند في الهند. إنه يشبه غاندي: نحيل، أصلع وضع ساقاً على الأخرى وهو مستلق على حافة السرير. أخبرن بعض القصص المؤلمة عن ماضيه وقال: “زملائي في المدرسة عذبوني، والسائق رفسني بحذائه خارج أتوبيس عام، كثيرون من أصحاب العمل رفضوا توظيفي بالرغم من موهبتي والتدريب الذي حصلت عليه وحتى المستشفيات طردتني بسبب مخاوف لا أساس لها.

ثم بدأ سادان يعدد العمليات الجراحية التي تعرض لها – تغيير أو نقل الوتر، إزالة عصب، بتر أطراف، عملية مياه بيضاء بالعين – وقام بها الدكتور براند وزوجته. واستمر يتحدث لمدة نصف ساعة يتحدث عن حياته التي هي عبارة عن كتالوج من المعاناة الإنسانية. ولكن ونحن نشرب آخر فنجان شاي بمنزله، قال سادان عبارته المدهشة: “يجب أن أقول أنني سعيد الآن أنني عانيت من هذا المرض”.

فسألته باندهاش: “سعيد!!؟”

أجاب: “نعم، لولا البرص لكنت إنساناً عادياً ولي عائلة عادية أسعى وراء الثروة والمركز في هذا المجتمع. ما كان بإمكاني معرفة مثل هؤلاء الناس المدهشين مثل الدكتور براند والدكتور مارجريت، وما كنت عرفت الله الذي يعيش فيهما”.

مثل أخير. في عام 1984 أصبت بحزن شديد عند سماعي بإصابة رونالدز برس بالسرطان، وهو من قادة كتّاب القصة في ولايات الجنوب، كما كتب في النقد الأدبي والتأملات الروحية. وبعد عشر سنوات قرأت الفقرة التالية في مذكراته عن مرضة والشلل الذي أُصيب به:

“نعم لقد حدثت الكارثة، بالنسبة لي هي لبرهة – ولكن في الواقع لمدة أربع سنوات. بالتأكيد هي كارثة، بعض أجزاء جسدي فُقدت تماماً من داخل ومن خارج. ولكن لو طلب مني عمل تقييم بأمانة لحياتي الحاضرة بجانب حياتي الماضية قبل إصابتي بالمرض – السنوات من 1933 (ميلاده) وحتى 1984 (إصابته بالمرض) والسنوات التي بعد ذلك، فإنني يجب أن أقول، بالرغم من الخمسين سنة المرحة من حياتي الأولى، فإن هذه السنوات الأخيرة التي أصبت فيها بالمرض هي أفضل بكثير إذ تمتعت فيها بالكثير من الحب والرعاية والمعرفة والصبر وأنجزت الكثير من العمل في وقت أقل”.

إن برس يمتدح المرض المرعب الذي قاده إلى نعمة الله المدهشة. وعلاقتنا مع الله لا تعطينا الوعد بأن نتحرر تماماً من الصعوبات التي تواجهنا ولكن باستخدامها لخيرنا بطريقة غير عادية.

في معظم المحاولات الإنسانية نحن نقدر قيمة “الأسلوب أو الطريقة” بالنظر إلى نتيجة المجهود الذي بُذل. فالباحث الذي يفشل في إيجاد “جين معين gene” بعد إجراء أبحاث لمدة ثلاثين سنة يشعر أنه أضاع وقته. والكيميائي الذي يجمع المركبات معاً لا يشعر بالنجاح الحقيقي إلى أن يستفيد شخص ما من هذا المركبات. وفوق الكل يريد الروائي أن تُنشر قصته. والمنقب عن المعادن يحفر بهدف واحد في ذهنه وهو: تحديد مكان الذهب.

أما العلاقات الإنسانية فلها أسلوب مختلف. وعندما أفكر في بعض أصدقائي فسأقول: “أعتقد أنني سأكون صديقاً مع تيم سكوت، رينر. ولنرى ما سيحدث، إنني أحتاج إلى خطة لتحقيق هدفي”. هذه الصداقات تنمو من حولي دون توقع “تيم” وسكوت” كانا زميلاي في الكلية و”رينر” كان يقيم معي في نفس الحجرة بالجامعة. أما في العلاقات “فالطريقة أو الأسلوب” ذاته هو الهدف. وتخلق الخبرات المشتركة الألفة، كما أن الأوقات الصعبة تقوي روابط العلاقة وتجعلها أكثر أماناً.

قال الرب يسوع: “أنا هو الطريق والحق والحياة”. الحق والحياة يمنحانا الدوافع للطريق، ومع ذلك ففي النهاية تأتي العلاقة والشركة مع الله، ومثل أية علاقة أخرى فهي تؤدي إلى “الطريق” ودعوتنا اليومية لله لأن يتدخل في تفاصيل وجودنا وحياتنا. وشبّه سورين كيركجارد بعض المؤمنين بطلبة المدارس الذين يريدون معرفة حل بعض المسائل الرياضية في نهاية الكتاب. إننا لا نستطيع تعلم حل المسائل الرياضية خطوة خطوة.

وفي كتاب سياحة المسيحي الذي كتبه جون بنيان يظهر لنا أنه عن طريق تتبع الطريق والتقدم فيه من خلال أفراحه وصعوباته ومنحنياته الصعبة استطاع السائح أن يصل إلى الوجهة التي يقصدها.

لدي صديق غير متزوج ويصلي بكل حماس لله لكي يقلل أو يُزيل قوته الجنسية. إنها تتسبب في سقوطه الدائم في التجربة كما يقول. ويدهشه الأدب الإباحي إذ حينما يقرأه يتسبب في سقوطه ويحطم حياته المكرسة. وبكل لطف أقول له إنني أشل في استجابة الله لصلاته كما يريد هو بإعادة تقويم مادة ومستوى التستوسترون. ولكن من الأفضل أن يتعلم الإخلاص والأمانة كما يتعلمها الآخرون ويتحكم في ذاته.

ولأي سبب من الأسباب، سمح الله لهذا العالم المكسور أن يبقى في حالة السقوط لفترة طويلة. وبالنسبة لنا نحن الذين نعيش في هذا العالم، يبدو أن الله يقيّم ويقدر شخصيتنا أكثر من راحتنا، مستخدماً نفس العناصر التي تسبب إزعاجنا كأدوات لتشكيلنا. إنها قصة قد كُتبت بنهاية نتلمسها بصعوبة. فإما أن نثق في مؤلف القصة أو أن نظل بمفردنا.

وفي حياتي الروحية الخاصة، أحاول أن أكون منفتحاً على حقائق جديدة، فلا أوجه اللوم إلى الله عندما لا تتحقق توقعاتي، بل أثق في أنه سيقودني من خلال فشلي نحو التجديد والنمو وإنني أثق تماماً في أن الآب يعرف الأفضل عن كيف يُدار هذا العالم. وعندما أفكري أزمنة العهد القديم، أرى أنني إذا أردت من الله أن يتعامل معي بطريقة علنية وصريحة فهذا لا يحقق النتائج التي أتوقعها. وعندما أرسل الله ابنه – بلا خطية مملوء نعمة وشفاء – قتلناه. إن الله يسمح بما لا يفضله هو لكي يحقق هدفاً أعظم.

كتب جون ميلتون في “الفردوس المفقود” عن آدم الذي رأى كل التاريخ الذي سيأتي. وأخيراً رفع رأسه من الذنب واليأس وغنى قائلاً:

يا له من صلاح غير محدود بل وهائل

إن الخير يخرج من الشر

والشر يتحول إلى خير أكثر ورحمة

من ذلك الذي خُلق في البداية

نور يخرج من الظلمة! وأقف وأنا مملوء بالشك،

هل أتوب عن خطاياي التي ارتكبتها، أم أفرح أكثر وأكثر للصلاح والخير الآتي….

“يا له من ذنب يجلب السعادة” إنها أغنية من لاهوت العصور الوسطى وما زالوا يرددونها في قداس يوم السبت المقدس. وهي ببساطة تعني، أننا بطريقة غامضة أصبحنا في حالة أفضل بكثير مما كان قبل “سقوط آدم”. والفصل الأخير من القصة – الفداء – حقق حالة أفضل جداً من الفصل الأول. وقد عبر عن ذلك أوغسطينوس: “لقد تصرف الله بحكمة فائقة إذ جلب لنا الصالح من الشر كما لو أننا لم نعان شراً على الإطلاق”. وسوف تُثبت النتيجة النهائية أن كل هذا يستحق الثمن الذي دُفع فيه:

وبالتأكيد نحن أفضل على الأقل من جانب واحد: نحن لنا المسيح، الذي في حياته وموته حقق للعالم كله نفس قصة الفداء التي وعد بها كل واحد منا على حدة. وقد ركزت على علاقتي مع الله من الناحية الإنسانية، وهي فقط التي أمتلكها. ومع ذلك، فأنا متنبه لحقيقة أنه يجب أن “نعرف الله معرفة شخصية” وكذلك الله يجب أن يعرفنا نحن. وفي الحقيقة، يجب على الله أن يسير في نفس الخطة. وتحدث المؤمنون من الكتّاب الأوائل عن المسيح كالذي “أعاد” ثانية الدراما الإنسانية.

ورأى الله ذلك أنه حسنٌ. هذا ما قاله الله في نهاية كل يوم في الخليقة. وحتى في حالة السقوط، رأي الله أن العالم (نحن) يستحق المجهود والتضحية والموت لإنقاذه. العالم سقط في الخطية. لقد وعد الله بأن يقضي على المعاناة والفقر والشر والموت. وسيلته لكي يحقق ذلك تتضمن أن يعاني من نفس تلك الأشياء في جرعات قوبية. ومع ذلك فالله قد لا يمنع صعوبات هذا العالم الحر والخطير ولا يحقق لهم مناعة شخصية منها. وعمداً وطواعية سلم ابن الله الرب يسوع المسيح لكل ما هو سيئ في هذا العالم الساقط.

ثمار معاناة يوم الجمعة العظيمة – فيليب يانسي

وأخيراً، يمكن لهذا العالم أن يُفتدى، وكان هذا هو الهدف الوحيد من مجيء المسيح إلى هذه الأرض. وفي قمة هذه السخرية، حول الله الشر إلى خير، وبدأ يعمل من خلال عنف الإنسان وكراهيته لكي يحقق الفداء. وعبر عن ذلك الرسول بولس: “الذي إذ جرد القوات والسلاطين من سلاحهم أشهرهم جهاراً منتصراً عليهم بالصليب”.

وتغير التاريخ للأبد كنتيجة لفداء المسيح. واتضحت خطة الله للعالم كله: وما على التاريخ إلا أن يكتب التفاصيل. ومرة أخرى يقول بولس: “إن كان الله معنا فمن علينا؟ الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا مع كل شيء؟ من سيفصلنا عن محبة المسيح؟”

واليوم، نحن نشير إلى اليوم الذي مات فيه المسيح “بالجمعة العظيمة” وليس “الجمعة الحزينة أو المظلمة” إذ بجلدته شُفينا.

بعد الدموع يأتي السكون:

الضوء البطيء والوقت الحزين الساكن،

المغسول، الفارغ والذي له طعم الملح،

انقضى كل هذا في انتظار بلا أمل

وبعد الليل يأتي الحمل:

كوكب الصبح المنير، ومعه الماء الحي

مجاناً، وكان هذا ثمرة معاناة يوم الجمعة.

ن. ت. رايت

تقوم زوجتي جانيت بقيادة اجتماع صغير في بيت رعاية للمسنين. وتحضره سيدة مريضة بالزهايمر تُدعى بيتسي وتجلس طوال الساعة وهي فترة الاجتماع. وهي سيدة نحيلة ذات شعر أبيض وعيون زرقاء وابتسامة جميلة. وفي كل أسبوع تعرف جانيت نفسها لهم، وكل أسبوع أيضاً تسألها بيتسي عن اسمها كما لو أنها لم ترها من قبل. وعندما يضحك أحد الحاضرين على طرفة ما يضحك بيتسي حتى وأن لم تفهم الطرفة. وطوال الوقت تجلس هادئة ناظرة إلى لا شيء مستمتعة بتغيير المناظر ولكنها لا تفهم شيئاً مما يدور حولها.

بعد بضعة أسابيع، علمت جانيت أن بيتسي لم يعد لديها القدرة على فهم ما تقرأه. وغالباً ما كانت تحمل معها بطاقة معايدة كانت ابنتها قد أرسلتها لها منذ عدة شهور وهي تحملها معها كما لو أنها وصلتها بالأمس. وهي لا تفهم ما تقرأ وقد تُعيد قراءة السطر مرة تلو الأخرى حتى يشجعها أحد على مواصلة القراءة. ولكن في أيام أخرى يمكنها أن تقرأ فقرة كاملة بصوت واضح وقوي. وبدأت جانيت تطلب منها قراءة ترنيمة كل أسبوع.

وفي أحد أيام الجمعة طلب منها الحضور أن تقرأ ترنيمة محفوظة منذ الطفولة عن الصليب. وبعدما قرأت السطر الأول توقفت وقالت “لا أستطيع الاستمرار. يا له من أمر محزن للغاية”. وتنهد أحد الحضور وحملق فيها أخرون. وطوال سنوات حضورها لهذا المكان لم تتمكن بيتسي ولو لمرة واحدة أن تفهم الكلمات التي تقولها. ولكن الآن في هذه المرة بدأت تفهم.

وهدأت جانيت من روعها وقالت لها: “هذا جميل، يا بيتسي، لا داعي لأن تقرأي أكثر من هذا إذا كنت لا تريدين ذلك”.

“نحن نعلم يوم الجمعة العظيمة الذي تتمسك به المسيحية بعمل الصليب. ولكن غير المسيحي والملحد يعرفه أيضاً. أي أنه يعرف عن الظلم والمعاناة والنهاية الوحشية الغامضة، والتي تكّون ليس فقط البعد التاريخي للحالة الإنسانية بل وأيضاً التكوين اليومي لحياتنا الشخصية ونعرف الألم الذي لا يمكن تجنبه، وفشل المحبة والوحدة التي هي تاريخنا ومصيرنا الخاص. ونعرف أيضاً يوم الأحد. هذا اليوم بالنسبة للمؤمن يعني نوعاً من الخصوصية والود الذي هو مؤكد ومشكوك فيه أيضاً، وهو واضح وفوق مستوى الفهم أيضاً، عن القيامة والعدل والمحبة التي هزمت الموت. وسمات يوم الأحد تحمل اسم الرجاء.

ولكن أيامنا هذه التي نعيشها هي رحلة اليوم الطويل…. يوم السبت.

جورج شتاينر

وبعد برهة بدأت القراءة ثانية ثم توقفت عند نفس السطور التي توقفت عندها من قبل. وبدأت الدموع تنساب على خديها وهي تقول: “لا أستطيع مواصلة القراءة. إنه لأمر محزن”. ولم تدرك أنها قالت نفس الكلمات من فترة وجيزة. وحاولت ثانية ولكنها صُدمت وحزنت لعدم قدرتها على القراءة.

وعندما قارب الاجتماع على النهاية تحرك الحضور من المسنين متجهين إما لغرفهم أو للكافتيريا. وتحركوا ببطء كما لو كانوا في كنيسة ناظرين إلى بيتسي بشيء من الخوف. وعندما حضر عمال المكان ليعيدوا ترتيبه توقفوا وحملقوا في بيتسي التي لم يروها من قبل في مثل هذه الحالة من الوعي واليقظة.

وأخيراً قادتها جانيت إلى المصعد لكي تعود إلى غرفتها. ولدهشتها بدأت بيتسي ترنم الترنيمة من ذاكرتها. وبدأت الدموع تنساب مرة أخرى ولكن في هذه المرة لم تتوقف بيتسي بل واصلت الترنيم وبقوة.

وفي مكان ما في هذا الذهن الممزق قد تضرب الخلية العصبية على شبكة اتصالات قديمة لكي تُحس المعاني في ذهن بيتسي. وفي ارتباكها هذا ظهر أمران: المعاناة والخجل.

وهاتان الكلمتان تلخصان حالة الإنسانية نفسها، الحالة التي تعيش فيها كل يوم من حياتها الحزينة. ومن يعاني من أكثر مما تعانيه بيتسي؟ وبالنسبة لها، أجابت الترنيمة على هذا السؤال إنه يسوع.

وتنتهي الترنيمة وتنتهي القصة المسيحية بالوعد أن الفداء سيتم يوماً ما، والله سوف يثبت نفسه بقوة لإعادة الخلق وأن معرفة الله الشخصية سوف تكون مؤكدة بأقوى علاقة نعرفها على الأرض. “لأننا الآن ننظر في مرآة، ولكن عندئذ وجهاً لوجه، الآن أعرف بعض المعرفة ولكن عندئذ سأعرف كما عرفت”.

وتنتهي القصة المسيحية بالوعد أن بيتسي سوف تحصل يوماً ما على عقل جديد يتذكر المعاناة والخجل كشيء من الماضي. ولمن هم على شاكلة بيتسي، تبدو أيام السبت يوم رحلة طويلاً وهم يحملون حملاً ثقيلاً. وقد يقدم يوم الجمعة العظيمة نوعاً من الصحبة و الزمالة. ومع ذلك فإن تذكر المعاناة والخجل وذهناً قد تغطيه سحلة من عدم الفهم، فوعد يوم الأحد يبدو غائماً وغير قريب. ولكنه حقيقي.

يوم الجمعة العظيمة ثمار ومعاناة – فيليب يانسي

زواج معد  – فيليب يانسي

زواج معد  – فيليب يانسي

زواج معد  – فيليب يانسي

زواج معد  – فيليب يانسي

في كل شيء يستحق أن تمتلكه، وفي كل فرحة تشعر بها يوجد نوع من الألم والضجر، ولكي يثبت وينتعش هذا الفرح. وفرح المعركة يأتي بعد الخوف الأول من الموت، ومتعة قراءة فيرجيل Virgil لا تأتي إلا بعد معاناة تعلم أفكاره وأسلوبه، ونجاح الزواج يأتي بعد فشل شهر العسل”.

لو استمعت إلى أي محطة إذاعية تذيع الموسيقا الشعبية المشهورة أو شاهدت قناة تلفزيونية للموسيقا تجد في كل أغنية موضوعاً عن الحب الرومانسي. وهل يوجد أي مسلسل تليفزيوني بدون أن يكون الحب الرومانسي جزءاً أساسياً في فكرته الرئيسية؟ والعبارات التي نسمعها مثل “امسكي رجلاً” أو “اصطد امرأة” تصف المبدأ الأساسي للحياة والحب… إلى أن نسافر إلى أجزاء أخرى من العالم. ومن الملاحظ أن معظم حالات الزواج في العالم تجمع بين رجال ونساء لم يشعروا إطلاقاً بمتاعب الحب الرومانسي وقد لا يدركونه إذا طرق باب قلوبهم. والمراهقون في أفريقيا وآسيا يستسلمون لاختيار والديهم لزوجاتهم تماماً كما نسلم نحن للحب الرومانسي.

شرح لي زوجان من الهند تزوجا حديثاً كيف حدث زواجهما وهما يدعيان مارثا وفيجاي، لقد قام والدي فيجاي بفحص كل بنات القرية قبل أن يقررا زواج ابنهما من مارثا. كان فيجاي يبلغ من العمر خمسة عشر عاماً أما مارثا فكانت في الثالثة عشر من عمرها ومع أن العروسين التقيا مرة واحدة، فقد اتفقا والديهما على زواجهما منذ ثمانية سنوات. وعندئذ أبلغا كل من الولد والبنت بمن سيتزوج ومتى. وخلال الثماني سنوات التالية سُمح لهما بتبادل خطاب واحد بينهما كل شهر ويشاهدا بعضهما بحضور مرافق. وبالرغم من أنهما في بداية الزواج كانا يشعران كما لو أنهما غرباء، فقد بدا زواجهما آمناً ومتسماً بالحب مثل أي زواج آخر.

وفي الحقيقة، إن المجتمعات التي تمارس الزواج المنظم والمرتب سابقاً فيما بينهم يوجد نسبة طلاق أقل من التي تؤكد على زواج المراهقين المحبين. وإنني أشك في أن الغرب سوف يتخلى عن فكرة الحب الرومانسي حتى وإن كان لا يساعد على إقامة الاستقرار العائلي. ولكن من خلال مناقشاتي مع مؤمنين من ثقافات مختلفة بدأت أقتنع بأن الزواج المرتب والمنظم قد يكون عاملاً مساعداً في إقامة علاقة مع الله.

وفي كل من الولايات المتحدة والثقافات الأخرى التي تتبع الأسلوب الغربي في الحياة، يميل الناس للزواج لما في الطرف الآخر من صفات جذابة مثل: الابتسامة المشرقة، الذكاء، الجمال، القدرات الرياضية، الجاذبية. وقد تتغير تلك الصفات بمرور الزمن وخاصة عند تقدم العمر. وفي أثناء ذلك قد تظهر على السطح أمور تثير الدهشة – عدم العناية بالبيت، فترات من الاكتئاب، عدم توافق جنسي – وقد تقضي على الحب الرومانسي. وعلى النقيض من ذلك، فالزوجان اللذان تزوجا زواجاً منظماً مرتباً لا يركزان علاقتهما على الجاذبية المتبادلة. فبعد قرار الوالدين، أنت تقبل بأنك ستعيش لعدة سنوات مع شخص تعرفه معرفة محدودة وضعيفة. ويتجول السؤال المهيمن “من الذي يجب أن أتزوجه؟” إلى “بعد أن عينوا لي هذا الشريك، أي نوع من الزواج يمكننا أن نبنيه معاً؟”

ويمكن تطبيق نموذج مماثل في علاقتنا مع الله. فلا يمكنني أن أتحكم في صفات الله مثل كونه غير منظور. فالله له شخصيته وصفاته الخاصة به سواء أحببتها أم لا. ليس لدي أي اختيار في ملامحي أنا أيضاً: ملامح الوجه، الشعر المجعّد، إعاقتي أو محدودية إمكانياتي، عناصر شخصيتي، خلفية الأسرة التي نشأت فيها. وطبقاً للأسلوب الغربي في التعامل يمكنني أن أرفض هذه الصفة أو تلك التي لله وأتمنى أن يدير العالم بطريقة مختلفة. ويمكنني أن أطلب أن يغير الله ظروفي قبل أن أثق في وضع حياتي بين يديه. كما يمكنني اتباع اسلوب آخر. فبإمكاني أن أقبل الله بكل تواضع كما أظهر نفسه في المسيح وأقبل نفسي، أنا المملوء بالخطية، كالشخص الذي اختاره الله. فأنا لا أدخل في علاقة مع الله ومعي قائمة بالطلبات التي يجب أن تستجاب قبل أن أعزم بأن أعيش معه؛ وكما يحدث في الزواج المرتب فأنا ألتزم مسبقاً بالعيش مع الله بالرغم من كل ما يحدث.

إن الإيمان يعني أن نأخذ عهداً بأن نحب الله ونتعلق به مهما حدث “في الصحة أو المرض، في الفقر أو الغنى…” وبالطبع فإن هذا يتضمن نوعاً من المغامرة، فقد اكتشفت أن ما يطلبه الله مني يتعارض مع رغباتي الذاتية. ولحسن الحظ، فإن الزواج المرتب يعمل بطريقتين: إن الله أيضاً يلتزم مسبقاً برعايته لي، يعدني بحياة أبدية ستفتدي ظروفي التي أناضل فيها. إن الله لا يقبلني بشروط، على أساس ما أقدمه، ولكنه يمنحني محبته وغفرانه مجاناً، بالرغم من أخطائي التي لا تُعد.

بعض الناس يتوقعون أن حياتهم مع الله سوف تحل كل مشاكلهم ويختارون الله كما يختار الشخص شريكه في الزواج على أساس رومانسي ويبحثون عن نتائج يرغبون فيها. كما يتوقعون من الله أن يمنحهم أشياء طيبة، ويقدمون عشورهم لأنهم يعتقدون بأنهم سيتلقون عشرة أضعاف، ويحاولون أن يعيشوا باستقامة آملين أن الله سوف يجعل حياتهم حياة مزدهرة. وبغض النظر عن المشكلة – البطالة، طفل متخلف، زواج منهار، ساق مبتورة، وجه قبيح – يتوقعون تدخل الله نيابة عنهم بإيجاد وظيفة، علاج مشاكل الزواج، شفاء الطفل المتخلف والساق التي ستبتر والوجه القبيح. وكما نعرف كلنا، فإن الحياة لا تسير دائماً بحسب رغباتنا أو بهدوء. وفي الحقيقة في بعض البلدان يعتقد الناس أنهم إذا آمنوا بالرب فسوف يضمن لهم هذا حياة ضد البطالة والمشاكل العائلية، والكراهية من المجتمع وحتى السجن.

كل زواج لابد أن يعاني من أزمات، فقد تأتي لحظات يشعر فيها الشريكان بالحاجة للانفصال. ويقول قدامى المتزوجين أنهم في أثناء تلك الفترات راجعوا العلاقة بينهما من جميع جوانبها. والآن مع أنهم يستعيدون هذه القصص بنوع من المزاح والشوق للماضي، يشعرون أن الأزمات وبتعاونهم معاً تحولت إلى نموذج من الحب والثقة. وعندما يفكرون في فترات الوفاق القليلة الماضية بينهما يتضح لهما أن تجاوبهما معاً هو الذي أعطاهما الغلبة على هذه العواصف ومنحهما القوة على الاحتمال والثبات. وكذلك علاقتنا مع الله تحدث بطريقة مشابهة.

وأخذ الرسول بولس روح هذا الزواج المنظم إلى أقصى مدى حتى أنه يعتبر خبيراً في علم الأمراض (الباثولوجي) بحسب التعبير الحديث. فيقول لأهل فيلبي انه فرح في سجنه لأن السلاسل التي قُيد بها ساعدت على تقدم الإنجيل. وفي رسالته لأهل كورنثوس كان يفتخر بضعفاته والصعوبات التي واجهها. وذكر الجلد والرجم والسفينة التي تحطمت والكوارث الطبيعية الأخرى، الجوع والعطش وآلام الجسد والصلاة غير المستجابة. “إن كنت أفتخر فسأفتخر بضعفاتي. ومن أجل المسيح أسر بالضعفات والإهانات والصعوبات والاضطهادات. لأنه بينما أنا ضعيف فحينئذٍ أنا قوي”.

وأقرأ هذه الكلمات ثم أتساءل وسط كتبي المسيحية التي أقرأ فيها عن كيفية إنقاذ زواجي، وكيف أرى الأولاد في مخافة الله، وكيف أختبر بركات الله، وكيف أقاوم التجربة، وكيف أجد السعادة. وكل سنة تظهر مثل هذه الكتب وتزداد الحاجة إليها. وإذا كان أي كتاب بإمكانه حقيقة أن ينقذ زواجاً من الانهيار، فإن معدلات الطلاق كان يجب أن تقل بين المؤمنين الذين يشترون هذه الكتب، وكن أود أن ألاحظ هذا يحدث. وبالمثل، فتتطلب علاقتنا مع الله شيئاً أكثر من مجرد محاولة لحل المشكلة.

وتقترح دورثي ساير طريقة أخرى لرؤية مشاركة الله معنا. وهي تشير إلى وجه الشبه مع الفنان الذي “لا يرى الحياة على أنها مشكلة تحتاج إلى حل ولكنها وسيلة للإبداع” وتقول ساير: ربما استخدمنا الله بشيء من الحرية كالفنان، ويسمح لنا ان نعمل بمختلف المواد. فالنحات يعمل بالصلصال أو المعدن ولكنه لا يستخدم الألوان كثيراً، أما الرسام فيعمل بالكثير من الألوان. ومع أن هذه المواد الخام المستخدمة للإبداع لها محدودية معينة، فالفنان الماهر يمكنه أن يصنع بها عملاً فنياً رائعاً.

وكأفراد، فكل منا يبدأ بوسيلة مختلفة. البعض منا قبيح والبعض جميل والبعض ذكي والبعض غبي والبعض الآخر جذاب وآخرون يشعرون بالخجل. وقد نقضي حياتنا كلها في حالة كراهية لله بسبب عيب خلقي أو تشوه في الوجه أو الأسرة التي نشئنا فيها. وقد نطلب من الله أن يحل هذه المشاكل نيابة عنا (كيف يمكن أن يحدث هذا… بتغيير الجينات الوراثية أو بإعادة اختراع أسرة خاصة لنا). ومع ذلك فإن نفس هذه الخامات التي توّلد الكراهية لله لدى بعض الناس، قد تكون هي نفسها المكونات التي يستخدمها لكي يشكلنا بالطريقة التي يراها حسنة بالنسبة لنا.

وفي الحقيقة يحتاج الإنسان لمشاكل أكثر من الحلول. فالمشاكل تقربنا أكثر إلى الله لكي نعتمد عليه. ويكرر الكتاب المقدس القول بأن النجاح يمثل خطراً عظيماً. فشمشون وشاول وسليمان وعشرات غيرهم يوضحوا لنا أن النجاح يقود إلى الكبرياء والغرور، وهو الطريق إلى الاستقلال عن الله وغالباً ما يكون المقدمة للسقوط.

إن الله لم يعد بأن يحل كل مشاكلنا وعلى الأقل ليس بالصورة التي نراها نحن. (ولا أجد شخصية واحدة في الكتاب لم تعان من مشاكل). إن الله يدعونا أن نثق فيه ونطيعه، سواء عشنا حياتنا في بركة ونجاح – مثل بعض المؤمنين – أو نقضي أيامنا في معسكرات اعتقال. وما يهم الله في هذا الأمر هو ما نصنعه بهذه المواد التي بين أيدينا.

وفي الحقيقة كانت حياة دورثي تسير طبقاً لهذا المبدأ التي تحدثت عنه. كانت تتمتع بذكاء خارق ولكنها لم تكن جميلة. والرجل الذي أحبته في شبابها لم يبادلها هذا الحب. وفي توترها وغضبها – وهي العالمة المتخرجة من جامعة أكسفورد – لجأت إلى ميكانيكي غير متعلم والذي جذبها معه إلى الخمر والتدخين والرقص والجنس. ومع أنه اصطحبها كشريك في حفل لفترة وجيزة، فلم تكن لديه الرغبة في الزواج منها. وتركها ومعها طفل منه، وهي الآن تشعر بثقل المسؤولية وفضيحة طفل غير شرعي. وأخيراً تزوجت رجل مطلق عجوز كان يصعب عليها أن تبادله الحب.

ولكن ساير استفادت من خبرات الفشل والذل والخطية والأخطاء هذه وعادت إلى الله. والذين يقرأون كتبها اليوم يستفيدون كثيراً مما شكلته من المواد الخام في حياتها الصعبة. قد تكون مشكلاتها لم تحل بالطريقة التي أرادتها، ولكن من هذه المواد خلقت عملاً فنياً رائعاً.

ووسط هذا العمل الشاق لدينا نموذج الرب يسوع نفسه الذي – عندما جاء لأرضنا – كان بإمكانه أن يختار أية مجموعة من “المواد الخام” ولكنه أصر على اختيار الفقر، والعار العائلي، والمعاناة والرفض. وهو لم يستثن نفسه من مضايقات هذه الحياة على هذا الكوكب، كما لو انه يريد أن يثبت أنه ولا واحدة من هذه الظروف لا توجد في علاقة صحيحة مع الآب. وربما نقول: “إن المسيح هو النموذج” وليس “يسوع هو الإجابة” لأن حياة يسوع لم تقدم الإجابات التي يبحث عنها معظم الناس. ولا مرة واحدة استخدم يسوع القوى غير الطبيعية لكي يحسن من وضع عائلة، أو يحمي نفسه من الضرر، أو يزيد من راحته وثروته.

أعرف عائلة ازدادت مشغوليتها بسبب الآثار السيئة للمدرسة الثانوية على ابنتهم. وبعد الصلاة من أجل هذا الأمر وطلب مشورة الآخرين، نقلوها من هذه المدرسة السيئة إلى مدرسة أخرى، وهناك في السنة التالية قُتلت وماتت. وأعرف رجلاً في نفس عمري والذي وثق أن الله حقق أحلامه، وأصبح مديراً لأحد المعاهد ووضع خططاً للنهوض بهذا المعهد حتى أصابه ورم في المخ ومات في ظرف سنة واحدة. وأعرف امرأة اختبرت كأم قصة الابن الضال التي حكاها يسوع واحتفلت بعودة ابنتها من هوة السقوط في المخدرات والدعارة، ولكنها فوجئت بهروب ابنتها ثانية لتعود للكورة البعيدة.

كيف يمكننا أن نستوعب ما يحدث في الحياة ونفهم مثل هذا القصص؟ فلا تستطيع أية معادلة لحل المشاكل أن تفسر لنا ما يحدث. كما لم تستطع أية معادلة أن تفسر لنا ما تعرض له بولس وبطرس والمسيح نفسه. إن الحياة ليست مشكلة لكي تُحل ولكنها عمل يُنجز، وهذا العمل قد يستخدم الكثير من المواد الخام التي نفضل نحن العمل بدونها. إن صلاح الله معنا لا يعني أنه لن يصيبنا أي أذى وعلى الأقل ليس في هذا العالم الساقط.. وصلاحه أعمق من السرور أو الألم ولكن يشمل كليهما.

وعندما كتب الرسول بولس قائلاً: “كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله” ذكر في نفس هذه الفقرة بعض هذه الأشياء التي استخدمها الله في حياته: المتاعب، المصاعب، الاضطهاد، الجوع، العري، الخطر، السيف. وفي الثلاث عائلات التي ذكرتها سابقاً يمكنني أن أرى استمرار عمل الله الفدائي. ولا عائلة منها كانت ستختار ما حدث ولا يلومون الله بسبب هذه المآسي، ومع ذلك فالجميع يتفق على أن الله يفعل الصلاح في حياتهم من خلال الأمور المحزنة التي حدثت لهم.

فلانري أوكنور التي عانت من مرض الذئبة وماتت في عمل التاسعة والثلاثين كتبت لصديقة ما يلي: “ما من مكان ذهبت إليه إلا وأنا مريضة” وفي نفس الخطاب تحدثت عن المعلمين غير المدعوين اللذين جاءا إلى حياتها المتأخرة وهما: المرض والنجاح. “المرض هو مكان تعلمت فيه أكثر مما كنت سأتعلمه من رحلة إلى أوربا”. ثم كتبت جملة أثارت الخوف في أولئك الذين يعرفون قدر معاناتها: “إن المرض قبل الموت هو شيء مناسب للغاية وأعتقد أن أولئك الذين لا يصابون بالمرض قبل وفاتهم يفقدون إحدى مراحم الرب علينا”. وعلى النقيض من ذلك اعتبرت النجاح أمراً سلبياً تماماً إنه يعزل صاحبه ويولد الغرور ويُبعد الشخص عن العمل الحقيقي الذي كان سبباً في هذا النجاح.

وبمقارنة ما حدث مع فلانري بما حدث معي فقد عانيت بعض الشيء. ألم شعرت به في طفولتي أذى روحي أكثر مما آذى جسدي: ألم بسبب وفاة والدي مشلولاً والفقر الذي تبع ذلك، معاناتي من بعض الكنائس، العار، العزلة، الشعور بالنقص الذي عانيت منه في فترة المراهقة. والأن أقابل بعض المراهقين الذين يذكرونني بحالتي السابقة: الخجل، عدم الكفاءة الاجتماعية، ضعف جسماني. إنهم يعيشون في عالم يمجد الجمال والرياضة والثقة. وإذا حدث مرة وصلوا فهم يصلون لله لكي يغيرهم ليصبحوا مثل أبطال السينما أو الرياضيين. وليس مهماً مدى حماسهم لاستجابة الصلاة بحسب رغباتهم.

لو أنهم تمكنوا من أن يروا كيف أن الله يرى العالم بطريقة مختلفة. ونحن نعلم من هم أولئك الذين أحبهم يسوع وفضلهم على الآخرين: جباة الضرائب، سيدات سيئات السمعة، البرص، المرفوضين، الصيادين. وبولس أيضاً قال: “ليس كثيرون حكماء حسب الجسد، ليس كثيرون أقوياء، ليس كثيرون شرفاء. بل اختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء واختار الله أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود لكي لا يفتخر كل ذي جسد أمامه” (اكو 1: 26- 29).

إن الله لم يدعُنا لنزيل كل الأشياء السيئة من العالم بل أن نفتدي الشر ونحوله إلى خير.

قالت الشاعرة كاثلين نوريس بعد أن فكرت في آلام طفولتها وخاصة تلك التي جاءت من ميراثها الديني: “لكي نغير ميراثاً مؤلماً إلى شيء صالح فهذا أمر يحتاج إلى كل الحكمة والفطنة التي لدينا أو من مرشدين آخرين. فكل اللعنات التي يصبها الناس علينا والشتائم الرعب الذي يسببونه لنا لا يمكن أن يُنسى ولكن يكمن أن نحسن استخدامه في حياتنا الجديدة مع الله”. فكثير من الأمور التي نعاني منها اليوم سوف نظل نعاني منها غداً وبعد غد. وبعض الآلام لن تنتهي. والجراح لن تندمل تماماً، والمشكلة لن تجد حلاً نهائياً. وبدلاً من ذلك سوف يقدم لنا الله رجاء حقيقياً قادراً على شفاء جروحنا.

إن أولئك الذين يحاولون  استخدام الله كوسيلة لتحقيق مآربهم سوف يصابون بخيبة الأمل. ففي ذهن الله أمر آخر غير ذلك: إنه سوف يستخدمنا نحن، نحن أوعية نعمته، ليحقق بنا أهدافه على الأرض.

الكاتب التشيكي المولد الذي يدعى ميلان كوندرا كتب مرة أنه اعترض دائماً على ما قاله جوته Goeth “إن الحياة يجب أن تمثل عملاً فنياً”. وبدلاً من ذلك، تساءل كوندرا ما إذا كان الفن قد ظهر لأن الحياة كانت عديمة الشكل ولا يمكن التنبؤ بها، ولهذا فالفن ينشئ ويترجم ما تحتاجه الحياة. ولكنه وضع استثناء في حالة صديقه فاسلاف هافل الذي بدأ ككاتب مثل كوندرا واستمر حتى أصبح رئيساً لجمهورية التشيك  وأصبح واحداً من أقوى الأصوات في عصرنا. ومن وجهة نظر كوندرا أظهرت حياته الفكرة الرئيسية للوحدة والتقدم التدريجي والمتواصل نحو الهدف.

وبعد قراءتي كتباً لكلا الكاتبين، أتساءل ما إذا كان الاختلاف موجود في وجهة نظرهما الأساسية. فبالنسبة إلى كوندرا – كما كان بالنسبة للمفكرين ما قبل الحداثة – ليس للحياة تركيبة ذات معنى لكي نوضح من أين أتت وإلى أين تذهب. أما بالنسبة إلى هافل فللحياة معنى. إنه يرثي حال العالم ويقول: “لقد ازداد اقتناعي بأن أزمة حاجتنا العالمية الماسة للمسؤولية هي في المبدأ وهذا يُعزى إلى حقيقة أننا فقدنا روح التأكد من أن الكون والطبيعة والوجود وحياتنا هي من عمل الخليقة التي يرشدها هدف محدد وأن لها معنى محدداً وتتبع غرضاً محدداً”.

إن المؤمن – ولم يصف هافل نفسه على أنه مؤمن – لا يرى الحياة ككل بل الحياة الفردية لكل شخص كعمل فني رائع. إننا نشارك الله في تشكيل شيء جميل من المادة الخام. إننا نكتب قصة قصيرة بحياتنا وهي جزء من قصة كبيرة نحن نعرف كل تفاصيلها. وكل من القصة القصيرة والطويلة لها بداية ونهاية وهدف وأحداث تقاومها كما أن لها نتائج لا يمكن تجنبها وأحداث غير متوقعة قد تعترضها. وفي النهاية يجمع كاتب القصة كل التفاصيل في خط قصصي واجد يحقق هدفاً مرضياً.

ويقول قول قديم في التلمود: “ليس من حقك أن تُنهي هذا العمل (الحياة)، كما أنك لست حراً في الاستمرار فيه”. إن العمل هو عمل الله، وإصلاح وافتداء هذا الكوكب قد تعرض لتدمير شديد. وبالنسبة لكل من اليهود والمسيحيين فالعمل هنا يحتاج إلى لمسة سلام وعدالة وأمل وشفاء حيثما تمتد أيدينا. وبالنسبة للمؤمن فإنه يفعل هذا كمن يتبع المسيح الذي أعد لنا فداء ما كان باستطاعتنا الحصول عليه بمفردنا.

في كاتدرائية ونشستر في إنجلترا توجد نافذة زجاجية فريدة في شكلها. إنها لا تحكي قصة كتابية ولا تذكرنا بقديس والقطع الزجاجية لها مشهد متغير الألوان كما لو كان تصميماً حديثاً مدهشاً. وهذه النافذة هي أثر مقدس من فترة تاريخية اتسمت بالعنف عندما استخدمت فرق من جيش أوليفر كرومل قضباناً حديدية لتحطم نوافذ الكاتدرائية وتماثيلها. وتركت هذه الفرق العسكرية بقايا الزجاج على الأرض، وقام أهل المدينة بجمع بقايا الزجاج و وضعوه في مخزن حتى انتهت هذه الفترة المؤلمة. وبعد عدة سنوات، تطوع أحد العاملين بالكاتدرائية بإعادة النافذة إلى ما كانت عليها. ووضع السقالة وجمع قطع الزجاج الملونة ووضعها في مكانها. إنها لم تمثل شيئاً في أوروبا في ذلك الوقت وحتى اليوم يبدو شكلها غريباً. ومع ذلك فلا ينكر أحد أن إعادة القطع الزجاجية إلى مكانها يشكل عملاً فنياً جميلاً. وينساب من خلالها ضوء الشمس ليضيء الكاتدرائية.

“إن الله الذي يمنح البداية هو الذي يمنح النهاية… والذي يعطي الراحة لأشياء مكسورة هو أيضاً يكسر ويجبر”.

جون ماسفليد

وهذه الصورة التوضيحية للفداء والاستعادة تتحدث إليّ برسالة شخصية عن الرجاء لأن الكثير من جراحي كانت نتيجة لنفس النوع من الحماس الديني التي أشعلت جنود كرومل، وأحياناً تكون الكنيسة سبباً في التدمير تماماً كما تسعى للفداء, ويجب أن يفتدى ثانية نوعاً جديدً من السقوط. وهذه العملية المستمرة تلخص نفسها في العالم والكنيسة في كل نفس ملتزمة بقصة الله على الأرض.

سخرية الله – فيليب يانسي

سخرية الله  – فيليب يانسي

سخرية الله – فيليب يانسي

سخرية الله  – فيليب يانسي

“يجب أن يُحرث الحقل، وينصهر الحديد، ويُشذب البستان، وتُذرى الحنطة، ويُغلق المجرى فوق الطاحونة. وربما يحدث نفس الشيء في حياة الإنسان. من الهزيمة تولد المحاولة والسعي العظيم، ومن الدموع يزداد التعلق بالهدف، ومن اليأس يولد الأمل. لماذا يسقط الإنسان إلا ليقف ثانية، ويموت لكي يحيا”.

جورج ديل

نتعلم من رياضة تسلق الجبال استمرار تغير وجهة النظر وتدبر الأمور. في البداية يواجهني حائط ضخم من الجرانيت يرتفع آلاف الأقدام. وأشعر في البداية بأنني لن أستطيع تسلقه. ولكن عندما أقترب من الحائط أتمكن من رؤية ممر صغير وسط الصخر ومن خلاله أستطيع التسلق على هذه الصخرة التي كانت تبدو صعبة على التسلق. وكلما ازداد صعودي يختلف المنظر أسفل الصخرة. فمن فوق يمكنني رؤية الأشجار تحيط ببحيرة جبال الألب، وكل من الغابة والبحيرة يحتضنهما الوادي المملوء بالبحيرات الأخرى التي تجري منها المياه لتغذي نهراً يجري في قناة بالقرب من منزلي على بعد عشرين ميلاً. وعندما أصل للقمة يمكنني رؤية المنظر العام بأكمله. وأي استنتاجات أتحدث عنها قبل وصولي للقمة ستكون خاطئة.

العالم جميل وحسن. العالم سقط. العالم يمكن فداؤه ورجوعه إلى الله. وإذا كان هذا التسلسل يصف قصة الكون، عندئذ يجب أن أنظر إلى العالم وإلى نفسي من خلال هذه الفكرة. والإيمان هو الذي ينمي فينا القدرة لقبول وجهة النظر هذه التي لن أتمكن من فهمها فهماً تاماً وكاملاً  حتى أصل للقمة، بغض النظر عن كيفية رؤيتي للأشياء وأنا أواصل عملية التسلق. وهذا يعلمني أن أثق في أسلوب الله الغامض على هذا الكوكب، وبعلاقاتنا مع باقي المخلوقات يمكننا في يوم ما أن نفهم المعنى الصحيح الذي أراده الله.

يشبه الفيلسوف نيقولاس ريتشر اتصالنا مع الله كما لو أننا نتحدث في جهاز تليفون من النوع القديم. الأصوات غير واضحة والخط متقطع ولكننا نستمر في الصراخ “يا مرحبا… هل تسمعني… هل أنت على الخط؟” وطبقاً لما يقوله الرسول بولس أن هذه الصعوبات في طريق معرفتنا لله هي مؤقتة “فإننا ننظر الآن في مرآة في لغز لكن حينئذٍ سأعرف كما عُرفت”. وفي النهاية عندما يسترد الله الخليقة للحالة الأولى التي خلقها عليها فسوف يختفي أي فاصل بين المنظور وغير المنظور. إن هدف الله هو جمع العالمين معاً مرة أخرى ليصالحهما معاً.

من الأصحاح الأول في سفر التكوين وحتى الأصحاح الأخير في سفر الرؤيا يمكنني أن أتبين قوتين رئيسيتين تسريان في تاريخ هذا الكوكب. أولاً، يمسك الشر بكل ما هو خير ويفسده. فمنذ سقوط آدم نحن نعيش في عالم تسيطر عليه قوى شريرة، وهذا ما توضحه كتب التاريخ والصحف اليومية. ولا يجب أن ننزعج من العنف والظلم لأننا موجودون في عصر يحكمه الشر.

وعلى النقيض من ذلك، يُطلق الله قوة لفداء ما أفسدته الخطية والشر. والآن أختار الله أن يمارس قوته من خلال الجنود المشاة وهم البشر الذين أخطأوا. وبسبب هذه الترتيبات والوسائل قد يبدو أحياناً أن الله سوف يخسر المعركة. وسوف نتمتع بالانتصار النهائي فقط عندما ينهي الله – بقوته ومجده – وللأبد سلطان الشر.

وأثق أن اليوم سيأتي عندما تتغلب قوة على الأخرى، ولقد كانت قيامة يسوع كوعد ساطع ومضيء لهذا اليوم. وحتى ذلك الوقت، فإنني أختبر هذه القوى المتصارعة كل يوم بل طوال اليوم. وهذه القوى تعمل سراً، ولا تُرى وأجد نفسي دائماً ممسوكاً من تلك القوتين الموجودتين في التاريخ، إحداهما تواجه الخير وتحاربه والأخرى تسعى لفداء ما أفسده الشر.

إنني أفكر في أسلوب الله “الساخر”. إن التفسير الأكثر استقامة يجيب على كل مشكلة جديدة بحل فوري. امرأة تمرض والله يشفيها. رجل يُسجن ظلماً، والله يخرجه من السجن. ومع ذلك فالله نادراً ما يستخدم هذا الأسلوب. إن بولس يشكر الله من أجل “الشوكة التي في الجسد” لأنها السبب في تقدم عمل الله من خلاله، ويوسف يتذكر الصعوبات التي صادفها في حياته الماضية ويقول لإخوته القساة “أنتم قصدتم بي شراً ولكن الله قصد به خيراً”. ومع أن يوسف لم ينكر الماضي الرهيب ولم يقلل من آثاره السيئة، ولكنه في النهاية يراه جزءاً من قصة ذات معنى خدمت أهدافاً عظيمة أكثر مما كان يتصوره في تلك الأيام. فقط عندما نصل إلى قمة الجبل يمكننا أن نتمتع بجمال المنظر ونفهم معناه.

لا يجب أن نندهش من أن الله صاحب السلطان قد يستخدم أشياء سيئة كمادة خام ليصنع منها خيراً. إن رمز إيماننا الذي نضعه ختماً على الذهب ونلبسه على أعناقنا ونحفره على أحجار كنائسنا هو الصليب. إن الله لم ينقذ المسيح من على الصليب ولكن خلصنا نحن بموت المسيح على الصليب. وفي التجسد تتدفق قوة الله وتنقذ الخير من الشر. إن الله يغلب الشر بالخير، والكراهية بالحب والموت بالقيامة.

يقول فلانري أوكنور وهو من أفضل كتّاب القصة:

“إن كتّاب القصة يتحدثون دائماً ما الذي يُنجح القصة”: “اكتشفت من خبرتي الخاصة في محاولة جعل القصة ناجحة هو حاجتها إلى عمل غير متوقع تماماً، ومع ذلك يمكن تصديقه، واكتشفت أنه حدث يوضح أن النعمة قد قُدمت، وكثيراً ما يكون حدث يكون فيه الشيطان أداة غير مرغوب فيها للنعمة. وليست هذه معلومة أضعها في قصص، ولكنه اكتشاف توصلت إليه عندما قرأتها. وعندما ينمو إيماني وثقتي تشارك حياتي الشخصية بنوع ما في قصة أكبر. إن قصتي تحتوي على تفاصيل أتأسف لكتابتها بل وقد أستاء منها: ألم في الطفولة، مرض، فقر، اختيارات خاطئة، علاقات تحطمت، فرص ضائعة، فشل واكتئاب. هل بإمكاني أن أثق أن الله بتدبير فدائه ومحبته يمكن أن يستخدم كل هذه في قصة حياتي كأدوات غير مرغوب فيها ليقدم لي النعمة من خلالها؟”

ويكتب تيلهارد دي شاردان بتفصيل عن نفس فكرة أوكنور الذي شبّه الله بالفنان قائلاً:

“مثل الفنان الذي يستطيع أن يستفيد من خطأ أو عيب في حجر ينحته، الله – بدون أن يعفينا من الموت الجسدي أو الموت الأبدي وهما جزء أساسي من حياتنا – يحولهما بربطهما بخطة أفضل (بشرط أن نثق فيه بكل حب). وليس فقط أمراضنا التي لم نستطع تجنبها بل أخطاؤنا، حتى التي تعمدنا فعلنا يمكن أن يشملها هذا التغيير. فليس كل شيء خير فوري للذين يعرفون الله، ولكن كل شيء ممكن أن يصبح ويتحول إلى خير للمؤمن”.

وأنا طالب بالمدرسة الثانوية كنت أفتخر بمهارتي في لعب الشطرنج. والتحقت بنادي الشطرنج وأثناء فترة الغذاء كنت أقرأ كتباً عن الشطرنج. ودرست فنون اللعبة، وكنت أكسب معظم مبارياتي، ثم تركت اللعب لمدة عشرون عاماً. وفي شيكاغو التقيت بلاعب شطرنج كان يحاول أن يزيد من مهاراته منذ المدرسة الثانوية وحتى الآن. وعندما لعبنا معاً تعلمت وضع اللاعب عندما يلعب مع إنسان متفوق. فكلما استخدمت طريقة من طرقي القديمة معه كان يواجهني بنفس الأسلوب. حتى أخطائي كان يستفيد منها. ومع أني كنت أشعر بحرية في التحرك بحسب رغبتي أيقنت أن كل استراتيجياتي في اللعب لم تكن مهمة بالنسبة لي. وضمنت له مهارته المتفوقة إن كل محاولاتي كانت تنتهي لصالحه.

ربما يتعامل الله مع هذا الكون، وهو خليقته، بنفس الطريق. فيمنحنا الحرية لكي نثور ضد خطته الأصلية التي وضعها، ومع ذلك ونحن نفعل هذا فالأمر ينتهي بخدمة هدفه لاستعادة البشرية. فإذا قبلت هذا المخطط – وأعترف أنها خطوة كبيرة للإيمان – فسوف يغيّر ذلك نظرتي لكل من الخير والشر الذي يحدث. فالأشياء الخيرة مثل الصحة، الموهبة، والمال يمكن  أن أستخدمها لخدمة الله. والأشياء غير الطيبة – مثل العجز والفقر والعائلة غير الموفقة والفشل – يمكن افتداؤها وتغييرها إلى وسائل تقودني إلى الله. وكتب الرسول بولس من السجن “تعلمت أن  أكون مكتفياً بما أنا فيه”. ومن الطبيعي أنه كان يفضل التعزية على الحزن والصحة على الضعف (صلاته لكي يرفع الرب عنه شوكة الجسد تُثبت ذلك)، ولكن بولس كانت لديه الثقة في أن الله يمكنه أن يستخدم هذه الظروف سواء طيبة أو سيئة لكي يحقق إرادته.

ومرة أخرى – وقد يتهمني الشخص الذي ينزع إلى الشك بأنني أبرر أمراً خاطئاً – أناقش وأجادل الماضي لكي يناسب الدليل استنتاجاً سابقاً. نعم وهذا ما أفعله تماماً. فالمؤمن يبدأ بالخاتمة والتي تقول بأن الله الصالح سوف يسترد خليقته لخطته الأصلية ويرى التاريخ سائراً في هذا الاتجاه. وعندما يلعب الإنسان المتفوق في الشطرنج مع شخص هاوٍ، فسوف ينتصر بكل تأكيد مهما حدث على لوحة اللعب في أي وقت.

ويعلن الكتاب المقدس نفسه الاستخدام الساخر من الله للأحداث السيئة لخدمة النتيجة التي يرغبها. فمثلاً، يسجل ثلاثة أرباع الكتاب الفشل المذهل لعهد الله مع بني إسرائيل. وفي نهاية العهد القديم يتبدد حلم توصيل النور للأمم عندما تقضي جيوش الأمم على الإناء المختار لتوصيل هذا النور. ومع ذلك فعندما تذكر بولس تاريخ الشعب القديم رأى تقدماً كبيراً. فعندما رفض الشعب المختار توصيل الرسالة، قامت الكنيسة بهذا الدور، وأطلق رفضهم الإنجيل حراً لينتشر عبر كل العالم.

واستخدم بولس ما هو متاح – خير كان او شر – لتقديم الخدمة وتحقيق الرسالة. فعبر الطرق الرومانية التي بناها القياصرة لتسهيل حكمهم على رعاياهم، حمل بولس رسالة محبة الله عبر كل الإمبراطورية. كما لجأ للعدالة الرومانية طلباً للحماية في الأوقات الصعبة. وحتى عندما مات بولس – ومعظم التلاميذ – ويسوع نفسه بين يدي هذه “العدالة” ساد هذا النموذج الساخر الذي استخدمه الله. وحقق صلب المسيح وموته الخلاص للعالم، وكما وعدهم “سيتحول حزنكم إلى فرح”. وفي تلك الأثناء، عجّل موت الشهداء بنمو الكنيسة. وكما قال المؤرخ ترتليان: “إن دماء المؤمنين الشهداء هي بذور المسيحية”. ومنذ ذلك الوقت – بكل سخرية – قادت المحاولات للقضاء على الإيمان إلى تقدمه العظيم.

إن سخرية الله تساعد على توضيح التناقض العميق في الإيمان المسيحي. فتقدم التطويبات المعاناة والفقر كأمور حسنة: إذ قال الرب يسوع طوبى للفقراء والمضطهدين والحزانى. وفي ذات الوقت يشجعنا لمساعدة الفقراء، ومحاربة الظلم وتخفيف المعاناة. ألا تخدم هذه الأمثال والحكم أهدافاً متعارضة؟ إذا كان الكتاب يطوّب الفقراء والمضطهدين فلماذا لا تحاول الكنيسة زيادة الفقر والألم؟

أن تتابع الصلاح والسقوط والفداء هو فقط الذي يوضح هذا التناقض. وإذ أعطانا الله عالماً حسناً، فهو يريدنا أن نستمتع بثماره. “إله كل تعزية” يريدنا أن نكون مستريحين بكل معنى الكلمة. ولكن لأننا نعيش في عالم ساقط مملوء بالشر والظلم فسوف يعاني الكثير من الناس من ظروف الفقر والمعاناة. وبإمكان الله أن يستخدم مثل هذه الظروف لتحقيق أغراضه، مستخرجاً الصالح من الشرير. وكما قالت الأم تريزا، إن الدول الفقيرة هي غالباً غنية روحياً والدول الغنية فقيرة روحياً. وقد اختارت هي ومن معها من مرسلات عمل الخير أسلوب الفداء إذ قبلوا تطوعاً المصاعب الشخصية لكي يربحوا الآخرين.

وفي معجزة من معجزات النعمة، يمكن أن يتحول فشلنا الشخص إلى أداة في يدي الله. وقد اكتشف الكثيرون أن استمرارية التجربة – حتى وإن كان الإدمان – هو نفس الجرح الذي يدفعهم للعودة في يأس إلى الله، ليبدأوا حياة جديدة. وفي هذا الصدد قال بول ترونر:

“إن أجمل ما في هذا العالم ليس هو الأمور الحسنة التي نحققها، ولكن الحقيقة بأن الخير يخرج من الشر الذي فعلناه. وقد قابلت الكثيرين من الذين عادوا إلى الله بسبب التأثير الطيب للذين هم قد أساءوا إليهم قبلاً. إن عملنا هو بناء الخير من الشر. لأننا إذا حاولنا أن نبني خيراً من خير فنحن في خطر فقدان المادة الخام لعملنا”.

وبالرغم من أن ترونر يفضل أن الناس لا يرتكبوا الشر أساساً، فإن هذا أمر يصعب الوصول إليه في هذا العالم الشرير. وهنا، يصلح استخدام الأسلوب الساخر إذا أن هذا سيوفر لنا مادة خاماً للعمل والخدمة.

واصلت التساؤل لفترة طويلة لسؤالي القديم: “لماذا تحدث أمور غير طيبة حتى للناس الصالحين؟ لأن هذه القضية تسبب نوعاً من الارتباك، و ربما إحساس بالخيانة، في علاقتنا مع الله. كيف يمكننا أن نثق في إله محب يسمح لنا بمثل هذه الأمور السيئة؟ هل الأمور المرعبة التي تحدث على الأرض هو إرادة الله؟ لماذا يستخدم الله مثل هذا الأسلوب “الساخر”، ولماذا لا يوقف كل هذه المآسي.

يضع المطران البريطاني ليسلي ويذرهيد تمييزاً لهذه العبارة “إرادة الله” فيقول “يتضمن تفاعل الله المهيمن على خليقة حرة ثلاثة أنواع من “الإرادة”. أولاً، إرادة الله المقصودة: نحن نعلم ما يقصده الله، ففي الفصلين الأولين من سفر التكوين يخلق الله عالماً حسناً وكاملاً، كما أن سفر الرؤيا ينتهي بنفس المنظر. وبذلك يقصد الله للإنسان أن يكون صحيحاً ويعيش مع الآخرين في ظروف طيبة ومزدهرة. وأي شيء آخر – الفقر والمرض والكراهية والألم والعنف والجوع – هي ضد إرادة الله التي يقصدها لخليقته.

ومع ذلك فالسقوط غيّر قوانين هذا الكوكب. وفي يقظة انتصار حاسم لقوى الشر، ظهرت شرور كثيرة على الأرض. وعندئذ كان يجب أن يكون لله “إرادة عريضة” (مستمدة من الظروف) تتوائم مع الشر الذي يحدث على الأرض. ولأن الأمور الحسنة التي عملها الله في الأصل قد فسدت، كان عليه أن يستخرج الخير من الشر. وعوامل كثيرة تحاول هزيمة خطة الله الأصلية، وقد سبب له هذا الكثير من الحزن. هل “إرادة” الله ليوسف ودانيال وإرميا وبولس وآخرين أن يعذبوا في السجن؟ كلا بل بكل تأكيد فهذا لم يكن في قصد إرادته. ورغم ذلك فالظروف الشريرة مثل حسد إخوة يوسف والقهر السياسي، وتهديدات القادة الدينين سبّب لكل منهم أن يقضوا فترة في السجن.

وبالرغم من ذلك – ولثقة كل هؤلاء في الرب – فإن خطة الله نفذت بالرغم من الظروف الشريرة، وإن كانت بطرق مختلفة للغاية. فانتصر يوسف وأصبح ثاني رجل في مصر، واختبر دانيال تحريراً غير عادي، و ترك لنا إرميا شهادة دائمة “كالنبي الباكي” وكتب لنا بولس الكثير من لاهوته خلف الأسوار. ويدعو ويذرهيد هذا النموذج الأخير “بإرادة الله العليا”. إلى أولئك الذين يثقون فيه، يعد الله أن يستخدم أية ظروف لكي يخدم إرادته العليا والأساسية.

الفيلسوف المسيحي نيقولاس ولتر ستروف، الذي فقد ابنه إريك في حادث تسلق للجبال، حاول أن يفهم إرادة الله كشيء مخطط: “كيف يمكننا أن نحتفظ بالشعاع في حين أننا نناضل ضد من جلبه؟ وتساءل في كتابه “رثاء ابن” كيف أتقبل معاناتي كنوع من البركة بينما أرفض الفكر السيئ الذي يقول بأن الله يهز الجبل لكي في  حال أفضل؟” وملاً كتابه بأسئلة أكثر من الإجابات، وتضمن وجهة نظرنا المحدودة بأنه ستكون لدينا  دائماً الكثير من الأسئلة غير المجابة. وقد وجد ولتر ستروف مساحة ضيقة من الثقة عندما أدرك أن “الله لكي يخلصنا من انسحاقنا وشعورنا بعدم محبته لنا وهو يعاني معنا لم يضربنا بل أرسل ابنه الحبيب لكي يعاني مثلنا ويخلصنا بمعاناته تلك من المعاناة والخطية. وبدلاً من أن يوضح لنا سبب معاناتنا شاركنا الله فيها”. وحقق الله في ابنه الانتصار العظيم لأسلوبه الساخر في الفداء.

وفي الصورة التي ذكرتها سابقاً عن تسلق الجبال، اقترح ليسلي ويذرهيد أن تصور مجرى ماء يجري أسفل الجبل. وبإمكاننا أن نوقف جريان الماء نحو الوادي، ولكن بصورة مؤقته فقط. فقانون الجاذبية يقول بأن الماء الذي يأتي من أعلى سوف يشق طريقه لأسفل. وبالمثل فإن إرادة الله العليا لا يمكن اعتراضها أو مقاومتها. ومع أن التاريخ الإنساني بكل شروره قد يمثل عقبات كثيرة في الطريق، ففي النهاية سوف نتغلب عليها. وسوف يسترد الله عائلته ويعيدها إلى حالتها الأصلية.

وقد يسمح الله لنا ونحن على كوكب الأرض بأن نصاب بأذى. مباني تنهار، تحدث زلازل، تنتشر الفيروسات، يلجأ الأشرار للعنف. ومما نعلمه عن شخصية الله، فلا شيء من تلك الأمور تعكس إرادته وقصده. ولا تعكس إرادته العليا من نحونا. وفي ذات الوقت فإن الفترة التي نقضيها على الأرض سوف تحدث أموراً سيئة لا يمكن تجنبها.

“إن حياتنا فترة قصيرة نقضيها في التوقع، فترة يلتقي فيها الحزن والفرح في كل لحظة. فهناك الحزن الذي يغطي كل لحظات حياتنا. ويبدون لنا أنه لا يوجد ما يسمى بالفرح في هذه الحياة، ولكن حتى في أسعد لحظات وجودنا ينتابنا شعور بالحزن. وفي كل تعزية هناك شعور بالمحدودية. في كل نجاح هناك خوف من الحسد. وخلف كل ابتسامة هناك دمعة. ووسط الشعور بالألفة قد نشعر بالعزلة والوحدة. وفي الصداقة قد نشعر ببعد المسافة. ووسط النور قد نشعر بالظلمة. ولكن في هذا الاختبار الوثيق الذي نشعر فيه بأن في الحياة يوجد أيضاً الموت قد ينقلنا وراء حدود وجودنا، ويحدث هذا عندما ننظر بتوقع إلى اليوم الذي تمتلئ قلوبنا بالفرح الكامل، فرح لا يمكن لأحد أن ينزعه منا

هنري نووين

وفي الخليقة يعمل الله من خلال المادة. أما في الفداء فهو يعمل من خلالنا. وعند مواجهة المآسي يمكنني الاستجابة إما بالشكوى والتذمر والبعد عن الله او بالرجوع إليه، واثقاً في قدرته أن يحول آلامنا إلى أفراح. واختيار واحد يركز على الماضي ويغلق المستقبل. أما الاختيار الثاني فيفتح المستقبل، ويسمح للفنان الأعظم بأن يستخدم الأحداث كمادة خام يصنع منها قصة جديدة تختلف تماماً عما كانت عليه وينتزع منها الألم والفشك بل ستكون اكثر غنى من سابقاتها.

سخرية الله  – فيليب يانسي

مراحل عبر الطريق – الوالد – فيليب يانسي

مراحل عبر الطريق – الوالد – فيليب يانسي

مراحل عبر الطريق – الوالد – فيليب يانسي

مراحل عبر الطريق – الوالد – فيليب يانسي

إقرأ أيضاً:

“أعتقد أن المحبة تتنازل من أعلى إلى أسفل.   الآباء يحبون أطفالهم أكثر من محبة الأطفال لآبائهم،ولذا يمكن للأطفا أن يدركوا عمق هذه المحبة فقط عندما يصبحون هم أنفسهم آباء”.

الأسقف كينج

لأنني لست أباً، فإنني أشعر بالرهبة تجاه الآباء. أصدقائي، من الآباء، يدخرون المال لسنوات ليحضروا أولادهم إلى كولورادو، وينفقون آلاف الدولارات للاستمتاع بالإجازات ثم يحصلون على عائد بسيط لهذا الاستثمار. فالولد الذي بلغ العشر سنوات يود أن يلعب ألعاب الفيديو اليوم. والمراهق يجلس عابساً في المقعد الخلفي ويعبث في مسجل CD مركزاً كل انتباهه في مجلة رياضية ورافضاً حتى أن يلقي نظرة على المناظر الطبيعية الجميلة من شباك السيارة. والأطفال الصغار يتشاجرون فيما بينهم على المقاعد ويتذمرون من طول الوقت الذي قضوه في السيارة، إن الطقس بارد للغاية ولا يصلح للخروج للنزهة. لماذا ذهبنا في هذا الرحلة الغبية؟ كنت أعتقد أننا سنرى حيوانات متوحشة – أين هي؟ ألا نستطيع البقاء في المنزل ونشاهد فيلماً؟

وللدهشة، فإن ردود الأفعال هذه لا تزعج الآباء على الإطلاق. لقد تعودوا على إنفاق الدولارات ويحثون أطفالهم لكي يرتدوا ملابسهم ويتخلصوا من بواقي الطعام من أطباقهم، وينظفوا حجراتهم وكل هذا قد يُقابل بالعناد وعدم الاكتراث. وكآباء لا يتوقعون أكثر من هذا.

ومثلما نتقدم في نمونا البشري من طفل إلى بالغ إلى أب فهذا ما يحدث لنا أيضاً في الحياة الروحية وإن لم يكن بنفس الدرجة تماماً.

وكما يقول جان فانييه: إن لكل شخص “ثلاث صيحات من القلب”. الأولى: نحن نصيح طلباً للحب من الأب والأم الذين بإمكانهما أن يحميانا في ضعفنا. وكل منا يبدأ حياته كطفل عاجز وضعيف، وحتى عند البلوغ لا نستغني عن حب الوالدين. وهذا الاشتياق قد يعيدنا إلى الله، كأطفال يحتاجون إلى الآب السماوي.

والثانية: نشعر بحاجة الشاب إلى صديق، شخص يشاركنا أعمق أسرارنا ونثق فيه بلا خوف ونحبه. وهذه الحاجة قد تقودنا إلى الله الذي يتغلب على كونه غير منظور فيرتبط بنا كبشر، ويعد بأن يعيش فينا “لا أعود أسميكم عبيداً بل أحباء” هكذا قال يسوع لتلاميذه.

وأخيراً، نشعر بالحاجة لخدمة أولئك الذين هم أضعف منا. وبالنسبة للكثيرين، فإن شعور الأبوة يشبع هذه الحاجة. أما آخرون – مثل فانييه القسيس أو يسوع نفسه – يسعون لخدمة الفقراء، والمتروكين، والمرضى، والمعاقين كاستجابة لهذه الحاجة القلبية.

ومثل الوالدين، يعيش المؤمن الناضج لا لنفسه. بل يعيش من أجل الآخرين. ويضع يوحنا لنا هذا المبدأ بكل وضوح:

“بهذا قد عرفنا المحبة: أن ذاك وضع نفسه لأجلنا فنحن ينبغي أن نضع نفوسنا لأجل الأخوة. وأما من كان له معيشة العالم ونظر أخاه محتاجاً وأغلق أحشاءه عنه فكيف تثبت محبة الله فيه. يا أولادي لا نحب بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق” (1يو 3: 16- 18).

وعندما قرأت العهد الجديد ووضعت علامة على ما يُقال للأولاد، والشباب، والآباء، وجدت الكثير من الفقرات موجهة إلى الآباء. ويؤكد الكتاب في كلمة الله تدريجياً وبلطف على القراء أن يتخبطوا ذواتهم. فمثلاً، بعض الفقرات تحث المؤمنين على تجنب قضايا المطالبة بحقوقهم لكي يضعوا مثلاً للآخرين لجذبهم للإيمان. ومع أن الرسول بولس نفسه لا يشعر بوخز الضمير تجاه أمور مثيرة للجدل والخلاف، فقد عدّل من سلوكه من أجل المؤمنين الضعفاء وغير الناضجين. ويقول: “فإنني إذ كنت حراً من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين”.

ويدفعنا العهد الجديد وبإصرار لأن نسمو نحو دوافع أعلى نحو الصلاح. فالطفل يريد أن يعرف ماذا سيأخذ، والبالغ يدرك أن الحدود وُضعت لمصلحته، أما الآب فيضحي بحريته من أجل الآخرين. وكما قال روبرت بروننج: “هذا هو طريق المحبة دائماً، لكي ترتفع لا بد وأن تتنازل وتنحني وتخضع”.

وهاكم حقيقة مدهشة: عندما يحزم أصدقائي شنطهم ويعودون لمنازلهم فلا أحد منهم يتأسف على ما احتملوه من متاعب. ففرحة الأطفال الذين شاهدوا الثعالب في أوكارها، واستمتاع الشباب بتسلق الجبال، وعناق طفل في عمر العشر سنوات في نهاية رحلة متعبة، مثل هذه الذكريات تبدد كل ضيق. إنهم يتقدمون نحو النضوج والثقة والاستقلال، وماذا ينتظر الآباء من مكافأة أكثر من ذلك؟

الله يعلم أننا أولاد، ولهذا فالكتاب يذكر دائماً هذا التشبيه المماثل. ولكن في ذات الوقت يشتاق الله أن ننمو في مرحلة الأبوة والمحبة والتضحية وهي التي تعكس طبيعة الله بكل دقة. إننا نقترب من طبيعة الله عندما نضحي بأنفسنا من أجله. ويقول جان فانييه: أننا نحتاج إلى هذه المرحلة كجزء أساسي للتقدم الروحي إذ أنها تعلمنا ما الذي يجب أن تكون عليه حياتنا وإلا لن نتعلم.

الآباء البشريون يتعلمون شيئاً من المحبة التي لا شروط لها وهي المتمثلة في محبة الله. ويقول رولاند روليهسر:

“قد لا يوجد شيء في هذا العالم يقوى على تحطيم الأنانية مثل النظر إلى أطفالنا. ففي محبتنا لهم نشعر بأن لنا نفس امتياز مشاعر الله نحونا – وهذا يدفعنا لأن نضحي ونفرح ونُسر وتكون لدينا الرغبة لأن ندع حياة الآخر أن تكون أهم وأفضل من حياتنا”.

في كل العلاقات الإنسانية نحن نُقدر بحسب إمكانياتنا. فصاحب العمل يحكم علينا بمهاراتنا ومستوى ذكائنا، والبنوك والمحلات التجارية تتعامل منا إذا كان لدينا رصيد بالبنك، وحتى أصدقاؤنا يختاروننا بناء على المصالح المشتركة. أما في العائلة فالشيء الوحيد المهم هو: الميلاد. هل بإمكانك أن تتخيل مشاعر والدين علما بأن نتيجة اختبار الذكاء الذي أجري لابنهما هو 90 درجة أو هل يتنكران لابنتيهما إذا فشلت في الانضمام لفريق الكرة بالمدرسة. إن الحب في الأسرة النموذجية هو حب غير مشروط. فالابن المعوق يتمتع بنفس المحبة والمشاعر الفياضة كالتي يتمتع بها الابن الرياضي القوي.

حتى بدون ولادة الأطفال يمكننا أن نكتسب الاطفال يمكننا أن نكتسب الاحساس بمحبة الآخرين محبة غير مشروطة كما يحبنا الله. وعندما حصلت زوجتي على برنامج تدريبي لمعاملة المسنين، تعودت أن أجيب كل من يسألني عن عدد أطفالنا أقول: “لدينا العشرات ولكن عمرهم ضعف عمرنا” فقد قامت زوجتي جانيت بخدمة المسنين في بيوت المسنين وفي بعض الفنادق ومنحتهم حباً أبوياً رائعاً.

عندما قُطعت الكهرباء والغاز والتليفون عن سارة، وهي سيدة مسنة، بسبب خطأ وسوء فهم، دافعت عنها جانيت بكل قوة ووبختهم لسوء تصرفهم مع سيدة مسنة وأعادت لها كل شيء. وعندما فقد هانك ساقه بسبب غرغرينا ومرض السكر، مكثت جانيت بجواره وعلمته كيف يمشي بالعكاز. وعندما عانت زيلدا من عدم تدفع الدم لأقدامها لازمتها جانيت بالمستشفى وقامت بعملية التدليك وراقبت الممرضات حتى لا يهملنها.

لم تقم جانيت بهذه الأعمال لأن هؤلاء المسنين استحقوا رعايتها، بل لأنها كانت تؤمن أن الله يحب كل مسن في شيكاغو ولكي يشعر كل منهم بهذه المحبة من خلال أيادي خادمة للرب. وفي أحد الأيام قرأت جانيت هذا الاقتباس: “الفقراء يعبرون عن امتنانهم ليس بأن يقولوا شكراً بطلب المزيد”. وكانت قد أمضت يوماً مرهقاً في الخدمة بين أولئك الذين يطلبون المزيد. وكان هذا الاقتباس مصدر عزاء لها.

حدث أمر عجيب أثناء وجود زوجتي جانيت في مركز خدمة المسنين. وعندما راقبتها هي والآخرين الذي يُشاركون في خدمة الفقراء في المناطق البعيدة، رأيت مدى التضحية الشخصية التي يبذلونها. ويتقاضى الأخصائيون الاجتماعيون مبلغاً بسيطاً نظير الساعات الطويلة التي يقضونها مع المسنين. وقد أدهشني ـ أنه بالرغم من العبء الكبير على جانيت كانت تبدو كما لو أنها تستفيد مثل المسنين تماماً. وقد لاحظ مرة شهيد العمل المرسلي جيم أيلوت أن كثيراً من المؤمنين يصممون على فعل شيء ما لله حتى أنهم ينسون العمل الأساسي الذي يطلبه الله وهو أن يصنع بهم شيئاً. ورأيت هذا المبدأ حياً في زوجتي. فهي عندما تغدق كل مهاراتها ومشاعرها على الناس ولكن يحكم عليها معظم المجتمع بأنها غير مستحقة، إلا أنها في داخلها تزداد قوة في الأمور الهامة.

وفي تناقض ظاهري إنساني، كلما ازداد عطاء الإنسان للآخرين كلما ازداد غنى وعمقاً وكلما أصبح أكثر تشبهاً بالرب. ومن الناحية الأخرى، كلما تقوقع على ذاته، كلما قلت إنسانيته. إن حاجتنا لأن نعطي هي في نفس درجة حاجة الآخرين لأن يتلقوا عطاءنا.

أخبرني د. بول براند عن زائر لا يُنسى قام بزيارته في فولاور في الهند عندما كان يدير مستشفى البرص. ففي أحد الأيام زاره راهب فرنسي يدعى بيري يرتدي ملابس راهب ويحمل حقيبة بها كل ما يمتلك. ولبضعة أسابيع مكث مع مجموعة تدعى براندس وأخبرهم قصة حياته. ولد في عائلة من النبلاء وخدم في البرلمان الفرنسي ثم تركه بسبب التغير السياسي البطيء. وبعد الحرب العالمية الثانية، وباريس مازالت تترنح تحت تأثير الاحتلال النازي، عاش آلاف المشردين في الشوارع. لم يتسامح بيري مع مشاورات النبلاء والسياسين تاركي الآلاف من الشعب يتضورن جوعاً في الشوارع.

وأثناء فصل الشتاء القارص تجمد الشحاذون في باريس حتى الموت. وفي يأسه استقال بيري من وظيفته وأصبح راهباً كاثوليكياً ليعمل وسطهم. وعندما فشل في إرضاء السياسيين أو المجتمع في محنة الشحاذين، قرر أن يركز مجهوده على تنظيم الشحاذين أنفسهم. علمهم كيف يؤدون الأعمال الحقيرة بطريقة أفضل. فبدلاً من جمع الزجاجات والخرق البالية، انقسموا إلى فرق لتنظيف المدينة. ثم قادهم لبناء مخزن للسلع من الطوب ثم يبدأون عملاً تجارياً حيث قاموا بشراء الزجاجات المستعملة من الفنادق. وأخيراً شجع بيري كل شحاذ بتكليفه بمسؤولية مساعدة شحاذ آخر أكثر فقراً منه. ونجح المشروع وفي سنوات قليلة قامت منظمة تدعى عمواس لكي تنقل نوعية العمل لبلاد أخرى.

والآن جاء بيري إلى فولار لأن المنظمة تواجه بعض المشكلات. وبعد سنوات من العمل لم يعد هناك شحاذون في باريس. ثم قال “يجب أن أجد شخصاً ما ليساعد الشحاذين. وأن لم أجد أناساً أشد فقراً من الشحاذين، فسوف تتراجع هذه المنظمة. وقد تصبح منظمة غنية وقوية وعندئذ سوف يضيع منها الهدف والتأثير الروحي إذا لم يجدوا أحداً ليخدوه”.

وفي مستعمرة البرص في الهند – تبعد خمسة آلاف ميل – وجد الأب بيري أخيراً الحل للمشكلة التي في باريس. وقابل المئات من مرضى البرص، والكثيرون منهم أسوأ حالاً من الشحاذين الذين تركهم في باريس. وعندما قابلهم ابتسم ابتسامة عريضة. وبدأ يدفعهم لبناء عنبر في المستشفى في فولاور وقال للمسؤولين: “لقد أنقذتمونا ويجب أن نعمل وإلا سنموت”.

لقد أتقن ومارس الأب بيري مبدأ القائد الخادم، وهذا جزء أساسي في الدور الروحي للآباء. قال يسوع عن نفسه: “لأن ابن الإنسان لم يأتي ليُخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين”. لا أعرف رسالة عاجلة لبلاد الغرب الغنية غير هذه والذين يشاركون كوكباً به ثلاثة بلايين شخص يكسبون أقل من دولارين في اليوم، عالم يموت فيه 40,000 طفل يومياً بسبب سوء التغذية والأمراض المستعصية. وكما قال الأب بيري نفسه، إن الحل لن يأتي من البرامج الكثيرة التي تقيمها الوكالات الدولية، حتى وإن كانت تساعد بعض الشيء، ولكن الحل سيأتي من الأفراد الذين يلتزمون برغباتهم الخالصة بحب الخدمة.

تمثل مرحلة الكبار حالة متقدمة من النضج. إن آجلاً أو عاجلاً، سيجد الآباء أنفسهم يواجهون تجارب صعبة بمفردهم دون أن يرشدهم أحد ماذا يفعلون…. وهذه حقيقة في حياتنا العادية ويمكن تطبيقها على الآباء الروحيين مثلما تحدث مع الآباء الجسديين. وقد تقابلت مع مؤمنين في أماكن صعبة مثل لبنان وروسيا والصومال لم يكن لديهم أي استعداد لمثل هذه المرحلة المتقدمة. لقد تطوعوا لخدمة الآخرين بروح مثالية. وكلما ازدادت التجارب، كانوا يتوقعون الإحساس بحضور الله، وبمساندة أكثر وإيمان أقوى. ولكن بدلاً من ذلل وجدوا العكس.

في احدى روايات س. إس. لويس يُدرك الشيطان – الذي أعطاه اسم “سكروبات” بطريقة كاملة نموذج بناء الإيمان. ونصح أتباعه بأنه في بداية الحياة الروحية قد يشعر المؤمن بقرب حضور الله، وهي حالة خطرة تقل فيها أسلحة الشيطان في مواجهة المؤمن. وفيما بعد سوف تسنح له فرص كثيرة ضد العدو (الله):

“في أثناء مثل هذه الفترات تبدأ حياة المؤمن في النمو. ومن هنا فالصلاة التي تٌقدم في حالة الجفاف هي تلك التي تُسر الله كثيراً… إنه يريدهم أن يتعلموا المشي ولذلك سوف يرفع يده، وإذا حاولوا المسير بمفردهم فسوف يُسر الله حتى لو تعثروا. لا تنخدع يا علقم Wormwoood (وهو اسم الشيطان الآخر). إن قضيتنا سوف تكون في خطر عندما يحاول الإنسان تنفيذ إرادة عدونا (الله) ويتطلع إلى الكون من حوله فيرى آثار عدونا (الله) تبدو كما لو أنها اختفت، ويتساءل لماذا ينساه الله وهو ما يزال يطيعه”.

فكر أحد أصدقائي في عمل كتاب قراءات روحية يومية لمدة 365 يوماً فتحدث مع آلاف القديسين لكي يختار من أقوالهم شيئاً لكتابه وأخبرني أن معظمهم يجتازون في صعوبات متزايدة. ولأن الله يوكل إلينا بمزيد من المسؤوليات لثقته فينا فقد تزداد المتاعب أيضاً. وهنا يظهر الشعور بالإهمال والترك ويضعف الشعور بحضور الله وتتكاثر التجارب والشكوك.

صاغ هنري نووين عباة جريئة “خدمة الغياب” وقال أن خدمتنا ستكون ناقصة إذا كنا نشهد فقط عن حضور الله ولا نُعد الآخرين لكي يختبروا الأوقات التي يبدو فيها الله غائباً. إن خدمة العبادة ذاتها تعبر عن حقيقة غياب الله:

نحن نأكل ولكن ليس بالقدر الكافي الذي يوقف جوعنا، ونشرب النبيذ ولكن ليس بالقدر  الكافي ليقضي على عطشنا، ونقرأ الكتب ولكن ليس بالقدر الكافي الذي يقضي على جهلنا. وحول هذه “الإشارات الفقيرة” نجتمع ونحتفل. بماذا نحتفل إذاً؟ هذه الإشارات البسيطة التي لا تشبع رغباتنا وتتحدث عن غياب الله. إنه لم يعود بعد، ونحن ما زلنا نسير في الطريق، وما زلنا ننتظر، وما زلنا نرجو، وما زلنا نتوقع وما زلنا نشتاق… إن الخادم لم يستدع لكي يفرّح الناس ولكن لكي يذكرهم أنه في وسط الألم والتجارب يمكننا أن نجد أول علامة للحياة الجديدة ويمكننا أن نختبر الفرح المختبئ في وسط الحزن”.

ولسنا بحاجة لأن ننظر إلى أمثلة أبعد من تلك الموجودة في الكتاب عن غياب الله. يقول أشعياء: “لماذا تحجب وجهك عنا. لماذا أنت كغريب في الأرض، كمسافر يمكث ليلة واحدة؟” وأي علاقة تتضمن أوقاتاً من القرب وأخرى من البعد، وفي علاقتنا مع الله، لا يهم مدى قربنا، فالبندول يتحرك من جانب إلى آخر.

وقد اختبرت الشعور بالبعد والترك وأنا أتقدم روحياً من الإيمان الطفولي إلى المرحلة التي شعرت فيها أنه بإمكاني أن أساعد الآخرين. وفجأة حل الظلام. ولمدة عام كامل لا أشعر باستجابة للصلاة، ولم أثق في أن الله كان يسمع لي. ولم يجهزني أو يعدني أحد “لخدمة الغياب”. وبحثاً عن الراحة بدأت أقرأ لشعراء مثل: جورج هيربرت، فرانك أبوت، وأيضاً جيرد مانلي هوبكنز الذي كتب ما يلي:

يا الله، وإن كنا نرفع مزاميرنا إليك

فلا تأتي أية استجابة من السماء؛

فإليك يصلي الخاطئ الخائف

ويبدو أن صلواتنا فُقدت في الصحراء

وترنيماتنا تموت في السكون الواسع

وهذا ما اختبرته أنا شخصياً. ولم تُجد مع أية وسيلة حتى أنني في يأسي اشتريت “كتاب الساعات” الذي يستخدم في الطقوس الدينية. وخلال هذه السنة كنت أقراً تلك الصلوات وبعض فقرات من الكتاب المقدس مقدماً إياها لله كصلوات لي. وقلت للرب: “ليس لدي ما أقوله. ربما لم يكن لدي إيمان. أرجوك قبول هذه الصلوات التي قالها آخرون كصلوات لي أقدمها لك الآن. وأقبل كلماتها بدلاً من كلماتي أنا”.

وأتذكر الآن هذه الفترة من الشعور بغياب الله عني كفترة هامة للنمو، لأنه أثناءها كنت أحاول جاهداً أن أجد الله أكثر من أي فترة سابقة. وخرجت منها بإيمان متجدد وتقدير لحضور الله كعطية وهبة منه أكثر منه أن نُؤهل لذلك. وتعلمت أن أنظر لفترات غياب الله كنوع من الحضور الغائب. فإذا غاب طالب عن حضور مدرسة أو جامعة لفترة محددة، فسيشعر والداه بغيابه كل يوم. ومع ذلك فهما لا يشعران بالفراغ الكامل لأنهما يتذكران وجوده السابق معهما. ويجدان في كل المنزل ما يذكرهما به، ولديهما امل في عودته. وهذا المعنى ينطبق على غياب الله عنا.

وبعد هذه السنة اجتزت في فترات من الجفاف الروحي ولكن لم يكن في قسوة تلك الفترة التي عانيت فيها من اليباب الشديد. ومن الكتاب المقدس يمكنني أن أفهم أن غياب الله عنا قد يكون نوعاً من الاختبار الذي لم يستثن منه الرب يسوع نفسه “إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟” ومن الناحية الأخرى قد يمثل وجهاً من علاقة غير مهمة. وأنا لست أول من اختبر هذه الأوقات المظلمة ولن أكون الأخير. وإذا كان رد فعلي منها الابتعاد عن الله فسوف أحرم من مرحلة نمو العلاقة الناضجة. وإذا كان الله قد منحنا الحرية لكي نقترب منه أو نبتعد عنه، ألا يكون له هو نفس الحق في مثل هذه الحرية؟

مع أني لست أباً، فقد جلست مع آباء كثيرين واستمعت إلى شكواهم: لقد فعلنا كل ما نستطيع فعله. أعطيناها كل ما احتاجت إليه، أحببناها بكل الطرق التي نعرفها…  والآن حدث ما حدث. تقول أنها كانت تتمنى لو لم تولد، إنها تلومنا وتعتبرنا سبباً في كل مشاكلها وتتمنى أن لا ترانا ثانية.

إن الآباء يعرفون استخدام القوة ويعرفون أيضاً حدودها. بإمكانهم الإصرار على سلوك خارجي معين ولكنهم لا يستطيعون تغيير الداخل. قد يطلبون الطاعة وليس الصلاح ولا الحب. كيف إذا يمكنك بناء شخصية الطفل؟ كيف تغذي فيه صفات مثل الصبر، الشفقة، اللطف، والعاطفة؟ كيف تغفر عن سلوك بغيض بدون عقاب؟

ويكافح الآباء الأرضيين مع نفس القضايا الحساسة مثل القوة والحدود الذاتية وهي أيضاً تعرّف علاقة اله بنا. فمن خلال ما يجتاز فيه الآباء يمكن أن تكون لدينا لمحة عن “المشاكل” التي تحدث مع الكائنات البشرية التي خلقها الله وأعطاها الحرية لكي تثور ضده. وعندما قرأت سفر أرميا منذ فترة وجيزة، سمعت صدى كلمة الله عن الألم الذي يشعر به الآباء. “بعد كل الذي فعلته من أجلكم، وكل الحب الذي منحته لكم، كيف تعاملونني هكذا؟ لماذا تحولون ظهوركم لمن خلقكم؟”.

أنت لست بحاجة لأن يكون لك أولاد حتى تتعلم مثل هذه الدروس. اسأل أي خادم ما إذا كانت فكرته وخبراته مع الاجتماع الذي يخدمه تتفق مع المثاليات التي جذبته للخدمة في بداية حياته. أو اقرأ رسائل الرسول بولس لأهل كورنثوس واصغ إلى مدى توتره وغضبه وحيرته إزاء تصرفاتهم الروحية الصبيانية. إن المحبة ترفض التحكم في الآخرين بل تطلقهم أحراراً وتتحمل النتائج.

قال الرب يسوع هذه الآية ست مرات في الأناجيل: ” من يضع حياته من أجلي يربحها أما من يحتفظ بها فيخسرها”.*

إن حياة يسوع تحمل هذا المبدأ، لأنه اختبر الخسارة حالما التزم بالخدمة الجهورية. فطاردته الجماهير بطلبات متزايدة دائماً. وظهر الاعتراض وأخيراً بذل حياته.

وضع براند Bernard of Clairveaux أربعة مراحل للنمو الروحي:

1 – نحب أنفسنا من  أجلنا.

2 – نحب الله من أجل أنفسنا.

3 – نحب الله لذاته وبدون أنانية منا.

4 – نحب أنفسنا من أجل الله عالمين مدى محبة الله العظيمة لنا.

وأنا أود أن أضيف رقم 5 وهي التي تمثل مرحلة الأبوة للنمو الروحي وهي: محبة الآخرين من أجل خاطر الرب.

“كتب على إحدى اللافتات اللاصقة: لتُقد السيارة بحذر، فالحياة التي تنقذها قد تكون حياتك”. هذه هي حكمة الإنسان في كلمات قليلة. ومن الناحية الأخرى يقول الرب “الحياة التي تخلصها هي الحياة التي تضحي بها من أجل الآخرين” وبمعنى آخر، الحياة التي تحفظ بها لذاتك، وتدخرها، وتحاول أن تحافظ عليها فهي في النهاية قليلة القيمة بالنسبة للآخرين بمن فيهم أنت، أما الحياة التي تبذل من أجل الآخرين في محبة فهي التي تستحق أن نعيشها. ولكي يوضح هذا الأمر أرانا الله إنساناً بذل حياته دون أن يكون له أية أموال في البنك. وفي رأي البشر وحكمتهم، إنه كان غبياً وكل من يفكر في اتباعه بدون أن يتبع نفس طريقه فهو بذلك لا يحمل الصليب بل يخدع نفسه”.

فريدريك بوتشنر

ويمكن للمؤمنين أن يؤثروا في العالم بمحبتهم المضحية، وهي أفضل طريقة لتغيير العالم. إن الآباء يعبرون عن محبتهم بالبقاء ساهرين طوال الليل مع أطفالهم المرضى، والعمل في وظيفتين ليتمكنوا من دفع مصروفات المدرسة، ويضحون باحتياجاتهم من أجل أبنائهم. وكل من يتبع يسوع يسلك على نفس النموذج. إن ملكوت الله يعطى في محبة وسخاء، وهذا ما يفعله الله من أجلنا.

في فترة تحقيق الذات، لا يستطيع كل فرد أن يوافق على مبداً إنكار الذات الذي نادى به يسوع والقائل بأننا يجب أن ننكر ذواتنا لكي نتبعه. كتبت جلوريا ستينم في كتابها “ثور من الداخل” ما يلي: “إن السلطة الذاتية هي الفكرة الوحيدة الجوهرية والراديكالية الموجودة” وأنا لا أوافق على ذلك. فعندما نقبل سلطة أعلى وننكر ذواتنا في خدمة تلك السلطة وهذا السلطان، فهذا هو أمر أساسي وجوهري وراديكالي.

إن يسوع لم يستخف بمحبة الذات وقال: “تُحب قريبك كنفسك”. بل بالحري اقترح أقصى تحقيق لنتائج خدمة الآخرين ليست الأنانية أو حب الذات. فنحن نحقق ذواتنا لكي نتمكن من تقاسم تلك المواهب مع الآخرين الأقل موهبة. بعض طلبة الكليات قد يذهبون إلى البرية ليقضوا فترة من التأمل “لاكتشاف أنفسهم. ويقول الرب يسوع أننا نكتشف ذواتنا لا بأن نبدأ من الداخل بل بأن ننظر للخارج، ليس بفحص أفكارنا ومشاعرنا بل من خلال أعمال المحبة للآخرين. ولا يستطيع أحد أن يفهم كيف يصبح أباً بقراءة الكتب وقبل أن يولد أول طفل. أنك تتعلم هذا الدور عند القيام بآلاف الأعمال الدنيوية: استدعاء طبيب عند المرض، إعداد الطفل لأول يوم لذهابه للمدرسة، اللعب معه، تضميد الجراح…. والأب الروحي يمر بنفس المراحل. وفي النهاية سوف يثبت صحة ما قاله الرب يسوع “من يضع نفسه من أجلي يربحها”. فالتواضع يقود للرفعة.

* وهنا يجب أن أذكر تحذيراً للكنيسة لأنه أحياناً يُساء تفسير إنكار الذات. إنه لا يعني إنكار قيمة الفرد، ولم يقصد يسوع هذا على الإطلاق. ولا يُقصد بالآية التقليل من مواهب الشخص وإمكانياته: بل أن الرسول بولس أكد على ذلك وقال إن هذه هي مساهماتنا الرئيسية لجسد المسيح. ولكن ليس كل شخص يستطيع أن ينكر ذاته. يجب أولاً أن نأخذ لكي نتمكن من العطاء ويجب أن يكون لدينا مكان قبل أن نتركه. كثير من المؤمنين يضعفون بسبب الأفكار اللاهوتية الخاطئة ويحتاجون إلى تصحيح أفكارهم من جهة ممتلكاتهم الشخصية قبل أن يفكروا في إنكار الذات. إن الأطفال المجروحين يحب أن يشفوا قبل أن يصبحوا آباء أصحاء.

مراحل عبر الطريق – الوالد – فيليب يانسي

مراحل عبر الطريق – البالغ – فيليب يانسي

مراحل عبر الطريق – البالغ – فيليب يانسي

مراحل عبر الطريق – البالغ – فيليب يانسي

مراحل عبر الطريق – البالغ – فيليب يانسي

إقرأ أيضاً:

“أنت تسأل: ما هي عقوبة أولئك الذين لا يقبلون الأشياء بهذه الروح؟ إن عقوبتهم هي أن يظلوا كما هم”.

أبيكتيتوس

يدفع الولادان الحكماء أطفالهم عن فكرة الاعتماد عليهم إلى الحرية بهدف تربيتهم على الاستقلال عندما يكبرون. أما المحبون فيختارون الاتكال على بعضهم البعض بإرادتهم: إنهم أحرار ولكنهم يتنازلون عن هذه الحرية من أجل الحب. وفي الزواج الناجح يتنازل الشريك عن رغباته لشريكه الآخر ليس اجباراً ولكن بدافع الحب وأعتقد أن علاقة الكبار معاً تكشف ما يطلبه الله من الإنسان دائماً: ليس مجرد تعلق طفل بوالديه وليس لديه أي اختيار حقيقي ولكن التزام ناضح وحر من الحبيب للمحبوب.

ودائماً ألجأ إلى فكرة الزواج كصورة لهذه العلاقة الناضجة لأنني عايشتها كل يوم لمدة ثلاثين عاماً وهي أيضاً صورة يؤكد عليها الكتاب دائماً. كيف يمكنني أن أختار نوعاً جديداً من الاتكال التطوعي في الزواج؟ وأعتقد أنني أنا وزوجتي جانيت اتخذنا قرارين ساعدانا لكي ننتقل إلى آفاق جديدة.

في أول مرة، انتقلنا من الأحياء البعيدة في شيكاغو إلى وسط المدينة. وكان يبدو أنها نوع من المخاطرة لأننا اعتقدنا أننا يمكن أن نتعرض لأي هجوم او اعتداء مرة كل أسبوع في هذه المدينة. وتجولنا في المدينة وسمعنا لغات أخرى ينطق بها الناس في الشوارع. وتعلمنا كيف نتقبل ونستمتع بالأجناس والثقافات المختلفة المحيطة بنا. ولم نتعرض لأي نوع من الاعتداء طوال ثلاثة عشر عاماً قضيناها وسط المدينة.

وبعد تلك السنوات الغنية في حياة المدينة انتقلنا إلى كولورادو وهي على النقيض من شيكاغو في كل شيء. ولم نعرف أحداً فيها وكان علينا أن نبدأ ثانية العملية المعقدة لاكتشاف المجتمع والكنيسة والأصدقاء.

وعندما أتأمل في الأحداث الماضية يبدو واضحاً أننا انتقلنا إلى شيكاغو من أجل جانيت ثم انتقلنا إلى كولورادو لأنها كانت هذه رغبتي أنا. ونجحت جانيت في المدينة وأعدت برنامجاً للخدمة في الكنيسة تجاوب مع الاحتياجات العملية للمسنين وكان معظمهم فقراء والبعض منهم بلا مأوى. إن حياة المدينة بضغوطها وضوضائها بددت طاقتي الإبداعية، ولذلك اخترنا كولورادو بحثاً عن بيئة أكثر هدوءً تساعدني على الكتابة.

وانتقالنا إلى كلا المكانين تطلّب الكثير من التكيف والتضحيات. وكما يعرف كل شخص في زواج ناجح أن الزوجين يتحملان كل هذه التغيرات بروح متبادلة من التسليم. ولأنني أعمل بالمنزل فقد ساعدنا هذا لأن يكون لدينا الكثير من الاختبارات أكثر من آخرين. ولكن روح القوة التي قد تقول (إنني أحتاج إلى تغيير مجتمعنا هذا الذي نعيش فيه وسوف أنتقل من هنا أردت هذا أم لا) أو العلاقة (لقد حققت أنت رغبتك، وجاء دوري لكي أحقق رغبتي أنا) فمثل هذه الروح ستدمر كل شيء. لا أحد منا كان يفرض قراره على الآخر.

وفي الحقيقة في أية علاقة ناضجة يضع الحب الحدود والروابط. فلا يمكنني الإشارة إلى عدد المرات الكثيرة التي تخلت فيها جانيت عن أمور محبوبة لديها حباً لي، وأنا أيضاً فعلت نفس الشيء. فلا أحد منا يستطيع أن يكسب كل شيء طوال الوقت. ولأننا مرتبطان وملتزمان معاً فنحن نتكيف في الأمور الكبيرة والصغيرة الضرورية حتى نحيا معاً في سلام ونحاول ممارسة القوة والحرية في نطاق الحدود التي وضعناها معاً بالحب.

ثلاثون عاماً في هذا الزواج أحدثت تغييراً في كل منا. فقد تغيرنا كثيراً عما كنا عليه في بداية الزواج. علمتني جانيت مهارات اجتماعية، ومحبة النباتات، والعطف على الفقراء، وأنا علمتها الاستماع بالموسيقى الكلاسيكية، والتنبه للجمال الطبيعي، والحماس للسفر، وممارسة الرياضة. وخضوعنا لبعضنا البعض ساعدنا على النمو وليس الانكماش والعزلة.

ويدرك المحبون أن العلاقة تنمو في تربة من الثقة والنعمة والغفران وليس الناموس. وإن الحب لا يُفرض بالأمر. إنه لأمر طبيعي أن يريد أحد المحبين ما يريده الآخر. وعندما يتطلب الحب تضحية شخصية، فيبدو الأمر وكأنه موهبة: “لتكن لا إرادتي بل إرادتك”. ويفتخر المحبون قائلين: إنني أتحدث عن زوجتي للآخرين وأفتخر بإنجازاتها ليس لأني مضطر لذلك ولكن لأنني أريد للآخرين أن يعرفونها كما أعرفها أنا. بهذه الطريقة وبطرق أخرى تعلمت من الزواج كيف يجب أن تكون علاقتنا مع الله ناضجة. وقد وصف أوغسطينوس الحياة الروحية الطيبة بأنها “الحب المنظم جيداً”.

إن الحالة التي يريدها الله منا تأتي كنتيجة لعلاقة أمينة ومخلصة معه. إننا نسعى لأن نُسر الله وهدفنا الأعلى أن نعرفه ونحبه ونضحي بالكثير، وأثناء هذه العملية نحن أنفسنا نتغير. وتنمو الروحانية الشخصية كثمرة من ثمار تعاملاتنا مع الله. وفي النهاية، نجد أنفسنا أننا لسنا فقط ما يُسِر الله بل إننا نريد أن نعمل ذلك.

اسأل أي شخص عالمي ليوضح لك سلوك المؤمنين الملتزمين. لماذا يتجنبون العادات الضارة بالجسم، ويحاربون الشهوة والفساد، ويفضلون الآخرين على ذواتهم، ويصرون على ممارسة الأمانة والعدل، يبحثون عن المكروهين والمنبوذين؟ وقد تسمع إحدى هذه الإجابات: “إنهم يخشون الجحيم، ويخافون من غضب الله، الدين هو دعامتهم، إنهم يعتمدون على هذه القواعد والقوانين لأنهم لا يستطيعون أن يكونّوا رأيهم الخاص – إنهم مضغوط عليهم – إنهم يجتمعون معاً لتأكيد معتقدات بعضهم البعض”. ومع أن هذا الإجابات قد يكون لها أساس من الصحة، فإنها لا تعكس الدوافع لدى المؤمنين والموصوفة في الكتاب المقدس.

لقد حكى لنا الرب يسوع عن التاجر الذي وجد لؤلؤة ثمينة فباع كل ما يمتلك لكي يشتريها. وفرحه بشرائها أنساه كل ما خسره. وهذا هو تصور الإنسان الناضج والبالغ عن الحياة المسيحية: ليس وجهاً عابساً ونظاماً صارماً ولكنها حياة جديدة مملوءة بالحيوية تستحق كل تضحية من أجلها.

والوصول إلى هذا الهدف قد يأخذ وقتاً وممارسة طويلة. وكما قال س. إس. لويس: “يجب أن أقول صلواتي كل يوم سواء شعرت بالخشوع أم لا، ولكن هذا يشبه اضطراري لتعلم قواعد اللغة إذا أردت قراءة الشعر”. ومثلما درس لويس قواعد اللغة اليونانية لا لكي يعرب الأفعال ولكن ليقرأ الشعر، فكذلك أمارس أنا التدريب على مفاتيح البيانو حتى تمكنني من إتقان استخدامه. وتأتي المكافأة بعد الممارسة ولا نحصل عليها بلا ممارسة. وقال أيضاً لويس: “نحن نتصرف بدافع الواجب آملين يوماً ما أن نفعل نفس الشيء بحرية وإصرار”.

لماذا يجب أن نكون صالحين؟ لماذا نهتم بكل الوصايا المذكورة في العهد الجديد؟ وأثناء قراءتي لصفحات الكتاب، قمت بوضع خط على الأماكن التي تصف العلاقة التي يريدها الله من الكبار. وأقدم ثلاثة أمثلة توضيحية يشير كل منها إلى دافع له ما يماثله في الكتاب المقدس.

المثل التوضيحي الأول سمعته من آرون غاندي حفيد المهاتما غاندي والمقيم الآن في الولايات المتحدة. قضى آرون فترة المراهقة في جنوب أفريقيا، وحيث قام والده بالمساعدة في حملة المطالبة بالحقوق المدنية التي بدأها جده غاندي منذ عدة سنوات. وبعدما تعلم آرون القيادة طلب منه والده أن يأخذه بالسيارة لوسط المدينة لمكتب محام لاجتماع هام معه ثم يمكنه بعد ذلك أخذ السيارة لإصلاحها. وقال له: “بإمكانك أن تفعل أي شيء تريده طالما ستأتي لتأخذني في الساعة السادسة تماماً”. ومثل أي مراهق حصل على رخصة قيادة، قفز أرون فرحاً بالفرصة التي أتيحت له للقيادة في المدينة الكبيرة.

وبعد أن وضع السيارة في الجراج ذهب آرون إلى السينما. وكان الفيلم مسلياً للغاية حتى أنه حضر العرض الثاني ولم ينتبه للوقت. وعند خروجه من السينما شعر بنوع من الارتباك لحلول الظلام وتساءل ما إذا كان الجراج ما زال مفتوحاً. وأسرع إلى هناك ووجد المكان مفتوحاً. وأخذ السيارة وأسرع بها إلى مكتب المحامي حيث وصل الساعة 6,30 ووجد والده منتظراً.

ولأنه كان يعرف أن والده يحب حفظ المواعيد، اخترع آرون قصة بعض المشاكل التي واجهها عند اصلاح السيارة وقال: “إنني سعيد الحظ لأنهم انتهوا من إصلاح السيارة إذ كان عليّ أن أنتظر لمدة ساعة وهذا هو سبب تأخري”.

وكان والد آرون قد اتصل بالجراج الساعة الخامسة وعرف منهم أن السيارة جاهزة. عندما قاد آرون السيارة وخرجوا خارج حدود الم المدينة طلب من ابنه أن ينتحي جانباً. وقال إنه اتصل الجراج وعرف أن آرون كاذب. وقال الأب: “لقد تضايقت للغاية، ما الذي جعل ابني يكذب عليّ؟ كيف أنني فشلت في أن أعلم ابني أن يقول لي الحقيقة؟ يجب أن أفكر في هذا الأمر؟

ونزل الأب من السيارة وسار على قدميه بقية الطريق حتى المنزل طالباً من آرون أن يسير خلفه بالسيارة ويضئ أنوارها لتضيئ له الطريق. وأخذ يسير لمدة 6 ساعات وهو مطرق برأسه إلى الأرض في تفكير عميق. وقاد آرون السيارة على بعد خطوات من والده طوال الطريق.

عندما سمعت آرون وهو يروي هذه القصة، تساءلت ما إذا كان بإمكانه أن يستخدمها كمثل “رحلة تذنيب” استغلها الأب ليشعر ابنه بالذنب الذي اقترفه. ولكنه لا يراها بهذه الطريقة. حتى وهو في فترة المراهقة كان يحترم والده كقائد عظيم وضع المثل للأمانة والعدل. وعندما قال والده أنه يجب أن يفكر لماذا فشل كأب في تربية ابنه، كان يقصد ما يقول وقد أثر هذا في أعماق آرون. وأكثر من أي شيء آخر، أراد آرون أن يدخل السرور إلى قلب والده وإذا بحادثة الكذب تبرز أمامه. ويقول آرون: “بعد هذه الحادثة لم أكذب أبداً”.

والمثل الثاني مأخوذ من فيلم “الإنقاذ الخاص لرايان” تتولى مجموع إنقاذ يقودها الممثل توم هانكس، في إرسالية جريئة للعثور على رايان الذي قُتل اخوته الثلاثة في الحرب العالمية الثانية. وبدأت المجموعة تنفيذ مهمتها وحاربوا في اشتباكات مع النازي خلف خطوط العدو. ومات العديد منهم. وعند نهاية الفيلم يتقابل رايان صدفة مع الكابتن توم هانكس الذي أصيب بجرح مميت. وعندما نظر حوله إلى الدمار الذي نتج عن المعركة التي حاربوها لإنقاذ رايان، قال الكابتن هذه الكلمات الأخيرة في الفيلم “اربحها”.

اربحها! لقد كانت لك نعمة الشجاعة والتضحية وأخيراً حياة أولئك الذين ماتوا عنك لكي تحيا أنت. ليس لديهم ما يقدمونه أكثر من حياتهم. ولكن أنت تستطيع ذلك بإمكانك أن تحيا حياة تُثبت بها أنك كنت تستحق كل هذه التضحيات. لا تُجب بدافع الشعور بالذنب بل بدافع الشكر والامتنان مقدراً ما فعلوه من أجلك.

أما المثل الثالث فهو ما قاله أستاذ الفلسفة إدوارد لانجريك بكلية القديس أولاف في مينيسوتا، وهذا ما خاطب به إحدى الكنائس:

“تعرفت مرة على ولد صغير وعندما كان في السابعة من عمره ارتكب خطأ ترك أثراً عميقاً في نفسه. ذهب مرة إلى مخزن أدوية وحاول أن يسرق بعض المال. وفشل في ذلك ولكن بدلاً من تبليغ الشرطة أرسل إلى منزله وأبلغ والده بما حدث. وهذا هو أصعب أمر واجهه في حياته. وتبادر إلى ذهنه أن يكسر ذراعه عمداً أمام سيارة مسرعة أو يفعل أي شيء ليريحه من المناقشة الخطيرة التي ستحدث مع والديه. ولكن المناقشة حدثت. وكان رد الفعل السريع للوالد هو قوله: “ابني مجرم” ونفذت هذه الكلمات إلى قلب الولد. لقد كانت كلمات مرعبة ولكنها صادقة. طفل عمره سبع سنوات ومجرم. ولكن والدة الطفل الباكية قالت: “ابني ليس مجرماً، وسوف يصبح قسيساً”.

كنت أنا ذلك الطفل، وكانت إجابة أمي هي درس في الحب. لقد أحبني والدي أيضاً حتى أن ما قاله هو الصدق. لقد فعلت ما أستحق أن أوصف به بأنني لص. ولكنه لم يقل كل الحقيقة، لقد رأت فيّ أمي إمكانية ما يمكن أن أعمله وليس فقط ما عملته. والآن أرى أن كليهما كان مخطئاً (فلم أصبح قسيساً ولا لصاً بل أصبحت أستاذاً)، ولكن الطريق التي أحبتني بها أمي علمتني الكثير عن كيف أحب نفسي…

لنفترض وجود شخص كان يرى فيك دائماً الإمكانيات، وسامحك من أجل إمكانياتك هذه وكان يتحداك باستمرار ويقول أنه سيكون لك شأن. وأفترض أن هذا الشخص ليس مثل باقي الناس ولكنه هو المسؤول عنك وعن كل شخص آخر. ألا يمنحك هذا الشخص القدرة لتكتشف قوة المحبة لتدرك حق الادعاء الذي يقول بأن الذي يُحَب يمكن أن يُحِب. وأن مثل هذا الشخص تحبه من أجل نفسك والآخرين أيضاً؟ وإذا كان الأمر كذلك فمن أجل هذا الشخص ألا تحب نفسك وتحب قريبك كنفسك. وسوف يكون هذا أمراً رهيباً حقاً…”

إن الرغبة في أن تدخل السرور لشخص تحترم، مثلما فعل آرون وتعبر عن الامتنان مثل ريان من أجل التضحية غير العادية، كلاهما يمثل تصرف الكبار وليس دوافع طفولية للطاعة وكلاهما يمكن أن تطبقهما في علاقتنا مع الله. ومع ذلك فأستاذ الفلسفة وضع لنا مثلاً متفرداً لأقوى دافع: أن نعكس هويتنا الحقيقية كأشخاص محبوبين من الله. يقول الرسول يوحنا نحن نحب الآخرين لأن الله أحبنا أولاً. ونُسر قلب الله كما يُسر المحبوب حبيبته ليس بالاضطرار بل بالاختيار والرغبة.

فكر في الأمر: هل بإمكان أي شخص أن يفي بالوصية العظمى – أحب الرب إلهك – خوفاً من العقوبة؟ أن المحبة ليست بالإكراه. أنها تنبع من الامتلاء لا من الخوف. ووضع الرب يسوع الخطوة التالية: “من يحبني يتبع وصاياي”.

عند قراءتي للعهد الجديد، اندهشت من الإصرار المستمر للكتاب على أن الخليقة الجديدة هي الدافع للسلوك الصالح. وأنني كهيكل لله الحي، ما هو العمل الذي أغرسه فيمن حولي وقد لا يرضى عنه الله؟ ويسمي هنري نووين هذه الخليقة الجديدة “صوت الله الداخلي للحب”. روح داخلي يذكرني ويحررني لكي أتعرف كشخص محبوب من الله غير ناظر لمديح الناس أو ملامتهم. إن الصلاح أو “القداسة” هي ليست بعض الأنظمة الجديدة الفاضحة التي يجب أن أرتديها حول نفسي. إن القداسة هي ثمرة تغيير داخلي وهي استجابة تدريجية ولكن أكيدة لشخص يسكن الله فيه.

يقول أوغسطينوس: “إننا عابرو سبيل على الأرض، ونسير باستمرار”. “وهذا يعني أن علينا أن نواصل المسير باستمرار. ولهذا فأنت دائماً لا تشعر بالسعادة في المكان الذي أنت فيه إذا كنت تريد الوصول إلى غير المكان الذي أنت فيه. وإذا كنت مسروراً بحالك فقد توقفت فعلاً. وإذا قلت هذا يكفي، فأنت مفقود. واصل المسير وتقدم للأمام محاولاً تحقيق الهدف.

لدي ذاكرة قوية عن ممارسة التدريب والتهذيب الروحي. وبعد تخرجي من مدرسة لدراسة الكتاب المقدس فرضوا علينا كتيباً من 66 صفحة لقواعد نتبعها، ولكنني مارست حريتي في تجنب أي شيء مقتبس من الناموس والقواعد الروحية الصارمة. وفي إحدى العطلات الأسبوعية في فصل الشتاء استضفنا زائراً يدعى Joe وكان زميلي في كلية اللاهوت وهو يتمسك بالأمور الروحية بجدية أكثر مني، حتى أنه كان يوقظ كل من بالبيت في الساعة الخامسة صباحاً.

وأذكر أنه كان لدينا كلب قنص صغير يكره أولئك الذين يمارسون التمارين الرياضية.  فكان يطارد الذين يمارسون الجري أو يركبون الدراجات، وعندما حاولت زوجتي ممارسة نط الحبل كان يضايقها كثيراً. وحدث مرة أنه في الخامسة صباحاً سمعنا نباح الكلب في حجرة المعيشة. وخوفاً من وجود لص وبسرعة أمسكت بمضرب الراكيت، وهو السلاح الوحيد الذي وجدته أمامي، وأسرعت نحو الغرفة وفتحت الباب وأضأت النور. وإذ بي أرى Joe مرتدياً الشورت، وعيناه مفتوحتان في فزع شديد محاولاً دفع كلب رمادي صغير واقفاً على ظهره العاري ومحاولاً عض شعر رأسه.

وبعد تهدئة الكلب، شرح لنا Joe ما حدث، قال أنه بعد قضاء ساعتين هادئتين في الصباح بدأ في ممارسة بعض التمارين ليستيقظ. ومن معاشرتي لـ Joe كزميل في الدراسة أدركت أنه يمارس كل هذه التدريبات الروحية ليس بدافع من ضمير يؤنبه بل كواجب مفروض عليه كما يمارس الرياضي تمارينه الاعتيادية اليومية. وبالرغم من أنه لا يوجد أحد يستمتع بالاستيقاظ مبكراً في منزل بارد ومظلم لكي يصلي ويقرأ الكتاب، كان Joe يعتقد أنه أمر طيب أن يبدأ يومه بمثل هذا النظام. أن المؤمن الناضج لا يجب أن يعمل ويتصرف بدافع الواجب بل برغبة وحب، لأن العمل الذي يدخل السرور لقلب الله هو أيضاً يفرح المؤمن.

وحتى اليوم أشعر أنني غير مؤهل لكي أعطي تعليمات محددة للتدريب الروحي. بل بالحري أنصح بما كتبه إيوجين بترسون، ودالاس ويلارد، وريتشارد فوستر، وإرشادات توماس ميرتون للجيل الماضي. وما كتبه بندكت، وأغناطيوس في القرون الماضية عن برامج مفصلة في هذا الأمر: البساطة، الانعزال، التسليم، الخدمة، الاعتراف، العبادة، التأمل، الصلاة، الصوم، الدراسة، التوجيه الروحي، حفظ يوم الرب، المجموعات الصغيرة، الضيافة، الطهارة، الصداقة، التكريس، العمل، القيادة، الشهادة… كل هذه تلعب دوراً في النضوج الروحي، وكلها تتطلب التزاماً قد يوجد نوعاً من الصلة بينها وبين الأفكار القديمة التي كانت تُتبع.

ويعطينا تاريخ الكنيسة الكثير من الأمثلة لأناس مارسوا التهذيب الروحي بطريقة متطرفة وغير صحيحة معذبين أجسادهم ورافضين لكل أنواع التسلية. نحن نرفض كل هذا السلوك المتطرف. ومع ذلك فعندما كنت أقرأ ما كتبوه عن تلك “الرياضية الروحية” عرفت أنها كانت تُمارس طوعياً، والقليلون منهم كانوا ينظرون إليها بنوع من الأسف. إننا نعيش في مجتمع لا يستطيع أن يفهم أولئك الذين يصومون أو يصلون لمدة ساعتين في وقت هادئ، ثم يُقدرون لاعبي كرة القدم المحترفين الذين يتدربون لمدة خمس ساعات يومياً وقد تُجرى لهم عمليات جراحية في الركبة أو الكتف لعلاج إصاباتهم في الملاعب. إن كرهنا للنظام الرياضي قد يكشف الكثير عن أنفسنا أكثر مما يكشف عن “القديسين” الذي ننتقدهم.

عبر توماس ميرتون عن التشابه بين الحرية والثروة التي يتمتع بها الرجل الغني. فالرجل الغني بإمكانه، إذا أراد، أن يشعل سيجارته بنقوده. ويقول ميرتون أنه قبل معرفته للرب، بدد حريته في الحفلات وشرب الخمر. ولكن الرجل الغني الحكيم يعرف الطرق لاستغلال أمواله ليجني الثمار فيما بعد. أما ميرتون فقد اختار أن يستثمر حريته بالتحاقه بدير، والصلاة لعدة ساعات، ويعيش في سكون وعزلة. وقليلون من الذين يعرفون حياته يقولون أنه قد أضاعها.

وعندما أدرس حياة أناس مثل: فرنسيس الأسيزي، بندكيت، ميرتون، الأم تريزا، أرى في هذا النفوس المنظمة ليس مجرد اتباعها لنوع من النظم في تصميم وتزمت بل يحدث هذا بتلقائية بل بفرح. وباستثمارهم لحريتهم في نظام، فإنهم بذلك يتمتعون بحرية أعمق وغير متاحة في أي مكان آخر.

وقد نصح القديس بنديكت بالحاجة إلى “قليل من الحزم لكي نصلح الأخطاء ونحمي الحب”، وتساعدنا هذه النصيحة لكي نحافظ على النظام من أن يصل إلى التطرف. إن المحبة هي ما يريده الله منها في علاقته معنا، ولكننا نحن البشر نود أن نختبر الحب مثل أي عاطفة روحية ماكثة فينا – فالحب الذي يستمتع به الزوجان في ذكرى زواجهما ليس هو بنفس القوة التي كان بها في بداية زواجهما. وكجزء من الاشتراطات الروحية وضع يوناثان إدوارد قائمة من 70 “قراراً” لمراجعتها بانتظام. ويقول القرار رقم 25 “امتحن بعناية وباستمرار، الشيء الذي في داخلي، والذي قد يتسبب في شكي في محبة الله والذي قد يوجه كل قواي ضده”.

إن أولئك الذين يكتبون عن الحياة المسيحية يقررون أنها تزداد صعوبة وليس سهولة بمرور السنين. وفي مثل هذه الأوقات فإن التدريب والنظام الروحي يقدم العلاج الوحيد المؤثر. فالذي يتسلق قمة جبل إيفرست يعتمد على خبرة سنوات، فمجرد الطريق غير الممهد قبل الصعود لا يكفي.

لمدة عشرين عاماً مارست رياضة الجري والدراجات والأيروبك ثلاث مرات أسبوعياً. ولم أفعل هذا لأن أحداً يجبرني على ذلك أو لأنني مقتنع بأن هذا أمر جيد  ولكن أفعل هذا لفائدته بالنسبة لي. فبإمكاني تسلق الجبال والتزحلق على الجليد دون متاعب في التنفس أو العضلات. وهذه هي المكافأة من ممارسة الرياضة الجسدية. (وقد كتب الرسول بولس شيئاً مشابهاً لذلك) “درب نفسك على التقوى، الرياضة الجسدية نافعة لقليل أما الروحية فنافعة لكي شيء ولها وعد الحياة الحاضرة والمستقبلة أيضاً”.

شاركت في مسابقات للجري لمسافات محدودة ولكن شاركت في ماراثون واحد فقط، وكان بالنسبة لهاوٍ مثل حدثاً رياضياً. وقد استمر الجري لمدة ثلاث ساعات ونصف ناضلت فيها بتركيز ذهني. وعندما كنت أشارك في الجري لمسافات قصيرة، كان بإمكاني أن أظل متيقظاً لما أفعله وللمسافة المتبقية وبإمكاني تقدير الوقت الباقي لإنهاء السباق. أما في الماراثون فكنت أشعر كما لو أنني أضع نظارة سوداء على عيني وغير قادر على التركيز في السباق. أما في الماراثون فكنت أشعر كما لو أنني أضع نظارة سوداء على عيني وغير قادر على التركيز في السباق ككل. وركزت تفكيري على الألم في أصبع قدمي اليسرى وعلى امتلاء المثانة بالبول…. وكانت تنتابني لحظات من الفرح واليأس بدون اي سبب واضح. وكنت أقول لنفسي واصل الجري فسوف ينتهي بعد قليل. والطريقة الوحيدة لكي تصل للنهاية هي أن تستمر في الجري.

وافق أحد أصدقائي على رؤيتي عند مسافة عشرة كيلومتر، ولكنه لم يحضر فأصبت باليأس الذي استمر معي لمدة خمس دقائق. وأجبرت نفس للنظر إلى من يجرون حولي، وإلى المناطق المجاورة في شيكاغو، والإعلانات المعلقة طوال الطريق، وبينما كنت أفعل ذلك فقد طريق السباق الصحيح ولم أعرف ترتيبي فيه. وبعد الجري لمسافة 17 ميل سمعت صوتاً من الجمهور الذي كان يستمع للراديو أن المتسابق الأول عبر خط النهاية. وكان عليّ أن أجري تسعة أميال لأصل للنهاية.

وعند علامة العشرين ميلاً شعرت بالرغبة لتهدئة الجري ثم السير. وفجأة ظهر صديق ولأول مرة وجدت شخصاً لأتحدث معه. وكان سبب تأخيره عن الحضور أن الكثير من الشوارع كانت مغلقة وقال هذا وهو يجري بجواري. وفي عمل يدل على قوة صداقته لي وشعوره بمدى ضعفي، واصل داف Dave بالجري بجانبي لمسافة الستة أميال الباقية مقدماً لي كل تشجيع.

 “أعتقد أن كل المؤمنين يتفقون معي إذا قلت أنه مع أن المسيحية تبدو في بداية الأمر كما أو أنها تتحدث عن الأخلاقيات والواجبات والقوانين والذنب والفضيلة، وبالرغم من ذلك فهي تقودك إلى شيء ما وراء ذلك. فيمكن للإنسان أن يتخيل بلداً لا يتحدث فيه أحد عن هذه الأمور إلا كما لو أنها نكتة. فكل واحد هناك سوف يمتلئ بالصلاح كما تمتلئ المرآة بالضوء. ولكنهم لا يسمونه صلاحاً أو أي شيء. ولا يفكرون فيه فهم مشغولون بالنظر إلى مصدر هذا الصلاح”.

س. إس. لويس

يشبه العهد الجديد الحياة المسيحية بالسباق في خمسة أماكن، ولو كان بولس ما زال يكتب حتى اليوم لكان قد وضع مواصفات لسباق الماراثون. فالستة وعشرون ميلاً التي جريتها تشمل كل العواطف الإنسانية. أما الأميال العابرة والمؤقتة فقد تلاشت بسرعة. والذي ساعدني على تكملة السباق هو السير والتحمل وأخيراً تشجيع صديقي لي. وفيما بعد، عندما فكرت في السباق، عرفت أن مشاعر الهزيمة التي شعرت بها هو أمر عادي كما وصفته المجلة الخاصة بالسباق. وفي ذلك الوقت لم تكن لي أية توقعات فاتخذت قرار السير خطوة خطوة لتكملة السباق حتى النهاية.

اعتاد مارتن لوثر كنج أن يقول للعاملين في مجال حقوق الإنسان “إن لم تستطع الطيران، فإجرِ. وإن لم تستطع الجري، امشِ. وإن لم تستطع المشي،  ازحف. فالأمر المهم أن تظل متحركاً”. وتنطبق نصيحته على من يشاركون في الماراثون وعلى المؤمنين في مسيرتهم مع الرب. وتتقدم الحياة مع الله مثل أية علاقة أخرى: عدم ثبات، فترات طويلة من السكون، انتصارات وهزائم، تجارب وانتصارات. ولكي نحقق الكمال الذي يقودنا للهدف المنشود يجب أن ننتظر حتى ينتهي السباق، حتى الموت، وهذا الانتظار في حد ذاته هو عمل عادي للإيمان والشجاعة.

مراحل عبر الطريق – البالغ – فيليب يانسي

مراحل عبر الطريق – الطفل – فيليب يانسي

مراحل عبر الطريق – الطفل – فيليب يانسي

مراحل عبر الطريق – الطفل – فيليب يانسي

مراحل عبر الطريق – الطفل – فيليب يانسي

إقرأ أيضاً:

“نحن نفضل أن ننهار على أن نتغير”

و. ه. أودين

لقد تدربت على معرفة حضور الله وغيابه، والمليء وغير المليء (الفراغ)، الشركة الروحية القوية والبعد في الظلام. وفي رحلة حياتي أدهشني تتابع واختلاف تلك الخطوات التي اتخذتها في حياتي، وبينما كنت أنظر حول بحثاً عن خريطة الطريق التي قد تساعدني في معرفة ما أتوقعه، فإنه على عكس ذلك تماماً، إذ قد ازداد ارتباكي.

بعض مجموعات من المؤمنين يساوون بين النضوج الروحي والتقشف والزهد: فمن يسير طبقاً للمبادئ الصارمة يتمتع بالقرب من الله. وأعلم أن هذا أمر خاطئ وغير صحيح، لأن المسيح نفسه كان يتمتع بحرية نسبية بمقارنة مع يوحنا المعمدان او الفريسيين.

كما أن بعض المؤمنين الآخرين يقللون من قيمة وقدر البحث والاجتهاد، كي تكون لنا شركة قريبة من الله. ولديّ أصدقاء يعملون في القضاء ينتقدون النظم الروحية ويعتبرونها نوعاً من التزمت والتصوف”. ومع أنني معجب بالتزامهم وأوافق على بعض ما يقولونه، فلا يمكنني أن أتجاهل الفقرات الكتابية الكثيرة عن الاتحاد بالله، والحاجة للقداسة. إذاً من هو المؤمن الناضج؟ وكيف يؤثر سلوكي على علاقتي مع الله؟

واضعاً هذه الموضوعات في ذهني، بدأت أقرأ ببطء العهد الجديد بأكمله، ووضعت علامة صفراء على كل فقرة تشجع المؤمنين لكي ينمو روحياً. وحاولت أن أبحث بعمق في كل الوصايا والأوامر المباشرة: لا يسرق السارق فيما بعد…. ساعدوا الفقراء…، لكي أعرف المعاني والدوافع التي وراء هذه الوصايا. ما هو هدف المسيح وبولس والآخرين من أقوالهم؟ وملأت صفحات كثيرة بملاحظاتي التي نقحتها بحثاً عن اتجاهات معينة.

يقدم العهد الجديد الحياة مع الله في صورة رحلة مع أتباع آخرين، موجودين في أماكن مختلفة كثيرة عبر الطريق. ولتسهيل الأمور قررت تقسيم هذا الأمر إلى ثلاث مجموعات: الطفل، البالغ، والوالد. واضعاً بعض العلامات في الهوامش معرفة أي مستوى من النمو سأوجه إليه الكلام. وتلخص هذه الفئات الثلاث بالنسبة لي مراحل النمو في الحياة الروحية. ونظرت أولاً إلى كل الفقرات الموجهة للمؤمنين الذين بدأوا رحلتهم مع الرب، أو ربما تعثروا في مرحلة الطفولة.

يعلم أي شخص قام بتربية طفل أن التطلع إلى المبادئ السامية منذ البداية قد لا يُجدي. وأعرف زوجين حاولا منذ البداية أن يدفعا ابنهما لكي يتخذ كل قرار بنفسه، موضحين له نتائج سلوكه، ثم يتركون الولد يتخذ القرار الأخير. ورأيت بنفسي ما حدث، في أحد أيام فصل الشتاء في شيكاغو، وكانت درجة الحرارة تحت الصفر، والأرض مغطاة بالجليد. وأعتقد الولد – وكان اسمه “درو”، وعمره 4 سنوات – أنه سوف يستمتع كثيراً إذا خرج للخارج لكي يلعب مرتدياً ال تي شيرت، وبنطلوناً قصيراً. وشرح الوالدين للطفل كيف أن مقاومة الجسم ضعيفة وخاصة في الطقس البارد، وستؤدي للإصابة بالأمراض… ولكن الولد أصرّ على موقفه قائلاً: “أريد الخروج الآن”. وتركاه والداه للخروج آملين أنه سيعود بعد قليل بسبب البرودة الشديدة.

وفي الصيف يحدث منظر مختلف تماماً على شاطئ بحيرة ميتشجان. هناك يجلس طفل على مقعد اسمنتي وهو ينظر إلى مياه البحيرة، ويقول: “لا، لا، لا” مكرراً لنفسه التعليمات التي حاول الوالدين أن يقنعاه بها. قد لا يستطيع الطفل أن يعبّر لماذا يريدان منعه من التمتع بالبحيرة، ولكنه يعرف الأوامر. وبلا شك، ربما فكّر الوالدان في اللجوء إلى التهديد بالعقاب.

وعندما رجعت إلى العهد الجديد، وجدت أنني كتبت كلمة طفل على فقرات كثيرة. إن يسوع نفسه لم يتردد بالتهديد بالعقاب الصارم لمن يعصي الوصية، كما وعد بالمكافأة لمن يطيع. هناك بعض السلوكيات ضارة للغاية، لذلك يجب أن نتجنبها. والشخص الذي يعطي المشورة لا يمكن أن ينصح السكير بالتقليل من شرب الخمر، أو أن يشرب في المساء فقط. كما أن القاضي لا يطلب من اللص أن يحاول كبح نفسه، أو يقترح عليه بأن يسرق المنازل أثناء العطلة الأسبوعية فقط بدلاً من كل يوم. إن الرسالة المناسبة في هذا الوضع هي ما قاله بولس: “لا يسرق السارق فيما بعد…”

إن رسائل بولس الأخلاقية مملوءة بالسخط والغضب: “ألا تعلمون… ألا تدركون…؟”، إنه يتحدث بكل اندهاش وغضب عن أناس مدعوين من الله لكي يكونوا قديسين، ولكن بدلاً من ذلك يتنازعون على قضايا أخرى مثل: أكل اللحم، الختان. إنه يتحدث بكلام نشط وحيوي مثل الأب الذي يشجع ابنه لكي يأكل الخضراوات لفائدته الشخصية.

لا يستطيع من دونوا العهد الجديد أن يفهموا لماذا يتراجع بعض المؤمنين إلى مرحلة المراهقة الروحية، في حين كان يجب عليهم أن يسلكوا ككبار. ومع أنهم قد يفضلون مناشدتهم لإتباع الدوافع السامية، فإن الذين دونوا العهد الجديد يواصلون توضيح النتائج المخيفة التي تنتظر الذين يتصرفون بطريقة خاطئة، لأنهم يعلمون أن الاختيار الحكيم الناجم عن دوافع ناضجة يتغلب على الاختيار الخاطئ. فإذا امتنع المراهقون عن ممارسة الجنس غير الشرعي، وعن تدخين السجائر، خوفاً من المرض، وليس لأي سبب آخر، فلن تستفيد أرواحهم، ولكن أجسادهم سوف تستفيد، بكل تأكيد.

تجنبت، حتى الآن الكتابة عن أصعب فترة في حياتي، تلك الفترة التي عانيت فيها من متاعب جسدية صعبة، ولم أتمكن فيها من أن أتحدث أو أمشي. رقدت على سريري طوال اليوم، غير قادر على تحريك ذراعي أو رجلي. ولم أتمكن من التركيز على شيء بعيني، ولا أستطيع أن أطعم نفسي، أو أن أتحكم في عضلاتي. ولم أتمكن من فهم ما يدور حولي، واستسلمت لما أنا فيه، ولم أتوقع أي تحسن.

والآن؛ بعد أن شفيت تماماً، أنظر إلى تلك الفترة على أنها فترة انتقالية ضرورية، طفولة إنسانية. فلا يصل أحد لمرحلة الشباب دون المرور بفترة من عدم النضج. وبالمثل؛ لا يظل الإنسان السليم صحيحاً إلى الأبد. لا أعرف شيئاً أكثر حزناً في الحياة من توقف عملية النضوج والنمو: يرقة دودة القز التي لا تتحول إلى فراشة كاملة، فرخ الضفدع الذي لا يتحول إلى ضفدع كامل، طفل معاق ذهنياً يظل في سريره لمدة 30 عام.

إن الطفل، المولود حديثاً، له كل أجزاء الجسم التي يحتاجها، ومع ذلك فيجب أن تنمو هذه الأعضاء لكي تُستخدم في أداء وظائفها. وينطبق نفس المبدأ روحياً على حياة الإيمان. يوبخ بولس الرسول أهل كورنثوس بالقول: “وأنا أيها الأخوة لم أستطع أن أكلمكم كروحيين بل كجسديين كأطفال في المسيح. سقيتكم لبناً لا طعاماً لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون بل الآن أيضاً لا تستطيعون”. ومن الكثير من صغار المؤمنين عجز أهل كورنثوس عن تخطي مرحلة الطفولة، وعدم النضج إلى مرحلة أكثر نضجاً وتقدماً.

وعلى الجانب الآخر يقول يسوع بكل وضوح: “إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات”. يجب علينا أن نتعلم التمييز بين سلوك الطفل الذي يناسبنا، وهو شرط أساسي لدخول ملكوت السماوات، وبين السلوك الطفولي الذي لا يناسبنا، وهي علاقة تعوق النمو.

مزمور 131، وهو من أقصر المزامير، يُشير إلى الفرق بين الثقة الطفولية والثقة كالأطفال في الله:

يا رب لم يرتفع قلبي

ولم تستعل عيناي

ولم أسلك في العظائم

ولا في عجائب فوقي.

بل هدأت وسكت نفسي

كفطيم نحو أمه.

نفسي نحوي كفطيم.

يعلق “أرتر ويسر” قائلاً:

“إن المؤمن ليس طفلاً يصرخ لكي تضمه أمه في حضنها، ولكنه كطفل مفطوم يستريح في هدوء بجانب أمه، وهو يشعر بالسعادة لكونه جالساً بجوار أمه. وكما أن الطفل يتخلص تدريجياً من عادة التفكير في أمه على أنها هي التي تُشبع رغباته، ويتعلم أن يحبها لذاتها، لهذا وبعد معاناة وجهد يصل المؤمن المتعبد إلى حالة ذهنية يطلب فيها الله لذاته، وليس لأنه يلبي رغباته. وبذلك يتحول مركز الجاذبية في حياته”.

أحن في بعض الأحيان لمرحلة الطفولة ودلالها. عندما يدور العالم من حولي، وعندما تلفت انتباهي صرخة طفل، وعندما يستجيب من حولي لطلباتي دون مجهود مني. وأحيان أخرى أتذكر الماضي في مرحلة مبكرة من رحلة حياتي الروحية عندما كنت أشعر بقرب الله مني، وكان الإيمان قوياً، مرحلة لم تحدث فيها أية اختبارات أو خيبة أمل، إنها مرحلة ما قبل الفطام. ثم يحدث أنني في الكنيسة أو في السوبر ماركت أقابل طفلاً بالصدفة المحضة، ضعيفاً ولا يقوى على الحركة ولا الفهم، وأدرك من جديد حكمة الخلق التي تدفعنا نحو النمو الذي يتطلب طعاماً لا لبناً.

بينما أحلم آثار النمو وآلامه، أتعلم كيف أتكيف وأتجنب بعض مطالب الإيمان الطفولي: توقعات غير حقيقية، التقيد بالناموس والاعتماد غير الصحي على الآخرين.

قد أشرت مرات عديدة إلى خطورة التوقعات غير الواقعية. فالطفل يجب، في بعض الأمور، أن يتعلم قبول العالم كما هو وليس كما يريده هو. فالطفل الذي يضرب الأرض بقدميه قائلاً: “هذا ليس عدلاً”، عندما يكبر ويكتسب حكمة الكبار يقول: “ليس هناك عدل مطلق في الحياة”. ويختلف الناس في الجمال والمستور الاجتماعي، والمهارات الرياضية، والذكاء، والصحة، والثروة، والشخص الذي يتوقع العدالة الكاملة في هذا العالم سوف يعاني من مرارة اليأس. وبالمثل؛ فالمؤمن الذي يتوقع من الله أن يحل كل مشاكله العائلية، ويشفي كل الأمراض، ويوقف الصلع في رأسه، والتجاعيد في وجهه، وأية آثار أخرى لكبر السن، هو مؤمن واهم ولا يتمتع بالإيمان الناضج.

يقول ج. أ. بيكر:

“إن الله رقيق للغاية مع المؤمنين الصغار، تماماً مثلما تفعل الأم مع صغارها. غالباً ما تكون بداياتهم في حياة الإيمان مملوءة بالفرح العاطفي والعناية الإلهية الواضحة، واستجابة الصلوات والثمار السريعة لشهاداتهم الأولى، وهكذا يشجعهم الله ويؤسسهم في الحياة الروحية. ولكن عندما يزداد نموهم وقوتهم يدربهم على ما هو أقوى من ذلك. فيعرضهم لاختبارات من خلال ظروف صعبة على قدر ما يحتملون، ليس أكثر (اكو 10: 13) ولا أقل (أع 14: 22). بهذا يبني الله شخصيتنا ويقوي إيماننا، ويُعدنا لكي نساعد الآخرين.

عند كتابتي لهذا الكتاب، تمنيت مرات عديدة أن أعد بكتابة المزيد من الكتب. وأتمنى أن أشجع المؤمنين، وأزيد من توقعاتهم بأن الله سوف يغير القوانين نيابة عنا ليسهل الحياة. وفي كل مرة تمنيت هذا أواجه تجربة الإيمان الطفولي وهي نفس التجربة التي قاومها المسيح في البرية.

طبقاً لما قاله الرب يسوع وبولس فإن التمسك بالقانون والناموس يمثل عرضاً من أعراض الإيمان الطفولي. وكما وضح بولس الرسول قائلاً: إن صرامة الناموس في العهد القديم لم يُقصد بها تقديم طريق آخر بديل للوصول إلى الله، بل بالحري لكي يثبت أن هذه الصرامة مهما بلغت لا تستطيع أن تحقق قصد الله. فالله يريد الكمال، لهذا نحن بحاجة إلى طريق آخر، وهو طريق النعمة.

كتب داود، في أحد مزاميره: “مع الأمين تكون أميناً، ومع الطاهر تكون طاهراً”. وهو بهذا يعبر عن عهد الإيمان المذكور في العهد القديم. وأتساءل: كيف تمكن داود من كتابة هذا المزمور بعد سقوطه في خطية الزنا مع بثشبع، وقتله لزوجها في الحرب. لقد تعامل الله بالأمانة مع الخائن، وغير الأمين أعدُه للعدالة، وليس للنعمة.

إن التمسك بالناموس والشريعة له مكانة في التقدم الروحي – مثلما يفعل بالتأكيد في نمو الطفل – لكن التمسك الدائم والمستمر بالقانون يعوق النمو: لا تعبر الطريق بمفردك، ابتعد عن الأنهار، لا تلعب بالسكين”. استمعت إلى هذه الأوامر وأنا في مرحلة الطفولة، وكنت أطيعها. والآن عندما كبرت فأنا أهرول وسط مرور المدينة، وأبحر في قارب، وأستخدم السكاكين بمهارة. ومع أنني أتذكر الصرامة التي لقيتها في طفولتي فإنها ساعدت في إعدادي للحرية المسئولة في الشباب، فإنني نادراً ما أتطلع للوراء، لأيامي الأولى بنوع من الحنين أو الأسف.

إن الرسول بولس، الذي تربى بحسب التقاليد اليهودية الصارمة، يعرف مخاطر الإيمان المبني على حفظ الناموس. وفي الحقيقة، لقد وضع إصبعه على نع السخرية الغريبة على السلوك الإنساني: التمسك بالقانون والناموس غالباً ما يشجع على العصيان، وعدم الطاعة، ويتضح هذا كثيراً في العهد القديم. وكما قال بولس لأهل كولوسي: ” تُفرض عليكم فرائض: لا تمس، لا تذق، ولا تجس… التي لها حكاية حكمة بعبادة نافلة، وتواضع زائف، وقهر الجسد ليس بقيمة ما من جهة إشباع البشرية”. إن رسول النعمة لم يستطع أن يتخيل لماذا يريد أي واحد أن يعود في علاقة مع الله تتسم بالتهيج والفشل. وهو يشير إلى حرية غير مبنية على القواعد والقوانين بل على المحبة: “لأن كل الناموس في كلمة واحدة يُكمل: “تحب قريبك كنفسك”.

فإذا رجعنا إلى أزمنة العهد القديم، رأى بولس أيضاً نموذجاً من الاتكال غير الصحي. فمثل الأطفال الذين نشأوا مع آباء أثرياء يمدونهم بكل احتياجاتهم، هكذا وجد الإسرائيليون هويتهم في رفضهم الاتكال على الله. وظلوا في حالة من الثورة الطفولية في حين ان الله أرادهم أن يتحركوا باستمرار نحو الرجولة.

أعرف رجلاً بلغ السبعين من عمره، وما زال يعيش مع أمه، ويطلب منها الإذن عند الخروج، كما يعطيها أجره الأسبوعي في نهاية كل أسبوع. وبعدما أجبرته على ترك خطيبته منذ عدة سنوات عاش تحت سلطانها. وأعرف أيضاً أناساً كبار في السن مستمرين في التصرف كالأطفال بسبب ضغط والديهم عليهم، وعدم رغبتهم في تحريرهم من هذا السلطان. وهم بذلك معاندون لقانون الطبيعة: فهدف الرعاية الأبوية هو تربية أناس تربية صحيحة وليس أطفالاً يعتمدون عليهم حتى في الرجولة. إن أنثى التمساح تساعد صغارها للخروج من البيضة بكسرها، والنسر يحرك عشه ليجبر الفراخ الصغيرة على الطيران، والأب يدع ابنه يتعثر في المسير ويسقط، وبهذا يعلمه كيف يمشي. فالنمو يتضمن ولادة جديدة وتعرضنا للألم واستقلالاً تدريجياً.

يُبنى الإيمان الطفولي على اختبارات غير واقعية، والاستناد على الناموس والقانون، وقد يصلح الاعتماد الخاطئ على الغير فترة محدودة إلى أن يُصدم الشخص بحقيقة جديدة. والاختبار العملي حطم هذا الحاجز مثلما فعل إبراهيم والأنبياء وتلاميذ المسيح. قال لهم يسوع: “لعازر مات، وأنا أفرح لأجلكم، أني لم أكن هناك لتؤمنوا”. لقد كان يُعدهم لحقيقة جديدة وهي القيامة، ولكن ليس قبل الخطوة الضرورية، وهي الموت.

عندما قال يسوع: “إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال، لن تدخلوا ملكوت السماوات”، فهو لم يكن يتحدث عن الإيمان غير الناضج الذي وصفته سابقاً. ولا عن صفات الأطفال التي نراها واضحة وهم يلعبون: مضايقة بعضهم البعض، والمنافسة، والصراخ، والثرثرة. ماذا كان يقصد إذاً؟ وأنا أبحث في أحد خدمات “فريدريك بوتشنر”، وجدت ثلاث صفات للطفولة قد تساعدنا على فهم معنى أن نصير مثل الأطفال.

يقول بوتشنر: “ليس للأطفال أفكار مسبقة عن الحقيقة. فكثير من الأطفال نظروا بقلق إلى المدخنة المغلقة ليتساءلوا: كيف تمكّن بابا نويل من اختراقها لكي يحضر لهم الهدايا.

ونحن نقول عن الأطفال الذين يصدقون الألعاب السحرية: “إنهم لا يعرفون أفضل من ذلك”. غير أنه في بعض الأحيان يعرفون أكثر من ذلك. إن الإيمان الطفولي البسيط هو الذي دفع قائد المائة لأن يطلب من الرب يسوع أن يشفي خادمه، وهو نفسه الذي دفع أصدقاء المشلول لأن ينزلوه من السقف أمام يسوع ليشفيه، ودفع بطرس لكي يمشي على الماء، وهو الذي قاد التلاميذ لأن يدركوا أن الذي بينهم هو يسوع نفسه الذي شاهدوه مصلوباً، ومدفوناً في القبر منذ عدة أيام. في حين أن الكبار في ذلك الوقت، الذين لهم الحكمة ويعرفون أكثر وأفضل من الأطفال حاولوا إقناع الرجل الأعمى الذي فتح يسوع عينيه، أنه من المحتمل لا يستطيع أن يرى، كما أنهم دبروا مؤامرة لقتل لعازر الذي أقامه يسوع من بين الأموات، ودفعوا رشوة للحراس الرومان لكي يشهدوا ضد يسوع.

قد أدهش الإيمان الطفولي البسيط يسوع، وأشعر بالتبكيت لحاجتي إلى هذا الإيمان عندما أقرأ الأناجيل. وكثيراً ما أشعر بضعف الإيمان عند يُسيطر عليّ أمل ضعيف للتغيير، ولا أصدق بقدرة الله على شفاء جراح كثيرة في داخلي، أعيش بها منذ فترة طويلة. الميزان بين الإيمان البسيط والإيمان الطفولي قد يكون غير ثابت، أو مستقر، ولكننا لا نجرؤ أن نميل نحو واحد في محاولة لتجنب الآخر.

ثانياً؛ يقول “بوتشنر”: إن الأطفال يعرفون كيف يتقبلون الهدية. فلأنهم يعتمدون على والديهم منذ الميلاد، فهم يتلقونها بسرور، وبغير وعي. إنهم لا يجادلون فيما إذا كانوا يستحقونها أم لا، كما أنهم لا ينزعجون بخصوص رد هدية بمثلها للآخرين. إنهم يمزقون الأربطة بكل سرعة، ويستمتعون بالهدية. اعتادت جدتي، وهي سيدة حكيمة، أن تعطيني هدية في عيد مولدي، أقل مما تعطيه لأخي. ولم أعاتبها هديتي الطبيعية في عيد مولدي.

يشاركني الله نفسه، في بساطة الأطفال هذه، وهو يقبل الهدايا بلا أية مشاكل. والعهد القديم يوضح ذلك. وعندما كان المسيح على الأرض قبل الهدايا الغالية من المجوس، والناردين غالي الثمن من المرأة الخاطئة والتي سكبته على قدميه، وقبل هدية الوقت والالتزام، من تلاميذه، وهدية السجود من مريم أخت لعازر.

لقد علمني الأطفال الكثير عن تقديم الحمد والشكر لله. أنهم يشكرون كل يوم من أجل الكلب الموجود في البيت، والسنجاب الذي يلعب في الخارج. إنها روح الطفولة فقط هي التي تساعد على تقبل عطايا الله العادية، كل يوم، دون أن أعتقد أنها أمور عادية. وهي نفس الروح التي تسمح لي أن أفتح فمي لأتقبل نعمة الله المجانية، والتي لا صلة لها بما أفعله.

ثالثاً؛ يعرف الأطفال كيف يثقون. فالشارع المزدحم لا يُزعج الطفل، طالما هو ممسك بيد أبيه. ويجب أن تُعلم الأطفال أن لا يثقوا في الغرباء، لأن عدم الثقة ليس من طباعهم.

عندما صلى الرب يسوع في بستان جثسيماني استخدم الكلمة التي يستخدمها الأطفال اليهود عندما ينادون على والدهم: “يا أبا الآب، كل شيء مستطاع لديك، فأجز عني هذه الكأس ولكن ليكن لا ما أريد أنا بل ما تريد أنت”. وقد وثق تماماً في الله بالرغم مما كان يراه أمامه، اتكال طفولي حتى وهو على الصليب عندما صلى: “يا أبتاه بين يديك أستودع روحي”.

تحكي لنا “كاثلين نوريس” عن معركة ذهنية طويلة ضد إيمان طفولتها، وقالت إنها وجدت صعوبة لفترة ما في تصديق الكثير من التعاليم المسيحية. وفيما بعد، عندما اختبرت المشاكل في حياتها الشخصية، شعرت أنها بحاجة إلى لقاء بعض المرشدين الروحيين، ولدهشتها، لم يُبد الكثير من الرهبان اهتماماً بشكوكها، وتشتتها الذهني. فكتبت تقول: “لقد تضايقت بعض الشيء… وقد تصورت أن شكوكي هي العقبة أمام إيماني، وشعرت بنوع من الخديعة عندما قال لي أحد الرهبان من كبار السن، أن شكوكي هي بذور الإيمان، وأنها علامة على أن الإيمان ما زال حياً وسينمو”. وبدلاً من مناقشة هذه الشكوك واحداً تلو الآخر، أعطاها الرهبان تعليمات عن العبادة والتقوى.

لقد تعلمت “نوريس” أن كلمة “يؤمن” في أصلها اليوناني تعني “أن يعطي قلبه ل…”، ووجدت أن عملية العبادة يمكن أن تحل محل صورة الإيمان المادي. ولم تجد أية غرابة في ترديد قانون الإيمان الذي قد لا تفهمه، لأنه كما قالت هي: “تعودت كشاعرة أن أقول ما لا أفهمه تماماً”. وتدريجياً أتضح لها أنه لكي تكون لها علاقة مع الله، مثل أية علاقة أخرى يجب أن تندمج فيها دون أن تعرف إلى أين ستأخذها هذه العلاقة. وابتدأت بالثقة، ومن هناك بدأ ينمو الإيمان الناضج.

التوقعات غير الحقيقية، عكس الإيمان المنفتح، والناموس عكس النعمة، والاتكال الخاطئ عكس الثقة البسيطة للإيمان. وغالباً ما أشعر أنني أسير على حبل مشدود بين الإيمان الطفولي والإيمان البسيط الواثق. الفرق بين الاثنين دقيق مع أن: أحدهما يُبقيني في حالة طفولة مستمرة، بينما يقودني الآخر نحو علاقة ناضجة مع الله.

الكتيب الشهير “هو يقودني” الذي كتبه “والترسيزيل” يوضح إيمان الأطفال الذي يمارس في الظروف الصعبة. “سيزيك” كاثوليكي مخلص من بنسلفانيا، التحق بجماعة اليسوعيين، وتطوع للخدمة في بنسلفانيا، التحق بجماعة اليسوعيين، وتطوع للخدمة في الاتحاد السوفيتي وهو في قمة إلحاده. ولدهشته الشديدة عينه رئيسه، بدلاً من ذلك، لأن يذهب للخدمة في بولندا. وبعد مضي بضع سنين اندلعت الحرب وغزا جيش هتلر بولندا. ووسط مجموعة من اللاجئين البولنديين الهاربين إلى روسيا، وجد “سيزيك” فرصة إلهية للذهاب إلى روسيا. وتنكر في زي أحد العمال وهرب مع الهاربين إلى روسيا حيث كان يريد أن يخدم. لقد استجاب الله لصلواته.

ورغم ذلك؛ وبعد فترة بسيطة قبض عليه البوليس السوفيتين، وقضى في أحد سجون موسكون خمسة أعوام، مجتازاً في الكثير من المضايقات والمعاناة. وأثناء وحدته في سجن لوبيانكا في موسكو، قضى سيزيل الليل والنهار موجهاً الأسئلة لله: ما ها هو الخطأ الذي ارتكبته؟ لقد شعر أنه دُعي كخادم وقسيس، ولكن كيف له الآن أن يخدم وهو في الحبس الانفرادي؟ وما فائدة كل التدريب الذي تلقاه؟ لماذا يعاقب؟ وأخيراً استسلم لضغوط البوليس السري K. G. B. ووقع على اعتراف مكتوب بأنه يمارس الجاسوسية. وعندما رفض التعاون معهم فيما بعد، حكموا عليه بخمسة عشر عاماً مع الأشغال الشاقة في سيبيريا.

في منطقة جولاج حيث الظروف الصعبة، والبرد القارس، والعمل لمدة 14 ساعة حصل سيزيل أخيراً على الفرصة للخدمة كقسيس، بعدما اكتسب تدريجياً ثقة الكاثوليك الأوكرانيين. وقام بمغامرات واحتمل العقوبات وناضل مع الله، وتبددت بقايا الإيمان الطفولي واحدة تلو الأخرى. بدلاً منها نمي إيمان الأطفال البسيط اليانع على المثال الذي اقترحه “فريدريك بوتشنر”.

أولاً؛ كان على سيزيل أن يتكيف مع حقائق جديدة. ففي سنوات تدريبه على الكهنوت لم يعرف شيئاً ولو لمرة واحدة عن كيفية العمل في روسيا، فاجتاز في بولندا أولاً، ثم لوبيانكا، ثم معسكر العمل في سبيريا، وأخيراً في منفى للعمل في إحدى القرى. وفي كل هذا الأماكن واجه ظروفاً ما كان يختارها لنفسه. ولم تكن لديه أية كتب لاهوتية أو روحية يقرأها. وكان عليه أن يهرّب النبيذ والخبز لممارسة شعائر مائدة الرب. ومنعت السلطات كل أنواع التبشير. ولفترة ما شعر سيزيل بالخيانة لأن دعوته للكهنوت لم تسير كما يتوقع لها.

وتعلم سيزيل أن يقبل إرادة الله “ليس كما يريد هو أو كما يعتقد بحكمته البشرية الفقيرة”، بل بالحري “مثل ساعات اليوم الأربع والعشرين: الناس والأماكن، والظروف التي وضعها أمامنا في ذلك الوقت”. وأدرك أن عليه أن يتقبل الحياة ويتوقعها بحسب مشيئة الله وانتظر أن يساعده الله على تحقيق ذلك. وبدلاً من ذلك تعلم أن يقبل المواقف التي يسمح له بها الله بأن يواجهها كل يوم، ومعظمها لا تخضع لسيطرته. وانحصرت رؤية سيزيل في إطار الأربع والعشرين ساعة يومياً.

ثانياً؛ اكتشف سيزيك مواهب جديدة أعطاه إياها الله. وكما كان يصلي “خبزنا كفافنا أعطنا اليوم” بدأ في قبول هذه المواهب المقدمة له:

“كل يون بالنسبة لي يجب أن يكون أكثر من عقبة أحاول أن أتخطاها أو فترة زمنية عليّ أن احتملها، أو ساعات متتابعة يجب أن أعيشها. كل يوم، بالنسبة لي، يأتيني من يدي الله مخلوق بفرص جديدة لكي أتمم إرادته…. ومن جانبنا يمكننا أن نقبل وأن نقدم له كل صلاة، وعمل، ومعاناة تصادفنا في هذا اليوم، بغض النظر عن مدى أهميتها بالنسبة لنا. ومع ذلك فبين الله والإنسان لا توجد لحظات غير هامة، وهذا هو سر العناية الإلهية”.

وأخيراً؛ وفوق كل ذلك، تعلم سيزيك الثقة في الله. ويسجل كتابه الحزن والألم الذي يعانيه للتغلب على شكوكه والثقة في الله عندما يجد كل شيء في الحياة يظهر كما لو كان ضده. وتعلم ذلك بمراقبة إيمان الفلاحين من حوله. “كان الله بالنسبة لهم حقيقة مثل والدهم، أو أخيهم، أو أعز أصدقائهم”. وقد لا يستطيعون التعبير عن ذلك بالكلام، ولكن في أعماقهم يؤمنون بأمانة الله. ويثقون في الله، ويلجأون إليه في الأوقات الصعبة، ويشكرونه في أزمنة الانفراج والرحب، وإن كانت قليلة، وهم على استعداد لأن يفقدوا كل شيء في العالم على أن يُغضبوا الله، ويتوقعون أن يكون معهم طوال الأبدية.

تحير سيزيك في فهم الشعور بحضور الله. ففي معسكر سجن سيبيريا تعلم حقيقة هامة: “بالإيمان نعلم أن الله موجود في كل مكان، ويوجد لنا عندما نطلبه. ولهذا فنحن الذين يجب علينا أن نضع أنفسنا في حضرته، ونعود إليه بالإيمان، وننتقل من الخيال إلى الإيمان بأننا في حضرة أب محب يقف دائماً على استعداد لأن يستمع لقصصنا الطفولية، ويستجيب لثقتنا الطفولية البسيطة”.

وعندما قرر أن يسلم نفسه لإرادة الله، علم سيزيك أنه كان حينئذ يعبر حاجز الثقة الذي كان يخافه دائماً. ومع ذلك وعندما عبره “كانت النتيجة لا شعوراً بالخوف، بل شعور بالتحرر”.

عندما أراجع رحلتي في الحياة يمكنني أن أرى المخاطر المحزنة في الإيمان الطفولي. كان عليّ أن أتعلم أن الحياة ليست عادلة، وأن الله لن يمهد لي بطريقة سحرية أرض الملعب. وتعلمت

” من هو الأعظم في ملكوت السماوات؟ سأل التلاميذ هذا السؤال لأنهم كانوا يحاولون باجتهاد معرفة الإجابة، وأراهم الرب طفلاً لا يعرف ما هو ملكوت السماوات، ولا معنى السؤال الذي سأله التلاميذ. ثم طلب منهم يسوع أن يكونوا مثل هذا الطفل الصغير، لا يعرف بمعنى يفهم، ولا يهتم بمعنى يقلق”

فريدرك بوتشنر

أن الناموس لا يعلمني الفضيلة، أو النضج، بل ربما يعلمني عكس ذلك. وتعلمت أن الاتكال الخاطئ على الآخرين يمكن أن يوقف النمو الروحي.

إنني ما زلت أسعى لبساطة إيمان الأطفال الناضج. وقد استفدت من أفكار والتر سيزيك. وبالرغم من أن ظروفنا مختلفة فالتحدي متشابه: أن نثق بأن طريق الله هو الأفضل دائماً. وحالة الطفل تمثل حالتي في علاقتي مع الله، لأنني خليقة ساقطة تبحث عن علاقة مع الخالق الكامل.

مراحل عبر الطريق – الطفل – فيليب يانسي

التغيير – فيليب يانسي

التغيير – فيليب يانسي

التغيير – فيليب يانسي

التغيير – فيليب يانسي

“والآن بمعونة الله سوف أحقق ذاتي”

سورين كيركجارد

والآن سنوات المدرسة الثانوية كنت أسعى لإعادة بناء هويتي. وفي المقام الأول كنت أكره أن أكون جنوبياً من الجنوب. كانت البرامج التلفزيونية مثل “بيفريل هيلبليس The Beverly Hillbillies”  و”نهيق Heehaw” كانت تربكني، فكنت أنكمش وأتراجع في كل مرة أسمع فيها الرئيس “ليندون جونسون” وهو يفتح فمه قائلاً: “Mhafella Amuricuns…” ولأن باقي الأمريكيين في الستينات كانوا يحكمون على أهل الجنوب بأنهم متخلفون، جهلاء، وعنصريون، لذلك كنت أريد أن أفصل نفسي عن إقليمي الذي ولدت فيه.

لقد بذلت جهداً لتغيير لهجتي، ونجحت في ذلك حتى أن الناس كانوا يندهشون لدى علمهم أنني من الجنوب. وبدأت في قراءة الكتب المشهورة لكي أوسع مداركي. وتجنبت استخدام بعض التعبيرات التي يستخدمها أهل الجنوب. وقررت مواجهة مخاوفي دفعة واحدة، وحاولت التغلب عليها. وجاهدت لكي أتحكم في مشاعري لتكون طوع إرادتي، فلا تتحكم فيّ. كما أنني قمت بمحاولات لتحسين طريقة كتابتي.

نجحت محاولاتي في الإصلاح، ومنحتني الشخصية المناسبة لتلك الفترة. وأصبحت أقل حساسية وأكثر انفتاحاً ومرونة. وتلاشت أشباح الطفولة ومورثاتها، وأعتقد أنني هربت من ماضيّ.

وبعد عدة سنوات بدأت المشاكل في الظهور، عندما بدأت أدرك حدود شخصية كونتها بنفسي. فقد فشلت فشلاً كبيراً في معظم أموري الهامة بالنسبة لله. فقد كنت أنانياً، انعزالياً، غير محب للآخرين، وتنقصني العاطفة والمشاعر.

وفيما عدا القدرة على التحكم في الذات كنت محتاجاً إلى تسع من ثمار الروح المذكورة في غلاطية 5. ورأيت أن هذه الصفات لا يمكن بناؤها، ولكن يجب تنميتها بعد أن يزرعها الله بحضوره وسكناه داخلي. واتفق مع ما قاله ج. هنريك أرنولد: أن التلمذة المسيحية “ليست تساؤلاً عما نفعله، بل المهم هو إعداد مكان لله لكي يتمكن من السكنى فينا”.

ومنذ ذلك الوقت بدأت أمارس الصلاة بطريقة منتظمة من خلال القائمة الموجودة في رسالة غلاطية: محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، وداعة، صلاح، إيمان، تعفف. هل أظهر المحبة واختبر الفرح والسلام وأتعامل بالصبر؟ وظللت أطرق على سقف من زجاج، لأنه بالرغم من تغلبي على الشك، ومحبة الذات، فقد كنت أشعر بحاجة شديدة إلى الفرح والمحبة.

وعندما كنت أعتقد أنني أصبحت صبوراً ووديعاً، كنت أقطع الاتصال التليفوني إذا ما استمر لمدة 20 دقيقة، وأبداً بطرق الطاولة بقبضة يدي. وكنت أعلم أن أي تقدم في هذه المجالات يحدث نتيجة عمل الله.

أخيراً أدركت أن كل مشروعي لإعادة بناء شخصيتي قد أُسيء تنفيذه. إن الله لا يريدك أن تعمل بشخصية مختلفة تماماً، فالله قد اختارني أنا. لقد رأيت هذا بكل وضوح أثناء فترة خلوة للإرشاد والتأمل الروحي، وطلب مني مرشدي الروحي أن أركز على قصة إقامة لعازر في يوحنا 11: ” وأنت تقراً ضع نفسك مكان لعازر، لقد قام لحياة ثانية، لكنه كان ملفوفاً في الأكفان.

كان بحاجة إلى من يفكه ويُطلقه حراً. وأريدك أن تتعرف على القيود التي تلتف حولك وتمنعك من أن تحيا الحياة التي قصدها لك الله”.

كتبت قائمة طويلة اشتملت على أشياء مثل سرعة التردد والتباطؤ التي تُفسد كل اختباراتي للفرح، ومع نفسي من التعبير عن الفرح أو توقعه. جراح قديمة تحتاج إلى مزيد من الإيمان بالله لكي تُشفى. أيضاً أعراض الكتابة التي منعتني من أن أحيا حياة طبيعية، والتعلق بعناد بشخصيتي كنوع من الارتداد، وتجنب نموذج مارسته في علاقتي مع الله ومع الآخرين.

وأود أن أسجل هنا أن الله قد أزال كل تلك القيود والأربطة خلال أسبوع من الارشاد والتأمل الروحي. إن الشفاء الروحي ليس أمراً سهلاً أو سريعاً. لقد ألقيت نظرة على عملية الشفاء هذه، وراجعت محاولة إعادة بناء شخصيتي بمعونة الله، وليس بمجهودي أنا – إنه إصلاح يحرر – لا ينكر ذاتي الحقيقية.

أستاذ الأدب “مارك فان دورن” الذي علّم “توماس مرتون”، قام بزيارة تلميذه السابق في دير كينتكي ولم يكن قد رآه منذ 13 عام. لم يتمكن دورن وبعض أصدقاء مرتون من فهم واستيعاب تحوله من حياته الصاخبة في نيويورك، إلى هذه العزلة والسكون في دير. قال دورن:

“كان يبدو متقدماً في السن، ولكن أثناء جلوسنا وحديثنا معه لم أتبين اختلافاً كبيراً فيه. فقلت له: إنك لم تتغير إطلاقاً يا توم”.

فأجاب: “ولماذا أتغير؟ إن من واجبنا هنا أن نسلك على طبيعتنا”. وكانت هذه إجابة هامة ساعدت على تصحيح مفاهيمي”.

أثق أن له هدفاً مماثلاً لذلك لنا جميعاً، أن نسلك على طبيعتنا التي أرادها الله أصلاً لنا. قال الحاخام زوسيا Zusya: “لن يسألني أحد في الأبدية: لماذا لم تسلك كموسى؟ وسيسألونني: “لماذا لم تسلك كالحاخام زوسيا؟”.

وبكل هدوء سأقول إن الروح القدس أرشدني ألا أكون موسى أو زوسيا، ولكن لكي أكون فيليب يانسي، الإنسان الخاطئ الذي اختاره الله ليسكن فيه. إن الله على استعداد لأن يساعد كل إنسان على الأرض له الرغبة في أن يسكن فيه. ويبدأ الأمر كله بالثقة في أن الله يريد لي الأفضل، ثقة في أن الله سيحرر. نفسي الحقيقية لا أن يقيدها. كتب بولس الرسول إلى أهل أفسس: “فإنه لم يبغض أحدٌ جسده قط بل يقوته ويربيه، كما الرب أيضاً للكنسية.

لأننا أعضاء جسمه، من لحمه ومن عظامه… هذا السر عظيم…”، كما لو أن بولس أيضاً يجد صعوبة في الإيمان بعمق، علاقة الله القوية مع شعبه. إنني أقوم بكل ما يحتاج إليه جسدي: أتناول الفيتامينات، أمارس رياضة العدو، أقص شعري وأظافري، أنام، أزور عيادة الطبيب، آكل، أضمد جراحي.

أضع شامبو على البشرة الجافة، احتفظ بدرجة مقبولة لغرفتي. إنني لا أهمل احتياجات جسدي على الإطلاق. هذه هي نفس العلاقة الحميمة التي لله مع شعبه على الأرض، لأنه اختار أجسادنا لنا لأنها ملكه.

“انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد الله!” هكذا كتب يوحنا البشير في رسالته الأولى. مع أن كل شيء حولنا يقول عكس ذلك: نحن لا نستحق، لقد سقطنا، إنه ينقصنا الكثير. كما لو أننا نتوقع الاعتراض، ويضيف يوحنا: “أيها الأحباء، الآن نحن أولاد الله، ولم يُظهر بعد ماذا سنكون. ولكن نعلم أنه إذا أُظهر نكون مثله”، والآن جزء منا ما زال مختبئاً، لم ينمُ حتى الآن مثل العضو الذي لم يُستخدم بعد.

ومع ذلك فإن عمل الروح يتقدم بطريقة غير مرئية، ولا نهاية لها لكي يُشكل ذواتنا الحقيقية. فليس بإمكاننا أن نبني الشخصية التي تُسر قلب الله، بل أن الله نفسه هو الذي وعد بأن يفعل ذلك.

لقد قال الله بك وضوح أنه يقبلنا – بل ويُسر بنا – لأننا نحمل صورته. إننا لا نشعر بهذا الحب السماوي. إن الشك واليأس قد يسرقان منا هذا الشعور مثلما حدث للناس الذين كتب لهم البشير يوحنا. وأحياناً “تلومنا قلوبنا” ولكن الله “أعظم من قلوبنا، ويعلم كل شيء”.

عندما وصل مترجم العهد الجديد ج. ب. فيلبس إلى هذه الآية من رسالة يوحنا الأولى، تصور أن يترك هذه الصفحة. ويقول فيلبس: “إنني مثل كثيرين آخرين، أجد نفسي في بعض الأحيان ميالاً إلى رفض ما هو دون الكمال، وإذا لم نحذّر أنفسنا من تملك فكرة الكمال علينا فقد تصيبنا بالغرور، ونبدأ في انتقاد الآخرين، أو ننتقد أنفسنا”.

لقد عانى فيلبس من الاكتئاب المرضي، وعندما كان يعاني من المزاج السيء يتمادى في الإدانة بلا رحمة. وحدث معه ذلك حتى بعد أن تمسك بكلمات هذه الآية. كما وأنه يقول: “إذا كان الله يحبنا فمن نحن حتى نتعالى ونرفض أن نحب أنفسنا”.

بالنسبة لي أنا أيضاً، فإن قبول محبة الله يتضمن أصواتاً مكتومة قاسية تهمس لي بطرق أخرى: أنت لا تستحق، لقد سقطت ثانية، ولا يمكن أن يحبك الله. ويبدأ ضميري في رسم صورة الله كما في العهد القديم الي كان له السلطان والعقوبة القاسية، وبصعوبة يمكنني أن أفهم حقيقة أن الله تنازل ليعيش داخلي، والآن يحبني من الداخل والخارج.

ويجب أن أسأل الله “الذي هو أعظم من قلوبنا” أن يوقف هذه الدائرة القاسية من الدينونة، وأن يذكرني بحقيقة أن الله يحبني ويُسر بي.

لماذا يحبني الله؟ يجيب الكتاب المقدس على هذا السؤال العميق بكلمة لا تُبارى: النعمة. الله يحب لأن طبيعته هي المحبة، وليس لأنني فعلت أي شيء يستحق ذلك. الله لا يستطيع يمنع نفسه عن الحب لأن المحبة هي طبيعته.

أتذكر القليل من الخدمات الكثيرة التي سمعتها في حياتي، من بينها خدمة قدمها “إيان بيت واطسون” وقد اشتملت هذه الخدمة على نقطة واحدة، ربما تكون هي السبب الذي جعلني أتذكرها: “إننا نحب بعض الأشياء لأنها تستحق ذلك، وبعض الأشياء الأخرى تستحق أن تُحب”.

بدأ واطسون بأمثلة لأشياء نحبها، لأن فيها من الصفات ما يستحق ذلك: عارضات الأزياء، الرياضيون الموهوبون، العلماء العباقرة، الأعمال الفنية الثمينة والنادرة. ثم ذكر شيئاً ليس فيه أية صفة تجعلنا نحبه، ومع ذلك نحبه. أخبرنا عن ابنته “روزماري” ولعبتها القذرة المصنوعة من القماش، ومع ذلك فهي من أغلى ممتلكاتها، إذ أن روزماري لا يمكنها العيش بدونها.

وعندما قرر بيت واطسون السفر من اسكتلندا عبر المحيط ليستقر في أمريكا، اختار كل عضو في أسرته بكل عناية شيئاً من ممتلكاته ليأخذه معه. لقد اختارت روز ماري شيئاً واحداً: إنها دميتها المصنوعة من القماش. وعندما وضعوها في مكان غير مناسب (من وجهة نظرها) في المطار اضطربت روزماري بشدة حتى أن الأسرة فكرت في تأجيل الطيران. وعندما وجدوها أخيراً كان للدمية فعل السحر في تهدئة روزماري. إن قيمة الدمية في حد ذاتها قليلة جداً، ولكنها في عيني روزماري غالية القيمة.

طبق بت واطسون هذا المثل بشكل كتابي: إن محبة الله ليست مبنية على استحقاق ذاتي فينا. لقد وصلت إلينا بالنعمة كهبة مجانية، ومنحت الاستحقاق لأناس غير محبوبين. وبعض الأشياء نحبها لأنها تستحق ذلك، والبعض الآخر يستحق أولاً ثم يُحب. ولاهوتياً؛ يناسبنا الجزء الثاني من هذه العبارة، يقول القديس أوغسطينوس: “بمحبتك يا رب لمن لا يُحب، جعلتني محبوباً”.

عندما أحب شخصاً ما فإنني أُسر به، وعندما يزورنا بعض الأصدقاء في كولورادو، نشتري لهم الطعام الذي نعرف أنهم يحبونه، وننظف المنزل ونضع أزهاراً في حجرة الضيوف، ونضع لهم خطة للرحلة لنعطيهم أقصى متعة من الزيارة. ولا أستطيع أن أمنع نفسي من النظر عبر النافذة، وكلما اقترب موعد وصولهم كما لو أن انتظاري لهم سوف يُسرع بمجيئهم. إن الله يشعر نحو كل منا بمثل هذا السرور.

وعندما اقترب حياة هنري نووين من نهايتها قال: إن الصلاة أصبحت بالنسبة لي في المقام الأول وقتاً “للاستمتاع بالبركة”. وأضاف أن: “العمل الحقيقي للصلاة هو أن تصمت، وتستمع للصوت الذي يقول لك أموراً طيبة عن نفسك”. وقال: إن هذا قد يبدو نوعاً من التساهل مع النفس، ولكنه كان يقصد أن يرى نفسه كالمحبوب من الله الذي اختره لكي يسكن فيه.

وكلما ازداد سماعه لهذا الصوت، كلما قلت حساسيته تجاه تجاوب الآخرين معه، أو تقييمه لإنجازاته. وصلى لكي يعلن الله عن سكناه في داخله من خلال حياته اليومية مثلما يأكل، ويشرب، ويتحدث، ويحب، ويلعب، ويعمل. كان يسعى لأن تكون له الهوية التي تتمتع بحرية حقيقية مثبتة في مكان “يفوق كل المديح والملامة الإنسانية”.

أنا أيضاً عرفت أن الصلاة ليست مجرد الطلب من الله لأن يفعل لي ما أريده. إنها تعني أولاً؛ أن أضع نفسي في مكان يُمكِّن الله من “تجديد عقلي” حيث يمكنني استيعاب الهوية الجديدة كالمحبوب من الله، وهذا ما يصر عليه الله كأساس للإيمان.

في تشابه جزئي تعكس “كاثرين نورس” وجهة النظر التي عادة ما ننسبها إلى الله:

“في صباح أحد أيام الربيع الماضي لاحظت زوجين وطفلهما عند بوابة الرحيل في أحد المطارات. كان الطفل يحملق باهتمام في الناس بالمطار، وحالما ينظر وجه أي شخص، سواء كان صغيراً أو كبيراً، جميلاً أو قبيحاً، حزيناً أو سعيداً، كان يتجاوب معه بسرور بالغ.

كم كان جميلاً أن أرى ذلك. لقد أصبحت بوابة الرحيل المقبضة باباً للسماء. وكلما شاهدت هذا الطفل يلعب مع أي شخص يقبل منه ذلك، شعرت بخوف كالذي شعر به يعقوب، لأنني أدركت أن هذا هو أسلوب الله في النظر إلينا، فهو يحملق في وجوهنا لكي نفرح ونتهلل، ولكي نرى خليقته التي خلقها صالحة مع بقية الخلائق الأخرى. وكما يذكر ذلك المزمور 139: “الظلمة أيضاً لا تُظلم لديك”، وهو الذي يستطيع أن ينظر إلينا ويحملق فينا مهما فعلنا من شر في حياتنا، فنحن خليقته، وقد صنعنا على صورته.

الله وحده فقط، وأولاده المحبوبون أيضاً، يمكنهم أن يرونا بهذه الصورة”.

نادراً ما أستيقظ في الصباح وأنا ممتلئ بالإيمان. وبدلاً من ذلك، أشعر مثلما يشعر به سمك استوائي اعتدت أن أحتفظ به في مياه مالحة في حوض للأسماك. فكل سمكة صغيرة لها طريقتها في حماية نفسها بالليل: فالبعض يختبئ في القواقع، والبعض الآخر له أشواك حادة، وأسماك أخرى تختبئ في الحصى.

هذه الأسماك تُفرز طبقة من السم حول جسمها ثم تنام في هدوء ولا تنزعج من مضايقات جيرانها. ومع ذلك؛ ففي كل صباح تستيقظ الأسماك وسط سحابة بيضاء من السموم. غالباً ما يكون إيماني بهذه الصورة – فهو الذي كان قوياً في اليوم السابق – يختفي بالليل وأستيقظ وسط سحابة من الشك السام.

سأل بولس أهل كورنثوس: “أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله وأنكم لستم لأنفسكم؟” وكان يبدو عليهم أنهم لا يعرفون هذه الحقيقة. وكم أشعر بالخجل من نفس لأنني أحتاج أحياناً لأن أذكر نفسي بهذه الحقيقة. فإذا كان الله نفسه يحيا فيّ، ألا يجب أن أستيقظ وهذا الفكر في ذهني، وأعيش به طوال اليوم؟ ولكن؛ يا للأسف، إنني لا أفعل ذلك.

في مكان آخر يقول بولس: “إن الله وضع خاتمه علينا لملكيتنا، ووضع روحه في قلوبنا كوديعة تضمن حياتنا المستقبلية”. فبعد زراعة عضو جديد في الجسم يجب على الأطباء استخدام بعض العقاقير التي تساعد الجسم حتى لا يرفض العضو الجديد. فبإمكاني أن أقول إن الروح القدس يقوم فينا بنفس هذا الدور، فهو قوة حية بداخلنا تحمينا من رفض الخليقة الجديدة التي زرعها الله بداخلنا. وجهاز المناعة الروحي بداخلي يحتاج إلى من يذكره يومياً بأن حضور الله بداخلي أصبح أمراً طبيعياً في أعضائي الروحية، وليس عضواً غريباً.

إنني أذكّر نفسي بما أعرفه بعمق في داخلي: إن قيمتي هي من الله الذي سكب محبته ونعمته عليّ. وفي تواصلي مع الله غير المنظور قد تزل وتبتعد أفكاري عنه. مكالمات تليفونية، أمور تشتت الانتباه، بعض المناظر في التلفزيون قد تنسيني يقظتي بوجود الله فيّ. كيف أحفظ نفسي من كل هذا؟ كيف أغرس في داخلي الإيمان بأن الله نفسه يعيش في داخلي، حتى وإن كنت أحياناً أنسى هذا الحضور؟

لاحظ “جون ف. تايلور”، وهو يقيم في أفريقيا، كيف يختبر الأفارقة الشعور بالحضور الشخصي. يقول: إننا في الغرب نتحدث مع أصدقائنا بعقول مشغولة جزئياً بشيء آخر، ويلاحظ ذلك الأصدقاء الذين نتحدث معهم. في حين أن الأفريقي ينشغل بعمله ويدخل الصديق الغرفة ويحيهم ويجلس القرفصاء، بعد تبادل بعض الكلمات، يستمر صاحب المنزل في عمله الروتيني، أثناء جلوس الزائر.

وبعد مضي نصف ساعة يقف الزائر ويقول: “لقد شاهدتك”، ويمضي لحال سبيله. ولم يكن بحاجة لأية معلومات مكتفياً بمشاركة الحضور مع صديقه.

ويقول تايلور إن الانتباه هو مفتاح تذكر هذا الإحساس بالحضور:

“يعرف كل مدرس ناجح أهمية الطرق على الطاولة بيده، ويقول للتلاميذ: انتبهوا من فضلكم. فالانتباه الحقيقي هو أمر ضروري لموضوع الحديث. فالطفل الذي يرضع ويشبع يسترخي. والعقل الناضج يجب أن يكون متلقياً ومتوقعاً قبل أن تكون له أية قوة إبداعية.

ومرة أخرى أقول إن هذه هي حالة العقل الذي تُشرق عليه الحقائق الجديدة. نحن لا نضع أو نستنبط هذه الحقائق، بل بالحري يكون لدينا إحساس بالانتظار في اكتشاف شيء ما موجود فعلاً هناك. فالانتباه يعني الحضور…. وأن تكون “في الروح” يعني أن تكون واعياً ومتيقظاً لكي شيء في تلك اللحظة: إلى الغصن الصغير بالشجيرة، كما إلى حضور الله”.

يمارس الرهبان في الأديرة ما يُسمونه Statio ويعني التوقف بعد انتهاء عمل ما قبل أن تبدأ في آخر. لا تندفع من عمل لآخر مباشرة، استرح دقيقة لتسترد أنفاسك. وقبل أن تدير قرص التليفون استرح وفكر في المحادثة مع الشخص على الطرف الآخر. وبعد قراءة كتاب ما، توقف وفكر فما تعلمته، وكيف تأثرت به.

وبعد مشاهدة التلفزيون توقف وتساءل ما الذي أضافه لحياتك. وقبل أن تقرأ الكتاب المقدس توقف وأطلب إرشاد الروح القدس. افعل هذا باستمرار لتكتسب هذه العادة. وجدت أنني إذا قضيت وقتاً في الصلاة قبل البدء في كتابة رسالة أو عمل تليفوني فإن هذا يخفف من الأمر ويجعله فرصة لتلقي نعمة الله أو مشاركتها مع الآخرين.

إذا لم أمارس عملية الانتباه بوعي مني، فسوف أشابه العالم من حولي، عالم يحترم فقط الإنجازات والتنافس. ويصحح بولس هذا الأمر، إذ يوصي بعملية تطهير الذهن بفترة استراحة وتوقف: “ركزوا أذهانكم على ما يريده الروح القدس”، هكذا نصح أهل رومية. وفي فيلبي يقول: “… كل ما هو حق، كل ما هو جليل، كل ما هو عادل، كل ما هو طاهر، كل ما هو مُسر، كل ما صيته حسن، إن كانت فضيلة، وإن كان مدح ففي هذه افتكروا”.

إن اكتساب شخصية جديدة يتطلب عملاً إرادياً. تخلص من ذاتك القديمة وألبس ذاتك جديدة، وفي كل مكان آخر ينصح بولس “بتجديد الذهن”، كما لو أننا نختار ملابس جديدة كل يوم من دولاب الملابس.

تساءل “ديترش بنهوفر”: ماذا نريد من تأملنا؟ ويجيب: “نريد أن نكون في حالة تختلف عما كنا عليه قبل جلوسنا للتأمل”.

إن العالم المنظور يفرض نفسه عليّ دون دعوة، أما غير المنظور فيجب أن أزرعه بداخلي بكل وعي مني. كم كنت أود أن تتم العملية بطريقة تلقائية وطبيعية، ولكنها لا يمكن أن تكون كذلك. وفي الحقيقة وجدت أن مثل هذه العملية، مثل أي شيء آخر ذي قيمة، تحتاج إلى نظام. ويقول عازف البيانو “أرثر روبستين”: “إذا لم أمارس العزف ساعة لمدة يوم واحد، فأنا أشعر بذلك.

وإذا لم أمارسه يومين يشعر به النقاد، وإذا امتنعت عن العزف لمدة ثلاث أيام فإن الجمهور سيكتشف ذلك”. وبالمثل فإن الحياة المسيحية تتطلب عملاً يومياً من الإرادة، وإيمان توجيه لهوية شخصية جديدة.

وكذلك التواصل مع الله يتطلب أوقاتاً من التأمل الهادئ. قضى والد عازف الفيولونسيل “يو يو ما Yo – Yo Ma” فترة الحرب العالمية الثانية في باريس حيث عاش بمفرده في غرفة على السطح طوال فترى الاحتلال الألماني.

ولكي يسترد عافيته وسلامته العقلية بدأ يمارس قطعاً موسيقية لباخ على الكمان طوال النهار والليل، وحتى أثناء الظلام كان يعزفها بمفرده. وأخذ الإين “يو – يو” بنصيحة أبيه، وأخذ يعزف موسيقا باخ من الذاكرة كل ليلة قبل ذهابه للنوم. يقول “يو – يو ما” معلقاً على ذلك: “لم يكن هذا تدريباً ولكنه تأمل. لقد كنت منفرداً مع روحي”.

لقد اشتملت هذه الروحانية على الجانبين: الممارسة المنتظمة التي اتبعها “روبنستين”، والتأمل الهادئ الذي قاله “يو – يو ما”. وسألت نفسي في نهاية اليوم، هل قمت بفعل أي شيء يُسر قلب الله؟ وطالما أن الله يريد أن يفرح بي، فهل أعطيته مثل هذه الفرصة؟

إن أية إجابة ليست مهمة، فأنا ما زلت أتمتع بمحبة الله وأطلب منه أن يشملني بالنعمة والغفران. أنني أحاول أن أهدئ الضجيج الذي بداخلي، وأفسح مكاناً للهدوء الإلهي لكي يتسرب داخلي. وأنا مقتنع بأن أكثر الأمور أهمية لله في الصلاة هو اشتياقي لمعرفته.

تخبرنا “روبرتا بوندي” عن راهب عاش في القرن السادس رأي مجتمعاً في حالة اضطراب عظيم. بعض اخوتنا المضطربين بدأوا يتجهون إلى علاقة صحيحة من الحب لله.

واشتكى بعض الرهبان، فقال هم “دوريثوس”: إنكم مخطئون، انظروا إلى العالم على أنه دائرة عظيمة مركزها الله، والأنسان يعيش خارج الدائرة التي بها البشر، مع الله الذي هو في المركز. ألا ترى أنه ليست هناك أية طريقة للتحرك نحو الله بدون التقارب مع الناس الآخرين، ولا توجد طريقة للاقتراب من الآخرين بدون الاقتراب إلى الله”.

وبينما تتغير هويتي من الداخل، تنفتح عيني لترى الآخرين المحتاجين إلى محبة الله ورحمته يتابع بولس نصيحته لأهل رومية قائلاً: “… أن تتغيروا بتجديد أذهانكم”، مع أول ذكر كامل لجسد المسيح، ثم يُعطي سلسلة من أوامره الحاسمة مثل: “اشتركوا في احتياجات القديسين، عيشوا بالسلام مع الجميع”.

وفي رسائل أخرى يطلب من الذين يقرأون الرسالة أن يُشبعوا الجوعى، ويضيفوا الغرباء، ويظهروا المحبة مع غير المؤمنين ممن حولهم. فالعقول المتجددة تُعبر عن نفسها في علاقتها مع الآخرين. يقول “داج هامرسخيلد”: “إن الطريق للقداسة يمر بالضرورة من خلال الحياة العملية”.

مرات عديدة أتذكر قصة الرجل الذي جاءني مرة قائلاً: “أنت كتبت كتاباً عنوانه: أين الله في وقت الألم؟ هل هذا صحيح؟” فقلت له: نعم. فقال: “ليس لدي وقت لقراءة الكتاب، هل بإمكانك أن تقول لي خلاصة الكتاب في جملة أو جملتين؟”

فكرت قليلاً ثم أجبت: “حسناً، سأجيبك بسؤال آخر: أين الكنيسة عندما نتألم؟ وشرحت له أن الكنيسة تُمثل حضور الله على الأرض، إنها جسده. وإذا قامت الكنيسة بعملها – إذا تواجدت الكنيسة أثناء الكوارث، تمول عيادات مرضى الإيدز، تعطي المشورة لضحايا الاغتصاب، وطعاماً للجياع، وسكناً للمشردين – فلا أعتقد أن العالم سوف يسأل هذا السؤال.

إنهم سيعرفون أين الله في وقت الألم. فهو موجود في المؤمنين الذين يخدمون البشرية الساقطة. وفي الحقيقة فإن شعورنا بحضور الله غالباً ما يكون حصيلة لحضور الناس الآخرين.

لعدة سنوات وقفت بجانب صديق لي في ظروف صعبة مظلمة. كان يعاني بقسوة من الاكتئاب، والذي أدى إلى الطلاق، وفقد لوظيفته. ودخل مستشفى الأمراض النفسية والعصبية، وحاول الانتحار ثلاث مرات. التقيت به، وصليت معه، وتحادثت معه تلفونياً لساعات طويلة. وكنت أشعر معظم الوقت بأنني عاجز وبلا فائدة. قررت أخيراً أنه بحاجة إلى محبتي أكثر من حاجته للنصيحة. فاقتربت منه كثيراً على قدر استطاعتي.

” تلك هي تلميحات وتخمينات فقط، تلميحات تتبعها تخمينات والباقي:

صلاة، وشعائر، ونظم، وفكر وعمل.”

ت. إس. إليوت

وأخيراً؛ شُفي صديقي، وعاد إلى صوابه. قال لي: “أنت كنت بمثابة الله بالنسبة لي، لم تكن لي علاقة مع الله الآب، فقد بدا لي أنه غير موجود. ولكنني احتفظت بإيماني بالله بسبب معاملتك أنت معي”.

وأردت أن أوقفه وأمنعه من أن يقول هذا لأنني أعلم من أنا. ومع ذلك، فعندما كنت أستمع له أدركت المعنى العميق لقول بولس “جسد المسيح”. ولأي سبب من الأسباب، قد اختارني الله وقليلين غيري “كأوان خزفية” سكب فيها حضوره. ونحن نقوم بهذه الرحلة ليس بمفردنا، بل بالحري معاً.

 

التغيير – فيليب يانسي

Exit mobile version