تابع دراسة في الذبائح (23) ذبيحة الخطية חַטָּאת المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية.

تابع / دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח – ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
تابع / ثانياً : الخمسة أوجه من ذبيحة الصليب
[2] الوجه الثاني من أوجه الصليب
تابع / ذبيحة الخطية – άμαρτία – חַטָּאת

                                                        الوجه التطبيقي لذبيحة الخطية
                                                   رابعا: المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية
                                                   للرجوع للجزء الثانى عشر اضغط هنـا.

رابعاً: المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية

بعد أن تعرفنا على معنى الخطية ومفهومها الصحيح حسب الكتاب المقدس ككل وعلى ضوء التقليد اليهودي المتشبع من العهد القديم، ووقفنا على مدى خطورتها وفعلها في الإنسان الذي شوه طبعه الخاص المخلوق على صورة الله ومال نحوها بحريته وحده إذ هو الذي اختطف لنفسه قضية الموت لذلك استمر يعمل فيه الموت ولم يستطع يرفع نظره نحو الله بطهر وبراءة ليستحق رؤياه او التعامل معه، وتعرفنا على شروط تقديمها والمناسبات التي تُقدم فيها، فلنا الآن أن ندخل في عمق معناها التطبيقي بالنسبة لعمل المسيح كذبيحة خطية عن العالم كله، وقد رأينا في شرح ذبيحة المحرقة السالفة الذكر والشرح إذ أنها أول ذبيحة نشرحها وهي المقدمة أولاً كما سبق ورأينا، فقد تعرفنا فيها على المسيح الرب كذبيحة محرقة يتقدم إلى الصليب بإرادته وحده وسلطانه بكل مسرة، ليُكمل الطاعة، طاعة الابن للآب، ليصير كفارة عن عدم طاعة الإنسان لله، فقبله ابوه كذبيحة للرضا والمسرة التامة، ولكن في ذبيحة الخطية ينكشف وجه آخر من أوجُه الصليب، فلا نسمع في ذبيحة الخطية أنها للرضا والمسرة ولا أنها رائحة سرور مثل ذبيحة المحرقة [ فيما عدا الاستثناء الوارد في لاويين4: 31 ( وجميع شحمها – ذبيحة الخطية لأحد العامة – ينزعه كما نزع الشحم عن ذبيحة السلامة ويُوقد الكاهن على المذبح رائحة سرور للرب ويُكفر عنه الكاهن فيصفح عنه ) ]، بل نسمع فقط – عموماً – أن مُقدمها يضع يديه عليها معترفاً بخطاياه، فتُنقل خطاياه منه إلى ذبيحته؛ فتُساق الذبيحة للموت عوضاً عنه.

هكذا رأينا ايضاً – بوضوح شديد – هذا العمل يكمُل على الصليب، إذ تقدم المسيح حمل الله حاملاً خطايا وآثام ونجاسات الإنسان (كل إنسان): [ الذي حمل – Carried up – هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت (يُزال من أو يرحل بعيداً) عن الخطايا فنحيا للبرّ الذي بجلدته (بجراحه) شُفيتم ] (1بطرس2: 24) [ سكب للموت نفسه وأُحصيَّ مع أثمة، وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين، لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها، وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه، وبحُبُره (جرحه أو جراحاته) شُفينا ] (أنظر أشعياء 53)، [ فإن المسيح أيضاً تألم مرة واحدة من أجل خطايانا (كلنا)، البار من أجل الأثمة، لكي (بهدف) يُقربنا إلى الله مُماتاً في الجسد ولكن محيى في الروح ] (1بطرس3: 18).. 

وطبعاً القديس بطرس الرسول حينما قال أنه مات لأجلنا لم يكن يقولها استنتاجاً أو تخميناً أو حتى لم يكتب كل هذا الكلام من نفسه بل لأنه سمعها من فم الرب نفسه في العشاء الأخير حينما قال بنفسه: [ هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل كثيرين ] (مرقس14: 24)، والكنيسة أخذت هذا تقليداً من فم الرب وصار تقليد رسولي ظاهراً جداً في صلوات الإفخارستيا إلى هذا اليوم بل وإلى يوم مجيئه العظيم، وهذا هو منبع تسبحة المسيح التقليدية في الكنيسة الأولى وإلى يومنا هذا …

إذن نرى في هذه التقدمة – ذبيحة الخطية – أن لا مجال للمسرة فيها، ولا يوجد فيها موضع لرضا، بل على النقيض تماماً نجد أن الآب يحجب وجهه من هذه الناحية، أو على الأوضح ينحجب وجه الآب عنه، بسبب ما يحمله في جسده من نجاسات الإنسان وخطاياه العديدة والشنيعة كلها، أو باختصار حجب وجهه عنه حينما كان في موقف العار والفضيحة حاملاً كل أوجاع الإنسان الداخلية والتي فصلته عن الله (أي فصلت الإنسان عن الله ولا نتكلم هنا عن أنه يوجد انفصال بين الابن والآب لأنهم من نفس ذات الطبيعة والجوهر لا ينفصلوا قط وهذه استحاله مطلقة أن تحدث في الله قط) : [ إذ صار لعنة لأجلنا ] (غلاطية3: 13)
ولا ينبغي أن نفهم أن المسيح يسوع نفسه هو اللعنة، لأن هذا يستحيل، بل هو الذي حمل اللعنة على نفسه، ويقول القديس اثناسيوس الرسولي: [ لا نفهم من هذا ببساطة أن المسيح بكليته صار خطية أو لعنة، إنما حَمَلَ اللعنة التي علينا ]

يا إخوتي ينبغي أن نفهم الإنجيل في إطاره الصحيح لئلا نخرج بمفاهيم مغلوطة تقدم المسيح الرب وكأنه هو بشخصه اللعنة كما يفهم البعض خطأ، فقد شرح القديس بطرس الرسول وأثبت أن المسيح تألم وهو بريء مما نُسب إليه، لذلك فآلامه آلام كفارة عن الآخرين وليس عن نفسه هو شخصياً، وإذ هو نفسه المذبوح على الصليب أصبح هو الذبيحة وهو الكاهن معاً، وطبعاً قد سبق وذكرنا كلمات القديس بطرس الرسول مع كلمات وآيات أشعياء النبي كما رأينا، ومضمون الفقرتين معاً ليس فقط أن الرب قدم نفسه ذبيحة خطية أنه يُنجينا ويفدينا من الخطية، بل القصد أن يفكنا من قيد الخطية وحبسها وعبوديتها، لذلك تتجه الفقرتان إلى التعليم الأبدي الذي تقدمه لنا من جهة خبرة حرية مجد أولاد الله في المسيح يسوع لننفك من تحت سلطان الخطية والموت لندخل في عهد حرية مجد أولاد الله لنصير [ رعية مع القديسين وأهل بيت الله ] (أفسس2: 19).

ففي آية القديس بطرس الرسول [ الذي حمل هو نفسه خطايانا ] مقتبسة من إشعياء (53: 4)، مظهراً أن المسيح كعبد الله (بحسب أنه اتخذ جسداً حاملاً جسم بشريتنا نحن العبيد) هو حمل الله الوديع القدوس البار الذي حَمَلَ ليس خطاياه هو ولكن خطايانا نحن، وحملها كما يقول في جسده على الخشبة، وقد أتى تعبير القديس بطرس الرسول [ حمل هو خطايانا في جسده على الخشبة ] على أساس الآيات السابقة في نفس ذات الإصحاح وقبل هذه الآية، أنه لم يفعل خطية ولا وُجِدَ في فمه غش…

ولكن كيف وهو القوس البار، بل ومطلق القداسة والبرّ، يحمل خطايانا نحن البشر الأشرار ؟!!!

من جهة كيفيه حمل خطايانا وهو البار والذي لم يوجد في فمه غش وهو الذي قال [ من منكم يبكتني على خطية فأن كنت أقول الحق فلماذا لستم تؤمنون بي ] (يوحنا8: 46) ، فأن بداية حمل خطايانا في جثسيماني عندما صلى ثلاثة مرات بلجاجة أن يعفيه الله من شرب هذه الكأس [ يا أبتاه إن شئت أن تُجيز عني هذه الكأس ] (لوقا22: 42؛ متى26: 41 – 42).

وهنا يلزمنا أن نُلاحظ ونُدقق لكي نفهم عمل المسيح الرب بوضوح ودقة شديدة، فهو لم يكن خائفاً من الموت أو جزعاً منه أو كارهاً له أو في صراع ما بين ان يقبل الصليب والآلام أم يرفضها إطلاقاً، فأن المسيح الرب بسبب حمله خطايانا الشنيعة كلها يعود فوق الصليب على مرأى ومسمع من الجميع يصرخ قائلاً: [ إلهي إلهي لماذا تركتني ] (متى27: 46)، وهنا يتضح آية جثماني ومعناها الحقيقي، وهذا لأنه وقف ضمنياً موقف الخطاة أو بالأحرى موقف الخطية ذاتها: [ الذي لم يعرف خطية (مطلقاً) صار خطية لأجلنا ] (2كورنثوس5: 21)، ومن المعروف جيداً لدينا بيقين أن الله لا يرى الخطية أو يتعامل معها لا من قريب ولا من بعيد، لأن الظلمة يستحيل جمعها مع نور قط، ومن أجل ذلك أحتجب وجه الآب عن المسيح حامل الخطية على صورة ما، لا نستطيع ان ندركها أو نفهمها لأنها سر صنعه المسيح مع أنه ظل بار وقدوس (مطلق القداسة والبرّ) لا يعرف الخطية قط، وطبعاً لن نعود نكرر أن المسيح الرب ليس هو الخطية بل الحامل الخطية.

ولذلك لن نعود نستغرب أو نتعجب من تعبير الرب مُخلصنا الصالح الذي عَبَّرَ عن شناعة هذا الوجه من الصليب (ذبيحة الخطية) بقوله: [ إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ]، مع أننا سمعناه في الذبيحة السابقة (ذبيحة المحرقة) وهو في صورة الابن البار الطائع الآب حتى الموت إذ قال: [ الكأس التي أعطاني الآب ألا اشربها ]، إذن ففي الصليب عملان متداخلان يظهران، وكأنهما متعارضان، ولكن لم يَدَعْ الطقس في القديم محلاً لتعارُض ولا لاعتراض؛ فالمسيح الرب أكمل على الصليب ذبيحتين معاً : ذبيحة محرقة للرضا والسرور،وذبيحة خطية ولعنة

وكان من اللائق به أن يفرح بالصليب ويُقبل إليه كعلامة طاعة (ذبيحة محرقة كما شرحناها سابقاً في نفس ذات هذه السلسة) وإظهار برّ البنوة المطلق الذي له، وكان يليق أيضاً أن يرتعب ويفزع منه كخشبة عار وعلامة لعنة بسبب الخطية. فهو يحمل الخطايا التي منها التجديف والزنا والعداوة والقتل والبغضة وغيرها من الخطايا الشنيعة، التي وجد أنه لو حملها لا يستطيع ان يقف أمام الآب، وإلا كيف أن ابن الله يجدف على الله أبيه الذي هو معه واحد في الجوهر، وكيف للمسيح البار الذي لا يوجد في فمه غش ولا شبه خطية حتى أن يلقب كخاطئ ويحملها فعلاً بكل جرمها على الصليب، كيف له أن يقف كمتعدٍ وخاطئ، فيتم حجب وجه الآب عنه، وهو يرتضي بهذا كله قائلاً [ لتكن مشيئتك ولا مشيئتي ]، وهو يظهر سرّ إخلائه العجيب منتظراً أن يُتمم مشيئة الآب التي هي عينها نفس ذات مشيئته أيضاً كما سبق ووضحنا، وحَمَلَ خطايا كل بني آدم في جسده، وهذا كله لأجلنا نحن ونحن لا نشعر بقيمة عمله العظيم جداً !!!

——————————————————————————

تابع رابعاً: المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية
+ المسيح حمل خطايا كل البشر بسبب اتخاذه جسداً (لماذا اتخذ الله جسداً)

المسيح كلمة الله اللوغوس حينما تجسد أخذ جسداً بشرياً وظهر في هيئة إنسان، حل فيه ملء اللاهوت جسدياً (كولوسي2: 9)؛ وبهذا أخذ جسده الخاص صفة اللاهوت وهو عدم المحدودية، وبهذه الصفة الإلهية امتد جسده ليشمل كل أجساد البشرية بطريقة ما وبالتالي خطاياها كلها أخذها في جسده – حسب السرّ والتدبير (أي سرّ التجسد) – حسب مشيئة الآب ليتمم خلاص كل إنسان يؤمن به: [ وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ] (فيلبي2: 8).

ولنا أن نستوعب سرّ التجسد الآن ونفهم لماذا لم يظهر الله في أي شيء آخر ولم يبهر الإنسان بظهوره المُحيي، فالمسيح الرب [ لم يظهر عن طريق أجزاء أُخرى من الخليقة أكثر سمواً من الإنسان، فهو لم يأتي لكي يتظاهر أو يستعرض نفسه، بل جاء لكي يُشفي ويُعلم الذين هم تحت الآلام، فالمعلم الصالح لا يتعالى على تلاميذه بل يتباسط معهم من أجل منفعتهم، فطريقة الذي يُريد أن يتظاهر، هي مجرد أن يظهر ويبهر عيون الناظرين ( وهذا هو تصور الإنسان الساقط عن الله فيرى أن الله عظيم من جهة الإبهار، وذلك لأن الإنسان دائماً ينظر للقوة المطلقة لتحقيق ذاته وكبرياء نفسه وهذا ما يسقطه على الله، لذلك نجد أن الكثيرين من الناس لا يقبلون التجسد الإلهي إطلاقاً وبالتالي يتعثرون في الصليب، وبالتالي لا يعلمون أن الذي يأتي ليُشفي جرح الإنسانية المتعبة وشفاء كسرها الذي صار بالموت، وقد أتى ليُعلِّم طريق الخلاص المؤدي للحياة)، فطريقته هي ألاَّ يكتفي بمجرد حلوله بيننا (وظهوره وسطنا) بل أن يُقدم ذاته لمساعدة من هم في احتياج، وأن يَظهر لهم بالقدر الذي يحتمله أولئك الذين هم في حاجة إليه، لئلا إذا زاد (ظهوره) عن القدر الذي يحتاجه المتألمون فقد يُسبب هذا اضطراباً لنفس الأشخاص الذين يحتاجونه، مما يجعل ظهور الله عديم النفع بالنسبة لهم. (لأننا رأينا المسيح الرب في التجلي وقد لمع وجهه وحتى ملابسة أكثر من ضياء الشمس الطبيعية فسقط التلاميذ ولم يحتملوا قط، فكم وكم أن ظهر بملء لاهوته العظيم أمام أعين الكل بدون جسد، فكم سيسقط الكل موتى لا يحتملون شدة بهاء مجد قداسته المرعب للساكنين في الظلمة والتي ملك عليهم الموت والفساد !!!)
(والمسيح الرب ظهر كطبيب حقيقي له القدرة المطلقة على الشفاء، والطبيب الحقيقي الذي له القدرة على شفاء الناس) في مرات كثيرة يضع أدوية على الجروح حسب ما يرى هو أنها نافعة ومُفيدة للمرض، رغم من أن الكثيرين يظنون أنها غير مناسبة، والطبيب يهدف دائماً إلى شفاء مرضاه، (لذلك فلنلاحظ أن الحديث عن الشفاء الذي تممه كلمة الله بتجسده ظهر بوضوح في إشعياء 53 كما سبق ورأينا إذ قال [ وبجراحاته شُفينا ] (أشعياء53: 5) وأيضاً في المزامير [ أرسل كلمته فشفاهم ] (مزمور107: 20)، فكل ما يسخر منه البشر كأمر غير لائق، هذا يجعله الله بصلاحه لائقاً ] (القديس اثناسيوس الرسولي – بعض أجزاء من فقرات كتاب تجسد الكلمة فصل 43؛ فصل 1: 1؛ فصل 2: 1؛ + الرسالة إلى ديونيسيوس الإسكندري، وما وضع بين قوسين للتوضيح وربط الفقرات مع بعضها البعض)

يا إخوتي لنتعمق ونتأمل جيداً فيما قلنا ونعود لنوضح بأكثر تفصيل قائلين: الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، وفسدت الطبيعة البشرية ولم يعد في استطاعتها أن ترى الله ولا تنظر هيئته، لأنها صارت ظلمة ولا تستطيع ان تقترب من النور لذلك قال الله لموسى حينما طلب أن يراه: [ وقال (الله لموسى) لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش ] (خروج33: 20)، فالإنسان بسبب الظلمة والفساد لا يستطيع أن يعرف الله الحياة، لأنه ذاق الموت في الجسد، وأصبح فاسد كُلياً ليس فيه شيء صالح لكي يستطيع أن يتعرف على صلاح الله ويدخل في شركة معه، لأنه تستحيل للظلمة أن تثبت أمام النور، كما أنه لا يستطع أحد أن ينظر ويتفرس للشمس الطبيعية والمخلوقة بإحدى عينيه لئلا يعمى ويفقد نظره تماماً ولا يستطيع أن يُبصر مرة أخرى، فكم يكون حاله أن حاول أن ينظر لنور الله الذي يفوق الشمس في القوة والمجد والبهاء، وكيف للفاسد ان يحيا مع عدم الفساد، وكيف لمن انتن في قبر الموت يستطيع أن يقف مرة أخرى ويُشارك الأحياء، ولأن الفساد لا يتوقف أن لم يأتي عديم الفساد ليبطل قوته ويُميته، لذلك أتى الغير الفاسد الله الكلمة ولبس الجسد القابل للموت، وإذ أتحد بجسم بشريتنا اتحاداً حقيقياً غير قابل للانفصال، فأصبح نائباً عن البشرية ككل، وباشتراك الجسد في عدم موت الله الكلمة المتجسد، أُوقف فساد الجنس البشري، لأن الكلمة بتجسده أرتضى أن يحمل كل أوجاع البشرية وموتها المحتوم في جسده الشبيه لنا في كل شيء ما خلا الخطيئة وحدها، ولكونه فوق الجميع لأنه الله الكلمة بالحقيقة فقد جعل جسده ذبيحة لأجل الجميع، ولكونه واحداً معنا فعلاً ألبسنا عدم الفساد وأدخلنا في شركة حيه مع الآب في شخصه المتحد بنا اتحاداً حقيقياً لا رمزية فيه، ويقول القديس أثناسيوس الرسولي:

[ فقد أدرك الكلمة جيداً أنه لم يكن ممكناً أن يُقضى على فساد البشرية بأي طريقة أُخرى سوى الموت نيابة عن الجميع. ومن غير المُمكن أن يموت الكلمة لأنه غير مائت بسبب أنه هو ابن الآب غير المائت. ولهذا اتخذ لنفسه جسداً قابلاً للموت حتى إنه عندما يتحد هذا الجسد بالكلمة الذي هو فوق الجميع، يُصبح جديراً ليس فقط أن يموت نيابة عن الجميع، بل ويبقى في عدم فساد بسبب اتحاد الكلمة به. ومن ذلك الحين فصاعداً يُمنع الفساد من أن يسري في جميع البشر بنعمة القيامة من الأموات. لذلك قَدَّمَ للموت ذلك الجسد الذي اتخذه لنفسه كتقدمة مقدسة وذبيحة خالية من كل عيب. وببذله لهذا الجسد كتقدمة مناسبة، فإنه رفع الموت فوراً عن جميع نظرائه البشر .

ولأن كلمة الله هو فوق الجميع فقد كان لائقاً أن يُقدم هيكله الخاص وأداته البشرية فدية عن حياة الجميع موفياً دين الجميع بموته. وهكذا باتخاذه جسداً مماثلاً لجسد جميع البشر وباتحاده بهم، فإن ابن الله عديم الفساد ألبس الجميع عدم الفساد بوعد القيامة من الأمواتولم يعد الفساد الفعلي بالموت له أي سلطان على البشر بسبب الكلمة الذي جاء وسكن بينهم بواسطة جسده.
وكما أنه عندما يدخل أحد الملوك العظام إلى مدينة عظيمة، ويسكن في أحد بيوتها فإن المدينة كلها تُكرَّمه أعظم تكريم ولا يجرؤ أي عدو أو عصابة أن تدخل إليها أو تحطمها، بل على العكس تكون جديرة بكل عناية واهتمام بسبب سُكنى الملك في أحد بيوتها، هكذا كان الحال مع ملك الكل.
والآن، لأنه قد جاء إلى عالمنا وسكن في جسد مماثل لأجسادنا، فقد بَطُلت منذ ذلك الحين كل مؤامرة العدو ضد البشر وأُبطل فساد الموت الذي كان سائداً عليهم من قبل، لأن الجنس البشري كان سيهلك بالتمام لو لم يكن رب الكل ومُخلص الجميع ابن الله قد جاء ليضع حداً للموت. ] (القديس اثناسيوس الرسولي – تجسد الكلمة الفصل التاسع: 1 – 4)

ويقول أيضاً: [ وفي الحقيقة فإن هذا العمل العظيم (التجسد) هو لائق بدرجة فائقة بصلاح الله. لأنه إذا أسس ملك منزلاً أو مدينة ثم تسبب إهمال سكانها، حاربها اللصوص، فإنه لا يُهملها قط، بل ينتقم من اللصوص ويُخلصها لأنها صنعة يديه وهو غير ناظر إلى إهمال سكانها، بل بما ما يليق به هو ذاته (فإهمال البشر يقابله عدم إهمال الله، فالإهمال لا يليق بصلاح الله تجسد الكلمة فصل2: 1).

هكذا وبالأكثر جداً فإن كلمة الآب كلي الصلاح، لم يتخلى عن الجنس البشري الذي خُلِقَ بواسطته، ولم يتركه ينحدر إلى الفناء. بل أبطل الموت الذي حدث نتيجة التعدي، بتقديم جسده الخاص. ثم قوَّم إهمالهم بتعاليمه، وبقوته الخاصة أصلح كل أحوال البشر.
وهذه كلها يُمكن للمرء أن يتحققها مما قاله الكُتاب (التلاميذ الرسل) الموحى إليهم عن المُخلِّص، إذا قرأ أحدٌ، ما كُتِبَ بواسطتهم حيث يقولون: ” لأن محبة المسيح تحصرنا، إذ نحن نحسب هذا إنه أن كان واحد قد مات لأجل الجميع فالجميع إذاً ماتوا. وهو مات لأجل الجميع كي لا نعيش فيما بعد لأنفسنا، بل للذي مات لأجلنا وقام ربنا يسوع المسيح ” . وأيضاً: ” لكن الذي وُضِعَ قليلاً عن الملائكة (باتخاذه جسداً بشرياً) نراه مُكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد ” (عب2: 9).

وبعد ذلك يوضح السبب الذي من أجله كان ضرورياً أن الله الكلمة نفسه وليس آخر سواه هو الذي يتجسدفيقول: ” لأنه لاق (لائق) بذلك الذي من أجله الكل وبه الكل وهو آتٍ بأبناء كثيرين إلى المجد أن يُكمل رئيس خلاصهم بالآلام ” (عب2: 10). وهو بهذا يقصد أن يوضح أنه لم يكن أحدٌ آخر يستطيع أن يسترد البشر من الفساد الذي حدث (نتيجة السقوط) غير كلمة الله الذي خلقهم في البداية.
وأيضاً أشار الرسول إلى أن الكلمة بذاته أتخذ لنفسه جسداً ليُقدمه ذبيحة عن الأجساد المُماثلة قائلاً: ” فإذ تشارك الأولاد في اللحم والدم أشترك هو أيضاً فيهما لكي يُبيد بالموت ذلك الذي له سلطان الموت أي إبليس ويعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية ” (عب2: 14و 15).
لأن بذبيحة جسده الذاتي وضع نهاية لناموس الموت الذي كان قائماً ضدنا. وصنع لنا بداية جديدة للحياة برجاء القيامة الذي أعطاه لنا. لأنه إن كان بإنسان واحد (آدم) قد ساد الموت على البشر، ولهذا أيضاً فبسبب تأنس كلمة الله فقد حدثت إبادة للموت وتمت قيامة الحياة كما يقول لابس المسيح بولس: ” فإنه إذ الموت بإنسان،بإنسان أيضاً قيامة الأموات لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيا الجميع ” (1كو15: 21 – 22)، وبالتالي فنحن الآن لا نموت بعد كمُدانين، بل كأُناس يقومون من الموت ننتظر القيامة العامة للجميعوالتي سيُبينها في أوقاتها التي يُحددها الله الذي أتمها والذي وهبنا إياها ] (القديس اثناسيوس الرسولي – تجسد الكلمة الفصل10: 1 – 5)

تابع دراسة في الذبائح (18) ذبيحة المحرقة – المسيح يقدم نفسه ذبيحة طاعة.

دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח– ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
Sacrifice 166 – Sacrifices 142 – Sacrificing 12
[ الجزء 18 ]
تابع [1] الوجه الأول من أوجه الصليب
الجزء الأخير من شرح ذبيحة المحرقة – ὁλοκαύτωμα – עלׇה
 

+ المسيح يقدم نفسه ذبيحة طاعـــــــــة +

 

للرجوع للجزء السابع عشر أضغط هنـــــا.

+ المسيح يقدم نفسه ذبيحة طاعة:

بعد أن عرضنا مشكلة السقوط ودرامة العصيان وخطورتها على حياة الإنسان، إذ بالعصيان دخلت الخطية بكل أنواعها وبشاعتها لتشوه طبع الإنسان الذي صار متمرداً على الله لا يطيع وصاياه ولا يقبلها، لأن الموت يعمل فيه، والموت لا يقبل الحياة [ بمعصية الإنسان الواحد جُعل الكثيرون خطاة (إذ أن لهم نفس ذات طبع الفساد) ] (رومية 5: 19)، نستطيع الآن أن نستوعب سر ذبيحة المحرقة وكيف قدم الرب نفسه ذبيحة طاعة …

فبسبب عصيان الإنسان كان من المحتم أن يكون هناك ذبيحة محرقة تُظهر الطاعة للتكفير عن العصيان وعدم الطاعة لله القدوس المحب، فظهر ربنا يسوع المسيح في ملء الزمان كالتدبير في الجسد مُظهراً طاعته للآب، هذه الطاعة التي تكلم عنها وأظهرها بوضوح تام كل أيام خدمته إلى الصليب، حتى الموت:

[ ها أنا ذا أجيء لأفعل مشيئتك يا الله ] (عبرانيين 10: 7)

[ لأني قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني ] (يوحنا 6: 38)

[ الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن للآب الحال فيَّ هو يعمل الأعمال ] (يوحنا 14: 10)

[ ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني ] (يوحنا 9: 4)

ونجد المسيح الرب يُكمل واجبات الطاعة تكميلاً إلى آخر حدود الموت أي الصليب [ أطاع (صار يُطيع – مزعن – ممتثل – خاضع) حتى الموت، موت الصليب ] (فيلبي 2: 8)، وبالطبع لم يفت على المسيح – له المجد – وهو يتقدم نحو الصليب أن يُنبه أذهاننا إلى أنه إنما يموت أولاً وقبل كل شيء ليُكمل مشيئة الآب: [ الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها ] (يوحنا 18: 11)

وطاعة المسيح – له المجد – كانت عن سرور لا عن حزن أو اكتآب أو اضطرار، فهو يقول [ طعامي أنأعمل مشيئة الذي أرسلني وأُتمم عمله ] (يوحنا 4: 34) …

فهو قدم نفسه بمسرة إرادته وبكامل حريته :

[ … وأسلم نفسه (بذل نفسه) لأجلنا قُرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة ] (أفسس 5: 2)، ولو عدنا للنص اليوناني للآية نجد اللفظة التي تؤكد على أن هذه الذبيحة المقدسة هي ذبيحة المحرقة أو تقدمة القربان، لأن فعلها يظهر كرائحة لأنها تُحرق، فلا رائحة إلا بالحرق، وهي تظهر رائحة حلوة للرضا والمسرة كما ذكرنا في شريعة المحرقة ….

Προσφοράν καὶ θυσίαν τῷ θεῷ εὶς ὀσμήν εὐωδίας
Prosphoran kai thusian to theo eis osmen euodias

تقدمة قربان ذبيحة لله ، رائحة طيبة – Προσφοράν ذبيحة محرقة، ليشمُها الله رائحة حلوة عطرة ذكية [ للرضا والمسرة ]

offering and a sacrifice to God for a sweet-smelling aroma
offrande et victime, comme un parfum d’agréable odeur

[ قدم نفسه ذبيحة محرقة ] و كما من عطر تفوح منها رائحة عطرة 

وواضح جداً في النص اليوناني الإشارة لذبيحة المحرقة للرضا والمسرة، والذي يؤكده القديس بولس الرسول في آيات مرتبطة وواضحة الإشارة لذبيحة ربنا يسوع كذبيحة محرقة :

[ كما أحب المسيح أيضاً الكنيسة وأسلم (بذل – قدم) نفسه – gave up – لأجلها – gave Himself for her … ] (أفسس 5: 25)

[ ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي – gave Himself for me – ] (غلاطية 2: 20)

[ المسيح الذي بذل نفسه لأجل خطايانا – gave Himself for our sins – ليُنقذنا من العالم الحاضر الشرير حسب إرادة الله وأبينا ] (غلاطية 1: 3و 4)

_____ملحوظة هامة_____

حينما نجد أن الرسول يقول في أماكن عديدة إن المسيح [ قدم ذاته ] أو [ قدم نفسه ] أو [ بذل نفسه فدية ]، فهو يُعبَّر عن المسيح ككاهن قدم بيديه، أي بمحض مسرة إرادته الحرة، ذبيحة جسده على الصليب [ ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي، لي سلطان أن أضعها و لي سلطان أن آخذها أيضاً هذه الوصية قبلتها من أبي ] (يو10: 18) [ فقال له بيلاطس أما تكلمني، الست تعلم أن لي سلطانا أن أصلبك و سلطاناً أن أطلقك، أجاب يسوع لم يكن لك علي سلطان البتة لو لم تكن قد أُعطيت من فوق لذلك الذي أسلمني إليك له خطية أعظم ] (يوحنا 19: 10 – 11) 

ونجد أن في حالة ذكر تقديم الذبيحة، إما في صيغة المبني للمجهول، حيث يقصد أن الذي قدمه على الصليب هم اليهود، أو بذكرهم صراحة أنهم قتلوه، فهنا يقف المسيح – له المجد – موقف من سلم نفسه وأعطى ذاته كخروف يُساق إلى الذبح. 

ولكن أروع صوره لذبيحة الصليب على الإطلاق هي التي ذكر فيها بولس الرسول أن الله هو الذي قدمه حسب القصد في قوله [ الذي قدمه الله – purposed the God – كفارة ] (رومية 3: 25)، وهنا تظهر مشيئة الله لتُغطي كل ملابسات تقديم المسيح – له المجد العظيم – على الصليب، سواء في مشيئة المسيح الرب نفسه أو في التغاضي عن جهالة الصالبين له وذلك لبلوغ منتهى قصد الله [ من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله ] (رومية 3: 25) ، هذا يعني أن ذبيحة الصليب تشترك فيها مشيئة الآب الكلية، ومشيئة الابن المتجسد المطابقة والمستمدة من مشيئة الآب:

[ ثم قال ها أنا ذا أجيء ( آتي – والصيغة في اللغة اليونانية تأتي بمعنى الحاضر الممتد ) في درج الكتاب مكتوب عني ( كُتب لأجلي، لإظهار ما يخص دوري وعملي الذي أعمله ) لأفعل مشيئتك يا الله ( فقلت ها أنا ذا آتٍ – كما هو في الناموس المكتوب عني – أني سأفعل مشيئتك يا الله ) … فبهذه المشيئة نحن مُقدسونبتقديم [ Προσφοράς – برسفورا – وهي الكلمة الطقسية التي تُشير للذبيحة كما سبق وذكرنا ] جسد يسوع المسيح مرة واحدة ] (عبرانيين 10: 9و 10) …

+ عموماً جدير بنا الآن أن نخرج خارج المفهوم المعتاد عليه من جهة أن الصليب في نظرنا عملاً يختص بالخطية فقط، ولكن يليق بنا الآن أن نكشف ناحية جديدة أُخرى فيه، تختلف كل الاختلاف عن معنى الخطية: وهي هذه الطاعة العجيبة التي أكملها الابن نحو الآب، وتكميل مشيئته تماماً، كاشفاً بعمله الرائع عن نوع الصلة الخاصة التي ارتبط بها الابن بالآب، والتي نلمح فيها حدوداً عميقة لمعنى البنوة، فهو لم يأخذها اختطافاً، ولا ادَّعاها ادعاء مبهماً، ولكنه حقق واجبتها ووفها تماماً كابن حقيقي لله الآب فعلاً وقولاً وعملاً !!!

وهو بطاعته العميقة والمتسعة جداً، كشف ضمناً عن بره الشخصي، فالذي استطاع أن لا يعمل مشيئته قط بل مشيئة الله فقط كُلاً وجزءاً، هذه التي أكملها بكل اتساعها، قد أوضح بكل تأكيد أن له مثل ذات المشيئة عينها،لأن مشيئته ومشيئة الآب يستحيل أن تتعارض أو تختلف، لأنهما واحد في الجوهر ومشيئتهما تتفق طبيعياً، مع انه أخلى ذاته متخلياً عن مشيئته طائعاً مشيئة من أرسله [ لكنه أخلى [ جرد ] نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس إذ وجد في الهيئة كانسان وضع نفسه و أطاع حتى الموت موت الصليب ] (فيلبي 2 : 7 – 8)، وبذلك يبرهن بغير لبس ولا إبهام على أنه هو والآب واحد [ أنا والآب واحد ] (يوحنا 10: 20)

لذلك كان صليب ربنا يسوع موضوع مسرة فائقة للآب القدوس، وكما يقول القداس الإلهي في دورات البخور [ هذا الذي أصعد ذاته ذبيحة مقبولة (ذبيحة محرقة) على الصليب عن خلاص جنسنا، فإشتمه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجثة ] (رفع البخور – اعتراف الشعب)

هذا الوجه أتضح لنا جداً في طقس ذبيحة المحرقة، التي هي أولى الذبائح، والتي بدونها يستحيل على الإطلاق تقديم ذبيحة الخطية ولا ذبيحة الإثم، بل ولا أي ذبيحة أخرى أو تقدمة …

ومن وضعها في أول قائمة الذبائح، أدركنا أنه لولا إرضاء الابن للآب وتقديم طاعته له حتى الموت، ما أمكن قط أن يكون هناك مغفرة خطايا أو سلام للإنسان إطلاقاً …

أي أنه لولا طاعة المسيح – له المجد – أولاً، وتقديم نفسه كذبيحة محرقة، ما أمكن أن يُقدم نفسه على الصليب كذبيحة خطية وتُقبل هذه الذبيحة .

لذلك لا نجد في ذبيحة المحرقة أي ذكر للخطية، بل يدعوها الطقس [ محرقة وقود رائحة سرور (رائحة راحة) للرب (يهوه) ] (لاويين 1: 13) 

وكما رأينا في لاويين 1: 3 [ يقدمه للرضا عنه أمام الرب ] 

فالمحرقة إذن ذبيحة مسرة ورضا أمام الله، وهكذا كان الصليب أيضاً، بل ويجب أن يكون كذلك في ذهننا؛ فأول عمل أكمله المسيح اللوغوس المتجسد على الصليب هو تقديم نفسه ذبيحة محرقة في مسرة الطاعة، إيفاءً لواجبات البنوة في التجسد !

إذن فقبل أن نطرح خطايانا على صليب رب المجد الله المتجسد، يلزمنا – بالضرورة – أن نتقدم إليه فيطاعة الشاه التي تُساق إلى الذبح. وقبل أن نعرف مشيئة الآب السماوي، يلزمنا أن نخضع لها أولاً بسرورمهما كانت مُرة، ومهما ما قادتنا حتى إلى الصليب والموت …

فلنسمع ونصغي بالقلب لما يقوله حمل الله رافع خطية العالم : [ لهذا يحبُني الآب لأني أضع نفسي (الموت) [τίθημι τήν ψυχήν – وتنطق هكذا tithemi ten psuchen – بمعنى lay down the life – am-laying-down the soul ]، لآخذها أيضاً (القيامة) ] (يوحنا 10: 17)، ثم يستدرك القول لئلا يتبادر للذهن أنه قَبِلَ الصليب عن اضطرار أو تغصُب: [ ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي (أبذلها برضاي = حرية المسيح الرب المطلقة) ] (يوحنا 10: 18)

ولكن السؤال الهام لنا الآن: هل يُمكن أن ننال هذه الطاعة، طاعة المحرقة أو طاعة الصليب كما أكملها المسيح الرب ؟

الجواب نجده واضحاً في طقس ذبيحة المحرقة إذ يقول الطقس بكل تدقيق: إن مُقدم ذبيحة المحرقة [ يضع يده على رأس المحرقة فيُرضى عليه ] (لاويين1: 4)؛ وهنا وضع اليد يُهيئ لمُقدم الذبيحة أن يشترك في صفات الذبيحة، وما لم يكن مُمكناً أن يعمله للرضا عنه (أي الاحتراق) يناله من تقديم الذبيحة لتُحرق عوضاً عنه …

وهكذا نجد أن الإشارة واضحة وبليغة للغاية: أن من يؤمن بذبيحة المسيح الرب الذي قدم ذاته ذبيحة طاعةينال في المسيح طاعته لله الآ . بل وينال مع المسيح الرب رضا الآب عنه ، لأن الآب لا يرضى إلا بذبيحة الابن !!!

ونحن صرنا شركاء في ذبيحة الصليب، لا بوضع اليد فقط – كما في العهد القديم – بل والقلب بالإيمان الحي والصادق بذبيحة شخص المسيح اللوغوس المتجسد ابن الله الحي : [ مع المسيح صُلبت ] (غلاطية 2: 20)

شكراً لله بالمسيح يسوع، إذ قد صرنا بدم المسيح الرب رائحة مقبولة لدى الله الآب [ ولكن شكراً لله الذي يقودنا في موكب نصرته في المسيح كل حين ويُظهر بنا رائحة معرفته في كل مكان ، لأننا رائحة المسيح الذكية لله – εὐωδία – a sweet smell ] (2كورنثوس 2: 14و 15) 

لقد صرنا فعلاً موضع رضا ومسرة، آخذين في أنفسنا – بالإيمان – ثمرة ذبيحة محرقة المسيح على الصليب !!

وما هي ثمرة ذبيحة المحرقة ؟ 

يُحددها الطقس بوضوح – في العهد القديم: [ يضع يده على رأس المحرقة فيُرضى عليه للتكفير عنه ]، فالرضا يُقدمنا للكفارة، والكفارة تُقدمنا لاستحقاق قبول الصفح عن الخطايا السالفة أو السابقة، لأنه كيف يغفر الله لنا خطايانا وهو لم يرضى عنا بعد !!!

ولكن شكراً لله لأن المسيح الرب صار ذبيحة رضا ومسرة عن كل الذين يتقدمون به إلى الآب، ولو تأملنا تقديم ذبيحة المحرقة، نجد أن لها ترتيباً خاصاً دون سائر جميع الذبائح الأخرى والتقدمات: إذ ينُص الطقس على ضرورة سلخ الذبيحة وتقطيعها قطعاً وغسلها غسلاً بالماء، كل جوفها وأحشاؤها وقِطَعِها على المذبح، ليُظهر كل ما فيها أمام الله حتى أعماقها الداخلية (لاويين 1: 9) …

وما هذا !!! أليست هذه إشارة واضحة كالشمس إلى الفحص الذي جازه المسيح الرب أمام الله من جهة عمله وسلوكه وخدمته وأقواله ؟ فلم يوجد فيه عله واحده على الإطلاق، حتى بشهادة بيلاطس نفسه الذي أمر بصلبه [ فقال لهم ثالثة (بيلاطس المتكلم) فأي شر عمل هذا. إني لم أجد فيه علّه (علّه = οὐδὲν = nothing =je n’ai rienللموت ] (لوقا 23: 22)، وذلك كما شهد إشعياء بروح النبوة [ لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش ] (إشعياء 53: 9)، بل وهو نفسه شهد عن نفسه – وشهادته حق – قائلاً: [ من منكم يُبكتني على خطية ] (يوحنا 8: 46)، وقد قال هذا وهو يتقدم إلى الصليب كشهادة لبر ذبيحته، وتأكيد أنه ذبيحة محرقة أفضل من الرمز الذي قدمه الطقس قديماً بما لا يُقاس …

ولنا أن نفهم ماذا يقصد الرب بدقة بكلمة من منكم يُبكتني: [ فكلمة يُبكتني في اليونانية – ἐλὲγχει –elegchei)convinced = is-exposing ) هذه الكلمة اليونانية بحد ذاتها هي اصطلاح قانوني يُفيد الفحص المضاد من محامي الخصم، وهو نوع من [ إقامة الدليل الضد ]، وهي تقوم على إثبات الخطأ بالدليل المُدعم، إما بشهادة الشهود، أو بالوثائق الدامغة، أو بمهارة المُحقق في جعل المتهم يعترف ضد نفسه. وقد أورد الإنجيل هذا المصطلح في يوحنا 16: 8 عن الروح القدس أنه [ يُبكت العالم على خطية … ] 

فالمسيح رب المجد بقوله [ من منكم يُبكتني على خطية ] يكون قد كشف كشفاً واضحاً على المستوى التي تعيش فيه بشريته، أنه مستوى يفوق كل قامة البشر – حيث يستحيل أن يوجد إنسان بلا خطية – وبهذا يكون هذا النص هو استعلان للمستوى الإلهي الذي كان يعيشه المسيح في بشريته، وهو المعروف في اللاهوت: أن المسيح ” بلا خطية ” [ لأن ليس لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثي لضعفاتنا بل مُجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية (بلا اقتراف خطية – بمعزل عن الخطية – لأنها لا تستطيع أن تمسه أو يتعامل معها- مستحيل – استحالة مطلقة – أن توجد فيه خطية أو شبه خطية واحدة قط) ] (عبرانيين 4: 15)

فواضح هنا على مستوى فحص الذبيحة أن الرب نفسه يجتاز أي فحص بجدارة لأنه القدوس حمل الله الذي بلا عيب ومؤهل كل التأهيل أن يكون ذبيحة محرقة للرضا التام والمسرة، وبسبب كماله المطلق يستحيل أن تقدم بعده ذبيحة محرقة أخرى لأن فيه الكل صار مرضي عنه، شرط أن يتوب ويؤمن به ذبيحة محرقة تامة، ويثمر إيمانه طاعة لأنه يستمد الطاعة من طاعة الرب يسوع بإيمان حي بالذبيح الذي صار رائحة رضا ومسرة دائمة وإلى الأبد …

ونختتم الكلام عن هذه الذبيحة العظيمة والتي هي أول الذبائح، والتي لا تقدم إلا بها، ونعود نركز لكي تنطبع هذه الذبيحة في أذهاننا وفعلها يصير في قلوبنا بالإيمان بحمل الله، ونذكر قول الرب لموسى قائلاً:

[ وكلم الرب موسى قائلاً: … هذه هي شريعة المحرقة، هي المحرقة تكون على الموقدة فوق المذبح كل الليل حتى الصباح ونار المذبح تتقد عليه. ثم يلبس الكاهن ثوبه من كتان ويلبس سراويل من كتان على جسده ويرفع الرماد الذي صيَّرت النار المحرقة إياه على المذبح ويضعه بجانب المذبح. ثم يخلع ثيابه ويلبس ثياباً أُخرى، ويُخرج الرماد إلى خارج المحلة إلى مكان طاهر. والنار على المذبح تتقد عليه، لا تُطفأ. ويُشعل عليها الكاهن حطباً كل صباح، و يُرتب عليها المحرقة ويوقد عليها شحم ذبائح السلامة، نار دائمة تتقد على المذبح، لا تُطفأ ] (لاويين 6: 8 – 13) .

لنلاحظ ونركز على أن هذه الذبيحة تتركز في كونها تظل فوق المذبح كل الليل وحتى الصباح، والنار على المذبح تلتهم المحرقة مع شحم ذبائح السلامة، نار دائمة تتقد على المذبح، لا تُطفأ، ومحرقة دائمة لا يخلو المذبح منها إطلاقاً. وذلك إشارة واضحة إلى ذبيحة المسيح الرب، حمل الله، الكاملة التي صارت محرقة ووقوداً مستمراً أمام الآب يشمه كل حين وإلى الأبد رائحة سرور ورضا – كما رأينا في شرحنا السابق بتدقيق – فيتحنن على البشرية بسبب برّ المسيح وطاعته حتى الموت من أجل خلاص جنس البشر . وكما التهمت النار الذبيحة، هكذا ابتُلع الموت إلى غلبة بموت المسيح وقيامته. والكتان الذي يلبسه الكاهن لكي يرفع رماد المحرقة ويضعه بجانب المذبح، يُشير إلى برّ المسيح الذاتي وجسد قيامته؛ لأنه إذ أطاع حتى الموت موت الصليب، لكي يكمل مشيئة أبيه الصالح، قام ببره الذاتي غالباً الموت وحاملاً معه مفاعيل عمله العظيم الذي أكمله على الصليب. فالرماد إشارة إلى كمال المحرقة وقبولها أمام الله.

تابع دراسة في الذبائح (10) تابع يسوع يقدم نفسه ذبيحة – يسوع المسيح حمل الله.

دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח– ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
Sacrifice 166 – Sacrifices 142 – Sacrificing 12
[ الجزء 10 ]
تابع (1) مقدمـــــــــــــــة عامة
جـ – تابع (1) العهـــــــد الجديـــــد – تابع (3) يسوع يقدم نفسه ذبيحة
للرجوع للجزء التاسع أضغط هنـا.

ب – يسوع المسيح حمل الله:

في العهد القديم قدم إبراهيم ذبيحة لله كبشاً عوضاً عن ابنه اسحق: ” فناداه ملاك الرب من السماء وقال: إبراهيم إبراهيم: فقال هاأنذا، فقال: لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئاً، لأني الآن علمت أنك خائف الله فلم تُمسك ابنك وحيدك عني، فرفع إبراهيم عينيه ونظر: وإذا كبش وراءه مُمسكاً في الغابة بقرنيه، فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعده محرقة عوضاً عن ابنه ” ( تكوين22: 11 – 13 )

أما في العهد الجديد فيسوع هو نفسه الحمل الذي رفع خطية العالم بتقدمة ذاته على الصليب بإرادته وسلطانه وحده، كما يصفه إنجيل يوحنا: ” ها هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم ” ( يوحنا 1: 29 )
وقد مات يسوع في الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم الجمعة السابق لعيد الفصح، وهي الساعة التي كانت تُذبح فيها أمام الهيكل بأورشليم، الحملان الفصحية، ويؤكد إنجيل يوحنا هذا الشبه بين يسوع والحمل الفصحي، عندما يُشير إلى أن يسوع وهو على الصليب لم يُكسر له عظم على مثال الحمل الفصحي:

+ ” ثم إذ كان استعداد، فلكي لا تبقى الأجساد على الصليب في السبت، لأن يوم ذلك السبت كان عظيماً، سأل اليهود بيلاطس أن يُكسر سيقانهم ويُرفعوا، فأتى العسكر وكسروا ساقي الأول والآخر المصلوب معهُ وأما يسوع فلما جاءوا إليه لم يكسروا ساقيه لأنهم رأوه قد مات… والذي عاين شهد وشهادته حق، وهو يعلم أنهُ يقول الحق لتؤمنوا أنتم، لأن هذا لكي يتم الكتاب القائل عظم لا يُكسر منه ” ( يوحنا 19: 31 – 36 )
+ ” وقال الرب لموسى وهارون: هذه فريضة الفصح… في بيت واحد يؤكل، لا تخرج من اللحم من البيت إلى خارج وعظماً لا تكسروا منه ” ( خروج 12: 43و 46 )
+ ” يحفظ جميع عظامه. واحده منها لا ينكسر ” ( مزمور 34: 20 )

لقد افتدانا يسوع من الخطية التي ملكت بالموت مظهراً أن العبادة الحقيقية ليست تقدمة ذبائح الحيوانات، بل تقدمة الذات في سر الموت والقيامة مع المسيح لتتميم إرادة الله في البرّ والقداسة. وهذا ما يشرحه القديس بولس الرسول بقوله: ” لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع، قد أعتقني ( فكني – حررني) من ناموس الخطية والموت، لأنه ما كان الناموس عاجزاً عنه فيما كان ضعيفاً بالجسد [ ما لم يستطعه الناموس لعجزة بسبب الجسد ] فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ، ولأجل الخطية دان الخطية [ قضى على الخطية ] في الجسد، لكي يتم حكم ( برّ ) الناموس فينا ” ( رومية 8: 2 – 4 )

ولنفهم كلمات القديس بولس الرسول على ضوء النبوات التي تشرح سر عمل الله في قلوبنا بناموس روح الحياة في المسيح يسوع:

” هكذا قال رب الجنود إله إسرائيل سيقولون بعد هذه الكلمة في أرض يهوذا وفي مدنها عندما أرد سبيهم يباركك الرب يا مسكن البر يا أيها الجبل المقدس… لأني أرويتُ النفس المُعيية وملأت كل نفس ذائبة … ها أيام تأتي يقول الرب وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهداً جديداً. ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أمسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض مصر حين نقضوا عهدي فرفضتهم يقول الرب. بل هذا هو العهد الذي أقطعهُ مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب. أجعل شريعتي في داخلهم واكتبها على قلوبهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً. ولا يُعلمون بعد كل واحد صاحبه وكل واحد أخاه قائلين: اعرفوا الرب، لأنهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم يقول الرب. لأني أصفح عن أثمهم ولا أذكر خطيتهم بعد [ وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابته فيكم، ولا حاجة بكم إلى أن يُعلمكم أحد، بل كما تُعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء، وهي حق وليست كذباً. كما علمتكم تثبتون فيه ( 1بطرس 2: 27 ) ] ” ( أرميا 31: 23 ، 25 ، 27 – 34 )

” وأرش عليكم ماءً طاهراً فتطهرون من كل نجاساتكم ومن كل أصنامكم أطهركم. وأعطيكم قلباً جديداً واجعل روحي في داخلكم ( لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع، قد أعتقني ( حررني ) من ناموس الخطية والموت ) وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها… وتكونون لي شعباً وأنا أكون لكم إلهاً. وأخلصكم من كل نجاساتكم ” ( حزقيال 36: 25 – 29 )

” هكذا قال السيد الرب: هانذا أفتح قبوركم وأصعدكم من قبوركم يا شعبي وآتي بكم إلى أرض إسرائيل [ و أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع (أفسس 2 : 6) ]. فتعلمون إني أنا الرب عند فتحي قبوركم وإصعادي إياكم من قبوركم يا شعبي. واجعل روحي فيكم فتحيون، وأجعلكم في أرضكم فتعلمون أني أنا الرب تكلمت وأفعل يقول الرب ” ( حزقيال 37: 12 – 14 )

ومن خلال هذه النبوات وكلمات القديس بولس يتضح لنا أنه إذا تجدد الإنسان داخلياً بسر عمل الله في المسيح يسوع وتحوَّل بروح الله الذي يرسله الآب لنا باسم يسوع ليسكن ويحل فينا [ واجعل روحي فيكم فتحيون – و أما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء و يذكركم بكل ما قلته لكم (يو 14 : 26) ]، يستطيع (الإنسان المؤمن) بسهولة ومحبة أن يطيع مشيئة الله، فهي لم تعد إكراها وغصباً، لأنها لا تُفرض عليه من الخارج، بل صارت الشريعة، شريعة روح الحياة المحفورة بنور الله في القلب من الداخل، لتناسب الحياة الجديدة التي أخذناها بولادتنا الجديدة من فوق…

فالمسيح يسوع له المجد، اتخذ على وجه تام مصير وضعنا الخاطئ، بدون أن يكون هو خاطئ لأنه بار بالطبيعة، وببره يبرر الكثيرين: ” لأنه جعل الذي لم يعرف خطية، خطية لأجلنا، لنصير نحن برّ الله فيه ” ( 2كورنثوس 5: 21)، ” الذي حَمَلَ هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة، لكي نموت عن الخطايا فنحياللبرّ. الذي بجلدته شُفيتم ” ( 1 بطرس 2: 24 )، ” وتعلمون أن ذاك أُظهر لكي يرفع خطايانا ” ( 1يوحنا 3: 5 )، ” المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا. لأنه مكتوب: ” ملعون كل من عُلق على خشبة “، لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع. لننال بالإيمان موعد الروح ” ( غلاطية 3: 13 – 14 )

فقد صار الرب يسوع نفسه ذبيحة كفارة حقيقية كاملة تامة، وهنا تحقق كمال فعل الذبيحة القديمة في المسيح يسوع، فأُبطلت كل الذبائح وانتهت تماماً لأن المسيح نفسه وبذاته أي بشخصه الإلهي هو الذبيحة الحقيقية، والذي بموته حكم على الخطية في الجسد وقضى على فعلها وأفرغها من سلطانها وأبطل الموت الذي هو حكمها كنتيجة طبيعية ملازمة لها…

ففي ذبيحة الخطية في العهد القديم، يكشف موت الذبيحة المقدمة عوض الخاطي، عن الحكم الملازم للخطية، لأن الخطية خاطئة جداً ومن يفعلها يموت، لأن نتاجها الطبيعي الذي يتبعها وملازم لها هو الموت وهذ هي مشكلتها الحقيقية التي تتبعها، أما في المسيح يسوع، يتم إماتة الخطية في الجسد، ليُميت الجسد التي تعمل فيه الخطية، وبالتالي يفرغها من سلطانها إذ يصنع بحياته إنسان جديد فوقاني بجسد جديد لا يتعامل مع الخطية، فلا يعود لها سلطان لأنها ميتة والإنسان المؤمن في المسيح ميتة بالنسبة له، فلا يتعامل معها مرة أخرى لأن لا سلطان لها عليه، حتى لو ضعف وسقط، بل يقوم فوراً لأن الموت أُبتُلع لحياة ، ومن المستحيل أن يسود موت على حياة !!!

وتتوسع الرسالة إلى العبرانيين في معنى الفداء: [ لأنه إن كان دم ثيران وتيوس ورماد عجلة مرشوش على المنجسين، يُقدس إلى طهارة الجسد ( الطهارة الطقسية المطلوبة للاشتراك في العبادة القديمة )، فكم بالحري ( بالأولى ) يكون دم المسيح الذي بروح أزلي قدم ( بحرية ) نفسه ( قرباناً ) لله بلا عيب، يُطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحي ] ( عبرانيين 9: 13 و14 )

وبلا عيب في هذه الآية: تضع ذبيحة ربنا يسوع المسيح من جهة الأفضلية من كل الذبائح الحيوانية التي لم تقوى على طهارة النفس والضمير من الداخل، لأنها ذبيحة تحمل حياة الله وقوته فيها، ومن ذلك تأتي فاعليتها لتطهير الضمير واتحاد الإنسان بالله بالسر في المسيح يسوع.

والرسالة للعبرانيين توضح أن كل ذبائح العهد القديم ما هي إلا رمز لذبيحة العهد الجديد، بدم حي مُحيي يُعطي شفاء حقيقي:

” لأنه لا يمكن [ مستحيل ] أن دم ثيران وتيوس يرفع [ يُزيل ] الخطايا. لذلك عند دخوله إلى العالم [ المسيح ] يقول: ذبيحة وقرباناً لم تَرد، ولكن هيأت لي جسداً، بمحرقات وذبائح للخطية لم تُسرّ، ثم قلت: هنذا أَجيء في درج الكتاب مكتوب عني لأفعل مشيئتك يا الله، إذ يقول آنفاً [ أولاً ] إنك ذبيحة وقرباناً ومحرقات وذبائح للخطية لم تُرد، ولا سُررت بها، التي تُقَدَم حسب [ بموجب ] الناموس، ثم قال: هنذا أَجيء لأفعل مشيئتك يا الله، ينزع الأول [ العبادة الأولى ] لكي يُثبت الثاني، فبهذه المشيئة نحن مُقدسون بتقديم [ بالقربان الذي قُدمَ فيه ] جسد يسوع المسيح مرة واحدة ” ( عبرانيين 4 – 10 ) ( أنظر للأهمية إشعياء 53: 4 – 12 )

وفي العهد الجديد عموماً يظهر في موت الرب تحقيق النبوات القديمة، ولاسيما نبوه إشعياء عن عبد الرب [لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائرا في شبه الناس (في 2 : 7) ]الذي سيحمل خطايا كثيري: ( أنظر للأهمية إشعياء 53: 4 – 12 )

وهذا المعنى الذي نجده في العهد الجديد وفي الكنيسة الأولى لموت المسيح، قد عَبَّرَ عنه يسوع نفسه في العشاء الفصحي الأخير الذي تناوله مع تلاميذه فيقول بولس الرسول: ” لأنني تسلمت [ تقليد ] من الرب ما سلمتكم [ أنظر لوقا 22: 14 – 20 ] أيضاً: أن الرب يسوع في الليلة التي أُسلِمَ فيها أخذ خبزاً وشكر فكسر وقال: خذوا كلوا هذا هو جسدي [ يُعطى ] المكسور لأجلكم، أصنعوا هذا لذكري ” ( 1كو 11: 23،24 )

ويوضح القديس لوقا عبارة ” الذي هو لأجلكم ” بقوله: ” وأخذ خبزاً وشكر وكسر وأعطاهم قائلاً: هذا هو جسدي الذي يُبذل عنكم ( لأجلكم ) ” ( لوقا 22: 19 )؛ ” وكذلك الكأس أيضاً بعد العشاء قائلاً : هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يُسفك عنكم ( لأجلكم ) ( لوقا 22: 20 )
ويُضيف إنجيل متى الرسول: ” لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد، الذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا ” ( مت 26: 28 )

لقد رأى يسوع أن رفض اليهود لرسالته وحقدهم عليه [ بسبب كشفه لقلوبهم وضمائرهم ] سيقودهم إلى قتله، فانتظر الموت [ لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة (يو 12 : 27) ]، إلا أنه جعل من موته : لحظة مغفرة ومسامحة وغفران للذين سيقتلونه، فلقد أعطى موته معنى الفداء الحقيقي [ في الليلة التي سَلَمَ فيها نفسه ]، وبينما كان معه على العشاء يهوذا [ الذي سَلَمهُ للموت ] مُمثلاً حقد اليهود وخطايا العالم أجمع [ متى 26 : 21 – 25 ]

وقد شهد الرب عن نفسه قائلاً: ” أنا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه [ حتى الموت ] عن الخراف، وأما الذي هو أجير وليس راعياً، الذي ليست الخراف لهُ، فيرى الذئب مُقبلاً ويترك الخراف ويهرب، فيخطف الذئب الخراف ويُبددها، والأجير يهرب لأنه أجير ولا يُبالي بالخراف، أما أنا فإني الراعي الصالح وأعرف خاصتي، وخاصتي تعرفني ، كما أن الآب يعرفني وأنا أعرف الآب، وأنا أضع نفسي عن الخراف، ولي خراف أُخر ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتي بتلك أيضاً، فتسمع صوتي وتكون رعية واحدة وراعٍ واحد، لهذا يُحبني الآب لأني أضع نفسي لآخذها أيضاً، ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها من ذاتي، لي سلطان أن أضعها، ولي سلطان أن آخذها أيضاً. هذه الوصية قبلتها من أبي ” ( يوحنا 10: 11 – 18 ) 
فهو قبل موته يسبق ويُعطيه معنى الفداء، فيبذل حياته بحريته، يعطي جسده ودمه، لأجل أحباؤه وأعداءه، ويكسر الخبز ويقول: [ هذا هو جسدي الذي يُبذل لأجلكم ] 
ويسكب الخمر في الكأس ويقول: [ هذا هو دمي الذي يُسفك عن كثيرين ]
وقال وحدد بدقة [ هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي ]

لقد أعطى يسوع حياته ليُنشئ عهداً جديداً بين الله والناس. وهكذا كان موته نقطة انطلاق لحياة جديدة في العالم، ومن البشرية التي قتلته بُعث شعباً جديداً مقدساً، وهم أولاً جماعة التلاميذ الذين آمنوا به وبذل يسوع حياته لأجلهم كما جاء في إنجيل لوقا: [ هذا هو جسدي الذي يُبذل لأجلكم ] 

وهو أيضاً للعالم كله – بلا استثناء – بحسب ما جاء في متى ومرقس: [ هذا هو دمي الذي يُسفك عن كثيرين] ولفظة الكثيرين = الجميع، وكما قال القديس بولس الرسول: [ لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح الذي بذل نفسه فدية لأجل الجميع … ] ( 1 تيموثاوس 2: 5و6 ) .

+ تقدمة يسوع تُنشأ عهداً جديداً:

في الحقيقة أن تقدمة يسوع ذاته للموت أنشأت عهداً جديداً، والعهد يتضمن طقوساً وشريعة وشعب. فالعهد القديم أُنشئ بين الله وشعبه على يد موسى بواسطة دم الحيوانات [ كما قلنا سابقاً في خروج 24: 8 ” وأخذ موسى الدم ورشه على الشعب وقال : هوذا دم العهد الذي عاهدكم به الرب على جميع هذه الأقوال ” ]، أما يسوع رب المجد الله المتجسد أنشأ عهداً جديداً بدمه الخاص، [ ” دم كريم كما من حمل بلا عيب و لا دنس دم المسيح ” (1بط 1 : 19)، ” دم المسيح الذي بروح أزلي قدم نفسه لله بلا عيب يطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحي ” (عب 9 : 14) ]

والعهد القديم كان مبنياً على شريعة أُعطيت لموسى [ الناموس بموسى أُعطى ]، أما العهد الجديد فمبني على تعاليم الرب يسوع التي تُكتب لا على حجر بل في القلب [ ” لأن هذا هو العهد الذي أعهدة مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب أجعل نواميسي في أذهانهم وأكتبها على قلوبهم وأنا أكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً ” (عب 8 : 10) ( إرميا 31: 33 ) ]، وتعاليم الرب ليست تعاليم كلامية تُحفظ في الفكر كمعلومة لها بريقها ورونقها، بل هي قوة حياة تُحيي النفس ، معها نعمة قوية تعمل في القلب سراً، فتنقي القلب وتُحيي الأموات بالخطايا والذنوب، وترفع الإنسان لمستوى الشركة مع الله بالحب [ أنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذي كلمتكم به (يو 15 : 3) الكلام الذي أكلمكم به هو روح و حياة (يو 6 : 63) ]، ولذلك قال في إنجيل يوحنا موضحاً أن الناموس بموسى أُعطيَّ، أما النعمة والحق فبيسوع قد صارا ( يوحنا 1: 17 ) 

وفي العهد القديم نشأ مع موسى شعب الله المكوَّن من الشعب اليهودي، أما في العهد الجديد فنشأ بالمسيح شعب الله الجديد، جنس مختار كهنوت ملوكي أمة مقدسة بدم ابن الله الحي القدوس، وصار كل من يؤمن رعية مع القديسين وأهل بيت الله [ ” و أما انتم فجنس مختار و كهنوت ملوكي أمة مقدسة شعب اقتناء لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب ” (1بط 2 : 9)، ” فلستم إذاً بعد غرباء و نزلاء بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله ” (اف 2 : 19) ] 
فالرب يسوع المسيح ملك المجد، صليبه صار نبع الغفران للجميع، لكل من يؤمن، ويصير به الكل مُصَالح مع الله [ وأنا أن ارتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع ” ( يوحنا 12: 32 ) ]

فالمسيح ابن الله الكلمة المتجسد لم يمت فقط عن الأمة اليهودية، بل عن الجميع كما قال القديس يوحنا الرسول: [ فجمع رؤساء الكهنة والفريسيون مجمعاً وقالوا: ماذا نصنع فإن هذا الإنسان يعمل آياتٍ كثيرة، إن تركناه هكذا يؤمن الجميع به، فيأتي الرومانيون ويأخذون موضعنا وأُمتنا، فقال لهم واحدٍ منهم وهو قيافا، كان رئيس للكهنة في تلك السنة: أنتم لستم تعرفون شيئاً ولا تفكرون أنهُ خيرٌ لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها.
ولم يقل هذا من نفسهُ بل إذ كان رئيساً للكهنة في تلك السنة، تنبأ أن يسوع مزمع أن يموت عن الأمة وليس الأمة فقط بل ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد ( يوحنا11: 47 – 52 ) ]

وعندما طُعن أحد الجنود الرب [ ولكن واحداً من العسكر طعن جنبه بحربة فللوقت خرج دمٍ وماء ( يوحنا 19: 34 ) ] فالكنيسة، شعب العهد الجديد، وُلِدت من آلام يسوع الخلاصية، بسر الماء والدم، وُلِدَت من فيض محبة الله التي ظهرت لنا في موت يسوع المسيح، وهي تترعرع وتنمو بقدر ما تشترك في تلك المحبة وتُحققها في حياتها .

لقد عاش يسوع تلك المحبة بتقدمة ذاته على الصليب، ويطلب من كل من يُريد أن يتبعه ويتتلمذ لهُ أن يدخل في تيار محبته: [ وقال للجميع ( لم يستثني أحد ) إن اراد أحد أن يأتي ورائي ( يتبعني ) فليُنكر نفسه، ويحمل صليبه كل يوم ( وكل يوم يعني شريعة يومية دائمة لحياة المسيحي الحقيقي ) ويتبعني ( لوقا 9: 23 ) ]

وفي العشاء السري طلب يسوع من تلاميذه أن يأكلوا جسده ويشربوا دمه [ خذوا كلوا، هذا هو جسدي … اشربوا من هذا كلكم، هذا هو دمي … ]، لأن كل من يأكل – بالإيمان – ذبيحة المسيح ابن الله الكلمة المتجسد والقائم بمجد عظيم، يدخل في جميع معاني هذه الذبيحة المقدسة جداً ويلتزم بكل متطلباتها ، فيقدم حياته مع المسيح [ مع المسيح صلبت ] ويغفر ويحب كما غفر المسيح لصالبيه، وهكذا يتحقق فيه العهد الجديد الذي أنشأه المسيح يسوع بدمه الكريم بين الإنسان والله، عندما تسري في عروقه حياة الله، حياة المحبة والغفران، وهكذا يتحقق على مدى الزمن والتاريخ الخلاص الذي حققه يسوع بموته على الصليب ,

عموماً، إن ذبيحة المسيح – له المجد – على الصليب هي ذبيحة كاملة ونهائية للتكفير عن خطية الإنسان وخلاصه، فالذبائح جميعها – في العهد القديم – لم تكن إلا رمزاً لذبيحة المسيح النهائية والكاملة، فلم يكن الناموس بكل ذبائحه وفرائضه وأحكامه [ بقادر أن يُحيي ]، بل كان الناموس “مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان ” ( غلاطية 3: 21 و 24 )، [ لأنه لا يُمكن ( مستحيل ) أن دم ثيران وتيوس يرفع خطايا… نحن مقدسون بتقديم جسد يسوع المسيح مرة واحدة. وكل كاهن يقوم كل يوم يخدم ويقدم مراراً كثيرة تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية، أما هذا ( المسيح ) فبعد ما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله…لأنه بقربان واحد قد أكمل إلى الأبد المقدسين ] ( عبرانيين 10: 4 14 ) 

ومن ثَمَّ فقد أبطلت ذبيحة المسيح يسوع كل الذبائح القديمة، التي كانت تقدم مراراً وتكراراً ولا تقدر أن تنزع الخطية لا من فكر الإنسان ولا من ضميره، فقد تعددت ذبائح العهد القديم – كما سنرى لا حقاً – لأن ذبيحة واحدة لم تكن كافية للتعبير عن الجوانب المختلفة لذبيحة المسيح، ونجد أسفار العهد الجديد [ ما عدا يعقوب ويهوذا ] تُشير إلى موت المسيح كذبيحة الكاملة عن الخطية ، وقد أشار المسيح يسوع نفسه ثم الرسل إلى ذلك ، فإليه كانت ترمز وتُشير :

(1ذبيحة العهد [ مرقس 14: 24 ؛ متى 26: 28 ؛ لوقا 22: 20 ؛ عبرانيين 9: 15 – 22 ]
(2المحرقة [ أفسس 5: 2 ؛ عبرانيين 10: 4 – 9 ]
(3ذبيحة الخطية [ رومية 8: 3 ؛ 2كورنثوس 5: 21 ؛ عبرانيين 13: 11 ؛ 1بطرس 3: 8 ]
(4خروف الفصح [ 1كورنثوس 5: 7 ؛ يوحنا 1: 29 و 36 ]
(5ذبيحة يوم الكفارة [ عبرانيين 2: 17 ؛ 9: 12 – 14 ]

 

_______________
 

وفي الجزء القادم سنتكلم عن
ذبيحة الصليب في ضوء ذبائح العهد القديم

 

تابع دراسة في الذبائح (9) يسوع يقدم نفسه ذبيحة.

دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח– ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
Sacrifice 166 – Sacrifices 142 – Sacrificing 12
[ الجزء 9 ]
تابع (1) مقدمـــــــــــــــة عامة
جـ – تابع (1) العهـــــــد الجديـــــد – (3) يسوع يقدم نفسه ذبيحة
للرجوع الى الجزء الثامن أضغط هنـا.
أ – تمهيــــــــد 
نجد في العهد الجديد أن يسوع عندما كان يُنبئ عن آلامه، يستخدم نفس ذات الكلمات والألفاظ التي كانت تتميز بها ذبيحة التكفيرية التي ذُكرت في سفر إشعياء النبي:
إنه يأتي ” ليخدم ” διακονηθηναι – to serve ، ” يبذل حياته – يبذل نفسه – يعطي حياته ” δοναιτήν ψυχήν – to give life ، ويموت ” فداءً ” λύτρον – ransom/an atonement عن كثيرين [ يفتدي أسير أو يحرر أسير – يكفر بالآلام والموت ]
” لأن ابن الإنسان أيضاً لم يأتِ ليُخدم، بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين ” ( مرقس 10: 45 )
” لأني أقول لكم إنه ينبغي ( يجب – يتحتم ) أن يتم فيَّ أيضاً المكتوب وأُحصيَّ مع أثمه ” ( لوقا 22: 37 )
” وأما الرب فسُرَّ بأن يسحقه بالحزن. إن جعل نفسه ذبيحة إثم… من تعب نفسه يرى ويشبع، وعبدي البار بمعرفته يُبرر كثيرين، وآثامهم هو يحملها لذلك أقسم له بين الأعزاء… من أجل أنه سكب للموت نفسه ( بذل نفسه ) وأُحصيَّ مع أثمه، وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين ” ( إشعياء 53: 10 – 12 )

وفضلاً عن ذلك ففي العشاء الفصحي الأخير، يؤكد الرب يسوع المسيح على وجود علاقة مقصودة ومحدده بين موته وذبيحة الحمل الفصحي. ولنتتبع قول الرب في الأناجيل ونلاحظ ما قيل بترتيب عجيب:

1 – ” وكان فصح اليهود قريباً فصعد كثيرين من الكور إلى أورشليم قبل الفصح ليطهروا أنفسهم فكانوا يطلبون يسوع ويقولون فيما بينهم وهم واقفون في الهيكل ماذا تظنون هل هو لا يأتي إلى العيد وكان أيضاً رؤساء الكهنة والفريسيون قد أصدروا أمراً إن عرف أحد أين هو فليدل عليه لكي يمسكوه ” ( يوحنا 11: 55 – 57 )

2 – ” ثم قبل الفصح بستة أيام أتى يسوع إلى بيت عنيا حيث كان لعازر الميت الذي أقامه من الأموات فصنعوا له هناك عشاء.. ” ( يوحنا 12: 1و2 )

3 – ” تعلمون أنهُ بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يُسّلَّم ليُصلب [ صيغة مبني للمجهول، الآب يُسَلَّم لأنه هو الباذل بالمحبة، والابن يُسلَّم ذاته بإرادته وسلطانه بنفس ذات محبة الآب ] ” ( متى26: 2 )

4 – ” وأما يسوع قبل عيد الفصح الفصح يعني العبور، وهنا الإشارة إلى عبور المسيح الموت، وهذا هو الفصح الحقيقي، أي الانتقال من الوضع الحاضر إلى المشاركة في مجد الآب بالبشرية التي اتحد بها في سر تجسده، بالقيامة والصعود] وهو عالم أن ساعته قد جاءت (( يعي الرب وعياً تاماً بمجيء ساعته وأهمية الأحداث التي ابتدأت ويستقبلها بملء حريته وإرادته )) لينتقل من هذا العالم إلى الآب إذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم أحبهم إلى المنتهى ” ( يوحنا 13: 1 )

وأخيراً يرجع صراحة إلى خروج 34: 8، مبيناً الصورة التي استخدمها موسى: ” دم العهد “:
” وأخذ موسى الدم ورش على الشعب وقال : هوذا دم العهد דַם־הַבְּרִת الذي قطعه الرب معكم على هذه الأقوال ” ( خروج 24: 8 )
” وقال لهم يسوع : هذا هو دمي الذي للعهد covenant الجديد αἷμά μου τῆς διαθήκς الذي يُسفك من أجل كثيرين ” ( مرقس 14: 24 ) 

على أن الإشارة هنا إلى الحمل الذي يُخلّص بدمه الشعب اليهودي، وإلى ذبائح سيناء التي تُثبت العهد القديم، وإلى موت العبد التكفيري، وهي إشارة تؤكد بوضوح طابع الذبيحة في موت الرب يسوع: [[ فهذا الموت الذي يموته المسيح – له المجد – ليس كذبائح العهد القديم تفيد مقدمها إلى طهارة الجسد وتعجز عن تطهير الضمير وتغيير القلب من الداخل، بل موته يُفيد الجميع ويعطي غفران الخطايا وغسل الضمير من الداخل ، فبذبيحته يكرس العهد النهائي وميلاد شعب جديد ، بل وموته يصبح ينبوعاً للحياة … ]]


أما الإفخارستيا التي أُسست لتجعل قربان الصليب الواحد حاضراً كذكرى ( άνάμνησις anamnesis) في إطار مائدة مقدسة، فهي تربط الطقس المسيحي الجديد بذبائح وحدة الاتحاد القديمة والتي كانت تحمل في طياتها رمز الذبيحة الجديدة والنهائية :
” وتأخذ دقيقاً وتخبزه اثنى عشر قُرصاً عُشرين يكون القرس الواحد ، وتجعلها صفين ، كل صف ستة على المائدة الطاهرة أمام الرب ، وتجعل على كل صف لُباناً نقياً فيكون للخبز تذكاراً وقوداً للرب ” ( لاويين 24: 5 – 7 )

وعلى هذا النحو فإن تقدمة يسوع المسيح في واقعها الدموي وتعبيرها السري ، توجز وتُتمم تدبير الذبائح في العهد القديم : فهي في وقتٍ واحد

* محرقة ὁλοκαύτωμα

Holocaust – a whole burnt-offering 
تقدمة ( قربان = ذبيحة ) صحيحة وسليمة ، غير مكسورة أو مقسومة ، تُقدم لتُحرق بالتمام ، بتمامها ( وسوف نشرحها بالتفصيل الشديد حينما نتكلم عن ذبيحة المحرقة وطقس تقديمها )

* وتقدمة كفارة ، وذبيحة اتحاد 

التقدمة προσΦορά ؛ الذبيحة θύσια 
الذبيحة = فعل التقدمة مضافاً إليه عنصر الألم حتى الموت 

ونلاحظ الفرق ما بين ” التقدمة ” و” الذبيحة “:
فالتقدمة تتم أولاً، لأن الرب يسوع قدم نفسه أولاً بحريته وإرادته وحده، ثم تُرفع كذبيحة أمام الله، وهذا ورد في التقليد الليتورجي القديم، فأن القداس الإلهي يبدأ بتقديم الحمل، وهذا هو عمل ليتورجي قائم بذاته، ثم يليه قداس الذبيحة .
ففي تقديم الحمل يتحول بالسرّ الغير المادي الخبز والخمر إلى حمل مُهيأ للذبيحة θύσια، وفي القداس ندخل في سر الحمل المذبوح، وتُرفع الذبيحة بالتقدمة προσΦορά

_______________
 

وفي الجزء القادم سنتكلم عن
يسوع يقدم نفسه ذبيحة – يسوع المسيح حمل الله


Exit mobile version