الوسم: نفسه
هل يشهد الكتاب المقدس على نفسه بالتحريف – القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير
” أنا ساهر على كلمتي لأجريها ” (ار1: 12)
تمهيد
هل يشهد الكتاب المقدس على نفسه بالتحريف؟
ورد هذا المقال بأحد المواقع التي تنتقد المسيحية تحت عنوان ” شهادة الكتاب المقدس على نفسه بالتحريف ” وتلقف هذا المقال عشرات الكُتاب الذين أخذوا ما جاء به وكأنه وحي من السماء، وراحوا يكررون ما جاء فيه في الجرائد والمجلات والكتب التي تنتقد العقيدة المسيحية والكتاب المقدس!! كما راح بعض المتحدثين في الفضائيات يستخدمون ما جاء فيه وكأنه الحق اليقين، دون أن يراجع أحدهم المقال أو يحاول أن يتحرى مدى صحته ومصداقيته!! برغم تراجع الموقع الأصلي الذي نشره والذي قام بحذف معظم أجزائه(1)!! ولذا وجب علينا أن نوضح حقيقة ما جاء فيه ومعنى الآيات الكتابية التي استشهدوا بها. وقبل أن نبدأ في التعليق نضع الأسئلة التالية:
(1) هل يشهد الكتاب المقدس على نفسه بالتحريف؟؟؟؟؟
(2) وهل يقدم المقال ما يدل على ذلك؟؟؟؟
(3) وما هو المعنى الحقيقي للآيات المستخدمة فيه؟
وفيما يلي المقال كاملاً:
يقول المقال: ” إليك أيها القارىء الشهادة بتحريف الكتاب المقدس من الكتاب المقدس نفسه:
أولاً: أن كاتب المزمور (56: 4و5) ينسب إلى داود عليه السلام بأن أعداءه طوال اليوم يحرفون كلامه: ” ماذا يصنعه بي البشر. اليوم كله يحرفون كلامي. عليّ كل أفكارهم بالشر ” ترجمة الفاندايك.
ثانياً: لقد اعترف كاتب سفر ارميا (23: 13، 15، 16) بأن أنبياء أورشليم وأنبياء السامرة الكذبة حرفوا كلام الله عمداً: ” وقد رأيت في أنبياء السامرة حماقة. تنبأوا بالبعل وأضلوا شعبي إسرائيل. وفي أنبياء أورشليم رأيت ما يقشعر منه. يفسقون ويسلكون بالكذب ويشددون أيادي فاعلي الشر حتى لا يرجعوا الواحد عن شره. صاروا لي كلهم كسدوم وسكانها كعمورة. لذلك هكذا قال رب الجنود عن الأنبياء. هانذا أطعمهم افسنتينا واسقيهم ماء العلقم لأنه من عند أنبياء أورشليم خرج نفاق في كل الأرض ” (ترجمة الفاندايك).
ثالثاً: لقد اعترف كاتب سفر ارميا بأن اليهود حرفوا كلمة الله لذلك فهو ينسب لإرميا في (23: 36) توبيخ النبي إرميا لليهود: ” أما وحي الرب فلا تذكروه بعد لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه إِذْ قَدْ حَرَّفْتُمْ كلام الإله الحي الرب القدير “.
رابعاً: ونجد أيضاً أن كاتب سفر ارميا ينسب لإرميا توبيخه وتبكيته لليهود لقيامهم بتحربف كلمة الرب: ” كيف تقولون إننا حكماء وكلمة الرب معنا؟ حقاً إنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب “.
خامساً: وكاتب سفر الملوك الأول (19: 9) ينسب لإيليا النبي حين هرب من سيف اليهود فيقول: ” وَقَالَ الرَّبُّ لإِيلِيَّا: مَاذَا تَفْعَلُ هُنَا يَا إِيلِيَّا؟ فَأَجَابَ: ” غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ الإِلَهِ الْقَدِيرِ، لأَنَّ بَنِي إسرائيل تَنَكَّرُوا لِعَهْدِكَ وَهَدَمُوا مَذَابِحَكَ وَقَتَلُوا أنبياءكَ بِالسَّيْفِ، وَبَقِيتُ وَحْدِي. وَهَا هُمْ يَبْغُونَ قَتْلِي أَيْضاً ” كتاب الحياة.
سادساً: وكاتب سفر إشعيا (29: 15، 16) ينسب لإشعيا تبكيته لليهود: ” ويل للذين يتعمقون ليكتموا رأيهم عن الرب فتصير أعمالهم في الظلمة ويقولون من يبصرنا ومن يعرفنا: يالتحريفكم “.
فإذا جاء مسيحي وزعم بأن تحريف اليهود لكلمة الرب هو قول غير مقبول نقول له أقرأ شهادة التحريف من كتابك. ويتساءل بعض المسيحيين الذين يتجاهلون الشواهد والأدلة الدالة على تحريف كتابهم المقدس قائلين: عندما يعطى الله الإنسان كتابا من عنده فهل تظن أنة لا يستطيع المحافظة علية من عبث البشر؟ نقول لهم: نعم إن الله قادر على أن يحفظ كلمته ولكنه سبحانه وتعالى اختار أن يوكل حفظ كلمته إلى علماء وأحبار اليهود ولم يتكفل هو بحفظها فقد ترك حفظ كلمته بيدهم فكان حفظ الكتاب أمراً تكليفياً وحيث انه أمر تكليفي فهو قابل للطاعة والعصيان من قبل المكلفين فالرب استحفظهم على كتابه ولم يتكفل هو بحفظه وإليكم الأدلة من كتابكم المقدس على هذا:
…جاء في سفر التثنية (4: 2) قول الرب: ” فالآن يا إسرائيل اسمع الفرائض والأحكام التي أنا أعلمكم لتعملوها لكي تحيوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي الرب اله آبائكم يعطيكم. لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به ولا تنقصوا منه لكي تحفظوا وصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها ” (ترجمة الفاندايك).
…وجاء في سفر التثنية (12: 32) قول الرب: ” كل الكلام الذي أوصيكم به احرصوا لتعملوه لا تزد عليه ولا تنقص منه “.
…وجاء في سفر الأمثال (30: 5 – 6): “كل كلمة من الله نقية. ترس هو للمحتمين به. لا تزد على كلماته لئلا يوبخك فتكذّب “.
…وقد جاء في سفر الرؤيا (22: 18) قول الكاتب: ” وَإِنَّنِي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا: إِنْ زَادَ أَحَدٌ شَيْئاً عَلَى مَا كُتِبَ فِيهِ، يَزِيدُُ اللهُ عليه الضربات وَإِنْ حذف أَحَدٌ شَيْئاً مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا، يُسْقِطُ اللهُ نَصِيبَهُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ “. أن هذا النص تعبير واضح من الكاتب بأن الله لم يتكفل بحفظ هذا الكتاب لأنه جعل عقوبة من زاد شيئاً كذا …وعقوبة من حذف شيئاً كذا، و فيه إشارة واضحة بأن التحريف أمر وارد. يقول الله سبحانه وتعالى عن التوراة التي كانت شريعة موسى عليه السلام، وشريعة الأنبياء من بعده حتى عيسى عليه السلام: ” إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ” (المائدة: 44). ومعنى (استحفظوا): أي أمروا بحفظه، فهناك حفظ، وهناك استحفاظ. وإذا كان الأحبار والرهبان ممن جاء بعده لم يحفظوا، بل بدلوا وحرفوا، فليس معنى ذلك أن الله لم يقدر على حفظ كتابه – حاشا وكلا – ولكن المعنى: أن الله لم يتكفل بحفظه، بل جعل اليهود أمناء عليه. ومن المعلوم أن هناك المئات من الرسل والأنبياء جاؤوا بعد نوح عليه السلام ولم يتكفل الرب بحفظ رسائلهم سواء كانت شفوية أو مكتوبة وإلا فأين هي؟ مثال ذلك: صحف إبراهيم التي ذكرت في القرآن الكريم فلا وجود لها اليوم.
وأخيراً: فهل هناك أعظم من شهادة الكتاب المقدس على نفسه بالتحريف؟ لماذا نستكثر على اليهود التحريف وهم اليهود وما أدراك ما اليهود قتلوا الأنبياء بغير حق وصنعوا العجل وسجدوا له من دون الله وعبدوا الأصنام واستحلوا المحرمات وقذفوا العذراء الطاهرة مريم عليها السلام بتهمة الزنا وكفروا بالمسيح عليه السلام … فهل نستكثر عليهم التحريف … لقد أعلنت التوراة بكل وضوح أن اليهود سيفسدون ويقاومون الرب وكلامه، وذلك كلام موسى في التوراة بعد أن أوصاهم بوضعها بجانب التابوت وفيه كذلك: ” لأني عارف تمردكم ورقابكم الصلبة، هوذا وأنا بعد حي معكم، اليوم صرتم تقاومون الرب، فكم بالحري بعد موتي ” (تثنية 31: 27).
من الذي حرف؟
ومتى وأين ولماذا؟
يقول القس ” سواجارت “؛ ” وهم يقولون – يقصد المسلمين – إن تلك الأسفار الأصلية التي أنزلها الله وهي التوراة، والإنجيل، قد فقدت ولا أظن أن في مقدور أحد أن يخبرنا أين فقدت؟ ولا متى فقدت؟ ولا كيف فقدت؟ “.
وهذا السؤال الذي ساقه ” سواجارت ” لون من الخداع والتلاعب بالألفاظ، لأن الذي يقوله علماء المسلمين ويؤكدون عليه أن الكتب والأسفار التي بين يدي اليهود والنصارى الآن دخلها التحريف والتبديل والزيادة قبل مجيء الإسلام وبعثة محمد (ص) واستمر الأمر حتى بعد بعثته (ص) … ولا يقول أحد من علماء المسلمين إن جميع ما جاء به موسى وعيسى قد فقد 00 بل الحق أن ما لديهم من أسفار يجمع بين الحق والباطل والغث والسمين، ونقول للمبشرين والقسس على اختلاف مذاهبهم دعوا هذا السؤال لأنه لا قيمة له لما يأتي: نحن لسنا بصدد القبض على من قام أو قاموا بالتحريف، و لا يهمنا معرفة زمان أو مكان وقوع التحريف 00 أن الشيء المهم في هذا الصدد هو بيان وقوع التحريف والعثور على أمثلة توضح بما لا يدع مجالاً للشك وقوع هذا التحريف، وهذا هو ما أثبته الباحثون المنصفون الذين درسوا الكتاب المقدس ووجدوا فيه ما وجدوا من أمور تجافي وحي السماء، وأخطاء و تناقضات لا تقع إلا في كلام البشر. هب أن شخصاً أمسك بيد قسيس إلى خارج الكنيسة، وقال له: أنظر إلى هذا القتيل الذي أمامك. فقال القسيس: لا، لن أصدق حتى تخبرني: متى ومن ولماذا وكيف قتل؟!! لو حدث هذا ماذا يقول الناس عن هذا القسيس؟! وهذا يشبه تماماً موقف المبشرين من قضية تحريف الإنجيل، إنك تضع أيديهم على مئات الأمثلة وتبين لهم بالمحسوس التحريف الواضح والاختلاف البين بين إنجيل وإنجيل ونسخة ونسخة ولكنهم يتمتمون 00 لا 00 لن نصدق. أخبرونا أين ومتى وكيف ولماذا حدث هذا؟!
لقد أطلق كاتب المقال لخياله العنان وراح، مثل دون كيشوط، يحارب طواحين الهواء!!!!!!!!!! فما صحة ما زعمه في هذا المقال؟؟؟؟!!!
التعليق الأول
ما هو التحريف الذي أشار إليه داود النبي؟
يقول كاتب المقال زاعماً بل وبدون تحقيق أو تدقيق لما يقرأ!!!!
أولاً: أن كاتب المزمور (56: 4و5) ينسب إلى داود عليه السلام بأن أعداءه طوال اليوم يحرفون كلامه: ” ماذا يصنعه بي البشر. اليوم كله يحرفون كلامي. عليّ كل أفكارهم بالشر ” ترجمة الفاندايك.
وقبل الرد نسأل كاتب المقال ونقول له: ما هو التحريف؟!
ونقول له أن كلمة تحريف في أي كتاب مقدس، بحسب المفهوم الإسلامي، تعني تحريف الكلام بمعنى تفسيره على غير معناه بدون دليل وإعطائه معنى يخالف معناه الحقيقي. ويعني اصل التحريف في اللغة تبديل المعنى. والتحريف اصطلاحاً له معانٍ كثيرة منها: التحريف الترتيبي: أي نقل الآية من مكانها إلى مكان آخر. ومنها تحريف المعنى وتبديله إلى ما يخالف ظاهر لفظه، وهذا يشمل التفسير بالرأي، وكل من فسر الكلام بخلاف حقيقته وحمله على غير معناه فهو تحريف. ومنها تحريف اللفظ: وهو يشمل كل من الزيادة أو النقص، والتغيير والتبديل.
أولاً: التحريف بالزيادة: بمعنى أنّ بعض الكتاب الذي بين أيدينا ليس منكلام الكتاب الأصلي، سواء بزيادة حرف أو كلمة أو آية أو جزء في الكتاب.
ثانياً: التحريف بالنقص: بمعنى أنّ بعض الكتاب الذي بين أيدينا لا يشتمل على جميع ما كتبه الأنبياء بالروح، بأنْ يكون قد ضاع بعضه إمّا عمداً، أو نسياناً، وقد يكون هذا البعض حرفاً أو كلمةً أو آية أو جزءاً من الكتاب. أي التحريف في تبديل كلمة بدل أخرى، التحريف في تبديل حرف بآخر، التحريف في تبديل حركة بأخرى.
هذا معنى التحريف وأقسامه كما عرفها وبينها علماء المسلمين. والسؤال هنا هو: هل ينطبق معنى التحريف هذا على ما جاء في هذا المقال؟ وهل ينطبق ذلك على كلام داود النبي في هذا المزمور المستشهد به؟
والإجابة هي كلا!!
فقد وُضعت كلمة ” يحرف ” وكلمة ” تحريف ” في ترجمة العهد القديم إلى اللغة العربية، الترجمة البيروتية (فاندايك)، لكلمات تعني في الآيات التالية، في لغتها العبرية الأصلية، الميل بالحقيقة عن العدل والحق، وبتأويل معنى الكلمة بغير معناها المقصود، يقول الكتاب ” لا تجب في دعوى مائلا وراء الكثيرين للتحريف ” (خر 23: 2)، وقد وردت كلمة تحريف في العبرية (נטה – nâṭâh) بمعنى يميل عن، ينحني، يخلص، يمتد 00 الخ أي يميل بها عن العدل، وجاءت في الترجمة الإنجليزية: ” to wrest judgment”، أي يميل عن العدل أو يسيء تفسيره. لذا جاءت في الترجمة اليسوعية: ” ولا تُحَرِّفْ وأَنتَ تَشهَدُ في الدَّعاوى، مائلاً جِهَةَ الكَثيرين “.
وجاء في خروج ” لا تحرف (תטה – nâṭâh) حق فقير في دعواه -You shall not pervert the judgment of your poor in his cause” (خر 23: 6)، مستخدماً نفس الكلمة العبرية السابقة بمعنى لا تمل عن حق فقيرك، أو تجور على حق فقيرك. ومن هنا ترجمت في العربية المشتركة معنوياً: ” لا تسكُتْ عَن إنصافِ المِسكينِ في دعواهُ “.
وجاء في تثنية ” لا تحرف القضاء ولا تنظر إلى الوجوه – You shall not pervert justice” (تث16: 19). مستخدما نفس الكلمة العبرية السابقة بمعنى لا تحكم إلا بالعدل ولا تحابى من لهم مكانة، وقد ترجمت في العربية المشتركة ” لا تَجوروا في الحُكْمِ، ولا تُحابوا أحدًا “.
وهنا يشكو داود من أن أعداءه الكثيرين: ” اليوم يحرفون كلامي. على كل أفكارهم بالشر ” (مز56: 5). ويستخدم الكلمة العبرية (עצב – ‛âtsab) والتي تعنى يعوج، يلوى، يغير المعنى، يتألم يغضب … الخ والمقصود هنا هو تغير معنى كلام داود من أعدائه:
” they wrest my words”
” they pervert my words”
” wordsthey make wrong use of my “
أي يغيرون أو يلوون أو يسيئون استخدام كلمات داود نفسه وليس كلام الوحي!! وهذا ما حدث بالفعل عندما حاول أعداء داود النبي أن يحرضوا شاول عليه “وقال داود لشاول لماذا تسمع كلام الناس القائلين هوذا داود يطلب أذيتك. هوذا قد رأت عيناك اليوم هذا كيف دفعك الرب اليوم ليدي في الكهف وقيل لي أن أقتلك ولكنني أشفقت عليك وقلت لا أمد يدي إلى سيدي لأنه مسيح الرب هو ” (1صم24: 9و10).
وكان أعداء داود يفكرون عليه بالشر ” على كل أفكارهم بالشر “، وكانوا يتعقبون خطواته ليوقعوا به عند شاول الملك ” فاذهبوا أكّدوا أيضا واعلموا وانظروا مكانه حيث تكون رجله ومن رآه هناك. لأنه قيل لي انه مكرا يمكر. فانظروا واعلموا جميع المختبآت التي يختبئ فيها ثم ارجعوا إليّ على تأكيد فأسير معكم ويكون إذا وجد في الأرض أني أفتش عليه بجميع ألوف يهوذا ” (1صم23: 22و23).
كان أعداء داود يحرفون كلام داود النبي، الكلام العادي وليس كلام الوحي الإلهي، ليوقعوا به عند شاول الملك!!
التعليق الثاني
ما هو التحريف الذي أشار إليه إرميا النبي؟
ثم يقول الكاتب زاعماً: ثانياً: لقد اعترف كاتب سفر ارميا (23: 13، 15، 16) بأن أنبياء أورشليم وأنبياء السامرة الكذبة حرفوا كلام الله عمداً: ” وقد رأيت في أنبياء السامرة حماقة. تنبأوا بالبعل وأضلوا شعبي إسرائيل. وفي أنبياء أورشليم رأيت ما يقشعر منه. يفسقون ويسلكون بالكذب ويشددون أيادي فاعلي الشر حتى لا يرجعوا الواحد عن شره. صاروا لي كلهم كسدوم وسكانها كعمورة. لذلك هكذا قال رب الجنود عن الأنبياء. هانذا أطعمهم افسنتينا واسقيهم ماء العلقم لأنه من عند أنبياء أورشليم خرج نفاق في كل الأرض “.
ثالثاً: لقد اعترف كاتب سفر ارميا بأن اليهود حرفوا كلمة الله لذلك فهو ينسب لإرميا في (23: 36) توبيخ النبي إرميا لليهود: ” أما وحي الرب فلا تذكروه بعد لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه إِذْ قَدْ حَرَّفْتُمْ كلام الإله الحي الرب القدير “.
رابعاً: ونجد أيضاً أن كاتب سفر ارميا ينسب لإرميا توبيخه وتبكيته لليهود لقيامهم بتحربف كلمة الرب: ” كيف تقولون إننا حكماء وكلمة الرب معنا؟
حقاً إنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب “.
وللرد نقول: من الواضح هنا أن كاتب المقال لا يهمه شيء غير اصطياد كلمات يحور معناها ليصل بها إلى غرضه!!! ونقول له أن الدراسة النبيلة ذات الغرض النبيل تبحث كل شيء وتدرس كل شيء وتفهم كل شيء بحيدة، ولا تأخذ بالظواهر، ولو كان قد قرأ بقية الإصحاح لفهم المعنى!!
(أ) لقد كان عصر أرميا النبي يمتلىء بالأنبياء الكذبة وكان كل منهم يزعم أن الله يوحي إليه وقد تبعهم بعض الكهنة ولكن كان كلامهم كله كذب ولذا يوبخهم الله عن طريق ارميا النبي الذي كان النبي الموحى إليه من الله. أنه يوبخ الأنبياء الكذبة لأنهم ينسبون لله كلاماً لم يتكلم به معهم ويفسرون شريعته على هواهم!! يقول الكتاب: ” هكذا قال رب الجنود لا تسمعوا لكلام الأنبياء الذين يتنبأون لكم. فأنهم يجعلونكم باطلا. يتكلمون برؤيا قلبهم لا عن فم الرب. قائلين قولا لمحتقريّ قال الرب يكون لكم سلام. ويقولون لكل من يسير في عناد قلبه لا يأتي عليكم شر. لأنه من وقف في مجلس الرب ورأى وسمع كلمته؟ من أصغى لكلمته وسمع؟ ها زوبعة الرب. غيظ يخرج ونوء هائج. على رؤوس الأشرار يثور. لا يرتد غضب الرب حتى يجري ويقيم مقاصد قلبه. في آخر الأيام تفهمون فهما. لم أرسل الأنبياء بل هم جروا. لم أتكلم معهم بل هم تنبأوا. ولو وقفوا في مجلسي لأخبروا شعبي بكلامي وردّوهم عن طريقهم الرديء وعن شر أعمالهم ” (ار23: 15-23).
(ب) ويشكو ارميا النبي من أن ” كلمة كل إنسان تكون وحيه إذ قد حرفتم كلام الإله الحي رب الجنود إلهنا (ار23: 36). ويستخدم الكلمة العبرانية ” הפך – hâphak ” والتي تترجم أسأتم استخدام كلام الإله “:
” for you have perverted the words of the living God” أي ” أسأتم استعمال كلمة الله الحي “. أي أنه يقول كل واحد يمشي على هواه ” كلمة كل إنسان تكون وحيه “. كما أنكم أسأتم استخدام كلمة الله في غير هدفها وبغير معناها الأصلي. وأيضاً ” you are twisting my wordsinto a lie “!! أي فسرتم كلمتي بالكذب وبغير معناها الذي قصدته، أولتم كلامي تأويلاً فاسداً.
ولذا فقد ترجمت في العربية المشتركة: ” أمَّا وَحيُ الرّبِّ فلا تَذكُروهُ مِنْ بَعدُ، لأنَّ لِكُلٍّ مِنكُم كلامًا مِنْ وَحيهِ، فعكَسْتُم كلامَ الإلَهِ الحَيِّ والرّبِّ القديرِ”.
(ج) أما قوله ” كيف تقولون: نحن حكماء وشريعة الرب معنا؟ حقا انه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب “. فلا يقصد هنا تحريف النص إنما تحريف الكتبة للمعنى لا للنص، فالكاتب يكتب تفسيرات لكلمة الله وفي هذه التفسيرات يفسر المعنى على هواه. وقوله ” حقا انه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب “، يعني كذبوا في تفسيرها وتأويلها وشرح معناها وناوروا في كلمة الناموس ليفسدوا معناه. فقد كان هؤلاء الكتبة حافظين للناموس وقد حوروا معناه وأولوه على أهوائهم!!
التعليق الثالث
هل أشار سفر الملوك وسفر إشعياء إلى وجود تحريف؟
ثم يقول أيضا بدون موضوعية وبدون معرفة ما يتكلم الكتاب عنه:
خامساً: وكاتب سفر الملوك الأول (19: 9) ينسب لإيليا النبي حين هرب من سيف اليهود فيقول: ” وَقَالَ الرَّبُّ لإِيلِيَّا: مَاذَا تَفْعَلُ هُنَا يَاإِيلِيَّا؟ فَأَجَابَ: ” غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ الإِلَهِ الْقَدِيرِ، لأَنَّ بَنِي إسرائيل تَنَكَّرُوا لِعَهْدِكَ وَهَدَمُوا مَذَابِحَكَ وَقَتَلُوا أنبياءكَ بِالسَّيْفِ، وَبَقِيتُ وَحْدِي. وَهَا هُمْ يَبْغُونَ قَتْلِي أَيْضاً “.
وهنا يتجاهل الكاتب رد الرب على إيليا قوله له: ” أبقيت في إسرائيل سبعة آلاف كل الركب التي لم تجث للبعل وكل فم لم يقبّله ” (ع18). فالله الذي لا يترك نفسه بلا شاهد (أع14: 17) كان يحفظ لنفسه في كل وقت، دائما، مجموعة نقية وببقية أمينة لتحفظ كلمته وتكون شاهدة عليها، كما يحافظ عليها هو نفسه كقوله: ” أنا ساهر على كلمتي لأجريها ” (ار1: 12).
ويفسر ما جاء في سفر اشعياء النبي على هواه فيقول:
سادساً: وكاتب سفر إشعيا (29: 15، 16) ينسب لإشعيا تبكيته لليهود: “ويل للذين يتعمقون ليكتموا رأيهم عن الرب فتصير أعمالهم في الظلمة ويقولون من يبصرنا ومن يعرفنا: يالتحريفكم “.
ونقول له لا يُنكر أبدا أن بني إسرائيل عبر كل تاريخهم حادوا عن طريق الرب وتركوا وصاياه وعبدوا الأصنام ويقول الكتاب عنهم: ” وكان أن بني إسرائيل اخطأوا إلى الرب إلههم الذي أصعدهم من ارض مصر من تحت يد فرعون ملك مصر واتقوا آلهة أخرى وسلكوا حسب فرائض الأمم الذين طردهم الرب من أمام بني إسرائيل وملوك إسرائيل الذين أقاموهم. وعمل بنو إسرائيل سرّا ضد الرب إلههم أمورا ليست بمستقيمة وبنوا لأنفسهم مرتفعات في جميع مدنهم من برج النواطير إلى المدينة المحصّنة. وأقاموا لأنفسهم أنصابا وسواري على كل تل عال وتحت كل شجرة خضراء. وأوقدوا هناك على جميع المرتفعات مثل الأمم الذين ساقهم الرب من أمامهم وعملوا أمورا قبيحة لإغاظة الرب. وعبدوا الأصنام التي قال الرب لهم عنها لا تعملوا هذا الأمر. واشهد الرب على إسرائيل وعلى يهوذا عن يد جميع الأنبياء وكل راء قائلا ارجعوا عن طرقكم الرديّة واحفظوا وصاياي فرائضي حسب كل الشريعة التي أوصيت بها آباءكم والتي أرسلتها إليكم عن يد عبيدي الأنبياء. فلم يسمعوا بل صلّبوا أقفيتهم كأقفية آبائهم الذين لم يؤمنوا بالرب إلههم. ورفضوا فرائضه وعهده الذي قطعه مع آبائهم وشهاداته التي شهد بها عليهم وساروا وراء الباطل وصاروا باطلا ووراء الأمم الذين حولهم الذين أمرهم الرب أن لا يعملوا مثلهم ” (2ملوك17: 7-15).
وقال عنهم الله في سفر اشعياء ” اسمعي أيتها السموات وأصغي أيتها الأرض لان الرب يتكلم. ربيت بنين ونشأتهم. أما هم فعصوا عليّ. الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه. أما إسرائيل فلا يعرف. شعبي لا يفهم. ويل للأمّة الخاطئة الشعب الثقيل الأثم نسل فاعلي الشر أولاد مفسدين.تركوا الرب استهانوا بقدوس إسرائيل ارتدوا إلى وراء. علاَم تضربون بعد.تزدادون زيغانا. كل الرأس مريض وكل القلب سقيم. من أسفل القدم إلى الرأس ليس فيه صحة بل جرح وإحباط وضربة طرية لم تعصر ولم تعصب ولم تلين بالزيت. بلادكم خربة مدنكم محرقة بالنار. أرضكم تأكلها غرباء قدامكم وهي خربة كانقلاب الغرباء. فبقيت ابنة صهيون كمظلة في كرم كخيمة في مقثأة كمدينة محاصرة. لولا أن رب الجنود أبقى لنا بقية صغيرة لصرنا مثل سدوم وشابهنا عمورة اسمعوا كلام الرب يا قضاة سدوم. أصغوا إلى شريعة إلهنا يا شعب عمورة. لماذا لي كثرة ذبائحكم يقول الرب.أتخمت من محرقات كباش وشحم مسمنات.وبدم عجول وخرفان وتيوس ما اسر. حينما تأتون لتظهروا أمامي من طلب هذا من أيديكم أن تدوسوا دوري ” (اش1).
هذا الكلام وغيره كثير ولكن هذا الكلام ليس دليل تحريف بل العكس فهو دليل على حفظهم لكل كلمة في الكتاب المقدس لأنه لو كانوا قد حرفوا العهد القديم لما أبقوا على كلمة واحدة تسيء إليهم!!
هذا الكلام دليل على حفظهم، أو على الأقل حفظ البقية الأمينة التي حفظها الله لهذا الغرض، لكل كل كلمة في هذه الأسفار المقدسة لأنهم لو كانوا قد حرفوا أو حذفوا أو أضافوا أي شيء لهذا الأسفار لكانوا قد حذفوا هذه الأقوال والكثير غيرها مما يسيء إليهم أبلغ إساءة، وأضافوا ما يمجدهم ويمتدحهم وهذا ما يندر وجوده في كل أسفار العهد القديم، وألا فليقل لنا هذا الكاتب ومن شايعه، من أين عرف الناس خطايا بني إسرائيل المذكورة في أسفارهم بهذا التفصيل الدقيق لو لم تكن قد ذكرت في هذه الأسفار؟؟!! بل ويقول الكتاب أن ارميا النبي صرخ من شدة وهول ما فعلوه به لدرجة أنه فكر أن لا ينطق أمامهم بكلمة الله نهائياً وأن يتخلى عن مهمته نهائياً!! بل وطلب من الله الانتقام منهم، ولكن إرادة الله كانت على غير ما أراد النبي، لذا قال: ” قد أقنعتني يا رب فاقتنعت وألححت عليّ فغلبت. صرت للضحك كل النهار كل واحد استهزأ بي. لأني كلما تكلمت صرخت. ناديت ظلم واغتصاب. لأن كلمة الرب صارت لي للعار وللسخرة كل النهار. فقلت لا اذكره ولا انطق بعد باسمه. فكان في قلبي كنار محرقة محصورة في عظامي فمللت من الإمساك ولم استطع لأني سمعت مذمة من كثيرين. خوف من كل جانب. يقولون اشتكوا فنشتكي عليه. كل أصحابي يراقبون ظلعي قائلين لعله يطغى فنقدر عليه وننتقم منه. ولكن الرب معي كجبار قدير. من اجل ذلك يعثر مضطهديّ ولا يقدرون. خزوا جدا لأنهم لم ينجحوا خزيا أبديا لا ينسى. فيا رب الجنود مختبر الصدّيق ناظر الكلى والقلب دعني أرى نقمتك منهم لأني لك كشفت دعواي ” (ار20: 7 -12).
ويقول الله نفسه عنهم لحزقيال النبي: ” يا ابن آدم اذهب امض إلى بيت إسرائيل وكلمهم بكلامي. لأنك غير مرسل إلى شعب غامض اللغة وثقيل اللسان بل إلى بيت إسرائيل. لا إلى شعوب كثيرة غامضة اللغة وثقيلة اللسان لست تفهم كلامهم. فلو أرسلتك إلى هؤلاء لسمعوا لك. لكن بيت إسرائيل لا يشاء أن يسمع لك. لأنهم لا يشاؤون أن يسمعوا لي. لأن كل بيت إسرائيل صلاب الجباه وقساة القلوب. هانذا قد جعلت وجهك صلبا مثل وجوههم وجبهتك صلبة مثل جباههم. قد جعلت جبهتك كالماس اصلب من الصوان فلا تخفهم ولا ترتعب من وجوههم لأنهم بيت متمرد ” (حز3: 4-9).
ومع ذلك فقد حفظ الله هذا الكلام ولم يجرؤا أن يحذفوا أو يعدلوا منه كلمة أو حرفاً بل حُفظوه كما هو، ولوا كانوا قد حرفوا شيئاً لكانوا قد حذفوا كل ما يسيء إليهم وهذا لم يحدث.
ونقول لهؤلاء الكُتّاب ونكرر أن وجود هذا الكلام في حق إسرائيل وشعب إسرائيل دليل على أنهم لم يجرؤا عبر تاريخهم على تغيير حرف أو كلمة من كتبهم!! بل ونظراً لتحذير الله الصارم لهم: ” كل الكلام الذي أوصيكم به احرصوا لتعملوه. لا تزد عليه ولا تنقص منه ” (تث12: 32). لم يجرؤ أحد منهم أن يزيد حرفاً ولا يحذف حرفاً من أي سفر من التوراة وبقية أسفار العهد القديم. يقول الكاهن والمؤرخ اليهودي يوسيفوس المعاصر لتلاميذ المسيح (36 – 100م) في كتابه ضد ابيون (8: 1):
” لدينا فقط اثنان وعشرون كتابا تحتوى على سجلات كل الأزمنة الماضية، والتي نؤمن حقا إنها إلهية. خمسة منها لموسى تحتوى على نواميسه وتقاليد أصل الجنس البشرى حتى وفاته (موسى) … ومن موت موسى إلى حكم ارتحشتا كتب الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى ما حدث في أيامهم في ثلاثة عشر كتابا والكتب الأربعة الباقية تحتوى على ترانيم لله ومبادئ سلوكية لحياة البشر. ومن ارتحشتا إلى زماننا كتب تاريخنا (كل الأشياء سجلت) ولكن لم يقم بنفس السلطان مع أولئك الذين سبقوهم لأنه لم يكن هناك تعاقب حقيقي للأنبياء منذ ذلك الوقت.
ويوجد برهان عملي على كيفية معاملتنا لهذه الكتب، فبرغم المدة الطويلة التي انقضت حتى الآن لم يجرؤ أحد أن يضيف إليها أو أن يحذف شيئاً منها أو يغير أي شئ منها. بل أنه طبيعي لكل اليهود من يوم الميلاد مباشرة يعتبرون هذه الكتب هي تعاليم الله ويثابرون فيها وإذا دعت الضرورة يموتون سعداء لأجلها “.
هذه الشهادة التي يشهدها هذا المؤرخ والذي كان يحمل بين يديه النسخة الرسمية المعتمدة التي كانت في الهيكل، كما يشهد هو ذاته بذلك في سيرة حياته، كافية وحدها لإبطال كل المزاعم والافتراضات والنظريات القائلة بالتحريف.
(1) فهو يؤكد أن كُتّاب الوحي الإلهي والأسفار المقدسة هم موسى والأنبياء، وأن هذه الكتب جميعا كتبت من أيام موسى إلى ارتحشتا الملك الفارسي (465-424ق م)، أو كما يقول ” الأزمنة الماضية “، أي في زمانها الحقيقي الذي شهد له الوحي ذاته وقبل كل الأزمنة التي توهمها النقاد الماديين.
(2) ويؤكد أنه لا يجرؤ أحد أن يضيف إلى هذه الكتب أو أن يحذف منها أو أن يغير منها شيئا. وهذا ضد كل افتراضات النقاد الماديين وما توهموه.
(3) وأن هذه الكتب هي ” تعاليم الله ” ويدافعون عنها حتى الموت.
(5) يقسم هذه الأسفار إلى ثلاثة تقسيمات هي: الناموس والأنبياء والمزامير أو الترانيم والمبادئ العامة. وهو بذلك قريب جدا من تقسيم المسيح، إذ يضم دانيال مع الأنبياء ويقتصر تقسيمه الثالث على المزامير والأمثال والجامعة ونشيد الإنشاد. ويذكر 22 كتابا فقط بدلا من 24.
وتقول لكاتب المقال ومن شايعه وسار على دربه أن من أسباب القول بالتحريف عند الشيعة، بحسب ما قاله الفيض الكاشاني في المقدمة السادسة لتفسيره الصافي، هو القول بحذف اسم علي وآل البيت وأسماء من أسموهم بالمنافقين ” وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة منها اسم علي عليه السلام في كثير من المواضع، ومنها لفظة آل محمد غير مرة، ومنها أسماء المنافقين في مواضعها ومنها غير ذلك “(2). ولو كان اليهود قد حرفوا الكتاب لكانوا قد حذفوا منه كل ما يسيء إليهم وهو كثير ولكن هذا لم يحدث!!
التعليق الرابع
هل التحذير من الزيادة أو النقص يعني حتمية حدوث التحريف؟
ثم يقول الكاتب بغرابة شديدة:
” ويتساءل بعض المسيحيين الذين يتجاهلون الشواهد والأدلة الدالة على تحريف كتابهم المقدس قائلين: عندما يعطى الله الإنسان كتابا من عنده فهل تظن أنة لا يستطيع المحافظة علية من عبث البشر؟
نقول لهم: نعم إن الله قادر على أن يحفظ كلمته ولكنه سبحانه وتعالى اختار أن يوكل حفظ كلمته إلى علماء وأحبار اليهود ولم يتكفل هو بحفظها فقد ترك حفظ كلمته بيدهم فكان حفظ الكتاب أمراً تكليفياً وحيث انه أمر تكليفي فهو قابل للطاعة والعصيان من قبل المكلفين فالرب استحفظهم على كتابه ولم يتكفل هو بحفظه وإليكم الأدلة من كتابكم المقدس على هذا:
جاء في سفر التثنية (4: 2) قول الرب: ” فالآن يا إسرائيل اسمع الفرائض والأحكام التي أنا أعلمكم لتعملوها لكي تحيوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي الرب اله آبائكم يعطيكم. لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به ولا تنقصوا منه لكي تحفظوا وصايا الرب إلهكم التي إنا أوصيكم بها “.
وجاء في سفر التثنية (12: 32) قول الرب: ” كل الكلام الذي أوصيكم به احرصوا لتعملوه لاتزد عليه ولا تنقص منه “.
وجاء في سفر الأمثال (30: 5 – 6): ” كل كلمة من الله نقية. ترس هو للمحتمين به. لا تزد على كلماته لئلا يوبخك فتكذّب “.
وقد جاء في سفر الرؤيا (22: 18) قول الكاتب: ” وَإِنَّنِي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا: إِنْ زَادَ أَحَدٌ شَيْئاً عَلَى مَا كُتِبَ فِيهِ، يَزِيدُُ اللهُ عليه الضربات وَإِنْ حذف أَحَدٌ شَيْئاً مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا، يُسْقِطُ اللهُ نَصِيبَهُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ “.
ثم يقول بغرابة شديدة: ” أن هذا النص تعبير واضح من الكاتب بأن الله لم يتكفل بحفظ هذا الكتاب لأنه جعل عقوبة من زاد شيئاً كذا … وعقوبة من حذف شيئاً كذا، و فيه إشارة واضحة بأن التحريف أمر وارد “. محولاً الحق إلى باطل والباطل إلى حق!!
ونستغرب من كلامه الغريب هذا؛ هل معنى أن يحذر الله من الزيادة أو الحذف أن يعني ذلك أن الزيادة أو الحذف قد حدثا فعلاً؟؟!! أليس هذا كلام غريب ويتنافى مع الحق؟؟؟
1- وتقول له في الآية الأولى يطلب الله من بني إسرائيل أن يحفظوا الفرائض والأحكام التي يعطيها لهم وأن يعملوا بها كما أعطاها لهم دون أن يزيدوا عليها أو أن ينقصوا منها، ويحذرهم من عاقبة الزيادة أو النقصان في كلامه. فهل يعني ذلك أنهم فعلوا ذلك فعلاً؟؟!!
والإجابة كلا!! لأن التحذير كان منصباً على تنفيذ الوصية كما هي بدون زيادة أو نقصان!! وهذا الكلام كان منصباً على المستقبل!!
2 – والآية الثانية والتي تقول: ” كل الكلام الذي أوصيكم به احرصوا لتعملوه لا تزد عليه ولا تنقص منه ” (تث12: 32). يقصد بها تحذير مستقبلي أيضاً!!
3 – والآية الثالثة تؤكد هذا المعنى وتقول ” كل كلمة من الله نقية. ترس هو للمحتمين به. لا تزد على كلماته لئلا يوبخك فتكذّب ” (أم30: 5و6). وسفر الأمثال كتب بعد سفر التثنية بحوالي 600 سنة ولو كان قد حدث زيادة أو حذف في كلمة الله لكان قد أشار إليها وأتخذ منها مثالاً!!
4 – أما قول الكاتب عما جاء في سفر الرؤيا فهو العجب نفسه بل والتأويل الباطل الذي يفسر كلام الله على هواه!! فيقول الكاتب مقتبساً ما جاء في سفر الرؤيا ” وَإِنَّنِي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا: إِنْ زَادَ أَحَدٌ شَيْئاً عَلَى مَا كُتِبَ فِيهِ، يَزِيدُُ اللهُ عليه الضربات وَإِنْ حذف أَحَدٌ شَيْئاً مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا، يُسْقِطُ اللهُ نَصِيبَهُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ “.
ثم يقول زاعما ومؤولاً تأويلاً باطلاً!! ” أن هذا النص تعبير واضح من الكاتب بأن الله لم يتكفل بحفظ هذا الكتاب لأنه جعل عقوبة من زاد شيئاً كذا … وعقوبة من حذف شيئاً كذا، و فيه إشارة واضحة بأن التحريف أمر وارد!!
ونقول له أتق الله ولا داعي للتأويل الباطل وتغيير الحقيقة!! أن هذه الآيات وردت في آخر سفر الرؤيا كجزء منه ونص من نصوصه وهو يحذر من الحذف والإضافة، بل ويقول الكتاب في آياته الأولى ” طوبى للذي يقرأ وللذين يسمعون أقوال النبوة ويحفظون ما هو مكتوب فيها لان الوقت قريب ” (رؤ1: 3). وهذا التطويب للذي يقرأ والذي يسمع يدل على سلامة كلمة الله وحفظها، فكيف تزعم أنت بالباطل وتقول أنه ” تعبير واضح من الكاتب بأن الله لم يتكفل بحفظ هذا الكتاب “!!
…أهكذا تقلبون الحق إلى باطل والباطل إلى حق!!؟؟
…وكيف لم يتكفل الله بحفظ كتابه؟؟!!
…وهل عجز الله عن ذلك؟؟!!
…وهل أخطأ عندما أوكل إلى رجال الله في القديم والجديد بحفظ كتابه؟
…ألم يكن يعلم مقدما، بعلمه الكلي، ما سيؤول إليه مصير كتابه؟
… وهل علم بأن كتابه سيُحرف وتركه لهذا المصير؟
… وهل يزعمون أن الله ترك التوراة والإنجيل يحرفان لكي يحافظ فقط على كتاب أخر وجعل مليارات المليارات من البشر عبر كل العصور تؤمن بكتابين محرفين وسقطوا في الضلال مجاملة لكتاب آخر؟؟؟!!!! حاشا لله!!
يقول الرب يسوع المسيح: ” فاني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل ” (مت5: 18).
” السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول ” (مر13: 31).
التعليق الخامس
من الذي حرف؟ ومتى وأين ولماذا؟
ثم يقول كاتب المقال:
من الذي حرف؟ و متى وأين ولماذا؟يقول القس ” سواجارت “: ” وهم يقولون – يقصد المسلمين – إن تلك الأسفار الأصلية التي أنزلها اللهوهي التوراة، والإنجيل، قد فقدت و لا أظن أن في مقدور أحد أن يخبرنا أين فقدت؟ولا متى فقدت؟ ولا كيف فقدت؟ “.
وهذا السؤال الذي ساقه ” سواجارت”لون من الخداع والتلاعب بالألفاظ، لأن الذي يقوله علماء المسلمين ويؤكدون عليه أن الكتب والأسفار التي بين يدي اليهود والنصارى الآن دخلها التحريف والتبديل والزيادة قبل مجيء الإسلام وبعثة محمد (ص) واستمر الأمرحتى بعد بعثته (ص). ولا يقول أحد من علماء المسلمين إنجميع ما جاء به موسى وعيسى قد فقد 00 بل الحق أن ما لديهم من أسفار يجمع بين الحقوالباطل والغث والسمين.
وعندما نسأل أمثال هذا الكاتب وكيف تفرق بين الحق والباطل في هذا الكتب؟ نجده يرد علينا بسرعة أسرع من البرق بقوله؛ ما يتفق مع الإسلام فهو صحيح وما يختلف معه فهو الباطل!! وهكذا نصب من ديانته وكتابه، وليس البحث العلمي المجرد، الحكم على الكتاب المقدس!!!
ونقول له: هذا الكلام لا يدل إلا علي شيء واحد فقط وهو التعود على تكرار وحفظ وترديد كلمات دون التفكير فيها والتأكد من صحتها، فقط ترديدها وكأنها محفوظات مقدسة!! هكذا دون استخدام المنطق العلمي الذي يقوم على الدليل والبرهان الموثق.
فهو يحاول حل التناقض العقائدي الموجود بين المسيحية والإسلام بهذه المقولة ” أن ما لديهم من أسفار يجمع بين الحقوالباطل والغث والسمين “!! فالذي يتفق مع معتقداته يكون هو السليم الصحيح وما يختلف مع كتابه يكون هو الغث المحرف!!!!!
وهكذا جعل من نفسه القاضي الذي يصدر أحكامه قبل أن يقرأ حرفاً واحداً من أوراق القضية التي يحكم فيها!!
ثم يقول الكاتب:
من الذي حرف؟ و متى وأين ولماذا؟ونقول للمبشرين والقسس على اختلاف مذاهبهمدعوا هذا السؤال لأنه لا قيمة له لما يأتي: نحن لسنا بصدد القبض على من قام أو قاموا بالتحريف،و لا يهمنا معرفة زمان أو مكان وقوعالتحريف..
أن الشيء المهم في هذا الصدد هو بيان وقوع التحريف والعثور على أمثلة توضح بما لايدع مجالاً للشك وقوع هذا التحريف، وهذا هو ما أثبته الباحثون المنصفون الذيندرسوا الكتاب المقدس ووجدوا فيه ما وجدوا من أمور تجافي وحي السماء، وأخطاء وتناقضات لا تقع إلا في كلام البشر.
هب أن شخصاً أمسك بيد قسيس إلى خارج الكنيسة، وقال له: أنظر إلى هذا القتيل الذيأمامك. فقال القسيس: لا، لن أصدق حتى تخبرني: متى ومن ولماذا وكيف قتل؟!! لوحدث هذا ماذا يقول الناس عن هذا القسيس؟!
ونقول لكاتب هذا المقال:
…إذا كان السؤال عن من ومتي حرف كلام الله لا قيمة له إذن ما هي الأشياء التي نسأل عنها وتكون ذات قيمة ولماذا لا قيمة له؟
…ألا يهمك معرفة زمان أو مكان وقوع التحريف؟
…أم ليس لديك القدرة علي المعرفة؟
…أم لا تملك أي إجابة علي هذه الأسئلة؟
…وهل الإجابة علي هذه الأسئلة موجودة وأنت لا يهمك؟
…أم أنه لا توجد إجابة لهذه الأسئلة المهمة والخطيرة؟
…وإذا كان لا يهمك أنت فلا بأس نحن يهمنا أن نعرف إجابة هذه الأسئلة!!
…فهل يمكنك وضع الإجابة التي تهمنا نحن ولا تهمك أنت؟
ونظراً لتكرار هذا السؤال الغريب نقول نحن المثال التالي الذي يعبر عن الواقع وحقيقة الأمر بدقة: ذهب شخص ما إلي قسم الجيزة ليقول للمسؤلين هناك أن الأهرام الثلاثة قد تم تحريفها وهي لم تكن أهراماً بل كانت مكعبات وتم تحريفها إلي أهرام!!
فرد عليه المسؤلين: كلامك غريب من أين أتيت بهذه المعلومات؟؟
فقال لهم: هذه هي الحقيقة وقد قالها لنا أناس نجلهم ونصدقهم وأنا جئت لأقول لكم هذه الحقيقة والتي لابد أن تصدقوها!!
فقال له المسئولون: يا أخي كلامك غريب لان الأهرام معروفة عبر تاريخ قدماء المصريين وعلي مستوي العالم أنها مبنية على شكل هرمي ولم يقل أحد بغير ذلك فقد رسمها الرسامون قديما وصورها المصورون حديثا وتوجد لها ملايين الصور المرسومة قديما والمصورة حديثاً، فهل لديك رسم أو صورة تؤيد كلامك الذي يقول أنها كانت مكعبات وليست أهرامات؟؟
فأجاب: لا، لا أملك!!
فسألوه: هل تعرف متي تم تغيرها وتحريفها من مكعبات إلي أهرام؟
فأجاب لا، لا اعرف!!
فقالوا: لا بأس، هل تعرف من الذي قام بهذا العمل الإجرامي؟؟
فأجاب لا، لا أعرف!!
فسألوا أيضاً: هل يمكن أن تقول لنا كيف حدث ذلك وأين كان العالم وقتها وهل اتفق الجميع علي عمل كهذا؟؟؟
فأجاب: ليس لدي معلومات!!
فقالوا له: هل لديك أقوال أخرى؟
فقال: لا، ولكني واثق من كلامي كل الثقة!! وواثق جيدا فيمن أكدوا لي ذلك وأنا مصّر على أقوالي!! ولابد من الاعتراف بذلك علانية وإعلان ذلك لجميع الناس!!
والسؤال بعد ذلك هو: هل يمكن أن يتصور أحد أن مثل هذا الإنسان لديه عقل سليم؟ وما الذي يمكن أن يفعله معه المسؤلون؟؟
والإجابة هي: لا مفر من أرسالة إلى مستشفى الأمراض العقلية للكشف على قواه العقلية!!
ثم يقول زاعماً:
” وهذا يشبه تماماً موقف المبشرين من قضية تحريف الإنجيل، إنك تضع أيديهم على مئات الأمثلة وتبين لهم بالمحسوس التحريف الواضح والاختلاف البين بين إنجيل وإنجيل ونسخةونسخة ولكنهم يتمتمون 00 لا.. لن نصدق. أخبروناأين ومتى وكيف ولماذا حدث هذا؟!
ونقول له: لماذا لا تأخذنا على هوانا وتجيبنا على هذه الأسئلة بالدليل والبرهان حتى تكون حجتك علينا صحيحة وواضحة ونعجز عن الرد عليها؟؟!!
كما نسأله هذا السؤال الهام؛ يقول القرآن: ” وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ” (النحل: 43 و الأنبياء: 7).
وهنا يدعو القرآن أهل قريش أن يسألوا أهل الكتاب ” أهل الذكر ” إن كانوا لا يعلمون، أي كالمرجع لهم في أحوال عمل الله في الكون، بقوله لهم: ” فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ” (النحل: 43). وبما أن القرآن يصف التوراة والمزامير (الزبور) ب ” الذكر “، ويصف التوراة صراحة بالذكر ” َلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ” (الأنبياء: 105)، ويصف أهل الكتاب، اليهود والنصارى، ب ” أهل الذكر ” كما يقول القرآن عن نفسه أيضاً أنه ” الذكر “، ويقول ” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ” (الحجر: 9)، لذا ينطبق هذا الكلام ” حفظ الذكر “، بحسب القرآن نفسه، على كل الكتب المذكورة والموصوفة بالذكر.
وقال الطبري: ” فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ ” (النحل: من الآية43) ” وهم الذين قد قرأوا الكتب من قبلهم: التوراة والإنجيل، وغير ذلك من كتب الله التي أنزلها على عباده “.
وجاء في الكشاف للزمخشري: “فَاسْأَلواأهل الذكر: أهل الكتاب. وقيل للكتاب الذكر؛ لأنه موعظة وتنبيه للغافلين ” مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ” يعني ما نزل الله إليهم في الذكر مما أمروا به ونهوا عنه ووعدوا وأوعدوا ” وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ” وإرادة أن يصغوا إلى تنبيهاته فيتنبهوا ويتأملوا “.
وجاء في مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي: ” أن المراد بأهل الذكر أهل الكتاب، عن ابن عباس، ومجاهد، أي: فاسألوا أهل التوراة والإنجيل. ” إن كنتم لا تعلمون ” يخاطب مشركي مكة، وذلك أنهم كانوا يصدقون اليهود والنصارى فيما كانوا يخبرون به من كتبهم، لأنهم كانوا يكذبون النبي “.
وقال الرازي: ” فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ” وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في المراد بأهل الذكر وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أهل التوراة، والذكر هو التوراة. والدليل عليه قوله تعالى: ” وَلَقَدْ كَتَبْنَا في ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذّكْرِ ” [الأنبياء: 105] يعني التوراة. الثاني: قال الزجاج: فاسألوا أهل الكتب الذين يعرفون معاني كتب الله تعالى، فإنهم يعرفون أن الأنبياء كلهم بشر … ثم إنهم (أهل مكة) كانوا مقرين بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم الله بأن يرجعوا في هذه المسألة إلى اليهود والنصارى ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها “.
وقال لقرطبي: ” فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ ” قال سفيان: يعني مؤمني أهل الكتاب “.
وجاء في تفسير الجلالين المحلي والسيوطي: ” فَاسْأَلوا أَهْلَ ٱلذّكْرِ ” العلماء بالتوراة والإِنجيل “.
وجاء في فتح القدير للشوكاني: ” ولما كان كفار مكة مقرّين بأن اليهود والنصارى هم أهل العلم بما أنزل الله في التوراة والإنجيل، صرف الخطاب إليهم، وأمرهم أن يرجعوا إلى أهل الكتاب، فقال: ” فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ” أي: فاسألوا أيها المشركون مؤمني أهل الكتاب إن كنتم لا تعلمون “.
وجاء في تفسير ابن عباس: ” فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ ” أهل التوراة والإنجيل”.
وجاء في السمرقندي: ” فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ ” أي: أهل التوراة والإنجيل “.
وهكذا أجمع المفسرون على أن أهل الذكر هم أهل الكتاب، التوراة والإنجيل الذي يجب الرجوع إليهم في مسائل وأمور العلوم والكتب السماوية.
فإذا كان الأمر هكذا والقرآن يعتبر التوراة والإنجيل هما الذكر الصحيح ويطلب من القريشيين أن يرجعوا إليهم ويسألونهم فيما يختص بما جاء فيها، فهل كان هذا الذكر محرفاً؟ والإجابة المنطقية مستحيل!! فهل حرف الذكر بعد ذلك يؤكد الدليل والبرهان أن هذا مستحيل أيضاً لأننا نملك مخطوطات أقدم من الزمن الذي قيل فيه هذا الكلام بفترات تترواح ما بين 900 سنة إلى زمن نبي المسلمين نفسه وما بعد ذلك!!
كما جاء في القرآن ” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ” (الحجر: 9)، وقد وصف التوراة والإنجيل والقرآن بالذكر، فهل تعني الآية حفظ الذكر الأخير دون الأول والثاني؟؟!! أو أن الله فشل في حماية الذكر السابق (التوراة والإنجيل) ونجح في حفظ الأخير؟؟!!! أم يقال أن الذي فشل في حفظ الأول والثاني فشل أيضاً في حفظ الثالث بدليل تأكيد علماء الشيعة وقولهم بتحريف القرآن؟؟!!
ونضيف أن افتراض تحريف الكتاب المقدس هكذا بهذه السهولة مستحيل ويدعو للتفكير وندعوك أن تفكر معناً قليلا: ونقول لك المثال التالي: تخيل أن ملكاً أراد أن يرسل رسالة لشعبه تحمل أوامره وتعاليمه التي يجب علي الشعب أن يتبعها وجاء ضمن هذه الرسالة تحذير منه بأن من يزيد أو ينقص من كلامه هذا ستكون له عقوبة شديدة، فهل يعني كلامه هذا أنه سيتم تغيير أوامره وتعاليمه هذه وتحريفها حتماً؟؟؟؟ كلا، بل هو يحذر من ذلك ويشدد في العقوبة، وهذا التشديد يجعل للرسالة أهميتها وقدسيتها وقوتها وهيبتها، ولن يكون سهلا علي أي شخص أن يفكر (مجرد التفكير) في تكسير كلام الملك إن لم يكن من أجل إنه ملك ويجب طاعته، سيكون خوفا من هذا التحذير وهذه العقوبة!!!
ولكن يفكر في ذلك فقط إذا أعتقد أن هذه الرسالة منسوبة للملك ولكنها ليست من الملك، واليهود أو المسيحيين لم يفكروا بمثل هذا التفكير على الإطلاق.
ثانيا: وصلت رسالة الملك إلى كل مملكته والكل أصبح لديه نسخة من هذه الرسالة وسنفترض أن شخصاً أو حتى ولاية بأكملها لم يهمها أمر الملك وفكرت في تغير نصوص من رسالته هذه وقامت بتحريف ما عندها من نسخ لرسالة الملك (هذا افتراضا).
…فماذا عن باقي المملكة؟؟؟
…وماذا عن النسخ التي انتشرت في جميع أنحاء المملكة؟؟؟
…وماذا عن المحبين والمخلصين لهذا الملك في جميع أنحاء المملكة!!!
…هل سيسكتون علي ما فعله هؤلاء المتمردون؟؟؟
…أم سيتم وقفهم عند حدهم وتقديمهم للمحاكمة؟؟
…أم إن المملكة جميعها بكل الولايات التي فيها وجميع أفراد الشعب سيتفقون علي تغيير وتحريف رسالة ملكهم؟؟؟ وهذا مستحيل!!!
ولو افترضنا، جدلاً، أنه حدث تغيير وتحريف في رسالة الملك من قبل البعض علي الرغم من التحذير والعقوبة!!
…فهل من المنطق أن لا يوجد شخص واحد يحتفظ بالنسخة الأصلية التي أرسلها الملك؟؟؟
…وهل ستمر حادثة مثل هذه وهي تغيير وتحريف رسالة الملك (بعد أن وصلت إلي جميع من في المملكة) هكذا مرور الكرام دون عمل ضجة كبري لا مثيل لها؟
…ومثل هذه الضجة ألا يسجلها ويدونها التاريخ ويدون الذين عارضوا هذا التحريف؟ ويعينوا السنة التي حدث فيها ذلك؟
…ومن هم الذين كانوا وراء مثل هذه الحادثة العظيمة والكبرى التي هي تغيير وتحريف كلام الملك (علي الرغم من تحذيراته وما فيها من تحذير بعقوبة مشددة)؟؟؟
…وهل كانت ستمر هكذا ” ولا من شاف ولا من دري “؟؟؟ لا أحد يعرف من الذي حرف الرسالة ولا في أي زمان ولا في أي مكان حدث ذلك، ولا في أي عصر من العصور، ولا أين النسخة الأصلية إذا كانت النسخة الحالية تغيرت وتحرفت؟؟
أن الحديث في هذا الموضوع يفوق إدراك الكثيرين الذين يتكلمون فيه بلا وعي وبلا معرفة وبلا دليل أو برهان إلا مجرد كلام باطل لا دليل عليه ولا برهان ولا يقبله عقل أو منطق!!!
أنه موضوع يحتاج لتفكير عميق وليس مجرد ألقاء كلام في الهواء!!! والعجيب إننا نجد البعض يتكلم في موضوع بهذا الحجم وبهذا القدر وبهذه العظمة بطريقة عشوائية وبطريقة غير مسئولة وبطريقة مليئة بالتخيلات والأوهام بدون تقديم أي دليل أو برهان أو إجابة على تساؤلاتنا أو توضيح لما يقولون هم أنفسهم أو ما يمكن أن يقبله عقل يفكر!!!
بل ونضيف أنه حتى لو أرسل مثل هذا الملك رسالة دون أي تحذير من تحريف فيها، فهل يمكن لأحد أن يحاول أو يفكر في المساس بها لمجرد أنه لم يُذكر بها تحذير بذلك؟؟ فهل يعني عدم ذكر مثل هذا التحذير ومثل هذه العقوبة حتمية تغيير أو تحريف مثل هذه الرسالة التي لهذا الملك؟؟؟ هل يفكر عاقل بمثل هذا الكلام؟؟؟
ونضيف أيضاً ونقول لهذا الكاتب وغيره ممن يطلبون منا الاعتراف بوجود تحريف الكتاب المقدس!!! حسناً. كل كتاب في الدنيا معرض للتحريف!! ولكن من هو الكتاب الذي ثبت تحريفه؟؟!! ونقول له، بالنسبة للكتاب المقدس، لم توجد طائفة مسيحية واحدة قالت بتحريفه حتى الهراطقة والمبتدعين، عبر تاريخ المسيحية كله، مثل أريوس ونسطور وغيرهم الذين اختلفوا مع الكنيسة الرسولية في تفسير بعض آيات الكتاب المقدس لكنهم لم يقولوا قط بتحريف الكتاب المقدس. ومثل شهود يهوه الذين فسروا الكتاب المقدس بطريقتهم الخاصة وترجموه بما يتناسب مع أفكارهم ونسبوا ترجماتهم وتفسيرهم للروح القدس، ولكنهم لم يقولوا بتحريف الكتاب في نصه الأصلي سواء اليوناني أو العبري. وكذلك السبتيين الذين أدعت زعيمتهم النبوة وفسرت الكتاب المقدس بأكثر من 2… رؤيا زعمت أنها رأتها بسبب أصابتها في رأسها ولكنها لم تقل بتحريف الكتاب، والمورمون الذين أدعى نبيهم المزعوم وجود كتاب جديد أعطي له عن طريق ملاك ومع ذلك لم يقل بتحريف الكتاب المقدس!! وهؤلاء جميعهم ترفضهم الكنيسة ولكنهم لم يقولوا قط بتحريف الكتاب المقدس!!! والسبب بسيط جديد وهو أنه لم يحدث أي تحريف للكتاب المقدس!!! ولو كان قد حدث لأتخذه هؤلاء ذريعة لتبرير هرطقاتهم وفكرهم المنحرف عن التسليم الرسولي!!!
ونكرر له ونقول؛ كل كتاب معرض للتحريف، ولكن ما هو الكتاب الذي يمكن أن يكون قد حًرف بالفعل؟؟!! وما هو الكتاب الذي يعترف أصحابه بوقوع التحريف فيه؟؟!! أما ما يزعمه من وجود تناقضات فما هي إلا تناقضات وهمية وشبهات خيالية رددنا عليه عشرات المرات، وسنرد عليها ولن نمل ولكن كل في مكانه.
سادساً
هل قال القديس بطرس بتحريف الكتاب المقدس؟
كما استغل البعض، بتسرع وبدون فهم، لمحتوى الآيات التالية:
” واحسبوا أناة ربنا خلاصا. كما كتب إليكم أخونا الحبيب بولس أيضا بحسب الحكمة المعطاة له كما في الرسائل كلها أيضا متكلما فيها عن هذه الأمور. التي فيها أشياء عسرة الفهم يحرّفها غير العلماء وغير الثابتين كباقي الكتب أيضا لهلاك أنفسهم ” (2بط3: 15و16).
وقالوا أنها تتكلم عن التحريف وأن القول: ” يحرّفها غير العلماء ” يدل على شهادة الكتاب لتحريف رسائل بولس وبقية الأسفار المقدسة!! وراحوا كالعادة يكررون هذا الكلام في الكتب ومواقع النت وغرف البالتوك، هكذا دون فهم أو وعي لمضمونها ونصها وسياق الكلام فيها. وقصدوا بالتحريف هنا التبديل والتغيير في الكلام بالزيادة أو النقصان لتغيير المعنى الأصلي!! وهذا غير صحيح، وليس هو ما تقصده الآية على الإطلاق. وقد سبق أن قلنا في بداية هذا الكتاب أن من معاني التحريف: ” تحريف المعنى وتبديله إلى ما يخالف ظاهر لفظه، وهذا يشمل التفسير بالرأي، وكل من فسر الكلام بخلاف حقيقته وحمله على غير معناه فهو تحريف “. أي تفسير الكلام بغير معناه الأصلي، أو تأويل الكلام بعيدا عن معناه المقصود. وهذا هو المقصود في هذه الآية. فقد جاءت كلمة ” يحرفها ” هنا في اليونانية ” στρεβλουσιν– streblousin ” من الفعل ” στρεβλόω–strebloō”والذي يعني كما جاء في القواميس اللغوية ” to wrench, to pervert, to wrest “، أي يلوي، يتعمد إساءة تفسير، يسيء استعمال. ومن هنا ترجمت في جميع الترجمات الإنجليزية twist، يلوي، يحرف المعنى:
Which the ignorant and unstable twist to their own destruction
they are twisted by those who are uncertain and without knowledge.
Some ignorant and unsteady people even destroy themselves by twisting what he said.
فالآية إذاً تعني: ” التي يؤولها (يؤول معناها)، غير العلماء، على غير معناها الأصلي ” أو ” التي يفسرها غير العلماء تفسير غير صحيح “. ولم تشر الآية من قريب أو من بعيد للتحريف بالمعنى الذي يتخيله مثل هؤلاء الكتاب. ومما يدل على ذلك ويؤكده قوله: ” التي فيها أشياء عسرة الفهم “، أي التي بها أشياء عسرة الفهم يسيء غير العلماء تفسيرها، أو يفسرونها ويؤولونها تفسيرا غير صحيح.
وهكذا يتضح لنا التسرع في أخذ الآيات بالشبهات وتؤويلها تأويلاً غير صحيح وعلى حسب هواهم وما يتمنون ويريدون!!
أخيراً
الكتاب المقدس يشهد عن نفسه
بأنه كلمة الله المعصومة والتي يستحيل تحريفها
(1) ماذا يقول الكتاب المقدس عن نفسه:
أنه كلمة الله الحية والفعالة:
‘” لان كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته ” (عب12: 4).
‘ ” هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي. لا ترجع إليّ فارغة بل تعمل ما سررت به وتنجح فيما أرسلتها له ” (أش11: 55).
‘ ” أليست هكذا كلمتي كنار يقول الرب وكمطرقة تحطم الصخر ” (أر29: 23).
… أنه كلمة الله التي تكلم بها الله على فم أنبيائه بالروح القدس:
‘” كل الكتاب هو موحى به من الله ” (2تي16: 3)، ” تكلم بفم أنبيائه القديسين الذين هم منذ الدهر ” (لو70: 1).
كما ” تكلم الرب عن يد عبيده الأنبياء ” (2مل10: 21) بالروح القدس:
‘” روح الرب تكلم بي وكلمته على لساني ” (2صم2: 23).
‘ ” لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ” (2بط21: 1).
ومن ثم تتكرر في الكتاب المقدس عبارة ” كلمة الله ” 3808 مرة، كما تتكرر عبارة ” هكذا قال الرب ” 400 مرة للتأكيد على أن كل كلمة فيه هي كلمة الله الموحى بها والتي تكلم بها من خلال أنبيائه القديسين.
وهو كلمة الله الثابتة التي لن تتغير ولن تنسخ ولن تزول إلى الأبد:
‘” إلى الأبد يا رب كلمتك مثبتة في السموات ” (مز89: 129).
‘ ” يبس العشب ذبل الزهر وأما كلمة إلهنا فتثبت إلى الأبد ” (أش8: 40).
‘ ” السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول ” (مت35: 24).
‘ ” وأما كلمة الرب فتثبت إلى الأبد. وهذه هي الكلمة التي بشرتم بها ” (1بط25: 1).
وكلمة الله التي لا يمكن أن يحذف منها أو يضاف إليها حرف واحد:
‘” كل الكلام الذي أوصيكم به احرصوا لتعملوه. لا تزد عليه ولا تنقص منه ” (تث32: 12).
‘ ” لا تزد على كلماته لئلا يوبخك فتكذّب ” (أم6: 30)
‘ ” وان كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوّة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة ومن المدينة المقدسة ومن المكتوب في هذا الكتاب ” (رؤ19: 22).
والكلمة النبوية ” وعندنا الكلمة النبوية وهي اثبت التي تفعلون حسنا أن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم ” (2بط16: 1).
و “كلمة الحق ” (2تي15: 2):
‘ ” ولا تنزع من فمي كلام الحق … شريعتك حق … كل وصاياك حق … راس كلامك حق ” (مز43: 119و142و151و160).
‘ ” كلامك هو حق ” (يو17: 17).
والكلمة الصالحة ” الكلمة الصالحة التي تكلمت بها ” (أر14: 33).
والكلمة الصادقة والكاملة والمستقيمة والثابتة إلى الأبد والتي لا يزول حرف وأحد أو نقطة واحدة منها:
‘ ” كل كلمة من الله نقية. ترس هو للمحتمين به. لا تزد على كلماته لئلا يوبخك فتكذّب ” (أم5: 30و6).
‘ ” ناموس الرب كامل يرد النفس. شهادات الرب صادقة تصيّر الجاهل حكيما. وصايا الرب مستقيمة تفرّح القلب. أمر الرب طاهر ينير العينين. خوف الرب نقي ثابت إلى الأبد. أحكام الرب حق عادلة كلها ” (مز7: 17و9).
‘ ” الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل ” (مت18: 5).
ومصدر الحياة الأبدية:
‘ ” فتشوا في سفر الرب واقرأوا واحدة من هذه لا تفقد. لا يغادر شيء صاحبه لأن فمه هو قد أمر وروحه هو جمعها ” (أش16: 34).
‘ ” فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية. وهي التي تشهد لي ” (يو39: 4).
2 – ماذا قال الرب يسوع المسيح عنه:
المكتوب الذي لابد أن يتم ولا يمكن أن ينقض:
‘” أما قرأتم هذا المكتوب. الحجر الذي رفضه البناءون هو قد صار راس الزاوية ” (مر10: 12).
‘ ” فابتدأ يقول لهم انه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم ” (لو21: 4).
‘ ” لأني أقول لكم انه ينبغي أن يتم فيّ أيضا هذا المكتوب وأحصي مع أثمة ” (لو37: 22).
‘ ” ولا يمكن أن ينقض المكتوب ” (يو35: 10).
‘ولا يمكن أن يزول حرف واحد منه ” فاني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل ” (مت5: 17).
‘كلمة الحياة الأبدية ” فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية. وهي التي تشهد لي ” (يو39: 4).
‘كلمة الحق المؤدي إلى الحياة الأبدية ” الحق الحق أقول لكم أن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد ” (يو51: 8).
‘” السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول ” (35: 24).
تابع دراسة في الذبائح (23) ذبيحة الخطية חַטָּאת المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية.
الذبيحة טֶבַח – ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
تابع / ثانياً : الخمسة أوجه من ذبيحة الصليب
[2] الوجه الثاني من أوجه الصليب
تابع / ذبيحة الخطية – άμαρτία – חַטָּאת
الوجه التطبيقي لذبيحة الخطية
رابعا: المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية
للرجوع للجزء الثانى عشر اضغط هنـا.
رابعاً: المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية
بعد أن تعرفنا على معنى الخطية ومفهومها الصحيح حسب الكتاب المقدس ككل وعلى ضوء التقليد اليهودي المتشبع من العهد القديم، ووقفنا على مدى خطورتها وفعلها في الإنسان الذي شوه طبعه الخاص المخلوق على صورة الله ومال نحوها بحريته وحده إذ هو الذي اختطف لنفسه قضية الموت لذلك استمر يعمل فيه الموت ولم يستطع يرفع نظره نحو الله بطهر وبراءة ليستحق رؤياه او التعامل معه، وتعرفنا على شروط تقديمها والمناسبات التي تُقدم فيها، فلنا الآن أن ندخل في عمق معناها التطبيقي بالنسبة لعمل المسيح كذبيحة خطية عن العالم كله، وقد رأينا في شرح ذبيحة المحرقة السالفة الذكر والشرح إذ أنها أول ذبيحة نشرحها وهي المقدمة أولاً كما سبق ورأينا، فقد تعرفنا فيها على المسيح الرب كذبيحة محرقة يتقدم إلى الصليب بإرادته وحده وسلطانه بكل مسرة، ليُكمل الطاعة، طاعة الابن للآب، ليصير كفارة عن عدم طاعة الإنسان لله، فقبله ابوه كذبيحة للرضا والمسرة التامة، ولكن في ذبيحة الخطية ينكشف وجه آخر من أوجُه الصليب، فلا نسمع في ذبيحة الخطية أنها للرضا والمسرة ولا أنها رائحة سرور مثل ذبيحة المحرقة [ فيما عدا الاستثناء الوارد في لاويين4: 31 ( وجميع شحمها – ذبيحة الخطية لأحد العامة – ينزعه كما نزع الشحم عن ذبيحة السلامة ويُوقد الكاهن على المذبح رائحة سرور للرب ويُكفر عنه الكاهن فيصفح عنه ) ]، بل نسمع فقط – عموماً – أن مُقدمها يضع يديه عليها معترفاً بخطاياه، فتُنقل خطاياه منه إلى ذبيحته؛ فتُساق الذبيحة للموت عوضاً عنه.
هكذا رأينا ايضاً – بوضوح شديد – هذا العمل يكمُل على الصليب، إذ تقدم المسيح حمل الله حاملاً خطايا وآثام ونجاسات الإنسان (كل إنسان): [ الذي حمل – Carried up – هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت (يُزال من أو يرحل بعيداً) عن الخطايا فنحيا للبرّ الذي بجلدته (بجراحه) شُفيتم ] (1بطرس2: 24) [ سكب للموت نفسه وأُحصيَّ مع أثمة، وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين، لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها، وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه، وبحُبُره (جرحه أو جراحاته) شُفينا ] (أنظر أشعياء 53)، [ فإن المسيح أيضاً تألم مرة واحدة من أجل خطايانا (كلنا)، البار من أجل الأثمة، لكي (بهدف) يُقربنا إلى الله مُماتاً في الجسد ولكن محيى في الروح ] (1بطرس3: 18)..
وطبعاً القديس بطرس الرسول حينما قال أنه مات لأجلنا لم يكن يقولها استنتاجاً أو تخميناً أو حتى لم يكتب كل هذا الكلام من نفسه بل لأنه سمعها من فم الرب نفسه في العشاء الأخير حينما قال بنفسه: [ هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل كثيرين ] (مرقس14: 24)، والكنيسة أخذت هذا تقليداً من فم الرب وصار تقليد رسولي ظاهراً جداً في صلوات الإفخارستيا إلى هذا اليوم بل وإلى يوم مجيئه العظيم، وهذا هو منبع تسبحة المسيح التقليدية في الكنيسة الأولى وإلى يومنا هذا …
إذن نرى في هذه التقدمة – ذبيحة الخطية – أن لا مجال للمسرة فيها، ولا يوجد فيها موضع لرضا، بل على النقيض تماماً نجد أن الآب يحجب وجهه من هذه الناحية، أو على الأوضح ينحجب وجه الآب عنه، بسبب ما يحمله في جسده من نجاسات الإنسان وخطاياه العديدة والشنيعة كلها، أو باختصار حجب وجهه عنه حينما كان في موقف العار والفضيحة حاملاً كل أوجاع الإنسان الداخلية والتي فصلته عن الله (أي فصلت الإنسان عن الله ولا نتكلم هنا عن أنه يوجد انفصال بين الابن والآب لأنهم من نفس ذات الطبيعة والجوهر لا ينفصلوا قط وهذه استحاله مطلقة أن تحدث في الله قط) : [ إذ صار لعنة لأجلنا ] (غلاطية3: 13)
ولا ينبغي أن نفهم أن المسيح يسوع نفسه هو اللعنة، لأن هذا يستحيل، بل هو الذي حمل اللعنة على نفسه، ويقول القديس اثناسيوس الرسولي: [ لا نفهم من هذا ببساطة أن المسيح بكليته صار خطية أو لعنة، إنما حَمَلَ اللعنة التي علينا ]
يا إخوتي ينبغي أن نفهم الإنجيل في إطاره الصحيح لئلا نخرج بمفاهيم مغلوطة تقدم المسيح الرب وكأنه هو بشخصه اللعنة كما يفهم البعض خطأ، فقد شرح القديس بطرس الرسول وأثبت أن المسيح تألم وهو بريء مما نُسب إليه، لذلك فآلامه آلام كفارة عن الآخرين وليس عن نفسه هو شخصياً، وإذ هو نفسه المذبوح على الصليب أصبح هو الذبيحة وهو الكاهن معاً، وطبعاً قد سبق وذكرنا كلمات القديس بطرس الرسول مع كلمات وآيات أشعياء النبي كما رأينا، ومضمون الفقرتين معاً ليس فقط أن الرب قدم نفسه ذبيحة خطية أنه يُنجينا ويفدينا من الخطية، بل القصد أن يفكنا من قيد الخطية وحبسها وعبوديتها، لذلك تتجه الفقرتان إلى التعليم الأبدي الذي تقدمه لنا من جهة خبرة حرية مجد أولاد الله في المسيح يسوع لننفك من تحت سلطان الخطية والموت لندخل في عهد حرية مجد أولاد الله لنصير [ رعية مع القديسين وأهل بيت الله ] (أفسس2: 19).
ففي آية القديس بطرس الرسول [ الذي حمل هو نفسه خطايانا ] مقتبسة من إشعياء (53: 4)، مظهراً أن المسيح كعبد الله (بحسب أنه اتخذ جسداً حاملاً جسم بشريتنا نحن العبيد) هو حمل الله الوديع القدوس البار الذي حَمَلَ ليس خطاياه هو ولكن خطايانا نحن، وحملها كما يقول في جسده على الخشبة، وقد أتى تعبير القديس بطرس الرسول [ حمل هو خطايانا في جسده على الخشبة ] على أساس الآيات السابقة في نفس ذات الإصحاح وقبل هذه الآية، أنه لم يفعل خطية ولا وُجِدَ في فمه غش…
+ ولكن كيف وهو القوس البار، بل ومطلق القداسة والبرّ، يحمل خطايانا نحن البشر الأشرار ؟!!!
من جهة كيفيه حمل خطايانا وهو البار والذي لم يوجد في فمه غش وهو الذي قال [ من منكم يبكتني على خطية فأن كنت أقول الحق فلماذا لستم تؤمنون بي ] (يوحنا8: 46) ، فأن بداية حمل خطايانا في جثسيماني عندما صلى ثلاثة مرات بلجاجة أن يعفيه الله من شرب هذه الكأس [ يا أبتاه إن شئت أن تُجيز عني هذه الكأس ] (لوقا22: 42؛ متى26: 41 – 42).
وهنا يلزمنا أن نُلاحظ ونُدقق لكي نفهم عمل المسيح الرب بوضوح ودقة شديدة، فهو لم يكن خائفاً من الموت أو جزعاً منه أو كارهاً له أو في صراع ما بين ان يقبل الصليب والآلام أم يرفضها إطلاقاً، فأن المسيح الرب بسبب حمله خطايانا الشنيعة كلها يعود فوق الصليب على مرأى ومسمع من الجميع يصرخ قائلاً: [ إلهي إلهي لماذا تركتني ] (متى27: 46)، وهنا يتضح آية جثماني ومعناها الحقيقي، وهذا لأنه وقف ضمنياً موقف الخطاة أو بالأحرى موقف الخطية ذاتها: [ الذي لم يعرف خطية (مطلقاً) صار خطية لأجلنا ] (2كورنثوس5: 21)، ومن المعروف جيداً لدينا بيقين أن الله لا يرى الخطية أو يتعامل معها لا من قريب ولا من بعيد، لأن الظلمة يستحيل جمعها مع نور قط، ومن أجل ذلك أحتجب وجه الآب عن المسيح حامل الخطية على صورة ما، لا نستطيع ان ندركها أو نفهمها لأنها سر صنعه المسيح مع أنه ظل بار وقدوس (مطلق القداسة والبرّ) لا يعرف الخطية قط، وطبعاً لن نعود نكرر أن المسيح الرب ليس هو الخطية بل الحامل الخطية.
ولذلك لن نعود نستغرب أو نتعجب من تعبير الرب مُخلصنا الصالح الذي عَبَّرَ عن شناعة هذا الوجه من الصليب (ذبيحة الخطية) بقوله: [ إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ]، مع أننا سمعناه في الذبيحة السابقة (ذبيحة المحرقة) وهو في صورة الابن البار الطائع الآب حتى الموت إذ قال: [ الكأس التي أعطاني الآب ألا اشربها ]، إذن ففي الصليب عملان متداخلان يظهران، وكأنهما متعارضان، ولكن لم يَدَعْ الطقس في القديم محلاً لتعارُض ولا لاعتراض؛ فالمسيح الرب أكمل على الصليب ذبيحتين معاً : ذبيحة محرقة للرضا والسرور،وذبيحة خطية ولعنة
وكان من اللائق به أن يفرح بالصليب ويُقبل إليه كعلامة طاعة (ذبيحة محرقة كما شرحناها سابقاً في نفس ذات هذه السلسة) وإظهار برّ البنوة المطلق الذي له، وكان يليق أيضاً أن يرتعب ويفزع منه كخشبة عار وعلامة لعنة بسبب الخطية. فهو يحمل الخطايا التي منها التجديف والزنا والعداوة والقتل والبغضة وغيرها من الخطايا الشنيعة، التي وجد أنه لو حملها لا يستطيع ان يقف أمام الآب، وإلا كيف أن ابن الله يجدف على الله أبيه الذي هو معه واحد في الجوهر، وكيف للمسيح البار الذي لا يوجد في فمه غش ولا شبه خطية حتى أن يلقب كخاطئ ويحملها فعلاً بكل جرمها على الصليب، كيف له أن يقف كمتعدٍ وخاطئ، فيتم حجب وجه الآب عنه، وهو يرتضي بهذا كله قائلاً [ لتكن مشيئتك ولا مشيئتي ]، وهو يظهر سرّ إخلائه العجيب منتظراً أن يُتمم مشيئة الآب التي هي عينها نفس ذات مشيئته أيضاً كما سبق ووضحنا، وحَمَلَ خطايا كل بني آدم في جسده، وهذا كله لأجلنا نحن ونحن لا نشعر بقيمة عمله العظيم جداً !!!
——————————————————————————
تابع رابعاً: المسيح يقدم نفسه ذبيحة خطية
+ المسيح حمل خطايا كل البشر بسبب اتخاذه جسداً (لماذا اتخذ الله جسداً)
المسيح كلمة الله اللوغوس حينما تجسد أخذ جسداً بشرياً وظهر في هيئة إنسان، حل فيه ملء اللاهوت جسدياً (كولوسي2: 9)؛ وبهذا أخذ جسده الخاص صفة اللاهوت وهو عدم المحدودية، وبهذه الصفة الإلهية امتد جسده ليشمل كل أجساد البشرية بطريقة ما وبالتالي خطاياها كلها أخذها في جسده – حسب السرّ والتدبير (أي سرّ التجسد) – حسب مشيئة الآب ليتمم خلاص كل إنسان يؤمن به: [ وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ] (فيلبي2: 8).
ولنا أن نستوعب سرّ التجسد الآن ونفهم لماذا لم يظهر الله في أي شيء آخر ولم يبهر الإنسان بظهوره المُحيي، فالمسيح الرب [ لم يظهر عن طريق أجزاء أُخرى من الخليقة أكثر سمواً من الإنسان، فهو لم يأتي لكي يتظاهر أو يستعرض نفسه، بل جاء لكي يُشفي ويُعلم الذين هم تحت الآلام، فالمعلم الصالح لا يتعالى على تلاميذه بل يتباسط معهم من أجل منفعتهم، فطريقة الذي يُريد أن يتظاهر، هي مجرد أن يظهر ويبهر عيون الناظرين ( وهذا هو تصور الإنسان الساقط عن الله فيرى أن الله عظيم من جهة الإبهار، وذلك لأن الإنسان دائماً ينظر للقوة المطلقة لتحقيق ذاته وكبرياء نفسه وهذا ما يسقطه على الله، لذلك نجد أن الكثيرين من الناس لا يقبلون التجسد الإلهي إطلاقاً وبالتالي يتعثرون في الصليب، وبالتالي لا يعلمون أن الذي يأتي ليُشفي جرح الإنسانية المتعبة وشفاء كسرها الذي صار بالموت، وقد أتى ليُعلِّم طريق الخلاص المؤدي للحياة)، فطريقته هي ألاَّ يكتفي بمجرد حلوله بيننا (وظهوره وسطنا) بل أن يُقدم ذاته لمساعدة من هم في احتياج، وأن يَظهر لهم بالقدر الذي يحتمله أولئك الذين هم في حاجة إليه، لئلا إذا زاد (ظهوره) عن القدر الذي يحتاجه المتألمون فقد يُسبب هذا اضطراباً لنفس الأشخاص الذين يحتاجونه، مما يجعل ظهور الله عديم النفع بالنسبة لهم. (لأننا رأينا المسيح الرب في التجلي وقد لمع وجهه وحتى ملابسة أكثر من ضياء الشمس الطبيعية فسقط التلاميذ ولم يحتملوا قط، فكم وكم أن ظهر بملء لاهوته العظيم أمام أعين الكل بدون جسد، فكم سيسقط الكل موتى لا يحتملون شدة بهاء مجد قداسته المرعب للساكنين في الظلمة والتي ملك عليهم الموت والفساد !!!)
(والمسيح الرب ظهر كطبيب حقيقي له القدرة المطلقة على الشفاء، والطبيب الحقيقي الذي له القدرة على شفاء الناس) في مرات كثيرة يضع أدوية على الجروح حسب ما يرى هو أنها نافعة ومُفيدة للمرض، رغم من أن الكثيرين يظنون أنها غير مناسبة، والطبيب يهدف دائماً إلى شفاء مرضاه، (لذلك فلنلاحظ أن الحديث عن الشفاء الذي تممه كلمة الله بتجسده ظهر بوضوح في إشعياء 53 كما سبق ورأينا إذ قال [ وبجراحاته شُفينا ] (أشعياء53: 5) وأيضاً في المزامير [ أرسل كلمته فشفاهم ] (مزمور107: 20)، فكل ما يسخر منه البشر كأمر غير لائق، هذا يجعله الله بصلاحه لائقاً ] (القديس اثناسيوس الرسولي – بعض أجزاء من فقرات كتاب تجسد الكلمة فصل 43؛ فصل 1: 1؛ فصل 2: 1؛ + الرسالة إلى ديونيسيوس الإسكندري، وما وضع بين قوسين للتوضيح وربط الفقرات مع بعضها البعض)
يا إخوتي لنتعمق ونتأمل جيداً فيما قلنا ونعود لنوضح بأكثر تفصيل قائلين: الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، وفسدت الطبيعة البشرية ولم يعد في استطاعتها أن ترى الله ولا تنظر هيئته، لأنها صارت ظلمة ولا تستطيع ان تقترب من النور لذلك قال الله لموسى حينما طلب أن يراه: [ وقال (الله لموسى) لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش ] (خروج33: 20)، فالإنسان بسبب الظلمة والفساد لا يستطيع أن يعرف الله الحياة، لأنه ذاق الموت في الجسد، وأصبح فاسد كُلياً ليس فيه شيء صالح لكي يستطيع أن يتعرف على صلاح الله ويدخل في شركة معه، لأنه تستحيل للظلمة أن تثبت أمام النور، كما أنه لا يستطع أحد أن ينظر ويتفرس للشمس الطبيعية والمخلوقة بإحدى عينيه لئلا يعمى ويفقد نظره تماماً ولا يستطيع أن يُبصر مرة أخرى، فكم يكون حاله أن حاول أن ينظر لنور الله الذي يفوق الشمس في القوة والمجد والبهاء، وكيف للفاسد ان يحيا مع عدم الفساد، وكيف لمن انتن في قبر الموت يستطيع أن يقف مرة أخرى ويُشارك الأحياء، ولأن الفساد لا يتوقف أن لم يأتي عديم الفساد ليبطل قوته ويُميته، لذلك أتى الغير الفاسد الله الكلمة ولبس الجسد القابل للموت، وإذ أتحد بجسم بشريتنا اتحاداً حقيقياً غير قابل للانفصال، فأصبح نائباً عن البشرية ككل، وباشتراك الجسد في عدم موت الله الكلمة المتجسد، أُوقف فساد الجنس البشري، لأن الكلمة بتجسده أرتضى أن يحمل كل أوجاع البشرية وموتها المحتوم في جسده الشبيه لنا في كل شيء ما خلا الخطيئة وحدها، ولكونه فوق الجميع لأنه الله الكلمة بالحقيقة فقد جعل جسده ذبيحة لأجل الجميع، ولكونه واحداً معنا فعلاً ألبسنا عدم الفساد وأدخلنا في شركة حيه مع الآب في شخصه المتحد بنا اتحاداً حقيقياً لا رمزية فيه، ويقول القديس أثناسيوس الرسولي:
[ فقد أدرك الكلمة جيداً أنه لم يكن ممكناً أن يُقضى على فساد البشرية بأي طريقة أُخرى سوى الموت نيابة عن الجميع. ومن غير المُمكن أن يموت الكلمة لأنه غير مائت بسبب أنه هو ابن الآب غير المائت. ولهذا اتخذ لنفسه جسداً قابلاً للموت حتى إنه عندما يتحد هذا الجسد بالكلمة الذي هو فوق الجميع، يُصبح جديراً ليس فقط أن يموت نيابة عن الجميع، بل ويبقى في عدم فساد بسبب اتحاد الكلمة به. ومن ذلك الحين فصاعداً يُمنع الفساد من أن يسري في جميع البشر بنعمة القيامة من الأموات. لذلك قَدَّمَ للموت ذلك الجسد الذي اتخذه لنفسه كتقدمة مقدسة وذبيحة خالية من كل عيب. وببذله لهذا الجسد كتقدمة مناسبة، فإنه رفع الموت فوراً عن جميع نظرائه البشر .
ولأن كلمة الله هو فوق الجميع فقد كان لائقاً أن يُقدم هيكله الخاص وأداته البشرية فدية عن حياة الجميع موفياً دين الجميع بموته. وهكذا باتخاذه جسداً مماثلاً لجسد جميع البشر وباتحاده بهم، فإن ابن الله عديم الفساد ألبس الجميع عدم الفساد بوعد القيامة من الأموات. ولم يعد الفساد الفعلي بالموت له أي سلطان على البشر بسبب الكلمة الذي جاء وسكن بينهم بواسطة جسده.
وكما أنه عندما يدخل أحد الملوك العظام إلى مدينة عظيمة، ويسكن في أحد بيوتها فإن المدينة كلها تُكرَّمه أعظم تكريم ولا يجرؤ أي عدو أو عصابة أن تدخل إليها أو تحطمها، بل على العكس تكون جديرة بكل عناية واهتمام بسبب سُكنى الملك في أحد بيوتها، هكذا كان الحال مع ملك الكل.
والآن، لأنه قد جاء إلى عالمنا وسكن في جسد مماثل لأجسادنا، فقد بَطُلت منذ ذلك الحين كل مؤامرة العدو ضد البشر وأُبطل فساد الموت الذي كان سائداً عليهم من قبل، لأن الجنس البشري كان سيهلك بالتمام لو لم يكن رب الكل ومُخلص الجميع ابن الله قد جاء ليضع حداً للموت. ] (القديس اثناسيوس الرسولي – تجسد الكلمة الفصل التاسع: 1 – 4)
ويقول أيضاً: [ وفي الحقيقة فإن هذا العمل العظيم (التجسد) هو لائق بدرجة فائقة بصلاح الله. لأنه إذا أسس ملك منزلاً أو مدينة ثم تسبب إهمال سكانها، حاربها اللصوص، فإنه لا يُهملها قط، بل ينتقم من اللصوص ويُخلصها لأنها صنعة يديه وهو غير ناظر إلى إهمال سكانها، بل بما ما يليق به هو ذاته (فإهمال البشر يقابله عدم إهمال الله، فالإهمال لا يليق بصلاح الله تجسد الكلمة فصل2: 1).
هكذا وبالأكثر جداً فإن كلمة الآب كلي الصلاح، لم يتخلى عن الجنس البشري الذي خُلِقَ بواسطته، ولم يتركه ينحدر إلى الفناء. بل أبطل الموت الذي حدث نتيجة التعدي، بتقديم جسده الخاص. ثم قوَّم إهمالهم بتعاليمه، وبقوته الخاصة أصلح كل أحوال البشر.
وهذه كلها يُمكن للمرء أن يتحققها مما قاله الكُتاب (التلاميذ الرسل) الموحى إليهم عن المُخلِّص، إذا قرأ أحدٌ، ما كُتِبَ بواسطتهم حيث يقولون: ” لأن محبة المسيح تحصرنا، إذ نحن نحسب هذا إنه أن كان واحد قد مات لأجل الجميع فالجميع إذاً ماتوا. وهو مات لأجل الجميع كي لا نعيش فيما بعد لأنفسنا، بل للذي مات لأجلنا وقام ربنا يسوع المسيح ” . وأيضاً: ” لكن الذي وُضِعَ قليلاً عن الملائكة (باتخاذه جسداً بشرياً) نراه مُكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد ” (عب2: 9).
وبعد ذلك يوضح السبب الذي من أجله كان ضرورياً أن الله الكلمة نفسه وليس آخر سواه هو الذي يتجسدفيقول: ” لأنه لاق (لائق) بذلك الذي من أجله الكل وبه الكل وهو آتٍ بأبناء كثيرين إلى المجد أن يُكمل رئيس خلاصهم بالآلام ” (عب2: 10). وهو بهذا يقصد أن يوضح أنه لم يكن أحدٌ آخر يستطيع أن يسترد البشر من الفساد الذي حدث (نتيجة السقوط) غير كلمة الله الذي خلقهم في البداية.
وأيضاً أشار الرسول إلى أن الكلمة بذاته أتخذ لنفسه جسداً ليُقدمه ذبيحة عن الأجساد المُماثلة قائلاً: ” فإذ تشارك الأولاد في اللحم والدم أشترك هو أيضاً فيهما لكي يُبيد بالموت ذلك الذي له سلطان الموت أي إبليس ويعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية ” (عب2: 14و 15).
لأن بذبيحة جسده الذاتي وضع نهاية لناموس الموت الذي كان قائماً ضدنا. وصنع لنا بداية جديدة للحياة برجاء القيامة الذي أعطاه لنا. لأنه إن كان بإنسان واحد (آدم) قد ساد الموت على البشر، ولهذا أيضاً فبسبب تأنس كلمة الله فقد حدثت إبادة للموت وتمت قيامة الحياة كما يقول لابس المسيح بولس: ” فإنه إذ الموت بإنسان،بإنسان أيضاً قيامة الأموات لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيا الجميع ” (1كو15: 21 – 22)، وبالتالي فنحن الآن لا نموت بعد كمُدانين، بل كأُناس يقومون من الموت ننتظر القيامة العامة للجميعوالتي سيُبينها في أوقاتها التي يُحددها الله الذي أتمها والذي وهبنا إياها ] (القديس اثناسيوس الرسولي – تجسد الكلمة الفصل10: 1 – 5)
تابع دراسة في الذبائح (18) ذبيحة المحرقة – المسيح يقدم نفسه ذبيحة طاعة.
+ المسيح يقدم نفسه ذبيحة طاعـــــــــة +
للرجوع للجزء السابع عشر أضغط هنـــــا.
+ المسيح يقدم نفسه ذبيحة طاعة:
بعد أن عرضنا مشكلة السقوط ودرامة العصيان وخطورتها على حياة الإنسان، إذ بالعصيان دخلت الخطية بكل أنواعها وبشاعتها لتشوه طبع الإنسان الذي صار متمرداً على الله لا يطيع وصاياه ولا يقبلها، لأن الموت يعمل فيه، والموت لا يقبل الحياة [ بمعصية الإنسان الواحد جُعل الكثيرون خطاة (إذ أن لهم نفس ذات طبع الفساد) ] (رومية 5: 19)، نستطيع الآن أن نستوعب سر ذبيحة المحرقة وكيف قدم الرب نفسه ذبيحة طاعة …
فبسبب عصيان الإنسان كان من المحتم أن يكون هناك ذبيحة محرقة تُظهر الطاعة للتكفير عن العصيان وعدم الطاعة لله القدوس المحب، فظهر ربنا يسوع المسيح في ملء الزمان كالتدبير في الجسد مُظهراً طاعته للآب، هذه الطاعة التي تكلم عنها وأظهرها بوضوح تام كل أيام خدمته إلى الصليب، حتى الموت:
[ ها أنا ذا أجيء لأفعل مشيئتك يا الله ] (عبرانيين 10: 7)
[ لأني قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني ] (يوحنا 6: 38)
[ الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن للآب الحال فيَّ هو يعمل الأعمال ] (يوحنا 14: 10)
[ ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني ] (يوحنا 9: 4)
ونجد المسيح الرب يُكمل واجبات الطاعة تكميلاً إلى آخر حدود الموت أي الصليب [ أطاع (صار يُطيع – مزعن – ممتثل – خاضع) حتى الموت، موت الصليب ] (فيلبي 2: 8)، وبالطبع لم يفت على المسيح – له المجد – وهو يتقدم نحو الصليب أن يُنبه أذهاننا إلى أنه إنما يموت أولاً وقبل كل شيء ليُكمل مشيئة الآب: [ الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها ] (يوحنا 18: 11)
وطاعة المسيح – له المجد – كانت عن سرور لا عن حزن أو اكتآب أو اضطرار، فهو يقول [ طعامي أنأعمل مشيئة الذي أرسلني وأُتمم عمله ] (يوحنا 4: 34) …
فهو قدم نفسه بمسرة إرادته وبكامل حريته :
[ … وأسلم نفسه (بذل نفسه) لأجلنا قُرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة ] (أفسس 5: 2)، ولو عدنا للنص اليوناني للآية نجد اللفظة التي تؤكد على أن هذه الذبيحة المقدسة هي ذبيحة المحرقة أو تقدمة القربان، لأن فعلها يظهر كرائحة لأنها تُحرق، فلا رائحة إلا بالحرق، وهي تظهر رائحة حلوة للرضا والمسرة كما ذكرنا في شريعة المحرقة ….
Προσφοράν καὶ θυσίαν τῷ θεῷ εὶς ὀσμήν εὐωδίας
Prosphoran kai thusian to theo eis osmen euodias
تقدمة قربان ذبيحة لله ، رائحة طيبة – Προσφοράν ذبيحة محرقة، ليشمُها الله رائحة حلوة عطرة ذكية [ للرضا والمسرة ]
offering and a sacrifice to God for a sweet-smelling aroma
offrande et victime, comme un parfum d’agréable odeur
[ قدم نفسه ذبيحة محرقة ] و كما من عطر تفوح منها رائحة عطرة
وواضح جداً في النص اليوناني الإشارة لذبيحة المحرقة للرضا والمسرة، والذي يؤكده القديس بولس الرسول في آيات مرتبطة وواضحة الإشارة لذبيحة ربنا يسوع كذبيحة محرقة :
[ كما أحب المسيح أيضاً الكنيسة وأسلم (بذل – قدم) نفسه – gave up – لأجلها – gave Himself for her … ] (أفسس 5: 25)
[ ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي – gave Himself for me – ] (غلاطية 2: 20)
[ المسيح الذي بذل نفسه لأجل خطايانا – gave Himself for our sins – ليُنقذنا من العالم الحاضر الشرير حسب إرادة الله وأبينا ] (غلاطية 1: 3و 4)
_____ملحوظة هامة_____
حينما نجد أن الرسول يقول في أماكن عديدة إن المسيح [ قدم ذاته ] أو [ قدم نفسه ] أو [ بذل نفسه فدية ]، فهو يُعبَّر عن المسيح ككاهن قدم بيديه، أي بمحض مسرة إرادته الحرة، ذبيحة جسده على الصليب [ ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي، لي سلطان أن أضعها و لي سلطان أن آخذها أيضاً هذه الوصية قبلتها من أبي ] (يو10: 18) [ فقال له بيلاطس أما تكلمني، الست تعلم أن لي سلطانا أن أصلبك و سلطاناً أن أطلقك، أجاب يسوع لم يكن لك علي سلطان البتة لو لم تكن قد أُعطيت من فوق لذلك الذي أسلمني إليك له خطية أعظم ] (يوحنا 19: 10 – 11)
ونجد أن في حالة ذكر تقديم الذبيحة، إما في صيغة المبني للمجهول، حيث يقصد أن الذي قدمه على الصليب هم اليهود، أو بذكرهم صراحة أنهم قتلوه، فهنا يقف المسيح – له المجد – موقف من سلم نفسه وأعطى ذاته كخروف يُساق إلى الذبح.
ولكن أروع صوره لذبيحة الصليب على الإطلاق هي التي ذكر فيها بولس الرسول أن الله هو الذي قدمه حسب القصد في قوله [ الذي قدمه الله – purposed the God – كفارة ] (رومية 3: 25)، وهنا تظهر مشيئة الله لتُغطي كل ملابسات تقديم المسيح – له المجد العظيم – على الصليب، سواء في مشيئة المسيح الرب نفسه أو في التغاضي عن جهالة الصالبين له وذلك لبلوغ منتهى قصد الله [ من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله ] (رومية 3: 25) ، هذا يعني أن ذبيحة الصليب تشترك فيها مشيئة الآب الكلية، ومشيئة الابن المتجسد المطابقة والمستمدة من مشيئة الآب:
[ ثم قال ها أنا ذا أجيء ( آتي – والصيغة في اللغة اليونانية تأتي بمعنى الحاضر الممتد ) في درج الكتاب مكتوب عني ( كُتب لأجلي، لإظهار ما يخص دوري وعملي الذي أعمله ) لأفعل مشيئتك يا الله ( فقلت ها أنا ذا آتٍ – كما هو في الناموس المكتوب عني – أني سأفعل مشيئتك يا الله ) … فبهذه المشيئة نحن مُقدسونبتقديم [ Προσφοράς – برسفورا – وهي الكلمة الطقسية التي تُشير للذبيحة كما سبق وذكرنا ] جسد يسوع المسيح مرة واحدة ] (عبرانيين 10: 9و 10) …
+ عموماً جدير بنا الآن أن نخرج خارج المفهوم المعتاد عليه من جهة أن الصليب في نظرنا عملاً يختص بالخطية فقط، ولكن يليق بنا الآن أن نكشف ناحية جديدة أُخرى فيه، تختلف كل الاختلاف عن معنى الخطية: وهي هذه الطاعة العجيبة التي أكملها الابن نحو الآب، وتكميل مشيئته تماماً، كاشفاً بعمله الرائع عن نوع الصلة الخاصة التي ارتبط بها الابن بالآب، والتي نلمح فيها حدوداً عميقة لمعنى البنوة، فهو لم يأخذها اختطافاً، ولا ادَّعاها ادعاء مبهماً، ولكنه حقق واجبتها ووفها تماماً كابن حقيقي لله الآب فعلاً وقولاً وعملاً !!!
وهو بطاعته العميقة والمتسعة جداً، كشف ضمناً عن بره الشخصي، فالذي استطاع أن لا يعمل مشيئته قط بل مشيئة الله فقط كُلاً وجزءاً، هذه التي أكملها بكل اتساعها، قد أوضح بكل تأكيد أن له مثل ذات المشيئة عينها،لأن مشيئته ومشيئة الآب يستحيل أن تتعارض أو تختلف، لأنهما واحد في الجوهر ومشيئتهما تتفق طبيعياً، مع انه أخلى ذاته متخلياً عن مشيئته طائعاً مشيئة من أرسله [ لكنه أخلى [ جرد ] نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس إذ وجد في الهيئة كانسان وضع نفسه و أطاع حتى الموت موت الصليب ] (فيلبي 2 : 7 – 8)، وبذلك يبرهن بغير لبس ولا إبهام على أنه هو والآب واحد [ أنا والآب واحد ] (يوحنا 10: 20)
لذلك كان صليب ربنا يسوع موضوع مسرة فائقة للآب القدوس، وكما يقول القداس الإلهي في دورات البخور [ هذا الذي أصعد ذاته ذبيحة مقبولة (ذبيحة محرقة) على الصليب عن خلاص جنسنا، فإشتمه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجثة ] (رفع البخور – اعتراف الشعب)
هذا الوجه أتضح لنا جداً في طقس ذبيحة المحرقة، التي هي أولى الذبائح، والتي بدونها يستحيل على الإطلاق تقديم ذبيحة الخطية ولا ذبيحة الإثم، بل ولا أي ذبيحة أخرى أو تقدمة …
ومن وضعها في أول قائمة الذبائح، أدركنا أنه لولا إرضاء الابن للآب وتقديم طاعته له حتى الموت، ما أمكن قط أن يكون هناك مغفرة خطايا أو سلام للإنسان إطلاقاً …
أي أنه لولا طاعة المسيح – له المجد – أولاً، وتقديم نفسه كذبيحة محرقة، ما أمكن أن يُقدم نفسه على الصليب كذبيحة خطية وتُقبل هذه الذبيحة .
لذلك لا نجد في ذبيحة المحرقة أي ذكر للخطية، بل يدعوها الطقس [ محرقة وقود رائحة سرور (رائحة راحة) للرب (يهوه) ] (لاويين 1: 13)
وكما رأينا في لاويين 1: 3 [ يقدمه للرضا عنه أمام الرب ]
فالمحرقة إذن ذبيحة مسرة ورضا أمام الله، وهكذا كان الصليب أيضاً، بل ويجب أن يكون كذلك في ذهننا؛ فأول عمل أكمله المسيح اللوغوس المتجسد على الصليب هو تقديم نفسه ذبيحة محرقة في مسرة الطاعة، إيفاءً لواجبات البنوة في التجسد !
إذن فقبل أن نطرح خطايانا على صليب رب المجد الله المتجسد، يلزمنا – بالضرورة – أن نتقدم إليه فيطاعة الشاه التي تُساق إلى الذبح. وقبل أن نعرف مشيئة الآب السماوي، يلزمنا أن نخضع لها أولاً بسرورمهما كانت مُرة، ومهما ما قادتنا حتى إلى الصليب والموت …
فلنسمع ونصغي بالقلب لما يقوله حمل الله رافع خطية العالم : [ لهذا يحبُني الآب لأني أضع نفسي (الموت) [τίθημι τήν ψυχήν – وتنطق هكذا tithemi ten psuchen – بمعنى lay down the life – am-laying-down the soul ]، لآخذها أيضاً (القيامة) ] (يوحنا 10: 17)، ثم يستدرك القول لئلا يتبادر للذهن أنه قَبِلَ الصليب عن اضطرار أو تغصُب: [ ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي (أبذلها برضاي = حرية المسيح الرب المطلقة) ] (يوحنا 10: 18)
ولكن السؤال الهام لنا الآن: هل يُمكن أن ننال هذه الطاعة، طاعة المحرقة أو طاعة الصليب كما أكملها المسيح الرب ؟
الجواب نجده واضحاً في طقس ذبيحة المحرقة إذ يقول الطقس بكل تدقيق: إن مُقدم ذبيحة المحرقة [ يضع يده على رأس المحرقة فيُرضى عليه ] (لاويين1: 4)؛ وهنا وضع اليد يُهيئ لمُقدم الذبيحة أن يشترك في صفات الذبيحة، وما لم يكن مُمكناً أن يعمله للرضا عنه (أي الاحتراق) يناله من تقديم الذبيحة لتُحرق عوضاً عنه …
وهكذا نجد أن الإشارة واضحة وبليغة للغاية: أن من يؤمن بذبيحة المسيح الرب الذي قدم ذاته ذبيحة طاعةينال في المسيح طاعته لله الآ . بل وينال مع المسيح الرب رضا الآب عنه ، لأن الآب لا يرضى إلا بذبيحة الابن !!!
ونحن صرنا شركاء في ذبيحة الصليب، لا بوضع اليد فقط – كما في العهد القديم – بل والقلب بالإيمان الحي والصادق بذبيحة شخص المسيح اللوغوس المتجسد ابن الله الحي : [ مع المسيح صُلبت ] (غلاطية 2: 20)
شكراً لله بالمسيح يسوع، إذ قد صرنا بدم المسيح الرب رائحة مقبولة لدى الله الآب [ ولكن شكراً لله الذي يقودنا في موكب نصرته في المسيح كل حين ويُظهر بنا رائحة معرفته في كل مكان ، لأننا رائحة المسيح الذكية لله – εὐωδία – a sweet smell ] (2كورنثوس 2: 14و 15)
لقد صرنا فعلاً موضع رضا ومسرة، آخذين في أنفسنا – بالإيمان – ثمرة ذبيحة محرقة المسيح على الصليب !!
وما هي ثمرة ذبيحة المحرقة ؟
يُحددها الطقس بوضوح – في العهد القديم: [ يضع يده على رأس المحرقة فيُرضى عليه للتكفير عنه ]، فالرضا يُقدمنا للكفارة، والكفارة تُقدمنا لاستحقاق قبول الصفح عن الخطايا السالفة أو السابقة، لأنه كيف يغفر الله لنا خطايانا وهو لم يرضى عنا بعد !!!
ولكن شكراً لله لأن المسيح الرب صار ذبيحة رضا ومسرة عن كل الذين يتقدمون به إلى الآب، ولو تأملنا تقديم ذبيحة المحرقة، نجد أن لها ترتيباً خاصاً دون سائر جميع الذبائح الأخرى والتقدمات: إذ ينُص الطقس على ضرورة سلخ الذبيحة وتقطيعها قطعاً وغسلها غسلاً بالماء، كل جوفها وأحشاؤها وقِطَعِها على المذبح، ليُظهر كل ما فيها أمام الله حتى أعماقها الداخلية (لاويين 1: 9) …
وما هذا !!! أليست هذه إشارة واضحة كالشمس إلى الفحص الذي جازه المسيح الرب أمام الله من جهة عمله وسلوكه وخدمته وأقواله ؟ فلم يوجد فيه عله واحده على الإطلاق، حتى بشهادة بيلاطس نفسه الذي أمر بصلبه [ فقال لهم ثالثة (بيلاطس المتكلم) فأي شر عمل هذا. إني لم أجد فيه علّه (علّه = οὐδὲν = nothing =je n’ai rien) للموت ] (لوقا 23: 22)، وذلك كما شهد إشعياء بروح النبوة [ لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش ] (إشعياء 53: 9)، بل وهو نفسه شهد عن نفسه – وشهادته حق – قائلاً: [ من منكم يُبكتني على خطية ] (يوحنا 8: 46)، وقد قال هذا وهو يتقدم إلى الصليب كشهادة لبر ذبيحته، وتأكيد أنه ذبيحة محرقة أفضل من الرمز الذي قدمه الطقس قديماً بما لا يُقاس …
ولنا أن نفهم ماذا يقصد الرب بدقة بكلمة من منكم يُبكتني: [ فكلمة يُبكتني في اليونانية – ἐλὲγχει –elegchei)convinced = is-exposing ) هذه الكلمة اليونانية بحد ذاتها هي اصطلاح قانوني يُفيد الفحص المضاد من محامي الخصم، وهو نوع من [ إقامة الدليل الضد ]، وهي تقوم على إثبات الخطأ بالدليل المُدعم، إما بشهادة الشهود، أو بالوثائق الدامغة، أو بمهارة المُحقق في جعل المتهم يعترف ضد نفسه. وقد أورد الإنجيل هذا المصطلح في يوحنا 16: 8 عن الروح القدس أنه [ يُبكت العالم على خطية … ]
فالمسيح رب المجد بقوله [ من منكم يُبكتني على خطية ] يكون قد كشف كشفاً واضحاً على المستوى التي تعيش فيه بشريته، أنه مستوى يفوق كل قامة البشر – حيث يستحيل أن يوجد إنسان بلا خطية – وبهذا يكون هذا النص هو استعلان للمستوى الإلهي الذي كان يعيشه المسيح في بشريته، وهو المعروف في اللاهوت: أن المسيح ” بلا خطية ” [ لأن ليس لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثي لضعفاتنا بل مُجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية (بلا اقتراف خطية – بمعزل عن الخطية – لأنها لا تستطيع أن تمسه أو يتعامل معها- مستحيل – استحالة مطلقة – أن توجد فيه خطية أو شبه خطية واحدة قط) ] (عبرانيين 4: 15)
فواضح هنا على مستوى فحص الذبيحة أن الرب نفسه يجتاز أي فحص بجدارة لأنه القدوس حمل الله الذي بلا عيب ومؤهل كل التأهيل أن يكون ذبيحة محرقة للرضا التام والمسرة، وبسبب كماله المطلق يستحيل أن تقدم بعده ذبيحة محرقة أخرى لأن فيه الكل صار مرضي عنه، شرط أن يتوب ويؤمن به ذبيحة محرقة تامة، ويثمر إيمانه طاعة لأنه يستمد الطاعة من طاعة الرب يسوع بإيمان حي بالذبيح الذي صار رائحة رضا ومسرة دائمة وإلى الأبد …
ونختتم الكلام عن هذه الذبيحة العظيمة والتي هي أول الذبائح، والتي لا تقدم إلا بها، ونعود نركز لكي تنطبع هذه الذبيحة في أذهاننا وفعلها يصير في قلوبنا بالإيمان بحمل الله، ونذكر قول الرب لموسى قائلاً:
[ وكلم الرب موسى قائلاً: … هذه هي شريعة المحرقة، هي المحرقة تكون على الموقدة فوق المذبح كل الليل حتى الصباح ونار المذبح تتقد عليه. ثم يلبس الكاهن ثوبه من كتان ويلبس سراويل من كتان على جسده ويرفع الرماد الذي صيَّرت النار المحرقة إياه على المذبح ويضعه بجانب المذبح. ثم يخلع ثيابه ويلبس ثياباً أُخرى، ويُخرج الرماد إلى خارج المحلة إلى مكان طاهر. والنار على المذبح تتقد عليه، لا تُطفأ. ويُشعل عليها الكاهن حطباً كل صباح، و يُرتب عليها المحرقة ويوقد عليها شحم ذبائح السلامة، نار دائمة تتقد على المذبح، لا تُطفأ ] (لاويين 6: 8 – 13) .
لنلاحظ ونركز على أن هذه الذبيحة تتركز في كونها تظل فوق المذبح كل الليل وحتى الصباح، والنار على المذبح تلتهم المحرقة مع شحم ذبائح السلامة، نار دائمة تتقد على المذبح، لا تُطفأ، ومحرقة دائمة لا يخلو المذبح منها إطلاقاً. وذلك إشارة واضحة إلى ذبيحة المسيح الرب، حمل الله، الكاملة التي صارت محرقة ووقوداً مستمراً أمام الآب يشمه كل حين وإلى الأبد رائحة سرور ورضا – كما رأينا في شرحنا السابق بتدقيق – فيتحنن على البشرية بسبب برّ المسيح وطاعته حتى الموت من أجل خلاص جنس البشر . وكما التهمت النار الذبيحة، هكذا ابتُلع الموت إلى غلبة بموت المسيح وقيامته. والكتان الذي يلبسه الكاهن لكي يرفع رماد المحرقة ويضعه بجانب المذبح، يُشير إلى برّ المسيح الذاتي وجسد قيامته؛ لأنه إذ أطاع حتى الموت موت الصليب، لكي يكمل مشيئة أبيه الصالح، قام ببره الذاتي غالباً الموت وحاملاً معه مفاعيل عمله العظيم الذي أكمله على الصليب. فالرماد إشارة إلى كمال المحرقة وقبولها أمام الله.
تابع دراسة في الذبائح (10) تابع يسوع يقدم نفسه ذبيحة – يسوع المسيح حمل الله.
تابع (1) مقدمـــــــــــــــة عامة
للرجوع للجزء التاسع أضغط هنـا.
ب – يسوع المسيح حمل الله:
في العهد القديم قدم إبراهيم ذبيحة لله كبشاً عوضاً عن ابنه اسحق: ” فناداه ملاك الرب من السماء وقال: إبراهيم إبراهيم: فقال هاأنذا، فقال: لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئاً، لأني الآن علمت أنك خائف الله فلم تُمسك ابنك وحيدك عني، فرفع إبراهيم عينيه ونظر: وإذا كبش وراءه مُمسكاً في الغابة بقرنيه، فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعده محرقة عوضاً عن ابنه ” ( تكوين22: 11 – 13 )
أما في العهد الجديد فيسوع هو نفسه الحمل الذي رفع خطية العالم بتقدمة ذاته على الصليب بإرادته وسلطانه وحده، كما يصفه إنجيل يوحنا: ” ها هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم ” ( يوحنا 1: 29 )
وقد مات يسوع في الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم الجمعة السابق لعيد الفصح، وهي الساعة التي كانت تُذبح فيها أمام الهيكل بأورشليم، الحملان الفصحية، ويؤكد إنجيل يوحنا هذا الشبه بين يسوع والحمل الفصحي، عندما يُشير إلى أن يسوع وهو على الصليب لم يُكسر له عظم على مثال الحمل الفصحي:
+ ” ثم إذ كان استعداد، فلكي لا تبقى الأجساد على الصليب في السبت، لأن يوم ذلك السبت كان عظيماً، سأل اليهود بيلاطس أن يُكسر سيقانهم ويُرفعوا، فأتى العسكر وكسروا ساقي الأول والآخر المصلوب معهُ وأما يسوع فلما جاءوا إليه لم يكسروا ساقيه لأنهم رأوه قد مات… والذي عاين شهد وشهادته حق، وهو يعلم أنهُ يقول الحق لتؤمنوا أنتم، لأن هذا لكي يتم الكتاب القائل عظم لا يُكسر منه ” ( يوحنا 19: 31 – 36 )
+ ” وقال الرب لموسى وهارون: هذه فريضة الفصح… في بيت واحد يؤكل، لا تخرج من اللحم من البيت إلى خارج وعظماً لا تكسروا منه ” ( خروج 12: 43و 46 )
+ ” يحفظ جميع عظامه. واحده منها لا ينكسر ” ( مزمور 34: 20 )
لقد افتدانا يسوع من الخطية التي ملكت بالموت مظهراً أن العبادة الحقيقية ليست تقدمة ذبائح الحيوانات، بل تقدمة الذات في سر الموت والقيامة مع المسيح لتتميم إرادة الله في البرّ والقداسة. وهذا ما يشرحه القديس بولس الرسول بقوله: ” لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع، قد أعتقني ( فكني – حررني) من ناموس الخطية والموت، لأنه ما كان الناموس عاجزاً عنه فيما كان ضعيفاً بالجسد [ ما لم يستطعه الناموس لعجزة بسبب الجسد ] فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ، ولأجل الخطية دان الخطية [ قضى على الخطية ] في الجسد، لكي يتم حكم ( برّ ) الناموس فينا ” ( رومية 8: 2 – 4 )
ولنفهم كلمات القديس بولس الرسول على ضوء النبوات التي تشرح سر عمل الله في قلوبنا بناموس روح الحياة في المسيح يسوع:
” هكذا قال رب الجنود إله إسرائيل سيقولون بعد هذه الكلمة في أرض يهوذا وفي مدنها عندما أرد سبيهم يباركك الرب يا مسكن البر يا أيها الجبل المقدس… لأني أرويتُ النفس المُعيية وملأت كل نفس ذائبة … ها أيام تأتي يقول الرب وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهداً جديداً. ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أمسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض مصر حين نقضوا عهدي فرفضتهم يقول الرب. بل هذا هو العهد الذي أقطعهُ مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب. أجعل شريعتي في داخلهم واكتبها على قلوبهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً. ولا يُعلمون بعد كل واحد صاحبه وكل واحد أخاه قائلين: اعرفوا الرب، لأنهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم يقول الرب. لأني أصفح عن أثمهم ولا أذكر خطيتهم بعد [ وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابته فيكم، ولا حاجة بكم إلى أن يُعلمكم أحد، بل كما تُعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء، وهي حق وليست كذباً. كما علمتكم تثبتون فيه ( 1بطرس 2: 27 ) ] ” ( أرميا 31: 23 ، 25 ، 27 – 34 )
” وأرش عليكم ماءً طاهراً فتطهرون من كل نجاساتكم ومن كل أصنامكم أطهركم. وأعطيكم قلباً جديداً واجعل روحي في داخلكم ( لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع، قد أعتقني ( حررني ) من ناموس الخطية والموت ) وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها… وتكونون لي شعباً وأنا أكون لكم إلهاً. وأخلصكم من كل نجاساتكم ” ( حزقيال 36: 25 – 29 )
” هكذا قال السيد الرب: هانذا أفتح قبوركم وأصعدكم من قبوركم يا شعبي وآتي بكم إلى أرض إسرائيل [ و أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع (أفسس 2 : 6) ]. فتعلمون إني أنا الرب عند فتحي قبوركم وإصعادي إياكم من قبوركم يا شعبي. واجعل روحي فيكم فتحيون، وأجعلكم في أرضكم فتعلمون أني أنا الرب تكلمت وأفعل يقول الرب ” ( حزقيال 37: 12 – 14 )
ومن خلال هذه النبوات وكلمات القديس بولس يتضح لنا أنه إذا تجدد الإنسان داخلياً بسر عمل الله في المسيح يسوع وتحوَّل بروح الله الذي يرسله الآب لنا باسم يسوع ليسكن ويحل فينا [ واجعل روحي فيكم فتحيون – و أما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء و يذكركم بكل ما قلته لكم (يو 14 : 26) ]، يستطيع (الإنسان المؤمن) بسهولة ومحبة أن يطيع مشيئة الله، فهي لم تعد إكراها وغصباً، لأنها لا تُفرض عليه من الخارج، بل صارت الشريعة، شريعة روح الحياة المحفورة بنور الله في القلب من الداخل، لتناسب الحياة الجديدة التي أخذناها بولادتنا الجديدة من فوق…
فالمسيح يسوع له المجد، اتخذ على وجه تام مصير وضعنا الخاطئ، بدون أن يكون هو خاطئ لأنه بار بالطبيعة، وببره يبرر الكثيرين: ” لأنه جعل الذي لم يعرف خطية، خطية لأجلنا، لنصير نحن برّ الله فيه ” ( 2كورنثوس 5: 21)، ” الذي حَمَلَ هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة، لكي نموت عن الخطايا فنحياللبرّ. الذي بجلدته شُفيتم ” ( 1 بطرس 2: 24 )، ” وتعلمون أن ذاك أُظهر لكي يرفع خطايانا ” ( 1يوحنا 3: 5 )، ” المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا. لأنه مكتوب: ” ملعون كل من عُلق على خشبة “، لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع. لننال بالإيمان موعد الروح ” ( غلاطية 3: 13 – 14 )
فقد صار الرب يسوع نفسه ذبيحة كفارة حقيقية كاملة تامة، وهنا تحقق كمال فعل الذبيحة القديمة في المسيح يسوع، فأُبطلت كل الذبائح وانتهت تماماً لأن المسيح نفسه وبذاته أي بشخصه الإلهي هو الذبيحة الحقيقية، والذي بموته حكم على الخطية في الجسد وقضى على فعلها وأفرغها من سلطانها وأبطل الموت الذي هو حكمها كنتيجة طبيعية ملازمة لها…
ففي ذبيحة الخطية في العهد القديم، يكشف موت الذبيحة المقدمة عوض الخاطي، عن الحكم الملازم للخطية، لأن الخطية خاطئة جداً ومن يفعلها يموت، لأن نتاجها الطبيعي الذي يتبعها وملازم لها هو الموت وهذ هي مشكلتها الحقيقية التي تتبعها، أما في المسيح يسوع، يتم إماتة الخطية في الجسد، ليُميت الجسد التي تعمل فيه الخطية، وبالتالي يفرغها من سلطانها إذ يصنع بحياته إنسان جديد فوقاني بجسد جديد لا يتعامل مع الخطية، فلا يعود لها سلطان لأنها ميتة والإنسان المؤمن في المسيح ميتة بالنسبة له، فلا يتعامل معها مرة أخرى لأن لا سلطان لها عليه، حتى لو ضعف وسقط، بل يقوم فوراً لأن الموت أُبتُلع لحياة ، ومن المستحيل أن يسود موت على حياة !!!
وتتوسع الرسالة إلى العبرانيين في معنى الفداء: [ لأنه إن كان دم ثيران وتيوس ورماد عجلة مرشوش على المنجسين، يُقدس إلى طهارة الجسد ( الطهارة الطقسية المطلوبة للاشتراك في العبادة القديمة )، فكم بالحري ( بالأولى ) يكون دم المسيح الذي بروح أزلي قدم ( بحرية ) نفسه ( قرباناً ) لله بلا عيب، يُطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحي ] ( عبرانيين 9: 13 و14 )
وبلا عيب في هذه الآية: تضع ذبيحة ربنا يسوع المسيح من جهة الأفضلية من كل الذبائح الحيوانية التي لم تقوى على طهارة النفس والضمير من الداخل، لأنها ذبيحة تحمل حياة الله وقوته فيها، ومن ذلك تأتي فاعليتها لتطهير الضمير واتحاد الإنسان بالله بالسر في المسيح يسوع.
والرسالة للعبرانيين توضح أن كل ذبائح العهد القديم ما هي إلا رمز لذبيحة العهد الجديد، بدم حي مُحيي يُعطي شفاء حقيقي:
” لأنه لا يمكن [ مستحيل ] أن دم ثيران وتيوس يرفع [ يُزيل ] الخطايا. لذلك عند دخوله إلى العالم [ المسيح ] يقول: ذبيحة وقرباناً لم تَرد، ولكن هيأت لي جسداً، بمحرقات وذبائح للخطية لم تُسرّ، ثم قلت: هنذا أَجيء في درج الكتاب مكتوب عني لأفعل مشيئتك يا الله، إذ يقول آنفاً [ أولاً ] إنك ذبيحة وقرباناً ومحرقات وذبائح للخطية لم تُرد، ولا سُررت بها، التي تُقَدَم حسب [ بموجب ] الناموس، ثم قال: هنذا أَجيء لأفعل مشيئتك يا الله، ينزع الأول [ العبادة الأولى ] لكي يُثبت الثاني، فبهذه المشيئة نحن مُقدسون بتقديم [ بالقربان الذي قُدمَ فيه ] جسد يسوع المسيح مرة واحدة ” ( عبرانيين 4 – 10 ) ( أنظر للأهمية إشعياء 53: 4 – 12 )
وفي العهد الجديد عموماً يظهر في موت الرب تحقيق النبوات القديمة، ولاسيما نبوه إشعياء عن عبد الرب [لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائرا في شبه الناس (في 2 : 7) ]الذي سيحمل خطايا كثيري: ( أنظر للأهمية إشعياء 53: 4 – 12 )
وهذا المعنى الذي نجده في العهد الجديد وفي الكنيسة الأولى لموت المسيح، قد عَبَّرَ عنه يسوع نفسه في العشاء الفصحي الأخير الذي تناوله مع تلاميذه فيقول بولس الرسول: ” لأنني تسلمت [ تقليد ] من الرب ما سلمتكم [ أنظر لوقا 22: 14 – 20 ] أيضاً: أن الرب يسوع في الليلة التي أُسلِمَ فيها أخذ خبزاً وشكر فكسر وقال: خذوا كلوا هذا هو جسدي [ يُعطى ] المكسور لأجلكم، أصنعوا هذا لذكري ” ( 1كو 11: 23،24 )
ويوضح القديس لوقا عبارة ” الذي هو لأجلكم ” بقوله: ” وأخذ خبزاً وشكر وكسر وأعطاهم قائلاً: هذا هو جسدي الذي يُبذل عنكم ( لأجلكم ) ” ( لوقا 22: 19 )؛ ” وكذلك الكأس أيضاً بعد العشاء قائلاً : هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يُسفك عنكم ( لأجلكم ) ( لوقا 22: 20 )
ويُضيف إنجيل متى الرسول: ” لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد، الذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا ” ( مت 26: 28 )
لقد رأى يسوع أن رفض اليهود لرسالته وحقدهم عليه [ بسبب كشفه لقلوبهم وضمائرهم ] سيقودهم إلى قتله، فانتظر الموت [ لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة (يو 12 : 27) ]، إلا أنه جعل من موته : لحظة مغفرة ومسامحة وغفران للذين سيقتلونه، فلقد أعطى موته معنى الفداء الحقيقي [ في الليلة التي سَلَمَ فيها نفسه ]، وبينما كان معه على العشاء يهوذا [ الذي سَلَمهُ للموت ] مُمثلاً حقد اليهود وخطايا العالم أجمع [ متى 26 : 21 – 25 ]
وقد شهد الرب عن نفسه قائلاً: ” أنا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه [ حتى الموت ] عن الخراف، وأما الذي هو أجير وليس راعياً، الذي ليست الخراف لهُ، فيرى الذئب مُقبلاً ويترك الخراف ويهرب، فيخطف الذئب الخراف ويُبددها، والأجير يهرب لأنه أجير ولا يُبالي بالخراف، أما أنا فإني الراعي الصالح وأعرف خاصتي، وخاصتي تعرفني ، كما أن الآب يعرفني وأنا أعرف الآب، وأنا أضع نفسي عن الخراف، ولي خراف أُخر ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتي بتلك أيضاً، فتسمع صوتي وتكون رعية واحدة وراعٍ واحد، لهذا يُحبني الآب لأني أضع نفسي لآخذها أيضاً، ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها من ذاتي، لي سلطان أن أضعها، ولي سلطان أن آخذها أيضاً. هذه الوصية قبلتها من أبي ” ( يوحنا 10: 11 – 18 )
فهو قبل موته يسبق ويُعطيه معنى الفداء، فيبذل حياته بحريته، يعطي جسده ودمه، لأجل أحباؤه وأعداءه، ويكسر الخبز ويقول: [ هذا هو جسدي الذي يُبذل لأجلكم ]
ويسكب الخمر في الكأس ويقول: [ هذا هو دمي الذي يُسفك عن كثيرين ]
وقال وحدد بدقة [ هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي ]
لقد أعطى يسوع حياته ليُنشئ عهداً جديداً بين الله والناس. وهكذا كان موته نقطة انطلاق لحياة جديدة في العالم، ومن البشرية التي قتلته بُعث شعباً جديداً مقدساً، وهم أولاً جماعة التلاميذ الذين آمنوا به وبذل يسوع حياته لأجلهم كما جاء في إنجيل لوقا: [ هذا هو جسدي الذي يُبذل لأجلكم ]
وهو أيضاً للعالم كله – بلا استثناء – بحسب ما جاء في متى ومرقس: [ هذا هو دمي الذي يُسفك عن كثيرين] ولفظة الكثيرين = الجميع، وكما قال القديس بولس الرسول: [ لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح الذي بذل نفسه فدية لأجل الجميع … ] ( 1 تيموثاوس 2: 5و6 ) .
+ تقدمة يسوع تُنشأ عهداً جديداً:
في الحقيقة أن تقدمة يسوع ذاته للموت أنشأت عهداً جديداً، والعهد يتضمن طقوساً وشريعة وشعب. فالعهد القديم أُنشئ بين الله وشعبه على يد موسى بواسطة دم الحيوانات [ كما قلنا سابقاً في خروج 24: 8 ” وأخذ موسى الدم ورشه على الشعب وقال : هوذا دم العهد الذي عاهدكم به الرب على جميع هذه الأقوال ” ]، أما يسوع رب المجد الله المتجسد أنشأ عهداً جديداً بدمه الخاص، [ ” دم كريم كما من حمل بلا عيب و لا دنس دم المسيح ” (1بط 1 : 19)، ” دم المسيح الذي بروح أزلي قدم نفسه لله بلا عيب يطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحي ” (عب 9 : 14) ]
والعهد القديم كان مبنياً على شريعة أُعطيت لموسى [ الناموس بموسى أُعطى ]، أما العهد الجديد فمبني على تعاليم الرب يسوع التي تُكتب لا على حجر بل في القلب [ ” لأن هذا هو العهد الذي أعهدة مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب أجعل نواميسي في أذهانهم وأكتبها على قلوبهم وأنا أكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً ” (عب 8 : 10) ( إرميا 31: 33 ) ]، وتعاليم الرب ليست تعاليم كلامية تُحفظ في الفكر كمعلومة لها بريقها ورونقها، بل هي قوة حياة تُحيي النفس ، معها نعمة قوية تعمل في القلب سراً، فتنقي القلب وتُحيي الأموات بالخطايا والذنوب، وترفع الإنسان لمستوى الشركة مع الله بالحب [ أنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذي كلمتكم به (يو 15 : 3) الكلام الذي أكلمكم به هو روح و حياة (يو 6 : 63) ]، ولذلك قال في إنجيل يوحنا موضحاً أن الناموس بموسى أُعطيَّ، أما النعمة والحق فبيسوع قد صارا ( يوحنا 1: 17 )
وفي العهد القديم نشأ مع موسى شعب الله المكوَّن من الشعب اليهودي، أما في العهد الجديد فنشأ بالمسيح شعب الله الجديد، جنس مختار كهنوت ملوكي أمة مقدسة بدم ابن الله الحي القدوس، وصار كل من يؤمن رعية مع القديسين وأهل بيت الله [ ” و أما انتم فجنس مختار و كهنوت ملوكي أمة مقدسة شعب اقتناء لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب ” (1بط 2 : 9)، ” فلستم إذاً بعد غرباء و نزلاء بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله ” (اف 2 : 19) ]
فالرب يسوع المسيح ملك المجد، صليبه صار نبع الغفران للجميع، لكل من يؤمن، ويصير به الكل مُصَالح مع الله [ وأنا أن ارتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع ” ( يوحنا 12: 32 ) ]
فالمسيح ابن الله الكلمة المتجسد لم يمت فقط عن الأمة اليهودية، بل عن الجميع كما قال القديس يوحنا الرسول: [ فجمع رؤساء الكهنة والفريسيون مجمعاً وقالوا: ماذا نصنع فإن هذا الإنسان يعمل آياتٍ كثيرة، إن تركناه هكذا يؤمن الجميع به، فيأتي الرومانيون ويأخذون موضعنا وأُمتنا، فقال لهم واحدٍ منهم وهو قيافا، كان رئيس للكهنة في تلك السنة: أنتم لستم تعرفون شيئاً ولا تفكرون أنهُ خيرٌ لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها.
ولم يقل هذا من نفسهُ بل إذ كان رئيساً للكهنة في تلك السنة، تنبأ أن يسوع مزمع أن يموت عن الأمة وليس الأمة فقط بل ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد ( يوحنا11: 47 – 52 ) ]
وعندما طُعن أحد الجنود الرب [ ولكن واحداً من العسكر طعن جنبه بحربة فللوقت خرج دمٍ وماء ( يوحنا 19: 34 ) ] فالكنيسة، شعب العهد الجديد، وُلِدت من آلام يسوع الخلاصية، بسر الماء والدم، وُلِدَت من فيض محبة الله التي ظهرت لنا في موت يسوع المسيح، وهي تترعرع وتنمو بقدر ما تشترك في تلك المحبة وتُحققها في حياتها .
لقد عاش يسوع تلك المحبة بتقدمة ذاته على الصليب، ويطلب من كل من يُريد أن يتبعه ويتتلمذ لهُ أن يدخل في تيار محبته: [ وقال للجميع ( لم يستثني أحد ) إن اراد أحد أن يأتي ورائي ( يتبعني ) فليُنكر نفسه، ويحمل صليبه كل يوم ( وكل يوم يعني شريعة يومية دائمة لحياة المسيحي الحقيقي ) ويتبعني ( لوقا 9: 23 ) ]
وفي العشاء السري طلب يسوع من تلاميذه أن يأكلوا جسده ويشربوا دمه [ خذوا كلوا، هذا هو جسدي … اشربوا من هذا كلكم، هذا هو دمي … ]، لأن كل من يأكل – بالإيمان – ذبيحة المسيح ابن الله الكلمة المتجسد والقائم بمجد عظيم، يدخل في جميع معاني هذه الذبيحة المقدسة جداً ويلتزم بكل متطلباتها ، فيقدم حياته مع المسيح [ مع المسيح صلبت ] ويغفر ويحب كما غفر المسيح لصالبيه، وهكذا يتحقق فيه العهد الجديد الذي أنشأه المسيح يسوع بدمه الكريم بين الإنسان والله، عندما تسري في عروقه حياة الله، حياة المحبة والغفران، وهكذا يتحقق على مدى الزمن والتاريخ الخلاص الذي حققه يسوع بموته على الصليب ,
عموماً، إن ذبيحة المسيح – له المجد – على الصليب هي ذبيحة كاملة ونهائية للتكفير عن خطية الإنسان وخلاصه، فالذبائح جميعها – في العهد القديم – لم تكن إلا رمزاً لذبيحة المسيح النهائية والكاملة، فلم يكن الناموس بكل ذبائحه وفرائضه وأحكامه [ بقادر أن يُحيي ]، بل كان الناموس “مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان ” ( غلاطية 3: 21 و 24 )، [ لأنه لا يُمكن ( مستحيل ) أن دم ثيران وتيوس يرفع خطايا… نحن مقدسون بتقديم جسد يسوع المسيح مرة واحدة. وكل كاهن يقوم كل يوم يخدم ويقدم مراراً كثيرة تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية، أما هذا ( المسيح ) فبعد ما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله…لأنه بقربان واحد قد أكمل إلى الأبد المقدسين ] ( عبرانيين 10: 4 14 )
ومن ثَمَّ فقد أبطلت ذبيحة المسيح يسوع كل الذبائح القديمة، التي كانت تقدم مراراً وتكراراً ولا تقدر أن تنزع الخطية لا من فكر الإنسان ولا من ضميره، فقد تعددت ذبائح العهد القديم – كما سنرى لا حقاً – لأن ذبيحة واحدة لم تكن كافية للتعبير عن الجوانب المختلفة لذبيحة المسيح، ونجد أسفار العهد الجديد [ ما عدا يعقوب ويهوذا ] تُشير إلى موت المسيح كذبيحة الكاملة عن الخطية ، وقد أشار المسيح يسوع نفسه ثم الرسل إلى ذلك ، فإليه كانت ترمز وتُشير :
(1) ذبيحة العهد [ مرقس 14: 24 ؛ متى 26: 28 ؛ لوقا 22: 20 ؛ عبرانيين 9: 15 – 22 ]
(2) المحرقة [ أفسس 5: 2 ؛ عبرانيين 10: 4 – 9 ]
(3) ذبيحة الخطية [ رومية 8: 3 ؛ 2كورنثوس 5: 21 ؛ عبرانيين 13: 11 ؛ 1بطرس 3: 8 ]
(4) خروف الفصح [ 1كورنثوس 5: 7 ؛ يوحنا 1: 29 و 36 ]
(5) ذبيحة يوم الكفارة [ عبرانيين 2: 17 ؛ 9: 12 – 14 ]
_______________وفي الجزء القادم سنتكلم عن
ذبيحة الصليب في ضوء ذبائح العهد القديم
تابع دراسة في الذبائح (9) يسوع يقدم نفسه ذبيحة.
تابع (1) مقدمـــــــــــــــة عامة
للرجوع الى الجزء الثامن أضغط هنـا.
أ – تمهيــــــــد
نجد في العهد الجديد أن يسوع عندما كان يُنبئ عن آلامه، يستخدم نفس ذات الكلمات والألفاظ التي كانت تتميز بها ذبيحة التكفيرية التي ذُكرت في سفر إشعياء النبي:
إنه يأتي ” ليخدم ” διακονηθηναι – to serve ، ” يبذل حياته – يبذل نفسه – يعطي حياته ” δοναιτήν ψυχήν – to give life ، ويموت ” فداءً ” λύτρον – ransom/an atonement عن كثيرين [ يفتدي أسير أو يحرر أسير – يكفر بالآلام والموت ]
” لأن ابن الإنسان أيضاً لم يأتِ ليُخدم، بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين ” ( مرقس 10: 45 )
” لأني أقول لكم إنه ينبغي ( يجب – يتحتم ) أن يتم فيَّ أيضاً المكتوب وأُحصيَّ مع أثمه ” ( لوقا 22: 37 )
” وأما الرب فسُرَّ بأن يسحقه بالحزن. إن جعل نفسه ذبيحة إثم… من تعب نفسه يرى ويشبع، وعبدي البار بمعرفته يُبرر كثيرين، وآثامهم هو يحملها لذلك أقسم له بين الأعزاء… من أجل أنه سكب للموت نفسه ( بذل نفسه ) وأُحصيَّ مع أثمه، وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين ” ( إشعياء 53: 10 – 12 )
وفضلاً عن ذلك ففي العشاء الفصحي الأخير، يؤكد الرب يسوع المسيح على وجود علاقة مقصودة ومحدده بين موته وذبيحة الحمل الفصحي. ولنتتبع قول الرب في الأناجيل ونلاحظ ما قيل بترتيب عجيب:
1 – ” وكان فصح اليهود قريباً فصعد كثيرين من الكور إلى أورشليم قبل الفصح ليطهروا أنفسهم فكانوا يطلبون يسوع ويقولون فيما بينهم وهم واقفون في الهيكل ماذا تظنون هل هو لا يأتي إلى العيد وكان أيضاً رؤساء الكهنة والفريسيون قد أصدروا أمراً إن عرف أحد أين هو فليدل عليه لكي يمسكوه ” ( يوحنا 11: 55 – 57 )
2 – ” ثم قبل الفصح بستة أيام أتى يسوع إلى بيت عنيا حيث كان لعازر الميت الذي أقامه من الأموات فصنعوا له هناك عشاء.. ” ( يوحنا 12: 1و2 )
3 – ” تعلمون أنهُ بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يُسّلَّم ليُصلب [ صيغة مبني للمجهول، الآب يُسَلَّم لأنه هو الباذل بالمحبة، والابن يُسلَّم ذاته بإرادته وسلطانه بنفس ذات محبة الآب ] ” ( متى26: 2 )
4 – ” وأما يسوع قبل عيد الفصح [ الفصح يعني العبور، وهنا الإشارة إلى عبور المسيح الموت، وهذا هو الفصح الحقيقي، أي الانتقال من الوضع الحاضر إلى المشاركة في مجد الآب بالبشرية التي اتحد بها في سر تجسده، بالقيامة والصعود] وهو عالم أن ساعته قد جاءت (( يعي الرب وعياً تاماً بمجيء ساعته وأهمية الأحداث التي ابتدأت ويستقبلها بملء حريته وإرادته )) لينتقل من هذا العالم إلى الآب إذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم أحبهم إلى المنتهى ” ( يوحنا 13: 1 )
وأخيراً يرجع صراحة إلى خروج 34: 8، مبيناً الصورة التي استخدمها موسى: ” دم العهد “:
” وأخذ موسى الدم ورش على الشعب وقال : هوذا دم العهد דַם־הַבְּרִת الذي قطعه الرب معكم على هذه الأقوال ” ( خروج 24: 8 )
” وقال لهم يسوع : هذا هو دمي الذي للعهد covenant الجديد αἷμά μου τῆς διαθήκς الذي يُسفك من أجل كثيرين ” ( مرقس 14: 24 )
على أن الإشارة هنا إلى الحمل الذي يُخلّص بدمه الشعب اليهودي، وإلى ذبائح سيناء التي تُثبت العهد القديم، وإلى موت العبد التكفيري، وهي إشارة تؤكد بوضوح طابع الذبيحة في موت الرب يسوع: [[ فهذا الموت الذي يموته المسيح – له المجد – ليس كذبائح العهد القديم تفيد مقدمها إلى طهارة الجسد وتعجز عن تطهير الضمير وتغيير القلب من الداخل، بل موته يُفيد الجميع ويعطي غفران الخطايا وغسل الضمير من الداخل ، فبذبيحته يكرس العهد النهائي وميلاد شعب جديد ، بل وموته يصبح ينبوعاً للحياة … ]]
أما الإفخارستيا التي أُسست لتجعل قربان الصليب الواحد حاضراً كذكرى ( άνάμνησις anamnesis) في إطار مائدة مقدسة، فهي تربط الطقس المسيحي الجديد بذبائح وحدة الاتحاد القديمة والتي كانت تحمل في طياتها رمز الذبيحة الجديدة والنهائية :
+ ” وتأخذ دقيقاً وتخبزه اثنى عشر قُرصاً عُشرين يكون القرس الواحد ، وتجعلها صفين ، كل صف ستة على المائدة الطاهرة أمام الرب ، وتجعل على كل صف لُباناً نقياً فيكون للخبز تذكاراً وقوداً للرب ” ( لاويين 24: 5 – 7 )
وعلى هذا النحو فإن تقدمة يسوع المسيح في واقعها الدموي وتعبيرها السري ، توجز وتُتمم تدبير الذبائح في العهد القديم : فهي في وقتٍ واحد
* محرقة ὁλοκαύτωμα
Holocaust – a whole burnt-offering
تقدمة ( قربان = ذبيحة ) صحيحة وسليمة ، غير مكسورة أو مقسومة ، تُقدم لتُحرق بالتمام ، بتمامها ( وسوف نشرحها بالتفصيل الشديد حينما نتكلم عن ذبيحة المحرقة وطقس تقديمها )
* وتقدمة كفارة ، وذبيحة اتحاد
التقدمة προσΦορά ؛ الذبيحة θύσια
الذبيحة = فعل التقدمة مضافاً إليه عنصر الألم حتى الموت
ونلاحظ الفرق ما بين ” التقدمة ” و” الذبيحة “:
فالتقدمة تتم أولاً، لأن الرب يسوع قدم نفسه أولاً بحريته وإرادته وحده، ثم تُرفع كذبيحة أمام الله، وهذا ورد في التقليد الليتورجي القديم، فأن القداس الإلهي يبدأ بتقديم الحمل، وهذا هو عمل ليتورجي قائم بذاته، ثم يليه قداس الذبيحة .
+ ففي تقديم الحمل يتحول بالسرّ الغير المادي الخبز والخمر إلى حمل مُهيأ للذبيحة θύσια، وفي القداس ندخل في سر الحمل المذبوح، وتُرفع الذبيحة بالتقدمة προσΦορά
وفي الجزء القادم سنتكلم عن
يسوع يقدم نفسه ذبيحة – يسوع المسيح حمل الله
الله يدعو على نفسه بالهلاك والويل! – صفات الرب في المسيحية
الله يدعو على نفسه بالهلاك والويل! – صفات الرب في المسيحية
دائماً اخوتي الاحباء نجد قوة الكتاب المقدس. وهشاشة طارح الشبهة من خلال الردود فلم نجد كتاباً احتمل النقد علي مدار السنين والاضطهاد مثل الكتاب المقدس! بل تحمل الكثير من الافترائات والظلم لكنة يبقي قوياً لا يتزعزع! لذالك يستحق ان يطلق عليه منفرداً الكتاب ونفهم انه الكتاب المقدس كلمة الله الحية والفريدة والامضي من كل سيف ذو حدين تخترق النفوس وتغير الانسان من الاسوء للافضل علي عكس بعض الكتب الاخري التي تغير من الافضل للاسوء انه…… كلمة الله الحقيقية
زعم طارح الشبهة ان الله يدعو علي نفسة بالهلاك ولا ادري هل هذا تدليس ام جهل بالكتاب؟ فاني تعجبت ان الشبهة لها رواج كبير في المواقع الاسلامية ويبدو ان لا احد يبحث بل ينقلون بدون النظر من الاصل؟!
يقول المعترض:
إقتباس:
الله يدعو على نفسه بالهلاك والويل !!! وهذا طبقاً لما ورد في سفر ارميا [ 10 : 18 ] يقول كاتب السفر : ” لأنه هكذا قال الرب. . . ويل لي من أجل سحقي.ضربتي عديمة الشفاء. فقلت إنماهذه مصيبة فأحتملها. خيمتي خربت وكل أطنابي قطعت.
بني خرجوا عني. ليس من يبسط بعد خيمتي ويقيم شققي. “أي عاقل يمكن أن يتصور ويقبل أن الذات الالهية المباركة تقول ويل لي من أجل سحقي ؟!! والسحق هو البعد والهلاك ومنه قوله سبحانه وتعالى عن اصحاب جهنم : ” فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير “
دعونا نقر الاصحاح
الذي يبين مدي التدليس والكذب في طرح الشبهة يقول الكتاب
الاصحاح العاشر من سفر ارميا
اسمعوا الكلمة التي تكلم بها الرب عليكم يا بيت اسرائيل. هكذا قال الرب لا تتعلموا طريق الامم ومن ايات السماوات لاترتعبوا لان الامم ترتعب منها. لان فرائض الامم باطلة لانها شجرة يقطعونهامن الوعر صنعة يدي نجار بالقدوم. بالفضة والذهب يزينونها وبالمسامير والمطارق يشددونها فلا تتحرك. هي كاللعين في مقثاة فلا تتكلم تحمل حملالانها لا تمشي لا تخافوها لانها لا تضر ولا فيها ان تصنع خيرا. لا مثل لكيا رب عظيم انت وعظيم اسمك في الجبروت. من لا يخافك يا ملك الشعوب لانه بكيليق لانه في جميع حكماء الشعوب وفي كل ممالكهم ليس مثلك. بلدوا وحمقوامعا ادب اباطيل هو الخشب.
فضة مطرقة تجلب من ترشيش وذهب من اوفاز صنعةصانع ويدي صائغ اسمانجوني وارجوان لباسها كلها صنعة حكماء. اما الربالاله فحق هو اله حي وملك ابدي من سخطه ترتعد الارض ولا تطيق الامم غضبه. هكذا تقولون لهم الالهة التي لم تصنع السماوات والارض تبيد من الارض ومنتحت هذه السماوات. صانع الارض بقوته مؤسس المسكونة بحكمته وبفهمه بسطالسماوات.
اذا اعطى قولا تكون كثرة مياه في السماوات ويصعد السحاب من اقاصي الارض صنع بروقا للمطر واخرج الريح من خزائنه. بلد كل انسان منمعرفته خزي كل صائغ من التمثال لان مسبوكه كذب ولا روح فيه. هي باطلة صنعةالاضاليل في وقت عقابها تبيد. ليس كهذه نصيب يعقوب لانه مصور الجميع واسرائيل قضيب ميراثه رب الجنود اسمه.
اجمعي من الارض حزمك ايتها الساكنة في الحصار. لانه هكذا قال الرب هانذا رام من مقلاع سكان الارض هذه المرة واضيق عليهم لكييشعروا.ويل لي من اجل سحقي ضربتي عديمة الشفاء فقلت انما هذه مصيبةفاحتملها. خيمتي خربت وكل اطنابي قطعت بني خرجوا عني وليسوا ليس من يبسطبعد خيمتي ويقيم شققي. لان الرعاة بلدوا والرب لم يطلبوا من اجل ذلك لمينجحوا وكل رعيتهم تبددت. هوذا صوت خبر جاء واضطراب عظيم من ارض الشماللجعل مدن يهوذا خرابا ماوى بنات اوى.
عرفت يا رب انه ليس للانسان طريقه ليسلانسان يمشي ان يهدي خطواته. ادبني يا رب ولكن بالحق لا بغضبك لئلاتفنيني. اسكب غضبك على الامم التي لم تعرفك وعلى العشائر التي لم تدعب اسمك لانهم اكلوا يعقوب اكلوه وافنوه واخربوا مسكنه
يا لها من كارثة ينقلون دون فهم!! من المتكلم عزيزي هل هو الله ام ارميا يتكلم بارشاد الروح القدس!!!
كلام الرب لارميا: باللون الاحمر
وكلام ارميا باللون: الازرق القاتم
فمن هو الذي سيتحمل المصيبة؟؟ واي مصيبة يقصد اظن عزيزي ان التفاسير توضح وتشرح لهذا الشخص المدلس جيداً
يقول ويسلي
ان النبي هنا يشخص شكوي الناس في الارض ويوضح تفسير جيل
ملخص يقول ويل لي من اجل انسحاقي فجروحي دي لا شفاء منه, ولكن قلت هذه مصيبة وعلي ان اتحملها, خبائي تهدم واطنابي تقطعت وهجرني ابنائي ولم يعد ليهم وجود يقول ومع الذين تعاطف النبي معهم بحرارة,ونظر الى مصائبهم وكربهم لهؤلاء كانت اقوال النبي
وهذا ما ياكدة تفسير بول وجميع التفاسير
يقول القمص انطونيوس فكري
هذه الأيات لمن بقى في يهوذا وهنا تهديد بضربة قادمة وفي (17) الأفضل لهم أن يهربوا من أورشليم ويجمعوا حزمهم = أي ممتلكاتهم فلا أمان داخل أسوار أورشليم وقت الحصار وفي (18) وحتى لو هربوا فالله سيضيق عليهم لكى يشعروا = بغضبى على خطيتهم. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والتفاسير الأخرى). رامٍ من مقلاع السكان = أي أن الله سيطردهم من الأرض ويقذفهم منها كما من مقلاع فهم قد نجسوها.
أية (19) هذه مرثاة للنبى
ولكن كلمة مصيبة فأحتملها أنه يحتمل لكن عن غير إقتناع ثم في (20) تُصوَر أورشليم القوية كخيمة (الخيمة تشير لأجسادنا (2كو1:5) فهل نفسد خيمتنا بخطايانا) قُلِعَتْ من مكانها فالكل زال، شعب ومساكن وقصور وكلْ أطنابى = أي الحبال التي تثبت الخيمة وهذه تشير لملكها وجيشها ورؤسائها وهيكلها وثروتها وشعبها فمن يقيم شققى = الشقق تعنى الستائر أي زينتها من يعيدها وهي لا شعب لها وإلهها قد غادرها.
وفي (21) يذكر السبب الأولَى، خطية القادة = الرعاة بلدوا والسبب عبادتهم للأوثان (مثل أية 14) والرب لم يطلبوا = فمن يتبع الأوثان البليدة يصير مثلها بليداً أي غبياً، والبشر ينقسمون قسمين إما قديسين لأنهم يتبعون الله أو شهوانيين يتبعون الشيطان والذين لا يتبعون الله يفشلون وفي (23) ليس للإنسان طريقه = الله ضابط الكل وحتى نبوخذ نصر ما هو إلا أداة في يد الله لتأديب هذا الشعب. وهذا الشعب الخاطىء ليس حراً بل هو كإبن عليه أن يخضع ليد الله التي تؤدبه.
والخطية عقابها في ذاتها فبعد اللذة الوقتية يجىء الغم. هذا نتيجة طبيعية لوجود الشيطان في هذا المكان. أما لو وُجد الله يأتى معه السلام والفرح. وهذا الشعب نتيجة خطيته إزداد غماً وأحسَ بالفشل وأدرك الخراب فقال في (19) ويل لى من اجل سحقى ضربتى عديمة الشفاء. ولكن بعد ذلك عرف النبى أن هذه الضربات التي قال عنها أنها مصيبة وعليه أن يحتملها دون إقتناع أن فيها شفاؤه وخلاصه وأن الإنسان لا يختار طريقة شفائه = ليس للإنسان طريقه (23) فهذا العدو القادم من الشمال (22) إنما هو في يد الرب لشفاء مرض الشعب.
حينئذ تغير كلام النبى وإستحسن تأديبات الله مهما كانت قاسية = أدبنى يا رب بالحق = فكل ما تعمله هو حق وعدل وحب. ولكن لا تؤدبنى بغضبك فأنا لا أحتمل غضبك بل سأحتمل عصا التأديب التي في محبة ” فكل من يحبه الرب يؤدبه. أما هؤلاء الذين ظلمونى وضربونى فلتسكب غضبك عليهم (سواء البابليين أو من يرمزون إليهم أي الشياطين) فنحن حين نقرأ طلب اللعنات على أعداء الله وأعداء الشعب فلنفهم أنهم رمز للشياطين. وتعتبر كلمات النبى هنا نبوة عن ما سيحدث للبابليين أيضاً. (أية 25).
وبنهاية الإصحاح العاشر ينتهى العتاب العلنى في الهيكل.
نجد ان المتكلم ارميا ينقل لهم اقوال الرب
يقول التفسير التطبيقي إر ٧ : ١ – ١٠ : ٢٥
يستهل هذا الجزء بإرسال الله لإرميا إلى باب الهيكل لمواجهة الاعتقاد الكاذب بأن الله لن يسمح بأي أذى يصيب الهيكل أو الذين يعيشون بالقرب منه. ويوبخ إرميا الشعب على ديانتهم الكاذبة التي لا قيمة لها، وعلى وثنيتهم والسلوك المخزي من الشعب وقادتهم. ويقول إن يهوذا قد نضج للدينونة والنفي.
وقد حدث هذا في عهد الملك يهوياقيم الذي كان ألعوبة في يد مصر، وكانت الأمة، في وسط صدمتها بموت يوشيا، تمر بنكسة روحية قضت على الكثير من الأمور الصالحة التي عملها يوشيا. فالمواضيع التي يتناولها هذا القسم هي الديانة الكاذبة، والوثنية، والرياء. وكاد إرميا أن يقتل بسبب هذه الأقوال، ولكنه نجا بتدخل رؤساء يهوذا (ارجع إلى إر ٢٦).
إر ١٠ : ١٩-٢١
يستخدم إرميا في هذا الفصل صورة البدو وهم يتجولون في الصحراء يحاولون نصب خيامهم. ورعاة الأمة هم قادتها الأشرار المسئولون عن المحنة، والرعية هم شعب يهوذا، وبدلا من قيادة الشعب إلى الله، كان القادة يقودونهم إلى الضلال
ونجد
يقول القمص تادرس يعقوب ملطي
“لأنه هكذا قال الرب:
هأنذا رامٍ من مقلاع سكان الأرض هذه المرة (في هذا الوقت عينه)،
وأضيق عليهم لكي يشعروا” [18].
لقد انتهي وقت الإنذارات المتكررة، وجاء وقت التأديب، لهذا يلقي الله بشعبه في السبي كمن ُيلقى بحجر من مقلاع، كأنه بلا قيمة، ويذهب بلا رجعة!
هذا هو حال كل نفسٍ ترتبط بالأرض لا بخالقها، يحملها الخالق كما بمقلاع ليلقى بها خارج الأرض التي أوجدها لأجلها! من يتعبد للأرضيات عوض تقديم الشكر لواهبها يفقد حتى هذه الأرضيات!
تعاتب مملكة يهوذا المنهارة بنيها الذين حطموها وهربوا، ورعاتها الذين صاروا في بلادة، قائلة:
“خيمتي خربت وكل أطنابي ُقطعت،
بنيَّ خرجوا عني وليسوا.
ليس من يبسط بعد خيمتي ويقيم ُشققي” [20].
أخشى أن ينطبق علينا قول إرميا النبي [20]، بعدما نصير في الرب خيمة مقدسة نعود فنخربها، ونقطع ُربطها، فيتحول البنون العاملون لحساب الخيمة إلى طاقات للهدم.
خراب الخيمة يشير إلى هلاك الجسد الذي خلقه الله صالحًا ليكون مع النفس مسكنًا لروحه القدوس. هو انحراف الإنسان ككل عن الحياة السماوية اللائقة به إلى حياة أرضية. لذا يقول الرسول بولس: “ولا تشاكلوا هذا الدهر، بل تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ماهيإرادة الله الصالحة المرضية الكاملة” (رو 12: 2).
وبنهاية الإصحاح العاشر ينتهى العتاب العلنى في الهيكل.
عزيزي نجد ان الكلام مرثاة ارميا وليس ان الله يدعو علي نفسة بالهلاك والبعد فالكلمة تعني!!
قاموس استرونج
تعني مجازياً خراب انكسر تدمر مآٍساه
وجاءة في النص بمعني hurtحسب قاموس kjcفالكلمة تعني جرحي ألمي
فليس كما ادعي طارح الشبهة فيتحطم علي دفتي الكتاب المقدس
فشبهة واهية تتلخص في:
ان ارميا المتكلم ومعني كلمة انسحاقي جرحي ألمي وليس كما زعم المعترض
