الكنيسة فى العصور الاولى – القس اثناسيوس اسحق حنين

الكنيسة فى العصور الاولى – القس اثناسيوس اسحق حنين

الكنيسة فى العصور الاولى – القس اثناسيوس اسحق حنين

الكنيسة فى العصور الاولى بين المواهب اللاهوتية والروحية والتدبيرات المادية والحياتية – القس اثناسيوس اسحق حنين

 

أمن المسيحيون الاوائل بأن الخليقة الجديدة للانسان هى أساس   السلوك الجديد وان الروح النارى هو الذى يدبر امورهم الروحية والجسدية  فى الكنيسة و فى العالم  باجتهاد وان  القوة التى تخرج  من هاتين اليدين اللتان تعملان فى ضفر الخوص انما هى قوة  الروح القدس  العامل فى اليد البشرية  [1]

 وامنوا يقينا ان ألله هو العامل فيهم لكى  يريدوا ويعملوا من اجل المسرة(فى 2: 13 ) اى انهم ادركوا ان الثيؤلوجيا تتحول فى الانسان الجديد بالروح الى ايكونوميا الى مواهب وخاريسماتا وعن هذه الخليقة الجديدة يقول القديس كيرلس الكبير (لان الله الاب فى البدء بكلمته أخذ من تراب الارض-كما هو مكتوب-وخلق الانسان كائنا حيا له نفس عاقلة حسب ارادته وأناره بنصيب من روحه ونفح فى أنفه نسمة الحياة (تك 2-7)

ولكن عندما سقط الانسان بعصيانه واستعبدته قوة الموت فقد كرامته القديمة أعاده الله الأب وجدده الى الحياة الجديدة بالابن مما كان فى البدء ؟ وكبف جدده الابن ؟ بموته بالجسد ذبح الموت وأعاد الجنس البشرى الى عدم الفساد عندما قام من الموت لأجلنا ولكى نعلم أنه هو هو الذى فى البدء خلقنا وختمنا بالروح القدس لذلك يمنح مخلصنا الروح القدس من خلال العلامة المنظورة أى نفخته للرسل القديسين لانهم باكورة الطبيعة البشرية المجددة)[2].

العلاقة الجدلية بين المواهب والتدبير فى العهد الجديد

حاول بعض اللاهوتيين من عصر الاصلاح ايجاد شرخ كبير فى العهد القديم بين الكاهن والنبى على اساس ان الاول مشغول بطريقة روتينية وعقيمة بالطقوس وسماع صوت الناموس والثانى مشغول بأقتناء المواهب الروحية وبالاصلاح والسماع لصوت الرب على راسهم أدولف هارناك اللاهوتى الالمانى الذى راى ان هناك قسمان من الوظائف فى الكنيسة الوظيفة الاولى روحية وخاريسماتيكية اى موهباتية وتبشيرية والوظيفة الثانية ادارية محصورة فقط فى التنظيمات والادارة وهو يرجع فى ذلك الى الفصول 11  و12 من الديداكى وقام كثير من العلماء بالرد على  على   اراء هارناك[3]

ولكن فى الواقع ليس الامر بهذه الدرجة لان الكثير من الانبياء كانوا كهنة موهوبين والكهنة انبياء والكنيسة وجدت كمستودع  مواهب بالروح الواحد(1كو 12)[4]. والطقس اذا مورس بالروح يصير معهدا عاليا لتخريج المواهب الروحية ولقد رأى بعض الباحثين مستندين على شهادة المؤرخ يوسابيوس القيصرى على ان نفس التوتر بين روح المؤسسة وروح الخاريسما قد ظهر فى بدايات ظهور الحركة الرهبانية فلقد كانت الرهبنة فى بداياتها خاريسماتيكية اى عفوية تنصت لصوت الروح وتستجيب لدعوة الكلمة الالهية وتهيم على وجهها فى البرية طالبة وجه الرب كما حدث مع القديس انطونيوس

ولما ادركت الكنيسة التى كانت قد خرجت من الاضطادات وبدأت فى ترتيب البيت من الداخل وادركت الاهمية الكبرى للطاقات الروحية والمواهب اللاهوتية والعلمية والروحية الخاريسماتيكية لخدمة الكنيسة بدأت  على يد القديس اثناسيوس الذى ادرك ما لشخصية انطونيوس من خاريسما روحانية فتتلمذ لها وحرر اللاهوت القبطى من التجاوزات الفلسفية التى اوقعها فيها اوريجينوس واكليمنضس وورد اللاهوت واللاهوتيين الى دموع اباء البرية ووضع اللبنات الأولى للاهوت اللوغوس الواقعى..

ويرى المتخصصون فى اثناسيوس وعلاقته بانطونيوس بأن القديس اثتاسيوس حينما كتب سيرة انطونيوس انما كان يضع المنهج التدبيرى والاكليسيولوجى للمواهب الكبيرة  اللاهوتية والروحانية التى افرزتها الحركة الرهبانية وهنا تم مأسسة الحركة الرهبانية فى اطارها الكنسى ولقد كانت الحركة الرهبانية سبب بركة روحية ولاهوتية وتدبيرية كبيرة للكنيسة

وقدم اثناسيوس فى شخص انطونيوس الراهب المثالى الحر روحيا والملتزم كنسيا الناسك المتوحد فى اقسى معنى للتوحد والملتزم انين الروح و شئون العالم بالروح والذى ينزل الى الاسكندرية ويقف أمام المحاكم لمساعدة المظلومين والذى لا يشغله  شئ غير حب المسيح(ورد اسم السيد المسيح له المجد اكثر من مائة مرة فى سيرة الانبا انطونيوس للقديس اثناسيوس) ورأسه فى السماء وينحنى أمام اصغر دياكون(اى يحترم المؤسسة الكنسية)

رغم قامته الروحية العالية ووسط التيارت الثقافية السائدة حرص اثناسيوس على تقديم انطونيوس كصديق للمثقفين والفلاسفة يأنسون اليه ويحاورونه ليضفوا طرواة روحانية على قساوة العقل وجموحه وليس ذلك فقط بل ان الاهم ان انطونيوس كان على دراية خاريسماتيكية وواقعية بخطورة بدعة اريوس وانشقاقات المونتانيين

ويذكر لنا التاريخ الزيارة التى قام بها رهبان البرية الى الاسكندرية للحوار مع البطريرك ثيؤفيلوس حول تفسيره الرمزى للاية (لنعمل الانسان على صورتنا كشبهنا)تك 1 :26 طالبين التمسك بالتفسير الحرفى للاية  ضد التفسير الاورجينى الرمزى ولقد عرف هؤلاء الرهبان فى التاريخ الكنسى بأسم (الانثروبومورفيتيس)

فرغم تأسس الحركة الرهبانية الا ان البرية ظلت هى ترمومتر الدقة فى حرية حرارة الكنيسة اللاهوتية والروحية والتدبيرية ونستطيع ان نتكلم عن المؤسسة الخاريسماتيكية والخاريسما المؤسساتية فى وحدة بلا تشويش ولا خلط للادوار ولا تقزيم للمواهب ولا عملقة للاقزام ولهذا حرصت الرهبنة الاولى على عدم رسامة الرهبان كهنة الا للضرورة القصوى وحديثا قال سياسى لامع(Absolute pwer corruptabsolutly.[5]

ولكى ندرس بعمق العلاقة الجدلية بين اللاهوت والمواهب فى الكنيسة الاولى لابد بادئ ذى بدء ان نتعرف على معنى وفحوى الكنيسة ما هى الكنيسة ؟

الكنيسة هى المعمل الذى يتحول فيه اللاهوت الى مواهب والثيؤلوجيا الى ايكونوميا

من أروع أوصاف الكنيسة فى العهدين  القديم والجديد وأمتلائها  بالمواهب وحنكتها فى التدبير ورسالتها فى العالم[6] هو ما جاء على قلم احد كبار اللاهوتيين المعاصرين الذى يقول:

(الكنيسة عاشت حياتها ومسيرتها كما عاشها الانسان الاول فكما كان الانسان الاول يحيا فى وسط هبات وعطايا الخليقة البكر هكذا عاشت الكنيسة وسط مدارس العالم الروحية والثقافية على مر العصور وكما أعطى أدم مسميات مختلفة للحيوانات هكذا الكنيسة ومنذ نِشأتها نظرت حولها على الارض وتأملت وتزاورت وتحاورت بالروح والحق مع الافكار التى وجدتها واعطت للعالم وتراثاته نكهة سماوية واسماء روحانية.

فبدأت الكنيسة فى كلدان ثم سكنت وسط الكنعانيين وقبلت انبيائها بقبلة المحبة وهبطت الى مصر فهدمت اوثانها واسست فى وسطها مذبح للرب ثم عبرت الى العربية حتى استقرت فى موطنها أورشليم وصارت هناك ام الكنائس ثم تقابلت مع تجار صور ومع حكمة الشرق وفخامة حضارة سبأ ثم حملوها قسرا الى السبى فرنمت للرب احلى المزامير على انهار بابل وتمشت بين مدارس الاغريق الفلسفية وصادقت علمائها وطوعت تراثهم ولغتهم القاسية لطرواة الانجيل ولخدمة الكرازة وزارت حضارة مصر وعمدت اللاهوت بالدموع فى بريتها وعلى يد أباء البرية الجوانية وواديها وأنقذت لغة وأرض  مصر من الضياع والتغريب ومازالت

وحيثما ذهبت الكنيسة فى وقت النصرة أو زمان  التعب فى زمان التجليات او الكبوات فى زمان الانكماش والانطواء اة قى كانت دوما فكر وصوت ألله العالى تجلس كمعلمها فى ملء الزمان (وسط العلماء تسمعهم و تسألهم)لو2: 46 ويوسف ومريم وكل نفس متبتلة مع يوسف ومريم يبحثان عنه وسط الجموع وهى تتبنى كل حق فى كلامهم وتعمده فى دموع التوبة وتصحح كل خطأ بقوانينها الرشيدة وتتشفع فى عيوبهم بالروح ونقائصهم وتكمل ما بدأوه وتشاركهم هواجسهم وأشواقهم

وتشبعهم باللاهوت والخبز  وفى كل ذلك تستلهم المواهب وتفك الطاقات  وتبكت الكبار شكلا وتشجع الصغار النفوس وتدبر الكون تدبيرا حسنا وتصلى من اجل ان يملاء الله القلوب فرحا ونعيما) .[7]

    المراحل التاريخية لعلاقة المواهب بالتدبير:

لكى ندرس موضوعنا بشكل موثق نقسم تاريخ العلاقة بين الكنبسة والمواهب الى 4 افسام:

1 –الفترة الاولى تمتد من عام 30 الى عام 65 مبلادية وتشمل :

-التراثات الى سبقت الاناجيل الازائية

-المصادر الاولى لسفر الرويأ

-الاصول الاولى لسفر الاعمال

2 – الفترة من عام 65 الى عام 85 وتشمل :

– تدوين انجيل مرقس

– تدوين اعمال لوقا الانجيل وسفر الاعمال – تدوين انجيل متى

3 –الفترة من عام 85 الى عام 100 وتشمل :

-باقى رسائل بولس

– انجيل ورسائل يوحنا

– الرؤيا

4 –الفترة الابائية الاولى مت 100 الى 200 وتشمل:

– الديداكى

-الراعى لهرماس

– الرسالة الاولى لاكليمنضس الى الكورنثيين

– رسائل اغناطيوس الى اهل سميرنا واهل فيلادلفيا والمغنيسيين

هناك ثلاث مواقف فى حياة الكنيسة المسيحية الاولى تؤكد هذا التوتر الخلاق بين المواهب الروحية والتسليم المطلق لنعمة الرب وبين التدبير الزمنى والتزام شئون الارض ونستطيع ان نعطى لهذه المواقف اسماء وهى:

ألمواهب الروحية وابعادها الاحتماعية ومردوداتها الحضارية :

الكنيسة الاولى كنا سبق وذكرنا تتعامل مع الواقع التاريخى باحاسيس لاهوتية راقية فلقد رأت وبعيون ثاقبة فى عز الوثنية [8]بوارق امال خلاصية وفى الفلسفة اليونانية وسيلة فكر واداة كرازة وفى عادات المصريين دروسا روحية فالمواهب الروحية بعد التجسد لها مدلولات ومردودات تاريخية وواقعية وهذا هو جديد المسيحية لانه لا يمكن للمرء ان يكون متمدينا فى  تدينه وبدويا فى سلوكه فى المدينة كما يقول المطران جورج خضر[9] فالمواهب اى الخاريسمتا معنى Χαρίσματαوالموهبة هى لفظا وفحوى هى نعمة وجهاد[10]

وحينما صارت اى المواهب على يد الغنوسيين غيبيات وارستقراطية روحية فارغة ادانتها الكنيسة غير عابئة بما لها من فكر يبدوا للسذج خلابا وانحازت للناس وهموهم المصيرية وقفز اباء الكنيسة قفزات لاهوتية غير مسبوقة لايقاظ الحبيب النائم فى سفينة الامم المعذبة من الامواج وخرج على العالم لاهوتيوها بنظرية الاسبرماتيكوس لوغوس[11]σπερματικός λόγος  

تلك النظرية التى لا تعطى خلاصا مجانيا لغير المؤمنين كما ظن البعض بقدر ما تسعى لتسير الميل الثانى فكريا مع افكار الناس لكى تكتشف ما لله فى هذه الحضارات وما لقيصر وما للشيطان والاسبرماتيكوس لوغوس هو  قفزة من العلماء  لاكتشاف ان للرب لقاحا فى الحضارات لم يجد رحم  الامم مخصبا بالروح ليولد فيه المسيح فخرج منه انبياء للرب وخرج منه خداما لابليس ولعل حركات التنصير الكبيرة فى هذه الايام الا دليلا على صدق حدس الاباء من نحو الامم

وذهب ابن الاسكندرية البار اكليمنضس الى القول الرهيب ان الفلاسفة اى المثقفين الصادقين هم انبياء الوثنية انها ايجابية الكرازة والكرازة الايجابية التى دشنها بولس الرسول فى اثينا باليونان(اع 17 ) ونعود الى اهم الاحداث التى فجرت قضية العلاقة بين المواهب الروحية والتدبيرات اليومية ونكتفى بثلاث مواقف فى العهد الجديد ونترك الباقى للباحثين الشباب.

أولا: الحادثة الاولى التى ظهر فيها التوتر الخلاق بين الخاريسمتا والايكونوميا وردت فى سفر تاريخ العائلة المسيحية الاولى حينما حملت النعمة المؤمنين فاحبوا الملك المسيح وتركوا كل شئ تحت اقدام الكنيسة (وكان لجمهور الذين امنوا قلب واحد ونفس واحدة ولم يكن احد يقول ان شيئا من امواله له بل كان عندهم كل شئ مشتركا وبقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة بقيامة الرب يسوع ونعمة عظيمة على جميعهم اذ لم يكن احد فيهم محتاجا لان كل الذين كانوا اصحاب حقول او بيوت كانوا يأتون باثمان المبيعات ويضعونها عند ارجل الرسل(موهبة العطاء) فكان يوزع  على كل احد كما يكون له احتياج (موهبة التدبير الحسن)اع4 -34 ).

الخارسما صارت عدوى طيبة اصابت كل الجماعة والجو العام جو نعمة الحب و الترك والتجرد والثقة والى ان جأت اسرة صغيرة من حنانيا الزوج وسفيرة الزوجة ولم يقل لنا لوقا شيئا عن اولادهم واصابهم القلق ظنوا انهم قد تسرعوا فى الاستجابة لصوت الخارسما وقرروا ان يدبروا امورهم بشكل اخر عملى اكثر بلغة اليوم واختلسوا من ثمن الحقل وتسال لوقا السؤال الكبير(لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس وتختلس من ثمن الحقل؟)

ووضع لوقا وربما لاول مرة الاطار اللاهوتى و التشريعى للعلاقة بين الموهبة وسوء التدبير (انت لم تكذب على الناس بل على الله)اع 5-4) اتهام خطير على خطأ يبدو بسيطا ولكن الارتداد للانشغال وتأمين المستقبل الروحى او الجسدى خارج اطار الجماعة المؤمنة نتيجة الانشغال بالذات بعد ان ذاق حلاوة العطاء هو فى نظر الكنيسة الاولى كذب على الروح القدس وتحالف مع الشيطان

وهنا ينطبق القول الالهى وهذا لا يعنى انكار التدبير والحسابات فالرب نفسه دعا الى الجلوس وحساب حساب النفقة المشكلة هى فى ان يخفى هذا الامر مصالحا شخصية ونوايا سيئة والمثال يهوذا وعلاقته بالتدبير(يو12 :6) .ولهذا فالرد على هذا الصراع كان حاسما وهو التدبير الحسن من جهة  والعقاب الصارم على تبديد اموال الله من جهة اخرى (فنهض الاحداث وحمله خارجا ودفنوه) لم يهتم به الشيوخ بل تركوه للاحداث(اى نيوتيرى) فالشيوخ لهم مهام اخرى. وقديما قال حكماء مصر ان الجشع ليس له قبر اى انه غائب عن الذاكرة الجمعية للامة.[12]

ثانيا: الحادث الثانى جاء من وراء ظهور النعرات الاثنية وسط الجماعة وبعد ان زادت المواهب وكثرت النعم (حدث تذمر من اليونانيين على العبرانيين أن اراملهن كن يغفلن عنهن فى الخدمة اليومية(الدياكونيا)أع 6-1 القضية تدبيرية بالدرجة الاولى وذات جذور لاهوتية ومردودات اجتماعية وثقافية فمهما كانت روحانية الشخص ومواهبه فهذا لا يلغى انتمأئه وثقافته ولم يتهم احد الارامل (بالدناوة)

ولم يتركوهن يتهن بين المكاتب بل اخذوا القضية القديمة مأخذ الجد واخرجوا منها جددا وعتقاء لاهوتية وتدبيرية روحية وسنوا منهجا جديدا فى التوفيق البارع بين الثيؤلوجيا والايكونوميا على الارض ولم يتم الحل (دكاكينى) او باستعجال للتراضى او خوفا من الدوشة او هروبا من فتنة عرقية بين اولاد الله بل تم الحل فى جو حوارى ديموقراطى

وما اروع(دعا الاثنى عشر جمهور التلاميذ وقالوا لا يرضى (اوك ارستون اى ليس هذا هو الحل الامثل) أن نترك نحن كلمة الله ونخدم موائد فأنتخبوا (ليس للكلمة علاقة بالمعنى المعاصر للانتخابات بل تعنى ابحثوا بالتدقيق عن النخبة والصفوة بينكم) ايها الاخوة سبعة رجال منكم مشهودا لهم ومملوئين من الروح القدس وحكمة فنقيمهم على هذه الحاجة وأما نحن فنواظب على الصلاة وخدمة الكلمة الكلام هنا كثير ويحتاج لدراسات خاصة معمقة

ولكن المهم هو ان الرسل يقولون (نحن) لم يقل احد (انا) لان المواهب هبة للجماعة من خلال الافراد ففى وسط الزحام واختلاط الحابل بالنابل وضياع المواهب تحت اقدام لقمة العيش لابد للكنيسة ان تجدد هويتها كخادمة للكلمة (ليس جيد اى ليس هذا هو الحل الامثل) فالكنيسة ليست مهمتها ان تطعم فقط بطونا لا تشبع بل تبحث عن الجياع والعطاش الى البر وهذا يعيد طرح قضية الدور الاجتماعى للكنيسة والذى يشغل اليوم اللاهوتيون من امريكا اللاتينية الى افريقيا مرورا بالدول الغنية  ولابد ان تشغل طوابير العيش وثورة الجياع اللاهوتيين فى بلادنا.

خدمة الخبز والتدبير يتصدى لها رجالا على نفس القامة الروحية لخدام الكلمة ومشهود لهم وكم من مأسى حدثت وتحدث بسبب تولى الغير مؤهلين روحيا الادارة فلم يسلم الرسل الارامل الى مجموعة من هواة تعذيب البشر الذين تخصصوا فى اهانة (اخوة الرب ) وبدلا من ان يحولوهم الى مؤمنين احرارا جعلوهم يحترفوا الشحاتة ياسم الرب وقد ادرك  قداسة البابا شنودة الثالث خطورة ترك الفقراء فى متاهات اللجان والروتين فقرر ولاول مرة فى تاريخ الباباوات ان يستقبلهم بشكل كريم وبنفسه ويعطيهم كسيده اكثر مما يطلبون او يفتكرون وكنا نرى وفودا من اغنياء الارض ينتظرون قداسته لانه على موعد مقدس مع فقراء الشعب.

ولاول مرة فى تاريخ الناس تسمع عن تحول جذرى فى طريقة تقديم المعونة او المساعدة او المال فخدام اموال الكنيسة من مدبرون او لجان لابد ان يكون مشهود لهم ومملوئبن من الروح القدس وحكمة فالشهادة الحسنة المطلوبة لرسامة الاسقف والكاهن والدياكون عند تيموثأوس(1تيمو3-7) هى هى نفسها ولاقامةخدام الموائد عند لوقا.

وتكمل الصورة بالمؤمنبن فى اورشليم الذين امنوا بان الرب قريب وقدموا اموالهم للكنيسة ولما تأخر المجئ وقعوا فى العوز فجال بولس يجمع المعونات لهم (1كو16 :1-4) تاخر المجئ قضية شغلت علماء العهد الجديد وعلماء التاريخ الكنسى ولقد قدم فيها الاب كومان  وهو من كنيسة رومانيا الارثوذكسية رسالة دكتوراة فى اثينا ولقد كان للبروفسورسافاس اغوردس السبق العلمى فى اثارة هذه القضية فى الاوساط العلمية اليونانية..

وهى ليست مجرد قضية  مشاعر نفسانية وأشواق عاطفية او روحية  صماء كما ارادتها بعض الطوائف المسيحية بل هى قضية تاريخية وعلمية تتعلق بماضى وحاضر ومستقبل  البشرية ولا يمكن ان نحصر مستقبل البشر الزمنى والابدى فى مجموعة عواطف دينية توقف حركة الحياة وتتنكر للتاريخ انتظارا للمجئ فى معناه الروحى والعاطفى الضيق بعيدا عن ابعاده اللاهوتية والانثروبولوجية والكونية

والسؤال الذى يطرح على الاسخاتولوجية الغيبية والغنوسيية هو الاتى كيف يريد ان يخلص العالم ويوعده بالخلاص من يتجاهل تاريخ العالم وهموم الناس ومعطيات العلوم الحديثة؟ فالاخرويات ليست هى اصابة التاريخ الانسانى بالشلل ولا وقوع الناس تحت غيبوبة جماعية وفقدان ذاكرة ولخطورة القضية كرس لها الرسول بولس جزء كبير من رسالته الى التسالونيكيين (اتس 4: 13 -21  و2تس 2 و3 )

والرب يسوع حينما ظهر لتلميذى عمواس ولكى يرد لهم الوعى اللاهوتى به قدم لهم درسا فى التاريخ فيسوع درس تاريخ الخلاص لتلاميذه مما هيأهم لسر الشكر والاستنارة الروحية واضرم فيهم الشوق للقائه على السحاب(ثم ايتداء من موسى وجميع الانبياء يفسر لهم الامور المختصة به فى جميع الكتب )لو 24 :27 )بعد ان كلمهم عن الامه والدخول الى المجد الاسخاتولوجى (أيها الغبيان اما كان ينبغى ان المسيح يتألم بهذا ويدخل الى مجده)فالاسخاتولوجيا هى ازدياد للوعى التاريخى بمجد الالام والام المجد ويسميها علماء العهد الجديد.

 

Realised Eschatology

التاريخى فى اعماقه الاخروية

ألعلاقة بين الثيؤلوجيا والايكونوميا عند الاباء الاقباط

 فالاسخاتولوجيا فى العهد الجديد هو الملكوت التى المحقق فى الزمان الانى[13]وهذا التوق للذهاب الى السماء بطريقة ذاتية بعيدا عن هموم الناس وقف ضدها اباء البرية الاقباط ونذكر على سبيل المثال قصة البستان (قال الشيوخ :اذا رايت راهبا شابا يرتفع الى السماء بارادته الخاصة(هيم بيفووش بالقبطية) امسك برجليه واجذبه الى الارض لان هذا الامر غير نافع له)[14]

    الاباء ادركوا خطورة طلب السماء بدون شركة المجمع وشركة الكنيسة وبركة التلمذة وفى سن الغرور والكبرياء وعالجوا الازمة بين الثيؤلوجيا  والايكونوميا والاسخاتولوجيا ولقد حسمت الكنيسة القبطية خيارها منذ البدء فهى تطلب فقط السماويات  والقبطى يدعى (خينيفاوى ) اى جاى من السماء وصارت الكلمة فى الحس الشعبى مرادفة للبساطة والسذاجة

وتاريخ الكنيسة حافل بالامثلة على هذا التوجه ولهذا  يستغرب البعض اذا كان الرهبان فى الدير المحرق فى القرن الماضى قد انزعجوا من سلوك امين الدير القديس  الانبا ابرام اسقف الفيوم حينما كان وكيلا للدير واتهموه بتبديد اموال الدير على الفقراء فالقديس يحيا فى السماء والرهبان يريدوا ان يدبروا امور الدير تدبيرا حسنا هنا على الارض انه الصراع بين الاسخاتولوجيا والايكونوميا والشئ اللافت ان تعبير (الربيتة) اى امين الدير عند الاباء الاقباط هو(الايكونوموس) فى النصوص القديمة اى الخبير بالشئون الاقتصادية

وهذا لايكفى فلابد ان يكون خبيرا ايضا بالشئون الروحانية وعلى المستوى العلمى واللاهوتى فقد انحاز ابائها للتفسير الرمزى لاسرار الكتاب المقدس واللاهوت  ولم يرضوا بالانغلاق فى التفسير الحرفى للتاريخ الالهى لان الحرف يربط بفترة سابقة وثابتة من امجاد التاريخ ويخلق نوعا من الحسرة والنوستالجبا على والى امجاد الماضى العريق مما قد يهدد بقتل الطاقات (2كو 3 :6 )

وهذا الامر يشكل اليوم ازمة كبيرة فى الكنيسة اليونانية على سبيل المثال هذا التوجه الحرفى للماضى ممكن ان يقتل حيوية الحركة والابداع اللاهوتى وفتح افاق جديدة للمستقبل  وذلك ادراكا من العلماء الاقباط  ان التفسير الرمزى   يعطى الفرصة لاخذ رموز من كل عصر وكل حضارة لشرح اللاهوت لان اللاهوت ثابت ولكن تدبير اللفظ والرمز يأخذ معناه من كل عصر الى جانب حرية الحركة الروحية والذهنية فى التعامل مع النصوص[15].

والمثال الاخر على الاهتمام القبطى بالروحيات وبالسماويات وبالثيؤلوجيا اكثر من الاستوريا(التاريخ) هو نص صلاة المجمع فى القداس الباسيلى  فيلاحظ الباحث ان واضع نص المجمع لا يشغله الترتيب التاريخى  لاسماء الاباء لا تشغله الثيؤلوجيا فى بعدها التاريخى بل شغله الشاغل هو الثيؤلوجيا فى بعدها الأخروى وهذا ينطبق على الكثير من النصوص فالقديس باسيليوس بعد كيرلس مع انه تاريخيا قبله واثناسيوس قبل الاثنين مع انه تاريخيا معاصر يسبق كيرلس ومعاصر لباسيليوس والانبا انطونيوس بعيد جدا عن الزمن الذى عاش فقد وضعوه بعد محمع افسس 431 وقد قارب على الانتقال ولا يعرف احد ما هو  الحقيقى وراء عدم الدقة التاريخية فى النص…

ولكننا نعى الدافع الروحى وراء النص وهذا يحتاج الى اختصاصيين يتصدون له بروح ليتورجية علمية ولم يتسأل يوما قبطى جاهل او متعلم عن السبب وربما لو تجرا احد واقترح تعديل الاسماء فى نص المجمع لتصير مفهومة للمصلى الذى يمتلك الحس التاريخى ربما يوافق علماء واباء الكنيسة ولكن الشعب الذى ظل سنينا يربط مصيره وصلاته وتعزيته

وربما حياته بهذا النص وبهذا اللحن الجميل للمجمع الذى يعطى فرصة هدوء وتأمل كبيرين فى الكنيسة بعد رحلة الليتورجيا ويهئى الكنيسة للشركة مع القديسين وبهذا الشكل سيجد الشعب صعوبة كبيرة فى الـتأقلم مع الدقة التاريخية للروحيات ولقد اوصى قداسة البابا بحس ابائى كبير بمراجعة السنكسار وتنقيته مما يخالف التاريخ والواقع وكذلك اوصى بالدراسة النقدية لقوانبن ابن العسال وتنقيتها [16]

ولا يستبعد الكثير من الباحثين فى الشأن القبطى ان يكون هذا الخوف من التعاطى مع النصوص بحس علمى وتاريخى ونقدى بالمعنى العلمى النزيه للنقد وليس النقم النفسانى وحسب المعايير التى اسسها الاباء واخرجها فى ثوب معاصر علماء اللاهوت اليوم واود ان اوجه  رجاء  حار الى الدارسين والباحثين ان يضعوا جامبا اى هموم شخصية وانين جانبا وان يبحثوا الامور بشكل علمى يليق بكرامة المسيح والا يظهر فى كتاباتهم اى مرارة [17] نقول احد اسباب عدم التعامل مع النصوص بدالة

 روحية وعلمية  هو الجو الاسلامى الذى يؤمن بالتنزيل ونزاهة النصوص عن كل فحص ولا يسأل التاريخ عن ايمانه ونصوصه ويحتقر كل ما هو انسانى  ولا نلوم القبطى العادى وحتى  الباحث القبطى  لان  الوعى بقيمة النصوص فى التاريخ الكنسى والتاريخ بشكل عام هو فى الغرب نفسه [18]

علم حديث يعود الى عصر النهضة ونحتاج الى جهاد كبير ليتم الصلح فى الشرق الاوسط بين التاريخ واللاهوت وبين النص والفكر والواقع وبين اللاهوت والرموز التدبيرية وبين عمل الروح ودور الانسان والسبب ان الكنيسة فى نصوصها تطلب روحا ولا تبتغى شئ من هذا العالم المحيط بها ولا معاييره التى لم يصبها منها سوى الاذى والاضطهاد والاتهامات بالتزوير والتحريف التى تحرج شعبنا كل يوم ولا يستطيع الرد ولا الاحتجاج فيفضل الانكفاء والاكتفاء بالنصوص يحفظها ويخاف عليها وهذا امر طبيعى فى اجواء تهدد الوجود فى كل صباح  

ولم ترفع هذه المعايير شان احد بل مازلت تكبل الانسان الشرقى وتمنعه من التقدم ولكن ومع تغير علامات الزمان وظهور جيل جديد من الاباء والاقباط يملكون ناصية العلوم وانتشار الكنيسة فى المهجر والاسئلة الجديدة التى يطرحها اليوم الشباب القبطى والنهضة العلمية فى علوم الاباء على يد علماء مركز دراسات الاباء سوف يؤدى الى التوبة العلمية و اعادة اكتشاف العمق اللاهوتى للنصوص والعمق اللاهوتى للتاريخ والعمق التاريخى للاهوت والنصوص القبطية والتراث القبطى فيه من الغنى الكفيل بتقديم التوازن العلمى واللاهوتى بين اللاهوت كرؤية واللاهوت كعلم والايكونوميا كتاريخ حى والاسخاتولوجيا كواقع يعيشه الناس البسطاء فى كل يوم وهنا سنصل الى لاهوت راسه فى السماوات بس بيمشى على الارض كسيده حسب تعبير عالم لاهوت امريكى  Feet on Earth Theology

 

كنيسة كورنثوس والصراع بين اهل المواهب   

قضية العلاقة بين المواهب والتدبير فى اجلى صورها فى كنيسة الله التى فى مدينة كورنثوس والتى تبعد ساعة بالسيارة عن العاصمة اليونانية أثينا والقضية هنا لا تتعلق بارامل يطلبن الخبز ولا بعائلة تختلس مالا خوفا من المستقبل بل بكبار(أستغنوا فى كل شئ قى المسيح فى كل كلمة وكل علم حتى انهم ليسوا ناقصون فى موهبة (خاريسما) وهم متوقعون استعلان يسوع المسيح) اكو 1-4 ولكن (بينهم انشقاقات وخصومات) اكو1 -10

وخطورة خصومات الكبار كرس لها الوحى الالهى كما كبيرا من الابات نحن امام قامات روحانية عالية فبدلا من ان تتحول المواهب الى شركة فى العمل الالهى وظفها البعض فى خدمة( الاوجاع)- والكلمة من بستان الرهبان- الحزبية واضطر بولس الى الرجوع الى الاساس الخرستولوجى للازمة(هل انقسم المسيح)1كو1-13 

وذكرهم باصولهم الاولى ودعوتهم وبأن الطموحات النفسانية تقتل اكبر المواهب وهم يقدسون معا ولا ينجحوا فى دفن خصوماتهم تحت المذبح مع عظام القديسين والعلماء بل يحتفظوا لها ويجدوا لها المبررات فواحد يقول انا لبولس ويرد عليه الاخر فى لحن الخصام امين وانا لابولس وهنا الشقاق والخصومات 

ويتحول لاهوت المواهب الى لاهوت الاهواء وتصفية الحسابات وحذرهم من خطر مرض أخر وهو الحكمة حسب الجسد وكلام الحكمة ويقصد التشبه بالسوفوسطائيين اليونانيين الذين يقدرون ان يقولوا النور ظلاما وللظلام نور ولقد كانت هناك من الفلاسفة  وظيفتهم هى الكلام وتبرير المواقف وهم ينطبق عليهم قول   ولوم و شكوى اشعياء النبى(اش 5 :18-23 )  لان الكثيرين قى كورنثوس حملوا معهم ذكاء العالم الى داخل الخدمة ولم يعمدوا هذه الطاقات فى روح التوبة  (اكو2  13

اللاهوت (التدخلات الالهية بالمعجزات  والتدبير البشرى بالصلاة وتشغيل العقل) فى حياة الكنيسة الاولى:

فى الحديث عن الثيؤلوجيا والايكونوميا يبرز أمامنا امامنا امران فى غاية الاهمية فى فهم واختبار وتفسير عمل الله فى  التاريخ فالثيؤلوجيا تظهر فى تدخلات الله فى التاريخ بالايات والعلامات والمعجزات والانسان يستدعى هذا الندخل بالصلاة والتفكير ولتقدم مثلا  

οΑνθρώπος

 

 من حياة المسيحيين الاوائل ففى الاصحاح الثانى عشر من سفر الاعمال نقرأ عن الحادث الشهير الذى حدث وهو القبض على بطرس فبعد ان قتل هيرودس يعقوب  أخا الرب بالسيف ولما راى ان ذلك يرضى اليهود  القوى الدينية السائدة يومها اتفحت نفسه على قتل باقى الرسل فوضع بطرس فى السجن وهنا (واما الكنيسة فكانت تثير منها صلاة بلجاجة الى الله من اجله)اع 12 :5 

وبعد هذه اللجاجة التى نسميها (التدبير البشرى ) جاء التدخل الالهى ألثيؤلوجيا فى التاريخ  وفى الاحداث لان موت بطرس احد هامات الرسل وبعد قتل يعقوب كان كفيلا بأن يصيب الكنيسة الناشئة بالاحباط الكبير فكان لابد من التدخل الالهى بدون ان يحول هذا التدخل المؤمنين الى متواكلين  وهذا الامر يحتاج الى تدقيق كبير لفهم اليات عمل اللاهوت ودور الانسان اى الانثروبولوجيا فى تحقيق اعلانات الثيؤلوجيا وهو موضوع يشغل الفكر الدينى اليوم فالتدخل اللاهوتى جاء فى الشكل الاتى:

(واذ ملاك الرب أقبل ونور اضاء فى البيت فضرب جنب بطرس وأيقظه قائلا قم عاجلا قسقطت السلستان من يديه وقال له الملاك تمنطق والبس نعليك ففعل هكذا فقال له البس رداءك وأتبعنى فخرج يتبعه وكان (بطرس ) لا يعلم ان الذى جرى بواسطة الملاك هو حقيقى بل يظن انه ينظر رؤيا فجازا المحرس الاول والثانى وأتيا الى الباب الحديد الذى يؤدى الى المدينة فانفتح لهما من ذاته فخرجا وتقدما زقاقا واحدا وللوقت فارقه الملاك فقال بطرس وهو قد رجع الى نفسه الان علمت يقينا ان الرب ارسل ملاكا وأنقذنى من هيرودس ومن كل انتظار اليهود  (اع 12: 6-12)

نترك تفسيرهذا النص الرائع لعلماءاللغة اليونانية والقبطية للعهد الجديد ولكن جل اهتمامنا هو امرين الامر الاول هو التدخل المعجزى الخارق لقوانين الطبيعة ونواميس التاريخ اى الثيؤلوجبا والثانى الرد الفعل البشرى فى وسط الكنيسة اى الاكليسيولوجيا وعلى مستوى الخدام فالله قرر ان يتدخل بعد الصلاة بلجاجة والامر الثانى ان الملاك اى السماء قادت الموقف وسط ذهول بطرس الى ان جأ به الملاك الى باب السجن وتقدم به حارة واحدة وتركه وهنا نقف لنتأمل كما سبق واشرنا فى ان بطرس بعد ان عاش هذا الحدث الميافيزيقى اى الفوق الطبيعى عاد الى الوضع الفيزيقى اى الى الوضع الطبيعى  وارض الواقع (وهو قد رحع الى نفسهγενόμενος έν έαυτώ)

اى انه (صار هو ذاته ) بمعنى ان التدخلات الاعجازية من الله  فى التاريخ ليس هدفها ان تقف عجلة الاحداث ولا ان ينتظر التاريخ اوامر من احد بل ان يصير التاريخ كما بطرس هو نفسه بدون تزييف ولا غيبوبة بل يصير هو نفسه اى يسترد الوعى بالذات ويصير العمق التاريخى هو هو المرجو من الاعلان الالهى فى الاخرويات اى كمال التاريخ والامر الثانى

والاهم ان المبادرات الالهية تتوقف طوعا لتعطى الفرصة والمساحة لحرية الانسان العاقلة وعقلانيته الحرة ليدبر راسه كما يقول الشوام فالملاك قاد بطرس الى زقاق واحد وتركه لانه بكل بساطة بطرس ها يعرف يروح لوحده وبالطريقة التى سيختارها لان البلد بلده فالله لا يغربنا عن واقعنا والتدخل الالهى لا يلغى عقل الانسان والتوبة ليست هى لون من الوان فقدان الذاكرة التاريخية والتفرغ لطرح الاسئلة التافهة

واذا كنا نؤمن ان كل حرف وكلمة فى الكتاب المقدس لها معنى ومغزى فان للكلمات هنا وزنها فالملاك تركه ليعى ذاته ويستثمر المعجزة فى الكرازة وليعطيه الفرصة ليبدع فى اخراج المعجزة من خلال شخصيته لاخوته فى الكنيسة فى بيت مريم ام يوحنا(اع12 :12 )

ولان الملاك تصرف -اذا جاز التعبير بلباقة الهية- فلو جاء مع بطرس الى البيت لفقد بطرس دوره ولانشغل الجميع باستقبال الملاك وتركوا بطرس وهذا كان سيؤدى الى ضياع مفعول التدخل الالهى وتهميش الدور الانسانى او سحق الدور الانسانى امام الانبهار والتصفيق لله الصانع العجائب لتحولت تدخلات الثيؤلوجيا فى التاريخ الى نوع من انواع الديكتاتورية القاهرة للطاقات ولتحولت  الايكونوميا من مواهب وتعددية وتنوع جميل فى الوحدة على مثال الثالوث إلى نوع من الترديد الالى لكلام نظرى لا مردود له على الارض ولغلبت روح الفردية والتواكلية على مثال الشعب اللى قال البركة فى موسى يصلى ويصوم اربعين بوم ونحن نأكل ونشرب ثم نقوم للعب(خر32 :6).

التى لا تتفق مع الايمان الثالوثى القدوس والشركة ودور الشعب فى الكنيسة  ولا معنى لصلاة الكنيسة ( أشترك فى العمل مع عبيدك فى كل عمل صالح )[19]

 وهذا ضد لاهوت التجسد  فالله تدخل والكنيسة تعيش وتذوق وتختبر و تكتب تاريخ التدخلات والله يتكلم والكنيسة تكتب مسوقة من الروح القدس  بلغتها وفى ظروفها وزمانها وهى دائما تعى ذاتها ورسالتها كما بطرس والله فى التدبير بالنعمة والكنيسة فى التفكير بالمواهب وهذا التوجه فتح امام الكنيسة فى العصر الرسولى افاقا كبيرة فى البشارة والتفاعل مع حضارات وثقافات الارض(اع 2 و17)

وادى الى توظيف كل الطاقات واكتشاف كل المواهب من خدمة الموائد الى اقامة الموتى وشفاء المرضى(اع5 :12 ) وقبول التوبات ومسح دموع الحزانى وتبكيت التجار بالتقوى والسيمونية (اع 9 :20 ) والحوارات الفكرية العالية التقنية مع اعتى حضارات الارض اليونانية(اع17 ) بفلاسفتها والعبرانية بانبيأها(اع 2 ) ومصر بمعابدها وحكمائها(اع7: 22.    

 

 العلاقة بين الكنيسة المواهب والكنيسة المؤسسة

الكنيسة التى رايناها فى سفر الاعمال هى صورة الكنيسة الناشئة والتى اسسها وادار شئونها الروح القدس ولقد وردت كلمة (ابنيفما) اى الروح سبعين مرة فى السفر اى خمس العدد الكلى للكلمة فى كل العهد الجديد.[20] الروح هو الكل فى الكل وكل الامور الاداربة التى حدثت فى تلك القترة ودونها سفر الاعمال هى ادارة بالروح  فمن يوم الخمسين(اع2 )الى استئجار بولس لبيت فى روما كمركز  للكرازة(اع28 :30) 

يسير العمل بالروح حتى فى ادق تفاصيله اليومية والتدبيرية والادارية كما سبق وراينا. فالمواهب الروحية هى لبنيان شعب الله سواء صلى فى بيوت او فى قاعات او فى كاتدرائيات ومن اهم ملامح هذا الانسجام بين الثيؤلوجيا والايكونوميا  هو بداية ظهور ما يعرف اليوم فى اللاهوت المعاصر بظاهرة (التثاقف) اى ربط الظواهر الفوق

inculturation

 الطبيعية بجذورها الطبيعة على مثال شخص المسيح الذى ارتبط فيه اللاهوت بالناسوت فنحن عرفنا الميتاقيزيقى فى ابنه بالطبيعة بالفيزيقى فهو ابن الله وابن السماء وهو ابن يوسف ومريم وابن الناصرة بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير اى ان الخرستولوجيا هى اساس الوفاق العملى بين الثيؤلوجيا والايكونوميا وهذا يتم فى الاكلسيولوجيا بمعناها الابائى الشامل  ومن هنا تأخذ ظاهرة التثاقف معناها الانسانى  ولقد كان الاباء سباقون فالقديس اثناسيوس القبطى اخذ اجمل فى الثقافة اليونانية وسطر اروع الكتابات عن تجسد الكلمة.[21]

ولنأخذ مثلا يخص بلادنا مصر من سفر الاعمال فحينما يقوا عن موسى النبى (انه تهذب بكل حكمة المصريين )اع 7 :لا يستطيع اللاهوتى الذى يخدم سر تجسد الكلمة فى تاريخ الناس وحضارات العالم الا ان يسأل عن ما هى هذه الحكمة ومكوناتها ومدلولاتها وهذا معناه البحث الشاق فى التاريخ المصرىالقديم فهل يعقل ان يلم اللاهوتى اليونانى بفكر اسلافه واللاهوتى القبطى لا يلم بحكمة المصريين التى شكلت شخصية موسى النبى[22]

ولا يعرف بلده التى ورد اسمها مائتان مرة فى اسفار موسى الخمس  وامام الباحث القبطى الذى اتقن لغة افلاطون  جهاد ليقنى لغة ابائه القبطية والفارق كبيرفى المعانى والدلالات وهذا يتطلب البحث الدؤؤب عن دور ثقافات الشعوب فى التدبير الالهى وكبف يتم تحويل تراثات الناس بالروح الى تاريخ عمل اللاهوت وهنا يصير العمل اللاهوتى ابداعا حضاريا فى كل العصور وليس ترفا فكريا فى عصر ما وياتى الدور الابائى ليزيد العمل جمالا وتقنية فيرجع الباحث الى حديث باسيليوس الى الشباب فى كيفية الاستفادة من ثقافة الشعوب الوثنية لفهم المسيحية ونعرج على (حياة موسى )[23] لاغريغوريوس النيسى  والذى تكلم عن دور (كنوز مصر) فى التدبير الالهى لخروج شعب الله من ارض العبودية وهكذا يتم تحويل روحانيات الايات الى مشروع حضارى ومادة للكرازة.

اسئلة الناس لم تتوقف على العصر الكتابى وايام الاباء بل استمرت الى اليوم والكنيسة لم تتوان عن الجهاد اللاهوتى لتحويل العمق اللاهوتى  الى مشروع تدبيرى لخدمة البشرية ولهذا يتمسك الباحثون اليوم بضرورة دراسة كتابات اباء الكنيسة لاكتشاف اليات هذا العمل الرعوى الضخم وحتى لا نتناول قضايا لها تاريخ طويل فى البحث بسطحية مؤذية لجمال الكنيسة وتاريخها اللاهوتى العريق

واوضح مثال لهذا التحول من الثيؤلوجيا الى الايكونوميا هو تاريخ المجامع والمعاناة التى عاشها العلماء والاباء فلو ان الامور كانت بالبساطة التى يراها البعض لتسويق مسيحية رخيصة وحسب  تعبيرهم بسيطة بعيدا عن تعقيدات اللاهوتيين لما كان هناك حاجة الى دراسة تاريخ الكنيسة تاريخ المجامع وتاريخ العقيدة وتاريخ كتابة الاسفار المقدسة الموحى بها نفسها  ونمو الكنيسة عبر العصور  وسير القديسين واقوالهم ولا حاجة لدراسة اللغات الاصلية للاسفار المقدسة وندخل فى متاهات الترجمات  ولا حاجة الى اكليريكيات والى مراكز بحوث  وهنا التنكر لتعب الاباء الذين  قالوا(اعطى دما تأخذ روحا) .[24]

ألاباء الرسوليون تمسكوا بالنفحات الروحية الاولى ولكن دبروا الامور بشكل كنسى اكليسيولوجى فالانقسامات فى كنيسة كورنثوس لم تنتهى مما ادى الى ان يكتب الى الكورنثيين مرة اخرى القديس اكليمنضس الرومانى وذهب اغناطيوس الانطاكى الى السر اللاهوتى للوحدة ودبره تدبيرا اكليسويولوجيا حسنا ودعا المسيحيين الى الالتفاف حول الاسقف والكهنة والدياكونيين فى الافخارستيا حينما قال (على الجميع ان يحترموا الشمامسة(الدياكونيين) كالمسيح يسوع والاسقف كصورة الاب والكهنة كمجلس الله ومصاف الرسل بدون هولاء لا توجد كنيسة).[25]

واعطى المصالحة الواقعية بين المواهب والتدبير وهو قد اعطى تفسيرا عمليا للرسائل الرعوية وهنا وفى نهاية القرن الثانى استقرت الكنيسة وتمت المصالحة بين الثيؤلوجيا والخرستولوجيا والايكونوميا من خلال الافخارستيا والاكليروسية والشعب العابد بالروح والحق.[26]

عند الاباء اللاهوت المتحول تدبيرا لاهوتيا لا هدف له الا خلاص العالم وحياة   افضل للناس فالكنيسة هى (الصوت الصارخ )فى برية هذا العالم فالكنيسة لم تكن ولن تكون (أفيون الشعوب)كما اتهمها الملحد الكبير كارل ماركس ولا هى قبر المسيح بدون قامة كما نعتها الفيلسوف نيتشة بل الكنيسة هى  (الخمر الجيد) فى عرس  هذا العالم(يو 2)

فالكنيسة هى مواهب اللاهوت التى منحها الله للعالم والعالم هو مجال استنطاق واستنفار المواهب وهكذا تتجدد رسالة الكنيسة ولا ىنقول تجديد الكنيسة كما يقول البعض لان الكنيسة جديدة بعريسها فالكنيسة تجدد الاياتها وسط ظروف جديدة فالكنيسة الاولى لم تعرف الكثير من قضايا اليوم مثل مشكلات الطاقة والتلوث الكونى والانظمة الجديدة وحقوق المراة ولم تعرف الاسلام كظاهرة دينية وثقافية باتت ذات مردودات كونية[27]

وغيرها من الامور وهنا نسمع صوت النبوة (ليس احد يجعل خمرا جديدا فى زقاق عتيق لئلا تشق الخمر الجديدة الزقاق فالخمر تنصب والزقاق تتلف بل يجعلون خمرا جيدا قى زقاق جديدة)مر2 : 22

وهكذا وان كنا نرى انه لاسباب تاريخية وواقعية اختفت موهبة التكلم بالالسنة وهذا بحث اخر ليس مجاله الان الا ان الكنيسة سوف تتكلم وبالروح[28] وبالمواهب فى معناها اللاهوتى والابائى بلغات والسنة كل مجتمع وكل حضارة فى العالم المعاصرولهذا ورغم تمسكنا بدراسة اللغات الاصلية الا اننا نترجم كتبنا وتراثنا الى كل لغات الارض الحية. وفى النهاية ليس هناك طريق لاقتناء المواهب اللاهوتية الا الطريق الذى فتحه لنا رب المواهب يسوع الحبيب وهو الحب والزمان هو زمان الحب على حد قول النبى حزقيال(37 )

فالحب وما يتبعه من ثقة ودالة وأمان روحى وعلمى ومادى هو الاساس الراسخ لانطلاق المواهب وما تزال  الحاجة ماسة الى سماع صرخة رسول الامم القائل :(فأنكم انما دعيتم للحرية غير انه لا تصيروا الحرية فرصة للجسد  بل بالمحبة اخدموا بعضكم بعضا لان الناموس فى كلمة واحدة يكمل تحب قريبك كنفسك فاذا كنتم تنهشون وتأكلون بعضكم بعض فانظروا لئلا تفنوا بعضكم بعضا)غلا 5: 13 -15 ولقد  اوصى الرسول ( أتبعوا المحبة ولكن جدوا للمواهب الروحية لا لحساب الذات بل لبنيان الكنيسة)1كو14 :1

[1]  جات هذه العبارة فى اول لقاء بين بيت القدبس اتطونيوس والقديس مكاريوس فى البرية والكلمة القيطية (شوم) تعنى القوة الروحانية انظر المرجع الهام للعالم Chaine Le  manuscrit de la version copte des Apophtegmata Patrum ,Le Caire,1960 ;p.90.

[2] انظر (نفحة الروح بعد القيامة) للقديس كيرلس الكبير قى الكتاب الشهرى اصدار بيت التكريس لخدمة الكرازة مايو 2008 ص6

[3]  من اجل المزبح حول اراء العالم هارناك والرد عليه انظر المرجع الواردد فى رقم 4

[4]  Guy Bonneau, Prophétisme et Institution dans le Christianisme primitif,  Médiaspaul ,Paris,1998 pp. 7-19.

[5] للمزيد من التفاصيل حول هذا المضوع راجع Bertilink, Les Rapports entre le Monachisme Egyptien et l’Episcopat d’Alexandrie ,dans ,Melanges C. Mondésert ,Paris,1987 . وعن اللقاء بين الرهبان  اباء البرية والبطريرك انظر Proche Orient Chrétien, 1998

[6] انظر الكتاب الهام للعالم الارثوذكسى الروسى الكسندر شميمان For the Life of the World

[7] J,N, Newan,,Essays  Critical and Historical ,Londonm! Vol. p.232.

[8] من اجل المعنى اللاهوتى واللغوى ومكانة التعبير فى العهد الجديد وعند الاباء انظر  William F,Arndt,Greek-English Lexicon of the New Testament and Other Early Christian Literature , p,885

[9] اتظر كتاب (هذا العلم لا يكفى) دار النهار للنشر بيروت 2006

[10]   انظر القاموس العهد الجديد ص 885

[11]  للمزيد من المعلومات حول الاسبرماتيكوس لوغوس عتد الاباء انظر المعجم الابائى لامبى ص 1248 -1249

[12]  عن دور حكمة مصر فى العهد القديم والكنسة الاولى اتظر المرجع الهام الصادر فى باريس Ce que la Bible doit à  l’Egypte ,Bayard ,Paris,,2008.

[13]    ليت احد الباحثين  يثدم لنا دراسة عن تعيبر(الان) فى انجيل القديس يوحنا ومدلولاته اللاهوتية والروحية ر

[14] انظر M .Chaine, Le manuscrit de la Version Copte des Apophtegmata Patrum ,Le Caire,1960 ,p .93.

[15] عن علاقة اللاهوت بالرمز  من خلا كتابات القديس كيرلس الاسكندرى

انظر المؤلف الهام الذى كتبه عالم اللاهوت الابائى كوستانتينوس بابابتروس باليونان وهومن اللاهوتىيين القلائل الذىن تعاملوا مع القدبس  كبرلس  ولاهوته بموضوعية وبعيدا عن عقد الماضىΗ Ουσία της Θεολογίας , Αθηνα σελ 65 -165

[16]  الكرازة  الحمعة 25 ابريل2008 ص16

[17]  هذه المرارة حذر منها السول بولس كنيسة العبرانيين 12 :15

[18]والتى  يقودها الارشدياكون د ميخائبل مكس اسكندر  وتنشرها مكتبة المحبة واخرها  تاريخ الكنيسة القبطية الارثوذكسية تاليف ثيؤدور هول باتريك 2005 ولكن تعليقات الدكتور ماكس فى الهوامش تحتاج الى توثيق اكثر لابراز موقف الاهوتى القبطى وليس مجرد الشجب او الاستهجان   يجب ان نحيى هذه المبادرة الرائعة لاصدار كتب علمبة وتاريخية و موثقة

[19]  راجع أوشية المسافرين فى الخولاجى المقدس اضدار دير الباموس العامر دار نوبار للطيع 2002  ص 54

[20] R.E.Brown ,Diverses Viewes of the Spirit in the New Testament,Worship  57, 1983

[21]  انظر الترجمة الرائعة  التى قام بها  الدكتور جوزبف موريس فلتس تجسد الكلمة اصدار المركز الارثوذكسى للدرلسلت الابائية القاهرة 2002 

[22]  بدا علماء المصريات والاباء الاهتمام بشخصية موسى النبى اهتماما كبيرا فى الاونة الاخيرة وتعددت الاراء قى علاقة موسى يمص انظر الدراسة الهامة  لعالم المصريات الالمانى <ان اسمان الذى بعتير ان موسى هو اول من ادخل اللاهوت السياسى فى التاريخ فقد رفض الالهة الاخرى التى للمصريين وسن القوانين باسم الاله الواحد وبرى ان الفارق الكبير بين التوحيد الموسيوى والتوحيد المصرى هو غياب فكرة شعب الله من التوحيد المصرى واما فى التوحيد الكتابى فالشعب حاضر والله يعد له بموسى نواميس فالصراع سراع لاهوتى وسياسى انظر Jann Assmann ,L’iconoclasme comme théologie politique ,dans ,Ce que la Bible doit à l’Egypte ,Bayard ,Paris ,2008 pp.130-136.

[23] La Vie de Moise ,Sources chrétiennes ,no 1,1950 ;

سيق للكاتب ا ن ترجم الى العربية رسلبة لبقديس بلسيليوس الى الشباب ونشرتها اسقفية الشباب عام 1995

[24]  انظر بولس بندلى مدخل الى العقيدة المسيحية منشورات النور بيروت 1982

[25]  الرسالة الى اهل افسس(الاباء الرسوليون) ص 120 قد يستغرب القارئ ان اغناطيوس يضع الشماس قبل الاسقف فالشماس فى الكنيسة الاولى هو الدياكوت المشرطن والذى يقوم بمعاونة الاسقف وهى مكانة كبيرة ويرى بعض الباحثون ان وجود رتبة الشماس  الانجيلى ممكن ان تحل الكثير من المشاكل التى تحدث بين اللجان والاكليروس  وتنظيم العمل الكنسى وتشكيل الوسيط بين الاسقف والشعب ختى  يكون للاسقف او الكاهن مصدر امبن للمعلومات ولقد كتب الدكتور مبنا بديع عبد الملك عن الدياكون ومكانته فى الخدمة فى الكرازة 25 ابريل 2008 ص 11

[26]  للمزيد من التفاصيل انظر الاباء الرسوليون الصادر فى بيروت –منشورات النور 1982

[27] انظر المرأة فى الكنيسة والمجتمع فى الشرق الاوسط اصدار مجلس كنائس الشرق الاوسط بيروت 1979

[28]  انظر الروح القدس للقديس لثناسيوس –اصدار مركز دراسات الاباء القاهرة 1994

الكنيسة فى العصور الاولى – القس اثناسيوس اسحق حنين

مسألة التأويل في الكنيسة قديما

مسألة التأويل في الكنيسة قديما

مسألة التأويل في الكنيسة قديما

لقد أحاط الإنجيليّون (أي: الذين كتبوا في العهد الجديد) بشكل لا مفرّ منه بالقوى المحركة للتأويل، لكنّهم نادراً ما أثاروا مشكلة هذا العلم بشكل واعٍ، وتالياً فقد أثاروها بشكل غير مباشر عند تعاطيهم مع الاختلافات فقط. على سبيل المثال، تمييز الرسول بولس بين الحرف والروح (2كورنثوس 3: 6)، في قراءة العهد القديم هو تأمّل تفسيريّ بدائي. مع أنّه يرث هذا التمييز من خلفيّته اليهوديّة، إلا أنّه يطبّقه على طريقته. لكنّه لا يُدخل أي اعتبار نظريّ حول الأسس اللاهوتيّة والطرائق التفسيريّة.

أنه يعلن ببساطة أن غشاءً حاجباً للنظر يعيق اليهود غير المؤمنين عن الفهم الصحيح للتوراة، عائق ممكن إزاحته فقط بالإيمان بيسوع وبقوة الروح القدس (2كورنثوس 3: 14-18).  في الدعوة إلى إنهاء الناموس الموسويّ وبأنه لم يعد هناك لا يهوديّ ولا يونانيّ (غلاطية 3: 23-28)، يعرف بولس أيضاً أنّ عدداً من اليهود والمسيحيّين المعاصرين هم على اختلاف شديد (غلاطية 2: 4-5، 11-14، وأعمال 15: 1-2). يسعى بولس إلى إظهار ما يدعو إليه عبر التحليل والتفسير الكتابيّ (غلاطية 3: 6-29).

ولكن مفتاح تفسيره العشوائيّ يقوم إلى حدّ بعيد على خبرته الإيمانيّة مع المسيح (غلاطية 1: 11-17) كما أنّ أرضيّة تفسير دعوته تقوم على حقيقة جماعات الأمميّة. المعنى الرئيس في التفسير للحقيقة الكنسيّة أكثر ما يظهر بوضوح في مجمع الرسل (أعمال 15: 1-29). للحفاظ على الوحدة بين المسيحيّين من اليهود والأمم، أخذ الاجتماع في أورشليم ما يمكن مساواته بموقف تفسيريّ آنيّ من الناموس الموسويّ، مزيلاً حمل الالتزام عن المسيحيّين الذين من الأمم، وبّرر قراره بالقول “لقد ظهر حسناً للروح القدس ولنا” (أعمال 15: 28)[1].

تدريجيّاً، اكتسبت مسألة التأويل مستوى التأمّل الواعي في التقليد الآبائيّ. بسبب المجادلات العقائدية المستمرّة، التي تضمّن أغلبها تفسيراً كتابيّاً، طوّر آباء الكنيسة تمييزات معقدة في التأويل تتعلق بطبيعة الكتاب ودوره وتفسيره في الكنيسة، كما طوّروا طرائق ومبادئ تفسيريّة مناسبة[2].

في المجادلات مع اليهود والماركيونيّين حول العهد القديم كشاهد للمسيح، صاغ القدّيس يوستينوس الشهيد أوّل تقويم منهجيّ لوحدة الكتاب المقدّس، أي تصنيفه الثلاثيّ للعهد القديم كنبوءة وكناموس أخلاقيّ وكنظام تاريخي مؤقت لليهود[3]. يمثّل الأخير من هذه العناصر الثلاثة أوّل نسبة معلنة لسلطة الكتاب الموروثة من اليهود[4].

القديس إيريناوس، بعد قرن من يوستينوس، الذي يحمل شهادة واضحة لكنيسة مسيحيّة عالميّة وإنجيل مسيحيّ مؤلّف من العهدين القديم والجديد، وضع مبادئ لاهوتيّة مهمّة حول وحدة الكتاب المقدّس وتفسيره[5]. بالنسبة إلى إيريناوس، المسيح هو مبدأ التأويل المركزيّ في كلّ الكتاب. هذا المبدأ يثّبت وحدة الكتاب كما قابليّة الحياة لتفسير العهد القديم رمزيّاً. على المستوى عينه من الأهميّة، هو اللجوء إلى قانون الإيمان كمنظار تفسيريّ.

وهو أساساً لجوء إلى معنى الكنيسة العقائدي كأساس في التأويل جوهريّ جداً في التاريخ المسيحيّ. إنّ إنجازه الثابت هو الربط الواقعي بين الكتاب والكنيسة التي تشكل الإطار الموافق لتفسير الكتاب ككتاب مقدّس.

بلغ التفكير في التأويل إحدى ذراه في القرن الثالث مع أوريجنس العظيم الذي كان عالم لغة ومفسّراً وواعظاً ولاهوتياّ وفيلسوفاً[6]. كرجل كتاب وكنيسة، تأثر أوريجنس كثيراً بغنى المسيحيّة الكتابيّ ونجاحها التبشيريّ. وقد أنشأ رؤية منهجيّة للتربية المسيحيّة المتمحورة حول المسيح في استعماله أدوات زمانه الفكريّة وتوجهه إلى كلّ المفكرين. وقد رأى أوريجنس في المسيح مركز الكتاب المقدّس ومفتاح تفسيره.

ومع أنّه قد غالى في المجازيّة وبعض التأملات الوهميّة مما سمح لمفسّرين، قدامى وجدد، بالحطّ من قدره، وغالباً بطرائق غير عادلة وتنطوي على مفارقات تاريخيّة، إلا أن الكلّ مدينون له بشيء ما. لم ينجز أحد ما يوازي ما أنجزه في الدراسات النصيّة وتحقيق الشهادة الكتابيّة التفسيريّة.

قيمته في التأويل لا تكمن في مجرّد صياغته نظريّة مميّزة قائمة على الجسد والنفس والروح، كما يعتقد الكثير من المفكرّين، وهو لم يتبع هذه النظرية بشكل ثابت، إنّما بالتحديد في تجانس رؤيته التفسيريّة واللاهوتيّة التي دمجت طرائق الدراسة في ذلك العصر بسلطة الكتاب والكنيسة وتحدّيات زمانه. في إطار هذه الرؤية، أثبتت رؤية الأساس التاريخيّ للإعلان أنّه أداة فعّالة في تقديم الشهادة الكتابيّة بين المؤمنين والوثنيّين.

يرى يوحنّا باناغوبولوس أن أوريجنس هو مفكّر مخلص ولامع في تعاطيه مع تيارات التأويل المتفاعلة في اليهوديّة والمسيحيّة والهلينيّة. وهو يكتب هذه الكلمات المميّزة عن هذا الإسكندري العظيم: “كان أوريجنس ويبقى مؤسس التأويل الكتابيّ ورائده، النبع الذي لا ينضب للتفسير الكتابيّ الصحيح[7].

بعد أوريجنس، استمرّ تعقيد التأويل، شرقاً وغرباً، بالتطور وقد أربك آباء الكنيسة والهراطقة معاً حول صحّة التفسير الكتابيّ المناسب لفحواه. الآباء والمفسّرون أمثال ذيوذوروس الطرسوسيّ وثيوذودوس المبسويستيّ في التقليد الشرقيّ، وأوغسطين وإيرونيموس في التقليد الغربيّ، انشغلوا في شؤون محدّدة من المنهجية التفسيريّة والعبارات التقنيّة والترجمة وقوانين التفسير[8]. إحدى ثمار التأويل كانت صياغة معنى الكتاب الرباعيّ: الأدبيّ والمجازيّ والأخلاقيّ والأخرويّ، التي ظهرت أولاً عند يوحنا كاسيانوس [9]الذي كان شرقياً وغربياً.

نجد عند الآباء الكبادوكيّين سعياً فلسفياً واعياً في التأويل للحفاظ على توازن نقديّ بين الإيمان والعقل، وبين البعدين الاختباريّ والمنطقيّ للاهوت، بما فيها “الجهد للتسوية بين المعلومات اللاهوتيّة والفكر العلميّ في عصرهم[10]. من سمات التراث الآبائي التنوع الغنيّ في المنهجية والتفسير، لكنه تنوّع في إطار الوحدة الواسعة للعقيدة والحياة في الكنيسة.

من ناحية التأويل، الموضوع كان، ولم يزل، لا المنهجيّة أو تعدد التفاسير، إنّما العلاقة بين سلطة الكتاب وسلطة الكنيسة أي حسّ الكنيسة العقائدي فيما يتعلق بأمور التفسير المثيرة للانقسامات. كما أشرنا سابقاً، في الفترة المسيحيّة الكلاسيكيّة، كان الكتاب المقدّس والتقليد متوقفين أحدهما على الآخر ومؤيّدين أحدهما الآخر[11]. بحسب R. Geer، كان للكتاب المقدس المسيحي السلطة فقط حين قُرئ على ضوء قانون أيمان الكنيسة[12].

لكن النظرة إلى قانون الإيمان ورسالة الكتاب المركزيّة كانت على أنهما مترابطان صميمياً ومتماهيان. في العصور المسيحيّة الأولى، لم تكن هناك خطوط عريضة محدّدة للكتاب أو لقانون الإيمان. يلوح التقليد الرسوليّ، الشفويّ والمكتوب، حقلاً واسعاً. وكما يشير Geer، بمعنى ما كان لقانون الإيمان السلطة لأنه كان متجانساً مع رسالة الكتاب المركزيّة، وبمعنى آخر، قانون الإيمان الذي كان في مرحلة التطور هو من حدّد بشكل أساس مقبوليّة الكتابات المقدّسة، وهكذا خلق الإنجيل المسيحيّ.

ينبغي أن نشير بشكل أكثر وضوحاً من Geer على أن، عملياً، العامل الأساس في التأويل، في كلا الحالتين، كان تقليد الكنيسة الكبرى الحيّ والمستمر والقابل للامتداد وتمييزها العقائدي. هذا التقليد كان حتميّة تاريخيّة ولاهوتيّة بقدر ما كان تقليداً رسولياً، مع منحه أهميّته الأساسية، لم يكن ممكناً للتقليد من ذاته أن يُنقل ويحدّد بمعزل عن هويّة الجماعة المؤمنة الذاتية وقراراتها التفسيرية. على هذا الضوء، يمكننا أن نوافق مع نقطتي Geer العامتين والثابتتين في مناقشة التأويل الناشئة من تراث الآباء التفسيريّ. بكلمات Geer:

أولاً، لم تفتكر الكنيسة لغاية القرن الخامس بسلطة الكتاب المقدّس بمعزل عن علاقته بالتقليد اللاهوتي المعبّر عنه في دستور الإيمان أو بمعزل عن استعماله في العبادة المسيحيّة. لقد كان سلطة الكتاب المقدس مرتبطة بحياة الكنيسة. لم يكن التعامل مع الكتاب المقدّس والتقليد والعبادة يتم وكأنها اختياريّة للانطلاق إلى صياغة معنى الإيمان، ولا كان يُنظر إليها كسلطات اختيارية ممكن وضعها الواحدة إزاء الأخرى. ثانياً، معنى هذه المقاييس المتعلٌّقة بالسلطة في الإيمان والممارسة، كان يُنوى منه تثبيت وحدة الكنيسة وحدة لا تماثل فيها[13].

 

[1] According to the sketchy account in Acts, which no doubt omits a full exchange of views for and against the obligation of Law observance by Gentile Christians. The hermeneutical question is indirectly raised again and again in the Fourth Gospel Where the correct understanding of Christ and his ministry is frequently at the forefront, (e.g., Jn 6: 44-45; 7: 16-17; 12: 37-40; 16: 12-15).

Interestingly, the declarative mod of divine revelation in the Fourth Gospel is accompanied by references to the role of the Holy Spirit as hermeneutical stance of the Johannine community.

[2] انظر الفصل الرابع لنظرة الآباء للكتاب ومنهجيتهم التفسيرية والمراجع

[3] Dial, 44.2.

[4] Justin’s concern was to maintain the authority of the Old Testament as a Christian book, while allowing for partial relativization of its authority through acknowledgment that the ritual Law was temporary and no longer binding on Christians. What was implicit in St. Paul’s thought (Gal 3) becomes explicit in Justin’s.

See further Hans von Campenhausen, The Formation of the Christian Bible, Crans, bu J. A. Baker (Philadelphia. Fortress, 1972). Pp. 88-102, and Theodore Stylianopoulos, Justion Martyr and the Mosaic Law, (Missoula: Society of Biblical Literature, 1975), pp. 51-68 and 153-163.

[5] See J. L. Kugel and R. A. Greer, Early Biblical Interpretation, pp. 109-113; F. Sadowski, The Church Fathers on the Bible, pp. 27-44, and B. de Margerie, The Greek Fathers, pp. 51-77.

[6] A Recent Brief evaluation of this great but controversial figure is provided bu B.de Margerie, The Greek Fathers, pp. 95-116. For Origen’s texts in English translation see K. Frochlich, Biblical Interpretation in the Early Church, pp. 48-78; J. W. Trigg, Biblical Interpretation, pp. 71-115; and F. Sadowdki, The Church Fathers on the Bible, pp. 89-125.

[7] John Panagopoulos, ‘H ‘## Vol. 1, p. 280.

[8] K. Frochlich, Biblical Interpretation in the Early Church, pp. 82-132; J. W. Trigg, Biblical Interpretation. Pp. 163-295; and F. Sadowski, The Church Fathers on the Bible, 143-243.

[9] K. Froehlich, Biblical Interpretation in the Early Church, p. 28. The standard example was Jerusalem which literally is the Jewish city, allegorically die Church tropologically die soul, and anagogically the heavenly Jerusalem of die Kingdom, according to Cassian’s Conferences 14.8. SE&John Gwian: Confirmees, trans. Colm Luihheid (Mahwah: Paulics, 1985), p. 160.

[10] The Quoted statement is by J. Danielou, cited by B. de Margerie, The Greek Fathers, p.219. See further the extensive discussion by J. Pelikan, Christianity and Classical Culture, pp. 215-230. Entitled “Faith as the Fulfillment of Reason, “and more Recently J. A. McGuckin, “Perceiving Light from Light in Light” (Oration 31: 3): The Trinitarian Theology of Saint Gregory the Theologian,” (7077? 39 (1-2, 1994), pp. 32.

Philip Rousseau Basil of Caesarea, pp. 106-111 and 322-323, undersores Basil’s sensitivity toward clever dialectics against which the Cappadocian guarded by relying on a literal interpretation of authoritative Scripture and then accommodating all other Knowledge.

[11] See the discussion under “Scripture and Tradition” in Chapter two.

[12] Rowan A. Greer, “Biblical Authority in the Early Church,” ABD, Vol. 5.p. 1027.

[13] Ibid., pp. 1026-1027. Historical scholarship has gradually compelled many Protestants conservatives as well as liberals, to acknowledge the role of tradition in the canonization of Scripture, a rather significant issue in hermeneutics and ecclesiology.

For example. Gordon D. Fee, Gospel and Spirit, p. 17, writes: “What most evangelicals tend conveniently to ignore is that it was tradition in this sense that was responsible, under the guidance of the Spirit, for the canonization of the [scriptural] tradition”.

مسألة التأويل في الكنيسة قديما

دراسة كتابية لاهوتية عن معمودية الأطفال في الكنيسة الأولى – د. عدنان طرابلسي

دراسة كتابية لاهوتية عن معمودية الأطفال في الكنيسة الأولى د. عدنان طرابلسي

دراسة كتابية لاهوتية عن معمودية الأطفال في الكنيسة الأولى د. عدنان طرابلسي

معمودية الاطفال مسألة كانت وما زالت تستأسر بالكثير من النقاش والجدل والدراسة، وبخاصة أن الكثير من الفئات ترفض معمودية الاطفال وتعتبرها باطلة وتعيدها. لهذا نرى كل فريق يحاول جاهداً أن يُثبت صحة رأيه وموقفه انطلاقاً من العهد الجديد أولاً ومن إفتراضات لاهوتية ثانياً. والحقيقة أن الخلاف الرئيسي الأول بين مؤيدي معمودية الاطفال ورافضيها هو في طبيعة إيمانهم في المعمودية ولاهوتها بصورة عامة.

فإن آمن المرء (كما هي الحال في الإيمان الأرثوذكسي – الكاثوليكي) بأن المعمودية هي الولادة الثانية الروحية، وأنها إستنارة وغفرانٌ للخطايا ولبسٌ للمسيح وانتماءٌ إلى جسد المسيح، أي الكنيسة، فسيجد رفض معمودية الأطفال أمراً يتنافى مع لاهوت المعمودية هذا وجريمة بحق الأطفال.

أما إن كان المرء يؤمن بأن المعمودية هي مجرد رمزٍ لقبول المسيح مخلّصاً شخصياً وللإنضمام العلني إلى جماعة المؤمنين، وأنها ليست الولادة الثانية الجديدة ولا تمنح غفران الخطايا ولا يتوسطها الروح القدس، بل هي مجرد شعيرة كنسية تُمارس فقط لأن السيد في نص إنجيلي صريح أمر بإقامتها، فلن يجد معمودية الأطفال أمراً ضرورياً أو حتى منطقياً. بما أن جميع أعداء معمودية الأطفال مغرمون بالاقتباس من العهد الجديد في دحضهم لمعمودية الأطفال، فيجب علينا منذ البداية أن نلاحظ الملاحظات التالية المتعلقة بإستعمال العهد الجديد في نقاش معمودية الأطفال:

1- العهد الجديد كُتب في حالة البشارة المسيحية، لهذا ليس مستغرباً أن نلاحظ منذ البداية ان كل مقولات العهد الجديد في المعمودية بدون إستثناء هي مقولات تتعلق بالمعمودية المُقامة أثناء البشارة المسيحية أي معمودية اليهود واليونانيين المنضمين إلى الكنيسة المسيحية. لهذا فمقولات العهد الجديد المتعلقة بالمعمودية وإهتداء البالغين ومعموديتهم هي قائمة في وسط هذه الصورة.

لهذا فالبالغون المنضمون إلى الكنيسة هم الذين ينالون الإهتمام لدى ذكرهم وليس الأطفال الذين – إن صح التعبير – يختفون في حضن العائلة المنضمة إلى الكنيسة المسيحية. هذا يجعل أكثر صعوبة الإجابة على السؤال: أكان أطفال البالغين المهتدين إلى المسيحية يُعمّدون مع والديهم أم لا؟

2- العهد الجديد كُتب لغاية معينة وبطريقة معينة يقول عنها القديس يوحنا الإنجيلي: “وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تُكتب في هذا الكتاب. وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح أبن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة بإسمه” (يوحنا20: 30-31). لهذا لم تكن معمودية الأطفال موضع جدل ونقاش أثناء كتابة أسفار العهد الجديد، وبالتالي لا نجد إلا إشارات غير مباشرة عنها في العهد الجديد.

هذه الإشارات لا تدل على إنها لم تكن قيد الممارسة في أزمنة العهد الجديد. على العكس تماماً، لو كانت معمودية الأطفال موضع جدل ونقاش وشك لكان كتبة العهد الجديد (خاصة رسائل بولس) قد ذكروا شيئاً عنها أسوة بالأمور الأخرى التي سببّت خلافات في الكنيسة الأولى. عدم ذكرهم لها معناه أنها كانت ممارسة عادية روتينية في الكنيسة الأولى.

3- لم يكن العهد الجديد كتاب طقوس وشعائر مثل بعض أسفار العهد القديم. لهذا، لم يهتم كتبة العهد الجديد بذكر تفاصيل العبادة المسيحية والطقوس والصلوات، إلخ. مثلاً، العهد الجديد ذكر أن المعمودية تتم “بإسم يسوع المسيح لغفران الخطايا” (أع2: 38)، وأنها تتم بإسم الثالوث القدوس (متى28: 19). كيف نمارس المعمودية إذن؟ طالما لم يوضح العهد الجديد هذه النقطة فلا بد من العودة إلى الكنيسة الرسولية الأولى، أي كنيسة العهد الجديد نفسها، ونشاهد كيف مارست الكنيسة المعمودية. هذه القاعدة تنطبق على كل تعليم مسيحي وممارسة مسيحية.

إذا كان هذا التعليم (أو هذه الممارسة) غير واضح في العهد الجديد، فلا بد من الإحتكام إلى الكنيسة الرسولية. أما إذا أتينا لاحقاً بتعليم أو لاهوت أو رأي معين، وكان هذا التعليم أو اللاهوت مخالفاً لتعليم الكنيسة الأولى وللاهوتها، فنكون على ضلالٍ ونشق أنفسنا عن جسد المسيح، أي عن الكنيسة الرسولية الواحدة الجامعة القدوسة.

الأمر نفسه بالطبع ينطبق على معمودية الأطفال: أن كان البعض يعتقد بأن معمودية الأطفال امرٌ غير صحيح لأي سبب من الأسباب، وإن كان العهد الجديد لم يذكر هذه النقطة صراحة وبصورة مباشرة، فلا بد من الإحتكام إلى الكنيسة، فإذا كانت الكنيسة الأولى قد آمنت بضرورة تعميد الأطفال بغض النظر عن عمرهم، وأن كانت قد مارست هذا الإيمان منذ الأزمنة الرسولية، وإن كانت الكتابات الآبائية والشواهد التاريخية كلها تدل على ذلك، فإن أعداء معمودية الأطفال يضعون أنفسهم على خلاف مع الكنيسة الرسولية وينشقون عنها. فكل من يخرج عن تعليم الكنيسة هو ضالٌ ولو كان ملاكاً من السماء أو بولس الرسول نفسه (غلا1: 8-9).

4- علماء الكتاب المقدس حاولوا دراسة معمودية الأطفال في الكتاب المقدس فتوصّلوا إلى نتائج مختلفة رغم إدعاءاتهم بإستعمال أسلوب “علمي موضوعي”. لهذا، عند التدقيق في دراسات علماء الكتاب المقدس في المعمودية، يجب أن نميّز الخلفية الكنسية لكل منهم ونقارن نتائج دراسته مع لاهوت المعمودية في الكنيسة الأولى. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أذكر المثال الذي ذكرته في السؤال السابق المتعلق بمعاني المعمودية. يوجد كتابان كل منهما معنوّن ” المعمودية في العهد الجديد”.

مؤلف الكتاب الأول عالم كتاب مقدس مرموق جداً وبروتستانتي، وهو أوسكار كولمان[1]. مؤلف الكتاب الثاني[2] عالم كتاب مقدس مرموق جداً وبروتستانتي (معمداني)، وهو G.R. Beasley-Murray. إذاً يتساوى الأول والثاني من حيث التصنيف العلمي والإيماني مبدئياً.

لكن من يقرأ الكتابين يستنتج بسهولة أن معمودية الأطفال، بحسب العهد الجديد، كانت تُمارس أيام العهد الجديد بحسب دراسة الأستاذ كولمان، ولم تكن تُمارس أيام العهد الجديد بحسب دراسة المؤلف الثاني! الدراستان مبنيتان على الكتاب المقدس. من هنا نستنتج أن نصوص الكتاب المقدس وحدها لا تكفي في كثير من الأحيان، ولا بد من الإحتكام إلى تعليم الكنيسة على مر العصور.

أخيراً، للمزيد من التوسع في هذا الموضوع، أحيل القارئ الكريم هنا إلى المراجع السابق ذكرها بالإضافة إلى دراستين أخريتين في معمودية الأطفال[3]. إذاً، العلم الكتابي الصرف Scholasticism Biblical لا يكفي في كثير من الاحيان للإجابة على الكثير من الأسئلة اللاهوتية[4]. يبقى ضرورياً أن نعود إلى اللاهوت العقائدي المبني على الآباء وخبرة الكنيسة وممارستها وعلى الإجماع الكنسي عبر العصور في كل زمان ومكان. هذه المقدمة الضرورية تعني أن الإجابة على سؤال معمودية الأطفال أمرٌ صعبٌ.

فلا بد من دمج الشواهد الكتابية (غير المباشرة) بالشواهد الكنسية الأولى والشواهد التاريخية والآبائية (كلها شواهد مباشرة)، وذلك حتى نجيب على السؤال هنا: هل كانت الكنيسة الأولى تعمّد الأطفال؟ وبالتالي أمعمودية الأطفال ضرورية أم لا؟ قبل مناقشة العهدين القديم والجديد، يجب أن نناقش عدة نقاط تاريخية وكتابية متعلقة بمعمودية الأطفال. سأختصر قدر الإمكان هنا، إلا أنني مضطر للتوسّع أحياناً حتى نغطي معظم النقاط المتعلقة بهذا الموضوع ويمكن مراجعة مصادر البحث.

أولاً- صيغة “أهل البيت”: هنا يجب ان نلاحظ النصوص التي تتكلم عن إهتداء ومعمودية “كل البيت” (اكور1: 16 ؛ أع11: 14 ؛ أع16: 15 ، 16: 33، 18: 8؛ اكو1: 16). من المتعارف عليه أن صيغة “أهل البيت” هي كما يُظهرها القديس إغناطيوس الأنطاكي في رسالته إلى أهل إزمير: “أصافح بيوت إخوتي مع نسائهم وأولادهم” (13: 1)[5]. أي الأب والأم من أهل البيت والأطفال من كل الأعمار. هذا يشمل أيضاً الأقارب الذين يعيشون في البيت نفسه مع جميع الخدم لأنهم ينتمون غلى أهل البيت.

بما أن صيغة “أهل البيت” في المجتمعات القديمة تشمل جميع أهل البيت مع الأطفال من جميع الاعمار، هذا يعني أنه من غير الممكن تعميد أهل بيت أي إنسان ينضم إلى الكنيسة بدون تعميد أي طفل من أهل البيت مهما كان عمره (مثل كرنيليوس وحارس السجن في فيليبي وليديا وكريسبس رئيس المجمع واستفانوس). إن تعابير العهد القديم تؤكد هذا الإستنتاج.

ففي العهد القديم صيغة “وأهل بيته” بشكل أو بآخر ودراسة هذه الصيغة أدت بالباحث ستاوفرStauffer إلى إستنتاج أنه منذ الأزمنة الأولى كانت توجد صيغة كتابية ثابتة “أهل البيت oikos” التي “لم تشر فقط إلى الأطفال بالإضافة إلى البالغين ولكن كان لها إشارة خاصة جداً للأطفال، وحتى لأصغر الأطفال الذين كانوا ربما موجودين”.

من الأمثلة البارزة في العهد القديم مثلاً (1صمو22: 16)، (راجع الآية التي تشير إلى الأطفال والرضّع)، وايضاً (تكوين45: 18)، (راجع الآية 19). وأيضاً (1صمو1: 21)، (راجع بشكل خاص الآية 22 التي تشير إلى رضيع غير مفطوم بعد). من هنا نرى بوضوح وبصورة خاصة مثلاً التعليمات المعطاة في شأن الختان كيف أن صيغة “أهل البيت” تؤكد أو تضع نبرة خاصة على شمل أصغر الأطفال: “كل ذكر من أهل بيت إبراهيم وخُتن لحم غرلتهم” (تك17: 23). أي كل الأعضاء الذكور من أهل البيت وحتى الرضع الذكور من عمر 8 أيام.

إذا عدنا إلى العهد الجديد يجب أن نتذكر أولاً أن صيغة “أهل البيت” هي صيغة مبكرة جداً في العهد الجديد وتحدث في سنة 54م من قبل بولس في (1كور1: 16)، وتوجد بصورة مستقلة عن بولس في (لوقا) وبالتالي تعتبر هذه الصيغة صيغة ما قبل (بولس). وهكذا تأتي هذه الصيغة في زمان حيث غالبية أعضاء الكنائس كانوا من المجامع.

إذا فهمنا هذا نتفق مع (ستاوفر) بأن صيغة “أهل البيت” في العهد الجديد هي مستقاة من لغة العهد القديم الطقسية وبصورة خاصة من التعابير المتعلقة بالختان التي أدخلت في اللغة الرسمية المستعملة في الطقس المسيحي البدئي للمعمودية، ولها شكل ومعنى الصيغة الكتابية القديمة أي أنها تشمل الأولاد الصغار بالإضافة إلى الآخرين.

هذا لا يعني وجود اطفال صغار في كل حالة من حالات معمودية أهل البيت، لكن يعني أنه: إن كان يوجد أطفال (مهما كان عمرهم) في بيت دخل فيه الوالدان في المسيحية، فإن كل الاطفال في هذا البيت كانوا يعمّدون (بغض النظر عن عمرهم) مع الكبار البالغين في الوقت نفسه. وأيضاً، تعني أن بولس ولوقا لم يمكنهما بأي ظرف من الظروف إستعمال أو تطبيق صيغة “أهل البيت” في كتاباتهما لو رغبا القول إن البالغين فقط هم الذين كانوا يُعمّدون. هذا الإستنتاج يتفق مع مفهوم العائلة كوحدة متماسكة في مجتمع العالم القديم.

فالقرارت المهمة يأخذها رب العائلة وهو الرجل عادة وجميع افراد العائلة ملتزمون بها. وخاصة بالنسبة لعلاقة العائلة بالله، كانت العائلة تتصرف كوحدة واحدة “أما أنا وأهل بيتي فنعبد الرب”. لهذا كان من الطبيعي بالنسبة لعقلية العالم القديم أن يعتبر إيمان والد أهل البيت هو العامل الحاسم في توجيه إيمان جميع اهل البيت. فإذا اعتنق رب العائلة المسيحية فالمعهود ان تتبعه العائلة. (أعمال16: 30-34) يعطينا مثالاً موضحاً عن الدور الذي كان يلعبه والد اهل البيت عندما كانت العائلة تغّير دينها.

فمثلاً: إن حارس السجن يسأل بولس وسيلا: “يا سيدي، ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص؟. فقالا: آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك… إلخ”. فاهتداء رب البيت إلى المسيحية يعني خلاص أهل البيت وعلة الفرح لجميع أعضاء أهل البيت. الامر نفسه في (أعمال16: 14) بحالة ليديا التي كانت أرملة وكانت هي ربة أهل بيتها ورأسه.

وإذا أخذنا بعين الإعتبار تماسك العائلة نجد مع كولمان أن لوقا في ذكره لقصة ليديا وإعتمادها مع أهل بيتها يشير إلى أن المهم هو تماسك العائلة في المعمودية وليس القرار الفردي لعضو واحد في العائلة هو المهم في تقرير معمودية أهل البيت. لهذا من غير المنطقي أن تتصور أن معمودية أهل البيت لم تكن تشمل كل اعضاء اهل البيت. بما فيهم الاطفال من كل الاعمار.

نستنتج إذاً: المعمودية في الكنيسة الأولى كانت سراً أخروياً وكان يعني ان الشخص المعتمد يُختطف أو يُفرز من العالم (يُقدّس) ويُسلّم إلى دينونة الله الوشيكة الحدوث (أعمال2: 38؛ كولوسي1: 13) وكان يُدخَل في شركة المفتدين بعمل المسيح الخلاصي. لذلك من غير المحتمل على الإطلاق إنقسام العائلات التي تنضم إلى الكنيسة بسبب الاختلاف في الاعمار بين افرادها.

لاهوتياً إن قبول فكرة كون الاطفال يُعمّدون كأعضاء في العائلة التي تنضم إلى الكنيسة هي فكرة مهمة جداً، لأن الاطفال لم يكونوا يعتبرون في الكنيسة الأولى كوحدات منعزلة بل كان البيت بشكل عام يعتبر وحدة واحدة في عين الله. إيمان رب أهل البيت هو إيمان اهل البيت (إيمان الام والاطفال).

ثانياً- معمودية الدخلاء والمعمودية المسيحية الأولى: معمودية الدخلاء إلى اليهودية هي معمودية الوثنيين الداخلين على اليهودية. بما أنه توجد تشابهات كبيرة في طقس وطريقة ممارسة معمودية الدخلاء إلى اليهودية وبين المسيحية الأولى، لذلك من المهم أن نعرف ماذا كان يحدث للاطفال في معمودية الدخلاء. غن مناقشة تاريخ إدخال معمودية الدخلاء هو خارج نطاق هذه الدراسة، ويمكن للقارئ مراجعة كتاب جيريمايا (ص24-28).

يتفق جميع الدارسين على أن تاريخ إدخال معمودية الدخلاء يعود إلى فترة ما قبل المسيحية. يوجد تشابه كبير بين المعموديتين خاصة من حيث استعمال الالفاظ، ففعل “يعمّد” ومشتقاته مأخوذ من اليهود المتكلمين اليونانية. أيضاً عند ممارسة المعمودية توجد تشابهات في تعليمات المعمودية. يمكن مراجعة هذه التشابهات في دراسة جيريمايا في كتابه الخاص بمعمودية الاطفال السابق الذكر.

إن التشابهات بين المعموديتين هي في الالفاظ، والتعليمات المعطاة للمعتمد قبل المعمودية وبعدها، والمفهوم المتعلق بالمعمودية بحد ذاتها[6]. مع وجود هذه التشابهات بين المعموديتين، يبرز السؤال فيما إذا عمدّت الكنيسة الأولى الاطفال بالإضافة إلى البالغين عند تغيير دينهم. هذه النقطة متعلقة بموضوع معمودية اطفال الدخلاء. جيريمايا أوضح أنه بالنسبة لمعمودية الأطفال في الكنيسة الأولى إن كل الدلائل تشير إلى أنه في حالة الأمم الداخلين إلى المسيحية، فإن الأطفال من كل الاعمار (بما فيهم الرضّع) كانوا يُعمّدون. بولس الرسول في (كولوسي2: 11) يؤكد هذه النقطة.

فبولس هنا يُسمّي المعمودية “الختانة المسيحية” ويصفها بأنها السر المسيحي الذي يحلّ محل الختانة اليهودية ويُستبدل بها. وفي (2كور1: 22) أيضاً (أفسس1: 13 و4: 30) فإنه ينقل صفة الختانة ك “ختم” (رو4: 11) إلى المعمودية. وبما أن الختانة كانت تتم على كل الاطفال في عمر الثمانية أيام، الذين هم أعضاء في البيت الوثني الذي كان يدخل إلى اليهودية، فإن وصف المعمودية على أنها “الختانة المسيحية” يدل على أن الأسلوب المتبع في المعمودية كان نفسه المتبّع في الختانة، أي أن كل الأطفال من كل الاعمار كانوا يُعمّدون عندما كان والدوهم يقبلون الإيمان المسيحي.

ثالثاً- معمودية أطفال الأهالي اليهود الداخلين إلى المسيحية: في (أعمال الرسل2: 38-39) في عظة بطرس يوم العنصرة: “توبوا وليعتمد كل واحد منكم على إسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس. لأن الموعد هم لكم ولأولادكم…” . يناقش جيريمايا هذه الآية ويتساءل: مَن هم “الأولاد” المقصودون هنا؟ أهم اولاد الأجيال اللاحقة أم أولاد الجيل الذي كان يسمع لبطرس؟

وإذا أ خذنا بعين الاعتبار توقّع الجيل المسيحي الأول لنهاية العالم بسرعة، نجد أن المقصود من “الأولاد” هنا هو أولاد الجيل الذي كان يصغي لبطرس، وبخاصة وأن تاموعد المذكور في الآية 39 هو الموعد المُعطى بيوئيل النبي القائل: “ويكون بعد ذلك أني أسكب روحي على كل بشرٍ فيتنبأ بنوكم وبناتكم، ويحلم شيوخكم أحلاماً ويرى شبابكم رؤى” (يو2: 28).

إذاً “الأولاد” المذكورون في عظة بطرس ليسوا أولاد الأجيال اللاحقة بل أولاد الجيل الحالي المعاصر الذي كان يصغي لبطرس. وبما أن عطية الروح القدس (2: 38) مرتبطة بالمعمودية فإن (أعمال2: 39) تدلّ بصورة غير مباشرة على معمودية الأطفال.

يستنتج جيريمايا أنه في (أعمال2: 38) فما بعده لدينا شهادة على ممارسة الكنيسة الأولى لمعمودية الأطفال في الأزمنة الرسولية. ولكنه يقول: تحدّى البعض هذا الإستنتاج بالقول على الأولاد أن يكونوا بالغين أو قادرين على التوبة (المذكورة في أع2: 38) وعلى تنبؤ (أع2: 17). يقول جيريمايا إن هذا التحديد غير محتمل لأن الخلاص من الدينونة النهائية الحادث بالمعمودية (2: 40 و2: 21) يستثني أي تحديد للعمر. إذاً، (أعمال2: 38-39) تدل بصورة غير مباشرة على معمودية أطفال أهالي اليهود الداخلين إلى المسيحية.

رابعاً- معمودية أطفال الأهالي الوثنيين الداخلين إلى الكنيسة: سنرى لاحقاً أنه توجد شهادات لا يُرقى إليها شك على معمودية أطفال العائلات التي تتقبل الإيمان المسيحي. هذه الشهادات الآبائية تؤكّد النقطة الإنجيلية المتعلقة بمعمودية “أهل البيت” بكامله (كما في أعمال11: 14 و16: 15 و16: 33 و18: 8 و1كور1: 16). هذه الشهادات من الشرق والغرب تشمل هيبوليتوس الذي يذكر أن معمودية الأطفال تعود إلى عهد أقدم من عهده (حتى القرن 2 م)، وأن العائلات كانت تُعمّد في عيد الفصح، الأولاد أولاً بما فيهم الرضّع الذين لا يستطيعون الكلام (للإجابة على أسئلة المعمودية) ومن ثم البالغين (الذكور أولاً).

وأيضاً تشمل ترتليانوس في أفريقيا في القرن الثاني الذي يذكر معمودية الأطفال وكان أول من ذكر دور العرابين وإشتراكهم في طقس المعمودية. وأخيراً كتابات كلمندس المنحولة في سوريا التي تحمل شهادة غير مباشرة على أن العائلات لم تكن تنشطر بمعمودية بعض أفرادها دون سواهم، بل كان كل أعضاء العائلة بكاملها يُعمّدون بغض النظر عن عمرهم.

خامساً- معمودية أطفال الأهالي المسيحيين: ماذا فعلت الكنيسة الأولى عند ولادة طفل لوالدين مسيحيين؟ هل كان هذا الطفل يُعمّد مباشرة أو كانت المعمودية تؤجّل؟ هل كانت تُلغى؟ في دراسة هذا الموضوع يقول جيريمايا إن الممارسة كانت مختلفة في الاوساط المسيحية من أصل يهودي عنها في الأوساط المسيحية من أصل أممي، لأن الممارسة كانت مختلفة بالنسبة للختان. فالمتهوّدون الذين كانوا يطالبون المسيحيين الأمميين بالختانة أولاً (غلا5: 2 وأع15: 1) بدون شك كانوا يختنون أطفالهم الذكور.

دراسة كتابية لاهوتية عن معمودية الأطفال في الكنيسة الأولى د. عدنان طرابلسي

السؤال هل كانوا يعمّدونهم بالإضافة إلى الختانة؟ هل كانوا راضين بالختانة فقط؟ كانت الأمور مختلفة في الوسط المسيحي الأممي. ففي مناطق بشارة بولس: الأولاد المولودين من زواج مسيحي لم يكونوا يُختتنون. وفي حالة أولاد الوالدين من أصل أممي فإننا نتعلّم هذا من (غلا5: 2)، وفي حالة الأولاد من أصل مسيحي يهودي فإن هذا مؤكد في (أعمال21: 21).

السؤال هنا هل كانت المعمودية – ختانة المسيحي كول2: 11 – هنا طقساً بديلاً  للختانة؟ توجد أسئلة عديدة هنا وبدون شك توجد ثلاثة نصوص من العهد الجديد تلقي ضوءاً على ما كان يُمارس بخصوص المعمودية في حالة الأولاد المولودين لوالدين مسيحيين. هذه النصوص الثلاثة هي (1كور7: 14، أعمال21: 21) و (مرقس10: 13-16) وموازياته.

1- 1كور7: 14: “لأن الرجل غير المؤمن مقدّس في المرأة، والمرأة غير المؤمنة مقدّسة في الرجل، وإلا فأولادكم نجسون، وأما الآن فهم مقدّسون”. هذا النص يأخذنا إلى مناطق بشارة بولس. بولس هنا يتكلم عن الزواجات المختلطة ويقول إنه على الطرف المسيحي من هذا الزواج ألا يحلّ هذا الزواج (7: 12-13). ويبّرر هذا الأمر بكلماته السابق ذكرها. يقول بولس هنا إن كان أحد الوالدين مسيحياً فهذا يقدّس كل البيت. يستنتج جيريمايا هنا ان المقصود هو أن قداسة الأولاد لا تعتمد على المعمودية بل على الإنحدار من أب مسيحي أو أم مسيحية.

الإستنتاج الثاني لجيريمايا هو: لو كان الإستنتاج الأول صحيحاً فلا بد أن بولس وجميع من كان في كورنثوس كانوا يؤمنون بأن جميع الأولاد في الكنيسة والمولودين لوالدين مسيحيين هم مقدّسون لأنهم ينحدرون من والدين مسيحيين. فما هو أصل مفهوم القداسة هذا الذي ينحرف عن إستعمال بولس الاعتيادي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال يمكن أن تُكتشف من النص بكامله (1كور7: 14). كلمة “نجسون” هنا مأخوذة من تعابير الطقس اليهودي ومن لغة شعائر التطهير اللاوي.

والأمر نفسه نشاهده بالنسبة لإستعمال كلمة “مقدّسون”، وهي لغة الطقس اليهودي. فاليهودية تمّيز أولاد المولودين في غير القداسة (أي قبل تحوّل أهاليهم إلى اليهودية) من جهة، والأولاد المولودين في القداسة (أي بعد التحوّل إلى اليهودية) من جهة أخرى. الأولاد غير المولودين في القداسة، أو “النجسون”، كانوا يُعمّدون عندما كان يتحوّل والديهم إلى اليهودية. أما الأولاد المولودون لوالدين يهوديين (بعد تحوّل الوالدين إلى اليهودية) فيُعتبرون مقدّسين أو طاهرين ولا يُعمّدون[7].

كل الأولاد المولودين بعد تحوّل أمّهم غلى اليهودية لا يحتاجون إلى معمودية الدخلاء، ووضعهم هو وضع الأولاد اليهود أنفسهم. فأي واحد يولد “في القداسة” لم يكن يحتاج إلى معمودية الدخلاء. هذا الإستعمال للألفاظ بالنسبة للشريعة المتعلقة بالدخلاء مو ما إستعمله بولس في (1كور7: 14)، عندما يقول إن أولاد الوالدين المسيحيين هم غير نجسين بل مقدّسون. هذا يذكرنا بالقاعدة التي ذكرها بولس نفسه في (رومية11: 16) عندما قال: “إن كان الأصل مقدّساً فكذلك الأغصان”.

لكن ما علاقة ما ذُكر بمعمودية أولاد الزواجات المسيحية؟ في البداية يبدو أمرا مقنعاً الإستنتاج أنه إذا كان أولاد اليهود المولودون في القداسة لم يكونوا يُعمّدون فيجب أن نفترض أن الكنيسة المسيحية لم تعمّد أيضاً أولاد الوالدين المسيحيين. في هذه الحالة فإن الأولاد المولودين قبل إنضمام أهاليهم إلى الكنيسة كانوا يُعمّدون، أما الأولاد المولودون بعد إنضمام أهاليهم إلى الكنيسة فلم يُعمّدوا لأنهم كانوا مولودين في القداسة.

ولكن هذا الرأي تحدّاه جيريمايا لأنه يرى أنه يغض النظر عن الحقيقة المهمة أنه في اليهودية كل الذكور، سواء أكانوا مولودين “في القداسة” أم لا، كانوا يُختنون في اليوم الثامن.

وبما أن (كولوسي2: 11) تذكر أنه في الكنيسة المسيحية كانت المعمودية هي الطقس الذي حلّ محل الختانة اليهودية، فيجب ان نستنتج أن الأولاد المذكورين في (1كور7: 14) كانوا مقدّسين منذ ولادتهم ولكن هذه القداسة لم تكن تحول دون تعميدهم. حتى في حالة وجود طرف غير مؤمن في حالة الزواجات المختلطة، فإن حقيقة كونه جُعل مقدّساً بزواجه من إمرأة مسيحية لم تلغِ الحاجة إلى أن يصير مسيحياً وأن يُعمّد.

لهذا يقول جيريمايا يجب بالتالي أن نكون مقتنعين بإستنتاج أن (1كور7: 14) لا تحمل أية إشارة غلى المعمودية، وأنه من المحتمل جداً ان يكون قول بولس “وأما الآن فهم مقدّسون” لا يستثني معمودية الأولاد في اليوم الثامن بدل الختان، كما ان قوله إن الرجل غير المؤمن مقدّس في المرأة لا يستثني حاجة هذا الرجل إلى إهتدائه إلى المسيحية ومعموديته.
 
2- “وقد أُخبر عنك أنك تعلّم جميع اليهود الذين بين الأمم الإرتداد عن موسى قائلاً: أن لا يختنوا أولادهم ولا يسلكوا حسب العوائد” (أعمال21: 21). هذا هو النص الثاني الذي قد يعطينا معلومات عن كيفية تعامل الكنيسة الأولى مع الأولاد المولودين في الزواجات المسيحية، ويأخذنا غلى أورشليم. فيوم وصوله في عيد الفصح العام 55، يُخبر بولس بوجود شكوك كبيرة قد نمت بين المسيحيين من أصل يهودي في أورشليم والذين يحفظون الناموس بسبب انه قد نقل بأن بولس يحرّم على الوالدين المسيحيين من أصل يهودي أن يختنوا أولادهم بعد ولادتهم.

من هذا النص نتعلم انه في سنة 55م كان الرضع الذكور المولودون في كنيسة أورشليم يُختتنون. هل كانوا يُعمّدون أيضاً؟ وفي الوقت نفسه نتعلّم من (أعمال21: 21) أنه في مناطق بشارة بولس إن جميع الوالدين من أصل أممي لم يختنوا أولادهم في اليوم الثامن. وبما أن بولس قد جعل المعمودية الطقس الذي يحلّ محل الختان كما في (كولوسي2: 11) فمن المحتمل جداً أن هؤلاء الأطفال كانوا يُعمّدون.

3- “وقدّموا إليه أطفالاً لكي يلمسهم. وأما التلاميذ فانتهروا الذين قدّموهم. فلما رأى يسوع ذلك اغتاظ وقال لهم: دعوا الأطفال يأتون إليّ ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله. الحق أقول لكم، مَن لا يقبل ملكوت الله مثل طفلٍ فلن يدخله. فأحتضنهم ووضع يديه عليهم وباركهم” (مرقس10: 13-16). الإستنتاج السابق يدعمه النص الحالي وهو بركة الأطفال من قبل يسوع[8]. القصة بحد ذاتها لا علاقة لها بالمعمودية، ولكنها قصة “قبل أسرارية”. وهي تصف حادثة خلال بشارة يسوع لا بد أنها حدثت عشية يوم الغفران. فقد كان الأهالي يجلبون أولادهم إلى يسوع كي يلمسهم (مر10: 13).

لكن ماذا كان الدافع الذي دعا الأهالي كي يطلبوا هذا الطلب من يسوع؟ وما كان معناه؟ نرى الجواب في التلمود البابلي الذي يُطلعنا عليه البروفيسور جيريمايا: كانت توجد عادة في أورشليم تحثّ الأطفال الذين بلغوا السنة من عمرهم أو تعدّوها على الصوم يوم الغفران، ومن ثم يُحضر الأطفال إلى الشيوخ (الكتبة) للبركة والحض إلخ. رغم ان الأطفال لم يحتاجوا للصوم يوم الغفران إلا أنهم كانوا يُدفعون للصوم في العائلات التقية. هنا يأتي بعض الأهالي بأطفالهم إلى يسوع.

انتهرهم التلاميذ لأنهم رفضوا معاملة يسوع على مستوى الكتبة. إمتعاض يسوع من هذا كان عظيماً. يقول جيريمايا إن كل حادثة في الإناجيل الإزائية ذات بعد تاريخي مزدوج. الأول هو الوضع الواقعي الفريد في حياة يسوع، والثاني هو بشارة الكنيسة الأولى وتعليمها. السؤال هنا: لماذا سلّمت الكنيسة الأولى هذه القصة، وماذا رأت فيها من ضرورة وفائدة؟ الجواب الظاهري الذي يمكن أن يُقال هنا هو أن الكنيسة رأت أن تُظهر كيف كان يسوع ينظر إلى الزواج والأولاد والمقتنيات.

يقول جيريمايا إنه بالإضافة إلى حضّ الكنيسة للأهالي على إحضار أولادهم إلى يسوع لنيل البركة، فإن الكنيسة قد رأت في هذه القصة أمراً بإحضار الأولاد إلى يسوع في المعمودية. أول مكان يظهر فيه هذا النص في الأدب المسيحي الأول هو في ترتليانوس[9] (حوالي سنة 200). هذا الموضع يُظهر أن كلمات يسوع السابقة قد فُهمت بصورة عامة على أنها فرضٌ بمعمودية الأطفال.

وحتى ترتليانوس الذي كان يعارض العمر المبكر جداً للمعمودية فإنه رغم ذلك لم يحاول أن يهرب من هذا التفسير لهذا النص الذي يقول إنه يعني المعمودية. وأيضاً “الفرائض الرسولية” تبني إدعاءها الأولاد الصغار أن يعمّدوا على كلمات “ولا تمنعوهم”. إن تطبيق هذا النص المتعلق ببركة الأولاد على المعمودية لم يتم أولاً في نهاية القرن الثاني ولكن قبل ذلك.

جيريمايا يُظهر – في مناقشة إستعمال هذا النص الإنجيلي في كتابات الآباء الأولين وعلاقته بالمعمودية – كيف أن الكنيسة الأولى قد إستعملت هذا النص كفرض على تعميد الأطفال. بإختصار: يمكن القول إن صيغة (مرقس10: 13-16) تحتوي في أماكن عديدة على إشارات غير مباشرة إلى المعمودية.

هذا يدل على ان نص بركة الأولاد كان أمراً هاماً بالنسبة للكنيسة الأولى وليس فقط بالنسبة للإعتبارات الأخرى ولكن بسبب أن الكنيسة الأولى قد أخذت هذا النص وإستعملته على أنه فرض وسلطان لممارسة معمودية الأطفال. يستنتج جيريمايا انه في وقت كتابة إنجيل مرقس كان أطفال الأهالي المسيحيين يُعمّدون. اما تعميد الأطفال فكان يُنظر إليه على أنه إقتداء بيسوع وطاعة لأمره وكلماته “دعوا الأطفال يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله”.

العهد القديم:

من المفيد أولاً ان ننظر إلى العهد القديم لمعرفة كيف كان الأطفال ينضّمون إلى شعب الله. كانت أبرز علامة على العهد بين الله وشعبه هي الختان. فالله نفسه أمر بختان كل طفل ذكر عمره ثمانية أيام (تك17: 12). بالطبع لم يكن طفل الثمانية أيام هذا يُسأل عمّا إذا كان يريد الإنضمام إلى شعب الله، بل كان إيمان الوالدين هو شرط ختانة الطفل وإنضمامه.

من جهة أخرى، من السهل ملاحظة العلاقة بين الختان من جهة والمعمودية المسيحية من جهة أخرى. فالقديس بولس يقول: “وبه (بالمسيح) أيضاً خُتنتم ختاناً غير مصنوعٍ بيدٍ يخلع جسم (خطايا) البشرية بختان المسيح، مدفونين معه في المعمودية التي فيها أقمتم أيضاً معه” (كول2: 11-12). إذاً، بالنسبة للمسيحي، إن المعمودية هي تحقيق ختان العهد القديم. فالله في العهد القديم كان يضمّ جميع اليهود. بما فيهم الأطفال إلى العهد. يقول الكتاب في العبرانيين عند هروبهم من مصر نحو صحراء سيناء: “جميعهم اعتمدوا لموسى في السحابة وفي البحر” (1كور10: 2).

بالطبع “جميعهم” تشمل الأطفال أيضاً، الذين حتى ولو لم يستطيعوا إتخاذ أي قرار إيماني، إلا أنهم كانوا مشمولين بعهد الله مع شعبه. إذاً: البالغون والأطفال كانوا مشمولين بالمعمودية في السحابة وفي البحر وذلك برحمة الله. يقول العهد الجديد: “فإني لستُ أريد أيها الأخوة أن تجهلوا أن آباءنا جميعهم كانوا تحت السحابة، وجميعهم إجتازوا في البحر، وجميعهم إعتمدوا لموسى في السحابة وفي البحر، وجميعهم أكلوا طعاماً واحداً روحياً، وجميعهم شربوا شراباً واحداً روحياً، لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم، والصخرة كانت المسيح” (1كور10: 1-4).

من رموز الخلاص الأخرى في العهد القديم والتي كانت تشمل العائلة كلها هي فلك نوح. فالرب قال لنوح: “أدخل أنت وجميع بيتك إلى الفلك” (تك7: 1). الرسول بطرس يشير إلى فلك نوح قائلاً: “.. إذ كان الفلك يُبنى الذي فيه خلص قليلون اي ثمان أنفس بالماء. الذي مثاله يخلّصنا نحن الآن أي المعمودية” (1بطر3: 20-21). أيضاً، لا يمكن تصوّر إستثناء الأطفال من فلك نوح وتركهم يهلكون بالطوفان فقط لأنهم أطفال غير قادرين على فهم ما يحصل.

العهد الجديد:

معظم هذه الإقتباسات مذكورة سابقاً. يقول القديس بطرس في عظته يوم العنصرة المجيدة: “توبوا وليعتمد كل واحد منكم على إسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس، لأن الموعد هم لكم ولأولادكم ولكل الذين على بُعدٍ كل من يدعوه الرب إلهنا” (أع2: 38-39). يسوع علّم تلاميذه أن للأطفال الفرصة نفسها التي للبالغين لدخول ملكوت السموات: “دعوا الأطفال يأتون إليّ ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات. الحق أقول لكم” من لا يقبل ملكوت الله مثل طفلٍ فلن يدخله” (لو18: 16-17).

لم يوجد أي عمر معين يجب بلوغه لدخول ملكوت السموات. هكذا فهمت الكنيسة وهكذا مارست معمودية الأطفال. لهذا كانت الكنيسة تعمّد “أهل بيت” الذين يؤمنون بالمسيح بما فيهم الأطفال. بالطبع لم يُذكر الأطفال بصورة خاصة في هذه المعموديات، لأن الأطفال جزء لا يتجزأ من العائلة، حجر الزاوية في المجتمع الشرقي. من هذه الأمثلة: “هو يكلّمك كلاماً به تخلص وكل بيتك” (أع11: 14)، “فلما أعتمدت (ليديا) هي واهل بيتها” (أع16: 15)، “فأخذهما الحارس في تلك الساعة من الليل وغسلمها من الجراحات وأعتمد في الحال هو والذين له أجمعون” (أع16: 33)، “وكريسبس رئيس المجمع آمن بالرب مع جميع أهل بيته..” (أع18: 8)، “وعمّدتُ أيضاً بيت إستفانوس” (1كور1: 16).

توجد نقاط أخرى متعلقة بالعهدين سأذكرهما لاحقاً عند مناقشة الموضوع لاهوتياً. من جهة أخرى لا يمكن لدارس موضوع معمودية الأطفال أن يتجاهل إيمان الكنيسة الأولى الرسولية وممارستها وتقليدها ولاهوتها فيما يخص معمودية الأطفال (أسوة ببقية المواضيع). لهذا لا بد من ذكر ممارسة الكنيسة الأولى لهذه المعمودية وذلك في القرون الثلاثة الأولى للمسيحية، أما بعد ذلك فالشواهد الآبائية الكنسية والتاريخية أكثر مما يسع المجال هنا لذكرها.

تطوّر معمودية الأطفال حتى نهاية القرن الثالث:

آسيا الصغرى: أولى المعلومات المتعلقة بمعمودية الأطفال خارج العهد الجديد تأتي من آسيا الصغرى. وهي غير مباشرة. أقدمها تعود إلى العهد الرسولي، ربما إلى زمن كتابة إنجيليّ متى ولوقا. في قصة إستشهاد القديس بوليكاريوس، أسقف إزمير، نجد أن مضطهدي هذا القديس قد تحدّوه أن يشتم المسيح فقال لهم: “لقد خدمته طوال 86 سنة، ولم يُخطئ إليّ قط. فكيف أجدّف على ملكي الذي خلّصني؟”. أستشهد هذا القديس بين الأعوام167-168. لهذا فولادته كانت تقريباً حوالي العام 80م.

إذا كان بوليكاريوس قد خدم المسيح 86 سنة قبيل إستشهاده فهذا يعني أن معموديته كانت حوالي العام 81-82 (كان عمره 1-2 سنة). إذاً لدينا هنا قصة إستشهاد بوليكاريوس (9: 3) تأكيداً غير مباشر على أن ممارسة معمودية الأطفال كانت موجودة قبل العام 80م[10]. أيضاً توجد شهادات أخرى لمسيحيين قد صرّحوا بأنهم خدموا الرب منذ شبابهم. هكذا تدل الشهادات من آسيا الصغرى (وهي غير مباشرة) على أن الكنيسة الأولى كانت تمارس معمودية الأطفال من قبل العام 80م.

مصر:

شهادة العلّامة أوريجنس من أقوى الشهادات. فهو يذكر ثلاث مرات على أن معمودية الأطفال هي عادة الكنيسة. في مواعظه على (لوقا14 على 2: 22) يقول: ” لهذا يُعمّد الأطفال أيضاً”. والمواعظ على (اللاويين 8: 3 على 12: 2) يقول: “تُمنح المعمودية بحسب عادة الكنيسة، للرضّع أيضاً”. وفي شرحه لرسالة (رومية5: 9 على 6: 5-7) يقول: “لهذا السبب أيضاً، أستلمت الكنيسة من الرسل تقليد تعميد الرضّع أيضاً”.

يوجد نص رابع أيضاً لأوريجنس يذكر فيه معمودية الأطفال أيضاً. هذه النصوص قد كُتبت بين 233-251م، مما يدل على أن معمودية الأطفال كانت عادة منذ أيام الرسل. بالإضافة إلى أوريجنس، توجد مومياء لطفلة مصرية في المتحف البريطاني، يعود تاريخها إلى أيام أوريجنس. في يدها اليسرى تحمل الطفلة زهرة لوتس، رمز القيامة، وفي يدها اليمنى تحمل صليباً. عمر الطفلة تقريباً كان 4 سنوات أو أقل.

علم المصريات أكّد للعالم جيريمايا (الذي شاهد المومياء بنفسه) أن الصليب كان إشارة مسيحية لا مصرية وثنية، وأن المومياءات الوثنية كانت تحمل في يدها اليمنى رمز الحياة. هذه المومياء (التي تعود إلى القرن الثالث الميلادي) تدل على أن وجود طفلة مصرية ماتت في الرابعة من عمرها أو أقل كانت تحمل في يدها اليمنى صليباً مما يدل على معموديتها قبل موتها.

فلسطين:

شهادات أوريجنس الأربعة الشهيرة على أن معمودية الأطفال كانت عادة متأسسة في الكنيسة، قد كُتبت في فلسطين.

سوريا:

أوريجنس يذكر أن معمودية الأطفال كانت الممارسة العامة للكنيسة في سوريا الغربية، وشهادته ذات أهمية كبيرة جداً، لأنه وُلد لعائلة مصرية وعاش أولاً في الإسكندرية، ومن ثم في فلسطين (قيصرية)، وزار سوريا واليونان وروما وكبادوكية، وبالتالي ما كان ليذكر أن عادة الكنيسة ecclesiae observantia كانت أن تعمّد الأطفال لو كانت هذه الممارسة إنحرافاً عن الإجماع الكنسي في كل مكان[11].

وتوجد وثائق أخرى[12] تذكر معمودية الأطفال في حالة تحوّل العائلات الوثنية إلى المسيحية، وتعود هذه الوثائق إلى 220-230م. أول برهان مباشر على ممارسة معمودية الأطفال في سوريا يعطيه Asterius the Sophist (مات بعد 341م)، والدساتير الرسولية (370-380).

اليونان:

توجد إشارة غير مباشرة إلى معمودية الأطفال تعود إلى 117-138م.

إيطاليا وفرنسا:

القديس يوستينيانوس الشهيد يذكر رجالاً ونساء قد تعمّدوا منذ طفولتهم في ما بين 80-95م. القديس إيريناوس أسقف ليون (وُلد بين 130-140) يشهد لمعمودية الأطفال على أنها كانت “الممارسة الراسخة للكنيسة” ويكتب مباشرة بعيد 180: “لأن (يسوع) قد أتى ليخلّص جميعهم بنفسه: أقول، كل أولئك الذين ولدوا ثانية به لله، الرضّع، صغار الأطفال، الصبيان، الناضجون والكبار سناً”[13].

هيبوليتوس في كتابه “التقليد الرسولي” المكتوب في العام215 تقريباً، (لكن مواده هي أقدم) يذكر طقس معمودية الأطفال والبالغين ، معلمّاً أنه على المرء أن يعمّد أولاً الصغار. أن كانوا يستطيعون الكلام عن أنفسهم، فليفعلوا هكذا، وإلا على والديهم أو اقاربهم التكلم نيابة عنهم.

أفريقيا:

لم يبدأ تاريخ كنيسة شمال أفريقيا قبل العام 180 مع أن بدايات المسيحية في أفريقيا كانت أبكر من هذا. مع ترتليانوس نرى ظاهرة جديدة لأول مرة الأ وهي تأجيل الإنضمام للكنيسة بسبب الإعتقاد بأنه يمكن للمرء أن يُخطئ حتى معموديته (عند الإنضمام للكنيسة). ترتليانوس عارض هذا الميل. وفي كتابه “المعمودية” (المكتوب 200-206) كان ينصح بتأجيل المعمودية في حالات خاصة لأسباب مختلفة عما ذُكر، كما في حالات الأطفال والبالغين غير المتزوجين.

أعترف ترتليانوس بأن كلام الرب: “دعوا الأطفال يأتون إليّ ولا تمنعوهم” (متى19: 14) كان يعني أمراً ليسوع بتعميد الأطفال، إلا أن شكوكاً كانت تراوده بخصوص الأعمار المبكرة جداً. فمعمودية الأطفال الصغار جداً، إلا بحالة الضرورات (المرض الشديد والاحتضار)، كانت تُلقي بالعبء الكبير على كاهل العرّابين الذين قد يموتون بدون أن يلبّوا مسؤولياتهم المطلوبة.

جيريمايا يناقش نصيحة ترتليانوس هذه بأن كتاب هذا الأخير De Baptismo قد كُتب تلبية لمناسبة خاصة تتعلّق بالموعوظين في قرطاجة، مما يعني بأن ترتليانوس كان بشكل عام يقصد (في كتابه) معمودية المهتدين إلى المسيحية[14].

فترتليانوس لم يكن يقصد عدم شرعية معمودية الأطفال الصغار بلا ملاءمة هذه المعمودية في الحالات الخاصة المذكورة. هذا واضح من أن ترتليانوس كان يحضّ على تعميد الأطفال المحتضرين وعلى تعميد الأطفال المولودين لأهالٍ مسيحيين. النقطة المهمة هنا والمتعلقة بموضوعنا معمودية الأطفال في الكنيسة الأولى) هي: من شهادة وتحفظات ترتليانوس نستنتج أن معمودية صغار أطفال الوثنيين المهتدين إلى المسيحية ووجود عرّابين لهم كان ممارسة راسخة سلفاً في الكنيسة الأولى. هذا أيضاً يلقي الضوء على دور العرّابين وعلى مسؤوليتهم وعلى طقس معمودية الأطفال.

أيضاً من أفريقيا توجد شهادة هامة جداً عن معمودية الأطفال آتية من مجمع عُقد في قرطاجة العام 251 أو 253 (اشترك به 67 أسقفاً يمثلون المسيحية في أفريقيا) الذي أوصى بعدم تأخير معمودية الأطفال حتى اليوم الثامن (كالختانة) بل أوصى بتعميد الأطفال بعيد ولادتهم (وعمرهم 2-3 أيام). كبريانوس أسقف قرطاجة يذكر أيضاً في أحدى أعماله (العام 251) أنه كان من المعتاد أن يُقدّم الأطفال الصغار للمناولة مما يدل على أنهم كانوا سلفاً معمّدين.

ويكتب هذا القديس نيابة عن مجمع كنسي إلى شخص إسمه فيدوس، الذي أرسل إلى القديس رسالة  يقول فيها على معمودية الأطفال أن تؤجّل حتى تتم الختانة في اليوم الثامن. فيجيب القديس: “لهذا إذاً، يا أخي العزيز، هذا كان رأينا في المجمع، أنه يجب ألا يُعاق أي واحد عن المعمودية وعن نعمة الله، الذي هو رحيم ورؤوف ومحب للجميع.

وبما أنه يجب يحافظ عليها بالنسبة للجميع، فإننا نعتقد أنه يجب أن تُطبّق أكثر بالنسبة للرضّع والمولودين حديثاً، الذين بحسب هذا يستحقون أكثر من سواهم مساعدتنا والرحمة الإلهية” (الرسالة18). مما سبق نستنتج: من شهادات الشرق والغرب ان معمودية الأطفال كانت ممارسة راسخة ومتوطدة وقديمة في الكنيسة منذ القرن الثاني ويتفق الجميع أن هذه الممارسة تعود إلى الأزمنة الرسولية الأولى. ولم توجد أية إشارات أو أدلة كنسية أو تاريخية تشير إلى وجوب تأجيل معمودية الأطفال المولودين من والدين مسيحيين.

بل على العكس، نجد أن الشرق والغرب متفقان بالإجماع على أن تحديد عمر المعمودية بفترة الرضاعة (إيريناوس)، وبصورة أكثر في الأيام الأولى بعد الولادة (أوريجنس وكبريانوس). والمنقوشات التي بدأت في الغرب في السنة 200 تؤكّد ما أكدته المصادر الأدبية.

دراسة كتابية لاهوتية عن معمودية الأطفال في الكنيسة الأولى د. عدنان طرابلسي

براهين من شواهد القبور على معمودية الأطفال:

يذكر جيريمايا عدة أمثلة من شواهد قبور أطفال معمّدين مما يدل على معمودية الأطفال في القرون الأولى المسيحية[15]. من هذه شاهدة من القرن الثالث الميلادي لحالة طفل عمره حوالي 21 شهراً قد عُمّد معمودية إسعافية قبل وفاته لهذا “رقد كمؤمن”. وقد طلبت معموديته جدّته مما يدل على أنه من والدين وثنيين. يذكر جيريمايا أيضاً شاهدة لطفل إسمه زوسيموس مات وعمره سنتين ويعود إلى منتصف القرن الثالث الميلادي. وتدل الشاهدة على أن الطفل كان مُعمّداً. وتوجد شاهدة أخرى تعطينا معلومات عن دين الوالدين لثلاثة أطفال عمرهم 12 سنة توفوا وهم مُعمّدون.

الشرق والغرب متفقان على أن معمودية الأطفال كانت شائعة وقيد الممارسة في القرن الثاني الميلادي وأن الأولاد كانوا يُعمّدون وهم رضّع، وربما في الأيام الأولى من عمرهم، إذ أُستبدلت بعادة الختان المعمودية المسيحية والتي كانت تتم في العمر نفسه تقريباً، وكان تأخير معمودية الأطفال المسيحيين غير معروفٍ في الكنيسة الأولى بحسب جيريمايا. ولا توجد حالة مذكورة عن رقاد أطفال لأهالٍ مسيحيين بدون معمودية قبل السنة 329-330. في القرن الثالث الميلادي توجد عدة رموز وإشارات في نقوش الشواهد لأطفال صغار تساعدنا على الإستنتاج أننا نتعامل مع قبور أطفال مُعمّدين.

أيضاً، يذكر جيريمايا شاهدة لقبر طفل عمره سنة وقد مات وهو “عبدالله” أي مُعمّد. تعود هذه الشاهدة للسنة 200م. وتوجد شاهدة لقبر رضيع إسمه كيرياكوس، ويُدعى “عبد المسيح” وقيل إنه طفل “قديس” مما يدل على معموديته، ويعود إلى القرن الثالث الميلادي. أيضاً، يوجد جزء من نقش قبر يذكر صراحة المعمودية ويعود للقرن الثالث الميلادي، وهو يخص طفلاً رقد بعمر مبكر جداً. أيضاً، يوجد قش آخر “لرضيع بريء” إسمه ديونيسيوس وُصف بأنه مُعمّد بعبارة “هنا يرقد مع القديسين”.

أيضاً يذكر البروفيسور جيريمايا عدة أمثلة من شواهد أطفال مُعمّدين في أعمار مختلفة (من عمر سنة فما فوق) ماتوا بعد معموديتهم. معظم هذه النقوش تعود للقرن الثالث الميلادي. بعض هذه النقوش تدل على معمودية إسعافية أو ملّحة بسبب إحتضار الطفل. بما أن المصادر الآبائية من القرن الثالث، خاصة أوريجنس وكبريانوس، تشير إلى أن أطفال الأهالي المسيحيين كانوا يُعمّدون في عمر مبكر ولم يكن يُسمح بأي تأجيل في معمودية أطفال الأهالي المسيحيين إلا بعد عام 329-330، لهذا نستنتج أن جميع حالات المعمودية الإسعافية الملّحة والتي ذُكرت في بعض هذه النقوش، إنما تعود إلى أطفال أهالي غير مسيحيين.

في القرن الرابع فما بعد صارت معمودية الأطفال أمراً شائعاً في الكنيسة الجامعة، والأمثلة الآبائية والتاريخية على هذا كثيرة جداً، ولا يتسع المجال هنا لذكرها. يستنتج جيريمايا في نهاية كتابه، أنه بعد الفحص الكامل للمصادر يصبح من الواضح أنه في القرون المسيحية الأولى كان يوجد لاهوتيان إثنان فقط قد نصحا بتأجيل معمودية الأطفال، وذلك ضمن تحفظات معينة، هذان هما ترتليانوس والقديس غريغوريوس اللاهوتي. ترتليانوس نصح بتأجيل معمودية أطفال الأهالي الوثنيين فقط (إلا في حالات الإسعاف).

بينما القديس غريغوريوس اللاهوتي نصح بتأجيل المعمودية حتى 3سنوات من العمر. لكن يجب ملاحظة أن أياً من هذين اللاهوتيين لم ينصح بتأجيل معمودية الأطفال لأسباب لاهوتية. إذاً يستنتج جيريمايا أنه في الكنيسة من أصل أممي كان الأطفال المولودون لأهالٍ مسيحيين يُعمّدون منذ القرن الأول الميلادي. الأدلة التي يوردها البروفيسور جيريمايا يمكن تلخيصها على الشكل التالي:

1- لم نسمع في تاريخ الكنيسة الأولى بوجود نوعين من المسيحيين: مُعمّدين وغير مُعمّدين، ولو كانت المعمودية قد مُنعت عن الأطفال المولودين لأهالٍ مسيحيين فإنه سيكون لدينا لاحقاً خليطٌ من المسيحيين مُعمّدين وغير مُعمّدين يعيشون جنباً إلى جنبٍ. هذا بالطبع لم يحدث ولم يكن موجوداً.

2- ليس لدينا معلومات عن إدخال أية ممارسة منحرفة عن الممارسة السابقة (أي عن معمودية الأطفال). وبشكل خصوصي لا نجد أبداً في أدب الكنيسة الأولى اية مناقشات في مسألة فيما بعد إذا كان يجب تعميد أطفال الأهالي المسيحيين أم لا. فلو كانت عادة معمودية الأطفال متأخرة حتى القرن الثاني أو بعده، لكان لدينا على الأقل أثرٌ في الأدب المسيحي عن إدخال عادة جديدة ظهرت لأول مرة لاحقاً وهي عادة معمودية الأطفال، وبالطبع هذا لم يحدث.

3-لم يوجد أي طقس خاص بمعمودية الأطفال لاحقاً. هذا يعني أن معمودية أطفال الأهالي المسيحيين كانت ممارسة شائعة جداً في الكنيسة الأولى. فلو كانت هذه الممارسة لم تُدخل إلا في زمن متأخر بعد تطور طقس خاص بمعمودية البالغين بصورة كبيرة فإن الكنيسة بذلك الوقت لكانت قد أضطرت على إستحداث طقس خاص بمعمودية الأطفال، وهذا لم يحدث.

4- لا يظهر في أي مكان في الأدب المسيحي المبكر أن عادة معمودية الأطفال لم تكن عادة الكنيسة الرسولية  الجامعة، أو أنها كانت عادة طائفة أو فئة كنسية منشّقة. ولكن ما أمامنا من أدلة وبيانات هو بالحري إستعمال من إستعمالات الكنيسة والتي كانت منتشرة بصورة شائعة في كل مكان في الكنيسة الجامعة، هذا الإجماع على معمودية الأطفال يشهد له حتى ترتليانوس الذي كان يفضّل تأجيل معمودية أطفال الأهالي الوثنيين ولكنه لم ينصح أبداً بتأجيل معمودية أطفال المسيحيين.

إذاً، نستنتج أن الشرق والغرب يتفقان على أن معمودية الأطفال تعود إلى الأزمنة الرسولية وإلى التقليد الرسولي.

مناقشة لاهوتية:

من السؤال السابق تعرّفنا على معاني المعمودية ولاهوتها في العهد الجديد أولاً ولدى الكنيسة الأولى (الواحدة الجامعة القدوسة الرسولية) ثانياً. وكما ذكرنا في بداية هذا البحث فإن الخلاف في موقف الكثيرين تجاه معمودية الأطفال مردّه إلى خلافهم في مفهوم المعمودية ولاهوتها فيما بينهم. وحتى لا نكرر ما سبق ذكره من معاني المعمودية ولاهوتها، سنذكر هنا فقط النقاط المتعلقة بمعمودية الأطفال.

الروح القدس يحلّ على الأجنة والأطفال: دعا الله أشعيا من بطن أمّه (أشع49: 1-2). قدّس الله إرميا وأقامه نبيّاً قبل خروجه من بطن أمه (أرم1: 4-6). يوحنا المعمدان إمتلأ من الروح القدس وارتكض إبتهاجاً وهو بعد جنين في بطن أمه (لو1: 15 و 41 و 44). صموئيل تنبأ وهو بعد طفلٌ (1صمو: 1-3). إن كان الروح القدس له المجد قد حلّ ويحلّ على الأجنة والأطفال وهم بعد قاصرون غير واعين، ويباركهم ويقدّسهم ويكرّسهم، فهل يعجز عن الحلول على الأطفال أثناء تعميدهم؟ على العكس تماماً، إن معمودية الأطفال لاهوتياً هي إمتدادٌ لحلول الروح القدس على الأطفال في كل الأعمار.

الرب يسوع يبارك الأطفال: يسوع شفى غلام قائد المائة (متى8: 5-13)، وأقام أبنة رئيس المجمع من الأموات (متى9: 18-26)، وشفى أبنة الفينيقية (متى15: 22-28)، إلخ. هذه الحوادث وسواها تُظهر لنا أموراً مهمة بما يتعلق بموضوعنا.

أولاً: لم يكن عمر الطفل أو الطفلة حاجزاً أو مانعاً لقبول نعمة المسيح.

ثانياً: لم يكن للطفل (أو الطفلة) أي دور في قبول نعمة المسيح ولم يوجد وعيٌ من جهته ليقرر فيما بعد إذا كان سيقبل نعمة المسيح أم لا.

ثالثاً: الرب يسوع شفى الطفل (أو الطفلة) بناء على طلب أحد افراد عائلته أو المقرّبين منه والذي أبدى إيماناً بالرب يسوع وبقدرته على الشفاء. إذاً، هنا أيضاً نجد أن لاهوت معمودية الأطفال هو لاهوت كتابي، بينما مَن ينكر صحّة هذه المعمودية فإنما يطعن بالكتاب المقدس نفسه عن جهل أو عن معرفة. ودور العرّابين في معمودية الأطفال إنما هو أمر كتابي أيضاً.

الرب يسوع يشفي المجانين: الرب يسوع شفى أخرساً ممسوساً (متى9: 22-23)، وممسوساً أعمى وأخرس (متى12: 22)، وشفى الأبن الممسوس المصروع (متى17: 14-18)، إلخ. الإنسان الممسوس (المجنون) لأي سببٍ هو إنسان غير متمالك لقواه العقلية. رغم ذلك، لم يمتنع الرب عن شفاء المجنون بحجة أنه لا يعي ولا يفهم ولا يعرف، إلخ. الأطفال عند معموديتهم هم غير ناضجين عقلياً، ولا يعون أو يفهمون أو يعرفون، ومع ذلك يولدون ثانية بالمسيح ولادة روحية (كما ولدوا من أمهاتهم ولادة أولى جسدية بدون وعيهم وإدراكهم وموافقتهم).

فلو كان غياب الإيمان الواعي والعقل الصحيح في الطفل سبباً للطعن بصحة معموديته، لما أستطاع أن يخلص أي   مختل عقلياً لأنه لن يُعمّد بحسب أعداد معمودية الأطفال! خاصة وأن الرب يسوع نفسه هو القائل: “من أفواه الأطفال والرضّع هيّأت تسبيحاً” (متى21: 16). إذاً، الكلام عن ضرورة وجود الإيمان في الطفل والوعي والإدراك وضرورة تأجيل معمودية الأطفال بسبب هذه الحجة إنما هو كلام يخالف العهد الجديد والعهد القديم. وكما ذكرنا سابقاً: كانت الختانة تتم في اليوم الثامن على كل الذكور اليهود كعلامة على إنضمامهم إلى شعب الله، وذلك بناءاً على إيمان أهلهم.

فلا وعي هؤلاء الذكور وفهمهم لعب دوراً في ختانهم ولا كان عمرهم الغض سبباً لتأجيل هذا الختان. وبولس الرسول (كولوسي2: 11-12) يقول إن المعمودية قد حلّت محل الختان، فصارت المعمودية هي “ختان المسيح”، وبالتالي صارت معمودية الأطفال ضرورة ملحّة للإنضمام إلى كنيسة الله للخلاص بيسوع المسيح، بدون أن يكون لوعي الطفل أو فهمه أو إيمانه أو عمره دورٌ في ذلك.

إذاً، جميع الذين يعارضون معمودية الأطفال يعارضون “ختان المسيح”، ويعارضون أن يلبس الطفل المسيح (غلا3: 27). فليس الخلاص بالفهم أو العقل أو المعرفة أو بالذكاء أو بالتفوق العقلي أو سواه. الخلاص هو بيسوع المسيح المصلوب والذي أُعطي مجاناً للجميع إذا قبلوه وآمنوا به ودُفنوا مع المسيح بالمعمودية ليقوموا معه إلى حياة جديدة.

هل يحتاج الأطفال إلى المعمودية المسيحية؟

عادة مناوئوا معمودية الأطفال يقولون إن الطفل لا يحتاج إلى مغفرة الخطايا إذ لا خطايا لديه، وبالتالي لا يحتاج إلى معمودية مسيحية إلا بعدما يكبر ويخطئ. هذا الجهل باللاهوت المسيحي فاحش. إن كان الطفل لا يحتاج إلى معمودية، فهذا يعني أنه لا يحتاج إلى الروح القدس لأنه بالمعمودية المسيحية يُعطى الروح القدس (أع1: 8)، ولا يحتاج إلى الولادة من الماء والروح (يو3: 3 و5)، وإلى الولادة من فوق وبالتالي لا يحتاج أن يرى ملكوت الله، لأنه بدونها لا يقدر أحدٌ أن يرى ملكوت الله (يو3: 5)

ولا يحتاج إلى دفن مع المسيح وقيامة معه (رو6: 3-6 ؛ كول2: 11-12)، ولا يحتاج أن يلبس المسيح (غلا3: 27)، ولا يحتاج إلى الدخول إلى “جدّة الحياة” (رو6: 3-6)، ولا يحتاج أن ينغرس في جسد المسيح، الكنيسة، ليصير عضواً فيه (اكور12: 13؛ أفسس4: 4)، ولا يحتاج إلى الخلاص (ابطر3: 18). لاحظ أننا ذكرنا الكثير عن المعمودية ولم نذكر بعد غفران الخطايا.

فإن كان الطفل جدلاً لا يحتاج إلى معمودية لأنه لا يحتاج إلى غفران الخطايا، أفلا تكفي الأسباب السابق ذكرها لتجعل والديه يركضون به إلى جرن المعمودية “الرحم الثانية المولّدة”؟! هل رأيتم كم يُخطئ الذين يحاربون معمودية الأطفال مهما كان سبب رفضهم هذا؟! رغم هذا كله، فالطفل يحتاج إلى مغفرة الخطايا.

لا لأنه أخطأ[16]، بل لأنه مولود من آدم العتيق، وقد ورث عنه كل نتائج الخطيئة الجدّية الأولى (من ألم وعذاب وأهواء وتجارب وضعفات وموت، ألخ….)[17]. فالخلاص ليس مسألة فطرية في الإنسان، والقداسة ليست مجرد إمتناع عن إرتكاب الخطايا. هذا كان قبل المسيح. أما في المسيح فالإنسان مدعوٌ للقداسة والإتحاد بالثالوث القدوس، والتألّه ليصير “شريكاً للطبيعة الإلهية” (2بطرس1: 4). هذا لن يحدث بدون ولادة جديدة وبدون إتحاد بجسد المسيح والغَرف من النعمة الإلهية عبر الأسرار الإلهية المقدسة وأولها المعمودية الإلهية المقدسة.

إذاً: وجدنا أن معمودية الأطفال مذكورة في العهد الجديد بصورة غير مباشرة لأن الأطفال كانوا جزءاً من “أهل البيت”، وبالتالي كانوا يُعمّدون مع “أهل البيت” عند دخول رب العائلة في الكنيسة، وأن المعمودية المسيحية قد حلّت محل الختانة اليهودية وبالتالي كان من الطبيعي والواجب أن يُعمّد الأطفال أيام العهد الجديد وما بعده، وأن الكنيسة الأولى فهمت كلمات يسوع (لوقا10: 13-16) عن ضرورة دعوة الأولاد إليه بأنها فرضٌ وواجبٌ وأمرٌ بمعمودية الأطفال، وأن إعتماد الشعب اليهودي بكافة أعماره في السحابة وفي البحر الأحمر وخلاصه بفلك نوح كان رمزاً لمعمودية الأطفال

وأن المصادر الآبائية والتاريخية وسواها في القرون الثلاثة المسيحية الأولى تدل على أن الكنيسة كانت تمارس معمودية الأطفال بصورة روتينية، وأن لاهوت المعمودية يتنافى مع منع تعميد الأطفال بحجة العمر أو غياب الفهم أو المعرفة أو الإيمان أو، أو…، وأن معمودية الأطفال ليست أمراً إختيارياً طوعياً بل هو واجب وضرورة ملحّة ويجب أن تتم بأسرع وقت ممكن ومناسب وهذا ما يتناسب مع لاهوت الكنيسة الأولى ويفسر الإلحاح الذي به كانت معمودية الأطفال تُمارس بعيد ولادة الطفل.

فالمجد للذي إحتضن الأطفال ووضع يديه عليهم وباركهم. 

 

[1] Oscar Cullman: baptism in the new testament، the Westminster press، Philadelphia، 1950

[2] G.R. Beasley-Murray: baptism in the new testament، Eerdmans Publication Co، Michigan، USA، 1990

[3] Joachim Jeremias: infant baptism in the first four centuries، the Westminster press، 1960 & Kurt Aland: did the early church baptize infants? ، the Westminster press، 1963.

[4] مثلاً: مسألة رؤية الله وجهاً لوجه وعدم قابليته للمعاينة، مسألة الله الواحد بالطبيعة والثلاثي الأقانيم، مسألة التجسد والتقنيم، إلخ.

[5] الآباء الرسوليون: ترجمة البطريرك إلياس الرابع؛ منشورات النور. 1970، ص137. أنظر أيضاً: الرسالة إلى بوليكاريوس: 8: 2، ص141.

[6] معمودية الدخلاء هي ولادة جديدة وبداية حياة جديدة وفيها يُعطى اسم جديد للمعتمد. هذا كله نراه في المعمودية المسيحية

[7] هذا نعرفه من السؤال الذي أثير عما يجب فعله في الحالة الحدودية التي تفترض ان حاملاً أممية قد تحوّلت إلى اليهودية. هل كان يعتبر المولود منها مقدساً أم نجساً. الجواب هو أن الولادة كانت اللحظة الحاسمة، وليس وقت الحبل.

[8] راجع أيضاً: متى19: 13-15، لو18: 15-17.

[9] De Baptismo 18: 5

[10] راجع المناقشة المفصّلة في كتاب جيريمايا، الفصل الثالث.

[11] “هل يمكن للطفل الذي ولد للتو أن يرتكب خطيئة؟ ومع ذلك فله خطيئة هي التي أمر أن يُقدّم عنها ذبيحة بحسب ما يظهر(أيوب14: 4 ومز51: 5-7). لهذا السبب استلمت الكنيسة من الرسل تقليد القيام بمعمودية الأطفال أيضاً. لأن الناس الذين لهم قد عُهد بخفايا الأسرار الإلهية يعرفون أنه في كل واحد توجد نجاسات خاطئة أصلية، لا بد أن تُغسل بالماء والروح” (على رسالة رومية5: 19).

وكتب أوريجنس بصورة خاصة أكثر عن معمودية الأطفال: “يُعمد الرضّع لغفران الخطايا. أية خطايا؟ متى أخطأوا؟ بالحقيقة، أبداً بالطبع. ومع ذلك: من يخرج الطاهر من النجس؟ لا احد (أيوب14: 4). لكن النجاسة قد أقصيت بسر المعمودية فقط. لهذا السبب يُعمّد الرضّع أيضاً.” (الموعظة على لوقا 15).

[12] مثلاً: Pseudo-Clementines وأيضاً توجد إشارتان عن معمودية الأطفال في رسائل يوحنا الناسك السوري (بداية القرن الخامس).

[13] ضد الهراطقة: 2 : 22 : 4

[14] راجع المناقشة مفصّلة في كتاب Jeremias السابق الذكر.

[15] لا توجد شواهد لقبور مسيحية قبل السنة 200. عندما بدأ عصر الشواهد المسيحية في بدايات القرن الثالث الميلادي، نجد شواهد لقبور أطفال مسيحيين معمّدين.

[16] الطفل يُخطأ، ولكن بدون معرفة. أما الملاك فلا يُخطأ لا عن جهل ولا عن معلافة.

[17] راجع دكتور د. عدنان طرابلسي “وسقط آدم”.

دراسة كتابية لاهوتية عن معمودية الأطفال في الكنيسة الأولى د. عدنان طرابلسي

نماذج من النساء الخادمات في الكنيسة الأولى، بذلن كل غالي ونفيس وأعمارهن في خدمة الرب

نماذج من النساء الخادمات في الكنيسة الأولى، بذلن كل غالي ونفيس وأعمارهن في خدمة الرب

نماذج من النساء الخادمات في الكنيسة الأولى، بذلن كل غالي ونفيس وأعمارهن في خدمة الرب

لم يكن رسل المسيح وحدهم هم الذين اضطلعوا بتأسيس ملكوت الله على الارض، بل لقد أسهم معهم كثيرون في هذا العمل … هناك جنود مجهولون كثيرون لا نعرف مجرد أسماءهم، وهناك من نعرف أسماءهم لكن لا نعرف عن أتعابهم شيئاً … ومن أمثلة ذلك، الخادمات الثلاث اللائي سنعرض لهن الآن …

– القديسة فيبي

تكاد تكون فيبي أشهر انثي ورد اسمها في رسائل الرسل … لا نعرف عنها شيئاً غير ما دونه القديس بولس  في اول الإصحاح الأخير من رسالته الي كنيسة رومية … والعجيب أيضاً ان تاريخ الكنيسة لا يسجل عنها اي شئ … يكاد الإصحاح الاخير من الرسالة الي رومية يقتصر علي اسماء بعض الاشخاص الذين يبعث بولس تحياته إليهم … ويذكر علي رأس هذه القائمة الطويلة كلها — قبل الرجال — «فيبي خادمة الكنيسة التي في كنخريا  » يقول معلمنا بولس « أوصي إليكم بأختنا فيبي التي هي خادمة الكنيسة التي في كنخريا ، كي تقبلوها في الرب كما يحق للقديسين ، وتقوموا لها في أي شيء احتجته منكم ، لأنها صارت مساعدة للكثيرين ولي انا أيضاً » ( رو 2،1:16 ).

ويبدو أن فيبي كانت متبتلة وكانت تقوم بخدمة فعالة في الكنيسة في منطقة كورنثوس فهي بحسب تعبير بولس «صارت مساعدة للكثيرين ولي أنا أيضاً» … ويبدو أنها كانت تخدم كشماسة في كنيسة كنخريا إحدى مواني كورنثوس في بلاد اليونان. فالرسول بولس يذكرها على أنها Diakanos هذه الكلمة التي تطلق على من يقوم بخدمة الشماسية سواء كان ذكراً أم أنثي (٨٦) … وقد أشرنا سابقاً الي الخدمات التي كانت تضطلع بها الشماسة في الكنيسة الأولي … ولابد وأن فيبي كانت تمارس عمل الشماسية النسوية … وفضلاً عن ذلك، فقد كانت هي كاتبة الرسالة الي رومية، بناء علي إملاء الرسول بولس … وليس هذا فحسب، بل لقد حملت هي نفسها هذه الرسالة الي رومية.

وإذا نفكر في وضع المرأة الاجتماعي في ذلك العصر المبكر، وكيف كانت تحيا في عزلة عن المجتمع، لا يسعنا الا الاعتقاد أن فيبي لم تكن شخصية نسائية عادية … فقد جمعت في شخصها، الي جانب الثقافة، الشخصية والثراء اللذين مكناها من السفر عبر البحار الي روما، من أجل الإيمان بيسوع المسيح.

وليس من السهل أن نسلم بأن مهمة فيبي كانت مجرد توصيل الرسالة التي كتبها القديس بولس الي كنيسة رومية، بل لابد أن يكون الرسول قد كلفها بمهمة خاصة، وجد ان من الحكمة عدم الإفصاح عنها … وكل ما فعله انه أوصي الكنيسة بتسهيل مهمتها … لا شك ان تلك المهمة كانت شيء يتعلق لخدمة الكرازة …

– القديسة بريسكلا

إن كانت فيبي مثال للمرأة المتبتلة الخادمة في الكنيسة الأولي، فإن بريسكلا هي المرأة المتزوجة الخادمة الكرازة، حتى ان القديس يوحنا ذهبي الفم يقول:

[سيبقي اكيلا وبريسكلا المثل الأعلى للكمال في الزواج المسيحي] …

تدعي بريسكلا أو بريسكا وهو اسم لاتين ، وكان زوجها اكيلا يهودياً … ولا نعرف عنهما شيئاً سوي الاشارات العابرة التي يشير بها القديس بولس إليهما في بعض رسائله ، فضلاً عن ذكر اسمهما في سفر اعمال الرسل … كانت تقيم مع زوجها اولاً في روما ، لكنهما تركاها مع كل اليهود الذين طردهم كلوديوس قيصر (٨٧) ، واتيا الي مدينة كورنثوس ، حيث التقي بهما معلمنا بولس في رحلته التبشيرية الثانية حينما وفد  الي هذه المدينة ( اع 2:18 ) … امضي بولس في هذه المدينة سنة ونصف كان خلالها ضيفاً علي هذين الزوجين … وقد وطد من أواصر الصلة إنهما كانا – نظير بولس – يعملان في صناعة الخيام … ولا نستطيع ان نؤكد ما اذا كانت هذه وسيلة كسب عيشهما في روما ايضاً، أم إنهما اضطرا اليها  — نظير بولس أيضاً — إزاء الظروف التي المت بهما بعد طردهما من روما … وقد اشتركا مع القديس بولس في خدمة كلمة الله.

ولما غادر بولس كورنثوس عائداً الي أنطاكية ماراً بأفسس وأورشليم، رافقاه حتى مدينة أفسس … اقاما في مدينة أفسس، واخذا يبشران بكلمة الله، وكان بيتهما هو مكان اجتماع المؤمنين … والرسول بولس في رحلته التبشيرية الثالثة حينما أتي الي مدينة افسس ومكث بها ثلاث سنوات، ومنها كتب رسالته الاولي الي كورنثوس، كانا ما يزالان بها، فنجد القديس بولس يكتب للكورنثيين «تسلم عليكم كنائس آسيا، يسلم عليكم في الرب كثيراً اكيلا وبريسكلا مع الكنيسة التي في بيتهما» (1 كو 19:16).

وبعد ان تغيرت الأوضاع وسمح لليهود بالعودة الي روما، عادت بريسكلا مع زوجها إليها. وهناك أخذا يمارسان نشاطهما الكرازي … فحينما أنقذا بولس رسالته الي كنيسة رومية، بعث بتحياته إليهما في تقدير كبير …  «سلموا على بريسكلا واكيلا العاملين معي في المسيح يسوع، اللذين وضعا عنقيهما من أجل حياتي -اللذين لست انا وحدي اشكرهما بل أيضاً جميع كنائس الأمم، وعلى الكنيسة التي في بيتهما» (رو 3:16-5) … ولا يوجد كلام تقدير أكثر من هذه الكلمات: فهما عملا معه، ووضعا عنقيهما من أجل حياته، ولهما جهود في خدمة الأمم. ويبدو من هذا الكلام ايهما خاطرا بحياتهما في سبيل إنقاذ بولس من المؤامرات التي كثيراً ما تعرض لها من اليهود والأمم على السواء …

ومرة اخري يترك الزوجان روما ويعودا الي آسيا، والي افسس بالذات كبري مدنها، ليتابعا اعمالهما فيها لأجل الرب … فالرسول بولس في آخر رسالة له من سجنه في روما — قبيل استشهاده مباشرة بينما كان يُسكب سكيباً، لا ينسي تعب محبتهما فيكتب الي تيموثاوس تلميذه وأسقف مدينة افسس يقول:

«سلم على بريسكا واكيلا» (2 تي 19:4) … ويلاحظ العلماء -ومنهم يوحنا الذهبي فمه -إن اسمها في العهد الجديد يلازم اسم زوجها، بل ان اسمها في أكثر الحالات يذكر متقدماً على اسم رجلها، مما يدل على شخصيتها الفذة واقتدارها في عمل الرب … ويبدو إنها كانت ايضاً مقتدرة في الكتب المقدسة «حتى إنها صارت شريكة لرجلها في شرح الايمان الحقيقي السليم لأبولس الإسكندري الذي كان خييراً في طريق الرب، عارفاً معمودية يوحنا فقط» (اع 24:18-26).

هذا كل ما نعلمه عن هذه السيدة البارة المضحية، مثال الزوجة المسيحية الخادمة … وللأسف لا يمدنا تاريخ الكنيسة بأية معلومات اخري عنها او عن زوجها.

– القديسة تكلا الشهيدة Thecla (٨٨):

هي تلميذة بولس الرسول، ومثال البتولية والطهارة بين العذارى، ونموذج الجهاد، واحتمال الشدائد … وعلى الرغم من انها لم تسفك دمها لأجل المسيح فقد خلعت الكنيسة عليها لقب [[اولى الشهيدات]] تقديراً لأتعابها بها، والميتات التي قبلتها وأنقذها منها الرب.

كانت تكلا من أيقونة (٨٩)، ومن اشراف تلك المدينة، بارعة الجمال، كريمة الخلق … كانت مخطوبة لأحد اشراف المدينة، عندما وصل القديس بولس الي مدينة ايقونية (اع 51:13) في رحلته التبشيرية الأولي … استمعت الي كرازة بولس وآمنت على يديه … وما لبثت ان اعتمدت ونذرت بتوليتها الرب … وكان ذلك سبباً في هجرها لخطيبها. وحالما كشفت تكلا نواياها لأمها، طار عقلها، وحاولت — ما وسعتها الحيلة — ان تثنيها عن عزمها فلم تتمكن، فشكتها الي حاكم المدينة انها مسيحية …

منذ ذلك الوقت اجتازت تكلا سلسلة من المحاكمات والعذابات والاماتات. أضرم حاكم ايقونية ناراً والقاها فيها، لكن الله أرسل امطاراً غزيرة أطفأت النار وشتتت المجتمعين حولها …

أما هي فتركت مدينتها هاربة إلى حيث القديس بولس، الذي صحبها الي أنطاكية، وهناك تركها لتخدم بين النساء الوثنيات…

وفي أنطاكية فُتن بجمالها أحد وجهائها الطائشين … وإذ رآها مُعرِضة عنه، أراد ان يوقع بها فوشي بها الي الوالي، الذي حكم بإلقائها للوحوش … فألقيت عارية للوحوش ثلاث مرات على ثلاثة أيام متوالية. لكن الوحوش لم تقربها … ألقاها في جب ملئ بالأفاعي فلم تمسسها … وإذ حار الوالي في امرها أطلق سراحها.

إتصلت بالقديس بولس. وبعد أن شجعها وتعزت بإيمانه، ذهبت الي ايقونية مسقط رأسها تبشر مواطنيها بالإيمان الحي. ومن ايقونية انطلقت عائدة الي سوريا وأخذت تبشر في بعض جهاتها … وفي اواخر حياتها عكفت علي حياة الخلوة والنسك والتأمل، ووهبها الرب موهبة الشفاء، فكان الكثيرون يتقاطرون اليها طالبين البرء من امراضهم … وكم من مرة حاول بعض الأشرار الإساءة الي طهارتها، فأنقذها الرب من أيديهم بمعجزة … وأخيراً رقدت في الرب وهي في سن التسعين، ودُفنت في سلوقية.

وقد أفاض آباء الكنيسة الأوائل في مديح هذه القديسة، ومنهم باسيليوس الكبير، وغريغوريوس الثاؤلوغوس، يوحنا الذهبي فمه، وامبروسيوس، وايرونيموس، وايسيذوروس الفرمي، وساويرس الأنطاكي.

 

(86) Wuest , Romans in the Greek N.T., p. 257.

(87) لم يكن الزوجان يهوديين وقت طرد اليهود من روما، لكن المسيحيين طردوا مع اليهود، لأن الرومان كانوا ينظرون إلى المسيحية حتى ذلك الوقت على أنها شيعة يهودية

(88) Smith, Dictionary of Christian Biography, Vol. 4, pp. 882-895; Wace, Piercy, Dictionary of Christian Biography , pp. 953-956.

(89) مدينة بإقليم غلاطية بآسيا الصغرى (أنظر: أعمال 14: 1).

نماذج من النساء الخادمات في الكنيسة الأولى، بذلن كل غالي ونفيس وأعمارهن في خدمة الرب

خدمة النساء في الكنيسة الأولى، المرأة في الكنيسة الأولى (العصر الرسولي نموذجًا)

خدمة النساء في الكنيسة الأولى، المرأة في الكنيسة الأولى (العصر الرسولي نموذجًا)

خدمة النساء في الكنيسة الأولى، المرأة في الكنيسة الأولى (العصر الرسولي نموذجًا)

سبق أن عرضنا لأثر المسيحية على المرأة، ووضع المرأة في الكنيسة المسيحية.

لذا، فليس غريباً أن نلمس خدمة النساء واضحة في كنيسة الرسل، ونقرأ عن نشاطهن. على أن ذلك لم يكن شيئاً مألوفاً في مجتمع ذلك العصر… لقد وجدت كاهنات في بعض الديانات الوثنية، ووجدت عذارى للآلهة فستا “Vesta”، لكن دور المرأة اليهودية – في الخدمة الدينية – كان ضئيلاً ومحدداً. والمرأة اليهودية لم تكن في حال أفضل من هذه الزاوية، إذ لم يكن يُسمح لها بالمشاركة في الخدمة الدينية. وبإستثناء أمثلة نادرة ومتفرقة (١٠٠)، فإن المرأة في اليهودية، كانت بمعزل عن مجال الخدمة الدينية. وليس أدل على ذلك من الغرابة التي تملكت تلاميذ السيد المسيح حينما رأوه -في قصة السامرية – يُكلم إمرأة (يو 27:4)… فلقد نظر معلمو اليهود في ذلك العصر الي المرأة نظرة احتقار. لكن المسيحية رفعت من قدر المرأة.

لقد أشرنا قبلاً إلى النساء اللاتي كُنَّ يخدمن الرب يسوع من أموالهن … هؤلاء لم تتوقف خدمتهن له بإنتهاء حياته الجسدية على الأرض. لكنهن قدمنها له شخص كنيسته المقدسة التي هي جسده. وحتى قبل مولد الكنيسة في يوم الخمسين، نرى مشاركة المرأة في حياة الكنيسة وخدمتها. لقد قدمت مريم أم يوحنا الملقب مرقس (مار مرقس) بيتها في أورشليم ليكون أول كنيسة مسيحية في العالم (اع 12:12). وهناك كانت النساء المؤمنات والعذراء الطاهرة مريم يواظبن على الصلاة مع الرسل، منتظرين موعد الآب (اع 14:1).

وخارج أورشليم، نقرأ عن طابيثا في يافا، تلك التي كانت ممتلئة أعمالاً صالحة وإحسانات للفقراء والأرامل (اع 36:9)، وبنات فيلبس المبشر الأربع اللائي كن يتنبأن في قيصرية (اع 9،8:21)… ويحدثنا مار بولس في رسالته الي أهل فيلبي عن افودية وسنتيخي اللتين جاهدتا معه في الانجيل (في 3،2:4)… ويشير مار بولس في رسالته إلى أهل رومية عن خدمة النساء في عاصمة الإمبراطورية… فيذكر مريم التي تعبت كثيراً، وتريفينا وتريفوسا التاعبتين في الرب… كما يذكر برسيس المحبوبة (رو 12،6:16).

وفي كنيسة كورنثوس وجدت إثنتان من أنشط نساء العصر الرسولي خدمة هما بريسكلا وفيبي… وقد خدمت الأولى مع زوجها اكيلا في أفسس وروما وكورنثوس. وقد أقام بولس في بيتها في كورنثوس مدة إقامته الطويلة هناك. ويتحدث عنهما بتقدير كبير فيقول: «اللذين وضعا عنقيهما من أجل حياتي» (رومية 4:16).

أما فيبي فهي أيضا من كنيسة كورنثوس، ويذكرها القديس بولس في الرسالة الي أهل رومية، وهي نفسها كاتبة هذه الرسالة… «أوصي اليكم بأختنا فيبي التي هي خادمة الكنيسة التي في كنخريا (١٠١)، لكي تقبلوها في الرب كما يحق للقديسين… لأنها صارت مساعدة لكثيرين، ولي أنا أيضاً» (رو 2،1:16).

– الشمَّاسات (١٠٢):

تكلمنا عن النساء في كنيسة الرسل، وذكرنا بعض الأسماء. هؤلاء اللائي ذكرنا أسماءهن، كن يعملن بغيرة قلبية، لكننا لا نعتقد انهن كن مكلفات من قبل الكنيسة… وأول إشارة تقابلنا في العهد الجديد عن دياكونية المرأة، هي المرتبطة بفيبي… يقول مار بولس في (رو 1:16) «أوصي اليكم بأختنا فيبي، التي هي خادمة الكنيسة التي في كنخريا ». والكلمة اليونانية التي ترجمت خادمة هي Diakonos وهي نفس الكلمة التي استخدمت عن السبعة شمامسة (اع 6).

والقديس بولس في رسالته الي تلميذه الأسقف تيموثاوس، فيما يتحدث عن صفات الشمامسة، يشير الي النساء «كذلك يجب أن تكون ذوات وقار غير ثالبات صاحيات أمينات في كل شيء» (1تي 11:3). ويكاد يجمع جميع المفسرين القدامى والمحدثين، على أن الرسول يتكلم هنا عن الشماسات، وليس عن زوجات الشمامسة. يقول القديس يوحنا الذهبي فمه في تفسيره لهذه الآية: [لقد ظن البعض أن هذا الكلام قد قيل عن النساء عامة. لكن الامر ليس كذلك… إنه يتكلم عن الشماسات] (١٠٣) … ويؤكد الاستاذ وست Wuest أن النص اليوناني يؤكد وجهة النظر بأن الامر يختص بالشماسات (١٠٤).

أما الخدمة التي كانت الشمَّاسة منوطة بها، فهي خدمة بنات جنسها بصفة عامة، مما نصت على ذلك قوانين الرسل. كانت تقوم على المداخل المؤدية الي القسم المخصص للنساء في مكان العبادة (١٠٥). وكان من اعمالها الهامة، مساعدة الكاهن في عماد النساء في الأمور واللحظات التي يجب أن يتنحى، حتى لا يبصر جسد امرأة عارياً (١٠٦) … وكان الأسقف يرسلها لافتقاد النساء، خاصة في بيوت غير المؤمنين، حيث يستحسن ألا يذهب الشماس الرجل للافتقاد منعاً للعثرات (١٠٧).

وقد أجملت قوانين الرسل خدمة الشماسة في النص التالي [والشماسة فلتكن صاحية في العناية بالنساء، ويكون كلاهما (الشماس والشماسة) على استعداد لحمل رسائل، للسفر، وللخدمة] (١٠٨) … وفي تقليد قديم أن فيبي شماسة كنيسة كنخريا هي التي حملت رسالة القديس بولس الي اهل رومية، بعد أن كتبها في كورنثوس.

وقد إشترطت قوانين الرسل أن تكون الشماسة، عذراء طاهرة، أو على الأقل أرملة سبق لها الارتباط بزيجة واحدة (١٠٩). ونلاحظ أن رتبة الشماسة في الكنيسة ليست درجة كهنوتية، فلا كهنوت للنساء. ولا توضع عليها الأيدي كما في حالة الرسامات الكهنوتية. لكنها تقام من الأسقف، ويتلو عليها صلاة، وردت في قوانين الرسل (١١٠)، وجاء فيها: «يا الله الأبدي، أبا ربنا يسوع المسيح، خالق الرجل والمرأة، الذي ملأ بروحه مريم ودبورة وحنة وخلدة، ولم تستنكف أن يولد إبنك الوحيد من امرأة… إلخ».

هكذا كانت الكنيسة الأولى حية لكل احتياجاتها، واستغلت كل طاقات أعضائها، من أجل تحقيق الرعاية الكاملة لكل فرد فيها… وعلى الرغم من الجمود الذي كان يتصف به المجتمع وقتذاك من جهة احتجاب المرأة ووضعها، فقد عرفت الكنيسة كيف تتغلب على هذه الصعوبات الاجتماعية، التي كان لا سبيل لإصلاحها بكلمة واحدة، أو في زمن يسير…

لقد دخلت الكنيسة الي حيث النساء والفتيات في شخص الشماسات والقديسات. ونحن لا نشك في أن شطراً كبيراً من تعليم النساء والأطفال كان موكولاً إليها. وكانت هي همزة الوصل بين الكنيسة والقطاع النسوي فيها (١١١).

– الأرامل (١١٢):

أول ما نقرأ عن الأرامل في الكنيسة المسيحية في (اع 1:6)، فيما يتصل بموضوع إقامة السبعة شمامسة. ثم نقرأ عنهن في قصة طابيثا (اع 41،39:9)…

ويبدو أن رعاية الكنيسة لهن في الفترة المبكرة من تاريخها كان ينحصر في تقديم وجبات طعام يومياً (اع 1:6). لكن سرعان ما تزايد عدد الأرامل، حتى أن الرسول بولس يعطي إهتماماً خاصاً لهن في رسائله الرعوية. وإزاء تزايد الأعباء المادية على الكنيسة بسبب مساعدتها للأرامل، كتب القديس بولس هكذا: «إن كان لمؤمن أو مؤمنة أرامل فليساعدهن، ولا يثقل على الكنيسة لكي تساعد هي اللواتي هن بالحقيقة أرامل» (1 تي 16:5).

على أن ما يهمنا في موضوع الأرامل، ليس هو رعاية الكنيسة لهن مادياً، فهذا أمر مفروغ منه، ويتكلم عنه يعقوب الرسول على أنه الديانة الطاهرة (يع 27:1) …

لكن الكنيسة الناشئة عرفت كيف تقوم بواجبها إزاء هذه الفئة البائسة، وفي نفس الوقت رفعت من معنوياتهن، وإستفادت منهن بعد أن كن يشكلن عبئاً عليها… لقد عرفت الكنيسة كيف تحول هذه الفئة الي طاقة فعالة ضمن طاقاتها.

لقد شكلت الأرامل طغمة خاصة داخل الكنيسة، لهن عمل ورسالة… وهكذا إنقلتهن الكنيسة من وضع المنتفعين الذين يتقاضون مساعدات مادية، الي وضع الخادمات… ليس معني هذا ان الكنيسة تخلت عن إعالتهن والعناية بهن، لكن كانت عليهن أعمال يؤدونها، مقابل إعالتهن.

يقول القديس بولس لتلميذه الأسقف تيموثاوس: «لتكتتب أرملة أن لم يكن عمرها أقل من ستين سنة، إمرأة رجل واحد. مشهود لها في أعمال صالحة. ان تكن قد ربت الأولاد، أضافت الغرباء، غسلت أرجل القديسين، ساعدت المتضايقين، إتبعت كل عمل صالح. أما الأرامل الحدثات فأرفضهن لأنهن متي بطرن على المسيح يردن أن يتزوجن» (1تي 9:5-11) … هذا الكلام يوضح أنه كانت هناك شروط لعضوية طغمة الأرامل في الكنيسة.

ليس معني هذا ان الكنيسة كانت تساعد فريقاً من الأرامل دون فريق، بل هي كانت تساعد الجميع، لكنها اشترطت مؤهلات معينة لعضوية طغمة الأرامل، اللائي سيوكل إليهن خدمات معينة (١١٣).

هكذا نرى إن مؤهلات الارملة كانت مؤهلات عالية، حتى أن القديس يوحنا الذهبي فمه، في تعليقه على قول الرسول «إتبعت كل عمل صالح».

(1تي 10:5) يقول: [عجباً! أي نوع من التدقيق هذا الذي يطلبه الرسول من الأرامل. إنه يكاد يكون نفس ما يطالب به الأسقف…] (١١٤).

وليس هذا فحسب، بل إن قوانين الرسل أمرت بأن تبقي الأرملة فترة تحت الاختبار، إن لم يكن موثوقاً بها، وذلك قبل أن تُدرج في قوائم طغمة الأرامل (١١٥). ولا شك أن هذا يوضح لنا مدي اهتمام الكنيسة الأولي بهذه الفئة، التي غدت عبر الأجيال كماً مهملاً في كنيسة المسيح!!

هكذا نري أن الأرامل قد شكلت طغمة خاصة داخل الكنيسة، لهن كيان خاص متميز عن العلمانيين العاديين (١١٦). ولكن يبدو أن الأرامل في عملهن وخدمتهن كن على نوعين: نوع منقطع للصلاة وملازمة الكنيسة تشبهاً بحنة بنت فنوئيل (١١٧) التي وهي «أرملة نحو أربع وثمانين سنة لا تفارق الهيكل، عابدة بأصوام وطلبات ليلاً ونهاراً»

(لو 37:2)، ونوع كان يخدم بين المرضي، ويحث الشابات على حياة الطهارة، ويبشر بين غير المؤمنات (١١٨) وهذا يتماشى مع وصية القديس بولس لتلميذه الأسقف تيطس عن العجائز «معلمات الصلاح (١١٩) لكي ينصحن (يدربن) الحادثات» (تي 4،3:2).

وقد اشار الآباء الرسوليون الي الأرامل وخدمتهن، واوصوا بهن… أشار إليهن هرماس في كتابه الراعي (١٢٠). والقديس اغناطيوس الشهيد، عير الهراطقة لأنهم أهملوا الأرامل (١٢١)، ويحث القديس بوليكاربوس، ألا يهمل الأرامل، بل يجعلهم موضع عنايته الخاصة (١٢٢) …

وبوليكاربوس نفسه يحث قسوس فيلبي ألا يهملوا الأرامل، ويدعوهم [مذبح الله] (١٢٣) … وقوانين الرسل تشبه الأرامل والأيتام بمذبح المحرقة الذي كان في هيكل العهد القديم، الذي كانت التقدمات تقدم عليه لله (١٢٤) … ويوستينوس الشهيد، يضع الأرامل والأيتام على رأس قائمة من توزع الكنيسة عليهم مساعدتها(١٢٥).

الهوامش

(100) مثل دبورة وخلدة النبيتين – أنظر: قض 4: 4؛ 2مل 22: 14.

(101) ميناء كورنثوس.

(102) Ency. of Religion and Ethics, Vol. 8, pp. 668, 669; Dictionary of Christian Antiquities Vol. 1, pp. 532; The Ministry of Deaconesses, pp. 64-79.

(103) Commentary in 1 Timothy, Homily 11 (N.P.N.F., p. 441).

(104) Wuest, the Pastoral Epistles, p. 61.

(105) Apostolical Constitutions, 2. 57. (A.N.F., p. 42).

(106) Ibid, 3. 16. (A.N.F., p. 431).

(107) Ibid, 3. 2. (A.N.F., p. 431).

(108) Ibid, 3. 19. (A.N.F., p. 432).

(109) Ibid, 6. 17. (A.N.F., p. 457).

(110) Ibid, 8. 20. (A.N.F., p. 492).

(111) يقول المؤرخ شاف ان وظيفة الشماسة في الكنائس الشرقية استمرت حتي نهاية القرن الحادي عشر. أنظر: Schaff , Vol. 1 pp. 500, 510

(112) اهتم الاباء بوضع الأرامل في الكنيسة ووضعوا لهن القوانين – أنظر : قوانين باسيليوس الكبير ص 366-370، S. Augustin , Good widowhood.

)113) Wuest; The Pastoral Epistles, p. 78.

)114) Commentary on First Timothy, Homily 14 (N.P.N.F., p. 454).

(115) Apostolical Constitutins, 8. 25 (A.N.F., p. 493).

(116) Ibid, 3. 1. 2; 8. 25.

(117) Ibid, 3. 1 (A.N.F., p. 426).

(118) Dictionary of Christian Antiquities, Vol. 2, p. 2034; Hasti, Dictionary of the Bible, p. 972.

(119) لفظ معلمات الصلاح في اليونانة هو Lalodidaskaios وتعني معنى التعليم الشفوي والتدريب. أنظر: Wuest; The Pastoral Epistles, p. 191

(120) Hermas; The Pastor, 3. 26.

(121) Epistle to the Smyrnaeans, ch. 6.

(122) Epistle to Polycarp, ch. 4.

(123) Epistle to the Philipians, ch. 4.

(124) Apostolical Constitutions, 2. 26.

(125) Justin Martyr, 1 Apol. 67.

خدمة النساء في الكنيسة الأولى، المرأة في الكنيسة الأولى (العصر الرسولي نموذجًا)

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

 

حياة يسوع في سياق القرن الاول الميلادي – جون إدوارد – إجتماع النور (الزيتون)

حياة يسوع في سياق القرن الاول الميلادي – جون إدوارد – إجتماع النور (الزيتون)

حياة يسوع في سياق القرن الاول الميلادي – جون إدوارد 

حياة يسوع في سياق القرن الاول الميلادي – جون إدوارد – إجتماع النور (الزيتون)
Exit mobile version