الاطار العام للمسيحية في القرن الثاني – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج2
الاطار العام للمسيحية في القرن الثاني – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج2
الاطار العام للمسيحية في القرن الثاني
بعد أن عاشت الكنيسة الإيمان الثالوثيّ المُستلم من الرسل، سواء مما كتبوه وتركوه لنا في العهد الجديد، أو مما سلَّموه شفاهة، وعاش في خبرة الكنيسة كجماعة ليتورجيّة مُتعبدة، وبعد رحيل آخر الرسل (القديس يوحنا اللاهوتيّ)، ثُمَّ مرحلة الاصطدام باليهود والرومانيّون، مع الإيمان المسيحيّ، الذي كان يخالفهم الرأي، ويتصدى لمعتقداتهم، ويفضحها، ويجرّدها من معانيها.
كان صوت المسيحيّين هذا، إنطلاقًا من الأمانة التي أودعها المسيح في الكنيسة، إذ اعلن لها عن إله يسكن فيها، وهيَ بدورها تحيا كارزة له، بالعمل وبالكلمة، وما لا يُمكن أن تقبله على نفسها، هو أن تطمر هذه الوزنة مثل العبد الجبان، الذي انتظر الساعة الأخيرة ليُعيدها إلى سيده (مت25: 14- 31)، بل أن تستثمرها، وتحميها، وتصونها، وتُدافع عنها عند الحاجة، وتسبر الغنى الموجود فيها، لتستمد منه غذاء مُشبعًا لكل ما يُثار من أفكار حول الإيمان.
انطلاقًا من هذه الرسالة، التي سلّمها يسوع المسيح للكنيسة، وائتمنها عليها، راحت الكنيسة تُبشّر بتعاليمه، وتَدرِس في الوقت عينه، صفات المُعلم، لترد على تساؤلات شخصيّة، وعلى استفهامات المُرتدين الجُدّد.[1]
كانت الأجوبة في البدء تعتمد كُلّيًّا على الكتب المُقدّسة، إذ كانت الحرب مع اليهود، ويكفي إثبات مسيّانيّة يسوع حتّى يؤمنون. ثم، تطوّر الوضع، حتّى لا تتشتّت الجماعة من تفسيرات مُختلفة للنص الكتابيّ، فأصبح التقليد هو المقياس الذي يُبنى عليه تفسير العهدين، والتّعليم اللاهوتيّ على السواء.
بعد قليل، واجه المسيحيّون الوثنيّين، فكان لابد من التعامل معهم من نفس الأرضيّة التي يتحركون منها للنقد، وهيَ الفلسفة والبحث النظريّ، وعلوم اللغة. إذا أضفنا إلى كلّ ما سبق الهرطقات التي نشأت في بوادر المسيحيّة، فإنّنا نجد من كلّ ذلك العوامل التي دفعت مُعلميّ الكنيسة الأولين نحو تأسيس علم اللاهوت المسيحيّ، الذي نما وتطوّر عبر القرون واللغات، ولم يتغيّر أساسه الأصليّ الذي وضعه الرسل، ونحتته الكنيسة على مدى العصور.
عند قراءتنا للنصوص اللاهوتيّة عند آباء ما قبل القديس إيرينيئوس –ولا سيَّما حقبة الآباء الرسوليّون والمُدافعون- يجب أن نضع في أذهاننا أن هؤلاء الآباء لم يفكروا بوضع لاهوت نظاميّ، بل كان جلَّ اهتمامهم مُنصبًا على الشأن الرعويّ، أي التمسك بما تسَلمّوه من تعاليم الرسل، وكيفية تطبيق هذه التعاليم بشكل عمليّ أمام التحديّات التي تواجهها الكنيسة في ذلك العصر.
كما أنّ آباء حقبة ما قبل نيقية، عاشوا ورحلوا قبل بدء المجامع المسكونيّة ومشكلة تحديد الصيغ الإيمانيّة، تلك المجامع التي نحتّت الصيغ اللاهوتيّة، تلك المُستخدمة في الشرح اللاهوتيّ حتّى عصرنا الحاليّ، مثل: ثلاثة أقانيم وجوهر واحد، مفهوم الأقنوم، مفهوم الطبيعة، مفهوم الجوهر… وغيرها.
لذا، فإنّ هؤلاء الآباء قد نحتوا ألفاظهم اللاهوتيّة الخاصة، تلك الألفاظ المُختلفة -في الغالب- عن المفاهيم اللفظية المُستخدمة في الشروحات اللاهوتيّة منذ فترة ما بعد نيقية. هذا الأمر الذي جعلهم في كثير من الأحيان موضع شك وريبة من الباحثين في ما إذا كانوا يعتقدون الاِعتقاد السليم في الإيمان، أم كان لديهم خلط بين الأقانيم، أو أنّهم اعتقدوا في التبعية.[2]
أيضًا الهرطقات والمُشكلات اللاهوتيّة التي كانوا يواجهونها، كان لها تأثيرًا كبيرًا في أسلوب التفسير وفي استخدام المُصطلحات. فمثلًا النص المذكور في إنجيل ق. يوحنا ”أبي أعظم مني“ (يو14: 28)، فمع نهاية القرن الثاني وبدايات القرن الثالث نجد تفسيرات ترتليان وأوريجانوس لهذا الشاهد هيَ محاولة للتمييز بوضوح بين الآب والابن، ذلك لأنّهم كانوا في مواجهة الهرطقة المونارخيّة أو السابليّة التي تُشدّد بشكل مُفرط على وحدانيّة الله لجعلها أقرب للشكل الصنميّ الجامد الواحد عدّديًّا.
وعلى الرغم من أن ترتليان وأوريجانوس كانا يؤكدان دائمًا على أن المسيح هو الله مثل الآب تمامًا – كما سنرى في الفصول القادمة – إلَّا إنّهم رغبوا من خلال هذا الشاهد في التمييز بين الآب والابن وايضاح أنهما أقنومان وليسا أقنومًا واحدًا.
بينما نفس هذا النص في القرن الرابع أتجه التفسير الآبائيّ من خلاله للتدقيق على الوحدة بين الآب والابن، وذلك لأنّ المُشكلة التي تواجهّها الكنيسة في عصرهم ليست المونارخيّة، بل الآريوسيّة التي تُنادي بأنّ الابن إله أقل من الآب، أو بمعنى آخر فهي تُنادي بإلهين.[3] ولهذا فالخلفيات الثقافيّة واللاهوتيّة مُهمة للغاية لمعرفة ما كان مقصد كلّ أب من الآباء بتدقيق.
يُعتبر القرنين الثاني والثالث، مرحلة حاسمة في تاريخ الكنيسة، فلم تعد المسيحيّة محصورة في مجموعات صغيرة، تنتمي اجتماعيًّا إلى الأقليات. بل، أصبحت مُتأصلة تأصلًا متينًا في طبقات المجتمع كلها، ومُنتشرة جُغرافيًا انتشارًا واسعًا من المُحيط الأطلسي إلى بلاد فارس.
على العكس مما نتصوّره غالبًا، لم تتعرض المسيحيّة للاضطهاد المُستمر، بل مرّت بأحداث هدوء وسلام طويلة، وقد كان هذا خير سبيل نحو انتشار الرسالة، ونمو الكنيسة الداخليّ، على السواء.
وكما رأينا في الفصول السابقة، فإنّ مُحاربة البدع قد أدّت إلى وضع علم لاهوت حقّيقيّ، وأن هذا التطوّر الذي شهده الفكر المسيحيّ، قد بلغ شأوًا أوقع الفلاسفة اليونانيّين في القلق. وهذا ما دفع ”كلسّس“ (177- 180م) إلى مُهاجمة المسيحيّة واليهوديّة كمنشأ لها، وتصدى له العظيم أوريجانوس.
على صعيد آخر، اجتهدت الكنيسة في وضع أسّس متينة، وبدأ ظهور إكليروس تراتيبي حول الأسقف، وتطوّر ليتورجيّ، وقانونيّ وتنظيمي إن صح قولنا.
وقد انعقدّت الكثير من المجامع المحلية، التي تجمع بين كنائس تنتمي إلى بُقعة جُغرافية محدودة. فزادت من أواصل الوحدة بين المسيحيّين. حتّى إن القديس كبريانوس، قد جمع حوله واحد وسبعين أسقفًا في مدينة قرطاجنة عام 256م، وهو أولى المجامع المحلية الهامة.
لكنّ لم تمتد هذه الفترة طويلًا، إذ بعد وقت ليس ببعيد، سيثير الشيطان دقلديانوس ليُذيق المسيحيّين أشد أنواع الاضطهادات وأعنفها على مدى التاريخ، ذاك الذي سوف يستمر نحو ثماني سنوات (303: 311م).[4]
[1] انظر: أنطوان عرب، ميشال أبرص (الأبوان)، المجمع المسكونيّ الأول (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1997)، ص 36، 37.
[2] Subordination: هرطقة، غالبًا ما تُنسب إلى بعض آباء ما قبل نيقية كيوستينوس وترتليان وأثيناغوراس وأوريجانوس، وهيَ في المجمل تعني أنّ الابن والروح القدس أقل من الآب وتابعين له.
[3] للمزيد انظر: جورج عوض، الآباء والكتاب المُقدّس (القاهرة: مؤسّسة القديس أنطونيوس، 2015)، 50 وما بعدها.
[4] انظر: أنطوان الغزال، صبحي حموي (الأبوان)، تاريخ الكنيسة المُفصل (بيروت: دار المشرق، 2002)، ص 75، 76.
الاطار العام للمسيحية في القرن الثاني – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج2
الخلفيات الثقافية للمسيحية المبكرة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج1
الخلفيات الثقافية للمسيحية المبكرة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج1
أفلاطون plato ولد أفلاطون أريستون في القرن الخامس ق. م. ولد في أحداث مؤسفة حيث هُزِمت أثينا من إسبارطه.
قام بالكثير من الرحلات حيث ذهب إلى مختلف المدن اليونانيّة وجنوب إيطاليا، ووصل رحلاته في الشرق حتّى مصر القديمة.
حاول كثيرًا أن يعمم فلسفته السياسيّة من خلال الحُكّام، خاصة مع ديونسيوس حاكم مدينة سيراقوصة، ولكنه فشل، واقتنع حينها أن عليه اولًا أن ينشيء الشباب على حبّ الفلسفة، واحترامها، ثمّ ستتغيّر حينها الأحوال السياسيّة.
ومن هُنا أنشأ مدرسته الفلسفيّة، وهي اولى المدارس الفلسفيّة في أثينا عند حديقة البطل أكاديموس، وأسماها الأكاديميّة، وقد قامت على الحوار والنقاش.
تقوم ركيزة نظريات أفلاطون الفلسفيّة على نظرية المُثل، وتقول النظريّة بأنّنا نعيش في عالم من الظلال والأوهام، والتي لن نستطيع أن نكتشف حقيقتها إلَّا حين نفك عنّا القيود التي تُكبلنا بهذا العالم، وهذا يحدث عن طريق معرفة الحقيقة..
ومن هُنا جاء المثل الذي وصلت شهرته إلى شهرة أفلاطون نفسه، وهو الكهف، حيث يقول إنّنا نحيا داخل كهف كبير، مُكبلين إلى الحائط، ولا نرى سوى الظلال المنطبعة على حائط الكهف المقابل لمدخله الذي منه يأتي النور من عالم الحقيقة, لكن الذين في الكهف، لم يروا سوى الظلال، فاعتقدوا أنّها حقيقة.
وتنقسم النفس الإنسانيّة عنده إلى ثلاث: النفس الشهوانيّة، والنفس الغضبيّة أو الحماسيّة، والنفس العاقلة. وربما من هذه الثلاثيّة تحدث أفلوطين عن الثالوث الذي يوصله نحو الله.
ومن هذا التقسيم السابق أخذ أوريجانوس تقسيمه للنفوس الروحانيّة، ولقُرَّاء الكتاب المُقدّس.
وتعدُّ محاورتيه ”تيماوس أو عن الخلق، وفيدون أو عن النفس“ من أهمّ المحاورات التي استند عليها آباء الكنيسة الشرقيّة عامّة في تعاليمهم.
وقد تأثر بفلسفته كثيرًا الآباء الكبادوك، والسكندريون، ولكن السكندريّين دخلت عليهم كتابات أُخرى طورت من فكرهم كما سنعرف.
أرسطو وُلِد أرسطو طاليس نيقوماخوس في مدينة باسطاغير على ساحل إيونيا في أوائل القرن الرابع ق. م.
مات والده وهو في الثامنة عشر، فترك مقدونيا والتحق بأكديمية أفلاطون بأثينا، وتتلمذ على يد أفلاطون الذي لمح نبوغه ودعاه بـ”عقل الأكاديمية“، ولسعة اطلاعه وقراءاته دعاه بـ”القَرَّاء“.
بعد وفاة أفلاطون، ترك الأكاديمية وانتقل من أثينا إلى مقدونيا، وبعد عدّة سنوات دعاه فيليب ملك مقدونيا ليتلمذ ابنه الإسكندر (الأكبر)، ولبى أرسطو الدعوة وتلمذ الإسكندر لمدة أربع سنوات.
وبعد أن مات الملك فيليب وقاد الإسكندر الجيش ليفتح شرق البلاد، غادر أرسطو مقدونيا إلى أثينا، وبدأ يتطوَّر فكره عن فكر مُعلِّمه أفلاطون.
أسّس مدرسته الخاصة ”اللوقيون“ لتكون منافسة للأكاديميّة، أو لنقل متميّزة عنها، حيث ألحق بها متحفًا به العديد من النباتات والحيوانات التي كان يجري عليها التجارب، وجعل فترة مسائيّة خاصة بالجمهور من العامّة يلقي عليهم علومه وخطاباته، وهو ما قضى تمامًا على السفوسطائيّة التي فشل سقراط وأفلاطون في القضاء عليها.
نظرية المعرفة عند أرسطو تبدأ من الحواس التي تقودنا إلى المعرفة العقليّة التأمليّة، فليس العقل الخالص هو ما يقودنا إلى المعرفة.
وأهمّ ما يُميّز فلسفته هو الجوهر والعرض συμβεβυκος وببساطة تعني أنّ الجوهر هو الطبيعة أو استقلال الشيء بذاته في حدود، أمّا العرض فهو الوجود من خلال الطاقات، فهو صورة الجوهر لا الجوهر ذاته. وإنّ الاتحاد والاختلاط لا يحدث بين جوهرين، بل بين طاقات جوهرين، لإنّه في حالة اختلاط جوهرين فإنّهما يُنتجان شيئًا جديدًا ويتلاشيان فيه.
من هذه النظريّة أخذ الأنطاكيّون تفسيراتهم عن: وجهي الكتاب المُقدّس التاريخيّ والروحيّ، وطبيعتي المسيح، ومفهومهم عن التألُّه بالطاقات غير المخلوقة.
وهكذا نجد أنّ أكثر من تأثر بفلسفته هم الأنطاك.
فيلو Philo فيلسوف يهوديّ عاش في الفترة من (30 ق. م- 50م)، بمدينة الإسكندريّة، حيث التحق بمدرستها الفلسفيّة، وهو أشهر فيلسوف دينيّ في عصره، حاول أن يوفق بين الفلسفة اليونانيّة ونصوص الكتاب المُقدّس، فكان ينطلق من الحدث الدينيّ ليتحرك نحو المفهوم الفلسفيّ الذي يحمله.
تأسّست الرمزية في اليهودية الإسكندرانية على وجهها الأكمل على يد فيلون[1] Philo الذي وضع لها نظامًا لتضييق الفجوة بين إعلان العهد القديم والفلسفة الأفلاطونية، إذ حمل إلى اليهود الفكر الهيليني في شرح العهد القديم لكسب المثقفين، مستخدمًا الرمزية. ويقارن فيلون المعنى الحرفي للكتاب بالظل، باحثًا عن الحقيقة الأصلية العميقة في المعنى الروحي الذي يرمز إليه[2].
وهو في هذا لا يقلل من شأن المعنى الحرفي أو يتجاهل المغزى التاريخي، لكنه ينظر إليه كجسم الإنسان الذي يحظى بكل احترام[3]، وإن كانت النفس أثمن منه.
تأثر به وبمنهجيته في التوفيق بين الدين والفلسفة جميع آباء الكنيسة.
أمونيوس ساكاس Ammonius Saccas أحد أشهر مُدرسي مدرسة الإسكندريّة الفلسفيّة، خلط المطوَّب جيروم في كتابه مشاهير الرجال بينه وبين مسيحيّ يُدعى أمونيوس، فاعتقد أنّه مسيحيًّا وبقيَّ على مسيحيّته، إلَّا إنّ أغلب الدراسات الحديثة ترفض كونه مسيحيًّا، فقد كان يونانيّ الدين والثقافة.
وقد دمج المفاهيم الفلسفيّة بالصبغة الصوفيّة الدينيّة، وهو ما ظهر عند كلّ تلامذته، فقد تتلمذ على يديه أفلوطين وأوريجانوس.
أفلوطين Plotinus ولد أفلوطين بليكوبوليس بأسيوط بصعيد مصر، وذهب إلى الإسكندريّة ليتتلمذ على يد أمونيوس ساكاس، ثمّ ذهب إلى روما حيث أنشأ مدرسته الفلسفيّة هُناك.
أسّس الفلسفة الأفلاطونيّة الحديثة، وهي فلسفة تمزج بين الأرسطية والرواقيّة والأفلاطونيّة.
وفي فلسفته هُناك ثلاثة مباديء انبثقت منها الحياة، هم الواحد أو الله والعقل أو صور الأشياء الموجودة، والنفس وهي ما يتم به تحقق الصور في العالم الماديّ.
ويتحدث عن الانتقال من النفس إلى العقل عن طريق التأمل، ثمّ بكثرة التأمل ينخطف العقل البشريّ لنرى الله الواحد.
والإنسان عند أفلوطين عالم صغير Microcosmos، يحوي في داخله كلّ ما في العالم بالقوة، فهو مُشتت مثل الرياح، وحالم كالطبيعة، وحياته يُمكن أن تنجرف نحو المادة أو الطبيعة أو تسمو فوق السماوات بالمعرفة والتأمل.
ومن فكرته عن الثالوث، والإنسان، والصوفيّة أي انخطاف العقل والالتصاق بالواحد أخذت عنه المسيحيّة الكثير من الشروحات لتؤسّس عليه تعليمها.
وكان لمدرسته أثر كبير على الفكر الآبائيّ الشرقيّ، ولا سيّما السكندريون.
[1] Philo (c. 20 BC. – c. AD. 50), the Jewish thinker and exegete in whom that literature flourished also lived in Alexandria. He belonged to a prosperous priestly family of Alexandria, and was firmly convinced that the teaching of the Old Testament could be combined with Greek speculation. His philosophy of religion embodies such a synthesis. (Esmat Gabriel: St. Clement of Alexandria, Coptic Church Review, Spring 1980, v.1, No. 1, p. 22.)
[2] De confus. Ling. 190.
[3] De. Migrat. Abrah. 89-93; J.N.D. Kelly: Early Christian Doctrines, 1978, p. 9.
الخلفيات الثقافية للمسيحية المبكرة – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثاني ج1
انتشار المسيحية واماكن تبشير الرسل – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الأول ج3
انتشار المسيحية واماكن تبشير الرسل – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الأول ج3
انتشار المسيحية واماكن تبشير الرسل
انتشار المسيحيّة بسوريا وأثره انتشار المسيحية شمالًا داخل سوريا وكليكية أحدث انزعاجًا للمجامع اليهودية مما أدي إلى أن نشأت حركة مضادة ومسلحة ومؤيدة برسائل من الرؤساء في أورشليم يقودها يهودي من كيليكية تلميذ للرابي اليهودي المشهور غمالائيل يدعى بولس أو شاول الطرسوسي، فريسي مؤمن بكمال الناموس الموسوي وبالتالي مضطهدًا غيورًا للكنيسة الوليدة.
وهو مسافر إلى دمشق تقابل فجأة مع المسيح القائم، ومن تلك اللحظة صار مسيحيا مؤمنًا ورجلًا غيورًا؛ وكان عنده رغبة جارفة للتبشير ونشر الإنجيل بين الأمم.
على الأرجح لم يكن بولس أول كارز للمسيحية بين الأمم، ولكن من البداية كان هو العامل الرئيسي في هذه المهمة، وهو نفسه كان مقتنعًا أن دعوته دعوة خاصة وفريدة ليكون رسولًا للأمم، يمارس السلطان الرسولي على كنائس الأمم سواء بالافتقاد أو بالرسائل (وقد وجد أن رسائله تعطي تأثيرًا أكثر من وعظه)، ويمثلها وينوب عنها في الحوار مع الكنيسة الأم في أورشليم.
بينما تعطينا رسائل بولس الرسول وسفر الأعمال بعض الإشارات عن نمو الكنيسة في وسط الأمم، لا نعلم إلا القليل عن الكنيسة الأم في اليهودية. أغلب التلاميذ الاثني عشر اختفوا فجأة من التاريخ. لم يبق سوى بطرس ويوحنا ويعقوب أخو الرب، وبعض الأسماء.
الرسل والإنجيليون بحسب أشهر مناطق تبشيرهم إلي الفرق الآتية بحلول القرن الثالث ظهرت بعض القصص والروايات التي تحكي عن إرساليات الاثني عشر، ويمكن حصرها في أربع فرق أساسية:
الفرقة الأولى: التي عملت في اليهودية وتخومها . وتتكون من الرسل: بطرس ويعقوب البار ومتياس الذي حل محل يهوذا الإسخريوطي (ولبطرس رسالتان وليعقوب رسالة).
الفرقة الثانية: التي عملت في آسيا الصغرى وما حولها وتتكون من الرسل فيلبس و برثولوماوس ويوحنا (وللأخير إنجيل وثلاث رسائل وسفر الرؤيا).
الفرقة الثالثة: التي ذهبت إلي بلاد العجم (إيران) والهند وتتكون من الرسل يهوذا و سمعان القانوي وتوما (وليهوذا رسالة).
الفرقة الرابعة: التي ذهبت إلي أقاليم أوربا المختلفة وتتكون من الرسل اندراوس ويعقوب الكبير وبولس ولوقا الإنجيلي (ولبولس أربعة عشر رسالة وللوقا إنجيله وسفر أعمال الرسل).
الفرقة الخامسة: التي ذهبت إلي مصر وأثيوبيا بأفريقيا . وتتكون من الإنجيلين متى ومرقس (ولك منهما إنجيله) .
توما في فارس والهند،
أندراوس في سيكيثيا جنوب روسيا.. إلخ.
إلا أن هذه الروايات مثلها مثل قصص العصور الوسطى التي تقول إن يعقوب الرسول بشر في الفلبين ويوسف الرامي في إنجلترا. ومصدر هذه الروايات عن الرسل كتب الأبوكريفا التي انتشرت في النصف الأخير من القرن الثاني.[1] يوجد تقليد من القرن الثاني جدير بالتصديق يقول إن يوحنا بن زبدي عاش في أيامه الأخيرة في أفسس، وفيلبس المبشر وبناته الأربع اللواتي كن يتنبأن (أع9:21) مات في فريجية.
هذا الخروج الذي حدث لكنيسة أورشليم إلى أسيا الصغرى قد يكون بسبب الحرب اليهودية (من سنة 66 م إلى 70م). والإنجيل الرابع يحتوي على تعاليم التلميذ المحبوب. حوالي سنة 200م نجد أن كنائس آسيا الصغرى تنظر إلى القديس يوحنا كمؤسس لها وتكرم رفاته في قبره الذي في أفسس.[2]
الأفسسيين يعتقدون أن القديسة العذراء مريم عاشت في بيت القديس يوحنا (انظر يو27:19)، وفي القرن الخامس كرست فيها أول كنيسة باسم السيدة العذراء. ولكن من وجهة نظر أخرى أول من نادى بها كان إبيفانيوس سنة 375م، الذي تكلم عن العذراء كسر خفي متعالٍ لا يدركه، أن القديسة مريم لم تذهب إلى أفسس ولم تذق الموت أصلًا.
يعقوب البار “أخو الرب” كان أسقفًا على كنيسة أورشليم إلى يوم استشهاده في62م. (الحدث الذي أثار استياء المسيحيون من أصل أممي) خلفه ابن عم الرب (سمعان بن كلوبا). طبيعة العلاقة بين يعقوب (البار أخو الرب) وبطرس المتقدمين في الرسل والذين عهد الرب إليهما مسئولية الكنيسة غامضة وغير معروفة.
في رسائل بولس الرسول وسفر الأعمال نجد أن للكنيسة الأولى سلطتان متوازيتان إخوة السيد المسيح والاثني عشر، وإن حدث بينهما أي خلاف فسرعان ما يزال (الأعداد من مر 31:3-35 قد تلمح إلى ذلك).
وبحسب التقليد الغربي (مت18:16) دعي الرب بطرس باسم الصخرة التي يبنى عليها كنيسته، حتّى أن البعض ظن أن بطرس وليس يعقوب هو أسقف كنيسة أورشليم بعد الصعود. السلام الموجود داخل الكنيسة الأولي كما وصفه سفر أعمال الرسل.
علاقة بطرس وبولس غامضة أيضًا. المشاجرة الشهيرة التي نشبت بينهما في انطاكية من المؤكد أنه حدث عرضي أو لم يحدث بالصورة التي تم وصفها في (غل2)، وعلى الأقل فهما لم يفترقا عند موتهما. فكلاهما مات في روما شهيدًا في الاضطهاد الذي شنه نيرون.[3]
بلا شك وجود بطرس في روما في ستينات القرن الأول يمثل أهمية بالنسبة لمسيحيو الأمم ولكن لا توجد أي معلومات عن المدة التي قضاها أو العمل الذي قام به. وقصة إقامته في روما مدة خمسة وعشرون عامًا هي رواية من القرن الثالث.
[1] These are translated in M. R. James, The Apocryphal New Testament (Oxford.2nd edn., 1955). See also E. Hennecke’s New testament Apocryphal (ed. W. Schneemelcher, transl. R. M. Wilson, 2 vol., London, 2nd edn., 1991).
[2] الكتاب اللاتين نقلوا من ترتليانوس وجيروم قصة أن القديس يوحنا ألقي في الزيت المغلي في روما لكنه هرب سالمًا؛ وفي القرن السابع قيل أن هذا حدث عند الباب اللاتيني ويحتفل به في 6مايو، أما هذا الأمر فكان مجهولًا عند الكتاب اليونانيين.
[3] هناك إشارة إلى استشهاد بطرس جاءت في (يو18:21، 36:13) ومن قال إنه حدث في روما كليمندس في رسالته إلى كورنثوس ورسالة أغناطيوس إلى روما والإجماع العام لتقليد كلّ أباء الكنيسة في القرن الثاني. بالإضافة إلى التذكار السنوي والاحتفال الذي يقام في ضريحه في الفاتيكان وقد بني عام 160-170م
انتشار المسيحية واماكن تبشير الرسل – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الأول ج3
ما بين الأسينيين والكنيسة الأولى يتشابه الأسينيين مع الكنيسة الأولى في بعض النواحي. فكانوا مترابطين كجسد واحد وكان كلّ شيء بينهم مشتركًا، وكلّ واحد يأخذ على قدر حاجته. حياتهم كانت بسيطة وكل من له ثوبان يعطي ثوبًا لأخيه المحتاج ويلبس الآخر إلى أن يبلى. وكانوا مختلفين فيما بينهم على مسألة الدفاع عن أنفسهم. فالغالبية رفضت حمل السلاح، ولكن بعضهم كان من الغيورين الذين كانوا يدافعون عن وطنهم ضد المستعمر الروماني.
وادي قمران صار مسرحًا للحرب اليهودية الدموية 66-70م، الأسينيين رفضوا العبودية على أساس أن البشر جميعهم سواسية أمام خالقهم؛ وعلى الرغم من أنهم لا يحرمون الزواج إلا أن كلّ أعضاء جماعتهم من الممتنعين عنه.
والانضمام إلى هذه الجماعة كان يتطلب اختبارات ونذور يتعهد بها المنضم حديثًا، وأي تقصير يستوجب الطرد. كانوا يمارسون طقس الغسل بالماء باستمرار.
ويشتركون في وليمة مقدسة غير مسموح للغريب عنهم أن يتناول منها.
وعلى الجانب الآخر هناك أيضًا فروق جوهرية كثيرة بين الأسينيين والكنيسة الأولى:
الأسينيين كانوا متمسكين بشدة بوصية تقديس يوم السبت،
وكانوا يتحاشون الاشتراك في أي احتفالات رسمية.
وبحسب مصادرنا اليونانية كانوا يستيقظون قبل الفجر ويقدمون الصلوات باكرًا جدًا،
ولهم تعاليم سرية عن جذور الأشياء والأحجار وأسماء الملائكة الخفية.
هناك تشابه في الإطار العام؛ فعلى سبيل المثال ذكر في مخطوطة اسمها ’درج الحرب‘ خبر عن معركة فاصلة بين أبناء النور وأبناء الظلمة والتي تشبه معركة هرمجدون التي ذكرت في سفر الرؤيا وربما أيضا ما أشارت إليه الرسالة إلى أفسس (إصحاح 6).
ولكن من المنصف أن نقول إنه في النقاط التفصيلية فإن المتشابهات والمتطابقات ليست بكثيرة أو مؤثرة؛ بالإضافة إلى أن ’معلِّم البر‘ -الذي هو قريب الشبه جدًا من يسوع- لا يلعب دورًا رئيسيًا في فكر جماعة قمران كما يلعبه يسوع في فكر وإيمان الكنيسة الأولى.
باختصار؛ العهد الجديد ومخطوطات قمران يلقي كلّ منهما الضوء على الآخر ولكن لا يمكن القول بأن أحدهما يشرح الآخر. من المحتمل أن يصير الأسيني مسيحيًا ولكن من غير الممكن أن يكون هناك أي استمرارية لهذه الجماعة داخل الكنيسة الأولى.
بل من العجيب أن المسيحيين الأوائل تبنوا نظرة إيجابية للعبادة داخل الهيكل في أورشليم أكثر من جماعة قمران نفسها (أع7،6). وفي ذات الوقت هناك الكثير يجعلنا نعتقد أن المسيحيين لن يحتملوا جماعة تستحوذ عليها فكرة الحاجة المستمرة إلى التطهيرات الجسدية وطقوس الغسل بالماء التي تتخلل اليوم عدة مرات[1].
[1] وأهم ما يُميز المسيحية عن الأسينيين هو أن المسيحية هي كرازة عالمية مؤسسة على الإيمان بشخص يسوع لا ترتبط بسياسة مُعينة ولا قانون مُعين ولا شعب مُعين، بينما الأسينيين لم يخرجوا عن دائرة الديانة اليهودية المُنغلقة ابدًا كما أنه من أهم تعاليمهم هو الحصول على البر من خلال حفظ ناموس موسي، بينما في المسيحية فالبر بالإيمان بشخص المسيح والشركة فيه عن طريق سري المعمودية والإفخارستيا وحياة الشركة مع جماعة المؤمنين.
الخلفية اليهودية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الأول ج1
الخلفية اليهودية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الأول ج1
الخلفية اليهوديّة المسيحيون الأوائل كانوا يهودًا. ولا يوجد ما يفرق بينهم وبين أقرانهم سوى الإيمان بأن يسوع الناصري هو المسيا المنتظر مشتهى الأمم وقد جاء الآن. وسلَّموا أن بمجيئه تحقق كلّ شيء ويجب أن يضاف إلى إعلانات الله السابقة لشعبه، دون أن يعني هذا انفصال عن العهد القديم الذي قطعه الله مع إبراهيم ويتمثل في الختان، أو عن الناموس الذي أعطي لموسى على جبل سيناء.
إن كان هناك شيئًا جديدًا قد حدث فهو من عمل الله الواحد نفسه خالق الكون، رب التاريخ، إله إبراهيم واسحق ويعقوب والاثني عشر سبطًا. كلامه إلى شعبه في العهد الجديد يجب أن يكون متسقًا مع كلامه في الماضي على فم الأنبياء.
وبسبب هذا الشعور العميق بالاستمرارية للعهد القديم، ظلت العديد من الممارسات الطقسية والأفكار والعادات اليهودية باقية وممتزجة مع الفكر المسيحي. فقد آمن اليهود بفكرة سبق الاختيار، لأن الرب سبق واختار إسرائيل ليكون هو الشعب المختار، والغير ملوث بالمعتقدات والتأثيرات الوثنية. ولكن مع وجود هاتين الخاصيتين اللتين هما:
(1) العناية التي خصَّه الرب بها دون الاعتماد على أية ميزة أو استحقاق في هذا الشعب المختار، بل بفضل سيادة الله المطلقة ومشيئته غير المدركة.
(2) دعوة إسرائيل ليقوم بعمل الكهنوت نيابة عن كلّ البشرية. متمسكين بناموسهم بشدة، مؤمنين بأن الرب أعطاه لموسى على جبل سيناء.
لذا تبنى اليهود موقفًا معاديًا ضد كلّ الديانات الوثنية واعتبروها من أعمال الأرواح الشريرة. وفي المجتمع اليونا-روماني كانوا منغلقين على أنفسهم مما عرضهم ذلك إلى الشك والارتياب وفي بعض الأحيان العداء والأذى. كانوا يرفضون المشاركة في الممارسات الرومانية، على الرغم من أنهم يقدمون الذبائح بصفة يومية في هيكلهم بأورشليم على اسم الإمبراطور، وكانوا يفتتحون جلسات مجمع السنهدريم بقولهم:
[باسم الرب وعلى شرف الإمبراطور.]
وكان ما يميزهم عن الناس في مجتمعاتهم هو علامة الختان وما عرف عنهم عن عدم أكل لحم الخنزير وباقي الأطعمة غير الطاهرة. ففي القرن الثاني قبل الميلاد فضَّل المكابيون الموت على أكل الخنزير. ولا يمكن أيضًا لليهود أن يأكلوا مع الأمميين أو يقبلوا أي اعتراف بأي إله وثني في المحافل أو المناسبات الرسمية.
السلطة المحتلة وحالة الفقر الموجودة في فلسطين أدت إلى نزوح جماعي لليهود لكل أنحاء العالم القديم، وسموا ’يهود الشتات‘. لذا يمكن أن تجد تجمعات يهودية في أي مكان من كاديز (في أسبانيا) إلى كريميا (في أوكرانيا).
في روما وحدها كان يوجد إحدى عشر أو اثني عشر مجمعًا وذلك في القرن الأول الميلادي. وفي الإسكندرية كانوا يمثلون جزءً كبيرًا من المجتمع هناك وبلغ عددهم مليونًا وذلك في الإسكندرية وكل أرض مصر[1]، وكانوا دائمًا على صلة بالسلطات المحلية، على الرغم من أن عزلتهم الاجتماعية منعتهم من أن يكونوا أداة ضغط جماهيري.
العبادة اليهوديّة وتأثيرها على المسيحيّة اليهود في كلّ مكان كانوا يرفضون الاختلاط بالسكان الوثنيين بل ينغلقون على أنفسهم لممارسة طقوسهم فكانوا يجتمعون كلّ سبت لتلاوة المزامير وقراءة التوراة يتبعها عظة تفسيرية ثم الصلاة. والمستخدم لكتاب الصلوات اليومية (كالأجبية) هو وريث أصيل لهذه الطريقة في العبادة[2].
وبالرغم من تشتتهم في أماكن بعيدة إلا انهم كانوا يحتفظون بمشاعر الانتماء إلى أرض آبائهم من خلال الحج إليها سنويًا وإرسال ضريبة سنوية للاهتمام بالهيكل. وأحيانًا يسبب نقل العملات من مقاطعة يكون فيها عدد اليهود كبير إلى أورشليم مشكلة لدى الرومانيون المسئولين عن الأموال، إلا أنهم في هذه الأمور كما في غيرها يتركوا اليهود ليتصرفوا كما يشاؤوا طالما أن هذا من مبادئ الدين الأساسية.
في المقابل وعلى الرغم من أن الختان ممنوع على اليونانيين والرومانيين إلا أن هناك العديد ممن انجذبوا لفكرة الإله الواحد، وأخلاق اليهود السامية وأقدمية -إن لم يكن أسلوب-أسفارهم المقدسة، دون تبني المنهج النسكي فيما عدا بعض الشيع المنحرفة[3].[4]
فقد نادت اليهودية بالطهارة والترابط الأسري، وكانوا يساعدون بعضهم البعض، يزورن المرضى، يدفنون الموتى، يستضيفون الغرباء، يتصدقون على الفقراء. حول العديد من هذه المجامع التي في الشتات تجمع عدد من الأمميين المتعبدين ودعوا ’خائفي الله‘ (الاسم كان يطلق على أي عضو صالح في المجمع).
الأممي عليه أن يخضع للختان ثم للمعمودية كما هو شائع بالأكثر ليمكنه أن يكون دخيلًا، لكن هذا الأمر كان نادرًا بين يهود الشتات المتأثرين بالثقافة الهيللينية البعيدون عن السلطات (اليهودية) المتزمتة في فلسطين، ويقبلون الأمميين كدخلاء دون إلزام بالختان كضرورة للخلاص.
ومن هذه الجماعات الأممية (الدخلاء) جاء أول من قبلوا الكرازة بالمسيحية من غير أهل الختان. وكانوا فعلًا ثمرة صالحة ليس فقط لأنهم متلقنين الوصايا الأخلاقية بل لأنهم أيضًا متعلمين الكتب المقدسة اليهودية.
الدين اليهودي كان دين يعتمد على كتابه المقدس بصورة أساسية تختلف عن أي دين آخر. إعادة تكوين المجتمع اليهودي مرة أخرى بعد العودة من السبي البابلي اعتمدت في الأساس على ناموس موسى.
لقد توقف الله عن الكلام مع شعبه بصورة مباشرة ولم يعد هناك أنبياء. وإعلانه أصبح مقتصرًا على المكتوب، ويحتاج إلى من يشرحه كالكتبة وشيوخ الشعب. لذلك تم إرفاق شرح للمدارس الرابية مع النصوص الأصلية (الذي أسماه الرب تقليد الشيوخ، وقد أدت هذه التقاليد إلى نزاع حاد بين الكنيسة والمجمع في القرن الأول).
الترجمة السبعينية ولما دعت الحاجة إلى ترجمة الكتاب المقدس إلى اليوناني لليهود الذين هم خارج فلسطين، ظهرت عدة ترجمات منها السبعينية أي الترجمة التي قام بها السبعون شيخًا والتي صارت هي النسخة المعتمدة لدى كنائس الأمم الأولى. تمت الترجمة في الإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد وتحت رعاية الملك بطليموس فيلادلفيوس ملك مصر كما يخبرنا التاريخ.
بالنسبة ليهود الإسكندرية أحاطوا هذه الترجمة بهالة من القداسة، وعملوا احتفالًا سنويًا طقسيًا تذكارًا لها، وترددت بعض القصص المعجزية عنها. مما هو جدير بالذكر أن بطليموس انتدب إثنين وسبعون شيخًا وأتموها في إثنين وسبعون يومًا. فيلو الفيلسوف اليهودي آمن بأن هذه الترجمة حازت على معونة إلهية. إن قصة الإثنين والسبعون شيخًا مؤكدةـ وعدت الترجمة السبعينية نسخة موحي بها ولها سلطة لم تنالها أي ترجمة أخرى.
فقط بعد أن اعتمدها المسيحيون انقلب عليها اليهود، وصاروا يستخدمون ترجمات أكثر حرفية منها. حتّى أن بعض الرابيين كان يهاجم اليهودية الهيللينية كما يهاجم المسيحيين ويرفض ترجمة الكتاب المقدس إلى اليونانية معتبرًا أن ترجمة الكتاب المقدس إلى اليونانية خطية تعادل خطية عبادة العجل الذهبي.
الكنيسة الأولى من البدء وفي صميم يقين الكنيسة الوحدة مع إسرائيل واستمرارية معاملات الله في الماضي مع ما عمله في يسوع الناصري وعمله أيضًا في أتباعه في الحاضر.
في إنجيل متى يظهر يسوع أنه موسى الجديد المنحاز إلى شعبه عندما كان في مصر، وتعاليمه الأخلاقية التي تتماشى مع أسمى التعاليم اليهودية. الرب ما جاء لينقض بل ليكمل ومهمة المسيحيين هي جعل أقرانهم من اليهود يتعرفون على مسيح الرب -المسيَّا -الذي أسلمه رؤسائهم بجهل ليقتل في عهد بيلاطس البنطي الحاكم الروماني. وأقامه الله من الأموات معلنًا إياه المسيح والرب، المسيا المنتظر.
والاعتراض بأن الأنبياء قالوا إن المسيا سوف يأتي بالقوة والمجد وليس بالضعف والصلب. كان الرد بأن المسيح تألم كما العبد المتألم في نبوة أشعياء، وكان ذلك فداءً عنا، وبموته صنع عهدًا جديدًا بين الله والناس، كما تنبأ أرميا النبي (أر31:31-34).
في البداية ظهرت المسيحية على أنها شيعة من شيع اليهودية التي كان من المعتاد وجود اختلافات مذهبية بينها وبين بعض. فاليهودية ليست مذهبًا واحدًا. هناك فرق بين الفريسيين والصدوقيين يصل إلى حد الخلاف الحاد.
الفريسيين: كانوا أكثر المذاهب حرصًا على التدين الحرفي والحفاظ على نمط الحياة اليهودية في وجه التأثير الهيلليني والسلطة الرومانية؛ وكانوا متمسكين ليس بالناموس الموسوي فحسب بل بتقاليد الشيوخ وتفسيرهم للناموس.
أما الصدوقيين: الذين كانوا من الطبقة الأرستقراطية الحاكمة، تمسكوا فقط بناموس موسى ولم يرتبطوا بالتقليد ورفضوا أن يصدقوا القيامة من الأموات[5] كعقيدة ذكرت فقط في أسفار مثل سفر دانيال الذي كتب بعد موسى بمدة طويلة لذلك فهو في نظرهم فاقد للمصداقية.
هذا الخلاف الذي بين الفريسيين والصدوقيين حول عقيدة القيامة مكَّن بولس الرسول في وقت لاحق من أن ينجو بنفسه من مأزق (أع6:23-10). بالرغم من أن صفة العنف التصقت بالفريسيين كما جاء في إنجيل متى 23 إلا أن عدد كبير منهم ومن ضمنهم القديس بولس الفريسي الشهير صاروا مسيحيين.
بالإضافة إلى الفريسيين والصدوقيين توجد جماعة أخرى وربما جماعات مرتبطة ببعضها البعض يطلق عليهم:
’الأسينيين‘. بليني الكبير وفيلو ويوسيفيوس أعطوا وصفًا لأسلوب حياتهم والأخير كان على اتصال مباشر بهم. لقد كونوا مجتمعًا مستقلًا تمامًا وكان تجمعهم الرئيسي على الساحل الغربي للبحر الميت، بالرغم من وجود بعض المنتسبين لهم في مواضع أخرى من اليهودية.
ومن المحتمل ولكن ليس أكيدًا أن الأسينيين كانوا ضمن الجماعة التي كانت تستعمل المخطوطات التي اكتشفت في وادي قمران لقربه من الشاطئ الغربي للبحر الميت. هذه الجماعة رفضت الذبائح والكهنوت الرسمي والعبادة التي تمارس في هيكل أورشليم، وتطلعوا إلى البطل الذي أسس هذه الجماعة ’معلم البر‘ الذي هجم عليه الكهنة الأشرار المتسلطين على إسرائيل.
[1] هذا ما يؤيده أيضًا سفر الأعمال حيث يذكر ان شخص يُدعي أبولوس كان يهوديًا إسكندرانيًا مُقتدرًا في الكتب (أع 18) وفيلو الفيلسوف اليهودي الشهير كان سكندري أيضًا، وهذا ما جعل المسيحيون في مصر في بواكير المسيحية كانوا من أصل يهودي من يهود الإسكندرية كما يتحدث عنهم فيلو قائلًا: “يبدوا انهم كانوا من أصل عبراني ولذلك فهم يُراعون عوادا الأقدمين (يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة ق/ مرقس داود، القاهرة- 1979 ص90)”.
[2] يتم عادةً ترجيح هذا الرأي من قبل العلماء لأن المسيحيين الاوائل خصصوا الساعات الثالثة والسادسة والتاسعة للصلاة، وهذه الاوقات توازي اوقات الصلاة عند اليهود. كما أن المسيحيون الاوائل في مصر اتبعوا العادات اليهودية بدقةٍ صارمة (للمزيد راجع: الأجبية أي صلوات السواعي، للقمص اثناسيوس المقاري، القاهرة- ابريل 2006، ص 60: 66).
[3] ربما هو هُنا يقصد الأسينيين وهي شيعة ليست مُنحرفة، وقد كتب عنهم بوقار كبير كلّ من يوسيفوس وبيليني الكبير وفيلو والعلامة هيبوليتس الروماني. وقد كانوا يتمسكون بحفظ الأحكام الأخلاقية حفظًا دقيقًا مُظهرين محبتهم لله بطرقٍ مُختلفةٌ، مثل الطهارة والإبتعاد عن الحلف ومحبة الفضيلة والتحرر من الاستعباد للمتلكات الأرضية وضبط النفس والتواضع، وكانوا يحيون بنظام الشركة، فطعامهم وكل ما يملكون هو ملكًا مشتركًا للجميع.
(للمزيد راجع: مخطوطات البحر الميت للمؤرخ الأنطاكي أسد رستم. وكتاب: نُساك قُمران ومخطوطاتهم للأب رافائيل البراموسي القاهرة- 2014، ص 58- 64) حتي ان الكثير من الدراسات الحديثة الآن تربط يوحنا المعمدان بطائفة الأسينيين
(see, Joseph A. Fitzmyer, The Dead Sea Scrolls and Christian Origins, Studies in the Dead Sea Scrolls and Related Literature (Grand Rapids, MI; Cambridge, U.K.: William B. Eerdmans Publishing Company, 2000)
[4]طبقًا لما قاله فيلو ويوسيفيوس المؤرخ هم شيعة الأسينيين التي استقرت على شاطئ البحر الميت وكانوا يمارسون العزلة. ولم تخبرنا مخطوطات وادي قمران عنهم أي شيء
[5] قدّم القديس كيرلس الأورشليمي ردًا على رفض الصدوقيين والسامريين لعقيدة قيامة الأموات في مقاله الثامن عشر لطالبي العماد، كما أورد أمثلة منطقية من اسفار موسي الخمسة فقط ليستنبط منها عقيدة القيامة كالتالي:
“فهل كان ممكنًا أن تتحول عصا موسى التقي إلى حيَّة، وغير ممكن أن تحيا أجساد الأتقياء وتقوم ثانيةً؟ وهل عمل هذا خلافًا للطبيعة، وهل لا يعودون هم ثانية بحسب الطبيعة؟!”
كذلك عصا هرون ولو أنها قُطفت، لكنها ازدهرت بدون رائحة الماء (أي 14: 9). ولو أنها تحت سقف أزهرت أزهارًا كما لو كانت في الحقول، ولو أنها وضعت في مواضع جافة وحملت في ليلة الزهور وأثمر النبات الذي يُسقى سنينًا عديدة، فهل قامت عصا هرون من الموت، وهرون نفسه لا يقوم؟! هل يعمل الله معجزات في الخشب ليضمن له الكهنوت، ولا يتعطف بقيامة هرون نفسه؟
تحوّلت امرأة إلى ملح على خلاف الطبيعة، وتحول جسدها إلى ملح، أفلا يرجع اللحم إلى لحم؟! هل تحولت امرأة لوط إلى عمود ملح وامرأة إبراهيم ألا تقوم ثانية؟!
بأية قوة تغيرت يد موسى النبي التي في ساعة صارت كالثلج وعادت ثانية بأمر الله؟! فهل كان أمره يحمل قوة والآن بلا قوة؟! (القديس كيرلس الأورشليمي، حياته ومقالاته لطالبي العماد، للقمص تادرس يعقوب مالطي، الأسكندرية- 2005، 18: 12، ص 270)”
الخلفية اليهودية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الأول ج1
الإيمان وموجباته المنطقية بقيامة يسوع المسيح بالجسد
الإيمان وموجباته المنطقية بقيامة يسوع المسيح بالجسد
الإيمان وموجباته المنطقية بقيامة يسوع المسيح بالجسد
بعد أن أقدمت على تسويغ الإيمان المسيحي على صعيدي كل من اللاهوت المسيحي كمادة تعليمية فكرية، والكتاب المقدس بصفته كلمة الله، سأدافع الآن، كما كنت قد صرحت في الفصل الأول عن اضطراري للقيام بذلك، عن بعض الظواهر التاريخية للإيمان المسيحي، بحيث تُبرهن كل واحدة منها أن يسوع كان ولا يزال المسيح الخارق للطبيعة. في هذا الفصل، سأدافع عن الحدث التاريخي المركزي في المسيحية، ألا هو تاريخية قيامة المسيح في الجسد من بين الأموات، والنتيجة التابعة لها، أي صعوده إلى السماء في الجسد. أما في الفصول الثلاثة التالية، فسأدافع عن حبله العذراوي في رحم العذراء مريم، وعن عجائبه المقتدرة، وعن حادثة اهتداء بولس على طريق دمشق بالطريقة التي ذكرها لوقا في سفر الأعمال. وقد يسأل القارئ، لماذا هذه العقائد؟ حسناً، لنعد رجوعاً إلى تاريخ الكنيسة المشيخية قبل أقل بقليل من قرن من اليوم لنرى الأسباب.
في العام 1924، تبنت الجمعية العمومية للكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة الأميركية PCUSA “التوكيد أوبرن” The Auburn Affirmation والتي حظيت بتوقيع 1274 خادماً مرسوماً. تناولت هذه الوثيقة القرارات من خمس نقاط المختصة بالعقيدة، والتي كانت قد أقرتها الجمعيات العمومية للأعوام 1910، 1916، 1923، والتي كانت قد أكدت أن عصمة الكتاب المقدس، وولادة المسيح العذراوية، وفداءه البديلي، وقيامته في الجسد من بين الأموات، وعجائبه المقتدرة “تعد كل واحدة منها عقيدة أساسية من كلمة الله”. هذه القرارات الثلاثة من خمس نقاط، شكلت المجهود المحافظ ضمن PCUSA، على الأقل، على بعض الشبه بالإيمان الحق في كنيسة كانت تبتعد رويداً رويداً، لكن بخطى ثابتة، عما يعرف باسم “أركان الأيمان”. لكن، وفيما أعلن الموقعون على توكيد 1924 تمسكهم “بكل جدية بهذه الحقائق وبالعقائد العظمى”، عادوا ليعلنوا أيضاً:
ينظر بعضنا إلى النظريات المحددة المتضمنة في إقرار الجمعية العمومية للعام 1923 كتفاسير لهذه الحقائق والعقائد. لكننا مجمعون على الاعتقاد أن ليست هذه النظريات الوحيدة التي تسمح بها الأسفار المقدسة، كما أن معاييرنا لا تصلح وحدها كشروحات لهذه الحقائق والعقائد في ديانتنا. إلى ذلك، جميع المتمسكين بهذه العقائد، مهما كانت النظريات التي قد يعتمدونها لتفسيرها، هو أهل لكي نوليهم كل الثقة وتكوين شركة معهم (الخط المائل لأجل التركيز).
بالطبع، ما أقدم أحدهم على عرض “نظريات” تفسيرية بديلة لهذه العقائد كما كان قد جرى شرحها تقليدياً وتاريخياً، إلا وأنكرها بالتمام أو بلاها بآلاف الأوصاف والنعوت. مثلاً، ما من نظرية تفسير أخرى لقيامة يسوع في الجسد من الأموات، إلا وتنكرت لها؟ برأي، كان ينبغي حصول تقص رئيس للقضية، إن لم نقل محاكمة جماعة على ارتكاب هرطقة، تطال الموقعين مع العديد من مؤيديهم من فريق الوسطيين في الجمعية.
كل ذلك لأن المحافظين في الكنيسة كان عددهم قليلاً، كما أن روح المسالمة السائدة خلال مرحلة ما بعد الحرب، كان منتشراً على نطاق واسع في البلاد وفي الكنيسة. كل هذا جعل PCUSA ببساطة أضعف من خوض “حرب” داخل الكنيسة. لذا، فإن المحافظين الذين كانوا قد تبنوا هذه “الأركان الخمسة للإيمان”، أخفقوا في معرض ما بذلوه من جهد جريء لرد PCUSA عن منحدر عدم الإيمان الذي كانت قد انحدرت إليه على مدى سنين طوال. لذا، أقدم بعضهم في نهاية المطاف على الشهادة ضد ارتداد[1] PCUSA من خلال خروجهم من تلك الكنيسة، كما في اعتقادهم تعلمهم 2كورنثوس 6: 14-18 أن يفعلوا، لكي ينشئوا الكنيسة الأرثوذكسية المشيخية. أقدموا على ذلك لأنهم آمنوا أن هذه العقائد، كما كانت الكنيسة قد فهمتها تقليدياً وتاريخياً، هي أساسية، ليس لخير الكنيسة وحسب، بل أيضاً حتى لوجودها.
سبق لنا أن تناولنا عقيدة عصمة الكتاب المقدس، هذه العقيدة التي بالمناسبة، أعلن عنها توكيد أوبرن:
† أولاً، أن الكتاب المقدس لا يؤكد في أي مكان على صفحاته كون كُتابه جرى صونهم “من الخطأ”.
† ثانياً، أن اعتراف الإيمان وستنستر لا يلحظ هذا التوكيد[2].
† ثالثاً، أن عقيدة العصمة “تنتقص في الواقع من سلطة [الكتاب المقدس] العليا للإيمان والحياة، كما أنها تضعف شهادة الكنيسة عن قوة الله للخلاص من خلال يسوع المسيح”[3]. هذا التصريح لو صح، يعني أن عقيدة العصمة الكتابية هي شر إيجابي!
يا لها من تصريحات مدهشة للغاية! يكفيني القول إن السبب الرئيس وراء قبول عصمة الكتاب المقدس هو الولاء البسيط ليسوع. من أجل هذا، سأتناول العقائد المتبقية على التوالي، للدفاع عنها ولإظهار كيف أن كل واحدة منها تشكل جانباً من السيني كوانن (“الذي من دونه لا يبقى أي شيء”) للمسيحية.
قيامة يسوع المسيح في الجسد
نبدأ من عقيدة قيامة يسوع في الجسد من الأموات، هذا الحدث الرئيس من جملة أحداث عديدة تفرزه وتميزه عن كل شخصية دينية أخرى من الماضي. هناك قاسم مشترك يجمع بين سائر القادة الدينين من الماضي، وهو أنهم ماتوا جميعهم واستمروا أمواتاً. أما يسوع المسيح فهو الذي قام وحده من بين الأموات. بالطبع، يجب أن يعنى هذا شيئاً في نظر العالم! كما أن بولس، في معرض تناوله قيامة المسيح في 1كورنثوس 15، يستنتج في الأعداد 14-19 سبعة انعكاسات على الكنيسة لو أن الله لم يقم المسيح في الجسد من الأموات:
وإن لم يكن المسيح قد قام، [1] فباطلة كرازتنا و[2] باطل [أي وهمي وخادع، كيني] أيضاً إيمانكم، [3] ونوجد نحن [الرسل] أيضاً شهود زور لله، لأننا شهدنا من جهة الله أنه أقام المسيح… وإن لم يكن المسيح قد قام، [4] فباطل إيمانكم [أي غير فعال: ماتايا]. و[لاحظوا جيداً: لم يقل “وبالتالي، لا وجود لله، لذا لا داعي للقلق عندما تموتون”؛ لكنه يقول بالحري] [5] أنتم بعد في خطاياكم! إذاً [6] الذين رقدوا في المسيح أيضاً هلكوا! [7] إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح، فإننا أشقى جميع الناس.
يُظهر هذا النص وحده مدى أهمية الإيمان المسيحي بقيامة المسيح في الجسد من الموت. من هنا أهمية إيلائنا الدفاع عنها مكانة مركزية. سأبدأ ببعض الحقائق الكتابية الأساسية.
صلبت السلطات الرومانية يسوع كصانع شغب بإيعاز من قادة اليهود الدينين. [قليلون، حتى إن وجدوا، هم الذين ينكرون هذا اليوم. كما أن هنا يكمن السبب وراء سخط العالم اليهودي على فلم “مل غبسن” Passion of The Christ (“آلام المسيح”) بحيث اعتبروا أنه “مناهض للسامية[4].] لكن، وبكلمات بولس، “قام في اليوم الثالث حسب الكتب” (1كورنثوس 15: 4)[5]. يسلط هذا الاقتباس الضوء على التعليم الرئيس في كل من العهد الجديد وفي كرازة الكنيسة.
على المسيحيين التسليم بأنه في ضوء الجو اليهودي السائد لدى حصول قيامة المسيح، لم يكن ذلك على الإطلاق ما كانت تتوقعه أمة إسرائيل. أنا لا أقصد من وراء هذا التعليق، الإيحاء بخلو العهد القديم من عقيدة القيامة بما أنها حضارة فيه حقاً (راجع إشعياء 26: 19؛ دانيال 12: 2)، أو كون اليهود في القرن الأول ما كانوا ليؤمنوا بقيامة الأموات، لأنها لحقيقة معروفة جداً أن العديد من اليهود كانوا حقاً يؤمنون بالقيامة (راجع أعمال 23: 6-8). إنما كانوا يؤمنون بأن القيامة من الأموات سوف تحدث في المستقبل في نهاية الزمن (راجع يوحنا 11: 24). لكن قامت شلة صغيرة من الرجال لتعلن، ليس في مكان قصي مثل “أزوتس”، بل في أورشليم نفسها – المركز السياسي والديني للأمة – أن الله أقام يسوع من الأموات. لم يكن وقع هذا التعليم غريباً جداً على الأذن اليهودية وحسب، لكنه كان أيضاً تعليماً مهيناً جداً للقيادة الدينية اليهودية، بمن فيهم شاول الطرسوسي، ذلك لأن يسوع كان قد أعدم كمجدف على صليب روماني، ما يعني أنه مات تحت لعنة الله (تثنية 21: 23)، وبموافقة السهندريم الذي يعد أعلى وأرفع محكمة في الأمة.
غير أن تلاميذ يسوع آمنوا بوجود أسباب موجبة لهكذا كرازة، ذلك لأنهم في وجه التهديدات، والاضطهاد الجسدي، والاستشهاد، ظلوا ينادون بأنه قام في الجسد من بين الأموات. ما هي هذه الأسباب؟ أنا أقر بوجود مجموعتين متشابكتين من الدلائل عملت على أقناعهم فوق كل الشكوك المنطقية بأن يسوع قام من الأموات تماماً كما كان قد أعلن، وذلك في جسد حقيقي له خصائصه الروحية الجديدة التي تمكنه من اختراق الأبواب الموصدة. هاتان المجموعتان هما القبر الفارغ وحقيقة ظهوراته العديدة في الجسد بعد صلبه وطبيعتها. كل واحدة منهما تدفعنا إلى التعليق عليها بعض الشيء.
أول مجموعة عظمى من الدلائل: القبر الفارغ
تذكر الأناجيل الأربعة جميعها كيف أنه في اليوم الثالث بعد صلب يسوع ودفنه، اكتشف تلاميذه أن جسده اختفى من القبر حيث كان قد وضع وأن القبر فارغ (متى 28: 6؛ مرقص 16: 5، 6؛ لوقا 24: 3، 6، 22-24؛ يوحنا 20: 5-8). مباشرة بعد هذا تقريباً، كما لاحظنا قبلاً، شرع التلاميذ في إعلان اقتناعهم بأن يسوع قام من بين الأموات. الآن لو كان القبر في الواقع، لا يزال يحتوي جسده – بحيث تكون النساء ولاحقاً بطرس ويوحنا جميعهم قد قصدوا القبر المغلوط (الأمر الذي حدوثه غير محتمل جداً في ضوء متى 27: 61؛ مرقص 15: 47؛ لوقا 23: 55) – لكان من المؤكد أن تلجأ السلطات، اليهودية والرومانية، إلى تصويب خطأ التلاميذ من خلال توجيههم إلى القبر الصحيح وإلى حقيقة كون القبر لا يزال يحتوي على بقايا جسد يسوع.
العديد من الدارسين النقاد عبر السنين، الذي لم يسلموا بتاريخية قيامة يسوع في الجسد، شعروا بضرورة قبول أن القبر كان، بلا شك، فارغاً، لكن إذعانهم هذا للواقع، عادوا وأفسدوه بتقديمهم نظريات من صنف نظرية الجسد المسروق ونظرية الإغماء لتفسير لماذا كان فارغاً.
نظرية الجسد المسروق
فيما يخص هذه النظرية، بوسعنا استنتاج بكل ثقة أنه لو كانت بعض الأيدي البشرية هي التي أخرجت يسوع من القبر، فهذه الأيدي يجب أن تكون لتلاميذه، أو لأعدائه، أو لشلة من سالبي القبور المحترفين. الآن، إن كان تلاميذه هم الذي سرقوا جسده، وهو الاحتمال الأول المعروض لتفسير ظاهرة اختفاء الجسد (متى 28: 12-15)، على أحدنا مواجهة مسألة كيف كان بإمكان تلاميذه تخطي صفوف الحراس الرومان (والذين بحسب متى 27: 62-66 كانوا قد جعلوا هناك لهذا القصد المحدد بالذات، أي منع تلاميذه من سرقة جسده). ثم كيف كان بوسعهم دحرجة الحجر من دون أن يكتشف أحد أمرهم. ويبقى التفسير المحتمل الأوحد هو أن كتيبة الحراس بأكملها كانت قد غطت في نوم عميق، الأمر الذي يشكل من جديد أول تفسير معروض.
لكن من غير المحتمل أبداً أن يجرؤ التلاميذ غير المنظمين والخائفين حتى على محاولة خوض هكذا مغامرة. كما أنه من غير المحتمل أكثر بعد، أن يخلد الحراس الرومان جميعهم إلى النوم معاً، وذلك خلال تأديتهم للواجب، بما أنه سيترتب عليهم من جراء ذلك عقاب محتم وصارم. إلى ذلك، كان على هذين الأمرين غير المحتملين أن يحصلا معاً لكي يحظى هذا التفسير للقبر الفارغ بالدعم اللازم. وبالنسبة إلى هذا التفسير الأول المعروض، من الواضح أن أي سامع عنيد وصلب العود سوف يرفض فوراً التفسير الخاص بالحراس فيما يتعلق بجسد يسوع، لأنهم لو ناموا فعلاً لما تسنى لهم معرف هوية سارقي الجسد (راجع متى 28: 13).
ثم هناك مشكلة أخرى يترتب على هذا الحل مواجهتها: لو كان تلاميذ يسوع هم المسؤولون عن اختفاء جسده – هذا الأمر غير المحتمل جداً في ضوء ردة فعلهم على كل ما كان قد حل لتوه بيسوع (راجع يوحنا 20: 19)، علينا تصديق أنهم خرجوا بعد ذلك وأذعنوا كحقيقة تاريخية مجرد وهم كانوا قد استنبطوه هم. كما أنهم أمام الاضطهاد والتهديدات بالقتل، جميعهم وليس مجرد واحد منهم، وحتى لدى مواجهتهم الاستشهاد، لم يتراجعوا عن إعلانهم هذا، مبينين أن الأمر كان ينطوي على خدعة. أنا أقر بأن هكذا سيناريو، ليس غير محتمل وحسب، بل حتى قل غير محتمل بدرجة عالية؛ ذلك لأن الكذبة والمرائين ليسوا من الطينة الصانعة للشهداء!
ثم، إن كان أعداء يسوع (القيادة الدينية اليهودية) هم الذين دبروا عملية رفع الجسد، يترتب على أحدنا التساؤل عن السبب وراء إقدامهم على هذا الفعل الذي ساهم في دعم الفكرة نفسها التي كانوا حريصين أشد الحرص على منع حصولها (راجع متى 27: 62-66). ولو كانوا في الواقع، حازوا على جسده أو عرفوا مكان تواجده، يتساءل أحدنا لماذا لم يحضروا الجسد أو شهوداً جديرين بالثقة بوسعهم تفسير ظاهرة اختفاء الجسد، وبرهان أن التلاميذ كانوا على خطأ لدى شروعهم في إعلان أن يسوع كان قد قام من الموت.
أخيراً، نسب حقيقة القبر الفارغ إلى سالبي القبور، أمر حصوله يحظى بأقل نسبة ممكنة من الاحتمال. فهذا بمثابة إقحام في واقع الحدث تفسير لا يقف وراءه ولا حتى ذرة واحدة من الدلائل. إلى ذلك، لم يكن الحراس الرومان ليحولوا دون حصول ذلك وحسب، لكن ولو افترضنا أنه كان بإمكانهم، بشكل أو بآخر، من تجنب اكتشاف أمرهم وأمعنوا في نهب القبر، كان بإمكانهم بالجهد بعد فتحه، أن يأخذوا جسد يسوع العاري معهم، مخلفين وراءهم الأكفان مرتبة في مكانها وكأن أحد ما لم يمسها (يوحنا 20: 6، 7).
نظرية الإغماء
أما فيما يتعلق بنظرية الإغماء، إن كنا نسلم بحكم “ألبرت شوايتزر” (راجع إصداره فوم رايمارس زو وريدي [1906]، تحت عنوان بحسب الترجمة الإنجليزية The Quest of the Historical Jesus)، كان “دايفد شتوارس” قد صوب على هذه النظرة “الضربة القاضية” قبل أكثر من مئة وخمسين سنة، مع أن أحدنا قد لا يزال يسمع اليوم، من حين إلى آخر، عن عرضها كاحتمال ضمن الأوساط الشعبية. هذه النظرية التي يرفض أحد تصديقها، تعتبر أن يسوع لم يمت فعلياً على الصليب، إنما أصيب بحالة أشبه بالإغماء. لكنه عاد وانتعش خلال مكوثه في القبر، وفي اليوم الأول من الأسبوع استطاع بطريقة ما من شق طريقه عبر الحراس للانضمام إلى تلاميذه في العلية، الذين استخلصوا من ذلك أنه قام من الموت. ثم ما لبث أن مات بعد هذا بوقت قليل.
لكن تصديق هذا، يدفع بدرجات التصديق إلى ما بعد جميع الحدود المشروعة. إنه يستلزم أن يصدق أحدنا أن المسؤولين عن قتله على الصليب (ناهيك أيضاً بأصدقائه الذين أعدوا فيما بعد جسده للدفن) ظهروا بشكل يرثى له ويدعو إلى الشفقة، إنهم غير أكفاء كمنفذين لحكم الإعدام وكحكام على حالة ضحاياهم المصلوبين لدى تنفيذهم فيهم الكروريفراجيوم (كسر السيقان) (راجع يوحنا 19: 31-33). كما أنه يفترض من أحدنا تصديق أن يسوع – بالرغم من مكابدته الآلام المبرحة الناجمة عن الجراح الثخينة في كل من اليدين والقدمين، ناهيك أيضاً بخسارة الدم. وما كان يعانيه من ألم جسدي مع الاختلال الذي من الطبيعي أن يصيب كامل جهازه على أثر الصلب الرهيب نفسه وفي غياب أية عناية بشرية أو تغذية جسدية – تمكن بطريقة ما من البقاء على قيد الحياة بالرغم من الجرح في جنبه والجو البارد داخل القبر.
ثم، ومن دون أية مساعدة بشرية، تمكن من إزاحة الحجر الهائل عن مدخل القبر بواسطة يديه الجريحتين لكي يجتاز عبر جمهور الحراس على قدمين جريحتين إلى داخل المدينة حيث كان تلاميذه مختبئين. وهناك، أقنع أتباعه بأنه – بجسمه المنهك والمرهق – هو رب الحياة! هذا السيناريو يبقى حصوله فوق كل احتمال ولا يستحق أن يوافق عليه أي شخص يفكر. إن كتباً من صنف The Passover Plot (“مؤامرة الفصح”) للكاتب “هاغ سكونفيلد”، وThe Jesus Scroll (“بيان يسوع”) للكاتب “دونوفان جويس”، يعدان صيغتين مختلفتين بعض الشيء عن هذا الموضوع، ولا يأخذ معشر الباحثين هذا الصنف من الكتب على محمل الجد.
لكن، إن كان بعض الدارسين النقاد قد أقروا بحقيقة القبر الفارغ وحاولوا (عبثاً) تقديم تفسيرات له، اكتفى آخرون بإعلان أن القبر الفارغ لم يكن جزءًا أساسياً من رواية القيامة في الأصل، لكن الكنيسة لاحقاً فقط ابتكرت “الحقيقة” لتعزيز رواياتها عن ظهورات القيامة. هذا غير صحيح. ذلك لأن القبر الفارغ شكل جزءًا من مناداة الكنيسة منذ البدء (راجع أعمال 2: 31؛ 1كورنثوس 15: 4). كما أنه لتعليم مغلوط ببساطة، التأكيد بأن التلاميذ الأوائل آمنوا بإمكانية حصول قيامة فعلية من دون القبر الفارغ. قال “ج. س. بركوفر” الصواب عندما لحظ ما يلي:
لم يكن القبر الفارغ بل قيامة المسيح هي التي شكلت الحقيقة الخلاصية العظمى. لكن القيامة بحد ذاتها ترتبط بشكل لا ينفصل عن القبر الفارغ، لأنه من غير الممكن التفكير فيها بمعزل عنه. إنه لأمر مناف في المطلق للأسفار المقدسة الإقدام على حذف رسالة القبر الفارغ والاستمرار في الكلام عن الرب الحي. فالأناجيل تصور القيامة بالارتباط بمعلومات، ولحظات، وأماكن تاريخية تخص ظهوراته. كما أن الأسفار المقدسة لا تدعم في أي مكان منها كونه حياً. بمعزل عن قيامته في الجسد والقبر الفارغ[6].
الخلاصة بديهية: اللاهوتي الذي يصرف النظر عن القبر الفارغ كأمر عرضي لا صلة له بالرسالة المسيحية، ومع هذا يبقى يتحدث عن “قيامة يسوع”، فهذا الشخص لا يقصد “بقيامته” هذه ما يقصده العهد الجديد أو ما قصدته الكنيسة تقليدياً بذلك. لقد أمسى الأمر “فكرة” خلاصية أكثر منه حدثاً خلاصياً. لكن هذه النظرة إلى قيامة يسوع كانت الكنيسة الأولى لترفضها فوراً على اعتبار أنها ليست قيامة على الإطلاق (راجع 2تيموثاوس 2: 17، 18: “هيمينايس وفيليتس، اللذان زاغا عن الحق قائلين: إن القيامة قد صارت”).
نحن دافعنا عند هذا الحد عن حقيقة القبر الفارغ. لكن علينا الآن الإشارة إلى كون هكذا وصف غير دقيق بالتمام. ذلك لأن القبر لم يكن فارغاً بالكلية. فلم يظهر ملائكة فقط للنساء في القبر معلنين لهن أن يسوع قد قام (مرقص 16: 5-7؛ لوقا 24: 3-7)، بل يتحدث أيضاً كل من لوقا (24: 12) ويوحنا (20: 5-7) عن وجود داخل القبر أكفان يسوع الفارغة. فقطع الكتان التي كان جسد يسوع ملفوفاً بها، لا تزال هناك، مع المنديل الذي كان يلف رأسه موضوعاً على حدة، وبشكل منفصل عن الأكفان. توحي هذه الأكفان داخل القبر الفارغ بأن الجسد لم يكن لتمسه أية أياد بشرية وحسب، (لأنه من غير المحتمل جداً أن يقدم الأصدقاء أو الأعداء على السواء على نزع الأكفان أولاً قبل أخذ الجسد)، بل كونه أيضاً بعد أن كان ملفوفاً بالأكفان قد اختفى ببساطة. تاركاً الأكفان وراءه أشبه بغلاف اليرقانة الفارغ. هذا الأمر هو من الأهمية بمكان، لأن بحسب شهادة يوحنا نفسه (يوحنا 20: 3-9)، لم يدرك هو نفسه أن يسوع قد قام من الأموات إلا بعد معاينته الأكفان داخل القبر.
ثاني مجموعة عظمى من الدلائل: ظهورات يسوع العديدة بعد صلبه
ثاني مجموعة عظمى من الدلائل، بعد حقيقة قبر يسوع الفارغ، هي الظهورات العديدة التي قام بها ربنا لتلاميذه في ظروف متنوعة وأماكن مختلفة. يدون العهد الجديد أحد عشر ظهوراً على الأقل، خمسة منها حصلت في ذلك “الفصح” الأول، والخمسة الباقية خلال فترة الأربعين يوماً التالية وحتى يوم صعوده، بما فيها هذا اليوم، إلى جانب ظهروه لشاول (أعمال 9: 1-5).
ظهر أولاً للنساء اللواتي كن قد تركن القبر (متى 28: 8-10)[7]، ومن ثم لمريم المجدلية التي كانت قد رجعت إلى القبر بعد إعلامها بطرس ويوحنا ما رأته مع النساء الأخريات (يوحنا 20: 10-18). بعد هذا ظهر لكلوباس وللتلميذ الآخر الذي لا ذكر لاسمه، وذلك على طريق عمواس (لوقا 24: 13-35)، ومن ثم لبطرس، بلا شك، في وقت ما من بعد ظهر ذلك اليوم عينه (لوقا 24: 34؛ 1كورنثوس 15: 5). إن ما يكتسب أهمية بالغة في تلك المناسبة الأخيرة، هو دعوة يسوع التلاميذ إلى لمسه للتأكد من كونه هو الذي في وسطهم. كما أنه أكل أمامهم قطعة من السمك المشوي كبرهان على الطابع المادي الحقيقي لجسده، وأنه لم يكن مجرد خيال أو شبح.
بعد أسبوع من هذا، عاد ليظهر مجدداً لتلاميذه، مع توما هذه المرة الحاضر مع التلاميذ العشرة الآخرين (يوحنا 20: 26-29). في سياق الكلام الموجز المتعلق بتوما في الإنجيل الرابع (11: 16؛ 14: 5؛ 20: 24)، يصوره يوحنا على أنه شخص بعض الشيء متشائم. وبليد روحياً، ومشكك خال من العاطفة، والمستمد لمواجهة بشكل مباشر المغزى من كون يسوع قد صلب وهو مطروح في هذه اللحظة، بحسب اعتقاده، في قبر يوسف. لم يكن بالتأكيد ذلك الشخص الساذج الذي يصدق كل شيء، أو بالإمكان إقناعه بتصديق أي شيء تقريباً. كان توما في ذلك الحين المشكك المقتنع بأن اللعبة قد وصلت إلى نهايتها، وأن “الرحلة كانت جميلة” طوال الفترة التي استغرقتها.
من هنا يتحتم عليهم الانتقال إلى شيء مفشل أقل ويعد بتحقيق نجاح أوفر! لا بد أنه سأل نفسه أكثر من مرة: “لماذا لا يرى الآخرون بوضوح ما أراه أنا؟” من هنا الصفة التي لصقت به “توما المشكك” بحسب التقليد المسيحي. هو يستحق ذلك فعلاً، لكنه في الواقع لم يكن يختلف كثيراً عن سائر التلاميذ، هؤلاء الرجال الطبيعيين، والعقلانيين، والأصحاء عقلياً، وعما كانوا عليه قبل أيام قليلة فقط! ومن جديد، شجع يسوع على الثقة بحقيقة قيامته وبواقعها من خلال دعوته توما إلى فعل بالتحديد ما كان قد اعتبر قبلاً التلميذ المشكك أنه ضروري لكي يؤمن بأن يسوع قد قام في الجسد من الأموات، أي بوضع إصبعه في جراحات يدي يسوع وجنبه: “هات إصبعك إلى هنا وأبصر يدي، وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً” (يوحنا 20: 27). لا يخبرنا يوحنا إن كان توما فعل هذا أم لا.
أنا أميل إلى الاعتقاد أنه لم يقدم على ذلك، بما أن امتحاناً كهذا، كان حقاً غير ضروري. ألم يشر المسيح المقام من خلال كلماته بالذات، إلى الامتحانات التي طالب بها توما، وذلك قبل أن يسأل هذا أي شيء؟ وبذلك، يكون يسوع قد برهن على طريقته هو، لا على طريقة توما، أنه كان هو فعلاً. توما، بلا شك، ضُرب بشيء آخر في تلك اللحظة: فجراح مسيح الجلجثة المقام (يوحنا 20-29) كلمته بقوة، حتى زالت كل شكوكه. من ثم، تلفظ توما فوراً بأحد أعظم الإعلانات في الكتاب المقدس، وبكل تأكيد الإعلان الأعظم في أي من الأناجيل: “[أنت] ربي وإلهي!” لنلاحظ كلمات توما بالتحديد ليس مجرد “[أنت] رب والله” بل “[أنت] ربي أنا وإلهي أنا“.
لم يكن كافياً في نظر توما معرفة أن يسوع كان سيداً وإلهاً. لقد بات الآن يسوع هذين الأمرين بالنسبة إلى توما هو شخصياً! ثم ظهر يسوع لسبعة تلاميذ (توما من جملتهم) عند بحر الجليل. إنها المرة الثالثة التي فيها يظهر لتلاميذه. كما أنه أعد طعام الفطور وأكل معهم (يوحنا 21: 1-22). ثم ظهر للأحد عشر على جبل من الجليل (متى 28: 16-20). ولعل هذه المناسبة هي نفسها عندما ظهر لأكثر من خمسمئة تلميذ دفعة واحدة، كان العديد منهم لا يزالون على قيد الحياة عندما كتب بولس 1كورنثوس (1كورنثوس 15: 6). ثم ظهر ليعقوب غير المؤمن (يوحنا 7: 5)، هادياً إياه بذلك إلى الإيمان (1كورنثوس 15: 7)، وأخيراً للأحد عشر من جديد بمناسبة صعوده إلى السماء (لوقا 24: 44-52؛ أعمال 1: 4-9؛ 1كورنثوس 15: 7). وبعد هذا بسنوات، ظهر لعدو الكنيسة اللدود شاول الطرسوسي، هادياً إياه إلى الإيمان (أعمال 9: 1-5)، وربما لحنانيا أيضاً (أعمال 9: 10).
صحيح أن حقيقة القبر الفارغ، إذا نظرنا إليها من زاوية “الدليل”، لا تبرهن وحدها أن يسوع قام من الموت، لكنها تشير حقاً إلى حدوث شيء ما لجسد يسوع بعد دفنه. ثم تأتي ظهورات يسوع العديدة بعد موته لتفسر على أفضل حال ما كان قد حل بجسده: لقد قام في الجسد من بين الأموات. لأنه متى وُجد لاحقاً قبر رجل ميت فارغاً، وهو يظهر في كل مكان لأناس مختلفين، يبقى التفسير الأفضل لهذه الظاهرة أن هذا الرجل حصل على قيامة في الجسد! كما أن حقيقة كون هذه الظهورات حصلت (1) لأفراد (مريم، بطرس، يعقوب)، ولتلميذين، ولمجموعات صغيرة، ولجماعات كبيرة، (2) ولرجال ونساء على السواء، (3) في العلن وعلى صعيد شخصي، (4) وفي كل ساعات اليوم – في الصباح، خلال النهار، وفي الليل، و(5) وفي كل من أورشليم والجليل. كل هذا يزيل أي احتمال أن تكون هذه الظهورات مجرد ضروب من الهلوسة. فالإنسان الفرد قد يشعر بالهلوسة، لكن من غير المحتمل جداً، بل إنه لضرب من المستحيل أن تصاب مجموعات بأكملها بل حشود كبيرة من الناس بالهلوسة عينها في الوقت عينه!
من الضروري ملاحظة جانب آخر في غاية الأهمية من روايات الإنجيل لظهورات يسوع: إنها تفتقر إلى التصنع السلس الذي يحصل دائماً لدى تآمر بعض الرجال المخادعين لجعل رواية مركبة تبدو منطقية. فالواحد منا يواجه على الفور صعوبة في إيجاد توافق وتطابق بين الروايات الأربع لظهورات يسوع المتعددة بعد صلبه. إلى ذلك، وبحسب التدوين داخل الأناجيل، النساء هن اللواتي أول من اكتشفن القبر الفارغ، كما أن يسوع ظهر أولاً لنساء بعد قيامته. وحيث إن شهادة النساء لم تكن تكتسب مبدئياً أية قيمة في المحاكم في ذلك الزمان، من غير المحتمل جداً لو أن التلاميذ كانوا قد تآمروا معاً لتلفيق الروايات المتعلقة بالقبر الفارغ وبظهورات يسوع العديدة بعد صلبه، أن يبدؤوا سردهم بتفصيل هام كان من شأنه إضعاف الثقة به منذ البداية.
لذا، كان من المرغوب فيه أكثر من وجهة نظر التلاميذ – لجعل مناداتهم منطقية أكثر – أن يكون بإمكانهم التصريح بأن رجالاً هم الذين أول من اكتشفوا القبر الفارغ، وأن رجالاً هم الذين أول من ظهر يسوع لهم، فهذا العامل كما يظهر في روايات الأناجيل، يفرض علينا استخلاص أن الأمور ببساطة لم تجر على هذا النحو. بل كان جل اهتمامهم تدوين ما حصل فعلاً لأنهم كانوا رجالاً مخلصين. وهكذا اكتفى التلاميذ بنقل الأحداث كما هي، رافضين تجميلها أو التغيير فيها كما كان سيفعل الكُتاب الكلاسيكيون. هذه الظاهرة في السرد الموجود في الإنجيل، تضفي على التدوين طابع الحق.
هاتان المجموعتان العظيمتان من المعلومات في العهد الجديد – القبر الفارغ وظهورات يسوع المتعددة بعد صلبة – أوكد أنهما تدعمان فوق كل شك شرعي، حقيقة قيامة يسوع في الجسد من الموت وتاريخها.
إلى جانب هذه الخطين من الحجج مع ما يحملانه من قيمة لدعم تاريخية قيامة يسوع في الجسد من الموت، بوسع أحدنا أن يذكر ثالثاً، التغيير الجذري الذي طرأ على التلاميذ من خلال تحولهم من الفشل الذي يشل بعد موت الرب مباشرة إلى الإيمان واليقين بعد هذا بثلاثة أيام. رابعاً، عندنا اهتداء كل من يعقوب وشاول الطرسوسي الذي حصل لاحقاً، وخامساً هناك المؤسسة المنظورة في هذا العالم، أقصد بها كنيسة يسوع المسيح، من كان أعضاؤها قد دأبوا منذ البداية على عبادة يسوع المسيح بصفته الله، في اليوم الأول من الأسبوع بدل اليوم السابع[8]. كل واحدة من هذه الحقائق تستلزم لتفسيرها حدثاً وراءه، كحدث قيامة المسيح في الجسد.
قد يقر أحدهم بأن كل ما قيل حتى الآن من المسلم به أنه يدعم بقوة قضية قيامة المسيح في الجسد بالنسبة إلى المؤمنين بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله، بما أن البحث بجملته تمركز واستمد جوهره من تعليم الكتاب المقدس حول هذا الحدث. لكن قد يزعم أحدهم أن الحجة لا تعني شيئاً في نظر الذين لا يؤمنون بشهادة الكتاب المقدس. كيف أرد على هذا؟ حسناً، ألحظ أن الذين لا يتأثرون بهذه الحجة، ثمة كيان، غير الكتاب المقدس، عليه تفسيره. وهذا يتمثل بوجود الكيان المنظور من خارج الكتاب المقدس والمعروف بكنيسة يسوع المسيح التي دأبت منذ البداية على عبادة المسيح بصفته الله. والأكثر من هذا، أقدمت الكنيسة من قبيل مجرد الصدفة على عبادة المسيح بهذا الشكل جهاراً في اليوم الأول من الأسبوع.
كيف عسانا تفسير هذه الحقائق؟ كيف ولماذا ظهرت كنيسة يسوع المسيح في العالم؟ وأية قوة تقف وراء نشوئها في الأصل؟ ولماذا تعبد المسيح، ولماذا تعبده جهاراً في اليوم الأول من الأسبوع؟ لا يمكن لغير المؤمن، بل يجب ألا يتجاهل هذه الأسئلة؛ بل يترتب عليه مواجهتها مباشرة لعرض تفسير لا يقل منطقياً عن الذي يعرضه الكتاب المقدس. لكن، هذا ما يعجز عنه. وكل محاولة من الزاوية الطبيعية لنشوء الكنيسة في العالم، بمعزل عن قيامة يسوع المسيح في الجسد، تفتقر إلى المعقولية، وقد وجدت ناقصة. وكما يصرح “ن. ت. رايت”: “كل التفسيرات البديلة [للقبر الفارغ و”للقاءات مع يسوع”] تخفق، الأمر المتوقع لها”.[9] باختصار، يعرض الحدث التاريخي لقيامة يسوع المسيح في الجسد في اليوم الأول من الأسبوع، السبب ليس فقط وراء إقدام الكنيسة على عبادة المسيح بصفته الله وحسب، بل لعبادته أيضاً في اليوم الأول من الأسبوع.
يظهر كل هذا التجديف الفارغ من أي معنى للمخرج “سمشا جاكوبوفيتشي” من خلال إنتاجه في العام 2007 الفيلم المسمى “وثائقي” تحت العنوان The Last Tomb of Jesus (“القبر الفارغ ليسوع”)، والذي فيه يحاول زعم أن عشرة صناديق صغيرة لحفظ عظام الموت، كان قد تم اكتشافها في ضواحي أورشليم عام 1980، من شأنها أن تكون قد احتوت عظام يسوع وعائلته. بمعزل عن كون الأسفار المقدسة الموحى بها تشهد لما هو نقيض هذا، احتمال أن تكون صناديق العظام هذه تحوي عظام يسوع، هي ضئيلة إلى أقصى الحدود، بل قل لا وجود لها. إنه لأمر محزن حقاً رؤية على أية حدود من الجهل والغباء قد يبلغ بعض القوم، لسلب البشرية وحرمانها من رجائها الأوحد، لأنه بمعزل عن قيامة يسوع المسيح في الجسد، لا يكون للبشرية أي رجاء بالفداء، حتى إنهم لا يزالون في خطاياهم.
أكرر أن التلاميذ كانوا مقتنعين في المطلق. من كون يسوع المسيح قام في الجسد من الموت في اليوم الثالث، وذلك في ضوء حقيقة قبر يسوع الفارغ والعديد من ظهوراته بعد صلبه. وعلى هذا الأساس كانوا على استعداد لمكايدة الاضطهاد، وحتى الموت من أجل اقتناعهم هذا. لو كانت شهادتهم مجرد ضرب من ضروب الخيال، يكون من الصعب تفسير لماذا لم يقدم ولا حتى واحد منهم، لدى مواجهتهم الاستشهاد، على إعلان أن روايتهم كانت مجرد حيلة مصنعة ليس إلا.
الرد على آراء النقاد
إن روايات ظهورات المسيح المدونة في الأناجيل، هي أساطير في نظر العديد من النقاد. لكن المحير في الأمر هو أن هؤلاء الدارسين أنفسهم غير المستعدين للتسليم بقيامة يسوع في الجسد من الموت، هم في معظمهم، إن لم نقل جميعهم، يقرون بتاريخية موت المسيح صلباً على عهد بيلاطس البنطي، وبحالة اليأس التي أصابت التلاميذ، وباختبارات “الفصح” التي اعتبروها بمثابة ظهورات المسيح المقام لهم، وما ينتج من ذلك من تغيير فيهم، وصولاً إلى اهتداء شاول الذي تلا ذلك. باختصار، بالنسبة إلى العديد من الباحثين اليوم، بينما لا يجب اعتبار قيامة يسوع بمثابة حدث تاريخي، يقرون بأن التلاميذ حصلوا على بعض الاختبارات الشخصية والوهمية، والتي راحوا على أساسها ينادون بأن يسوع قام من الأموات وقد ظهر لهم. كيف علينا الرد على هؤلاء؟
بالنسبة إلى الزعم بأن روايات الظهورات كانت مجرد أساطير لاحقة ابتدعتها الكنيسة الأولى، من الأهمية بمكان ملاحظة كيف أن دارسي العهد الجديد يؤيدون بأعداد متزايدة كون تصريحات بولس في 1كورنثوس 15: 3-5 (أول رواية مكتوبة لظهورات القيامة، بما أن كتابة 1كورنثوس حصلت قبل الأناجيل القانونية) إنما تعكس مضمون معتقد مسيحي قديم شبه رسمي، وهو أقدم من 1كورنثوس نفسها (هذه الرسالة التي كانت قد كتبت على الأرجح في ربيع عام 56م. من أفسس) والتي كانت قد انتشرت ضمن جماعة المؤمنين المحلية[10].
يبنى هذا التوكيد على (1) إشارات بولس إلى “تسليمه” الكورنثيين ما كان قد “تسلمه” هو، الأمر الذي يوحي بأننا هنا أمام قطعة من “التقليد”، (2) التطابق في الأسلوب للمواد نفسها التي جرى “تسليمها” (راجع الجمل الأربع هوتي، مع تكرار العبارة كاتا تاس غرافس في الأولى والثالثة بينها)، (3) اللفظة الأرامية “صفا” بالإشارة إلى بطرس، والتي توحي ببيئة محلية أبكر، وليس ببيئة يونانية – رومانية لاحقة لهذا التقليد، (4) الوصف التقليدي لمعشر التلاميذ “كالاثني عشر”، و(5) حذف من القائمة الظهورات للنساء. إن كان بولس، في الواقع، قد “تسلم” بعضاً من هذا “التقليد” مثلاُ، ما يتعلق بظهورات يسوع لبطرس ويعقوب (المشار إليها في 15: 5، 7: راجع أيضاً أعمال 13: 30، 31) مباشرة من بطرس ويعقوب نفسيهما خلال زيارته الأولى إلى أورشليم بعد ثلاث سنوات على هدايته (راجع أعمال 9: 26-28؛ غلاطية 1: 18، 19)، الأمر الذي من المحتمل جداً أن يكون قد حصل، فهذا النص يعكس ما كان يعلمه على التراب المحلي أوائل شهود العيان للأحداث الحاصلة في أورشليم، وذلك في غضون أيام بعد الصلب.
الإشارة الضمنية الواضحة هنا هي إلى كون المادة في 1كورنثوس 15: 3ب-5 هي مبينة على شهادة فلسطينية باكرة لشهود عيان، وتعد بالجهد انعكاساً لتقارير اسطورية كانت قد نشأت بعد وقت طويل ضمن ما يعرف بجماعات الإيمان اليهودية – الهلينية أو الأممية الهلينية. لم يكن هناك ببساطة الوقت الكافي، مع أخذ بعين الاعتبار التلاميذ الأولين الذين كانوا لا يزالون متواجدين في أورشليم لتصحيح روايات مغلوطة قد تكون قد نشأت عن يسوع، حتى تكون إضافات اسطورية من هذا الصنف قد نشأت وباتت بمثابة ظاهرة مقبولة ضمن “التقليد”. يثير وجود هذا “الاعتراف الباكر” بدوره اعترافات جدية حول ما إذا كانت روايات الظهور ضمن الأناجيل القانونية هي قصص اسطورية مبنية على مصادر غير محلية، كما أصر على ذلك العديد من الدارسين “البلتمانيين”. تأتي الحقائق لتوحي بقوة بما هو عكس ذلك. أي أن رايات الظهورات في الأناجيل ليس من قبيل القصص الأسطورية، كما يزعم هؤلاء الدارسون “البلتمانيون”.
الآن، من الأهمية بمكان أن كل النقاد مبدئياً اليوم، كما لاحظنا قبلاً، هم على استعداد للتسليم بأن التلاميذ بعد وقت قصير على موت يسوع – لسبب أو لآخر – قد جرى لهم تغيير عاطفي ملحوظ ورائع بحيث حل عندهم اليقين والثقة فجأة مكان الفشل واليأس اللذين كانا يمتلكانهم. وحتى “بلتمان” نفسه يقر بتاريخية اختبارهم “الفصح”[11] ويسلم بأن هذه الثقة الحديثة العهد هي التي أنشأت الكنيسة كحركة إرسالية. ما الذي أحدث هذا التغيير؟ إن كان أحدنا يجيب، على نسق بعض الدارسين، بأن اعتقادهم أنهم رأوا يسوع حياً، هو السبب الذي أجرى هذا التغيير فيهم من الخوف إلى الثقة، فعليّ الإشارة إلى أن في هذا تكراراً للمعنى ذاته: هنا يزعم أحدنا في نهاية المطاف أن اعتقادهم بأنهم قد رأوا يسوع الحي، هو الذي أنشأ فيهم إيمانهم بقيامة يسوع. نحن لا نزال أمام السؤال عينه: ما الذي أنشأ فيهم اعتقادهم أنهم رأوا يسوع الحي وعلى صعيد شخصي؟ لعل حدثاً سابقاً هو الذي أثر في اعتقادهم أنهم رأوا الرب المقام.
ترى، ما كان ذلك الحدث؟ إن كان أحدنا يجيب بالقول إن الأمر كان ينطوي على اختبار رؤيوي، أي على هلوسة، كان الحدث الذي أسفر عنه إيمانهم الفصحي، علينا أن نسأل عما تسبب بهذا الاختبار الرؤيوي. هنا، تختلف الآراء بالطبع. بعض الدارسين (“لامب”، “شوايتزر”، و”بورنكم” مثلاً) رأوا أن ظهورات القيامة كانت بمثابة صور ذهنية للذات الروحية ليسوع من دون جسده، والتي قد تواصل من خلالها مع تلاميذه من السماء. بكلام آخر، كانت ظهورات القيامة أنشطة فعلية من قبل يسوع “المروحن” والتي من خلالها دخل في علاقة حقيقية فعلية مع تلاميذه. اعتبر آخرون أن اختبار رؤية يسوع بعد صلبه، كانت ظاهرة طبيعية بحتة، جاءت ببساطة نتيجة عمل الإيحاء الذاتي.
يوحي “بلتمان”، مثلاً، بأن علاقة يسوع “الحميمة والشخصية” بهم إبان أيام خدمته بينهم، هي التي كانت قد شرعت في تغذية هكذا ذكريات طيبة فيهم حتى بدؤوا باختبار “رؤى شخصية وغير موضوعية” له، مع تخيلهم كونهم قد رأوه حياً من جديد[12]. “مايكل غولدر” في الأولى من مساهمتية في كتاب The Myth of God Incarnate (“أسطورة الله المتجسد”)، يعيد الإيمان بقيامة يسوع إلى بطرس الذي نعته نفسياً بأنه “mumpsimus” (مامبسيمس) أي من كانت معتقداته تقوى بدل أن تضعف، على قدر ما تتعرض أكثر فأكثر للدحض[13]. فبطرس هذا حصل على “اهتداء اختبره تحت شكل رؤيا” وتخيل أنه رأى يسوع في صبيحة أول يوم فصح ذاك. وفي تلك الليلة نقل اختباره إلى التلاميذ الآخرين، وهكذا.
…. سرت قوة الهستيريا بشكل عظيم داخل جماعة صغيرة حتى أنه في المساء، وتحت تأثير [السحر المنوم (؟)] لنور الشمعة مع [حالة التوتر العاطفي الشديد السائدة] من جراء خشيتهم من احتمال إلقاء القبض عليهم، وقد بدأت تنمو فيهم براعم الأمل بالعزم والإقدام أيضاً [لكن، على أي أساس؟]، بدأ لهم كأن الرب أتاهم عبر الباب الموصد، قبل أن غادرهم. [والآن، لنلاحظ كيف انتقل “غولدر” إلى خلاصته من دون بذل أي جهد]… أضرم اختبار الفصح إيماناً رفع يسوع إلى مصاف الألوهية، وحمل تعاليمه إلى كل زوايا المعمورة[14].
ينظر “غرد لودمن” إلى قصة القيامة كضرب من التخيل الوهمي الناتج من حزن الرسل وشعورهم بالذنب[15]. لكن فعلياً الآن، هل هذه تفسيرات منطقية تقف وراء وجود الكنيسة وإيمانها؟ بالجهد كذلك. أضف إلى ذلك حقيقة كون كل هذه الآراء (1) تترك حقيقة القبر الفارغ من دون تفسير (ولسنا نبالغ إن قلنا إنها تتحطم على “صخرة” القبر الفارغ، و(2) يفوتها تقبل التنوع في التفاصيل المجردة للروايات المتعددة للظهورات نفسها. أصاب جداً “جورج أ. لاد” من خلال إشارته إلى كون:
…. الرؤى لا تحصل بشكل عشوائي. فاختبارها يستلزم بعض الشروط المسبقة عند الأشخاص المعنيين، هذه الشروط المسبقة الغائبة بالتمام عن تلاميذ يسوع. أن نتصور التلاميذ وهم يراعون ويغذون ذكريات حميمة عن يسوع بعد موته، ويشتاقون إلى رؤيته مجدداً، ولا يتوقعون له أن يموت فعلاً. كل هذا هو نقيض الدلائل التي في حوزتنا. كما أن تصوير التلاميذ على أنهم مشبعون بهذا المقدار من الرجاء من جراء ما خلفه يسوع فيهم من تأثير، ما مكن إيمانهم من التغلب بسهولة على حاجز الموت لكي ينصبوا يسوع كربهم الحي والمقام. كل هذا يفترض إعادة صياغة جذرية للتقليد الإنجيلي. وبينما قد لا يكون من المطري للتلاميذ، التصريح بأن إيمانهم كان بإمكانه فقط أن ينتج من اختبار حقيقي بتجرد، هذا ما تدونه الأناجيل فعلاً[16].
عدد من تلامذة “بلتمان” بمن فيهم “غيرهارد إيبلينغ” و”إرنست كازمان” و”غنثر بورنكام” و”إرنست فاكس” رفضوا عملية تذويب معلمهم للروابط التي تجمع بين الإيمان والتاريخ العلمي، وذلك على أساس أنها تجعل من غير الممكن التمييز بين الإيمان المسيحي والتزام رب أسطوري. يسلم “بورنكام” أحد تلامذة “بلتمان” الأكثر نفوذاً، “بعدم وجود تفسير مرض لمعجزة القيامة في طبيعة التلاميذ الداخلية”:
الرجال والنساء الذين يقابلون المسيح المقام [في الأناجيل] وصلوا إلى نهاية حكمتهم. كانوا في حالة اضطراب وانزعاج من جراء موته. راحوا يسيرون كمفجوعين على غير هدى حول قبر سيدهم في محبتهم العاجزة عن فعل أي شيء، محاولين بوسائل تدعو إلى الشفقة – على غرار النساء عند القبر – أن يوقفوا العملية وانبعاث رائحة النتانة. كان هؤلاء التلاميذ متجمهرين معاً على نسق الحيوانات في العاصفة (يوحنا 20: 19 والأعداد التالية). هكذا كانت أيضاً حال التلميذين على طريق عمواس عشية يوم الفصح، بعد أن كانت قد تحطمت آخر آمالهم. يحتاج أحدنا إلى قلب جميع روايات الفصح هذه رأساً على عقب في حال أراد إظهار هؤلاء القوم بكلمات “فاوست”: “إنهم يحتفلون بقيامة الرب من الأموات، لأنهم هم قاموا من الأموات”. كلا، هم لم يقوموا من الأموات. فما يختبرونه هو الخوف والشك، كما أن الشيء الوحيد الذي يوقظ الفرح والسرور في قلوبهم هو مجرد هذا: التلاميذ في يوم الفصح هم الذين يتميزون بالموت، فيما المصلوب والمدفون هو الحي[17].
يواصل “بورنكام” كلامه بالقول إن “رسالة قيامة يسوع، لم تكن بأي شكل من الأشكال، من نتاج الجماعة المؤمنة وحدها”. ثم يستخلص أنه “لمن المؤكد أن ظهورات المسيح المقام مع كلمة شهوده، هي التي أنشأت هذا الإيمان في المرتبة الأولى”[18]. أنا أوافق، بل أصر على أن “الاختبار الحقيقي بتجرد” الذي كان قد حصل عليه التلاميذ، والذي كان “لاد” قد تحدث عنه قبلاً، جاءهم نتيجة “البراهين المقنعة الكثيرة” (أعمال 1: 3) على قيامته في الجسد من خلال ظهوراته العديدة لهم بعد صلبه. إذ لا شيء أقل من القيامة الفعلية في الجسد من الموت، باستطاعتها تفسير ظاهرتي كل من القبر الفارغ والتحول الجذري الذي حصل للتلاميذ والذي نقلهم من حالة الشك والغم إلى الإيمان وفرح الشهيد. لذا، لا داعي للبحث عن تفسير آخر يصلح كأساس لإيمانهم الفصحي.
مكانة قيامة يسوع في الجسد على صعيد المناداة المسيحية في الكنيسة الأولى
اعتمدت الكنيسة الأولى حق قيامة يسوع في الجسد من الأموات “كالمدخل” لإعلان بشارة الإنجيل. يوضح المسح الشامل السريع للعظات المدونة في أعمال 2: 14-39؛ 3: 13-26؛ 4: 10-12؛ 5: 30-32؛ 10: 36-43؛ 13: 17-41؛ 17: 22-31 إلى جانب تعاليم رسائل العهد الجديد (رومية 1: 2-4؛ 2: 16؛ 8: 34؛ 9: 5؛ 10: 8، 9؛ 1كورنثوس 15: 3، 4) كيف أن اعتماد الرسل قيامة يسوع في الجسد من الأموات، لم يكن بالأمر الشاذ على الإطلاق. استخدموه بسبب ما يحدثه من صدمة، وهنا تكمن قيمته.
حقاً، كان التركيز في “الكريغما” (المناداة) البدائية دائماً على قيامة المسيح في الجسد من الأموات. لا يلحظ أي من هذه العظات المدونة إقدام الواعظ على التوقف أمام الحاضرين للتركيز على ما ينطوي عليه موت المسيح من أهمية خلاصية. لكنهم يشددون جميعهم على أن الله كان قد قلب رأساً على عقب حكم الناس من خلال إقامته من الأموات رجلاً – يسوع المسيح – والذي كانت السلطات الرومانية قد صلبته كمجرم، وذلك بإيعاز من السنهدرين اليهودي. وفي هذا السياق، يؤكد “ولبر م. سميث” ما يلي: “يشهد سفر الأعمال لحقيقة أنه من خلال الكرازة بقيامة المسيح [وليس الصليب] قد جرى قلب العالم رأساً على عقب”[19]. وبأكثر دقة، فإن الانعكاسات التي كان الرسل قد استنتجوها من هذا الحدث الجلل، هي التي هزت العالم الروماني من القرن الأول حتى جذوره. والمقصود بذلك كون:
† قيامة المسيح في الجسد من الأموات، أظهرت هويته الإلهية (رومية 1: 3، 4)[20].
† قيامة المسيح في الجسد، السبيل لجلوسه على العرش في السماء رباً على بني البشر (أعمال 2: 36؛ 10: 42؛ رومية 14: 9).
† المسيح بفضل قيامته في الجسد تبرهن أنه مخلص الناس الأوحد (أعمال 4: 12). وبالتالي أبرزت جميع ديانات العالم الأخرى على أنها على خطأ وغير أهل لكي يعطيها الناس ولاءهم.
† قيامة المسيح في الجسد من الأموات، أظهرت كيف أن الله جعل ختم رضاه على عمل المسيح الفدائي (رومية 4: 25؛ عبرانيين 9: 24، 25؛ 13: 20).
† قيامة المسيح في الجسد من الأموات، جعلت منه “موقع الهيكل” الحقيقي حيث بإمكان الناس العثور على الله وعبادته (يوحنا 2: 19، 21؛ مرقص 14: 58).
† قيامة المسيح في الجسد من الأموات، تشكل جانباً أساسياً من الإيمان الذي يخلص الخطاة (رومية 10: 9).
† قيامة المسيح في الجسد من الأموات، تؤكد للمسيحيين مدى مصداقية تعليمه (متى 16: 21) وتحثهم على البقاء أمناء له لدى تعرضهم للاضطهاد من أجل إيمانهم (2تيموثاوس 2: 8).
† قيامة المسيح في الجسد من الأموات، بصفته “باكورة الراقدين”، تؤكد للمسيحيين، وضمناً لجميع الشعوب الأخرى، أن قيامة الأموات في نهاية الأيام قد بدأت، وأنهم بالتالي سيقامون في الجسد ذات يوم إما لسرورهم، وإما لويلهم (يوحنا 5: 28، 29؛ أعمال 24: 15؛ رومية 8: 19 والأعداد التالية؛ 1كورنثوس 15: 20 والأعداد التالية؛ 1تسالونيكي 4: 14؛ 1بطرس 1: 3، 4).
† قيامة المسيح في الجسد من الأموات، وما تلى ذلك من صعود وارتقائه إلى الربوبية، قد ثبتاه دياناً لكل الناس (أعمال 17: 31).
† كان على الكنيسة الاحتفال بحقيقة قيامة المسيح في الجسد من الأموات، من خلال اجتماعها معاً في كل أول يوم من الأسبوع، على مدار السنة، وحتى نهاية العالم! على الكنيسة ألا تدع البشرية تنسى السبب وراء انتقال السبت من اليوم السابع إلى اليوم الأول.
بينما يبقى أحدنا غير متأثر بالإعلان عن أحد الأشخاص الذي يدعي بأنه مسيا اليهود، كون صلب على صليب روماني، بما أن آلافاً من الناس لقوا هذا المصير نفسه، لا يمكن لأحدنا البقاء محايداً حيال الإعلان بأن الله قد أقام يسوع هذا في الجسد من الأموات. لا يستطيع أحدنا أن يقول متثائباً: “ما أروع هذا”، قبل أن يهز رأسه ويمضي في طريقه بلا مبالاة! لكن قيامة يسوع كانت ولا تزال معجزة! فإما أن تكون قد حصلت، وإما ألا تكون قد حصلت! فلا مكان للحياد هنا! هذا الجانب من المناداة في بدايتها، استحوذ على اهتمام السامع، واستلزم منه قراراً فكرياً. وفي حال رفضها، عرض بذلك نفسه للخطر من خلال تنكره للرب المرفع والمزمع ذات يوم أن يدينه. وإن قبلها، فإنه يكون بذلك قد تحول إلى مخلص البشرية الأوحد الذي مات من أجل خطاياه. وعندما شرح له بولس تلك “الأخبار السارة”، شرحها، رجاء ملاحظة هذا جيداً، من زاوية التبرير بالإيمان وحده!
هذا “المدخل” على طريقة مناداة الكنيسة الأولى بالإنجيل، كنت قد أشرت إليها في محاضراتي على مر السنين. ولئن تأثر تلامذتي في حينه دائماً بهذه الحقيقة. لا أحد منهم، كما أعلم، خرج لتطبيق أسلوب الكنيسة الأولى هذا في التبشير على الذين لا يعرفون الكتاب المقدس. صلاتي أن يقدم على ذلك أحدهم في يوم من الأيام. ومن يعلم؟ فهذا الشخص قد يفتن المسكونة من جديد، كما حصل مع الكنيسة الأولى!
[1] أحد المؤشرات على استمرار في PCUSA هو ما حصل خلال الجمعية العمومية في دورتها التي تحمل الرقم 217، والملتئمة في “برمنغهام”، “ألاباما”، خلال صيف 2006. فلقد “قيلت” بناء على اقتراع 282-212 وثيقة بحث تلحظ أن المعروف بلغة الكنيسة التقليدية بشأن الثالوث (والذي يصدف أنه لغة الكتاب المقدس) تصور الله على أنه ذكر، الأمر الذي يشير ضمناً إلى تسامي الرجال على النساء (“ونحن نندم على هذا التشويه”، كما صرح التقرير). هذا يسمح لكل كنيسة بمفردها بتقرير لنفسها إن كانت تفضل التحدث عن “التجسيدات الثلاثة” لله تحت شكل “الأم الحنونة”، و”الطفل المحبوب”، و”الرحم الواهب الحياة”، أو “المحب”، و”المحبوب”، و”المحبة” التي تربط المحب بالمحبوب، أو “قوس قزح الوعد”، و”تابوت الخلاص”، و”حمامة السلام” أو “الصخرة”، و”حجر الزاوية”، و”الهيكل”، أو “الشمس”، و”النور”، و”الشعاع المحرق”، أو “المتكلم”، و”الكلمة”، و”النفس”.
[2] إلا أنه يتحدث عن “الحق المنزه عن الخطأ” للأسفار المقدسة في 1,5، كما يعلن أن “القانون المنزه عن الخطأ لتفسير الأسفار المقدسة، هي الأسفار المقدسة نفسها” في 1,9. هذا مع العلم أن “القانون” يفترض عدم وجود أخطاء فيه.
[3] لا يعرض التوكيد أي تفسير منطقي لماذا عقيدة العصمة تنتقص من سلطة الكتاب المقدس أو تضعف شهادة الكنيسة للإنجيل. أنا أفترض أن التوكيد يقصد بذلك القول إن عقيدة عصمة الكتاب المقدس تحول الاهتمام بعيداً عن “الكلمة الحي” (المسيح) إلى “الكلمة المكتوبة” (الكتاب المقدس). في الواقع، نقيض ذلك هو الصحيح: لأننا في حال راعينا نظرة أدنى إلى الكتاب المقدس، لا نضفي بذلك أهمية أكبر على المسيح؛ بل بالحري ننتقص من شهادته. إلى ذلك، فالكتاب المقدس الذي هو عرضة للخطأ وغير معصوم، من شأنه الانتقاص من سلطة هذا الكتاب وإضعاف شهادته للمسيح الكلمة الحي. بوسعي فقط استخلاص أن الذهن الليبيرالي هو ذهن مشوس.
[4] غالباً ما يجري التأكيد بشكل مغلوط على أن السلطات الرومانية، أي بيلاطس وهيرودوس، هما المسؤولان عن صلب يسوع المسيح، مع النظر إلى القيادة الدينية اليهودية، على الغالب، كمجرد ممثلين متواطئين في هذا الحدث. لكن واقع الأمر يظهر عكس ذلك تماماً؛ لم يكن للسلطات الرومانية أي اهتمام بسوع قبل إقدام القيادة الدينية اليهودية على إرغامهم على النظر في قضيته. وحتى بعد ذلك، وجد القائدان الرومانيان يسوع بريئاً من التهم التي وجهها إليه اليهود. لكن القيادة الدنية اليهودية ظلت متصلبة في رفضها قرار الرومان القاضي بإطلاقه، وطالبت بصلبه. حقاً، أمن الرومان “السكين” في صلب يسوع، أي أسلوب القتل، في حين ظهرت القيادة الدينية اليهودية بمثابة “اليد التي دفعت السكين”. إذاً، القيادة الدينية اليهودية هي التي حرضت على صلب المسيح فيما قامت روما بدور الممثل المتواطئ.
[5] تستلزم العبارة “في اليوم الثالث”. بعض التعليق. أين يعلم العهد القديم أن يسوع سيقوم من الأموات في اليوم الثالث بعد موته؟ يحاجج “أندرو ثيسلتن” في تفسيره
(NIGTC; Grand Rapids: Eerdmans, 2000), 1196-97) The First Epistle to the Corinthians
في كون العبارة “بحسب الكتب” لا تتعلق “باليوم الثالث” بل فقط بالعبارة “قام”. لكن يسوع نفسه أعلن في لوقا 24: 44-46 أن العهد القديم شهد لكون المسيا سوف يموت ويقوم في اليوم الثالث. تأمل الباحثون لوقت طويل في هذه المسألة وذلك في غياب العديد من نصوص العهد القديم من أجل الاختيار منها. في معظم الأحيان، يتم اختيار هوشع 6: 2 وأحياناً يجري عرض يونان 1: 17 و2ملوك 20: 5. لكن المشكلة مع هوشع 6: 2 هي أنه يتحدث عن قيامتنا نحن، لا عن قيامة المسيا. كما أن المشكلة مع يونان 1: 17 هي أنه يستلزم متى 12: 40 كرابط أما المشكلة مع 2ملوك 20: 5 فهي أنه لا يتحدث قط عن القيامة.
أنا أقترح أن حادثة المريا في تكوين 22، والتي قليلاً ما تؤخذ بعين الاعتبار، تبقى على الأرجح الخيار الأفضل بعد التفكير بكل شيء آخر. فتصريح إبراهيم في تكوين 22: 5 يشير ضمناً بوضوح إلى أن إبراهيم آمن بأن اسحق سوف يقام من الأموات في اليوم الثالث بعد أن كان الله قد أمره بتقريبه. في ذلك الوقت، كان إبراهيم يعتبر اسحق كأنه ميت، كما صرح كاتب العبرانيين بوضوح أن إبراهيم “من الزاوية الرمزية” استرجع اسحق من الموت في ذلك الوقت. يحتاج أحدنا فقط أن يفهم رمزية “موت وقيامة” اسحق، وينظر إليها كرمز لموت المسيح وقيامته الفعليين من أجل استيعاب ما كتبه بولس عن المسيح الذي “قام في اليوم الثالث حسب الكتب”.
[6] G. C. Berkouwer, The Work of Christ, translated by Cornelius lambregste (Grand Rapids: Eerdmans, 1965), 184.
[7] بحسب مرقص 16: 9، يسوع “ظهر أولاً لمريم المجدلية” وقد يكون هذا ما حصل فعلاً. لكن هذا التصريح من خلال وروده ضمن الخاتمة الطويلة لمرقص 16، تثار بعض التساؤلات حول مدى مصداقيته وصحته. برأي، روايات الظهور هذه يكون من الأسهل تنظيمها. إن كان يعتبر أحدنا أن يسوع ظهر أولاً للنساء اللواتي خرجن بسرعة من القبر (متى 28: 8, 9)، ومن ثم لمريم التي تبعت بطرس ويوحنا رجوعاً إلى القبر بعد اخبارهما أن القبر فارغ (راجع يوحنا 20: 1-18). لكن هذا التنظيم يبقى ممكناً حتى ولو ظهر يسوع لمريم أولاً.
[8] فيما يتعلق بتحول الكنيسة لجهة حفظ يوم السبت من اليوم السابع إلى اليوم الأول من الأسبوع، أؤكد وجود عنصرين أساسيين في الترتيب المتعلق بيوم السبت في العهد القديم: أولاً، كونه يجب أن يكون يوماً يستريح فيه المرء من أعماله، وثانياً، ضرورة تخصيصه لعبادة الله وفي خدمة الدين. وكل شيء آخر كان ظرفياً وقابلاً للتغيير. وحتى اليوم المحدد من الأسبوع كان قابلاً للتغيير (1) لسبب وجيه، و(2) من قبل سلطة أهل لذلك. حقاً، مع توافر هذه العنصرين، كان التغيير إجبارياً. هل حضر هذان العنصران في القرن الأول، ما يضفي شرعية على تبديل حفظ يوم السبت من اليوم السابع إلى اليوم الأول من الأسبوع؟ كانا حاضرين حقاً! فإن سبباً وجيهاً توافر بوضوح: الحدث الجليل المتمثل بقيامة يسوع من الموت في اليوم الأول من الأسبوعّ! كما أن السلطة الجديرة حضرت أيضاً بوضوح: مثال المسيح نفسه وكلماته، رب السبت، ورسله (يوحنا 20: 1، 19، 26؛ أعمال 20: 7؛ 1كورنثوس 16: 2؛ عبرانيين 10: 25؛ رؤيا 1: 10).
كانت الخلاصة الحتمية التي توصلت إليها الكنيسة المسيحية، أن التبديل في الأيام لم يكن ملائماً وحسب، بل حظي أيضاً بالموافقة الصريحة من قبل المسيح ورسله. فلو كانت الكنيسة لتواصل حفظها السبت في اليوم السابع، لكان في هذا التأكيد ضمناً أن حدث الفداء الرمزي في سفر الخروج مع الوصية المتعلقة باليوم السابع مقابل عمل المسيح الفدائي المرموز إليه، شكل الحدث الفدائي الأهم بينما لم يكن حدث الخروج سوى ظل لعمل المسيح الفدائي. أو تكون الكنيسة بذلك قد أنكرت حدث القيامة بجملته. ثانياً، إن حفظاً كهذا كان سيعني رفض سلطة المسيح ورسله (ناهيك أيضاً بأسفار العهد القديم النبوية أيضاً) على الكنيسة. بكلام آخر، مواصلة الكنيسة حفظها السبت في اليوم السابع، كان سيعني تجاهل طبيعة الإعلان التدريجي الذي كان هنا سيد الموقف. يشرح “غيرهاردس فوس” نقطتي هذه في كتابته Biblical Theology (Grand Rapids: Eerdmans, 1954, 158).
على قدر ما كان العهد القديم لا يزال ينظر قدماً إلى أداء العمل المسياني، من الطبيعي أن تأتي أولاً أيام العمل التي تصب في هذا الاتجاه، وفي هذه الحال، يقع يوم الراحة في نهاية الأسبوع. أما نحن تحت العهد الجديد، فننظر رجوعاً إلى العمل الذي كان قد أكمله المسيح. لذا، نحتفل أولاً بالراحة التي كان المسيح مبدئياً قد أمنها لنا، هذا مع كون السبت لا يزال علامة تنظر قدماً على الراحة النهائية في آخر الأيام. كان على شعب الله في العهد القديم أن يرمزوا من خلال حياتهم إلى التطور العتيد للفداء. من هنا، كان على أسبقية العمل ونتيجته الراحة أن يجد تعبيراً له ضمن روزنامتهم. أما كنيسة العهد الجديد فليس عليها تتميم هكذا عمل رمزي، ذلك لأن الرموز قد تمت.
لكن عندها حدث تاريخي عظيم عليها تذكره، إنجاز العمل بواسطة المسيح، ودخوله هو وشعبه من خلاله، حالة الراحة التي لا نهاية لها. نحن يفوتنا إدراك بما فيه الكفاية، الأبعاد العميقة التي كانت لدى الكنيسة الأولى بشأن الأهمية العظمى لظهور المسيا، ولا سيما لقيامته. لم يكن هذا الحدث الأخير في نظرهم أقل من إحضار خليقة جديدة، الخليقة الثانية، فشعروا بضرورة التعبير عن ذلك من خلال جعلهم السبت مقابل أيام الأسبوع الأخرى. عرف المؤمنون أنفسهم أنهم، إلى حد ما، شركاء في تتميم السبت. إن كان أحد أعمال الخلق يستلزم تسلسلاً معيناً، فعمل الخلق الآخر في هذه الحال يستلزم تسلسلاً آخر.
[9] Nicholas T. Wright, The Resurrection of the Son of God (Minneapolis, 2003), 717.
[10] يشير “غنثر بوونكام”، مثلاً، على تعداد بولس لظهورات المسيح المقام في 1كورنثوس 15: 3-7 على أنها “النص الفصحي الأقدم والأكثر موثوقية… والذي كانت قد جرت صياغته قبل بولس بوقت طويل”. يصرح بشأن هذه “الصيغة القديمة” أنها تبدو أشبه “بسجل رسمي”.
(Jesus of Nazareth [New York: Harper and Brothers, 1960], 182)
راجع أيضاً” ولفهارت بانتبرغ”.
Jesus – God and Man (Philadephia: Westminster, 1968), 90, 91.
هذه النظرة المقبولة على وجه العموم، جرى تناولها بشكل مميز في الكتب التالية:
George E. Ladd, “Revelation and Tradition in Paul,” in Apostolic History and the Gospel, eds, W. Ward Gasque asn Ralph P. Martin (Exeter: Paternoster, 1970), 233, 30, particularly 244, 25; Grant R. Osborne, The Resurrection Narratives: A Redactional Study (Grand Rapids: Baker, 1984), 221 -25; and Gary R. Habermas, Ancient Evidence for The Life of Jesus (Nashville: Thomas Nelson, 1984), 124-27.
[11] يكتب “رودلف بلتمان” ما يلي: “ليست القيامة بحد ذاتها حدثاً من التاريخ الماضي. كل ما بإمكان النقد التاريخي إقراره هو حقيقة كون التلاميذ الأوائل آمنوا بالقيامة”
“New Testament and Mythology” in Kerygma and Myth, ed. Hans-Werner Bartsch [London: Spck, 1972], I, 42].
بالمقابل، “دونالد غثري” هو على حق بالكامل في إصراره عند هذا الحد على تفسير “إيمانهم الفصحي” هذا: “تنشأ فوراً الحاجة الملحة لتفسير “حدث نشوء الإيمان الفصحي”. إن واقع تشكيك “بلتمان” بأهمية البحث التاريخي في الأساس وراء الإيمان المسيحي، ينفي إمكانية عرض تفسير مرض لأي حدث، سواء أكان القيامة بحد ذاتها، أو نشوء إيمان الفصح. فالواحد بينهما لا يختلف في موقعه عن الآخر. إن نشوء الإيمان يستلزم نشاطاً خارقاً وفوق الطبيعية بالمقدار عينه للقيامة نفسها، وبالأخص بما أنها نشأت في أصعب الظروف”.
(New Testament Theology [Leicester: Inter-Varsity, 1981], 183).
[12] الكلمات الفعلية التي اعتمدها “بلتمان” في هذا السياق هي التالية: “لعل باستطاعة المؤرخ، إلى حد ما، تفسير ذلك الإيمان في ضوء تلك العلاقة الشخصية الحميمة بيسوع، التي كان التلاميذ يستمتعون بها إبان حياته الأرضية، وبذلك نحصر ظهورات القيامة بسلسلة من الظهورات الشخصية وغير الموضوعية” (Kerygma and Myth, 42).
[13] “المامبسيمس” هو الشخص الذي يتمسك برأيه بعناد، بالرغم من أوضح الدلائل على كونه على خطأ هذه اللفظة بالإنجليزية أول ما وردت عام 1530 في كتاب “وليام تندايل” The Practice of Prelates (“ممارسة الأساقفة”). يبدو أن راهباً إنجليزياً من القرون الوسطى، كان قد أصر على استخدام جملة من الافخارسيتا اللاتينية بطريقة مغلوطة إما لأنه كان أمياً وإما لكون نسخته من الطقس كانت قد نقلت مشوبة بالأخطاء. فعوضاً عن كود، إن أور سامبسيمس، بمعنى “ما تناولناه داخل الفم” كان يقول كود إن أور مامبسيمس، هذه العبارة الخالية من أي معنى. ما يجعل خطأه محفوراً في الذاكرة، هو ما قاله لدى تصحيح لغته اللاتينية. فحسب “ريتشارد بايس” عام 1517. والذي أصبح فيما بعد عميد كاتدرائية مار بولس في لندن، صرح الراهب بالقول: “تلوت الإفخارستيا بهذه الطريقة على مدى أربعين سنة. لن أبدل مامبسيمس القديمة عندي بـ سامبسيمس الحديثة التي عندكم”.
[14] Michael Goulder, “Jesus, The Man of Universal Destiny” in The Myth of God Incarnate, edited by John Hick14 (Philadelphia: Westminster, 1977), 59.
[15] Gerd Ludemann, The Resurrection of Jesus: History, Ecperience, Teheology, translated by John Bowden (Minneaplis, 1994).
[16] George E. Ladd, “The Resurrection of Jesus Christ” in Christian Faith and Modern Theology, edited by Carl F. H. Henry (Grand Rapids: Baker, 1964), 270-71.
[17] Bornkamm, Jesus of Nazareth, 184-85.
[18] Bornkamm, Jesus of Nazareth, 183.
لكن على القارئ تذكر أن “بورنكام” يتبنى فكرة أن ظهورات يسوع بعد القيامة، كانت بمثابة رؤى مرسلة من السماء، وليست بطبيعتها مادية.
[19] Wilbur M. Smith, “Resurrection” in Baker’s Dictionary of Theology (Grand Rapids: Baker, 1960), 453.
في سفر الأعمال الذي كتبه لوقا، “دم” المسيح مذكور مرة واحدة، وذلك في سياق كلام بولس إلى شيوخ أفسس (20: 28)، كما أن حقيقة “مقتل” يسوع مذكورة مرة واحدة (3: 15)، وحقيقة “صلبه” مرتين (2: 5؛ 4: 10). أما الخشبة التي مات عليه فمذكورة ثلاث مرات (5: 30؛ 10: 39؛ 13: 29) فيما لا ذكر على الإطلاق “للصليب”؛ بالمقابل، قيامته مذكروة 10 مرات. وحقيقة كونه “أقيم” في الجسد من الأموات، مذكروة 14 مرة. كما أن الشهادة الرسولية لحقيقة قيامته في الجسد من الأموات وانعكاساتها.
[20] راجع تفسيري لهذا النص في كتابي
Jesus, Divine Messiah: The New and Old Testament Witness (Ross – shire, Scotland: Mentor, 2003), 372-84.
مفهوم الإحتكام إلى المجامع والآباء في الكنيسة الأولى
مفهوم الإحتكام إلى المجامع والآباء في الكنيسة الأولى
مفهوم الإحتكام إلى المجامع والآباء في الكنيسة الأولى
المجامع في الكنيسة الأولى
إن مجال هذه المقال محدود، لأنها مجرَّد مقدمة. فدور المجامع في تاريخ الكنيسة ووظيفة التقليد بُحثاً عن السنوات الأخيرة. ولذلك كان الهدف من هذه المقالة تقديم بعض الاقتراحات التي قد تثبت فائدتها في تدقيقنا في الشواهد النصيّة وفي تقويمنا اللاهوتي وفي تفسيرنا لها. والواقع أن المشكلة كنسيّة، وأن المؤرخ الكنسي يجب أن يكون لاهوتياً أيضاً وأن يورد خياره الشخصي وموقفه.
فعلى اللاهوتيين بالمقابل أن يعُوا المنظور التاريخي الواسع الذي نوقشت فيه الأمور الإيمانية والعقيدية وفُهمت، وعليهم أن يتجنبوا المفارقات التاريخية في اللغة، لأن الواجب يقتضي أن يدرسوا كلّ عصر بلغته الخاصة.
ويجب على تلميذ الكنيسة القديمة أن يبدأ بدراسة مجامع معيَّنة وأن يتناولها في وضعها التاريخي المحدَّد من دون أن يحاول إعطاء تحديد مسبق بشكل كيفيّ. وهذا ما يفعله المؤرخون. ففي الكنيسة القديمة لم تكن هناك “نظرية مجمعية” ولا لاهوت محكم عن المجامع ولا نظم قانون محدَّدة، لأن مجامع الكنيسة، في القرون الثلاثة الأولى، التأمت عند الضرورة لأهداف خاصة وفي ظروف طارئة لبحث أمور معيِّنة تعمّ الجميع. فكانت أحداثاً أكثر منها مؤسسة. والأفضل أن نستعمل عبارة غريغوري ديكس التي تنص على أن المجامع كانت:
“قبل نيقية جهازاً اقتضائياً لا مكان محدَّد له في نظام الحكم الكنسي”.
وما سلَّم به الجميع ووافق عليه في تلك الفترة هو أن اجتماع وتشاور أساقفة يمثلون كنائسهم المحلية و”جماعاتهم”، وبالأحرى يجسِّدونها، كان نهجاً صحيحاً وطبيعياً لإظهار الوحدة وتحقيقه وللاتفاق في أمور الإيمان والتنظيم. فكان الشعور بوحدة الكنيسة قوياً في العصور الأولى، على الرغم من أن هذا الشعور لم يكن قد انعكس بعد على الصعيد التنظيمي.
“فمجمعية” الأساقفة كان أمراً مسلَّماً به مبدئياً، وكان مفهوم “الأسقفية الواحدة” قد ابتدأ بالنموّ، وكان أساقفة منطقة معيَّنة يجتمعون لاختيار الأساقفة الجدد ولوضع الأيدي عليهم، وكانت أسس المنهج المتروبوليتي في طور التثبيت. لكنَّ هذه الأمور حدثت بطريقة عفوية. وظهر أن “المجامع” برزت إلى حيِّز الوجود في آسيا الصغرى أولاً في أواخر القرن الثاني أثناء الدفاع القوي ضد انتشار “النبوَّة الجديدة” أي ضد الانفجار المونتاني العنيف. وكان من الطبيعي في هذه الحالة أن تشدد الكنيسة على “التقليد الرسولي” الذي كان الأساقفة حرَّاساً له وشهوداً في رعاياهم.
وفي شمال أفريقيا تأسس نوع من النظام المجمعي في القرن الثالث، إذ وُجد أن المجامع هي الأداة المثلى للشهادة والإفصاح والإعلان عن الفكر المشترك في الكنيسة وعن الانسجام والتآلف بين الكنائس المحلِّية. لقد أصاب البروفسور جورج كريتسثمار (George Kretschmar) عندما قال في دراسته عن مجامع الكنيسة القديمة إن اهتمام المجامع الأولى الأساسي كان اهتماماً بوحدة الكنيسة: “فمنذ البدء وحتى الوقت الحاضر هناك موضوع واحد وهو الإعلان عن وحدة صحيحة وروحية في كنيسة الله”. أمَّا هذه الوحدة فكانت تقوم على وحدة التقليد وعلى الإجماع في الإيمان أكثر مما تقوم علي أي نموذج مؤسساتي.
المجمع المسكوني
بعد اهتداء الإمبراطور تغيرت الظروف. فمنذ أيام قسطنطين وبالأحرى منذ أيام ثيوذوسيوس اعترف المجمع بأن الكنيسة أصبحت تعايش الإمبراطورية المسكونية المتنصرة. إن “اهتداء الإمبراطورية” جعل مسكونية الكنيسة مرئية أكثر منها في أي وقت مضى. وهذا الاهتداء لم يضف شيئاً إلى المسكونية الأساسية والأصلية في الكنيسة المسيحية. لكن الظرف الجديد هيأ لها ظهوراً مرئياً. في هذا الظرف التاريخي التأم المجمع المسكوني الأول في نيقية وصار نموذجاً للمجامع اللاحقة.
“فوضع الكنيسة الجديد استلزم عملاً مسكونياً، لأن الحياة المسيحية لم تعد معاشة في عالم منظم على أسس إقليمية، بل في إمبراطورية شاملة… وبما أن الكنيسة خرجت إلى العالم فأصبح من واجب الكنائس المحلية أن تتعلم ألا تعيش كوحدات مستقلة (مثلما عاشت سابقاً عملياً لا نظرياً)، بل كجزء من سلطة روحية واسعة” (Eduard Schwartz).
إننا نقدر أن نصف المجامع العامة، كما دُشنت في نيقية، بأنها بمعنى من المعاني “مجامع إمبراطورية” (die Reichskonzile) وربما كان هذا الوصف المعنى الأول والأصلي للفظة “مسكوني” كما أطلقت على المجامع (Eduard Schwartz). ولا مجال هنا للبحث المطول في المشكلة الصعبة والشائكة المتعلقة بطبيعة وخاصية هذه البنية التي كانت “الكومنولث” (commonwealth) المسيحي الجديد و الجمهورية المسيحية الثيوقراطية (Res publica Christiana) التي صارت فيها الكنيسة مرتبطة بالإمبراطورية بشكل غريب، لأن هدفنا المباشر لا علاقة له بهذا الموضوع. كانت مجامع القرن الرابع ما تزال اجتماعات اقتضائية وأحداثاً فردية. وكان سطانها النهائي مستنداً إلى اتفاقها مع “التقليد الرسولي”.
فعدم وجود آية محاولة في القرن الرابع وفيما بعد لتوسيع نظرية قانونية عن “المجامع العامة” بكونها مركزاً للسلطان النهائي وبكونها ذات ونماذج معينة لإجراءات متعددة هو أمر ذو دلالة، رغم أن الكنيسة اعترفت بهذه المجامع في الواقع بأنها مكان مناسب لمعالجة مشاكل الإيمان والعقيدة ومرجع في هذه الأمور. لن نبالغ إذا قلنا أن المجامع لم تُعتبر أبداً مؤسسة قانونية، بل اعتُبرت أحداثاً اقتضائية تتجلى فيها المواهب الروحية.
فهي لم تُعتبر سلفاً بشرعية أي مجمع، بل إن الكنيسة رفضت عدداً منها، رغم قانونيتها الشكلية. يكفي أن نذكر المجمع اللصوصي الذي عُقد سنة 449. فالكنيسة اعترفت “بمسكونية” المجامع التي لها سلطة دامغة. إنها اعترفت بها فور وبعد زمن لا لأهليتها القانونية، بل لطابعها المواهبي، إذ شهدت بالروح القدس للحقيقة الموجودة في الكتاب المقدس كما سُلم في التقليد الرسولي.
لا مجال هنا لبحث “نظرية الاستلام”، لأن هذه النظرية لم تكن موجودة. فهناك رؤية إيمانية فقط. إن هانس كونغ (Hans Küng) في كتابه (Sturkturen der Kirche) “بنية الكنيسة” اقترح طريقة تساعد في فهم هذه المسألة. ورغم أن هذا المؤلف ليس مؤرخاً فإن المؤرخين يقدرون أن يطبقوا مخططه اللاهوتي على نحو مثمر. فاقترح كونغ أن يُنظر إلى الكنيسة “كمجمع” يدعوه الله نفسه إلى الانعقاد (“بدعوة إلهية”Aus göttlicher Berufung)، وإل المجامع التاريخية أي المسكونية والعامة كمجامع يدعوها الإنسان للانعقاد (“بدعوة إنسانية”Aus monschlicher Berufung)، لأنها تمثل الكنيسة بشكل حقيقي، لكنها لا تكون أكثر من ممثلة.
وتجدر الاشارة إلى أن المؤرخ الروسي بولوتوف (V.V.Bolotov) أورد منذ سنوات مفهوماً مشابها في “محاضراته عن تاريخ الكنيسة القديمة”، فقال إن الكنيسة اجتماع (ecclesia) لا ينفض أبداً. والسلطان السامي ومقدرة تمييز حقيقة الإيمان أودعا في الكنيسة التي هي “مؤسسة إلهية” بالمعنى الصحيح والدقيق للكلمة. ولكن لا يوجد مجمع و”مؤسسة مجمعية ذات حق إلهي” (de Jure Divino) إلاَّ بمقدار ما تكون صورة حقيقية وتجلياً للكنيسة. وقد نبقى في دائرة مفرغة إذا شددنا على ضمان شكلية في الأمور العقيدية، لأن هذه “الضمانات” غير موجودة ولا يمكن إبرازها مسبقاً. فبعض “المجامع” كان مخفقاً، لأنه لم يكن سوى اجتماع غير شرعي (Conciliabula) وقع في الخطأ.
ولذلك رُفضت هذه المجامع فيما بعد. إن تاريخ المجامع في القرن الرابع مفيد جداً في هذا المجال. وما أعلنته المجامع لم تقبله الكنيسة و ترفضه على أساس شكلي و”قانوني”. فحكم الكنيسة كان انتقائياً إلى أبعد الحدود. إذن، لم يكن المجمع فوق الكنيسة. فهو على وجه التحديد “تمثيل” لها. وهذا يُفسر سبب عدم احتكام الكنيسة القديمة إلى “السلطان المجمعي” بشكل مطلق (in abstracto) وعام، فهي احتكمت دائماً إلى مجامع خاصة وبالأحرى إلى “إيمان” هذه المجامع وشهادتها.
نشر الأب كونغار (Yves Congar) مقالة جيدة جداً عن “أولوية المجامع المسكونية الأربعة الأولى” أورد فيها شواهد مهمة. فأولوية نيقية وأفسس وخلقيدونية كانت في تحديداتها العقيدية، مما اعتبره الجميع تعبيراً صادقاً وكافياً عن حقيقة الإيمان الذي أودع سابقاً في الكنيسة. إن التشديد لم يكن هنا على السلطان “القانوني”، بل على الحقيقة. وهذا يقودنا إلى المسألة الحاسمة والمعقدة وهي ما هي أفض مقاييس الحقيقة المسيحية؟
المسيح مقياس للحق
إنه لا يوجد جواب سهل عن هذا السؤال. لكن، في الواقع، هناك جواب سهل جداً: المسيح هو الحق. فمصدر الحق المسيحي ومقياسه هو الإعلان الإلهي في بنيته المزدوجة وتدبيره المضاعف. مصدر الحق هو كلمة الله. هذا الجواب أعطي بسهولة وقُبل في الكنيسة القديمة بشكل عام، مثلما يُقبل في مسيحية هذا العصر المنقسمة. لكنَّ هذا الجواب لا يحلّ المشكلة.
والحق، أنه كان يُقوَّم ويُفسر بطرق مختلفة إلى حدّ التفاوت الجذري. وعنى فقط أن المشكلة انتقلت خطوة أخرى وبرز سؤال جديد وهو كيف يجب أن نفهم الإعلان؟ إن الكنيسة الأولى لم تشكّ في “كفاية” الكتاب ولم تحاول أن تتجاوزه، بل ادَّعت دوماً أنها لم تتجاوزه. لكن المسألة التفسيرية برزت ابتداء من العصر الرسولي بروزاً حادّاً. فما هو المبدأ التفسيري الصحيح الذي كان يُتبع؟ إننا لا نجد سوى جواب الاحتكام إلى “إيمان الكنيسة الذي هو إيمان الرسل وبشارتهم، أي إلى التقليد الرسولي. فالكتاب لا يُفهم إلاَّ في الكنيسة، كما أكَّد أوريجنس، وكما أكَّد القديس إيريناوس وترتليان قبله. كان الاحتكام إلى التقليد احتكاماً في فكر الكنيسة (phronrma)، وكان منهجاً لاكتشاف الإيمان المسلَّم به دائماً ومنذ البدء (semper creditum) وتثبيته.
كانت ديمومة الإيمان المسيحي إشارة واضحة إلى حقيقته وأمارة لها، حيث لا مجال للتجديد والأفكار المبتدعة. ويمكن أن تُبرهن على نحو ملائم ديمومة إيمان الكنيسة المقدسة من شهادات الماضي.
ولذلك يُستشهد عادة “بالقدماء” في المباحثات اللاهوتية. ولكن يجب أن تُستخدم “حجة القِدَم” بشيء من الحذر، لأن الرجوع الاتفاقي إلى الأزمنة القديمة والاستشهاد العرضي بمؤلفين قدماء قد يكونان غامضين ومضللين. وهذا الأمر فُهم فهماً تاماً أيام الجدل الكبير حول المعمودية في القرن الثالث، عندما أثيرت مسألة شرعية “العادات القديمة” وسلطانها. فترتليان أكد أن العادات (consuetudines) في الكنيسة يجب أن تُفحص تحت ضوء الحقيقة، لأن “سيدنا المسيح لم يظهر نفسه عادة وعرفاً، بل حقيقة” (في غطاء العذارى 1، 1).
والقديس كبريانوس استعمل هذه العبارة ومجمع قرطاجة الذي عُقد سنة256 تبناها. ولعلَّ “القدم” في ذاته يمكن أن يكون خطأ متأصلاً “لأن القِدَم بلا حقيقة خطأ قديم متأصل” كما قال القديس كبريانوس، (الرسالة 74، 9). وأوغسطين أيضاً استخدم العبارة نفسها فقال “يقول الرب في الإنجيل: أنا هو الحق، ولم يقل : أنا هو العادة” (في المعمودية 3، 6، 9).
“فالقِدَم” في حدّ ذاته لا يكون حقاً بالضرورة مع أن الحق المسيحي كان فعلياً حقاً “قديماً”، ولذلك قاومت الكنيسة كلّ البدع. أمَّا الهراطقة وعلى الأخص العرفانيون فكانو ومن استخدم البرهان المرتكز على التقليد. وهذا ما دفع القديس إيريناوس إلى إحكام مفهومه الخاص عن “التقليد” الذي يقاوم “التقاليد” الخاطئة التي أوردها الهراطقة والتي كانت غريبة عن فكر الكنيسة. فكان لا بد للاحتكام إلى “القدم” أو “التقليد” أن يكون انتقائياً وتميزياً، لأن بعض “التقاليد” التي تعلل بها الهراطقة كانت خاطئة.
فيجب على المرء أن يبحث بدقة عن “التقليد الحقيقي”، الذي قدر أن يرجعه إلى سلطان الرسل والذي يثبته ويؤكده إجماع (consesio) الكنائس. لكن لا يكتشف هذا الإجماع بسهولة، لذلك بقيت بعض الأسئلة مطروحة. أما مقياس القديس إيريناوس فكان سليماً وصحيحاً: التقليد هو التقليد الرسولي الجامع. وأوريجنس حاول في مقدمة كتابه “المبادئ” أن يضف غاية “الاتفاق” القائم الذي كان ضرورياً وإلزامياً بالنسبة إليه، فأورد مجموعة من النقاط المهمة التي تحتاج إلى مزيد من الدرس.
فكانت هناك تقاليد محلية تختلف في اللغة والنظام حتى ضمن الشركة الدائمة في الإيمان و”القدسات” (in sacris). يكفي أن نذكر الخلاف الفصحي بين روما والشرق، حين برزت مشكلة سلطة العادات القديمة. ويجب أيضاً أن نذكر الصراع الذي دار بين قرطاجة وروما والصراع الذي دار بين الإسكندرية وإنطاكية الذي بلغ قمته المأساوية وطريقه المسدود في القرن الخامس. ففي هذا العصر من الصراع اللاهوتي الحاد احتكمت جميع الأطراف إلى التقليد و “القدم”. ولذلك تراكمت على كل الجوانب “سلاسل” من الشهادات القديمة.
فكان يجب أن تُفحص بدقة هذه الشهادات على أسس تتجاوز مبدأ “القدم” وحده. فبعض التقاليد المحلية الليتورجية واللاهوتية طرحها جانباً ونبذها سلطان الإجماع (consensus) “المسكوني”. ففي مجمع أفسس وقعت مجابهة حادة بين التقاليد اللاهوتية المختلفة، فانشطر إلى اثنين – مجمع القديس كيرلس وكنيسة روما (المسكوني) ومجمع الشرق. وقد تمت المصالحة لكن التوتر بقي قائماً. وكان أمر الفصول الثلاثة الحالة الأكثر إثارة في شجب تقليد لاهوتي قديم ومعتبر، وإن كان محلياً. فأثير آنذاك سؤال مبدئي وهو إلى أي حد كان إنكار إيمان الذين رقدوا بسلام واتحاد بالكنيسة شرعياً؟ قام جدل عنيف حول هذه القضية، وخاصة في الغرب، وأعطيت براهين قوية ضد العودة إلى الأحداث الماضية وضد إعطاء حكم فيها.
معنى الاحتكام إلى الآباء
لوحظ أن الاحتكام إلى القدم تتغير وظيفته وخاصيته مع مرور الزمن. ففي أيام القديس إيريناوس أو ترتليان كان الماضي الرسولي قريباً وحاضراً في الذاكرة البشرية. والقديس إيريناوس سمع في شبابه تعاليم القديس بوليكربوس الذي كان تلميذ مباشراً ليوحنا اللاهوتي. وهذا الجيل كان الجيل الثالث بعد المسيح. فذكرى العصر الرسولي كان لا يزال نضراً، ومجال التاريخ المسيحي كان لا يزال قصيراً ومحدوداً. في ذلك العصر المبكر دار الاهتمام حول الأسس الرسولية وحول الإعلان الأول للبشارة (Kerygma).
وهكذا عنى التقليد آنذاك “النقل” أو “الإبداع”. وكانت مسألة النقل الدقيق بسيطة نسبياً في فترة تزيد على قرن كامل وخاصة في الكنائس التي أسسها الرسل أنفسهم. فاتجه الانتباه إلى لوائح التعاقب الرسولي (كما عند القديس ايريناوس وايسيبيس) التي كان جمعها سهلاً. لكن مسألة “التعاقب” ظهرت أكثر تعقيداً في الأجيال اللاحقة الأكثر بعداً عن العصر الرسولي.
وفي هذه الظروف الجديدة صار انتقال التشديد من مسألة “الرسولية” الأصلية إلى مسألة حفظ “الوديعة” الإيمانية طبيعياً. وصار التقليد يعني “انتقالاً” أكثر منه تسليماً. وصارت مسألة “التعاقب” بمعناها الواسع والشامل ملحّة جداً. فبرزت مسألة الشهادات الصادقة. في هذا الظرف أُثير ولأول مرة سلطان الآباء بشكل رسمي: هم كانوا شهوداً لديمومة البشارة (Kerygma) وأصالتها كما انتقلت من جيل إلى جيل. ولفظتا الرسل والآباء تقارنتا بشكل عام عند استخدام حجة التقليد في القرنين الثالث والرابع. وكان الرجوع المزدوج إلى الأصل وإلى الحفاظ المستمر والثابت عليه ضامناً لأصالة الإيمان. أما الكتاب فاعتُرِف به رسمياً أساساً للإيمان بكونه كلمة الله وكتاب الروح. لكن بقيت مشكلة تفسيره الصحيح. ولذلك استُشهد بالآباء والكتاب معاً أي بالبشارة (Kerygma) والتفسير (exegesis).
كانت عبارة الرجوع “إلى الآباء” أو الاحتكام إليهم علامة مميزة وبارزة في البحث اللاهوتي زمن المجامع المسكونية ابتداء من مجمع نيقية. لكن اللفظة لم تُحدد بشكل رسمي، مع أن بعض الكتّاب الكنسيين الأوائل استخدموها أحياناً بشكل متفرق. فكانت تشير غالباً إلى معلّمي الحقبات السابقة وقادتها المسيحيين. ومن ثم أصبحت تدريجياً لقباً للأساقفة، لأنهم يُقَامون معلِّمين للإيمان وشهوداً له. بعد ذلك أُطلقت بشكل خاص على الأساقفة الأعضاء في المجامع. ما يجمع كلّ هذه الحالات كان المهمة التعليمية.
“فالآباء” هم اللذين نقلوا ونشروا العقيدة القويمة وتعليم الرسل، فكانوا قادة في التعليم المسيحي والتوجيه. بهذا المعنى أُطلقت بقوة على الكتّاب المسيحيين الكبار. ويجب أن نتذكر أن الكتيِّب الرئيسي، ولعله الكتيِّب الأوحد، في الكنيسة القديمة عن الإيمان والعقيدة كان تحديداً الكتاب المقدس. ولذلك اعتبر المفسِّرون المشاهير للكتاب المقدس “آباء” بالمعنى البارز. كان “الآباء” معلِّمين بالدرجة الأولى (didascali، doctores)، بل كانوا معلِّمين بمقدار ما كانوا شهوداً (testes). لكن يجب أن نميِّز بين هاتين الوظيفتين، رغم أن كل وظيفة منسوجة مع الأخرى. “فالتعليم” كان مهمة رسولية: “علِّموا جميع الأمم”. وفي هذا الالتزام يتأصل “سلطانهم”: فهو في الواقع سلطان حمل الشهادة. هنا يجب أن نشير إلى نقطتين مهمتين:
أولاً: إلى أن عبارة “آباء الكنيسة” توكيداً واضحاً فيه شيء من الحصرية، لأنهم لم يتصرفوا كأفراد فقط، بل كرجال كنسيين (viri ecclesiastice على حد تعبير أوريجنس المفضّل)، بالنيابة عن الكنيسة وباسمها. فهم الناطقون باسم الكنيسة ومفسِّرو إيمانها وحافظوا تقليدها وشهود حقيقتها وإيمانها ومعلِّمون بارزون (magistri probabiles على حد تعبير القديس فكنديوس) وعلى هذا الأساس يقوم سلطانهم. وهو يرجعنا إلى مفهوم “عرض” الإيمان. أشار G.L.Prestig بحق إلى “أن دساتير الكنيسة الإيمانية انبثقت من تعليمها. وأن تأثير الهراطقة هو الذي جعل الدساتير القديمة موثوقة أكثر مما كانت سبباً في خلق دساتير جديدة.
وهكذا كان الدستور النيقاوي الشهير -والذي أصبح أهم دساتير الإيمان- نسخة جديدة عن اعتراف إيمان كان يستعمل في فلسطين. وهناك حدث أكثر أهمية يجب أن نتذكره دائماً وهو أن العمل العقلي الأصيل والفكر التفسيري الحي لم تقدمه المجامع التي أصدرت دساتير الإيمان، بل المعلِّمون اللاهوتيون الذين قدَّموا وفسرَّروا الصيغ الإيمانية التي تبنتها المجامع. فتعليم نيقية، الذي صار موضوع احترام وثقة، يمثِّل أفكار المفكِّرين العمالقة الذين جاهدوا طوال مئة سنة قبل هذا المجمع وطوال خمسين سنة بعده”.
كان الآباء الملهمين الحقيقين للمجامع في حضورهم وغيابهم (in absentia)، وحتى بعد انتقالهم إلى الراحة الأبدية. لذلك أكَّدت المجامع أنها “تابعة للآباء القديسين”، كما قال مجمع خلقيدونية.
ثانياً: كان إجماع الآباء (consensus patrum) يعوّل عليه إذ لم يعوّل على آرائهم الخاصة التي يجب مع ذلك ألا ننبذها بسرعة وتهور-وهذا الإجماع كان أكثر من اتفاق عملي بين الأفراد. فالإجماع (consensus) الحقيقي والموثوق به عَكَسَ فكر الكنيسة الجامعة. وهذا النوع من “الإجماع” رجع إليه القديس ايريناوس عندما أكّد أن قدرة قادة الكنائس في التعبير وعجزهم عنه لا يقدران أن يؤثرا في تماثل شهادتهم، لأن “قوة التقليد” (traditionis virtus) كانت دائماً وفي كلّ مكان هي نفسها (ضد الهراطقة 1، 10، 2).
فبشارة الكنيسة تبقى هي هي “مستمرة وثابتة ومتماثلة” (Constans et aepualiter perseverans) (المراجع نفسه 3، 24، 1). إن “الإجماع” الحقيقي يظهر ويعلن عن التماثل الدائم في إيمان الكنيسة (aepualiter perseverans) (*).
تقوم السلطة التعليمية في المجامع المسكونية على عصمة الكنيسة، لأن السلطة العليا منوطة بالكنيسة التي هي عمود الحق وأساسه. وهذه السلطة ليست قانونية بالمعنى الدقيق للفظة، مع أن الأحكام القانونية والتشريعات يمكن إلحاقها بالقرارات المجمعية التي تتعلق بالإيمان. فهي سلطة مواهبية تقوم على مؤازرة الروح القدس: “فظهرت حسنة للروح القدس ولنا”.
________________________________________
(*) “تنطلق الروح التي تحافظ على تقليد الكنيسة مباشرة من موقفها الأساسي المتمحور حول المسيح. ومن هذا الموقف خرجت الكنيسة لتقاوم طغيان الشخصيات القيادية وطغيان المدارس والاتجاهات، لأن الوعي المسيحي والبشارة المنقولة من المسيح يظهران من خلال هذه المدارس مضطربين ومهدّدين. والكنيسة لم تتردّد في أن تتخطّى بنفسها أولادها الكبار أمثال أوريجنس وأوغسطين وحتى توما الأكويني نفسه. فلا التقليد ولا التشبّث بأرض التاريخ ولا المعطيات المسيحية الأولى ولا الجماعة الحيّة الدائمة هي التي يجب أن تحمل رسالة المسيح، بل التفكير الخاص والخبرة الصغيرة والأنا الوضيعة عند الناس في كلّ مكان. ولذلك عبّرت الكنيسة عن إبسالها… فما تاريخ البشارة سوى ثبات أمام شخص المسيح وتنفيذ ملحّ لوصيته. ليكن المسيح وحده معلّمكم”.
في الواقع إن هذا المقطع المحزن هو إعادة صياغة للفصل الأول من كتاب “Commonitorium” للقديس فكنديوس الذي يميّز فيه بين فكر الكنيسة المشترك وبين الآراء الخاصة عند الأفراد:
“Vero, quamquis ille sanctus et doctus, quamvis episcopus, quamvis contessor et martyr, praeter omnes aut etiam contra omnes senserit”.
كنيسة المسيح نشأتها وإنتشارها وتفاعلها مع العالم الوثني جـ1
كنيسة المسيح نشأتها وإنتشارها وتفاعلها مع العالم الوثني جـ1
كنيسة المسيح نشأتها وإنتشارها وتفاعلها مع العالم الوثني جـ1
1- الكنيسة الأولى
بالرغم من ان السيد المسيح كان قد نبه تلاميذه، بعد اعلان البشارة السماوية، على أنه سيتألم وسيموت وسيقوم من القبر في اليوم الثالث حسب ما جاء في كتب الأنبياء، فان الرسل بقوا مضطربين وخائفين لغاية عيد العنصرة حيث حل عليهم الروح القدس فى العلية الصهيونية، مع العذراء مريم وباقي الذين تبعوا المعلم وعايشوه خلال سنوات ثلاث كان يتنقل فيها مبشراً بملكوت السموات، وابتدأت رسالتهم بكل مجدها لأن روح الله قد أعطاهم القوة وأطلقهم مبشرين باسم المسيح فى العالم أجمع. يومها ابتدأت كنيسة الرب ترى النور، وابتدأ الايمان يترسخ فعلا فى قلوب المؤمنين، وابتدأت الشهادة الحقيقية للمسيح بين الأمم.
فالفترة التاريخية الواقعة بين عيد العنصرة حوالي السنة الثلاثين واحتلال “طيطوس” لأورشليم السنة السبعين تعتبر الفترة الاهم لتأسيس الكنيسة بحيث انها تشكل وحدة متكامله لأن الرسل كانوا يسهرون عليها، وبالوقت نفسه كانت (أعنى الكنيسة) تتوسع فى الوسط اليهودي دون الانطلاق بعد الى الأمم. والوثيقة المهمة التى بين ايدينا عن هذه الفترة هى كناب “أعمال الرسل” الذي يحدثنا عن جماعة اورشليم الاولى وعن اسفار القديس بولس فى آسيا الصغرى واليونان وروما لغاية السنة الستين. أما بالنسبة الى أنتشار الكنيسة فى البلاد العربية وسوريا الشرقية فان المعلومات المتوافرة هي ضئيلة جدا وتستند الى كتابات مشكوك بصحتها. وانه لمن الواضح أن الاناجيل المقدسة ابتدأت توضح خلال تلك الفترة الطويله من السنوات، وكذلك ابتدأت ايضاً تتوضح معالم الايمان المسيحي وتراتيبة السلطة في الكنيسة، ومقومات الحياة المسيحية.
ولكن المشكلة التي أستعصت أولاً، والتي حلت مع الزمن، هي التاليه: ماذا يجب أن يكون موقف رسل المسيح من الشريعة اليهودية المعطاه من الله؟ الجواب في انتشار الكنيسة فى أورشليم وبين الأمم.
أ- كنيسة أورشليم
كلمة “كنيسة” تعنى، في العهد القديم، شعب الله الخارج من مصر بأتجاه أرض الميعاد، وفي العهد الجديد، المؤمنين بالمسيح الى أى شعب أنتموا. وهذه الكنيسة كانت نواتها مجموعة الرجال والنساء الذين عاشوا مع المسيح طوال السنوات الثلاث من حياتة العلنية، كما ذكرنا سابقاً، والذين كانوا شهوداً على الآمه وموته وقيامته وصعوده الى السماء. وبين هؤلاء الاحد عشر رسولاً، الذى أنضم اليهم “ماتيا”، بدلاً عن يوضاص، والذين كانوا يرأسهم القديس بطرس. وقد وعوا مسئوليتهم المثلثة ، التى كلفهم بها المسيح، وهى: الشهادة للقيامه، وأنتشار الايمان بين الناس بتعميدهم وضمهم الى جماعة المؤمنين، والسهر على الجماعة فى شؤنها الروحية والزمنية.
هذه الجماعه، التى سميت بالـ “المسيحيين” فيما بعد، في أنطاكية، كانت نواتها البعض من اليهود الذين آمنوا بان يسوع هو المسيح الذى تنبأ عنه الأنبياء فى العهد القديم. وبذلك أنفصلوا عن باقي اليهود الذين لم يؤمنوا بيسوع، رغم انهم ثابروا على التقيد بالشريعة الموسوية القديمة، متعاطفين مع بعض الجماعات اليهودية الأخرى مثل “الأسينيين” وفئة قليله من الفريسيين. ولكن الوقت لم يطل حتى أبتدا الصدام المميت بينهم وبين كبار الكهنة والصدوقيين أذ أن هؤلاء الكهنة كانوا يغادرون من تأثير الرسل على الشعب، والصدوقيين كانوا ضد أى تجديد على الصعيد الديني.
ولقد ذكر كتاب “أعمال الرسل” ثلاثة اضطهادات قام بها الكهنة والصدوقيون ضد الرسل وجماعة المؤمنين، وبنوع خاص أضطهاد سنة 43 مسيحية الذي ذهب ضحيتة القديس يعقوب، أخ يوحنا الرسول الأنجيلي، وتوقيف القديس بطرس وحبسة. والمسيحيون أنقسموا، بادئ ذى بدء الى فئتين. الفئة الاولى ضمت المسيحيين الذين بقوا متعلقين بالشرسعة الموسوية وتبعوا يعقوب، أحد أقرباء السيد المسيح ودعوا – “فئة العبرانيين”، وكان لهم تأثير كبير فى أورشليم، مدعومين من الفريسيين. ولقد أنضم اليهم أقرباء الرب، وكانوا يختارون أساقفة المدينة من بينهم، الأمر الذى دفع بالمؤرخ “شتوفر” (Stauffer) لتسمية كل اسقف ب (الخليفة) حسب التقليد الشرقي.
ومن خلال هؤلاء المسيحيين، أقرباء الرب، تعرف المسيحيون الأول على حياة المسيح فى طفولتة قبل أن يجمع ذلك الانجيليان متى ولوقا فى أنجيليهما وهكذا بقى هؤلاء المسيحيون متعلقين بالشعب اليهودي حضارياً وسياسياً، لا يفرقهم عن اليهود الآخرين سوى أيمانهم بيسوع المسيح. أما الفئة الثانية فلقد ضمت المسيحيين من الشعوب الأخرى، الذين دعوا بـ “فئة الهلينيين” والذين مثلهم خير تمثيل القديس أسطفانوس الشهيد. هذة الفئه كانت فئة اليهود الذين كانوا يتكلمون اللغة اليونانية، أما من سكان فلسطين أو من الذين كانوا في “الشتات” فالقديس برنابا مثلاً. والذي كان يميز هؤلاء المسيحيين هو أنفصالهم عن الجماعات اليهودية، الأمر الذى جعل اليهود عموماً، وبنوع خاص الفريسيين، يقفون تجاههم موقف عنف حتى أنهم طردوا من فلسطين سنة 37 مسيحيه بعد أستشهاد القديس أسطفانوس.
ولكن طردهم، فى الواقع، كان خيراً للجماعة المسيحية أذ أن المسيحية نفسها أبتدأت تمتد وتنتشر خارج اليهودية والجليل. وبواسطة هؤلاء المسيحيين الهلينيين أنتقل الأنجيل الى أنطاكية حيث التقى اليهودى واليوناني والوري وبشروا بالبشارة الجديدة بين الوثنيين أنفسهم. والخلاف الذي حصل بين القديسين بطرس وبولس سنة 49 مسيحية بخصوص العلاقة مع الوثنيين يبرهن على أن الجماعة الأولى كانت منقسمة الى فئتين، الفئة الأولى هما المسيحيون من اصل يهودي، والفئة الثانية هما المسيحيون من اصل وثني.
ولقد ذكر ذلك القديس بولس فى رسالتة الى أهل غلاطية حيث قال: “ولكن، ولما قدم بطرس الى أنطاكية قاومتة وجهاً لوجه لأنه كان يستحق اللوم: ذلك أنه، قبل أن يقدم قوم من عند يعقوب، كان يؤاكل الوثنيون. فلما قدموا أخذ يتوارى ويتنحى خوفاً من أهل الختان، فجاراه سائل اليهود في ريائه، حتى أن برنابا أنقاد هو أيضاً الى ريائهم. فلما رأت أنهم لايسيرون سير قويمة كما تقضي حقيقة البشارة، قلت لبطرس أمام جميع الأخوة: “أذا كنت أنت اليهودي تعيش عيشة الوثنيين لا عيشة اليهود، فكيف تلزم الوثنيين أن يسيروا سيرة اليهود؟ نحن يهود الولادة ولسنا من الوثنيين الخطاءين، ومع ذلك فنحن نعلم أن الأنسان لا يبرر بالعمل بأحكام الشريعة، بل بالايمان بيسوع المسيح” (رسالة بولس الى أهل غلاطية، 2، 11- 16 )
ب-انتشار الكنيسة فى العالم الوثني
بقيت الكنيسة محصورة ضمن الوسط اليهودي لمدة عشرين سنة، كانت النزاعات فيها بين اليهود المؤمنين بالمسيح من الأمم على أشدها. فمنهم من اراد ان يحافظ على الشريعة الموسوية، كما ذكرنا، ومنهم من أراد انطلاقتها الى الأمم واخراجها من تحت السيطرة اليهودية. غير ان ارتداد القديس بولس، الذى كان فريسياً متعصباً، من يهود “الشتات”، كان له الفضل في انتشارها داخل العالم الوثني. لقد جاء من طرسوس الى اورشليم ليتتلمذ على يد “جملائيل”، أحد علماء الشريعة، وكان متمسكاً بالشريعة الموسوية الى اقصى الحدود، وهذا ما دفعه الى اضطهاد المسيحيين، خصوصاً استشهاد القديس اسطفانوس: “وكان شاول موافقاً على قتل اسطفانوس” (اعمال الرسل، 8،1).
وسنة 38 مسيحية، وهو في طريقة الى دمشق لملاحقة المسيحيين هناك بأمر من رؤساء الكهنة، ظهر له المسيح وقلب حياته رأساً على عقب. فدخل المدينة وتعمد وبقى فيها ثلاث سنوات، متنقلاً بينها وبين مدينة طرسوس، الى أن جاءه صديقة برنابا سنة 41 مسيحية وابتدأ رسالتة معه في آسيا الصغرى.
إن الأسفار الرسولية والتبشيرية التى قام بها القديس بولس تنبئنا عن حقيقة وضع الكنيسة الأولى، لاسيما وإن هذه الاسفار قد أخبرنا عنها القديس لوقا في “أعمال الرسل”، وكذلك القديس بولس نفسه فى رسائله العديدة. ففي سنة 45 مسيحية كانت السفرة الأولى للقديسين بولس وبرنابا الى “بنفيليا” و”إيقونيا” حيث أهديا الى الايمان عدداً كبيراً من اليهود، ومن المهتودين العابدين، ومن الوثنيين (أعمال الرسل، 13، 43، 14، 1، 13، 48) كذلك سنة 50 مسيحية كانت السفرة الثانية التى حملت بولس ولوقا الى آسيا الصغرى والى فيليبي والى أثينا والى قورنثية حيث أسسا جماعات مسيحية فى كل منها. وفي سنة 53 مسيحية قام بسفرة ثالثة حملتة الى أفسس حيث أمضى ثلاث سنوات كتب فيها رسالتة الى الغلاطيين والرسالة الأولى الى القورنثيين، ثم انتقل الى قورنثية في شتاء سنة 57- 58 حيث كتب رسالتة الى الرومانيين.
ولكن أسفار القديس بولس لم تكن مهمة بالنسبة الى انتشار الكنيسة وحسب، بل كانت منعطفاً مهماً بالنسبة الى المسيحية الاولى. فالمسيحية الاولى كانت ملتزمة كلياً بالشريعة اليهودية، وحتى تبشير القديس بولس نفسه كان موجهاً الى اليهود فى بادئ الأمر. ولكن تجربتة الواقعية فى قلب العالم الوثني جعلتة يفكر جدياً بوضع الوثنيين المرتدين الى الأيمان المسيحي. وكان السؤال الاساسي الذي طرحة على نفسه هو التالى: هل من الضرورى إلزام الوثنيين بالمحافظة على الشريعة اليهودية والتقيد بها؟ وخلال اقامتة فى أنطاكية سنة 48 مسيحية توضحت له الصورة النهائية، وانتقل الى أورشليم سنة 49 حيث عقد مجمع بحضور الرسل والمتقدمين في الجماعة تدارس فية المجتمعون طرح بولس وقرروا فى النهاية التقيد بالتعاليم الموحاة الى نوح والتى تفرض الامتناع عن أكل اللحم الفطيس والتقيد بالتطهير.
غير ان هذا القرار دفع بالمسيحيين من أصل يهودي لمعاداة بولس وملاحقتة، وهذا ما نقرأه فى رسالته حيث لاقى معارضة فى غلاطية وأفسس وقورنثية، ليس وحسب على الصعيد الديني، بل أيضاً على الصعيد السياسي. وبالفعل، فان الفترة التاريخية التى تزامنت مع فترة التبشير الاولى بالمسيحية فى فلسطين كانت فترة صراع سياسي بين اليهود والمحتل الروماني. فحزب الثوريين من اليهود (Les Zelotes) الذى كان يدعو الى الكفاح المسلح لتحرير فلسطين تنامت قوته وأيده الكثيرون فى اورشليم واليهودية، وهذا ما دفع بالكثيرين من اليهود فى فلسطين للثورة ما بين سنة 69 و 70 مسيحية الأمر الذي انتهى بسقوط اورشليم نفسها. كذلك يهود “الشتات” كانوا معنيين بالأمر مباشرة وهذا ما دفعهم لمساندة اخوانهم في فلسطين، لكن بولس الذي أوضح للمسيحيين أنهم ليسوا على علاقة اجتماعية باليهود، والأمر لا يعنيهم مباشرة، كان يعتبر كخائن، وهذا ما جعلة الهدف الاساسي لحقد اليهود أنفسهم.
إذن بامكاننا ان نعتبر ان السنوات الواقعة، بين سنة 58 و 70 مسيحية كانت سنوات صراع وأزمة بالنسبة للكنيسة الاولى. ففي سنة 58، عندما عاد بولس من سفرتة الثالثة الى أورشليم، أتهمة اليهود بأنه دنس الهيكل بادخاله مسيحياً غير مختن، ولقد أوقفه الجنود الرومان وأرسلوه الى روما. ثم أخلي أمره وبقى تحت المراقبة من سنة 61 الى سنة 63 مسيحية. ولكن الاضهاد الذي أعلنة “نيرون” ضد المسيحيين، سنة 64 مسيحية، وكان بداية الصراع بين المسيحيين والوثنيين، وكان وراءه اليهود أنفيهم كما المسيحيون المتهودون. فبطرس استشهد، وبولس حبس من جديد الى ان استشهد سنة 67 مسيحية بقطع الرأس. وعند سقوط أورشليم سنة 70 مسيحية ابتدأ العد العكسى الذي جعل المسيحية تنطلق فى ما بعد رغم الاضطهادات التي توالت عبر العصور.
ج- حياة الجماعة المسيحية الاولى
اذن الصراعات التي ظهرت تنبئنا على أن حياة الجماعة المسيحية الاولى فى اورشليم لم تكن حياة مثالية، كما يصورها القديس لوقا، إلا في المرحلة الاولى التى تبعت عيد العنصرة. فالسنوات التى تلت كانت شنوات الصراع اللاهوتي والسياسي، وهذا ما جعل الرسل يطرحون بعمق أسس الايمان ويشددون عليها، وبالتالي ينظمون الكنيسة تنظيماً حقيقياً بقي لغاية اليوم لا غبار عليه. وفي هذه المرحلة بالذات ابتدأت الاناجبل التى تبعت التقليد الشفوي بعد ان عاش المسيحيون تعاليم المسيح فى حياتهم اليومية.
المسيح كان قد أعطى بشارتة شفوياً للبشر وليس في كتب، والتلامذة تلقوا منه التعليم السماوي وتمنطقوا بالقوة التي ثبتهم فيها. وحتى عندما وضعوا تعليم السيد كتابة فان الرسالة كانت هى الأساس لايصال البشارة الى البشر. من هنا، فان تعليم الرسل كان يرتكز على ثلاثة أمور: الشهادة للمسيح من شهود عيان، والشهادة للوحي، والشهادة على آلامه وصلبه وقيامته وصعوده الى السماء، اما بالنسبة الى الحبل به (أعني بالمسيح) من زرع الروح القدس، فان شهادة اقاربه كانت واضحة جداً، وكانوا يشددون عليها لكي لا ينالها غش وتشكيك.
كذلك نرى ان بعض نصوص ظهرت متفرقة من الاناجيل كان قد كتبها البعض من الرسل، ولكن لم تأخذ الطابع النهائي إلا في الاناجيل الأربعة التي وضعت بعدئذ. وهذه العناصر التي بقيت مدة طويلة شفوية كانت تنصب، بنوع خاص، على حياة المسيح للتذكير بما قام به يوم كان بينهم، ولقد كانت سلطة الرسل هي التي تؤكد على كل ذلك. اما بداية كتابة الانجيل فابتدأت مع القديس مرقس الذي نقل تعليم القديس بطرس في روما، والتي يعود تاريخها الي سنة 60 مسيحية. وتبعة انجيل متى الذي كان موجهاً الى اليهود باللغة الارامية.
ثم انجيل القديس لوقا الذي كان موجهاً هو الآخر الى اليونانيين. اما انجيل القديس يوحنا، الذي يعود كتابته الى ما بعد سنة 70 مسيحية، فهو يمثل التقليد الحقيقي الاول، وتعليم الرسل بكل وضوح. وبامكاننا القول إن الفترة التاريخية الواقعة مابين سنة 30 وسنة 70 مسيحية كانت فترة تنظيم الكنيسة. وهذا التنظيم كان منصباً بنوع خاص على تراتبية السلطة. والسيد المسيح نفسه كان قد وضع العناصر الاساسية باختياره الرسل وباعطاء بطرس السلطة الاولى عليهم. وبهذا المعنى فان مجمعية الرسل تعود الى السيد المسيح نفسه.
ولكن المشكلة التى طرحت خلال السنوات ما بين 30 و 70 مسيحية كانت مشكلة انتقال السلطة من الرسل الى خلفائهم. لذلك نرى الرسل أنفسهم يكلفون البعض من المتقدمين مشاركتهم هذه السلطة وبقطع النظر عن وضع القديس بولس الذي أعتبره الرسل وضعاً خاصاً نظراً الى ظهور السيد المسيح له وارتداده على طريق دمشق، الأمر الذي جعلهم يعتبرونه مساوياً لهم فى الرسالة، فان يعقوب اصبح رئيس جماعة أورشليم، خليفة لبطرس، وبرنابا خليفة للقديس بولس. كذلك طيطوس وتيموتاوس كأساقفة ورعاة الكنيسة التي أسسها بولس نفسه. وهكذا فلقد اصبحت الاسقفية والخلافة الحقيقية للرسالة التي قام بها تلامذة المسيح في التعليم، والتقديس، والتوجيه، وشرح كتب الوحي، والرسالة، وخدمة الشعب المسيحي.
والملحوظ ايضاً ان المسيحيين الأول، رغم كونهم حافظوا على التقيد. بالشعائر الدينية اليهودية مثل الصلاة في الهيكل والالتزام بفرائض يوم السبت، فانهم، في الوقت نفسه، كانوا يحتفلون بشعائرهم الدينية الخاصة. فالعماد مثلاً، الذي يعطي نعمة الروح القدس، كان مفروضاً على الجماعة المسيحية الاولى، وذلك كاعلان ومجاهرة بالايمان بالآب والابن والروح القدس.
كذلك رتبة وضع الأيدي بعد العماد وإلباس المعمد الوشاح الأبيض برهاناً على تطهيره وتقديسه. وايضاً مسحه (أعني المعمد) بالزيت المقدس تكريساً له في قلب جماعة المسيح. وكذلك بالنسبة الى الافخارستيا، ففي صباح نهار الأحد، بعد تمضية ليلة كاملة في الصلاة، يجتمع المسيحيون للاحتفال بذبيحة الرب، تذكيراً بيوم قيامتة. اما أعياد اليهود التي كان يشترك فيها المسيحيون مثل عيد الفصح وعيد العنصرة وعيد المظال فلم يقوموا بذلك إلا للتذكير بعودة المسيح الثانية وبما جاء في الانبياء والوحي عنه.
من هنا نرى الكثيرين من المسيحيين، المتأثرين بالشريعة اليهودية والانبياء، كانوا يعيشون بانتظار عودة الرب المباشرة. وهذا ما تذكر به رسائل القديس بولس الى التسالونيكيين. ومنهم من اعتبر ان ملك المسيح على الأرض سيدوم الف سنة، بينما آخرون متأثرون بالتعاليم الغنوصية كانوا يعتبرون أن العماد والتوبة قد حققا القيامة. كذلك البعض من المسيحيين اعتبر ان الالترزام الكامل بالانجيل يفرض الامتناع عن الزواج. من هنا نرى كثيرين من المتصوفين في قلب الجماعة المسيحية في ذلك الزمن. وباختصار فان المرحلة التاريخية مابين سنة 30 و70 مسيحية كانت مرحلة مهمة جداَ، اختمرت فيها بشارة المسيح بعيش المسيحيين لها، وبانطلاقها في العالم أجمع.
تفسير الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى (3) تفسير العهد القديم بواسطة العهد الجديد
تفسير الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى (3) تفسير العهد القديم بواسطة العهد الجديد
تفسير الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى (3) تفسير العهد القديم بواسطة العهد الجديد [1] د. جورج عوض إبراهيم
موقف المسيح من العهد القديم:
لقد نظر المسيح إلى العهد القديم على أنه نص صادق وموحى به من الله. إن الكتاب أو العهد القديم يحتوي على شهادات عن شخص المسيح كمسيا وعن أعماله سواء المباشرة أو غير المباشرة. والفروق بين المسيح والمفسرين الرابيين في نظرتهم للعهد القديم هي:
أ ـ أن المسيح كان يملك وعيًا وإدراكًا وفهمًا للتطلع الاسخاتولوجي (الأخروي) للعهد القديم الذي بدأ يتحقق في شخصه بحياته وأعماله، وقد ركز بكل ثقل على الجانب الديني وليس على طقس العهد القديم. لقد نادى بالحقيقة أن المحبة لله والقريب بالمعنى الشامل لمفهوم “القريب” هي كل الناموس والأنبياء. وفسّر ـ ماسيانيًا ـ الكتب المقدسة، بينما ركز الرابيون انتباههم على الناموس وعلى التفاصيل المتنوعة لحفظة.
ب ـ المسيح كشارح للناموس قدم نفسه “كمن له سلطان وليس كالكتبة”، بينما شروحات الرابيين قد أُخذت من “تقليد الشيوخ”. لقد أعاد المسيح تفسير الناموس بروح ملكوت الله الذي أشرق بحضوره الشخصي. ولا يوجد تناقض بين تقدير المسيح للعهد القديم وشرحه للناموس بروح ملكوت الله، وبين ما فعله بعد ذلك بولس الرسول فمرة يدعو الناموس أنه روحي ومقدس، بينما في سياق آخر يدعوه ” لعنة “.
ج ـ من المعروف أنه في عصر العهد الجديد لم يكن قانون العهد القديم قد شُكِّل بعد وبصورة نهائية، لذلك كان المسيح يتحدث دائمًا بطريقة عامة عن الكتاب مثلاً في (يو10: 35، لو4: 21) بمصطلح “كتاب” يقصد الكتب الخمس الأولى للعهد القديم (الناموس)، وفي (مت5: 17) كتب الأنبياء وفي (لو24: 45) المزامير. ولقد قَبِلَ المسيح “الكتاب” مثلما قَبِله التقليد الرابوني كنص مُوحى بالروح القدس انظر مثلاً (مر12: 36) وأن هدفه التعبير عن إرادة الله وأنه لا يمكن أن ينقض المكتوب (مت5: 18، يو10: 35).
د ـ إن المسيح استخدم بكثرة العهد القديم في تعاليمه ومرات كثيرة بنفس الطريقة التي كان يستخدمها الرابيون في عصره. فباستخدام التعبير الرابوني “مكتوب” يقر المسيح بسريان وصايا الكتب الخمس الأولى (الناموس) (انظر لو10: 26). كما أنه استخدم محتوى العهد القديم في صد الكتبة (انظر متى3:12 وفيما بعده)، وفي إثبات حقيقة قيامة الموتى ضد الصدوقيين (انظر لو20: 37). وذكر أيضًا حوادث تاريخية كثيرة (خلق الإنسان، قتل هابيل، الطوفان، العليقة المشتعلة، الحية في البرية، المن…الخ).
وكذلك ذكر بعض شخصيات العهد القديم (أمثال البطاركة، موسى، داود، سليمان، إيليا، يونان، زكريا .. الخ). كذلك استخدم صور وأمثال كثيرة (الكرمة، الرعية، ..) وفي عظاته توجد تحذيرات لا تحصى (مثل القلب القاسي، الإنباء بالعقاب…). وقد نادى بوصية المحبة (انظر مر30:12)، وأيضًا بعض الأوامر الناموسية للناموس مثل ” اذهب أرِ نفسك للكاهن ” في (مر10:7)، وعدم انحلال الزواج (انظر مر1: 6).
هـ المسيح لم يستخدم العهد القديم كنص للناموس، ولا كان يهدف عندما يذكر الناموس إلى مجرد التأكيد على السلطة المقدسة للوصايا. بل على العكس كان يهدف في هذه الحالات إمّا إلى وقف التفسير الخاطئ للوصايا من قِبَل الفريسيين وإمّا أن يقلل من قيمة وصايا معينة بإعطاء ملاحظة على سبيل المثال أن هذه قد أُعطيت بسبب قساوة قلب اليهود (انظر مر22:4). فبتعليم المسيح أن كل الأوامر الناموسية والتعبدية تصبح نسبية (مر33:12) أمام وصية المحبة لله والقريب والتي تلخص كل الناموس والأنبياء (مت40:22).
وـ بالرغم من قبول المسيح الإيجابي للكتاب إلاّ أنه لم يتقيد بالمفهوم الحرفي لوصاياه. على العكس شعر أمامه بارتباط روحي، وقال عن أصغر حرف منه: أنه لا يُنقض (مت5: 18). والكلام هنا بالتأكيد ليس عن تمسك فريسى بحرف الناموس، لكن عن اعتراف بالثقل الأبدي لإرادة الله حتى في أصغر تفصيلات الناموس.
ز ـ إن تفسير المسيح للعهد القديم يكشف المزايدات الكثيرة التي أضافها الرابيون من عادات وتقاليد شعبية، التي وضعوها في مرتبة مساوية للتوراة. ولقد عبّر المسيح بوضوح في (مت15: 6) بأنهم أبطلوا وصية الله بسبب تقليدهم، لقد استبدلوا وصية الله بتقاليد البشر وأغلقوا ملكوت الله أمام الناس (انظر مت23: 13، مر7: 8). لأجل هذا السبب لم يتردد المسيح في توجيه “الويل” ـ تلك الكلمة الرهيبة ـ إلى الكتبة والفريسيين.
لقد أدان المسيح المعلمين اليهود في عصره ذاكرًا نبوة العهد القديم من إشعياء ” هذا الشعب يكرمني بشفتيه وأما قلبه فمبتعد عنى بعيدًا ” (مر7: 6). لأنهم بسبب الحرص على حفظ الوصايا هم مستعدون بأن يضحوا بالإنسان (مر13: 16). وبينما هم يفتخرون بمعرفتهم للناموس أمام الناس، في الواقع هم نجسون أمام الله (انظر مت16: 15).
إذًا فموقف المسيح الناقد للتفسير الرابوني ليس موجهًا بالطبع للملمح الإلهي للعهد القديم، لكن يخص تقاليد الشيوخ اليهود فيما يتعلق بأمور طقسية ومبالغات لحفظ الوصايا: ” ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تعشرون النعنع والشبت والكمون وتركتم أثقل الناموس الحق والرحمة والإيمان كان ينبغي أن تعملوا هذه ولا تتركوا تلك ” (مت23:23). هكذا صار واضحًا جدًا أنه بالتمييز الذي صنعه المسيح بين تقاليد الشيوخ وبين ناموس الله، أنه يرفض المناهج التفسيرية للرابونيين.
لذا بحسب المسيح، التفسير الصحيح للناموس يقاس ليس بمقياس طرق تطبيقه التي وضعها الشيوخ اليهود لكن بمقياس مدى العلاقة الحية والعميقة بين الله والناس.
ح ـ إن العهد القديم، كمُوحى به من الروح القدس وشهادة حية أزلية لإرادة الله، له قيمة خاصة للمسيح كنص نبوي. فيه يرى المسيح الإنباء المسبق عن شخصه وأعماله. وفيه أيضًا يقبل بأن الكتب في مجموعها تشهد عنه (انظر مثلاً لو24: 27،44) و(يو5: 39) ويعترف في مواضع معينة بإنباء عن مراحل معينة من حياته [مثل العماد (مت3: 15)، عصيان يهوذا (يو13: 18)، الخيانة والقبض عليه (مت26: 24،54، 56)، قيامته (لو24: 46، يو20: 9)، المجيء الثاني (مر13: 26، 14: 26)].
لأن يسوع المسيح هو أول مَن فسر العهد القديم بالتطلع ” المسياني” وبهذه الطريقة قد حدد وضع ووظيفة العهد القديم في حياة الكنيسة. لقد كان في إدراك المسيح بأنه “اليوم” (s»meron) تحققت في شخصه نبوة إشعياء (لو4: 17 وما بعده)، وأن العمل الذي يتممه هو تحقيق للنبوات الماسيانية للأنبياء (مت11: 5). إذ يعترف ويقول للسامرية إنه هو المسيا المنتظر (يو4: 25)، وأمام المجمع يظهر أنه “المنتظر”، “فوق السحاب” ابن الإنسان (دانيال7: 13= مت24: 30). ويشير أيضًا إلى شخصه في أقوال المزامير عن الملوك مثل (مز109: 1 = مت22: 41، مز117: 26=مت23: 39) أيضًا آلامه يقدمها دائمًا على أساس تقليد “عبد يهوه” لإشعياء53.
بهذا الفهم المسياني للعهد القديم لم يعترف المسيح بالعهد القديم كمجرد نص نبوي، بل قد أكد أن حتى الأنبياء أنفسهم والملوك المذكورون في العهد القديم اشتهوا أن يروا أيامه ولم يروا (مت17:8). إبراهيم البطريرك (أبو الآباء) رأى يومي وفرح (لو56:8). نفس الأمر إشعياء رأى مجد المسيح وتحدث عنه (يو41:12). كل ما يخص الحوادث التاريخية في العهد القديم يجد فيها المسيح إشارات جوهرية إليه. هكذا يكشف المسيح هدف تاريخ العهد القديم بطريقة مختلفة تمامًا عن المنهج الرابوني للتفسير. ففي قصة يونان والحادثة المشهورة مع الحوت إشارات عن رسالته (يو30:11)، ودفنه ثلاث أيام (مت40:12).
وفي طوفان نوح وظروف عصر لوط (سدوم وعمورة) صورة للمجيء الثاني والدينونة الأخيرة (لو17: 26،28، مت24: 37). ورفع الحية في البرية بواسطة موسى له علاقة برفعه على الصليب (يو3: 14). وأن المن هو صورة الخبز الحي، الذي يقدمه المسيح نفسه (يو31:6،49). هذا التجاوب لهذه الحوادث التي لها تطلع نبوي وأخروي تستلزم بالتأكيد الاستمرارية التاريخية ووحدة الخطة الإلهية.
وبناء على ذلك، من يقبل الناموس والأنبياء سيؤمن بالمسيح، طالما “أن (موسى) كتب عنى” (انظر يو5: 46). هذا المنهج التفسيري يعرف بالمنهج المثالي أو النماذجي (Tupologik»). ولقد اُستخدم هذا المنهج في سياق الوعي والتقييم المسياني للعهد القديم.
بالتأكيد إن العهد الجديد الذي دشنه المسيح يختلف جذريًا عن العهد القديم. والمسيح هو نفسه المسيا، غاية كل نبوات العهد القديم، وبناء على ذلك فبحضوره التاريخي بدأ عصر الإنجيل: ” كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا ومن ذلك الوقت يبشر بملكوت الله وكل واحد يغتصب نفسه إليه” (لو16:16).
في عصر العهد القديم، كان الدخول في قلب شعب الله يتطلب حفظ صارم للناموس، الآن في العهد الجديد أُدين هذا المبدأ وكل واحد يستطيع أن “يغتصب” الملكوت، فقط بحسب النعمة وبدون عمل الناموس. لم يُنقَض الناموس القديم بل على العكس وَجَد العهد القديم في شخص المسيح تحقيقه وكماله.
إن موقف المسيح العام أمام العهد القديم يبلوره نص (مت5: 17ـ20) في الموعظة على الجبل، والتي تبدأ بالتعبير المشهور ” لا تظنوا أنى جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل. فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا يدعى أصغر في ملكوت السموات. وأما من عمل وعلم فهذا يدعى عظيمًا في ملكوت السماوات. فإني أقول لكم إنكم إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات “.
مباديء تفسير أساسية
في هذا النص نتعرف على أربع مباديء تفسيرية:
1ـ في عدد17: المسيح لا يدين التوراة الناموسية أو العظة النبوية للعهد القديم، مثلما أدانها معاصروه من الفريسيين، بل على العكس كان يهدف إلى تتميم وتكميل الناموس والأنبياء. بالطبع هنا لدى المسيح أدراك بأنه هو “مسيا” هذا العصر، الذي يحقق أو يتمم التطلع الداخلي للناموس والأنبياء، ونتيجة لذلك يظهر العهد القديم أنه غير كامل ويحتاج للتحقيق بمجيء المسيا.
2 ـ في عدد18: الناموس له سريان مطلق ومصداقية ولا يمكن الاستهانة بأصغر وصاياه. وسلطة الناموس وقيمته اكتسبها بواسطة شخص يسوع المسيح.
3 ـ في عدد 19: الطريقة التي يحقق ويفسر بها المسيح الناموس هي طريقة مقيدة تقييدًا مطلقًا، حتى أنه مع التطبيق الآمن له يتحقق خلاص الإنسان. بهذه الطريقة يضع المسيح الناموس في وظيفته الحقيقية.
4 ـ في عدد 20: قبول وتطبيق الناموس بهذا المفهوم السابق يدين تقليد الرابونيين.. الناموس أو العهد القديم في مجموعة يتمم رسالته الصحيحة فقط في شخص يسوع المسيح. هو بالضبط المبدأ والأساس التفسيري الجديد لقبول وفهم وتفسير العهد القديم.
طـ إن موقف المسيح أمام العهد القديم وخاصة “الناموس” لا ينحصر بالتأكيد في موضوع التفسير الصحيح للعهد القديم. إن يسوع المسيح لم يكن مجرد نموذج لمعلم جديد. لقد علّم حقًا بطريقة جديدة تمامًا، ليس كالكتبة والفريسيين، وكان في تعليمه “كمن له سلطان” ولذا أثار غرابة ودهشة الجموع (مر22:1، متى28:7 وما بعده) ورؤساء اليهود (مت21:23).
إن المسيح حدد علاقته بالناموس على أساس قناعته الداخلية بأنه في وحِدة مع الله الآب. إنه المرسل “من السماء” لكى “يخبر” ليس عن الناموس والعهد القديم ولكن عن الآب نفسه، ويتمم النعمة والحق ” لأن الناموس بموسى أعطى أما النعمة والحق فبيسوع المسيح قد صارا “، ” الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبّر” (يو1: 17ـ18).
ونتيجة لذلك فإن المسيح، من جهة، حقق في شخصه إرادة الله القديمة كما شهد لها العهد القديم، ومن جهة أخرى، أعلن الإنجيل الجديد إلى الإنسان والعالم والذي بمقتضاه صنع علاقة شخصية معه. بهذا الوعي والإدراك حدد المسيح، من جديد، طبيعة وتطلع العهد القديم بالتضاد مع الرابونيين. إذ بينما يقر بالقيمة الإلهية والأزلية للعهد القديم، فإنه من جهة أخرى يعلن أنه في شخصه دخلت البشرية في عالم جديد يتخطى ذاك الذي للعهد القديم.
ى ـ إن يسوع المسيح هو أعظم وأسمى من عظة العهد القديم النبوية “هوذا أعظم من يونان ههنا” (مت41:12)، وأيضًا أعظم من النظام التعبدي لإسرائيل القديم ” إن ههنا أعظم من الهيكل ” (مت12: 6) ـ لذلك أبطل التقليد الرابوني من ناحية مفهوم راحة السبت: ” فإن ابن الإنسان هو رب السبت أيضًا ” (مت12: 8)، والذي كان يرمى فقط إلى الامتثال الظاهري والشكلي، أيضًا أدان تقاليد الشيوخ عن التطهيرات (انظر مر7: 3ـ13)، وعن الأصوام والصلوات (انظر يو33:5)، والتي اعتبرها أحمالاً ثقيلة (مت4:23) تعوق إقامة علاقة حية مع الله. إن الأمور القانونية والمظهرية لا تحدد العلاقة مع الله بل الاستعداد الداخلي للإنسان وطهارة قلبه (مت15: 20).
إن التفسير الجديد للناموس الذي قام به المسيح صار واضحًا من المقارنات المعروفة في العظة على الجبل (مت5: 27- 28): ” سمعتم أنه قيل للقدماء… وأما أنا فأقول لكم… “. والعبارة الأخيرة ” وأما أنا فأقول لكم.. “، تظهره على أنه هو المشرع الجديد الذي لا يستهزئ بترتيب الناموس القديم، لكن يُظهِر بمصداقية إلهية عدم اكتمال الناموس القديم. بالتحديد إن المسيح يستنكر ويرفض رفضًا جذريًا التطبيق الشكلي والآلي لحرف الناموس وأيضًا التكرار الرتيب المبالغ فيه للسلوك الأخلاقي والذي يخلق رضاءً وغرورًا واكتفاءً ذاتيًا.
إن العمل الخارجي في حد ذاته لا يحدد النوعية الأخلاقية للإنسان، بقدر استعداده الداخلي ودوافعه الحقيقية، وذلك عندما يتحددان من الرحمة والنعمة والإعلان الإلهي. بهذا المفهوم يُعيِد المسيح تفسير الوصايا الخاصة بالقتل، والزنا، والطلاق، والقسم، ورد الدين، والمحبة للقريب، والإحسان، والصلاة والصوم. في تفسير المسيح الجديد لا ينفصل العمل عن النية أو القصد أو الاستعداد، لذلك لا توجد مقاييس محددة للسلوك العملي.
وبخصوص هذه الوصايا فإن المسيح لا يعيد تفسير الناموس القديم ولكنه يُشرّع من جديد العلاقة بين الإنسان والله، على إنها علاقة نعمة وحرية علاقة تبطل محدودية الحرف وتلد الإنسان ثانية ليكون ابنًا حرًا للآب. لأجل هذا السبب، فإن كل الناموس يمكن أن يلخص في وصية واحدة: ” تحب الرب إلهك… وتحب قريبك كنفسك ” (مت22: 37، 39). ولذلك فإن مقياس تقدير الوصايا القانونية هو التشبه الكامل بالله: ” كونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل ” (مت5: 48).
إن علاقة الكمال بالله ليست لها حدود ولا يمكن أن تتم بحفظ وصايا خارجية ناموسية. إن هجران الشكل التقوى والسلوكيات الفريسية من جهة العبادة والأخلاق هو الشرط الجديد للدخول إلى ملكوت الله ” فإني أقول لكم إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السماوات ” (مت5: 20).
بناء على ما سبق، فإن المسيح لم يشرح ببساطة ناموس العهد القديم وكَيّفه على المتطلبات التاريخية المعاصرة كما فعل الرابيون، لكن حقق وأعلن ناموس الله الجديد الذي ينضم إليه القديم أيضًا. المسيح لا يقدم تفسير جديد للناموس لكن يحدد من جديد علاقة الإنسان مع الله، علاقة تستند على أفضلية أو أولوية النقاوة والتواضع الداخلي. الناموس الجديد لم يعطَ في شكل وصية ناموسية.
لكن حُقِقَ في شخص وعمل المسيح كنعمة وحرية، كمحبة وإيمان، كرحمة وذبيحة. بهذه الطريقة وحّد المسيح في شخصه الناموس والإنجيل، النبوة والتحقيق، الوصية والنعمة. لذلك كل الناموس لا يكفي للكمال، إن لم يتبع الإنسان المسيح في علاقة حرة وشخصية معه: ” إن أردت أن تكون كاملاً فأذهب وبع أملاكك وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني” (مت21:19). مطلب الناموس ينبغي أن يتمم على أساس الاستعداد الداخلي للإنسان، الذي يُشَّكل فقط في العلاقة الحية مع الله.
هذه العلاقة تبطل أي سلوك أخلاقي يستند على التحقيق الشكلي للوصايا وأيضًا على الأداء التعبدي الشكلي.. إن جدية الإنجيل تتطلب التجديد الجذري للناموس القديم، والولاء الكامل لنعمة ورحمة الله، لأنه لا أحد يضع خمرًا جديدة في زقاق قديمة (مت9: 16). كما أن التلمذة في ملكوت السماوات تتطلب من الإنسان ” أن يخرج من كنزه جددًا وعتقاء ” (مت13: 25).
هذا المطلب ليس هو مجرد مبدأ تفسيري، لكن هو دعوة للحياة أو للموت أمام أزمة الأوقات وحتمية الملكوت الجديد. إن إعلان يسوع المسيح لا يتقولب في شكل وصايا ناموسية وأوامر طقسية وتعبدية عقيمة سواء مكتوبة أو شفهية. إنه على العكس شركة روحية مع المسيح الذي يمنح لنا حياة جديدة. وفي النهاية نلخص كل ما سبق ونقول إن موقف المسيح من العهد القديم وبالطبع من طريقة تفسيره لم يعتمد في أي حالة على التقليد اليهودي أو هويته اليهودية لكن فقط على وعيه وإدراكه لشخصه وعمله أي على وعيه بهويته ورسالته أنه المسيا.
هذا هو السبب الرئيسي الذي جعل تفسير يسوع للعهد القديم مختلف اختلافا جذريًا وغير مفهوم لدى معاصريه من اليهود. وليس السبب هو مجرد اختلاف في المنهج التفسيري. ووفق المقاييس التفسيرية التي طبقها اليهود على الناموس، أُتهِمَ المسيح من قِبل خصومه اليهود كخائن للناموس ومجدف على الله، لذلك كان يجب أن يموت (يو9: 7، اقتباس من اللاويين24: 16).
إن أسفار العهد القديم قد فُهِمت عند المسيح كإنجيل أول للخلاص، بينما فهمها اليهود كمبرر لموته!! في حالة اليهود نرى مدى مأساوية طريقتهم في التفسير التي تَصِّر على فهم الكتاب حرفيًا. أما المسيح فبإدراكه أنه المسيا وابن الله شعر بأنه مرتبط بالعهد القديم وأيضًا بأنه في حرية تامة أمام العهد القديم. لذا لجأ المسيح بلا تردد إلى التقليد المسياني للعهد القديم أي إلى الأسفار التي تتنبأ عنه “كمسيا” ” عبد يهوه ” (إش53)، لكي يشرح عمله الماسياني (على سبيل المثال انظر مت8: 17).
ومن الناحية الأخرى كان المسيح يدرك أن العمل الذي يتممه هو في الواقع عمل أخروي كان مُنتظرًا أن يُتمم في العصر المسياني من المسيح نفسه. هذا يعنى أن المسيح يعمل ويتحدث باسم يهوه نفسه وبسلطانه. على سبيل المثال، يرسل الله ملاكه لكي يهيئ الطريق قدامه (مت11: 10)، يغفر خطايا (مر2: 5)، يتمم عمل يهوه في العصر المسياني (لو7: 22)، كلامه لا يزول (مت24:35) مثل كلام يهوه في وصايا الناموس.
يضع تشريع خاص بدلاً من، ” سمعتم أنه قيل للقدماء “.. فيقول ” أما أنا فأقول لكم “. إن المسيح في الإنجيل الرابع يعلن أو يكشف عن علاقته الفريدة بالآب، يشدد على ألوهيته ويتحدث بنفس سلطان الآب عن نفسه ” أنا هو”.
إن العهد القديم يُفَسر كنص للإعلان الإلهي، وله تطلع مسياني فقط داخل ملء المسيح وليس العكس، وهذه الحقيقة استند عليها الرسول بولس في (2كو3: 6ـ18) والآباء المفسرين عندما نادوا بأنه قبل المسيح لا يمكن لأحد أن يفهم العهد القديم. لذا مارست الكنيسة تفسيرها الكتابي على أساس الإيمان الصحيح والمستقيم عن شخص وعمل المسيح وهذا المبدأ يرجع بلا شك إلى المسيح نفسه والتقليد الإنجيلي والرسولي الأول.
[1] هذه سلسلة من المحاضرات أُعطيت في كورس الدراسات الآبائية الذي ينظمه المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية منذ عام 2002م في مادة الآباء والكتاب المقدس.
تفسير الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى (3) تفسير العهد القديم بواسطة العهد الجديد