مجمع نيقية 325م – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

مجمع نيقية 325م – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة: ” نؤمن … “

مجمع نيقية 325م – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

 

مكانة مجمع نيقية في الكنيسة*

يحتل مجمع نيقية 325م مكانًا فريدًا في تاريخ الكنيسة المسيحية باعتباره ’المجمع الكبير والمقدس‘ أو ’المجمع المسكوني الكبير‘، الذي اتخذته كافة المجامع اللاحقة كمعيار رئيس لها. وهذا لأن قانون الإيمان الذي وضعه الآباء في نيقية قد حمى بشكل حاسم الإيمان الرسولي الجامع من أي تحريف مخرِّب للإنجيل، مما أدى في آخر الأمر إلى ضبط وتوحيد فكر الكنيسة كلها وتثبيتها بشكل لا لبس فيه في الإيمان بأن الله الآب كشف عن ذاته من خلال ابنه يسوع المسيح وفي روح واحد[1].

كذلك فإن الارتباط الجوهري بين نص الإنجيل وبين “الإيمان المُسلَّم مَرَّةً للقديسين”[2]، قد ظهر بوضوح في نيقية بطريقة بسيطة وموجزة، حتى إنه صار يُنظر إلى ما حدث في نيقية فيما بعد، برهبة ووقار بكونه عملاً من الروح القدس، الأمر الذي يدعو للدهشة في ظل ما كان قائمًا ـ في ذلك الوقت ـ من تباين كبير في الآراء وفي الصيّغ الإيمانية.

ومع انقضاء القرن الرابع وبقاء وصمود الكنيسة رغم الهجمات الشرسة من قِبل الهراطقة ـ والتي كادت تهدد لب الرسالة الإنجيلية التي اؤتمنت عليها ـ فإن التقليد أخذ يكرِّم قانون إيمان نيقية بصورة متزايدة على أنه هو ’التحديد الكنسي غير القابل للتغيير‘ (imperturbata constitutio)، أو ’الحدث العظيم الذي لا رجعة فيه في حياة الكنيسة‘[3]، والذي يأتي مباشرةً بعد الأساس الواحد الذي وضعه المسيح نفسه في الرسل والأنبياء[4]، بل إن قانون الإيمان نفسه، كان يخدم ذلك الأساس ويبني عليه ويشاركه ـ بشكل ما ـ في طبيعته غير القابلة للتكرار.

ومما يذكر أن القديس غريغوريوس النزينزي الذي رأس الجلسة الافتتاحية لمجمع القسطنطينية عام 381م كرئيس أساقفة، كتب إلى كليدونيوس أحد كهنة نزينزا يقول: “نحن من جانبنا لم نعتبر ولن نعتبر أي تعليم مفضَّل على إيمان الآباء القديسين الذين اجتمعوا بنيقية لهدم الهرطقة الأريوسية، ونحن بمعونة الله لا نحيد ولن نحيد عن هذا الإيمان، مكمِّلين ما قد تركوه بخصوص الروح القدس”[5].

وكان القديس غريغوريوس النزينزي يُعبِّر عن التقليد السائد، عندما تحدث في ’عظته عن أثناسيوس الكبير‘ ذاكرًا ’مجمع نيقية المقدس‘ واجتماع الثلاثمائة وثمانية عشر رجلاً ’المختارين‘ بكونهم قد “وحَّدهم الروح القدس”[6]. كما كان القديس غريغوريوس يمثل رأي الكثيرين أيضًا، في إعطائه القديس أثناسيوس الدور الحاسم في أعمال المجمع؛ إذ قال: “وعلى الرغم من أنه لم يكن بعد في ترتيب صفوف الأساقفة، إلاّ أنه احتل الترتيب الأول بين أعضاء المجمع، لأن الأفضلية كانت للتميّز بنفس القدر الذي كانت به للمنصب.

وكرجل الله الذي نطق بقوة للحق، حافظ القديس القديس أثناسيوس بلباقة على وحدة اللاهوت إذ علَّم بإخلاص عن الثالوث تعليمًا اشتمل على العلاقات الأقنومية: بغير ضياع للأقانيم الثلاثة في داخل الوحدة، ولا تقسيم للجوهر فيما بين الأقانيم الثلاثة؛ بل ظل القديس أثناسيوس داخل حدود التقوى متجنبًا الميل الزائد أو المعارضة الزائدة لأحد الرأيين”[7].

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين

كان القديس أثناسيوس يعتبر أن الآباء في مجمع نيقية لم يبتكروا شيئًا جديدًا، بل إنهم تنفَّسوا روح الكتب المقدسة واعترفوا بالإيمان الإلهي والرسولي بدقة شديدة، حتى إنه (أي القديس أثناسيوس) استطاع بعد سنوات كثيرة أن يكتب إلى أساقفة إفريقيا قائلاً: “إن كلمة الرب التي جاءت عن طريق مجمع نيقية المسكوني باقية إلى الأبد”[8]، ولم يكن يعني بهذا أن الله قد أعطى أساقفة نيقية كشفًا جديدًا، بل إنهم كانوا فقط أداة في يد الله، وذلك بتسليمهم (لمن بعدهم) ـ بشكل صادق وأمين ـ كلمة الله ذاتها، وهي عينها التي كانوا قد تسلَّموها بأنفسهم من تعاليم الرسل في الكتب المقدسة فيما يتعلق بالله الآب والابن والروح القدس.

وفي الواقع كان التقليد الرسولي، والتعاليم المعطاة في الكتب المقدسة، بالنسبة للقديس أثناسيوس شيئًا واحدًا تمامًا، حيث لا يوجد عدة تقاليد “للحق” سواء مكتوبة أو غير مكتوبة، بل هو التقليد الواحد المتضمَّن في الكتب المقدسة المُعترف بها، وهو إيمان الكنيسة الحقيقي الذي تسلَّموه، والذي كان عليهم أن يحافظوا عليه ويسلِّموه مرة أخرى[9].

هكذا فهم القديس أثناسيوس عمل الآباء بمجمع نيقية المسكوني، لذلك كتب لأساقفة إفريقيا في خطابه المجمعي لهم يقول: “إن الإيمان السليم المُعطى لنا من المسيح والذي أعلنه الرسل، قد سلَّمه للأجيال التالية الآباء الذين اجتمعوا في نيقية من كافة أنحاء العالم”[10].

وعندما أُثير التساؤل حول التعليم الرسولي التقليدي عن الروح القدس، أصر القديس أثناسيوس على ضرورة وضع تقليد وتعليم وإيمان الكنيسة الجامعة في الاعتبار من البداية، هذا الذي أعطاه الرب، وأعلنه الرسل، وحافظ عليه الآباء. وقد استطاع القديس أثناسيوس، وهو يتحدث عن نفسه، أن يقول: “طبقًا للإيمان الرسولي المُسلَّم لنا من الآباء بواسطة التقليد، فإني قد سلَّمت التقليد بدون ابتكار أي شيء خارجًا عنه. وما تعلَّمته هذا قد سجلته وفقًا للكتب المقدسة”[11]. فالمهم كان هو تقديم الكتب المقدسة بدقة وبإخلاص، بالإضافة إلى تناول التقليد بأمانة[12].

وكان القديس أثناسيوس دائم الإشارة إلى قانون إيمان نيقية على أنه “الإيمان الذي اعترف به الآباء بنيقية” طبقًا للكتب المقدسة وتقليد الكنيسة السليم، وكان يقول عنه إنه هو هو “الإيمان المسلَّم من مخلِّصنا بواسطة رسله”، وقد اعتبر أن صياغة قانون الإيمان كانت في الأساس عملاً إيمانيًّا ورعًا ومخلصًا قام به المجمع المسكوني “باعتباره في حضرة الله”[13].

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

إقرأ أيضًا: الشك ف الكمين – هل مجمع نيقية هو من قرر أن المسيح هو الله وأهم العقائد المسيحية؟

هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة

لقد كان هناك سببان لانعقاد مجمع نيقية: أولاً التوصل إلى اتفاق مسكوني حول يوم الاحتفال بعيد القيامة، وثانيًا الحكم على الهرطقة الأريوسية التي كانت تخل بتناغم الكنيسة، إلاّ أن نوع القرار الذي اتخذه المجمع في كل حالة ـ كما أوضح القديس أثناسيوس ـ كان مختلفًا تمامًا. فبالنسبة لعيد القيامة، كتب الآباء: “يبدو حسنًا ما يلي”، لأنه كان بالفعل يبدو حسنًا أن يكون هناك اتفاق عام. ولكن بالنسبة للإيمان فإنهم لم يكتبوا “يبدو حسناً”، بل كتبوا: “هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة”، ليؤكدوا بذلك أنهم إنما كانوا يعترفون بما يؤمنون به، ولكي يبيِّنوا أن آراءهم ليست جديدة بل هي تعاليم رسولية، وأن ما كتبوه لم يكن اكتشافًا من عندياتهم، بل كان هو نفسه ما علَّم به الرسل[14].

بل والأكثر من ذلك، أن آباء نيقية عبَّروا عن هذا التعليم بدقة شديدة لدرجة أن كل من يقرأ هذه النصوص بأمانة، فإنها لا بد وأن تعيده إلى التقوى والإيمان بالمسيح (ες Χριστν εσέβειαν) المُعلَن عنه في الكتب المقدسة[15]. أي أن قانون إيمان نيقية ينبغي أن يُفهم كصياغة كرازية للإيمان، حسب مبادئ الإنجيل الأولى البسيطة، لأن الإيمان الذي سُلَّم للكنيسة مرة واحدة يمكن تسليمه فقط بالإيمان، من إيمانٍ إلى إيمان[16].

ومن الواضح أن القديس أثناسيوس كان يرى أن مجمع نيقية ـ من خلال اعترافه بالإيمان بشكل موجز وبسلطان مسكوني ـ قد حقق الغرض الذي كان قد تصوره هو نفسه قبل المجمع، والذي ذكره في بيانه عن”أساس الإيمان” (κεφάλαιον τς πίστεως)، ألا وهو إدراك العمل الخلاصي لابن الله المتجسِّد[17]، مرتبطًا بدراسة الكتب المقدسة وبفهم أعمق لرسالتها[18].

 

علاقة الإيمان بالتقوى

ومن العلامات المميِّزة لتوجه مجمع نيقية، أنه ربط بين الإيمان وبين الخشوع أو التقوى (εσέβεια / θεοσέβεια)، والذي يعني استخدام أسلوبٍ ورعٍ للعبادة والسلوك والفكر، يليق بالله الآب والابن والروح القدس. وكان هذا الارتباط بين الإيمان والتقوى طريقًا مسيحيًّا مميزًا للحياة، حيث كان فكر الكنيسة (διάνοια / φρόνημα) مختومًا بختم الثالوث القدوس الذي لا يُمحى، فلم يكن هناك فصل بين التقوى والتعليم اللاهوتي، أو بين العبادة والإيمان، حيث كان الاهتمام الثابت موجهًا: لتفسير الكتب المقدسة بوقار، ولاستخدام المنطق بوقار ولاتباع طرق للمناقشة بوقار، وفي كل ذلك بغير تدخلٍ حادٍّ في سر الله وبغير تعليمٍ خارج عن الوقار في الأمور التي تخص الله.

وحتى حين يتناول علم اللاهوت العلاقات الداخلية للثالوث في الله نفسه، كانت الكنيسة تُصرّ على التحفظ والخشوع سواء في الأسلوب أو في صياغة الفكر أو في اللغة المستخدمة؛ إذ كان ينبغي أن يتم كل شيء بتقوى أمام وجه صاحب الجلال والمجد الإلهي مثل ما يفعل الشاروبيم الذين يغطون وجوههم أمام عرش الله بشكل يليق بقداسة الله الفائقة.

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

إقرأ أيضًا: آباء الكنيسة الأولى (ما قبل مجمع نيقية) وحقيقة إيمانهم بلاهوت المسيح

الإيمان الذي حفظه الآباء في نيقية

إن إدراك آباء مجمع نيقية لمضمون التعليم الرسولي، بالإضافة إلى التقوى الإنجيلية في الاعتراف بالإيمان، قد أدّيا معًا إلى ظهور أسلوب مميَّز للتعبير ترك بصمته الدائمة على ذهن الكنيسة. وكان هذا الأمر واضحًا للغاية في مجمع القسطنطينية عام 381م حيث أُعيد التأكيد بشكل نهائي وحاسم على قانون الإيمان النيقي، مما جعله قانون الإيمان المسكوني الأسمى في العالم المسيحي. فالتعليم اللاهوتي الخاص بمجمع نيقية لم ينل فقط قوة داخلية وحركة دفع ذاتي في عصره، ولكنه ترسَّخ ضمن الأساسات الإنجيلية للكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية، بحيث صار القاعدة التي انطلقت منها المجامع الأخرى ـ الواحد تلو الآخر ـ لتكمل عملها في القرون اللاحقة، بالرجوع دائمًا إلى “مجمع الثلاثمائة وثمانية عشر”.

وهكذا كان يُنظر لقانون إيمان نيقية، على أنه المحور الرئيس والمتحكم في الرسالة المتنامية للكنيسة، وكإعلان إنجيلي يؤدي إلى الإيمان بالمسيح، كما كان يُنظر إليه أيضًا بكونه صياغة تعليمية لكبرى حقائق الإنجيل، لذلك يمكن أن يُعتبر كمرشد موثوق به وذو سلطان في قراءة وتفسير الكتب المقدسة. أي أنه في قانون الإيمان النيقي وبواسطته، عقدت الكنيسة العزم على الدفاع عن جوهر الإيمان والحفاظ عليه، كأمانة مقدسة تسلَّمتها لكي تسلِّمها إلى الآخرين متكاملة إنجيليًّا، وبالتالي تستطيع أن تعطي الله حساب وكالتها على سرائر الله[19].

وكان هذا هو قصد الكنيسة الذي أوضحه القديس أثناسيوس في خطابه إلى أساقفة إفريقيا عندما قال: “ليكن فقط الإيمان، الذي اعترف به الآباء بنيقية، قانونًا ساريًا بينكم، حتى يستطيع الرسول أن يقول عنا أيضًا: ’فأمدحكم أيها الإخوة على أنكم تذكرونني في كل شيء، وتحفظون التعاليم كما سلَّمتها إليكم‘”[20].

إقرأ أيضًا:  ايمان الاباء بلاهوت المسيح قبل مجمع نيقية – القمص عبد المسيح بسيط

 

نؤمن …

وبتعبير “نؤمن”، الذي استهلت به الكنيسة الجامعة نص اعترافها ـ في نيقية عام 325م ـ فإنها أوضحت أن ما كان يهمها هو أن تعترف بحقائق الإنجيل الأساسية، داعية إلى الالتزام بالإيمان (نؤمن)، أكثر من مجرد وضع مراسيم (قوانين للإيمان) (δόγματα) مطلوب إطاعتها كأنها قرارات رسولية[21] أو أوامر إمبراطورية[22].

ولكن بالطبع قدَّم آباء نيقية بعض الدلالات التي توضح كيف يجب أن تُفهم المصطلحات التي استخدموها، كما أشاروا أيضًا إلى “الحدود الفاصلة” (ρισθέντα) في اعتراف (قانون) الإيمان، والتي لا يجوز تعديها وإلاّ انحرف المرء إلى ضلال الهرطقة أو إلى خطورة التناقض[23].

وقد حدد الآباء أيضًا عددًا من “القوانين” أو “القواعد” الكنسية التي يجب أن تُراعى من أجل الحفاظ على الوحدة في الكنيسة كلها في تعليمها وتوجيهها المنتظم، وفي تنظيم الخدمة الكنسية[24]. غير أن هذه الأوامر “الناهية” والقواعد الرسمية، قد تم وضعها فقط كملحقٍ لنص قانون الإيمان، ولم تدخل في صلب التعبير عن الإيمان ذاته. وهكذا كان حرص الآباء ينصب كله على الحفاظ على سمة قانون الإيمان “كإعلان إنجيلي” للإيمان الخلاصي، الذي اضطرت الكنيسة إلى وضعه بإلزام من الحق الإلهي الذي وصل إليها من خلال الكتب المقدسة.

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

نظرة الآباء إلى ’الإيمان‘

ومن هنا، فإن الأولوية القصوى التي أعطاها مجمع نيقية ’للإيمان‘ على هذا النحو كانت لها دلالة كبيرة للغاية، لأنها تمثِّل التحوُّل الجذري في فهم شعب الكنيسة ـ حيث استنارت عقولهم بحقيقة الله الحي وتحرروا من الأسر في ظلمة التحيُّزات الشخصية والتخمينات والأوهام التي لا أساس لها ـ وهو تحول من أن يكون مركز الفكر في داخل المنطق البشري (πίνοια) الشخصي (الغريب عن الله)، إلى أن يكون هذا المركز هو في إعلان الله (عن ذاته)، وفي فعل المصالحة الذي تم في يسوع المسيح ’كلمته‘ المتجسِّد داخل حيز الزمان والمكان في عالمنا المخلوق.

هذه الاستنارة بحقيقة الله كانت هي السبب وراء الثقة الراسخة في ’إيمان‘ الكنيسة بالله، لأن الكنيسة قد أدركتها محبة الله الثابتة والأمينة، وقد أمسكت الكنيسة بهذه المحبة من خلال “كلمة حق الإنجيل”[25]، كما أن الله ذاته كان على الدوام يسند الكنيسة ويقويها. وهذه الأهمية القصوى التي أولاها قانون نيقية، ’للإيمان‘ إنما تعكس الفكر الآبائي الراسخ عن ’الإيمان‘ بأنه اقتناع للعقل لا يقوم على أساس منظور ’شخصي‘ بل على أساس ’موضوعي‘، وهذا الاقتناع تسنده ـ أبعد من حدوده نفسه ـ ’الحقيقة‘ الموضوعية أو الأقنومية (πόστασις) التي لله ذاته، كما أعلن لنا عن نفسه في يسوع المسيح.

ويعبِّر القديس هيلاري عن ذلك بقوله “في الإيمان، يتخذ الإنسان موقفه على أساس كيان الله ذاته (in substantia dei)”[26].

إقرأ أيضًا: مجرد إله؟ القضية الحقيقة في مجمع نيقية

 

علاقة ’الإيمان‘ بالمعرفة

وكان الآباء ’اليونان‘ (الذين كتبوا باليونانية) ينظرون إلى المعرفة العلمية (πιστήμη)، على أنها وقوف أو رسوخ العقل (διάνοια) على الحقيقة الموضوعية، وعلى أنها أيضًا الفهم اليقين والمؤكد. ولتعضيد هذا الرأي من الكتاب المقدس، كثيرًا ما كان الآباء يستشهدون بما جاء في الترجمة السبعينية “إن لم تؤمنوا فلن تفهموا” أو “فلن تثبتوا”[27]، حيث كانوا يؤكدون على أنه بالإيمان، تتلامس عقولنا مباشرة مع الحقيقة مستقلة عن ذواتنا، لأنه من خلال الإيمان تتقبل عقولنا الإدراك الباطني (البديهي) للأشياء وتخضع لقوتها الشاهدة لذاتها، كما تتكيَّف وتتهيأ لتعرف هذه الأشياء في طبيعتها الذاتية (الخاصة بها) (κατά φύσιν)[28].

وعلى هذا النوع من الاتصال الأساسي (المباشر) مع الحقيقة، ترتكز كل معرفة مؤكدة ويرسخ كل فهم صادق أصيل، كما أنه هو أيضًا الطريق الصحيح لكل بحث جديد ولكل محاولة لتعميق فهمنا للأمور. وكما أن هذه العلاقة بين الإيمان والفهم تنطبق على كل معرفة علمية، فهي تنطبق بنفس القدر بل وبأكثر تحديد على معرفتنا لله، الذي هو الأساس والمصدر المطلق لكل قدرة على المعرفة والإدراكٍ وكل حق[29]، مثلما كان القديس أغسطينوس يقول دائماً: “نحن لا نسعى لفهم ما نؤمن به، ولكننا نؤمن لكي يمكننا أن نفهم”[30].

إذن ينبغي أن يكون واضحًا الآن، أن ’الإيمان‘ حسب الفكر اللاهوتي النيقي، لم يكن نوعًا من علاقة غير مدركة أو غير مفهومة مع الله، بل كان إيمانًا يتضمن عمليات المعرفة والفهم والإدراك، إيمانـــًا له طـــابع فطـرى (بديهي) للغــاية في تقبـــل العقـــل ـ بشكل مسئول ـ ’للحق‘ الكامن في إعلان الله لذاته للجنس البشري. فالإيمان ينشأ فينا نتيجة التأثير الخلاَّق لشهادة الله لذاته، ولكشف الله عن ذاته في “كلمته”، كما أنه ينشأ كذلك كاستجابة لمطالب ’الحقيقة‘ الإلهية علينا، والتي لا نقدر أن نقاومها بمنطق العقل أو الضمير[31].

ويأخذ الإيمان شكل الطاعة (πακοή τς πίστεως)[32] المنصتة لدعوة ونداء “كلمة” الله، كما أن المعرفة التي تتولد داخلنا، تتطلب في صميمها قبول ذهني وإدراكي (πιστημονική συγκατάθεσις) ’للحق‘ الإلهي، وتصبح مغلقًا عليها في داخل هذا الحق[33].

وقد أكد القديس هيلاري أنه حقًّا بهذه الطريقة عينها فقط، يتشابك الإيمان والفهم (الإدراك) وهو ما قد حدث في حالة الرسل أنفسهم، عندما “التحم ’الحق‘ الذي سمعوه لأول مرة مع يقينهم الداخلي”[34]، وحين تحدث القديس هيلاري عن اعتراف الرسل ’بأن المسيح هو ابن الله‘ على أن ذلك هو ’صخرة الإيمان‘ التي بنيت عليها الكنيسة[35]، كان فهمه لهذه الحقيقة فهمًا موضوعيًّا، لأن الكنيسة بنيت على ’الحق‘ الإلهي الذي اعترف به الرسل، وليس على اعترافهم في حد ذاته، هذا ’الحق‘ الذي لا تزال الكنيسة تعتمد عليه في إيمانها.

وبالطبع كان من الأمور المُسلَّم بها أن اعتراف الرسل ’بالإيمان‘ وفهمهم ’للحق‘ محفوظ في الكتب المقدسة التي سلَّمها لنا الرسل، ولذا ينبغي أن نقول إن “الإيمان وكل جزء منه مُنطبع فينا بواسطة برهان الأناجيل وتعليم الرسل”[36].

إقرأ أيضًا: مجمع نيقية، هل إخترع عقائد جديدة أم أكَّدَ على العقائد المستقرة من عصر الرُسل؟ عرض ونقد ورد

 

الله هو الذي يعلن عن ذاته

وفي نهاية الأمر، فإننا لا بد أن نتعلم من الله ذاته، ما الذي يجب أن نفتكره عنه “لأن الله لا يمكن أن يُفهم إلاّ من خلاله هو ذاته”[37]. كما أن إيماننا يجب أن يرتكز على نفس ’الحق‘، الذي بنى عليه الرسل الأولون إيمانهم وفهمهم، مما يعنى أننا حينما نلجأ إلى أقوال الكتاب المقدس فعلينا أن نخضع عقولنا مباشرةً ’للحق‘ الذي تشهد له الكتب المقدسة، لأن نصوص (dicta) الكتاب المقدس يجب أن تُفسَّر في ضوء الأمور أو الحقائق (res) التي تشير إليها والتي بسببها كُتبت هذه الأقوال وليس العكس؛ إذ إن هذه الأقوال تحقق الغرض الإلهي المقصود منها عندما تنقل شهادة الله عن ذاته.

وبالتالي تمكِّننا من الإيمان بالله والتفكير فيه بالطريقة الوحيدة المتاحة، والتي تتمشى مع الطريقة التي يقدِّم هو بها نفسه لنا[38]. ومن هنا يتضح أن الأهمية القصوى المعطاة ’للإيمان‘ في معرفتنا لله، تعكس الأفضلية المطلقة لدور الله (حين يعلن هو عن ذاته و يجعلنا ندرك شيئًا عنه) على كل فكر بشري عن الله (نعتمد فيه على ذواتنا)، بل وحتى على الوسائط البشرية التي أوجدها الله لتخدم إعلانه عن ذاته[39].

إقرأ أيضًا: الثالوث قبل مجمع نيقية – الأدلة الآبائية

 

البعد المزدوج للإيمان

إن الإيمان الذي ينشأ بالتزام واعٍ بما أوجبه الله في إعلانه عن ذاته في يسوع المسيح، والمرتبط بأولوية الله المطلقة على كل فكر أو حديث عنه، هذا الإيمان له سمة ذات شقين: الشق الأول يظهر فيه الإيمان بأنه مقيد ومحدد وملتزم بشكل دقيق بما أعلنه ’الحق‘ الإلهي في تجسد ’الكلمة‘ (أي بما أعلنه الابن المتجسِّد)، ومع ذلك يظهر الإيمان في الشق الآخر بأنه غير مقيَّد وغير محدَّد من خلال علاقته بحقيقة الله اللانهائية والتي تفوق كل فهم محدود.

إذن فمن جانب، يتميز الإيمان باليقين الثابت الذي يستمد قوته من حقيقة الله ذاته الكامنة في هذا الإيمان، ولكن من الجانب الآخر هذا الإيمان يتميز بوجود مجال مفتوح دائم الاتساع ليستجيب مع سر الله غير المدرك وطبيعته التي لا تُحدّ[40]. وهذه بلا شك هي القوة المزدوجة التي تكمن في كلمة “نؤمن” (πιστεύομεν) الواردة في اعتراف الإيمان النيقي بالله الآب والابن والروح القدس، وهي التي تحكم أيضًا الطريقة التي ينبغي أن تُفهم بها كل عبارات هذا الاعتراف (القانون)، تلك القوة المزدوجة تعني كلاًّ من التحديد والقصر (exclusiveness) من جهة، بجانب اتساع المجال (open range) من الجهة الأخرى، وهذان الأمران معًا هما اللذان يميزان الإيمان.

 

التحديد والالتزام في الإيمان المؤسس على الحق

وفي التزامه بالإيمان بإله واحد، الآب ضابط الكل، يمنع قانون (إيمان) نيقية، الإيمان بأي إله آخر غير الله الآب، كما يمنع الإيمان بأي إعلان آخر عن هذا الإله الواحد غير ابنه الوحيد المولود منه. مما يعبِّر بوضوح عما أكده الكتاب المقدس بجزم، بأن الإيمان بإله واحد يلغي إمكانية وجود أية آلهة أخرى، وأن الإيمان بأن يسوع المسيح هو “الطريق والحق والحياة” يستبعد الوصول إلى الآب بأية طريقة أخرى غير تلك التي قدَّمها الله ذاته في تجسد ’كلمته‘ في يسوع المسيح، أي في ’ما هو‘ يسوع المسيح في كيانه الأقنومي الخاص.

وكان من العسير أن يصبح الأمر هكذا، لو أن الإيمان كان قد تأسس فقط ـ وبشكل شخصي وغير موضوعي ـ على القناعة الداخلية للعقل البشري، وليس كما هو الحال من أنه مؤسس بشكل موضوعي على ’حقيقة‘ الله ـ الملزمة كليًّا ـ المجسمة في المسيح بكونه عطاء الله الذاتي الفريد واتصاله الذاتي الفريد بالجنس البشرى كرب وكمخلِّص. وفي طاعة غير مشروطة لهذا الإعلان الإلهي، نجد أن الإيمان المسيحي قد تبنى مدخلاً إلى الله يطرح جانبًا أي مدخل بديل، وأصدر حكمًا يستبعد به أي معتقد منحرف، وصدَّق على إقرار ’للحق‘ رافضًا بذلك أي ادعاءات أخرى معتبرًا إياها باطلة.

ومن هنا كان الأمر الجوهري في إيمان الكنيسة، هو ’الحق‘ الإلهي الذي أدركته الكنيسة في المسيح وفي إنجيله ولم ولن تفرط فيه. هذا الحق ليس تحت تصرف وتحكم الكنيسة، ولكنه هو (أي الحق) الذي يحررها ويثبتها في محبة الله، ولهذا فإن الكنيسة لا تستطيع إلاّ أن تعترف بإيمانها بالله، أمام الله، وتقر بغير تحفظٍ بتصديقها ويقينها في ’الحق‘ الخاص بالمسيح وإنجيله، حيث إن هذا الحق هو الذي ترتبط به بصميم كيانها باعتبارها الكنيسة، جسد المسيح الواحد.

إن ما حدث في مجمع نيقية، كان اعترافًا مسكونيًّا بالإيمان، أعلنه الآباء في مواجهة إنكار الهراطقة للوحدة المطلقة بين الله وبين إعلانه عن ذاته في شخص يسوع المسيح. فقانون الإيمان النيقي كان عملاً مهيبًا للكنيسة مجتمعة، وفي حضور الله، وتم بالتزام ثابت ’للحق‘ الخاص بالإعلان الإلهي الذي من الآب بالابن في الروح القدس، وبإدراكٍ تام بأن صميم وجود الكنيسة المسيحية وصحة رسالتها الإنجيلية الداعية للخلاص الإلهي كانت معرضة للخطر.

ولو لم تكن هناك علاقة الوحدة في الجوهر والعمل، بين ما هو الله الآب ـ في ذاته ـ وبين ما هو نحونا في نعمة ربنا يسوع المسيح، لصارت الكرازة بالإنجيل (kerygma κήρυγμα) مفرغة من مضمونها الخلاصي، ولكانت تعاليم (διδαχή) الرسل مجردة من شرعيتها الإلهية. لكن إذا كانت نعمة الرب يسوع المسيح هي بعينها نعمة الله ذاته، وإذا كان في المسيح يسوع العطية الإلهية والمعطي هما واحد، فليس للكنيسة ـ أمانة منها للإنجيل ـ إلاّ أن تكرس نفسها لتأكيد هذه النعمة بشكل إيجابي وأن تستبعد أي احتمال آخر[41].

وكانت هذه هي القضية الحاسمة التي دعا القديس بولس كنيسة غلاطية لمواجهتها في القرن الأول، حيث كانوا مهدَّدين بتعاليم تفسد إنجيل المسيح وتحوله إلى ’إنجيل آخر‘ والذي ليس هو إنجيلاً بالمرة، وولذلك كتب يقول “إن كان أحد يبشركم بغير ما قبلتم فليكن أناثيما”[42]. وكان هذا هو النموذج الرسولي الذي اتبعه آباء نيقية في موقفهم الحاسم، عندما ألحقوا باعتراف الإيمان عبارة تحرم هؤلاء الذين يعلِّمون بأن ابن الله لم يكن منذ الأزل واحداً مع الآب، بل له ’جوهر‘ مختلف عن الذي للآب، فينكرون بذلك لب الإيمان الجامع ذاته[43].

إذن فمجمع نيقية قد عبَّر عن العقائد الرئيسية ـ التي رأى ضرورتها حسب الإنجيل ـ في قانون إيمان، تم الاعتراف به لاحقًا في الكنيسة في كل العالم، وهو القانون الذي يستبعد ببنائه الداخلي أية عقيدة بديلة (نتيجة لاستنتاجات عقلية منحرفة)، في مقابل إعلان الله الوحيد عن ذاته في يسوع المسيح، أو بمعنى آخر هو الذي يمنع أي انحراف هرطوقي عن ’الحق‘[44].

 

المجال المفتوح والمتسع للإيمان

وهناك وجه آخر لما سبق أن ذكرناه (أي غير الوجه المقيد والمحدد للإيمان)، لأنه في حين يعبِّر قانون الإيمان النيقي عما ينبغي علينا أن نعترف به ـ داخل الإطار العام لالتزام الكنيسة تجاه ’حقيقة‘ إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح ـ فإن كل هذا قد جاء مسبوقًا بكلمة “نؤمن” (πιστεύομεν)، مما يعني أن كل ما تم إقراره في هذا القانون يقع داخل دائرة ’الإيمان‘ ومرتكزًا على ’الحقيقة‘ الموضوعية لله التي تسمو تمامًا فوق كل ما يمكننا أن نفتكره أو نقوله عنها.

وتحديدًا، بما أن هذا الإيمان مستمد من إعلان الله في يسوع المسيح ومؤسس فيه ـ والذي يتطابق مع ما هو الله أزليًّا في جوهره الذاتي ـ فإن الإيمان يكون ’مفتوحًا‘ لما يمكن أن يُعرف، من خلال روح المسيح المُرسل من الآب باسم الابن، ليقودنا على الدوام إلى فهم أعمق ’للحق‘. إذن فالإيمان المسيحي في صميم طبيعته يحاول باستمرار استقصاء الأعماق السحيقة التي لا تستقصى ’للحق‘، والذي تفوق دائمًا ما يمكن أن ندركه من إعلانات هذا الحق لنا؛ غير أن الإيمان الذي يمتد بهذا الشكل إلى أبعد من ذاته بغير حدود، يتسم بالضرورة بأن له رؤية ’ذات مجال مفتوح ومتسع‘ (open range in its focus ‘σκοπός’) وهذا الإيمان لا يمكن أن يختصر دون أن يتحول إلى شيء آخر.

وقد أكد على مفهوم ’مجال الإيمان المفتوح‘ كل من القديس أثناسيوس والقديس هيلاري بالإضافة إلى القادة البارزين الآخرين من شارحي الفكر اللاهوتي النيقي. وأوضح القديس أثناسيوس أنه كان كلما تقدم إلى الأمام في سعيه لإدراك الله، كلما وجد أن معرفة الله تفوق إدراكه، ولم يستطع أن يعبِّر كتابةً عما بدا له أنه يفهمه، وما كتبه كان يقل بكثير حتى عن الظل العابر للحقيقة في ذهنه[45].

فالأمر الوحيد الثابت، وموضوع الإيمان كله، بل وهدف الكتب المقدسة أو ’الحق‘ الذي نؤمن به، كان هو يسوع المسيح ذاته، لأنه في إعلان الله الفريد عن ذاته في المسيح ومن خلال هذا الإعلان، يصبح الإيمان راسخًا في حقيقة كيان الله ذاته، وأيضًا يتوفر للإيمان ’الضابط المعياري‘ الذي يحتاجه في علاقته بما يفوق طاقة الإدراك البشري[46]. إن إيمانًا من هذا النوع هو الذي يسبق ويرشد كل بحث أو تفسير لاهوتي، لأنه يشكل الأساس المعرفي السليم الذي يعطى القوة لكل حجة صحيحة[47].

ولم يكن القديس هيلاري أقل من القديس أثناسيوس في تأكيده حقيقة أنه بالإيمان علينا أن ندرك الله بطريقة لا تحصره داخل الحدود الضيقة لما يمكننا أن نفهمه أو نعبر به عنه، بل إن هذا الإيمان عليه أن يمتد باستمرار ليكون تحت سلطان قدرة الله على إعلان ذاته[48]. إذن فالإيمان بالله ـ في صميم طبيعته ـ يتميز بنوع من ’اللانهائية‘، لأنه في حين أن الله “ككل” يفوق إدراكنا، فإن ما يسمح لنا بإدراكه عن نفسه لا ينفصل عما هو “ككل”، وبذلك فإن الإيمان يخترق الحدود الضيقة لإدراكنا، وهذا ما يفسر أنه في صميم عملية فهم ’شيء‘ عن الله، فإن الإيمان يجعلنا نعترف بالعجز عن الإدراك الكليّ لله.

وهكذا في حين يفوق الله قدرات العقل البشري بشكل لانهائي، فإنه بالرغم من ذلك يمكن أن يُعرف عن طريق حركة ’إيمان‘، حيث ينفتح العقل على لانهائية الله وسموه الذي لا يوصف[49]. وهذا يعني أنه من خلال الإيمان تكون لنا صلة بالله بطريقة تمكِّننا من أن نعرف أكثر مما نستطيع أن نعبِّر عنه بشكل واضح بالأفكار أو بالكلام، وأنه في الإيمان ومن خلال الإيمان ننشغل بالله في بحث لا يسبر غوره، لأن ’الحق‘ الذي نسعى إلى معرفته له من العمق ما لا نستطيع أن نصل إلى نهايته، وهذا ما يقلل من قدرتنا على تحديد معرفتنا له في صيغة وافية ملائمة[50].

 

الهرطقات هي التي دفعت الآباء للتعبير ـ بكلام بشري ـ عن ’الحق‘ الذي لا يُنطق به

إن المعنى المعرفي المتضمَّن في هذا المجال ’المفتوح والمتسع بلا حدود‘ للإيمان، كان واضحًا تمامًا أمام لاهوتيي نيقية، وذلك في إدراكهم أن البحث اللاهوتي يُحمل من خلال الإيمان إلى ما هو أبعد من النطاق القاصر للمنطق العادي ـ الذي يُعرف بالأشياء المرئية والملموسة في الواقع المخلوق ـ وحتى إلى ما هو أبعد من العبارات الصريحة في الكتب المقدسة، أي يُحمل إلى ’الحق‘ الإلهي الذي تشير إليه تلك العبارات بغير اعتماد على ذاتها. ولذا نجد أن مجال الإيمان ’المفتوح‘ قد ترتب عليه ظهور حالة خطيرة، حيث صار الباب وكأنه مفتوح لكل شكل من أشكال النظريات المفتقرة للوقار والتفكير السليم[51].

ولهذا السبب عينه، لم يستطع لاهوتيّو الكنيسة أن يظلوا صامتين، بل في خوف ورعدة وصلاة إلى الله، وجب عليهم أن يسعوا للتعبير ـ على قدر ما تسمح به إمكانيات اللغة البشرية الضعيفة ـ عن ’الحق‘ الإلهي الذي ترشدهم الكتب المقدسة إليه، وحتى ولو كان ذلك لمجرد مقاومة الأثر المدمر لدخول أنماط من الفكر البشري ـ التعسفي والاعتباطي ـ غير المتدين في طريقة ’معرفة‘ الله.

هذا بالتحديد كان الموقف الذي وجد آباء نيقية أنفسهم فيه عندما اضطروا لاستخدام مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (μοούσιος) من خارج الكتاب المقدس ليعطوا تعبيرًا واضحًا ولا لبس فيه عن ’الحقيقة‘ الكتابية والإنجيلية. وكان هذا الحدث الخطير في ذهن القديس هيلاري عندما قال: “نحن مضطرون بسبب أخطاء الهراطقة والمجدفين، لأن نعمل ما هو غير مُباح، وأن نتسلق المرتفعات، وأن نُعبِّر عن الأشياء التي لا يُنطق بها، وأن نتناول أمورًا محظورة.

ومع أنه ينبغي علينا أن ننفِّذ الوصايا من خلال الإيمان وحده، عابدين الآب وساجدين للابن معه وفرحين في الروح القدس، فنحن مضطرون لتوسيع قدرة لغتنا الضعيفة، للتعبير عن الحقائق التي لا تُوصف، كما أننا مجبرون بسبب تجاوزات الآخرين أن نتجاوز نحن في محاولة محفوفة بالمخاطر حين نضع في كلام بشري ما كان يجب أن يُحفظ في عقولنا برهبة مقدسة … إن عدم أمانتهم قد جرتنا إلى هذا الموقف الخطير والمريب حيث قد تعين علينا أن نضع عبارات محدَّدة تذهب أبعد مما قد وصفته السماء عن أمور سامية للغاية ومخفية في الأعماق”[52].

 

أهمية التقوى مع الإيمان

وإلى جانب الإيمان الذي أولاه الفكر اللاهوتي النيقي أهمية قصوى، كان هناك عنصر رئيس آخر ـ له نفس الأهمية التي للإيمان ومرتبط به ومتداخل معه بغير انفصال ـ يجب علينا أن نأخذه أيضًا في الاعتبار، ألا وهو ’التقوى‘ (θεοσέβεια, εσέβεια). فالإيمان في حد ذاته هو عمل من أعمال التقوى داخل العبادة والطاعة المقدمة لله بكل تواضع وخضوع. والتقوى هي العلاقة السليمة مع الله، من خلال الإيمان الذي يعطي اتجاهًا مميزًا للعقل ويُشكِّل الفكر والحياة وفقًا “لكلمة وحق الإنجيل”[53].

التقوى إذن تعتبر من المكونات الجوهرية في التقليد الحيّ للكنيسة الملتزمة بالإيمان بإعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح. والتقوى ومعرفة ’الحق‘ ينتميان كلاهما إلى البناء الإنجيلي الذي “للإيمان المسلَّم مرة للقديسين”.

إن التقوى التي من هذا النوع هي التي تُشكِّل القوة التي توجِّه كل “تعليم صحيح”، وهى التي يجب أن يُسمح لها بتوجيه فهمنا اللاهوتي خاصةً في مجال الإيمان ’المفتوح‘، حيث نكون مضطرين أن نكوِّن مفاهيم وننطق بعبارات عن ’الحق‘ تتجاوز العبارات الصريحة التي وردت في الكتب المقدسة.* لذلك وفي هذا المجال بعينه ـ حيث تحوي الكتب المقدسة سر الله الذي لا يُوصف، والذي يظل سرًّا حتى في صميم إعلانه عن ذاته ـ فإنه ينبغي علينا أن نحذر من الوقوع في الاقتحام بلا توقير وبغير ورع فيما أبقاه الله سرًّا في جوهره الأزلي الذاتي.

 

التقوى في الفكر الكنسي

والتقوى (εσέβεια) كما نجدها واضحة في الفكر اللاهوتي النيقي، كانت تشير إلى الفهم الأرثوذكسي القويم ’للحق‘ الذي في الإيمان والعبادة المسلَّمة من الرسل. ويتعين علينا أن نقتفي أثر التقوى من خلال العودة إلى الرسائل الرعوية في العهد الجديد، حيث كانت ’التقوى‘ كلمة تدل نوعًا ما إلى ما كان يُشار إليه بـ “الطريق” في سفر أعمال الرسل[54]، أي ’طريق‘ الإيمان والعبادة الذي ميَّز الذين اتبعوا المسيح الذي من أجله كان لا بد لهم أن يتألموا.

وكانت السمة المميّزة للتقوى، أنها تجسيد للإيمان أو معرفة ’لحق‘ الإنجيل، في تطابقٍ مع أسلوب الحياة والعبادة في خدمة الله بورع[55]. ومما كان له دلالة هامة، هذا التأكيد الشديد على العلاقة الثابتة (المتلازمة) والمتبادلة بين ’التقوى‘ و’الإيمان‘ و’الحق‘، أي التأكيد على “التعليم الذي هو حسب التقوى”[56]، أو على “التعليم الصحيح”[57] والذي جاء كرد فعل حاد لظهور تحريف للإنجيل على أساس خرافات وظنون عقلية[58].

فبينما اعتُبرت ’التقوى‘ كمرادف ’للإيمان‘ و’الحق‘، اعتُبر عدم التقوى مرادفاً لعدم الإيمان والضلال، وكان هذا التباين هو الذي حدد الاسلوب والنمط لصراع الكنيسة مع الهراطقة على مدى الأربعة قرون الأولى.

ومن الواضح أن ما ذكره القديس بولس الرسول من علاقة بين ’السر العظيم للتقوى‘ وبين التجسد، كان هو النص الكتابي الذي تحكَّم في فهم التقوى في الكنيسة الأولى. وكان الرسول يكتب لتيموثيئوس ليُعرِّفه كيف يجب أن يتصرف في بيت الله “الذي هو كنيسة الله الحي، عمود الحق وقاعدته. وبالإجماع عظيم هو سر التقوى εσεβείας μυστήριον) (τό τς: الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح، تراءى لملائكة، كُرز به بين الأمم، أومن به في العالم، رُفع في المجد”[59].

فمن جانب نجد في هذا النص الكتابي، أن التقوى تُعَرَّف على أنها النفاذ إلى السر الداخلي للإيمان، وإلى الحقيقة الموضوعية ’لإعلان الله لذاته‘ بالتجسد، في حين على الجانب الآخر نجد أيضًا في النص الحديث عن الكنيسة على أنها تؤيد ’الحق‘ الإلهي وتتمسك به. وإذا عبَّرنا عن هذا المعنى بطريقة عكسية فإننا نقول إن ’الحق‘ الإلهي المُعلن، هو مؤسس وراسخ في حياة البشر وفي المجتمع، بحسب ما يُكشَف ويُؤمَن به وبحسب ما يُعرَف ويُعلّم بوَاسطة الكنيسة، وذلك بأسلوب يدعو إلى التقوى ويقود إليها.

ولذلك (وبحسب هذا النص الكتابي) فإن السر العظيم الذي للتقوى والظاهر جليًّا في يسوع المسيح ونعمته الخلاصية، صار مجسَّدًا ومتضمَّنًا في الكنيسة كقرينها، وهو ما يتمشى مع ما أشار إليه القديس بولس على أنه السر العظيم من نحو المسيح وكنيسته التي هي جسده[60]. وعلى هذا فإن إعلان الله الخلاصي في يسوع المسيح، وقبول وفهم الرسل لهذا الإعلان بإيمان، قد ساهما معًا في تأسيس الكنيسة، حتى أنه ـ وحسب قصد الله ’التدبيري‘ ـ صار ’الحق‘، كما استُعلن في يسوع، في متناول أيدي الناس من خلال تعليم ووعظ الرسل الخاص بالإنجيل، وبتواصل حي لتقليدهم ’التقويّ‘ في الكنيسة عبر التاريخ.

إقرأ أيضًا: مجمع نيقية – المجامع المسكونية المقدسة

 

’وديعة الإيمان‘ المسلَّمة هي ’حياة التقوى حسب الإيمان‘ أو هي ’الحياة حسب جوهر الإيمان أو حسب الحق‘

هذا بالتأكيد ما كانت تعنيه الرسائل الرعوية بـ “وديعة الإيمان” (παραθήκη)، التي استؤمنت عليها الكنيسة لحفظها والدفاع عنها ونقلها في تقوى إلى الآخرين[61]. إن ’الإيمان‘ الذي استؤمنت عليه الكنيسة، في معناه الأَوَّلي، هو الإيمان بيسوع المسيح واستعلانه لنا وعمله الخلاصي من أجلنا، هذا العمل الذي يفسِّر نفسه ويكشف عن نفسه داخل الكنيسة.

غير أن ’الإيمان‘ في معناه الثانوي يشير إلى المضمون الإنجيلي للرسالة الرسولية والتقليد، كما هو منقول إلينا من خلال كتاب العهد الجديد ومن خلال الاشتراك في ’سر التقوى‘ في وسط الكنيسة، حيث يستمر المسيح في التعريف بذاته وفي عمله الخلاصي من خلال القوة المنيرة لروحه القدوس.

لذلك ففقط بالاعتماد على الشهادة الرسولية والتعليم الرسولي، وبالاعتماد على المعنى الثانوي الذي ذكرناه ’لوديعة الإيمان‘ (أي الحياة حسب الإيمان)، والذي يعترف ويشير دائمًا إلى يسوع المسيح كرب ومخلِّص، تمكن البشر عبر التاريخ من فهم واقتناء الجوهر (المضمون) العقيدي للإيمان، وهو ما كانت تعنيه منذ البداية كلمة ’الوديعة‘. وعلى أية حال، فإن كل هذا يحدث فقط داخل التكامل البنياني بين ’الحق‘ و’الإيمان‘ و’التقوى‘ في تقليد الكنيسة الحي بكونها جسد المسيح أو بكونها الشكل الأرضي-التاريخي لوجوده في العالم.

وإذا قمنا بمحاولة لتقدير علاقة وتأثير هذا التعليم الإنجيلي على الفكر اللاهوتي النيقي، فإن ذلك سوف يساعدنا على أن ندرك كيف استفادت الكنيسة الأولى منه في الفترة ما بين عصر الرسل ومجمع نيقية، وهو ما نراه منعكسًا على فكر كل من القديس إيرينيوس والعلاّمة أوريجينوس.

إقرأ أيضًا: لاهوت الروح القدس عند اباء ما قبل نيقية أ/ أمجد بشارة

 

وديعة الإيمان في فكر القديس إيرينيوس

لقد كان لدى القديس إيرينيوس إحساس قوي بوجود ’حق الإنجيل‘ (مجسمًا) داخل الأساس الرسولي للكنيسة، كما كان لديه أيضًا إحساس قوي بطبيعة بناء الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين والمنقول بواسطة التقليد الرسولي. وقد فهم تعبير “وديعة الإيمان” فهمًا عميقًا، فلم يكن يعتبرها مجرد مجموعة مقولات عقائدية، بل الحق الإنجيلي الموضوعي (المُعاش) الذي يعيـد للكنيسة شبابها باستمرار ـ من خلال قوة الروح القدس ـ وهكذا تتجدد روابطها بالمصدر الخلاَّق لكيانها.

كما أن وديعة الإيمان تُشكِّل أيضًا حياة الكنيسة المتواصلة ورسالتها لتكون وفقًا لصورة المسيح ابن الله المتجسِّد وطبقًا لنموذج ’الحق‘ الإلهي المجسَّد فيه[62]. ولذلك فكنيسة يسوع المسيح استلمت إيمانًا ’واحدًا وثابتًا على الدَّوام‘، لأنه مؤسس على حقيقة المسيح غير المتغيرة، وعلى إعلان الله فيه الذي أُعطي مرة واحدة وللكل[63].

إننا لا نستطيع على الإطلاق أن ندرك الله أو نصفه، لأن عظمته الفائقة وجلاله السامي يفوقان ـ بما لا يُقاس ـ قدرة البشر على معرفته ووصفه كما هو في طبيعته الذاتية. غير أن الله ـ بغير انتهاك لسر جوهره الذاتي ـ قد اختار أن يجعل نفسه معروفًا لنا، وذلك من خلال حركة حب وتنازل فائق اقترب بها إلينا من خلال ظهوره في الجسد في المسيح يسوع، وهكذا جعل نفسه في نطاق المعرفة البشرية[64].

وبهذا المعنى فإن يسوع المسيح يُمثِّل الطريق الموصل بين الله والإنسان، بين غير المرئي والمرئي، بين غير المُدرَك والمُدرَك، بين غير المحدود والمحدود. إذن ففي يسوع المسيح ومن خلال الاتحاد و’الشركة‘ معه في الحب، فإننا نستطيع أن نعرف الله بطريقة راسخة ومؤكدة، لأن هذه المعرفة تكون مثبتة ومستقرة في حقيقة الله الأزلي[65].

ولم يكن هذا الأمر ممكنًا بدون الدور الذي يقوم به روح الله، حيث في الرب يسوع المسيح ومن خلاله، ’عوَّد‘ الله روحه القدوس أن يسكن في الطبيعة البشرية، وفي نفس الوقت هيأ الطبيعة البشرية لقبول الروح القدس، ومن خلال عطية الروح القدس نستطيع أن نشارك في علاقة المعرفة المتبادلة بين الآب والابن وبالتالي نشارك في معرفة الله وفقًا لما هو في ذاته[66].

وفي الشركة مع الله بالمسيح في الروح القدس، كما فهمها القديس إيرينيوس ـ والتي صارت بالمصالحة وشفاء بشريتنا بواسطة اتحاده بجسدنا ـ تأخذ الكنيسة بالضرورة دورًا هامًّا في تحقيقها، لأن الكنيسة هي التي ائتمنها الله على وديعة الإيمان، وقد أعطى روحه القدوس للكنيسة، وفي الكنيسة منحنا الله خدمة الإنجيل وجميع الوسائط الأخرى التي يعمل الروح من خلالها.

ولذلك استطاع القديس إيرينيوس أن يقول “حيثما توجد الكنيسة فهناك يوجد روح الله، وحيثما يوجد روح الله فهناك توجد الكنيسة وتوجد كل نعمة: لأن الروح هو الحق”[67]. وبينما أشار القديس إيرينيوس إلى الكنيسة على أنها مكان المعرفة الراسخة ’للحق‘، إلاّ أنه كان يؤكد على أن إعلان الله عن ذاتـه بواسطـة المسيـح وفي الـروح القـدس هـو المصـدر الحقيقي لمعرفتنــا ’للحــق‘[68].

وجاء تأكيده القــاطع هـذا واضحًا، عندما ـ وبالإشارة إلى كلمة القديس بولس عن الكنيسة بكونها “عمـود الحق وقاعدتـه”[69] ـ تكلَّم بقصد عن “الإنجيل وروح الحياة” على أنه “عمود الكنيسة وقاعدتها”: (στύλος δέ κα στήριγμα κκλησίας, τ εγγέλιον κα πνεμα ζως)[70].

ومن ناحية أخرى، كان إيرينيوس يعتقد أنه فقط في إطار الإيمان الذي استؤمنت عليه الكنيسة والمتضمَّن في التقليد الرسولي، يمكن ’للكلمة‘ الخاصة بالإعلان الإلهي في الكتب المقدسة، أن تُفسَّر بأمانة بدون انحراف أو تجاوزات متجاسرة أو عديمة التقوى، وحينئذٍ يمكن للمسيح ذاته ـ الكنز المخفي في هذه الكتب ـ أن يُعرف معرفة حقيقية[71].

إن معرفة ’الحق‘ الإلهي أو ’الحق‘ الإنجيلي بالنسبة للقديس إيرينيوس لا تُعطى بشكل مجرد أو بشكل منفصل، ولكن تُعطى بشكل واقعي ملموس في داخل الكنيسة، حيث إن هذا ’الحق‘ يجب أن يُفهم داخل إطار الإيمان المُسلَّم للكنيسة من خلال تعليم الرسل، وبالتالي يجب أن يُفهم فقط في الوحدة والعلاقة غير المنفصلة مع الإيمان والعبادة وحياة التقوى لكل من هم متَّحدون (متضمَّنون) في المسيح كأعضاء في جسده.

وقد اعتبر القديس إيرينيوس ’الحق‘ المعلن في الكتب المقدسة على أنه تركيب عضوي أسماه “جسم الحق”، والذي تتمايز في داخله حقائق ومعتقدات متنوعة (كأعضاء هذا الجسم)، ولكنها تكوِّن ’كلاًّ متماسكًا‘ (أي وحدة كاملة متماسكة) ولا يمكن لإحدى هذه الحقائق والمعتقدات أن تنفصل عن هذا الكل، بالضبط كما أنه لا يمكن لأطراف الجسد الحي أن تنفصل عن الجسد دون أن تسبب تدميرًا وتمزيقًا لوحدة هذا الجسد[72].

وبالرغم من ذلك فان المهمة الأساسية التي كلَّف القديس إيرينيوس نفسه بها، كانت إظهار وكشف النظام المتضمَّن في داخل ’وديعة الإيمان‘ وتوضيح الترتيب الداخلي لـ “جسم الحق والتوافق المتناغم بين أعضائه”، وذلك بما يتفق مع ’قانون الحق‘ المسلَّم بالتقليد في المعمودية[73]، ليكون كل هذا مرشداً في تفسير الكتب المقدسة. ومن ثم يكون إيرينيوس قد قدَّم عرضًا واضحًا للكرازة الرسولية (kerygma) في مواجهة انحراف وضلال الهراطقة[74].*

وفي هذا الصدد، كان عمل القديس إيرينيوس يعكس بوضوح نشاط الكنيسة العام في القرنين الثاني والثالث في محاولتها لتوضيح المضمون العقيدي للإيمان في ضوء نظامها الخاص القائم على أسس موضوعية، حيث إنه في سياق هذه المحاولة ظهرت صيَغ محددة للإيمان وهي التي أخذت ـ في وضعها النهائي ـ شكل قوانين الإيمان الأولى[75].

ومن الطريقة التي تناول بها القديس إيرينيوس نفسه هذه الصيغ القانونية الأولية للإيمان، يتضح أنها لم تكن افتراضات عقائدية مرتبطة معًا من خلال نظام ’منطقي استنتاجي‘ للتفكير، بل كانت تأكيدات إيمانية منظومة معًا بصورة فائقة لذاتها، بفضل أساسها المشترك في وديعة الإيمان الرسولي، وبالأحرى بفضل إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح، ’الحق‘ الإلهي الواحد المتجسِّد والذي تنبع منه كل الحقائق الإنجيلية. وبالتالي فإن هذه الصيغ القانونية للإيمان لم يكن الحق الذي فيها نابع منها، بل من ذلك ’الحق‘ الأعلى الذي تشير هي إليه والذي فيه أيضًا تنحصر.

وبينما تحدث القديس إيرينيوس عن تلك الصيغ (القانونية) على أنها مرتبطة بـ “قانون الحق”، إلاّ أنه أوضح أن قانون الحق الفعلي أو المركز الذي يمكن الرجوع إليه هو ’الحق‘ ذاته[76]. وكان يُنظر إلى هذه التأكيدات (الصيغ) الإيمانية، على أنها تملك قوة ضابطة في ذاتها بقدر صحة انتمائها لذلك ’الحق‘ وبقدر خضوعها لسلطانه الأسمى؛ إذ إن كل معرفتنا عن الله (theology) هي فقط “معرفة جزئية” لأن هناك الكثير الذي يخص الله لا بد أن ندعه له بخشوع، بل إن مجرد التفكير في اقتحامه يعتبر من عدم التقوى[77].

وتكمن أهمية هذه الصيغ ليس في ’نوع الكلمات الصحيحة‘ المستخدمة فيها، بل في إسهامها في إخضاع ذهن الكنيسة لما يستوجبه الحق الإلهي، وفى إرشادها للكنيسة في رسالتها لحماية “الإيمان الرسولي والإنجيلي”، والدفاع عن هذا الإيمان الذي ائتُمنت عليه، لتسلِّمه للآخرين وفقًا “لسر التقوى”.

إقرأ أيضًا: المعمودية علي إسم الثالوث القدوس قبل مجمع نيقية

 

معرفة الحق والتقوى في فكر أوريجينوس

هذا العرض لما أسهم به القديس إيرينيوس، في كشف البعد اللاهوتي لـ ’اعتراف الإيمان‘ الخاص بالكنيسة، يحتاج إلى تكملته بعرض آخر لبعضٍ من مساهمة أوريجينوس الواسعة النطاق في الفهم اللاهوتي والكتابي، والذي كان له أثره البالغ على الكنيسة وحتى مجمع نيقية.

لقد كان أوريجينوس عالِمًا فذًا ودارسًا إنجيليًّا لا يُضاهى في الكنيسة الأولى، ولكنه كان لاهوتيًّا صاحب فكر مُفرط في التأمل ـ رغم إخلاصه ـ ويشعر بضرورة نقل فكره إلى ما هو أبعد من المضمون الحرفي للأقوال الإنجيلية، أي إلى الحقائق الإلهية التي تدل عليها هذه الأقوال.

ورغم أنه كان يشارك القديس إيرينيوس الرأي بأن المرجع الذي يمكن الاستناد إليه في معرفتنا لله هو في النهاية ’الحق‘ ذاته ـ كما هو معلن في يسوع المسيح، وليس في أية صيَغٍ بشرية لمعرفتنا نحن ’للحق‘[78] ـ إلاّ أنه وبخلاف القديس إيرينيوس عمل من خلال إطار ثنائي للفكر، وهو الفصل الأفلاطوني بين عالم الحسيّات (الأشياء المحسوسة) κόσμος) (ασθητς وعالم المدرَكات (الأشياء التي تُدرك بالعقل) κόσμος) (νοητς [79]، وكان لهذا المنهج الثنائي في التفكير، تداعيات بعيدة المدى لدى أوريجينوس إلى درجة قوله بأن: “الأشياء غير المرئية وغير المادية في السماء هي حقيقية، أما الأشياء المرئية والمادية على الأرض فهي نسخ من تلك الأشياء الحقيقية وليست هي حقيقية بذاتها”[80].

وقد أثرت وجهة النظر هذه بشدة في فهمه للكتب المقدسة، فرأى أنها وسائط وفرتها العناية الإلهية داخل عالم الحسيّات، والتي بواسطتها يُهيئ ’اللوغوس‘ الإلهي اتصاله بالضعف البشرى ويغلف أسرار الإعلان الإلهي في صورة أشكال وأرقام يسهل فهمها، وهذا فقط حتى يمكنه ـ من خلالها (الكتب المقدسة) ـ أن يرفع العقول المؤمنة إلى مستوى أعلى حيث تستطيع فهم الحقائق الروحية أو الإلهية في العالم العقلاني (عالم الأمور الحقائق) البعيد عنهم[81].

ولقد اعتقد أوريجينوس أن المصطلحات البشرية الموجودة في الوحي الإلهي في الكتاب المقدس، تحكمها طبيعة (φύσει) ’الحقائق‘ التي تدل عليها هذه المصطلحات، وأنها ليست مجرد متصلة بها فقط بصورة تقليدية (θέσει). ومن هنا فإن هذه المصطلحات ينبغي أن تُفهم من خلال القبول الإيماني لما تفرضه (καταληπτικός) تلك ’الحقائق‘ على عقل المفسِّر، مما يعني أنه لا بد له من أن ينهمك في بحث دقيق للتأكد من أن هذا القبول الإيماني (لمعاني المصطلحات) يتفق بالفعل مع الحقيقة[82].

هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى فقد أصرَّ أوريجينوس على أن التفسير الروحي للكتب المقدسة طبقًا للطبيعة الروحية لهذه ’الحقائق‘، لا بد وأن يَعبر في الفكر من مستوى أدنى للمعنى ’المادي‘ أو الحرفي إلى مستوى أعلى للمعنى ’الروحي‘ أو السري حيث تشرق الحقيقة بنورها العقلاني والشاهد لذاته[83]. إلاّ أن هذا (العبور) يحتاج إلى قدر كبير من التدريب الروحي للعقل علي البصيرة اللاهوتية (θεωρία) ونوع من الحس الإلهي (θεία ασθησις) يتناسب مع معرفة الله[84].

هذا الجمع بين البحث الدقيق والتدريب الروحي كان سمة مميزة جدًّا لأوريجينوس، رغم علمه بالمخاطر التي ينطوي عليها هذا الاتجاه، والذي قاده للفصل بين الإنجيل “الجسدي ـ الحسي” وبين الإنجيل “الروحي ـ الفكري”، أو بين ما يُسمى بالإنجيل “الزمني” وما يُسمى بالإنجيل “الأبدي”, والذي اعتقد أوريجينوس أنه يوازي الفرق بين مجيء المخلِّص في حالة ’التواضع‘ عندما أخذ شكل العبد من أجلنا، وبين مجيء المسيح في المجد في المستقبل عندما ستفسح ظلال “الإنجيل الزمني” المجال للحقائق المطلقة التي “للإنجيل الأبدي”[85].

وينتج عن هذا، اعتبار المسيح الذي جاء في التاريخ على أنه هيئة مشروطة بفترة زمنية محددة، والذي فيها ينتقل ’الحق‘ الأبدي إلى المخلوقات الساقطة، ولكن بمجرد أن تتم معرفة هذا ’الحق‘ الأبدي، فإن ذلك الوسيط ’التاريخي‘ سوف يكون وجوده نسبيًّا[86]. وكان هذا هو السبب وراء تأكيد أوريجينوس على أهمية ’التفسير المجازي‘ وعلى غرس ’الإحساس‘ الروحي نحو الله، والذي قد يساعد المؤمن على اختراق قشور وظلال الإعلان ’التاريخي ـ الزمني‘ والوصول إلى حقائق الله الأبدية ’غير المرئية‘ والتي يمكن فهمها فقط بأسلوب بسيط ومباشر ولا يمكن التعبير عنها بكلمات بشرية[87].

هذا الامتداد التأملي للعقل الروحي، إلى ما وراء مجال المعرفة ـ الذي يخضع لمعايير الحقيقة التي عملت بها العلوم والفلسفة اليونانية[88] ـ كان بدون شك أمرًا خطيرًا، ولكن بالرغم من ذلك كان أوريجينوس منبهرًا به وبالأخص لأنه ارتبط برجال الله في العهد القديم مثل ملكي صادق رائد العبادة السماوية، أو موسى الذي تكلم مع الله وجهًا لوجه، أو حين ارتبط باختبار التلاميذ على جبل التجلي أو ما كتبه القديس بولس عن اختباراته المجيدة، والتي تشير جميعها إلى نوع من الرؤية السامية لله والتي من الممكن أن تكون مفتوحة أمام “البصيرة الصوفية التي تفوق التعبير”[89].

وثمة جانب آخر لاسلوب أوريجينوس ضمن لفكره اللاهوتي (θεολογεν) الحماية ضد التحول للفكر الأسطوري الخيالي (μυθολογεν)، كما وفَّر إطارًا معياريًّا للإيمان والعبادة يساعد على جعل ’معرفة الله‘ كمركز للحياة وللتقليد الحي الذي “للكنيسة العظيمة”، وهذا (الجانب الآخر) هو الذي كان يفرض على أوريجينوس أن يعمل بالأسلوب الذي فيه يؤثر ’البحث الدقيق‘ و’التدريب على التقوى‘ كل منهما على الآخر.

وطبقًا لمفهوم ’المعرفة العلمية‘ (πιστήμη) الذي قد ساد طويلاً في الإسكندرية، وهو أن المعرفة الصحيحة هي التي تكون وفقًا لطبيعة (κατά φύσιν) الشيء الذي تجري معرفته، فقد ركز أوريجينوس على تطوير طريقة لمعرفة الله تكون متمشية تمامًا مع طبيعة الله كما قد أعلنها لنا بنفسه، أي طريقة تتسم بالتقوى؛ فقد هيأ نفسه لتنمية التقوى الشخصية بالاعتماد على نعمة المسيح وقوة روحه القدوس، حتى يستطيع أن يعوِّد العقل على التقوى التي تلائم معرفة الله.

إذن فإن “معرفة الله” والتي في معناها الدقيق هي ’معرفة الثالوث القدوس‘، و “التقوى الإلهية التي تُحدد بواسطة يسوع المسيح ابن الله المتجسِّد، قد اعتبر أوريجينوس أن كلاًّ منهما متوقف على الآخر، وذلك في مجال (عملية) تعميق البحث اللاهوتي[90]. فكلما عُرف الله بحق وفقًا لطبيعته، زاد مستوى التقوى؛ وكلما زاد مستوى التقوى، زادت إمكانية معرفتنا لله بصورة تقوية تليق بطبيعة الله[91]. وعمومًا فإن “الهدف هو أن نقترب من ’الحق‘ على قدر المستطاع وأن نشكِّل إيماننا طبقًا لقاعدة التقوى”[92]. وهكذا صارت ’التقوى‘ و ’قانون الحق‘ متكافئين عمليًّا.

ولقد كان أوريجينوس يفكر ويعمل في إطار احترامه البالغ للكتب المقدسة وإخلاصه ’الكهنوتي‘ لكلمة الله وحق الله اللذين تنقلاهما لنا هذه الكتب[93]، والتي رأى أوريجينوس أنها يجب أن تُبحث على أنها من نتاج وحي الروح القدس، كما يجب أن تُفسَّر وفقًا “لسمتها الإلهية” بطريقة ورعة ووقور إدراكًا منا أن لها من عمق المعنى ما يفوق إدراك البشر مما لا يدع مجالاً للفهم المتسرع[94].

فالكتب المقدسة في صميم طبيعتها تستلزم الدراسة العميقة والتأمل والصلاة والجهد الشاق[95]، وهذا هو بالضبط ما أظهره أوريجينوس نفسه في إنتاجه الضخم من التفاسير الإنجيلية، التي تشهد شهادة رائعة على معالجته للنص بضمير حي في كل تفاصيله اللغوية والنحوية الدقيقة، كما تشهد أيضًا على بحثه الدؤوب لتوضيح الملابسات والخلفيات التاريخية التي قد تؤثر على المعنى، ولكنه سعى أيضًا لتوضيح مدى تأثير الإعلان الإلهي الكتابي بأكمله وكل تقليد الإيمان والفهم المسيحي في الكنيسة، مدى تأثير كل هذا على كل سفر وكل فقرة في الكتاب، وبذلك يمكن أن تُفهم الكتب المقدسة ـ بقدر المستطاع ـ خارجًا عن نفسها في ضوء القصد الإلهي الذي احتوته هي وأظهرته في ترابطها وتواصلها الداخلي[96].

وبما أن الكتب المقدسة هي نتيجة وحي الروح القدس بإرادة من الآب وبواسطة يسوع المسيح*، وبما أن ’كلمة‘ الله الذي يتكلم في كل الكتب المقدسة قد تجسَّد في شخص يسوع المسيح، لذلك فإن يسوع المسيح ذاته هو الذي يشكِّل المحور الحاكم لكافة التفسيرات الصحيحة للكتاب المقدس.

وقد ذهب أوريجينوس إلى القول بأن تفسير الكتاب المقدس، وحتى الأناجيل، بهذه الطريقة ـ أي من خلال وجود وحضور “فكر المسيح” ـ يعني الحفاظ على “قانون كنيسة يسوع المسيح السماوية متمشيًا مع التعاقب الرسولي”[97]، فيسوع المسيح هو نفسه الذي أعطى للمسيحيين تعريفًا للتقوى الحقيقية[98] لأنه هو نفسه “سر التقوى العظيم الظاهر في الجسد” والذي في نفسه ومن خلال نفسه حقَّق التلاقي بين تنازل الله الكريم إلينا واقترابنا نحن إلى الله، أي بين كُلٍّ من إعلان الله عن ذاته لنا ومعرفتنا نحن لله وعبادتنا له[99].

إذن ففي كل بحث عن ’الحق‘ ينبغي علينا أن نجاهد أكثر وأكثر لكي نحافظ بكل الطرق على موقف التقوى نحو الله ومسيحه[100]. ولكي نكون أمناء “لفكر المسيح” في كل تفسيرنا للكتب المقدسة “فإننا لا بد أن نحافظ على قانون التقوى”[101].

ومن المهم جدًا أن نلاحظ أنه بالنسبة لأوريجينوس، كانت ’التقوى‘ تُعرَّف وتتحدد ليس فقط بكونها ’بحسب يسوع المسيح‘ (κατ Іησον Хριστόν) بل أنها ’من خلال يسوع المسيح نفسه‘ (δι Іησο Хριστ)، من جهة علاقته الفريدة بالآب كابن الله وأيضًا من جهة علاقته الفريدة بنا كرئيس كهنتنا الذي فيه ومن خلاله نعبد الآب[102].

وإذ هو بذبيحته يشفينا، ويطهرنا بقدرته الإلهية الذاتية، لذلك نحن نعبده كما نعبد الآب، لأنه هو والآب واحد. ولكن لأنه هو أيضًا في نفس الوقت واحد معنا كما هو واحد مع الآب، فنحن نصلي له “كوسيط لنا وكرئيس كهنة وكشفيع” طالبين منه أن يقدِّم رغباتنا وتوسلاتنا وتشفعاتنا التي نرفعها إليه إلى الآب، وهكذا فإننا نعبد الآب ونحن في اتحاد به ومن خلاله. وكابن الله المتجسِّد وكرئيس كهنة، فإن يسوع المسيح قد عرَّف الجنس البشري الطريقة النقية لعبادة الله ـ وهذه هي التقوى الحقيقية التي بها يثبت إيماننا وفهمنا في الله[103].

ومما لا شك فيه أن ما كتبه أوريجينوس عن عبادة الآب التي مركزها المسيح والتي يتوسط فيها المسيح، إنما يعكس الفكر السائد للكنيسة في إيمانها القائم على التقليد الحي، وفي خدمتها لأجل خلاص الجنس البشري: حيث كان الانبهار المصحوب بالتوقير في معرفة الله، والشكر والتسبيح لأجل أعمال الله الخلاصية في تجسد يسوع المسيح وموته وقيامته، وأيضًا التقوى في القول والفعل، كل هذه مُضفَّرة معًا وملتحمة بغير انفصال في عبادة الكنيسة كما يتضح ذلك في ليتورجية المعمودية والإفخارستيا[104].

وكان تقديس اسم الله، والتفكير فيه والتكلم عنه بصورة لائقة، وكذلك التوقير العميق لكشف الله لذاته كآب وابن وروح قدس هذه كلها كانت من العلامات الجوهرية ’للفكر المسيحي‘ ـ بل وكما اعتقد أوريجينوس ـ ’للفكر الكنسي‘، وذلك نتيجة البصمة التي تركها الرسل عليه. لذلك فعندما شرع أوريجينوس في إعداد وطبع مؤلف عن المبادئ الأساسية للإيمان، بقصد زيادة الترتيب والتناغم في فهم العقيدة المسيحية، وضع أولاً ’خطًّا محددًا وقاعدة واضحة‘، وهى أن شرح الإيمان ينبغي أن يبقى داخل حدود تعليم الكنيسة المتفق عليه بالإجماع كما تسلَّمته من الرسل، وذلك في ضوء العقائد التي اعتبرها الرسل ضرورية للغاية.

ولكن بالنظر لاحتمال حدوث الخطأ والاختلاف في الرأي فيما بعد، شعر أوريجينوس أنه يتعين عليه المزيد من البحث في “دوافع وخلفيات الأقوال التي وعظ بها الرسل عن الإيمان بالمسيح” أملاً في تأسيس القاعدة الأولية للإيمان المسيحي، ومن ثم يحدد الارتباطات المنطقية ’للحق‘ المعلَّن، وذلك لبناء كيان متماسك وثابت للعقيدة المسيحية[105].

وفي خلال مشروعه هذا والذي كان الأول من نوعه، سعى أوريجينوس لإدراك ’الحق‘ الإلهي بكل ما أوتي به من إخلاص، وكان يحرص خاصةً بالنسبة “للنقاط الأكثر صعوبة” على أن يسترشد بقانون التقوى، أي قاعدة البر. وكان يسمح فقط باستخدام المفاهيم اللاهوتية التي يشعر أنها تليق بالله والمصوغة طبقًا لما يتطلبه ويحتِّمه كيان الله وطبيعته الفائقة الإدراك.

ونتيجة لشدة افتراضاته الفلسفية المسبقة، والتي لم يخضعها بصورة كافية للنقد ـ وعلى الرغم من التزامه بما أعلنه الكتاب المقدس ـ فإن فكر أوريجينوس التأملي تجاوز قاعدة التقوى في عدد من النقاط الحاسمة، مما أدى إلى اصطدام تعليمه مع فكر الكنيسة الجامعة. ومع ذلك فإن أوريجينوس، بجمعه بين البحث العلمي لأسس الإيمان الموضوعية والإصرار على مراعاة مبدأ التقوى(εσέβεια / θεοσέβεια) في معرفة الثالوث القدوس، كان له تأثير بالغ على اللاهوتيين في نيقية وما بعد نيقية، حيث أصبح المبدأ الفعَّال فيما بينهم هو ما عُرف فيما بعد بقانون التقوى-قانون الإيمان (lex orandi – lex credendi)[106].

إقرأ أيضًا: هل أسس مجمع نيقية قانونية أسفار الكتاب المقدس؟ ترجمة: زاهي جندي

 

دور التقوى في حفظ الإيمان

وعبر تاريخ الكنيسة، قُدِّمت مرارًا وتكرارًا أفكار عن الله ناتجة عن تجاسر وعدم توقير، وقد رفضتها الكنيسة بصورة بديهية بسبب احترامها العميق لسر الله وجلاله، هذا الاحترام العميق الذي كان قد تأسس ونما داخل نسيج الإيمان بواسطة الصلاة والعبادة. وكان هذا هو بالضبط ما حدث بسبب الهرطقة الأريوسية في فترة حرجة من تاريخ الكنيسة، حيث شككت هذه الهرطقة في وحدانية الثالوث القدوس بإصرارها على أن الابن مخلوق، وبالتالي فصله عن جوهر الآب وإدخال نوع من التضارب في الألوهية.

وكان رد فعل الأساقفة بنيقية هو الفزع الشديد لتلك الإهانة التي إنما تنم عن ’عدم التقوى‘ و’عدم الورع‘ (ασέβεια) الأريوسي، وهذا قد جعلهم يقدمون ضد تلك البدعة “مجادلات تتسم بالتقوى” (πόδειις εσεβείας)[107].

وقد أخبر القديس أثناسيوس أساقفة مصر بأنه عندما كان يدوِّن تعبيرات الأريوسيين المنحرفة والعديمة التقوى، كان يتعين عليه أن يطهر نفسه بالتفكير في عكس هذا الاتجاه تمامًا، وأن يتمسك “بذهن التقوى” (τν τς εσεβείας διάνοιαν)[108].

وبالإشارة إلى حقيقة أن مجمع نيقية اضطر إلى استخدام التعبير غير الكتابي (أي الذي لم يرد في الكتاب المقدس) “هوموأووسيوس” (μοούσιος) لشرح ما كان يعنيه الكتاب المقدس في حديثه عن المسيح (بكونه كابن) “لـ الله” أو “من الله”، أوضح القديس أثناسيوس أنه لا يهم إذا استخدم المرء أو لم يستخدم تعبيرًا غير كتابي طالما أن له “ذهن تقوّي” (εσεβ τν διάνοιαν)، كما أوضح القديس أثناسيوس أيضاً حقيقة أن الآباء بنيقية كانوا بعيدين كل البعد عن التحدث عن المسيح بدون توقير، فهم تحدثوا عنه بوقار “وبذهن متسامٍ وتقوى تنم عن محبة للمسيح” (υψηλ διάνοια κα φιλόχριστος εσέβεια). [109]

وفي فترة لاحقة، عندما تجاسر بعض رجال الكنيسة من دعاة الأريوسية على القول بأن الروح القدس مخلوق، وتجرأوا على إخضاع العلاقات الداخلية للثالوث القدوس ـ حيث “يبسط الشاروبيم أجنحتهم للتغطية” ـ للفحص الوقح، قدَّم القديس أثناسيوس حججًا مضادة بنفس أسلوب نيقية (الورع)، وكان يفعل هذا بروح التقوى المتمركزة حول المسيح. فالتعليم الذي سبق أن سُلِّم يجب أن يُقبَل بخبر الإيمان، ويجب أن يُشرَح “بنمط فكري يتسم بالتقوى” (εσέβε λογισμ μετ ̉ ελαβείας)[110] وليس بمجادلات لغوية تفتقر للوقار.

وكان القديس أثناسيوس يصرُّ دائمًا على أن إطاعة الإيمان تؤدي إلى أسلوب شرعي في التفكير والتحدث عن الله، وذلك بفضل الاتزان الداخلي الذي يتولد نتيجة عبادة الله. ففي كل محاولة للفهم وإعطاء تعبير عن أسرار الإيمان، يكون المطلوب هو انضباط خشوعي وترتيب للعقل وصل إلى حالة الانسجام “بواسطة صلاة دائمة لله، ومعرفة تتسم بالتقوى، وتضرعات مقدمة ليس بشكل عرضي ولكن بتسليم كامل للقلب”.

هكذا يمكن أن يكون الدخول إلى الله، والذي فيه الإيمان والتقوى كل منهما يحكم الآخر في معرفتنا لله “لأن (كلمتي) الإيمان والتقوى مرتبطتان، وهما أختان: فمن يؤمن بالله لا ينفصل عن التقوى، ومَن يملك التقوى فهو حقًّا يؤمن”[111].

وقد لعب نفس مبدأ (lex orandi – lex credendi) أي ’قانون التقوى ـ قانون الإيمان‘ دورًا هامًّا في فكر القديس هيلاري، وكما قد رأينا فإن القديس هيلاري كانت تزعجه بالأكثر الطريقة التي استغل بها الهراطقة ’المجال المفتوح‘ للإيمان لإقحام أفكارهم الخاصة الوقحة في معرفة الله، كما أقلقه أيضًا ـ في الرد على الهراطقة ـ الحاجة إلى فكر لاهوتي مستقيم (أرثوذكسي)، لصياغة اعترافات محددة ـ أبعد من تصريحات الكتاب المقدس ـ عن أمور هي في الأساس تفوق الوصف.

واعتقد القديس هيلاري أنه في هذه الظروف، ينبغي علينا أن نعتمد على ذلك النوع من الإدراك والفهم لله، المتضمَّن في الإيمان الذي يزداد بالعبادة، كما نعتمد على تلك العبادة التي يدخلنا فيها الله بنفسه؛ إذ إننا قد أُعطينا قدومًا إلى الآب من خلال الابن[112]. فإننا مهما حاولنا تطويع لغتنا لتعرب عن عظمة الله، فهي تبقى قاصرة بصورة لا حد لها في التعبير عن ’ماهية الله‘ في كيانه وطبيعته السرمدية. ولكن رغم هذا فإن لغتنا يمكن توجيهها والتحكم فيها من جانبنا بواسطة أعمال العبادة الرئيسية التي يطلبها الله منا، من خلال إعلانه عن ذاته في الإنجيل.

وهكذا فإن القديس هيلاري عمل بمفهوم للإيمان مؤسس على التقوى الإنجيلية، وبمفهوم للتقوى التي تتسع بالإيمان بحقيقة الله التي لا تستنفذ. وفي هذا يقول القديس هيلاري: “ينبغي علينا أن نصدِّقه وندركه ونعبده وأن نسمح لأعمال العبادة هذه أن تكون الطرق الأساسية التي نتحدث بها عن الله”[113].

وبهذا الأسلوب لم يكن القديس هيلاري يعني أن نرتد في ذعر أمام جلال الله الفائق الإدراك، ونتراجع تمامًا إلى التوقير القلبي الصامت (فقط)، ولكن بالأحرى كان يعني أننا يجب أن نفكر في الله، فقط بالطريقة التي بها ندرك أنه يفوق بصورة لا نهائية إمكانيات الفكر والكلام البشرى؛ إذ يجب أن نجعل عبادتنا لله من خلال الابن ـ والذي فيه ينكشف سر الآب غير المدرك ـ هي التي تحكم كل ما نعترف به في الإيمان أو ما نعبِّر عنه في صياغات لاهوتية[114].

لأن الفكر اللاهوتي، كما سعى فيه القديس هيلاري نفسه، لا بد أن يمتزج ويتشابك مع الصلاة بصفة دائمة، حتى إنه في كل محاولاتنا للتعبير عن إيماننا واعترافنا بإله واحد الآب، ورب واحد يسوع المسيح ـ حسب ما قد تعلمناه بالأنبياء والرسل ـ فإن الله سوف يهبنا ما نريده من معنى في اللغة، ونور في الفهم، ووقار في التعبير والعرض، وإخلاص وأمانة للحق[115].

إقرأ أيضًا: الثالوث المسيحي – لماذا لا يفهمه المسلمون؟ فيديو والرد عليه – أحمد سبيع

 

كيف تشكَّلت البصيرة اللاهوتية في الكنيسة في القرن الرابع؟

في كل ما سبق، كنا نفحص بعمق في الطريقة التي يجب بها البحث في جذور قانون الإيمان النيقي، في محاولة للعودة إلى ما كانت عليه الأمور عند التأسيس الرسولي للكنيسة، حين صار الإيمان الخلاصي بالله الآب والابن والروح القدس مصوغًا (مجسمًا) فيها مرة وإلى الأبد. وأيضًا كنا نبحث في الطريقة التي بدأ فيها هذا الإيمان يكشف عن محتواه اللاهوتي وهو في طريقه للوصول إلى قانون نيقية، مسترشدًا بالأساس الإنجيلي للتقليد الرسولي العامل في حياة الكنيسة الجامعة في القرون الأولى ـ وفي رسالتها وعبادتها ـ حيث اتضح هذا الأساس في طريقة تفسير الكنيسة للكتب المقدسة وفي طريقة تعبيرها عن التعليم المسيحي.

ولقد وجدنا في هذه القرون تقليدًا متواصلاً يتميز بكون الإيمان والتقوى والفهم والعبادة مضفَّرة معًا بعمق، تحت التأثير الخلاَّق للقناعات الإنجيلية التي انطبعت في ذهن الكنيسة، في التزامها بإعلان الله عن ذاته بواسطة الابن المتجسِّد وفي الروح القدس. وهذه القناعات المصحوبة بتنسيق وترتيب للعقل مركزه المسيح، ظلت تتولد وتُغذَّى معًا داخل الحياة والشركة المتنامية للكنيسة من خلال التأمل المنتظم في الكتب المقدسة والمشاركة في العبادة الليتورجية.

وهذا هو الذي كوَّن القالب الذي تشكَّلت داخله البصيرة اللاهوتية والرأي الذي يتصف بالتقوى، واللذان ساهما في تحديد صياغة أكثر رسمية للمعتقدات في داخل حدود ما طالب به المسيح الكنيسة من طاعة وخدمة.

ومن هنا برز إطار فهم عام للحياة والتقوى، وإطار خاص تحددت فيه المعتقدات التي نشأت من المعمودية المقدسة ومن خلالها، و”المتضمَّن فيها كل جوهر الإيمان بالثالوث” على حد تعبير القديس أثناسيوس[116]. وفي إطار هذا الفهم وعمله المعياري، ومع الرجوع المستمر للإعلان الإلهي في الكتب المقدسة، فإن فهم الكنيسة وصياغتها ’للحق‘ الإنجيلي أخذ يتسع ويتعمق.

ولذلك حدث في الكنيسة الجامعة في فترة ما قبل نيقية، تعمق متزايد داخل بناء مفاهيم الإيمان المسيحي، والذي بالرغم من أنه أخذ يتزايد في الفهم والدقة إلاّ أنه كان لا يزال في نطاق ’المقدمات‘ لمعتقدات الكنيسة النهائية المتضمنة في وديعة الإيمان الرسولي.

إقرأ أيضًا: دفاع عن قانون ايمان مجمع نيقية بقلم اثناسيوس الرسولي

 

تطابق ’العقيدة الداخلية‘ و’العقيدة المعلَنة‘ في مجمع نيقية

ومن الجدير بالذكر أنه عندما بدأت تظهر صياغات صريحة للعقيدة نابعة من ’كيان متكامل‘ للإيمان الرسولي، فإنها عادة ما كانت تحتوي على ’عبارات عن “الكنيسة”‘، وهو ما نجده قد ترسَّخ نهائيًّا في الصورة الناضجة لـ “قانون الرسل” و”قانون نيقية”[117]، وهذا يعبِّر عن حقيقة أنه عندما تبلورت القوانين الرسمية، فإنها ظلت مرتبطة بالتركيب الضمني الداخلي للإيمان و’المجسم‘ في الأساس الرسولي للكنيسة، وبالتالي كانت هذه القوانين ستصبح معيبة للغاية لو أنها جُردت من هذا الارتباط.

وهكذا فإن التكامل العميق بين العقيدة الداخلية (الحياة التقوية الداخلية التي بحسب جوهر الإيمان) والعقيدة الصريحة المعلنة (الصياغة المحددة للإيمان) لم يكن منسيًّا أبدًا، بل أن هذا التكامل قد تم تحويله إلى اعتراف كامل للإيمان الجامع. ورغم أنه في مجمع نيقية نفسه لم تُدرج عبارة صريحة عن الكنيسة في قانون الإيمان، إلاّ أن إعطاء الشكل القانوني الواضح والمحدد للإيمان، كان معروفًا أنه اعتمد على ما كانت تؤمن به الكنيسة الجامعة على الدوام، وما عرفته بالبديهة أنه “حق”[118].

ومن خلال هذا النوع من الصياغة الرسمية، فإن كل جسم ’الإيمان الداخلي‘ المضمر في التقليد الرسولي للكنيسة قد تم تدعيمه وإمداده بالشكل ’النظامي‘ الذي وسّع في قوته الضابطة داخل حياة الكنيسة ورسالتها. وكان هذا كله يعتمد على مبدأ “معرفة الحق بحسب التقوى”[119] الذي تضمَّنه ميراث الكنيسة، والإحساس الفطري بالله الذي انطبع في ذهن الكنيسة بواسطة الإعلان الإلهي؛ كما اعتمد أيضًا على بصيرة معطاة ـ كعطية إلهية ـ لإدراك العلاقات الفائقة في الله بكونه آب وابن وروح قدس، وهو الذي ينبغي له السجود والتعبد أكثر مما ينبغي التعبير عنه.

إقرأ أيضًا: بارت إيرمان حبيب الإخوة المسلمين، يرد على إدعاء الإخوة المسلمين بشأن مجمع نيقية وألوهية المسيح

 

* العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[1] أف 18:2.

[2] يهوذا 3.

3 Hilary, Con. Const., 27. See also Athanasius, De syn., 9; Ad Ant., 15; Ad Afr., 10; Ep., 55, 56; Basil, Ep., 125.1; 127.2; 140.2; 159.1; 204.6; 251.4; Theodoret, Hist. eccl., 2.15, 18.

 [4] 1كو10:3-11؛ أف 20:2.

 5 Gregory Naz., Ep. ad Cled., 102.

6 Gregory Naz., Or., 21.14; Ep. ad Cled., 102.1; Theodoret, Hist. eccl., 2.15; Socrates, Hist. eccl., 1.9; Eusebius, Vita Const., 3.20.

7 Gregory Naz., Or.,21.13, 14; cf. also 19.33-35.

8 Athanasius Ad Afr., 1f; cf. 4-6, 9-11; De syn., 5f, 9, 43; Ad Adel., 6; Ad Ser., 1.28, 33; Ep. 55 & 56.

9 Athanasius Ad Adel., 6; cf. Ep., 2.6f; 39.1-7.

10 Athanasius Ad Afr., 1.

11 Athanasius Ad Ser., 1.28, 33.

12 Athanasius De decr., 4f, 18ff, 31ff; Con. Ar., 1.8, 10; 2.33f, 40; De syn., 3, 6, 7, 33f, 39ff, 45f; Ad Afr., 4ff; Ep., 2.4-7, 59; Ad Epict., 3; cf. also Con. gent., 1; De inc., 5.

13 Athanasius Ap. Con. Ar., 23f; Ad Ep. Aeg., 5, 18, 20, 21; De syn., Ad Ant., 3.5; Ad Afr., 10f; Ep., 51; 55; 56.1-4; 59.1; 61.5; 62.

14 Athanasius De syn., 5 ; cf. 3f.

15 Athanasius De syn., 6 ; cf. De decr., 18-22 ; 31f.

16 Athanasius Ad Ser., 1.17, 20 ; De vita Ant., 16, 77-80, etc.

17 Athanasius De inc., 19.3 ; cf. Exp. Fidei ; Con. Ar., 4.21 ; and Socrates, Hist. Eccl., 2.30.

18 Athanasius De inc., 56.1.

[19] 1كو1:4؛ انظر كذلك: Athanasius, Ep. Enc. 1.

 [20] 1كو2:11؛ انظر كذلك: Athanasius, Ad Afr., 10.

 [21] انظر أع 28:15 وما بعدها؛ وكذلك 4:16.

 [22] انظر لو 1:2؛ وكذلك أع 7:17.

 [23] Athanasius De decretis ـ العنوان اللاتيني المتداول هو ترجمة خاطئة للكلمة: (ο̉ρισθέντα) . انظر كذلك Cf. De syn., 5, and Hilary, De Trin., 4.1-7.

[24] بعد مجمع نيقية، أصبح استخدام مصطلح ’قانون‘ يرتبط بالتأديبات الكنسية. وقد استخدم ق. أثناسيوس هذا المصطلح ليشير إلى القوانين التي ترجع إلى الرسل. انظر:

Athanasius Ep. Enc., 1.6 ; Ap. con. Ar., 25, 29, 31f ; Hist. Ar., 36, 51.

[25] كو 5:1.

26 Hilary, De Trin., 1.18

[27] إش 9:7. ولذلك نجد ق. إيرينيئوس يقول في (Dem., 3) “والإيمان ينتج عن الحق؛ لأن الإيمان يقف أو يرتكز على الأشياء الحقيقية (أو التي هي بالحقيقة كائنة). ونحن نؤمن في أشياء حقيقية (أو بالحقيقية كائنة)، وبالإيمان في أشياء حقيقية، نظل واثقين بشدة فيها”؛ انظر أيضاً: Clement of Alex., Strom., 1.1; 2.2, 4; 4.21; Cyril of Jer., Cat., 5.4, etc.

[28] انظر استخدام مصطلح ’طبيعة‘ (φύσις) في الفكر الإسكندري:

See my Theology in Reconciliation, 1975, pp. 241f, 247ff; Archbishop Methodios Fouyas, The Person of Jesus Christ in the Decisions of the Ecumenical Councils, 1976, pp. 65ff.

29 Cf. Hilary, De Trin., especially books 1-4,

وفي هذه الكتب الأربعة، يعرض ق. هيلاري المعرفة اللاهوتية بشكل مميز جداً.

30 Augustine, De Trin., 7.5; In Jn. Ev., 27.9; 29.6; 40.9; De lib. arb.,

2.2.6; De div. quaest., 48; In Ps., 118, 18.3; Ep., 120.1, 3, etc.

31 Hilary, De Trin., 1.18; 2.6f; 3.9f, 23; 4.14, 36; 5.20f; 6.13-16; 8.52.

[32] رو 5:1؛ 26:16.

33 Cf. Clement Alex., Strom., 2.2ff, 6, 11f; 8.3; and Augustine, De spir. et litt., 21.54; 34.60.

34 Hilary, De Trin., 6.34; see also 4.6.14.

35 Hilary, De Trin., 6.36f; cf. 2.22f; 6.20f; and ‘The Liturgy of St James’

E. Brightman, Liturgies of Eastern and Western Churches, 1896, p. 54:

حيث إن ’الكنيسة الجامعة الرسولية‘ هي أيضاً تقول أنها تأسست على ’صخرة الإيمان‘.

36 Hilary, De Trin., 2.22.

37 Hilary, De Trin., 5.20f.

38 Hilary, De Trin., 4.14; 5.4, 7; 8.52.

39 Hilary, De Trin., 1.6, 16; 2.2ff, 12, 24ff, 52ff.

40 Cf. Clement Alex., Strom., 7.16.

41 Athanasius, Con. Ar., 4.12:

“لأن ما يُعطى إنما يُعطى من خلال الابن؛ ولا يوجد شيء ما يعمله الآب إلاّ من خلال الابن؛ ولهذا فإن النعمة محفوظة (ومؤمنة) لذاك الذي يقبلها”.

[42] غل 9:1.

43 Athanasius, Ap. con. Ar., 49; De decr., 2.5; Ad Ep. Aeg., 2; Ep., 2.6; Theodoret, Hist. eccl., 1.3; 2.6; 5.10.

44 Hilary, De syn., 61-64.

45 Athanasius, Ad. mon., 1.1-3.

46 Athanasius, Con. Ar., 2.15; 3.28, 35, 58; cf. also my discussion of this in Reality and Evangelical Theology, 1982, pp. 106ff.

47 Athanasius, De vit. Ant., 77-80.

48 Hilary, De Trin., 1.7-16; 2.5-11; 3.1-6, 18-26.

49 Hilary, De Trin., 1.8, 12; 2.5ff, 11.

50 Hilary, De syn., 65; De Trin., 3.18; 10.53; 11.44-47; 12.24-37.

51 Hilary, De Trin., 2.1-5; 10.51-53.

52 Hilary, De Trin., 2.2, 5.

53 Cf. G. Florovsky, Bible, Church, Tradition: An Eastern Orthodox View, 1972, on ‘the scriptural mind’ and ‘the catholic mind’, pp. 9ff, 57f.

* إن الإيمان المسلَّم للكنيسة لم يكن مجرد مقولات عقيدية، ولكن كان هو الحياة الجديدة في المسيح، أي الحياة التقوية بحسب الحق المؤسس عليه هذا الإيمان، وهو ما سُمي ’وديعة الإيمان‘. إذن ففي الإيمان الصحيح تكون هناك المعرفة الصحيحة والتقوى السليمة، وهذه التقوى بدورها تقوم بحفظ الإيمان السليم والتعليم الصحيح من أي انحراف. (المترجم)

[54] أع 2:9؛ 9:19، 23؛ 4:22؛ 14:24، 22.

[55] 1تي 2:2؛ 16:3؛ 7:4، 8؛ 3:6، 5؛ 2تي 5:3؛ تي 1:1؛ 2بط 3:1، 6؛ 11:3.

[56] 1تي 3:6؛ تي 1:1؛ 2 تي 7:3.

[57] 1تي 3:6؛ 2تي 13:1؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 1:2.

[58] 1تي 4:1؛ 7:4؛ 3:6-6؛ 2تي 4:4؛ تي 14:1؛ 2بط 16:1.

[59] 1تي 15:3-16؛ وعلى سبيل المثال: Hilary, De Trin., 11:9.

[60] أف 32:5.

[61] 1تي 20:6؛ 2تي 12:1؛ 2:2، 4؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 2تس 15:2؛ 6:3؛ غل 9:1؛ 2:2، 9؛ 1كو 23:11؛ 3:15؛ 2كو 3:11؛ رو 17:6؛ 1تي 6:4؛ عب 1:3؛ 14:4؛ 23:10.

62 Irenaeus, Adv. haer. (edit. By Harvey, 1897), 3. praef., 1-5, vol. 2, pp. 22ff; 3.38.1, pp. 131f; 4.40.2, p. 236. for this and what follows see, T.F. Torrance, ‘The Deposit of Faith’, Scottish Journal of Theology, 1983, vol. 36.1, pp. 1-28.

63 Irenaeus, Adv. haer., 1.3, vol. 1, p.94; 3.1-4, vol. 2, pp. 1ff; 3.11.1, p.47; 3.12.9, p.62; 4.4ff, pp. 234ff; 5.20, pp. 377ff.

64 Irenaeus, Adv. haer., 2.15.4, vol. 1, pp. 282f; 2.39.1f, pp. 345f; 2.40-43, pp. 349-358; 3.38.1f, vol. 2, pp. 131f; 4.22.2, p. 178; 4.34.4, pp. 215-219.

65 Irenaeus, Adv. haer., 3.11f, vol. 2, pp. 43f; 3.17.6, p. 87f; 4.6, p.153; 4.11.1-5, pp. 158-162; 4.34.1, 4-6, pp. 212, 215f; 4.6.1, p. 291; 5.praef., 1-2, pp. 313ff; 5.27.2, pp. 398f.

66 Irenaeus, Adv. haer., 2.3.7, 1-4, vol. 1, pp. 342-344; 3.6.2, vol. 2, pp. 22f; 3.18.1, p. 92; 3.19.6, pp. 100f; 3.21.2, p. 107; 4.11.1-5, pp. 158-162; 4.34.5, 7, pp. 210, 218f.

67 Irenaeus, Adv. haer., 3.38, vol. 2, p. 132.

68 Irenaeus, Adv. haer., 3.38.1-2, vol. 2, pp. 131f; 4.53.1f, pp. 261ff; 5.20.1, pp. 378ff.

[69] اتي 15:3.

70 Irenaeus, Adv. haer., 3.11.11, vol. 2, p. 47.

71 Irenaeus, Adv. haer., 1. praef., vol. 1, pp. 1ff; 1.15, p. 67; 1.1.19-4.1, pp. 80-97; 2.7-9, pp. 271-274; 2.40-43, pp. 349-358; 3.1-5, vol. 2, pp.1-20; 3.38, pp. 131-3; 4.40-42.1, pp. 234-238; 4.53-54, pp. 261-264; 5. praef., pp. 313f; 5.20.1f, pp. 377ff.

72 Irenaeus, Adv. haer., 1.1.15, vol. 1, pp. 66f; 1.18, pp. 80ff; 2.40-45, pp. 347-358.

73 Irenaeus, Adv. haer., 1.1.14, vol. 1, p. 67; cf. 1.1.20, pp. 87ff; 1.3, pp. 93f; and Tertullian, De virg. vel., 1.

74 Irenaeus, Adv. haer., 1.19f, vol. 1, pp. 80-90; 2.37-43, pp. 342-358; 3.12.11, vol. 2, p. 65; 3.38, pp. 131f; Dem., 1-6.

* كان للهراطقة منهج مخالف لهذا المنهج في تفسير الكتاب المقدس. (المترجم)

75 Irenaeus, Adv. haer., 1.2, vol. 1, pp. 90f; 3.1f, 4, vol. 2, pp. 2ff, 25ff; 4.1, pp. 146ff; 4.53. 1, pp. 261f; 5.20.1, pp. 377f; Dem., 6.

76 Irenaeus, Adv. haer., 2.41, p. 349.

وهذه النقطة ذاتها كان ق. كليمندس السكندري قد طرحها عندما تكلم عن “النفاذ إلى الحق عن طريق أخذ قانون الحق من داخل الحق ذاته” – Strom, 7.16.

77 Irenaeus, Adv. haer., 2.15.3f, vol. 1, pp. 282f; 2.41ff, pp. 349-358.

78 Origen, De prin., praef., 1.2, 6.

وكان أوريجينوس قد تكلم عن المسيح بكونه ’الحق الذاتي‘ أو ’الحق ذاته‘ انظر:

In Jn., 6.6; cf. 1.27; 2.4; and Con. Cel. 8.12.

79 See especially Origen, In Jn. 1.25-28 with 1.8.

80 Origen, In Cant. 2; Con. Cel., 7.31, 376.

81 Origen, In Jn. 1.7; In Matt., 10.1; In Deut., 1.21; In Jer., 18.6; Con. Cel., 4.71, etc.

82 Origen, Con. Cel., 1.2, 9f, 13, 24f, 42, 71; 3.23, 39, 42, 86; 4.2; 5.45; 6.27; 7.10; De prin., 4.3.16.

83 Origen, De prin., 1.1.1f; 1.3.3; 2.2.2; 2.4.4; 2.5.2; 2.7.2; 2.11.2ff; 3.5.1; 3.12.4; 4.2.1ff, 15. Origen sometimes distinguished between three meanings – cf. 4.2.4.

84 Origen, Con. Cel., 1.48; 6.23; 7.34; De prin., 1.1.9; 4.4.10; LXX Prov. 2.5.

85 Origen, In Jn., 1.8-10; 2.6; De prin., 3.6.8; 4.2.6; 4.3.13.

86 Cf. Origen, In Matt., 1.14. See also In Jn., 10.4, 18, 22; 20.3, 10, etc.

87 Origen, De prin., 4.3.15.

88 Origen, Con. Cel., 1.2; 8.32.

89 Origen, In Jn., 13.24; 32.25-29.

90 Cf. Origen, In Luc., 14.28.

91 Origen, Con. Cel., 3.8, 34, 60, 78; 5.33; 7.40, 49; 8.13, 75.

92 Origen, De prin., 1.5.4

93 Origen, In Jn., 1.3.

94 Origen, De prin., 4.1.1f; 4.2.2.

95 Origen, Ep. ad Greg., 3; Ep. ad Afr., 2-5.

96 Origen, Con. Cel., 7.11; De prin., praef.; 4.2.4, 7-9; 4.3.5.

* حيث إن كل ما يعمله الله يكون من الآب بالابن في الروح القدس. (المترجم)

97 Origen, De prin., 4.2.3; cf. praef. 1-2; In Jer., 3.22-4.

98 Origen, Con. Cel., 1.27; 3.60, 81; 5.33; 7.46; 8.20; De prin., 4.1.2, 5;

In Jn., 28. 23.

99 Origen, In Jn., 6.5f; De prin., 4.1.2, 5; Con. Cel., 2.4; 3. 34, 81; 5.4;

 8.13, 26, 59.

100 Origen, De prin., 3.1.17.

101 Origen, De prin., 1.5.4; 2.6.2; 3.1.17, 23; 3.5.3; 4.3.14; cf. Praef. 2;

 3.3.4; 4.2.2, 4; 4.3.15.

102 Origen, Con. Cel., 3.34; 5.4; 7.46; 8.13; De or., 10.2; 13.1; 15.1-4.

103 Origen, In Jn., 1.33, 35; 2.34; Con. Cel., 3.34; 5.4; 7.41, 46, 49; 8.12f, 26, 75; De prin., 1.3.4.

104 Origen, Con. Cel., 3.60; 5.4; 7.46; 8.57; 75; De or., 14-16, 20, 31; In Jn., 32.24; In Mat., 11.14. See also Origen’s Dialogue with Herakleides, SC, 67, ed. By J. Scherer, 1960, pp. 62, 64.

105 Origen, De prin., praef., 2, 3, 10; cf. 1.4.4; 4.4.5.

106 See Prosper of Aquitaine, De gratia Dei et libero voluntatis arbitrio, 8: legem credendi lex statuat supplicandi, MPL, 8, 209. Lex orandi-Lex credendi represents a telescoped form of Prosper of Aquitaine’s thought, found in the Ineffabilis Deus of Pius IX, and the Munificentissimus Deus of Pius XII, AAS, 1947, pp.540f.

107 Athanasius, De decr., 1-3; cf. Ep. Enc., 1 (ευ̉σέβεια α̉πό α̉σεβείας διώκεται)

وهنا تكلم ق. أثناسيوس عن التقوى التي تُضطهد بواسطة عدم التقوى

108 Athanasius, Ad episc. Aeg., 13; cf. 4, 9, 12.

109 Athanasius, De syn., 39.

110 Athanasius, Ad Ser., 1.17, 20; 4.4.

111 Athanasius, Ep., 11.9-11.

112 Hilary, De Trin., 5.18, 20.

113 Hilary, De Trin., 2.6f, 11.

114 Hilary, De Trin., 2.2, 5-8, 10-11.

115 Hilary, De Trin., 1.38.

116 Athanasius, Con. Ar., 4.21.

117 See the Der Balyzeh papyrus, cited by J.N.D. Kelly, Early Christian

 Creeds, 1950, p.89; or Epistola Apostolorum, ibid., p.82.

[118] ارجع إلى الحروم التي أُلحقت بقانون نيقية والتي ذُكرت باسم “الكنيسة الجامعة”.

[119] 1تي 3:6؛ 2تي 13:1؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 1:2 وما بعدها.

مجمع نيقية 325م – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

أهمية عقيدة الثالوث القدوس لحياتنا – القس صموئيل وهبة

أهمية عقيدة الثالوث القدوس لحياتنا – القس صموئيل وهبة 

أهمية عقيدة الثالوث القدوس لحياتنا – القس صموئيل وهبة

أهمية عقيدة الثالوث القدوس لحياتنا – القس صموئيل وهبة

الثالوث القدوس – دراسة دائرة المعارف الكتابية

مقدمة:

1ـ نحن المسيحيون نؤمن بإله واحد خالق الدهور والأكوان، مالئ السموات والأرض، أزلي قبل الأكوان، أبدي ليس لملكه انقضاء. وهذه العقيدة واضحة جدًا في:

أ ـ كتابنا المقدس: فعلى سبيل المثال: ” الرب هو الإله، ليس آخر سواه“(تث35:4)، ” الرب إلهنا رب واحد” (تث4:6)، ” أنا الأول وأنا الآخر، وليس إله غيري” (إش6:44)، ” للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد” (مت1:4، لو8:4)، ” الرب إلهنا رب واحد” (مر29:12)، ” لأن الله واحد” (رو30:3)[1].

ب ـ قانون الإيمان الذي يردّده جميع المسيحيين والذي مطلعه [بالحقيقة نؤمن بإله واحد].

2ـ ونؤمن أيضًا أن هذا الإله واحد في ثلاثة أقانيم[2] هم الآب والابن والروح القدس والثلاثة واحد فى الجوهر.

3 ـ نحن نؤمن بأن الآب والابن والروح القدس هم إله واحد. ومن أقرب التشبيهات إلى عقولنا نحن البشر لتفسير الثالوث في واحد ـ مع الفارق في التشبيه ـ أن الإنسان نفسه وقد خلقه الله على صورته (انظر تك26:1ـ27) له ذات إنسانية وعقل وروح، والثلاثة: الذات والعقل والروح تكوّن إنسانًا واحدًا.

 

أولاً: خَلقْ الإنسان على صورة الله، وعقيدة الثالوث (تك26:1ـ27):

          قال الله متكلمًا بصيغة الجمع ” نعمل الإنسان على صورتنا ومثالنا” (تك26:1). ثم أكد ذلك بقوله ” فخلق الله الإنسان على صورته ومثاله” (تك27:1). وكما يردد الآباء باستمرار أن الخلق فعل قام به الثالوث كله أى الأقانيم الثلاثة، حيث تشير كلمة “صورة”، التي هى في حالة المفرد، إلى الجوهر الواحد لهذه الأقانيم الثلاثة. ولذا عندما يقول الكتاب المقدس إن الإنسان خُلق على صورة الله، فهو يعني أن الإنسان خُلق على صورة الثالوث.

          وتشير “الصورة” ـ كما يفسر كثير من الآباء ـ إلى القدرات والإمكانيات التي وهبها الله لكل إنسان منذ لحظة وجوده. أما “المثال” أو “الشبه” فيشير إلى ما يحققه الإنسان بهذه الإمكانيات من التمثل أو التشبه بالله. يقول ـ على سبيل المثال ـ أغسطينوس: ” لقد طَبعّتَ ملامحك علينا لقد أوجدتنا على صورتك ومثالك لقد جعلتنا عُملتك”[3].

          هذا وتُشير كلمة “الإنسان” هنا إلى الرجل والمرأة. أى يتضح من هذه العبارة أن المرأة أيضًا خُلِقت كالرجل على صورة الله. هذا ولصورة الله في الإنسان مكانة عظيمة الأهمية تتضح من أن “الصورة” تحدد وضع الإنسان بالنسبة لله الخالق الذى هو “الأصل”، كما أن الصورة تثبت وجود تشابه مع الأصل الذى منه أُخذت، هكذا فإن الوجود الإنساني لا يحقق معناه إلاّ في ارتباطه بالله، كما يقول السيد المسيح: ” إنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا” (يو5:15). بمعنى أنه على ضوء عقيدة الثالوث يستطيع الإنسان أن يدرك نفسه، وما الذي يريده الله له أن يكون. بل إن حياته الخاصة وعلاقاته الكنسيّة والاجتماعية ومشاريعه وتطّلعاته كلها تتعلّق بإيمانه وفهمه الصحيح لعقيدة الثالوث.

ثانيًا: عمل الثالوث القدوس في حياتنا:

          ويمكننا أن نوضح ـ في خطوط عريضة ـ عمل الثالوث القدوس في حياتنا في الآتي:

1 ـ هدف الخلق: الشركة مع الله

          لقد صلى السيد المسيح ليلة آلامه قائلاً: ” ليكون الجميع واحدًا كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا” (يو21:17). فكما أن أقانيم الثالوث الثلاثة كل منهم كائن في الآخر، هكذا الإنسان الذي جُعل على صورة الثالوث، مدعو “للثبات” في الله الثالوث. فالذين يثبتون فى الله بالمحبة ويمتلئون من حضوره فيهم بالروح هؤلاء يعبّرون عن المحبة التى هى الثالوث “الله محبة”.

          هذه الحقيقة عن إتحاد الإنسان بالله والثبات فيه، وعن كون الله ساكنًا فينا ونحن فيه، هى موضوع إنجيل القديس يوحنا، وتظهر أيضًا كثيرًا في رسائل بولس الرسول الذي ينظر إلى الحياة المسيحية على أنها، قبل كل شئ “حياة في المسيح”، إذ يقول على سبيل المثال ” أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ” (غلا20:2).

          ونعثر على الفكرة عينها في النص الشهير لرسالة بطرس الثانية: ” قد وهب لنا المواعيد العظمى والثمينة لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية” (2بط4:1).

          وصوّر القديس باسيليوس الكبير الإنسان على أنه مخلوق أُمِرَ بأن يصبح إلهًا[4]. أما القديس أثناسيوس فقال: [ إن كلمة الله صار إنسانًا لكي يؤلهنا نحن][5]. ويؤلهنا تعنى تقديسنا، والقداسة وفقًا لتعاليم الكنيسة الأرثوذكسية، هى الهدف النهائي الذي يجب أن يتطّلع إليه كل مسيحي، أى أن يصبح بالنعمة على مثال الله فى القداسة. وباستطاعتنا أن نعرف الله ونحيا فى شركة معه كما يقول القديس غريغوريوس النزينزى في تفسيره للتطويبات: ” لم يُطوِّب الرب مَن يعرف شيئًا عن الله، بل من يكون الله حاضرًا فيه”.

          والقداسة ليست هى عملية “إنزوائية”، بل لها علاقة “بالآخر”، فنحن نصل إلى حالة القداسة “بإتباع الوصايا”، والسيد المسيح لخّص لنا الوصايا كلها في وصيتين هما محبة الله ومحبة القريب. هاتان الوصيتان لا تنفصلان، فالإنسان لا يستطيع أن يحب قريبه محبته لنفسه ما لم يحب الله فوق الجميع، كما لا يستطيع الإنسان أن يحب الله مالم يحب اخوته البشر (انظر 1يو12:4).  يقول ق. يوحنا ذهبي الفم [ ليس شئ يجعل الإنسان مثل المسيح كاهتمامه بالآخرين. ليس شئ تافهًا مثل مسيحي لا يهتم بخلاص الآخرين. إن قلت إنك مسيحي ولا تقدر أن تفعل شيئًا للآخرين يكون في قولك هذا تناقضًا، وذلك كالقول إن الشمس لا تقدر أن تعطي نورًا ][6].

          إن الاتحاد بين الله والإنسان هو اتحاد حقيقي، لكنه إتحاد لا يندمج فيه الخالق والمخلوق في كائن واحد. ففي التقديس لا يستنفذ الله طاقاته الإلهية، ولا يبتعد الإنسان “المتقدس” عن كيانه البشري ولا يفقد خصائصه الشخصية بل تظل هذه الخصائص مخلوقة مع كوننا أصبحنا نتمتع بشركة مع الله بفضل نعمته.

          وعودة مرة أخرى إلى موضوعنا ـ أهمية الإيمان بإله واحد مثلث الأقانيم نجد في المقابل أن إيمانًا آخر بالوحدانية المطلقة فى الله من شأنه أن يُظهر الله ككائن مكتفي بذاته مبتعد عن الإنسان وعن العالم معتزلاً في السماء، الأمر الذي يتعارض مع صلاح الله ومحبته للبشر وخلقته للإنسان على صورته. فالإنسان في حاجة إلى التعرّف ليس على إله بعيد عنه في سماواته، وإنما على إله حيّ قريب منه يحتضنه ويقدر أن يدخل إليه، ويشاركه مشاعره وأحاسيسه ويسكن في أعماقه ويملأ كل فراغ فى داخله.

والإيمان الثالوثي هو الذي يكشف لنا ـ كما سبق القول ـ عن تنازل الله ليشاركنا طبيعتنا وحياتنا وعالمنا. وهذه نقطة هامة تخاطب أصحاب ذلك الإيمان بالوحدانية المطلقة لأن الشعور بالفراغ والقلق ـ رغم التطور المستمر ـ يزداد باستمرار عند هؤلاء الناس يومًا بعد يوم. ولعل التطرّف الديني الذي نعاني منه بشدة اليوم هو في جوهره وصميمه فراغ الروح والذهن والحياة، ومحاولة لإثبات الوجود، حينما يشك الإنسان في وجوده.

2 ـ العبادة:

          بما أن الإنسان خُلق على صورة الله الثالوث، كذلك فإن الكنيسة جسد المسيح، هى أيقونة للثالوث. ولمفهوم الكنيسة أنها أيقونة حية للثالوث تطبيقات عديدة فهى:

          1ـ تُظهِر على الأرض سر الوحدة في التنوع. ففي الثالوث رغم أن الآب والابن والروح القدس هم “واحد في الجوهر”، إلاّ أن كل أقنوم منهم يتميز عن الاثنين الآخرين بخصائص أقنومية.

          فالآب هو مصدر الألوهة، وهو غير مولود ولم ينبثق من أحد، والابن مولود من الآب قبل كل الدهور على حد تعبير قانون الإيمان، والروح القدس ينبثق من الآب منذ الأزل. ووفقًا لتعاليم الآباء أن الله واحد لأن الآب واحد، فالثالوث القدوس إذًا هو سر الوحدة في التنوع وسر التعدّد في الوحدة.

          وعلى النحو نفسه توّحد الكنيسة في داخلها أشخاص المؤمنين، لكنها فى نفس الوقت تعترف بالتمايز الشخصي فيما بينهم. فهناك وحدة في الكنيسة ولكنها ليست وحدانية مُطلقة تنفي التنوع والاختلاف. ونحن حين نطلق على كنيستنا صفة “أنها واحدة” فإننا نضع نصب أعيننا تلك الأعجوبة الحيّة لاتحاد أشخاص متعدّدين في إيمان واحد.

          ولا شك أنه عندما يرى العالم هذه الوحدة العجيبة يدرك فعلاً أن الله جاء إلى العالم وأنه اتحد بجسد بشري كما يقول القديس بولس: ” لأنه كما أن الجسد واحد وله أعضاء كثيرة وكل أعضاء الجسد (الواحد) إذا كانت كثيرة هى جسد واحد، كذلك المسيح أيضًا. لأننا جميعنا بروح واحد أيضًا اعتمدنا إلى جسد واحد .. وجميعنا سُقينا روحًا واحدًا فإن الجسد أيضًا ليس عضوًا واحدًا بل أعضاء كثيرة .. لو كان كل الجسد عينًا فأين السمع. لو كان الكل سمعًا فأين الشم. وأما الآن فقد وضع الله الأعضاء كل واحد منها في الجسد كما أراد .. فالآن أعضاء كثيرة ولكن جسد واحد لا تقدر العين أن تقول لليد لا حاجة لي إليك. أو الرأس أيضًا للرجلين لا حاجة لي إليكما. وأما أنتم فجسد للمسيح وأعضاؤه أفرادًا فوضع الله أناسًا في الكنيسة أولاً رسلاً ثانيًا أنبياء ثالثًا معلّمين ثم قوات  وبعد ذلك مواهب شفاء أعوانًا تدابيرًا. وأنواع ألسنة ..” (1كو12:12ـ28). وانظر أيضًا (رو4:12ـ8).

          2ـ يشدد القديس أغناطيوس الأنطاكي على الوحدة في الإرادة ويقول لأهل مغنيسيا (1:7) [ وكما أن الابن لم يعمل عملاً بذاته، ولا على يد رسله بدون الآب، لأنه واحد مع الآب، هكذا أنتم لا تأتوا عملاً بمعزل عن الأسقف والقساوسة ][7]. ولا شك أنه هنا في الإرادة الواحدة، يكمن سر قوة الكنيسة.

          3ـ أيضًا إذا كانت طاعة المسيح لأبيه هى طاعة المحبة والوحدة والشركة، وليست طاعة الخوف، لأن المسيح لم يكن مرغمًا ولا مهددًا في طاعته لأبيه ” الذي إذا كان في صورة الله لم يُحسب خلسة أن يكون معادلاً لله لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد صائرًا في شبه الناس. وإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب..” (في6:2ـ8). هكذا يجب أن تكون طاعة المؤمنين لرعاة الكنيسة.

          4ـ وإذا كان الله المثلث الأقانيم يسكن فينا، فإن الثالوث القدوس كحركة حب أزلي بين الأقانيم، يخلق جوًا من الحب في الحياة الكنسيّة، فيمارس المؤمنون عبادتهم كعمل حب بنوى مقدم للآب في الابن بالروح القدس. ومن الملاحظ أن الإيمان الثالوثي هو الذي كشف لنا عن حركة الحب الأزلية القائمة بين الأقانيم الثلاثة قبل خلقة السماء والأرض.

وهذا الأمر لازال يمثل مشكلة بلا حل لدى أصحاب الإيمان بالوحدانية المجردة لله، لأنه كيف لله أن يحب قبل وجود خليقة سماوية أو أرضية، فإذ قيل إنه يحب نفسه، فهذا غير لائق به، وإن قيل إنه يحب بالإرادة وعندما خلق خليقته تحوّل هذا الحب من الإرادة إلى الفعل، فإن هذا الكلام ينسب إلى الله النقص (حاشا) وكأن الخليقة كانت لازمة لكي يتحوّل الحب الإلهي من الإرادة إلى الفعل. ولذا من الطبيعي أن يكون دافع العبادة في ديانة التوحيد المطلق هو الخوف الذي لا يصنع أبناءً بل عبيدًا، ولا يوحي بصلوات، ولا يساعد على التجرد وإنكار الذات، ولا يشجع على المغفرة والتسامح ومحبة الأعداء، ولا يصنع قديسين وأبرار.

3 ـ العلاقات الأسرية والمجتمعية:     

          الإنسان الذي جُعل على صورة “الثالوث”، لا يستطيع تحقيق “المثال” الإلهي ما لم يحيا فى المحبة مع الآخرين. فكما أن الأقانيم الثلاثة الواحد منهم “كائن” في الآخر بحركة حب متواصلة، يقول المسيح ” أنا في الآب والآب فيّ” (يو10:14) ويكتب بولس الرسول عن الروح القدس أنه هو روح الله، روح المسيح (انظر رو9:8ـ11). هكذا الإنسان المسيحي ينبغي أن “يكون” في البشر الآخرين بالمحبة، فلا يعيش لذاته وحده، بل يعيش في الآخرين ومن أجل الآخرين.

          فالحياة الأسرية والعلاقات المتبادلة بين أعضاء العائلة الواحدة خاصة العلاقات الأسرية بين الزوجين، والوالدية والبنوية، بل والحياة الإنسانية عمومًا في المجتمع، هذه جميعها تحتاج إلى الإيمان الثالوثي الذى يحوّل قلب المؤمن من الفردية القائمة على الأنانية إلى التمتع بروح الحب والشركة.

          وإذا كانت العلاقة داخل الثالوث هى علاقة “إنكار ذات” فكل أقنوم يخلي نفسه لكي يقدّم الأقنوم الآخر. فالآب يشهد للابن: ” الآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي” (يو37:5). والابن يشهد للآب: ” الذي يأتي من السماء هو فوق الجميع وما رآه وسمعه به يشهد” (يو32:3). والروح القدس يشهد للابن: ” ومتى جاء المعزى الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي” (يو26:15). وبالتالي فإن علاقة المسيحي بالآخرين، يجب أن تكون على مثال إنكار الذات هذا الذى نتعلّمه من الله الثالوث. ففي سر الزيجة ـ مثلاً ـ لا يمكن تحقيق قول الكتاب ” ويكون الاثنان جسدًا واحدًا” (أف31:5) إلاّ بإنكار كل واحد لذاته لكي يظهر الآخر.

          ونضيف أن كل شخص فى الأسرة البشرية كلها هو أيقونة لله، وبالتالي فعندما نرى الآخر فنحن نرى الله أيضًا، واحترام الآخر هو احترام لله أيضًا. يقول كليمندس الأسكندري: [ عندما تُبصر أخاك تُبصر الله ][8].

          ويقول ايفاجريوس إنه: [ بعد الله، علينا أن نعتبر كل إنسان كأنه الله ][9].

          هكذا ـ من كل ما سبق ـ يتضح لنا أن عقيدة الثالوث القدوس ليست مجرد بحث لاهوتي رفيع يقتصر فهمه على اللاهوتيين المحترفين، بل إن لعقيدة الثالوث أهمية كبيرة وواقعية بالنسبة لكل مسيحي.

[1] انظر تث39:4، 39:32، 2صم22:7، نح6:9، مز10:85، إش11:43، إش22:45، 9:46، 1كو6:8، 6:12، غلا2:3، 1تي17:1، يع12:4، رؤ13:22.

[2] أقنوم كلمة سريانية معناها الجوهر المخصوص بخاصية الله. يقابلها في اللغة اليونانية كلمة ὑpÒstasij، Hypostasis وهى تتكون من مقطعينὑpÒ أى تحت، stasij بمعنى كيان أو قوام. وعلى ذلك فالأقانيم هى ما يقوم عليه الجوهر أو الكيان الإلهي.

[3] انظر الكنيسة الأرثوذكسية إيمان وعقيدة، تيموثي وير، منشورات النور ـ لبنان 1982.

[4] المرجع السابق.

[5] تجسد الكلمة (3:54) ترجمة د. جوزيف موريس فلتس ـ إصدار مركز دراسات الآباء ـ القاهرة 2002.

[6] القديس يوحنا ذهبي الفم ـ إصدار كنيسة مار جرجس سبورتنج ـ الأسكندرية 1980، ص199ـ200.

[7] القديس أغناطيوس حامل الإله حياته وتعاليمه. د. موريس تاوضروس. القاهرة 1996.

[8] المتفرقات 19:1.

[9] من أقواله في الصلاة (123).

قانون الإيمان – عظة للقديس أغسطينوس للرد على اليهود والوثنيين والاريوسيين

قانون الإيمان – عظة للقديس أغسطينوس للرد على اليهود والوثنيين والاريوسيين

قانون الإيمان – عظة للقديس أغسطينوس للرد على اليهود والوثنيين والاريوسيين

قانون الإيمان – عظة للقديس أغسطينوس للرد على اليهود والوثنيين والاريوسيين (2)

CONTRA JUDAEOS, PAGANOS ET ARIANOS

SERMO DE SYMBOLO

سامح فاروق حنين[1]

وسوف ُتكشف أعمالُ وأسرارُ كل إنسان[2]،

ويكشفُ اللهُ مكنونات القلوب[3]،

هناك يكونُ البكاءُ وصريرُ الأسنان[4]،

وتظلمُ الشمسُ، وتقفُ النجومُ فى مداراتها[5]،

ويغيبُ القمرُ[6]، وتنحلُ السمواتُ[7]،

ويمتلئ كلُ واد وكل جبل وأكمة ينخفض[8]،

وتزولُ من بين البشر كلُ فروق الرفعة والوضاعة[9]،

وتصيرُ الهضابُ أرضًا سهلة[10]، وتختلط ُالسمواتُ بالبحار،

يا لها من نهاية مريعة! حيث تتحولُ الأرضُ إلى حطام[11]،

ويجرى اللهبُ والينابيعُ معـًا إلى الأنهار،

عندما ُيبوق من السماء بصوتٍ مدوٍ[12]،

ويئنُ الأشرارُ على خطاياهم[13]، وعلى بليتهم،

وتنشقُ الأرضُ بدوى ويظهرُ الجحيمُ،

ويقفُ جميعُ ملوك الأرض فى حضرة الله للدينونة[14]،

ويهبط ُمن السماء أنهارُ نارٍ وكبريت[15].

 

 

ويعلّق القديس أغسطينوس على هذه النبوات العجيبة قائلاً إنها تشير إلى ميلاد المسيح وكذلك إلى المجئ الثاني والدينونة[16]. وقبل أن نشير إلى تعليق القديس أغسطينوس إلى أكروستيخيذا السيفيلا نشير أولاً إلى معنى الأكروستيخيذا.

الأكروستيخيذا Ακροστιχίδα هى كلمة يونانية مكونة من مقطعين άκρον بمعنى”طرف” وστίχος بمعنى “سطر”، وهى قصيدة اذا جُمعت أوائل أبياتها أو أواخرها شكلت كلمة أو عبارة. أي أن كل سطر من سطور القصيدة يكون مرتبًا على الحروف الهجائية اليونانية، حيث الكلمة الأولى من السطر الأول تبدأ بحرف الـ A، والكلمة الأولى من السطر الثاني تبدأ بحرف B، حتى ينتهي آخر سطر بحرف w.

وفي بعض الأحيان كان ناظمو القصائد يبدأون السطور بطريقة عكسية حيث تبدأ الكلمة الأولى من السطر الأول بحرف w والثاني بحرف y والثالث c وهكذا حتى يصلوا إلى السطر الأخير الذي يبدأ بحرف A. وثمة طريقة ثالثة لنظم القصائد وهي أن يبدأوا السطور بحروف أبجدية غير مرتبة بحيث إننا لو جمعنا كل الحروف الأولى من كل السطور ُتكَون عبارة مثل “هذه القصيدة لفلان المرنم الفقير المسكين”، أو يُكتب اسمُ المؤلف في هذه الأرباع كحرف في كل سطر من سطور القصيدة، أو الحرف الأول من كل مجموعة أرباع مرتبةً تدريجيًا.

وفي هذه الحالة يُقرن اسمُ الكاتب بصفة ما مثل “العبد المسكين” أو “الخاطيء الفقير”، طالباً الرحمة ومغفرة الخطايا، ويمكن أن يُضمن اسمه صراحة في سياق الكلام مثلما نرى في آخر ربع من أرباع إبصالية “أريبسالين” الشهيرة، حيث يقول المؤلف إنه سركيس: “كذلك عبدك المسكين سركيس، اجعله بغير دينونة..إلخ..”. والفائدة من هذه الأكروستيخيذا كان كمُذَكِّر للمنشدين بحيث ينشدون الترنيمة كاملة دونما حذف أو نسيان، أو كما يقول عالم البيزنطيات الشهير كارل كرومباخر، إنها كانت لحفظ النصوص الشعرية من التزوير والتزييف[17].

وإننا، والكلام لأغسطينوس، إذا جمعنا الحروف الأولى لهذه السطور، فســوف نجد خمس كلمات يونانية وهى عبارة “Ἰησοῦς Χριστὸς Θεοῦ Υἱὸς Σωτήρ”، والتى تعنى “يسوع المسيح ابن الله المخلص”. فى عمله الشهير “مدينة الله ” يشـرح القديس أغسطينوس معنى هذه العبارة هكذا :

“Si primas litteras iungas, erit Ἰχθύς, id est piscis, in quo nominee mystice intellegitur Christus, eo quod in huius mortalitatis abysso velut in aquarum profunditate vivus, hoc est sine peccato, esse potuerit .[18] “

“لأنك إذا جمعت الحروف الأولى فسوف تتكون كلمة Ἰχθύς أى “سمكة” والتي يُفهم منها أنها تشير إلى المسيح نفسه لأنه عاش بإنسانيته في العالم بدون خطية مثل سمكة في أعماق المياه”[19].

ولتوضيح هذه الجزئية نشير إلى الأسطر الستة الأولى من النص اليوناني لنبوة سبلة الحكيمة، وليلاحظ القارئ الأحرف الستة التي تبدأ بها الأسطر الستة والتي تكون معًا اسم ΙΗΣΟΥΣ = يسوع، وفى النص اللاتيني نجد اسم يسوع IESUS.

الأسطر الستة الأولى من النص اليوناني لنبوة سبلة الحكيمة

والنص الذي يورده القديس أغسطينوس في هذه العظة هو الترجمة اللاتينية لهذه النبوة، والتي يقال إن شيشرون، الخطيب الروماني المفوه(106-43 B. C.) ، هو الذي قام بترجمتها من اليونانية إلى اللاتينية[20].

I  Iudicii sigum, tellus sudore madescet,

E E caelo rex adveniet per saecla futurus,

S Scilicet in carne praesens ut iudicet orbem,

U Unde deum cernent, incredulus atque fidelis,

S Sic animae cum carne aderunt, quas iudicat ipse[21].

ويشير القديس أغسطينوس إلى أن ثمة نبوات سبلية أخرى عن المسيح وآلامه:

Alios versus Sibyllinos Christi passionem apertius demonstrantes[22].

والتي نصها يجرى على النحو التالي :

ثم يُسَلّم الله إلى أيدي الأشرار[23]،

فيضربونه بأيديهم الفانية[24]،

ويبصقون عليه بأفواههم القذرة[25]،

أما هو فبوداعة سوف يسلمُ ظهرَه للسياط[26]،

وديعـًا أثناء لطمه[27]،

حتى لا يعرفه أحد،[28]

وسوف ُيكللُ بإكليل من شوك[29]،

ويعطونه مرارة ًبدل الطعام، وفى عطشه يسقونه خلاً[30]،

هذه هى مائدة القساة،

وأنت كجاهل لا تعرف أن إلهك قد ضلّل عقول البشر،

حتى كللوه بالشوك ومزجوا له المر،

وسوف ينشقُ حجابُ الهيكل[31]،

وفى منتصف النهار تكون ظلمة ٌعلى الأرض لمدة ثلاث ساعات[32]،

وبنومه لمدة ثلاثة أيام سوف ُيبطلُ الموتَ[33]،

ويعود من الجحيم إلى النور[34]،

ويدعى باكورة الراقدين[35].

ملحوظة: نود أن ننبه ذهن القارئ إلى أننا في هذا المقام لا نؤكد صدق هذه النبوات أو عدمه، ولكننا عرضنا لها في سياق الأدلة التي ساقها القديس أغسطينوس إلى اليهود بهدف إثبات ألوهية المسيح ليس إلا. ونضيف كذلك أن صدق هذه النبوات أو تلفيقها لا يزيد أكثر ولا يقلل من إيماننا بالرب يسوع المسيح، لأن ما ورد فيها نعرفه من الكتاب المقدس.

بعد أن قدّم القديس أغسطينوس كل الأدلة والبراهين والشهادات من الكتب المقدسة بأن المسيح الذي جاء إلى العالم هو المسيا المنتظر الذي تنبأ عنه أنبياء اليهود، وكذلك شهادات من كتب الوثنيين والشعراء ونبوات سبلة الحكيمة، يشير أخيرًا إلى بعض الأدلة الأخرى من الطبيعة، والسماء، والبحر، والأرض، والجحيم.

يقدّم أغسطينوس testimonia شهادات من نوع آخر، هذه المرة ليست من أقوال البشر، بل من المخلوقات الطبيعية، لأن:

Suo Creatori universa creatura testimonium se dixisse proclamet, quod elementum servum Christi.[36]

” كل الخليقة تقدم شهادة عن خالقها، لأنها هى أيضا عنصر خادم للمسيح “[37].

يبدأ أغسطينوس براهينه من النجم الذي ظهر للمجوس في المشرق وقت ميلاد المسيح، الذين عندما رأوه أدركوا أن ميلاده فى بلاد اليهودية. هذا ُيظهر أن ليس الملائكة فقط بل وهذه الخليقة غير الحية بشرّت أيضًا بميلاد المسيح[38]. وهذا النجم هو الذي قاد المجوس إلى مكان المسيح المولود ” فلما سمعوا من الملك ذهبوا وإذا النجم الذي رأوه في المشرق يتقدمهم حتى جاء ووقف فوق حيث كان الصبي” (مت2 :9). ويتساءل أغسطينوس

None coelum testimonium dixit, quando novum sidus in nova hominis progenie, quo potuit, natum Deum hominem gentibus demonstravit?[39]

” ألم تنطق السماءُ بشهادة (عن المسيح) عندما أظهرت نجمـًا جديدًا علامة ًعلى نسلٍ جديد، وأعلنت للناس الإله المولود؟ “.

وكذلك البحر أيضًا، كخليقة الله، قدم هو الآخر نبوة عن المسيح، وذلك عندما تغيّرت طبيعته من الحالة السائلة إلى الحالة الصلبة، وحمل المسيح عندما مشى عليه ” ورآهم معذبين في الجذف لأن الريح كانت ضدهم ونحو الهزيع الرابع من الليل أتاهم ماشيًا على البحر وأراد أن يتجاوزهم، فلما رأوه ماشيـًا على البحر ظنوه خيالا فصرخوا” (مر6: 49). ويشير أغسطينوس إلى قول المزمور ” في البحر طريقك وسبلك في المياه الكثيرة وآثارك لم تعرف” (مز77: 19). هذه المعجزة، كما يشرحها أغسطينوس، توضح العلاقة بين الخالق وخليقته، لأن بطرس عندما أراد أن يسير على الماء، ” فأجاب بطرس وقال يا سيد إن كنت أنت هو فمرني أن آتي إليك على الماء” (مت14: 28)، ابتدأ يغرق. وهذه الحادثة تُظهر سلطان المسيح الفائق على الطبيعة.

والأرض أيضا قدّمت شهادة عن المسيح وذلك عندما تفل الرب عليها وصنع من التفل طينًا وطلى به عيني الأعمى: ” قال هذا وتفل على الأرض وصنع من التفل طينـًا وطلى بالطين عيني الأعمى” (يو9: 6)، وهكذا أعطى للأعمى نورًا جديدًا فأبصر. فالمسيح، كما يقول القديس أغسطينوس، من تراب الأرض أعد خلقة جديدة، فهو الذي خلق الإنسان من تراب، وهو السيد الرب الذي أبدع فردوس النعيم من البدء ووضع فيه الإنسان الذي خلقه.

وحتى العالم السفلىInferna في رأى أغسطينوس يقدّم شهادة عن الرب؛ لأنه عندما نادى الربُ لعازرَ من القبر، بعد أربعة أيام من موته، سمع وأطاع. ” ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم لعازر هلم خارجـًا، فخرج الميت و يداه ورجلاه مربوطات بأقمطة ووجهه ملفوف بمنديل فقال لهم يسوع حلوه ودعوه يذهب” (يو11 :43).

بعد هذا الدليل الدامغ يوبخ أغسطينوس اليهود، لأن العالم السفلى سمع صوت الرب فأطاع، وهم أنفسهم رفضوا ابن الله! ” هؤلاء الذين هم إسرائيليون ولهم التبني والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد ولهم الآباء ومنهم المسيح حسب الجسد” (رو 5:9).

ويذكّر أغسطينوس اليهود بما جرى وقت آلام المسيح وصلبه، عندما وقعت ظلمة على الأرض لمدة ثلاث ساعات، من الساعة السادسة حتى الساعة التاسعة، وكذلك انشقاق حجاب الهيكل إلى نصفين، وزلزلة الأرض، وانشقاق الصخور، وانفتاح القبور، الشئ الذي يبرهن على أن “كل الخليقة تقريبًا قد شاركت المسيح موته”:

Omnis pene creatura expavescit mortem Christi.[40]

أخيرًا يوجه القديس أغسطينوس حديثه إلى اليهود قائلا ” إن الشياطين الذين يملكون على قلوبكم قالوا للمسيح: ما لنا ولك يا يسوع ابن الله أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا“[41] (مت8: 29)، أما أنتم فقلتم له ” أنت تشهد لنفسك شهادتك ليست حقًا” (يو8 :13).

في الفصل الأخير من هذا المقال يقدم أغسطينوس لليهود الآن بعض الأدلة من أحداث صلب المسيح. ومع أن اليهود لم يدركوا فداحة أعمالهم، وساقوا أسبابهم الخاصة، إلاّ أن شرورُ اليهود قد ساهمت في خلاصَ البشر[42].

يشير أغسطينوس إلى أحداث عدة كلها تشهد للمسيح، ويسأل اليهودَ عما لاقوا من عناء حتى يتمموا فى المسيح كل ما أرادوه؛ فاليهود رفعوا أصواتهم قائلين أن يُصلب، ودفعوا مالا ليهوذا حتى يسلمه، وفعلوا كل ما استطاعوا ليجعلوا بيلاطس أن يغسل يديه من قضية المسيح حتى يتمموا مشيئتهم، وتعبوا كذلك حتى ُيقبض على المسيح ويُصلب، وُيكلّل بإكليل من شوك، وُيعلّق على الصليب، وُيطعن في جنبه.

فكل هذه الأحداث تمت بأصوات اليهود وعرقهم وعنائهم. ولكن كل هذا العناء من جانب اليهود صار لنا، نحن المسيحيين، سببَ فرح ٍوخلاص. فالمسيح هذا الذي أنكره اليهود وقتلوه قام لأجلنا، وذلك الذي علقوه على خشبة أعطانا مفتاح لملكوت السموات بصليبه، والتلاميذ الذين بسبب الخوف من اليهود غلقوا الأبواب ظهر لهم المسيح نفسه.

فكل هذه الأحداث وكل أفعال اليهود قد آلت إلى فرح للرسل خاصةً وللمسيحيين عامةً حتى أن المال الذي أعطاه اليهود للجنود ليقولوا إن تلاميذه أتوا ليلا وسرقوا الجسد صار دليلاً على قيامة الرب التي انتشر الإيمان بها في كل المسكونة. وذاك الذي أرادوا له الموت قام من بين الأموات في اليوم الثالث وصعد إلى السموات وجلس عن يمين أبيه الصالح. وهكذا تمت النبوات عن ميلاد المسيح وآلامه وقيامته وصعوده إلى السموات، وتمت كذلك نبوات تشتت اليهود في كل العالم. فداود النبي يقول عنهم: ” لا تقتلهم لئلا ينسى شعبي، تيههم بقوتك واهبطهم يا رب ترسنا” (مز11:58). وقد تحققت نبوة داود هذه وتشتت اليهود، وهذا يعنى أن كل النبوات التي قيلت عن المسيح هى حقيقية، وحتى هذا التشتت، في رأى أغسطينوس، يُعد شهادةً عن المسيح:

Dispersio ergo haec vestr testimonium perhibet Christo.[43]

يشير كذلك القديس أغسطينوس إلى تلك التهمة الباطلة التي اُتهم بها المسيح وهى أنه كان يجترح عجائبه بقوة السحر. ويجيب أغسطينوس متعجبا :

Proferte codices propheticos, o Judaei Christi inimici, ut ex ipsis alii Pagani convincantur inimici. Numquid si magicis artibus fecit ut colletur et mortuus, magnus erat antequam natus.[44]

“فلنفرض أن المسيح كان يجترح عجائبه بقوة السحر وأنه بهذه القوة كان يجذب الناس إلى عبادته، فكيف يمكن أن يستعمل السحر قبل تجسده وولادته ويضع في أفواه الأنبياء أن ينطقوا بنبوات عنه، تلك النبوات التي تمت بالفعل؟ وخصوصـًا أن في كتب اليهود والوثنيين، أعداء المسيح، توجد نبوات عن المسيح، وهو نفسه موضوع هذه النبوات؟”.

ويصف أغسطينوس اليهود بأنهم “حاملو مصباح الناموس”، يضيئون للآخرين ولكنهم هم أنفسهم لا ينتبهون لهذا النور، ولا زالوا يتوقعون مجيء ذاك الذي قد أتى. هذا يشبه قول القديس استفانوس أول الشهداء الذي وبَخَ هو أيضًا اليهود قائلاً: ” أنتم الذين أخذتم الناموس بترتيب ملائكة ولم تحفظوه” (أع7: 53).

وسوف يأتي المسيح، والكلام لأغسطينوس، ولكن ليس كما جاء أول مرة فى تجسده، بل سيظهر كإلهٍ وكقاضٍ عادل. ويتساءل أغسطينوس :

Qualis erit tunc vestra conscientia, cum vobis ille nullam jam exhibebit patientiam, quia vos invenit in anima mortuos, qui venturus est judicare vivos et mortuos? [45]

بأى ضمير سوف تلقون المسيح حينذاك فى مجيئه الثاني؟ لأنه سوف لا يُظهر لكم أى نوع ٍمن الرحمة، وسوف يدين الأحياء والأموات بالعدل.

ختام

كما رأينا بعاليه إن طبيعة هذه العظة ليست هجومية, بل قبل كل شئ ذات طبيعة إقناعية، ليس فقط لليهود بل لكل المسيحيين. ولهذا نستطيع أن نقول إن هذا العمل لم يوجهه القديس أغسطينوس إلى شخص ما بالتحديد مثلما فعل في بعض رسائله السابقة الموجهة إلى أشخاص بعينهم، بل كان موجهًا إلى جمهور شعب اليهود كله، وكذلك إلى جمهور من الشعب داخل الكنيسة أيضًا ولذا فهذا العمل يُعتبر مزدوج المنفعة، فهو من جهة يشهد ويؤكد لليهود أن المسيح هو الله، ومن جهة أخرى يقوى إيمان المسيحيين ضد الكثير من الهرطقات التي ظهرت في ذلك الوقت، وعلى الأخص الهرطقة الآريوسية. ولهذا اضطر القديس أغسطينوس أن يقدم ردًا حاسمًا في مواجهة أفكار اليهود, مستخدمـًا كل وسيلة وبرهان ليقنع قراءه وبذا يجذبهم إلى الإيمان كما كان دأبُ آباء الكنيسة في الكثير من أعمالهم الدفاعية.

وهكذا استطاع أغسطينوس أن يبرهن بُطل أفكار اليهود, مضيفًا براهين أخرى عن ألوهية المسيح وكذلك عن صحة أقواله، مجردًا بهذه الطريقة عدواً للمسيحية من كل أسلحته. ونلاحظ كذلك أن ترتيب الأدلة والبراهين التي قدمها القديس أغسطينوس يتفق مع المنطق العقلي، فأولاً يقدم أدلة وبراهين من العهد القديم، مثل نبوات أنبياء اليهود العظام مثل إشعياء، وإرميا، ودانيال وموسى وداود، ثم شهادات من أنبياء العهد الجديد مثل شهادة سمعان الشيخ، وزكريا الكاهن، وأليصابات ويوحنا المعمدان، ثم في النهاية أدلة من كتب الوثنيين، ومن أشعارهم، ونبواتهم، ثم أخيرًا شهادات من الطبيعة، والسماء، والبحر، والأحداث.

 

[1] مدرس مساعد بقسم الدراسات اليونانية واللاتينية بآداب القاهرة.

[2] قارن ” يكشف العمائق من الظلام ويخرج ظل الموت إلى النور” (أي12: 22). وقارن أيضا ” ويكشف الرب خفاياك  ويصرعك في المجمع” (سيراخ1: 39).

[3] قارن ” إذا لا تحكموا في شيء قبل الوقت حتى يأتي الرب الذي سينير خفايا الظلام ويظهر آراء القلوب” (1كو4: 5).

[4] قارن ” هناك يكون البكاء وصرير الأسنان” (لو13: 28).

[5] قارن ” وللوقت بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس ……..والنجوم تسقط من السماء ” (مت24: 29).

[6] قارن ” وأما في تلك الأيام بعد ذلك الضيق فالشمس تظلم والقمر لا يعطي ضوءه ” (مر13: 24).

[7] قارن ” لكن سيأتي كلص في الليل يومُ الرب الذي فيه تزول السماوات بضجيج وتنحل العناصر محترقة وتحترق الأرض والمصنوعات التي فيها ” (2بط3: 10).

[8] قارن ” كل واد يمتلئ وكل جبل و اكمة ينخفض” (لو3: 5).

[9] قارن ” ليكون الجميع واحدًا” (يو17: 21).

[10] قارن ” وتصير المعوجات مستقيمة والشعاب طرقا سهلة ” (لو3: 5).

[11] قارن ” وتحترق الأرض والمصنوعات التي فيها ” (2بط3: 10).

[12] قارن ” ثم بوق الملاك الثالث فسقط من السماء كوكب عظيم متقد كمصباح ووقع على ثلث الأنهار وعلى ينابيع المياه” (رؤ8: 10).

[13] قارن ” وكانوا يعضون على ألسنتهم من الوجع ” (رؤ16: 10).

[14] قارن ” ليصنع دينونة على الجميع ويعاقب جميع فجارهم على جميع أعمال فجورهم التي فجروا ” (يه1: 15).

[15] قارن ” وأما الخائفون وغير المؤمنين والرجسون والقاتلون والزناة والسحرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة فنصيبهم في البحيرة المتقدة بنار وكبريت الذي هو الموت الثاني ” (رؤ21: 8).

[16] J. Geffcken, Oracula Sibyllina [Die griechischen christlichen Schriftsteller 8. Leipzig: Hinrichs, 1902], Section 8, 217. Contra Judaeos……, PL.Vol. 42, Cap. XVI, C.1126.

[17] K. Krumbacher, Ἱστορία τῆς Βυζαντινῆς Λογοτεχνίας, Τομ. B΄, (Ἑλλην. Μετάφ), Ἀθήνα 1897, σ. 602.

[18] See Loeb Classical Library, Vol. V, Book XVIII, Chap.XXIII, De Sibylla Erythraea, P. 446.

[19] قارن قول المسيح لليهود “من منكم يبكتني على خطية” (يو8 :46)، وقارن أيضًا ” الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر” (1بط23:2).

[20] E. Gibbon, Τhe History Of The Decline And Fall Of The Roman Empire, Vol. 2, P. 198.

[21] Contra Judaeos……, PL.Vol. 42, Cap. XVI, C.1127.

[22] Contra Judaeos……, PL.Vol. 42, Cap. XVI, C.1127.

[23] قارن ” ثم جاء إلى تلاميذه وقال لهم ناموا الآن واستريحوا هوذا الساعة قد اقتربت وابن الإنسان يسلم إلى أيدي الخطاة ” (مت26: 45).

[24] قارن ” وكانوا يضربونه على رأسه بقصبة ” (مر 15 : 19).

[25] قارن ” ويبصقون عليه ثم يسجدون له جاثين على ركبهم ” (مر15: 19).

[26] قارن ” بذلت ظهري للضاربين وخدي للناتفين وجهي لم استر عن العار والبصق ” (إش5:50).

[27] قارن ” ُظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه ” (إش7:53).

[28] قارن “نبت قدامه كفرخ وكعرق من أرض يابسة لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه” (إش53: 2).

[29] قارن ” وضفروا إكليلا من شوك ووضعوه على رأسه” (مت27: 29).

[30] قارن ” أعطوه خلاً ممزوجًا بمرارة ليشرب ولما ذاق لم يرد أن يشرب” (مت27: 34).

[31] قارن ” فانشق حجابُ الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل” (مر15: 38).

[32] قارن ” وكان نحو الساعة السادسة فكانت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة” (لو23: 44).

[33] قارن ” وإنما أظهرت الآن بظهور مخلصنا يسوع المسيح الذي أبطل الموت ” (2تي1: 10).

[34] قارن ” فإن المسيح أيضا تألم مرة واحدة من أجل الخطايا البار من أجل الأثمة لكي يقربنا إلى الله مماتـًا في الجسد ولكن محيىً في الروح الذي فيه أيضًا ذهب فكرز للأرواح التي في السجن” (1بط3: 18ـ19).

[35] قارن ” ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين ” (1كو15 :20).

[36] Contra Judaeos……, PL.Vol. 42, Cap. XVI, C.1127.

[37] قارن ” السماوات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه ” (مز19: 1).

[38] Ἀπόστολος Μακράκης, Ἑρμηνεία του κατὰ Ματθαῖον κατὰ σύγκρισιν πρὸς τὰ λοιπά, σ. 61.

[39] Contra Judaeos……, PL.Vol. 42, Cap. XVI, C.1127.

[40] Idem.

[41] وفى حادثة أخرى اعترفت الشياطين للمسيح بأنه ” قدوس الله”: ” ما لنا ولك يا يسوع الناصري أتيت لتهلكنا أنا أعرفك من أنت قدوس الله (مر1: 24).

[42] يشير القديس بولس إلى نفع اليهود الذي قدموه إلى الأمم برفضهم المسيح قائلا ” فإن كانت زلتهم غنى للعالم ونقصانهم غنى للأمم فكم بالحري ملؤهم (رو11: 12).

[43] Contra Judaeos……, PL.Vol. 42, Cap. XVI, C.1128.

[44] Idem.

[45] Idem.

قانون الإيمان – عظة للقديس أغسطينوس للرد على اليهود والوثنيين والاريوسيين

عقيدة الكفارة والفداء – وإعلان محبة الله وعدله على الصليب – الأنبا بيشوي

عقيدة الكفارة والفداء – وإعلان محبة الله وعدله على الصليب – الأنبا بيشوي

عقيدة الكفارة والفداء – وإعلان محبة الله وعدله على الصليب – الأنبا بيشوي

يقول المزمور “الرحمة والحق تلاقيا. البر والسلام تلاثما. الحق من الأرض أشرق والبر من السماء إطلّع” (مز85: 10-11). فكما أن الصليب هو إعلان عن محبة الله حسب قول السيد المسيح “هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يو3: 16)، فإن الصليب أيضاً إعلان عن قداسة الله الكاملة وعن عدالته المطلقة. كما هو مكتوب “بدون سفك دم لا تحصل مغفرة” (عب9: 22).

فالغفران الإلهى هو غفران مدفوع الثمن. لأن الخطية والبر لا يتساويان عند الله. ولكى يعلن الله بره الكامل وقداسته المطلقة فلابد أن يعلن غضبه على الخطية. كقول معلمنا بولس الرسول “لأن غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم الذين يحجزون الحق بالإثم” (رو1: 18). ويقول أيضاً معلمنا بولس الرسول “مخيف هو الوقوع فى يدى الله الحى” (عب 10: 31)، ويقول “لأن إلهنا نار آكلة” (عب12: 29). وقيل عن عمل السيد المسيح الفدائى المذكور فى سفر الرؤيا “وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله القادر على كل شئ” (رؤ19: 15).

إذاً، الله يغضب بسبب الخطية وهذا واضح تماماً فى كتب العهد القديم وكتب العهد الجديد المقدسة. ولكن توجد موجة معاصرة وسط بعض أفراد الكنيسة، نقلاً عن لاهوتيين غربيين محدثين، تَدّعى أن الله لا يغضب بسبب الخطية، ولا يعاقب الخطاة على خطاياهم. وتستبعد فكرة إيفاء العدل الإلهى حقه على الصليب. وتستنكر فكرة العقوبة فى حكم الموت الذى صدر ضد الإنسان. وبهذا يبدأ تمييع فكرة الفداء وعقيدة الكفارة بما يؤدى إلى إهدار قيمة العقيدة المسيحية. موضوع خطير إلى أبعد الحدود..!

غضب الله :

لا أحد يستطيع أن ينكر غضب الله بسبب الخطية، بل لابد أن تُعلن قداسة الله الكاملة كرافض للخطية والشر فى حياة الإنسان أى كرافض لخطية الإنسان. عدل الله فى محاسبته على الخطية معناه أن تظهر قداسة الله الكاملة بأن تنال الخطية قصاصاً عادلاً. حتى لو دفع الثمن من يحمل خطية الإنسان عوضاً عنه، مانحاً الخاطئ فرصة للتوبة والحياة، بعد أن يكتشف بشاعة الخطية ويكرهها قابلاً محبة الله الشافية والغافرة التى يمنحها الروح القدس فى الأسرار.

كان الإنسان الضائع الذى سقط فى فخ إبليس، وسقط تحت الغضب الإلهى يحتاج إلى من يخلّصه. كقول الرب “من يد الهاوية أفديهم. من الموت أخلصهم” (هو13: 14). وكان الأمر يحتاج إلى من يسحق سلطان الموت ويهزم طغيانه، ويحتاج إلى من يستطيع أن يحرر المسبيين ويخلصهم من أسر إبليس وينقذهم من الغضب الإلهى.

تحرير البشر من سلطان الشيطان :

 يتضح ذلك من كلام السيد المسيح لبولس الرسول حينما ظهر له وهو فى طريقه إلى دمشق وقال له “قم وقف على رجليك لأنى لهذا ظهرت لك لأنتخبك خادماً وشاهداً بما رأيت وبما سأظهر لك به منقذاً إياك من الشعب ومن الأمم الذين أنا الآن أرسلك إليهم لتفتح عيونهم كى يرجعوا من ظلمات إلى نور ومن سلطان الشيطان إلى الله حتى ينالوا بالإيمان بى غفران الخطايا ونصيباً مع المقدسين” (أع 26: 16-18).

إنقاذ البشر من غضب الله :

إن السيد المسيح إحتمل الغضب. الألم الذى إحتمله هو نتيجة الغضب المعلن ضد الخطية. الغفران فى المسيحية، ليس غفراناً بلا ثمن بل هو غفران مدفوع الثمن. والذى دفع الثمن هو السيد المسيح بدافع محبته لكى يخجل الخطاة بهذا الحب العجيب…

فالإنسان يخجل من خطاياه التى تسببت فى آلام المخلص وإحتماله التعيير وموته كما قال بفم النبى “تعييرات معيّريك وقعت علىّ” (مز69: 9).

إن الإنسان حينما ينظر إلى صليب الرب يسوع المسيح يقف مبهوراً من محبته، ومخزياً من كل خطية تسببت فى صلبه. إنه يرى فى الصليب الحب بأجلى معانيه. ويرى أيضاً العدل يأخذ مجراه. ويسمع كلمات الرسول منذراً إياه هو وغيره من المؤمنين: “قد إشتريتم بثمن فمجدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التى هى لله” (1كو6: 20). وأيضاً قوله “أنكم لستم لأنفسكم” بل للمسيح (1كو6: 19). أليست هذه هى الأنشودة الرسولية “كى يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذى مات لأجلهم و قام”  (2كو5 : 15).

إن الله لكى ينقذنا من نتائج خطايانا، “أرسل ابنه كفّارة لخطايانا” (1يو4: 10) وأدان الخطية كقول معلمنا بولس الرسول “الله إذ أرسل ابنه فى شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية فى الجسد” (رو8: 3). إدانة الخطية فى الجسد، تعنى أن الخطية قد أدينت على الصليب. فالله “لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين” (رو8: 32). الله لم يشفق على ابنه حينما حمل خطايانا فى جسده بل أعلن غضبه على الخطية لكى تنال الخطية دينونة عادلة. وهنا يتبرر الله كقدوس وكرافض للشر.

إن الله يريد أن يعلن نقمته وغضبه ضد خطية الإنسان. فمن يقبل أن يحمل المسيح خطاياه عنه، فإنه يرى بعينيه الخطية قد سُمرت على الصليب. ويعلم بهذا أن خطاياه قد غفرت. يرى بعينيه الخطية وقد أدينت دينونة عادلة. وهكذا قال معلمنا بولس الرسول “إذ محا الصك الذى علينا فى الفرائض الذى كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب” (كو2: 14).

ويشرح القمص تادرس يعقوب هذه الآية ويقول [ماذا يعنى تمزيق صك الدين الذى علينا الذى أعلنته فرائض الناموس؟ إلا إيفاء الدين تماماً بالصليب.]

وقد أشار القديس يوحنا ذهبى الفم إلى أهمية رفع الغضب الإلهى لإتمام المصالحة فقال [ولكى تعلموا أننا أخذنا الروح القدس كعطية تصالح الله معنا.. وأن الله لا يرسل نعمة الروح القدس إذا كان غاضباً منا. لكيما إذا اقتنعت بأن غياب الروح القدس هو دليل غضب الله، تتأكد أن إرساله مرة أخرى هو دليل المصالحة لأنه لو لم تكن  المصالحة قد تمت لما أرسل الله الروح القدس ] (العظة الأولى عن عيد حلول الروح القدس).

فلماذا يميل البعض إلى رؤية الحب الإلهى معلناً على الصليب ولا يميلون إلى رؤية الخطية مدانة فوق الصليب؟ إننى أخشى أن يكون هؤلاء البعض لديهم تعاطف مع الخطية فيستثقلون إعلان غضب الله ضد الخطية الذى رأيناه فى الصليب!! فحينما يتكلمون عن الحب يرحرحون له، ويرحبون به. وحينما يأتى الحديث عن إدانة الخطية وعن غضب الله بسبب الخطية فإنهم يتهربون من مواجهة هذه الحقيقة التى لا تريح أنفسهم.

وإننا لنرى فى هذا عجباً، لأن نفس الذين يرددون هذا المعنى قد وصل بهم المطاف إلى القول التالى:- [ الذى غُلب من شهوته توقفه ذبيحتك بلا لوم أمام أبيك مقبولاً. والذى تعذرت توبته ألا تكفى ذبيحتك أن تكون له توبة وأنت ضمين. ]

فانظروا يا ذوى الألباب وأفهموا ما هو القصد من هذه الحبكة الفكرية؟ تجاهل العدل الإلهى والهروب من مواجهة فكرة العقوبة، ثم الإنحدار إلى هاوية إعلان قبول الله للخطاة بغير توبة.

هذا المسلسل الرهيب الذى لو تركناه فسوف يؤدى إلى الإستخفاف بالخطية وهلاك الرعية.. وهنا نتذكر قول معلمنا بولس الرسول “مخيف هو الوقوع فى يدّى الله الحى” (عب10: 31). “من خالف ناموس موسى فعلى شاهدين أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة. فكم عقاباً أشر تظنون أنه يحسب مستحقاً من داس ابن الله وحسب دم العهد الذى قدّس به دنساً وإزدرى بروح النعمة” (عب10: 28،29).

“فإننا نعرف الذى قال لى الإنتقام أنا أجازى يقول الرب. وأيضاً الرب يدين شعبه. مخيف هو الوقوع فى يدى الله الحى” (عب10: 30-31). وقوله أيضاً “لذلك ونحن قابلون ملكوتاً لا يتزعزع ليكن عندنا شكر به نخدم الله خدمة مرضية بخشوع وتقوى. لأن إلهنا نار آكلة”. (عب12: 28-29).

نحن اليوم حينما نقول “سامحنا يارب” عندما نخطئ. يقول لنا الرب: نعم أسامحكم لكن لابد أن تفهموا أن خطيئتكم ثمنها مدفوع. ثمناً غالياً..

لماذا لا يغفر الله لنا بدون الصليب ؟

البعض يقولون لماذا لا يغفر الله الخطية بناءً على طلب الإنسان بدون آلام الصليب ومعاناته. ونحن نجيبهم: أن الله إذا غفر بدون قصاص كامل للخطية يكون كمن يتساوى عنده الخير والشر. وإذا كان الغفران هو علامة لرحمته فأين قداسته الكاملة كرافض للشر إن لم تأخذ الخطية قصاصاً عادلاً؟

نحن نفهم أن الله يقول أنا أغفر لكم. لكنى أغفر لمن يدرك قيمة الغفران أن ثمنه غالى جداً؛ ولمن يقبل نعمة الشفاء من الخطية بفعل التجديد والتطهير الذى يعمله الروح القدس.

ما الفائدة أن مريضاً يطلب من الطبيب أن يسامحه على مرضه دون أن يطلب منه الشفاء؟!! الأجدر بالمريض أن يطلب من الطبيب أن يشفيه بكل الأدوية الضرورية. وهكذا لا يكفى طلب المغفرة من الله بدون وجود سبب للمغفرة، بل يلزم طلب المغفرة على حساب دم المسيح وطلب الشفاء وقبول تعاطى الدواء الذى يمنحه الطبيب السماوى وهو تجديد الطبيعة بالمعمودية وممارسة الأسرار المقدسة.  والكتاب يقول عن شفاء مرض لذة الخطية التى دفع ثمنها السيد المسيح “الذى بجلدته شفيتم” (1بط2: 24).

وقيل أيضاً أنه “مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا. كلنا كغنم ضللنا مِلنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا” (أش53: 5،6).

الإنسان يشعر أن ثمن خلاصه مدفوع، وأن السيد المسيح اشتراه بدمه. فلم يعد ملكاً لنفسه. وأنه قد دُفن مع المسيح وصُلب معه فى المعمودية. فحينما تأتى الخطية وتقول له خذ نصيبك من المتعة، يقول لها أين هو نصيبى من لذة الخطية؟! هل الميت له نصيب فى ذلك؟!! لهذا يقول القديس بولس الرسول “احسبوا أنفسكم أمواتاً عن الخطية ولكن أحياءً لله بالمسيح يسوع ربنا” (رو6: 11). فالإنسان يرى أن خطيته قد دُفع ثمنها لكى ينال الغفران.

يأتيه الشيطان ويقول له إرتكب الخطية مرة  أخرى. فيجيبه: كيف ذلك؟!! هذه الخطية ثمنها غالى.. الغفران مدفوع الثمن بالكامل. لأن “أجرة الخطية هى موت” (رو6: 23).

فالموت الذى أستحقه أنا، المسيح مخلصى دفع ثمنه بالكامل. الإنسان يخجل من نفسه كلما ينظر إلى الصليب ويشعر بالخزى، يحتقر نفسه.. يكره نفسه.. يكره النفس التى تطالب بالخطية وبلذتها.. يبكت نفسه ويقول فى مقابل هذه اللذة الرخيصة العابرة قد جُلد المسيح الذى أحبنى  بالسياط وسمر بالمسامير. إذاً فكل لذة محرَّمة يقبلها الإنسان قد دفع ثمنها السيد المسيح بالجلدات الحارقة فى جسده المبارك تلك التى احتملها فى صبر عجيب وهو برئ.

فإذا تجاهلنا العدل الإلهى.. فما الداعى للصليب أصلاً؟.. ما لزومه؟ هل الصليب مجرد تمثلية لكى يظهر لنا السيد المسيح محبته فقط؟!! ثم ما معنى كلمة “الفداء”؟ حينما يقول “ليبذل (المسيح) نفسه فدية عن كثيرين” (مت20: 28) أو “الذى بذل نفسه فدية” (1تى2: 6). هل أصبحت كلمة الفداء كلمة ليس لها معنى؟

والعجيب أن البعض يرفضون أن يقدم الفادى نفسه فى موضع الخاطئ. أى يضع نفسه فى مكان الخاطئ بينما الكتاب واضح إذ يقول أشعياء النبى”والرب وضع عليه إثم جميعنا” (أش53: 6) وقال يوحنا المعمدان “هوذا حمل الله الذى يرفع خطية العالم” (يو1: 29). ويقول أيضاً أشعياء النبى “جعل نفسه ذبيحة إثم” (أش53: 10).

وفى رسالته الأولى يقول معلمنا بطرس الرسول “عالمين أنكم أفتديتم لا بأشياء تفنى… بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب” (1بط1: 18-19) ويقول معلمنا بولس الرسول إن “المسيح إفتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا” (غل3: 13). ويقول “قد أشتريتم بثمن فمجدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التى هى لله” (1كو6: 20). ويقول “إذ محا الصك الذى علينا فى الفرائض الذى كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب” (كو2: 14).

ماذا يعنى تمزيق صك الدين الذى كان علينا؟ إلا إيفاء الدين تماماً بالصليب. فلماذا نحسب الدين إهانة للمخلص المحبوب؟

بولس الرسول يقول فى جسارة “لأنه جعل الذى لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه”.

القديس مار أفرام السريانى يقول [السبح للغنى الذى دفع عنا ما لم يقترضه وكتب على نفسه صكاً وصار مديناً] (الترنيمة الثانية عن الميلاد).

القديس أمبروسيوس يقول [ بالجسد علّق على الصليب ولأجل هذا صار لعنة. ذاك الذى حمل لعنتنا] (شرح الإيمان المسيحى – الكتاب الثانى- الفصل 11).

والقديس أثناسيوس يقول [ ولأن كلمة الله هو فوق الكل فقد لاق به بطبيعة الحال أن يوفى الدين بموته وذلك بتقديم هيكله وآنيته البشرية لأجل حياة الجميع. ] (تجسد الكلمة فصل 9 الفقرة 2).

مسألة إهانة كرامة الله :

          الذيــن يرفضـون عقيـدة الكفــارة يقـولون: “إن شــر

 الإنسـان لا يمكن أن يجرح كرامة الله، ولا يهينه. إذ كيـف

 للإنسان أن يمس كرامة الله، حتى لو فعل الإنسان كل ما فى وسعه من شر!!؟” ونحن نجيب عليهم بأن خطية الإنسان لن تمس كرامة الله طالما يعلن الله غضبه ضد الخطية. أما إذا لم يعلن غضبه كقدوس ففى هذه الحالة –وهذا مستحيل- تكون كرامته قد أهينت إذ لم تعلن قداسته المطلقة كرافض للشر. ولهذا فنحن نرى العدل والرحمة يتلاقيان بالصليب وبهذا أعلنت قداسة الله العادل ومحبته فى آنٍ واحد.

          وقد أوضح القديس أثناسيوس أن العدل الإلهى قد استوفى بآلام وموت الصليب فقال [ لهذا كان أمام كلمة الله مرة أخرى أن يأتى بالفاسد إلى عدم فساد، وفى نفس الوقت أن يوفى مطلب الآب العادل المطالب به الجميع وحيث أنه هو كلمة الآب ويفوق الكل، فكان هو وحده الذى يليق بطبيعته أن يجدد خلقة كل شئ وأن يتحمل الآلام عوضاً عن الجميع وأن يكون نائباً عن الجميع لدى الآب ] (تجسد الكلمة فصل 7 فقرة 5).

 

الموت النيابى:

ينادى البعض فى زماننا الحاضر بأن السيد المسيح لم يمت عنا بل مات لأجلنا. بمعنى أنه لم يمت على الصليب بدلاً عنا بل مات بنا وبهذا نكون قد متنا معه!!!

ويقولون إنه من الخطأ القول بأنه تألم عنا أو صلب عنا أو مات عنا… وهكذا وقد نسى هؤلاء أن الكنيسة كلها تردد فى قانون الإيمان فى جميع صلواتها الليتورجية عن السيد المسيح أنه [نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنس وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطى] فمن الواضح أننا نعترف بأنه صلب عنا

وأن السيد المسيح نفسه قال إن “ابن الإنسان لم يأت ليُخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين”. (مت20: 28).

وما معنى الفدية إن لم تكن عوضاً عمن إفتداهم؟!!

لو كنا قد متنا مع المسيح يوم صلبه فى يوم الفداء، فما هو لزوم الفداء؟‍ إننا فى هذه الحالة نكون قد دفعنا ثمن الخلاص بأنفسنا فى يوم الصليب.

          نحن صلبنا مع السيد المسيح ودفنا معه يوم قبولنا لسر العماد المقدس كقول معلمنا بولس “أم تجهلون أننا كل من إعتمد ليسوع المسيح إعتمدنا لموته. فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضاً فى جدة الحياة”  (رو6: 3،4).

          إن الروح القدس بعمل فائق للطبيعة وفوق الزمان والمكان يعمل فى سر العماد ويأخذ من إستحقاقات موت المسيح ويعطينا.. يمنحنا الغفران بإستحقاقات دم صليبه ويمنحنا الطبيعة الجديدة التى تليق بحياة البنوة لله ويجعلنا أعضاء فى “جسده الذى هو الكنيسة” (كو1: 24). النعمة الإلهية لا حدود لها أما نحن فمحدودين.

          نحن لم نكن موجودين قبل أن نوجد لكى نشارك المسيح تقديم نفسه فدية عن حياة العالم. وكيف نكون موجودين من ألفى عام؟ هل نأخذ حالة عدم المحدودية لكياننا البشرى المحدود بالزمان والمكان؟!!

          نحن كنا فى صُلب آدم حينما أخطأ فى الفردوس لأننا من نسله بحسب طبيعتنا البشرية. ولكننا لسنا من نسل السيد المسيح بحسب طبيعتنا البشرية، لأن السيد المسيح لم ينجب نسلاً جسدياً مثل آدم، بل الروح القدس يجدد هذه الطبيعة فى المعمودية ويمنحنا التبنى بالولادة الجديدة من الماء والروح لأن “المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح” (يو3: 6). نحن نصير أولاداً لله فى المعمودية وننتقل من الانتساب إلى آدم إلى الانتساب إلى السيد المسيح وبهذا نصير أعضاءً فى جسده أى الكنيسة التى هو رأسها.

إن السيد المسيح قد إشترك فى طبيعتنا بلا خطية لكى يصير قادراً أن يموت نيابة عن جميع الذين إفتداهم حينما حمل خطاياهم مسمراً إياها بالصليب.

عن هذا قال القديس أثناسيوس الرسولى فى كتاب تجسد الكلمة الفصل الثامن [وهكذا إذ أخذ من أجسادنا جسداً مماثلاً لطبيعتنا، وإذ كان الجميع تحت قصاص فساد الموت، فقد بذل جسده للموت عوضاً عن الجميع، وقدمه للآب. كل هذا فعله شفقة منه علينا، وذلك:

أولاً لكى يَبطل الناموس الذى كان يقضى بهلاك البشر، إذ مات الكل فيه، لأن سلطانه قد أكمل فى جسد الرب ولا يعود ينشب أظفاره فى البشر الذين ناب عنهم. ثانياً: لكى يعيد البشر إلى عدم الفساد بعد أن عادوا إلى الفساد، ويحييهم من الموت بجسده وبنعمة القيامة، وينقذهم من الموت كإنقاذ القش من النار] .

وأيضاً فى الفصل التاسع [وإذ رأى الكلمة أن فساد البشرية لا يمكن أن يبطل إلا بالموت كشرط لازم، وأنه مستحيل أن يتحمل الكلمة الموت لأنه غير مائت ولأنه ابن الآب،  لهذا أخذ لنفسه جسداً قابلاً للموت حتى بإتحاده بالكلمة ، الذى هو فوق الكل، يكون جديراً أن يموت نيابة عن الكل، وحتى يبقى فى عدم فساد بسبب الكلمة الذى أتى ليحل فيه وحتى يتحرر الجميع من الفساد، فيما بعد، بنعمة القيامة من الأموات. وإذ قدم للموت ذلك الجسد، الذى أخذه لنفسه، كمحرقة وذبيحة خالية من كل شائبة فقد رفع حكم الموت فوراً عن جميع من ناب عنهم، إذ قدم عوضاً عنهم جسداً مماثلاً لأجسادهم ].

إن السيد المسيح قد ناب عن البشر الخطاة وصُلب بدلاً عنهم وأوفى الدين الذى علينا. لم يكن معه أحد على الصليب يوم صُلب لأنه هو المخلص الوحيد الذى ليس بأحد غيره الخلاص وهو الوحيد الذى بلا خطية والوحيد الذى يستطيع أن يحمل خطايا العالم كله ويكون فدية مقبولة أمام الآب السماوى لسبب بره الكامل وذبيحته الفائقة فى قيمتها فى نظر الله الآب لأنها ذبيحة الابن الوحيد “لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يو3: 16).

إن كان هناك أحد قد صلب مع المسيح فى يوم الفداء على الجلجثة فلماذا دار الحوار التالى بين إشعياء النبى والسيد المسيح بروح النبوة؟ : “من ذا الآتى من أدوم بثياب حمر من بصرة هذا البهى بملابسه المتعظم بكثرة قوته؟ أنا المتكلم بالبر العظيم للخلاص. ما بال لباسك محمر وثيابك كدائس المعصرة؟ قد دست المعصرة وحدى ومن الشعوب لم يكن معى أحد. فدستهم بغضبى ووطئتهم بغيظى فرش عصيرهم على ثيابى فلطخت كل ملابسى” (أش63: 1-3).

أليس هذا هو المخلّص المسيح الذى رآه يوحنا فى رؤياه راكباً فرس أبيض “وهو متسربل بثوب مغموس بدم ويدعى إسمه كلمة الله… وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله… رب الأرباب” (رؤ19: 13-16)؟

لو كان أحد قد شارك المسيح فى يوم صلبه فلماذا قال “من الشعوب لم يكن معى أحد”؟!!! ولماذا قال لتلاميذه “تأتى ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركونى وحدى. وأنا لست وحدى لأن الآب معى؟!!” (يو16: 32) لو كان هناك من رعيته من صلب معه فلماذا قال لمن أرادوا أن يقبضوا عليه “إن كنتم تطلبوننى فدعوا هؤلاء يذهبون” (يو18: 8). ولماذا قال “أنا أضع نفسى عن الخراف” (يو10: 15).

ولماذا تنبأ قيافا وقال “أنتم لستم تعرفون شيئاً ولا تفكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها. ولم يقل هذا من نفسه” (يو11: 49-51). كيف يتجاسر أحد أن يقول أنه قد شارك المسيح فى صلبه يوم الجلجثة وفى تقديم ذبيحة الفداء بينما النبى أشعياء يقول “كلنا كغنم ضللنا مِلنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا” (أش53: 6).

          حتى اللص اليمين الذى صُلب إلى جوار السيد المسيح ومات على الصليب لا يستطيع أن يقول أن المسيح لم يمت بدلاً عنه. لأن موت اللص اليمين عل الصليب كان عقوبة أرضية على جرائمه التى إرتكبها فى حياته على الأرض. ولم يكن هذا ليعفيه من القصاص الأبدى على الإطلاق..

لولا أن المسيح مات بدلاً عنه على الصليب لما أمكن أن ينجو من الموت والهلاك الأبدى. وبواسطة ذبيحة الصليب الكفارية أمكن أن يفتح له باب الفردوس بناءً على توبته وبناءً على طلبته. اللص اليسار هو أيضاً مات ولكنه وهلك لأنه لم ينتفع من موت المسيح عوضاً عنه على الصليب.

          لا وجه للمقارنة على الإطلاق بين صليب المسيح وصليب اللص، لأنه على صليب المسيح كانت الذبيحة الوحيدة المقبولة أمام الله الآب، والتى تفى بكل ديون الخطاة، وتوفى العدل الإلهى تمام الإيفاء.

لذلك وردت النصوص التالية عن ذبيحة المسيح على فم أشعياء النبى :

  • U”أما الرب فسُرّ بأن يسحقه بالحزن إن جعل نفسه ذبيحة إثم” (أش53: 10).
  • U “عبدى البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها” (أش53: 11).
  • U “هو حمل خطية كثيرين وشفع فى المذنبين” (أش53: 12).

والسؤال الخطير الآن هو ما يلى :

          إذا كنا قد صلبنا مع المسيح فى يوم الصـليب بحيث لم

 يصلب عنا بل صُلب بنا كما يقول البعض فهل نصلب معه مرة ثانية فى المعمودية أم لا؟!!

          وهل يجوز أن يتكرر الصليب بالنسبة له، أو بالنسبة لنا؟!!

          وما فائدة أسرار الكنيسة والمعمودية؟ وما فائدة عمل الروح القدس فى الكنيسة؟!!

          نحن ننال شركة الموت مع المسيح فى المعمودية، ولهذا قال القديس بولس الرسول فى حديثه عن المعمودية : “إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضاً بقيامته” (رو6: 5).

          ونحن فى قوله “صرنا متحدين معه” يدل على أن هذا شئ قد حدث فى وقت العماد ولم يكن حادثاً من قبل. وإلا فما معنى الصيرورة هنا (من كلمة صرنا).

          إننا نحذّر من هذا التعليم الغريب والخطير الذى يهدم عقيدة الفداء فينبغى أن نثبت على تعليم الآباء القديسين القدامى وتعليم قداسة البابا شنودة الثالث أكد مراراً ضرورة التمسك بالتعليم الآبائى الصحيح “كى لا نكون فيما بعد أطفالاً مضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم بحيلة الناس بمكر إلى مكيدة الضلال” (أف4: 14).

عقيدة الكفارة والفداء – وإعلان محبة الله وعدله على الصليب – الأنبا بيشوي

قانون الإيمان اليهودي שְׁמַע יִשְׂרָאֵל، ما هو؟ إقرأ أكثر عنه

قانون الإيمان اليهودي שְׁמַע יִשְׂרָאֵל، ما هو؟ إقرأ أكثر عنه

قانون الإيمان اليهودي שְׁמַע יִשְׂרָאֵל، ما هو؟ إقرأ أكثر عنه

منقول من صفحة: المسيح في التراث اليهودي

 

ويُسمى “شِمع يسرائيل” (שְׁמַע יִשְׂרָאֵל) اي (اسمع يا اسرائيل).

وتتكون من 3 اجزاء

1- تثنية 6: 4-8
اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ. وَلْتَكُنْ هذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ عَلَى قَلْبِكَ، وَقُصَّهَا عَلَى أَوْلاَدِكَ، وَتَكَلَّمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ، وَحِينَ تَمْشِي فِي الطَّرِيقِ، وَحِينَ تَنَامُ وَحِينَ تَقُومُ، وَارْبُطْهَا عَلاَمَةً عَلَى يَدِكَ، وَلْتَكُنْ عَصَائِبَ بَيْنَ عَيْنَيْكَ

ملحوظة: بعد كلمة “رب واحد” تُقال عبارة بصوت خافت ولا تُقرأ بصوت عالي إلا في يوم الكفارة.
בָּרוּךְ שֵׁם כְּבוֹד מַלְכוּתוֹ לְעוֹלָם וָעֶד
وترجمتها: مبارك الاسم (يهوه) ملكوته مُمجد الى ابد الآبدين.

2- تثنية 11: 13-21
فَإِذَا سَمِعْتُمْ لِوَصَايَايَ الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا الْيَوْمَ لِتُحِبُّوا الرَّبَّ إِلهَكُمْ وَتَعْبُدُوهُ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَنْفُسِكُمْ، أُعْطِي مَطَرَ أَرْضِكُمْ فِي حِينِهِ: الْمُبَكِّرَ وَالْمُتَأَخِّرَ. فَتَجْمَعُ حِنْطَتَكَ وَخَمْرَكَ وَزَيْتَكَ. وَأُعْطِي لِبَهَائِمِكَ عُشْبًا فِي حَقْلِكَ فَتَأْكُلُ أَنْتَ وَتَشْبَعُ. فَاحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَنْغَوِيَ قُلُوبُكُمْ فَتَزِيغُوا وَتَعْبُدُوا آلِهَةً أُخْرَى وَتَسْجُدُوا لَهَا، فَيَحْمَى غَضَبُ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ، وَيُغْلِقُ السَّمَاءَ فَلاَ يَكُونُ مَطَرٌ، وَلاَ تُعْطِي الأَرْضُ غَلَّتَهَا، فَتَبِيدُونَ سَرِيعًا عَنِ الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ الَّتِي يُعْطِيكُمُ الرَّبُّ. «فَضَعُوا كَلِمَاتِي هذِهِ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَنُفُوسِكُمْ، وَارْبُطُوهَا عَلاَمَةً عَلَى أَيْدِيكُمْ، وَلْتَكُنْ عَصَائِبَ بَيْنَ عُيُونِكُمْ، وَعَلِّمُوهَا أَوْلاَدَكُمْ، مُتَكَلِّمِينَ بِهَا حِينَ تَجْلِسُونَ فِي بُيُوتِكُمْ، وَحِينَ تَمْشُونَ فِي الطَّرِيقِ، وَحِينَ تَنَامُونَ، وَحِينَ تَقُومُونَ. وَاكْتُبْهَا عَلَى قَوَائِمِ أَبْوَابِ بَيْتِكَ وَعَلَى أَبْوَابِكَ، لِكَيْ تَكْثُرَ أَيَّامُكَ وَأَيَّامُ أَوْلاَدِكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي أَقْسَمَ الرَّبُّ لآبَائِكَ أَنْ يُعْطِيَهُمْ إِيَّاهَا، كَأَيَّامِ السَّمَاءِ عَلَى الأَرْضِ.

3- عدد 15: 37-41
وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: «كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: أَنْ يَصْنَعُوا لَهُمْ أَهْدَابًا فِي أَذْيَالِ ثِيَابِهِمْ فِي أَجْيَالِهِمْ، وَيَجْعَلُوا عَلَى هُدْبِ الذَّيْلِ عِصَابَةً مِنْ أَسْمَانْجُونِيٍّ. فَتَكُونُ لَكُمْ هُدْبًا، فَتَرَوْنَهَا وَتَذْكُرُونَ كُلَّ وَصَايَا الرَّبِّ وَتَعْمَلُونَهَا، وَلاَ تَطُوفُونَ وَرَاءَ قُلُوبِكُمْ وَأَعْيُنِكُمُ الَّتِي أَنْتُمْ فَاسِقُونَ وَرَاءَهَا، لِكَيْ تَذْكُرُوا وَتَعْمَلُوا كُلَّ وَصَايَايَ، وَتَكُونُوا مُقَدَّسِينَ لإِلهِكُمْ. أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمُ الَّذِي أَخْرَجَكُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ لِيَكُونَ لَكُمْ إِلهًا. أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ».

احيانا يقال الجزء الاول فقط من الشمع، واحيانا يقال اول جزئين فقط.

الشيمع اليهودي (اول جزئين) مسموع ومقروء بلسان الرابي السفردي حجي بصري

 

قانون الإيمان اليهودي שְׁמַע יִשְׂרָאֵל، ما هو؟ إقرأ أكثر عنه

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

الدفاع عن قانون إيمان نيقية للقديس أثناسيوس الرسولى – د. نصحي عبد الشهيد

الدفاع عن قانون إيمان نيقية للقديس أثناسيوس الرسولى – د. نصحي عبد الشهيد

الدفاع عن قانون إيمان نيقية للقديس أثناسيوس الرسولى – د. نصحي عبد الشهيد

رسالة كتبها القديس أثناسيوس إلى أحد الأصدقاء ردًا على اعتراضات الآريوسيين على قانون إيمان نيقيا. وتاريخ كتابتها مابين 351 ـ 355 م (المرجع N,P.N.F. Vol.4 2nd series.).

1 ـ يعترض الآريوسيون على آباء مجمع نيقية لاستعمالهم عبارات ليست من الكتاب المقدس مثل ” من جوهر“، ” واحد فى الجوهر ” (أوموأوسيوس) [فقرة 1 ص 150].

ويرد القديس أثناسيوس بسرد ما حدث فى مجمع نيقيا من موافقة جميع آباء المجمع على هذه العبارات ” من جوهر “، ” واحد فى الجوهر ” حتى الأساقفة الذين كانوا فى البداية رافضين لها مثل أوسابيوس أسقف نيقوميديا، وأوسابيوس أسقف قيصرية فلسطين (المؤرخ) ووّقعوا جميعًا على هذه العبارات التى يشكو منها الآريوسيون الآن وهى: ” من جوهر الآب “، “واحد فى الجوهر “. وأن ” ابن الله ليس مخلوقًا…. بل أن الكلمة هو مولود من جوهر الآب “. وذكر أثناسيوس أيضًا أن أوسابيوس القيصرى الذى كان ينكر هذه العبارات فى اليوم السابق عاد فاقتنع بها ووّقع عليها وأرسل رسالة بذلك إلى كنيسته يقول فيها أن هذا هو إيمان الكنيسة وتقليد الآباء واعترف جهرًا أنهم كانوا سابقًا على خطأ. (فقرة 3:ص152).

 

2 ـ معانى كلمة ” ابن ” ـ معنيان فى الكتاب المقدس:

أ ـ المعنى الأول ابن بالتبنى ” مثل قول الله فى التثنية ” إن حفظت وصايا إلهك.. أنتم أولاد للرب إلهكم ” (تث 1:14)، وفى يوحنا ” الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله ” (يو12:1).

ب ـ ابن بالطبيعة أو بالجوهر : كما يقول مثلاً أن اسحق ابن ابراهيم، ويعقوب ابن اسحق وهكذا. (فقرة 6 ص 154).

 

فإن كانوا يفهمون معنى ابن الله بالمعنى الأول المختص بالذين ينالون اسم ابن بالنعمة وينالون سلطانًا لكى يصيروا أولاد الله فلا يكون ابن الله مختلفًا عنا فى أى شئ ولايكون هو الابن الوحيد الجنس حسب اعلان الإنجيل (فقرة 154:6). وهذا المعنى لايتفق مع التقوى. ولذلك فلايبقى إلا أن نقول ان ابن الله يسمى ابنًا بحسب المعنى الثانى أى مثلما يقال عن اسحق إنه ابن ابراهيم، لأن المولود بالطبيعة من آخر لا تضاف إليه هذه البنوة من الخارج بل هو بالطبيعة ابن. وهذا هو ما يعنيه الاسم (أى اسم ابن). ولكن ولادة الابن تختلف عن الولادة البشرية لأن الله ليس كالإنسان ولا الإنسان مثل الله.

فالبشر خُلقوا من المادة القابلة للتغير، أما الله فهو غير مادى ولاجسد له (بطبيعته قبل التجسد) وحتى إن كان الكتاب الإلهى يستعمل نفس التعبيرات عن الله والإنسان ولكن ذوى النظر الواضح يميزون ما كُتب بحسب طبيعة كل موضوع ويتحاشون أى اختلاط فى المعنى. وهكذا فإنهم لايفهمون أمور الله بطريقة بشرية ولاينسبون أمور الإنسان إلى الله (فقرة 10: ص156).

 

+ فولادة البشر هى بطريقة معينة أما ولادة الابن فهى من الآب وبطريقة أخرى لأن الناس هم أجزاء من آبائهم. إذ أن طبيعة الأجساد نفسها هى مركبة ومكونة من أجزاء، والناس يفقدون جزءًا من تكوينهم فى الولادة وأيضًا يكتسبون مادة لأجسادهم من تناول الطعام (فقرة 11: ص 157).

وهكذا فإن البشر فى عمر معين يصيرون آباء لأولاد كثيرين أما الله إذ لاأجزاء له ـ فهو أب الابن بدون انفصال أو شهوة وإذ هو غير مركب فى طبيعته فهو أب لابن وحيد. لهذا السبب فهو الابن الوحيد الجنس وهو وحده فى حضن الآب، وهو وحده الذى اعلن الآب أنه منه قائلاً: ” هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت ” (مت 17:3). وهو أيضًا كلمة الآب والذى يُفهم منه أن طبيعة الآب غير متغيرة وغير متجزئة. ولذلك فهو أيضًا ككلمة يجلس عن يمين الآب لأنه حيث يكون الآب فهناك أيضًا كلمته، أما نحن كمصنوعاته فإننا نقف أمامه للمجاوبة، وبينما هو يُعبد لأنه ابن الآب المعبود ونحن نعبده معترفين به ربًا وإلهًا لأننا مخلوقات ونختلف عنه. (فقرة 11 نهايتها ص 157).

 

+ بسبب أن ” ليس أحد يعرف الابن إلا الآب ولاأحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له ” (مت 27:11) لذلك فالكُتّاب الملهمون الذين أعطاهم الابن الاعلان قد اعطونا صورة معينة من الأمور المنظورة قائلين: ” الذى هو شعاع مجده ورسم أقنومه (جوهره) “

(عب3:1) وأيضًا ” لأن عندك ينبوع الحياة وبنورك سنعاين النور ” (مز9:36)، وأيضًا ” تركت ينبوع الحكمة ” (باروخ 12:3)، ” وتركونى أنا ينبوع المياه الحية ” (إر13:2). رغم أن هذه الأمثلة معتمة جدًا بالمقارنة بما نتطلع إليه، إى أنه من الممكن أن نفهم منها شيئًا يفوق طبيعة الإنسان بدلاً من التفكير بأن ولادة الابن على مستوى ولادتنا البشرية. لأنه من يستطيع أن يتخيل أن شعاع النورلم يكن موجودًا فى النور حتى يتجاسر أن يقول أن الابن لم يكن دائمًا موجودًا أو أنه لم يكن قبل أن يولد ؟ أو من يستطيع أن يفصل الشعاع من الشمس، أو أن يدرك الينبوع كأنه عديم الحياة منذ الأزل حتى يقول بجنون أن الابن مخلوق من العدم. وهو الذى (أى الابن) يقول ” أنا هو الحياة ” (يو6:14) أو أن يقول بجنون إنه غريب عن جوهر الآب وهو الذى يقول ” من رآنى فقد رأى الآب ” (يو 9:14).

 

وهنا ينتقد القديس أثناسيوس الذين يتركون إعلانات الوحى وتوضيحاته لكى يكوّنوا أفكارًا عن رب المجد من مصادر أخرى غير الكتاب وليس لها معنى دينى تقوى. (فقرة 12 ص 158).

+ بعد ذلك يرد القديس أثناسيوس على فهم الآريوسيين لآية سفر الأمثال ” الرب قنانى أول طرقه لأجل أعماله ” (أم 22:8). [يعالج القديس أثناسيوس هذه الآية ومثيلاتها فى سفر الأمثال فى المقالة الثانية ضد الآريوسيين كلها]. أما هنا فى هذه الرسالة فينتهى إلى القول باختصار أن كلمة سفر الأمثال ” خلقنى ” ليست عن لاهوته بل عن خلقة جسده عندما تجسد من العذراء لأجل أن يتمم أعمال الله للخلاص، ويختم قائلاً: ” الكلمة صار جسدًا لكى يقدم هذا الجسد لأجل الجميع ولكى بنوالنا شركة روحه فإننا نتأله، وهى هبة لم نكن نستطيع أن ننالها بأى طريقة سوى بلبسه هو نفسه لجسدنا المخلوق.

ومن هنا نكتسب اسمنا ” أناس الله “، “وأناس فى المسيح ” ولكن كما أننا نحن بنوالنا الروح لانفقد طبيعتنا الخاصة (المخلوقة)، هكذا فإن الرب حينما صار إنسانًا لأجلنا ولبس جسدًا لم يفقد كونه إلهًا، لأنه لم ينقص باكتسائه بالجسد بل بالحرى ألهَّه وجعله غير مائت. (فقرة 14 ص 158، 159).

 

3 ـ الدفاع عن استعمال مجمع نيقيا لتعبير ” واحد فى الجوهر “:

يشرح القديس أثناسيوس سبب اضطرار مجمع نيقية لاستخدام تعبير ” أوموأوسيوس ” أى ” الواحد فى الجوهر ” بسبب تلاعب الآريوسيين بالكلمات ومحاولتهم اعتبار ابن الله مع المخلوقات لأن المخلوقات بحسب رأيهم هى من الله وبنفس المعنى يكون الابن من الله، ولذلك فقد جمع الآباء معنى ابن الله من الكتب المقدسة وأعادوا كتابة ماسبق أن قالوه بدقة أكثر مستعملين عبارة واحد مع الآب فى الجوهر التى لايمكن أن تنطبق على المخلوقات المختلفة عن الله فى الجوهر لأنها مخلوقة. أما الابن فهو وحده من جوهر الآب وواحد معه فى الجوهر. ولذلك فبعد نهاية نص القانون أضاف الآباء مباشرة ” أما الذين يقولون إن ابن الله هو من العدم، أو مخلوق، أو متغير أو من جوهر آخر فهؤلاء تحرمهم الكنيسة المقدسة الجامعة “. (فقرة 20 ص 164).

 

4 ـ استشهاد بآباء ومعلمين قبل المجمع:

فى الفقرة 25 من الرسالة يقول القديس أثناسيوس أن آباء مجمع نيقيا لم يخترعوا هذه التعبيرات التى عبروا بها عن ألوهية الابن، بل تكلموا بما استلموه من سابقيهم. ويذكر أربعة من هؤلاء السابقين ويورد أجزاء من كتاباتهم وهم:

 

(1) ثيئوغنسطس (كان مديرًا لمدرسة الاسكندرية فى نهاية القرن الثالث) ويستشهد بهذه العبارات من كتاباته.

” جوهر الابن لم يحصل عليه من الخارج وليس هو من العدم، بل هو نابع من جوهر الآب، مثل الشعاع من النور… “

 

(2) ديونسيوس أسقف الاسكندرية: فى القرن الثالث.

الذى يعترف بأن المسيح واحد فى الجوهر مع الله الآب، وأنه رغم أنه قال ” إن هذه العبارة ليست موجودة فى الكتاب المقدس إلا أن ملاحظاتى التى تلت ذلك تتفق مع هذا الإيمان “. فضرب مثلاً بمقارنة نمو النبات من البذرة أو من الجذر، ولكن النبات والجذر رغم أنهما ليس نفس الشئ إلا أنهما واحد فى الطبيعة. وهكذا الابن مع الآب. كما ضرب مثلاً ” بالنهر النابع من الينبوع “.

 

(3) ديونسيوس أسقف روما: فى القرن الثالث وهو معاصر لديونسيوس الأسكندرى. وكتب ضد سابيليوس واتباعه. ويقول ” كثير من فقرات الأقوال الإلهية تقول إن الابن مولود من الآب، ولم يرد فيها أبدًا أنه أتى إلى الوجود (أى خُلق).. وينبغى أن نؤمن بالله الآب ضابط الكل وبالمسيح يسوع ابنه وبالروح القدس. ونعتقد أن الكلمة متحد بإله الكون. لأنه يقول (أى الابن) ” أنا والآب واحد “، ” وأنا فى الآب والآب فىَّ “.

 

(4) أوريجينوس: ويصفه أثناسيوس أنه ” محب التعب “.


” صورة الإله غير المنظور هى غير منظورة. وإذ هو مثل الآب فإنه لم يكن أبدًا فى أى وقت غير موجود. لأنه متى كان ذلك الإله الذى حسب يوحنا يدعى النور بدون شعاع مجده الذاتى، موجودًا فيه ومعه ؟ ومتى كان صورة الآب الذى لايعبر عنه والأقنوم الذى لاينطق به وهو الرسم والكلمة وهو الذى يعرف الآب، متى لم يكن موجودًا ؟ فمن يتجاسر على القول أن الابن كان فى وقت غير موجود فدعه يفهم أنه بهذا يقول إن الحكمة لم تكن موجودة والكلمة لم يكن موجودًا والحياة لم تكن موجودة. (أنظر فقرة 25،26 ص 166ـ167 ـ168)

+ وبعد استشهاده بالآباء والكُتّاب السابقين على مجمع نيقيا يقول أثناسيوس ” أنظر ها نحن نبرهن أن هذا التعليم عن ألوهية الابن قد سلّم من أب إلى أب. أما انتم أيها اليهود الجدد وتلاميذ قيافا فكم أب وكم معلم تنسبون له آراءكم “.

وبهذا يؤكد القديس أثناسيوس أن تعليم مجمع نيقية عن ألوهية الابن هو التعليم القديم المُسلّم طوال العصور السابقة على المجمع منذ الرسل وأن تعليم آريوس هو المستجد والذى ليس له أصل قديم بل هو ابتداع حديث مضاد للإيمان المُسلّم.

تعريف الذات مع ابن الإنسان

يسوع هو الله لفظاً

انجيل توما

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل

الدفاع عن قانون إيمان نيقية للقديس أثناسيوس الرسولى – د. نصحي عبد الشهيد

قانون الإيمان للقديس إبيفانيوس

قانون الإيمان للقديس إبيفانيوس

قانون الإيمان للقديس إبيفانيوس



إن هذا الإيمان قد سلمه الرسل القديسون إلى الكنيسة في المدينة المقدسة بفم الأساقفة الذين اجتمعوا معاً (في نيقيه) وعددهم 318، وفي جيلنا هذا، أعني في أيام فالنتينوس وفالنس وفي السنة التسعين بعد ديوكلينتيان الطاغية (وهذه توافق سنة 374، أي قبل انعقاد المجمع المسكوني الثاني بسبع سنوات) فأنت ونحن وكل الأساقفة الأرثوذكسيين في كل الكنيسة الجامعة نوجه معاً هذا الخطاب إلى الذين يقبلون إلى المعمودية لكي يعلنوا قائلين ما يلي:

[ نؤمن بإله واحد، آب ضابط الكل، خالق كل شيء، كل ما يُرى وما لا يُرى. وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله، ابن الآب الوحيد الذي هو من جوهر الآب. إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق. الذي هو والآب من جوهر واحد. الذي به كان كل شيء، ما في السماء وما على الأرض، ما يُرى وما لا يُرى.

الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا، نزل وتجسد، أعني أنه حُبِلَ به تماماً بواسطة الروح القدس من مريم العذراء. وتأنس أعني صار إنساناً كاملاً، له نفس وجسد ونطق وكل ما يتألف منه الإنسان، ولكن بدون خطية وليس من زرع بشري. ولا يعني هذا أنه حلَّ في إنسان، بل اتخذ لنفسه جسداً وصار كائناً واحداً مقدساً. ليس كأنه أوحى للأنبياء وتكلم وعمل بهم، ولكنه صار إنساناً تاماً، لأن الكلمة صار لحماً ولم يجري عليه أي تغيير ولم يحوِّل طبيعته الإلهية إلى طبيعة بشرية، ولكنه ضمها إلى وحدته الكاملة المقدسة وإلى لاهوته.

فأنه لا يوجد إلا رب واحد يسوع المسيح، لا اثنان. وهو نفسه إله. هو نفسه رب. وهو نفسه ملك. أنه تألم بالجسد وقام، وصعد إلى السماء بالجسد نفسه، وجلس بمجد عن يمين الآب، وبالجسد ذاته سيأتي بمجد ليُدين الأحياء والأموات. الذي لا فناء لملكه.

ونؤمن بالروح القدس الناطق بالناموس والمُعلِّم بالأنبياء، الذي نزل إلى الأردن، ونطق بالرسل، وهو يحل في القديسين. وهكذا نؤمن به، أي أنه الروح القدس روح الله الكامل، الروح المعزي غير المخلوق. المنبثق من الآب والمُرسل من الابن، والمؤمن به.

ونؤمن بكنيسة واحدة جامعة رسولية، وبمعمودية واحدة للتوبة. وبقيامة الموتى. وبدينونة النفوس والأجساد العادلة، وبملكوت السماوات وبالحياة الأبدية.

والذين يقولون أنه كان وقت لم يكن فيه الابن أو لم يكن فيه الروح القدس، أو أن كلاً منهما قد خُلِقَ من العدم، أو أنه من طبيعة أو جوهر مختلفين (عن طبيعة وجوهر الآب). ويؤكدون أن ابن الله والروح القدس هما عرضة للتغيير والتبديل، كل هؤلاء تبسلهم (تحرمهم أو تقطعهم من الشركة) الكنيسة الجامعة الرسولية أُمكم وأُمنا كلنا. ثم اننا نبسل أيضاً الذين لا يعترفون بقيامة الموتى كما نرفض كل البدع التي لا تتفق مع الإيمان الحقيقي.

وأخيراً انكم وأولادكم إذ تؤمنون هكذا وتُحافظون على وصايا هذا الإيمان نفسه، نثق بانكم تصلون دائماً لأجلنا حتى نتمكن من أن يكون لنا شركة ونصيب في الإيمان نفسه وفي حفظ الوصايا نفسها. قدموا شفاعتكم (ابتهالاتكم) لأجلنا انتم وكل الذين يؤمنون الإيمان ذاته ويحفظون وصايا ربنا يسوع المسيح الذي به ومعه المجد للآب والروح القدس إلى الأبد آمين

 

دستور الإيمان لإبيفانيوس كما وجد في كتابة ((انكوراتس))
(فصل 120 حسب طبعة بيتافيوس في كولونيا سنة 1682)
 
عن كتاب مجموعة الشرع الكنسي أو قوانين الكنيسة المسيحية الجامعة
جمع وترجمة وتنسيق الأرشمندريت حنانيا إلياس كساب
منشورات النور 1998 صفحة 247، 248
قانون الإيمان للقديس إبيفانيوس

قانون الإيمان للقديس إبيفانيوس

Exit mobile version