العلامة اوريجانوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثالث

العلامة اوريجانوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثالث

العلامة اوريجانوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثالث

 

العلَّامة أوريجانوس

وُلِد أوريجانوس بالإسكندريّة عام 185م وصار عميدًا لمدرسة الإسكندريّة منذ العام 203 حتّى 231م. ثُمَّ ذهب إلى قيصريّة فلسطين، وأسّس مدرستها اللاهوتيّة، وعلَّم بها حتّى سنة 249م.

وكان أوريجانوس واسع العلم والمعرفة، ومع ذلك فالمعرفة والعلم الغزير لم يدفع بأوريجانوس إلى الكبرياء والتشامخ، بل على العكس، كان يدرك أن الكارز يلزمه أولًا وقبل كلّ شيء أن يكون رجل صلاة. وفي مرّات كثيرة حينما كان يقف أمام عبارة صعبة يتوقّف عن الكلام ويطلب من سامعيه الصلاة من أجله لينال فهمًا أفضل للنص.[1]

ويُعتبر أوريجانوس أحد مؤسّسيّ التعاليم النسكيّة، وبجانب حياته النسكيّة اهتمّ بممارسة الصلاة بكونها جزءًا لا يتجزأ من الحياة النسكيّة، تسنده في تحرير النفس ودخوله إلى الإتحاد مع الله بطريقة أعمق. يرى في الصلوات أمرًا ضروريًا لنوال نعمة خاصة من قِبَل الله لفهم النص الإلهيّ.[2] وقد رأى إنّ الإنسان يطلب الإتحاد مع الله خلال حفظ البتوليّة،[3] فينسحب عن العالم وهو بعد يعيش فيه،[4] مُقدّمًا تضحية في أمور الترف قدر ما يستطيع،[5] مُحتقرًا المجد البشريّ.[6]

لأوريجانوس مكانة عظيمة في وقته في ردّ الكثير من المرتدين أو مُنحرفيّ الفكر إلى الإيمان الأرثوذكسيّ. في الكثير من المناسبات، كانت تتمّ دعوته إلى العربية ليتناقش مع الأساقفة في أمور الإيمان والعقيدة،[7] وقد أشار المؤرّخ يوسابيوس إلى اثنين من هذه المناقشات، نذكر منها ذلك المجمع العربيّ الذي عُقد في عام 244م لمناقشة وجّهة نظر الأسقف بريلوس Barylius في شخص السيد المسيح.

انعقد هذا المجمع على مستوى واسع، وقد أدان الأسقف بسبب قوله إنّ الله أقنوم واحد، وقد حاولوا باطلًا إقناعه أن يعود إلى الإيمان المستقيم.[8] أسرع أوريجانوس إلى العربيّة ونجح في إقناع الأسقف الذي يبدو أنه بعث إليه برسالة شكر،[9] وصار من أكبر المُدافعين عنه.[10]

تعرّف أوريجانوس على صديق ثري، يُدعى أمبروسيوس،[11] كان يتّبع هرطقة فالنتينوس، وهو من عائلة طيبة ويشغل مركزًا ممتازًا، إذ إلتقى أوريجانوس بأمبروسيوس، جذبه إلى الإيمان المستقيم وأظهر له فساد هرطقة فالنتينوس التي سقط فيها. وإذ أعجب أمبروسيوس بصديقه، ضغط عليه أن يكتب، وأمدّه بأكثر من سبعة من الكتبة في دورات بجانب الكثير من النُسّاخ وبعض الفتيات اللواتي يجدن الكتابة.[12] وفيما بعد صار أمبروسيوس هذا أحد المعترفين[13] في أثناء اضطهاد مكسيميان.

عن الدور الذي قام به أوريجانوس في ردّ الكثير من مُشتتي الفكر إلى الإيمان، يكتب المؤرخ يوسابيوس: ”إذ جذبت سمعة أوريجانوس العلميّة أنظار الكثيرين… ورنّ صداها في كلّ موضع، جاءوا إليه يختبرون قدرة ذكائه في العلوم الدينيّة، فتتلمذ على يديه كثير من الهراطقة (الذين ردّهم للإيمان المُستقيم)، وعدّد ليس بقليل من أبرز الفلاسفة، وتلقّوا التّعليم على يديه لا في الأمور الدينيّة فحسب بل والفلسفة الدنيويّة…

لقد اشتهر كفيلسوف عظيم حتّى بين اليونانيّين أنفسهم… ويشهد لنبوغه في هذه العلوم فلاسفة عصره اليونانيّين، فكثيرًا ما أشاروا إليه في كتاباتهم، بل وأحيانًا كانوا يكتبون إهداءً إليه في مُقدّمة كتاباتهم، كما كان بعضهم يقدّمون له مؤلفاتهم ليبديّ رأيه فيها“.[14]

كما كان له دور بارز في أوقات الاضطهاد التي كانت تحلّ بالكنيسة، يصفه لنا شيخ مؤرخي الكنيسة، يوسابيوس القيصريّ على النحو التالي: ”برّز اسمه بين قادة الإيمان، وذلك بسبب اللطف والرعاية والرقّة التي أظهرها نحو الشهداء والقديسين، سواء كانوا معروفين لديه أو غرباء عنه. كان يرافقهم في السجن ويمكث معهم أثناء المُحاكمة، بل يبقى معهم حتّى لحظات الموت…

غالبًا عندما كان يذهب إلى الشهداء يهتمّ بهم ويُحيّيهم بقبلة دون أي اعتبار لما ينتج عن ذلك، فكان الوثنيّون المحيطون بهم يثورون عليه ويكادوا أن يهجموا عليه ليضعوا حدًّا لحياته“.[15] ويقول الأب والعالم الآبائيّ فرار Farrar: ”إنّ قديسين وشهداء اشتهوا الجلوس عند قدميه“.[16] 

ويروي لنا أبيفانيوس[17] قصة عن رعاع الوثنيّين الذين أمسكوه ذات يوم وهو سائر في الطريق وحملوه بضجيج شديد إلى هيكل سيرابيوم الشاهق، وحلقوا رأسه، ووضعوا عليها قلنسوة، وألبسوه حُلّة بيضاء على طريقة كهنتهم رغمًا عنه، ثُمَّ أخرجوه خارج الهيكل وأصعدوه على القمة الكبرى التي أعلى السلم، وأعطوه سعف النخل، وأمروه أن يقوم بتوزيعه على عبدة الأوثان المجتمعين حوله، وكانوا يسخرون به مصفقين. 

فأسرع أوريجانوس يلوح بالأغصان وينثرها على المتجمهرين وهو يقول بصوت عظيم: ”هلمّوا خذوا هذه الأغصان لا برسم الأوثان بل باسم يسوع المسيح خالق الإنسان“، فصَرّوا بأسنانهم عليه وأرادوا قتله، لكنّ الرّبّ أنقذه من أيديهم.

الصراع مع البابا ديمتريوس

حواليّ عام 216م إذ نهب الإمبراطور كاركلا Caracalla مدينة الإسكندريّة وأغلق مدارسها واضطهد مُعلّميها وذبحهم، قرّر أوريجانوس أن يذهب إلى فلسطين. هناك رحبّ به صديقه القديم الإسكندر أسقف أورشليم كما رحبّ به ثيؤكتستوس Theoctistus أسقف فلسطين، الذين دعاه أن يشرح الكتاب المُقدّس في اجتماعات المسيحيّين، وفي حضرتهما.

غضب البابا ديمتريوس السكندريّ جدًّا، لأنّه حسب عادة الكنيسة السكندريّة آن إذ أنّ العلمانيّ لا يستطيع أن يعظ في حضرة الأسقف، فأمر بعودته إلى الإسكندريّة سريعًا. وبالفعل أطاع أوريجانوس بطريركه في خضوع، وبدت الأمور تسير كما كانت عليه قبلًا، لكنّ هذا الحديث صار مُقدّمة لصراع أوشك أن يحدث بعد عدة سنوات (واستمر حواليّ 15 عامًا).

قد أورد المؤرّخ يوسابيوس دفاع الأسقفين الإسكندر وثيؤكتستوس عن نفسيّهما، والذي جاء فيه: ”جاء في رسالته، أنّه لم يسمع عن أمر كهذا من قبل، ولا حدث إلى الآن أن وعظ علمانيّون في حضرة أساقفة! ولست أدري كيف يقرّر أمرًا غير صحيح، لأنّه متى وُجِد أناس قادرون على تّعليم الإخوة يحثّهم الأساقفة القديسون على وعظ الشعب.

هذا ما حدث في لاراندا عندما طلب ذلك نيون من يولبس، وفي أيقونيّة عندما أمر كلسّس بولينوس… والأرجح أنّ هذا حدث في أماكن أُخرى لا نعلمها“.[18]

أُرسِل العلَّامة أوريجانوس إلى اليونان لضرورة مُلحة تتعلق ببعض الشئون الكنسيّة، وبقيَّ عامين غائبًا عن الإسكندريّة. ذهب إلى آخائية ليعمل صُلحًا، وكان يحمل تفويضًا كتابيًّا من بطريركه. وفي طريقه عبّر بفلسطين، وفي قيصريّة سُيّم قسًا بواسطة أسقفها.[19]

 فقد بدى للأساقفة أنّه لا يليق بمرشد روحيّ مثل أوريجانوس بلغ أعلى المستويات الروحيّة والدراسيّة أن يبقى علمانيًّا. هذا وقد أرادوا أن يتجنّبوا المخاطر التي يثيرها البابا ديمتريوس بسماحهم له أن يعظ وهو علمانيّ في حضرتهم.

وقد اعتبر البابا هذه السيامة أكثر خطئًا من التصرف السابق، حاسبًا إيّاها سيامة باطلة لسببين:

1- إنّ أوريجانوس قد قَبِل السيامة من أسقف آخر غير أسقفه، دون أخذ تصريح من الأسقف التابع له.

2- إذ كان أوريجانوس قد خصى نفسه، فهذا يحرمه من نوال درجة كهنوتيّة، فإنّه حتّى اليوم لا يجوز سيامة من يخصي نفسه.

وإخصائه لنفسه هذا، يرجع إلى حضور النسوة كي يستمعن لمحاضراته، ولكي لا تحدث عثرة رأى أن ينفذ حرفيًّا ما ورد في الإنجيل أن أناسًا خصوا أنفسهم من أجل ملكوت الله (مت 19:12)، لكنّ يبدو أنّه قدّم توبة على هذا الفعل، حيث نجده في تفسيره لهذا النص من إنجيل متى، فسرّه تفسيرًا رمزيًّا لا حرفيًّا.[20]

إدانته

لم يحتمل البابا ديمتريوس هذا الموقف فدعى لانعقاد مجمع من الأساقفة والكهنة بالإسكندريّة. رفض المجمع القرار السابق مكتفيًّا باستبعاده عن الإسكندريّة.[21]

لم يكن هذا القرار كافيًا لإرضاء البابا، فدعى مجمعًا من الأساقفة وحدهم عام 232م، قام بإعلان بطلان كهنوت أوريجانوس واعتباره لا يصلح بعد للتّعليم، كما أعلن عن وجود بعض الأخطاء اللاهوتيّة في كتاباته.

بالرغم من أنّ أوريجانوس رُبّما قد أخطأ في قبول الدرجة الكهنوتية من غير أسقفه، إلَّا إنّه الرجل النبيل الذي أطاع القرار مُتحاشيًا كلّ انقسام، أطاع بروح مسيحيّة لا تحمل شيئًا من الأنانيّة، معتبرًا استبعاده عن الأرض -الغالية عليه جدًّا أكثر من أيّة بقعة أُخرى على الأرض- ليست بالتضحية الكُبرى من أجل حفظ وحدة الكنيسة. فبالرغم من وجود أصدقاء لهم سلطانهم في الإسكندريّة وفي الخارج، وكان يمكنه أن يقود حركة مضادة للبابا، لكنّه أبى أن يفعل شيئًا من هذا.

في هدوء، ترك الإسكندريّة شاعرًا أنّه لن يوجد من يقدر أن يفصله عن كنيسته المحبوبة، إذ يقول: ”يحدث أحيانًا أنّ إنسانًا يُطرد خارجًا، ويكون بالحقّ لا يزال في الداخل، والبعض يبدو كما لو كانوا في الداخل مع أنّهم في الحقّيقة هم في الخارج“.[22]

كانت هذه العاصفة التي ثارت ضدّ أوريجانوس بلا شك صفعة مرعبة، ومع ذلك فإنّنا نراه وهو يتحدّث عنها يتكلّم بإتزان، إذ يقول في مُقدّمة الكتاب السادس لإنجيل يوحنا:[23]

”بالرغم من العاصفة التي هبّت ضدّنا في الإسكندريّة أكملت المجلّد الخامس (من تفسير إنجيل القديس يوحنا) لأنّ يسوع أمر الرياح والأمواج أن تهدأ. لقد بدأت فعلًا في المجلّد السادس حين طُردت من أرض مصر. منذ ذلك الحين والعدوّ يضاعف عنفه، فينشر رسائله الجديدة، التي هيَ بالحقّ غريبة عن الإنجيل، هكذا يطلق علينا الرياح الشرّيرة قادمة علينا من مصر.

وكان للعقل أن يشير علينا أن نستعد للمعركة. لكنّ، لا يمس هذا الأمر سلامنا إلى حد كبير فيعود الهدوء إلى ذهننا حتّى نقدر أن نكمل أعمالنا السابقة الخاصة بدراسة الكتاب المُقدّس“.

نياحته

في أيام داكيوس Decius (249-251)، ثار الاضطهاد مرّة أُخرى، وألقيَّ القبض على أوريجانوس. تعذّب جسده، ووُضِع في طوق حديدي ثقيل وألقيَّ في السجن الداخليّ، وربطت قدماه في المقطرة أيامًا كثيرة، وهُدّد بالإعدام حرقًا.[24]

احتمل أوريجانوس هذه العذابات بشجاعة، وإن كان لم يمت أثناءها، لكنّه مات بعد فترة قصيرة، رُبّما كان متأثّرًا بالآلام التي لحقت به.

قبل أن يموت أرسل إليه البابا الإسكندريّ ديونسيوس، الذي كان تلميذًا لأوريجانوس في مدرسة الإسكندريّة، وقد خلف هيراقليس في الباباويّة وزعامة المدرسة أيضًا، رسالة ”عن الاستشهاد“، لعلّه بذلك أراد أن يُجدّد العلاقة بين العلَّامة السكندريّ أوريجانوس وكنيسة الإسكندريّة.

في عام 254م رقد أوريجانوس في مدينة صور بفلسطين وكان عمره في ذلك الحين 69عامًا،[25] وقد اهتّمّ مسيحيّو صور بجسده اهتمّامًا عظيمًا، فدفنوه إزاء المذبح، وغطّوا قبره ببوابة من الرخام، نقشوا عليها:”هُنا يرقد العظيم أوريجانوس“.

 وقد شاهد الكاتب غيليوم الصوري هذا القبر والباب الرخاميّ في أواخر القرن الثاني عشر.[26]

آراء العلماء وآباء الكنيسة عنه

ألكسندروس أسقف أورشليم الذي كان يتطلّع إلى أوريجانوس كمعلّمه وصديقه، خليفة الاستاذين المُبجّلين بنتينوس وإكليمندس، بل وأعظم منهما. ففي اليوم التالي لنياحة القديس إكليمندس، كتب ألكسندر لأوريجانوس هكذا:

”إنّنا نعرف جيدًا الأبوين الطوباويّين اللذين سلكا الطريق قبلنا وسنلحق بهما سريعًا: ”بنتينوس الطوباويّ والمعلّم القدير، وإكليمندس المبجّل معلّمي ومعيني، وأيضًا آخرين مثلهما، وقد تعرّفت خلالهما عليك، إذ أنت هو ممتاز معهما، يا معلّمي وأخي“.[27]

فهو المُعلّم والباحث الممتاز في الكنيسة الأولى، شخصيّته لا يشوبها عيب، يحمل في تّعليمه دائرة معارف موسوعيّة، ويعتبر أحد المفكرين الأصليين الذين شاهدهم العالم“.[28] ”يرى البعض في العلَّامة أوريجانوس أعظم فكر يحمل عمقًا ظهر في تاريخ الكنيسة“.[29]

وصفه القديس ديديموس الضرير هكذا: ”أعظم معلّم للكنيسة بعد الرسل“، نقلها لنا القديس جيروم، وقد وضعها في مُقدّمة ترجمة ”عظات حزقيال“ لمعلّمه العظيم.[30]

لُقِب العلَّامة أوريجانوس بـ”أدمانتيوس“ أي ”الرجل الفولاذي“، إشارة إلى قوّة حجّته التي لا تقاوم وإلى مثابرته.[31]

كتب بروفيسور كواستن استاذ علم الباترولوجي الشهير في بداية دراسته عن أوريجانوس ما يلي:

”بلغت مدرسة الإسكندريّة (اللاهوتيّة) أهميتها العُظمى بقيادة أوريجانوس، المعلم والعالم البارز للكنيسة الأولى، إنسان بلا لوم في أخلاقه، وذو معرفة موسوعيّة، وأحد أكثر مفكري العالم أصالة في العصور كلها“.[32] ويكمل في حديثه عنه، قائلًا: ”رغم أنّ أوريجانوس أعطى اهتمامًا عظيمًا بدراسة الكتاب المُقدّس، واعتبر الفلسفة مُجرّد خادمة للمسيحيّة، إذ نجده يؤكد على أهمّيّة الكتاب المُقدّس أكثر من معلّمه كليمندس الإسكندريّ“.[33]

ويذكر كواستن، أنّ أوريجانوس بالغ في استعمال الطريقة الرمزيّة في تفسير الكتاب المُقدّس مما نتج عنه بعض الأخطاء.

ولهذا السبب حدث خلاف في الرأي بين الآباء منذ القرن الرابع حول ما ورد في كتابات أوريجانوس من بعض الأفكار إلى أن انتهى الأمر في القرن السادس بإدانة الأفكار الخاطئة الشائعة عنه، في مجمع عقده الإمبراطور جوستنيانوس الأوّل بالقسطنطينيّة سنة 543، وهو المجمع المسكونيّ الخامس عند الروم، والذي لم تشترك فيه الكنيسة القبطية الأرثوذكسيّة طبعًا لأنّه بعد انشقاق مجمع خلقيدونية تاريخيًّا.

ويضيف كواستن:

”كان مصير أوريجانوس أن يكون علامة اختلاف وتعارض، أثناء حياته، كما بعد وفاته أيضًا. ويندر أن نجد شخصًا مثله له أصدقاء كثيرون جدًّا وأعداء كثيرون جدًّا. صحيح أنّه ارتكب بعض الأخطاء، لكنّ لا يُمكن أن يشكّ أحد أنّه كان تواقًا وراغبًا بشدة أن يكون مسيحيًّا على الدوام، مستقيم الإيمان، عميقًا في إيمانه وثقته بالله.

فهو يسجل في بداية كتابه اللاهوتيّ الرئيسيّ ”المبادئ“: ”إنّ ما يجب أن يكون مقبولًا على أنّه هو وحده الحقّيقة والحقّ، هو ما لا يختلف من أي جهة من الجهات مع التقليد الكنسيّ والرسوليّ“.[34] ولقد جاهد أوريجانوس بكل قواه لكي يتّبع هذه القاعدة وختم جهاده هذا بدمه في نهاية حياته“.

قال عنه العالم واللاهوتيّ جان دانيلو:

”يمكن القول بإنّ كتابات أوريجانوس تشير إلى فترة حاسمة في كلّ ميادين الفكر المسيحيّ. فقد بحث في تاريخ نسخ الكتاب المُقدّس المتنوّعة، كما أنّ تعليقاته على المعاني الحرفيّة والروحيّة للعهد القديم والجديد، جعلته مؤسّسًا للدراسة العلميّة للكتاب. هو أوّل من وضع النظرة اللاهوتيّة العظيمة، وأوّل من حاول تقديم تفاسير منهجيّة للأسرار المسيحيّة.

إنّه أوّل من وصف الطريق الذي تسلكه النفس في رجوعها لله، وبهذا يكون أوّل مؤسّس للاهوت الحياة الروحيّة. كذلك نتساءل: إن كان يعتبر هو السلف -إلى حد ما- لظهور الحركة الرهبانيّة الكبرى في القرن الرابع“.[35]

مدحه أيضًا الأب فنسنت الليرنزيّ Vincent of Lerins، قائلًا:

”إن كان من جهة الحياة فعظيمة هيَ صناعته! عظيمة هيَ نقاوته وصبره واحتماله! من جهة النبل فأيّ شرف أعظم من أن يولد في بيت يتجمد بالاستشهاد؟! إن كان من جهة الفصاحة والحكمة والفلسفة فقد فاق الجميع. تخرّج من أحضانه معلّمون بلا حصر وكهنة ومعترفون. أي مسيحيّ لا يكرمه كنبي أو فيلسوف ومُعلّم؟! فإنّه حتّى الأمراء كرّموه. لا يكفيني اليوم كله أن أخبرك عن عظمته أو حتّى تحسّست نصيبًا منها!“.[36]

تلاميذ أوريجانوس والمعجبون به

في الإسكندريّة تتلمذ (البابا) ديونسيوس على يديه، وحينما بدأ العالم ينقلب عليه بقيَّ البابا يشعر أنه مدين بالجميل له، فأرسل إليه رسالة عن الاستشهاد عام 259م.

وقد مدحه القديس ديديموس الضرير مدير مدرسة الإسكندريّة وأكمل عمله في حقل التفسير واللاهوت الرمزيّ.

ودافع عنه البابا أثناسيوس الرسوليّ ولقّبه بألقاب جميلة مثل: ”العجيب“ و”العامل بالحب“.

أمّا الآباء الكبادوك فقد أحبّوه وورثوا تعاليمه،[37] تلك التي نُقِلت إليهم بواسطة تلميذه القديس غريغوريوس صانع العجائب الذي تتلمذ هو وأخوه ثيودورس على يديه بسبب اهتمامهما بالعلوم اليونانيّة وحبّهما للفلسفة، لكنّه استبدل غيرتهما القديمة في الفلسفة والعلوم اليونانيّة، بدراسة اللاهوت، وإذ لبثا في الدراسة خمس سنوات، أظهرا تقدّما عظيمًا في الروحيًّات حتّى سُيَّم كلاهما أسقفًا في كنائس بنطس رغم حداثة سنهما.[38]

فالقديسين غريغوريوس النزينزيّ وباسيليوس الكبير، وإن كانا لم يقبلا نظامه اللاهوتيّ بكليّته، لكنّهما رأيَّ فيه الشكل الوحيد الكافي للفكر العلميّ المسيحيّ المعروف في ذلك الحين، فتتلمذا على منهجه، كما ضمَّا بعض أقواله في كتاب ”الفيلوكاليا“ شهادة لاعتقادهما أنّ فكر أوريجانوس يحوي الأسّس التي بواسطتها يُمكن تقديم الإيمان في لاهوت عقليّ. في محاولتهما أرادوا تحقيق هذا الحُلم: ”تحالف الإيمان مع العلم“، والذي وجدوا بذرته الأولى عند أوريجانوس.[39] 

كما تأثر به القديس باسيليوس تأثرًا كبيرًا في مُعالجته لموضوع العالمين المنظور وغير المنظور، من خلال كتابه عن الروح القدس.[40]

لَقَب القديس غريغوريوس النيصي العلَّامة أوريجانوس بـ ”زعيم الفلاسفة المسيحيّين“،[41] وقد شارك القديسان السابقان اعتقادهما تجاه العلَّامة أوريجانوس ومنهجه، وإن كان قد تشرّب بروحه أكثر منهما، يظهر ذلك بوضوح في مقاله Oratio Catechelica الذي يقترب جدًّا من روح كتاب ”المبادئ“ لأوريجانوس أكثر من أي عمل آخر في القرن الرابع.[42] 

لقد حفظ القديس الكثير من مقالاته، وأدرك بفهم منهجه، وإن كان قد رفض مبالغاته. لقد أخذ عنه بعض أفكاره وتفسيره الرمزيّ وتّعليمه في حريّة الإنسانيّة، واعتقاده في الصلاح المُطلق لكل الأشياء.. لكنّه لم يكن مُجرّد ناقل.

ويعتبر القديس أوغريس من بنطس هو المسئول عن نشر تعاليمه بين رهبان مصر، فقد اعتمد على كتاباته وكان ينشرها أثناء وجوده في مصر. ومن خلاله أيضًا تسلّم القديس يوحنا كاسيان تعاليمه وبهذا انتقلت إلى الرهبنة الغربية.[43]

ونسخ بمفيليوس البيروتي تلميذ بيروس مدير مدرسة الإسكندريّة معظم مؤلفات أوريجانوس بيده وشغف بقراءتها.

تأثّر الأب مكسيموس المعترف بأوريجانوس تأثيرًا مُطلقًا.[44]

عُرِفت أعماله في الغرب بواسطة روفينوس الإكويلي، الذي أعُجِب به جدًّا، ودافع عنه بشدّة.

ويعتبر القديسان هيلاري وأمبروسيوس مدينان لتفاسيره بالكثير.

أمَّا القديس جيروم فقد كان منذ صباه المُبكّر مُعجبًا به جدًّا، دعاه ”أعظم مُعلمي الكنيسة بعد الرسل“،[45] دفع الكثير ليقتني كلّ كتبه، وترجم الكثير من مقالاته إلى اللاتينيّة، وجعل اسمه مشهورًا في الغرب. معرفته للتفسير جائت عن رجال أوريجانوسيّين مثل ديديموس الضرير وغريغوريوس النزينزيّ. لكنّه، فيما بعد، انقلب إلى عدوّ لدود ضد أوريجانوس.

كما مدحه القديس أغسطينوس.

بين المؤرخين الأوّلين مدحه يوسابيوس وسقراط جدًّا.

أخيرًا أتذكّر مُجرّد أسماء لتلاميذه والمُعجبين به: القديس يوحنا أسقف أورشليم، ويوسابيوس أسقف Vercellae، والإخوة الطوال القامة،[46] الذين بسببهم تعرّض ذهبي الفم لكثير من المتاعب. والقديس بلاديوس، وتوتيم أسقف سيتي الذي اعترض على أبيفانيوس عدوّ أوريجانوس.

شهادة القديس أثناسيوس لتعاليم أوريجانوس

كتب القديس أثناسيوس الرسوليّ كتابًا للدفاع عن صيغة إيمان مجمع نيقية المسكونيّ الأوّل المنعقد سنة 325 De Decretis

وفي الفصل (6) من هذا الدفاع يستشهد القديس أثناسيوس بأربعة آباء ومعلّمين استلم منهم آباء مجمع نيقية الإيمان المُستقيم بأن ابن الله من نفس جوهر الآب. وقد كان أوريجانوس هو أحد هؤلاء الآباء الذين استشهد بهم.

وننقل هنا ما كتبه القديس أثناسيوس عن إيمان أوريجانوس:

 ”وفيما يخص الوجود الأزليّ للكلمة مع الآب، وأن الكلمة ليس من جوهر آخر بل هو من الآب ذاته، كما قال الأساقفة في المجمع، يمكنكم أن تسمعوا أيضًا من أوريجانوس؛ محب الأتعاب،[47] 

لأنّ ما كتبه من باب البحث والتدريب، لا ينبغي لأى أحد أن يعتبره مُجرّد مشاعره الشخصيّة، بل هى أفكار الفرق المتصارعة في البحث، أمّا ما يعلنه بصورة مؤكدة ومحدّدة، فهذا هو فكر هذا الإنسان المحب للأتعاب… فهو يقدّم اعتقاده الشخصيّ هكذا:

صورة الإله غير المنظور هى صورة غير منظورة، بل أتجاسرّ وأقول بما أنه صورة الآب فهو كان موجودًا دائمًا. لأنّه متى كان الله -الذي بحسب يوحنا يدعى النور (لأن ”الله نور“)- متى كان بدون بهاء لمجده الذاتي، حتّى يتجرأ أي إنسان أن يؤكد أن أصل وجود الابن كأنه لم يكن موجودًا قبلًا؟ لكنّ متى كان صورة الآب التي لا يعبر عنها، والجوهر الذي لا يسمى ولا ينطق به، ذلك التعبير والكلمة، والذي يعرف الآب، متى كان غير موجود. بل دع ذلك الذي يتجاسرّ أن يقول:

 ”كان الابن غير موجود في وقت ما“، دعه يفهم جيدًا أنه بهذا هو يقول إنّ الحكمة لم تكن موجودة في وقت ما، والكلمة لم يكن موجودًا، والحياة لم تكن موجودة“.

 

العلامة أوريجانوس (185م -203م) – دكتور سامح فاروق حنين

 

[1] In Gen Hom.2: 3.

[2] Hom. Jer. 6: 3

[3] In Num. hom. 11: 3

[4] In Levit. hom.11: 1.

[5] Ibid 15: 2.

[6] In Joan.28: 23.

[7] C. Knetschmar: Origens Und dei Arber, Zeilsch. Theolo. Kirsh 50 (1953) P 258 – 280.

[8] Fairweather, P. 60.

[9] Jerome: Cata c. 60; Socrate 6:39.

[10] آباء مدرسة الإسكندريّة الأولون، ص 85.

[11] ليس هو القديس أمبرسيوس أسقف ميلان، فقد كان أمبرسيوس صديقًا لأوريجانوس، وكان علمانيًّا، وثريًا، ينفق من ماله الخاص لخدمة التعاليم التي يقوم بها أوريجانوس.

[12] Eus. H. E. 3: 23: 2, 3.

[13] المُعترف: هو من تعذَّب على اسم المسيح، ولأجل إيمانه به، وظلّ ثابتًا في إيمانه، لكنّه لم ينل إكليل الشهادة.

[14] Euseb. H. E 6: 18: 2-4; 6: 19: 1.

[15] Eus. H. E. 6:3:3-7.

[16] Farrar, vol 1, P 426.

[17] تاريخ الكنّيسه، للقس منسّى يوحنا، ص 34.

[18] Eus. H. E. 6:19:17, 18.

[19] Eus. H. E. 6:23:4.

[20] On. Matt. 19: 12.

[21] H. M. Gwatkin: Early Church History, London 1909, vol 2, P. 192.

[22] Hom Levit 14:3.

[23] In Joan 6:1, 8-11.

[24] Eus. H. E. 6:39:5.

[25] Eus. H.E. 7:1

[26] رئيس أساقفة صور، ولد حواليّ عام 1130م وتنيح عام 1183م.

[27] Eus. H.E. 6:14:8-9.

[28] Quasten: Patrology, vol 2, P 37

[29] Carl S. Meyer: The Church, P 32.

[30] Jerome: Praef. in Hom. Orig. in Exech

[31] آباء مدرسة الإسكندريّة الأولون، ص 81.

[32] Quasten Vol.II, p.37.

[33] Quasten, Patrology, Vol.II.p.42.

ويُعد هذا أحد الأخطاء الحقيقيّة التي وقع فيها العلاّمة أوريجانوس، بعكس بقية الأخطاء العقيدية المُنسوبة بالخطأ إليه.

[34] حول المبادئ، Deprinc. Praef. 2

[35] J. Danièlou: Origen, N.Y 1955, P, VII.

[36] Adv Haer 23.

[37] Stanley M. Burgess, The Spirit and the Church, 1984. P. 132.

[38] Euseb. H. E 6: 30.

[39] J. H Strawley: The Catechtical Oration of Gregory of Nyssa, Cambridge 1905. PX.

[40] تادرس يعقوب ملطي (القمص)، القديس باسليوس الكبير، الجزء الثالث (الإسكندريّة: كنيسة مارجرجس إسبورتينج، 2014)، ص 218.

[41] راجع منسى يوحنا ص 48؛ مختصر تاريخ الأمة القبطيّة، ص384-390.

[42] Harnak: History of Dogma, vol 4, P 334.

[43] Dom Marsili Giovanni: Cassiano ed Evagris Pontics, Rome 1936.

[44] FR. Von Balthassi: Kosmische Liturgie, Freiburg in Breisgau 1941.

[45] Praef in Quaest in Gen.

[46] راجع: القديس يوحنا ذهبي الفم، للأب تادرس يعقوب، الإسكندريّة 1975م.

[47] φιλοπόνου = Labour – Loving.

أورد القديس أثناسيوس هذا الوصف بمدح أوريجانوس مرة أُخرى في الرسالة الرابعة إلى الأسقف سرابيون عن الروح القدس (انظر الرسائل عن الروح القدس إلى سرابيون 9:4) الترجمة العربية.

 

العلامة اوريجانوس – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الثالث

ما هي أقدم قائمة كاملة لقانون العهد الجديد؟ – ترجمة: أمير جرجس

ما هي أقدم قائمة كاملة لقانون العهد الجديد؟ – ترجمة: أمير جرجس

ما هي أقدم قائمة كاملة لقانون العهد الجديد؟ – ترجمة: أمير جرجس

في دراسة قانون العهد الجديد، يحب العلماء تسليط الضوء على المرة الأولى التي نرى فيها قائمة كاملة من 27 كتابًا. حتمًا، تم ذكر القائمة الواردة عند أثناسيوس في رسالته الفصحية (حوالي 367) كأول مرة حدث فيها هذا. نتيجة لذلك، غالبًا ما يُزعم أن وجود قائمة بكتب العهد الجديد هي ظاهرة متأخرة. فلم يكن لدينا عهد جديد، بحسب أثناسيوس، حتى نهاية القرن الرابع.

لكن هذا النوع من التفكير يمثل إشكالية على عدة المستويات.

 أولاً، نحن لا نقيس وجود العهد الجديد فقط من خلال وجود القوائم. عندما نفحص الطريقة التي استخدم بها آباء الكنيسة الأوائل كتبًا معينة، فمن الواضح أنه كان هناك قانون عام قبل القرن الرابع بوقت طويل. في الواقع، بحلول القرن الثاني، توجد بالفعل مجموعة “جوهرية” من كتب العهد الجديد تعمل ككتاب مقدس.

ثانيًا، هناك أسباب للاعتقاد بأن قائمة أثناسيوس ليست أقدم قائمة كاملة لدينا. في الكتاب الرسمي الأخير للبروفيسور لاري هورتادو Larry Hurtado، Mark Manuscripts and Monotheism  (تم تحريره بواسطة كريس كيث Chris Keith وديتر روث Dieter Roth؛ تي أند تي كلارك T&T Clark، 2015)، كتبت مقالًا بعنوان “قائمة أوريجانوس لكتب العهد الجديد في عظة على سفر يشوع 7: 1 نظرة جديدة.”

في هذا المقال، أزعم أنه في حوالي عام 250 م، من المحتمل أن يكون أوريجانوس قد أنتج قائمة كاملة بجميع كتب العهد الجديد السبعة والعشرين – قبل أكثر من مائة عام من أثناسيوس. في أسلوبه الاستعاري النموذجي، استخدم أوريجانوس قصة يشوع لوصف قانون العهد الجديد:

“ولكن عندما يأتي ربنا يسوع المسيح، الذي قدّمه ابن نون السابق، يرسل الكهنة ورسله حاملين “أبواقًا” يعلنون بها الوصايا العظيمة السماوية. متى أول من بدأ بإصدار صوت البوق بالكهنوت في إنجيله، ومرقس أيضا. لعب كل من لوقا ويوحنا ببوقه الكهنوتي. حتى بطرس في اثنتين من رسائله. أيضا يعقوب ويهوذا. بالإضافة إلى ذلك، ينفخ يوحنا أيضًا بالبوق من خلال رسائله [والرؤيا] ولوقا، كما يصف أعمال الرسل. والآن يأتي آخر واحد، الذي قال، “أعتقد أن الله يظهر لنا الرسل أخيرًا”، وفي أربعة عشر من رسائله، وهو يرعد بالأبواق، ألقى على جدران أريحا وكل أدوات عبادة الأصنام وعقائد الفلاسفة، على طول الطريق إلى الأسس”.

(Hom. Jos. 7.1)

كما يمكن للمرء أن يرى من القائمة أعلاه، فإن جميع الأسفار السبعة والعشرين في العهد الجديد مذكورة (من الواضح أن أوريجانوس يحسب العبرانيين كجزء من رسائل بولس). الغموض الوحيد هو مسألة النص النقدي في سفر الرؤيا، لكن لدينا أدلة جيدة من مصادر أخرى على أن أوريجانوس قبل سفر الرؤيا على أنه كتاب مقدس (يوسابيوس، تاريخ eccl.6.25.10).

بالطبع، رفض البعض هذه القائمة وجادلوا بأنها تعكس وجهات نظر ليست لأوريجانوس بل لروفينوس الذي ترجم عظات أوريجانوس على يشوع إلى اللاتينية. أجبت مطولاً على هذا الادعاء في المقالة المذكورة أعلاه، مبينًا أن روفينوس مترجمًا أكثر موثوقية مما افترضه العلماء السابقون.

تجد مصداقية قائمة أوريجانوس الأساسية دعمًا إضافيًا في حقيقة أنها تتناسب مع ما يقوله أوريجانوس في مكان آخر. على سبيل المثال، يعدد أوريجانوس جميع مؤلفي العهد الجديد في عظاته حول التكوين، وهذا يثبت أنه تطابق رائع مع قائمة أسفاره في العهد الجديد:

“لذلك يحفر إسحاق آبارًا جديدة أيضًا، بل يحفرها خدم إسحاق. خدام إسحاق هم متى ومرقس ولوقا ويوحنا؛ عبيده بطرس ويعقوب ويهوذا. الرسول بولس هو خادمه. كل هؤلاء حفروا آبار العهد الجديد”.

(Hom. Gen. 13.2)

يمكن للمرء أن يرى بسرعة أن قائمة المؤلفين هذه (مرة أخرى بأسلوب استعاري كلاسيكي) تتطابق تمامًا مع قائمة كتبه. على الرغم من أن روفينوس قام أيضًا بترجمة العظات حول سفر التكوين، فهل نعتقد حقًا أنه غير المقطعين بنفس الطريقة بالضبط؟ يبدو من الأرجح أنهما يتطابقان مع بعضهما البعض لمجرد أنهما يعكسان وجهات نظر أوريجانوس الفعلية.

تأكدت شكوكنا عندما نقارن هذين المقطعين في أوريجانوس – قائمة الكتب في عظاته عن يشوع وقائمة المؤلفين في عظاته حول سفر التكوين – مع قائمة روفينوس الخاصة بالكتب الكنسية. إذا كان روفينوس قد غير قائمة أوريجانوس لتتطابق قائمته، فقد نتوقع الكثير من أوجه التشابه في هيكلة هذه القوائم، لكن هذا لا نجده بالضبط. في الواقع، تختلف قائمة روفينوس الخاصة عن قائمة أوريجانوس في عدد من الطرق المهمة (والتي أوردها بالتفصيل في المقالة المذكورة أعلاه).

في النهاية، لدينا بالفعل أسباب تاريخية جيدة جدًا لقبول قائمة أوريجانوس على أنها حقيقية. وإذا كان الأمر كذلك، فلدينا دليل على ذلك:

  (أ) كان المسيحيون يضعون القوائم في وقت أبكر بكثير مما توقعناه (وبالتالي فقد اهتموا بأي الكتب “موجودة” وأيها “خارج” القانون)

  (ب) أن حدود قانون العهد الجديد كانت على الأقل بالنسبة لبعض الأشخاص مثل أوريجانوس، أكثر استقرارًا مما كان يُفترض عادةً.

لا يقدم أوريجانوس قائمته كإبتكار أو كشيء يمكن اعتباره مثيرًا للجدل. في الواقع، يذكرها في سياق خطبة بطريقة طبيعية وواقعية.

وهكذا، بالنسبة لأوريجانوس على الأقل، يبدو أن محتوى قانون العهد الجديد قد تمت تسويته إلى حد كبير.

ما هي أقدم قائمة كاملة لقانون العهد الجديد؟ – ترجمة: أمير جرجس

علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 2- جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 2- جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي 2- جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – الأدب المسيحي بعد القديس إيرينيوس حتى مجمع نيقية – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

 

تحميل الكتاب PDF

 

لتحميل الجزء الأول إضغط هنا: علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

أيقونات الغلاف [1]

هي عبارة عن ثلاثة رسوم جدارية (فريسكات)؛ في الأعلى القديس ثيؤفيلوس السكندري وفي الأسفل القديسان باسيليوس الكبير وأثناسيوس الرسولي. وهذه الفريسكات هي ضمن المجموعة التي تزين الكنيسة الأثرية بالدير الأحمر بسوهاج والموزعة ما بين الحائط البحري والحائط القبلي.

وتتنوع الرسوم الجدارية بالدير في الموضوعات التي تصورها ما بين الملائكة والإنجيليين وشخصيات توراتية بالإضافة إلى آباء الجيل الرهباني الأول والأساقفة البارزين في الكنيسة في القرون الأولى للمسيحية. وتغطي اللوحات حوالي ثمانين بالمئة من الجدران تقريبا.

أما عن كنيسة الدير الأحمر الأثرية، فهي بازليكا كانت تمثل قلب المجتمع الرهباني في مركز من أهم مراكز النسك والتي تتمثل في ثلاثة أديرة: ديران منها للرجال وآخر للنساء. وقد تأسس الدير الأحمر علي يد الأنبا بيشاي في منتصف القرن الرابع، وأصبح فيما بعد تابعا للدير الأبيض تحت قيادة الأنبا بيجول مؤسس الدير الأبيض، وفي الخطوة الأخيرة قاد الأنبا شنودة هذه الأديرة الثلاثة ما يقرب من ثمانين عاما.

ومن الجدير بالذكر أن تاريخ هذه الجداريات لاحق على بناء الكنيسة، ولم تتم في مرحلة زمنية واحدة بل استمر تصميمها من القرن السادس الميلادي إلى القرن الثامن الميلادي. وقد تم حجبها لقرون عديدة (من القرون الوسطى إلى نهاية القرن العشرين) حيث كانت مغطاة بطبقة متراكمة من الأدخنة والغبار.

 

مقدمة الأنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمین

لماذا الآباء؟ ألا يكفي الكتاب المقدس وحده؟ ماذا يمكن أن يقدم فكر آباء القرون الأولى لكنيسة القرن الحادي والعشرين؟ كيف تتلاقى الأفكار مع بعد المسافات الزمنية والبيئية؟

قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة لا بد أن نقرر أن الكنيسة واحدة في كل زمان ومكان، تحمل سمات المسيح المتألم والمصلوب والقائم من بين الأموات لأنه هو حمل الله الذي رفع خطيئة العالم، وأرسلنا لنحمل نور الإنجيل للخليقة كلها.

وهذه هي رسالة الكنيسة، أن تكون نورا للعالم تدعو الكل للخلاص باسم الفادي القدوس، تدعو الكل للتوبة وغفران الخطايا، تدعو الكل للمحبة التي هي رباط الكمال. وهذه هي مسئولية كل إنسان في كل مكان وزمان، بدأت منذ الرسل في سفر الأعمال، وهو السفر الذي لم ينته حتى الآن، بل هو مستمر مسجلا أعمال الكنيسة حتى المجيء الثاني. وهكذا تتلاحم الأجيال وتتلاقى الأفكار وتتشابه الآلام، فالكنيسة المتألمة في كل زمان تتمثل بعريسها الذي حمل الصليب، ولبس إكليل الشوك، وقام ليقيمنا معه ويجلسنا معه في السماويات.

هنا نرى الآباء الذين ساروا خلف الرسل ككواكب مضيئة تنير لنا مسيرتنا في دروب هذا العالم ومشاكله. قد تختلف البيئات ولكن فكر الإنسان مازال يحمل عطشه الدائم إلى الله خالقه وهذا ما يقدمه لنا الآباء: حياتهم مع الله، خبرتهم ومعرفتهم وعشرتهم الحية التي هي أثمن من الذهب وكل كنوز الأرض. ويقدم لنا الآباء لنا ثلاثة أمور هامة: حياة ليتورجية، وتعاليم كتابية وسلوكيات مسيحية.

  1. الحياة الليتورجية

لقد ترك لنا الآباء تراثا ثمينا من صلوات للمعمودية والإفخارستيا كما كانت تمارس منذ الرسل، وكيف كانت توضع الأيادي للكهنوت وإرساليات الخدمة وعمل الروح في الكنيسة وتنظيماتها.

  1. التعاليم الكتابية

إن الآباء هم الذين فسروا الكتاب المقدس، كل كلمة وكل آية، وشرحوا لنا المسيحية وإيمانها الثمين الذي سلم مرة للقديسين، وعقيدتها الناصعة التي حفظوها بدمائهم.

  1. السلوكيات المسيحية

الآباء أيضا هم الذين شرحوا لنا كيف يكون سلوك الإنسان المسيحي نورا في وسط ظلمة هذا العالم، كيف عاشوا الإنجيل في زمانهم وكيف نعيشه الآن، نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور.

الرب يبارك هذا العمل ويكمل كل نقص فيه ويعوض كل من له تعب في إعداده وإخراجه بهذه الصورة المشرفة، بصلوات أبينا البابا أنبا تواضروس الثاني وشريكه في الخدمة الرسولية أبينا الأسقف أنبا إيسيذوروس أسقف ورئيس دير البرموس، ولفادينا وربنا يسوع المسيح كل المجد والكرامة مع أبيه الصالح والروح القدس أمين.

 

مقدمة الناشر

يقول القديس أثناسيوس الرسولي في رسالته الأولى إلى سيرابيون (۱: ۲۸): “دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي هو من البداية، والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة، ومن يسقط منه فلن يكون مسيحيا ولا ينبغي أن يدعى كذلك فيما بعد: إذن الإيمان هو واحد، وهو الذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وسلم للآباء.

وهذا الإيمان هو الأساس الذي قام الآباء بحفظه وصياغته وشرحه ليسلموه لمن بعدهم نقيا كما تسلموه. واعتمادا على نفس هذا الأساس الصحيح تم تفسير الكتاب المقدس ووضع الصلوات الليتورجية بل وكل خبرة الحياة الجديدة في المسيح، لأن سلامة الإيمان (الأساس) هي التي تؤدي إلى حياة تقوية صحيحة (البناء)، وصحة الحياة التقوية هي التي تحفظ سلامة الإيمان.

ونحن لا نحتاج إلى وضع أو تحديد أساس جديد في كل جيل، لأن الأساس واحد وهو المسلم مرة للقديسين. والله لا يتعامل مع الكنيسة كأفراد منفصلين فيبدأ مع كل واحد منهم من نقطة البداية من جديد، ولكنه يتعامل مع الكنيسة كجسد واحد متصل، ويحملنا مسئولية تسليم ما قد وهبه لنا من جيل إلى جيل.

وهذا ما عبر عنه القديس بولس بقوله: “وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناسًا أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا” (٢ تي ٢: ٢). ولهذا فإن أرثوذكسية الكنيسة تتجلي في التمسك الدائم بالتسليم الآبائي، لكي يكون للكنيسة إيمان واحد متواصل عبر العصور. فكتابات الآباء لها أهمية عظمى في تأصيل معرفتنا لشرح العقيدة وتفسير الكتاب المقدس والنصوص الليتورجية، وخبرة الحياة الروحية كلها.

ولكن تمسكنا بالفكر الآبائي الأصيل، لا يعني أن نجنح نحو الجمود وعدم الإبداع، لأن التسليم هو كيان حي متنام ومتجدد، وهو مزيج من الأصالة والإبداع في آن واحد. أصالة مبدعة وإبداع أصيل. فنحن مطالبون بأن نكون أمناء نحو أساسنا الواحد الصحيح الذي حفظه وشرحه لنا الآباء، ولكننا وفي نفس الوقت مطالبون بأن نكون مبدعين في التطبيق ومجددين في تقديم ذلك الأساس نفسه للجيل المعاصر.

وهذا بالتحديد هو ما كان الآباء أنفسهم يقومون به، فهم لم يكونوا جامدين مكررين لما سبقوهم وحسب، ولكنهم كانوا بالفعل مواكبين لعصرهم رغم أمانتهم الثابتة للأساس الحي الذي استلموه ممن قبلهم. ويسمى العلم الذي يهتم بدراسة تاريخ الكتاب المسيحيين في العصور الأولى وكتاباتهم ب “علم الآبائيات” أو “علم آباء الكنيسة” (باترولوجي).

ونظرًا لأهمية هذا التخصص في مجال نشر الفكر الآبائي، حرص مركز باناريون للتراث الآبائي أن يقدم للقارئ سلسلته الثالثة وهي:

دراسات عن آباء الكنيسة في العصور الأولى

السلسلة التي تتناول سير الآباء والأحداث التاريخية والكنسية في عصرهم، كما تتناول أيضا كتاباتهم، وتعاليمهم اللاهوتية. والمجلد الذي بين يديك أيها القارئ الحبيب، هو المجلد الأول من مجموعة “علم الآبائيات باترولوجي” لمؤلفها جوهانس كواستن.

وتقع هذه المجموعة تحت تصنيف الكتب المسمى “ينبغي اقتناؤها”. فبرغم صدور كتب أخرى متنوعة ولاحقة عن “علم الآبائيات” إلا أن مجموعة كواستن تظل هي اللبنة الأولى والضرورية لكل باحث ومهتم بهذا الفرع من المعرفة.

وبينما تأتي الكتب الأخرى التي تعالج نفس الموضوع في شكل مجلد واحد بسبب منهجها الانتقائي في العرض، جاءت مجموعة كواستن في أربع مجلدات لما تميزت به من شرح واف لكتابات الآباء ومنهجهم اللاهوتي، حتى قيل عنها إنها “المرجع الأشمل لمن يريد البدء في دراسة الأدب المسيحي المبكر”.

وهكذا لن يتمكن فريقان من القراء على الأقل من أن يستغنيا عن مجموعة كواستن: الفريق الأول وهو الذي يريد أن يحصل على معرفة أساسية شاملة عن الآبائيات أكثر من مجرد المقدمات التي تعرضها الكتب الأخرى، والفريق الثاني هو الذي يريد أن ينال معرفة أولية عن الآبائيات تؤهله للدخول إلى دراسات أكثر تقدما.

وقد تفضل مشكورا نيافة أنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان بترجمة هذا المجلد الأول قبل سيامته أسقفا، وقد تمت مراجعة الترجمة على النسخة الإنجليزية، وإضافة الحواشي والفهرس الموضوعي في نهاية الكتاب لتعظم فائدة القارئ.

وسنوالي ترجمة ونشر بقية مجلدات مجموعة كواستن “علم الآبائيات. باترولوجي” في المستقبل القريب بمشيئة الرب.

نسأل الله أن يبارك في هذا العمل وللثالوث القدوس المجد والإكرام والسجود الآن وإلى الأبد آمين.

 

[1] شرح أيقونات الغلاف من إعداد الأستاذ مايكل حلمي راغب الباحث في القبطيات.

علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي 1 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

علم الابائيات باترولوجي – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف
علم الابائيات باترولوجي – جوهانس كواستن PDF – المجلد 1 الأول – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

تحميل الكتاب PDF

لتحميل الجزء الثاني إضغط هنا: علم الابائيات باترولوجي 2 – جوهانس كواستن PDF – المجلد 2 الثاني – بدايات الأدب الآبائي – ترجمة: دكتور جرجس يوسف

 

أيقونات الغلاف [1]

هي عبارة عن ثلاثة رسوم جدارية (فريسكات)؛ في الأعلى القديس ثيؤفيلوس السكندري وفي الأسفل القديسان باسيليوس الكبير وأثناسيوس الرسولي. وهذه الفريسكات هي ضمن المجموعة التي تزين الكنيسة الأثرية بالدير الأحمر بسوهاج والموزعة ما بين الحائط البحري والحائط القبلي.

وتتنوع الرسوم الجدارية بالدير في الموضوعات التي تصورها ما بين الملائكة والإنجيليين وشخصيات توراتية بالإضافة إلى آباء الجيل الرهباني الأول والأساقفة البارزين في الكنيسة في القرون الأولى للمسيحية. وتغطي اللوحات حوالي ثمانين بالمئة من الجدران تقريبا.

أما عن كنيسة الدير الأحمر الأثرية، فهي بازليكا كانت تمثل قلب المجتمع الرهباني في مركز من أهم مراكز النسك والتي تتمثل في ثلاثة أديرة: ديران منها للرجال وآخر للنساء. وقد تأسس الدير الأحمر علي يد الأنبا بيشاي في منتصف القرن الرابع، وأصبح فيما بعد تابعا للدير الأبيض تحت قيادة الأنبا بيجول مؤسس الدير الأبيض، وفي الخطوة الأخيرة قاد الأنبا شنودة هذه الأديرة الثلاثة ما يقرب من ثمانين عاما.

ومن الجدير بالذكر أن تاريخ هذه الجداريات لاحق على بناء الكنيسة، ولم تتم في مرحلة زمنية واحدة بل استمر تصميمها من القرن السادس الميلادي إلى القرن الثامن الميلادي. وقد تم حجبها لقرون عديدة (من القرون الوسطى إلى نهاية القرن العشرين) حيث كانت مغطاة بطبقة متراكمة من الأدخنة والغبار.

 

مقدمة الأنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمین

لماذا الآباء؟ ألا يكفي الكتاب المقدس وحده؟ ماذا يمكن أن يقدم فكر آباء القرون الأولى لكنيسة القرن الحادي والعشرين؟ كيف تتلاقى الأفكار مع بعد المسافات الزمنية والبيئية؟

قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة لا بد أن نقرر أن الكنيسة واحدة في كل زمان ومكان، تحمل سمات المسيح المتألم والمصلوب والقائم من بين الأموات لأنه هو حمل الله الذي رفع خطيئة العالم، وأرسلنا لنحمل نور الإنجيل للخليقة كلها.

وهذه هي رسالة الكنيسة، أن تكون نورا للعالم تدعو الكل للخلاص باسم الفادي القدوس، تدعو الكل للتوبة وغفران الخطايا، تدعو الكل للمحبة التي هي رباط الكمال. وهذه هي مسئولية كل إنسان في كل مكان وزمان، بدأت منذ الرسل في سفر الأعمال، وهو السفر الذي لم ينته حتى الآن، بل هو مستمر مسجلا أعمال الكنيسة حتى المجيء الثاني. وهكذا تتلاحم الأجيال وتتلاقى الأفكار وتتشابه الآلام، فالكنيسة المتألمة في كل زمان تتمثل بعريسها الذي حمل الصليب، ولبس إكليل الشوك، وقام ليقيمنا معه ويجلسنا معه في السماويات.

هنا نرى الآباء الذين ساروا خلف الرسل ككواكب مضيئة تنير لنا مسيرتنا في دروب هذا العالم ومشاكله. قد تختلف البيئات ولكن فكر الإنسان مازال يحمل عطشه الدائم إلى الله خالقه وهذا ما يقدمه لنا الآباء: حياتهم مع الله، خبرتهم ومعرفتهم وعشرتهم الحية التي هي أثمن من الذهب وكل كنوز الأرض. ويقدم لنا الآباء لنا ثلاثة أمور هامة: حياة ليتورجية، وتعاليم كتابية وسلوكيات مسيحية.

  1. الحياة الليتورجية

لقد ترك لنا الآباء تراثا ثمينا من صلوات للمعمودية والإفخارستيا كما كانت تمارس منذ الرسل، وكيف كانت توضع الأيادي للكهنوت وإرساليات الخدمة وعمل الروح في الكنيسة وتنظيماتها.

  1. التعاليم الكتابية

إن الآباء هم الذين فسروا الكتاب المقدس، كل كلمة وكل آية، وشرحوا لنا المسيحية وإيمانها الثمين الذي سلم مرة للقديسين، وعقيدتها الناصعة التي حفظوها بدمائهم.

  1. السلوكيات المسيحية

الآباء أيضا هم الذين شرحوا لنا كيف يكون سلوك الإنسان المسيحي نورا في وسط ظلمة هذا العالم، كيف عاشوا الإنجيل في زمانهم وكيف نعيشه الآن، نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور.

الرب يبارك هذا العمل ويكمل كل نقص فيه ويعوض كل من له تعب في إعداده وإخراجه بهذه الصورة المشرفة، بصلوات أبينا البابا أنبا تواضروس الثاني وشريكه في الخدمة الرسولية أبينا الأسقف أنبا إيسيذوروس أسقف ورئيس دير البرموس، ولفادينا وربنا يسوع المسيح كل المجد والكرامة مع أبيه الصالح والروح القدس أمين.

 

مقدمة الناشر

يقول القديس أثناسيوس الرسولي في رسالته الأولى إلى سيرابيون (۱: ۲۸): “دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي هو من البداية، والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة، ومن يسقط منه فلن يكون مسيحيا ولا ينبغي أن يدعى كذلك فيما بعد: إذن الإيمان هو واحد، وهو الذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وسلم للآباء.

وهذا الإيمان هو الأساس الذي قام الآباء بحفظه وصياغته وشرحه ليسلموه لمن بعدهم نقيا كما تسلموه. واعتمادا على نفس هذا الأساس الصحيح تم تفسير الكتاب المقدس ووضع الصلوات الليتورجية بل وكل خبرة الحياة الجديدة في المسيح، لأن سلامة الإيمان (الأساس) هي التي تؤدي إلى حياة تقوية صحيحة (البناء)، وصحة الحياة التقوية هي التي تحفظ سلامة الإيمان.

ونحن لا نحتاج إلى وضع أو تحديد أساس جديد في كل جيل، لأن الأساس واحد وهو المسلم مرة للقديسين. والله لا يتعامل مع الكنيسة كأفراد منفصلين فيبدأ مع كل واحد منهم من نقطة البداية من جديد، ولكنه يتعامل مع الكنيسة كجسد واحد متصل، ويحملنا مسئولية تسليم ما قد وهبه لنا من جيل إلى جيل.

وهذا ما عبر عنه القديس بولس بقوله: “وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناسًا أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا” (٢ تي ٢: ٢). ولهذا فإن أرثوذكسية الكنيسة تتجلي في التمسك الدائم بالتسليم الآبائي، لكي يكون للكنيسة إيمان واحد متواصل عبر العصور. فكتابات الآباء لها أهمية عظمى في تأصيل معرفتنا لشرح العقيدة وتفسير الكتاب المقدس والنصوص الليتورجية، وخبرة الحياة الروحية كلها.

ولكن تمسكنا بالفكر الآبائي الأصيل، لا يعني أن نجنح نحو الجمود وعدم الإبداع، لأن التسليم هو كيان حي متنام ومتجدد، وهو مزيج من الأصالة والإبداع في آن واحد. أصالة مبدعة وإبداع أصيل. فنحن مطالبون بأن نكون أمناء نحو أساسنا الواحد الصحيح الذي حفظه وشرحه لنا الآباء، ولكننا وفي نفس الوقت مطالبون بأن نكون مبدعين في التطبيق ومجددين في تقديم ذلك الأساس نفسه للجيل المعاصر.

وهذا بالتحديد هو ما كان الآباء أنفسهم يقومون به، فهم لم يكونوا جامدين مكررين لما سبقوهم وحسب، ولكنهم كانوا بالفعل مواكبين لعصرهم رغم أمانتهم الثابتة للأساس الحي الذي استلموه ممن قبلهم. ويسمى العلم الذي يهتم بدراسة تاريخ الكتاب المسيحيين في العصور الأولى وكتاباتهم ب “علم الآبائيات” أو “علم آباء الكنيسة” (باترولوجي).

ونظرًا لأهمية هذا التخصص في مجال نشر الفكر الآبائي، حرص مركز باناريون للتراث الآبائي أن يقدم للقارئ سلسلته الثالثة وهي:

دراسات عن آباء الكنيسة في العصور الأولى

السلسلة التي تتناول سير الآباء والأحداث التاريخية والكنسية في عصرهم، كما تتناول أيضا كتاباتهم، وتعاليمهم اللاهوتية. والمجلد الذي بين يديك أيها القارئ الحبيب، هو المجلد الأول من مجموعة “علم الآبائيات باترولوجي” لمؤلفها جوهانس كواستن.

وتقع هذه المجموعة تحت تصنيف الكتب المسمى “ينبغي اقتناؤها”. فبرغم صدور كتب أخرى متنوعة ولاحقة عن “علم الآبائيات” إلا أن مجموعة كواستن تظل هي اللبنة الأولى والضرورية لكل باحث ومهتم بهذا الفرع من المعرفة.

وبينما تأتي الكتب الأخرى التي تعالج نفس الموضوع في شكل مجلد واحد بسبب منهجها الانتقائي في العرض، جاءت مجموعة كواستن في أربع مجلدات لما تميزت به من شرح واف لكتابات الآباء ومنهجهم اللاهوتي، حتى قيل عنها إنها “المرجع الأشمل لمن يريد البدء في دراسة الأدب المسيحي المبكر”.

وهكذا لن يتمكن فريقان من القراء على الأقل من أن يستغنيا عن مجموعة كواستن: الفريق الأول وهو الذي يريد أن يحصل على معرفة أساسية شاملة عن الآبائيات أكثر من مجرد المقدمات التي تعرضها الكتب الأخرى، والفريق الثاني هو الذي يريد أن ينال معرفة أولية عن الآبائيات تؤهله للدخول إلى دراسات أكثر تقدما.

وقد تفضل مشكورا نيافة أنبا مقار أسقف الشرقية ومدينة العاشر من رمضان بترجمة هذا المجلد الأول قبل سيامته أسقفا، وقد تمت مراجعة الترجمة على النسخة الإنجليزية، وإضافة الحواشي والفهرس الموضوعي في نهاية الكتاب لتعظم فائدة القارئ.

وسنوالي ترجمة ونشر بقية مجلدات مجموعة كواستن “علم الآبائيات. باترولوجي” في المستقبل القريب بمشيئة الرب.

نسأل الله أن يبارك في هذا العمل وللثالوث القدوس المجد والإكرام والسجود الآن وإلى الأبد آمين.

 

[1] شرح أيقونات الغلاف من إعداد الأستاذ مايكل حلمي راغب الباحث في القبطيات.

كلسس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

كلسس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

كلسس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

الجزء الخامس – كلسس

كلسس: المسيح الساحر

في وقتٍ ما حوالي عام 175 للميلاد، وبعد فترةٍ قصيرة من كتاب “لوقيان” “بيريغرينوس” كتب “كلسس” وهو مفكّر من أتباع الأفلاطونية المحدثة، هجوماً على المسيحيّة تحت عنوان “العقيدة الحقّة- True Doctrine”، وهذا العمل هو أقدم هجوم شامل معروف على المسيحيين. فقد تبنّى “كلسس” هجوماً شاملاً: ضدّ الأصل اليهوديّ للمسيحيّة، وقادتها الأوائل، وتعاليمها وممارستها.

مع أنّ كتاب العقيدة الحقّة فّقِد إلاً أن جزءاً كبيراً منه، يُقدّر من 60 إلى 90% موجود ضمن ردّ “أورجين” الشديد والمطوّل، على “كلسس”، الذي كتب حوالي 250 للميلاد. وبالنظر إلى الفاصل الزمني الطويل بين عمل “كلسس” وردّ “أورجين”، أي حوالي 70 عاماً، نجد أنّ كتاب العقيدة الحقّة تمتّع بأثر طويل. ولا يجب علينا التركيز على الصياغة والكلمات بشكلٍ كبير لأننا لا نملك كلمات “كلسس” الدقيقة، بل لدينا ما ينقله عنه خصمه الأدبيّ “أورجين”.

ومع أنّ “أورجين” ينقل معظم المقتطفات من “كلسس” بشكلٍ اقتباسات مباشرة إلاّ أنّ الحذر مطلوبٌ هنا. برغم ذلك، فإن معظم الباحثين يعتقدون أن “أورجين” نقل ملاحظات “كلسس” عن المسيحيّة بدرجةً كبيرةٍ من الدقّة.

يقدّم لنا كتاب “كلسس” منظوراً قّيماً عن المسيحيّة من قبل واحدٍ من أكثر مبغضيها المثقفين وضوحاً. كما أننا نحصل على معلومات عن ردود الفعل اليهوديّة تجاه المسيحيّة في القرن الثاني، وذلك لأن “كلسس” استفاد بشكلٍ كبير من الجدلية اليهوديّة المعاصرة ضد المسيحيين. وستكون هذه الجدلية ذات أهميّة عندما ندرس الروايات اليهودية الأولى عن يسوع في الفصل القادم.

يستهلً “كلسس” عمله بمقدًمة. أمّا الجزء الأساسيّ الأول من عمله، والذي أعيد سرده في الكتاب الأول من عمل “أورجين” المسمى “ضدّ كلسس”، فهو بحث في عدم أصالة العقيدة المسيحيّة. وهنا لا يظهر إلاً عدد قليل من الإشارات إلى يسوع التاريخيّ، والتي ستُكرر وتفصّل بشكلٍ أوسع لاحقاً، ( الجزء الأساسيّ الثاني- 1.28-1.79)، فهو يتضمن جدليّة ضدّ اليهود الذين أصبحوا مسيحيين، على لسان أحد اليهود.

يحتوي هذا الجزء الإشارة الأشمل ليسوع. بينما الجزء الثالث هو مقارنة بين المسيحيّة والفلسفة والدين الروماني اليوناني. والجزء الرابع هو نقد للعقيدة المسيحيّة وخاصةً النبواءات المسيحية، مع إشارةٍ بسيطة إلى يسوع. والجزء الخامس هو مقارنة غير إطرائية للمسيحية واليهودية، أما الجزء السادس فيمثّل هجوماً آخر على العقيدة المسيحية، مع إشارةٍ ضئيلة إلى يسوع. ويلي ذلك مناقشة للتعاليم المسيحيّة حول الله، ومن ثمّ جزء حول تعاليم إعادة البعث، وأخيراً هجوم على الحصريّة المسيحيّة.

ويشنّ “كلسس” هجوماً واسعاً ضدّ يسوع بوصفه موجد هذه العقيدة. ويقوم بانتقاص وذمّ نسب يسوع وحبل أمّه به وولادته وطفولته، ودعوته، وموته، وإعادة بعثه وتأثيره المستمرّ. وفقاً لـ”كلسس” فإن نسب يسوع يعود إلى قريةٍ يهوديّة (ضد كلسس-1.28)، وكانت أمّه امرأةً قرويّةً اكتسبت عيشها عن طريق غزل الملابس (1.28). وقام بمعجزاته عن طريق الشعوذة (1.28، 2.32، 2.49، 8.41). كان يبدو قبيحاً وصغيراً (6.75).

وقد أبقى يسوع على جميع التقاليد اليهودية، بما فيها التضحية في المعبد (2.6). وجمع حوله عشرة أتباعٍ فقط، وعلّمهم أسوأ عاداته، بما فيها التسوّل والسرقة (1.62، 2.44). كان هؤلاء الأتباع، العشرة من البحارة وجامعي الضرائب، الوحيدين الذين استطاع إقناعهم بإلوهيته، لكن الآن يقوم أتباعه بإقناع العديد من الناس (2.46). أتت أنباء إعادة بعثه من امرأة مخبولة، وكان التصديق بإعادة البعث نتيجة شعوذات يسوع، وتفكير أتباعه التوّاق، أو الهلوسات المنتشرة بينهم على نطاق واسع، كلّ ذلك كان من أجل إبهار الآخرين وزيادة احتمال أن يصبحوا متسوّلين (2.55).

تأتي إشارة “كلسس” الأشمل إلى يسوع في: (1.28)، حيث يلخّص “أورجين” هجوم “سيلسس” على يسوع، والكلمات التي يُرجّح أنها مقتبسة من “كلسس” وضعنا تحتها خطاً:

يقوم بتصوير اليهود يتحدّثون مع يسوع نفسه، ويواجهونه بعدّة تهم: أولاُ، أنه لفّق قصّة ولادته من عذراء. وقام “كلسس” بتعييره لأنه أتى من قريةٍ يهوديةٍ، ومن امرأةٍ ريفيّةٍ فقيرة كانت تكسب عيشها من الغزل. ويقول: إن زوجها، الذي كان يحترف النجارة، طردها عندما أُدينت بالزنا. ومن ثمّ يقول: إنه بعد أن طردها زوجها، وبينما كانت تجول بخزي، ولدت يسوع سراً. ثم يقول: إن “يسوع” عمل أجيراً في مصر لأنه كان فقيراً، وهناك تعلّم بعض الحيل السحريةً التي افتخر المصريون بامتلاكها. ومن ثمّ عاد مفتخراً بهذه القوى، وأعطى نفسه لقب إله. (ضد كلسس- 1.28).

وبعد ذلك يتوسّع “سيلسس” في تهمة عدم الشرعية، فيقول: على أية حال، دعنا نعد إلى الكلمات على لسان اليهوديّ التي وصفت والدة يسوع على أنها طُردت من قبل النجّار الذي كان مخطوباً لها، لأنها أدينت بالزنا، وكان لها طفلٌ من جنديّ يُدعى “بانتيرا”. (ضدّ كلسس- 1.32).

وأخيراً يقول “كلسس”:

هل كانت والدة يسوع جميلة؟ هل أقام الله علاقة معها لأنها كانت جميلة، على الرغم من أنه لا يستطيع أن يُحبّ جسداً فانياً بطبيعته؟ من غير المحتمل أن يكون الله قد وقع في حبها، حيث أنها لم تكن غنيّةً ولا من أصلٍ ملكيّ. بالفعل، لم تكن معروفةً حتّى لجيرانها. ويهزأ عندما يقول: عندما كرهها النجّار وطردها لم تستطع القوّة الإلهية ولا موهبة الأقناع بتخليصها. ويعلل ذلك بقوله: إنّ هذه الأشياء ليس لها علاقة بمملكة الله. (ضدّ سيلسس- 1.39).

تُعدّ هذه التهمة “بغير الشرعية” أقدم عبارات مؤرخّة من التهم اليهودية بأنّ ولادة يسوع كانت نتيجة زنا، وأنّ والده الحقيقيّ كان جندياً رومانياً يُدعى “بانتيرا”. كان اسم “بانتيرا” شائعاً بين الجنود الرومان في تلك الفترة، لكنّ معظم المحللين يعتقدون أنّ بعض اليهود استخدموا هذا الاسم بسبب تشابهه مع الأصل اليوناني لكلمة “عذراء”.

في هذه الحالة، سيعني هذا أنّ الأمر مجرّد ردّ فعل يهوديّ لعقيدة الحبل بلا دنس المسيحيّة، والتي لم تُصبح موضوعاً مسيحياً رئيسياً حتّى قرابة نهاية القرن الأول. كما نجد أن “سيلسس” يقدم يسوع الذي يعلن ولادته من عذراء وهو ما لم يظهر في الكتابات المسيحيّة بالتأكيد، لكنه أثبت في مناقشات يهوديّة لاحقة.

تتنوع المصادر التي استخدمها “كلسس” لأنه ثقف نفسه حول المسيحيّة إلى حدً كبير، وذلك من خلال الكتابات المسيحيّة، والتواصل الشخصيّ مع مسيحيين. فقد قرأ في إنجيل متّى كثيراً، وفي إنجيل لوقا وفي الرسالة الأولى إلى كورنثوس، كما كان مطلّعاً على كتبٍ مسيحيّةٍ أخرى. وقد علم برواية متّى عن موت يسوع وإعادة بعثه ببعض تفاصيلها.

وبيدو أنه قرأ كتابات بعض الاعتذاريين المسيحيين الأوائل غير المعروفين لنا الآن. كما عرف “سيلسس” عن المسيحيّة المارسونيّة[1] والطوائف الغنوصيّة، ولا نستطيع الجزم إن كانت معرفته هذه من خلال كتاباتهم أو من طرقٍ أخرى. يقدّم كتاب “كلسس” للجدلية اليهوديّة عن يسوع على أنها جدلية معاصرة. لكن “أورجين” يشكك بهذا، ويرى الباحثون أنها أداةً أدبيّةً وظّفها “سيلسس” ليعطي وحدةً لمعلومات متفرقة انتقاها من عدّة أدبيات يهوديّة.

إن قيمة تعليقات “كلسس” حول يسوع التاريخيّ محدّدة، لكن يجب أن لا تكون استنتاجاتنا نهائيّة لأننا لا نملك الكلمات الدقيقة من العقيدة الحقيقية، ولا يمكن التأكد من أنّ “أورجين” قدّم هذا الترتيب الدقيق لكتاب “سيلسس”. على أية حال، فإن هجوم “كلسس” على المسيحيّة كان هجوماً فلسفياً وليس تاريخياً. إن معلوماته الأكثر تفصيلاُ عن يسوع قد شُوهت بجدليّته الجادّة، التي يشكّل الهجاء جزءاً منها.

على أية حال، من الواضح أنّ “سيلسس” مصدر غنيّ للجدليّة اليهوديّة والوثنيّة ضدّ المسيحيّة، وبدرجةٍ أقلّ، ضدّ مسيحها. وبالفعل يتفرّد “كلسس” بين الكتّاب الوثنيين في نسب الاعتراضات اليهوديّة والرومانية اليونانية إلى المسيحيّة. ويُعدّ شاهده على العرف اليهوديّ قيماً جداً وسنتطرق له لاحقاً في الفصل الثالث. لكنّ تناوله للمسيح لا يحمل قيمةً كبيرةً في بحثنا عن يسوع التاريخيّ وذلك بسبب جدليته وتحيّزه.

لقراءة بقية السلسلة:

[1] المارسونيّة (الماركونية): تعدها الكنيسة المسيحيّة من الهرطقات الكبرى التي واجهتها، والمارسونيون هم أتباع مارسيون القائل بالإلهين: إله اليهود القاسي، والإله الحقيقي المحتجب، ويرى أن المسيح اختفى فجأة ثم رجع. انتشرت هذه الدعوة في روما في القرن الثاني الميلادي.

كلسس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

من تأملات العلامة اوريجانوس عن سفر يشوع – سر يشوع بن نون

من تأملات العلامة اوريجانوس عن سفر يشوع – سر يشوع بن نون

 
من تأملات العلامة اوريجانوس عن سفر يشوع – سر يشوع بن نون
سر يشوع بن نون

لقد تسمي علي اسم ربنا يسوع المسيح ” الذي أعطاه الله اسما فوق كل اسم “(في 2 : 9) ،ورغم أنه كان هناك أبرار كثيرون في العهد القديم لكن لم يستحق ولا واحد منهم أن يطلق عليه هذا الاسم سوي يشوع بن نون.
 
وأول مرة يقابلنا فيها هذا الاسم هي في سفر الخروج (ص 17 : 8-9)، حيث نقرأ ان موسي يوكل اليه أمر اختيار رجال أقوياء كيما يخرج ويحارب عماليق ، وهكذا نكتشف في الحال السر الذي يرمز إليه اسمه لأن يشوع كان جديرا حقاً بأن يقود جيشاً ، وهو انتصر فعلا علي عماليق ، لذا كان رفع يدي موسي علي مثال الصليب علي تلة رفيديم رمزاً لنصرته عليهم لأنه سمر الرئاسات والقوات علي صليبه ظافرا بهم في نفسه ( كو 2 : 14)

HOMELIES SUR JOSUE: SOURCES CHRETIENNES 71 – Origene
 

من تأملات العلامة اوريجانوس عن سفر يشوع – سر يشوع بن نون

عظات العلامة اوريجانوس عن سفينة نوح Origen homilies on Noah’s Ark – من سلسلة آباء الكنيسة

عظات العلامة اوريجانوس عن سفينة نوح Origen homilies on Noah’s Ark – من سلسلة آباء الكنيسة

عظات العلامة اوريجانوس عن سفينة نوح Origen homilies on noah s ark – من سلسلة آباء الكنيسة

عظات العلامة اوريجانوس عن سفينة نوح Origen homilies on Noah’s Ark – من سلسلة آباء الكنيسة

للتحميل إضغط هنا

عظات العلامة اوريجانوس عن سفينة نوح Origen homilies on Noah’s Ark – من سلسلة آباء الكنيسة

Exit mobile version