هل كان هناك خليقتان، أولهما عبَر عنها الكتاب بقوله “في البدء خلق الله السموات والأرض” (تك 1: 1) وهذه تعرضت للفناء والاندثار، وهذا ما أشار إليه الكتاب بقوله “كانت الأرض خربة وخالية” (تك 1: 2) والثانية هي الخليقة الحالية والتي خلقها الله في ستة أيام (راجع وليم كلى – في البدء والأرض الأدمية)؟
ج:
يصعب قبول القول بخلقتين الأولى تعرضت للفناء والاندثار، ثم جاءت الثانية وهي مازالت قائمة للآن، وذلك للأسباب الآتية:
1- لماذا خلق الله الخليقة الأولى في أحقاب زمنية تمتد إلى ملايين السنين، بينما خلق الخليقة الثانية في ستة أيام..؟! هل قدرات الله قد زادت أم أنه طوَر أسلوبه في الخلق؟!
2- لماذا أفنى الله الخليقة الأولى؟ هل لأنه اكتشف نقصها وعدم نفعها، أو لأنها تعدت أوامره، أم لأنه يهوى التغيير؟!! وإن قالوا أن الله خلق الخليقة الأولى وسمح بانقراضها تهيئة للخليقة الثانية، فربما هذا يصح بالنسبة للكائنات الضخمة التي تحوَلت فيما بعد إلى بترول أو فحم، ولكن لماذا أفنى الكائنات الصغيرة والدقيقة؟!
3- قول الكتاب “وكانت الأرض خربة وخالية” تعبير عن أنها كانت جسمًا منصهرًا تحيط به الأبخرة الكثيفة المتصاعدة مما منع وصول الضوء إليها ” وعلى وجه الغمر ظلمة ” فهذه بداية الأرض، بينما لو كانت الأرض معمَرة بالخلقة الأولى ثم آلت إلى الخراب لأوضح الكتاب هذا بقوله ” وصارت الأرض خربة وخالية”، وليس ” وكانت”.
4- كثير من الكائنات التي ظنوها أنها خلقت في الخلقة الأولى مازالت مستمرة ليومنا هذا.
كل مجتمع – سواء كان بدائياً أو متحضراً – وجد أنه من الضروري أن تكون له أحكام وقواعد تحكم سلوك أعضائه. وهذه الأحكام بكل بساطة تأتي نتيجة الخبرة التي اكتسبوها عن أفضل الطرق لعمل الأشياء. وأحياناً، كما هو الحال بالنسبة لقليل من مجموعات قوانين الشرق الأوسط قديماً، تنبع القوانين من المعتقدات الدينية.
وبين آونة وأخرى، كما هو الحال في العهد القديم، نجد خليطاً بين الناحيتين. وليس معنى هذا أن العهد القديم بدا على هذا القدر من البساطة بالنسبة لأولئك الذين حاولوا أن يتبعوه أيام يسوع. لأنه في ذلك الحين كان العهد القديم قد صار معقداً نتيجة إضافات تفسيرات وتطبيقات مفصلة – إلى الدرجة التي كان يتطلب الأمر معها أن يكون الإنسان متخصصاً في الدراسات اللاهوتية. والأصعب من ذلك هو أن يحفظها.
وموقف يسوع من السلوك كان مختلفاً تماماً عن ذلك. وفي مناسبات عديدة تحدي القواعد التي كان يضعها الفريسيون. فعلى سبيل المثال، فإنه بالنسبة لموضوع السبت، أعلن يسوع قناعته بأن “السبت إنما جُعل لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت” فهو يوم جعل ليستخدمه الناس بحيث يتمتعون فيه، لا لأن يكون يوماً مملاً كئيباً يقضي في محاولة يائسة لعدم تدنيسه. وكان الفريسيون مستاءين طبعاً لتجهل ناموسهم، لأنه على أية حال كان الغرض المعترف به منه هو مساعدة الناس على إرضاء الله، وكيف يتسنى لهم ذلك إلا عن طريق إطاعة متطلباته؟
وفيما نقرأ الأناجيل يتضح لنا أن يسوع كان يقصد أيضاً أن يساعد الناس على معرفة الله. لكن الإله الذي تحدث عنه تم تصويره بشكل مختلف. فلم يكن هو الإله الذي يطلب الالتزام بعدد كبير من التعليمات المستحيلة، بل هو الله الذي يمكن للإنسان أن يكون في علاقة شخصية معه كأب. فأبو يسوع إله غفور، يعتني بالناس حتى وهم في نقصهم الأخلاقي. ولكنه يهتم بأن يعرفوه بشكل أفضل حتى تنطلق قوته لتغيير حياتهم.
سبق أن عرفنا مضامين كل هذا في الأمثال التي قالها يسوع، كما لاحظنا أيضاً بعض النتائج الأخلاقية لتعليمه. فالذين يعيشون في شركة مع الله يجب أيضاً أن يحبوا قريبهم. وعليهم أن يهتموا بالمنبوذين، وأن يهتم كل منهم بخير الآخر. ولكن لماذا ينبغي على شعب الله أن يسلك على هذا النحو؟ ما هو أساس التعليم الأخلاقي؟ أي – التعليم الخاص بالسلوك – الذي علم به يسوع، وكيف يمكننا فهمه؟ هذه هي الأسئلة التي سنحاول الإجابة عليها في هذا الفصل.
ليس من السهل أن نتكلم عن الأخلاقيات التي علم بها يسوع بمعزل عن بقية تعليمه ذلك أن كل تعليمه عن الله وعن مجتمعه الجديد يتضمن بعداً أخلاقياً. والموعظة على الجبل والتي تعد بصفة عامة أكبر مجموعة شاملة من التعاليم الأخلاقية في الأناجيل[1]، تجدها أيضاً عامرة بالفكر اللاهوتي. ومع ذلك، فإن هذه الموعظة تعطينا فكرة طيبة عن وضع الأخلاقيات في المجتمع الجديد الذي جاء يسوع ليفتتحه.
قبل أن نلقي نظرة على المضمون الفعلي للعظة على الجبل، نحتاج أولاً إلى التفكير في أفضل وسيلة لفهم ما يقوله يسوع فيها. وهذا أمر له أهميته، لأنه من الواضح أن الطريقة التي يعطي بها يسوع تعليمه هنا، تختلف تماماً عن نهج كتب الأخلاقيات الحديثة، بل وتختلف بالكلية عن الطرق التي يعبر بها الناس العاديون عن نفس الأفكار. وكمعلم صالح، كان من الطبيعي أن يستخدم يسوع صيغاً من اللغة والتعبيرات التي يفهمها أولئك الذين سمعوه لأول مرة. وهناك على الأقل ثلاث طرق مختلفة استخدمها يسوع في تقديم تعليمه:
ç معظم العظة كُتب شعراً، على الرغم من أنه لو لم يتم لفت انتباهنا إلى ذلك فلربما ما كنا نعرف أنها شعر. والشعر في بعض اللغات يعتمد في تأثيره على القافية ونيرة التوكيد. غير أن الشعر العبري مختلف إلى حد ما، فهو يعتمد في تأثيره على تناغم الفكر، وهناك نوعيتان أساسيتان من الشعر. وهذا يعتمد في تأثيره على تناغم الفكر، وهناك نوعيتان أساسيتان من الشعر. وهذا يعتمد على ما إذا كان التناغم في التماثل أو في الاختلاف. لنأخذ – على سبيل المثال – العبارة التالية من متى. وهذه يمكن ترتبيها شعراً على النحو التالي:
“لا تعطوا القدس للكلاب
ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير”[2].
وأمامنا هنا شعر عبري أصيل، نجد فيه أن الشطر الثاني يكرر فكرة الشطر الأول، ولكن باستعمال تشبيه مختلف. وهذا يسمى “التوازي المترادف”. وهناك أمثلة كثيرة منه في المزامير والأجزاء الشعرية الأخرى في العهد القديم.
وهناك نمط آخر من الشعر العبري نسيمه “التوازي المعكوس” وفي إنجيل متى أيضاَ نموذج منه:
“هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثماراً جيدة
وأما الشجرة الردية فتصنع أثماراً رديئة”[3]
وهناك درس مماثل تعلمناه من كل شطر، لكن الفكر تم التعبير عنه باستخدام المفاهيم العكسية تماماً. وهذا الأسلوب نجده كثيراً في العهد القديم.
حتى الصلاة الربانية يمكن ترتيبها شعرياً. وقد وضعها هنتر A. M. Hunter على النحو التالي:
“أبانا الذي في السماوات
ليتقدس اسمك
ليأت ملكوتك
لتكن مشيئتك
كما في السماء
كذلك على الأرض
خبزنا كفافنا
أعطنا اليوم
واغفر لنا ذنوبنا
كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا
ولا تدخلنا في تجربة
لكن نجنا من الشرير”[4]
ç هناك ملمح عام آخر في تعليم يسوع، وهو استخدام الصور البلاغية. والتي تأخذ شكل قصص الأمثال، وفي أحيان أخرى تكون مجرد توضيحات رائعة من الحياة اليومية. وكثير من الأمثال تعلم بالطبع دروساً أخلاقية، غير أن العظة على الجبل تستخدم صوراً من الحياة الواقعية. وهذا أمر يختلف عن الطريقة التي تميل إلى رفع المستوى الأخلاقي بها في أيامنا هذه. فنحن نتكلم عن الأخلاقيات بطريقة مجردة، ولكن يسوع كان دائماً يتعامل مع أشياء حقيقية. فعلى سبيل المثال، قد نقول:
“إن المادة يمكن أن تشكل عائقاً أمام النمو الروحي”. أما يسوع فقال:
“لا يقدر أحد أن يخدم سيدين… لا تقدرون أن تخدموا الله والمال”[5].
كان يسوع يتكلم بطريقة حيوية. وكثيراً ما كان يستخدم المبالغة المفرطة لتوضيح هدفه. فقد قال على سبيل المثال: “إنه خير لك أن تقلع عينك من أن تزني، وأن تقطع يدك بدلاً من أن تغضب الله”[6]. ومن الواضح أنه لم يكن يقصد أن نعمل ذلك حرفياً، لكنه استخدم لغة المبالغة هذه لكي يؤثر في سامعيه ويقنعهم بجدية رسالته.
وفيما نقرأ الموعظة على الجبل، نحتاج إلى أن ننتبه إلى هذه الأساليب المختلفة التي اعتاد يسوع أن يستخدمها في رسالته. فمعرفة الصياغات المختلفة تساعدنا على فهم ما الذي كان يسوع يعنيه بما يقوله.
إذاً، ما هي نوعية الأخلاقيات التي نادى بها يسوع؟ ما هي مبادئ العمل التي يجب أن ترشد الذين قبلوا سيادة الله على حياتهم؟ هناك ثلاثة أمور تميز أخلاقيات مجتمع الله الجديد عن معظم النظم الأخلاقية الأخرى.
يسوع يعلن معايير الله
تعليم يسوع الأخلاقي جزء لا يتجزأ من تعليمه عن سيادة الله في حياة البشر. وما لم نفهم هذا، فمن الصعوبة أن نفهم معنى الموعظة على الجبل.
وكل النظم الأخلاقية لها مقدمة منطقية أساسية يقوم عليها كل شيء آخر. وتعليم يسوع الأخلاقي يقوم على أساس الإعلان بأن الله الذي خلق كل الأشياء، والذي عمل في التاريخ في اختبار إسرائيل الذي سجله العهد القديم، يمكن أن يعرف بطريقة واقعية وشخصية. وسلوك أتباع المسيح هو نتاج طبيعي لارتباطهم الشخصي مع الله، أبيهم.
وهذا المبدأ كان له دائماً موضع أساسي في اليهودية. فالعهد القديم نفسه كان قائماً على مقدمتين منطقيتين بسيطتين كانتا أساسيتين أيضاً في تعليم المسيح في العهد الجديد.
صلاح الإنسان يستمد طابعه من الله
يتمثل الجزء الأساسي لأحد أقسام ناموس العهد القديم في عبارة “تكونون قديسين لأني قدوس الرب إلهكم”[7]. والمعايير الأخلاقية التي كان يحتاج إليها شعب الله لم تكن أقل من انعكاس طبيعة الله نفسه عليهم. وقد أوجز أحد الباحثين ذلك بأن وصف الأخلاقيات الكتابية بعبارة “علم السلوك الإنساني، كما حدده السلوك الإلهي”. فالإنسان يجب أن يسلك كما يسلك الله.
ومن أروع سمات أعمال الله كما اختبرته إسرائيل رغبته في العناية بأناس لا يفكرون فيه، فقد دعي إبراهيم من بلاد ما بين النهرين وأعطي وطناً جديداً، ولم يكن ذلك لتميزه من الناحية الأخلاقية أو الروحية، ولكن لمجرد أن محبة الله اتجهت نحوه. ولقد خرجت إسرائيل من تجارب الخروج المحبطة وما تبعها، ليس بسبب كمالهم الأدبي، بل بكل بساطة بسبب عناية إله محب. وعلى أساس أعمال لطف الله هذه التي لم يكونوا يستحقونها، كان لله طلبات معينة من شعبه.
وتبدأ الوصايا العشر بعبارة: “أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية…”[8]. وهذه هي الفرضية المنطقية التي قامت عليها الوصايا. فلأن الله صنع شيئاً لشعبه، فإن عليهم مقابلة ذلك بمحبة وطاعة. ونفس النموذج نجده في موضع آخر في ناموس العهد القديم: “واذكر أنك كنت عبداً في أرض مصر ففداك الرب إلهك “لذلك” أنا أوصيك بهذا الأمر اليوم”[9].
وأخلاقيات العهد الجديد لها نفس أساس هذه القاعدة. فعلى سبيل المثال، فإنه لم يلفت النظر أنه حين أراد بولس أن يوقف النزاع الذي كان قائماً في كنيسة فيلبي[10]، لم يلجأ إلى المنطق العادي لحل هذه المشكلة بل إلى نفس هذه الناحية بالذات من سمات الله التي رأيناها في العهد القديم. لقد أخذ مثال الطريقة التي بذل لها الله نفسه من أجل خلاصنا في المسيح، وأخذ منه الأساس الذي أقام عليه مناشدته الأخلاقية لقرائه. ولأن يسوع تخلى عن كل شيء لأجلنا، فيجب علينا أن نكون مستعدين أن نضحي بأنانيتنا لكي نرضيه.
والحقيقة أن شخصية الله كإله قدوس وكأب محب هي أساس تعليم الكتاب المقدس بالنسبة للسلوك، له على الأقل ثلاث نتائج عمليه هام….
ç هذه النتائج أعطت اليهود والمسيحيين على السواء إحساساً كبيراً بخطورة الخطية. فحين يواجه الناس بإله قدوس مستعد أن يبذل نفسه تماماً بمحبة لمنفعة أولئك الذين لم يهتموا به أو يوقروه، هنا يدركون كيف أن طبيعتهم تختلف عن طبيعة إلههم. فعلى سبيل المثال، حين تأثر إشعياء بالمعنى الحقيقي لقداسة الله كان رد فعله الفوري هو أنه أدرك – وربما للمرة الأولى – المدى الكامل لخطيته[11]. ونفس الشيء لا بد وأنه كان ينطق على معظم الناس الذين تقابلوا مع يسوع. وفي حالات كثيرة غفر يسوع خطايا أولئك الذين أتوا إليه، وهو نفسه يذكرنا أن أولئك الذين يدركون حاجتهم هم فقط الذين يمكن أن يغفر لهم.
ç وصلاح المسيحي له طبيعة روحية غير عالمية تتجاوز متطلبات المنطق العادي. فطبيعة الله كما أعلنها يسوع تبين محبته الباذلة، وهذا ما دأب يسوع على امتداحه بشكل عملي في تعليمه. فقد قال للشاب الغني: “اذهب بع كل ما لك وأعط الفقراء…”. وفي الموعظة على الجبل قال يسوع لتلاميذه أن يذهبوا ميلين إذا سخرهم الرومانيون على حمل حقائبهم لميل واحد. وعليهم أن يحولوا الخد الآخر ويقابلوا الشر بالخير. وكثيراً ما تبدو لنا هذه الأشياء غير معقولة على الإطلاق، بل وقد يعتقد البعض أنها سخيفة. ولكننا إذا ما نظرنا إليها في ضوء ما بذله الله من أجلنا، فلسوف تظهر لنا بشكل مختلف.
ç يجب أن تكون الرغبة العارمة لشعب الله هي إرضاء الله ومقابلة محبته بطرق تعكس طابعه. وهذا هو ما يحفزهم على إطاعة وصايا يسوع. علينا أن نحب أعداءنا ليس من أجل أن نلفت الأنظار إلينا، لكن “لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات”.
الصلاح المسيحي والمجتمع
الموضوع الرئيسي للعهد القديم هو الإيمان بأن الله قد عمل، وبشكل حاسم في تاريخ شعبه إسرائيل، وأنه دخل معهم في علاقة وثيقة من خلال عمل عهد معهم. وهذا معناه أن الفرد الإسرائيلي، لم يكن إطلاقاً مجرد فرد، بل عضواً في شعب الله. ونتيجة ذلك فالصلاح الذي يتطلبه الله يجب أن يظهر ليس في أفراد أتقياء فحسب، بل في مؤسسات الحياة القومية.
وبنفس الطريقة أعلن يسوع أنه جاء ليقيم ملكوت الله في حياة أتباعه[12]. ولكن ليس في حياتهم كأفراد فقط، بل كذلك في حياتهم المشتركة وإحدى الوصيتين العظميين هي أن الإنسان يجب أن يحب قريبه كنفسه[13]. والذين يقبلون سيادة الله على حياتهم[14]، أعطوا وصية جديدة لتكون أساس المجتمع المسيحي: “أن تحبوا بعضكم بعضاً. كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضاً بعضكم بعضاً. بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إذا كان لكم حب بعضاً لبعض”[15].
الالتزام بوصايا يسوع الأخلاقية
تعليم يسوع قصد به فقط أن يكون أسلوب حياة بالنسبة لأولئك الذين يخضعون حياتهم لسلطان الله. وهذه هي النقطة التي غالباً ما أسيء عندها فهم الأخلاقيات التي نادى بها يسوع. والذين يدعون أنهم يستطيعون تقبل الموعظة على الجبل، ولا يقبلون ما ادعاه يسوع بالنسبة لشخصه يكونون قد أساءوا فهم جوهر تعليمه. وذلك أنه من المستحيل تماماً أن يفصل فكره اللاهوتي عن أخلاقياته، ومن يحاول ذلك يدمرهما معاً.
وفي مقدمته للموعظة على الجبل، يخبرنا متى أن التلاميذ هم الذين كانوا يشكلون جانب المستمعين للعظة، وأن عناصر العظة المختلفة من الواضح أنها موجهة لأناس معنيين ملتزمين وليس لكل الناس. وهذا ما فهمه المسيحيون الأوائل.
ومن المؤكد أن العظة استعلمت بالشكل الذي نعرفها نحن به، لكي تعلم المتجددين حديثاً في الكنائس التي كان متى مرتبطاً بها في القرن الأول. وفي إطار حياة يسوع، وكذلك في إطار الكنيسة الأولى، كانت التعاليم الأخلاقية للموعظة تسبق بالكرازة بالرسالة المسيحية وقبولها.
وقد أوضح “دود”، أنه يمكن التمييز بين خطين من التعليم المسيحي الأول في العهد الجديد، ومن المثير أن نجد أنهما يتناغمان مع النموذج العام الذي لاحظناه في تعليم العهد القديم الأخلاقية. فمن ناحية هناك نوعية التعليم التي يسميها “الكرازة Kerygma” وتمثل هذه في الأساس إعلاناً عما فعله الله للبشر من خلال حياة يسوع وموته وقيامته.
وهذا يماثل الطريقة التي دُعي بها إبراهيم وذريته وأُقيموا كأمة في العهد القديم. ولقد عمل الله من خلال المسيح ليس كنتيجة لأي قيمة أخلاقية في الشعب الذي أصبح من أتباعه، ولكن بدافع من محبته غير المستحقة – وهذا ما يسميه المسيحيون “نعمة”. وكما دعيت إسرائيل لإطاعة الناموس على أساس ما فعله الله، فهكذا أيضاً أعطى المسيحيون الأوائل نصائح وتحذيرات أخلاقية وروحية.
وأطلق البروفسور “دود” على هذا الخط وصف “تعليم: didache”. وبوسعنا أن نرى هذه الخطين بوضوح تام في بعض رسائل بولس، والتي غالباً ما تعرض للمسائل اللاهوتية أولاً ثم تصور مناشدة عملية للمسيحيين على أساس الحجج اللاهوتية. غير أن الفرق ليس مهماً للغاية، والواقع أن الكرازة Kerygma والتعليم Didache يلتقيان في النهاية معاً. لأن أخلاقيات العهد الجديد لم تكن تتمثل في بعض القواعد التي فرضت من خارج، بل في نوعية من الحياة أعطيت للمسيحيين نتيجة ما عمله المسيح من أجلهم.
وبإمكاننا أن نوضح هذا من الأقوال المتعلقة بالإنسان كفرد، والتي وردت في الموعظة على الجبل، والتي لا يمكن فهم أي منها بمعزل عن الإيمان بأنه في المسيح اقتحم الله التاريخ بطريقة حاسمة. فحين قال يسوع لتلاميذه أن يغفروا للآخرين زلاهم، فكان ذلك على أساس أنهم هم أنفسهم نالوا غفران الله[16]. وحين طلب منهم أن يحبوا أعداءهم[17]، فنحن نتذكر فاعلية محبة الله التي أظهرت لهم دون أن استحقاق. وفي كل حالة نجد أن عطية الله، ونعمته المجانية، دائماً تأتي قبل طلب شيء. وحتى العمل المرسلي الذي قام به التلاميذ كان لا بد أن يتم على نفس هذا الأساس. وقد قال لهم يسوع: “مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا”[18].
يسوع يعلم أخلاقيات الحرية
من بين أعظم الإغراءات التي يتعرض لها قراء الموعظة على الجبل، محاولة تفسيرها كمجموعة من القواعد والتعليمات – كناموس جديد للمسيحيين، يحل دائماً بدلاً من ناموس العهد القديم العتيق. وهذا شيء برز في وقت مبكر جداً من تاريخ الكنيسة، ويعتقد بعض الباحثين أنه حتى متى نفسه اعتبرها “ناموساً جديداً” سلمه يسوع على الجبل في الجليل، مثلما سلم “الناموس القديم” بيد موسى على جبل سيناء.
غير أن تعليم يسوع الأخلاقي لم يقصد به إطلاقاً أن يكون ناموساً” بأي حال من الأحوال.
ç تعليم الموعظة على الجبل يختلف تماماً عما نعرفه في العادة بأن “ناموس” فمعظم النواميس تقوم على أساس الكيفية التي يتم بها حساب السلوك المتوقع والذي يمكن قبوله من أغلبية الذين تم وضع القانون من أجلهم، والناموس الذي لا يمكن حفظه هو ناموس سيء، وليس من فائدة في عمل ناموس ليضغط على الناس لكي يصبحوا على ما يخالف حقيقتهم. ولكن هذا بالطبع هو ما يعمله بالضرورة تعليم يسوع. فهو يطلب منا أن نكون مختلفين عما نحن عليه بالطبيعة. ولذلك لا يكفي أن نعتبره كناموس جديد، لأن متطلباته ليست من النوعية التي يمكن لأي إنسان أن يوفيها بمجرد بذل الجهد.
ç طوال مدة خدمته كان يسوع في نزاع مع الفريسيين، وهم مشرعو الأمة اليهودية. فقد كانوا مهتمين بالأعمال التي يمكن التحكم فيها بواسطة القواعد. إلا أن نهج يسوع كان على النقيض من ذلك تماماً. فقد كان يهتم بالأكثر بالناس والمبادئ. وسر الصلاح عنده لا يكمن في إطاعة التعليمات، بل في الأعمال التلقائية للطبيعة التي تغيرت. “لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع أثماراً ردية ولا شجرة ردية أن تصنع أثماراً جيدة”[19].
وتعليم يسوع ليس ناموساً، بل هو أخلاقيات للحرية. فالذين يقيمون سيادة الله في المجتمع الجديد يتمتعون بحرية أن يعرفوه في إطار علاقة حية كأبيهم. وموعظة يسوع على الجبل لا تقدم أحكاماً وتعليمات بل هي تقدم لنا مبادئ، والمبادئ تهتم بماهية الشخصية أكثر مما تهتم بما يعمله. وليس معنى هذا أنه لا أهمية للأعمال، بل أن يسوع أدرك أن الطريقة التي نسلك بها تعتمد على نوعية الناس التي نحن منها. وبدون الميل والتحفيز الداخلي الصحيح، لن يكون بمقدورنا حتى أن نبدأ في فهم تعليم يسوع الأخلاقي. لأنه كما أوضح “مانسون T. W. Manson” الأمر ببراعة فقال: تعليم يسوع يعد بوصلة وليس خريطة المعدات العسكرية، فهو يقدم لك الاتجاهات لا التوجيهات.
هل ألغى يسوع ناموس العهد القديم
هناك قول ورد في الموعظة على الجبل كثيراً ما أثار بعض المصاعب. وهو القول الذي جاء في: “لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكن إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل”.
وقد قدمت عدة تفاسير لهذا القول:
ç أبسطها هو القول بأن هذه العبارة في الواقع لم تصدر عن يسوع، ولكنها جاءت في العظة في وقت لاحق، وهي تعكس موقفاً في كنائس اليهود المسيحيين، والذين كان متى يكتب لهم إنجيله.
ولعل متى كان يفكر في الفوضى التي حدثت في بعض الكنائس نتيجة سوء فهم تعليم بولس عن الحرية من قيد الناموس، وربما أراد أن يحول دون وقوع أية حركات مماثلة من قبل المسيحيين الذين كان يعرفهم. وربما بدا هذا أنه حل متطرف، لكن هذه الآيات لا تتناغم طبيعتها مع بقية ما جاء في تعليم يسوع بجملته، حتى أن مفكرين كثيرين اعتقدوا أن هذا هو أفضل حل.
ç قيل أيضاً إنه حين تكلم يسوع عن “تكميل الناموس” فربما كان يعني شيئاً مختلفاً إلى حد ما عما اعتقدنا أنه قصده. فالمجتمع الجديد الذي يتحدث عنه يسوع، عادة ما يصور على أنه تكميل للعهد القديم، وكان ثمة عنصر هام في العهد القديم وهو أن شعب الله بمقدوره أن يتمتع بعلاقة حية معه. وعلى الرغم من أن الكتبة والفريسيين فرغوا هذه العلاقة من مضمونها، وضمنوها تشريعاتهم، إلا أنه ربما كان يسوع يشير إلى غايته الأساسية، والتي تطلب بالنسبة لحياة الشخص أن تكون حياة الإنسان مستقيمة أمام الله: “وماذا يطلبه منك الرب إلا أن تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعاً مع إلهك” (ميخا 6: 8).
ç ومن المحتمل أيضاً أن ما قاله يسوع عن استمرارية الناموس لا يجب فهمه حرفياً ومثل الكثير من تعاليمه، من الممكن أن يكون هذا أسلوب مبالغة للتأكيد على أن إرساليته ورسالته كلها لها أصولها العميقة في الإعلان الإلهي الذي تضمنه العهد القديم.
“الأمثال” هي بعض من قصص يسوع الأكثر شهرة. مثل قصة السامري الصالح[1]، أو الخروف الضال[2]، أو الزارع الذي خرج ليزرع[3]. ولكن إذا تصفحنا الأناجيل وحصرنا الأجزاء المختلفة من تعليم يسوع والتي وصفت بأنها “أمثال”[4] فلسوف نجد أنها تتضمن ليس فقط هذه القصص التي صيغت على هيئة أمثال[5]، بل سنجد أقوالاً أخرى من الطبيعي أن نصنفها بالأكثر على أنها تتضمن كل وسائل البلاغة مثل المجاز والتشبيه والرمز بل والأحجيات أيضاً[6].
الأمثال ومعانيها
والمثل الشعبي مثل “أيها الطبيب اشف نفسك”[7] يسمى مثلاً. وهكذا الحال تقريباً بالنسبة للقول الواقعي “كل ما يدخل الإنسان من الخارج لا يقدر أن ينجسه… إن الذي يخرج من الإنسان ذلك ينجس الإنسان”[8]. وبعض الأقوال في الموعظة على الجبل[9] من نفس هذه النوعية أيضاً، حيث ترسم صورة حية لشيء مألوف: الملح، النور، المدينة، وبواسطتها يفسر يسوع رسالته.
وكثير من الصور التي تناولها يسوع في إنجيل يوحنا تستخدم أيضاً نفس النوعية من التشبيهات المجازية لتوضيح رسالته. حيث يصف يسوع نفسه بأنه “الراعي الصالح”[10] أو “الكرمة الحقيقية”[11]، ثم يشبه عمل تلاميذه بجني الحصاد[12]، ويشبه نفسه الخبز وماء الحياة[13].
وتعليم يسوع مليء بأقوال الأمثال المشابهة لهذا، غير أنه عند مناقشة تعليم يسوع، فإنه من المعتاد ومن المناسب أن نحتفظ بكلمة “مثل” بالنسبة للقصص الحقيقية التي قالها يسوع[14].
أمثال أم تشبيهات مجازية؟
الطريقة التقليدية لفهم قصص الأمثال هذه هي اعتبارها تشبيهات مجازية. والتشبيه المجازي هو قصة مفصلة عن موضوع ما، كتبت بطريقة تبدو معها وكأنها شيئاً مختلفاً تماماً. وكتاب “جون بنيان John Bunyan” “سياحة المسيح” يعد مثالاً شهيراً على هذه النوعية من الكتابة. وفي هذا الكتاب يبدو “بنيان Bunyan” وكأنه يروي قصة رجل في رحلة. ولكن الرحلة غريبة جداً، والشخصيات أكبر بكثير من الحياة، حتى إن هذا لا يحدث إطلاقاً في رحلة. فهو يصف الأمور التي وقعت في حياة شخص مسيحي، منذ أصبح مسيحياً وحتى نهاية حياته.
ونجد مثل هذا التعليم في بعض أجزاء العهد الجديد. ففي إنجيل يوحنا على سبيل المثال، هناك التشبيه المجازي عن الكرمة والأغصان[15]…. وفي هذه القصة يبدو يسوع هنا وكأنه يشرح الوسائل التي من خلالها تثمر الكرمة عنباً، إلا أنه حين بدأ في الكلام عن غصن الكرمة الذي قرر أن يقطع نفسه عن الساق الرئيسي للنبات، أصبح من الواضح أنه لا يعطي درساً عن كيفية زرع العنب، بل كان يتحدث عما يعنيه أن يكون الشخص من تلاميذه.
وعلى الرغم من أنه لا توجد في الأناجيل إلا أمثلة قليلة من الصور المجازية، إلا أن معظم الحالات نجد أن طريقة فهم الناس للأمثال لا هي أمينة بالنسبة للهدف الأساسي الذي قصده يسوع في تعليمه ولا هي مفيدة بالمرة. لنأخذ على سبيل المثال قصة السامري الصالح، فطبقاً لما قاله لوقا فقد قال يسوع هذه المثل في معرض رده على سؤال “من هو القريب؟”[16] وفي النهاية أخبر يسوع صاحب السؤال بأن يفعل كما فعل السامري في القصة. ومع ذلك، ففي غضون فترة قصيرة كان المسيحيون يفسرون هذه القصة تفسيراً مجازياً، ناسين حقيقة أنها كانت رداً على سؤال عملي.
أين تجد أمثلة يسوع؟
متى
مرقص
لوقا
مثل الزارع
13: 1-23
4: 1-20
8: 4-15
الزوان في الحقل
13: 24-43
حبة الخردل
13: 31-32
4: 30-32
13: 18-19
الكنز المخفي
13: 44-46
العبد غير المتسامح
18: 23-35
السامري الصالح
10: 25-37
صديق منتصف الليل
11: 5-8
الغني الغبي
12: 13-21
الوليمة العظيمة
14: 15-24
الخروف الضائع
18: 12-14
15: 1-10
الابن الضال
15: 11-14
وكيل الظلم
16: 1-13
الغني ولعازر
16: 19-31
قاضي الظلم
18: 1-8
الفريسي والعشار
18: 9-14
الفعلة في الكرم
20: 1-16
مثل الأمناء
19: 11-27
الكرامين الأشرار
21: 33-46
12: 1-12
20: 9-19
وليمة العرس
22: 1-14
العبد الأمين
24: 45-51
العذارى العشر
25: 1-13
الوزنات
25: 14-30
الأقوال السبعة في إنجيل يوحنا والتي بدأها يسوع بقوله “أنا هو”، جاءت شبيهة بأمثال وهي:
خبز الحياة
يوحنا 6: 35-40
نور العالم
يوحنا 8: 12-13
الباب
يوحنا 10: 7-10
الراعي الصالح
يوحنا 10: 11-18
القيامة والحياة
يوحنا 11: 17-27
الطريق والحق والحياة
يوحنا 14: 1-7
الكرمة الحقيقي
يوحنا 15: 1-11
وطبقاً لما قاله أحد مفكري القرن الرابع “أوغسطينوس” فإن الرجل الذي نزل من أورشليم إلى أريحا هو آدم. وأورشليم كانت تمثل مدينة السلام الإلهية التي سقط منها، وأريحا كانت تشير إلى الموت الذي ورثه الجنس البشري نتيجة سقطة آدم. أما اللصوص فكانوا يرمزون إلى الشيطان وملائكته، الذين جردوه من خلوده. أما الكاهن واللاوي اللذان عبرا من الجانب الآخر فيرمزان إلى الكهنوت وخدمة العهد القديم، واللذان لم يقدرا أن يخلصاه. أما السامري الصالح فكان المسيح نفسه، وقيامه بتضميد جروح المسافر يشير إلى كبح الخطية، وأما الزيت والخمر اللذان صبهما على جراحه فيرمزان إلى تعزية الرجاء والتشجيع على العمل بجد. أما الدابة فترمز إلى الجسد الذي جاء به يسوع إلى الأرض، والفندق يشير إلى الكنيسة، وصاحب الفندق هو الرسول بولس. أما الديناران اللذان أعطيا له فهما وصيتا محبة الله ومحبة القريب.
ولا شك أن هذه القصة ترمز إلى قصة الخلاص بأكملها، ومن باب الأمانة، علينا أن نتذكر أن أوغسطينوس يخبرنا أنه تمتع تماماً بتفكيره في هذا الأمر. غير أننا في المحصلة النهائية علينا الاعتراف بأن مثل هذا التفسير لا يتصل تماماً بقصة السامري الصالح. وهذه “المعاني الروحية” خلعت على القصة ولم تأت منها. وفي تفسير أوغسطينوس لها، لا نجد بأية حال إجابة على السؤال الأساسي الذي طرحه ذلك الشخص على يسوع.
القصد من الأمثال
قد تتملكنا الدهشة إلى حد ما حين نكتشف أنه قبل نهاية القرن التاسع عشر لم نكن قد أدركنا تماماً عبثية هذا المنهج من التفسير. وحين بدأ الباحثون يقرأون العهد الجديد كوثيقة تاريخية، أدركوا أنه ربما قد استخدم يسوع الأمثال بنفس الطريقة التي كان يستخدمها معلمون آخرون في العالم القديم. وبعد مقارنة أساليب يسوع في التعليم بالطريقة التي استخدمت فيها الأمثال في الأدب اليوناني، أشار مفكر ألماني هو “أدولف جوليكر Adolf Julcher” أن يسوع استخدم الأمثال مثلما يستخدم الوعاظ في العصر الحديث الرسوم التوضيحية. ولم يكن يقصد أن يصل بها إلى معنى خفي في كل تفصيلة، بل كان بكل بساطة يصور ويوضح نقطة معينة.
وهكذا فإن النقطة الرئيسية في مثل السامري الصالح هي أن الشخص الذي أثبت أنه قريب حقيقي لم يكن أحد المتدينين اليهود بل واحد من السامريين المحتقرين المكروهين. وجميع التفصيلات الأخرى التي تضمنتها القصة مثل الدابة، والفندق، والزيت والخمر، ما كانت إلا تصويراً مجازياً رائعاً للمشهد لإضفاء الواقعية والإثارة على القصة. ولم تكن لها علاقة بالنقطة الأساسية لما كان يسوع يحاول قوله.
وإذا ما أدركنا هذه الحقيقة، فلسوف نتخلص من بعض مشاكل التفسير الحقيقية. ذلك أنه في بعض الأمثال نجد أن الشخصيات الرئيسية ليست في الواقع من نوعية الناس الذين يشعر المسيحيون بأنه ينبغي تقليد تصرفاتهم. فعلى سبيل المثال، هناك وكيل الظلم الذي حصل على ثناء سيده عندما تلاعب في الحسابات لمصلحته. فهل يسوع يمتدح حقاً مثل هذا التصرف؟
الإجابة هي لا بالطبع. وحين ندرك أن الغرض الرئيسي من المثال هو أننا ينبغي أن نتمثل ببعد نظره في أن يكون مستعداً لمواجهة أي كارثة في الحياة، هنا نستطيع أن نعرف أن بقية القصة ما هي إلا مجرد تصوير واقعي لموقف تم تخيله.
وتواصلاً لأفكار جوليكر الهامة بدأ مفكرون آخرون في محاولة اكتشاف المعنى الحقيقي لأمثال يسوع، ومن أشهرهم بروفسور “دود” في إنجلترا، وبروفسور “يواكيم جيرمياس” في ألمانيا، وكلاهما يتفقان مع “جوليكر” في أن الأمثال بوجه عام لا تتضمن سوى درس واحد، على الرغم من أنهم رأوا أيضاً أن موضوع الأمثال لا يتضمن أحد الحقوق الأخلاقية التي يتم تعميمها (كما كان جوليكر يعتقد) بل أن موضع الأمثال هو مجيء مجتمع الله الجديد. ومع ذلك اقتبس “دود” و”جيرمياس” عن “جوليكر” افتراضات معينة كانت عرضة للتشكيك منذ عهد قريب من قبل الباحثين الآخرين للعهد الجديد:
ç رغم أنه صحيح بوجه عام أن كل مثل من أمثال يسوع كان يتضمن نقطة رئيسية واحدة، إلا أن الأمر يكون مضللاً عند الإصرار على القول بأنه لم يكن هناك مثل على الإطلاق كانت له أكثر من نقطة واحدة رئيسية. فمن الواضح تماماً أن بعض الأمثال كانت تتضمن أكثر من درس واحد تعلمه.
ففي مثل الوزنات[17] – على سبيل المثال – يبدو أنه كان على الأقل يتضمن نقطتين بسيطتين. فالقصة تتحدث عن رجل مسافر قسم نقوده بين عبيده بغية الاحتفاظ بها في أمان. وحين يعود يكافئ العبيد بطرق مختلفة طبقاً لاستخداماتهم المتباينة التي استغلوا فيها نقوده. فالنقطة الأساسية لهذه القصة يجب أن تكون على تأكيد الصلة بين المسؤولية الفردية والدينونة الأخيرة. ولكننا نجد تشديداً آخر يمكن أن يكون له أهمية مماثلة، لأن السيد لم يتقيد بالتزامه القانوني أو الأدبي، فقد كان كريماً إذ استأمن عبيده على ممتلكاته. أما مثل وليمة العرس، يبدو أنه يدور تماماً حول نفس هاتين النقطتين، ومن الطبيعي أن كلاً منها كان يشكل جزءاً هاماً من تعليم يسوع عن طبيعة أبيه[18].
ç على الرغم من أنه لا يجب تفسير معظم الأمثال تفسيراً مجازياً، إلا أن كثيرين من المفسرين يدركون الآن أن هذا لا ينطبق على الأمثال كافة. ومثل الزارع يتضمن معنى مجازياً: فنوعيات التربة المختلفة قيل إنها تمثل أنماطاً مختلفة من الناس الذين يسمعون رسالة يسوع[19]. وكثيراً ما يثار جدل بأن هذا التفسير لا يعود إلى يسوع نفسه، بل نشأ في الكنسية الأرضية، في وقت كان المسيحيون يحاولون فيه تفسير السبب في أن أناساً قليلين هم الذين يتجاوبون مع وعظهم. ولا شك أن مَثَل كهذا يساعد في الإجابة على سؤال كهذا[20]. إلا أنه إذا حذفنا تفسير المثال هذا على اعتبار أنه لا يتضمن سوى معنى ثانوي، ربما أضيف في وقت لاحق، فإنه ستظل أمامنا مشكلة تفسير النقطة الرئيسية بحسب ما تحدث عنها يسوع لأول مرة. والحقيقة هي أنه من الصعب جداً معرفة ما هو المعنى الآخر الذي يمكن أن يتضمنه.
وهناك مثل أكثر من هذا يلفت النظر نجده في حالة مثل الكرامين الأشرار[21]. والقصة تتحدث عن رجل قام بتأجير كرمه لكرامين نظير إيجار يتضمن جزءًا من محصول العنب السنوي. ومع ذلك، عندما أرسل عبيده ليتسلموا نصيبه من المحصول قام المستأجرون بضربهم وقتلهم. وبعد أن تكرر حدوث هذا عدة مرات، أرسل الرجل ابنه، معتقداً أنه سيقابل باحترام أكبر. ولكنه لاقى أيضاً نفس المصير. ولذلك حين جاء صاحب الكرم أخيراً إلى الكرم، كان من المحتم أن يهلك هؤلاء الكرامين الأشرار. وفي هذه القصة فإن التفسير المجازي يبدو أنه المعنى الوحيد الممكن. وإذا لم تكن إسرائيل هي الكرم، والأنبياء لم يكونوا هم العبيد الذين أرسلهم سيدهم (الله)، ويسوع نفسه هو الابن، فلسوف لا يكون للمثل كله أي معنى.
وعلى هذا فيبدو أنه من الحكمة تبني موقفاً أكثر مرونة، وندرك أنه برغم أن الأمثلة لا تحتاج عادة إلى تفسير مجازي، إلا أن بعضها قد يحتاج إلى ذلك.
ç يؤكد كل من “دود” و”جيرمياس” أهمية فهم الأمثال في سياقها التاريخي الأساسي. ولأنهما يصران على هذه النقطة فقد بذلا جهداً كبيراً لمحاولة اكتشاف المعنى الحقيقي لأمثال يسوع لسامعيه، وبعد ذلك بالنسبة للمسيحيين الذين كانوا أول من كتبوها. إلا أن مفسرين آخرين بدأوا الآن يدركون أن هناك بعداً مخفياً في الأمثال يعطيها مذاقاً مميزاً لا نجده في بقية العهد الجديد.
وبصفة عامة نستطيع أن نقول إنه قبل أن يكون بمقدورنا أن نتأكد ما الذي يعنيه العهد الجديد بالنسبة لنا في أيامنا هذه، نحن في حاجة إلى معرفة ما الذي كان يعنيه بالنسبة لأولئك الذين قرأوه أولاً. ولكن الأمر في الحقيقة ليس هكذا بالنسبة للأمثال. لأنها تشبه عمل إنسان عظيم بأكثر مما هي عمل لاهوتي واع بذاته. ثم إن سماتها وأوضاعها لها في المقابل طابع شامل يمكن أن يفهمه أي شخص، ذلك أنها تتناول الاحتياجات الضرورية للإنسان. ولسنا بحاجة إلى أي بصيرة خاصة لفهم مثل الابن الضال، أو الوزنات، أو العمال في الكرم. فإن معناها ودعوتها تتضح لنا عند قراءتها.
الأمثال ورسالتها
ولكن ما هي رسالة الأمثال ودعوتها؟ في معناها الأوسع، موضوع الأمثال هو مجيء مجتمع الله الجديد، أو “الملكوت”. وهذا ما تشير إليه بوضوح كثير من الأمثال التي تبدأ بعبارة “يشبه ملكوت السماوات….”[22] وبسبب هذا، فإن المعنى الدقيق الذي نراه في الأمثال يعتمد إلى حد ما على ما نعتقده بالنسبة لما سيكون عليه المجتمع الجديد. فإنا ما اعتقدنا – مع ألبرت شويتزر – أن تدخل الله المثير والعاجل في شؤون المجتمع الإنساني هو أهم شيء فيها، فمن الطبيعي والحالة هذه أننا سنرغب في فهم التعليم التي تقول به الأمثال في هذا السياق. ومن ناحية أخرى، فإننا إذا اتبعنا منهج “دود” فإننا نجد صعوبة في أن نجد في الأمثال آثارً لأمور أخروية قد تحققت.
إلا أن رسالة الأمثال الحقيقية هي أكثر تعقيداً من أي من هذه البدائل. فإذا ما تأملنا معاً كمجموعة فسوف يتضح أن رسالتها تهتم بأربعة موضوعات رئيسية، كل منها يفسر بعض الحقائق الهامة عن مجتمع الله وتأثيره في حياة أولئك الذين يشكلون جزءًا منه.
المجتمع وسيده
معظم المجتمعات تتأثر تأثيراً كبيراً بشخصية قائدها أو قادتها. فالحاكم المستبد لن يجد صعوبة في حمل شعبه على تبني نفس المواقف. أما القدوة التي توجد في حاكم متحرر رحوم فهي دائماً ما تشجع شعبه على أن يشاركوه في وجهة نظر مماثلة. والمجتمع الجديد الذي أقامه الله ينطبق عليه هذا الكلام. فهو يستمد طابعه وشكله من الله الذي هو سيده.
وعلى هذا، فلا تأخذنا الدهشة حين نجد أن عديداً من الأمثال تخبرنا بأمور هامة عن طبيعة الله نفسه. فقصة الخروف الضال[23] تشرح لنا الحقيقة الجوهرية وهي أن الله إله نعمة: فهو يأخذ المبادرة في إيجاد وإعادة أولئك الذين بسبب الخطية أصبحوا في تنافر مع مشيئته. وهو يهتم بكل واحد من مخلوقاته ضل طريقه في الحياة، وتراه يبحث عن هذا الضال حتى يستعيده. والأمثال الأخرى في لوقا 15 – الدرهم المفقود والابن الضال[24] تؤكد أيضاً محبة الله للخطاة. ومحبته التي لا نستحقها عظيمة جداً حتى إن الله يعمل كل ما في وسعه كي يجدنا، ولن يقنع حتى يستعيدنا تماماً، مثل الابن الضال.
ويتضح مدى كرم الله على وجه الدقة في قصة عمال الكرم[25]. حيث يتحدث فيها يسوع عن سيد استأجر رجالاً ليعملوا في كرمه. وقد بدأوا العمل في أوقات مختلفة في النهار. وحين جاء وقت استلام أجورهم لم يكن بعضهم قد عمل سوى ساعة واحدة، في حين أن آخرين قد عملوا النهار كله، ولكن السيد أعطاهم كلهم نفس الأجر. ولم يغش أحداً منهم، لأن أولئك الذين بدأوا العمل من أول النهار وافقوا مقدماً على الأجر الذي سيتقاضونه. لكن السيد كان كريماً مع الذين بدأوا العمل في ساعة متأخرة من النهار. وقال يسوع إن ملكوت السماوات يشبه هذا. والله بالطبع، هو سيد هذا الملكوت، وهو كريم بلا حدود. والذين ينضمون إلى مجتمعه في اللحظة الأخيرة يلقون ترحيباً كبيراً مثل أولئك الذين كانوا أول من طرقوا بابه.
وقد يبدو لنا من هذا أن الله غير عادل إلى حد ما، لأنه من المؤكد أن الذين جاءوا مبكراً يستحقون أكثر من الذين بدأوا العمل في وقت متأخر من النهار.
وهذا هو السؤال الذي حاول جوليكر أن يجيب عليه حين قال إن المثل في العادة لا يدور إلا حول نقطة واحدة – وفي حالة المثل الذي نحن بصدده لا شك أنه كان على حق – لأنه توجد أقوال أخرى كثيرة ليسوع تبين أن الله يستجيب دون حدود لحاجات كل شعبه. وهناك – على سبيل المثال – قصة الصديق الذي جاء ليطلب طعاماُ في منتصف الليل[26]، والتي استخدمها لوقا ليؤكد أن الله راغب تماماً في الاستجابة لصلواتنا. “اسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا. اقرعوا يفتح لكم”[27]. وهناك مثال آخر نجده في قصة قاضي الظلم والتي تؤكد نقطة مماثلة[28].
ثم إن هناك الأقوال التي تضمنتها الموعظة على الجبل، والتي برغم أنها ليست قصة أمثلة، إلا أنها دون شك تعد أمثلة بكل ما في الكلمة من معنى “انظروا إلى طيور السماء. إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن وأبوكم السماوي يقوتها. ألستم أنتم بالحري أفضل منها… ولماذا تهتمون باللباس. تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو. لا تتعب ولا تغزل… فإن كان عشب الحقل… يلبسه الله هكذا أفليس بالحري جداً يلبسكم أنتم يا قليلي الإيمان”[29]. فالله يهتم بشعبه، بل ويهتم حتى بأقل التفاصيل. لأنه أبوهم.
وهذا التأكيد على العلاقة الشخصية الوثيقة بين الله والذين يقرون بسيادته على حياتهم، يشكل واحداً من أكثر الأجزاء الرائعة الأساسية في تعليم المسيح. ويسوع نفسه يخاطب الله باعتباره أباه[30]. وفي إنجيل يوحنا، كثيراً ما استخدمت علاقة الله بيسوع، والتي هي علاقة أب بابن لتأكيد طبيعة يسوع الإلهية، غير أنه في الأناجيل الثلاثة الأخرى كثيراً ما يتم التشديد على طبيعة هذه العلاقة[31]. فالله أب ليسوع ولذلك يمكن أن يخاطب ويعرف بنفس الأسلوب الوثيق الذي يخاطب به الابن أباه الجسدي. فيسوع كان يخاطب الله على هذا النحو. وقد بدعاه “أبا” الآب، وهي الكلمة الآرامية بمعنى “أب” والتي تستعمل في البيت، وقد سمح لتلاميذه أن يفعلوا نفس الشيء حين يخاطبون الله في الصلاة[32].
وهذه الطريقة في مخاطبة الله هي طريقة جديدة تماماً. وعلى الرغم من أن اليهود كانوا يخاطبون الله أحياناً “كأب”، إلا أنهم لم يستعملوا اللغة المألوفة التي كان يستعملها يسوع، وكانوا في العادة يبررون ذلك بالإشارة إلى قداسة الله وعظمته. لكن “إله” أمثلة يسوع ليس بعيداً أو خارج نطاق الاتصال بالعالم، ومن المؤكد أنه “قدوس”، وهو مختلف تماماً عن البشر في طبيعته. ولكنه الله الذي نستطيع أن نعرفه في علاقة شخصية كأبينا. والأكثر من ذلك أنه “أب” محب. وهو يسهر على كل الذين ينتمون إليه، ويهتم بأقل التفاصيل في حياتهم.
المجتمع والفرد
وإن نكون جزءًا من المجتمع الجديد الذي تحدث عنه يسوع، لا يعطينا ميزة معرفة الله بطريقة وثيقة وشخصية فقط، بل إن ذلك يضع علينا كذلك بعض المسؤوليات. وهناك عدد من القصص التي قالها يسوع تؤكد على نوعية الاستجابة المطلوبة إذا كان لنا أن “ندخل الملكوت”.
في بداية إنجيل مرقص نجد أن الاتجاه الرئيسي لتعليم يسوع لخص في الشعار “فتوبوا وآمنوا بالإنجيل”[33] ثم إن كثيراً من القصص التي رواها يسوع تؤكد أهمية الابتعاد عن الخطية أي ممارسة التوبة كي تصبح عضواً في مجتمع الله. وقصة الابن الضال[34] – على سبيل المثال – لا تؤكد فحسب على صلاح الآب وكرمه بل أنها تبرز أيضاً أهمية أن يدرك الابن حماقته، وأن يكون راغباً في تغيير أسلوب حياته.
ولم تكن التوبة أبداً فكرة رائجة، لأنها تتطلب منا إقراراً بأننا ارتكبنا خطأ. وتعني وجود قدر معين من الخجل، وفقداناً لشيء من مكانتنا الأدبية. لكن يسوع أوضح تماماً أن أولئك الذين هم ليسوا مستعدين لتقبل هذا لا يمكن أن تكون لهم صلة حية مع الله. وأمامنا قصة الفريسي والعشار[35] اللذين توجها للصلاة في الهيكل في نفس الوقت. وقد أخذ الفريسي يفتخر بإنجازاته الأخلاقية والدينية – قال هذا لله. ومن ناحية أخرى، نجد أن العشار كان مدركاً تماماً لعدم استحقاقه أن يتكلم إلى الله، وكل ما استطاع أن يعمله هو أن يصرخ قائلاً: “اللهم ارحمني أنا الخاطئ”، ولكن يسوع قال إن “العشار” وليس الفريسي، هو الذي “نزل إلى بيته مبرراً” من الله، لأنه أدرك أنه خاطئ، وجاء إلى الله دون أية ادعاءات روحية. وقد وضح يسوع نقطة مماثلة في الغني الغبي، الذي اعتقد أن ثروته ستجعله في موقف طيب أمام الله[36]. وقد جعل تعليم هذه الأمثال واضحاً تماماً في قوله إن سيادة الله على حياتنا يجب أن نتقبلها في ثقة الأطفال “من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد فلن يدخله”[37].
لكن التوبة والمغفرة ليستا نهاية المطاف. والواقع أنهما ليسا سوى بداية حياة تقضى تحت سيادة الله نفسه. لأنه في مجتمع الله الجديد نتمتع بنوع جديد من الحياة – “حياة أبدية”[38] – أو الحياة الأفضل كما كان يسوع يطلق عليها في بعض أقواله التي سجلها إنجيل يوحنا. فالحياة في مجتمع الله هي حياة يوجهها الله ويسيطر عليها[39]. والذين دخلوا الملكوت بالتوبة ومغفرة خطاياهم يتوجب عليهم أن يحبوا الله من كل قوتهم[40]. ويجب أن يخدموه على أنه سيدهم الوحيد حتى إلى درجة إعطائه السيطرة المطلقة على حياتهم[41]، لأن هناك نتائج عملية هامة سوف تظهر في طريقة حياتهم اليومية، ذلك أنهم يهتمون برأي الله وليس برأي الناس فيهم[42]. وهذا نراه بصفة خاصة في مواقفهم تجاه الأمور الدينية[43]. وعلى الرغم من أن البعض قد يقبلون سيادة الله على حياتهم على مضض[44]، إلا أن إخلاصهم أفضل من ذاك الذي يأتي أمام الناس بمظاهر كثيرة على عظم عبادته لله مع أنه في الحقيقة هو على خلاف ذلك.
وشعب الله يجب أن يعبده بروح تلك الأرملة التي وضعت في الخفاء فلسها الأخير في صندوق التقدمات في الهيكل[45]، فلا يجب أن يسلك في مظاهر زائفة حتى يراهم الآخرون ويمتدحون صلاحهم[46]. فهم يصلون ويصومون في الخفاء “فأبوك الذي يرى في الخفاء هو يجازيك علانية”.
ç ولكن هذا ليس حجة لئلا تعمل شيئاً[47]. فالذين يقبلون سيادة الله في حياتهم، يجب أن يحسنوا التصرف فيما أعطاه الله لهم[48]. عليهم التصرف كملتزمين، فيستعملون الخير الذي أعطاه الله لهم بطريقة ترضي الله[49]، وعلى مثال وكيل الظلم، عليهم أن يكونوا مستعدين للقاء سيدهم[50].
ç والواقع أن طموحهم الأساسي في الحياة يجب أن يتعلموا المزيد عن الله وطرقه[51]. وهناك اثنان من أقصر الأمثلة يوضحان ذلك، وهما المثلان اللذان يتحدثان عن الكنز المخفي واللؤلؤة كثيرة الثمن[52]. فالإنسان الذي يجد حقلاً فيه كنز مخفي لن يتراجع عن بيع كل سلعة كي يشتري هذا الحقل. وعلى مثال ذلك، إذا كان يبحث عن لآلئ جيميلة، وتصادف أن رأى لؤلؤة رائعة فريدة، فلسوف يضحي بكل شيء كي يحصل عليها، وملكوت الله تشبه ذلك، فهي تستحق التضحية بكل ما نملك حتى نستمتع بعمل الله الحقيقي في حياتنا.
وهذا ما قصده يسوع حينما قال لتلاميذه: “ها ملكوت الله داخلكم”. فقد مارس الله فعلاً سلطانه على حياة أولئك الذين عرفوه كأب[53]، والمجتمع الجديد يمكن أن يكون حاضراً في حياة الشخص الذي يعرف حقوق الله في حياته.
المجتمع والشركة
وفي ذات الوقت نكون مخطئين لو اعتقدنا أن رسالة يسوع قاصرة على النواحي الشخصية من ناحية معتقدات الفرد وحياته الدينية. فإن جزءًا كبيراً من تعليمه يتناول علاقة شعب الله بالعالم ككل، وببعضهم البعض[54]. والواقع أنه في مثل العبد غير المتسامح يبدو أن يسوع يشير إلى أن الطريقة التي يتعامل بها الله معنا تعتمد من ناحية ما على الطريقة التي نعامل بها الآخرين[55]. وهناك أيضاً قول يسوع بأن محبة القريب تأتي في المرتبة الثانية في الأهمية بعد محبة الله.
وهذا معناه أن الذين يقبلون سيادة الله على حياتهم عليهم أن يسلكوا مثل أبيهم الذي في السماوات. وكَرم الله يشمل حتى المنبوذين في المجتمع، ويجب على أتباعه ألا يسلكوا بطريقة مختلفة. عليهم أن يسلكوا مثل السامري الصالح في المثل الذي قاله يسوع[56]. وقد طبق يسوع هذا بنفسه، إذ حمل رسالة الله إلى المنبوذين في المجتمع. وهذا ما جعل التلاميذ يدركون أن ملكوت الله كان في واقع الأمر حالاً في شخصه، وأن بوسعهم أن يتمتعوا ببركاته الآن في الحياة الحاضرة.
وبالنسبة لأولئك الذين قبلوا بالحقيقة سيادة الله على حياتهم، فإن هذا الاختيار الجديد ينتظرهم. فهم لا يشاركون في علاقة جديدة مع الله نفسه، بل أنهم يلتزمون أيضاً كل تجاه الآخر في شركة من الاهتمام والمحبة المتبادلين.
المجتمع والمستقبل
وأخيراً يشير عدد من الأمثال إلى مجيء ملكوت الله في المستقبل. وهي تشير إلى مجيء يسوع كابن الله السمائي ذي القدرة الخارقة للطبيعة، كما تتحدث عن دينونة الإنسان الأخيرة. وقد ظن البعض أن هذه لم تكن سوى طريقة رائعة لتقديم التحدي الذي تمثله رسالة يسوع حين يسمعها الناس لأول مرة. إلا أنه بالنظر إلى اللهجة الرؤوية القوية التي تتسم بها غالبية اللغة التي استعملت، فإنه من الصعب عدم استنتاج أن يسوع كان يفكر في وقت ما في المستقبل حين يباشر الله سلطانه وحقيقته كملك بطريقة مرئية. وفي ذلك الحين، سيكون هناك يوم عظيم للحساب. فالذين يعلنون فقط أنهم يخدمون الله ولكنهم في واقع الأمر لا يفعلون ذلك سوف يفرزون ويبعدون عن أولئك الذين ينفذون حقاً مشيئة الله. وهذا هو الدرس الأساسي الذي نتعلمه من أمثلة شبكة الصيد المطروحة في البحر. مثل الحنطة والزوان، ومثل الخراف والجداء.
وفي أمثال أخرى صورت الذروة المستقبلية للملكوت كوليمة. وهذه نوعية من اللغة المجازية كثيراً ما كان اليهود يستخدمونها لوصف البركات الآتية في العصر المسياني. لكن صور المسيح الخاصة بالملكوت، توضح أنه ليس كل أحد سيستطيع الدخول. والواقع أن مثل العشاء العظيم يشير إلى أن المبتدئين التقليدين لن يكون لهم مكان فيه على الإطلاق[57]. فالذين سيشاركون في بركاته سيأتون من الشوارع وليس من المقادس.
وهناك تأكيد عظيم في إنجيل متى على المسؤولية الملقاة على عاتق أولئك الذين يعلنون أنهم شعب الله. وبالنظر إلى أنه ما من أحد يعرف اليوم أو الساعة التي سيتم فيها ذلك، علينا أن نكون في حالة استعداد دائم مثل العذارى اللواتي انتظر وصول العريس[58].
وهذا العنصر في تعليم يسوع يسمو على الفروق الحادة التي نحب أن نصورها بين ما سيحدث في المستقبل وبين ما هو قائم الآن بالفعل.
وبالنظر إلى أن يسوع قد جاء، فقد أقبل أيضاً مجتمع الله الجديد بالفعل. وأولئك الذين يقبلون سلطان الله يشكلون الآن جزءًا من ملكوته. وأياً كان ما يُكشف عنه في المستقبل من أمور أخرى، فهو لن يكون بداية جديدة، يقدر ما سيكون تنفيذاً نهائياً لمضامين شيء سبق أن وجد هنا بجوهره. وعلى الرغم من أن مجتمع الله الجديد كانت له بدايات صغيرة ضئيلة، إلا أنها هي نفس نوعية البداية التي لا بد وأن تؤدي إلى نمو مذهل، ونموه سيكون على مثال حبة الخردل “وهي أصغر البذور” في العالم، ولكنها متى نمت تكون أكبر البقول[59].
الأمثال وسامعوها
قضى بعض الباحثين وقتاً طويلاً محاولين اكتشاف الموقف الحياتي (Sitz im Leben) لكثير من الأمثال، حيث كانوا يعتقدون أن عملهم هذا سيسهل لهم الوصول إلى معانيها المباشرة. غير أنه في معظم الحالات لم يكن في الإمكان التعرف بدقة على المواقف الحقيقة التي قال فيها يسوع بعض قصص معينة. لأنه، وعلى مثال الأجزاء الأخرى من الأناجيل، سُجلت الأمثال ليس باعتبارها جزءًا من سيرة يسوع الذاتية، تم ترتيبها ترتيباً زمنياً، بل سجلت كرسالة تفسر تعليم يسوع واستمرارية علاقته لاحتياجات العالم والكنيسة.
وفي كثير من الأحيان تأتي الأمثلة وقد تضمنت كل منها قصة، وقد يشلك هذا إشارة ما إلى وضعها الحياتي الأصلي في خدمة يسوع. ولعله لا يتشكك أحد في أن مثل السامري الصالح قد قيل إجابة للسؤال “ومن هو قريبي” والذي وجهه إلى يسوع أحد القادة الدينين اليهود. وهكذا أيضاً نجد أن المثال الذي قيل عن العبد غير المتسامح قاله يسوع رداً على سؤال بطرس عن عدد المرات التي يسامح فيها شخصاً أساء إليه[60]. كما أن يسوع قال أيضاً قصة الغني الغبي رداً على سؤال حول أفضل طريقة لتقسيم الميراث.[61]
وهناك أمثلة قيلت في سياقات مختلفة وأناجيل مختلفة. فمثل الخروف الضال نجده في إنجيل لوقا إلى جانب مثلي الدرهم المفقود والابن الضال[62]، وكان ذلك في معرض الرد على شكاوى الفريسيين من أن يسوع يخالط الأشرار[63]. وفي إنجيل متى ذكر نفس المثال لتشجيع التلاميذ على أن يكونوا “رعاة” أمناء للكنيسة. ومن الطبيعي أن يكون مفهوماً أنه ربما قال يسوع نفس القصة أكثر من مرة، واستخلص دروساً مختلفة في كل مناسبة منها. وكثيرون من الوعاظ يعيدون استخدام التوضيحات الجيدة.
ولكن الحقيقة هي أن هذه الأمثال تتميز بعدم وجود أية معلومات عن خلفيتها. فلا نعرف شيئاً عن الظروف التي قال فيها يسوع معظم الأمثال لأول مرة. وهذا ما تؤكده حقيقة أنها ذكرت في مجموعات في الأناجيل المختلفة. فإنجيل متى يضم أصحاحاً كاملاً خصصه كله للأمثال وإنجيل مرقص يحتوي على مجموعة مماثلة (برغم أنها ليست مطابقة) في حين أن لوقا يخصص جزءًا كبيراً تسود على غالبيته الأمثال[64].
بل وليس من المفيد حقاً، أن نحاول اكتشاف كيفية استخدام الأمثال في الكنيسة الأولى. فطلاب ما يسمى “بنقاد التنقيحات” وهو علم دارسة السبب الذي من أجله كُتبت الأناجيل. فحصوا الطرق التي استخدمت بها الأمثال المتباينة في الأناجيل المختلفة. وعلى سبيل المثال، يمكننا أن نعرف أن إنجيل متى يحتوي على عدد من الأمثال التي تشير إلى مجيء ملكوت الله في المستقبل – وأننا نظن أن هذا الموضوع كانت له بعض الأهمية في الكنائس التي كان متى يكتب لها. ومن ناحية أخرى يحتفظ لوقا بعدد من الأمثال، لا نجدها في الأناجيل الأخرى تتحدث عن مكان الشعوب غير اليهودية (الأمم) في مجتمع الله الجديد. والملاحظات التي من هذا القبيل بوسعنا أن نعرف منها أشياء قيمة عن متى ولوقا وقراء كل منهما. غير أنها تخبرنا القليل من ناحية أصل الأمثال نفسها أو معناها.
والمعنى الحقيقي للأمثال يجب أن يكون مرتبطاً بشكل وثيق بالدعوة التي توجهها لأولئك الذين يقرؤونها أو يسمعونها. فيه تعطينا صورة عن الله ومجتمع الجديد، وهي تدعونا إلى أن نكرس أنفسنا دون قيد أو شرط لتقبل مشيئته. وحين نعرف أننا نشبه الخروف الضال، أو المستأجرين الأشرار، أو الرجل الذي اكتشف كنزاً مخفياً في حقل، هنا فقط نكون قد شعرنا بتأثيره الكامل فينا. وفي التحليل الأخير، نجد أن الأمثال لا تخرج عن أن تكون التعبير عن حق الله في حياة البشر. فهم يحتاجون إلى الميل إلى الفهم، والإرادة للطاعة.
ماذا علم يسوع بالأمثال
هناك قول في إنجيل مرقص (مرقص 4: 11-12) يبدو أنه يوحي بأن يسوع قال الأمثال وكان يتعمد أن يأتي تعليمه في أسلوب غامض بالنسبة لأولئك الذين لم يصبحوا بالفعل تلاميذه، وذلك على مثال ما قاله إشعياء “لكي يبصروا مبصرين ولا ينظروا ويسمعوا سامعين ولا يفهموا لئلا يرجعوا فتغفر لهم خطاياهم”. وهذه الفكرة تأتي على النقيض من كل ما نعرفه عن يسوع، ومن ثم يتطلب الأمر بعض التوضيح. وهناك اقتراحات كثيرة قدمت في هذا الصدد تقتصر على ذكر اثنين منها.
ç طبقاً لما يقترحه “دود” (وآخرون ممن يتبنون آراءه)، هذا القول لم يصدر حقاً عن يسوع. بل أضافته الكنيسة الأولى لبيان سبب رفض الشعب اليهودي ليسوع. وكان – كما يقولون – جزءًا من حكمة الله نفسه، وعنايته الإلهية حيث قصد لهذا أن يحدث دائماً، ومع ذلك هناك حجتان ضد هذا الرأي.
أولاً: من المحتمل أن الجيل الأول من المسيحيين هم فقط الذين كانوا يهتمون اهتماماً بالغاً برفض اليهود ليسوع. ولم تكن المسحة اليهودية ظاهرة في الكنيسة إلا في مرحلة مبكرة جداً من نموها، وبعد دمار أورشليم على يد الرومان سنة 70م، اختفى المسيحيون اليهود تقريباً من الكنيسة. ومن المؤكد أن ذلك لم يكن له إلا تأثير بسيط على الكنيسة بوجه عام. وهذا معناه أن المشكلة كان في أقصى حدتها ليس بعد الأحداث التي شهدها يسوع في حياته بالجسد بوقت طويل. وكلما اقتربنا من فترة حياة يسوع نفسه، قلت الفرصة المتاحة للكنيسة للقيام بإضافات وتغييرات في تعليمه.
ثانياً: يتضمن إنجيل متى قولاً مماثلاً، حيث اقتبس نفس الفقرة من إشعياء، وبالنظر إلى معرفتنا أن متى كان بصفة خاصة مهتماً بالوضع النسبي لليهود والمسيحيين، فكنا نتوقع منه أن يحتفظ بنفس الكلمات تماماً مثل مرقص، إذا كان هذا القول يتعلق بالفعل برفض اليهود ليسوع. ولكن الحقيقة أن هذا القول في إنجيل متى له مضمون مختلف بشكل طفيف. فهنا يقول يسوع: “من أجل هذا أكلمهم بأمثال. لأنهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون”. (متى 13: 13).
ç وهناك تفسير ثان يتناغم مع هذا القول في إنجيل متى. وعلى أساس هذا الفهم لنا أن نفترض أن الكلمة المترجمة “لكي… يبصروا” في إنجيل مرقص، قصد بها في الواقع أن تكون بداية قول حقيقي، تماماً مثلما جاءت في متى. والدليل الذي يؤيد هذا الرأي يمكن استخلاصه من مقارنة اللغة اليونانية التي كتب بها مرقص، بالأقوال الآرامية التي ربما كانت في خلفيتها. وهكذا فإن هذا القول لا يصف “الغرض” من التعليم بأمثال، بل العواقب التي لا بد أن تحدث نتيجة عمل ذلك. فقد كان يسوع يشير إلا أن الأمثال لا بد وأن تفصل بين أولئك الذين ينصتون إليها ببصيرة روحية عن أولئك الذين هم عميان من الناحية الروحية.
وهذا هو التفسير المرجح لأنه يتناغم مع ما رأيناه في أصحاح سابق عن موقف يسوع من حفظ مسيانيته سراً. كان أنه يتسق تماماً مع طبيعة الأمثال نفسها. فعلى الرغم من أنها لا تتطلب مجهوداً ذهنياً كبيراً، إلا أنها تتطلب درجة معينة من الالتزام وذلك لفهم ما يقوله يسوع.
والأمثال ليست أقوالاً فلسفية عن الحقائق المتعلقة بالله. فهناك معنى تخفى فيه الحقيقة، لأن الأمثال تدعو سامعي يسوع إلى أن يفكروا بأنفسهم ما هي مضامين رسالته. وأولئك الذين لم يكونوا مهتمين بصفة خاصة، كان يمكن أن يسمعوا المثل، ثم لا يفهمون منه شيئاً سوى أنه قصة. إلا أنه إذا فكرنا قليلاً، فإن نفس القصة يمكن أن تكون صورة لله ومعاملاته مع البشر في المجتمع الجديد الذي جاء يسوع ليقيمه.
هل قصد يسوع تأسيس الكنيسة
كثيراً ما تساءل الناس ما إذا كان يسوع قد قصد إقامة كنيسة. ونجد بالفعل في إنجيل متى قولين يبدو أنهما يشيران إلى أنه فعل ذلك (متى 16: 18-20؛ 18: 17). غير أن بعض الباحثين يعتقدون أن هذه الأقوال وضعها متى نفسه، ولم تأت مباشرة من تعليم يسوع. “فألبرت شويتزر”، على سبيل المثال، وجد أنه يستحيل عليه التفكير في أن يسوع قصد أن يقيم كنيسة، لأنه كان يعتقد أن يسوع كان يتوقع نهاية سريعة للعالم. لكن، حتى هؤلاء الذين لا يشاطرونه هذا الرأي كثيراً ما عارضوا فكرة أن يسوع كان مصمماً على أن يشرع في تأسيس كنيسة. أما “أدولف فون هارناك Adolf Von Harnack” واللاهوتيون التحرريون، فكانوا يرون أن يسوع مجرد معلم أخلاقي بسيط. ولأنهم يعتبرون أن مفهوم الكنيسة لا يتناغم مع هذا، فقد انتهوا إلى أنها إقحام غريب تم في وقت لاحق على الإنجيل الذي كان في أساسه بسيطاً. وبالرغم من أن قليلين في يومنا هذا هم الذين يوافقون على وجهة النظر هذه، إلا أنها تلفت بالفعل انتباهنا إلى حقيقتين هامتين يتطلب الأمر أن نتذكرهما حينما نتحدث عن يسوع والكنيسة:
ç “الكنيسة” لا تعني بالضرورة نوعية الهيئة الدينية التي برزت في القرن الثاني والتي نألفها اليوم في المسيحية كمؤسسة، ولقد تحدث يسوع عن شخصين أو ثلاثة باسمه (متى 18: 20).
ç وبالمعنى الدقيق، فإن وجود “الكنيسة” أثناء حياة يسوع يشكل مفارقة تاريخية. فالكنيسة في أسفار العهد الجديد ليست مجرد تجمع من أناس لهم فكر متماثل نظموا كمجتمع ديني. إنها شركة حية لأولئك الذين يشاركون في الخلاص الذي أعده الله من خلال حياة وموت وقيامة المسيح نفسه.
ولذلك هناك معنى ظهرت فيه الكنيسة إلى الوجود، ولكن بعد موت يسوع وقيامته.
ويصف العهد الجديد انسكاب الروح القدس يوم الخمسين، على أنه اليوم الحقيقي لتأسيس الكنيسة (أع 1: 8؛ 2: 1-4).
ولذلك نحن في حاجة إلى إثبات صحة أي قول عن قيام يسوع بتأسيس الكنيسة. غير أنه توجد في الوقت ذاته دلائل قوية في الأناجيل بأنه من المؤكد أنه قصد تكوين جماعة من أولئك الذين كانوا يتبعونه.
ç كل الأناجيل تصف يسوع بأنه الشخص الذي تحققت فيه كل الوعود المسيانية التي في العهد القديم، فالمسيا الذي تحدث عنه العهد القديم قد جاء في المسيح. وهناك عنصر له أهميته في تطلعات العهد القديم تمثل في الاعتقاد بأنه حين يأتي المسيا فلسوف يقيم مجتمعاً جديداً، وفي هذا المجتمع يتمتع شعب الله بعلاقة جديدة ووثيقة بسيدهم وببعضهم البعض. وكما سبق ورأينا هناك مبرر قوي للاعتقاد بأن جوهر ادعاءات المسيح على الأقل يمكن أن نرجعه إلى تعليم يسوع نفسه، وإذا كان قد رأي في نفسه أنه المسيح فلسوف يكون من الطبيعي جداً أن يتصور تأسيس ما يمكن أن يطلق عليه صفة “مجتمع” بين أتباعه. والاسم الذي اعتاد يسوع أن يطلقه على نفسه باستمرار وهو “ابن الله” يحتوي أيضاً على هذا المعنى. وقد لا يكون من الصواب القول – كما يفعل البعض – أن كل مرة استخدم فيها يسوع هذا الاسم كان يقصد أن يضم تلاميذه معه. غير أن ليس هناك شك أنه في سفر دانيال في العهد القديم نجد أن “ابن الإنسان” لم يكن فرداً بل كان عضواً يمثل “قديسي العلي” (دانيال 7: 13-18).
ç حين نتأمل طرق وصف يسوع لعمله، وعمل ملكوت الله، كثيراً ما توحي كلماته أنه يتحدث عن جماعة من الناس ارتبطوا ليس بالله فقط، بل ومع بعضهم البعض أيضاً. فهو – على سبيل المثال – يتكلم عن نفسه كراع، الأمر الذي يستشف منه أنه لا بد وأن يكون له قطيع (يوحنا 10: 1-18، لوقا 12: 32). وحين شبه نفسه بالكرمة وتلاميذه بالأغصان كان من الواضح أنه يقصد أن يشير إلى أن الأغصان لها علاقة بين بعضها البعض، وأيضاً مع الساق الرئيسية (يوحنا 15: 1-11). وكثير من الأشياء التي يقولها يسوع عن الملكوت ستكون صعبة الفهم ما لم نفترض أنه كان يدور في ذهنه صورة لمجتمع ما ظاهر مرئي (متى 23: 23؛ لوقا 16: 16). ومن الثابت أن تعليمه الأخلاقي يختص بالحياة بين أتباعه في إطار شركة أو جماعة (متى 5: 22؛ 7: 3-5).
ç أما الأكثر روعة، فهي حقيقة أن بعض الأمثال توحي بأن ملكوت الله لن يكون مجتمعاً جديداً فحسب، بل سيكون مجتمعاً مرئياً أيضاً. فأمثال من قبيل مثل حبة الخردل (مرقص 4: 30-32)، والحنطة والزوان (متى 13: 24-30)، شبكة الصيد (متى 13: 47-50)، العمال في الكرم (متى 20: 1-16)، ووليمة العرس (متى 22: 1-14) من الواضح أنها توحي بمجتمع منظم.
وعلى هذا يبدو من المعقول أن نستنتج أنه كان يدور بفكر يسوع تكوين مجتمع مستمر من أتباعه، وأن نوعية الكنائس التي جاء الحديث عنها في بقية العهد الجديد، أعطت صورة للمجتمع الذي قصد يسوع أن يقيمه.
والآن.. نتقدم خطوة إلى درسنا الثاني وموضوعه هو “الله” ونرجو أن تسمح لي هنا بأن أقتبس فقرة من كتاب “معرفة القدوس” تأليف: أ.و. تورز حيث يقول: “الفكرة الوضعية عن الله التي تكاد أن تسود جميع الناس هي السبب في مئات من الشرور أقل خطراً من مواضع كثيرة.
ونتج عن فقدان الشعور بالجلال والوقار ضياع الرهبة الدينية والإحساس بحضور الله في صمت تعبد وخشوع، ولم تعد المسيحية العصرية تنتج الشخص المسيحي الذي يفهم الحياة بالروح ويعيشها، ولم يعد القول “كفوا واعلموا أني أنا الله“، يعني الكثير للعابد المتكل على ذاته، والذي يعيش في دوامة الحياة في نهاية القرن العشرين.. والسبيل الأوحد لتعويض خسائرنا الروحية هو الرجوع إلى السبب في تضاؤل معرفتنا للقدوس، فإذا ما عرفنا من جديد جلال الله تعالى ساعدنا ذلك كثيراً على إصلاح حالنا.
ومن المستحيل أن نبقى على سلامة تصرفاتنا الأدبية وميولنا الداخلية بينما فكرتنا عن الله فكرة خاطئة أو غير مواتية، فإذا أردنا أن نستعيد القوة الروحية في حياتنا فيجب علينا أن يكون تفكرنا عن الله أقرب ما يكون إلى ذات الله”.
إن كنت تتفق معنا، ومع أ.و.تورز، فهذا الكتيب سيفيدك.
لذا تعالوا معنا نصلي هذه الصلاة:
“أيها الرب الإله القدير، لا رب الفلاسفة والحكماء بل إله الرسل والأنبياء إن الذين لا يعرفونك قد يدعونك بما لا يتفق مع جوهرك. ولذلك فهم لا يعبدونك، بل هم يعبدون مخلوقاً أبدعته تصوراتهم. فأنر بصائرنا لكي نعرفك أنت، فنحب/ك محبة كاملة ونحمدك كما يليق باسم ربنا يسوع المسيح. آمين
كتب أحدهم يقول: “كنت طفلاً صغيراً عندما علمتني أمي كيف أستمتع بمنظر العواطف. وكانت أمي تضع ذراعيها حولي بينما كنا نقف خلف نافذة بيتنا في أمريكا الجنوبية نشاهد الرياح وهي تهز أشجار الموز في حديقة بيتنا. كانت تتفاذقها الرياح تحت ضوء البرق. وبدأ صوت الرعد وكأنه قرع طبول تروي لنا قصة حب الأزهار والعشب للمطر المنعش… يمكن للناس إما أن يستمتعوا بالعاطفة أو أن يخافوا منها، وذلك يعتمد على ما تعلموه في هذا المجال. ومن المهم أيضاً أن نعرف نوع العاصفة، وهل هي مفيدة أو مدمرة؟!!
كيف يمكنك أن تفهم العاصفة؟
ما هو شكل الريح والمطر والبرق؟
هل يمكنك أن تضع عاصفة في زجاجة؟
بالطبع لا. لكي نفهم العاصفة، لابد أن ندرس مكوناتها: مثال على ذلك، التقاء الهواء البارد بالساخن – ويمكننا أيضاً أن ندرس تأثيراتها وما تفعله للبحر واليابسة. وبطريقة مشابهة، يمكننا أن نقارن الله بعاصفة. فبعض الناس يخافونه والآخرون يحبونه – وذلك اعتمادا على ما أخبروا به عن الله وعلى موقفهم منه. تري ما الذي تعلمناه عن الله منذ نشأتنا!! لا يمكنك أن ترى الله. لكن يمكنك أن تعرف ماذا يعمل.
فالله لا يدركه العقل، لا لأنه مبهم، غامض بحد ذاته، بل على العكس لأنه الحقيقة الساطعة التي ملؤها قدرة العقل على الاستيعاب، فكما أن العين عاجزة عن الشخوص إلى الشمس، لأن نور الشمس يبهرها، هكذا العقل عاجز عن إدراك الله. هذا ما عبر عنه الكتاب المقدس بقوله: “الذي وحده له عدم الموت ساكناً في نور لا يدني منه الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه الذي له الكرامة والقدرة الأبدية. آمين” (1 تيموثاوس 16:6) وقد تعلمنا عن الكتاب المقدس إنه هو المصدر الوحيد الذي يخبرنا عن الله – عن صفاته ومعاملاته مع الجنس البشري.
ويقول أحدهم: “إن الدراسة الصحيحة للجنس البشري هي دراسة الإنسان”. لست معارضاً لهذه الفكرة، بل أعتقد راسخاً بأن الدراسة الصحيحة لمختاري الله تبدأ بالله، والدراسة الصحيحة للمسيحي هي الله – الرأس، وإن أعلى علم وأرفع تأمل وأقوى فلسفة يمكنها أبدأ أن تشغل انتباه أحد أبناء الله هو اسم الإله العظيم وطبيعته وشخصه وأعماله ووجوده – هذا الاله الذي يدعوه المسيحي أباه.
والآن سنمعن النظر في الكتاب المقدس لنكشف القليل من الأمور الكثيرة التي يقولها عن الله وحتى ما تكون مسيرتنا واضحة، يجب أن نعرف أولاً، أن هناك خمس حقائق، أو خمسة مبادئ أساسية تدور حول معرفة الله من شأنها أن تحدد لنا مسرتنا على طول الخط، وهي كالتالي:
1- لقد تكلم الله إلى الإنسان، والكتاب المقدس هو كلمته، وقد أعطيت لنا لتحكمنا للخلاص.
2- الله رب وملك على هذا العالم الذي هو له. وهو يحكم كل الأشياء لمجده، ويظهر كمالاته في كل ما يعمل بغية أن يعبده ويمجدها لإنسان والملاك.
3- الله مخلص وعامل بمحبة عظيمة من خلال الرب يسوع المسيح، لنقذ المؤمنين من ذنب الخطية وقوتها، ولتبناهم وليباركهم تبعاً لذلك.
4- الله مثلث الأقانيم. وفي رأس الألوهة ثلاث أشخاص: الآب والابن والروح القدس. وعمل الخلاص عمل تشترك في إنجازه الأشخاص الثلاثة. فالآب هو منشئ القصد في الفداء، والابن واسطة تأمينه، والروح القدس أداة تنفيذه.
5- التقوى تعني التجاوب مع إعلان الله تجاوباً ملؤه الثقة والطاعة، والإيمان والعبادة، والصلاة والتسبيح، والخضوع والخدمة. والحياة يجب أن ننظر إليها ونعيشها في ضوء كلمة الله، وليس سواه. هذا، ويس سواه، هو الدين الحقيقي.
في ضوء هذه الحقائق العامة والأساسية، سنمضي لنتفحص بالتفصيل ما يظهره لنا الكتاب المقدس عن طبيعة وصفات الله. نحن الآن في موقع المتجولين الذين بعد أن ألقوا نظرة على جبل كبير من بعيد، وداروا حوله، وشاهدوا كيف يهيمن على الأرض التي تمتد على جوانبه، محدداً الملامح الجغرافية حوله، راحوا الآن يقتربون منه مباشرة. بقصد تسلقه والوصول إلى قمته.
وقبل عملية إرتقاء قمة جبلنا، نحتاج أن نقف ونسأل أنفسنا سؤالاً جوهرياً جداً، وهو سؤال يترتب علينا في الواقع مواجهته، كلما وضعنا أقدامنا على أحد طرق دراسة كتاب الله المقدس. السؤال يتعلق بدوافعنا، ومقاصدنا كطلاب. علنا أن نسأل أنفسنا: ما هو هدفي وقصدي النهائي من وراء انشغالي بمعرفة الله؟!!
ماذا أنوي أن أصنع بمعرفتي عن الله بعد حصولي عليها؟!!
إن كنا نسعى للمعرفة، إن كنا نسعى وراءها فقط من أجل الحصول عليها، من شأنه أن يحولنا إلى أناس متكبرين معتدين بأنفسهم، وسننظر إلى غيرنا من أصحاب الأفكار اللاهوتية التي تبدو لنا فظة وغير ملائمة بأنهم نماذج بائسة، الأمر الذي حدا بالرسول بولس إلى التوجه إلى أهل كورنثوس المعتمدين بأنفسهم، بالقول: “العلم ينفخ… فإن كان أحد يظن أنه يعرف شيئاً، فإنه لم يعرف شيئاً بعد كما يجب أن يعرف!” (1 كورنثوس 1:8).
إذاً الانشغال باكتساب المعرفة اللاهوتية كغاية بحد ذاتها، والانكباب على دراسة الكتاب المقدس بدافع ليس أبعد من الرغبة في معرفة كافة الإجابات، هو أقصر طريق للانخداع والاكتفاء الذاتيين. إذاً علينا أن نحفظ قلوبنا من موقف كهذا وأن ندعو الله كي ما يحمينا منه.
هكذا ينبغي أن يكون موقفنا اليوم. فهدفنا من دراسة رأس الألوهة يجب أن ينحصر في معرفة الله نفسه وعلى نحو أفضل. همنا ينبغي أن يتركز في توسيع مجال أمامنا، ليس في مجرد العقيدة الخاصة بصفات الله وحسب، بل بالله الحي صاحب تلك الصفات. وبما أنه هو موضوع دراستنا، وهو معيننا في هذه الدراسة، لذا ينبغي أن يكون هو غاية الدراسة. فعلينا، ونحن ندرس عن الله، أن نسعى لأن ننقاد إلى الله. فالإعلان أعطى من أجل تحقيق هذا الغرض، ولا بد لنا أن نستخدمه في هذا المجال الموضوع له.
ولعل سائل يسأل:
كيف نفعل ذلك؟
كيف نستطيع أن نحول معرفتنا عن الله إلى معرفة الله؟
إن القاعدة التي يجب اتباعها لتحقيق ذلك تتطلب جهداً، لكنها بسيطة. إنها تنطوي على تحويل كل حق نتعلمه عن الله إلى مادة تأمل أمام الله حيث تؤدي إلى صلاة وتسبيح له.
علاقة الله بنا
وقبل أن نتدرج في الحديث عن علاقة الله بنا، دعنا نسأل:
لماذا خلقتنا؟ لنعرف الله.
ما الهدف الذي يجب أن نضعه لحياتنا؟ أن نعرف الله.
ما هي الحياة الأبدية التي يعطيها يسوع؟ معرفة الله “وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفونك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته” (يوحنا 3:17).
ما هو الشيء المفضل في الحياة، الذي يجلب الفرح والهناء والطمأنينة أكثر من أي شيء آخر؟ معرفة الله.
“هكذا قال الرب: لا يفتخرن الحكيم بحكمته ولا يفتخر الجبار بجبروته ولا يفتخر الغني بغناه. بل بهذا يفتخرن المفتخر بأنه يفهم ويعرفني” (ارميا 23:9).
لقد قلنا الكثير جداً من خلال هذه الجمل القصيرة جداً، والتي تبلور أمام أعيينا مدى أهمية معرفة الله. كما أنه من الواضح بادئ ذي بدء أن معرفة الله يه بالضرورة اختبار أكثر تعقيداً من اختبار معرفة إنسان بإنسان آخر. كما أن معرفتي بشخصية جاري هي عمل أكثر تعقيداً من تعرفي ببيت أو بكتاب أو بلغة. فإنه بقدر ما يكون الشيء معقداً بقدر ما تكون معرفته معقدة. إن معرفة الأشياء المجردة كاللغة مثلاً تكتسب بالتعلم، ومعرفة الأشياء الجامدة مثل أهرامات الجيزة تتحقق بالفحص والاستكشاف.
هذه النشاطات مع أنها تتطلب تعباً وجهداً، إلا أنه يسهل وصفها نسبياً. لكن عندما يأتي المرء إلى الأشياء الحية فإن معرفتها عندئذ تصبح أكثر صعوبة وتعقيداً. فالمرء لا يتعرف بكائن حي حق التعرف بمجرد معرفة ماضيه، بل ينبغي عليه أن يعرف ردات فعله وتصرفاته تحت ظروف معينة. فالشخص الذي يقول: أعرف هذا الحصان، يعني ببساطة، ليس فقط أنه قد رآه من قبل، بل كذلك يعرف سلوكه وكيفية التعامل معه.
وهكذا، فمعرفتنا بأي إنسان تتوقف على مدى ما يكشفه هذا الإنسان لنا من جوانب شخصيته المختلفة. وكل ما علينا هو إبداء الرغبة في الاستماع إليه وإشعاره بتعاطفنا القلبي معه.
والآن ماذا يخبرنا الكتاب المقدس..؟!
يخبرنا الكتاب المقدس في (يوحنا 24:4) أن الله روح. ونعرف من المعاجم أن الروح هو العنصر الجوهري الذي يعطي الحياة. وبما أن الله هو الخالق فذلك يعني أنه القوة الخارقة التي تعطي الحياة لجميع المخلوقات. ولأن الله روح فلا يمكن أن يرى ما لم يقرر إظهار نفسه في شكل منظور. فلو لم يأخذ الله مبادرة كشف ذاته للإنسان، لما كان الإيمان به ممكناً ولكنه آخذ أبداً هذه البادرة، إنه يخاطب الإنسان، مظهراً له ذاته، وداعياً إياه إلى مشاركته حياته، وذلك بالوسائل التالية:
1- من خلال آثاره في الخليقة وفي قلب الإنسان.
2- بالوحي الإلهي وتاريخ الخلاص الذي بلغ ذروته بتجسد ابن الله.
تلك هي الطريقة التي يسلكها الله ليأتي إلى ويقرع على باب قلبي، حتى إذا سمعت وفتحت له قلبي (و “القلب” في لغة الكتاب المقدس هو مركز الشخصية، يلتقي فيه القل والشعور والإدارة)، اختبرته بأعماق كياني حضوراً شخصياً يملأني الكون قاطبة، حضوراً لا أمتلكه ولكنني به ومنه وله أحيا. وهذا الإيمان في خاتمه المطاف.
ولقد أظهر الله نفسه بواسطة كلمته. نقرأ في (يوحنا 14:1) أن “الكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملؤاً نعمة وحقاً”.
ولنعود من جديد إلى كلمات السيد المسيح “الله روح”. عندما قال ربنا ذلك كان في نيته أن يحرر المرأة السامرية من الوهم القائل بمكان واحد فقط للسجود، وكأن الله محدود في مكان بطريقة ما. و”الروح” تقابل “الجسد” بمعنى أن فكرة السيد المسيح هي أنه بينما الإنسان، كونه “جسداً”، يمكنه أن يكون في مكان واحد فقط في الوقت الواحد، فإن الله كونه “روحاً، ليس محدوداً. الله ليس مادة، ليس جسداً، وبالتالي لا يحده مكان.
وهكذا، يتابع السيد المسيج القول بأن، الشرط الحقيقي للعبادة المقبولة ليس أن تقف قدماك في أورشليم أو السامرة (راجع يوحنا 19:4-26)، أو أي مكان آخر لتلك الغاية، بل أن يكون قلبك منفتحاً ومتجاوباً مع إعلان “الله روح، والذين يسجدون له، فالبروح والحق ينبغي أن يسجدوا”.
يذهب بعضهم إلى توضيح معنى “روحانية الله” بقولهم إنه “بدون جسد”، أو أعضاء، أو انفعالات. أما أنه “بدون جسد”، فهذا يعني أنه حر من كل المحدودات الظرفية، وهو كلي الحضور، وكون الله “بدون أعضاء” فهذا يعني أن شخصيته وقدراته وخصائصه متكاملة تكاملاً تاماً، بحيث أن شيئاً فيه لا يتغير البتة: “ليس عنده تغيير ولا ظل دوران” (يعقوب 17:1).
وهكذا هو فوق كل المقيدات الزمنية والعوامل الطبيعية، ويبقى إلى الأبد هو هو، أما القول إن الله “بدون انفعالات” فهذا لا يعني أنه بدون شعور (لا يتأثر)، أو أنه خال مما يقابل العواطف والأحاسيس عندنا، إنما من حيث أن الانفعالات البشرية، خاصة المؤلمة، كالخوق والأسى والندم واليأس هي بمعنى من المعاني قابلة للتأثر، ولا إرادية، كونها تثور وتضبط بظروف ليست تحت سيطرتنا، فإن المواقف المقابلة عند الله لها طبيعة الانتقاء المتعمد الإرادي، وبالتالي هي ليست على الإطلاق، من فئة الانفعالات البشرية عينها.
ولقد أعلن الله عن نفسه كونه الآب والابن والروح القدس، أي ثلاثة أقانيم تدعى الثالوث الأقدس وقد أشير إلى هذه الأقانيم الثلاثة في عدة أماكن بالكتاب المقدس منه (متى 19:28) “فإذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس.”
إن إحدى أهم الطرق للتعليم أكثر عن الله بدراسة صفاته، فالله صالح وقدوس وعادل وكلي المعرفة وكائن إلى الأبد.
دعنا نتفحص الأعداد التي تذكر هذه الصفات وأيضاً صفات أخرى. نقرأ في (خروج 6:34)
“ونادى الرب إله رحيم ورؤوف بطيء الغضب وكثير الإحسان والوفاء”
وفي (لاويين 44:11) نقرأ:
“إني أنا الرب إلهكم فتتقدسون وتكونون قديسين لأني أنا قدوس”.
ويمكن أن نرى حقيقة كون الله قادراً على كل شيء في (دانيال 35:4) حيث نقرأ:
“ولا يوجد من يمنع يده أو يقول ماذا تفعل”.
والله يعرف كل شيء (عبرانيين 13:4)
“وليست خليقة غير ظاهرة قدامه بل كل شيء عريان ومكشوف لعين ذلك الذي معه أمرنا”.
وأيضاً في (أيوب 4:9):
“هو حكيم القلب وشديد القوة”. ماذا يعني الكتاب المقدس عندما يدعو الله حكيماً؟ الحكمة في كلمة الله هي صفة أدبية وصفة عقلية. هي أكثر من مجرد الذكاء والمعرفة، وكذلك أكثر من مجرد المهارة أو البراعة. ولكي يكون المرء حكيماً حقاً بحسب المفهوم الكتابي، ينبغي أن يسخر ذكاؤه ومهارته لتحقيق غايات حسنة. والحكمة هي القدرة على رؤية الأهداف وأسماها والنزوع لاختيارها، إضافة إلى أضمن الوسائل لبلوغها.
والحكمة هي في الواقع الجانب العملي للصلاح الأدبي. ومن هذا المنطلق فإن الحكمة لا تتوفر سوى في الله. هو وحده حكيم بالطبيعة وبالكلية وبشكل ثابت.
ونقرأ في رؤيا (يوحنا 6:10) أن الله أبدى إذ أن الملاك “أقسم بالحي إلى أبد الآبدينالذي خلق السماء وما فيهما والأرض ما فيها والبحر وما فيه”.
لكننا نرى أيضاً أنه رحيم ورؤوف، وهو يريد أن يقيم علاقة وثيقة معنا بصفتنا مخلوقاته، إن الأعداد القليلة التي قرأناها والتي تقدم وصفاً مختصراً عن الله، ستساعد على إدراك مدى عظمته وقوته وجبروته من ناحية، ورحمته ورأفته ومحبته من ناحية أخرى.
تمرين للتطبيق
1- اقرأ الشواهد الكتابية التالية (في كتابك المقدس) ثم أكمل الفراغات أدناه:
أ) متى 9:6-11.
يشبه الله بـ…………. محب يوفر احتياجات …………
ب) إشعياء 13:66.
تعزية الله لنا مثل……….تعزى………..
2- اقرأ الآيات المشار إليها ثم أكتب مقابل الشواهد الكتابية لكل منها صفة الله التي تظهرها كل آية، مثل قدوس أو غفور إلى آخره.
إن كنت تريد أن تعرف أكثر عن صفات الله، ستجد أن نوعية التمرين الذي أتممته لتوك مفيداً جداً. إختر مزمور آخر، وأثناء قراءتك له دون صفات الله التي تعني لك شيئاً خاصاً.
إن المزمورين 103، 139 يذخران بأوصاف رائعة لله ولعنايته بنا وأيضاً يجب أن نعرف بأن الكتاب المقدس يحدد نقطة أساسية ورئيسية لمعرفة الله وذلك فقط من خلال معرفة يسوع المسيح الذي هو الله نفسه ظاهراً في الجسد “ولم تعرفني … الذي رآني فقد رأى الآب”
“ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي”
(يوحنا 9:14،6). لذا من الأهمية بمكان أن ندرك بجلاء ما تعنيه الكلمة “معرفة” يسوع المسيح.
علاقتنا بالله
تصور الآن أننا سنقابل شخصاً هو أعلى مستوىً منا سواء من حيث المركز الاجتماعي أو الثقافي أو المهارة أو القدرة أو أية ميزة أخرى. فبقدر إحساسنا أننا دونه، بقدر ما نشعر بأنه علينا أن نقوم بواجب الاهتمام به وتقديم الاحترام له وإعطائه فرصة الكلام. (تخيل مثلاً أنك ستقابل رئيس دولتك أو وزير..) لا شك أننا نود أن نتعرف بصاحب هذا المقام الرفيع، السامي، إلا أننا ندرك تماماً أن القرار في هذه المسألة يعود له، وليس لنا.
وإذا التحف برداء الشكليات البروتوكولية في تعامله معنا، فإننا على الأرجح سنصاب بالخيبة، ومع ذلك نحس بعدم قدرتنا على الشكوى، إذ ليس من حقنا المطالبة بصداقته. لكن لنفرض بالمقابل أنه أخذ المبادرة ومنحنا اهتمام مشترك، فدعانا للتعاون معه في مشروع ما وطلب منا التواجد بشكل دائم لتحقيق ذلك التعاون، فإننا ولا شك سنشعر بسعادة وامتياز كبيرين.
وإذا كانت الحياة قبل ذلك الوقت تبدو لنا تافهة وموحشة، فإنها ليست كذلك الآن، إذا أصبحنا في معية رجل عظيم، وأصبح لدينا مادة غنية نستطيع أن نكتب عنها إلى ذوينا، وأًصبح لدينا قضية جديرة بالعيش لأجلها.
كل ما تقدم كان توضيحاً لمعنى معرفة الله. وما أحلى ما قاله الله على فم ارميا النبي: “ليفتخرن المفتخر بأنه يفهم ويعرفني”، لأن معرفة الله هي علاقة تجلب الفرح إلى قلب الإنسان. ذلك لأن الخالق القدير والرب العظيم المهوب الذي أمامه تُحسب الأمم كنقطة في دلو، يتصل بالإنسان ويتحدث إليه من خلال كلمات الكتاب المقدس وتعاليمه. ربما كان ذلك الإنسان ذا إطلاع على الكتاب المقدس والتعليم المسيحي لسنين عديدة من دون أن تعني له شيئاً. إلا أنه في يوم من الأيام يتيقظ لحقيقة أن الله يتكلم إليه – أجل إليه – من خلال الكتاب.
وبينما يصغي إلي ما يقوله الله يجد نفسه يتصاغر كثيراً لأن الله يكلمه عن خطيته وذنبه وضعفه وعماه وحماقته ويدفعه إلى اعتبار نفسه بلا رجاء وبلا حول وبلا قوة، وإذ ذاك يصرخ إلى الله من أجل غفران خطاياه. لكن هذا ليس كل شيء. إذ أنه يكتشف وهو يصغي إلي الله أن الله يفتح له قلبه، ويتصادق معه، ويجعل منه خليلاً له، إنه لأمر صاعق، لكنه واقع، إذ أن العلاقة التي بها يعرف الناس الخطاة الله هي علاقة يقوم الله من خلالها، إذا صح التعبير، بضمهم إلى موظفيه ليكونوا فيما بعد عاملين معه (راجع كورنثوس الأولى 9:3) وأصدقاءه الشخصيين.
إن عمل الله في أخذ يوسف من السجن ليصبح الوزير الأول لفرعون لهو مثال على ما يمكن أن يعمله الله لكل مؤمن.. ينقله من كونه أسير الشيطان، إلى مركز ثقة في خدمة الله، بلحظة تتبدل الحياة. فعلينا إذاً، وعندما نقرأ كلمة الله أن نفتح قلوبنا لتلمس محبته نحونا، بإدخاله إيانا، إلى شركته، فنحبه ومن عمق قلوبنا، وتلك هي أول الوصايا.
وعندما سؤل السيد المسيح في (متى 37:22) عن أية وصية هي العظمى، أجابه قائلاً:
“تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك”
ولكن كيف يمكننا أن نظهر محبتنا لله؟
هناك طرق متنوعة لإظهار محبتنا لله، فعبادتنا وتسبيحنا له يمكن أن يعبر عن محبتنا له ولكن علينا أيضاً أن نظهر له محبتنا بطرق أخرى
حفظ وصايا الرب
“فالآن… ماذا يطلب منك الرب إلهك إلا أن تتقي الرب إلهك لتسلك في كل طرقه وتحبه وتعبد الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك وتحفظ وصايا الرب وفرائضه” (تثنية 12:10-13).
“وأما من حفظ كلمته فحقاً في هذا قد تكلمت محبة الله” (1يوحنا 5:2)
فإن أردنا أن نظهر محبتنا علينا أن نطيع الوصايا التي أعطانا إياها في كلمته وبالطبع لا يمكننا أن نطيع وصاياه بدون الإصغاء إلى كلمته، وقبولها كما يفسرها لنا الروح القدس (الذي هو الله نفسه)، وتطبيقها على الذات.
المشاركة بالعطاء للرب
وتوجد طريقة أخرى نظهر لها محبتنا لله وهي بالعطاء والمشاركة في سد احتياجات الأخرين، نقرأ في (1يوحنا 17:3-18) الآتي: “وأما من كان له معيشة العالم ونظر أخاه محتاجاً وأغلق أحشاءه عنه فكيف تثبت محبة الله فيه. يا أولادي لا نحب بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق”. كم هذه الكلمات الرقيقة تكشف عن قيمة المحبة العملية والمبنية على العطاء
وأيضاً هناك كلمات السيد المسيح التحذيرية حيث يقول:
“ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه، فحينئذ يجلس على كرسي مجده”. ويجتمع أمامه جميع الشعوب، فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء، فيقهم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار.
ثم يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم، لأني جعت فأطعمتموني، عرياناً فكسوتموني، مريضاً فزرتموني، محبوساً فأتيتم إلى، فيجيبه الأبرار حينئذ قائلين: يأرب متى رأيناك جائعاً فأطعمناك، أو عطشاناً فأسقيناك، ومتي رأيناك مريضاً أو محبوساً فأتينا إليك. فيجيب الملك ويقول لهم: الحق أقول لكم بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم……” (متى 13:25-46) فمن هذه الآيات نرى أن المحبة المبنية على الطاعة والمشاركة هي محبة تحظى بالرضا والتقدير الإلهي.
طلب ملكوت الرب ..
قد أشار يسوع في (لوقا 28:10) أنه إن أحببنا الله أكثر من أي شيء آخر فسنيحا. يظن بعض الناس أن “الحياة الحقيقية” هي الثروة أو النقود أو المركز الاجتماعي. لكن هذه الأشياء في حد ذاتها لن تشبع النفس لأننا خلقنا على صورة الله ولمجده. ولن تجد أرواحنا القناعة الحقيقية إلا فيما هو روحي.
إن الحياة الحقيقية هي في محبة الله، ولقد قال يسوع: “لكن اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم” متى 33:6، فعلا تحصر نفسك في الأمور الثانوية، بل عليك أن تحب الله من كل قلبك.
تمرين للتطبيق
ضع دائرة حول الحرف المقابل للتكملة الصحيحة للقول التالي: –
قبل كل شيء عليك أن تحب
أ-النفوذ لكي تتمكن من الإمساك بزمام حياتك.
ب-الله وتضع هذه المحبة قيد الممارسة العملية.
اقرأ الأعداد التالية وضع دائرة حول تلك التي تخبرك بمسئوليتك الأولى تجاه الله
أ- تثنية 5:6
ب- تثنية 12:10
ج- تثنية 3:13
د- يشوع 5:22
هـ- لوقا 30:12
و- يهوذا 21
الله ثالوث
وأمام محيط واسع وعميق من الإعلانات الإلهية الواضحة عن حقيقة الثالوث نقف الآن. ولكن قبل الكلام عن هذا الحق الجوهري لابد أن تشير إلى حقيقة هامة وهي:
1- وحدانية الله…
وذلك بسرد قليل من الآيات الكثيرة التي في كلمة الله.
“إسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد” (تثنية 4:6)
“إنك قد أريت لتعلم أن الرب هو الإله ليس آخر سواه” (تثنية 35:4)
“…لكي تعرفوا وتؤمنوا بي وتفهموا أني أنا هو. قبلي لم يصور إله وبعدي لا يكون” (إشعياء 43:11، 5:45)
“أنت تؤمن أن الله واحد. حسناً تفعل” (يعقوب 19:2)
فهو “الحق” والحق لا ينقسم، والحق في الله مطلق لا حدود له، كلي هو!
وهو “الحياة” والحياة لا تنقسم، فحياة الله مطلقة لا تحد، كلية هي، ودائمة، لا بدء لها ولا نهاية!
وهو “المحبة” والمحبة لا تنقسم، ومحبة الله مطلقة لا يحيط بها فكر، تفيض على كل الخليقة ولا تزال تفيض ولن تنضب أبداً.
وهذه الآيات تعرفنا أن الله واحد، ولكن ترى أي وحدانية تلك إنها؟!!
2- وحدانية الله الجامعة..
لا يقدر مخلوق أن يعرف الله كما هو، وإنما يمكننا أن نعرف بما نميزه عن كل ما سواه، كقولنا: أن الله روح، غير مخلوق، سرمدي، غير متغير في وجوده وقدرته وقداسته وعدله وجودته وحقه، وجميع قوانين الإيمان المسيحي صدرت في عبارات تصرح بهذه الحقيقة.
فالقانون النيقاوي مثلاً: يبدأ بالقول: “نؤمن بإله واحد” ولكن هذه الوحدانية تختلف عما عداها، وذلك في المسيحية فقط، لأنها تؤمن بشخصية الله. أي أنها تؤمن بأن هذا الإله الواحد ليس مجرد قوة أو شيء، بل هو شخص حي عاقل، واجب الوجود بذاته، له مقومات الشخصية في أكمل ما يمكن أن تشتمل عليه هذه المقومات من معان.
وإذا كام من المُسلم به أن الشخصية تقوم دوماً على ثلاثة أركان هي: الفكر والشعور والإدارة، وأن الله هو الشخصية الوحيدة الكاملة إذا قورن بغيره من شخصيات خلائقة، لذلك كان لابد أن نعرف شخصية الله بأنها:
الشخصية الوحيدة الفكر والشعور والإرادة – إذ هو أول كل شيء الإله المدرك لذاته، والمدرك لكل شيء صنعه. وتؤمن المسيحية بأن هذا الإله، الشخص الحي الواحد، ليس جسماً مادياً يمكن أن يرى أو يلمس أو يدرك بالحواس البشرية، فهو كما قال المسيح:
“روح” وهو أيضاً “أبو الأرواح” (عبرانيين 9:12)
بيد أن المسيحي يؤمن بأن وحدانية الله جامعة، أي أن الله ذو ثلاثة أقانيم: الآب والابن والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة واحد ولهم جوهر واحد.
بناء على ما تقدم، إذ قلنا إن الله مثلث الأقانيم وإذا قلنا واحد في الجوهر فهذا ليس معناه، على الأطلاق، أنه هو ثلاثة أو أنه واحد. ليس هو ثلاثة بمعنى العدد، العدد لا علاقة له بالله. لا يستطيع الإنسان أن يعد إلا المحسوسات. الله لا يعد لأن من عده فقد حده.
ومن المعروف أن تعليم وحدانية الله وتمايز الأقانيم أحدها عن الآخر ومساواتها في الجوهر، ونسبة أحدها للآخر، لم يردبه في الكتاب المقدس جملة واحدة بالتصريح به، بل في آيات متفرقة. غير أن جوهر هذه الأمور منصوص عليه من أول الكتاب إلى آخره.
مازلنا نرى أن هذا القول مناف للعقل..!! أليس هذا قولك؟!
ينبغي أن نعرف بأن هذا السؤال، كيف يمكن أن يكون الله واحد وفي نفس الوقت ثلاثة أقانيم؟ وهذا هو ما تعجز عقولنا عن إدراكه، لأنه تعالى ليس واقعاً تحت قياس العقل. إن الله روح، والأعداد هي مبدئياً من خصائص العالم الطبيعي. وعندما يقول البعض، أننا نعبد ثلاثة آلهة، لأنن نقول: “أحدهم الآب وأحدهم اسمه الابن وأحدهم اسمه الروح القدس. ليس هو ثلاثة بمعنى العدد. العدد لا علاقة له بالله. لا يستطيع الإنسان أن يعد إلا المحسوسات.
الله لا يعد لأن من عده فقد حده. إذا أنه يجاب على هؤلاء جميعاً بأنه إذا كان إلهك واحداً وأنت تعده واحداً فهذا كأنك تعده ثلاثة أو أربعة أو خمسة عشر…..الخ لأنك، ومعنى هذا أنك حددته بواحد. الله لا يحد. فمن الخطأ محاولة تصور كائن روحي بالفكر الطبيعي. فالله روح فوق المادة، والاعتراض لا يكون إلا على ما هو مادي. إنه تبارك اسمه، غير مدرك ونحن مدركون، غير محدود ونحن محدودون. لقد سما عن عقولنا سمواً لا نهاية له. وبما أن الله أعلن هذا الحق الجوهري في كلمته فالإيمان يقبله والقلب يفرح به.
إن الكتاب المقدس ملئ بالتعاليم الأخرى التي نؤمن بها مع أننا لا ندرك كنهها. كالتجسد والكفارة وقيامة الموتى وغير ذلك كثيراً جداً، بل أننا في واقعنا المُعاش، كالرياح، والكهرباء، و…. “لأننا نعلم بعض العلم… فإننا الآن في مرآة في لغز…. الآن أعرف بعض المعرفة” (1كورنثوس 9:13-12).
حقاً ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء!
إن الآب هو الله، والأبن هو الله، والروح القدس هو الله. ولكنهم ليسوا ثلاثة ألهة بل إله واحد ورب واحد.
إن كلمة “أقنوم” هي كلمة سريانية تشير إلى كائن حي يقدر أن يقول عن ذاته “أنا” وللأقنوم الآخر “أنت” كما يقال عنه “هو“.
“أنت ابني أنا اليوم ولدتك” (مزمور 7:2، عبرانيين 5:1، 5:5)
“هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” (مت 17:3 أنظر أيضاً يوحنا 16:14،26)
وكلمة أقنوم تشبه كلمة شخص في اللغة العربية مع هذا الفارق وهو أن كلمة شخص تفيد الشخصية المنفصلة المستقلة أما كلمة أقنوم فتفيد التميز بلا استقلال وتفرد بلا انفصال.
تمرين للتطبيق
ضع دائرة على الحرف المقابل للتكملة الصحيحة للقول التالي:
تؤمن المسيحية بأن الله واحد
أ – بمعنى أنه واحد رقمي (أي عددي).
ب – بمعنى أن وحدانية الله جامعة، أي أن الله ذو ثلاثة أقانيم: الآب والابن والروح القدس.
أكمل الفراغات بالكلمات المناسبة مستعيناً بما قرأت:
+ جميع قوانين……….. المسيحي صدرت في عبارات تصرح بهذه ………………… فالقانون……………..يبدأ بالقول: “نؤمن بإله …………..” ولكن هذه ……………… تختلف عما عداها، وذلك في المسيحية فقط، لأنها …………….. بشخصية الله. أي أنها تؤمن بأن هذا ……………. الواحد ليس مجرد قوة أو ………..، بل هو …………….. حي عاقل، واجب الوجود بذاته، له …………. الشخصية في أكمل ما يمكن أن تشتمل عليه هذه المقومات من……………………
+كلمة أقنوم هي كلمة………. تشير إلى………..حي يقدر أن يقول عن ذاته “أنا” وللأقنوم الآخر “أنت” وكلمة أقنوم تشبه كلمة شخص في اللغة ………. مع هذا الفارق، وهو أن كلمة …….. تفيد الشخصية…… المستقلة، أما كلمة أقنوم تفيد……… مع عدم الانفصال
لاهوت الابن
بقف الباحث في العقائد المسيحية أمام عدد من القضايا الخطيرة، وفي مقدمتها اعتقاد المسيحين أن يسوع المسيح الذي ولد من مريم العذراء هو ابن الله. أو الله الابن.
قد يصعب على الكثيرين أن يقبلوا هذ الاعتقاد، إلا أن الصعوبة لا تضير المسيحية في كونها عقيدة وحدانية صحيحة، بدليل إيمان المسيحين بما جاء في الكتب المقدسة، كقول الله:
“هكذا يقول الرب ملك إسرائيل وفاديه، رب الجنود: أنا هو الأول والآخر ولا إله غيري” إشعياء 6:44
“لأنه يوجد إله ووسيط واحد بين الله والناس، الأنسان يسوع المسيح” 1 تيموثاوس 2:5 “فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا واحد” مرقس 29:12
ولكن المسيحية تؤمن بوجود إله أزلي، يعلن نفسه بأنه أب وإبن وروح قدس، ليس لوجوده بداية ولا نهاية، فقد كان دائماً، ويكون دائماً، وسوف يكون دائماً وفقاً لما هو مكتوب:
“فقال لموسى أهيه الذي أهيه وهكذا تقول لبني إسرائيل: أهيه أرسلني إليكم” (خروج 14:3)
“أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية، يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي” (رؤيا 8:1)
ويؤكد لنا قانون الإيمان أن الابن “مساو للآب في الجوهر” أي أن له الطبيعة الإلهية نفسها التي لله الآب. وكما أن الابن في دنيا البشر يأخذ عن أبيه الإنسان طبيعته الإنسانية، هكذا ابن الله يستمد من الآب طبيعته الإلهية، وكما أن النور الصادر من الشمس له طبيعة الشمس نفسها التي هي نور، هكذا الأبن الصدار من الآب (وهذا معنى كلمة “مولود”) له طبيعة الآب عينها: “نور من نور، إله حق من إله حق”. وينتج من ذلك أن الصفات الإلهية التي للآب كالأولية والقدرة على كل شيء والمعرفة التامة والقداسة الكاملة، هذه الصفات كلها هي للابن أيضاً.
الابن صادر عن الآب ولكنه “مولود غير مخلوق” فالمخلوق يخرج من العدم إلى الوجود بإرادة الله، ولكن ابن الله يصدر من صميم الله الآب نفسه. لذلك فإن هوة تفصل الخالق والمخلوق. أما ابن الله والله فهما على الصعيد نفسه لأنهما يشتركان كلاهما في الطبيعة الإلهية الواحدة.
البشر يدعون أبناء الله فقط من أجل محبة الله لهم واعتنائه بهم. هذه المحبة تجتاز الهوة التي بين الخالق والمخلوق ولكنها لا تزيلها. أما يسوع المسيح فهو ابن الله بطبيعته أي أنه بحد ذاته في وحدة كاملة مع الآب ولذلك دعي “ابن إله الوحيد” أي أن وحدة ابن الله بالمعنى الكامل لهذه العبارة، بينما نحن لا ندعى أبناء الله إلا لأن محبة الله تتبنانا رغم الهوة السحيقة بطبيعة الله وطبيعتنا المخلوقة.
والمخلوق يبدأ في الزمن أي أنه يكون غير موجود من قبل ثم في لحظة معينة من الزمن يظهر في الوجود. لذلك يكون الابن البشري في البدء دون أبيه لأن أباه سبقه في الوجود واكتسب بنموه ما لم يكتسبه الابن بعد. أما ابن الله فلم يكن هناك زمن لم يكن موجوداً فيه، النور صادر من الشمس ولكن لا شمس بدون نور، هكذا الابن إذاً ملازم لوجود الآب كما أن وجود النور ملازم لوجود الشمس ووجود الفكر ملازم لوجود العقل.
وكما أن الآب ابتداء له أي أزلي لأنه أصل كل شيء ولا أصل له، كذلك الابن أزلي مثله: “مولود من الآب قبل كل الدهور”
ودعنا الآن نستعرض الإعلانات الواردة في الكتاب المقدس عن أبوة الله للمسيح:
1- ابن الله .. أطلق الاسم “ابن الله” على المسيح أربعين مرة، عدا اتصال كثيراً بالضمير مثل “ابنه” و”إبن” ويظهر هذا اللقب الإلهي واضحاً عن المسيح كما جاء قول الإنجيل.
“من أجل هذا كان اليهود أكثر أن يقتلوه، لأنه لم ينقض السبت فقط، بل قال أن الله أبوه، معادلاً نفسه بالله” (يوحنا 18:5)
2- الابن الوحيد .. “الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر” (يوحنا 18:1) ورد لقب “الابن الوحيد” خمس مرات، وهذا يدل على أن زعم البعض أن يسوع المسيح إبن الله، بذات المعنى الذي به زعم غير صحيح. أنظر قوله له المجد:
“فإذ كان له ابن واحد حبيب إليه، أرسله أيضاً إليهم أخيراً قائلاً: إنهم يهابون ابني” (مرقس 6:12)
3- ابن العلى .. قال الرب لمريم العذراء: “ها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيماً وابن العلى يدعى” (لوقا 31:1، 32)
4- الابن الحبيب .. فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء. وإذا السماوات انفتحت له، فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة وآتياً عليه. وصوت من السماوات قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” (متى 16:3، 17)
5- أبي .. قال المسيح في أحد أمثاله: “أنا الكرمة وأبي الكرام” (يوحنا 1:15)
“خرافي تسمع صوتي وأنا أعرفها فتتبعني، وأنا أعطيها حياة أبدية. ولن تهلك إلى الأبد، ولا يخطفها أحد من يدي. أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل، ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي” (يوحنا 27:10-29)
6-الآب والابن .. قال يسوع في حديثه إلى الجماهير: “كل شيء قد دفع إلى من أبي. ليس أحداً يعرف الابن إلى الآب، ولا أحد يعرف الآب إلى الابن، ومن أراد الابن أن يعلن له، تعالوا إلى يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم” (متي 27:11، 28)
حين نتأمل هذا الإعلان بعمق يتضح لنا أنه ليس لإنسان عادي، ولا لرسول، ولا الملاك من السماء، ولا لرئيس ملائكة، أن يدرك سر المسيح الذي لقبه إشعياء النبي “بالعجيب” وهذا يعني صراحة أن طبيعة المسيح غير محدودة بحيث لا يقدر أحد أن يدركها غير الآب نفسه.
ومما لا شك فيه أن هذا الإعلان المجيد جداً يعلمنا أن من وظيفة المسيح باعتبار وحدته الأزلية مع الآب، أن يعلن لنا في شخصه هذا قال الفيلسوف الفرنسي باسكال: “إن الله المستعلين في المسيح إله يقترب إليه الإنسان في غير كبرياء، ويتضع أمامه في غير يأس أو إهدار للكرامة. وفي يسوع المسيح لا نعرف الله فقط، بل نعرف أنفسنا أيضاً، وبدونه لا نعرف ما هي حياتنا، ولا ما هو موتنا، ولا من هو الله ولا ما هي أنفسنا”.
والحق إن شهادة المسيح لنفسه ما كانت لتقوم لولا أنه إله وليس مجرد إنسان، لأن الله وحده الذي يشهد عن نفسه. أما كون المسيح إلهاً، فهذا واضح.
تمرين للتطبيق
اقرأ الشواهد التالية وأكتب ما تعلنه لنا:
أ- متي 27:11، 28
ب- متى 16:3 ،17
ج- مرقس 6:12
د- يوحنا 27:10-29
لاهوت الروح القدس
لما كانت تسمية أقانيم الثالوث الأقدس من الأسرار الإلهية التي لا تستطيع عقولنا القاصرة إدراكها، وجب أن نحصر كلامنا فيما يعلنه لنا كتاب الله عنها. وعلى ما نرى أنه سمى بالروح القدس، ليس لأن بين الأقنومين الآخرين تمييزاً في روحانية الجوهر (لأنهم متساوون في ذلك) بل إشارة إلى عمله غير المنظور، وهو إنارة أرواحنا وإرشادها وتقديسها. ولذلك سُمى أيضاً روح القداسة وروح الحق، وروح الحكمة، وروح السلام، وروح المحبة، لأنه ينشئ كل ذلك فينا ولفظة “القس” تميزه عن جميع الأرواح المخلوقة.
أولاً: ماذا في العهد القديم عن الروح القدس؟
سُمى فيه بالروح، والروح القدس، وروح الله، وروح الرب، وروح قدس الله. وأضيف إلى ضمير الجلالة في التكلم والخطابة والغيبة. فقال الله: روحي، قبل له: روحك، قيل فيه: روحه. ومما نسب إليه من الأعمال.
1- الخلق .. كقول موسى: “وروح الله يرف على وجه المياه” (تكوين 2:1) إشارة إلى اشتراك الروح المبارك في خلق الكائنات، وكقول اليهود: “روح صنعني ونسمة القدير أحيتني” (أيوب 4:23)
2- التعلم .. قال نحميا: “وأعطيك روحك الصالح لتعليمهم، ولم تمنع منك عن أفواههم” (تكوين 2:1)
3- الحزن .. قال اشعياء: “ولكنهم تمردوا وأحزنوا روح قدسه” (إشعياء 10:63)
4- الإدانة .. “فقال الرب: لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد لزيغانه” (تكوين 3:6)
5- الوحي .. قال زكريا النبي: “فكلمني ملاك الرب: هذه كلمة الرب إلى زربابل لا بالقدرة ولا بالقوة بل بروحي قال رب الجنود” (زكريا 6:4)
إذاً روح الله الذي يرف على وجه المياه، ودان في الإنسان قبل الطوفان، وحزن بسبب تمرد الشعب، وألهم الأنبياء ليس مجرد قوة إلهية، بل شخص إلهي ويتضح من كل ما قيل في العهد القديم عن الروح القدس أنه أقنوم ممتاز، غير أنه لم يتضح لكنيسة ذلك العهد أنه الأقنوم الثالث من اللاهوت كما إنجلي لكنيسة العهد الجديد.
نعم إن الله في ثلاثة أقانيم، في جوهر منذ الأزل، غير أن معرفة ذلك أعلنت للبشر بالتدريج.
ثانياً : ماذا قيل في العهد الجديد عن الروح القدس؟
الكلام عن الروح القدس في العهد الجديد كثير وصريح، غير أنه أقل من الكلام عن المسيح ومن أسباب ذلك أن المسيح بما أنه الله ظهر في الجسد حسب المواعيد والنبوات والرموز الكثير، وقدم نفسه كفارة عنا لأجل تبريرنا وخلاصنا، لزم إطالة الكلام عنه في ما عمله لإثبات لاهوته، وبيان أن تلك المواعيد والنبوات قد تمت به، وإيضاح فوائد فدائية. وأما الروح القدس، فبما أنه روح وعمله فينا روحي. جاء الكلام عنه وافياً بالمقصود وصريح العبارة، وإن كان أقل من الكلام عن المسيح. ومن أسماء الروح القدس في العهد الجديد:
روح الله، روح المسيح، وروح الرب، وروح القدس، وروح الله القدوس، وروح الموعد، وروح الحياة، وروح النعمة، وروح الحق، وروح المجد، والمعزي، والمرشد، وروح النصح.
وكل هذه الأسماء، وكل ما قيل في عمله يدل على أقنوميته ومجده الإلهي، وبذا فهو ليس “جبريل” كما زعم – أو اعتقد – البعض.
ومما يدل على أقنوميته هو استعمال الضمائر المختصة بالذات العاقلة له في اللغة اليونانية التي كتب بها العهد الجديد أصلاً. فيما يلي التي تثبت أقنومية الروح القدس.
1-هو الله.“فقال بطرس: يا حنانيا لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس؟ أنت لم تكذب على الناس بل على الله” (أعمال 3:5، 4)
2-يتكلم.“لذلك كما يقول الروح القدس: اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم” (عبرانيين 7:3، 8)
3-يعين للخدمة. “وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس افرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهم إليه” (أعمال 2:13)
4-يشهد للمسيح.“قال له المجد: “ومتي جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي” (يوحنا 26:15).
5-يرشد المؤمنين. “وأما جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق” (يوحنا 13:16).
6-عالم بكل شيء. “فأعلنه الله لنا بروحه، لأن الروح يفحصكلشيء حتى أعماق الله” (1كورنثوس 10:2).
7-يعلم. “وأما المعزى الروح القدس الذي سيرسله الآب بإسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم” (يوحنا 26:14).
8-يحيي. “وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكناً فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائته أيضاً” (رومية 11:8)
9-يبكت العالم. “ومتى جاء ذلك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة” (يوحنا 8:16)
10-يعطي المواهب للمؤمنين. “فإنه لواحد يعطيبالروح كلام لآخر كلام علم بحسب الروح الواحد. ولآخر إيمان بالروح الواحد. ولآخر مواهب شفاء بالروح الواحد ولآخر عمل قوات، ولآخر نبوة، ولأخر تمييز الأرواح. ولآخر أنواع ألسنة ولأخر ترجمة ألسنة. ولكن هذه كلها يعلمها الروح الواحد بعينه قاسماً لكل واحد بمفرده كما يشاء” (1كورنثوس 8:12-11)
11-يزيد المؤمنين رجاء. “وليملأكم إله كل سرور وسلام في الإيمان لتزدادوا في رجاء بقوة الروح القدس” (رومية 13:15)
لنتوقف الآن قليلاً ونتأمل فيما قلنا مذكرين قلوبنا وأذهاننا بأنه من المهم أن نحول كل ما درسناه عن الله إلى معرفة الله ذاته. وقد كانت طلبة السيد المسيح من الآب لنا:
“أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته” (يوحنا 3:17)
وبروح متأملة ندون النقاط التالية:
أولاً: إن معرفة الله هي مسألة “تعامل شخصي”، شأنها كل تعارف مع الكائنات الشخصية. إن معرفة الله هي أكثر من المعرفة عن الله، إنها مسألة تعاملك مع الله على قدر ما يكشف عن ذاته لك، وتعامله معك على قدر ما تسمح له إن المعرفة عن الله ضرورية كخطوة أولي نحو الثقة به.
“كيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به” (رومية 14:10). إلا أن معرفتنا العقلية عن الله ليست بالضرورة مقياساً لمعرفتنا الروحية العميقة به. لو كانت معرفة الله مسألة نظريات لكان من الواضح أن علماء الكتاب المقدس هم الذين يعرفون الله أكثر من أي شخص آخر. لكن الأمر ليس كذلك.
يمكنك أن تحمل في ذهنك كل الأفكار والنظريات الصحيحة من دون أن تذوق في قلبك طعم الحقائق التي تشير إليها تلك الأفكار والنظريات، بينما قارئ عادي للكتاب المقدس، ومستمع بسيط للمواعظ، ممتلئ من الروح القدس، يقدر أن ينمي في نفسه تعارفاً مع إلهه ومخلصه أعمق بكثير مما يفعل أهل العلم الذين يكتفون بصحة عقائدهم اللاهوتية.
السبب في ذلك هو أن هذا الأخير يريد أن يعيش الحق الإلهي بصورة عملية تطبيقية أما أولئك فلا.
ثانياً: إن معرفة الله هي مسألة “احتواء كلي ذاتي” بالفكر والإرادة والشعور، بغير ذلك لا يمكن أن تكون علاقة شخصية كاملة. أن معرفة الشخص الآخر تستلزم الانخراط في شركته وعمله والاستعداد للاتحاد مع اهتماماته. بدون ذلك تبقي العلاقة سطحية ولا طعم لها ويقول المرنم في المزمور 8:34 “ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب”.
ثالثاً: إن معرفة الله هي مسألة نعمة، إنها علاقة فيها يأخذ الله من الأول إلى الآخر زمام المبادرة – كيف لا، والله المتعالي جداً ونحن الآثمة الخطاة قد خسرنا كل حق لاسترضائه. لسنا نحن الذين نصادق الله، بل هو الذي يصادقنا، ويقربنا إليه لنعرفه معلنا في محبته لنا. يعبر بولس الرسول عن هذه الفكرة عندما يكتب إلى أهل غلاطية فيقول “وأما الآن إذ عرفتم الله بل بالحري عُرفتم من الله” (غلاطية 9:4)
فالأمر العام والذي له الأولوية هو ليس أني أعرف الله بل أنه هو يعرفني… ندعو الله أن تكون هذه المعرفة النظرية التي قدمانا من خلال هذه الدراسة تكون سبب معرفة عملية لك مع الله الذي يحبك..آمين
الأن. أنت قد اتممت الدرس الثاني وموضوعه “الله” ولعلك أدركت الآن بعض المعرفة لموضوع هام جداً لحياتنا الروحية، وما قدمناه ما هو إلا القليل القليل، ولكن هذ هو إيماننا.
هذا سؤال يطرح نفسه دائماً، كيف يتألم وهو الإله القدير، غير المتألم؟ كيف يتألم غير المتألم؟ كيف يتألم الإله الخالق الألم الخاص بالمخلوق!
قال بولس وبرنابا عندما ظنهما الجموع في لستره أنهما من الآلهة: (نحن أيضاً بشر تحت آلام مثلكم) ” أعمال الرسل 14: 15 “
وقال يعقوب الرسول عن إيليا مؤكداً هذه الحقيقة: (كان إيليا إنساناً تحت الآلام مثلنا) ” يعقوب 5: 7 “
ومع ذلك ينسب الكتاب المقدس لله الكلمة، رب المجد الألم وسفك الدم والموت:
(احترزوا.. لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه) ” أعمال الرسل 20: 28 “
(لأنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد) ” كورنثوس الأولى 2: 8 “
(إلهنا ومخلصنا العظيم يسوع المسيح الذي بذل نفسه لأجلنا) “تى 2: 13”.
فكيف يُصلب الإله ويتألم ويُذل؟ كيف يبذل نفسه وهو غير المحدود وتسأل هذا السؤال وتجيب عنه رسالة برنابا [1] المكتوبة في القرن الأول والتي يقول كاتبها: يا إخوتي إن كان السيد قد أحتمل أن يتألم من أجل نفوسنا وهو رب المسكونة… فكيف قبل أن يتألم على أيدي الناس؟ إن الأنبياء بالنعمة التي تسلموها من عنده تنبأوا عنه. ولكي يبطل الموت ويبرهن عن القيامة من الأموات ظهر بالجسد واحتمل الآلام.
لو لم يأت بالجسد لما أستطاع البشر أن ينظروا خلاصهم. إذ كانوا لا يستطيعون أن ينظروا إلى الشمس التي هي من أعمال يديه فهل يمكنهم أن يحدقوا إليه لو جاءهم بغير الجسد! إذ كان ابن الله قد أتى بالجسد فلأنه أراد أن يضع حداً لخطيئة أولئك الذين اضطهدوا أنبياءه.. يقول الله أن الجرح في جسده هو منهم [2]
إن السيد المسيح أتخذ جسداً، جاء في الجسد، ظهر في الجسد (أفتقر وهو غنى لكي تستغنوا أنتم بفقره) ” كورنثوس الثانية 8: 9″، أخلى نفسه من مجده وأحتجب في الناسوت وأحتمل الآلام في الجسد.
(ولكن الذي وضع قليلاً عن الملائكة يسوع نراه مكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد…. فإنه قد تشارك الأولاد في اللحم والدم أشترك هو أيضاً كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس .. من ثم كان ينبع أن يشبه أخوته في كل شيء لكي يكون رحيماً ورئيس كهنة أميناً فيما لله حتى يكفر خطايا الشعب. لأنه فيما هو قد تألم مجرباً يقدر أن يعين المجربين) ” عبرانيين 2: 9- 18 “
لقد (جاء في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد) ” رومية 8: 3 “. صورة الله اتخذ صورة العبد (الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسه ن يكون مساوياً لله لكنه أخلى نفسه أخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب) ” في 2: 6- 9 “.
اتخذ جسداً (هيأت لي جسداً) “عب 10: 5″ وفي هذا الجسد احتمل الآلام النفسية: (نفسي حزينة حتى الموت) ” متى 26: 38 “.. (اضطرب يسوع بالروح) ” يوحنا 13: 21″.
كلما احتمل الآلام الجسمية. احتمل الآلام الكفارية كاملة في جسده، فقد كان جسده كاملاً (روح ونفس ولحم وعظام) كان كاملاً في ناسوته كما كان كاملاً في لاهوته (حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة) ” بطرس الأولى 2: 24 “.
والكتاب ملئ بالنصوص والآيات التي تؤكد أن السيد المسيح أحتمل الآلام بالناسوت:
(تألم المسيح لأجلنا بالجسد) ” بطرس الأولى 4: 1 “
(أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف.. وانا أضع “أبذل” نفسي عن الخراف) ” يوحنا 10: 11و 15 “
(الخبر الذي أعطى هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم) ” يوحنا 6: 51 “
(لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً.. مبطلاً بجسده ناموس الوصايا) ” رومية 8: 3 “
(قد صالحكم الآن في جسد بشريته بالموت) ” كولوسي 1: 22 “
وهكذا يؤكد الكتاب أن اللاهوت لم يتألم ولم يمت، ولكن قال إن المسيح، الإله المتجسد تألم بالجسد. تألم بالناسوت دون أن يتألم اللاهوت، الله ظهر في الجسد تألم في الجسد الذي أتخ ذه، ولم يتألم بلاهوته مع أن الجسد هو جسده الذي هيأه وأتخذه لنفسه.
تألم دون أن يتألم:
وقد أستخدم آباء الكنيسة تعبيرات (تألم دون أن يتألم)، (كأن متألماً وغير متألم)، (تألم كإنسان ولم يتألم كإله)، (كان قابلاً للألم بناسوته ولكنه غير قابل للألم بلاهوته). وذلك للتعبير عن حقيقة تألمه بالجسد وليس اللاهوت مع أنه مسيح واحد ورب واحد وأقنوم واحد وطبيعة واحدة من طبيعتين بغير اختلاط أو امتزاج أو تغيير: (ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء) ” كورنثوس الأولى 8: 6 “، (لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد) ” كورنثوس الأولى 2: 8 “، (لأن معلمكم واحد المسيح) ” متى 23: 8و10 “.
قال القديس كيرلس عمود الدين: نعترف بأن الكلمة صار إنساناً وبالحقيقة مثلنا وأنه هو نفسه غله من إله وإذ أخذ شكلنا صار إنساناً مثلنا مولوداً من أمرأه، وأنه بسبب اتحاده بالجسد تألم بكل الإهانات لكنه أحتفظ بما له من عدم الألم لأنه ليس إنساناً فقط بل هو نفسه الله، وكما أن الجسد هو جسده هكذا آلام الجسد ورغباته غير الدنسة وكل الإهانات التي وجهها البعض، كل هذا أحتمله هو لأنه كان موجهاً إلى جسده الخاص به. لقد تألم دون أن يتألم (تجسد الأبن الوحيد ص37)
وقال أيضاً: وهكذا نعتقد أنه في جسده الخاص قد تألم لأن الآلام تخص الناسوت، بينما اللاهوت هو فوق الآلام (المرجع السابق:37). وأضاف قائلاً: إن الآلام تخص الناسوت ولكنه غير قابل للآلام كإله. وإن كان قد تجسد وصار مثلنا إلا أننا نعترف بألوهيته ومجده الفائق وعطاياه الإلهية (المرجع السابق: 37).
وعلى الرغم من أنه يقول من خلال الأنبياء: (بذلت ظهري للضاربين.. أحصى كل عظامي) “أش50: 6” (وضعوا في طعامي علقماً وفي عطشى سقوني خلاً) “مز 22: 16و17” فإننا نخصص كل هذا للابن الوحيد الذي تألم تدبيرياً في الجسد حسبما تعلم الكتب المقدسة. ولكننا نعترض أنه غير قابل للآلام بالطبيعة، لذلك كما قلنا سابقا أنه إله متأنس، والآلام تخص الناسوت أي تخصه هو من حيث الناسوت، ولكن من حيث هو إله هو غير قابل للآلام (تجسد الابن الوحيد: 37).
قال القديس أثناسيوس الرسولي:
ومن الغريب أن الكلمة نفسه كان متألماً وغير متألم، فمن ناحية، كان (الكلمة) يتألم لأن جسده هو الذي يتألم، أن الكلمة – إذ هو بالطبيعة – لا يقبل التألم. وكان الكلمة غير الجسدي موجوداً في الجسد الذي يتألم، وكان الجسد يحوي فيه الكلمة غير المتألم الذي كان يبيد العلل التي قبلها في جسده (الرسالة إلى ابيكتيكوس: 6). “فإنه هو نفسه يجب أن نعترف به متألما وغير متألم.. تألم كإنسان وظل غير متألم ولا متغير كإله ” (ظهور المسيح المحي – مؤسسة القديس أنطونيوس ص16).
ثم يشرح عملية التجسد واحتمال الألم بالجسد قائلاً: فإن التقليد الرسولي يعلم في قول المغبوط بطرس (إذ قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد) ” بطرس الأولى 4: 1 ” بينما يكتب بولس (متوقعين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح. الذي بذل نفسه لأجلنا لكي يفدينا من كل إثم ويطهر لنفسه شعباً خاصاً غيوراً في أعمال حسنة) ” تى 2: 13،14 ” فكيف إذاً قد بذل نفسه لأجلنا، إن لم يكن لابساً جسداً؟ لأنه بتقديمه هذا الجسد قد بذل نفسه لأجلنا، لكي بقبوله الموت في هذا الجسد، يبيد ذلك الذي له سلطان الموت أي إبليس (الرسالة إلى ادلفوس: 6).
قال ساويرس بن المقفع (القرن العاشر الميلادي):
المسيح من جهة إنسانيته وتأنيسه، قابل للألم والعرض والتأثير والموت، ومن جهة أزليته ولاهوته غير ملموس ولا محسوس ولا متألم ولا ماءت. كالجسد المتحد به الكون أو كالنفس المتحدة بالجسم أو كالنار المتحدة بالحط. فإن الجسد يوصف بالموت والفساد والاستحالة وقبول التأثير والتجزؤ والانفصال والحلول في الأماكن… وكذلك النفس لا توصف بأنها قتلت ولا ماتت ولا جاعت ولا عطشت وإن كانت متحدة بالجسم الفاسد، المائت الجائع العطشان. (أنظر الخريدة النفيسة جـ1: 104)
قال القديس أغريغوريوس النزينزي: غير متألم بلاهوته، متألم في ذاك الذي أتخذه “أي جسده”. (On The Son: 22)
أمثلة لكيفية آلام الناسوت دون اللاهوت:
شبه أباء الكنيسة – في القرون الأولى – آلام الناسوت دون اللاهوت بالحديد الذي إذا وضع في النار يمتلئ بقوة النار التي تتخلل ذراته ومع ذلك عندما يطرق الحديد المحمي يؤثر الطرق على الحديد ولا تتأثر بالنار بهذا الطرق.
وكذلك شبه الآباء أيضاً وحدة اللاهوت بالناسوت أو تأثر الناسوت فعلياً بالألم دون اللاهوت باتحاد النفس والجسد وذلك استنادا لقول المسيح نفسه (لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها) ” متى 10: 28 ” فإذا كانت النفس التي تكون مع الجسد كائناً واحداً لا يمكن أن تجرح أو تقتل أو تموت إذا حدث ذلك للجسد، فكم بالأحرى يكون اللاهوت المتحد بالناسوت غير قابل للألم معه.
قال القديس كيرلس عمود الدين: كيف يصبح الواحد نفسه غير متألم ومتألم في نفس الوقت؟ عندما يتألم في جسده لم يؤثر الألم في ألوهيته. هذا التدبير فائق ولا يستطيع عقل أن يسبر عمقه ومجده… نؤمن أنه تألم في جسده دون أن يتألم في لاهوته. وكل محالة لتشبيه الاتحاد بين اللاهوت والناسوت مهما كانت قاصرة وعاجزة عن أن تعلن الحق أو تشرحه فإنها مع ذلك تظل هذه التشبيهات قاصرة على أن تبعث في العقل قدرة على تصور الحقيقة وإدراك دقتها التي تفوق التعبير بالكلمات.
فقطعة الحديد أو أي معدن أخر إذا اتصلت بنار مشتعلة تتحد بالنار وإذا طرقت يترك الطريق أثاراً على المعدن، أما طبيعة النار فهي تظل بعيدة عن التأثر. وهكذا نعتقد بأن الابن تألم بالجسد دون أن يتألم لاهوته. (المسيح واحد 104) وقال ساويرس بن المقفع: إن الجسم يوصف بالموت.. والاستحالة وقبول التأثر أو التجزؤ والانفصال.. والنفس لا توصف بأن قُتلت ولا ماتت ولا جاعت ولا عطشت وإن كانت متحدة بالجسم الفاسد المائت. (مصباح العقل 2: 28و29)
نقرأ في الكتاب المقدس أن الآب هو الإله الحقيقي وحده ، ويقول قائل أن الآية هنا تنفي علاقة المسيح بالآب ، حيث أن المسيح – له المجد – يشهد أن الآب هو الإله الحقيقي وحده ( فقط ) : ” وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع الذي أرسلته ” ( يو17: 3 )
مع أن الكتاب المقدس واضح كشمس النهار وهنا يقع اسم يسوع المسيح موقع التكميل للتوضيح حسب عادة الكتاب المقدس في تفسير المعاني الصعبة . فالآب هو الإله الحقيقي الوحيد مع ابنه يسوع المسيح الذي أرسله لإعلان أبوته ووحدانيته والحق الإلهي الذي فيه .
ويقول القديس أثناسيوس الرسولي : [ فإن كان الآب يُسمى ” الإله الحقيقي الوحيد ” فهذا قيل ليس بغرض نفي حقيقة المسيح الذي قال عن نفسه ” أنا الحق ” ، ولكن يقصد إقصاء ( الآلهة ) التي ليست هي ” الحق ” عن الآب وكلمته اللذين هما الحق . ومن أجل هذا فإن الرب أضاف حالاً ” ويسوع المسيح الذي أرسلته ” … وهكذا بإضافة نفسه إلى الآب أوضح أنه من جوهر الآب . وأعطانا أن نعرف أنه من الآب الحقيقي كابن حقيقي ، ويوحنا نفسه كما تعلَّم ( من الوحي في الإنجيل ) هكذا كان يُعلَّم ( بالروح ) في رسالته ” ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية ” ( 1يو5: 20 ) ] ( عن رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى سيرابيون )
ولهذا يشرح الآباء العلاقة السرية بين الآب والابن كما نقولها في قانون الإيمان : [ نور من نور ، إله حق من إله حق ]
ونضع الآيات مقابل بعضها البعض لإظهار عظمة وقوة كلمات ربنا يسوع وفعل الحياة الأبدية التي صارت لنا من خلال الابن في معرفة الآب :
+ ” وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع الذي أرسلته ” ( يو17: 3 ) ” لا أحد يعرف الآب إلا الإبن ومن أراد الإبن أن يُعلن له ” ( مت11: 27 ) + ” لأن الإنسان لا يراني ويعيش ” ( خر33: 20 ) ” الله لم يَرَهُ أحد قط الإبن الوحيد الذي هو في حضن الآب هوَّ خبَّر ” ( يو1: 18 ) + ” الذي رآني فقد رأى الآب ” ( يو14: 9 ) ” لو كنتم عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً ” ( يو14: 7 )
المسيح – له المجد – جاء يعلن الآب المحتجب عن الإنسان الذي لم يعرفه ولم يبصره . فمعرفة الآب يستحيل أن تتم بدون المسيح ، الذي أتى وأعلن لنا الآب وعرفنا سرّ الحياة الأبدية كقوة تسري فينا من وحدتنا معه كما أعطانا …
وصفة : ” الله واحد ” هي صفة جوهرية من واقع طبيعته وليس من جهة عدده ، فالله لا يعد ، فهو ليس واحد ولا اثنين ولا ثلاثة ولا أربعة عددياً ولا ينطبق عليه كل قوانين العدد ما بين الواحد أو الثلاثة أو أي أرقام عددية ، وليس هناك أول وثاني وثالث في الله من جهة الترتيب أو الأقدمية أو أضافه واحد لآخر لأن هذا يليق بالإنسان وليس بالله الواحد …
فحينما نقول أن : الله واحد فأننا نتعمق طبيعته ، كوصف لحقيقة الله لذاته واستعلانه الخاص عن ذاته ، على أن ( الواحد المطلق ) هو هو بآن واحد ( الحق المطلق ) ، وهو هو ( الإله الواحد ) حتماً .
ولكن المسيح – له المجد – أتى ليعلن الآب المحتجب عن الإنسان . فمعرفة الآب تستحيل أن تتم بدون المسيح له المجد ، الذي جاء يستعلنه في ذاته وفي طبيعته ، فذكر المسيح مع الله الآب له المجد : هو بقصد التكميل الاستعلاني وليس الإضافة .
وكما أن الابن يُمجد الآب ، والآب يُمجد الابن ، كذلك فالابن يستعلن الآب ، والآب يستعلن الابن بالروح القدس .
لذلك يستحيل معرفة أحدهما بدون الآخر . لذلك يقول رب المجد يسوع المسيح : ” الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع الذي أرسلته “
والقديس يوحنا يظهر المعنى في منتهى الإبداع في رسالته قائلاً : ” ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح ، هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية ” (1بو5: 20 )
وهنا واضح من وضع الآيتين مقابل بعضهما البعض ، الوحدة بين الآب والابن بلا أي انفصال أو تشويش … ” الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع الذي أرسلته ” ” ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح ، هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية “
ويقول القديس اثناسيوس الرسولي [ لأنه حيثما ذُكر الآب ذُكر ضمناً كلمته والروح القدس الذي هو في الابن ، وإذا ذُكر الابن فإن الآب في الابن والروح القدس ليس خارج الكلمة ، لأن من الآب نعمة واحدة تتم بالابن في الروح القدس . وهناك طبيعة واحدة وإله واحد ” على الكل وبالكل وفي الكل ” ( أف4: 6 ) ]
Athanas. To Serap., 1:14
[ وإن كانت توجد في الثالوث القدوس هذه المساواة وهذا الاتحاد فمن الذي يستطيع أن يفصل الابن عن الآب أو يفصل الروح القدس عن الابن أو عن الآب نفسه ]
Athanas. To Serap., 1:20
[ لنتأمل في تقليد الكنيسة الجامعة وتعاليمها وإيمانها منذ البدء التي أعطاها الرب وكرز بها الرسل وحفظها الآباء . على هذه تأسست الكنيسة ، ومن يسقط منها لا يعتبر مسيحياً . إن هناك ثالوثاً مقدساً وكاملاً ومعترفاً به أنه الله الآب والإبن والروح القدس ، لا يتكون من واحد يخلق وآخر يُبدع بل الكل يخلقون ، وهو متماثل ( متساوي ) ، وفي الطبيعة غير قابل للتجزئة ، ونشاطه واحد .الآب يعمل كل الأشياء بالكلمة في الروح القدس وهكذا تُحفظ الوحدة في الثالوث القدوس ، وهكذا يُنادى بإله واحد في الكنيسة ” الذي على الكل ، وبالكل ، وفي الكل ” ، فعلى (( الكل )) كآب ، (( وبالكل )) أي بالكلمة ، (( وفي )) الكل أي في الروح القدس ، هو ثالوث ليس فقط بالاسم وبالكلام بل بالحق والفعل ، لأنه كما أن الآب واحد وإله على الكل هكذا أيضاً كلمته واحد وإله على الكل ، والروح القدس ليس بدون وجود فعلي ، بل هوَّ كائن وله وجود فعلي ]
والتاكيد الكتابى على عبادة ” يهوه ” القدير وحده بين الهه الامم
الايمان الحق الذى نحن نؤمن بيه تماما هو ان اله الخليقة واحد لا شريك له هذا الايمان البسيط فى معناه العميق فى ابعاده هو ايمان يمتد الى جذور واعماق التاريخ وما قبل التاريخ الى بدايات الجنس البشرى ووجود الحضارة الانسانية على وجه الخليقة هذا الايمان العميق قد لخصه موسى النبى العظيم كليم الله فى سفر التثنية كوصية مقدمة من ربنا القدير قائلا ” اسمع يا اسرائيل. الرب الهنا رب واحد” وايضا اعاد ربنا المسيح نفس الوصية على مسامع اليهود اثناء بشارته بانجيل الملكوت بين بنى امته وكان الامر واضح وصريح ضمن الوصايا العشر الذى قدمها الهنا العظيم لاسرائيل بعدم عبادة التماثيل والاصنام والصور واى شئ يشارك الله فى مجده وعظمته “3 لا يكن لك آلهة اخرى امامي. 4 لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة ما مّما في السماء من فوق وما في الارض من تحت وما في الماء من تحت الارض. 5 لا تسجد لهنّ ولا تعبدهنّ. لاني انا الرب الهك اله غيور افتقد ذنوب الآباء في الابناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضيّ.
“ ومن هذا المنطلق البسيط سنقسم موضوعنا الى الاتى 1- النصوص الكتابية الواضحة التى تدعو الى نبذ عبادة اشيرا كالهه وثنية كنصوص واضحة لا تتطلب التأويل 2- من هى اشيرا فى المجتمعات الوثنية المحيطة باسرائيل 3- النقش المشار اليه وهل يقدم دليلا على وجود عقيدة كتابية يهودية بتعدد الالهه او عبادة الهه وثنية . هذه النقط الثلاث كفيلة بانهاء الموضوع تماما بل ان كل نقطة على حدة هى كفيلة بسحق الموضوع
لعلك فى الترجمة العربية للكتاب المقدس لم تصادف كلمة اشيرا كثيرا مع انها وردت حوالى 40 مرة فى 9 اسفار ووردت بترجمات مختلفة فى الترجمات العربية لكن فى الحقيقة ان اشيرا والاشارة اليها يوجد بكثرة فى الكتاب المقدس بداءا بتوارة موسى فلنستعرض هذة النصوص دون ادنى تعليق
ولكن هكذا تفعلون بهم تهدمون مذابحهم وتكسّرون انصابهم وتقطعون سواريهم وتحرقون تماثيلهم بالنار.[3]
النص الثالث
وتهدمون مذابحهم وتكسّرون انصابهم وتحرقون سواريهم بالنار وتقطعون تماثيل آلهتهم وتمحون اسمهم من ذلك المكان.[4]
النص الرابع
لا تنصب لنفسك سارية من شجرة ما بجانب مذبح الرب الهك الذي تصنعه لك[5]
النص الخامس
فعمل بنو اسرائيل الشر في عيني الرب ونسوا الرب الههم وعبدوا البعليم والسواري[6]
النص السادس
25 وكان في تلك الليلة ان الرب قال له خذ ثور البقر الذي لابيك وثورا ثانيا ابن سبع سنين واهدم مذبح البعل الذي لابيك واقطع السارية التي عنده 26 وابن مذبحا للرب الهك على راس هذا الحصن بترتيب وخذ الثور الثاني واصعد محرقة على حطب السارية التي تقطعها. 27 فاخذ جدعون عشرة رجال من عبيده وعمل كما كلّمه الرب. واذ كان يخاف من بيت ابيه واهل المدينة ان يعمل ذلك نهارا فعمله ليلا 28 فبكر اهل المدينة في الغد واذا بمذبح البعل قد هدم والسارية التي عنده قد قطعت والثور الثاني قد أصعد على المذبح الذي بني.
ويضرب الرب اسرائيل كاهتزاز القصب في الماء ويستأصل اسرائيل عن هذه الارض الصالحة التي اعطاها لابائهم ويبدّدهم الى عبر النهر لانهم عملوا سواريهم واغاظوا الرب.[8]
النص الثامن
حتى ان معكة امه خلعها من ان تكون ملكة لانها عملت تمثالا لسارية وقطع آسا تمثالها واحرقه في وادي قدرون.[9]
النص التاسع
وعمل اخآب سواري وزاد اخآب في العمل لاغاظة الرب اله اسرائيل اكثر من جميع ملوك اسرائيل الذين كانوا قبله.[10]
النص العاشر
ولكنهم لم يحيدوا عن خطايا بيت يربعام الذي جعل اسرائيل يخطئ بل ساروا بها ووقفت السارية ايضا في السامرة.[11]
النص الحادى عشر
ولا يلتفت الى المذابح صنعة يديه ولا ينظر الى ما صنعته اصابعه السواري والشمسات[12]
النص الثانى عشر
كذكر بنيهم مذابحهم وسواريهم عند اشجار خضر على آكام مرتفعة[13]
النص الثالث عشر
واقطع تماثيلك المنحوتة وانصابك من وسطك فلا تسجد لعمل يديك في ما بعد[14]
حتى ان معكة ام آسا الملك خلعها من ان تكون ملكة لانها عملت لسارية تمثالا وقطع آسا تمثالها ودقه واحرقه في وادي قدرون[16]
هذة العينة البسيطة وليس كل النصوص التى وردت فيها كلمة اشيرا بمفرادتها والتى ترجمت بساية او سوارى تدعو الى هدم معابدها ومذابحها وحرق تماثيلها وقطع عبادتها من اسرائيل وفيها اشارات واضحة الى وجود تلك الممارسات الوثنية بين السامريين وهذا ما سنتكلم عنه فى الجزء الثالث عن النقش المشار اليه ولدينا بعض التعليقات البسيطة على هذة النصوص
فى سفر التثنية مثلا نقرأ ” لا تنصب لنفسك سارية من شجرة ما بجانب مذبح الرب الهك الذي تصنعه لك “[17]
وبالقراءة المتانية للاصل العبرى فى تعنى لا تنصب لنفسك ” اشيرا ” من شجرة ما بجانب مذبح ” يهوه ” الهك فبدون اى تعلق منى واضح وضوح الشمس فى توارة موسى منع منعا باتا وضع اى تمثال لاشيرا بجانب مذبح الرب ونفس الوصية اعيدت ايضا فى سفر التثنية وقال الرب ” لكن هكذا تفعلون بهم تهدمون مذابحهم وتكسّرون انصابهم وتقطعون سواريهم وتحرقون تماثيلهم بالنار[18]
ولو راجعنا بعض تعليقات العلماء نقرا
tev has “cut down their symbols of the goddess Asherah”; but cev is clearer, with “cut down the poles that they use in worshiping the goddess Asherah.”[19]
وفى تعليقات NET BIBLE
Sacred Asherah poles. A leading deity of the Canaanite pantheon was Asherah, wife/sister of El and goddess of fertility. She was commonly worshiped at shrines in or near groves of evergreen trees, or, failing that, at places marked by wooden poles (Hebrew אֲשֵׁרִים [’asherim], as here). They were to be burned or cut down[20]
وايضا نقرا
Having destroyed the idolaters, Israel also was to demolish the paraphernalia of their worship (v. 5). This included their altars, their sacred stones (maṣṣēbôt), their Asherah poles (ʾăšērîm), and their idols (pĕsîlîm). The “sacred stones” represented the male procreative aspect of the Canaanite fertility religion; and the Asherah, the female. Asherah was also the name of the mother goddess of the Canaanite pantheon, the deity responsible for fertility and the productivity of soil, animals, and humankind. She was represented by either an evergreen tree or by a pole that also spoke of perpetual life[21]
نستخلص من هذا العرض السريع للاعداد الكتابية 1- هناك امر مباشر وصريح بعدم تواجد اى تمثال لالهه وثنية وذكر بالاسم تمثال ” اشيرا ” الذى كان متعارف عليه بشدة فى الشرق القديم كزوجة لايل اله الكنعانين بجانب مذبح يهوه القدير 2- هناك حوداث سجلت فى عهد ملوك لاسرائيل سجت فى اسفار الملوك واخبار الايام عن تدمير لعبادة اشير نهائيا وحرق مذابحها واوانيها وكل ما يختص بعبادتها من اسرائيل 3- وجدت اشارات فى اسفار الانبياء سواء الكبار والصغار على رفض عبادة اشيرا نهائيا فى اسرائيل 4- الكتاب المقدس يدعو فى نصوص صريحة لا تحتاج للتاويلات لعبادة الاله الواحد القدير الذى لا شريك له ولم يقدم من قريب ولا من بعيد اى نصوص تدعو لتمجيد او تعظيم اى الهه وثنية من الهه الامم المحيطة باسرائيل
5-هناك نصوص واضحة وصريحة فى الكتاب المقدس تعترف وتقر بان شعب اسرائيل عمل الشر فى عينى الرب وعبد اشيرا فى فترة من الزمن ” فعمل بنو اسرائيل الشر في عيني الرب ونسوا الرب الههم وعبدوا البعليم والسواري ” وخصوصا بين السامريين وهذا ما اثبتته الحفريات بوجود نصوص عبرانية كانت تمجد وتعبد اشيرا ” فى الجزء الثالث “
انتهى الجزء الاول ويتبع بالجزء الثانى والثالث لاحقا حسب امكانيات وقتى …
[1]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. Ex 20:3-5
[2]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. Ex 34:13
[3]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. Dt 7:5
[4]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. Dt 12:3
[5]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. Dt 16:21
[6]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. Jdg 3:7
[7]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. Jdg 6:25-28
[8]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. 1 Ki 14:15
[9]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. 1 Ki 15:13
[10]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. 1 Ki 16:33
[11]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. 2 Ki 13:6
[12]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. Is 17:8
[13]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. Je 17:2
[14]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. Mic 5:13
[15]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. 2 Ch 14:3
[16]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. 2 Ch 15:16
[17]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. Dt 16:21
[18]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. Dt 7:5
[19]Bratcher, Robert G. ; Hatton, Howard: A Handbook on Deuteronomy. New York : United Bible Societies, 2000 (UBS Handbook Series), S. 153
[20]Biblical Studies Press: The NET Bible First Edition Notes. Biblical Studies Press, 2006; 2006, S. Dt 7:5
[21]Merrill, Eugene H.: Deuteronomy. electronic ed. Nashville : Broadman & Holman Publishers, 2001, c1994 (Logos Library System; The New American Commentary 4), S. 180
اشيرا الالهه الوثنية فى الثقافات الشرقية القديمة والنصوص الاوجارتية
بعيدا عن النصوص الكتابية عرفت اشيرا فى الحضارات الكنعانية والفينيقية بانها الهه انثى زوجة ايل وهى الهه الخصب ويوجد لها تمثال خشبى شهير رمزا لها نقرأ فى موسوعة كولمبيا
Canaanite fertility goddess and the wooden cult symbol that represented her. She is the consort of El in the Ugaritic texts.[1]
ونقرا فى قاموس انكور
She is known in the Ugaritic texts under the name of Athirat (ʾaṯrt), where she functions as consort of the chief god, El, and mother of the gods[2]
وفى سنة 1929 اكتشفوا فى مدينة سورية ” راس الشمرا ” اثار لاشيرا كالهه معروفة فى تلك المدينة
Only the discovery of the ancient Canaanite city of Ugarit1 in 1929 provided the scholarly world with myths and rituals in which Asherah appears as a great goddess.[3]
حسب الاساطير الاوجارتية فان اشيرا فى زوجة ايل وزوجها هو ابو كل من البشر والالهه وكانت تتدعى هى نفسها ام الالهه وذريتها دعيوا بعائلة ابناء ايل او سبعين ولدا لاشيرا
ولدى الكثير من النصوص الاوجارتية التى تتكلم عن الاساطير الشرقية القديمة المنسوجة حول تلك الالهه الوثنية وهى بعيدة عن سياق حديثنا وما يمكن ان نلخصه حتى الان ان اشيرا هذة هى مجرد الهه من الالهه الوثنية الموجودة ضمن التراثيات فى الشرق القديم والحضارة الكنعانية وذكرت كثيرا فى النصوص الاوجارتية كزوجة ايل ابو البشر والالهه وهى نفسها ام الالهه ودعيت بالهه الخصب لدى الحضارات القديمة الشرقية ولها تمثال حشبى معروف يعبر عنها
وليس فقط فى الحضارة الكنعانية بل عرفت فى الحضارات المصرية والفينيقية بل ان اجدادكم العرب الوثنين عبدوها مع القمر
In texts from Qataban in South Arabia dating from the first millennium bce a goddess Athirat is attested. She appears to have been the companion of the moongod Wadd.[5]
بالعرض السريع عن الفكر الشرقى القديم عن اشيرا لا نجد اى ملامح فى الكتاب المقدس ولا عقائده الثابتة لاشيرا كزوجة للرب او لايل او انها ام الالهه او ان هناك وصية لعبادتها او تمجيدها كالهه مثل هذا التخاريف والمهاترات لا وجود لها فى الكتاب المقدس اطلاقا والا فليخرجوا لنا تلك النصوص ان كنا لا نعرفها
[1]Lagass, ̌ Paul ; Columbia University: The Columbia Encyclopedia. 6th ed. New York; Detroit : Columbia University Press; Sold and distributed by Gale Group, 2000
[2]Day, John: Asherah (Deity). In: Freedman, David Noel (Hrsg.): The Anchor Yale Bible Dictionary. New York : Doubleday, 1996, S. 1:483
1 In modern Syria the ‘tell’ in which the ancient city of Ugarit lies buried is called Ras es-Shamra. It is situated at the coast of Syria, straight opposite the pointing ‘finger’ of the island of Cyprus. The city flourished in the Bronze Age and was destroyed in the first half of the twelfth century bce.
[3]Becking, Bob ; Dijkstra, Meindert ; Korpel, Marjo C.A. ; Vriezen, Karel J.H.: Only One God? : Monotheism in Ancient Israel and the Veneration of the Goddess Asherah. London : Sheffield Academic Press, 2001 (The Biblical Seminar 77), S. 127
9 KTU 1.3:I.14f. suggests that the two were seen as officially married.
KTU M. Dietrich, O. Loretz & J. Sanmartin, The Cuneiform Alphabetic Texts from Ugarit, Ras Ibn Hani and Other Places (KTU: Second Enlarged Edition; ALASP, 8; Münster: Ugarit Verlag, 1995)
[4]Becking, Bob ; Dijkstra, Meindert ; Korpel, Marjo C.A. ; Vriezen, Karel J.H.: Only One God? : Monotheism in Ancient Israel and the Veneration of the Goddess Asherah. London : Sheffield Academic Press, 2001 (The Biblical Seminar 77), S. 130
[5]Becking, Bob ; Dijkstra, Meindert ; Korpel, Marjo C.A. ; Vriezen, Karel J.H.: Only One God? : Monotheism in Ancient Israel and the Veneration of the Goddess Asherah. London : Sheffield Academic Press, 2001 (The Biblical Seminar 77), S. 145
الجزء الثالث
النقوش التاريخية عن علاقة يهوه باشيرا
لا نجد اى استغراب او اندهاش ان وجدنا نقوش اثرية وجد فيها اسم اشيرا مقترن ب ” يهوه ” لان باختصار ان الكتاب المقدس ذات نفسه اعترف واقر بان الاسرائليين على مدار تاريخهم الطويل عبدوا اشيرا والبعل وحادوا عن طريق الرب فوجود نقوش تتدلل على وجود اشيرا مقترنه باسم الرب هو دليل يقف مع الكتاب المقدس فى اثبات انحراف الاسرائليين العقائدى كما اشار الكتاب المقدس وليس دليل على الانحراف العقائدى والفكرى لمضمون الكتاب المقدس وعن تلك الانحرافات الفكرية للاسرائليين نقرا فنقرأ فى سفر القضاة
فعمل بنو اسرائيل الشر في عيني الرب ونسوا الرب الههم وعبدوا البعليم والسواري[1]
ونقرا فى الملوك الاول فى زمن انبياء البعل ان فى اسرائيل كانت هناك عبادة لاشيرا وانبياء لها
فالآن ارسل واجمع اليّ كل اسرائيل الى جبل الكرمل وانبياء البعل اربع المئة والخمسين وانبياء السواري اربع المئة الذين يأكلون على مائدة ايزاب[2]
ونقرا فى الملوك الثانى وجود انيه لاشيرا داخل مذبح يهوه نفسه وامر الملك حلقيا باخارجها واحراقها
وامر الملك حلقيا الكاهن العظيم وكهنة الفرقة الثانية وحراس الباب ان يخرجوا من هيكل الرب جميع الآنية المصنوعة للبعل وللسارية ولكل اجناد السماء واحرقها خارج اورشليم في حقول قدرون وحمل رمادها الى بيت ايل[3]
فلا وجه لاستغراب ان نجد نقوش اثارية عبرية لتمجيد اشيرا لان ذلك مذكورا فى الكتاب المقدس ان هناك فترات فى زمن اسرائيل انحرفوا عن طريق الرب بل ووضعوا انية وتماثيل لاشيرا والبعل داخل هيكل يهوه
قصة الاكتشاف
وجدوا نقش يدعى ” حجر خربت الكوم ” فى سنة 1976 50 كيلو جنوب Kadesh Barnea
The Kuntillet Ajrud finds, first published by Meshel and Myers in 1976 and Meshel 1978, are, with respect to Asherah, at least as interesting as the Khirbet el-Qom stone. The site is situated approximately 50 km south of Kadesh Barnea close to the trade-routes going from the bay of Aqabah to Gaza. [4]
النقش الاول يقول
I bless you by the Yahweh of Samaria and by his Asherah. [5]
اباركك بواسطة يهوه السامرة وساريته ” اشيرا الخاصة به “ والنقش الثانى يقول
’mryw says: say to my lord …43 I bless you by the Yahweh of Teman, and by his Asherah, may he bless you and keep you and be with [you], my lord.[6]
’mryw قال قل لربى …. اباركك بيهوه تيمان وساريته ” اشيرا الخاصة به ” فليباركك ويحفظك ويكون معك سيدى
ولكن المقصود فى تلك النصوص غير الكتابية ليس اشيرا بصفته ” الهه ” من الالهه الوثنية لكن يقصد بها التمثال الخشبى الذى كان معروفا لها فى الشرق القديم ووضع فى فترات الفساد العقائدى فى اسرائيل فى معابد يهوه ونقرا مثل هذة الحادثة فى العهد القديم فى سفر الملوك الاول
وعمل اخآب سواري وزاد اخآب في العمل لاغاظة الرب اله اسرائيل اكثر من جميع ملوك اسرائيل الذين كانوا قبل[7]
ونقرا ايضا
ولكنهم لم يحيدوا عن خطايا بيت يربعام الذي جعل اسرائيل يخطئ بل ساروا بها ووقفت السارية ايضا في السامرة[8]
نجد الكتاب المقدس نفسه قبل اكتشاف هذا الحجر يوثق لوجود تمثال اشيرا فى السامرة ووثقها الكتاب المقدس كخطايا لاسرائيل وملوكها الفاسدين فى ذلك الزمان ونقرا تعليقا على ذلك
The headings suggest official correspondence between the Israelite royal court and the garrison of the rest house. It is not without significance that the letter from the king contains a greeting in the name of Yhwh of Samaria, that is the manifestation of Yhwh and his consort as they were worshipped in Samaria (1 Kgs 16:33; 2 Kgs 13:6), whereas correspondence from Sinai mentioned a presumably local manifestation of Yhwh of (the) Teman. If so, text [4] is evidence for the existence of a temple in Samaria, built by Ahab for Yhwh and his Asherah[9]
فهذة النقوش الاثرية تثبت وتدلل على صحة الكتاب المقدس وليس العكس لتثبت فساد بعض ملوك اسرائيل امثال اخاب الذين بنوا معابد ليهوه ولاشيرا فى السامرة وهذا مثبت فى الكتاب من قبل اكتشاف تلك النقوش ولا علاقة لها بالعقائد الفكرية واللاهوتية للكتاب المقدس
خلاصة الموضوع 1- عقيدة ” يهوه الهنا رب واحد ” هى الاساس الايمانى لفكر الكتاب المقدس من التوارة للرؤيا 2- حسب نصوص التوارة يمنع صناعة تمثال او صورة وعبادتها كاله 3- حسب نصوص التوارة والاسفار التاريخية والنبوية هناك تحذير واضح من وضع تمثال اشيرا بجانب مذابح يهوه وهناك مواقف عدة لملوك ابرار اخرجوا هذة التماثيل من معابد يهوه 4- الكتاب المقدس نفسه يوثق وجود ملوك لاسرائيل فاسدين وضعوا تماثيل اشيرا فى معابد ومذابح يهوه فى السامرة 5- النقوش التى اكتشتفت وذكرت يهوه منسوباً لمنطاق جغرافية معينة ” السامرة وتيمان ” توضح الحقيقة التاريخية التى ذكرها الكتاب المقدس بوجود تلك التماثيل الوثنية فى فترات الضعف الروحى والفساد العقائدى لدى اسرائيل وخلاصة الموضوع لا يوجد اى دليل او شبه دليل بداخل طيات الكتاب المقدس الكتاب الالهى الوحيد على ظهر الارض يمجد او يؤله تلك المدعوة اشيرا او يدعوا لتمجيدها او عبادتها بل العكس هو الصحيح هو نبذها ونبذ وضع تمثيلها بجانب مقدسات يهوه القدير هذا هو الموضوع دون اطالة مملة او تلخيص مخل ومن لديه اعتراض يقدمه ونحن له بالمرصاد واقفين
[1]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. Jdg 3:7
[2]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. 1 Ki 18:19
[3]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. 2 Ki 23:4
[4]Binger, Tilde: Asherah Goddesses in Ugarit, Israel and the Old Testament. Sheffield : Sheffield Academic Press, 1997, S. 101
[5]Binger, Tilde: Asherah Goddesses in Ugarit, Israel and the Old Testament. Sheffield : Sheffield Academic Press, 1997, S. 102
43 Or, if one does not read the first ’mr but does read <hšlm’t>: ‘’mryw says: to my Lord, <peace be with you>’.
[6]Binger, Tilde: Asherah Goddesses in Ugarit, Israel and the Old Testament. Sheffield : Sheffield Academic Press, 1997, S. 103
[7]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. 1 Ki 16:33
[8]Arabic Bible (Smith & Van Dyke); Bible. Arabic. Logos Research Systems, Inc., 1865; 2003, S. 2 Ki 13:6
[9]Becking, Bob ; Dijkstra, Meindert ; Korpel, Marjo C.A. ; Vriezen, Karel J.H.: Only One God? : Monotheism in Ancient Israel and the Veneration of the Goddess Asherah. London : Sheffield Academic Press, 2001 (The Biblical Seminar 77), S. 29