هل عمر الحضارة المصرية يزيد عن عمر الإنسان كما حدّده سفر التكوين؟

هل عمر الحضارة المصرية يزيد عن عمر الإنسان كما حدّده سفر التكوين؟

هل عمر الحضارة المصرية يزيد عن عمر الإنسان كما حدّده سفر التكوين؟

ج:

لا يتجاوز عمر الحضارة المصرية القديمة 3900 سنة، وكل ما ينسبه البعض من طول حضارة مصر، فإن هذا من قبيل النظريات والافتراضات التي لا تصمد أمام شهادة الآثار والتاريخ (راجع د. أحمد فخري – مصر الفرعونية ص 17 – 30) وقد سُميت أرض وادي النيل حينذاك ” بأرض بتساح” (جب تاه) نسبة إلى بتاح أول مَنْ استوطن وادي النيل بعد الطوفان، وعندما غزا اليونانيون مصر دعوها باسمها القديم ” جب تاه ” ونطقوه ” إجيبت ” Egypt أو ” إجيبتوس ” Egyptos

وفي سنة 3200 ق.م. وحَّد الملك مينا القطرين وأسَّس الأسرة الفرعونية الأولى قبل الطوفان، وفي سنة 2344 ق.م. جاء الطوفان في عصر الأسرة الفرعونية السادسة، فأنهى حكم الدولة القديمة، وفي سنة 2243 ق.م. جاء مصرايم بن حام بن نوح بعد الطوفان بمائة وواحد سنة عمَّر أرض وادي النيل، وسُميت مصر نسبة إلى مصرايم، كما سُميت قبط نسبة إلى كفتوريم (قبطوريم) حفيد مصرايم، وفي سنة 2000 ق.م. وحَّد الملك منتوحتب الثاني القطرين وأسَّس الأسرة الحادية عشر وتعتبر الأسرة الأولى بعد الطوفان(1).

كما يقول الأستاذ مجدي صادق ” وقد أرجع د. أحمد فخري نشأة حضارة وادي النيل إلى خمسة آلاف سنة قبل الميلاد وقسَّمها إلى حقبتين. الحقبة الأولى هي حقبة ما قبل التاريخ ومدتها 1800 سنة، وأما الحقبة الثانية وهي الحقبة التاريخية ومدتها 3200 سنة قبل الميلاد فإنها تبدأ بتأسيس الأسرة الفرعونية الأولى على يد ” مينا ” مُوحّد القطرين إلاَّ أن الحقبة الأولى مُبالغ فيها وتقوم على مجرد افتراضات نظرية في حين أن الحقبة الثانية تتوافق مع حسابات الكتاب المقدَّس، والواقع أن تطوُّر المجتمع البشري من نظام الأسرة إلى القبيلة إلى القرية إلى المدينة إلى الدولة يمكن أن يتحقق في مدة لا تزيد على 430 سنة وليس 1800 سنة كما يظن بعض المؤرخين”(2).

_____

(1) راجع مجدي صادق – الكتاب المقدَّس مفتاح العلم وأسرار الكون ص 26، 27.

(2) الكتاب المقدَّس مفتاح العلم وأسرار الكون ص 50، 51.

 

هل عمر الحضارة المصرية يزيد عن عمر الإنسان كما حدّده سفر التكوين؟

هل كان هناك خليقتان لهذا الكون؟

هل كان هناك خليقتان لهذا الكون؟

هل كان هناك خليقتان لهذا الكون؟

هل كان هناك خليقتان، أولهما عبَر عنها الكتاب بقوله “في البدء خلق الله السموات والأرض” (تك 1: 1) وهذه تعرضت للفناء والاندثار، وهذا ما أشار إليه الكتاب بقوله “كانت الأرض خربة وخالية” (تك 1: 2) والثانية هي الخليقة الحالية والتي خلقها الله في ستة أيام (راجع وليم كلى – في البدء والأرض الأدمية)؟

ج:

يصعب قبول القول بخلقتين الأولى تعرضت للفناء والاندثار، ثم جاءت الثانية وهي مازالت قائمة للآن، وذلك للأسباب الآتية:

1- لماذا خلق الله الخليقة الأولى في أحقاب زمنية تمتد إلى ملايين السنين، بينما خلق الخليقة الثانية في ستة أيام..؟! هل قدرات الله قد زادت أم أنه طوَر أسلوبه في الخلق؟!

2- لماذا أفنى الله الخليقة الأولى؟ هل لأنه اكتشف نقصها وعدم نفعها، أو لأنها تعدت أوامره، أم لأنه يهوى التغيير؟!! وإن قالوا أن الله خلق الخليقة الأولى وسمح بانقراضها تهيئة للخليقة الثانية، فربما هذا يصح بالنسبة للكائنات الضخمة التي تحوَلت فيما بعد إلى بترول أو فحم، ولكن لماذا أفنى الكائنات الصغيرة والدقيقة؟!

3- قول الكتاب “وكانت الأرض خربة وخالية” تعبير عن أنها كانت جسمًا منصهرًا تحيط به الأبخرة الكثيفة المتصاعدة مما منع وصول الضوء إليها ” وعلى وجه الغمر ظلمة ” فهذه بداية الأرض، بينما لو كانت الأرض معمَرة بالخلقة الأولى ثم آلت إلى الخراب لأوضح الكتاب هذا بقوله ” وصارت الأرض خربة وخالية”، وليس ” وكانت”.

4- كثير من الكائنات التي ظنوها أنها خلقت في الخلقة الأولى مازالت مستمرة ليومنا هذا.

هل كان هناك خليقتان لهذا الكون؟

هل الكون مسطح أم كروي؟ وهل هو نهائي ومحدود أم أنه لا نهائي وغير محدود؟

هل الكون مسطح أم كروي؟ وهل هو نهائي ومحدود أم أنه لا نهائي وغير محدود؟

هل الكون مسطح أم كروي؟ وهل هو نهائي ومحدود أم أنه لا نهائي وغير محدود؟

ج:

كان الاعتقاد السائد من قبل أن الكون مسطح كالبحر والنجوم تسبح فيه، ولكن عندما جاء انيشتاين أثبت بواسطة نظرية النسبية العامة أن الكون ككل كروي وليس مسطحا، حيث قال ” إن كل جسم في الفراغ يخلق حوله مجالا، وأن الفضاء حول هذا الجزء يتحدب وينحني بمقتضى خطوط مجاله، بمعنى أن كل مادة موجودة في الكون تؤدي إلى انحناء في سطح هذا الفضاء، بمعنى أننا لو عرفنا الكثافة الكلية في الكون لعرفنا مقدار الانحناء والشكل العام له”(1) وعن طريق حساب الكثافة الكلية للكون كله، أمكن حساب انحناء الكون التقريبي، فوجد أنه كروي الشكل ولكنه غير ثابت، وأن نصف قطره التقريبي نحو 35 مليون سنة ضوئية.

وقديما في سنة 390 ق.م. اعتقد ” ديموكريتوس ” Democritus أن الكون لا نهائي وغير محدود، بل هو ممتد إلى ما لا نهاية، أما الآن فيقول الأستاذ جلال عبد الفتاح أنه قد تم التأكد من ” أن الكون متناه أو محدود وإن لم نعرف له حدود، وإن الكون له بداية محددة، وله أيضا نهاية محتومة”(2).

كما يعلق أيضا الأستاذ جلال أبو الفتوح على مثل هذه التساؤلات قائلا ” بعض هذه الأفكار تبدو تساؤلات فلسفية إلى حد ما، ولكنها أدت إلى اكتشافات رائعة ننعم بها في حياتنا اليومية، وإلى إدراك دقة الخلق وعظمة الخالق.. هل الكون استاتيكي ثابت، أو أنه ديناميكي متحرك؟ وهل الكون متناه أو محدود أو له حدود معينة، أو أنه لا متناه أو أبدي بغير حدود على الإطلاق؟ وهل الكون له بداية محددة ونهاية محتومة، أم أنه سرمدي ليس له بداية أو نهاية؟ هل الكون يتمدد إلى ما لا نهاية، أم أنه ينكمش، أم أنه حالة وسط من التعادل..؟ لكي تدرك كل ذلك لا بد من فهم طبيعة المادة التي يتشكل منها الكون”(3).

ويحصر الأستاذ رأفت شوقي الآراء المختلفة في نهائية أو لا نهائية الكون، وكرويته، ونهايته فيقول:

” 1- كانوا قديما يقولون أن الكون لا نهائي ولا حدود له، لأنهم كانوا يهابون الإصطدام بالسؤال المألوف: لو أن هذا الكون محدود وله نهاية، فما وراء تلك النهاية؟

2- قال اينشتاين أن الكون ” كروي ” وليس بمسطح واعتمد على نظريته النسبية التي وضعها وقال فيها أن كل جسم في الفراغ يخلق حوله مجالا، وأن الفضاء حول هذا الجزء يتحدب وينحني بمقتضى خطوط مجاله بمعنى أن كل مادة موجودة في الكون تؤدي إلى إنحناء في سطح الفضاء، بمعنى لو عرفنا الكثافة الكلية في الكون لعرفنا مقدار الانحناء والشكل العام له، وأمكن حساب الكثافة الكلية في الكون كله، ومن هذا الرقم التقريبي كله يمكن حساب إنحناء الكون التقريبي وأنه كروي الشكل ولكنه غير ثابت من وقت إلى آخر، ونصف قطره التقريبي = 35 مليون سنة ضوئية.. وأثبت اينشتاين أن الكون نهائي ولكنه غير محدود.. أي لا يصح أن نسأل عن نهايته.

3- يرى فريق آخر أن الكون في عملية متكررة من ميلاد وفناء إلى ما لانهاية، فبعد أن يتمدد ويبرد يعود فينكمش ويسخن وتدب فيه الحياة إلى ما لا نهاية أيضا.

4- وفريق آخر يرى أن الأشعة المتبعثرة في الفضاء لا تتلاشى، بلا تعود وتتفاعل لتنتج ذرات بدائية، ثم أتربة دقيقة، ثم سحب سديمية لتعطي أجرام سماوية من جديد، وهكذا تتكرر الدورة إلى ما لا نهاية”(4).

_____

(1) أورده أسامة يوسف عزمي – ورأى الله ذلك أنه حسن ص 17.

(2) الكون ذلك المجهول ص 26.

(3) الكون ذلك المجهول ص 26.

(4) نظريات العلم والكتاب المقدس ص 12.

هل الكون مسطح أم كروي؟ وهل هو نهائي ومحدود أم أنه لا نهائي وغير محدود؟

البحث الكتابي المعاصر نقاط القوة والضعف

البحث الكتابي المعاصر نقاط القوة والضعف

البحث الكتابي المعاصر نقاط القوة والضعف

تقويم البحث الكتابي تقويماً عادلاً يجب أن يأخذ في الاعتبار نقاط الضعف ونقاط القوة في هذا الحقل. نقاط القوة في هذا الحقل. نقاط القوة في الدراسات الكتابية الحديثة بديهية ومتعددة. تضع اللائحة التالية نصب عينيها إنجازات الدراسات الكتابية من وجهة نظر المقاربة التاريخية – النقدية التي سادت منذ القرن التاسع عشر.

1) إحدى أهم نقاط القوة عند البحث الكتابي هي مثاله في البحث الصادق النقدي عن الحقيقة عبر معايير موضوعية وتاريخية ولغوية. هناك شيء خلاق ومنعش في المقاربة التاريخية – النقدية للنصوص القديمة وطبقات التقليد المتراكم. تنطبق هذه المقاربة، من حيث المبدأ، على كل حقول اللاهوت بشكلٍ متساوٍ، بما فيها الدراسات الكتابية، الآبائيات، التاريخ الكنسي، العقائد والليتورجيا. مع أن الموضوعية المطلقة مستحيلة، فإن النتائج العلمية الإيجابية في هذه الحقول تُثبت أنها في الواقع ممكنة.

فيما يمكن جود عنصر سلبي أو مؤٍذ في الروح النقدية، قد أثبتت هذه الروح أن لها أيضاً تأثيرا تطهيرياً على التقاليد الدينية ينير رؤاها الأكثر عمقاً ويلطف ميولها الصلبة والأصولية. ما ينبغي تأكيده هو أن الدور الإيجابي لملكة الإنسان النقدية في اكتشاف الحقيقة قد رفعه آباء الكنيسة العظماء كالكبادوكيين[1]. الوظيفة النقدية هي وجه أساس من اللاهوت كنظام بصير، وليس فقط مكرر، يسعى إلى التمييز بين الحق والباطل. فيما قام النقد الكتابي بادعاءات جنونية وأخطاء جسيمة، فإن المقاربة النقدية أثبتت أيضاً قدرةً مميزة في النقد الذاتي وتصحيح الذات وهما عنصران داخليان وثابتان في البحث العلمي الصحيح.

2) نجاح النقد الكتابي في الدراسات اللغوية والنصية لا يقبل الجدل. لقد كرس الباحثون انتباهاً غير محدود للغات أسفار الكتاب الأصلية للتحليل المقارن لآلاف الوثائق الكتابية[2]. فأنتجوا نصاً نقدياً من الكتاب بحسب الأصل. هذا ما يخدم كأساس لكل الترجمات المعاصرة المفَتَرضة على يد خبراء كتابيين[3]. ثمار هذا العمل البحثي اللغوي تتضمن أيضاً مجموعة مذهلة من القواعد، المعاجم، الفهارس، وغيرها من الأمور التي تساعد على الدراسة النظامية للكتاب المقدس.

3) لقد أدت الدراسة الكتابية إجمالاً إلى كم هائل من المعرفة حول الكتاب ومحتوياته وأصول اليهودية والمسيحية وتطورها، كما حول الثقافات والأديان المحيطة بهما. يوجد اليوم عدد من المعاجم والموسوعات والتعليقات والكتب والمجلات التي تعالج دراسة الكتاب[4].

4) أوضحت الدراسات الكتابية النقدية عدداً من المؤسسات والمفاهيم والأفكار الكتابية، كالاختيار والعهد والنبوءة وملكوت الله والآخرة. نحن الآن نعرف عن هذه المواضيع أكثر من أي وقت مضي. إلى هذا، فالدراسات الكتابية ألقت ضوءً غير متوقع على أمور رئيسة قسمت المسيحيين تقليدياً، على سبيل المثال: الكتاب المقدس والتقليد، الناموس والإنجيل، الكلمة والسر، والإيمان والأعمال.

بفضل الدراسة التاريخية النقدية، يتمكن المنقبون، بطريقة منفتحة وصادقة، من أن يحققوا مستوى مفاجئاً من الإجماع اليوم[5]. هذا الوجه المسكوني من الدراسة الكتابية سهل الحوار، ليس فقط بين الكنائس، إنما أيضاً مع اليهودية والأديان الأخرى.

5) برفع النقاب عن التعقيدات التاريخية الكامنة وراء الكتاب المقدس، كشفت الدراسة الكتابية، تنوع المؤسسات وتطورها في التقاليد المعلَنَة اليهودية والمسيحية. حقيقة النمو والتنوع التي لا تُنكَر في الكتاب المقدس رفعت معرفتنا بالأوجه التجسدية والبشرية في الكتاب معززَة النظرة الديناميكية للوحي والإعلان. إن نوعاً من التواضع المعرفي تجاه الدعاءات المبنية على الكتاب كان نتيجة جانبية صحية، اعترافاً بإمكانية حسن استعمال الكتاب أو الإساءة في التطبيق.

مثلاً، باستعمال نصوص مختلفة، يمكن الدفاع عن حرية المضطهدين وتحريرهم، تماماً كما يمكن الدفاع عن إخضاع الآخرين والسيطرة عليهم، وحتى عن الحرب المقدسة، استناداً إلى ادعاءات دينية. بالطبع، هذا يصور استعمالاً شريراً للكتاب المقدس. إن الاعتدال العلمي نحو تعقيد تاريخ الكتاب وعمق موضوعه المطلَق، أي سر الإله الحي، يقود كثيرين من العلماء إلى أن يدركوا أن أحداً لا يملك كل الأجوبة، حتى خبراء الكتاب أنفسهم.

أيضاً، يحب أن يُقاس البحث الكتابي المعاصر بنقاط ضعفه الجلية تماماً كنقاط قوته. يمكن الإشارة إلى عدد من مواطن الضعف، مع خطر التعميم، في وسط تنوع البحاثين الذين لا يظهرون جميعاً خطر هذه الضعفات بالطريقة ذاتها أو على الدرجة عينها، حتى إن البعض لا يظهرها أبداً. ومع هذا، عند مراقبة هذا الحقل، تظهر ثلاث دوائر من الضعف تحدد الأوجه السلبية في الدراسات الكتابية الحديثة في التقليد الليبرالي السائد. تتضمن دوائر الضعف هذه عناصر مهمة من لاهوت الكتاب وروحانيته وحقيقته.

 

1) التحليل التاريخي – النقدي

قوة عظيمة في العلم وقد تحول أيضاً إلى دين ثقيل. لقد نحا التحليل النقدي إلى التركيز على التفاصيل التاريخية والأدبية في النصوص وخلفيتها حتى بدون تحليل مناسب وعلى الأغلب بعجز عن تقديم تحليل مناسب للكتاب. فقد البحث الكتابي رؤية الشهادة الخلاصية في الكتاب أي جوهر اللاهوت. يمكن اتهام البحث الكتابي بالتسويق للخلاص ليس بالنعمة بل بأعمال التحليل النقدي مع أن الظاهر هو أنه لم يجد الخلاص قط. لقد تحول فرع لاهوتي، بتناقض ظاهري، إلى فرع تاريخي. وتغير الكتاب من مصدر للغذاء الرعائي إلى متحف معقد، من المعلومات الأدبية والتاريخية والدينية.

الاعتراض على أن الباحثين الكتابيين يجب أن يحللوا في حين يلتقط الآخرون الأجزاء وينهمكوا في لاهوت الكتاب، هو موقف يصعب الدفاع عنه، كما يراه الاختصاصيون الآخرون والإكليروس والطلاب والعلمانيون العاديون. منذ أكثر من عقد، كتب جورج فلوروفسكي بحثه “الفكر الكتابي المفقود”، وفيه، على عكس آباء الكنيسة، يبدو الباحثون المعاصرون وكأنهم يتعاملون مع خرائط أكثر من الأمور الحقيقية الرئيسة في الكتاب المقدس[6].

إنه يحض على التركيز على كامل حقيقة الإنجيل، وعلى المسيح ودساتير الإيمان الكلاسيكية والكنيسة. مهما كانت نقاط القوة في الدراسة الكتابية، فالحقل موسوم بالفوضى عند مقاربة قيمة الكتاب المقدس الدينية واللاهوتية. حيث كان آباء الكنيسة الأقوى، أي ما نسميه لاهوت الكتاب المتمحوِر حول المسيح، يكون البحث العلمي الأضعف. إن الدراسات الكتابية الحديثة بحاجة ملحة إلى تصحيح الانطباع بأنها أصبحت لاهوتياً غير مناسبة ومفلسة، وهي في الظاهر تبدو كأنها تغرف في بحر من الأمواج التاريخية والأدبية التي صنعها هذا الحقل بذاته.

2) موطن الضعف الثاني والشديد الخطورة في الدراسة الكتابية هو ذاك النوع من الاختصاص الذي يعجز عن إنصاف روحانية الكتاب. هناك احترافية صحية تستند إلى إجراءات مؤسساتية ومعايير ذرائعية عبرها يتابع الخبراء عملهم ويحققون قيمة حقلهم. الاحتراف غير الصحي يبدأ عندما يصبح الخبراء كثيري الانغلاق على أنفسهم ومستحوَذين بمهاراتهم ومنهجياتهم وكثيري العمى أو قليلي الاهتمام بالدقة النهائية وبقيمة عملهم بالمقارنة مع فحوى موضوع دراستهم.

الإنجيل هو ثمرة خبرة الله وهو يحملها. إنه مصدر الفرح الواثق والوعد المتأمل في الحياة في وسط ألم هذا العالم وفساده. أين تسمع أغنية الكتاب في أعمال الخبراء؟ ألا يصح توقع أن يؤدي الموسيقيون روائع الألحان كما يحللونها؟ أليس مطلوباً الشيء ذاته من هؤلاء العلماء، إذا أردنا العدل، نحو الأبعاد الروحية في الكتاب؟

اعتبر القديس باسيليوس بعض مفسري عصره الذين تمسكوا بالحرف ولم يتوصلوا إلى الروح أنهم “تقنيون” أكثر منهم لاهوتيين [7]. بالنسبة إليه كما لغيره من الآباء، دراسة الكتاب تصحبها الصلاة والحياة المسيحية في إطار حياة الكنيسة. الملتزمون بهذا الارتباط هم أصحاب دعوة إلى الخدمة وتالياً يبرزون كزعماء للكنيسة. بالواقع، أغلب مفسري الكنيسة العظماء في القديم كانوا من الأساقفة. لقد كان اللاهوت مسألة إيمان شخصي عميق مكرس لتغذية حياة الكنيسة.

على العكس، الدراسات اللاهوتية المعاصرة تجد بيتها في الصفوف ومؤسسات التعليم العالي، حيث التركيز أقل على الصلاة والحياة المسيحية وأكثر على إتمام البرامج الأكاديمية ومنح الدراسات العليا. نحن نبدو، أساتذة وطلاباً معاً، محتَجَزين في احتراف أو اختصاص لا مفر منه رغم تذمر الكثيرين المتكرر. الجوع الشخصي للتعابير عن الإيمان وللروحانية لا يُشبَع حتى في المعاهد. في احتفالات التخرج، نصفق للإنجازات الأكاديمية ونادراً ما يسأل أحد ما إذا كان خريج المدرسة اللاهوتية قد تعلم الصلاة.

مرة أخرى، الاحتجاج بأن الإيمان أو الروحانية الشخصية لا يفترض بهما أن يشعا عبر أعمال الفرد في مؤسسات المجتمع التعددي بخاصة الكليات العلمانية وجامعات الدولة، يمثل حجة ضعيفة عند الاحتراف السيئ. أليس مسموحاً لمنظر سياسي ماركسي أن يدافع عن الماركسية وأن يعلن قناعاته الشخصية، بشكل مباشر أو غير مباشر، في هذه المؤسسات؟

أليس ممكناً للفيلسوف أن ينشد المدائح لرؤية أفلاطون للحياة الجيدة في صفوف الكلية؟ طبعاً، إن دراسة مادة عن اليهودية على يد أستاذ يهودي عالم وملتزم، أو مادة عن الإسلام على يد أستاذ مسلم مطِلع ومخلِص، هو أمر أكثَر تحدياً فكرياً وأكثر تطلباً من الالتزام الشخصي مما لو كانت المادة مع عالم حيادي أو غير متعاطف. أيس من الإيجابي تعريف طلاب جامعاتنا بروحانية الكتاب وغيره من النصوص المقدسة معاً إلى جانب دراستها الأكاديمية؟

إلى هذا، هناك معايير مهنية مؤسساتية قادرة على أن تؤمن الصف من المفسرين غير الجديرين أو المقتنصين أو المتعصبين، في حال أُعطيت ليونة معقولة. إن إطار مؤسسات التعليم العالي الأكاديمي يؤمن منتدى ممتازاً للتبادل الحر للأفكار والقناعات التي تُناقش منطقياً.

في هذه الأجواء الأكاديمية، كل حقيقة جوهرية لكل موضوع لها الحظ في أن تحقق مكاناً في قلوب الناس المفكرين في ممارستهم حقهم في حريتهم الشخصية في مجتمع متعدد. من هذا المنظار، لقد أُفقد الكتاب من قيمته، حتى في المداس اللاهوتية، على يد علماء الكتاب الذين غالباً ما لم يرتفعوا إلى مستوى مهمة الإمساك بكنوز الكتاب الروحية.

في الواقع، يشوب الاحتراف في الدراسات الكتابية نوع من السلبية والسخرية التي تفسر بمكر العمل العلمي والصف، وهذا تيار يكشفه الطلاب بسهولة ويبدو أن الخبراء يهملونه غافلين. هذه السلبية تتخطى التحفظ العرضي الذي قد يظهره أحياناً أحد الاختصاصيين في تشديده على اختصاصه أو على مواقفه أكثر مما يبدو مناسباً.

هذه السلبية تتخطى حتى الحياد المهني، الرطانة، والتخمينات المفرطة والتأملات الفارغة والمقاربة المتمحورة حول المسألة والعبارات الاستفزازية مثل “المسيح الخرافة”، “عدم وحدة العهد الجديد” و”تشريح” هذا أو ذاك من الكتاب المقدس. هذه كلها، بدون شك، تربك الطلاب وتصيبهم بالخيبة وهم قد انضموا إلى الصفوف الكتابية مفكرين بإيجاد بعض الاكتفاء الذاتي والقيمة الحياتية في هذه الصفوف التي يعلمها خبراء، لكن بدون طائل.

علاوة على هذه العوائق المهنية كلها، يكتشف المرء أحياناً بين بعض العلماء عداءً لصلب الموضوع عينه أي الإنجيل ودعواته. ممكن أن نرى هذا في اللذة الفاسدة، سواء المخبأة أو العلنية، في هز إيمان الطلاب الضعيف أو القليل المعرفة[8]. وراء هذه المواقف، تقف شؤون الباحث الشخصية غير المحلولة في الإيمان الديني والأشمال المختلفة من عقدة النقص في وجه المذهب العقلي السائد، وحتى نوع من مقت النفس بسبب حقل لا يحبه العالم ولا يؤمن بأنه مفيد لأي كان.

فالطالب الذي انضوي في هذا الحقل بحماس معتبراً انضواءه تلبية لنداء، قد يفقد في جو علمي من هذا النوع إيمانه الشخصي وتالياً يصبح “ابنا لجهنم مضاعفا” (متى 15:23). هذا بالحقيقة هو اختصاص مؤذٍ ومدمر يسيء بشكل عظيم إلى الإنجيل ولكل الذين يدرسونه أكاديميا.

3) وجه الضعف الثالث في الدراسات الكتابية المعاصرة مرتبط بالوجه الثاني وهو مصدر أكبر المشكلات. هنا نتعاطى مع افتراضات التنوير الفلسفية المسبقة التي كان لها زمام استعبادي على أغلبية ممارسي النقد الكتابي الليبرالي منذ Herman Samuel Reimarus (1694-1768) إلى المشاركين الحاليين في منتدى يسوع (Jesus Seminary).

ما هو في صلب الموضوع ليس أقل من السؤال الجوهري حول حقيقة يسوع والإنجيل والكنيسة والمسيحية ككل. في تنصيب العقل المستقل كحَكَم على الحقيقة ككل، أصبحت نظرة التنوير على العالم كثيرة الانحراف نحو التجريبية (empiricism) والوضعية المنطقية (logical positivism). لا تكتفي هاتان الفلسفتان بمجرد التساؤل حول حقيقة الأحداث الكتابية والعجائب، إنما تعتبر أيضاً بشكل بديهي حقيقة تدخل إله حي في التاريخ وفي حياة البشر مستحيلة.

بهذه الطريقة، وبعشوائية فلسفية، يجعل الفلاسفة الكتاب غير مناسب ليكون مصدراً للحقيقة الخلاصية ويضربون قلب إيمان الجماعات الدينية المستند إلى تقاليد إعلانية كاليهودية والمسيحية.

بالتأكيد، في علم اللاهوت الحديث، غالباً ما يختبئ تراث التنوير بمكر خلف الدعوات إلى العقلانية والموضوعية والتجرد في البحث. كما أنه مدموج بسهولة مع استعمال اللغة التقليدية التي تُفهَم مجازياً وإنسانيا. الكلام على “قصص” أو “روايات” لكتاب هي عبارة مفضلة عند بعض الباحثين الكتابيين. فيما هذه طريقة مناسبة ومفيدة لتفسير الكتاب للقارئ المعاصر، إلا أن العلمية كلها تصبح جوفاء إن لم يكن هناك أساس من الوحي خلف قصص الكتاب ورواياته.

أنها مسألة ذات خطورة إذا كانت القصة الإنجيلية مؤسسة على أحداث من الوحي أو هي مجرد خلاصة للأوضاع الدينية البدائية للشعوب القديمة. بطريقة مماثلة، يتحدث الباحثون عن “التصنيف المنهجي” أي التحليل العلمي للنصوص وتفسير القصص بدون طرح سؤال الصحة. أيضاً، فيما هذه الوسيلة المنهجية قد تؤدي إلى فهم دقيق للنصوص القديمة، يصبح كل المجهود سطحياً بدون الإشارة إلى الحقيقة الخلاصية اللاهوتية أي مسألة اللقاء مع الإله الحي وهي الأكثر أهمية.

مهما يكن الوضع، يجب كشف موقف التنوير العقلاني لما هو عليه في عمقه المظلم: نوع من النزوة الشيطانية اعتباطي وعَرَضي مصمم على محو الإيمان بالله عن الأرض وعلى تدمير حتى أدنى أثر للحقيقة الموحى بها التي تطالب بها البشرية. هذا العنصر الذي يخرب ما يسمى بالفكر المعاصر، هو بالحقيقة الاتكال الإنساني على العقل المستقل كمفتاح للحقيقة المفهومة، كنظام مغلق، قد أضعفت الفلسفة والفيزياء الثقة به.

لقد فشل أيضاً في تحقيق أهدافه الطنانة كما تثبت أزمة الحضارة المعاصرة. كما في انبعاث الروح الدينية المقموعة “ما بعد الحداثة” التي غالباً ما تجد التعبير في أِكال شاذة. مع هذا، ما تزال افتراضات التنوير تشود على فكر الكثيرين من المفكرين في الأكاديميات مستمرة في نشر التشوش والظلمة في الصفوف والحضارة المعاصرة. للأسف، الشيء ذاته يصح في الدراسة الكتابية الليبرالية التي رغم مساهماتها الإيجابية سببت أزمة عميقة في البروتستانتية من طريق تقليلها من دور الإيمان وسلطة الكتاب.

يجب عدم تأويل تعليقات السابقة على أنها دعوة للاستغناء عن الدراسة النقدية المعاصر لأنها عديمة الفائدة وذات خطورة. الدراسة الكتابية موسومة بنقاط قوة لا تُنكَر كما بنقاط ضعف فاضحة. نقاط قوتها مؤسسة على الملاحظات المحققة موضوعياً والمعايير التي تشحذ بصيرتنا وتُغني معرفتنا بالعالم الكتابي. نقاط ضعفها هي مبالغات ممكن تصحيحها أو اتجاهات خاطئة ممكن التراجع عنها أو تصويبها.

كما هي الحال في كل الحقول، ليس هناك من مسألة التخلي عن الدراسات النقدية لصالح قراءة الكتاب غير النقدية لا بالنسبة إلى القارئ غير الملم ولا بالنسبة إلى الكنيسة. التحدي الحقيقي هو تحدي الدراسة الإيجابية السليمة التي بدون أن تعيق الاختلافات الصادقة تسعى إلى توازن مناسب بين مهمات التحليل النقدي والشهادة اللاهوتية لنصوص الكتاب من جهة، والادعاءات الأصلية للجماعات الدينية التي تشكل النصوص بالنسبة إليها الكتاب المقدس من جهة أخرى. هذا التوازن ممكن تحقيقه بأخذ مسألة التأويل في الاعتبار بشكل وافٍ.

 

[1] The speculative, critical, and world-surveying faculty of the soul is its peculiar property by virtue of its very nature, and thereby the soul preserves within itself the image of divine grace.” So states Gregory of Nyssa reporting a dialogue with his sister Macrina and cited by J. Pelikan, Christianity and Classical Culture, p. 128. Pelikan, ibid., pp. 215-230, provides an excellent account of the relationship between faith and reason according to the Cappadocian fathers.

[2] For a fascinating account of the comparative study of New Testament manuscripts, see Bruce M. Merzeger, The Text of the New Testament (New York: Oxford University Press, 1992).

[3] In the case of the New Testament, the scientific critical text, which has had a long history, is currently edited by Kurt Aland and others. The Greek New Testament (United Bible Societies, 1993, 4th revised edition) and the same text is also published under the title Novum Testamentum Graece (Stuttgart, 1993, Nestic Aland 27th edition). This text is based primarily on two fourth-century manuscripts, Vaticanus and Sinaiticus. A number of conservative Protestant scholars support an alternative critical text based on the majority of extant, later manuscripts of the new Testament, which derive from the Byzantine tradition.

See Maurice A. Robinson and William G. Pierpont. The New Testament in the Original  Greek According to the Byzantine/Majority Text/arm (Atlanta: The Original Word Publishers, 1991) and Zane C. Hodges and Arthur. Farstad, The Greek New Testament According to the Majority Text (Nashville: Thomas Nelson, 1982). A critical text based on a limited number of Byzantine manuscripts had been previously prepared by the Orthodox biblical scholar Vasilios Amoniadis and published by the Ecumenical Patriarchate of Constantinople in 1912.

[4] Two recent monumental achievements of biblical scholarship are The Anchor Bible Dictionary in six volumes and The New Interpreter’s Bible, which will appear complete in more than a dozen volumes.

[5] For bibliography on several topics of ecumenical discussion, see Chapter Three, note 12.

[6] G. Florovsky, “The Lost Scriptural Mind,” in his Bible, Church, Tradition: As Eastern Orthodox View, pp. 9-16, originally published under the title “As the Truth Is in Jesus” in The Christian Century, December 19, 1951. See:

الأب جورج فلوروفسكي، الفكر الكتابي المفقود، الفصل الأول من “الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد، وجهة نظر أرثوذكسية نقله إلى العربية الأب ميشال نجم، (بيروت: منشورات النور، 1984)، ص. 9-18.

[7] St. Basil, Letter 90, Loeb Classical Library: St. Basil, Letters, Vol. 2, crans. R. J. Deferrari (Cambridge: Harvard University Press, 1962), p. 124. So also St. Gregory of Nyssa in his SecondBook Against Eunomius.

[8] For example, C. Jack Einchhorst, a Lutheran pastor, bitterly laments “all the efforts in Lutheran colleges and seminaries to knock the stuffings of pietistic or fundamentalistic views of the Scripture out of students… [a] critical overkill that has produced… skepticism, cynicism and rank unbelief about the Bible… I now find myself to be part pf a church where ultimately the Bible is trashed more than trusted, pious rhetoric notwithstanding, and belittled more than believed,” in “There Is a Deep Spiritual Sickness”, LF28 (3, 1994), pp. 25-26.

البحث الكتابي المعاصر نقاط القوة والضعف

Exit mobile version