كتاب الحياة اليهودية في عصر المسيح PDF – الراهب أولوجيوس البرموسي

كتاب الحياة اليهودية في عصر المسيح PDF – الراهب أولوجيوس البرموسي

كتاب الحياة اليهودية في عصر المسيح PDF – الراهب أولوجيوس البرموسي

كتاب الحياة اليهودية في عصر المسيح PDF – الراهب أولوجيوس البرموسي

مراجعة الانبا إيسيذورس

 

 

محتويات الكتاب: 

الفصل الاول: جغرافية فلسطين 

  • المناخ والامطار 
  • تعداد فلسطين
  • اقسام فلسطين 
    • اليهودية 
    • الجليل
    • السامرة 
    • العشر مدن 
    • بيرية 
    • التقويم العبري 

الفصل الثاني: الحياة السياسية 

  • الولاة الرومان 
  • المجالس والمحاكم اليهودية 
  • انواع الاعدام

الفصل الثالث: الطوائف اليهودية وقادة الفكر 

  • الفريسيون 
  • الصدوقيون 
  • السينيون 
  • الكتبة 
  • العشارون 
  • الغيورون 
  • السامريون 
  • الهيروديون 

طبقات المجتمع:

  • طبقة العبيد 
  • الجواسيس 
  • المتسولون 
  • المنبوذون 
  • الممسوسون 
  • السحرة 
  • اللصوص

الفصل الرابع: الحياة الاجتماعية 

  • ولادة طفل 
  • اعطاء المولود اسما 
  • الختان 
  • فطام الطفل
  • الافراح: 
  • الخطبة 
  • حفلات الزواج 
  • شهر العسل 
  • وثيقة الزواج 
  • الطلاق
  • عادات دفن الموتى 
    • شعائر الدفن 
    • المقابر 
    • زيارة القبور 

الفصل الخامس: الحياة الدينية 

  • الهيكل 
  • المجمع 
  • الصلاة اليومية 
  • الصوم 
  • الموسيقى 
  • مصادر التقليد اليهودي 
    • التوراة المدونة 
    • التوراة الشفهية 
    • رئيس الكهنة 
    • الكاهن 
  • الاعياد 
    • السبت اليهودي 
    • عيد الفصح
    • عيد الاسابيع
    • عياد المظال
    • عيد التجديد
    • يوم الكفارة
  • رؤوس الشهور والاهلة 
    • سنة العطلة 
    • سنة اليوبيل 
    • عيد الابواق 

طقوس الذبح عند اليهود 

الفصل السادس: البيوت اليهودية 

  • التميمة 
  • اثاث وادوات المنزل اليهودي 
  • الاسواق والتجارة 
  • الطعام 
  • المرأة في المجتمع اليهودي 
  • الزي اليهودي 
  • التعليم 
  • الارواح عند اليهود 
  • خدمة الجيش 

الفصل السابع: البيئة اليهودية 

  • البيئة اليهودية 
  • الحيوانات 
  • الزواحف 
  • الطيور 
  • الحشرات 
  • النباتات 
  • التوابل 
  • الفواكة 
  • العطور
  • الامراض 

الحرف والصناعات 

  • الرعي 
  • الطب 
  • الصيد
  • الفخاري 
  • الصيارفة 
  • جابي الضرائب

ملاحق: 

  • العملات 
  • المقاييس 
  • الممكايل 
  • المصطلحات اليهودية 
  • بعض من اقوال الرابين والامثال اليهودية 
  • بعض القصص والاساطير الواردة في التلمود
  • العداوة بين اليهود و السامريين
  • ملحق الصور 

تحميل الكتاب PDF

كتاب الهيكل – الفريد ايدرزهايم PDF (طقوس الأعياد والاحتفالات كما كانت تتم في أيام السيد المسيح)

كتاب الهيكل – الفريد ايدرزهايم PDF (طقوس الأعياد والاحتفالات كما كانت تتم في أيام السيد المسيح)

كتاب الهيكل – الفريد ايدرزهايم PDF (طقوس الأعياد والاحتفالات كما كانت تتم في أيام السيد المسيح)

كتاب الهيكل – الفريد ايدرزهايم PDF (طقوس الأعياد والاحتفالات كما كانت تتم في أيام السيد المسيح)

تحميل الكتاب PDF

هل كان هناك خليقتان لهذا الكون؟

هل كان هناك خليقتان لهذا الكون؟

هل كان هناك خليقتان لهذا الكون؟

هل كان هناك خليقتان، أولهما عبَر عنها الكتاب بقوله “في البدء خلق الله السموات والأرض” (تك 1: 1) وهذه تعرضت للفناء والاندثار، وهذا ما أشار إليه الكتاب بقوله “كانت الأرض خربة وخالية” (تك 1: 2) والثانية هي الخليقة الحالية والتي خلقها الله في ستة أيام (راجع وليم كلى – في البدء والأرض الأدمية)؟

ج:

يصعب قبول القول بخلقتين الأولى تعرضت للفناء والاندثار، ثم جاءت الثانية وهي مازالت قائمة للآن، وذلك للأسباب الآتية:

1- لماذا خلق الله الخليقة الأولى في أحقاب زمنية تمتد إلى ملايين السنين، بينما خلق الخليقة الثانية في ستة أيام..؟! هل قدرات الله قد زادت أم أنه طوَر أسلوبه في الخلق؟!

2- لماذا أفنى الله الخليقة الأولى؟ هل لأنه اكتشف نقصها وعدم نفعها، أو لأنها تعدت أوامره، أم لأنه يهوى التغيير؟!! وإن قالوا أن الله خلق الخليقة الأولى وسمح بانقراضها تهيئة للخليقة الثانية، فربما هذا يصح بالنسبة للكائنات الضخمة التي تحوَلت فيما بعد إلى بترول أو فحم، ولكن لماذا أفنى الكائنات الصغيرة والدقيقة؟!

3- قول الكتاب “وكانت الأرض خربة وخالية” تعبير عن أنها كانت جسمًا منصهرًا تحيط به الأبخرة الكثيفة المتصاعدة مما منع وصول الضوء إليها ” وعلى وجه الغمر ظلمة ” فهذه بداية الأرض، بينما لو كانت الأرض معمَرة بالخلقة الأولى ثم آلت إلى الخراب لأوضح الكتاب هذا بقوله ” وصارت الأرض خربة وخالية”، وليس ” وكانت”.

4- كثير من الكائنات التي ظنوها أنها خلقت في الخلقة الأولى مازالت مستمرة ليومنا هذا.

هل كان هناك خليقتان لهذا الكون؟

كيف ربط المذهب التطوري بين المسيحية واليهودية والوثنية؟

كيف ربط المذهب التطوري بين المسيحية واليهودية والوثنية؟

كيف ربط المذهب التطوري بين المسيحية واليهودية والوثنية؟

 

43- كيف ربط المذهب التطوري بين المسيحية واليهودية والوثنية؟

4- المذهب التطوري:

ج: نادى بهذا المذهب رجال التاريخ الطبيعي الذين لاحظوا التطور من خلال الاكتشافات الأثرية للقبائل البدائية، فمثلا قال “تايلور” Taylor سنة 1871م بأن العالم القديم كان يؤمن بوجود الأرواح في كل الأجسام المادية وهو ما عرف بـ”الروحية ” أو “الأروحية ” Animistic Theory فكل شيء في الوجود له روح، وظن البعض أن بعض هذه الأشياء لها تأثيرها الذي يفوق الطبيعة على الإنسان، أو لها صفاتها الشيطانية، ولذلك يجب على الإنسان أن يبتعد عنها ويتحاشاها، وضربوا أمثلة على هذا من العهد القديم حسب تصورهم الخاطئ، فقالوا إن الكتاب المقدَّس منع لمس جثة الميت واعتبرها شيئًا نجسًا، لأن روح الميت تحوم حول الجثة في صورة مزعجة، وتسعى للدخول في جسم إنسان آخر، ولذلك يصوم أهل الميت وينقطعوا عن الطعام، وأول طعام يأكلونه يأتون به من بيت آخر غير بيت الميت لئلا تكون روح الميت قد التصقت به فيتسلل إلى أحد الأشخاص.

كما كان أهل الميت يشقون ثيابهم لأن الروح تبغض الأشياء الممزقة، كما يحلقون شعر رؤوسهم. وإن كان هناك طعام في المنزل يغطونه لئلا تتسلل الروح إليه، ولو كان الطعام مكشوفا فإنه يتنجس ولا يأكل منه إنسان. وذكروا أمثلة أخرى تناسب فهمهم الخاطئ مثل تحريم أكل الطيور والحيوانات غير الطاهرة، وهم لا يدركون إن الله عندما أراد أن يعلم الشعب الصح من الخطأ علمهم ذلك عن طريق الطعام. وظن آخرون أن الخطر يكمن في روح الأشياء، فإن الروح تتغلغل إلى الإنسان ولها خطورتها التي تماثل خطورة الشيطان ذاته(1).

ثم قال “سبنسر ” Spencer سنة 1903م أن العالم القديم تطور فبدأ يعرف أن الأرواح توجد في الأجسام الحية فقط، بدليل أنه تتعرض للموت والتحلل عند مفارقة الروح لها، وقد عبدت القبائل القديمة أرواح الأجداد فكان هذا بمثابة الأساس والمباشر لظهور الأديان في القديم، وهكذا…

وقد آمن معظم علماء القرن التاسع عشر بنظرية التطور مثل “فلهاوزن ” Wellhausen، “رينان ” Renan وربطوا بين تطور الأديان الوثنية إلى اليهودية ثم المسيحية، فقال بعضهم أن الدين اليهودي قد تطور من بعض أساطير وطقوس البدو والعرب الرحل، فبعضهم كان يعبد “يهوه ” كبير آلهتهم، أو قد يكون موسى أخذ تعاليمه من القبائل الكنعانية التي استقرت من قبل في أرض فلسطين، وبعد هذا تطورت هذه التعاليم الموسوية بعد سبي بابل بفضل عزرا الكاتب.

وقال البعض الآخر أن الدين اليهودي أخذ من “المدرسة البابلية ” ما بين النهرين، وتطورت هذه العقائد الدينية القديمة على يد إبراهيم.

لقد أخطأ أصحاب هذا المذهب التطوري عندما ظنوا أن الأديان قد تطورت من عبادة أرواح الأجداد، ولكن الذي حدث أنه عندما تفرق أبناء نوح الثلاثة بعد الطوفان كانوا يعرفون جيدا قصة الخليقة والسقوط والطوفان… إلخ. فأخذت هذه الأمور تتوارث من السلف للخلف مع إدخال شيء من الخيال والأساطير عليها، ولذلك نرى الحقائق التي ذكرها الكتاب المقدَّس لها الشبيه في الديانات الوثنية، وليس معنى هذا أن الكتاب المقدَّس في عهده القديم قد أخذ من هذه الديانات القديمة مثل ديانة قدماء المصريين وأهل بابل وغيرهما، بل إن سبب التشابه هو وجود أصل واحد للقصة، ذكرت كما هي في العهد القديم وذكرت مع شيء من التحريف والزيادة والنقصان في كتب أو تقاليد الشعوب الأخرى، فلا تعتبر اليهودية تطور للوثنية، وأيضًا لا تعتبر المسيحية تطور لليهودية إنما هي تكميل لليهودية، والمسيحية مرتبطة باليهودية ارتباط البيت بالأساس أو الشجرة بالجذور، وتكاد المسيحية أن تكون قد قضت على الأفكار الوثنية القديمة من عبادة الأجداد وعبادة الأحجار وغيرها…

_____

(1) راجع جرهاردوس فوس -ترجمة د. عزت ذكى- علم اللاهوت الكتابي 277- 285.

 

كيف ربط المذهب التطوري بين المسيحية واليهودية والوثنية؟

بالفيديو رئيس جامعة القاهرة : المسيحية واليهودية حضت على الإرهاب وأمرت بالقتل

بالفيديو رئيس جامعة القاهرة : المسيحية واليهودية حضت على الإرهاب وأمرت بالقتل

بالفيديو رئيس جامعة القاهرة : المسيحية واليهودية حضت على الإرهاب وأمرت بالقتل

بالفيديو رئيس جامعة القاهرة : المسيحية واليهودية حضت على الإرهاب وأمرت بالقتل

تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي فيديو للدكتور محمد عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة المعين بقرار جمهوري، يقول فيه أن المسيحية واليهودية أديان حضت على الإرهاب، وهذا الكلام موجود في سفر التثنية وسفر يشوع.

مشددًا، “لقيت أنهم في حالة الحرب والسلم مأمورين بقتل الأطفال والنساء والشيوخ وقتل الحيوانات والزرع والحرث”.

وأستطرد، أن احترام الحياة في الإسلام لا نظير له في كل الأديان الأخرى”.

وتابع، “أمال هما مبيتهموش المسيحية واليهودية بالإرهاب ليه، دة الإسلام كله من أوله لأخره مفيهوش كلام زي دة، يقولك اقتلوا النساء والشيوخ والأطفال، بقى الإسلام هو اللي فيه الإرهاب؟ دة دينهم بيقول بالنص اقتلوا، لكن في الإسلام بقى لا تجد آية أو حديث يقولك اقتل”.

المخلص الموعود به من الله : عالم يسوع – جون ديرين

المخلص الموعود به من الله : عالم يسوع – جون ديرين

المخلص الموعود به من الله : عالم يسوع – جون ديرين

المخلص الموعود به من الله : عالم يسوع

 

كيف كانت تبدو ملامح يسوع؟ لا بد وأن هذا السؤال خطر على بال كل واحد منا. ومن المحتمل أنه كانت في ذهن الغالبية منا صورة للشبه الذي كان عليه يسوع. وإذا كان لقاؤنا الوحيد بالمسيحية يأتي عن طريق زيادة لإحدى الكاتدرائيات العظيمة، أو حتى لكنيسة على زاوية الشارع، فلسوف نتخيله كشخص تحيطه هالة من القداسة في زجاج ملون لإحدى النوافذ. أو قد يبدو لنا كنوع من الأوهام التي تعيش في عالم الخيال. وهذا أمر له أهميته بالنسبة لمعتقدات المسيحيين، ولكنه لا يمثل شيئاً بالنسبة لاهتمامات الحياة اليومية.

ولكننا – من ناحية أخرى – إذا ما فتحنا العهد الجديد بدافع من الفضول وقرأنا فيه أن يسوع كان نجاراً، فلسوف يتكون لدينا انطباع مختلف تماماً عن يسوع. ذلك أنه طبقاً لما جاء في الأناجيل فقد قضى يسوع معظم حياته كعامل عادي. وربما أكثر من مجرد عامل يشتغل بالخشب[1]. ذلك أن القصص التي كتبت عنه رواها أناس يتكلمون اليونانية، والكلمة التي استخدموها لوصف مهنته يمكن أن يفهم منها بسهولة أنه كان عام بناء، يستخدم الحجارة أيضاً في عمله.

وثمة صورة تختلف اختلافاً طفيفاً تبرز لنا إذا ما أعدنا التأمل في القصص التي تضمنها العهد الجديد عن حياة يسوع، ذلك أننا على سبيل المثال سنكتشف أنه كان يكره العنف بجميع صوره وأشكاله، بل أنه قال لأتباعه: “لا تقاوموا الشر. بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً”[2]. ومع ذلك، كان يسوع رجلاً ذا شجاعة فائقة، ولقد تحمل في جَلَد أبشع نوعيات التعذيب والإعدام التي وصل إليها تفكير الإنسان.

والحقيقة أنه إذا ما كنا نفكر في المظهر الذي كان يبدو عليه يسوع من الناحية البدنية، فإننا لا نعرف شيئاً عنه على الإطلاق من هذه الناحية. أما إذا كنا نفكر في سماته الشخصية، فإن هذا يعتمد إلى حد كبير جداً على الجزء الذي نتناوله من حياة يسوع، وكذلك على نوعية شخصيته. غير أنه هناك أمراً واحداً بمقدورنا أن نكون على يقين منه. وهو أن خلفيته وأسلوب حياته لا يمكن أن يختلفا إلى حد كبير عن خلفية وأسلوب حياة أي شخص آخر كان موجوداً في ذلك الحين في هذا الجزء من العالم الذي نطلق عليه الآن “الشرق الأوسط”. وعلى هذا، وقبل أن ننتقل إلى أية نقطة أخرى في موضوعنا، ترانا في حاجة إلى أن نسأل بعض الأسئلة القليلة عن نوعية العالم الذي عاش فيه يسوع بالجسد. وحيث أن بعض بلدان الشرق الأوسط كانت لها – على أيام يسوع – أسماء تختلف عن تلك التي نعرفها بها اليوم، فإنه يجب علينا أن ننظر أولاً إلى خريطة ثم نقارنها بخريطة أخرى حديثة.

لقد تغيرت الأسماء، إلا أن غالبيتنا يشعر بألفة مع العالم في أيام يسوع. فالعنف والاضطهاد، والتفرقة العنصرية، والاستبداد والاستغلال والديكتاتورية، والظلم الاجتماعي، كل هذه المشاكل كانت مألوفة لشعوب الإمبراطورية الرومانية منذ ألفي عام مضت تماماً على النحو الذي نعرفها به في أيامنا هذه، فيما عدا أن الغالبية منا لا يعرفون عن هذه الأمور سوى أنها مثل ومفاهيم نتحدث عنها إلا أننا لم نختبرها بأنفسنا. أما في فلسطين، وفي أيام يسوع، فكانت تمثل الحقائق الرئيسية للحياة اليومية.

هيرودس الكبير:

حين ولد يسوع، كان هيرودس الكبير حاكماً لفلسطين، وهي دولة تقع على الحدود الشرقية للإمبراطورية الرومانية، وكانت – على الرغم من صغرها – تتمتع بأهمية استراتيجية. وقد عينه الرومانيون ملكاً على اليهودية سنة 37 ق.م. وقصة وصوله إلى السلطة، بل والواقع قصة بقية حكمه، هي قصة تقليدية للخيانة والقسوة. فهو كملك، جمع بين خليط غريب من الذكاء الدبلوماسي، مع غباء لا يكاد يصدق. ثم أن القصة التي تتحدث عن كيفية اغتياله لأطفال بيت لحم بعد ميلاد يسوع[3]– على الرغم من أننا لا نجدها في أية مصادر أخرى – إلا أننا نراها تنسجم تماماً مع شخصيته وخلقه وسلوكه. فكل من كان يعارض سياسته ما كان له أن يتوقع سوى أن يلقى ميتة رهيبة. ومثل كثيرين من الطغاة الذين هم على شاكلته، لم يكن يتردد إطلاقاً عن قتل حتى أقرب أفراد عائلته. فإحدى زوجاته وهي “مريمنة” تم إعدامها بناء على أوامره، كما أنه اشترك في قتل اثنين من أبنائه هما: إسكندر وارستبولس. وقبل موته بخمسة أيام فقط، في عام 4 ق.م.، أمر بقتل واحد آخر من أولاده، وهو أنتيباتر، والذي كان من المتوقع أن يخلفه.

ومع ذلك فإن هيردوس الكبير، لم يدع “الكبير” اعتباطاً. فعلى النقيض من الحكام السابقين تمكن هيرودس من حفظ السلام والنظام في مقاطعته. كما كان مسؤولاً أيضاً عن برنامج ضخم للبناء والتشييد. فهيروس الكبير هو الذي بدأ بناء الهيكل في أورشليم، والذي من يكن قد تم الانتهاء من بنائه أيام حياة يسوع. كما أنه شيد الكثير من المباني الفخمة الأخرى في أورشليم وقيصرية، وفي مدن رومانية أخرى خارج مقاطعته.

ثلاثة باسم هيرودس:

حين مات هيرودس الكبير سنة 4 ق.م. قسم الرومانيون مملكته بين أولاده الثلاثة المتبقين، وكان هناك استثناء واحد، وهو أنه لم يكن أي منهم أفضل من أبيه.

ç اليهودية: وهي ذلك الجزء من فلسطين الذي كان يتضمن أورشليم. قد أعطى لابنه أرخيلاوس. ولم يسمح له بأن يطلق على نفسه لقب “ملك” اليهودية، وهو اللقب الذي كان يطلق على أبيه، ولذلك أطلق عليه لقب “حاكم”. ولم يستمر في الحكم سوى عشر سنوات فقط، ثم خلعه الرومان من وظيفته. وفي سنة 6م، أصبحت اليهودية مقاطعة من الدرجة الثالثة تابعة للإمبراطورية الرومانية، يحكمها موظف من طبقة الفرسان، كان هو نفسه تحت إمرة حاكم سورية الرومانية. وحكام اليهودية الرومانيون هؤلاء أطلق عليهم فيما بعد لقب “ولاة”. وأكثره معرفة لدينا هو بيلاطس البنطي، الذي حكم اليهودية من سنة 26 إلى سنة 36م.

ç الجزء الشمالي من فلسطين أعطي لأنتيباس، وهو من أبناء هيرودس. وكان يعرف بلقب “حاكم” (أو رئيس ربع) على الجليل وبيرية. وكانت منطقته تتضمن قرية الناصرة التي تربى فيها يسوع. وكان أنتيباس يشبه أباه تماماً. وكان بارعاً يهوى عيشة الترف. وبغيته أن يخلد لنفسه اسماً فاهتم بتشييد المباني العامة. ومن بين مشروعاته إعادة بناء سيفوريس، وهي مدينة لا تبعد عن الناصر سوى أربعة أميال فقط. كما أنه بنى مدينة طبرية على بحر الجليل[4]، وقد أطلق عليها هذا الاسم تكريماً للإمبراطور الروماني طيباريوس. وهيرودس أنتيباس هو الذي أمر بقطع رأس يوحنا المعمدان[5]، كما اشترك في محاكمات يسوع.

ç وأخ ثالث، وهو فيلبس، أخذ بعض الأراضي الواقعة شمال شرقي فلسطين إثر موت والده. وقد أسس مدينة قيصرية فيلبس عن سفح جبل حرمون. ودون جميع أبناء هيرودس الكبير، كان فيلبس هو الوحيد الذي أثبت أنه حاكم متزن ويعرف الرحمة. وقد ظل في وظيفته “رئيس ربع” على أيطورية وتراخونيتس حتى عام 34م.

وبعد أن استبدل أرخيلاوس بحاكم روماني، قامت ثورات كثيرة ضد الرومان في اليهودية: فقد زاد إحباط اليهود لعدم تمكنهم من القيام بإدارة شئونهم. أما الرومان فقد أصبحوا أقل اهتماماً من ناحية محاولة فهم المشاكل الخاصة بالشعب اليهودي. ونتيجة لأعمال القمع والفساد من جانب كثيرين من الحكام الرومانيين، وزيادة تيار القومية اليهودية فقد انتهى الأمر بقيام انتفاضة عامة سنة 66م. قد تم إخماد هذه الانتفاضة في النهاية حين تم تدمير أورشليم إلى حد كبير على يد القائد الروماني تيطس سنة 70م.

اليهود والرومان

كان من الطبيعي أن يستاء يهود فلسطين من سيطرة الرومان عليهم. فمن سبق أن ذاق الحرية يجد أنه من الصعب أن يتقبل وضعاً تسوده الدكتاتورية المستبدة. إلا أن الأمر بالنسبة للشعب اليهودي يتضمن أكثر من ذلك بكثير. فقناعة هذا الشعب كانت تقوم على أساس دينهم، الذي كانت له سمة خاصة. ذلك أن الديانة اليهودية، على النقيض من كثير من الديانات الأخرى، لم تكن تقتصر فحسب على الاهتمام بالفرد كعابد لله وعلاقته به، بل إن اليهودية كانت ديانة أمة. فكون الشخص يهودياً كان أمراً له أهميته السياسية والدينية أيضاً.

وفيما كان اليهود يقرأون كتاباتهم المقدسة (التي يسميها المسيحيون العهد القديم) كانوا يؤمنون بأنهم اختيروا على وجه الخصوص من الله. ولسوف يأتي يوم يحكمون فيه العالم تحت قيادة المخلص الموعود به من الله، والذي يطلقون عليه اسم “المسيا”. وجاء وقت توقعوا فيه أن ذلك سيتحقق في المجرى الطبيعي للتاريخ.

ذلك أنهم على عهد الملك داود والملك سليمان، وكان ذلك قبل ميلاد يسوع بألف سنة تقريباً، كانوا قد أصبحوا من بين القوى العظمى في العالم. بل وفي عهود أحدث من ذلك بكثير كانوا يشكلون قوة يعمل لها ألف حساب. إلا أنه كان من الواضح لمعظم اليهود الذين كانوا يعيشون في فلسطين أيام يسوع أن أمراً خارقاً للطبيعة لا بد أن يحدث إذا كان لهم أن يتحرروا يوماً من قبضة الرومان الحديدية.

وفي الوقت ذاته لم يكن جميع اليهود يريدون التحرر من حكم الرومان ذلك أنه كانت هناك بعض قطاعات المجتمع في فلسطين ممن كانوا يرون أنه من الأفضل لهم أن يكونوا على علاقة صداقة مع الرومان، بل إنه حتى بين أولئك الذين كانوا يرون أن الحرية أمر مرغوب فيه، كان هناك كثيرون منهم ممن لم يبذلوا أي شيء في سبيل الحصول على هذه الحرية.

ومن المهم أيضاً أن نتذكر أنه ليس جميع اليهود كانوا يعيشون في فلسطين نفسها. والواقع أن اليهود الذين كانوا يعيشون في المدن الكبرى في الإمبراطورية الرومانية كان عددهم يفوق كثيراً عدد من كانوا يعيشون في الوطن. فاليهود الذين كانوا يعيشون في فلسطين لم يكن عددهم يتجاوز خمس عدد اليهود على مستوى الإمبراطورية كلها، بل إن عدد اليهود في أورشليم نفسها ربما كان أقل من عدد اليهود الذين يعيشون في مدينة الإسكندرية في مصر.

ولا بد أن معظم الشعب اليهودي كان قد اعتاد تماماً جميع النواحي المتعلقة بحياة الرومانيين ومجتمعهم. من المؤكد أن معظم من كان منهم يعيش خارج فلسطين في الشتات (السبي)، نسقوا أسلوب حياتهم ليتناغم مع الظروف التي كانوا يعيشون فيها. ومن المؤكد أنهم كانوا دائماً يدركون حقيقة أنهم يهود، ومن ثم حاولوا المحافظة على تلك السمات الخاصة بثقافتهم القومية التي تميزهم بكل وضوح عن جيرانهم من غير اليهود. فالختان، وحفظ السبت، وشرائع العهد القديم المتعلقة بالطعام، هذه وأشياء كثيرة أخرى، كانت تكشف للعالم الروماني أن اليهود مختلفون عن غيرهم من الشعوب. ولكن على الرغم من هذا الاختلاف فهناك كثيرون منهم لم يكونوا يريدون حقاً أن يستبدلوا الحياة المريحة التي كانوا ينعمون بها كطبقة محترمة في مدينة رومانية، بحياة في فلسطين نفسها أقل رخاءً حتى لو كانت أكثر إثارة.

وعلى هذا، فإننا حين نتحدث عن يهود فلسطين فإننا في واقع الحال نتحدث عن نسبة صغيرة من الشعب اليهودي ككل. ومع ذلك فإن حتى بين هذه النسبة الصغيرة نجد مواقف كثيرة متباينة فيما يتعلق بالأمور التي لها تأثير على ديانتهم وعلاقتهم بالرومان الذين كانوا يحتلون بلادهم.

فلسطين وشعبها:

يخبرنا المؤرخ اليهودي يوسيفوس، الذي عاش في أواخر القرن الأول الميلادي، والذي كان صديقاً للرومان، بأنه كانت هناك ثلاثة آراء رئيسية شائعة بين اليهود في فلسطين: “الفلسفة اليهودية” تأخذ ثلاثة مدراس. أما أتباع المدرسة الأولى فهم “الفريسيون”، والثانية “الصدوقيون”، أما الثالثة، والتي اشتهرت بأنها أكثرهم انضباطاً فهي جماعة الأسينين. كما أنه يذكر مجموعة رابعة هي “الغيورون”. ولكن، بالنظر إلى أنه لا يذكر هؤلاء دائماً بين الجماعات الفلسفية، فلا بد وأنهم شكلوا رابطة أقل تماسكاً. ومن الواضح أنه لم يكن جميع اليهود أعضاء في جماعة أو أخرى من هذه الجماعات، تماماً مثلما أنه ليس كل واحد في مجتمعنا عضواً في حزب سياسي. وربما كان لكل جماعة من هذه الجماعات الأربع عضوية صغيرة تماماً، على الرغم من أن رجل الشارع العادي كان يتطلع إلى أن تتولى إحداها القيادة. ونحن نقرأ عن ثلاث من هذه الجماعات في القصص التي تتناول حياة المسيح، وهم الصدوقيون والفريسيون والغيورون.

 الصدوقيون: كثيراً ما يأتي ذكر الصدوقيين في العهد الجديد جنباً إلى جنب مع الفريسين، إلا أنهما في الواقع جماعتان منفصلتان تماماً وتتناقض آراء كل منهما مع الآراء الأخرى في كل شيء تقريباً. ولم يكن الصدوقيون سوى جماعة صغيرة، إلا أنه كان لهم نفوذ كبير. فقط كانت جماعتهم تتشكل أساساً من أكثر الكهنة في هيكل أورشليم نفوذاً، ولم يكن من بين أعضائها إلا الطبقات الغنية من المجتمع اليهودي. وكانوا محافظين متشددين في كل شيء، وكانوا يمقتون التغيير في جميع أشكاله ولا سيما التغييرات التي قد تؤثر في وضعهم البارز في المجتمع. وحتى إذا كانوا من الوجهة النظرية يؤمنون بمجيء “مسيا”، إلا أنه بصفة عامة لم تكن لهم أية علاقة بالمجادلات السياسية لأنهم كانوا لا يرون فيها فائدة سوى أنها ستسبب المتاعب للرومان.

والاسم “صدوقي” ريما يعني “ابن صادوق”، على الرغم من أنه من المؤكد أن الصدوقيين لم يكونوا من أحفاد صادوق الذي ورد ذكره في العهد القديم[6]. وقد اقترحت معان أخرى للاسم: إما أنه مأخوذ من كلمة عبرية معناها “الاستقامة الأخلاقية” أو “البر”، أو مأخوذ من الكلمة اليونانية “SYNDICIO”، والتي قد تعني “أعضاء المجلس”، ومن المؤكد أن مجلس السبعين اليهودي (السنهدريم) كان يضم من بين أعضائه كثيرين في الصدوقيين.

وإذا ما اعتُبر الصدوقيون كسياسيين محافظين، فإن فهمهم للديانة اليهودية لا يمكن أن يوصف إلا بأنه جاء في إطار رجعي. وكانوا يقولون إن التعليم الديني الوحيد الذي له سلطان، هو الناموس الذي أُعطي بيد موسى والذي جاء في الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم (أي التوراة). ولم يكن لديهم أي وقت بالنسبة لبقية العهد القديم، أو لأي شخص يحاول إعادة تفسيره أو تطبيقه بطريقة مباشرة على موقفهم. وهذا يعني أنهم لا يشاركون اليهود الآخرين بعض معتقداتهم اليهودية والتي ليست واضحة تماماً في التوراة. فالصدوقيون لا يؤمنون بأن لله قصداً من وراء أحداث التاريخ، وكذلك بموضوعات أخرى مثل الاعتقاد بحياة مستقبلية، أو القيامة، أو الدينونة الأخيرة.

الفريسيون: وكانوا يشكلون طائفة أكبر بكثير، وربما كان عددهم أيام يسوع يزيد على ستة آلاف شخص. وكثيرون منهم كانوا يحترفون دراسة العهد القديم، غير أن آخرين منهم كانوا يقومون بأعمال إدارية. وكانوا يشكلون منظمة قومية، لها عدد كبير من المجموعات المحلية. وكان لكل مجموعة رؤساؤها وقوانينها، وكان يتم تشكيل مجموعات في معظم المدن والقرى باتساع فلسطين. ومن الناحية الدينية، ربما كانوا يشكلون أكثر الناس أهمية في الديانة اليهودية أثناء حياة يسوع. وكان الصدوقيون يكرهون الفريسيين لأنهم كانوا يؤمنون ويعملون أشياء لا تتفق في الواقع مع الفهم الحرفي لناموس موسى. غير أن الناس العاديين جداً كانوا يكنون لهم احتراماً كبيراً.

وأهم ما يأخذه الصدوقيون على الفريسيين، هو أنهم كوموا كمية كبيرة جداً من الأحكام والقواعد لكي يشرحوا من خلالها ناموس العهد القديم. وعلى الرغم من أن الفريسيين كانوا يعتبرون العهد القديم هو الدستور الأعلى لحياتهم وإيمانهم، إلا أنهم أدركوا أيضاً أنه لا ينطق بصفة مباشرة على نوعية المجتمع الذي يعيشون فيه. ولكي توجد هذه العلاقة كان يجب تفسيره بطرق جديدة. فالوصايا العشر على سبيل المثال تعلم الناس حفظ السبت وتقديسه.

ولكن ماذا يعني هذا في الواقع بالنسبة للحياة اليومية؟ ما الذي يجب على اليهودي التقي أن يعمله وما الذي لا يتعين عليه أن يعمله في السبت؟ وكان لدى الفريسيين قائمة بالقواعد التي يردون بها على هذا السؤال بطريقة عملية.

وإحدى كتاباتهم “Pirke Aboth” تستهل بالقول: “أقم سياجاً للناموس”. وهذا معناه “احموه بأن تحفظوه بقواعد تحذيرية كإنذار لإيقاف الناس قبل الوصول إلى الحالة التي يكسرون عندنا نفس الناموس المعطى من الله. وهذا قصد جدير بالثناء. غير أنه ليس هناك شك في أن هذا سوف يؤدي في النهاية إلى أن يضع الفريسيون كثيراً من القواعد التي يصبح معها الناموس عبئاً أخلاقياً بالنسبة للأتقياء، وليس هبة من الله. أما بالنسبة لغير المؤمنين فالكثير منه كان في عرفهم مجرد هراء. فعلى سبيل المثال، لم يكن يسمح للخياط بالخروج حاملاً إبرته في وقت متأخر من النهار قبل حلول السبت لئلا تظل في جيبه حين يبدأ السبت. ولكنه – كأي شخص آخر – بوسعه أن يتنزه يوم السبت على ألا تزيد المسافة على ألفي ذراع، أي ثلثي ميل[7]، وهي المسافة التي كانت بين بين إسرائيل وتابوت عهدهم المقدس حين دخلوا كنعان لأول مرة. وهذا ما أصبح يعرف برحلة السبت وقد ذكرت في الأناجيل.

وعلى الرغم من سخافة بعض معاييرهم، إلا أنه ليس هناك شك أن كثيرين من الفريسين كانوا يحفظون بالفعل هذه القواعد[8]. ويقول يوسيفوس: “إن الشعب في المدن كان يكنّ لهم احتراماً عظيماً، لأنهم يعظون ويمارسون هذه الأفكار الأخلاقية العالية”. ولكن يسوع شجبهم على اعتبار أنهم مراؤون، لأنه أدرك أن حفظهم للوصايا والتعاليم المتعصبة التي وضعوها هم أنفسهم، أصبحت لها أهمية أكثر من اللازم عندهم.

وشأنهم في ذلك شأن كثيرين غيرهم، بدأوا يساوون بين معرفة الله، والعضوية في جماعتهم، أي أن يكون الشخص فريسياً، وأن يكون الإنسان عضواً في شيعتهم كان يشكل في النهاية أهمية أكبر من معرفة وصية الله وفهمها[9]. وعلى الرغم من أنهم كثيراً ما يدعون أنهم يحفظون شريعة الله، إلا أنهم كانوا في واقع الحال لا يعملون إلا إلى لفت الانتباه إلى إنجازاتهم الأخلاقية. وهذا أمر يميل إليه جميع المنادين بالأخلاقيات.

أما من وجهة نظر يسوع فإن خطأ الفريسيين الحقيقي يتمثل في أنهم كانوا يعتقدون إن الله لا يهتم إلى بمطالب الناموس. والفكر اللاهوتي للفريسين ليس فيه مكان للإله الذي يعرّفه يسوع بأنه أبوه. إله عطوف ومحب، ويهتم بالزناة والمتسولين بأكثر مما يهتم بالمتدينين الذين يتمسكون بالتقليد[10]. فما من فريسي يستطيع القول مع يسوع: “لم آت لأدعو أبراراً بل خطاة”.

والفريسيون بالطبع لهم آراؤهم الخاصة بهم بالنسبة لموضوعات أخرى. ولقد قبلوا سلطة العهد القديم بأكمله، وليس ناموس موسى فقط. وهم على النقيض من الصدوقيين، لم يجدوا صعوبة في الإيمان بأنه توجد حياة أخرى بعد الموت. وربما توقعوا أيضاً مجيء “مسيا” ليصحح أخطاء شعبهم. وعلى الرغم من أنهم لم يشتركوا إطلاقاً في أية ثورة ضد الرومان إلا أنه من المحتمل أنهم كانوا يعجبون بمن يقومون بها.

الغيورون: كانوا انهماكاً في مقاومة الرومان بصفة مباشرة. وربما كانوا يشاركون في كثير من معتقدات الفريسيين الدينية، إلا أن اعتقادهم هو أنهم لا يقبلون سيداً سوى الله، ومن ثم يجب طرد الرومان مهما كان السبب. وطبقاً لما يقوله يوسيفوس، فإن مؤسس شيعتهم هو رجل يدعى يهوذا[11]، وهو رجل جليلي قاد ثورة عام 6م، في ذات الوقت تقريباً الذي خلع فيه الرومان أرخيلاوس من الحكم. كما يقول لنا أيضاً إن هؤلاء الرجال يتفقون في كل شيء مع آراء الفريسيين، إلا أنهم كانوا في شغف ونهم للحرية لا يشبعون منها، وهم على قناعة من أن الله وحده هو الذي يجب أن يكون سيدهم وربهم[12]…. ولا يوجد ما يخيفهم ويجبرهم على خلع هذا اللقب على أحد سواه.

وقد استمر الغيورون كحركة فدائية حتى حصار أورشليم سنة 70م، وربما حتى إلى ما بعد ذلك. وواحد على الأٌقل من تلاميذ المسيح ويدعى سمعان[13]، كان من الغيورين، وكثيراً ما كان يسود الاعتقاد بأن يهوذا الإسخريوطي كان أيضاً واحداً منهم. غير أن الغيورين الأكثر حماسة يبدو أنهم رجال من طراز باراباس[14]، الذي اختارته الجماهير لأن يطلقوا سراحه حيث فضلوه على يسوع، وذلك المشاغب الذي خلط مرة عن طريق الخطأ بينه وبين بولس[15].

الأسينيون: وقد ذكرهم كتبة عديدون. فنجد أن فيلو (وهو يهودي من الإسكندرية في مصر، وكان يكتب باللغة اليونانية)، والكتاب اللاتيني بليني، ويوسيفوس، كل هؤلاء تحدثوا عن الأسينيين. ولكن ذكرهم لم يأت بواسطة أي واحد من كتبة العهد الجديد.

هناك كثيرون يعتقدون أن إحدى فرق الأسينيين، هي التي كتبت الوثائق المعروفة باسم “لفائف البحر الأحمر”. وكان المقر الرئيس لهذه الجماعة في قمران، على مقربة من الركن الشمالي الغربي للبحر الميت. ولقد انسحب أهل قمران من الحياة العادية وعاشوا في شركة معاً في الصحراء، محاولين الحفاظ على تقاليد النقاء الديني والأخلاقي التي اعتقدوا أن بوسعهم أن يجدوها في العهد القديم.

إلا أنه ليس جميع الأسينيين يعيشون على هذا النهج، لأن يوسيفوس يقول: “إنهم لم يكونوا متمركزين في مدينة واحدة، بل استقروا بأعداد كبيرة في كل مدينة”. ثم أنه يتحدث عن آخرين الذين – على النقيض من المجموعات التي تتكون من الرهبان – كانوا متزوجين مع أنه بذل جهداً ليوضح أنهم نظروا إلى الزواج على أنه مجرد وسيلة لاستمرارية العنصر البشري، كما يوجد دليل مكتوب على أن مجموعة أخرى عاشت في البرية على مقربة من دمشق، وأن منظمتهم تختلف بشكل طفيف عن تلك الموجودة في قمران.

والواقع أنه ما من أحد يعرف العلاقة بين هذه الجماعات ولا كيفية انتسابهم إلى الأسينيين المبعثرين في جميع أنحاء فلسطين. ونحن نعرف الكثير عن جماعة قمران نتيجة اكتشاف كتاباتهم، التي تدعم معظم نقاط القصة التي ذكرها يوسيفوس.

ومن مخطوطات البحر الميت نعرف أن أهل هذه الجماعة كانوا يعتبرون أنفسهم كأقلية في إسرائيل أنهم أمناء لعهد الله. وكانوا ينظرون إلى الأمة اليهودية ككل، بل وحتى إلى الهيكل والكهنة في أورشليم، على اعتبار أنهم غير أمناء. وأن قائدهم فقط “معلم البر” وأتباعه الأمناء هو الذين بوسعهم أن يعرفوا أسرار العهد القديم.

وعلى مثال بعض الجماعات الأخرى، كان الأسينيون يتطلعون إلى يوم تحل فيه كارثة في التاريخ. وهنا سيؤكد الله سيادته على العالم، وذلك عندما يقهر الهراطقة الوطنيين والغرباء من الأعداء الغازين مثل الرومان. وهنا فإن أعضاء الشيعة – وليس الأمة اليهودية كلها – وسوف تعرف بأنها شعب الله المختار. ولسوف يتولون الأمور ويصححون أوضاع عبادة الله في هيكل أورشليم. وتوقع الأسينيون ظهور ثلاثة قادة: النبي الآتي الذي تنبأ عنه موسى، والمسيا الملك الذي سيكون من نسل داود والمسيا الكاهن، والذي سيكون له الأولوية الكبرى.

وعلى هذا يجب أن يكونوا في حالة استعداد دائم لهذه الأحداث، وطائفة الأسينيبن في قمران يمارسون الكثير من الغسلات الطقسية. وكل شيء كانوا يعملونه كان له مغزى ديني. وحتى وجباتهم اليومية كانت تشكل تطلعاً للوليمة السماوية والتي كانوا يعتقدون أنها ستكون في نهاية الدهر.

ومع إمكانية استثناء الصدوقيين، فإن كل الجماعات الدنية البارزة في فلسطين أيام يسوع كانت تأمل وتتضرع أن يقوم الله بعمل شيء ما في حياة شعبهم. وقد كانت لهم جميعاً أفكارهم الخاصة عما سيعمله، ومتى وكيف سيعمل ذلك. وبعضها مثل جماعة الغيورين، كان أعضاؤها على استعداد على معاونة الله حين يرون أن هذا ضروري.

وآخرون، كالفريسيين والأسينيين، كانوا يعتقدون أن الله لديه خطة سبق فأعدها، وهي خطة لا يمكن أن تتغير أو تدعم نتيجة أي تدخل من جانب البشر. غير أنه بمقدورنا أن نكون على ثقة من أنه كان هناك أناس عاديون كثيرون لم تكن لهم أية اهتمامات بالمناورات السياسية أو المنازعات اللاهوتية. ذلك أنهم بكل بساطة كانوا يعرفون أنهم في حاجة إلى أن يعمل الله شيئاً من أجلهم. ورغبتهم الوحيدة هي أن يكونوا في المكان الصحيح وفي حالة ذهنية سليمة حين يصل المخلص الموعود به من الله.

الرؤويون: تم التعبير عن التوقعات المستقبلية للشعب اليهودي تماماً في كتابات (الرؤويون)، هي كلمة تعني حرفياً أناس يكشفون عن أشياء سرية. والكتب التي يكتبونها ما هي إلا إعلانات لأسرار ما “رؤوية”. لا نعرف أهمية هؤلاء الناس على وجه التحديد، بالنظر إلى أننا لا نعرفهم إلا من خلال كتاباتهم. وليس من الواضح ما إذا كانوا يشكلون أي نوع من الجماعات ضيقة الأفق، وما إذا كانوا ينتمون إلى أي من الشيع الدينية المختلفة، من غير المحتمل أن يكون أي من الرؤويين من طائفة الصدوقيين بالنظر إلى أنهم ادعوا أنهم تسلموا إعلانات جديدة من الله (ولا يمكن للصدوقيين التسليم بأنه قد أعطي لهم أي إعلان إلهي منذ عهد موسى). وتماثل معتقداتهم من بعض النواحي معتقدات الفريسيين، لأنهم شددوا بشكل كبير على القول بأن الله لديه خطة سبق وأعدها من أجل تاريخ العالم.

وأياً كانت حقيقة الرؤويين، فإن لكتاباتهم سمات غير عادية تجعل إدراكها سهلاً.

ç لديهم تأكيد قوي على حياة السماء وليس على مجال الحياة اليومية الذي اختبره البشر. وعلى الرغم من أن أحداثاً في هذا العالم قد جاء ذكرها. إلا أن أهميتها قاصرة على أنها تكشف لنا شيئاً عن أحداث وقعت في العالم الروحي. وقد قال أحد الكتاب الرؤويين أن “العلي لم يخلق عالماً واحداً بل اثنين” (2اسدراس 7: 50)، ووجهة النظر هذه يشارك فيها كثيرون من الرؤويين، فقد كانت مهمتهم الكشف عما كان يحدث في عالم الله، وأن يؤكدوا لقرائهم أن لهم موقعاً أساسياً في أنشطة الله.

ç وهذا يعني أيضاً أن الكتابات الرؤوية تؤكد الأحلام والرؤى، والاتصالات بواسطة الملائكة. وبالنظر إلى أن الله بعيد في عالمه الخاص به (السماء) فثمة حاجة إلى استخدام وسطاء في معاملاته مع البشر. والرؤيا النموذجية تأخذ شكل تقرير مطول يبين كيف أن كتابتها قد تسلم رؤى ورسائل تكتشف عما يحدث في السماء.

ç ويصحب ذلك صيغة أدبية غير معتادة. لأن الرؤى لا توصف بعبارات صريحة، بل تستخدم نوعية من اللغة الرمزية. وكثيراً ما نجد إشارات عديدة إلى كتب الأنبياء في العهد القديم. وإلى الوحوش الأسطورية، كما تستخدم الأعداد الرمزية لتشير إلى أمم أو أشخاص.

ç والكتابات الرؤوية عادة ما تصدر باسم شخصية عظيمة عاشت في الماضي. فأخنوح، ونوح، وآدم، وموسى، وعزرا وعدد آخر من شخصيات العهد القديم، هؤلاء جميعاً نسبت لهم كتابات رؤوية. ولعل ذلك كان أمراً ضرورياً لأنه كان ثمة اعتقاد واسع الطيف لدى اليهود، بأن زمن النبوة الحقيقية قد ولى. وكان على أي راء معاصر يريد أن تُسمع رسالته، كان عليه أن ينسب ما كتبه إلى شخص يكون قد عاش بالفعل في زمن العهد القديم. وسفر الرؤيا هو السفر الوحيد في العهد الجديد الذي يستخدم لغة مجازية رؤوية موسعة. لكنه جاء مختلفاً تماماً من هذه الناحية. ذلك أن سفر الرؤيا لم ينسب إلى شخصية من العهد القديم، بل إن كاتبه عُرف بأنه يوحنا، وكان صديقاً ومعاصراً لقرائه[16].

أما لماذا أصبحت هذه النوعية من الكتابة شائعة للغاية في القرون التي كانت قبل ميلاد المسيح مباشرة؟ فإن هناك رداً رائعاً على هذا السؤال، وهو أن الكتابة الرؤوية كانت تعطي إجابة لحقائق الحياة الصعبة في فلسكين في ذلك الحين. فكثيراً ما اقترح أنبياء العهد القديم أن مجرى تاريخ إسرائيل يعتمد بطريقة ما على موقفهم من الله. فإذا ما أطاعوه ازدهروا، وإذا لم يطيعوه عليهم أن يتوقعوا أزمنة صعبة.

وهذه الأزمنة الصعبة توجت بسقوط أورشليم على يد نبوخذ نصر سنة 586ق.م، وسبي سكانها إلى بابل. وبعد قضاء فترة وجيزة في السبي سمح لليهود بالعودة إلى وطنهم، والذين عادوا قرروا ألا يرتكبوا نفس الأخطاء التي ارتكبها أسلافهم. وعلى ذلك رجعوا عن طرقهم، وحاولوا تطبيق ناموس العهد القديم بحذافيره.

ومع ذلك، وطبقاً لما حدث فعلاً، فإنهم لم يحققوا نجاحاً. وبمرور الوقت بدا لهم أن الطريق إلى الازدهار إنما هو بالتعاون مع القوى الخارجية مثل الرومان وليس في بقائهم أمناء لدينهم. والذين حاولوا المحافظة على إيمان العهد القديم وجدوا أنفسهم أقلية تتناقص باستمرار، والذين حققوا نجاحاً كثيراً ما كانوا يحصلون على هذا النجاح عندما يتساهلون في إيمان آبائهم، بل وحتى من خلال التخلي عنه تماماً.

ربما بدأت الكتابات الرؤوية كرد على هذه المشكلة. لماذا لم تؤد الأمانة إلى الازدهار؟ ولماذا يعاني الأبرار؟ لماذا لم يضع الله نهاية لقوى الشر؟ وقد أجاب الرؤويون على هذه الأسئلة بقولهم إن المصاعب الراهنة هي متاعب نسبية. وإذا نظرنا إلى الأمور على ضوء عمل الله في التاريخ، فإن الأبرار في النهاية هم المنتصرون، والسيادة الظالمة للأشرار سوف تنهار. وكثيراً ما كان يطرح السؤال حول ما إذا كان ليسوع أية علاقة بهؤلاء الرؤويين ورؤاهم الخاصة بالعالم السماوي. ومن المؤكد أن ألبرت شويتزر Albert Sxhweitzer كان لديه هذا الاعتقاد، كما سيتضح لنا في الباب الثاني من هذا الكتاب.

كما توجد أيضاً أدلة كثيرة تبين أن يسوع كان على علم بالأفكار التي كان يطرحها الرؤويون. فهناك قدر كبير من التشبيهات المجازية والمفردات اللغوية التي استخدمها يسوع في تعليمه عن الأمور المستقبلية تماثل تلك التي استخدمها الرؤويون (مرقص 13، متى 24-25، لوقا 21). إلا أنه كانت هناك بعض الاختلافات الهامة.

ç الكتابات الرؤوية هي دائماً إخبار عن رؤى وأفكار أخرى تتعمق بالسماويات، أعطيت للناس من خلال وسائل خاصة. إلا أن يسوع لم يقم تعليمه على رؤى وإعلانات لم يقم تعليمه على رؤى وإعلانات إلهية من هذا القبيل. فقد كان يتكلم على أساس سلطانه، ولم يكن اهتمامه الأساسي موجهاً لأمور عالم آخر سمائي، بل بالحياة في هذا العالم. ولم يكشف عن أسرار، بل جعل له تلاميذاً وذكرهم بمسئولياتهم من قِبل الله.

ç كان الرؤويون دائماً مهتمين بتشجيع قرائهم وتعزيتهم، وذلك بأن يبينوا لهم أهم على صواب، وأنه سيتم القضاء على أعدائهم سريعاً. غير أن تعليم يسوع حتى بالنسبة لما أطلق عليه “الأقوال الرؤوية” لم يقصد به إطلاقاً تعزية تلاميذه. ولم يلمح إلى أنهم سينتصرون بطريقة تلقائية على أعدائهم، لأن ما قاله كان على النقيض من ذلك تماماً. ذلك أن يسوع اتخذ من تعليم الخاص بالأمور الأخروية مناسبة لتحفيز تلاميذه بالنسبة لسلوكهم في هذه الحياة، وأوضح أنه حينما يتدخل الله في شئون البشر فلسوف يكون ذلك وقت الدينونة سواء بالنسبة لتلاميذه أو بالنسبة لأي شخص آخر.

ç لا توجد مجموعة منظمة دقيقة من أقوال يسوع تتناول موضوع الأخرويات. ذلك أن ما قاله يسوع في هذا الشأن يختلف تماماً عن نظرة الرؤويين، الذين ذكروا كل ما يتعلق بهذا الموضوع على نحو من التفصيل. ذلك أن هذه الأمور كلها تتضمنها خطة الله السابق تحديدها. وأولئك الذين لديهم مفتاح هذه اللغة المشفرة بمقدورهم أن يعرفوا على وجه التحديد ما يخبئه لهم المستقبل. وبالطبع حاول بعض مفسري العهد الجديد أن يجدوا مثل هذا النظام في تعاليم يسوع. إلا أن النظم المتباينة العديدة التي توصلوا إليها توضح إخفاقهم. بل وما كان بوسعنا أن نتوقع لهم النجاح، لأن يسوع نفسه قال: “وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بها أحد ولا ملائكة السماوات… ولا الابن إلا الآب” (مت 24: 36؛ مر 13: 32). وما كان بوسع أي راءٍ على الإطلاق أن يقول هذا.

ç وعلى أساس الاختلافات الجوهرية بين يسوع والرؤويين، فمن الواضح أنه لا يمكن تصنيفه كواحد منهم. فلم تكن له نظرة رؤوية بالنسبة للحياة. ولا شك أنه كان أحياناً يقدم تعليمه مستخدماً لغة الرؤويين اليهود وتشبيهاتهم، مثلما فعل حين أشار إلى القاعدة الذهبية لمعلمي اليهود في (متى 7: 12). وكمعلم صالح، أدرك أنه في حاجة إلى أن يتكلم باللغة التي يفهمها سامعوه، ومن المؤكد أن كثيرين من الناس العاديين في فلسطين كانوا على معرفة باللغة الرؤوية. إلا أن ما يميز يسوع أنه أخذ هذه المفاهيم المألوفة وأضفى عليها معنى جديداً. ولم ترد على لسانه كمجرد تفاهات يمتدح بها الإنسان التقي، بل كانت تمثل تحد خطير لالتزام ينطبق على التلاميذ وعلى الخطاة على حد سواء.

 

[1]  مرقص 6: 3.

[2]  متى 5: 39.

[3]  متى 2: 16.

[4]  مرقص 6: 17-29.

[5]  لوقا 23: 12.

[6]  (صم 15: 24-29.

[7]  يشوع 3: 4.

[8]  متى 23: 13، 15.

[9]  عادات اليهود في العصور القديمة.

[10]  مرقص 2: 17.

[11]  حروب اليهود.

[12] عادات اليهود 18، 1، 6.

[13] مرقص 3: 18.

[14] مرقص 15: 6-15.

[15] أعمال 21: 37-39.

[16] (رؤيا 1: 1-9).

تفسير الكتاب المقدس عند الآباء

تفسير الكتاب المقدس عند الآباء

تفسير الكتاب المقدس عند الآباء

الكتاب المقدس هو حياة الكنيسة ودستورها يُفسَّر من خلال عظات آبائها وسيرهم، فنتعرف من خلالهم على السيد المسيح الذي هو رأس الكنيسة، فالآباء هم الذين أُعطوا أن يفسّروا لنا الكتاب المقدس بنعمة الروح القدس العامل فيهم، فآبؤنا هم الذين اقتنوا روح الرب القدّوس، الذي منحهم الاستنارة لكي يفسّروا كلمة الحق باستقامةٍ، يساعدنا على تحويل الكلام الإلهيّ إلى غذاء قابل للهضم يتغذى به كل واحد منا على قدر قامته.

فكما يقول القديس أُغسطينوس نحن لم نعرف الكتاب المقدس إلاَّ من خلال الكنيسة والآباء هم الكنيسة، فهم الذين جعلوا الكتب في متناول أيدينا، وأن الكلمة الإلهيّة لا تنفصل عن كلمة الآباء الذين يفسّرونها .. أن يقولوا: هذا حق وذلك باطل، صار بإمكانهم أن يَفصلوا، باستقامةٍ كلمة الحق.

الكتاب المقدّس هو كلمة الله، فمَن يستطيع أن يفسّره لنا غيره؟ فلما كان لا يعرف الله إلاَّ روح الله القدوس العامل في الآباء القديسين، لذا منحهم الاستنارة لتفسير الكتاب المقدس.

إن ما يُميّز الكنيسة الأرثوذكسية – سِرّ وحدتها – يرجع أن تفسيرها للكتاب المقدس مبنيُّ على أُسس آبائية، فلولا تفسيرات الآباء لكان لكل واحد تفسيره حسب رؤيته الشخصية كما يدعو البروتستانت إلى ذلك، وهذا هو سبب انقسامهم لطوائف عدة، لكن لكي نحافظ على “الإيمان الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ” (يه3)، لابد أن يكون فهمنا للكتاب المقدّس مبنياً على تسليم آبائيّ فيكون لنا سقف فوق رؤوسنا لا نعلو عنه، وإطار نلتزم به حتى يكون لنا سياجاً واقياً.

فمع تعدد التأملات، هناك في الوقت نفسه وَحْدَة في الروح، وحدة في الكلمة، وحدة في عمل الله، وهذا ليس بغريب طالما الروح واحد، وهذا ما يرفضه بعض الدارسين اليوم، مما يقودهم إلى الضلال الذي إذا تمادوا فيه يؤدي بهم إلى سلسلة لا تنتهي من الهرطقات.

كتابنا لا ينفصل عن خبرات الآباء القديسين وتعاليمهم، وسيرهم لا تنفصل عن الكتاب المقدس معاشاً ومُشخَّصاً في حياتهم، إذاً نحن نقرأ ونفهم ونتعلم في إطار التعليم الآبائيّ الأصيل.

يقول القديس أثناسيوس الرسوليّ: [“الذين يبعثون بالهرطقات الباطلة فيستخدمون كلمات الكتاب المقدس، لكنهم لا يتمسكون بما تسلمناه من القديسين، ناظرين إلى أن ما يتسلموه من القديسين هو من تقاليد الناس، هذا خطأ إذ هم لا يعرفون مَن هم القديسين ولا ما هي قوتهم؟! لذلك مدح معلمنا القديس بولس الرسول أهل كورنثوس، لأن أفكارهم كانت متفقة مع التقاليد التي سلمهم إياها.

وقد وبخ الرب اليهود قائلاً لهم: “وأنتم أيضاً لماذا تتعدون وصية الله بسبب تقليدكم؟!” وذلك لأنهم غيَّروا الوصايا التي استلموها من الله بحسب فهمهم مفضلين اتباع تقاليد الناس.

أما القديس بولس الرسول فقد أصدر توجيهاته إلى أهل غلاطية الذين كانوا في خطر من هذا، كاتباً لهم يقول: “إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»[1]].

معنى كلمة تفسير

كلمة تفسير مصطلح يونانيّ αίϵѵημρϵ҅، يعني: ترجمة من لغة أجنبية إلى لغة معروفة عند القاريء، أو عَرض جوهر الأمور بطريقة سهلة وواضحة.

ويرتبط هذا المصطلح بالأمور الدينية لدى اليونانيين، فهو مرتبط باسم الأله “هرمس ςημρϵ҅ ” إله المعرفة والكلام عند اليونايين القدماء، لذا نجد أهل لسترة يدعون بولس بـــ “هرمس”، “إِذْ كَانَ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ فِي الْكَلاَمِ” (أع 12:1)، وهرمس عند الغنوسيين هو الحامل للكلام الشفهيّ، والمكتوب أيضاً المساعد للبشر على المعرفة الصحيحة وفهم الأمور المعقدة، لذا كان هرمس المفسر لإرادة ومشيئة الإلهة[2].

هذا وقد كان اليونانيون في حاجة إلى التفسير الرمزيّ، لمساعدتهم في فهم الأعمال الدينية والأدبيّة للشعراء والكُتَّاب القُدامَى، أمثال هوميروس الذي كتب روايتين هامتين هما الإلياذة والأوديسيّة، وقد كان لهما تأثير على الفلسفة الهيلينية[3]، لقد كان هذا المنهج التفسيريّ لأعمال الأدباء وليد الاعتقاد بأن هناك حكمة سِريّة تختفي وراء النص اللغويّ، والكلمات ما هي إلاَّ ستار أو حجاب يُغطي الحقيقة المخفية والتي مصدرها إلهام إلهيّ[4].

في المدرسة الرواقية[5] قُسِّم المنهج التفسيريّ إلى نظامين وهما:

الرمزيّة الطبيعية: وهي التي تختص بالإلهة والعالم.

الرمزيّة الإخلاقيّة: وهي التي تختص بواجبات الإنسان.

 

انتقال أسلوب التفسير الرمزيّ من اليونانية إلى اليهودية والمسيحية

انتقل المنهج التفسيريّ من اليونانية إلى اليهودية والمسيحية، ولكننا نجد أن هناك فروقاً بينهما[6] كالآتي:-

1- الرمزيّة اليونانية ليس لها قواعد او قوانين تحدها إطلاقاً، بل للكاتب حرية مطلقة في تطبيق التفسير، بينما في اليهودية والمسيحية الرمزيّة لها إطار محدَّد تتحرك في داخله، وخليفية تاريخيّة، واتجاه محدد وهو خطة الله للخلاص.

2- التفسير في البيئة اليونانية عملية ثانوية قليلة الأهمية تُوضّحِ حقيقة فقط، بينما في اليهودية والمسيحية ليس فقط إعلان حقيقة مَعرفية، بل تمتد إلى أن تملأ الحياة والفكر من واقع الكتاب المقدس “اَلْكلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ روُحٌ وَحَيَاةُ” (يو 63:6).

التفسير في اليهودية

في البيئة اليهودية كان الناموسيون والكتبة هم المفسرون للكتاب المقدس، فيما يختص بالناموس وتطبيقاته والحيَاة اليومية مستعيناً بتقليد الشيوخ، وتُعُد أهم كتب التفسير والتقليد في اليهودية هي:-

  1. المدراش[7]:-

وهو يوضح التفسير والنتيجة، كما يتم تفسير الأدب المدراشيّ عن طريق قواعد تفسير محددة مثل السبعة قواعد التي صاغها الرّابي هليل (حوالي 30 ق.م)، وقد اتسعت بعد ذلك لتصل إلى 32 قاعدة تفسيرية في القرن الثاني الميلاديّ[8].

ويتناول المدراش تفسير الكتاب المقدس على النحو التالي:

1- التفسير الحرفيّ للنص أو (Peshat).

2- التفسير الرمزيّ للنص القانونيّ أو (Remez) وهو الأسلوب المتبع في الشروحات التي تتناول الشريعة أو الهَلَكا.

3- التفسير الرمزيّ للنصوص التاريخيّة والشعرية والنبوية (Darush)، وهو الأسلوب المتبع في الهَجَدة.

4- التفسير الصوفيّ للنص أو(Sod)، وقد انتشر بصورة خاصة بعد سقوط أورشليم في أيدي الرومان عام (71م)، عندما أسس الرابي “هلّيل Hillel مدرسة “الكابالا  Cabalaخارج أسوار أورشليم، وقد وصلتنا هذه التفاسير الصوفية من خلال كتابات الآباء في القرون الأربعة الأولى.

5- علم التفسير الأرقام Gematria.

6- علم تفسير الألفاظ Notarikon، وهو يُبسط معاني بعض الألفاظ التي استخدمت في المدراش لتُلخص عبارة ما أو جملة بكاملها: والعبارة إخثيس ΥΣϴΧІ مثلاً، التي اُستخدمتْ في الكنيسة الأولى تلخيصاً للجملة: يسوع المسيح ابن الله المخلِّص،ρ ́ηԏωΣ σόʼɩΥ ϵόςϴ ςόԏσɩΧρ ς ̂ѵοσηІ وهذا مثال على اقتباس الآباء الأولين أسلوب النوتاريكون (علم تفسير الألفاظ).

7- علم تفسير الألفاظ الذي يقوم على استخدام كلمة واحدة ليضع الكلمة ذاتها في لفظة جديدة، (وهذا الأسلوب اُستخدم في زمن الاضطهاد منعاً لوقوع النصوص الكتابيّة وخاصة النبوية منها – كسفر الرؤيا – في أيدي غير المؤمنين، ومن ثمَّ إساءة تفسيرها واستغلالها سياسياً)، وهذا العلم يُسمَّى “التيمورا Temoorsh، ومثال ذلك نجد سفر الرؤيا (رؤ 16:16) عدة ألفاظ، مثلاً: “فجمعهم إلى الموضع الذي يُدعَى بالعبرانية هرمجدون”، وهرمجدون= روما هجدول أي روما الكبيرة.

مثال على التفاسير اليهودية للربان هليل:

لو جاء الفصح اليهوديّ يوم سبت، فهل من تعارض بين الاحتفال بالفصح وعمل ما يستلزم لذلك، مع الاحتفاظ بوصية الراحة في السبت!!

هنا تُفسَّر على أساس تطبيق مبدأ من الأصغر إلى الأكبر، فراحة السبت وصية مقدسة، والفصح أمر مقدس أيضاً، حيث إن التقدمة الصباحية والمسائية تُقدم في الهيكل يوم السبت، ولا يمكن أن تُبطل تقدمة المساء والصباح بحجة احترام راحة يوم السبت، فكم بالأحرى يسري هذا الأمر على تقدمة حمل الفصح.

كذلك استخدم السيد المسيح القواعد التفسيرية للرابونيين، فمثلاً عندما كان يسير مع تلاميذه بين الزروع، يوم السبت، وكان التلاميذ يقطفون السنابل، قال له الفريسيون: “انْظُرْ لِمَاذَا يَفْعَلُونَ فِي السَّبْتِ مَا لاَ يَحِلُّ؟” (مر 24:2)

أجابهم السيد المسيح مطبقاً قاعدة التفسير من الأصغر للأكبر “فَقَالَ لَهُمْ أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ احْتَاجَ وَجَاعَ هُوَ وَالَّذِينَ مَعَهُ” (مر 25:2)، فقد طبق هذا القانون الذي فعله داود حين جاء إلى أخيمالك الكاهن، هو والذين معه وكانوا جياع، ولم يكن هناك أكل، فأكلوا خبز التقدمة الذي لا يحل أكله إلاَّ للكهنة (1صم21: 1-6)، على ما فعله التلاميذ يوم السبت[9].

  1. التلمود תּלּמּךּךּ[10]

التلمود هو مجموعة تفاسير الناموس والتوراة. يحتلّ التلمود مكانةً هامة داخل الديانة اليهودية، فهو يُعَدُّ من أهم الكتب الدينية عند اليهود، وهو الثمرة الأساسيّة للشريعة الشفوية، أي تفسير الحاخامات للشريعة المكتوبة (التوراة)، والتلمود مُصنَّف للأحكام الشرعية أي مجموعة القوانين الفقهية اليهودية، وسِجل للمناقشات التي دارت في الحلقات التلمودية الفقهية اليهودية حول المواضيع القانونية والوعظية.

وقد أصبح التلمود مرادفاً للتعليم القائم على أساس الشريعة الشفوية السماعية، وقبلت إلى جانب الشرائع المدوّنة في أسفار موسى الخمسة،[11] وقد اُستخدمت الموسيقى كطريقة فعّالة في حفظ التلمود قاموا بتلحينه[12]. توجد نسحتان من التلمود وهما: التلمود الفلسطينيّ والتلمود البابليّ، وقد كتبتا في أوقات متباعدة، واختلفتا في المضمون وأسلوب العرض واللغة[13]:-

التلمود الفلسطينيّ :-

وينسبه اليهود خطأ إلى أورشليم (القدس) فيقولون “الأورشليميّ، مع أن القدس كانت قد خلت من المدارس الدينيّة بعد هدم الهيكل الثاني، وهكذا فقد تمّ تجميعه في بلدة إريز Erez في إسرائيل وليس في أورشليم، وقد كانت لغته هي الأرامية الغربية[14]، وعمل الحاخامات على إنشاء مدارسهم في يفنه وصفورية وطبرية، كما أطلق يهود العراق على التلمود الفلسطينيّ اسم “تلمود أرض يسرائيل”، وأطلقوا عليه أحياناً اسم “تلمود أهل الغرب” نظراً لوقوع فلسطين إلى الغرب من العراق.

يرجع تاريخ التلمود الفلسطينيّ إلى منتصف القرن الرابع للميلاد، وكُتب على يد الربان يوحنان بن نبحة مؤسس أكاديمية طبرية، وهو يكتفي بالشرح أو التحاليل لنص المشنا مع سرد مناقشة غير مطوّلة بين الأحبار، ويعتبر المرجع الفصل في كلِّ نظرية فقهية ومعاملة تشريعية، وهو يتميّز بالاقتضاب.

التلمود البابليّ:-

وهو نتاج الأكاديميات اليهودية في العراق، وتبلغ حجم مادته ثلاثة أضعاف التلمود الفلسطينيّ، مما جعله يحتل منزلةً رفيعةً ويغدو مرجعاً هاماً لا غنى عنه، ومن صفاته انه يفتح باب النقاش واسعاً، فلا تنتهي إلى قول مرجّح، لذا قال عنه الرابي ‘سحق “إن التلمود البابلي هو التلمود القانوني، لأنه اُستُكمِل بعد تلمود أورشليم بمائة وخمسين سنة”[15].

أقسام التلمود[16] :-

يُقسَّم التلمود إلى قسمين رئيسيين وهما: المشنا والجمارا.

المشنا Mishnah :-

وهي مجموعة قوانين اليهود السياسية والحقوقية والمدنية والدينية (التفاسير التشريعية للناموس)، التي تتضمّن القواعد والأحكام بغير نقاش غالباً، والمشنا أشبه ما تكون بالكتاب القانونيّ أو مصَّنف الأحكام الشرعية والفقهية التي تدعى “هالاغا” أي المذهب أو المسلك أو الطريق الذي يذكّر بالأحكام والفرائض والتشريعات الواردة في أسفار “الخروج واللاويين والتثنية والاشتراع”، ويوضح الحلال والحرام والطهارة والنجاسة وغيرها ممّا ورد ذكره في التوراة وفسّره الفقهاء اليهود، ووضعوا له حدوداً وقيوداً تلائم حاجة العصر الذي كانوا يعيشون فيه.

الجمارا Gemara :-

الجمارا – أو الإضافات – مجموعة أخرى ضُمَتْ إلى المشنا واستقلتْ بهذا الاسم، وأصلها من عمل المعلّمين الذين كانوا في عصر الربانيّ يهوذا ولم يكونوا أعضاء في مجلسه، فقد عملوا من جانبهم على جمع روايات أقل شهرة، كما جمعوا الروايات التي استبعدها يهوذا من مشناه، ولكن هذه لم تكن قليلة الأهمية، ولم يمكن التخلي عنها، ومنها أقوال وروايات نَتَجَتْ عن مدرسة عقيبا وإسماعيل، ونُسِجَتْ حولها شروح وتفاسير في أقوال المعلمين Amoraim

فرأى الدارسون أن يجمعوا ذلك كله مع بعض الأحكام الشرعية Halachath، والإجابات عن المشاكل التي عرضت، كل ذلك جُمع أخيراً وكون الجمارا، وهي بمعنى الإنهاء والإنجاز، وهي، كما هو واضح، وسعت المشنا، أنها تحوي أحكاماً ومواداً ليست في المشنا، منها القديم الذي لم يأخذه يهوذا، ومنها المُستحدَث.

لم تُجمع الجمارا إلاَّ بعد 300 عام من اكتمال المشنا، وقد ثار جِدال طويل بين المفسرين حول المواد التي تكوّنت منها الجمارا، وبالرغم من كونها مُجمّعة من الروايات الشفوية والمشنا، كان يراد لها أن تكون معتمدة على نصوص التوراة، وقد كُتبت باللغة الآرامية.

من المشنا والجمارا معاً يتألف التلمود الذي هو نتيجة تفاعل الشريعة المكتوبة مع أوضاع الحيَاة المتغيرة والحاجات الطارئة، فهو يُعتبَر بمثابة سجل حافل يُبيِّن خلال المناقشات والشروحات والأمثلة والردود والروايات، كيف كان اليهود يحاولون تطبيق الوصايا والفرائض التوراتية في حياتهم اليومية، وحين يصطدم التطبيق العمليّ بالنصوص المقدسة تبدأ المشكلة بالظهور وتكثر الاجتهادات، بينما يتصاعد البحث عن الحلول والمخارج.

التفسير في المسيحية

استخدم الآباء في الكنيسة الأولى التفسير بمعنى شرح، يهتم بتوضيح نص أو صياغته بالنسبة لمشاكل عصرهم اللاهوتيّة أو السلوكيّة.

التفسير موهبة يذكرها معلمنا القديس بولس الرسول في موهبة ترجمة الألسنة “لآخر ترجمة السنة” (1كو 1″12)، “أَلَعَلَّ لِلْجَمِيعِ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ؟ أَلّعَلَّ الْجَمِيعَ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يُتَرْجِمُونَ؟ ɩσѵοѵ́ϵѵμηρϵɩδ” (1كو 30:12).

وتتضح أهمية التفسير من خلال حديث فيلبس مع الخصيّ الحبشيّ “فَبَادَرَ إِلَيْهِ فِيلُبُّسُ يَقْرَأُ النبيّ إِشَعْيَاءَ فَسَأَلَهُ: «أَلَعَلَّكَ تَفْهَمُ مَا أَنْتَ تَقْرَأُ؟» فَأَجَابَ: «كَيْفَ يُمْكِنُنِي إِنْ لَمْ يُرشِدْنِي أَحَدٌ؟». وَطَلَبَ إِلَى فِيلُبُّسَ أَنْ يَصْعَدَ وَيَجْلِسَ مَعَهُ” (أع8 :30، 31)، والرب يسوع نفسه فسّر لتلاميذه بعض الأمثلة، وفسَّر لتلميذي عمواس “الأُمُورَ الْمُخْتصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ” (لو 27:24).

دور الآباء في تفسير الكتاب المقدس:-

نحن لا نعرف الكتاب المقدس إلاَّ من خلال الكنيسة، لذلك يقول القديس أغسطينوس: “لو لم يحركني سلطان الكنيسة الجامعة لما آمنت بالإنجيل”[17]، كذلك يقول القديس باسيليوس: “إن الكنيسة هي صوت الإنجيل الحيّ”، فمن خلال الكنيسة نستلم الأسفار القانونية ونميّزها عن الأصفار المنحولة.

التعليم حُفظ لطريقة حية في الكنيسة، لأن الروح أعطى ذلك للآباء، والكنيسة كانت تُعلِّم “مشافهة” وأودعت كلمة الله ووطدتها في النفوس “فصوت الإنجيل الحيّ” لم يكن مجرد تلاوة لكلمات الكتاب، بل كان إعلاناً لكلمة الله كما سُمعت وحُفظت في الكنيسة بقوة الروح الذي يفعل فيها دائماً ويحييها، فيرى القديس إيريناؤس أن الرسل هم الذين حملوا ملء الحقيقة إلى الكنيسة: “فكل ما يتصل بالحقيقة أودع في أيديهم بأكثر وفرة”[18]

فالكنيسة والكتاب لا ينفصلان ولا يتنقضان. فالكتاب، أي فهمه الصحيح موجود في الكنيسة فقط، لأن الروح يوجهها ويرشدها، ولذلك أكد العلاَّمة أوريجانوس وحدة الكنيسة والكتاب، وكانت مهمة المفسّر عنده هي الإعلان عن كلمة الروح فيقول: “يجب أن ننتبه عندما نُعلم لئلاّ نقدم تفسيرنا الخاص بدلاً من تفسير الروح القدس”[19]، هذا الأمر يبقى مستحيلاً خارج التقليد الرسوليّ المحفوظ في الكنيسة. فالعلاَّمة أوريجانوس شدّد على التفسير “الجامع” للكتاب، كما هو مقدّم في الكنيسة: “لنصغ في الكنيسة إلى كلمة الله التي تُقدَّم على نحو جامع”[20]، أما الهراطقة فيتجاهلون “قصد” الكتاب الحقيقيّ، ويقول أيضاً: “فالذين يقدمون كلام الله من دون أن يُقرنوه بقصد الكتاب وبحقيقة الإيمان ويزرعون قمحاً يحصدون شوكاً”[21].

يقول القديس كيرلس عمود الدين: “إنه من الصعب جداً أن نشرح الأسرارالإلهيّة، حيث إنها تنتمي إلى العالم الروحيّ، بينما الطبيعة البشرية الفاسدة والذهن المريض لا يسمحان بمعاينة المجد الإلهيّ معاينة كاملة”[22]، كما يؤكد على أن يكون المفسّر على وعي بالأساسيّات التي ستساعده على فهم الأسرار الإلهيّة، هذه الأساسيّات تتعلق بإيمان الكنيسة.

يرى القديس إيريناؤس أن تفسير الكتاب المقدس ينبغي أن يُشرَح على أساس الكتاب نفسه، حيث يقول في كتابه ضد الهرطقات: “تفسيرات نصوص الكتب المقدسة لا يمكن شرحها إلاَّ من الكتب المقدسة نفسها”[23]، وهذا يعني أننا لا يمكن أن نأخذ آية ونشرحها منفصلة عن الكتاب المقدس، فالكتاب المقدس بعهديه وَحْدَة واحدة لا تتجزأ.

كما يوضح القديس إيريناؤس ذلك في المثل الآتي: صورة جميلة لملك من الفسيفساء صنعها فنان ماهر ورصعها بأحجار كريمة، قام الهراطقة بتقطيع هذه الصورة الجميلة إلى قطع، ثم حاولوا إعادة تجميعها ولكن ليس إلى صورة الملك، بل إلى صورة كلب أو ثعبان، ثم زعموا أن هذه هي الصورة التي رسمها الفنان الأول، ويعللون ذلك بأن الحجارة المستخدمة، هي الحجارة عينها التي استخدمها الفنان الأول”[24]، حيث إنهم يبررون هرطقتهم بآيات كتابية، لكن ليس في المعنى السليم الذي اُستخدمت فيه بل يبترون عبارات تخدم هرطقتهم.

يقول القديس إيريناؤس أيضاً “هذه هي طريقتهم (أي الهراطقة) التي لم يتنبأ بها الأنبياء، ولا الرّب علّم بها، ولا الرسل سلّموها لنا، فهم يفتخرون بصوت عالٍ أنهم يعرفون أكثر من الآخَرين، وهم يستندون في هذا إلى مصادر خارج الكتاب المقدس”[25]، “أنهم يحاولون أن يجعلوا أمثال الرّب أو أقوال الأنبياء أو كلمات الرسل، تتوافق مع أقوالهم بطريقة تجعل الناس يصدقونهم حتى لا يبدو تلفيقهم أنه بدون مرجع، فهم يتجاهلون نظام الكتب المقدسة وترابطها مع بعضها، وبتجاهلهم لهذا الترابط الذي يكمن فيه أساس الحق، فإنهم يفككون أعضاء الحق”[26].

هذا هو عمل الهراطقة في الكتاب المقدس، يأخذون آية ويهملون باقي النصوص، أو يأخذون جملة من موضوع ما بما يخدم بدعتهم ويتفق مع رغباتهم الدنيئة، فالتقليد يهاجمونه تماماً لأنه يجمع النموذج “أي الوسيلة التي توصلنا إلى الهدف، أي الخلاص غاية إيمانكم هو خلاص نفوسكم”.

مدارس تفسير الكتاب المقدس:

هناك منهجان لتفسير الكتاب المقدس …

1- منهج مدرسة الإسكندرية اللاهوتيّة:

اشتهرت مدرسة الإسكندرية – التي كانت معقل العالم المسيحيّ الأول – بالتفسير الرمزيّ Allegorical، استخدم القديس أكْلِمَنْضُس هذا النوع من التفسير؛ إذ نرى أن التفسير الرمزيّ للكتاب المقدس يشبه بتولية العذراء، حتى بعد أن ولدت المسيح، كذلك الكتاب المقدس يلد لنا الحق الذي نأخذ منه التأملات ولا يزال بتولاً[27].

نَظَّمَ أوريجانوس قواعد هذا التفسير، ومن القواعد التي وضعها أوريجانوس أننا نفهم الكتاب المقدس بثلاث طرق[28]:-

التفسير الحرفيّ أو المعنى السطحي وهو يناسب البسطاء من المسيحيّين.

التفسير السلوكيّ “الأخلاقيّ” وهو للتهذيب ودرجة أعلى من التفسير الحرفيّ.

التفسير الروحيّ Typology  ويتهذّب به الكاملون.

كما يقول العلاَّمة أوريجانوس: “إن هناك علاقة بين المستويات الثلاثة وبين خلق الله للإنسان نفساً وجسداً وروحاً، فالمعنى الحرفيّ يقابل مستوى الجسد Body وهو يناسب البسطاء من المسيحيّين، والتفسير السلوكيّ أو الأخلاقيّ يقابل مستوى النفس Soul  ونستشفه من الأحداث ونعيش به، والتفسير الروحيّ يقابل مستوى الروح Spirit، وهو خاص بالكاملين الذين يكتشفون فيه المفاهيم الروحيّة العميقة ويتلاقون مع المسيح”[29].

التفسير الروحيّ يشير إلى الطبيعة الإلهيّة، بينما الحرفيّ والتاريخيّ إلى الطبيعة البشرية للكلمة المتجسد، وكل منهما يعملان بغير اختلاط ولا انفصال، وكل منهما يشير إلى الآخَر، فالتفسير الروحيّ يشير إلى اللاهوت، والتفسير الحرفيّ يشير إلى الناسوت الذي يقودنا إلى ألوهيته، ويُعطي مصداقية تاريخية لحقيقة التجسد.

كما يرى العلاَّمة أوريجانوس أن التفسير أحياناً يكون على مرحلتين فقط وليس ثلاثة، فقد يخلو النص من التفسير الحرفيّ الذي يقابل الجسم، ويكون ذلك عندما يكون الكلام مجازياً، ويعتمد في ذلك على الستة أجاجين المستخدمة في التطهير كانت تسع لمطرين أو ثلاثة: “سِتَّةُ أَجْرَانٍ مِنْ حِجَارَةً مَوْضُوعَةً هُنَاكَ حَسَبَ تَطْهِيرِ الْيَهُودِ يَسَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِطْرَينِ أَوْ ثلاَثَةً” (يو 6:2) فيقول “الذين يدعوهم الرسول (يقصد معلّمنا القديس بولس الرسول) يهوداً في الباطن (راجع رو 29:2) أنهم تطهّروا بكلام الأسفار، لأنهم يسعون تارة مطرين أي يتقبلون فهم النفس والروح، وأحياناً ثلاثة حينما يمكن أن يحتمل النص … فالاجاجين الستة الذين تطهروا وهم في العالم، أننا نقرأ أن العالم وكلّ ما فيه قد اكتمل في ستة أيام”[30].

التفسير الرمزي:-

يرى القديس أكْلِمَنْضُس السكندريّ أن الثوب الملون الذي أعطاه يعقوب أبو الآباء ليسوف الصديق إشارة إلى المعرفة المتنوعة[31]، كما يفسر قول السيد المسيح “وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتاً أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَباً أَوْ أُمَاً أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَداً أَوْ حُقُولاً مِنْ أَجْلِ اسْمِي يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ وَيَرِثُ الحَيَاة الأَبَدِيَّةَ” (مت 29:19)، بأن الأب يعني ترك الحق المدنيّ، وترك الأم يشير إلى الموطن أو القوت[32].

ويفسّر عدد عبيد إبراهيم الذين أُسروا، وكان عددهم “318 عبداً”، بأنهم إشارة إلى صليب السيد المسيح فعدد 300 يُكتب T، وال 18 تكتب IH، ال318 تُكتب [IHT] صليب يسوعَ المسيح.

كذلك العلاَّمة أوريجانوس يرى أن ابنة فرعون التي انتشلت موسى بعد أن وضعتْه أمه في سفط مطليّ بالقار، تشير إلى كنيسة الأمم التي جاءت إلى النهر لتغتسل من خطاياها، فالنهر يشير إلى المعمودية، وموسى الموضوع في سفط مطلي بالقار، يشير إلى الناموس الذي وقع أسيراً في يد الأمة اليهودية، حتى تحرّر وجاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله فيقول إن ابنة فرعون: “بحضورها إلى مياه المعمودية تأخذ الكنيسة الناموس “موسى” الذي كان مختبئاً في صفط من البرديّ ومطليّ بالحمرة والقار”[33].

كما يفسرّ قول السيد المسيح عندما سأله تلميذه يوحنا: “رَبِّي أَيْنَ تَمْكُثُ؟ فَقَالَ لَهُمَا تَعَالَيَا وَانْظُرَا. فَأَتَيَا وَنَظَرَا أَيْنَ كَانَ يَمْكُثُ وَمَكَثَا عِنْدَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ. وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ (يو1 38 ،39)، فيقول العلاَّمة أوريجانوس (تعاليا) دعوة للعمل، (انظرا) دعوة للتأمل؛ فالسيد المسيح يدعو البشريّة للحياتين معاً العملّية والتأملية[34].

كذلك فسَّر قول يوحنا المعمدان عن السيد المسيح “هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي الَّذِي صَارَ قُدَّامِي الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقِّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ” (يو 27:1)، يقول أوريجانوس: “إن هذا الحذاء هو سر التجسد؛ حيث ظهر الله في اللحم والدم بإنسانية كاملة، وأن يوحنا المعمدان حسب نفسه غير أهلٍ لإدراك هذا السر”.

في تفسير أوريجانوس لقول موسى النبيّ لفرعون “فنذهب ثلاثة أيام في البرية نذبح للرب إلهنا” (خر 3:5)، إن الطريق الذي يقطعونه في مسيرة ثلاثة أيام هو طريق الرب الذي قال عن نفسه “أنا هو الطريق والحق والحّيّاة”، فهذه الثلاثة أيام كما جاءت في رومية “لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبَّ يَسُوعَ وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ خَلَصْتَ” (رو 9:10)، لذلك يرى أن فرعون الذي قال لموسى لا تذهبوا بعيداً؛ كان كالشيطان يريد أن يعطل المؤمنين عن طريق الخلاص، وعلى نفس المنوال سار إبراهيم ثلاثة أيام لكي يقدّم ابنه إسحق[35].

كما يرى في قضيب اللوز مثال قويّ لنظريته، فالغلاف الخارجيّ المر الذي يسقط عند نضوج اللوزة، يمثل المستوى الحرفيّ الذي عاق اليهود عن بلوغ المعرفة الحقيقية، والغلاف الداخليّ السميك الذي لابد أن نكسره لكي نصل إلى الثمرة الحقيقية، يشير هذا الغلاف إلى التفسير الأخلاقيّ أو السلوكيّ، الثمرة الداخلية التي تؤكل، تشير إلى التفسير الروحيّ الذي هو غذاء الحيَاة الأبدية[36].

كما فسّر معجزة شفاء ابنة خادم الملك (يو4 : 36-53)، فخادم الملك هو إبراهيم الذي تضرّع إلى السيد المسيح، لكي يشفي ابنه إسرائيل المريض بمرض عضال.

كذلك فسّر إقامة لعازر من الأموات، بأن لعازر هو المسيحيّ الذي يريد أن يرجع إلى الحيَاة الأممية، والذي يُشار إليها في المعجزة بالقبر، بينما الأقمطة واللفائف التي رُبط بهما يشيران إلى الخطايا، وبالتوبة يمكن للإنسان أن يخرج من القبر، أما مسألة بقائه مربوطاً حتى بعد أن يخرج من القبر تشير إلى مهمة الكنيسة في أن تحل المربوطين.

التفسير الرمزي وخطورته:-

اعتمدت مدرسة التفسير الرمزيّ للكتاب المقدس على آية “لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلَكِنَّ الرُّوحَ يُحْيي” (2كو 6:3)، لهذا بَاَلَغَ أوريجانوس في التفسير الرمزيّ للكتاب المقدس على أساس أن حرّفية الناموس قاتلة بسبب عصيان الكلّ له، أما روح الإنجيل فهو واهب الحيّاة.

كما كان أوريجانوس مغالياً في استخدام المعنى الرمزيّ للأسماء والأعداد لدرجة أنه أهمل التفسير الحرفيّ بعد ذلك حيث قال: (أن التفسير الحرفيّ يقابل الجسد وأن الكتاب المقدس ليس له جسد)، وصل لدرجة أنه أنكر بعض الحقائق مثل وجود حروب دموية، أو فلك نوح، أو كذب إبراهيم بقوله عن ساراي أنها أخته؛ مظهراً أن هذه الحقائق لها تدابير باطنية تحمل رموزاً روحية، لم تقبل الكنيسة هذه الطريقة الرمزيّة بهذا الشكل المتطرف، ومع ذلك ينبغي الإقرار بالتأثير القويّ لــ “فيلو اليهودي” على كل المقالات في القرون الأولى.

وأيضاً التلاميذ بسبب رغبتهم في أن يعرفوا وقت حدوث ما قاله الرب، توسلوا إليه قائلين “قل لنا متى ستكون هذه الأمور، وما هي علامة مجيئك؟” (مت 3:24)، أرادوا أيضاً أن يعرفوا زمنها (مت 36:24)، وذلك لكي لا يضلوا، وأيضاً لكي يتمكنوا من تعليم الآخَرين، فإنهم بعد أن عرفوا، فقد صححوا أفكار الذين كانوا على وشك الضلال من أهل تسالونيكي[37]”.

والقديس كيراس عمود الدين من بين الذين أشادوا بهذه المدرسة، كذلك القديس ديديموس الضرير الذي له ثلاث طرق متلازمة في تفاسير الكتاب المقدس، ألا وهي التفسير الحرفيّ ويعقبه التفسير التاريخيّ ثم التفسير الرمزيّ، فكان يقرأ فقرة ثم يفسرها تفسيراً حرفياً ثم تاريخياً ثم روحياً، وفي أغلب الأحيان كان يتحاشى التفسير التاريخيّ فهو لا يرى أن يعمل عمل مؤرخ.

كذلك خارج الإسكندرية نجد أن كلّ من القديس باسيليوس الكبير، والقديس غريغوريوس النزينزيّ قد اتخذا العلاَّمة أوريجانوس مُعلماً لهما[38]، وسارا على مدرسته التفسيرية، كما كان هيسيخيوس الأورشليميّ أيضاً يتبع نفس المدرسة.

2- منهج مدرسة انطاكية:

تبنّت مدرسة التفسير الحرفيّ Literalist Interpretation ، وقد قام به لوكيانوس في النصف الثاني من القرن الثالث، كرد فعل للمبالغة في التفسير الرمزيّ.

وقد كانت مدرسة أنطاكية مشابهة لمدرسة الإسكندرية، إذ كانت تقوم على الجهود الفردية للمعلمين، ولم يكن لها منهج أو تخطيط علميّ، ولكنها لم تكن مستديمة يتعاقب عليها المدرسون على التوالي كمدرسة الإسكندرية، لكنها كانت تتبنى اتجاهاً لاهوتياً، وبالأخص تتميز بنمط مُعَّين في تفسير الكتاب المقدس[39].

قاومتِ المدرسة الأنطاكية التفسير الرمزيّ لمدرسة الإسكندرية، معتمدة فقط على التفسير الحرفيّ (حقيقيّ أو مجازيّ) وهو المنهج اللغويّ أو الحرفيّ، التاريخيّ. يقوم هذا المنهج على التفسير البسيط حسبما تشرحه اللغة، لذا دعي “المنهج اللغوي أو الحرفيّ”. كما قام على تأكيد الحقائق التاريخيّة كما وردتْ في الكتاب المقدس كحقائق واقعية وليست أعمالاً مجازية رمزية، لذا سمى أيضاً بالمنهج التاريخيّ، مستبعدة تماماً المعنى الروحيّ الذي استبدلوه بالتعليم الأخلاقيّ.

ومن مشاهير المدرسة، نسطور الهرطوقيّ الذي أُدين في مجمع أفسس سنة (431م)، وديؤدور أسقف طرسوس، وثيؤدور أسقف موبسويست، وأهم عظماء هذه المدرسة مارِ أفرام السريانيّ، القديس يوحنا ذهبيّ الفم، العلاّمة ترتليانوس.. ويقول المستشرق الفرنسيّ L.Le Camus: إنَّ تيودور ويوحنا فم الذهب وتيودوريت ساروا على طريقة مار أفرام في شرح الكتاب، وهو يأخذ الحقائق الواردة في الكتاب المقدس خاصة العهد القديم كحقائق واقعية فهي ترفض الرمزيّة .Allegorism

ومع ذلك ظهر لدى آباء أنطاكية ما يُعرَف بالثيؤريا Theoria، وهو نوع من الرمزيّة والتأمل، يقوم على أساس ما يُسمى بالنمطية Tipology بشرط ألاَّ تكون الرمزيّة اجتهاداً شخصياً، ويتضح ذلك من الأمثلة الآتية:-

يفسر مارِ افرام السريانيّ ما جاء في نبوءة إشعياء “لأُنشِدَنَّ عَنْ حَبِيبِي نَشِيدَ مُحِبِّي لِكَرْمِهِ. كَانَ لِحَبِيبِي كَرْمٌ عَلَى أَكَمَةٍ خَصِبَةٍ. فَنَقَبَهُ وَنَقَّى حِجَارَتَهُ وَغَرَسَهُ كَرْمَ سَوْرَقَ وَبَنَى بُرْجاً فِي وَسَطِهِ وَنَقَرَ فِيهِ أَيْضاً مِعْصَرَةً فَانْتَظَرَ أَنْ يَصْنَعَ عِنَباً فَصَنَعَ عِنَباً رَدِيئاً. وَالآنَ يَا سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ وَرِجَالَ يَهُوذَا احْكُمُوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَرْمِي. مَاذَا يُصْنَعُ أَيْضاً لِكَرْمِي” (إش5 :1-4)، حيث يشبّه إشعياء إسرائيل بكرم نصبه الله وسيَّجه وبنى في وسطه برجاً وحفر فيه معصرة، ولكن عوض أن يُعطي الكرم أعطى حصرماً، فرذله صاحب الكرم،

يقول مارِ أفرام: “كان لله حبيبي كرم في رابية خصبة، حرثه بالخيرات والآداب، وحوَّطه بسياج شريعته وغرس فيه أغصان كرمه وهم الصدّيقون والنسّاك، وبنى برجاً في وسطه أعني مملكة ومحكمة، وحفر فيه معصرة أعني كهنوتاً وذبيحةً، وانتظر أن يُثمر عنباً أعني أعمالاً صالحة، فأثمر حصرماً برياً وخرنوباً أعني أعمالاً رديئةً… ولهذا يقول الرّب إنّي أقوّض برجه فيكون معرضّاً للنهب والسلب.. وأخرق جدار شريعته فيصبح مدوساً تطأه الشهوات التي كلف بها..”.

كما يُفسِّر هذه الآية “وَأَجْعَلُهُ خَرَاباً لاَ يُقْضَبُ وَلاَ يُنْقَبُ” (إش 6:5) بهذه العبارة: “فمعناه أنّه تعالى يتخلّى عن الاهتمام به. وقوله اوصي السحاب لا يمطر عليه مطراً معناه أنَّه يمنع الأنبياء عن أن يتنّبؤا له…”[40].

في هذا النموذج نرى جليّاً طريقة مارِ أفرام في التقيّد بالنصّ الكتابيّ، وتفسيره بالمعنى الحرفيّ الذي ينسجم أكثر مع الواقع والحقيقة.

فسَّر القديس مارِ أفرام السريانيّ معجزة تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل، بقوله “إن في الخمر دخول عجيب للطبيعة البشرية في رحم العذراء (دون زرع بشر)”، كما يرى أن مريض بركة بيت حسدا لم يُشفَ لعدم الكفاية الخلاصية للناموس، وأن المولود أعمى الذي اغتسل في بركة سلوام إشارة إلى المعمودية المقدسة التي نحصل منها على الخلاص[41].

يعتمد منهج الثيؤريا على أن معاني عبارات الكتاب المقدس لها معنى حرفيّ؛ وتقبل التفسير بالثيؤريا دون أن يكون لها معنى رمزيّ فقط، وجود ثاؤريا لحدث أو بعض آيات الكتاب المقدس يكون فيه شيء من التطابق وليس اجتهادياً، مثل وجود نص صريح عن الحيّة النحاسية “وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الحيّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ. هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإنسان” (يو 14:3)، ومن الأمثلة على ذلك منهج القديس يوحنا ذهبيّ الفم …

منهج القديس يوحنا ذهبيّ الفم:-

على الرغم من أن القديس يوحنا ذهبيّ الفم يتبع مدرسة أنطاكية، حيث لم يستخدم الرمزيّة خاصة في العهد القديم، وفي نفس الوقت لم يهاجم مدرسة الإسكندرية، إلاَّ أنه يرى[42]:-

1- توجد عبارات في الكتاب المقدس لا تُفسَّر إلاَّ بتفسير رمزيّ مثل سفر نشيد الأناشيد، أو عبارات مثل يد الرب، عينا الرب، يمين الرب، نزل الرب …

2- عبارات تقبل الاثنين معاً الحرفيّ والثاؤريا، فيؤكد ذهبيّ الفم على أن ذبح إسحق حقيقة تاريخية، وفي نفس الوقت فيه رمز للصليب[43]، كما أن نهر الأردن يُشير إلى المعمودية؛ ولكنه في نفس الوقت حقيقة، وعبور شعب بني إسرائيل فيه، قصة واقعية وليست رمزية فقط.

في تفسير القديس يوحنا ذهبيّ الفم للمزمور 150 “سبحوا الله بالطبل والمزمار”، يشرحها بطريقة روحية، فيشير إلى إماتة الجسد، حيث إن الطُّبول تُصنَع من جلود الحيّوانات الميّتة، والمزمار إلى التأمل في السماء، ولكنه لا يتغاضى عن التفسير الحرفيّ فيرجع ويقول: “أما أنا فأعتقد أن النص يعني تنازل الله لقبولنا بضعفنا البشريّ فيجب أن نُسبح مجده بفرح مستخدمين هاتين الآلتين”[44].

3- عبارات آخرى لا تقبل إلاَّ التفسير الحرفيّ فقط، مثل عبارة “خبزنا كفافنا أعطنا اليوم”، إذ يرى القديس يوحنا ذهبيّ الفم أنها لا تُفسَّر إلاَّ حرفياً، فالله يقدّم وصية لأُناس لهم جسد، وهذا الجسد له احتياجات[45]، وهو بذلك على العكس مِن العلاَّمة أوريجانوس الذي يرى أن الخبز هو خبز الطعام الباقي وليس الماديّ.

في تفسير ذهبيّ الفم لقول السيد المسيح في الموعظة على الجبل “طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ” (مت 5:5)، نجد أن القديس يوحنا ذهبيّ الفم يرفض أيَّ تفسير رمزيّ لها، ولا يقبل إلاَّ التفسير الحرفيّ، فيقول: “أخبروني عن إيِّ أرض يتكلّم الرّب؟

يقول البعض إنها أرض رمزية، كلا ليس الأمر كذلك، لأننا لا نجد في الكتاب المقدس كله أيَّ ذكر لأرض رمزية، فما معنى القول إذن؟ إن الرب يعد لنا مكافأة حسيّة، مثلما يقول معلّمنا القديس بولس الرسول أيضاً “أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِي أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ” (أف 2:6)، ويُضيف: “لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَار عَلَى الأَرْضِ” (أف 3:6)، والرّب نفسه يقول للص اليمين “الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ” (لو 43:23)، فهو لا يعدنا بالبركات العتيدة فقط، بل وبالحاضرة أيضاً، لأجل الذين يسعون إليها من سامعيه ذوي الطبيعة الأرضية جداً”[46].

كذلك قول السيد المسيح أيضاً: “كُنْ مُرَاضِياً لِخَصْمِكَ سَرِيعاً مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي الطَّرِيق لِئَلاَّ يُسَلِّمَكَ الْخَصْمُ إِلَى الْقَاضِي وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الشُّرَطِيِّ فَتُلْقَى فِي السِّجْنِ” (مت 25:5)، يفسرها القديس يوحنا ذهبيّ الفم قائلاً: “يبدو لي أنه يتحدّث عن قضاة هذا العالم، والطريق إلى محكمة العدل، وعن هذا السجن”[47].

الآباء والربط بين العهدين:

يقول السيد المسيح في حديثه في الموعظة على الجبل “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْيِيَاءَ مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأَكَمِّلَ” (مت 17:5) والكنيسة تقرأ العهد القديم بجانب العهد الجديد: “كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحي بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ والتَّوْبِيخِ لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ” (2تي 16:3).

لقد شهد السيد المسيح للعهد القديم بقوله “لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ” (يو 35:10)، وقال للفريسيين “وَأَنْتُمْ أَيْضاً لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصِيَّةَ اللَّهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ؟” (مت 3:15)، يقصد بوصية الله الناموس، كما قال أيضاً “فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَو نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ” (مت 18:5)، لقد ربط المسيح بين ضلال اليهود وابتعادهم عن كلمة الله – العهد القديم في ذلك الوقت

حين قال “تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللَّهِ… أَفَمَا قَرَأْتُمْ مَا قِيلَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ” (مت22 :29 ،31)، “فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّنونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي” (يو 39:5)، كما استشهد به السيد المسيح في التجربة على الجبل “مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإنسان بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللَّهِ” (مت 4:4)، “مَكْتُوبٌ أَيْضاً: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ” (مت 7:4)، مَكْتُوبٌ: لِلرَّبَّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ” (مت 10:4).

السيد المسيح طبّق الناموس في حياته على الأرض، فاُختتن في اليوم الثامن، وقدّموا عنه زوجي يمام أو فرخي حمام بعد أربعين يوماً من ميلاده تتميماً لشريعة التطهير، كذلك كان يدخل المجامع اليهودية، وقال للأبرص بعد شفائه بأن يذهب “أّرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ وَقَدِّمْ عَنْ تَطْهِيرِكَ مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى شَهِادَةً لَهُمْ” (مر 44:1).

† العهد القديم يحوي رموزاً ونبوات عن المخلِّص؛ ولهذا يخلُص معلّمنا القديس بولس الرسول إلى الحقيقة العظيمة “إِذاً قَدْ كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ، لِكَيْ نَتَبَرَّرَ بِالإيمان” (غل 24:3)، كذلك حديث السيد المسيح مع تلميذي عمواس “ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ” (لو 27:24)، وفي حديثه مع التلاميذ في العلية بعد القيامة “قَاَلَ لَهُمْ: هَذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وِأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ أُنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَاَلأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ” (لو 44:24)، “حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ” (لو24 : 44 ،45).

ويتحدّث السيد المسيح عن ألوهيته وموته وقيامته على أنها أمور مذكورة في الكتب، أي العهد القديم، وقد أشار إلى ذلك السيد المسيح مرّات عديدة، منها نبؤة معلمنا داود النبيّ في (مز 1:110) بأنه ربه، قال “كَيْفَ يَقُولُ الْكَتَبَةُ إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟ لأَنَّ دَاوُدَ نَفْسَهُ قَالَ بِالروُّحِ الْقُدُسِ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مِوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ فَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَدْعُوهُ رَبّاً. فَمِنْ أَيْنَ هُوَ ابْنُهُ؟” (مر12 :35-37)،

خاصة في (مز22) و(إش53) “وَأَخَذَ الاِثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ: هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَسَيَتِمُّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بِالأَنْبِيَاءِ عَنِ ابْنِ الإنسان لأَنَّهُ يُسَلَّمُ إِلَى الأُمَمِ وَيُسْتَهْزَأُ بِهِ وَيُشْتَمُ وَيُتْفَلُ عَلَيْهِ وَيَجْلِدُنَهُ وَيَقْتُلُونَهُ وَفِي الثَّالِثِ يَقُومُ” (لو18: 31-33).

ولكننا في نفس الوقت نجد أن السيد المسيح صَحَّحَ مفاهيم اليهود حول الناموس:

اليهود فهموا الناموس فهماً حرفياً، مثال ذلك الختان، الذي لم يُفهَم سوى على أنه مجرّد عمليّة ظاهرية، تمس الجسد فقط دون الروح، عاشوا حرف الوصية بدون روحها “لأَنَّ الْيَهُودِيَّ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ هُوَ يَهُودِيّاً وَلاَ الْخِتَانُ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ فِي اللَّحْمِ خِتَاناً بَلِ الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِيُّ وَخِتانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ هُوَ الْخِتَانُ الَّذِي مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ بَلْ مِنَ اللهِ” (رو 2: 28 ،29)،

فماذا ينفعك الختان في حالة عدم عملك بالناموس: “فَإِنَّ الْخِتَانَ يَنْفَعُ إِنْ عَمِلْتَ بِالنَّامُوسِ. وَلَكِنْ إِنْ كُنْتَ مُتَعَدِّياً النَّامُوسَ فَقَدْ صَارَ خِتَانُكَ غُرْلَةً!” (رو 25:2)، فحين أن الأمميّ الذي يعمل بالناموس الطبيعيّ، غرلته تصبح ختاناً “إِذاً إِنْ كَانَ الأَغْرَلُ يَحْفَظُ أَحْكَامَ النَّامُوسِ أَفَمَا اُحْسَبُ غُرْلَتُهُ خِتَاناً؟” (رو 26:2).

السيد المسيح صحّح مفهوم الوصيّة، أوضح لهم أهميّة الروح لا الحرف، حيث اقتصرت معرفة اليهوديّ بالناموس على العلم والمعرفة الحرفيّة به، والافتخار بأن لهم ناموس وأنهم أولاد إبراهيم “أَبُونَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: لِوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمِ!” (يو39:8)،

فمثلاً السيد المسيح أوضح في كلامه عن السبت المفهوم الصحيح للوصية “ثُمَّ قَالَ لَهُمُ: السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإنسان لاَ الإنسان لأَجْلِ السَّبْتَ إِذاً ابْنُ الإنسان هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضاً” (مر2: 27 ،28)، “وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ تَحَرَّرْنَا مِنَ النَّامُوسِ إِذْ مَاتَ الَّذِي كُنَّا مُمْسَكِينَ فِيهِ حَتَّى نَعْبُدَ بِجِدَّةِ الرُّوحِ لاَ بِعِتْقِ الْحَرْفِ” (رو 6:7)، تحرّرنا ليس من الناموس، بل من الفهم الخاطيء للناموس.

السيد المسيح لم ينقض وصايا العهد القديم بل عمق الوصية، نقل حدودها، كانت الوصية في العهد القديم تُناسب حالة الشعب اليهوديّ الذي أفرّزه الرب من وسط أمم تعبد الأوثان…

“قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عِلِى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ” (مت5 :21 ،22).

“قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرِأةٍ لِيَشْتَهِيهَا فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ” (مت5 : 27 ،28).

“وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَقِ. وَأمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنّى يَجْعَلُهَا تَزْنِي وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي” (مت5 :31 ،32)

“أَيْضاً سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَتَحْنَثُ بَلْ لأَوْفِ لِلرَّبَّ أَقْسَامَكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ لاَ بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللَّهِ. وَلاَ بِالأَرْضِ لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ وَلاَ بِأُورُشَلِيمَ لأَنَّهَا مَدِينَةُ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ. وَلاَ تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ لأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَجْعَلَ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ. بَلْ لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ لاَ لاَ. وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرِّيرِ” (مت5 :33-37).

“سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌ بِسِنً. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضاً” (مت5 :38 ،39).

“سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْل الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُنَكُمْ” (مت5 :43 ،44).

منذ وقت مبكر استشهد الآباء بنصوص من العهد القديم ومن أمثلة ذلك:

† يُورد القدّيس أكْلِمَنْضُس الرومانيّ في رسالته إلى كورنثوس الكثير من الاستشهادات الكتابيّة من العهدين القديم والجديد[48]، كذلك في الرسالة الثانية إلى المتبتلين: (المنسوبة إليه) يقول: “… لنبحث ونختبر ذلك الناموس (العهد القديم) والعهد الجديد” (7:2)، فهُنا كاتب الرسالة يحثنا على قراءة الكتب المقدسة العهدين معاً.

† يقتبس القديس بوليكاربوس من الأسفار القانونية: “لا تتأخروا عن عمل الرحمة لأن الصدقة تخلّص من الموت” (الرسالة إلى فيلبي10) الواردة في (طوبيا 11:4).

† الرسالة المنسوبة لبرناباس (القرن الثاني) توضح أن المسيحيّين هم الورثة الحقيقيون للعهد القديم؛ لأن اليهود لم يفهموه، كما أنهم فسروه حرفياً لا روحياً، واهتموا بشكليته فقط، أما المسيحيّون فهم الذين فهموه فهماً روحياً، كما أنه يَذكرُ عن العهد القديم “إنه كتاَبنا، أما هم ففقدوه إلى الأبد” (6:4 ،7)

كما يقول أيضاً: “لم يكن الناموس لليهود، فقد تلقاه موسى ولكنهم لم يستحقوه وإنما أُعد للمسيحيين منذ البدء، وإذا كان موسى قد تلقاه فإنه لم يكن إلاَّ خادماً، أما نحن فتسلَّمناه من السيد نفسه أننا أهل الميراث ولأن السيد تألم لأجلنا” (4:14).

† العلاَّمة القديس بنتينوس، يذكر عنه تلميذه القديس أكْلِمَنْضُس الإسكندريّ “كان كالنحلة الحقيقية التي تجمع رحيق الأزهار، من المروج النبوية والرسوليّة (أي أسفار العهد القديم والجديد) ليغرس في نفوس سامعيه ذخيرة معرفة غير فاسدة”[49].

† القديس أكْلِمَنْضُس السكندريَ يتناول في كتاب (المتفرقات الكتاب السادس ف 125:25) الاتفاق بين شريعة العهد القديم وشريعة العهد الجديد.

† ذكر بلاديوس في كتاب مشاهير الرجال عن القديس ديديموس الضرير: “لقد فهم ديديموس كل نصوص العهد القديم والجديد، وكان راسخاً بدرجة كبيرة في شرح الإيمان، وأنه بالبراهين القاطعة وبالدراسة العميقة تجاوز السابقين عليه جميعاً.

† محاولة الماركيونيين قطع العهد الجديد عن جذوره في القديم، فقُوبلتْ هذه المحاولة بمقاومة نشيطة وأٌدينت من الكنيسة العظمى.

† يروي يوستين الشهيد في دفاعه أنه انجذب للمسيحية بقراءة العهد القديم، وقد حاول في حواره مع تريفو أن يُثبت حقيقة المسيحية من العهد القديم، كما يرفض الاقتراح بأن العهد القديم هو فقط صلة ربط بين الكنيسة والهيكل اليهوديّ، بالنسبة له العكس صحيح تماماً، حيث إنه لم يعد العهد القديم ينتمي لليهود بل هو يخص الكنيسة وحدها.

وبالتالي كنيسة المسيح هي إسرائيل الجديدة الحقيقية الوحيدة، لم تكن إسرائيل القديمة سوى كنيسة غير نامية، بحسب استعمالها في كنيسة الفترة الأولى، كلمة “الكتب” ذاتها عنَت قبل كل شيء العهد القديم، وبهذا المعنى تُستعمَل بشكل جليّ في قانون الإيمان “كما في الكتب

أي بحسب نبوءات الشريعة القديمة ووعودها، كما يذكر لنا أيضاً قراءة العهد القديم في الليتورجيات فيقول “إنه في اليوم الذي يُدعى يوم الرب ( ̑ηκαɩρѵK) يجتمع الشعب كله وتُقرأ أسفار العهد القديم، والرسل (كتابات العهد الجديد)، بحسب ما يسمح الوقت، وحينمت ينتهي المعلِّم من الكلام يُعطى رئيس الاجتماع (رئيس الكهنة) الإفخاريستيّ عظة يحثنا فيها على الاقتداء بسير أولئك القديسين”[50].

† يُوصي آباء الكنيسة بضرورة قراءة العهد القديم، فيقول ذهبيّ الفم “كل الكتاب يهب تعزية للذين يُصغون إليه، كما يرى أن مسيحياً بغير معرفة الكتب المقدسة (العهدين) كعامل بغير أدوات”[51]، كما يقول “العهدان مرتبطان معاً، ومتضافران كل منهما مع الآخر”[52]، كما يقول “نستطيع أن ننال تعزية وفيرة ليست في العهد الجديد وحده، إنما في العهد القديم أيضاً”[53].

كذلك يرى أن الذي ليس على دراية بالكتب المقدسة يشبه “مَن يعمل في منجم بغير خبرة في هذا الفن، فإنه يخلط بين الأشياء النفيس والتراب، بل ويضيع عمله هباءاً …هكذا الذين لا يفهمون الكتاب المقدس، ولا يراعون خصوصياته وقوانينه، بل يسيرون في كل نقطة من محتوياته بإهمال من غير حكمةـ يمزجون الذهب مع التراب، ولا يكتشفون الكنز المخفى داخله”[54].

وفي رده على المانويين يعارض إدّعائهم في وجود فرق شاسع بين العهد القديم والعهد الجديد، حيث أنهم يقولون أن إله التدبير (العهد) القديم صارم وعادل، في حين أن إله العهد الجديد هو إله الحُب. فيؤكد القديس يوحنا على إن المُشرع في الاثنين (العهدين) هو مُشرع واحد، فالعهد القديم هو ممهد ومسبق للعهد الجديد، فوصايا السيد المسيح تُكمل الشريعة اليهودية[55].

† يُعبِر القديس أُغسطينوس عن موقف الآباء من العهد القديم بقوله “العهد الجديد هو إتمام العهد القديم”، يسوع المسيح هو المسيّا الذي تكلَم عنه الأنبياء، فيه تحققت كل الوعود والنبوات. فالناموس والإنجيل متلائمان، فمن هنا نرى أن الكتاب المقدس بعهديه وَحْدَة واحدة، فالسيد المسيح هو محور نبوات العهد القديم.

ويقول أيضاً “إن العهدين القديم والجديد يمثلان وحدة لا انفصال فيها، إذ يُعبِّران عن خطة العناية الإلهيّة، ويقودان إلى المسيح“، وكان في تفسيره لأحداث الكتاب المقدس يربط بين العهدين، فيبرهن على سمو العهد الجديد في علاقته بالعهد القديم، فعندما فسّر معجزة تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل، أظهر أن النبوة في العهد القديم لها طعم المياه لو فُهمت مستقلة، ولها طعم الخمر لو فُهمت ونُسبت إلى المسيح.

كذلك عندما فسّر معجزة شفاء مريض بركة بيت حسدا، فسرها على أن البركة تُشير إلى الشعب اليهوديّ، والأعمدة الخمسة هم أسفار موسى الخمسة التي ليست لها إمكانية لشفاء البشر، “لأنه بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه، لأن بالناموس معرفة الخطية” (رو 20:3)، ولكن الخلاص والتبرير تم بالسيد المسيح الذي جاء وشفى المريض بدون الناموس دون الماء والبركة.

كما يُفسِّر معجزة إقامة لعازر من الأموات بأن لعازر الميت هو الإنسان الخاطيء، وأن الحجر الذي كان على القبر هو الناموس، وقول السيد المسيح “ارفعوا الحجر” (يو 39:11) تعني “أكرزوا بالنعمة”، كما أن قول السيد المسيح لتلاميذه “حلوه ودعوه يذهب” (يو 39:11)، هو منح لسلطان حل الخطايا على الأرض[56].

يقول القديس كيرلس الأورشليميّ “الكتب المقدسة الإلهيّة المُوحى بها: كل العهد القديم والعهد الجديد، هي التي تُعلّمنا، فإن إله العهدين هو واحد، فقد أُخبرنا في العهد القديم عن المسيح الذي يظهر في العهد الجديد، والذي قادنا من خلال الشريعة وأنبياء إلى مدرسة المسيح، إذ “كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ” (غل 24:3)، إذا سمعتَ أحد الهراطقة ينطق بشر على الناموس والأنبياء أجبْه بكلمات المخلِّص، إذ جاء يسوع لا لينقض الناموس بَلْ ليكمله (مت 17:5)”[57].

تفسير الكتاب المقدس والكنيسة الأولى

 

 

[1]  – القديس أثناسيوس الرسوليّ الرسالة الفصحية الثانية. N & P .N . F .ser. 2,vol. 4 – Festal Letters:2.

[2]  – د. جوزيف موريس فلتس – الآباء والكتاب المقدس – مقدمة كتاب شرح وتفسير آباء الكنيسة لأناجيل وأحاد السنة التوتية – مؤسسة القديس باسيليوس – ص 20.

[3]  – رشدي حنا عبد السيد – الفلسفة اليونانية القديمة – مقدمة عامة ص 5.

[4]  – جورج عوض ابراهيم – تفسيرات الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى – دورية مركز دراسات الآباء – السنة التاسعة العدد17، يناير 2007، ص81.

[5]  – الفيلسوف زينو Zeno  مؤسس المدرسة الرواقية في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الثالث قبل الميلاد.

[6]  – جورج عوض ابراهيم – نفس المرجع السابق ص 82.

[7]  – Midrash  اسم عبريّ من الفعل العبريّ “دَرَش” ويعني “درس وبحث وفحص بدقة تامة”، وكان شائعاً في القرن الأول الميلاديّ، وهو شرح للمنهج التفسيري المتبع في التليمود، ويختص فيه بالنصوص التفسيرية العقائدية، وهي تتناول شرحِ الأحداث التاريخية والنبوات والكتب الشعرية في العهد القديم، ولم يكن للمدراش شكل تفسيريّ يشرح النصّ الكتابيّ آية آية، إلا أنه في أغلب الأحيان توسيع وإسهاب لهذا النصّ في طريقة تقويّة تبني المومنين.

[8]  – القاموس الموسوعيّ للعهد الجديد – فيرلين د. فيربروج – الناشر دار الكلمة 2006 ص 241.

[9]  – جورج عوض ابراهيم – تفسير الكتاب المقدس في الكنيسة الأولى 2 – دورية مركز الدراسات الآباء – يوليو 2006 – ص73.

[10]  – التلمود كلمة مشتقة من الجذر العبريّ الذي يعني الدراسة والتعلّم، كما في عبارة«دراسة الشريعة»، وتعود كل من كلمة «تلمود» العبرية وكلمة «تلميذ» العربية إلى أصل سامي واحد.

[11]  – روجيه غارودي “فلسطين أرض الرسالات السماوية” – ترجمة قصي أتاسي – ميشيل واكيم – الطبعة الأولى 1988 دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر.

[12]  – راهب من دير البراموس – التلمود نشأته وتاريخه – الطبعة الثانية 2002 – ص18.

[13]  – قصة الحضارة – و.ل.دبوراتت – 1975، ج3، المجلد الرابع، ص 10-39.

[14]  – راهب من دير البراموس – التلمود – مرجع السابق – ص 70.

[15]  – راهب من دير البراموس – التلمود – مرجع السابق – ص 62.

[16]  – راهب من دير البراموس – التلمود – مرجع السابق – ص36-38، التلمود كتاب اليهود المقدس، دار قتيبة، دمشق 2006.

[17] – V.f.epistolum fundaminti 6.

[18]  – ضد الهراطقة 3، 4، 1

[19]  – تفسير رومية 1، 3، 1.

[20]  – في تفسير اللاويين، العظة 4، 5

[21]  – في تفسير إرميا العظة 7، 3

[22]  – شرح إنجيل يوحنا11 – ترجمة مركز دراسات الآباء PG74. 646AB   

[23]  – ضد الهرطقات 12:9:AH3  

[24]  – ضد الهرطقات 9:1: AH1

[25]  – على نفس هذا المنوال مَن يترجمون كتابات غريبة دون إفراز أو من يتأثرون بفكر فلسفي غريب أو تعاليم هرطوقية داخل ثوب مزيف

[26]  – ضد الهرطقات 1:8: AH1

[27] – Strom. 7:16.

[28] – العلاَّمة أوريجانوس – في المباديء 4-2-4 – ترجمة الاب جورج خوام البوليسي – منشورات المكتبة البوليسية – 2002 –ص 387.

[29] – العلاَّمة أوريجانوس – نفس المرجع السابق – ص 387.

[30]  – العلاَّمة أوريجانوس – نفس المرجع السابق – ص 389.

[31] – Strom. 4.5

[32] – Strom. 4.4

[33] – In Exod. Hom, 2.4.

[34] – In Joan. t2, c29.

[35] – In Exod. Hom, 3.3.

[36]  – القمص تادرس يعقوب ملطي – آباء مدرسة الإسكندرية الأولون 2001 – ص 153.

[37] – ضد الأريوسيين 54:1.

[38] – دياكون مجدي وهبة – آباء الكنيسة والكتاب المقدس – دورية مركز دراسات الآباء – يناير 1998 .ص 55.

[39] – P Schaff , History of chrision church,1910, vol. 2,p.816.

[40] – مُعرَّباً من مخطوطة في مكتبة دير الشرفة ترجع إلى القرن الثاني عشر.

[41]  – تفسير المعجزات في إنجيل يوحنا عند آباء الكنيسة ومعلميها 2 – الكتاب الشهريّ – بيت التكريس مارس 2006 – ص26

[42]  – عن القمص تادرس يعقوب ملطي – القديس يوحنا ذهبيّ الفم 1980 – ص 141 .. In Ps. , hom 9:4

[43] – In Psalm . PG55 :209.

[44] – In thes. , hom3. عن القمص تادرس يعقوب ملطي- القديس يوحنا ذهبيّ الفم 1980 – ص 138.

[45] – In Mat. , hom 19:8.

[46] – In Mat. , hom 15:5.

[47] – In Mat. , hom 16:13.

[48]  مشكاة الطلاب في حل مكشلات الكتاب – طبعة 1929 ص168.

[49] – Clem. Stromata 1:1.

[50]  – الدفاع 67:1.

[51]  – القمص تادرس يعقوب ملطي – القديس يوحنا ذهبيّ الفم – 1980 – ص

[52] – In Mat, home 47:7.

[53]  – De Paralyt.  عن القمص تادرس يعقوب ملطي – القديس يوحنا ذهبيّ الفم – 1980 – ص 135.

[54] – In Jon, hom 40:1.

[55] – J. Quasten.Patrology. Vol. 3, P.437.

[56]  – تفسير المعجزات في إنجيل يوحنا عند آباء الكنيسة ومعلميها 2 – الكتاب الشهريّ – بيت التكريس مارس 2006 – ص24

[57]  – القديس كيرلس الأورشليميّ – مقالات لطالبي العماد 33:4 – عن القس تادرس يعقوب ملطي – كيرلس الأورشليميّ 1970 – ص 123،124.

تفسير الكتاب المقدس عند الآباء

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

الرجم في اليهودية – دراسة

الرجم في اليهودية – دراسة

الرجم في اليهودية – دراسة

 

في المنشاه في تراكتيت سنهدرين (45a) تشرح تنفيذ عقوبة الرجم. على المتهم المدان. وقد كان هناك مجموعة من الاحجار على منصة عالية دُفعت من فوق وسقوطها ربما يؤدي الي القتل الشخص لحظياً. (1) يفسر التلمود ان هذا الارتفاع الكبير الذي دُفعت من خلاله الاحجار يشير الي ارتفاع كبير بما يكفي للموت المؤكد. وفقاً للتلمود.

والمستمد من وصية الكتاب المقدس في لاويين (19 :18) “لا تنتقم ولا تحقد على ابناء شعبك بل تحب قريبك كنفسك. انا الرب. “هذه الوصية تتطلب من المحكمة تحديد أدانة انسانية للمتهم أي “ادانة او موت غير مؤلم” (Sanhedrin 45a). واضح الرابي راشي في تعقيبه على هذا الامر عن التلمود (2) انه عندما يقول التلمود الموت الانساني فهو بذلك يعني “الموت السريع”.

استمر النقاش في السنهدرين عن هذا الامر الذي يكشف عن اهتمام الحاخامات على طريقة تنفيذ الرجم علي وجه سريع وغير مؤلم قدر الامكان. والتسبب في اقل قدر من تشوه. فلذلك اقترح أحد الحاخامات ان ارتفاع المنصة التي توضع عليها الاحجار يجب ان تزيد بقدر الامكان ليكون الموت محقق. واجاب أحد الحاخامات ان ارتفاع المنصة غير مقبول لأن السقوط من الأعلى يؤدي الي احداث تشوه ما.

تم وضع قواعد وقوانين عديده للرجم حتى لا يتم قتل الابرياء وهذا مذكور في العهد القديم. فقد قال الفيلسوف موسي ابن ميمون انه من الافضل تبرئة ألف شخص مذنب من الموت على ان يموت شخص واحد برئ. (3)

من ضمن القوانين. لا يمكن توقيع عقوبة الاعدام ألا من خلال محكمة مشكلة من ثلاث وعشرين عضواً من الاعضاء المؤهلين. ويجب ان يكون هناك شهادات موثوقة ومقنعة من الشهود الذي لا يقل عددهم عن اثنين. (4) وايضاً معرفة العمر والحالة العقلية وهل تم ارتكاب الجريمة عن عمد ام عن مساعدة اخرين. وفقاً للاويين 19 الذي تدعو الي ان تحب قريبك كنفسك. قال الحاخامات ان هذا الحب يجب ان يبتعد عن العلاقات الاجتماعية وحدودها وان يمتد حتى علي المجرم المدان. فكما هو مذكور ” على الرغم انه خاطئ.

لكنه لا يزال اخوك” (5)” ويجب ان تتجلي روح الحب من خلال اعتماد موت لائق له” (6) وحسب التثنية 24 16 لا يقتل الآباء عن الأولاد، ولا يقتل الأولاد عن الآباء. كل إنسان بخطيته يقتل. ويتم تنفيذ هذا حرفياً وايضاً روح النص. وممتلكات الشخص تذهب الي الورثة الشرعيين.

الرجم في مفهوم المتصوفين اليهود.

الاحجار تشير الي البرود القلبي (7)

لا يمكن قراءة التوراة مثل اي كتاب اخر. فهي التي تقودنا الي الحكمة. فبالتالي هي تحتوي على مستويات متعددة عميقة. لا تحتوي التوراة على كلمات عفي عليها الزمن. فهي تحتوي على كلمات فوق الزمن. وذلك لحكمتها. لكن الامر يتلخص في انها مجرد مجموعة من مستويات مختلفة تصبح أكثر اهمية في اوقات مختلفة.

بعض قوانين التوراة لم تعد تطبق حرفياً. لكن تطبق طبقاً لمعانيها الباطنية. ومعانيها العميقة التي ما زالت ذات صلة حتى يومنا هذا أكثر من اي وقت مضي.

على سبيل المثال الرجم.

اليوم المحاكم اليهودية لا ترجم الناس لخطاياهم. لكن الرسالة التي ما وراء الرجم ما زالت موجودة. حتى اليوم نحن نرجم المخالفين لنا. ومن لديه معرفة واطلاع على الفكر الصوفي اليهودي يتعلم انه عندما يخطئ يتحول قلبه البارد مثل الحجر. من خلال المشاركة في اعمال الشر.

فيصبح الانسان منزوع الحساسية تجاه الخير. وذلك من خلال تكرار الخطية عدة مرات. ونحن نبرر ذلك. وسرعان ما نشعر انه ليس هناك شيء سيء على الاطلاق. حينما ننتقد نحن ذلك. فانهم يردون بسخط. بعد ان اقنعوا أنفسهم انهم يتصرفون طبقاً للواقع الاخلاقي. هذا هو كل شيء اننا اخذنا الشق المجازي من الرجم. نحن باردين ومعنا صوت الروح الذي لنا.

في رُوش هَشَنَه أي رأس السنة العبرية صوت الشوفار او البوق يخترق ويثقب ثقب في الحجر الذي يحجب قلوبنا. وحياة اللامبالاة تبدأ في الذوبان. هذه هي النظرة الباطنية من قانون الرجم في التوراة. وهذا ما يفسر الكثير من الشر في العالم اليوم.

وهذا مجرد مثال. فلكل قانون قصة وفكرة التوراة تحتوي على تعاليم يمكن اخذها حرفياً وايضاً طبقاً لمعاني باطنية ما وراء الحرفية. وهي رحلة مبهجة وملهمة لاكتشاف الدروس التي تتكلم الينا اليوم.

هل ما زال يستخدم حتى الان؟ قالي لي صديق يهودي. عقوبة الموت محرمة إلا بالمجرمين النازيين الذين قاموا بإبادة الشعب اليهودي ابان الحرب العالمية الثانية … وهي عقوبة شنق … واخر مرة تم شنق مجرم سفاح الماني كان بأدولف آيخمان 1961.فهل هذا صحيح دعونا نرى…!

في دولة اسرائيل. هناك فقط حالات خاصة جداً للإعدام اي الشنق.

كانت عقوبة الاعدام سارية على القوانين المتعارف عليها مع المشتركين في النازية. وفقاً للقانون العقوبات 5710 لسنة 1951 وايضاً بتهمة الخيانة العظمي ومساعدة العدو 97, 98, 99. بالإضافة الي ذلك انه يجوز للمحكمة العسكرية فرض هذه العقوبة بتهمة الخيانة ايضاً من خلال هيئة المحكمة العسكرية التي اقل رتبة فيها تكون مقدم. وكما قلنا ان اخر شخص تم إعدامه هو ادولف آيخمان. وعوقب بجرائم النازية. (8)

فنري الرحمة في تنفيذ الرجم…والتضيق من خلال قواعد شديدة وقوانين محكمة لهذا الامر في العهد القديم.وفي الفكر اليهودي.ولم يعد هذا الامر يطبق وفقاً للاعراف اليهودية كما قلنا مسبقاً.

ليكن للبركة.                                 

اغريغوريوس

aghroghorios

المراجع

We reproduce, as Amicus App. A, pp. 1a – 30a, infra, copies of the relevant pages of Talmud Bavli: Sanhedrin (Mesorah Publications, Inc., 1994) with the permission of the publisher 1

Rabbi Shlomo ben Yitzchak (also known as Rashi) was born in 1040 in Troyes, France, and died in 1105. He is the foremost Jewish commentator on the Bible and Talmud. His commentary, which combines literal and allegorical explanations, appears in all standard volumes of the Bible and Talmud 2.

Moses Maimonides, The Commandments, Neg. Comm. 290, at 269–71 (Charles B. Chavel trans., 1967 3).

 4″Capital Punishment”. JewishEncyclopedia.com. Retrieved 2010-09-12

Mak. 3:15; Sanh. 44a  5

Sanh. 45a, 52a  6

Aron Moss is rabbi of the Nefesh Community in Sydney, Australia  7..

8   . “Capital Punishment”. http://www.jewishvirtuallibrary.org..

الرجم في اليهودية – دراسة

من هو الرب عند المسيحيين؟ لماذا يؤمن المسيحيون بأن المسيح هو الله؟

من هو الرب عند المسيحيين؟ لماذا يؤمن المسيحيون بأن المسيح هو الله؟

من هو الرب عند المسيحيين؟ لماذا يؤمن المسيحيون بأن المسيح هو الله؟

في الواقع إذا رجعنا الى العهد الجديد سنجد أن تلاميذ المسيح وهم أصلا من اليهود المؤمنين بوحدانية الله امنوا بألوهية المسيح بمنتهى السهولة. هم كيهود عندهم الوصية الأولى في تثنية ٦ تقول (اسمع يا إسرائيل، الرب الهنا رب واحد) ومع ذلك امنوا بألوهية المسيح وأعلنوا ذلك. فبطرس أعلن أن المسيح ابن الله الحي.

في الواقع إذا رجعنا الى العهد الجديد سنجد أن تلاميذ المسيح وهم أصلا من اليهود المؤمنين بوحدانية الله امنوا بألوهية المسيح بمنتهى السهولة. هم كيهود عندهم الوصية الأولى في تثنية ٦ تقول (اسمع يا إسرائيل، الرب الهنا رب واحد) تث ٦:٤ ومع ذلك امنوا بألوهية المسيح وأعلنوا ذلك. فبطرس أعلن أن المسيح ابن الله الحي.

وتوما قال (ربي والهي) واستفانوس قال له (أيها الرب يسوع اقبل روحي) وبولس قال عنه انه الله حين تحدث الى قسوس كنيسة أفسس قائلا: (لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه) ألوهية المسيح إذن قد امن بها المسيحيون الأوائل ولا زلنا نؤمن جميعا بثقة ويقين انه هو الله. ولأسباب لذلك كثيرة اذكر بعضها

أولا: لأنه حمل لقب اسم (الله):

لقب المسيح باسم (الله) احدى عشرة مرة في العهد الجديد فيوحنا (1: 1) يقول (في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله) يوحنا 1: 1 وأيضًا (الكلمة صار جسدا وحل بيننا) يوحنا 1: 14

في تيطس نقرأ القول (منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح) تيطس 2: 23 فيسوع المسيح هو الله العظيم (المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلها مباركا الى الأبد آمين) رومية ٩:٥ ومتى يقول (يدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا) مت 1: 23 ويوحنا يضيف (ربي وإلهي) يو 20: 28.

ولقب المسيح بابن الله خمسين مرة في العهد الجديد، وهذا اللقب لا يعني التناسل، حاشا لان الله روح ولا مجال للتناسل في الروح. وهذا اللقب لا يعني أيضًا أسبقية الآب عن الابن وهذا يغاير البنوة في الجسد لأنه في حياة البشر لا يسمى الإنسان أبا إلا لحظة أن يولد له ابن. ابن الله إذا لا يعني تناسلا ولا يعني أسبقية في الزمن، ولكنه يعني الوحدة الكاملة بين الآب والابن، يعني المساواة المطلقة بينهما، ويعني التمثيل الحقيقي للاب في شخصية الابن.

  • لقب المسيح بالرب ٦٥٠ مرة في العهد الجديد، فهو رب المجد (لو عرفوا لما صلبوا رب المجد) ١كو 2: 8.
  • يسوع المسيح رب الأرباب (هؤلاء سيحاربون الخروف والخروف يغلبهم لأنه رب الأرباب وملك الملوك) رؤ 17: 14.
  • يسوع المسيح رب الكل (هذا هو رب الكل) أعمال الرسل 10:36
  • يسوع المسيح رب السبت (فإن ابن الإنسان هو رب السبت أيضًا) مت 8:12
  • لقب المسيح (أنا هو) وهو ذات لقب الله (يهوه): يطلق هذا اللقب على الله وحده كما جاء في خروج 14:3 وتثنية 39:32 وإشعياء 10:43

قد تكلم الرب يسوع عن نفسه بذات اللقب الأمر (بسلطان) الذي معه سقط المخاطبون به للوراء أمام جلال الذات الإلهية فيه يوحنا 6:18 & يوحنا 8: 24، 28، 58 & يوحنا 4: 26 ويوحنا 9: 37

ثانيًا: نؤمن أن المسيح هو الله، لان له الصفات التي تخص (الله) الذات الإلهية فقط:

يسوع المسيح كلي القدرة:

  • على المرض يشفيه (الذي جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس) أعمال 10: 38
  • وعلى الطبيعة هدأ عاصفتها (فقام وانتهر الريح وتموج الماء فانتهيا وصار هدوء) لوقا 8: 24
  • وعلى الأرواح الشريرة طردها (فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان فشفى الغلام من تلك الساعة) متى 17: 18 
  • وعلى الموت إذ أقام الموتى (فقال أيها الشاب لك أقول قم) لوقا 7: 14 
  • وأقام نفسه (انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاث أيام أقيمه) يوحنا 2: 19.
  • يسوع المسيح كلي العلم، فهو موجود في كل مكان (لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم) مت 18: 20 أينما يكونون، في أي مكان في العالم
  • يسوع المسيح موجود في كل زمان (ها أنا معكم كل الأيام الى انقضاء الدهر) مت 20: 28
  • يسوع المسيح أزلي أبدي (أنا هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي القادر على كل شيء) رؤيا 1: 8 (كنت ميتا وها أنا حي الى ابد الأبدين) رؤ 1: 18.
  • يسوع المسيح لا يتغير (يسوع المسيح هو هو أمسًا واليوم والى الأبد) عبرانيين 13: 8.

ثالثًا: انه عمل أعمال تخص (الله) الذات الإلهية فقط:

  • يسوع المسيح أوجد الخليقة: (فانه فيه خلق الكل ما في السماوات وما على الأرض ما يرى وما لا يُرى … الكل به ولد وله قد خلق) كولوسي 1: 16
  • يسوع المسيح يحفظ الخليقة (حامل كل الأشياء بكل قدرته) عبرانيين ١:٣
  • يسوع المسيح يعطي الحياة (كما أن الآب يقيم الأموات ويحي كذلك الابن أيضًا يحي من يشاء) يوحنا 5: 21 وأيضًا (تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون) يو 5: 25
  • يسوع المسيح يغفر الخطايا ولا يغفر الخطايا إلا الله وحده (قال للمفلوج يا بني مغفورة لك خطاياك)٢٩ مرقس 2: 5 بينما الخطية أساسا ضد الله (إليك أخطأت والشر قدام عينيك صنعت) مز٥١ وهو غفر الخطية الموجهة الى الله لأنه هو الله
  • يسوع المسيح يعطي الخلاص (تدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم) متى 21:1
  • يسوع المسيح يعطي الروح القدس (هذا هو الذي يعمد بالروح القدس) يوحنا 33:1
  • يسوع المسيح هو الديان: (الرب يسوع المسيح العتيد أن يدين الأحياء والأموات)2 تيموثاوس 1:4

رابعًا: انه أقر بنفسه أنه معادلا لله:

شهد المسيح قائلا (أنا والآب واحد) يوحنا 10: 30 وأيضًا (قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن) يوحنا 58:8 وكلمة أنا كائن هي أهيه وهو اسم الله بحسب (خروج 3: 14). وفي سفر الرؤيا قال المسيح (أنا هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي القادر على كل شيء)٣٦ رؤيا 1: 18 وقال أيضًا (أنا هو الأول والآخر) رؤيا ٣٧ ١-١٧وهي صفة لا يتصف بها إلا الله كما نقرأ في سفر إشعياء (هكذا يقول الرب ملك إسرائيل وفاديه رب الجنود. أنا الأول والآخر ولا إله غيري) إشعياء ٣٨ ٤٤-٦

حين يقول (تعالوا الي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم) ٣٩ متى 11: 38 أو حين يقول (أنا هو القيامة والحياة) يوحنا 11: 2 (أنا هو الحق) (أنا هو خبز الحياة) يوحنا 6: 35 (أنا هو الطريق والحق والحياة) يوحنا 6: 14 (أنا هو الباب) يوحنا 9:10 فكل هذه الأقوال لا يقوى على قولها إلا الله.

فاذا لم يكن المسيح هو الله بينما نسب الى نفسه الألوهية فهو لابد أن يكون مجنونا أو محتالا وهو طبعا ليس كذلك ولا يستطيع أحد حتى من أعدائه أن يتهمه بذلك. إذا لم يبق إلا أن يكون هو الله فعلا وحقا.

خامسًا: انه الوحيد المعصوم من الخطأ: وقد شهد بذلك أعداؤه أيضًا قبل أصدقائه.

  • زوجة بيلاطس قالت لزوجها (إياك وذلك البار) مت٤٤ ٢٧-١٩
  • بيلاطس نفسه قال (إني لا أجد علة في هذا الإنسان) لوقا ٤٥ ٢٣ -٤
  • قائد المئة قال (حقا كان هذا الإنسان ابن الله) مرقس ٤٦ ١٥-٣٩
  • هو نفسه تحدى العالم كل فقال (من منكم يبكتني على خطية) يوحنا 8: 46.
  • (هو الذي لم يعرف خطية) ٢كورنثوس 21:5
  • (الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر) بطرس الأولى 2: 22.

سادسًا: تحققت فيه النبوات المتعلقة به، والتي جاءت في العهد القديم:

  • نبوات عن ميلاده من عذراء (إشعياء ٧: ١٤)
  • نبوات عن ميلاده في بيت لحم (ميخا ٥: ٢)
  • عن دخوله أورشليم على جحش (زكريا ٩: ٩)
  • عن صلبه بين لصين (اشعياء٥٣: ١٢)
  • عن موته ودفنه في قبر مستعار (إشعياء ٥٣: ٩)
  • عن قيامته (هو ٦: ٢)

كل هذه النبوات تحققت بحذافيرها فيه، وقد قيلت قبل أن يأتي بمئات السنين، ألا يحق لنا أن نؤمن به الهًا؟

سابعًا: تحققت وتتحقق نبواته هو:

ولقد أعطانا علامات تنبا بها عن نهاية العالم ن ونراها تتم في وسطنا وأمامنا كل يوم لتؤكد لنا انه هو الله الذي يعرف النهاية قبل أن تأتي، الذي يعرف الزمن كله لأنه أكبر من الزمن.

ميلاده العذري، معجزاته الخارقة، قيامته الإعجازية، كل هذه تؤكد لنا ألوهيته، هو الله الذي ظهر في الجسد وقد جاء إلينا في الجسد باحثاً عنا. فدعونا نأتي إليه، دعونا نؤمن به إلهاً نسلطه على حياتنا ونخضع له ونتبعه حيثما يقودنا.

آمين

إعداد: الدكتور مفيد إبراهيم سعيد

من هو الرب عند المسيحيين؟ لماذا يؤمن المسيحيون بأن المسيح هو الله؟

نظرة يهودية إلى تجربة المسيح على الجبل ما بين لوقا ومتى

نظرة يهودية إلى تجربة المسيح على الجبل ما بين لوقا ومتى

نظرة يهودية إلى تجربة المسيح على الجبل ما بين لوقا ومتى

نظرة يهودية إلى تجربة المسيح على الجبل ما بين لوقا ومتى

صفحة : المسيح في التراث اليهودي

 

بحسب معلمنا بولس ، فإن الكتاب كله نافع للتعليم والتوبيخ (2تي 3: 16) ، وكل كلمة فيه او حتى حرف هو بمثابة حجر في بناء ضخم . هنا نتكلم عن أحد أهم الأحداث التي سجلتها الأناجيل وهو حدث تجربة المسيح على الجبل والذي فيه انتصر المسيح لنا على الشيطان ليعلن عن عصر جديد فيه لم يعد الشيطان مُتسلطاً الا على من لم يحتمي به.

ورد حدث التجربة على الجبل في الأناجيل الإزائية الثلاث (مت 4: 1-11) (مر 1: 12-13) (لو 1: 1-13) ، ولكن لم ترد تفاصيله إلا في إنجيلي متى ولوقا . وبالإضطلاع على نصهما نجد أن كلا الإنجيليين كتبا الحدث والذي يشمل ثلاث تجارب بترتيب مختلف.

القديس متى
1- تحويل الحجارة الى خبز (مت 4: 3-4)
2- الصعود لجناح الهيكل ليطرح نفسه تجريبا للرب الاله (مت 4: 5-7)
3- الصعود الى جبل عالي لرؤية ممالك الارض والوعد بالسلطان عليها مقابل السجود (مت 4: 8-10)

القديس لوقا
1- تحويل الحجارة الى خبز (لو 4: 3-4)
2- الصعود الى جبل عالي لرؤية ممالك الارض والوعد بالسلطان عليها مقابل السجود (لو 4: 5-8)
3- الصعود لجناح الهيكل ليطرح نفسه تجريبا للرب الاله (لو 4: 9-12)

مع مزيد من الإضطلاع نجد أن كلا الإنجيليين لم يتناقضا ، فالقديس متى قصَّ التجربة بترتيبها الزمني ، أما لوقا فرتبها ترتيب مكاني لذا ذكر تجربة تحويل الحجارة الى خبز ثم تجربة الصعود لجبل عالي لان كلاهما تم في البرية ، ثم أخيرا قصَّ التجربة الثالثة وهي عند مكان الهيكل.

نلاحظ أيضا أن متى البشير أستخدم اللفظ (τότε) والترجمة الدقيقة لها (ثم -Then ) وهو ما يعني ترتيبه للقصة بترتيب زمني دقيق . أما القديس لوقا أستخدم اللفظ (καὶ) وتُترجم (و -And ) وهي تُستخدم للربط ولا تشترط الترتيب.

هذا الترتيب المختلف لم يرد هباءا كما قد يرى البعض وانما هو ترتيب مقصود ، فليس كلمة او حرف وُضِعت في الكتب الا ولها مقصد وغاية لإظهار أمر ما.

❶ ترتيب لوقا الإنجيلي.
لوقا الطبيب كما نعلم هو ليس أحد التلاميذ ولكنه واحد من السبعين رسول الذين أرسلهم المسيح بنفسه ، يتميز لوقا أنه يبحث في التفاصيل كما أنه ذكر كثير من الاحداث والأمثال وتفرد بها. لوقا اهتم بتوضيح من هو المسيح للأمم ، ولهذا مثلا عندما سرد سلسلة نسب المسيح (لو 3) فهو لم يبدأ بإبراهيم أبو الآباء (لانه لا يخص الأمم) وإنما بدأ بآدم أبو البشرية (بإعتباره مصدر مشترك لليهود والأمم على حدا سواء). ما كتبه لوقا –مسوقا بالروح- في تجربة المسيح إنما يعيد لذهننا تجربة الانسان الأول (آدم وامرأته).

فالترتيب الذي ذكره لوقا بالروح إنما هو نفس ترتيب الأمور التي فيها وقع الانسان الأول والتي أدت لسقوطه.

◆تجربة المسيح وتجربة الانسان الأول
تجربة الإنسان الأول نراها في (تك 3) ، فالحية أغرت حواء بأن تأكل من شجرة معرفة الخير والشر لكي تكسر بهذا الوصية الواحدة الوحيدة التي أوصى الله بها آدم وحواء.

لو تأملنا النص سنجد ثلاثة أمور اوقعت الانسان الأول في المعصية وهو داخل جنة عدن الجميلة.
1- شهوة الجسد
2- شهوة العين
3- شهوة الكبرياء

وتلك الأمور نراها مجتمعة في آية واحدة (تك 3: 6) “فرأت المرأة ان الشجرة جيدة للأكل (1) وانها بهجة للعيون (2) وأبهى الشجر للتعقل -للوصول الى الحكمة- (3) . فأخذت من ثمرها واكلت واعطت رجلها ايضا معها فأكل.”

وهي نفس الثلاث أمور التي واجهها المسيح في التجربة وهو داخل البرية القاحطة.
لوقا 4: 3 “وقال له ابليس ان كنت ابن الله فقل لهذا الحجر ان يصير خبزا. (1).

لوقا 4: 6 “ثم اصعده ابليس الى جبل عال وأراه جميع ممالك المسكونة في لحظة من الزمان.وقال له ابليس لك اعطي هذا السلطان كله ومجدهنّ لانه اليّ قد دفع وانا اعطيه لمن اريد.” (2)
لوقا 4: 9-10 “ثم جاء به الى اورشليم واقامه على جناح الهيكل وقال له ان كنت ابن الله فاطرح نفسك من هنا الى اسفل. لانه مكتوب انه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك.” (3)

ولا عجب في إنتصار المسيح لإنه قد جاء خصيصا لكي يُجرب عنا ولكي ينتصر لنا بعدما سقطنا. وبإنتصار المسيح نلنا نحن القدرة أيضا على غلبة الشيطان. (يعقوب 4: 7) “فاخضعوا للّه. قاوموا ابليس فيهرب منكم.”

تلك الثلاث تجارب التي أستخدمتها الحية مع آدم وحواء وأيضا مع المسيح هي نفس التجارب التي تعثر بها الحية كل البشرية ،هذا ما أعلنه يوحنا الحبيب بالوحي

(1يو 2: 16) [لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ (كبرياء الحياة) ، لَيْسَ مِنَ الآبِ بَلْ مِنَ الْعَالَمِ.]

ومن يريد أن ينتصر فعليه أن يأخذ المسيح المُنتصر في التجربة كحامي ودرع.

❷ ترتيب متى الإنجيلي.
متى كما نعلم كتب إنجيله لليهود ، وبسهولة نستطيع أن نرى من خلال انجيله انه كان على اضطلاع كبير بالنبوات وأقوال الأنبياء وعن صورة المسيح المخفية في نصوص العهد القديم فهو أكثر الإنجيليين إقتباسا من العهد القديم.

متى الإنجيلي أخبرنا بقصة التجربة بترتيبها الزمني وبعناية لإنه يُقابل تجربة أُخرى معلومة في التقليد اليهودي الشفوي وهي تجربة الشيطان لإبراهيم واسحاق اثناء رحلتهما في جبل الموريا. بحسب التقليد اليهودي القديم ، ظهر الشيطان لإبراهيم وإسحاق اثناء رحلتهما وجربهما ثلاث مرات ليمنع الأب (ابراهيم) من تقديم إبنه (اسحاق) ذبيحة كما أمر الله ابراهيم.

◆تجربة المسيح وتجربة اسحاق
التجربة الأولى كانت لإبراهيم حيث ظهر له الشيطان على هيئة رجل مسن وشككه في كلمات الله.

التجربة الثانية كانت لإسحاق حيث ظهر له الشيطان على هيئة رجل صغير وشككه في عقلانية أبيه.

التجربة الثالثة والأخيرة فكانت تجربة بصرية لكليهما حيث أظهر الشيطان غدير ماء كبير أمامهما ليعرقلهما فيجعلهما يعودا أدراجهما ، ولكن إبراهيم كان يعرف المكان إنه خاليا من الماء ، فإنتهر الشيطان ، أما الغريب ليس في هذا وإنما في ما قاله اسحاق.

قال اسحاق : “لينتهرك الرب ، إذهب عنا يا شيطان -סור ממנו השטן- لأننا نذهب بأمر الله”
وردت تلك القصة في كتاب ” مدراش رباه للتكوين ، مدراش تنخوما ، أساطير اليهود “

هناك تشابهات كبيرة بين ما ورد هنا في التقليد اليهودي مع ما ورد مع المسيح في الانجيل

1- ثلاث تجارب
2- آخر تجربة كانت بصرية (غدير الماء) لإرجاع اسحاق عن طريق الموت (الأمر الإلهي)، وكذلك مع المسيح كانت آخر تجربة عرضها متى هي بصرية (رؤية ممالك الأرض) وكانت تهدف لإرجاع المسيح عن طريق الموت.

3- رد اسحاق في آخر تجربة كان “إذهب عنّا يا شيطان- סור ממנו השטן” وكذلك كان رد المسيح في آخر تجربة “إذهب عني يا شيطان- סור ממני השטן”
4- انتصر اسحاق في تلك التجربة ومضى طاعةً لأبيه ابراهيم نحو الذبح ، وكذلك انتصر المسيح في تلك التجربة ومضى طاعةً للآب نحو الذبح.

ركز متى هنا على المسيح كونه اسحاق الثاني او اسحاق الحقيقي ، الذي انتصر ومضى نحو الذبح وهو مطيع كما قال الرسول
(فيلبي 2: 8) “واذ وجد في الهيئة كانسان وضع نفسه واطاع حتى الموت موت الصليب.”

الخلاصة:
راعى القديس لوقا الترتيب المكاني للثلاث تجارب ، وبهذا فإن الوحي يشير الى أن المسيح هو آدم الثاني أو آدم الحقيقي المُنتصر ، لإنه بينما سقط آدم في الجنة ، فإن المسيح قام في البرية وأنتصر له ولنا.

راعى القديس متى الترتيب الزمني للثلاث تجارب، وهو بهذا يشير لتجربة أخرى معروفة وهي تجربة اسحاق وابراهيم عند ذهابهما للمذبح ، هنا اشارة أن المسيح هو اسحاق الثاني او اسحاق الحقيقي ، لإنه ان كان اسحاق انتصر في التجربة وقُدِم الى المذبح ، فإن المسيح انتصر في التجربة وقُدِم للمذبح ومات اخيرا على المذبح فداءا لكل من يقبل الخلاص.

نظرة يهودية إلى تجربة المسيح على الجبل ما بين لوقا ومتى

Exit mobile version