سلطة الكتاب المقدس وطريقة استخدامه

سلطة الكتاب المقدس وطريقة استخدامه

سلطة الكتاب المقدس وطريقة استخدامه

سلطة الكتاب المقدس وطريقة استخدامه

لقد استشهدنا بمناظرة التجسّد كنموذج أوّل لفهم طبيعة الكتاب المقدّس بشكل صحيح، أي الكتاب ككلمة الله المبثوثة في كلمات بشريّة. وقد تمّ تأكيد أنّ الكتاب المقدّس هو في آنٍ واحد كتاب الله وكتاب الكنيسة. إنّه كتاب الله كونه يحمل شهادة لإعلان الله عن نفسه عبر أعماله الفدائيّة وإرادته الخلاصيّة.

وهو كتاب الكنيسة كونه الوديعة المكتوبة والمجموعة للإيمان الحيّ والتقاليد الناشئة أوّلاً في إسرائيل ثمّ في الكنيسة مع كلّ أحدائها التاريخيّة. ولكي نكون عادلين مع طبيعة الكتاب الداخليّة، يجب أن يُحفظ هذان العنصران الإلهيّ والبشريّ معًا كشعاعَين يتمازجان بلا انفكاك ويتداخلان، مهما كانت المعاني المُستَنتجة من التفسيرات التاريخيّة واللاهوتيّة.

سلطة الكتاب هي أيضًا تجسّدية. سلطة الكتاب المقدّس كما هي مؤسَّسَة في طبيعته الخاصّة، تتضمَّن وجهين متميّزين لا ينفصلان. فالكتاب في قيمته اللاهوتيّة ورسالته الخلاصيّة، هو كلمة الله التي تحمل سلطته في صلبها. في تركيبته التاريخيّة وتكوينه القانونيّ، الكتاب هو كلمة إسرائيل ثمّ كلمة الكنيسة التي تجمل السلطة الجماعيّة لهذين التقليدين الإيمانيّين. الوحي الإلهيّ، كما أشرنا، لا يتمّ في الفراغ لكنّه دائمًا وحي مسلَّم، يؤثّر في كائنات محدّدة، عليها أن تمارس معرفة متبّصرة تشكّل تفسيرًا قابلاً للنقل وتطبيقًا عمليًّا لكلمة الله الخلاصيّة.

بهذا المعنى، سلطة الكتاب الإلهيّة، أي الوديعة المكتوبة لكلمة الله، مرتبطة عضويًّا بسلطة الجماعة الدينيّة وتقليدها الذي يشكّل البيئة والمحيط الحيّين لتقبُّل الوحي ونقله[1]. إنّ أوجه استعمال الكتاب التقليديّة، الليتورجيّة والتعليميّة والعقائديّة، تفترض هذه السلطة المزدوجة. كيف يحدّد المرء تمامًا العلاقة الدلخليّة بين الكتاب والتقليد والكنيسة وكيف يقوّمها، هو بالطبع أمر دقيق جدًا سوف نعيره انتباهًا خاصًّا خلال هذا العمل[2].

نمت في الأزمنة الحديثة، بالارتباط بالجامعات الغربيّة، دراسات كتابيّة نظاميّة وتحليليّة. وقد أنتجت هذه الدراسات، خلال عدد من القرون، وضعًا جديدًا هو في الوقت ذاته خلاّق وممزِّق. تطوّر النقد الكتابيّ العلميّ فَصلَ تدريجيًّا الكتاب المقدّس عن الجماعة الدينيّة ووضَعَه في ما سُمّي الإطار “الموضوعيّ” للدراسة العلميَّة والصفّ الأكاديميّ. بالإضافة إلى الإنجازات اللامعة التي لا تُنكَر، أدّت دراسة الكتاب الأكاديميّة إلى نتائج سلبيّة، بما فيها التساؤل حول سلطة الكتاب الإلهيّة واستعماله التقليديّ.

معروف أنّ النقّاد الكتابيّين اليوم، بخاصّةً الذين يعلّمون في كليّات غير دينيّة، يتعاطون مع الكتاب المقدّس روتينيًّا ويحلّلونه لا ككتاب مقدّس إنّما كوثائق تاريخيّة لها بالدرجة الأولى قيمة أدبيّة وثقافيّة. بالنظر إلى الوضع الحاليّ، ليس ممكنًا ولا مرغوبًا، القيام بدراسة رزينة للكتاب بدون التورّط مع البحث الكتابيّ المهيمن. وفقًا لذلك، نظرة متوازية إلى موضوع سلطة الكتاب تتطلّب اعتبار الأمور التالية:

  1. العلاقة بين الكتاب والتقليد. (إضغط ع العنوان لقراءة الموضوع)
  2. استعمال الكتاب كنسيًّا. (إضغط ع العنوان لقراءة الموضوع)
  3. طبيعة دراسة الكتاب الأكاديميّة. (إضغط ع العنوان لقراءة الموضوع)

 

 

[1] للتفاعل بين الكلمة الإلهيّة والتقليد في الجماعات الدينيّة المختلفة، انظر:

Holy Book and Holy Tradition, ed. F.F. Bruce and E. G. Rupp (Ground Rapids: Eerdmans, 1968), and Scripture in the Jewish and Christian Traditions, ed. Frederick E. Greenspahn.

[2] بالإضافة إلى هذا الفصل أنظر بوجه خاصّ الفصول الثلاثة حول التأويل.

 

سلطة الكتاب المقدس وطريقة استخدامه

اللاهوت المقارن والباترولوجي – دراسة

اللاهوت المقارن والباترولوجي – دراسة

اللاهوت االلاهوت المقارن والباترولوجي – دراسةلمقارن والباترولوجي – دراسة

اللاهوت المقارن والباترولوجي – دراسة

واجهت الكنيسة منذ نشأتها كثيرًا من البدع والهرطقات، لذا كانت هناك حاجة إلى علّم – اللاهوت المقارن – الذي يبحث في الفرق المتباينة، التي ظهرت في تاريخ الفكر المسيحيّ منذ نشأته، ومناقشة معتقداتها ومبادئها اللاهوتية بهدف إبراز الحقيقة المسيحية والبرهنة عليها، وبيان هدى انحراف المذاهب المعارضة وابتعادها عن الإيمان الرسولي[1].

ظهرتْ كتابات الآباء لإرساء العقيدة في أذهان أبنائها، ودحض وتفسير أفكار الهراطقة بالحجج القوية، الراسخة الموثقة بالتقليد والتسليم الكنسيّ والكتاب المقدس، فقد كان الآباء غيورين على الإيمان السليم إلى حد الاستشهاد، فانظرْ كم عانَى القديس أثناسيوس الرسوليّ ديسقورس وغيرهما..

أهمية دراسة اللاهوت المقارن عند الآباء وسماته

  1. من خلال كتابات الآباء في هذا المجال، نتعرّف على روح الآباء وأسلوبهم في الرّد على الهرطقات كلٍ بما يناسبها، كاستخدامهم للفلسفة اليونانية في الرد على الفلاسفة، واستخدام العهد القديم في الرّد على اليهود، والتقليد والكتاب المقدس للرّد على الهراطقة.
  2. دراسة بدعة قد لا تكون في عصرنا والرد عليها، لنتعرّف من خلالها على ما واجهته الكنيسة من اضطهادات داخلية، كذلك دراسة العقيدة من خلال اللاهوت المقارن توضح جوانب أكثر في العقيدة.
  3. من خلال دراستنا للآباء في اللاهوت المقارن نتعرف على العقيدة السليمة، وإظهار روح الآباء ووقارهم ودقة الألفاظ الأدبيّة مهما استخدم الهراطقة أفاظًا فيها إساءة، كذلك روح الحب الذي كانوا يُظهرونه للهراطقة، آملين أن يروهم في أحضان الكنيسة الجامعة الرسوليّة، على الرغم من أنهم كانوا حازمين ومدققين في الإيمان الذي تسلّموه (2تي12:1-14)، لكنهم كانزا محببين ولطفاء… ولهذا كتب القديس كيرلس لنسطور ليُخبره أنه لن يجد أحد يحبه مثله، لكن هذا الحب لن يكون على حساب الإيمان.

والبابا ديونيسيوس الرابع عشر عندما زار إيبارشية الفيوم، ووجد أسقفها نيبوس يُعلِّم بالمُلِكْ الألفيّ الأرضيّ، كتب يوضّح محبته وتقديره لمجهود هذا الأسقف ثم يشرح العقيدة السليمة: “لأنهم يقدِّمون لنا مؤلفًا لنيبوس وهم يعتمدون عليه كلّية، كأنه أثبت إثباتًا قاطعًا أنه سيكون هناك مُلك للمسيح على الأرض، فإنني أعترف بتقديري ومحبتي لنيبوس من نواحي أخرى كثيرة، لأجل إيمانه ونشاطه واجتهاده في الأسفار الإلهيّة، ولأجل تسابيحه العظيمة التي لا يزال كثيرون من الإخوة يتلذذون بها..

ويزداد احترامي له لأنه سبقنا إلى راحته، على أن الحق يجب أن يُحب ويُكرّم قبل كل شيء، ومع أننا يجب أن نمتدح ونصادق على كل ما يُقال صوابًا دون تحيز، فإننا يجب أن نمتحن كل ما يبدو أنه لم يُكتَب صوابًا ونصححه”.[2]لفي

كما قيل عن القديس ديديموس الضرير: “اتسمت تعاليمه اللاهوتية بالهدوء والرزانة بعيدًا عن الهجوم والعنف، وكان مهذبًا في نضاله ضد الأريوسيين والوثنيين، مركِّزًا على أن يقنعهم ويردّهم إلى الحق لا أن يهزمهم”[3].

كذلك قيل عن القديس إيريناؤس أسقف ليون: “في المقاومة لا يبغي الجدل كهدف، بل كان يركّز على إبراز أركان التعليم الرسوليّ في شتّى القضايا التي أثارها الهراطقة، فكان جدله إيجابيًّا بنّاءً، كان مجاهدًا لا في مقاومة الهرطقات فحسب، وإنما بالأحرى في ردّ الهراطقة إلى حضن الكنيسة، لذا كان يتحدث بحكمة بناءّة، في أُسلوب هادشء وتسلسل مقنع بروح المحبة غير المتعصبة ولا الجارحة”.

كذلك يقول القديس أمبروسيوس: “يجب على الرعاة أن يكونوا هكذا كمرشدين للسفن حكماء، فيفردون شراعات إيمانهم حيث يسير في أكثر الأماكن أمانًا، حاسبين تكاليف (رحلة الكتب المقدسة) فلا ننطق بكلمة إلاّ للبنيان، وباختصار يليق بالراعي أن يمتنع عن المباحثات الغبية والأنساب والخصومات وكل ما هو ليس للبنيان، إذ يدعوها الرسول أنها أمور غير نافعة، من ينشغل بها يصير غبيًّا”[4].

كتابات الآباء تُعطي مفاهيم مسيحية وتفاسير قوية لعبارات الكتاب المقدس، فهي تكشف لنا مدى استنارة الآباء بالروح، فلا توجد حقيقة إلهية جديدة أو خلق جديد، ولكن الآباء المؤيدين بالروح القدس يتعمقون أكثر والروح يُعضدهم ويعطيهم وفقًا للاحتياجات، فلا يوجد شيء في الكنيسة يقبل إعادة النظر أو التطور، بل الكنيسة ثابتة على مر العصور، منذ حلول الروح القدس على التلاميذ إلى آخر الدهور.

منهج القديس يوحنا ذهبيّ الفم في اللاهوت المقارن [5]

يرى القديس يوحنا ذهبيّ الفم أن الوعظ والتعليم الصحيح هو أنسب طريقة للتوبة، وعدم استخدام عصا التأديب إلاَّ عندما لا تنجح الطريقة الأولى، فيقول: “من الأفضل للبشر أن يتقدَّموا لخدمة الرّب لتثقيفهم لا بسبب الخوف من العقاب والألم… ولكن إن كانت الوسيلة الأولى أفضل، فإن هذا لا يعنى تجاهل الثانية…

فإن كثيرين كعبيد أشرار لا يعودون إلى ربهم غالبًا إلاَّ بعصا الآلام المؤقتة، وذلك قبل ما يبلغون إلى درجة التقدم في التقوى”[6]، كما يقول أيضًا تعليقًا على موقف السيد المسيح من الكتبة والفريسيين بعد معجزة شفاء مريض بركة بيت حسدا “ويجب علينا استخدام اللطافة لاستئصال هذا المرض، لأن الإصلاح والتغيير باستخدام الخوف، سرعان ما يعود إلى الشر مرة أخرى”[7].

أما منهجه فيتلخص في الآتي:

  1. عدم استخدام العنف كوسيلة للتوبة فيقول: “لا يُسمح للمسيحيين أن يعالجوا سقطات الخطاة كرهًا… فإنه يلزم إصلاح الخطاة بالاقتناع لا بالإرغام، فنحن لم نعط بالقانون سلطانًا من هذا النوع لقمع الخطاة”[8]، كما يقول أيضًا “ليتنا لا نحتد ضد هؤلاء الناس (يقصد الأنوميين) ولا نتخذ الغضب كعذر، بل نتحدّث إليهم بوداعة وعذوبة، فليس هناك وسيلة أكثر فاعلية من ذلك، لهذا أوصانا الرسول بولس أن نتمسك بهذا السلوك من كل قلبنا عندما قال:

    “وضعَبْدُ الرَّبِّ لاَ يَجِبُ أنْ يُخَاصِمَ، بَلْ يَكُونُ مُتَرَفِّقًا بِالْجَمِيعِ” (2تي24:2)، أنه لم يقل “مترفقًا فقط يإخوتك” بل قال “مترفقًا بالجميع”، كما قال أيضًا “لِيَكُنْ حِلْمُكُمْ مَعْرُوفًا” (في5:4)، لم يقل “معروفًا عند إخوتك” بل قال “لِيَكُنْ حِلْمُكُمْ مَعْرُوفًا عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ” (في5:4)، وهو يقصد بذلك أي صلاح تفعلونه: “إن أحببتم الذين يحبونكم” (مت46:5)[9].

  2. عدم الجدال حسب قول معلمنا القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: “المُبَاحَثَاتُ الْغَبِيَّةُ وَالْسَخِيفَةُ اجْتَنِبْهَا، عَالِمًا أنَّهَا تُوَلِّدُ خُصُومَاتٍ” (2تي23:2)، كما يقول لتلميذه تيطس: “وَأَمَّا الْمُبَاحَثَاتُ الغَبِيَّةُ وَالأَنْسَابُ وَالْخُصُومَاتُ وَالْمُنَازَعَاتُ النَّامُوسِيَّةُ فَاجْتَنِبْهَا، لأَنَّهَا غَيْرُ نَافِعَةٍ، وَبَاطِلَةٌ. الرَّجُلُ الْمُبْتَدِعُ بَعْدَ اإِنْذَارِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ أَعْرِضْ هَنْهُ، عَالِمًا أَنَّ مِثِّلَ هَذَا قَدِ انْحَرَفَ، وَهُوَ يُخْطِئُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ” (تي9:3-11)، ويعلق ذهبيّ الفم على هذه الآية قائلاً:

    “أما الخصومات فيعني بها المناقشات مع الهراطقة، فالرسول يود ألاَّ نتعب فيها بغير جدوى، دون أن نجني منها شيئًا، لأنها تنتهي إلى لا شيء، لأنه إن صمم إنسان على عدم تغيير رأيه مهما حدث، فلماذا تُتعب نفسك وتزرع على الصخر، مع أنه كان يليق بك أن توّجه عملك العظيم إلى شعبك متحدثًّا معهم عن الفضائل؟”[10]، كذلك يقول أيضًا “يليق يمَن يعلِّم أن يهتم على وجه الخصوص أن يحقق عمله بالوداعة، فإن النفس التي ترغب في التعلم لا تتقبل التعلِّيم النافع المقترن بالخشومة والنزاع”[11].

  3. عدم الانفعال والغضب الذي بسببه نفقد سلامنا الداخلىّ فيقول القديس يوحنا ذهبيّ الفم: “إن تغيير الإنسان لعقليّة خصومه وهداية أذهانهم أعظم من قتلهم”[12].

لكن روح الحب عند الآباء في كسب الهراطقة وانضمامهم لشركة الكنيسة، لا تعني التساهل في العقيدة…

فيقول القديس كيرلس الكبير في رسالته إلى فاليريان: “أعتقد أنه ضروريّ بلا شك، أن نهاجم الوسائل التي يعتقدون أنهم قادرون بها على محاربة شعب الرَّب، كما هو مكتوب “يَرموا في الدجى مستقيمي القلوب” (مز2:11)، أي هؤلاء الذين اختاروا أن يحيوا في بساطة الهذف والغاية، والذين أعطوا في نفوسهم تقليد الإيمان كوديعة ويحفظونه مقدسًا وبلا تغيير، وهؤلاء البارعون في الخداع، بابتداعات أفكارهم المخترعة بتعقيد، يدفعون هؤلاء الذين هم أقل منهم كفريسة بعيدًا عن الإيمان بالحق، وبمحاكمتهم بجهل لشر باقي الهراطقة..

ويقدّمون ما هو معتاد بالنسبة للهراطقة دون أن يأخذوا في الاعتبار ما هو مكتوب “ويل لمَن يسقي صاحبه سافحًا حموك ومسكرًا”[13] (حبقوق15:2).

كذلك يؤكد القديس يوحنا ذهبيّ الفم على التمسك بالأمانة وعدم التساهل مع الهراطقة، فنجده يمنع ويحرم الدخول إلى اجتماعاتهم، بل أيضًا كان يصادر كنائسهم، وفي رسالته إلى أنومياس Enomoens يُعَلِّق على قول معلِّمنا القديس بولس الرسول: “غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ سَوَاءٌ كَانَ بِعِلَّةٍ أَمْ بِحَقٍّ يُنَادَى بِالْمَسِيحِ، وَبَهَذَا أَنَا أَفْرَحُ، بَلْ سَأَفْرَحُ أَيْضًا” (في18:1)، فقد حاول الهراطقة أن يُدخلوا البدع إلى قلوب المؤمنين تحت ستار الإتضاع، خالطين بينه وبين الاستهتار في التمسك بالعقيدة…

مطالبين البسطاء أن يسمعوا لهم إذ هم يتحدّثون في المسيح يوسع، فأخذ يوضح التفسير الحقيقيّ للآية: أنها لم تكن بخصوص هراطقة، بل بخصوص الإيمان السليم، فيقول: “إذ يُفسد البعض هذا القول تمامًا، دون أن يقرأوا ما يسبقه وما يليه، بل يبترونه عن بقية الجزء المرتبط به، وذلك لأجل هلاك أنفسهم… مُدَّعسن أن بولس قد سمح بهذه..” وأخذ يوضح أن الحب يدفع إلى التواضع دون استهتار[14].

كما يقول ذهبيّ الفم أيضًا “ما دام الرعاة ليسوا في مواجهة وحش كاسر، فإنهم يسترخون تحت شجرة سنديان أو أرز، يعزفون الناي تاركين قطيعهم يرعى في حرية. أما إذا دبرت الذئاب هجومًا فإنه للحال يقوم الرعاة بحيوية ويلقون عنهم المزمار أو الناي متسلحين بالمقلاع. هكذا أنا أفعل”[15]، كذلك يقول “إن كانت صداقتهم (يقصد الهراطقة) مضّرة بك وتجرّك لتشاركهم شرهم، فأعرض عنهم حتى لو كانا والديك”[16].

يقول القديس يوحنا ذهبيّ الفم أن مار أفرام السريانيّ كان على الهراطقة كسيف ذي حدين[17].

الأسانيد التي اعتمد عليها الآباء في مواجهة الهرطقات:

  1. الكتاب المقدس:

يُعتَبر الكتاب المقدس هو السند الأول عند الآباء، في مواجهة الهرطقات والبدع التي جابهتهم، وفي ذلك يقول البابا أثناسيوس الرسوليّ: “ابحثوا أيضًا ما تضمنته الأناجيل وما كتبه الرسل”[18]، فمثلاً في دفاعه عن ألوهة الروح القدس يستخدم الكتاب المقدس فيقول: “انظروا كيف أشارتْ جميع الأسفار الإلهية إلى الروح القدس”[19]، ومرّة أخرى يقول: “أين وجدوا في الأسفار المقدسة أن الروح القدس أُشير إليه كملاك…

وإن كانت الأسفار المقدسة لم تتحدّث عن الروح القدس كملاك، فأيُّ عذرٍ لهم في مثل هذه الجرأة”[20]، كما يرى أنه عند دراسة أيّ موضوع من موضوعات الكتاب المقدس، يلزم فحص هذا الموضوع في جميع مواقعه بالكتاب المقدس، حتى يمكن إطلاق الحكم بصورة كاملة.

وهكذا عندما تناول موضوع الروح القدس في رسالته الأولى إلى سرابيون، فإنه لكي يُثبت أن الروح القدس ليس مخلوقًا، درس الآيات التي جاءت عن الروح القدس وانتهى إلى القول: “قولوا لنا إذن، أتوجد فقرة في الكتاب المقدس الإلهيّ أُشير فيها إلى الروح القدس بمجرد كلمة “روح” بدون إضافة كلمة أو حرف إليها، مثل: الله، أو الآب أو “ياء المتكلم”، أو “المسيح” نفسه أو “الابن”، أو “مني” أي من الله أو أداة التعريف “أل” فلا يُقال عنه روح، بل الروح أو الاصطلاح الكامل “الروح القدس” أو “روح الحق” أي “روح الابن”..

الذي يقول “أنا هو الحق” (يو6:14)، حتى إنكم بمجرد سمع كلمة “روح” افترضتم أنها تعني “الروح القدس”. وبالإيجاز نقول: إنه ما لم تضف أداة التعريف “أل” أو إحدى الإضافات السابقة، فإن كلمة “روح” لا يُمكن أن تشير إلى الروح القدس… أيمكنكم إجابة السؤال الذي قُدِّمَ إليكم عما إذا كنتم تجدون في أيّ مكان في الأسفار الإلهيّة –  أن الروح القدس قد أُطلق عليه مجرد كلمة “روح” دون الإضافات السابق ذكرها، ودون الصفات السابق تدوينها، إنكم لا تستطيعون الإجابة لأنكم لن تجدوا أثرًا لهذا في الكتاب المقدس”[21].

أما الهراطقة فقد استخدموا الكتاب المقدّس، لكنهم فسرّوه خارج نطاق الكنيسة بما يخدم بدعتهم، لذا نجد القديس أثناسيوس الرسوليّ يرى أن “الهراطقة يخدعون البسطاء بتقديم مقتطفات من الكتب المقدسة، ويغفلون أجزاء أخرى منها، إنهم يتظاهرون كأبيهم أبليس (يو44:8)، بأنهم يدرسون ويقتطفون لغة الكتاب، لكي يخدعوا الآخرين بمكرهم”[22]، كما يرى القديس أثناسيوس أن أسوأ ما في الأمر، أن نخترع كلمات جديدة تضاد الكلمات المستخدمة في الكتب المقدسة[23].

يقولالقديس جيروم “إن ماركيون وفاسيليدس وهراطقة آخرين… لا يملكون إنجيل الله، لأنهم لا يملكون الروح القدس، الذي من دونه يُصبح الإنجيل المبشَّر به إنسانيًّا، فنحن لا نعتبر أن الإنجيل (أي البشارة) يتألَّف من كلام الكتاب المقدس فغايته في معناه، لا في سطحه، في لبِّه وجوهره، لا في أوراق العظات، بل في أصل معناه، في هذا الحال يُصبح الكتاب نافعًا حقًّا للسامعين عندما يُبشَّر به مع المسيح، وعندما يُقدَّم ويُعرَض مع الآباء، وعندما يُقدِّمه المبشِّرون به مع الروح…

كبير هو خطر التكلم في الكنيسة، لأن التفسير المنحرف يُحوِّل إنجيل المسيح إلى إنجيل إنسانيّ”[24].

فالهراطقة يأخذون جملة واحدة من النص ويفسرونها حسب ما تخدم بدعنهم، ولكن عندما تفهم هذه الجملة من خلال النص كله ستجد معناها مختلفًا تمامًا عما يقصدون.

  1. التقليد:

التقليد هو امتداد حياة الإيمان عبر الأجيال الحيّة، هو اكتشاف الحق المُعلَن بالروح القدس، فالتقليد المُسلَّم من الآباء قويّ، لأنهم من ناحية عاصروا الرسل مثل القديس أكْلِمَنْضُس الرومانيّ،، وأغناطيوس وبوليكاربوس، وكذلك الاستنارة التي كانوا يعيشون بها، ويشمل التقليد الليتورجية، التي توضح إيماننا، كما هو معروف “ما نؤمن به يثعرَف من خِلال الطريقة التي نُصلِّي بها”[25]، كذلك التقليد المستمد من حياة الآباء وكتاباتهم، فأقوال الآباء وكتاباتهم صورة حية لعمل الروح القدس المستمر في الكنيسة.

لم يكتب الآباء أو يقولوا شيئًا كرأي شخصيّ، لكنهم حافظوا على ما تسلّموه من الآباء، لذا تُعتبَر أقوالهم حجة، فيقول القديس أثناسيوس الرسوليّ: “بحسب الإيمان الرسوليّ المُسلَّم لنا بالتقليد مع الآباء، فأني قد سلّمتُ التقليد بدون ابتداع أي شيء خارجًا عنه، فما تعلمتهُ بذلك قد رسمتهُ مطابقًا للكتب المقدسة”[26]، فيتضح من قول القديس أثناسيوس مدى حرصه على الإيمان المُسلَّم مرة بالتقليد الذي يتفق مع الكتاب المقدس.

فكما يقول معلمنا بولس الرسول “فَاثْبُتُوا إِذًا أَيَّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ (بالتقليد) الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا” (2تس15:2)، وعبارة “تمسكوا بالتعليم”، تأتي في اليونانية بمعنى التقليد، كما تأتي في ترجمة New King James، بمعنى التقليد Tradition، إذن فمعيار الحق هو الكنيسة.

  1. المجامع المسكونية:

المجامع المسكونية هي صوت الكنيسة المُعبِّر عن التعليم الصحيح، وهي السلطة العُليا للتعليم في الكنيسة الأرثوذكسية؛ وترجع سلطة هذه المجامع فيما يتوافق مع مشيئة الروح القدس العامل فيها، فالتعليم العقائديّ في المجامع المسكونية، يحتوي على مضمون الإيمان والأساس الراسخ للعقائد الإيمانية الأرثوذكسية، والكنيسة – إكليروسًا وشعبًا – هي الحاملة للتعليم الصحيح للإيمان..

حيث يحميه ويصونه الروح القدس من أي خطأ، فمجمع أورشليم يشهد على حلول الروح القدس في المجمع “لأَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ” (أع18:15)، فهذا يؤكد أن الروح القدس هو المُشرِّع في المجامع المسكونية.

لم يهدف الآباء في نقاشهم حول العقيدة في المجامع المسكونية إلى إعطاء تفسير للأسرار والعقيدة، بل كان عملهم الاستناد إلى الكتاب المقدس وإلى تعاليم الرسل، على أبعاد الالتباسات التي طرأتْ على فهم العقيدة سواء على صعيد الفكر المنطقيّ، أو على صعيد الألفاظ اللغوية، لكي يحولوا دون ضياع التعليم في الخطأ والهرطقة، واكتفوا بإحاطة السرّ بقانون إيمان عقائديّ للمحافظة عليه، ليحمي العقيدة المسيحيَّة من الهراطقة.

أشهر كتابات الآباء العلوم اللاهوتية:

منذ قيام المسيحيّة والحرب الفكرية قائمة، فالكتبة والفريسيون حاربوا السيد المسيح نفسه… “لَوْ كَانَ هَذَا نَبِيًّا..” (لو39:7)، “بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هَذَا وَمَنْ أَعْطَاكَ هَذَا السُلْطَانَ؟” (مت23:21)، “هَذَا لاَ يُخْرِجُ الشيَّاطِينَ إِلاَّ بِبَعْلَزَبُولَ رَئِيسِ الشيَّاطِينِ” (مت24:12)، “إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ فَقُلْ لَنَا” (لو67:22)

حتى إن السيد المسيح قال للتلاميذ “لأنَّه إِنْ كَانُوا بِالْعُودِ الرَّطْبِ يَفْعَلُونَ هَذَا فَمَاذَا يَكُونُ بِالْيَابِس؟” (لو31:23)، لذا هناك كتابات كثيرة للآباء في اللاهوت العقائديّ والمقارن ضد مُحدثي الانشقاقات والبدع، سواء الفلاسفة الوثنيون أو اليهود أو أصحاب الهرطقات.

يثعتبَر القرن الرابع وبداية الخامس، العصر الذهبيّ لكتابات الآباء اللاهوتية، على أنه كانت هناك كتابات في القرون الثلاثة الأولى لكنها قليلة.

[1] Contra Anianos 2:70.

[2]  يوسابيوس القيصريّ – المرجع السابق – ك7 ف 24 – ص 328.

[3]  د. ميشيل بديع عبد الملك – التعليم عن المسيح في كتابات العلاّمة الأسكندري ديديموس الضرير – دورية مركز دراسات الآباء يناير 1998 – ص 29؟

[4] St. Ambrose: Of the Christian faith 1:47.

[5]  القمص تادرس يغقوب ملطي – القديس يوحنا ذهبيّ الفم – 1980 – ص 203،202.

[6]  راجع القديس يوحنا ذهبيّ الفم – القمص تادرس يعقوب ملطيّ 1980 – ص 202.

[7] N.&P. N. F. vol. 10 by Philip Schaff, editor – In Mat, hom29. p. 426.

[8] De Sacr. 2:3.

[9]  القديس يوحنا ذهبيّ الفم – ضد الأنوميين – عظة 40:1.

[10]  القمص تادرس يعقوب ملطي – رسالة بولس الرسول إلى تيطس ص 45.

[11]  القمص تادرس يعقوب ملطي – رسالة بولس الرسول إلى تيطس ص 46.

[12] N.&P. N. F. vol. 10 by Philip Schaff, editor – In Mat, hom 29,p. 425.

[13]  الرسالة 50 من القديس كيرلس إلى فاليريان 16.

[14]  القمص تادرس يعقوب ملطي – من كتابات القديس يوحنا ذهبيّ الفم – 2007 – الفريسيّ والعشار. ص259 N.&P.N.F. ser. I vol. 9.

[15] Adv. Jud. PG 48:871.

[16]  القديس يوحنا ذهبيّ الفم – ضد الأنوميين – عظة 41:1.

[17]  مار أغناطيوس أفرام الأول برصوم، الدر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة، المجلد الأول، ص 523.

[18]  الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون – المرجع السابق – الرسالة الأولى:6 ص 36.

[19]  الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون – المرجع السابق – الرسالة الأولى:7 ص 40.

[20]  الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون – المرجع السابق – الرسالة الأولى:11 ص 47.

[21]  الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون – المرجع السابق – الرسالة الأولى:4 – ص33.

[22]  القمص تادرس يعقوب – كنيسة علم ولاهوت – كنيسة مارجرجس باسبورتنج بالإسكندرية 1986 ص 83.

[23]  الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون – المرجع السابق – الرسالة الأولى:17 ص60.

[24]  تفسير غلاطية1، 2 مجموعة الآباء اللاتين، مين 26، 386.

[25]  هل الكتاب المقدس وحده يكفي – أسرة القديس ديديموس الضرير للدراسات الكنسيّة – كنيسة مارجرجس باسبورتنج – مارس 2006 ص18.

[26]  الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون – المرجع السابق – الرسالة الأولى:33 ص91.

خدمة التفريغ, اللاهوت المقارن , المجامع المسكونية, أشهر كتابات الآباء, كتابات الآباء, العلوم اللاهوتية, التقليد, الكتاب المقدس, الهراطقة, الكنيسة, التساهل في العقيدة, شركو الكنيسة, comparative theology

اللاهوت المقارن والباترولوجي – دراسة

الباترولوجي والتقليد

الباترولوجي والتقليد

الباترولوجي والتقليد

ترجع كلمة “تقليد” إلى كلمة παράδοσις اليونانية، من فعل παραδίδωμι (سلّم) الذي يعني فاعلية النقل أو الإرسال بعيداً، من يد إلى يد، ومن فم إلى فم، أو التسليم المباشر من شخص لآخر، أما موضوع هذا النقل فيمكن أن يكون كلمات قيلت، أو أعمالاً شُوهدت أو عوائد عُمل بها، وهكذا تجد أن كلمة παράδοσις والتي ترجمت في العربية بكلمة “تقليد”، لا تعني تقليد الأقدمين أي مجاراتهم ومحاكاتهم، بل هو الاستلام منهم بالتسلسل، الوديعة التي سُلّمت إليهم، ففعل قلّد بمعنى قلّده السيف أي جعل حمالته في عنقه، أو قلّده العمل أي فوّض أمره إليه.

يقول القديس أثناسيوس الرسولي: “إن الرسول يمدح أهل كورنثوس قائلاً: فَأَمْدَحُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ عَلَى أَنَّكُمْ تَذْكُرُونَنِي فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَتَحْفَظُونَ التَّعَالِيمَ كَمَا سَلَّمْتُهَا إِلَيْكُمْ.” (1كو11: 2)، وأما هؤلاء (الأريوسيون) الذين يحتقرون آراء الذين سبقوهم يليق بهم حقاً أن يقولوا بلا حياء عكس ذلك لرعاياهم، أي (إننا نمدحكم لأنكم لا تذكرون الآباء ونزيدكم مدحاً حينما تحتقرون تقاليدهم)”[1].

كذلك يقول القديس يوحنا ذهبي الفم تعليقاً على قول معلمنا بولس الرسول “فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ (التقليد) الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا” (2تس 2: 15)، بقوله: “ليتنا نفكر في تقليد الكنيسة أنه مستحق كل تقدير، إنه تقليد فلا نفكر في أي شيء آخر… من هنا يتضح بأن الرسول بولس لم يُعطِ الكلّ كتابةً، بل أعطى أشياء كثيرة بطريقة شفهية، والأشياء المكتوبة وغير المكتوبة هي مع بعضها قابلة للإيمان بها، بحيث نعتبر أن تقليد الكنيسة مستحق للاعتقاد به”[2].

الكتاب المقدس والتقليد:

في الكنيسة الأولى لم يكن هناك فصل بين ما كان يحمله الآباء الرسل وتلاميذهم من بشارة شفهية حياتية (التسليم والتقليد)، وبين ما سجّلوه منها كتابة فيما بعد بحسب الاحتياجات الرعوية للكنائس، بصيغة أناجيل ورسائل وأعمال رسل إلخ (الإنجيل)… فكل هذا مع أسفار العهد القديم كان محور تعليم وحياة الكنيسة التي كانت تتسلمه وتُسلمه بأمانة بمعونة الروح القدس.

لزوم التقليد لمعرفة الأسفار الإلهية وعددها وقانونيتها:

كانت كرازة التلاميذ والرسل بالتسليم والتقليد، فلم يكتب أحد منهم إلاّ بعد ما يقرب من ثلاثين عاماً من حلول الروح القدس؛ خلال هذه الفترة كان التقليد هو الأساس في الكرازة، فالكنيسة عاشت بدون إنجيل مكتوب ولكنها لم تَعِشْ يوماً واحداً دون التقليد، فالبدع والهرطقات هي التي دعت التلاميذ للكتابة فسجل لنا التلاميذ والرسل الإنجيل بوحي من الروح القدس، وعندما حاول الهراطقة التلاعب بهذه الأسفار، حذفاً أو إضافة، حَدَّدت الكنيسة بلسان آبائها ومجامعها المحلية أسفار العهدين القديم والجديد القانونية، معتمدة في هذا على التسليم الذي عندها مكتوباً كان أم شفهياً.

فالكنيسة لم تعرف الكتاب المقدس إلاّ من خلال التقليد، لذلك يقول القديس أغسطينوس “أما من جهتي فأنا لا أُومن بالإنجيل إلا كما يوجهه سلطان الكنيسة”[3].

يقول القديس سرابيون أسقف أنطاكية فيما كتبه عن إنجيل بطرس (ك3 ف3): “لإننا أيها الإخوة نقبل كلاً من بطرس وسائر الرسل كرسل المسيح، وكننا نرفض بشدة الكتابات المنسوبة إلى الرسل زوراً، عالمين أن مثل هذه لم تُسلّم إلينا”[4].

ويقول العلاّمة أوريجانوس “بالتقليد عرفت الأناجيل الأربعة أنها وحدها صحيحة”[5]، كما يقول “التلميذ الحقيقي للسيد الميسح هو ذلك الذي يدخل الكنيسة، فإن من يدخل الكنيسة يفكر ذات فكر الكنيسة ويحيا كحياتها، وبهذا يتفهم الكلمة، فإنه ينبغي أن نتقبل مفتاح الكتاب المقدس من التقليد الكنسي كما من الرب نفسه”[6].

فالتقليد سلّمَنا الإنجيل المكتوب وكمّل لنا ما لم يُكتب؛ ولم يسلمنا عِلْماً فقط بل في التقليد والتسليم نتسلم روح الإنجيل وفكره ومفاهيمه والتطبيق العملي له؛ كما رأيناه في الآباء اللذين سلّمونا وتسلّموا هم أيضاً من الأجداد.

يقول القديس كيرلس الأورشليميّ: اعرف بمثابرة من الكنيسة ما هي كتب العهد القديم وما هي كتب العهد الجديد، ولا تقرأ في كتب الأبوكريفا”[7].

الكتاب المقدس يتطلب وجود تقليد معه:

كما نلاحظ أيضاً أن كتابة الإنجيل لم تنه دور التقليد؛ فالإنجيل لم يُكتَب فيه كل شيء، ودلي قول معلمنا يوحنا الإنجيلي “وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ، إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ. آمِينَ.” (يوحنا 21: 25)، “إِذْ كَانَ لِي كَثِيرٌ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ، لَمْ أُرِدْ أَنْ يَكُونَ بِوَرَق وَحِبْرٍ، لأَنِّي أَرْجُو أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ وَأَتَكَلَّمَ فَمًا لِفَمٍ، لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُنَا كَامِلاً.” (2يو 1: 12)

وكذلك يقول معلمنا القديس بولس الرسول لتلميذه تيطس: “مِنْ أَجْلِ هذَا تَرَكْتُكَ فِي كِرِيتَ لِكَيْ تُكَمِّلَ تَرْتِيبَ الأُمُورِ النَّاقِصَةِ، وَتُقِيمَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ شُيُوخًا كَمَا أَوْصَيْتُكَ” (تي 1: 5).

في التقليد أمور كثيرة لا توجد في الكتاب الإلهيّ، والذي يحضّنا على التمسك بها الكتاب نفسه “فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ (بالتقليد) الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا” (2تس 2: 15).

وفي مكان آخر نجد أن معلمنا القديس بولس الرسول يمتدح الكورنثيين من أجل محافظتهم على التقليد، ” فَأَمْدَحُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ عَلَى أَنَّكُمْ تَذْكُرُونَنِي فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَتَحْفَظُونَ التَّعَالِيمَ كَمَا سَلَّمْتُهَا إِلَيْكُمْ.” (1كو11: 2)، ويُوصي تلميذه الأسقف تيموثاوس أن يحفظ الوديعة “يَا تِيمُوثَاوُسُ، احْفَظِ الْوَدِيعَةَ، مُعْرِضًا عَنِ الْكَلاَمِ الْبَاطِلِ الدَّنِسِ، وَمُخَالَفَاتِ الْعِلْمِ الْكَاذِبِ الاسْمِ” (1تي 6: 20)، “اِحْفَظِ الْوَدِيعَةَ الصَّالِحَةَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ السَّاكِنِ فِينَا” (2تي 1: 14).

الكتاب المقدس استفاد من التقليد:

كتب أُناس الله القديسون الكتاب المقدس مسوقين من الروح القدس، الذي حثهم على الكتابة وعصمهم من الخطأ في فهم معنى البشارة المقدمة، وترك لهم حرية التعبير بما يناسب لغتهم ومعرفتهم، فاستندوا على إلى التسليم، كما يشهد بهذا كُتّاب هذه الأسفار”إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا، كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ” (لو 1: 1-4)، تلك الأمور المتيقّنة عند الكنيسة إذاً والمسلمة منذ البدء من الرسل، والتي هي الأساس والمصدر هي ما نسميه بالتسليم، وبالطبع فبعد كتابة أسفار العهد الجديد صارت هذه أيضاً جزءاً مكتوباً من التسليم ذاته ولهذا لا يمكننا أن نكتفي بالكتاب المقدس وحده، أو نعزله عن تسليم الكنيسة ككل، أو أن ننتزعه من إطار حياتها، وهي جسد المسيح وحاملة مواهب الروح القدس، فنغربّه عنها لكي نفسّره مزاجياً مدّعين مساعدة الروح القدس لنا، ونحن إنما نعكس مفاهيم عقلنا المنتفخ المحدود واهواءنا البشرية كما فعل الهراطقة.

كذلك نجد مُعلنا القديس يهوذا الرسول يذكر قصة دفن موسى، وأن ابليس أراد أن يظهر جسده “وَأَمَّا مِيخَائِيلُ رَئِيسُ الْمَلاَئِكَةِ، فَلَمَّا خَاصَمَ إِبْلِيسَ مُحَاجًّا عَنْ جَسَدِ مُوسَى، لَمْ يَجْسُرْ أَنْ يُورِدَ حُكْمَ افْتِرَاءٍ، بَلْ قَالَ: «لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ!».” (يه 9)، هذه القصة لم تأت في العهد القديم، بل أخذها معلمنا يهوذا من التقليد، كذلك نبوءة أخنوخ “وَتَنَبَّأَ عَنْ هؤُلاَءِ أَيْضًا أَخْنُوخُ السَّابعُ مِنْ آدَمَ قَائِلاً: «هُوَذَا قَدْ جَاءَ الرَّبُّ فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ، لِيَصْنَعَ دَيْنُونَةً عَلَى الْجَمِيعِ، وَيُعَاقِبَ جَمِيعَ فُجَّارِهِمْ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ فُجُورِهِمُ الَّتِي فَجَرُوا بِهَا، وَعَلَى جَمِيعِ الْكَلِمَاتِ الصَّعْبَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا عَلَيْهِ خُطَاةٌ فُجَّارٌ».” (يه 14، 15).

كما جاء في سفر الرؤيا عن مشورة بلعام “وَلكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ قَلِيلٌ: أَنَّ عِنْدَكَ هُنَاكَ قَوْمًا مُتَمَسِّكِينَ بِتَعْلِيمِ بَلْعَامَ، الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُ بَالاَقَ أَنْ يُلْقِيَ مَعْثَرَةً أَمَامَ بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَنْ يَأْكُلُوا مَا ذُبِحَ لِلأَوْثَانِ، وَيَزْنُوا”. (رؤ 2: 14)، وكذلك تعرّف بولس الرسول على ينيس ويمبريس اللذين قاوما موسى “وَكَمَا قَاوَمَ يَنِّيسُ وَيَمْبِرِيسُ مُوسَى، كَذلِكَ هؤُلاَءِ أَيْضًا يُقَاوِمُونَ الْحَقَّ. أُنَاسٌ فَاسِدَةٌ أَذْهَانُهُمْ، وَمِنْ جِهَةِ الإِيمَانِ مَرْفُوضُونَ” (2تي 3: 8)، كل هذه الأحداث لم ترج في العهد القديم بل أخذوها من التقليد شفاهاً.

التقليد يساعدنا على فهم الكتاب المقدس بصورة صحيحة:

التعليم القويم المحفوظ في التقليد والعقائد المصاغة في المجامع المسكونية، التي من خلالها نفهم الحقائق الإيمانية التي يُعلنها الكتاب المقدس، ولا يمكن إدراكها أو التعبير عنها بشرياً خصوصاً باعتمادنا المجرّد على عقلنا الفرديّ، ولولا ذلك لما قال الخص الحبشي – عندما سأله الشماس فيلبي: “«أَلَعَلَّكَ تَفْهَمُ مَا أَنْتَ تَقْرَأُ؟» فَقَالَ: «كَيْفَ يُمْكِنُنِي إِنْ لَمْ يُرْشِدْنِي أَحَدٌ؟». وَطَلَبَ إِلَى فِيلُبُّسَ أَنْ يَصْعَدَ وَيَجْلِسَ مَعَهُ” (أع 8: 31).

بالتفاسير الكثيرة لأسفار عديدة من الكتاب والتي حفظها التقليد عن آباء قديسين، بنوا معرفتهم لا عن مهارة شخصية في التحليل والشرح، بل على تمثّلهم لتعاليم الكنيسة المتوارثة منذ البدء وعلى خبرة حياة روحية عميقة مع الله.

قيل عن القديس أثناسيوس الرسوليّ: “كان تقليد الكنيسة مرشداً له في دراسته للكتب المقدسة، إذ كان يبحث باجتهاد في كتابات المعلمين القدامى، كما شهد بنفسه وهو يُعلن أنه قد تعلم عن لاهوت المسيح من المعلمين القديسين المُوحى لهم ومن الشهداء، وكان يعتبر أن المعنى السليم للآية هو المعنى الكنسيّ”[8].

التقليد والعقائد الأرثوذكسية:

إن الفرق بين المؤمنين والهراطقة، هو أن الهراطقة يطلبون البراهين من الكتاب المقدس، ويرفضون تسليم الآباء غير المكتوب، يقول القديس باسيليوس الكبير “الهدف المشترك لجميع أضدادنا (الهراطقة)، أعداء الاعتقاد الصحيح تقويض أساس الإيمان بالمسيح بمحو التقليد الرسوليّ، لذلك يطالبون بتفاسير عمّا جاء في الكتب، رافضين شهادة الآباء غير المكتوبة بأن لا قيمة لها”[9]، علينا أن نلاحظ أن التقليد لم يُضِف أية تكميل للكتاب المقدس، وما العبارات العقائدية الجديدة التي وردت في المجامع المسكونية وعند الآباء القديسين إلاّ توضيح لمفاهيم قضايا إيمانية سبق أن أعلنها الكتاب بطريقة غير منهجية، وقد اجتهد آباء المجامع في ذلك لقطع الطريق أمام المبتدعين، أما الكتاب فيكمل بدوره محتوى التقليد ويفسره لا بل ويحكم على صحته، وهكذا يحفظ التسليم ككل الإعلان الإلهي ويساعد على جعله في التاريخ فاعلاً ومحققاً[10].

ويقول القديس إيريناوس إن الكنائس المُؤسسة من الرسل فقط هي التي يمكن أن يُعتمد عليها في معرفة التعليم الصحيح للإيمان ومعرفة الحق، لأن تسلسل الأساقفة غير المنقطع في هذه الكنائس هو الذي يضمن أن تعليمها هو الحق: “أي شخص يُريد أن يميّز الحق، فإنه يمكن أ، يرى التقليد الرسوليّ واضحاً وظاهراً في كل كنيسة في العالم، ويمكننا أن نحصي أولئك الذين أُقيموا كأساقفة من الرسل في الكنائس وكذلك خلفائهم حتى إلى يومنا الحاضر، والذين لم يعرفوا أبداً ولم يتعلموا بتاتاً أيّ شيء يُشبه التعليم الأحمق لهؤلاء (أب الغنوسيين)، فلو كان الرسل قد عرفوا مثل هذه الأسرار الخفيّة التي يعلّمونها على انفراد وسراً للكاملين لكانوا بالتأكيد قد استودعوا هذا التعليم للرجال الذين أقاموهم كمسئولين عن الكنائس، لأن الرسل كانوا يُريدون أن هؤلاء الرجال الذين استلموا منهم السلطان أن يكونا بلا لوم أو عيب[11].

لذا فالإيمان الصحيح إيمان واحد.

حيث إن التقليد الرسوليّ تقليد واحد، لذلك يرى إيريناوس أن مضمون الإيمان الذي تعيشه الكنيسة، هو بعينه الذي تلقّته من الرُسُل، ومن السيد المسيح نفسه، فليس هناك تعليم آخر سواه، لذلك فمَن يُريد أن يعرف ماهيّة العقيدة الحقيقية، يكفي أن يصل إلى “التقليد المُتأتي من الرُسُل والإيمان المُعلن للناس، تقليد وإيمان وصلا إلينا بواسطة تتابع الأساقفة[12]، فالتقليد الكنسيّ واحد في محتوياته الأساسية، التي يُسميّها إيرينيوس “قاعدة الإيمان“، فالإيمان الواحد يخلق وحدة بين الشعوب على اختلاف الثقافات المُتعدّدة، فكما سبق أن ذكرنا قول القديس إيريناوس: “إن الكنيسة ورغم أنها مُنتشرة في كل العالم، تُحافظ بعناية (على إيمان الرسل)، كما لو كانت تسكُن في منزل واحد؛ وبنفس الطريقة تؤمن بهذه الحقائق، كما لو كان لها نفس الروح ونفس القلب؛ وبتوافق تام تُعلن هذه الحقائق وتُعلم وتنقل، كما لو كان لها فم واحد. إن لغات العالم مختلفة، لكن قدرة التقليد هو واحدة وهي نفسها: فالكنائس المؤسسة في بلاد الألمان لم تتلق ولم تنقل إيماناً مختلفاً، ولا الكنائس المؤسسة في بلاد الاسبان أو وسط الشعوب السلتيّة أو في المناطق الشرقية أو في مصر أو في ليبيا أو في وسط العالم[13]، لذا نقول في قانون الإيمان “… كنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية”.

القديس أثناسيوس الرسوليّ يفتخر بأنه يفهم الأسفار المقدسة (فهماً كنسياً)، يتوافق مع تقليد الكنيسة الأولى المُسلّم إليها من الرب نفسه، لذلك كان يهاجم الهراطقة لأنهم لم يحافظوا على تعاليم الرسل والآباء الأقدمين، كما يقول في بعض رسائله الفصحية وكتاباته الأخرى: “هذا هو جنون وشطط هؤلاء الناس – بحسب ما وصفناه – وأمّا إيماننا نحن فمستقيم ونابع من تعليم الرسل وتقليد الآباء ومشهود له من العهدين الجديد والقديم كليهما”[14]، كما يقول مادحاً أدلفيوس المعترف لحفظه التقليد: “لذلك فأنت أيها الحبيب، والمشتاق إليه جداً بالحق، قد صنعت ما هو موافق لتقليد الكنيسة، ومناسب للتقوى نحو الرب، بتوبيخك ونصحك وتعنيفك لمثل هؤلاء، ولكن حيث إنهم مُحرَّكون من أبيهم الشيطان[15]، فإنهم “لا يعرفون ولا يفهمون”، كما هو مكتوب بل “في الظلمة يتمشون” (مز 81: 5)[16]، كذلك يقول في رسالته الأولى إلى سرابيون: “بحسب الإيمان الرسولي المُسلّم لنا بالتقليد من الآباء، فإني قد سلمتُ التقليد دون ابتداع شيء خارجاً عنه، ما تعلمته فهذا قد سطرته مطابقاً للكتب المقدسة”[17].

فالآباء استندوا إلى التقليد بأمان…

في رسالة القديس أثناسيوس الرسولي إلى أدلفيوس المعترف أسقف أونوفيس، يقول: “إن كانوا (أي الأريوسيون) يُريدون أ، يتشبثوا بتجديفاتهم فيشبعوا بها وحدهم… لأن إيمان الكنيسة الجامعة يقر بأن كلمة الله هو خالق كل الأشياء ومبدعها”[18]، إيمان الكنيسة الجامعة هو تقليد الكنيسة، وفي رسالتها الأولى إلى سرابيون، يقول: “…. ولكن بالإضافة إلى ذلك، دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي هو من البداية، والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء، وعلى هذا (الأساس) تأسست الكنيسة، ومَن يسقط منه فلن يكون مسيحياً، ولا ينبغي أن يُدعى كذلك فيما بعد”[19].

القديس أُغسطينوس “الآباء تمسّكوا بما وجدوه في الكنيسة، وعملوا بما تعلّموه، وما تسلّموه من الآباء وأودعوه وفي أيدي الأبناء[20].

كذلك يقول القديس باسيليوس الكبير: “فإني أتمسك بالتعاليم الرسوليّة، لكي أوجد في التقليد غير المكتوب، قيل : “فأمدحكم على أنكم تذكرونني في كل شيء، وتحفظون التعاليم كما سلمتُها إليكم”[21]، يقول القديس كيرلس الأورشليمي في “عظاته الأسرارية” للموعوظين في واجب حفظ قانون الإيمان: “اكتسب الإيمان الذي تتلقّاه بالتعليم والكرازة، وحافِظ عليه؛ هذا الإيمان الذي تستودعه إياك الكنيسة الآن، الإيمان الذي يدعمه كل الكتاب المقدس، وبما أن الجميع لا يستطيعون أن يطالعوا الكتب المقدسة، إذ البعض غير متعلم، والبعض منشغل بحيث ليس لديه الوقت لمعرفتها، فقد لخّصنا كل عقائد الإيمان في آيات قصيرة، لكي لا تهلك النفس بسبب جهلها، وأود بعد هذا الدرس أن تحفظوا الملخّص، لا بكتابته على الورق، بل بنقشه في قلوبكم بواسطة الذاكرة… إن عقائد الإيمان لم تُجمع كآراء بشرية، بل جُمِعت حقائق الإيمان الأكثر أهمية لتأليف تعليم واحد للإيمان، وكما تحمل بذور الخردل أغصاناً كثيرة في حبة صغيرة، كذلك يتضمن الإيمان ذاته في كلمات قليلة، كل معرفة التقوى التي ينطوي عليها العهد القديم والعهد الجديد. فانظروا إذن يا إخوة، وتمسكوا بالتقاليد التي تتلقونها الآن (2تس 2: 14)، وسجّلوها في أعماق قلوبكم”[22].

التقليد والليتورجيا[23]:

الليتورجيا λειτουργία [24] لا تنفصل إطلاقاً عن الكتاب المقدس، ونحن إذا ما أمعنّا النظر في النصوص الليتورجيا، رأينا أنها مُشبَعة بالكتاب المقدس، ومشبعة بخبرات الآباء التي تمدنا كلمات الكتاب المقدس معاشة ومفروزة.

حالنا كحال النحلة، النحلة تأخذ الرحيق من الأزهار، وما تجمعه تضيف إليه لعابها الخاص، ويتفاعل معه فيصير الناتج عسلاً، فهل بعد ذلك يمكن فصل الرحيق من العسل الناتج؟ … بالطبع مستحيل، فخبرات الآباء هي العسل المستمدّ أساساً من رحيق الكلام الإلهي، ومن سيرتهم المقدسة (أي لعاب النحلة في مثلنا السابق).

إن مَن يفضّل أن يتعاطى الرحيق مباشرة، فكيف يحوّله عسلاً؟ أيظن أن التحوّل يتّم بصورة آلية!!… كلا، إن هذا يعتبر قصر نظر واعتداد بالذات، إن مَن يُريد أن يتعلم تعليماً صحيحاًن فإنه يجب أن يتعلّم من خبرة غيره ويقتدي بغيره. كل واحد منا بحاجة إلى مّعلّم يقتدي به، فالحيّاة الروحية تكون بالتلمذة، لم يُعطِنا الرب يسوع المسيح كتاباً، أعطانا نفسه كتاباً، أعطانا كلامه كتاباً، وهذا الكلام الذي أعطانا إيّاه، لا ينفصل، بحال عن شخصه، الرب يسوع المسيح أعطانا رحيقاً، وأعطانا إيّاه، في جسده، معسّلاً. فبات هذا العسل من ذاك الرحيق، ولهذا في شخص الرب يسوع، لا فصل، إطلاقاً، بين الكلمة المنطوق بها والكلمة الذي صار جسداً (يو 1: 14).

من هذا المنطلق، كل المحاولات التي يجري تبنّيها لفصل أبعاد عمل الخلاص أحدها عن الآخر، أي لفصل الليتورجيا عن الروحانيات والروحانيات عن الآباء، والآباء عن العقائد والعقائد عن الكتاب المقدس، كل هذه محاولات فاسدة من الأساس، إن الكل واحداً متكاملاً، لا يجوز لأحد أن يتعاطى الليتورجيا وكأنها قائمة في ذاتها، ولا يجوز أن يتعاطى الكتاب المقدس وكأنه قائم في ذاته.

إذا كنتُ أهتم بالليتورجيا فاهتمامي بالليتورجيا هو اهتمام بغرض ابتغاء حياة القداسة، وإذا كنتُ أهتم بالكلمة الإلهيّة، فما ذلك إلا لأني ألتمس حياة القداسة، وإذا كنتُ أتعلّم العقيدة وأتمسّك بها، فكي لا أضلّ عن درب القداسة فغاية إيمانكم خلاص نفوسكم، وإذا كنتُ أتعلم الآباء وأعلم أُعَلّم الآباء فلأني أريد أن أتعلم وأعلم معالم الطريق التي تفضي إلى الملكوت والتي تعيننا على الاشتراك في قداسة الله، “بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ” (1بط 1: 15) ليكن كل شيء بينكم للبنيان، ليكن كل شيء بينكم للقداسة. كلما حاول أحدنا فصل جانب من جوانب التراث عن هذا السعي إلى القداسة، سقط في الهرطقة، إذا كان الواحد يجتهد ليتعلّم الليتورجيا جيّداً، ليتقنها بهدف آخر ولا يبالي بالقداسة، فإنه يسقط عملياً في الهرطقة.

صلوات الكنيسة تفتح لنا كنوز الأسفار المقدسة وتعطي لنا التعليم الصحيح

نصلي في إيصالية يوم الأربعاء ونقول “فليفرح ويتهلل طالبوا الرب الملازمون كلّ حين في تلاوة اسمه القدوس، هؤلاء هم الأشجار … عند مجاري المياه تعطي ثمرة كاملة”[25]، مضمونه الكتابي (مز 1: 3)، كذلك حديث السيد المسيح مع السامرية “مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ” (يو 4: 14)، كذلك يقول السيد المسيح: ” إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ” (يو 7: 37)، وهذا ما نصليّه في أوشية السلامة الكبيرة “اسمك القدوس هو الذي نقوله فلتحيا نفوسنا بروحك القدوس”، لذا الإبصاليات عموماً تمجيد لاسم الله المعطي الحياة.

ما هي الهرطقة؟ الهرطقة هي الضلال، كل شيء لنا في كنيسة المسيح هو لأجل القداسة، فإذا كنا نُسَرّ بالليتورجيا ونفرح بها، إذا كنا نفرح بالتراتيل والترانيم، ولا نبالي بالسلوك في قداسة السيرة، فنحن إذ ذاك نَجْتَرُ أهواءنا حيث لا ينبغي في إطار الليتورجيا والطقوس والعبادة، الشيء نفسه يُقال عن الكتاب المقدس أو العقيدة أو تعليم الآباء، بإمكان الواحد منا أن يُتقن تعليم الآباء جيداً، ولكن إذا كان لا يبالي بسيرة القداسة ولا يهمّه أن يتنقّى ولا أن يعرف نفسه ولا أن يتوب عن خطاياه، إذ ذاك ومن منظار روح الرب، هرطوقيّ، ولو كان عارفاً بالنصوص الآبائية جيّداً، يكون قريباً من التجديف على الله لأنه يتعاطى الإلهيّات كتجارة كلام، كحكمة، معتمداً لا على برهان الروح والقوة كما فعل الرسول، لأنه ليس له بل على سمو الكلام والإقناع.

الذين يحتجون على أن الليتورجيا لم تأتِ نصاً في الكتاب المقدس، نقول لهم: بأن السيد المسيح لم يَكتُب إنجيلاً للتلاميذ؛ إنما سلّمهم التقليد وأعطاهم الإيمان والخلاص حياة يعيشونها ويسلمونها ” الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ” (يه 3)، لذلك يقول معلمنا بولس الرسول “وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِالإِنْجِيلِ الَّذِي بَشَّرْتُكُمْ بِهِ، وَقَبِلْتُمُوهُ، وَتَقُومُونَ فِيهِ” (1كو 15: 1)، فمعلمنا القديس بولس الرسول لم يكتب إنجيلاً، إنما إنجيله هو ما بشرهم به وسلّمهم إياه، وما سلّمه بولس الرسول هو تسلّمه أيضاً، يقول القديس باسيليوس الكبير “أعتقد أنها لعادة رسولية التمسك بالأشياء التقليدية التي لم تُكتب”[26].

فالتسليم المكتوب وغير المكتوب لهما نفس القوة من جهة الإيمان.

يقول القديس باسيليوس: “إن العقائد والتعاليم المحفوظة في الكنيسة منها ما حصلنا عليه من التعليم الكتابيّ، ومنها ما تلقّناه في سرّ مسلَّماً لنا من تقليد الرسل، وللاثنين نفس الفاعلية بالنظر إلى التقوى، وليس مَن يعترض على ذلك، إذا كانت هناك خبرة ولو يسيرة عن الأوضاع الكنسيّة، فإن قررنا رفض ما ليس مكتوباً من عوائدنا كأن ليس لها قوة كبرى، فنكون لا نعي بأننا نضر بالإنجيل في ما هو مصلحتنا نفسها، فضلاً عن تحويلنا التعليم إلى مجرد اسم، كمثل كي أذكر أولاً من علّمنا كتابة أن نرسم بإشارة الصليب أولئك الذين يرجوه ربنا يسوع المسيح؟ أيُّ كتابٍ علّمنا الاتجاه في الصلاة نحو المشارق؟ كلمات الاستدعاء في إظهار (استحالة) خبز الشكر وكأس البركة، مَنْ مِن القديسين استودعنا إياها كتابة؟ أجل إننا لا نكتفي بما ذكره الرسل والإنجيل، بل نبدأ ونختم بأقوال أخرى تسلمناها من التعليم الذي لم يُكتَب وهي في غاية الأهمية بالنسبة للسر، وأننا نُبارك ماء المعمودية وزيت المسحة والمُعَمَّد أيضاً بموجب أية كتابات؟ أليس ذلك بموجب التقليد الصامت السريّ (أي غير المكتوب)؟ وماذا عن مسحة الزيت أيّ قول مكتوب علّمنا إياها؟ تغطيس الإنسان ثلاثاً، من أين هو؟ بل كل ما يُحيط بالمعمودية، الكفر بالشيطان وملائكته (صلوات جحد الشيطان)، من أيّ مخطوط هو، اليس هو من ذلك التعليم المحجوب عن الشعب، والذي لا يُقال، والذي حفظه آباؤنا في صمت يدعو إلى الهدوء الاطمئنان، مدركين جيداً أنهم بصمتهم هيبة الأسرار؟ فالذي لا يجوز كشفه لغير المدربين، كيف يُعقل أن يُذاع تعليمه في الكتابة؟ وماذا كان قصد موسى العظيم عندما جعل أنحاء الهيكل غير سالكة جميعها للجميع؟ لكنه أوقف غير الأطهار خارج الأسوار المقدسة، وسمح للأكثر طهارة بولوج الأروقة الأولى وسمح للاويين وحدهم في خدمة اللاهوت، فالذبائح والمحرقات وسائر الخدم الكهنوتية انتدب لها الكهنة للقيام بها، وواحد فقط منتخب من جميعهم لدخول قدس الأقداس وهذا ليس بنوع دائم، بل يوماً واحداً فقط كل سنة، وفي ساعة منه محدّدة، مسوح له فيها أن يقف كي يشاهد في ذهول غريب وفريد قدس الأقداس… كلنا نتجه في صلواتنا نحو المشارق، وقليل منا يفهم أننا نبغي بذلك الوطن القديم، والفردوس الذي نصبه الله في عدن نحو المشارق (نتذكر جنة عدن)، إننا نتمّ الصلوات وقوفاً أول الأسبوع وليس الجميع يعرفون السبب، فليس أننا نُعيد بذلك إلى الذاكرة بوقوفنا للصلاة مثال قيامتنا مع المسيح، وواجب التماس العلويات في يوم القيامة الذي يُمنح لنا فيه النعمة، بل يبدو أن هذا النهار هو نوعاً ما صورة الدهر الآتي، لذلك رغم أنه بدء الأيام لم يسميه موسى اليوم الأول، بل يوماً واحداً فقال: ” وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا” كأن هذا النهار نفسه يتابع الدوران كثيرً، وهذا اليوم الواحد هو الثامن أيضاً، الواحد حقاً والثامن حقيقة، الذي يظهر بذاته انقضاء هذا الدهر، اليوم الذي لا نهاية له، ولا مساء له ولا غد… لينقضي بي النهار ولا أكون قد انتهيت من سرد أسرار الكنيسة التي لم تًكتب…”[27].

كما يقول: “فلما أراد الرب أن يُجدّد الإنسان ردّ إليه النعمة التي كان قد حصل عليها من نفخة الله، ونفخ في وجه التلاميذ قائلاً: “مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ” (يو 20: 23)، ثم أليس واضحاً ولا يقبل الجدال أن تنظيم الكنيسة من صُنع الروح؟ فقد قال بولس: “28فَوَضَعَ اللهُ أُنَاسًا فِي الْكَنِيسَةِ: أَوَّلاً رُسُلاً، ثَانِيًا أَنْبِيَاءَ، ثَالِثًا مُعَلِّمِينَ، ثُمَّ قُوَّاتٍ، وَبَعْدَ ذلِكَ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ، أَعْوَانًا، تَدَابِيرَ، وَأَنْوَاعَ أَلْسِنَةٍ” (1كو 12: 28)، ثم منح هبة المعجزات والقدرة على الشفاء، تمييز الأرواح والنبوة، فهذا التنظيم مُرتّب بحسب توزيع مواهب الروح[28]، وتسليم الآباء غير المكتوب هو ما تمارسه الكنيسة، وهو غير مُدّون في أسفار الكتاب المقدس، ويسميه القديس باسيليوس “ترتيب الكنيسة[29].

يقول القديس هيبوليترس الروماني: “إن كنت في تجربة ارشم نفسك بعلامة الصليب على جبهتك فهذه العلامة تخص آلام المسيح، تُظهرها لمقاومة الشيطان إن رشمتها بإيمان وليس من أجل أن تسر الناس ولكن بمعرفة، واضعاً إياها أمامك كترس، لأنه إن رأي العدو قوة الروح القدس خارجياً ظاهرة بوضوح في شبه (رسم) المعمودية سيهرب مرتجفاً”[30]

الليتورجيا تجميع للنموذج والهدف معاً، وأيّ تغيرٍ في النموذج هو تغيير في الهدف نفسه أي الليتورجيا والعقيدة والخلاص هما نسيج متداخل معاً في الليتورجيا، سر الإفخارستيا هو في حد ذاته تقليد تسلّمه التلاميذ من الرب يسوع، “وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ، وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي». وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: «اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا” (مت 26: 26-28)

فلم يأتِ بتفاصيل الطقس بل قال بارك … ماذا قال؟ وكسر…. كيف قسم فهذه التفاصيل هي التسليم الذي تسلّموه من السيد المسيح وسلّموه “الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ” (يه 3).

فالكنيسة أخذت سر الإفخارستيا كتقليد إلهي متكامل من السيد المسيح نفسه؛ ويشهد بذلك معلمنا القديس بولس “لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا: إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا….” (1كو 11: 23)، فالتقليد واضحٌ جداً ومؤكد من قوله تَسَلَّمْتُ … سَلَّمْتُكُمْ.

وعلى هذا المثال سر المعمودية فتسلموها من السيد المسيح فقد عمدوا في وجوده “مَعَ أَنَّ يَسُوعَ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ يُعَمِّدُ بَلْ تَلاَمِيذُهُ” (يو 4: 2)، وعندما أرسلهم قال لهم “فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ”. (مت 28: 19)، فالتسليم نفسه والطقس تسلموه من السيد المسيح نفسه، الذي كان في الأربعين يوماً بعد القيامة “َيَتَكَلَّمُ عَنِ الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ” (أع 1: 3).

فالليتورجيا ليست مجرّد صلوات أو طلبات، إنما علاقة كيانية بين الإنسان الذي نال الخلاص وبين الله الذي خلّصه بالابن المتجسد والروح القدس، فالليتورجيا هي المجال الذي يكمل فيه الخلاص بالابن والروح القدس؛ “اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا” (مر 16: 15).

هناك ربط بين التلمذة والمعمودية والخلاص، هذه العلاقة وهذا الارتباط يظهر بكل وضوح في الليتورجيا، فالليتورجيا تجمع بين النموذج والهدف معاً، هذا هو عمل التقليد التعليمي والسرائري.

الألحان الكنسية موسيقى تحرك المشاعر وتخاطب الروح، والهدف منها جذب الإرادة نحو الله، وفي الليتورجيا تتوافق الكلمات مع الألحان مع الحركات (الطقس)، فالكلمات مع الحركات تُعطي معنى الفهم، والكلمات مع الألحان تُعطي معنى التوبة، والحركات مع الألحان تبين ما يُسمى إيضاح الطقس، فإيضاح الطقس مع فهم المعاني مع الإحساس بالتوبة، ترقي بالإنسان إلى التقديس اللائق بالقداس الإلهي[31].

علم الباترولوجي ودوره في حفظ الليتورجيا:

نصوص الليتورجيا كلها، القداسات التي نصلي بها؛ والمستخدمة في باقي الأسرار، المعمودية والميرون ومسحة المرضى والزيجة والكهنوت، وكذلك صلوات اللقان وتدشين الكنائس من وضع آباء الكنيسة القدامى، فلقد حفظوها لنا سالمة لكي نصلي بها كإناء للعقيدة السليمة.

فيتكلم الآباء عن أهمية الليتورجيا، فيقول القديس غريغوريوس النزينزيّ: “لا تحتقروا دواء طرد الشياطين ولا تتعبوا من طول الصلوات، لأن كل هذه هي امتحان لصدق النفوس وإخلاصها وطلبها المعمودية باشتقاق”[32]. فخدمة تقديس المياه وصلوات جحد الشيطان، لا غنى عنها في حياة الكنيسة، فهي إلى جانب فعاليتها كصلاة تحوي أيضاً تعاليم أساسية تساعد المقبل إلى المعمودية (الموعوظ) على فهم بعض الحقائق اللاهوتية الضرورية.

التقليد السليم والتقليد المرفوض:

السيد المسيح هاجم تقليد الشيوخ ورفضه، فهل معنى ذلك أن كل تقليد مرفوض؟

يعتمد الذين يرفضون التقليد على قول السيد المسيح للكتبة والفريسيين “فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ بِسَبَب تَقْلِيدِكُمْ! يَا مُرَاؤُونَ! حَسَنًا تَنَبَّأَ عَنْكُمْ إِشَعْيَاءُ قَائِلاً:يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ، وَيُكْرِمُني بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا. وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَني وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ”(مت 15: 6-9).

لكن السيد المسيح يقصد تسليم الناس وليس تسليم الله، فهناك فرق ما بين التقليد والتسليم Tradition، وبين المحاكاة Imitation، فالتقليد باليونانية παράδοσις وتعنى “يعهد بشيء لآخر” أو يسلم شيئاً يداً بيد، والكلمة الملاحقة παραιδαμβανο أي يتقبل الشيء ويسلمه؛ ومن هنا يظهر أن هناك فرقاً بين التقليد الكتابي الذي يفيد حفظه وديعة وتسلمها من جيل إلى جيل؛ والتقليد بالمحاكاة كما يفهم البعض بأن التقليد هو محاكاة في روتينية وناموسية لماضي انتهى.

يتضح من هذه الآية أن تقليد الشيوخ لا يتفق مع وصية الله، فتقليد الشيوخ الذي يعلّمونه هو “مَنْ قَالَ لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ: قُرْبَانٌ هُوَ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي. فَلاَ يُكْرِمُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ (مت 15: 5)، لقد كان هذا التقليد لمصلحة الكتبة والفريسيين، فالابن عندما يوقف ممتلكاته للهيكل – بدلاً من أن يعول والديه – يزيد إيراد الهيكل، وإذا شاء أن يسترد ما وقفه، فله ذلك مقابل دفع نسبة من المال، فبحفظهم لهذا التقليد الخاطئ يكسرون وصية الله، “لأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ وَتَتَمَسَّكُونَ بِتَقْلِيدِ النَّاسِ: غَسْلَ الأَبَارِيقِ وَالْكُؤُوسِ، وَأُمُورًا أُخَرَ كَثِيرَةً مِثْلَ هذِهِ تَفْعَلُونَ…. مُبْطِلِينَ كَلاَمَ اللهِ بِتَقْلِيدِكُمُ الَّذِي سَلَّمْتُمُوهُ. وَأُمُورًا كَثِيرَةً مِثْلَ هذِهِ تَفْعَلُونَ” (مر 7: 8، 13).

هذا إلى جانب أن تقليد الكتبة والفريسيين هو محاكاة؛ فهو تقليد خال من الروح، غير مفهوم ونحن نعلم أن الحرف يقتل أما الروح فيحيي، وهذا يظهر مثلاً في عدم فهمهم لوصية السبت، كذلك من قول السيد المسيح: “كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا” (مر 7: 6)، هذا التقليد الخاطئ هو ما حذر منه معلمنا بولس الرسول “اُنْظُرُوا أَنْ لاَ يَكُونَ أَحَدٌ يَسْبِيكُمْ بِالْفَلْسَفَةِ وَبِغُرُورٍ بَاطِل، حَسَبَ تَقْلِيدِ النَّاسِ، حَسَبَ أَرْكَانِ الْعَالَمِ، وَلَيْسَ حَسَبَ الْمَسِيحِ” (كو 2: 8)، فالتقليد الآبائي يختلف اختلافاً كاملاً عن ذلك؛ فهو تقليد حيّ يحمل روح الإيمان وروح التعليم وليس تقليداً جافاً.

الهراطقة يرفضون التقليد:

يعتمد الهراطقة على الكتاب المقدس وحده ويرفضون التقليد نهائياً، وذلك لهدف معيّن وهو تفسيرهم لنص الكتاب المقدس على حسب أهوائهم الشخصية وما يحقق هرطقتهم وضلالتهم، ولكن التفسير الصحيح لنص الكتاب المقدس لا يُفهم إلاّ على أساس ما استقر في الكنيسة وعاشته الكنيسة، “فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ وَرَأَيْتُكُمْ، أَوْ كُنْتُ غَائِبًا أَسْمَعُ أُمُورَكُمْ أَنَّكُمْ تَثْبُتُونَ فِي رُوحٍ وَاحِدٍ، مُجَاهِدِينَ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لإِيمَانِ الإِنْجِيلِ” (في 1: 27)، والممارسة الحية لليتورجيا، فمثلاً يفهم من نص الكتاب “لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ” (غل 3: 27)، وأيضاً “أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ” (رو 6: 3)، بأن المعمودية تُعطى باسم المسيح فقط، لكن المعمودية تتم باسم الثالوث “فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ”. (مت 28: 19).

عند الدراسة النصية دون الرجوع للتقليد والليتورجيا يظهر أن هناك اختلافاً، ولكن التسليم الآبائي يفسر لنا ذلك حسب قول القديس باسيليوس الكبير بأن “اسم المسيح موجز وافٍ للإيمان كله”، فشركتنا مع المسيح هي شركتنا مع الثالوث.

مصادر التقليد:

يشكل التقليد الإلهي والرسولي الرصيد العام لكي إيمان الكنائس الأولى، الذي بقي أساساً لدستور إيمان الكنيسة الجامعة كلها، ولقد ذكرنا سابقاً أن قسماً منه، وهو كتاب العهد الجديد، سُجّل كتابةً في زمن الرسل بإلهام الروح القدس، بينما بقي القسم الآخر منتقلاً شفهياًن ثم بدوره يُسجّل تدريجياً بطرق مختلفة إذ مرّ بعد الفترة الرسوليّة الأولى في القرون الأولى بحالة بلورة وصياغة، صائراً مع الكتاب المقدس معيناً لا ينضب لحياة الكنيسة الإلهيّة في الزمن، وفيما يلي المصادر التي يمكن أن نجد فيها هذا التقليد:

  1. الكتاب المقدس:

الكتاب المقدس هو كلام الله، موحى به من الله (2تي 3: 16)، لكن كلام الله لم يكتبه الله مباشرة، لكن كتبه أُناس الله القديسون مسوقين بالروح القدس، فالآباء الرسل هم كتبة الإنجيل أي أن الكنيسة هي التي كتبت الإنجيل[33]، فالكتاب المقدس هو أول مصدر للتقليد، بل وهو الميزان الذي يوضح مدى صحة التقليد، فالتقليد السليم لا بد أن يتفق مع الكتاب المقدس، وأيُّ تقليدٍ يتعارض مع الكتاب المقدس هو تقليدٌ مرفوض.

  1. الليتورجيا وكتب الخدم الطقسية:

نستطيع أن نجد في صلوات الليتورجيا في كل أسرارها، وصلوات التدشين، واللقانات، وصلاة على المنتقلين، نجد تعليم الكنيسة وإيمانها، فالليتورجيا تجمع النموذج والهدف معاً، لأنها تحمل العديد من الحقائق اللاهوتية والعقائد، ومن الفهم الكنسيّ السليم الذي أودعته الكنيسة في صلواتها وفي ليتورجياتها، فالطقوس هي حياة الكنيسة العملية، كالألحان الكنسيّة، والتسبحة التي تشرح العقيدة والروحانية، والطقس بصورة شعر ليتورجي، كذلك اللحن نفسه لو دُرس بصورة عقائدية لاكتشفنا عمق حفظ العقائد من خلاله.

  1. المجامع المسكونية:

للمجامع المسكونية الدور الأكثر أهمية، لأنها تمثّل صوت الكنيسة الناطق وسلطتها العليا المعبّرة عن تعليمها العقائدية الأصيل، فآباء المجامع أُعطوا السلطان من قبل الروح القدس العامل في المجامع، أن يقرروا وفقاً لما تسلموه من الآباء الذين سبقوهم، والنموذج الكتابي الواضح هو مجمع أورشليم، ففي المجامع حُدّدت قوانين الإيمان، كما حُددت أمور أخرى مثل قوانين الكنيسة وطقوسها…. كان السبب الغالب لانعقاد مجمع هي الهرطقات، لذا نجد في المجامع توضيح أوسع للعقائد.

  1. قوانين الإيمان:

وهي شروحات قديمة مختصرة للإيمان مبنية على أساس كتابات الرسل وتقليدهم، وكانت تُستعمل في الكنائس الأولى من أجل التعليم أو حين المعمودية، وقد كان لكل كنيسة محلية في البداية قانون خاص، والاختلاف بين هذه القوانين في الشكل لا في المضمون، ثم بدأت هذه الدساتير تأخذ بالتدريج شكلاً واحداً إلى أن تحدّد دستور إيمان واحد لكل الكنائس في المجمعين المسكونين الأول عام 325م والثاني عام 381م.

  1. قوانين الكنيسة:

تشمل قوانين الآباء الرسل وتعاليمهم وقوانين المجامع المسكونية والمجامع الإقليمية أو المكانية المقبولة في الكنيسة… كذلك قوانين الآباء الكبار معلمي البيعة.

  1. الآباء الشهداء والقديسين:

آباء الكنيسة هم مصدر هام للتقليد الكنسيّ، إذ نجد الشهداء عندما ندرس سيرهم، اعترافات إيمانهم قبل استشهادهم، كذلك كتابات الآباء القديسين: وهي تراث ضخم ومتنوع وذات قيمة روحية عالية، كتبه عدد من آباء الكنيسة مستنيرين بعمل الروح القدس عبر مختلف عصورها، كما أن حياة الآباء الشهداء والقديسين نموذجاً للإيمان العملي المشخصن فيهم لذا نجد معلما القديس بولس الرسول يوصينا قائلاً “اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ” (عب 13: 7).

لذا يُعتبر تاريخ الكنيسة هو الذي حوى سير الآباء، كما شمل تاريخ الهرطقات والمجامع وبالتالي صياغة العقائد.

  1. الآثار المسيحية:

ونقصد بها الأعمال الفنية القديمة المعبّرة عن تقليد الكنيسة من عمارة وموسيقى وأيقونات …إلخ. العمارة مثلاً تُعطينا فكرة عقائدية: مثل أن تكون المعمودية في الجزء البحريّ الغربيّ من الكنيسة… كما أن وجود جرن المعمودية الذي يرجع للقرون الأولى هو دليل على أن المعمودية بالتغطيس …. إلخ.

كذلك الأيقونة التي لا نستطيع أن نفصلها عن العقيدة وعن التاريخ، فالأيقونة ليست مجرد رسم ديني هدفه إيقاظ المشاعر، وإنما هي سبيل من السبل التي يُعلن بها الله للإنسان، فالأيقونات تشكل جزءاً من التراث التقليدي، فرسّامها ليس حراً في إجراء الاقتباس أو التجديد الذي يحلو له؛ لأنه يجب أن يعكس عمله روح الكنسية وليس أحاسيسه الجمالية الشخصية، فالإلهام الفنيّ ليس مستبعداً، بل يجب تطبيقه ضمن حدود بعض القواعد المرعية، فمن المهم أن يكون رسام الأيقونات فناناً جيداً، ولكن أهم من ذلك أن يكون مسيحياً مخلصاً، يحيا في روح التقليد، ويُعد نفسه لعمله من طريق الاعتراف والمناولة، لابد للفنان أن يلم بلاهوت الأيقونة، وتاريخ الكنيسة وطقوسها.

أشهر كتابات الآباء في التقليد:

علم الباترولوجي في أصله كما نعلم لم يُكتب لكن تسلمه الأبناء من آبائهم؛ وانتقل هكذا شفاهاً، وبالتالي يعتبر علم الباترولوجي فرعاً من التقليد المسلم من الآباء، ومن كتابات الآباء التي تسلمناها كثير منها ما يخص التقليد ومن أمثلة ذلك ما يلي:

  1. بابياس أسقف هيرابوليس (آسيا الصغرى 130م):

عاش في أواخر القرن الأول الميلادي (كان عمره 30 عاماً في نهاية القرن الأول)، تقبل الإيمان بالتسليم من شهود عيان، ويعتبر أن ما تسلمه من الشيوخ هو ثقة وحق، حيث يقول عن شرح أقوال الرب “لا أتردد أن أضيف إلى تفاسيري كل الأمور المسلمة من الشيوخ، فإني أعرفهم جيداً وأتذكرهم حسناً وأثق في الحق الذي لهم، لا أسر بالذين يتكلمون كثيراً بل بالذين يُعلّمون الحق، وإنني أظن أني لم أعتمد كثيراً على الكتب بل على المنطوقات النابعة عن الصوت الحيّ والذي يبقى حياً”.

  1. القديس إيريناؤس (140-202م):

القديس إيريناؤس عاش في القرن الثاني وسجل ما تسلمه بالتقليد، حيث يقول “لم أزل أتذكر أحداث تلك الأيام بوضوح أكثر مما يتذكره المحدثون، لأن الأمور التي نتعلمها في الطفولة تنمو مع النفس، فإن أستطيع أن أصف حتى المكان الذي جلس فيه بوليكاريوس، وأصف خروجه ودخوله وطريقة حياته وملامحه الشخصية والمقالات التي وعظ بها الشعب، وكيفية مناقشته مع يوحنا الإنجيلي”.

فإيريناؤس عاش مع بوليكاريوس تلميذ يوحنا الحبيب ويصف أدق التفاصيل في حياته ودخوله وخروجه وكيفية معيشته.

  1. يوستين الشهيد (100-165م):

من مدافعي القرن الثاني ولقد وصف لنا وصفاً كاملاً للإفخارستيا الخاصة بخدمة يوم الأحد العادية، وعرّف الإفخارستيا بأنها (تلك الذبيحة التي تنباً عنها ملاخي، وأنه لا مجال بعد لتقديم ذبائح دموية؛ فالإفخارستيا هي الذبيحة التي طال الاشتياق إليها، إذ الذبيح هو اللوغوس نفسه)، كما استخدم يوستين مصطلحات كنسية فذكر الشمامسة والإفخارستيا ورئيس الإخوة والميلاد الجديد، وقد وصف صلوات تقديس الإفخارستيا:

  • قبلة السلام “كإعداد لتقديس الإفخارستيا”.
  • ليتورجيا الكلمة “قراءة العهدين القديم والجديد والعظة”.
  • الصلوات الإفخارستية “صلوات الشكر”، كما أنه كتب لنا تفاصيل الليتورجيا.
  1. القديس أغناطيوس الشهيد أسقف أنطاكية (99م):

كتب القديس أغناطيوس رسائله عن الكنيسة والإفخارستيا وأهمية هذا السرّ، وعن الجسد الذي هو الرب يسوع المسيح المصلوب القائم من الأموات، والخبز المقدس دواء وترياق للموت الروحيّ كما يقول (لا يمكن تقديس الإفخارستيا بدون أسقف أو كاهن يعهد إليه الأسقف بذلك).

الكتابات الرسوليّة:

  1. الديداكية:

يرجع كتاب الديداكية بين عام (100-150م) وهي تضم تعاليم الليتورجيا وإرشادات نظامية.

  1. الدسقولية:

وُضعت باليونانية بعد قوانين الرسل حيث جاء في مقدمتها “وكنا قد قررنا قوانين ووضعناها في الكنيسة”، كذلك كُتبت بعد استشهاد القديس يعقوب الرسول حيق ذُكر استشهاده فيها، وتتميز الدسقولية بطابعها التعليمي وبها استدلالات من الكتاب المقدس بعهديه وحوادث منه، وبها أبواب تقترب إلى العظات، ففيها عظة عن التوبة وعظة عن قراءة الكتاب المقدس، كذلك تستشهد بالأسفار التي حذفها البروتستانت، ففيها إشارة إلى قصة سوسنة “باب 8″، وإشارة إلى سفر باروخ، ثم يهوديت، صلاة منسى الملك، وهي توضح الحياة الكنسية في القرن الثالث وملامح السلوك المسيحي وواجبات الأسقف وعمله، الشماسية، خدمة الأرامل والأيتام، بعض القوانين التي وضعها الرسل.

[1] عن المجامع 14.

[2] In 2 Thess. Hom.4.

[3] Contra Epist Ma,ichae ‘uam V ca,t Fundamenti 6 عن القمص تادرس يعقوب ملطي – مقدمات في علم الباترولوجي – 1984 – ص87.

[4] يوسابيوس القيصري – تاريخ الكنيسة – مرجع سابق – 6: 12: 3. ص 259.

[5] القمص تادرس يعقوب ملطي – مقدمات في علم الباترولوجي – 1984 – ص87.

[6] القمص تادرس يعقوب ملطي – الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والروحانية – 1986 – ص187.

[7] القديس كيرلس الأورشليمي – مقالات لطالبي العماد 4: 33 – المرجع السابق – ص 124.

[8] القمص تادرس يعقوب: الكنيسة القبطية الأرثوذكسية: كنيسة علم ولاهوت – كنيسة سبورتنج بالإسكندرية 1986 ص 8.

[9] القديس باسيليوس الكبير – مقال عن الروح القدس. مرجع سابق – الرأس 10 – فقرة 25-  ص 43.

[10] الأب الدكتور جورج عطية – التقليد.

[11] AH3:3:1.

[12] ضد الهرطقات 3، 3، 3-4.

[13] القديس إيرينيوس أسقف ليون “ضد الهرطقات AH 1: 10 “الكرازة الرسولية – ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، د. جورج عوض – أغسطس 2005 – ص 24، 25.

[14] رسالة 60: 6.

[15] يقصد الآريوسيين الذين أنكروا ألوهية الابن المتجسد.

[16] رسالة القديس أثناسيوس إلى أدلفيوس المعترف.

[17] الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون – ترجمة د. موريس تاوضروس، د. نصحي عبد الشهيد – مركز دراسات الآباء – الطبعة الثانية 2005 – الرسالة الأولى: 33 – ص 91.

[18] المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، عربه عن اليونانية الأستاذ صموئيل كامل والدكتور نصحي عبد الشهيد، بيت التكريس لخدمة الكرازة 1981 ص 30.

[19] الرسائل عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون، مرجع سابق – الرسالة الأولى: 28 ص 30.

[20] St. Augustine: Contra Julian, II 9.

[21] القمص تادرس 1كو 11: 2 – الطبعة الأولى 2001 – On the Hohy Spirit, 29

[22] القديس كيرلس الأورشليمي – مقالات لطالبي العماد 5: 12 – مرجع سابق – ص 137.

[23] اعتمدنا كمرجع أساسي لهذه الفقرة على عظة للأرشمندريت توما بيطار أُلقيت في دير مار يوحنا – دوما بمناسبة عيد القديس غريغوريوس اللاهوتي في 25/1/2001

[24] كلمة ليتورجيا هي كلمة يونانية معناها الحرفي عمل الشعب أو العمل الجماعي.

[25] الإبصلمودية المقدسة السنوية – مكتبة مار مرقص بالأنبا رويس 1986 – إبصالية الأربعاء – ص 190، 191.

[26] القيس باسيليوس الكبير –  مقال عن الروح القدس. مرجع سابق – الرأس 29، فقرة 71، ص 121.

[27] القديس باسيليوس الكبير – مقال عن الروح القدس. مرجع سابق – الرأس 27 – فقرة 66، 67 – ص 111-112.

[28] القديس باسيليوس الكبير – مقال عن الروح القدس. مرجع سابق – الرأس 16 – فقرة 39 – ص 66-67.

[29] القديس باسيليوس الكبير – مقال عن الروح القدس. مرجع سابق – الرأس 16 – فقرة 39 – ص 67.

[30] A Stewart-Sykes, Hippolytus: On the Apotolic Tradition, St. Vladimires Seminary Press, New York, 2001, p.190.

[31] نيافة الأنبا بنيامين أسقف المتوفية محاضرات في اللاهوت الطقسي – غير مطبوعة بالكلية الإكليريكية بالقاهرة.

[32] عظة على المعمودية: 15.

[33] هل الكتاب المقدس وحده يكفي – ترجمة وإعداد أسرة القديس ديديموس الضرير – مراجعة وتقديم الأنبا روفائيل – الطبعة الثانية مارس 2006 – ص 16.

الباترولوجي والتقليد

تابع دراسة عن التقليد – كيف نفهم الكتاب المقدس

تابع دراسة عن التقليد – كيف نفهم الكتاب المقدس تابع دراسة عن التقليد الكنسي

الكتاب المقدس والتقليد – الجزء الثاني
للعودة للجزء الأول أضغط هنـــــــــــــــا
+ تمهيـــــــــــــــد

تابع دراسة عن التقليد – كيف نفهم الكتاب المقدس

يقول القديس بولس الرسول للقديس تيموثاوس الرسول: [ أحفظ الوديـــــعة ] (1تيموثاوس 6: 20)، ويقول البطاركة الشرقيون: [ نُحافظ على عقيدة الرب بدون فساد، ونتمسك بثبات الإيمان الذي أعطانا، ونحفظه مُنزهاً عن كل شائبة أو نقص، كما يُحفظ كنز ملكي وصرح باهظ الثمن، لا نُضيف إليه شيئاً ولا نَنقُص منه شيئاً ]، ويقول القديس يوحنا الدمشقي: [ لن نُغير في الحدود الأزلية التي خطها آباؤنا، بل نُحافظ على التقليد كما تسلمناه ]….

  • فما الذي يعنيه الآباء عندما يتحدثون دائماً عن التقليد ؟

التقليد بالمعنى القاموسي، هو رأي أو مُعتقد، أو عادة ينقلها الأسلاف لذُريتهم ليحفظوها كما هي، إذ قد أرسوها فيهم منذ نعومة أظفارهم، وقد رأوا أن آبائهم عاشوا بتلك الآراء أو المعتقدات ومارسوا هذه العادات، فترسخت في قلوبهم وأفكارهم حتى أنهم عاشوا بها بتلقائية بدون عناء، بل ظلوا يمارسوها وبدورهم يُسلموها كميراث لأولادهم …
والتقليد المسيحي، على ضوء هذا التعريف، هو الإيمان الذي سَلَّمه المسيح الرب للرسل، وذلك الإيمان عينه تناقلته الأجيال المتعاقبة (المؤمنة الصادقة الأمينة، الصريحة في الإيمان) في الكنيسة منذ العصر الرسولي [ فإنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضاً ] (1كورنثوس 15: 3) (رجاء مراجعة كورنثوس الأولى الإصحاح 15).

على أن التقليد يعني بالنسبة للمسيحي المؤمن باستقامة القلب، ما هو أوضح وأدق بكثير من هذا التعريف السابق، لأن التقليد المسيحي هو تقليد حي نابض بحياة الله، وهو إعلان الروح، لذلك فهو ليس مجرد عادة أو مجرد تعاليم فكرية فلسفية أو عادة شعب أو طائفة، أو بنود موضوعه لحزب، لأنه تقليد حي أركانه هي:

أسفار الكتاب المُقدس، ودستور الإيمان الموضوع بالروح القدس، وقرارات المجامع المسكونية، وكاتبات الآباء المختبرين للحياة الإلهية في شركة الروح القدس، والقوانين التي تضبط حياة التقوى بالنعمة وتظهر قلب الإنسان الصالح، والكتب الليتورجية التي تدخلنا في سر الشركة والاتحاد بالله على المستوى العملي، والأيقونات التي تُعبِّر عن الوضع الروحي للقديسين كصورة تعليمية تُذكرنا بحياتهم في المسيح وشركة القديسين لنقتدي بها.

وهذا كله يستدعي أن يكون لحامل هذا التقليد سرّ قراءته بالروح، لأن التقليد حياة الله، له طريقة في القراءة تُعطى في القلب سراً بالاستنارة، التي بدونها يُصبح مجرد أفكار وكلمات معقدة أو بسيطة تتوقف على زكاء كل شخص، فيقرأ منه ما يشاء على ضوء قناعته الشخصية فيخرج عن التقليد بمعنى آخر وتعريف آخر ليس فيه، فينفصم عن حياة الكنيسة مبتعداً عن التسليم الرسولي والآبائي عبر الأجيال في سرّ الإيمان بالتقوى.

عموماً التقليد هو كل ما عبَّرت عنه الكنيسة (جماعة المؤمنين الملتفين حول المسيح الحي الحاضر وسطهم بسرّ وعده: أنا معكم كل الأيام) عبر العصور من عقيدة وتنظيم كنسي وعبادة وفن، والمسيحي المستقيم في الإيمان، يعتبر نفسه اليوم حارساً لهذا الميراث الحي العظيم، المتناقل من جيل لجيل عن طريق الأمناء في الحق المُعلن بالروح القدس، الذين يُفصلَّون كلمة الحق باستقامة، والذي يرعون عمل الله في قلبهم متمسكين بما تسلموه بدون أن يضيفوا شيئاً ما من عندهم، أو ينتقصوا منه شيئاً.

عموماً المسيحي الأمين الذي أشرق في قلبه نور كلمة الله واستعلان مجده بالروح، يُدرك أن واجبه نقل هذا الميراث كاملاً إلى الأجيال القادمة، وأمانته في أن يحيا به ويحمله في قلبه، حتى أن كل شروحاته وتفسيراته، تنبع منه إذ يحمل روحه في داخله، لأنه تشرب منه واستقى في شركة الآباء والقديسين في النور …

ومن الجدير بالملاحظة، أن الكتاب المقدس جزء من التقليد وأساسه، بالرغم من أن كثيرين اليوم يعتقدون أن التقليد هو: [ التعليم الشفاهي الذي أعطاه المسيح ولم يدوَّنه تلاميذه المباشرون ] (قاموس أكسفورد)، وبالتالي يعتبرون ان التقليد شيء آخر تماماً غير الكتاب المقدس، وإنهما مصدران مختلفان من مصادر الإيمان المسيحي !!!

مع أن في الواقع لا يوجد سوى مصدر واحد فقط للتقليد – كما سوف نرى فيما بعد – لأن الكتاب المقدس موجود ضمن التقليد وليس مختلف عنه أو بعيداً عنه، وكأن يوجد مصدران للتقليد منفصلان، والعمل على فصل الكتاب المقدس عن التقليد أو وضعهما الواحد مقابل الآخر، أو في مواجهة، يعني هذا افتقارهما معاً، بل تشويه التقليد تماماً، لأن التقليد لا يتجزأ أو ينقسم، بل يُكتمل مع بعضه البعض لأنه وحدة واحدة موضوعه بالروح القدس، روح الإلهام والإعلان وإظهار مجد الله.

عموماً إن الإخلاص الحقيقي للتقليد، ينبع من مفهوم أن الماضي في الكنيسة ماضي حي ممتد للمستقبل يزداد سطوعاً أكثر كل يوم، لأن التقليد ينبض بالروح القدس، والروح القدس بطبيعته أزلي أبدي، لا يوجد فيه ماضي وانتهى أو حاضر يخص الساعة ويتقلص ويُصبح ماضي، بل هو حي يُحمل بكل اتساعه ويفوق محدودية الزمن، وهذا الكلام ليس كلام فلسفي أؤلفه لكي أقنع الناس بالتقليد والفكر الصحيح، بمجرد كلمات رنانة لها وقع جميل على آذان القارئ، بل أكتب للذي يرى بعين الإيمان المفتوحة على الله…
حقيقي لن يشعر بكلامي هذا ويرى حقيقته، إلا من تاب توبة حقيقية ودخل في السيرة الروحانية واستنار بنور النعمة وانفتح ذهنه حقيقة وليس كلاماً، عموماً هذا الإخلاص في أمانة حفظ التقليد كروح وحياة مُعاشه، ينبغي أن يكون دائماً إخلاصاً خلاقاً بالروح القدس بالطبع، لأن المسيحية الحقيقية لا يسعها أبداً أن تكتفي “بلاهوت الترداد” العقيم، الذي فيه نكتفي عادة بترداد صيغ معروفة وصلوات محفوظة دون السعي الجاد بإيمان حي للولوج إلى مضمونها.

فليس ثمة آلية في مضمار الولاء الواعي للتقليد، لأن المسيحية ليست آلية متجمدة، أي ليست استاتيكية، بل ديناميكية متحركة، وعلى المسيحي الحقيقي الملتصق بإخوته القديسين أحباء الرب في الكنيسة، أن يرى التقليد من الداخل، ويلج إلى روحه…

ولكي يحيا المسيحي الحقيقي في التقليد، لا يكفي قط أن يلتزم فكرياً بمجموعة من العقائد والآراء، لأن التقليد أبعد بكثير من أن يكون عبارة عن مجموعة من الآراء المُجردة والمتجمدة، بل هو لقاء حي وشخصي جداً مع المسيح الرب القيامة والحياة. فالتقليد لا تحفظه الكنيسة مجرد حفظ مثلما نحفظ قوانين الفيزياء أو النصوص الشعرية، ونقول هي هكذا، تحفظ جامدة كما هي، بل التقليد يعيش ويسكن في الكنيسة، لأنه في الكنيسة حياة الروح القدس.

ففي مفهوم الإيمان المستقيم، التقليد ليس جامداً، بل هو حيوي، وليس مجرد قبول ميتاً للماضي، بل خبرة الروح القدس الحية التي تُحافظ على تجديدها باستمرار، أي هو التجديد المستمر بدون أن يلغي الماضي، بل يؤكده ولا يُلغيه قط بل ويزيد عليه، مثل البناء الذي يوضع أساسه ويرتفع بوضح حجر على حجر، وطابق فوق طابق، إلى أن يرتفع ويزداد ارتفاعه كل يوم بتجديد مستمر مع تزيينه بكل زينة الروح، لأن لا نستطيع ان نضع بناء ونلغي منه طابق أو نلغي الأساس ونقول لا حاجة لنا لما تم وضعه لأنه انتهي، لأن ما في البناء لا ينتهي بل يسند ما يليه ويؤكده، وهذه هي حياة التجديد في الكنيسة الحية بالروح.

وعلى الرغم من أن التقليد ثابت داخلياً – لأن الله لا يتغير مُطلقاً – فإنه يتخذ على الدوام صيغاً جديدة، تُضاف الواحدة منها إلى الأُخرى دون أن تحل محلها أو تلغيها، لذلك يظن البعض أن في إمكان الكنيسة أن تلغي ما وضعه الروح من قانون بقصد الحاجة أو التغيير، وهذا عيب خطير لأن مفهوم التقليد هنا أصبح لا يُفهم في إطاره الصحيح، وهذا تنازل عن ما خطه الروح بحجة الاحتياج، مع أنها حجة للهروب من الأصول الروحية التي وضِعَت كأساس.

وقد تختلف الحجة من شخص لآخر لأسباب تدل على زوغان القلب لطمع ما، أو غيرها من الأسباب، ولكن هذا كله خروج عن التقليد الحي، وبالطبع مفهوم مغلوط تماماً للنمو والتقدم كبناء حي، لأن ما وضع كأساس، لا يُزال قط، بل يمتد عليه البناء ويقوم، وأي خلل يحدثه شخص ما، هو كفيل أن يجعله يُلفظ ويُخرَج من داخل الكنيسة كجسد المسيح الحي، بالرغم من أنه قد يكون فيها شكلاً، وهذا يضعه في مواجهة مع الروح نفسه الذي هو نبع التقليد وأساسه !!!

وللأسف اليوم، نجد أن البعض يعتقد أن مرحلة التحديد العقائدي قد وَلَّت، وأيضاً لا يوجد جديد تستطيع الكنيسة ان تُقدمه، أو لا يوجد من هو مُلهم بالروح لكي يضع التعليم الذي يتناسب اليوم مع جموع الناس المختلفة ويحمل روح التقليد ويُقدمه في صورة مُعاصرة فيها ملء الروح وقوته مثل ما كانت في العصور السابقة الظاهر فيها الإيمان الحي العامل بالمحبة.

وطبعاً هذه ليست حقيقة الأمر لأن من يعتقدون هذا لم يعرفوا التقليد في روحه بل عرفوه في محفوظاته كفكر ودراسة، مما جعله ميت في داخلهم، مع أن حقيقة الأمر أن التقليد حي، وهذا ما عَبَّر عنه بوضوح جورج فلوروفسكي حين قال:

[ التقليد شهادة الروح القدس ووحيه الذي لا ينقطع، وبشارته المستمرة… ولكي نقبل التقليد ونفهمه، علينا أن نحيا في الكنيسة، وأن نعي حضور السيد الواهب البركات، وعلينا أن نحس فيها نَفَس الروح القدس… فالتقليد ليس مبدأ للصيانة والحفظ، بل هو أولاً مبدأ النمو والتجدد… والتقليد ليس ذاكره نُطقيه فقط، بل هو المستقَرّ الدائم للروح القدس ]

فالتقليد هو شهادة الروح القدس كما وعد الرب يسوع حين قال: [ وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يُرشدكم إلى جميع الحق ] (يوحنا16: 13)، وهذا الوعد الإلهي هو عينه مصدر احترام المسيحي الحقيقي الحي بالروح للتقليد….

+ ما هي إذن العناصر الأساسية للتقليد والتي تُسمى بالتعابير الخارجية له، لأننا قلنا أن التقليد من الداخل هو حياة الروح القدس في الكنيسة، وحسب الآية السابقة، ولكن التعبير الخارجي للتقليد هو: [الكتاب المقدس – الليتورجية – المجامع المسكونية – آباء الكنيسة – القانون الكنسي – الأيقونات ]

  • + تماسك عناصر التقليد:

تلك العناصر التي تمت كتابتها في عجاله كعناوين، هي العناصر الأساسية التي تكوَّن تقليد الكنائس التقليدية من الناحية الخارجية، ولا يُمكن فصل هذه العناصر عن بعضها البعض، أو وضع بعضها في مقابل الآخر، لأن الروح القدس يتكلم من خلالها جميعاً. وهي تُشكل وحدة متكاملة، ويُفهم العُنصر منها في ضوء العناصر الأُخرى.

وكما قال البعض عن وعي روحي وإدراك لاهوتي، أن السبب العميق للانشقاقات في الكنيسة عموماً على مر التاريخ وإلى اليوم، يعود لذلك الانفصال بين عناصر التقليد والحياة الاختبارية المُعاشة في حياة المسيحي، لأننا نجد هناك انفصال بين اللاهوت والسرّ (mysticism μυστικός ) (مستيكي)، وبين الليتورجيا والتقوى الشخصية، وبين المعرفة والتطبيق، وبين الصلاة والحياة المُعاشة، وهكذا نجد كل شيء منفصل عن الآخر.

وبالتالي انفصل الكتاب المقدس عن باقي عناصر التقليد فنأى كل واحد بنفسه وبات يشرح ويُفسر ويكتب بما لا ينفع أو يُفيد إفادة حقيقية في الطريق الروحي للحياة والشركة، وأصبحت معظم الكتابات للمعلومات والاستذكار للمعرفة المحصورة في العقل والفكر، ويُطلق عليه خطأ، فكر مستنير لأنه عرف الحقيقة !!! مع أنه لم يعرف الحق كشخص [ قال له يسوع: أنا هو الطريق والحق والحياة ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي ] (يوحنا 14: 6)

فينبغي علينا كمسيحيين حقيقيين نلنا استنارة من الله بالروح، أن نتجنب انفصال مثل هذا، لأن كل لاهوت كنسي حقيقي هو لاهوت سري (مستيكي) يُمارس بالتقوى بإيمان حي عامل بالمحبة، في شركة القديسين في النور مع الآب بابنه يسوع المسيح في الروح القدس، وأي عمل روحي أو منهج ما (مثل الرهبنة أو التكريس أو الزيجة.. الخ) أو تعليم أو فكر يستقل عن اللاهوت، من شأنه أن يُصبح فكراً ذاتياً مُهرطقاً.

وكذلك حينما لا يكون اللاهوت خبرة سرية في حياة شركة مع الله، تُترجم بحياة تقوى نحياها في الإيمان، فإننا حتماً سنسقط بالضرورة في علم الكلام الجاف، التأملي الفكري أو الأكاديمي الدراسي بلا روح …

فاللاهوت، والقداسة، والدراسة الواعية، والعبادة، والفن، والقراءة، والكتابة، والتعليم، والشرح والتفسير، والوعظ، والتأمل… الخ، كل هذه أشياء لا ينبغي فصل بعضها عن بعض على الإطلاق، فالعقيدة يستحيل فهمها فهماً صحيحاً واعياً، إلا من خلال الصلاة، ويقول القديس إيفاغريوس البنطي: [ اللاهوتي إنسان يُحسن الصلاة، ومن يُصلي بالروح والحق هو لاهوتي ].
فالعقيدة التي تُدرك في ضوء الصلاة يجب أن تكون أيضاً مُعاشه: فاللاهوت الذي لا يُترجم عملاً كمنهج للسلوك والحياة، هو كما قال القديس مكسيموس المعترف [ لاهوت شياطين ]، لذلك فأن قانون الإيمان لا يخص من يحفظه عن ظهر قلب وقادر بتسميعه أو يكتب فيه، بل يخص أولئك الذين يعيشونه…

  • فالإيمان يا إخوتي، والمحبة، واللاهوت والحياة، أمور لا ينبغي قط أن نفصلها عن بعضها البعض، أو نحفظها ونستذكرها ولا يكون لها فعل في حياتنا الداخلية وتنعكس على حياتنا الخارجية كثمر واضح أمام الجميع لكي يمجدوا أبانا الذي في السماوات…

__________يتبــــــــــــــع__________

في الجزء الثالث سنتكلم عن أولاً: ما هو التقليد

تابع دراسة عن التقليد – كيف نفهم الكتاب المقدس تابع دراسة عن التقليد الكنسي

تابع دراسة عن التقليد – كيف نفهم الكتاب المقدس (3) ما هو التقليد !

تابع دراسة عن التقليد الكنسي
الكتاب المقدس والتقليد – الجزء الثالث
للعودة للجزء الثاني أضغط هنا.

أولاً: ما هو التقليــــــــــــــد


  • أولاً: ما هو التقليــــــــــد

 

(1) مقدمــــــــــة

 

معنى كلمة تقليد في أصولها اليونانية تأتي بمعنى: يُسلِّم، يدفع إلى، يبذل، يستودع، والكلمة في اختصاصها تُفيد على وجه الدقة تسليم التعليم، أو تمرير التعليم من المُعلِّم إلى التلميذ، وهي كمصطلح مسيحي تخص تسليم التعليم المقدس حسب الإيمان المستقيم في سرّ التقوى بحسب إعلان الروح القدس، كما خطه الله بحسب التدبير، وهذا كله تحت مُسمى التراث المسيحي الحي النابض بالروح القدس، روح الحياة الرب المُحيي…

 

وعموماً وجود تراث ما هو إلا حقيقة مشتركة بين كل الجماعات البشرية التي لها تاريخ حضاري، والتي تحقق ارتباطها بالأفكار والعادات والقوانين التي تُظهر قوة حضارتها، فلا حضارة بدون تراث قوي يُظهرها تنتقل من جيل لجيل يأخذها ويطورها ويُقننها، إذ أنه يستفيد منها كخبرة سُلِّمَت له، ثم بدوره يضبطها حسب تطور المجتمع الذي يعيش فيه لتتناسب مع تجديده ونموه، ويُضيف عليها بالتالي – ما يوسعها ليضمن ثبوتها محافظاً على التراث الذي سُلم له بكل دقة وتدقيق، فهو يطور بدون ان يلغي أو ينقض ما استلمه…

 

وفي الأمور الدينية خاصة يتم تسليم المعتقدات والطقوس وصيغ الصلوات والألحان والترانيم… الخ، بعناية وتدقيق فائق. وفي كل الجماعات التي كانت تُحيط قديماً بشعب إسرائيل، يندمج التراث الديني فيها في مجموعة تقاليد بشرية تتألف منها حضارة تلك الشعوب…

 

ومع ذلك المعنى للكلمة فإن في عصرنا الحاضر نُستخدم كلمة “تراث” بمعنيين مختلفين: المعنى الأول: [ يعني مضموناً ما، منقولاً من عهد إلى عهد (مثال ذلك: تراث مصر الثقافي) ]، والمعنى الثاني: [ طريقة نقل تتميز بوسائلها الثابتة، ولا تلعب فيها الكتابة إلا دوراً ثانوياً، بل وربما تكون معدومة ]، وهذان المعنيان لكلمة تراث هما معنيان يكملان بعضهما البعض، يعني قد نجدهما يحملان المعنى العامل لكلمة تراث أو التقليد…

 

على أن التراث الخاص بوحي الكتاب المقدس، إذا ما قارنَّاه بهذا الواقع العام للكلمة، فهو يُقدَّم في وقت واحد، بعض الأمور الشبيهة وبعض الأمور الخاصة للغاية، ونجد أن الكتابة لم تكن في الأساس وفي البداية ليست هي الأساس في التقليد المسيحي الحي، بل الأساس في التقليد الإلهام بوحي الروح القدس، يعني الإلهام والوحي يسبقان عادة الكتابة، لذلك التقليد المسيحي لا يتعارف عليه بمجرد الكتابة بدون إعلان الروح وإلهامه، حتى للقارئ أو الباحث، لأن أي باحث أو قارئ للتقليد لن يستطيع أن يفهمه فهماً صحيحاً إلا لو امتلئ بنفس ذات الروح ودخل في حالة الإعلان الإلهي بالروح القدس…

 

(2) العهد القديم: أولاً: نقل وديعة مُقدسة

 

ليس من شك أن هُناك تسليم وديعة مُقدسة في العهد القديم، وبالتالي تراث في إسرائيل، أي في عهد الشريعة، وتشمل هذه الوديعة، طبقاً لنظام شعب الله في ذلك الزمان، كل مظاهر الحياة، بحيث تتضمن ذكريات التاريخ والمعتقدات الناشئة عنها، وصيغ الصلاة ونصائح الحكمة التي تُنظم الحياة العملية، كما أنها تتضمن الطقوس وشعائر العبادة وتمتد إلى العادات والتشريع والقوانين… الخ.

 

ونقل هذا التراث وامتداده، أي تسليمه، من جيل لجيل، هو الذي يُعطي شعب إسرائيل طابعه الخاص، ويضمن استمراريته الروحية، منذ عصر الآباء حتى أعتاب العهد الجديد، وهذا التراث هو وديعة مقدسة، ليس لأنه مجرد تراث الأجيال السابقة فحسب، كما هو الحال في جميع التقاليد البشرية والتي تختلف من حضارة لأخرى، بل لها طابعها الخاص والمتميز عن أي حضارة أخرى، لأن لها أصل إلهي، إذ أن مصدر هذا التقليد أي التراث، هو الوحي الذي يأتي بإلهام وحكمة سماوية من عند أبي الأنوار، ولكنه يخط خبرة تُرى وتُلمس في الواقع العملي المُعاش في شعب إسرائيل، لأن الله ليس إله الكلام، بل هو إله الفعل والعمل، لأن الله يتكلم بوعد يلتزم بان يُحققه مهما ما حدث في الزمن أو التاريخ، قد يتأخر في التنفيذ حسب زمان الإنسان وإدراكه، ولكنه حتماً يتم تحقيقه حسب قصده الذي رسمه، أي حسب التدبير…

 

عموماً استندت كل المعتقدات عن شعب الله في العهد القديم، على الوحي الذي أعطاه الله لبني إسرائيل بواسطة مُرسليه من الأنبياء أو القادة المُلهمين، كما ارتكزت الشرائع والقوانين الذي ينتظم تحتها كل الرسوم الوضعية المُعلنة باسم الله الحي بواسطة المُعينين كمؤتمنين على تتميم مقاصده، لأن الله يُعلن قصده لمن يختارهم ليكونوا هم الوسطاء بينه وبين الشعب مُعلنين له القصد الإلهي ليسيروا حسب ما يتفق مع أوامره ووصاياه لتحقيق الغاية من اختيارهم ليكونوا شعباً مقدساً له يعلن من خلاله اسمه وسط جميع الشعوب ويحقق مقاصده عن طريقهم…

 

ومع أن هذه العناصر المستندة على الوحي والمستمدة منه، لا تنفي بالطبع وجود تشابه إلى حدٍ كبير بينها وبين بعض العناصر الأكثر قِدماً موجوده في الأوساط الشرقية القديمة، الذي أُعطى شبهها لشعب إسرائيل ولكنها بروح مُغايره لما قد تتطبع به الشعوب المختلفة، لأن ما يُعطيه الوحي حتى لو تشابه مع بعض القوانين والوصايا الوضعية عند باقي الشعوب، ولكنه هنا يجعلها ذات طابع مُقدس خاص للغاية لأن من خلاله يُعلن الله ويكشف عن طبيعته، لأن باقي الشعوب بسبب ملامح الله التي توجد فيهم كبشر، وذلك حسب نعمة الخلق، وضعوا قوانين إنسانية قد يُطابق بعضها إعلانات الله لشعب إسرائيل، ولكنها لضبط المجتمع وليس بغرض إعلان الله ومعرفة طبيعته، والدخول معه في علاقة عهد ….

 

عموماً بعد إظهار علاقة التراث (التقليد) بالوحي، الذي يُعطيه أصالته ويؤكد سلطانه، نستطيع القول أن تُراث شعب إسرائيل يتميز بصفتين متكاملتين، أولاً من جهة ثباته، إذ قد تحددت عناصره الأساسية، فيما يتعلق بالعقيدة، والشرائع، والعبادة، والسلوك، وثانياً، من جهة الاستمرار النمو، فنرى أن الوحي نفسه يتدرج بشعب إسرائيل من فهوم لمفهوم ويتوسع في كل الإعلانات الإلهية، وذلك طبقاً لحاجات زمانهم وظروفهم الواقعية وحسب قدراتهم في الاستيعاب، مثلما يُربى الطفل وكلما ينمو يأخذ أكثر ويعرف ما هو أعمق بسبب أن إدراكه يتوسع حسب ما تعلم وعاش خبرات في حياته، ويتبع هذا التدرج والنمو سير الأحداث والتاريخ، فيدخلهم من خبرة لخبرة، ويجعل التقليد حي قائم مثل البناء، بوضع حجر على حجر وطابق فوق طابق، إلى أن يُكتمل البناء وتتم كل مقاصد الله في التاريخ، لذلك نرى أن الوحي وعمل الله عموماً لم يخضع لمصادفات التطور الثقافي كما يحدث في التقاليد الدينية الأُخرى، حيث تسود ظاهرة التوفيق بين شتى المذاهب أحياناً (syncretism). وهذا بالطبع دليل قوي على أصالة التقليد الحي المُلهم بالروح عند شعب إسرائيل كما هو ظاهر في العهد القديم…

 

ثانياً: طريقة النقل

 

عادة التراث لم يكن في الأصل مكتوباً ولم يكن هناك كلمة مُسجلة تُسمى التقليد أو عادات الشعوب، فلم يكن في الأصل والأساس الاعتماد الرئيسي إلا على الكلمة المنطوقة، ولم يكن عند مُحبي الله الذين لهم علاقة قوية ووطيده به استطاعة كتابة أحاسيسهم أو خبراتهم مع الله، ولكنهم كانوا عادة يرووها بأفواههم مباشرة لأبنائهم وذويهم، فعادة الآباء والأمهات في الشرق القديم (ولا زال لهذا اليوم) هو أن يقصوا على أبنائهم أخبار آبائهم وأجدادهم من أعمالهم وبطولاتهم وخبراتهم التي استلموها منهم بالسمع وأحياناً برؤية الأحداث نفسها بسبب قرابتهم وقربهم منهم، وهذا يشمل كل الآباء القدماء في الكتاب المقدس منذ بداية ظهور آدم إلى ظهور موسى كاتب التوراة، وبالطبع هذه عادة لا تقتصر على العبرانيون أي شعب إسرائيل فقط، لأن كل شعب من الشعوب بل وكل جماعة، عند المصريين كما البابليين وكل شعب وكل جماعة في كل مكان في بقاع العالم القديم كله…

 

ورواية القصص – قديماً – لم تكن فقط لمجرد التسلية مثل اليوم، بل كانت في الأساس تهدف إلى حفظ ثقافة الشعب، وإتاحة الفرصة لمعرفة من هم وكيف اختلفوا عن جيرانهم وما هو تميزهم عن الآخرين، ومع الترحال الذي كان منتشراً في هذه الأيام انتقلت قصص كل شعب وتراثه وثقافته للشعوب المجاورة بسبب ترحال التجار أو البعض لأي سبب ان كان، والذين كانوا بدورهم يتحدثون عن شعبهم المُميز وثقافتهم المختلفة عن باقي الشعوب… وهكذا تناقلت الأخبار وانتقلت الثقافات من شعب إلى شعب ومن جماعة لأخرى…

 

وعلينا أن نعرف أنه لم تكن القصص هي الأسلوب الوحيد الذي من خلاله يتم تسليم ثقافة الشعب للأجيال المتعاقبة أو نقلها للشعوب المجاورة، بل كانت هناك أساليب أدبية مختلفة مثل الأمثال (كما هي معروفة لدينا اليوم باسم الأمثال الشعبية والتي هي موجوده عند كل شعب من الشعوب حسب ثقافته وتراثه)، والصلوات والقصائد الغنائية، والأغاني العامة، والقوانين، والشرائع، والأعراف، والقصص التي تشرح أسباب تسمية الأشخاص أو الأماكن المختلفة… الخ.

 

هذا هو التقليد الشفهي الذي ينتقل من جيل لجيل، ويظهر فيه خبرات الأولين التي يسلمونها بدورهم لأبنائهم في كل جيل، وبالطبع عند كل الذين لهم علاقة حية مع الله، تميزوا في أنهم استودعوا خبرات حقيقية عاشوها لأولادهم، لكي بدورهم يحفظوها في قلوبهم كخبرة يستفادوا منها ثم يبنوا عليها خبراتهم الخاصة مع الله فيحملون خبرة على خبرة، وتُصبح تراث غني يزيد في اتساعه ليُسلم للأجيال المتلاحقة ويستمر في التوسع والانتشار، إلى أن ظهرت الكتابة، وأتى موسى هذا الي دبر له الله أن يتعلم كل حكمة المصريين ويدخل مدارسهم التي تخص الأمراء ليدرس فيها أصول الكتابة لكي يسجل لنا الأسفار الأولى أي التوراة …

 

1 – أساليب أدبية وتأثير البيئة عليها:

 

عموماً – كما رأينا – ليتم نقل هذه الوديعة عند شعب العبرانيين، أي التراث أو التقليد، لا بد من استعمال بعض الأساليب الأدبية من قصص وشرائع وأحكام وأناشيد وطقوس… الخ، وحيث أن العُرف هو الذي يُحدد هذه الأساليب، لذلك فهي تُعتبر من هذا الوجه تقليدية.

 

إلا أن الجزء الكبر منها يُشبه الأنواع الأدبية المُستخدمة عند حضارات الشعوب المجاورة (كنعان، ما بين النهرين، مصر). ومع ذلك فلتقليد بني إسرائيل التعليمي ما يميزه عن باقي الشعوب، لأنه يحمل في طياته خبرات واقعيه مع الله الحي الذي يُعلن ويُظهر ذاته بطرق مختلفة ومتنوعة، هذه التي نراها واضحة لو تجولنا في العهد القديم كله…

 

فالكتاب المقدس يستعمل أسلوب خاص في معالجة بعض المواضيع العامة، كالشرائع أو القوانين والنبوات، كما أن له ذخيرة أصيلة من التعابير والصور التي يلجأ إليها كل الكتبة المُلهمين من الله، وذلك بدرجات متفاوتة وقوالب مُحببة تُلائم الرسالة التي ينبغي لهم أن ينقلوها من الله للشعب الذي اختاره ليُظهر فيه شخصه، ومن هُنا، تبدو ضرورة دراسة هذه الأنواع الأدبية بدقة لفهم التراث نفسه، من حيث أنها تُساعد على فهم عمقه والغرض منه بطريقة حية، لأن التراث المُعبَّر عنه بالتقليد، له قاعدة وأساس يهدف للبناء، إذ أن قاعدته وأساسه هو الله الحي، والهدف منه هو إعلان مشيئة الله وإرادته بغرض الوصول للحياة مع الله في شركة تتم بإيمان حي عامل بالمحبة…

 

وتساعد هذه الدراسة في التعرف على القنوات التي بها يتم نقل التراث خلال الأجيال. ففي الواقع تتأثر هذه الأساليب بالبيئة التي ينتشر بينها هذا التراث، وبالوظائف التي يقوم بها في حياة شعب الله، من تعاليم الكهنة حُرَّاس الشريعة والقائمين على شعائر العبادة بكل دقة ومهابة، ومن كرازة الأنبياء ومن حكمة الشيوخ والكتبة… الخ، فلكل بيئة تقاليد تخصها، وقوالبها الأدبية المُحببة، ومع ذلك، يُمكن أن نُلاحظ الكثير من التداخل فيما بينها بسبب الصلات بين مختلف البيئات والحرص على الوحدة الأساسية للتراث الإسرائيلي نفسه.

 

وبمعنى أبسط، لو نلاحظ التدرج في حياة إسرائيل واكتسابه الخبرات بكل ما مر به من رحلات واستقرار في أزمنة مختلفة في العهد القديم، سنجده اكتسب بعضاً من تراث الشعوب من جهة الموسيقى والأشعار وخلافه، وقد مد يده الله وسط كل هذا لا لكي يلغيه ولكنه اعطاه امتداد روحي لاهوتي حي، ليكون شعبه ممثلاً لكل الشعوب ويأخذ منهم ما هو صالح ليتم روحنته ويُقدم لله الحي، وحتى الصناعات والأدوات التي أخذها في رحلاته استخدمها في النهاية ليكون شعب جامع لكل الحضارات المختلفة، واستطاع بكل هذه الخبرات ان يبني مدن ضخمة ويتفوق على باقي الشعوب لأن الله معه، وبكل الأدوات التي اكتسبها ثبت تراثه واستطاع أن يُسلم تقاليده من جيل لجيل بقوة أكثر من أي شعب آخر الذي نجده اندثر تراثه واصبح ماضي وانتهى، وفي الحاضر مجرد آثار …

 

عموماً ما يهمنا الآن هو أن نعرف أن مواد التراث قد انتقلت في البداية بطريقة شفهية، تحت أشكال تتلاءم مع نوع هذا النقل: [ قصص أحداث دينية قد ترتبط معظمها بمزارات مقدسة، أو أعياد، أو أماكن محددة، صيغ تشريعية، طقوس خاصة أو عامة، أناشيد، نماذج صلاة، خُطب كهنوتية أو نبوية، حكم وأقوال مأثورة… الخ ]، وأخيراً، في إطار هذا التقليد الشفهي، تنشأ نصوص مكتوبة مقتبسة منه في معظمها، وطبعاً لا يُقتبس منها لمجرد الاقتباس، بل يُكتب منها ويدوَّن حسب إلهام الروح عينه الذي أعطاها: [ لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أُناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ] (2بطرس 1: 21)

 

وعلى هذا النحو يتبلور التراث، في كُتب مقدسة لها أهميتها عند كل من يريد ان يحيا لله ويعبده بإخلاص إيمان ومحبة حقيقية، ولأنها قد وُضِعَت بإلهام من الروح القدس، فهي تُقدِّم لشعب الله قاعدة إلهية حية لسلوكه وحياته ليكون إيمانه صحيحاً وحياته في شركة مع الله الحي الذي يُعلن له ذاته في حياته الشخصية والعامة مع باقي الشعب المختار…

__________يتبــــــــــــــع__________

في الجزء الرابع سنتكلم عن التقليد في العهد الجديد

 

الكتاب المقدس والتقليد – كيف نفهم الكتاب المقدس

الكتاب المقدس والتقليد
(الجزء الأول)

 

سنتحدث منذ اليوم يا إخوتي عن التقليد ما هو وعلاقته بتفسير الكتاب المقدس، لكي نصل في النهاية للفهم الصحيح وتمييزه من الفهم الخاطئ لكلمة الله، لأن كثيرين أخذوا على عاتقهم شرح وتفسير الكتاب المقدس، على ضوء ما فهموه وعرفوه بالبحث والتنقيب والتفتيش وربط الآيات ببعضها البعض، وظنوا أنهم بذلك توصلوا للقصد الإلهي والمفهوم الصحيح لها، وذلك باستعانتهم بالترجمات ومعرفة حتى الأصول اليونانية، لأن معرفة الأصول والألفاظ هي مجرد خطوة لا تأتي على الإطلاق قبل معرفة الله بإعلان الروح القدس في القلب، لأن الكلمة تم الوحي بها بالروح، ولا يستطيع إنسان يفهمها فهماً صحيحاً إلا بالروح القدس عينه، التي كُتبت به، عدا ذلك سيكون الكلام وليد الفكر وقناعة عقل، ويظن الإنسان أنه يتكلم في سرّ التقوى حتى أنه يقص ويلصق الآيات في غير موضعها وعلى غير معناها (دون أن يقصد أحياناً) ليثبت فكره الشخصي المُجرد من إعلان الروح القدس، وبذلك – عن دون قصد – يضلّ عن المعنى الذي يقصده الله لكي يحيا به الإنسان ويتمم مقاصد الله في حياته الشخصية …. لذلك من الأهمية أن نركز في هذا الموضوع لكي نصل بقناعة العقل المستنير بالروح، والقلب المنفتح على الله بعين القلب الداخلي والذي يُسمى الذهن المنفتح بالروح على الله، لذلك نُصلي حتى يمد الله يده ليفتح ذهننا، لأنه مكتوب: [ حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب ] (لوقا 24: 45)…

وبدون فتح الذهن يا إخوتي بالروح، لن يفهم أحد الكتب حتى لو كتب دراسة عميقة يستطيع بها أن يُقنع الآخرين، مهما ما بلغ من حدة زكاء أو معرفة أو بحث دائب وحتى لو كان الكلام صحيح بكل تأكيد 100%، لأن لن يظهر فيه برهان الروح والقوة إنما فلسفة فكر ومعرفة عقل، ويظن أن هذه هي الاستنارة، مع أنها ليست استنارة على الإطلاق، بل هي عرض فكر شخصي بعيد كل البعد عن الله الحي ناتج من استنتاج العقل حسب الفكر والمنطق، لذلك قال الرسول: [ وأنا لما أتيت إليكم أيها الإخوة أتيت ليس بسمو الكلام أو الحكمة مناديا لكم بشهادة الله. لأني لم أَعزم أن أَعرف شيئا بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوباً. وأنا كنت عندكم في ضعف وخوف ورعدة كثيرة. وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع بل ببرهان الروح والقوة. لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله. لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر ولا من عظماء هذا الدهر الذين يُبطلون. بل نتكلم بحكمة الله في سر الحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا. التي لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد. بل كما هو مكتوب ما لم تر عين ولم تسمع اذن و لم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه. فأعلنه الله لنا نحن بروحه لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله. لأن مَنْ مِنَ الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه، هكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله. ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله. التي نتكلم بها أيضاً لا بأقوال تُعلمها حكمة إنسانية بل بما يعلمه الروح القدس، قارنين الروحيات بالروحيات. ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة، ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يُحكم فيه روحيا. وأما الروحي فيحكم في كل شيء وهو لا يُحكم فيه من أحد. لأنه من عرف فكر الرب فيعلمه وأما نحن فلنا فكر المسيح ] (أنظر1كورنثوس 1: 1 – 16)

فيا إخوتي الشمس نجمٌ ساطع شديد الضياء، لا يستطيع إنسان أن ينظر إليه بعينه المُجردة، فأشعتها أقوى من أن تحتملها أعيُنا الضعيفة، ولكن من يُريد ان ينظر إليها لابد من أن يرتدي نظارات خاصة تؤهل عينيه من أن تراها دون أن تتأذى، أو تتلف…
هكذا الكتاب المقدس، هو شمس ساطعة، له بهاء خاص، أشد لمعاناً من الشمس المخلوقة، لا يستطيع أحد أن يتفرس وينظر إليه بعين الإنسان العتيق الذي اختبر الشرّ ويحيا خارج إعلان الروح وتجديد الذهن، لأن عيون القلب البعيد عن الله لم تُخصص لكي ترى عظمة بهاء مجد نور الله الساطع في وجه يسوع بالإنجيل، لذلك عند قراءة الكتاب المقدس يوجد برقع على عيون الناس وأفكارهم، لذلك لم ولن يفهموا كلمة الله كإعلان، إنما سيفهمونها على مستوى الفكر والمنطق والمعقول الذي يُعقل، وقياس الكلمة على مستوى المنطق وكلام الحكمة الإنسانية المقنع بعيداً عن برهان الروح والقوة:
  • [ بل أُغلَّظت أذهانهم لأنه حتى اليوم ذلك البرقع نفسه عند قراءة العهد العتيق باقٍ غير منكشف الذي يُبطَّل في المسيح، لكن حتى اليوم حين يُقرأ موسى، البرقع موضوع على قلبهم، ولكن عِندمَا يرجع إلى الرب يرفع البرقع ] (2كورنقوس 3: 14)
  • [ الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تُضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله ] (2كورنثوس 4: 4)
لذلك فنحن في حاجة شديدة لنظارات خاصة لنقرأ بها الكتاب المقدس، وطبعاً لا نحتاج لنظارات نلبسها من الخارج، بل نحتاج لبصيرة روحية داخلية، أي خلق عيون جديدة بالروح تُسمى عيون الذهن الداخلي، لنستنيرمستنيرة عيون أذهانكم لتعلموا ما هو رجاء دعوته وما هو غنى مجد ميراثه في القديسين ] (أفسس 1: 18)، لذلك يا إخوتي لن نتعرف على دعوتنا المقدسة في المسيح الرب، ولن نستوعب أسرار كلمة الله ونفهم القصد الإلهي منها، طالما نحن لم نستنير بنور الكلمة نفسها بالروح في القلب وانفتحت عين الذهن الداخلي لنفهم الكتب، لأن بدون هذه الاستنارة سيظل الكتاب المقدس مجرد موضوع علمي للبحث والجدل والفكر والفلسفة، وأي شيء آخر غير إعلان مجد الله في وجه يسوع، لذلك سنظل نلف وندور وكل واحد ضد الآخر في الشرح والتفسير، لأن كل واحد ينطلق في القراءة والاستنتاج والتفسير وربط الآيات والشرح، من منطلق فكره الذي يظن انه مستنير وأنه فاهم كلمة الله جيداً لأنه درسها ودرس كل الترجمات.. الخ الخ، وكل هذا لن يخرج عن سمو كلام الحكمة الإنسانية المُقنع المُفتقد لبرهان الروح والقوة، وبذلك سنخرج حتماً خارج المقاصد الإلهية لنشرح مقاصدنا نحن وليس الله، لذلك نحتاج لإشراق النور في قلوبنا [ لأن الله الذي قال أن يُشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ] (2كورنثوس 4: 6)

فأرجو الصلاة عن احتياج لنور الله قبل قراءة هذا الموضوع، مع رجاء القراءة بتدقيق وعدم اقتطاع الجُمل والألفاظ من الموضوع لكي لا يُفهم معنى آخر غير المقصود، فلا ندخل الموضوع لكي نستخلص منه مجرد أفكار أو لفحص الألفاظ لاستخراج خطأ أو حتى لكي ندخل للمعرفة فقط بدون الولوج لقوة الله وطلب انفتاح الذهن بالروح من الله…

  • عناوين الموضوع الذي سنتحدث فيه كالآتي:
+ تمهيــــــــــد
أولاً: ما هو التقليــــــــــد
  • (1) مقدمــــــــــة
  • (2) العهد القديم: أولاً: نقل وديعة مُقدسة – ثانياً: طريقة النقل
  • (3) العهد الجديد: أولاً: التقليد في فجر المسيحية – ثانياً: طابع التقليد المسيحي
ثانياً: بعض التعليقات
ثالثاً: سرّ التقليد الرسولي
رابعاً: التقليد وتفسير الكتاب المقدس
التعليم والآباء في الكنيسة:
  • أولاً: التعليم

(1) العهد القديم: أولاً: أشكال مختلفة للتعليم – ثانياً: يهوه المُعلم الأسمى
(2) العهد الجديد: أولاً: المسيح المُعلِّم – ثانياً: التعليم الرسولي

  • ثانياً: الآباء

أولاً: مقدمـــــة
ثانياً: آباء الكنيسة وحياتنا المُعاصرة
(أ) آباء الكنيسة والتعليم المستقيم
(ب) إسهام الآباء في التفسير
(جـ) الآباء والروحانية الأرثوذكسية
(د) نماذج من المسيحية على مستوى التطبيق
(هـ) آباء الكنيسة والتربية الدينية

خامساً: الفهم الصحيح وتمييزه عن الفهم الخاطئ لكلمة الله
سادساً: خُلاصة الموضوع

تقليد الكنيسة الاولى الذى سجله بولس

تقليد الكنيسة الاولى الذى سجله بولس

تقليد الكنيسة الاولى الذى سجله بولس

تقليد الكنيسة الاولى الذى سجله بولس

 فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ،
وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ،
وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ.
وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ، أَكْثَرُهُمْ بَاق إِلَى الآنَ. وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا.
وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ لِلرُّسُلِ أَجْمَعِينَ.

هذا التقليد الذى سجله بولس باعتباره تسمله من الكنيسة باعتباره انه ايمانها هو فى الحقيقة ليس من عنديات بولس لكنه هو تسليم رسولى له 
تعتبر هذة الشهادة هى اقدم شهادة مكتوبة عن ايمان الكنيسة الاولى وحينما تفحص العلماء الفورملا او صيغة الشهادة وجدوا انها لا تخص بولس فى الاساس بل هو كتبها كما تسلمها فهى تسبقه زمنيا pre-pauline formula 

الاعتبارات اللغوية التى اقنعت كل دارىس العهد الجديد باسبقية الصيغة على زمن بولس 

هذة الصيغة المكتوب فى رسالة كورنثوس الاولى لا تتفق مع اسلوب بولس اللغوى فغالبا هى تسبقه زمنيا وكتبها بنفس الصياغة التى تسلمها 

حجة العلماء فى هذا تتلخص فى الاتى 

1- فى الجملة الاتية ὑπὲρ τῶν ἁμαρτιῶν ἡμῶν التى تعنى لاجل خطايانا تحديدا كلمة ἁμαρτία التى تعنى خطية استخدمها بولس 64 مرة 3 منهم كانت فى الرسائل الرعوية pastoral epistles و5 مرات حينما اقتبس من العهد القديم ومن باقى ال 56 مرة فى استخدامه للكلمة 50 منها كانت مفرد وغير موجودة فى حالة المضاف اليه ” بمعنى كلمة خطية مضافة الى كلمة اخرى كمثل الحال فى الفورملا الحالية ” وفى باقى الست حالات اللى اتت فيها الكلمة سواء جمع او فى حالة المضاف سترى فيه تاثير هذا التقليد الموجود فى كورنثوس 
زى 1 كور 3:15 و 1 كور 17:15 و غلاطية 4:1 و رومية 5:7 و افسس 1:2 و كولوسى 14:1 وصيغ لا تخص بولس un pauline formula 
فاغلب استخدام بولس لكلمة خطية كانت مفرد وفى حالة غير المضاف و6 مرات فقط استخدمها بصيغة الجمع او فى حالة المضاف وكلها لها علاقة بالصيغة التى شهد فيها عما تسلمه من ايمان من الكنيسة 

2- استخدم جملة κατὰ τὰς γραφάς التى تعنى حسب الكتب التى لم يستخدمها فى رسائله اطلاقا بل كان يستخدم المصطلح καθὼς γέγραπται بمعنى كما كتب 

3- الفعل ἐγήγερται الذى يعنى قام فى حالته الاعرابية perfect passive وجد فقط فى الاعداد 12 و14 و16 و20 ومرة فى رسالة تيموثاوس الثانية 8:2 اللى بتعتبر صيغة اعتراف تسبق بولس pre puline confessional formula 

4- جملة τῇ ἡμέρᾳ τῇ τρίτῃ التى تعنى اليوم الثالث . ترتيب الرقم فى هذا العدد فريد بالنسبة لبولس 

5- كلمة ὤφθη التى تعنى ظهر وجدت فقط فى كورنثوس 5:15 وفى صيغة الاعتراف فى تيموثاوس الاولى 16:3 

6- كلمة δώδεκα· التى تعنى 12 فريدة فهو دائما ما كان يستخدم مصطلح ΟΙ ΑΠΟΣΤΟΛΟΙ بمعنى الرسل

لذلك لهذة الاعتبارات قال كونزلمان konzelmann

1- صيغ متشابهه تجدها فى مرقس 13:8 و 31:9 و 32:10 اعمال الرسل 42:10 تيموثاوس الثانية 8:2 بطرس الاولى 21:2 و 18:3

2- يضيف ان هذة الجمل مناسبة لهذة الصيغة المسجلة فى كورنثوس الاولى 

هذة الاعتبارات اقنعت كل دراسى العهد الجديد واقعيا ان كورنثوس الاولى اصحاح 15 من العدد الثالث للعدد السابع تحوى صيغة تسبق بولس pre – pauline formula 

مترجم من كتاب

دا اول مرة حد يناقش قضية الصيغة اللى ذكرها بولس فى رسالة كورنثوس واعتقد انها حصرية على منتدى الكنيسة ان حد فى الشرق ناقش القضية دى 
الصيغة دى مش وليدة ايمان بولس لكنها ايمان مسلم له ونقلها كما هى حتى بالفاظ لا تتفق مع اسلوبه الادبى لكنه لم يغيرها ونقلها كما تسلمها من الكنيسة 
الكلمة اللى استخدمها بولس بمعنى تسلمت فى اليونانية 

παρέλαβον ودى بتكون مرادفة للاسلوب اليهودى فى نقل التقليد transmission of tradition 
لذلك تعتبر كورنثوس الاولى الاصحاح ال 15 وتحديدا من العدد الثالث الى العدد الالسابع هو تسلم الكنيسة للمؤمنين لايمانها بصيغة تسبق كتابات بولس ولحسن حظنا انه قد سجلها كما هى بنفس الالفاظ التى تسلمها من الكنيسة 

اللى هنستفيد منه فعليا من هذا الموضوع الذى قد لا ينال اعجاب كثيرين هو ان الصيغة التقليدية فى كورنثوس ليست صيغة بولس لكنها ايمان الكنيسة المسلم فهى صيغة تسبق بولس وليست من عندياته pre pauline 

للموضوع تكملة صلوا لاجل الوقت 

التقليد المقدس – د. صموئيل طلعت

التقليد المقدس – د. صموئيل طلعت

التقليد المقدس – د. صموئيل طلعت
 

التقليد المقدس – د. صموئيل طلعت

المحتويات

 

مقدمة

التقليد والكتاب المقدس

التقليد عند الرسل

التقليد المرفوض

مصادر التقليد الخمسة

معايير التقليد

لقراءة البحث

لتحميل البحث PDF

كتاب أعجوبة نقل جبل المقطم PDF – قراءة جديدة في مخطوط سير البيعة المقدسة – شريف رمزي

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

التقليد الآبائي: دراسة للتعليم الآبائي عن التقليد


التقليد الآبائي

دراسة للتعليم الآبائي عن التقليد

بقلم / ﭼـون إدوارد

لتحميل البحث

 

بحث رائع ، أنصح الكل بدراسته بتمعُن.

التقليد المقدس

التقليد المقدس

 
 
 
المحتويات
مقدمة
التقليد والكتاب المقدس
التقليد عند الرسل
التقليد المرفوض
مصادر التقليد الخمسة
معايير التقليد
لتحميل البحث (اضغط هنا)

التقليد المقدس

Exit mobile version