ليس عبثًا كان اختيار المؤلِّف لعنوان كتابه، فهو سيبحث فيه حول “يسوع” “المسيح” وهذا هو علم المسيح، أو ما يُسمّى بالكريستولوجيا. لقد عرف التقليد الكنسيّ مسيرةً في معرفة من هو المسيح، ولن تعرف هذه المسيرة نهايتها إلّا عندما تعرف يسوع المعرفة الكاملة في لُقياه وجهًا إلى وجه. ولكن، منذ أن التقى التلاميذ يسوع وجهًا لوجه بشرًا متجسّدًا بيننا، إلى حين أن نلقاه جميعًا في آخر الأزمنة، سيُعرّفنا الكاتب عن مسيرة البحث هذه، وما واجهته الكنيسة من عقبات لم تَحُل عائقًا أمام معرفتها لمسيحها، بل عمّقت هذه المعرفة، “وباتت خاصّته يعرّفون عن أنفسهم باسمه (مسيحيّون)”.
القديس إكليمندس الإسكندري – موسوعة مصغرة تتضمن اهم وأبرز المواضيع – كلارا
القديس إكليمندس الإسكندري – موسوعة مصغرة تتضمن اهم وأبرز المواضيع – كلارا
القديس إكليمندس الإسكندري – موسوعة مصغرة تتضمن اهم وأبرز المواضيع – كلارا
القديس إكليمندس الإسكندري ونص العهد الجديد
تعود أهمية اقتباسات الآباء من الكتاب المقدس إلى دورها الهام في بناء النص الأصلي إذ يتفق معظم العلماء على أهمية اقتباسات الآباء، ومن هؤلاء العلماء:
– دانيال ولاس:
يمكن للآباء مساعدتنا في معرفة المفاهيم الموجودة في نصهم، مما يوفر زاوية مهمة لإعادة بناء النص [النص الأصلي] [1]
– بارت إيرمان ومايكل هولمز:
في النقد النصي للعهد الجديد، يُنظر عادةً إلى الاستشهادات الآبائية على أنها السطر الثالث من الأدلة، غير المباشرة والمكملة لـلمخطوطات اليونانية، وبالتالي غالبًا ما يتم التعامل معها على أنها ذات أهمية من الدرجة الثالثة. عندما يتم تقييمها بشكل صحيح، فإن الدليل الآبائي له أهمية أساسية، لكل من المهام الرئيسية للنقد النصي للعهد الجديد: على عكس المخطوطات اليونانية المبكرة، فإن الآباء لديهم القدرة على تقديم أدلة مؤرخة وجغرافيًا معينة. [2]
– صياغة أخرى للكلام مكتوبه في كتاب بارت إيرمان المشترك مع أستاذه عالم النقد النصي الشهير بروس ميتزجر:
إلى جانب الأدلة النصية المستمدة من المخطوطات اليونانية للعهد الجديد ومن النسخ القديمة، يقارن الناقد النصي العديد من الاقتباسات الكتابية المستخدمة في التعليقات والمواعظ والأطروحات الأخرى التي كتبها آباء الكنيسة الأوائل. في الواقع، هذه الاستشهادات واسعة النطاق لدرجة أنه إذا تم تدمير جميع المصادر الأخرى لمعرفتنا بنص العهد الجديد، فستكون كافية وحدها لإعادة بناء العهد الجديد بأكمله عمليًا. [3]
وسنسلط الضوء اليوم على اقتباسات القديس إكليمندس الإسكندري، إذ أنه صاحب كمٍّ هائل من الاقتباسات من كلا العهدين الجديد والقديم فاقتباساته من العهد الجديد وحده تتخطى (2400) اقتباس [4]
وفقا لجون ديفيد داوسون * فإن طريقة إكليمندس الإسكندري تعتمد على المجازية في اقتباساته وتفسيره للعهد الجديد كما أنه يعتمد في المجادلة على المعنى الشائع والمشترك [5]
وعلى الجانب الآخر فإن هذا لا يؤكد أن إكليمندس الإسكندري يهمل حرفية النص فهو يؤمن أن صوت الله يكمن في حرفية نص العهد الجديد [6] فبمقارنة القديس إكليمندس الإسكندري مع غيره من الدارسين في الإسكندرية نجده أكثر تأكيدا للمعنى الحرفي للكتاب المقدس فهو أكثر تأكيدا لتاريخيه النصوص وأكثر فهما لعقيدة التجسد [7]
وهناك بعض الملاحظات على اقتباسات واستشهادات القديس إكليمندس الإسكندري من نص العهد الجديد:
أولا: كان القديس إكليمندس الإسكندري على دراية تامة بنص العهد الجديد [8]
ثانيا: كان أحيانا يعتمد على ذاكرته في الاستشهادات بدرجه متفاوتة من الدقة (الرأي الغالب والواضح من كتاباته أن ذاكرته التخزينية جيدة للغاية) [9]
ثالثا: كان القديس إكليمندس الإسكندري على يعتمد في بعض استشهاداته على تقليد شفهي. [10]
رابعا: غالبا ما تكون اقتباسات القديس إكليمندس الإسكندري عبارة عن مزج بين مقطعين من نص العهد الجديد كما في (protrepticus 82.3) فهو يقتبس من الكتاب المقدس ويقول [لأنه إن لم تكونوا مرة أخرى كأطفال صغار، وتولدون من جديد، كما يقول الكتاب المقدس، فلن تقبلوا الآب الموجود حقًا، ولن تدخلوا أبدًا في ملكوت السماوات.] فهذا الاقتباس عبارة عن مزج بين كل من (متى 18: 3) و(يوحنا 3: 5) [11]
خامسا: اقتباسات القديس إكليمندس الإسكندري سواء أكانت اقتباسات دقيقة أو غير دقيقة (تعبر عن مفهومه) تعكس تقليد مسيحي مبكر مثل (متى 5: 16، 28، 6: 33، لوقا 12: 48) [12]
من الملاحظ أن القديس إكليمندس الإسكندري اقتبس فقط من أربعة أناجيل أي أنه كان يؤمن بها فقط وهو يشهد أن التقليد سلم لنا أربعة أناجيل فقط إذ قال في أثناء إلقاء أحد الهراطقة نص مستخرج من إنجيل منحول: «ليس لهذا النص مكان في الأناجيل الأربعة التي سلمها إلينا التقليد.» **
وإذا أردنا فحص استشهادات إكليمندس الإسكندري فأن معظم اقتباساته تنتمي للنص السكندري وبعضها للنص الغربي [13] وهناك من قال إن بعض اقتباساته من إنجيل متى مثلا لها طابع النص البيزنطي وهذا دليل على وجود هذا النص في القرن الثاني الميلادي في تلك المنطقة. ولكن إذا أردنا أن نحدد الاستنتاجات حول الصلات النصية الشاملة لاقتباسات القديس إكليمندس الإسكندري (العوائد التي يرجع إليها) فهذا يتطلب تحليل كامل وتفحص لاقتباسات إكليمندس في كل إنجيل معين. [14]
وينقل لنا القديس إكليمندس الإسكندري شهادة مبكرة عن دقة نقل التقليد والنص المقدس إذ يقول “تحمي الكنيسة التقليد والكتاب المقدس، وتنقله بأمانة، وتوجه تفسيره. ” [15]
القديس إكليمندس الإسكندري وألوهية المسيح
من المعلوم أن القديس إكليمندس الإسكندري من آباء ما قبل مجمع نيقية وبالتالي تعتبر شهادته مهمه على الإيمان بلاهوت المسيح خلال القرون الأولى لانتشار المسيحية.
القديس إكليمندس الإسكندري أكد لاهوت المسيح في مواضع عديدة [16] وأكد على أن الإيمان المسيحي في المسيح يعتمد على الإيمان بأن المسيح هو إنسان واله، عند اقتباسه جزءا من ترنيمة فيليبي التي تتكلم عن تجسد المسيح «لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ» [17] يعلق عليه قائلًا “الله الرحيم حريص على إنقاذ البشرية” [18] فهو يصف المسيح بأنه الله ويتابع شرح التجسد.
يركز القديس إكليمندس الإسكندري في كتاباته على مفهوم الكلمة أو (اللوغوس – Logos) ففي متابعته لشرح التجسد قال “لقد أصبح كلمة الله إنسانًا، حتى يمكن أن تتعلم من (يسوع المسيح) الإنسان كيف يمكن للإنسان أن يصبح إلهاً ” [19] يلاحظ نورمان ريسل أن هذه الفقرة تعتبر مرجعًا مهمًا لمعرفة المسيح بقوة النص المقدس [20].
يؤكد القديس إكليمندس الإسكندري على أزلية الكلمة ابن الله إذ يقول: “لان الكلمة كان يدل على الابديه وعلى أنه بلا بداية، تماما كما أن الكلمة، أي ابن الله، وفقا للمساواة في الجوهر، موجود كواحد مع الآب، ابدي وغير مخلوق. إن وجود الكلمة في البداية هو ما يُدَلُ عليه بقوله “في البدء كان الكلمة” ” [21]
يشير إكليمندس إلى أن الكلمة هو أزلي وقد تجسد وصار إنسان وأكد أنه هو سيد هذه الحياة “أصبح الكلمة جسدًا ليس فقط عندما أتى إلى الأرض كإنسان، ولكن أيضًا في البداية عندما لم يحسب نفسه معادلا للآب. الخلاص هو الحياة التي تنشأ في الكلمة، والسيد هو هذه الحياة” [22] وقال أيضا: بما أن الترنيمة الجديدة، أو اللوغوس، أو المسيح، هي التي تحدد النغمة، ولكن باعتبارها الكلمة الموجودة مسبقًا، فإن الكلمة تسبق تأسيس الكون؛ إنه أصل الكل وسبب التناغم الكوني. [23]
القديس إكليمندس الإسكندري والثالوث المقدس
يشرح القديس إكليمندس الإسكندري الثالوث بالطريقة التي نؤمن بها وهذا يدل على أن الثالوث هو أساس أصيل في الكتاب المقدس وفي المسيحية إذ قال “الآب والابن والروح القدس كلهم في واحد” [24]
وفي موضع آخر يقول (إذ يؤكد بهذه العبارة الحماية بالثالوث القدوس): “محميين بقوة الله الآب ودم الله الابن وندى الروح القدس”[25]
فهو يؤمن بالثالوث إذ يقول ويشرح عن التساوي بين الأقاليم ” إنّه لسرّ عجيب! واحد هو الله الآب، أبو كلّ شيء. وواحد هو الله اللوغوس كلمة كلّ شيء، وواحد هو الروح القدس المتساوي لهما في كلّ شيء” [26]
ويشير إلى ضرورة الصلاة إلى الثالوث إذ يصلي بهذه الطريقة ” دعونا نحمد الآب والابن الواحد مع الروح القدس الذي هو واحد في الكل – الذي فيه الكل، من خلاله جميعًا – الذي نكرّمه الآن وإلى الأبد. آمين.” [27]
ولا نتوانى إلا عند التنويه على أحد الأمور المهمة التي ذكرها القديس إكليمندس الإسكندري وهو عبارة عن ترنيمة أو صلاه للمُربّي الإلهي إذ يقول فيها:
“تعطف، أيها المربي الإلهي، على أولادك الصغار، أيها الآب، يا قائد إسرائيل، أيها الآب والابن معا، يا رب. أعطنا إن نتبع وصاياك، فنصل إلى مشابهة الصورة، ونختبر، على قدر قوانا، صلاح الله، وليس حكم الديان. امتحنا أن نحيا جميعنا في سلامك، ونعبر إلى مدينتك، ونجتاز هدوء مياه الخطيئة، يحملنا بسكينة الروح القدس، حكمتك التي لا توصف. أعطنا أن نرنم لك نشيد شكر ليلا ونهارا، وحتى اليوم الأخير. اقبل تسبيحتنا، أيها الآب الوحيد والابن
أيها الابن والآب، أيها الابن، مربينا ومعلمنا مع الروح القدس كل شيء هو للواحد، الذي فيه يوجد كل شيء، وبه كل شيء واحد، وبه الأزلية، وكلنا أعضاؤه، له المجد إلى الدهور. كل شيء هو للإله الصالح، شيء هو للإله البهي، كل شيء هو للإله الحكيم، كل شيء هو للإله العادل. له المجد الآن وإلى دهر الداهرين، آمين.” [28]
مختارات:
أ- القديس إكليمندس الإسكندري وسبب معمودية المسيح
“لقد اعتمد المسيح ليقدس الماء للذين سيولدون من جديد” [29]
ب- مساواة المرأة والرجل في فكر القديس إكليمندس الإسكندري
“لدى الرجل والمرأة نفس القيمة الروحية” [30]
“الرجل والمرأة متشابهان في كل شيء فلهما حياة واحدة وطعام واحد وتنفس واحد…. فكيف لا يكون لهما ايضا قيمة روحية واحدة وبالتالي ايضا سيرة روحية واحدة” [31]
“إذ كان جيدا للرجل أن يموت من أجل الحرية والخلاص فإن المرأة تتساوى معه ايضا في ذلك. فإن هذه السيرة ليست حكرًا على الرجال وانما تختص بالناس الصالحين” [32]
ج- الخطيئة الأصلية
“الانسان في الفردوس كان يعيش حالة بساطة وحالة حرية، لذلك لم يطع الله فسقط في الخطيئة” [33]
“بالنسبة الى نتيجة السقوط في الخطيئة، فان خطيئتنا هي مشابهة لخطيئة آدم. وكما يقول النبي، إننا نولد في الخطيئة: «ها إني بالاثم قد ولدتُ وفي الخطيئة حبلت بي امي» (مزمور 51: 5). وهذا يعني ان كل لم يعتنق بعد الايمان هو في حالة خطيئة، إن الخطيئة هي أمر مشترك بين جميع البشر، إنها ملازمة للطبيعة البشرية، إنها من صلب الطبيعة. ونحن، بذلك، نميل دائماً الى الشر” [34]
بالنسبة الى الخطيئة بحد ذاتها، فانها خطيئة تمرد على الله، وليس سقوط بالمعنى الأفلاطوني للكلمة، لأن الله، الكلي القدرة، أوجد الطبيعة في حالة برارة، ونحن، باعمالنا التمردية جلبنا علينا غضبه تعالى. واما بالنسبة الى الخلاص، فان المسيح نزل الى الارض ليخلصنا من هذا التمرد ونعود الى طاعة الآب السماوي. [35]
______________
قائمة المصادر والمراجع:
[1] Revisiting the Corruption of the New Testament: Manuscript, Patristic, and Apocryphal Evidence, DANIEL B. WALLACE, chapter 4, p.133.
[2] The Text of the New Testament in Contemporary Research 1995, Bart D. Ehrman and Michael W. Holmes, p.191.
[3] THE TEXT OF THE NEW TESTAMENT: Its Transmission, Corruption, and Restoration 2005, Bruce M. Metzger and Bart D. Ehrman, p.126.
انظر ايضا حوار بروس ميتزجر مع الإعلامي لي ستروبل من كتاب (القضية المسيح ص75).
[4] The Popular Handbook of Archaeology and the Bible, Joseph M. Holden and Norman Geisler, p.125.
* جون ديفيد داوسون أستاذ الدين والأدب المقارن وأستاذ المسؤولية الاجتماعية في جامعة هارفارد.
[5] Allegorical Readers and Cultural Revision in Ancient Alexandria, David Dawson, p.206
[6] على سبيل المثال(Protrepticus 82.1-2) من (protrepticus of clement of alex. a commentary , Miguel Herrero de Jáuregui , p.222)
[7]Allegory and Event: A Study of the Sources and Significance of Origen’s Interpretation of Scripture, Richard Hanson, p.120
[8] New Testament Textual Criticism and Exegesis, Joel Delobel, p.39
[9] Clement of Alexandria, John Ferguson, p.58
“Clement is quoting from a well-stored memory”
انظر ايضا:
The credibility of the Gospel history: or, the facts occasionally mentioned in the New Testament, Nathaniel Lardner, p.365.
[10]The Integration of Oral and Written Jesus Tradition in the Early Church ,Michael Strickland , p.136
انظر ايضا:
Bousset, Judisch-Christlicher Schulbetrieb in Alexandria und Rom.
[11] The Sacred Writings of Clement of Alexandria, V.1, p.44
[12]Divergent Gospel Traditions in Clement of Alexandria and Other Authors of the Second Century, p.43 to p.63.
** stromates I, III, C. XIII
[13] Gérassime Zaphiris, Le texte de P’Ěvangile selon saint Matthieu d’après les citations de Clement d’Alexandrie compartes aux citations des Pères et des Theologiens grecs du II’ au XV siècle (Gembloux, [1970]).
وهي دراسة تحت إشراف بروس ميتزيجر، انظر:
New Testament studies (philological, versional, and patristic) Bruce M. Metzger , p.172
[14]Novum Testamentum 29, pp. 22-45, Methodological Developments in the Analysis and Classification of New Testament Documentary Evidence, Bart D. Ehrman. (An article)
يمكن مشاهدته من هنا:
https://sci-hub.se/10.2307/1560808
[15] انظر (7.17.106f , esp.107.2-4)
[16] على سبيل المثال انظر:
Protrepticus 10 106. 4-5
[17] (فيلبي 2: 7).
[18] Protrepticus 1 8 4
[19] Ibid
[20] The Doctrine of Deification in the Greek Patristic Tradition, Norman Russell, p.125
[21] Titi Flaui Clementis Alexandrini opera omnia, V.3-4 , p.59
انظر ايضا:
Stachlin, Clemens Alexandrinus (Berlin 1960), III , 209/10
[22] exc 19.2.
[23] Protrepticus 1,1-10.
انظر ايضا:
The Pre-Christian Origins of Early Chris- tian Spirituality , David T. Runia.
[24] paedagogus 3.12.101
[25] Kretschmar, Trinitätstheologie , p.115+116
انظر ايضا:
The Ante-Nicene Fathers: Translations of the Writings of the Fathers Down to A. D. 325; V.II, James Donaldson, p.601 (who is the rich man that shall be saved?)
[26] الخطاب إلى اليونانيّين 1/ 6: 42 (مقتبس من كتاب الخلاصة الكتابية والآبائية، ج 1، ف.17: أكليمنضس الإسكندراني فيلسوف المعرفة المسيحية، الاب بولس الفغالي)
[27] Lib. iii. , Stromata. c. vi. (A Manual of the Catholic Religion, for Catechists, Teachers and Self-instruction, Francis Xavier Weninger, p.82)
[28]تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة , المطران كيرلس سليم والاب حنا الفاخوري والاب جوزيف العبسي البولسي , ص387 + ص388.
[29] ecl.prop. 7
[30]paedagogus 1.10.1
[31]paedagogus 1.10.2
[32] Stromata, IV ,67 ,4
[33] الخطاب إلى اليونانيين، 11 (مقتبس من كتاب كليمنضوس الاسكندراني , الاب جورج رحمة , ص123)
[34] الستروماتيس،2،12 (مقتبس من كتاب كليمنضوس الاسكندراني , الاب جورج رحمة , ص123)
[35] الستروماتيس،3،14 (مقتبس من كتاب كليمنضوس الاسكندراني , الاب جورج رحمة , ص123)
القديس إكليمندس الإسكندري – موسوعة مصغرة تتضمن اهم وأبرز المواضيع – كلارا
نحن لم نتعلم خطة خلاصنا من أحد آخر سوى أولئك الذين بواسطتهم وصل إلينا الإنجيل الذين كانوا يكرزون به أولا أمام الناس جهرا وبعد ذلك في وقت لاحق سلموه إلينا بمشيئة الله في الكتاب المقدس ليكون عمود إيماننا وقاعدته. [1]
يتحدث القديس إيريناؤس صراحة أن كتاب العهد الجديد الذي سلم للكنيسة لاحقا هو العقيدة التي بشر بها الرسل أولا شفاهة وبعدها يتحدث عن الهراطقة وكيف انهم يطعنون في ذلك التقليد المسلم لنا والذي تم حفظه من خلال القسوس في الكنائس فيقول:
وحينما نحيلهم إلى ذلك التقليد المسلم من الرسل والمحفوظ بواسطة تسلسل القسوس في الكنائس فانهم يعارضون التقليد ويقولون انهم هم أنفسهم احكم من القسوس وأكثر من ذلك انهم احكم من الرسل لأنهم كما يدعون قد اكتشفوا الحق غير المغشوش لأنهم يقولون إن الرسل مزجوا أمور الناموس بكلمات المخلص. [2]
وبالتأكيد فهو هنا يتحدث عن التقليد عامة وليس الكتاب المقدس خاصة لأنه لو كان يتحدث عن الكتاب فقط لكان قد قال انه محفوظ عبر الكتابات المسلمة لنا ولكننا نجده يتحدث عن شيء عمومي أكثر وبالتأكيد يمكننا استشفاف أن ذلك التقليد المسلم لا يحوي فقط الكتاب المقدس..
ويؤكد على نفس الفكرة في قوله:
لذلك ففي استطاعة الجميع في كل كنيسة الذين قد يرغبون أن يدركوا الحق أن يتأملوا بوضوح في تقليد الرسل الموجود في كل العالم ونحن يمكننا أن نحصي أولئك الذين أقيموا أساقفة من الرسل في الكنائس ونبين تسلسل هؤلاء الأساقفة من الرسل إلى عصرنا الحالي. [3]
وهنا يشدد على فكرة التسلسل وان هذا التسلسل هو الذي يخبرنا أن التقليد المسلم وصل إلينا سالما كما يقول الحكيم بولس لتلميذه تيموثاؤس: فَتَقَوَّ أَنْتَ يَا ابْنِي بِالنِّعْمَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أَكْفَاءً أَنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أَيْضًا. (2 تيموثاوس 2: 1-2).
ويكمل القديس إيريناؤس كلماته بذكر مثال بسيط لأساقفة كنيسة روما وبعدها يقول:
بهذا الترتيب وبهذا التسلسل وصل إلينا التقليد الكنسي من الرسل وكرازة الحق سلمت إلينا وهذا برهان كبير جدا بانه يوجد إيمان واحد وهو نفس الإيمان المحيي الذي حفظ في الكنيسة من الرسل إلى الآن وسلم بالحقيقة. [4]
حيث انه عندنا هذه البراهين فلا داعي للبحث عن الحق عند آخرين بينما من السهل الحصول عليه من الكنيسة حيث أن الرسل مثل رجل غنى يودع أمواله في بنك وضعوا في أيدي الكنيسة كل الأمور المتصلة بالحق بوفرة كبيرة جدا حتى أن كل من يريد يمكنه أن يأخذ منها ماء حياة. انظر رؤ ٢٢: ١٧. فهي المدخل إلى الحياة وكل الاخرين هم سراق ولصوص ولهذا يجب علينا أن نتجنبهم وان نختار الأمور المختصة بالكنيسة بكل اجتهاد ونتمسك بتقليد الكنيسة
(فلنلاحظ الألفاظ فهو عندما يتحدث دوما عن التقليد المسلم لا يتحدث على كتابات فقط بل عن مفهوم أكثر عمومية يضم في طياته أكثر من الكتابات وسيظهر ذلك أكثر لاحقا)
فكيف يقوم الأمر فاذا افترضنا انه أثير جدال حول مسألة هامة بيننا ألا ينبغي أن نرجع إلى أقدم الكنائس التي كان الرسل على اتصال مستمر بها ونعرف منهم ما هو أكيد وواضح من جهة هذه المسألة الهامة؟ فماذا لو أن الرسل أنفسهم لم يتركوا لنا كتابات؟ ألا يكون ضروريا في هذه الحالة أن نتبع التقاليد التي سلموها لأولئك الذين سلموهم الكنائس؟
(تبدأ الآن الفكرة بالاتضاح أكثر فهنا بتحدث صراحة ماذا لم يكن هناك كتابات من الأساس؟ ويكمل أننا بالتأكيد سوف نعود للأصل الذي سلم إلينا بتسلسل من الرسل. الكلمات هنا لا تحقر من الكتابات ولكنها تتحدث عنها كجزء من كل وليست كل من كل..)
وما هو الاتجاه الذي تقبله أمم كثيرة من البرابرة الذين يؤمنون بالمسيح، وهؤلاء عندهم الخلاص مكتوبا في قلوبهم بالروح، بدون ورق أو حبر، وهم يحافظون على التقليد القديم بكل حرص، مؤمنين بإله واحد، خالق السماء والأرض، وكل ما فيها بيسوع المسيح ابن الله؛ الذي بسبب محبته الفائقة لخليقته تنازل ليولد من العذراء، وهو نفسه، وحد الإنسان بالله بواسطة نفسه، وتألم على عهد بيلاطس البنطي، وقام، وصعد بمجد، وسوف يأتي في مجد، وهو مخلص الذين يخلصون، وديان الذين يدانون، ويرسل إلى النار الأبدية أولئك الذين يحولون الحق ويزدرون بأبيه، ويزدرون بمجيئه.
هؤلاء الذين بدون وثائق مكتوبة قد صدقوا هذا الإيمان، هم برابرة من جهة لغتنا، أما من جهة العقيدة، والأخلاق واتجاه الحياة، فهم حكماء جدا بسبب الإيمان، وهم يرضون الله، ويدبرون كل سيرتهم بكل بر، وعفة، وحكمة. فلو أن أحدا أراد أن يعلم اختراعات الهراطقة لهؤلاء الناس، متحدثا إليهم بلغتهم، فإنهم يغلقون آذانهم في الحال، ويهربون بعيدا بقدر الإمكان، ولا يحتملون حتى أن يصفوا إلى الحديث التجديفي. وهكذا، فبواسطة تقليد الرسل القديم هذا، هم لا يحملون عقولهم مشقة معرفة أي شيء من التعاليم التي تحملها اللغة الثقيلة لهؤلاء المعلمين، الذين لم تنشأ عندهم أي كنيسة ولا ثبت أي تعليم. [5]
(أخيرا يشرح أن الإيمان الكامل من الممكن أن يصل للكثيرين بدون الكتابات من الأساس وهذا يثبت أكثر من شيء أولهم كما قلنا إن الكتابات جزء من كل. هذا الكل وهو التقليد كل جزء من أجزائه تقود للإيمان الكامل. الشيء الثاني أن ليس هناك جزء اعلى من آخر فان كان كل جزء من التقليد يقوم بتقديم الإيمان بصورة كاملة صحيحة فإذن كل تلك الأجزاء متساوية)
لذلك، حيث إن تقليد الرسل موجود في الكنيسة، وهو دائم بيننا، فلنعد إلى برهان الكتاب الذي تركه لنا الرسل وهم أيضا الذين كتبوا الإنجيل، الذي سجلوا فيه العقيدة الخاصة بالله، ذاكرين أن ربنا يسوع المسيح هو الحق (يوحنا 14: 6) ولا كذب فيه. كما يقول داود أيضا متنبئا عن ميلاده من عذراء، وقيامته من الأموات: الحق من الأرض ينبت (المزامير 85: 11) [6]
(نلاحظ هنا تمييزا ملحوظا بين التقليد والكتاب وكأنهم مختلفون عن بعضهم البعض ولكن عند التدقيق في قوله إن تقليد الرسل موجود في الكنيسة وبعدها فلنعد إلى برهان الكتاب. فمعنى ذلك أن بينهما ارتباطا ما وان كان التقليد هو الذي يوجد في كل كنيسة فإذن نستنتج ببساطة أن تلك الكتابات هي جزء من تقليد يحويها وهي تحوي الإيمان الذي به.
كما يقول سجلوا فيه العقيدة الخاصة بالله، ذاكرين أن ربنا يسوع المسيح هو الحق ولكي نؤكد الفكرة أكثر فلنسال سؤالا هاما ما هو تقليد الرسل الموجود في كل كنيسة بل والأكثر قبلها يقول في كل العالم؟
في ضوء قوله قبلا أن الإيمان وصل إلى البرابرة دون كتابات سنجد أن هذا التقليد لا يمكن إلا أن يكون تعاليم الرسل التي سلمت جيلا بعد جيل وعنصرا آخر نكتشفه وهو الليتورجيا والفن الكنسي. فكيف يمكن لهؤلاء البرابرة وغيرهم من ذوي اللغات الأخرى أو الذين لا يعرفون القراءة من الأساس دون كتاب أن يحافظوا على الإيمان بشكل كامل إلا بالصلاة به كل حين وإدخاله إلى كل نواحي الحياة الدينية من أيقونات وشكل بناء الكنائس وغيرها)
هل يمكننا معرفة ما هي أجزاء التقليد مما سبق؟
أولا: الآباء وهذا يشمل كل تعليم الرسل الشفاهي الذي تم تسليمه جيلا بعد جيل الذي أصبح كتابيا فيما بعد في كتابات الآباء الرسولين والآباء الأوائل.. وهنا الأمر ينقسم لجزئين التقليد الشفاهي الذي بشر به الرسل وسلموه للآباء الرسولين وهم تلاميذ الرسل ثم الآباء الأوائل والجزء الثاني هي كتابات الآباء التي نقلت لنا ذلك التقليد ودافعت عن إيماننا أيضا وتعمقت في شرحه أكثر وشرحت بقية مصادر التقليد. ونحن هنا نتحدث عن الآباء الذين تم الاتفاق على اتفاق إيمانهم مع إيمان الرسل وكيف علمنا ذلك؟ سنرى بعد قليل.
ثانيا: الليتورجيا وكل ما بها من صلوات وطقوس ونظام يحوي في داخله الإيمان الكامل المسلم من الرسل.
ثالثا: الفن الكنسي من أيقونات وأشكال بناء الكنائس الخ.
رابعا: الكتابات المقدسة وهي العهد القديم والعهد الجديد الذي كتب بأيدي تلاميذ السيد والرسل الأطهار القديسين وهنا نذكر قصة الخصى الحبشي مع فيلبس (أع 8: 26-39) فنجد أن ذلك الرجل تسلم الإيمان دون قراءة حرفا واحدا من العهد الجديد بل قام فيلبس الرسول بشرح الإيمان للرجل مما كان يقرأه الرجل من العهد القديم.
خامسا: المجامع الكنسية: وهنا نتحدث عن المجامع المتفق عليها من الجميع والتي صاغت الإيمان في قانون يتلوه الجميع وحفظته سالما لأجيال وأجيال وصاغت قوانين أخرى كلها وضحت إيماننا وحافظت عليه..
وكما شرحنا قبلا وأثبتنا ذلك من كتابات القديس إيريناؤس أن ليس جزء اعلى من آخر وكل جزء بقدرته إيصال الإيمان كاملا إلى متلقيه دون أي نقصان وان في هذا عجبا فكما يقول بولس الرسول: اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآباء بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، (عب 1: 1-2) فان الله دوما يصل للبشر بكل الطرق وهذا يعلن عن فائق عمق محبته للبشر وكيف انه يريد التواصل معهم دائما بكل الطرق التي تناسبهم وليست التي تناسبه هو..
أما من ناحية السلامة والحفظ فكيف يمكن تزوير خمسة مصادر للإيمان دفعة واحدة ولكننا هنا أمام امر معجزي عجيب من فعل الله وهو حفظ الإيمان من خلال مصادر عدة حتى إذا تم التزوير أو التخريب البشرى في أحدهم وجدنا إيماننا مازال محفوظا دون نقصان لان الله قد ثبته.
وهنا يقول بولس الرسول عندما كان يتحدث عن أشخاص لا يؤمنون بقيامة الأجساد: الَّذِينَ مِنْهُمْ هِيمِينَايُسُ وَفِيلِيتُسُ، اللَّذَانِ زَاغَا عَنِ الْحَقِّ، قَائِلَيْنِ: «إِنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ صَارَتْ» فَيَقْلِبَانِ إيمان قَوْمٍ. وَلكِنَّ أساس اللهِ الرَّاسِخَ قَدْ ثَبَتَ (تيموثاوس 2: 17 – 19) فاذا شككنا في عدم اتفاق إيمان أحد الآباء مثلا مع الإيمان المسلم يمكننا ببساطة العودة إلى الليتورجيا أو الفن الكنسي أو الكتاب المقدس أو المجامع أو كتابات بقية الآباء فجميع ما سبق يقودوا إلى نفس الإيمان..
أما عن فكرة هل الكتاب المقدس هو الأعلى أم لا فأخيرا يمكننا القول إن الأمر مرتبط بالإنسان ذاته والى ميله لارتباطه بكتاب مقدس يعبر عن معتقده وإيمانه منذ بدء عصور الكتابة وربما يعود الأمر إلى قدرة الكتابة على حفظ المعتقدات لمدة أطول وأشياء كثيرة أخرى جعلت الكتاب المقدس بالنسبة للمسيحيين هو أساس إيمانهم وهو بالتأكيد أساس إيمان كامل وقوى.
ولكن ما أردنا توضيحه انه ليس وحده هو الأساس الكامل القوى للإيمان كما يظن البعض أو هو اعلى من كل مصادر التقليد كما يظن البعض أيضا فيمكن لأي شخص استقاء الإيمان الكامل من مصادر التقليد الأخرى دون قراءة حرف واحد من الكتاب المقدس كما رأينا.
[1] ضد الهرطقات الكتاب الثالث. الفصل الأول. ص16
[2] ibid. الفصل الثاني. ص17
[3] ibid. الفصل الثالث. ص18
[4] ibid. ص20
[5] ضد الهرطقات الكتاب الثالث. الفصل الرابع. ص22-23
ج: أول محاولة لفصل الكتاب المقدَّس عن التقليد جاءت من خلال الهراطقة الذين قدموا سيلا من آيات الكتاب المقدَّس وفسروها كما يحلو لهم بناء على رؤيتهم الخاصة دون الالتزام برؤية وإيمان الكنيسة، إنما فسروا هذه الآيات بما يخالف التقاليد الكنسية، فسقطوا في الهراطقة. بينما قدم آباء الكنيسة تفسيرات عديدة في عصور متباينة ولكنهم جميعا التزموا بالفكر الكنسي الواحد المستقر في الكنيسة فأبدعوا وأخرجوا لنا جددا وعتقاء من تأملات تشبع الروح وتغذى العقل وتشبع الفكر.
أما المحاولة الكبرى للفصل بين الكتاب المقدَّس والتقليد فقد جاءت مصاحبة للحركة البروتستانتية في القرن السادس عشر، والسبب الرئيسي لهذه الحركة هو انحرافات الكنيسة الكاثوليكية، ولا سيما إن ترجمات الكتاب المقدَّس إلى لغات أوربا أوضح الفرق الشاسع بين تعاليم الكتاب وما تعيشه الكنيسة الكاثوليكية.
فكانت الثورة البروتستانتية في تحطم كل شيء بما فيه التقليد، حتى إنهم اعتبروا أن التقليد ضد الكتاب نفسه، وتشوهت صورة التقليد لدى البروتستانت عبر الزمن، وخلطوا بين التقليد الكنسي الصحيح وبين تقليدات شيوخ اليهود التي هاجمها السيد المسيح، وأصبحت كلمة “التقليد ” كلمة مشينة وغير مقبولة ومرادفة لكلمة “جسدي ” أو “ماتت روحيا ” أو “مدمر ” أو “ناموس ” وظنوا أن الكتاب المقدَّس خصمًا للتقليد ويدينه، ولم يدركوا أن التقليد هو الذي سلم لنا الكتاب.
قال العلامة أوريجانوس “بالتقليد عرفت الأناجيل الأربعة وإنها صحيحة”(1) وهارنك Harnak الأستاذ الألماني الذي أنكر الإعلان الإلهي في شخص الرب يسوع، وتصور المسيحية على إنها نتاج حضارة وثقافة معينة، وهي بذلك تقبل الزيادة أو الحذف أو التغيير، قال إن التقليد نظرية قديمة عالجت مشكلات الكنيسة في العصور الأولى.
ولا عجب أن نجد اقس البروتستانتي يمسك الكتاب المقدَّس بيده مشوحًا به وقائلًا: هل هذا الكتاب يكفى أو لا يكفى لخلاص الإنسان؟ وإن كان لا يكفى فكيف يقول بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس “وإنك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة القادرة أن تحكمك للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع. كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ والتأديب الذي في البر.
لكي يكون إنسان الله كاملا ومتأهبا لكل عمل صالح” (2 تى 3: 15- 17) وبلا شك إن بولس الرسول كان يقصد العهد القديم فقط لأنه في طفولة تيموثاوس لم تكن كتبت آية واحدة في العهد الجديد، فلماذا يقبل هذا القس العهد الجديد ويرفض التقليد؟ ولماذا لا يقول العهد القديم وكفى..؟..الأمر اللطيف إن بولس الرسول في ذات الإصحاح يذكر شيئا من التقليد وهما اسمي اثنين من سحرة مصر اللذين قاوما موسى وهما “ينيس ويمبريس” (2 تى 3: 8).. أليس هذا حقيقة؟!
وإن كان العهد القديم ذكر نظام العبادة، فأين نجد نظام العبادة في العهد الجديد والذي لم يدون فيه؟ ألا نجده في التقليد المقدس..؟! أليست الكنيسة التي سلمتنا الكتاب المقدَّس هي التي سلمتنا التقليد، ويقول مستر بروس Brus أحد أساتذة الدراسات النقدية بجامعة منتشسر “بينما يميل مسيحيو الغرب إلى إقامة الكتاب المقدَّس والتقليد الواحد ضد الآخر، كما لو إن التقليد الشفهي فقط غير مكتوب، فإنه ليس هناك ما يمنع أن يكون التقليد مكتوبًا، فقد أخذ التقليد الرسولي شكلا مكتوبا في حينه وصار كتابًا رسوليًا.
فمثلًا تعاليم القديس بولس الرسول سواء أعطيت شفاهيًا أو كتابة تحمل سلطانا رسوليًا على ذات المستوى، فهو يشجع مسيحي تسالونيكي قائلًا اثبتوا وتمسكوا بالتقاليد التي تسلمتموها سواء كان بالكلام أو برسالتنا”(2).
نعم لقد أخطأ البروتستانت عندما فصلوا الكتاب المقدَّس عن التقليد حتى إن “دين اينج ” يقول عن عقيدة البروتستانت “وصفت عقيدتهم بأنها رجوع إلى الإنجيل بروح القرآن”(3)(4).
ونستطيع أن نقول إن الفكر البروتستانتي بنى على مبدأ خطير وهو “مسيحية بلا كنيسة ” وتبنى البروتستانت مبدأ “الكتاب المقدَّس وحده ” Sola Scriptura، وكانت نتيجة هذا المبدأ الخطير الهدام أن تعددت التفاسير والمفاهيم والانقسامات، وبالتالي تعددت الطوائف البروتستانتية، فيقول الأب جون واتيفورد Fr. John Whiteford وهو خادم بروتستانتي سابق “إذا كانت البروتستانتية ومبدأها الأساسي عن Sola Scriptura هي من الله، فلماذا تسببت في أكثر من 20000 عشرين ألف طائفة مختلفة لا تستطيع أن تتفق على المبادئ الأساسية التي في الكتاب المقدَّس، ولا حتى على معنى كلمة “مسيحي “؟
إذا كان الكتاب المقدَّس وحده يكفى ولا حاجة إلى التقليد فلماذا يزعم “المعمدانيون ” و”شهود يهوه ” و”الكاريزماتيكيين ” و”الميثودست” إنهم يؤمنون بما يقوله الكتاب المقدَّس ولكن لا تستطيع طائفتان منهم الاتفاق على ما يقوله الكتاب المقدَّس؟ فواضح بأي كال من الأحوال إن البروتستانت قد وجدوا أنفسهم في وضع خاطئ، وللأسف فأكثرهم يضعون اللوم على أي شيء إلا أصل الموضوع، فمبدأ Sola Scriptura أساسي جدا في فكر البروتستانتية بالنسبة لهؤلاء لدرجة إن الشك في وجود الله.
ولكن كما يقول الرب “كل شجرة جيدة تصنع أثمارا جيدة. وأما الشجرة الرديئة فتصنع أثمارا رديئة” (مت 7: 17) فإذا حكمنا على عقيدة Sola Scriptura بثمارها سنجد أنها لا بُد أن تقطع وتلقى في النار” (مت 7: 19)(5).
ولا توجد آية واحدة في الكتاب المقدَّس تؤيد المبدأ البروتستانتي “الكتاب المقدس وحده ” بل بالعكس إن هناك آيات عديدة تشير إلى التقليد الكنسي وأهميته، فيقول الأب جون واتيفورد “كنا نتوقع أن يأتي البروتستانت بمئات الآيات من الكتاب المقدَّس تثبت أن هذا المبدأ -الذي أسسوا عليه جميع معتقداتهم- صحيح، كنا نرجوا على الأقل أن نجد آيتين أو ثلاثة ليس فيهم شك لإثبات صحة هذا المبدأ، لأن الكتاب المقدَّس نفسه يقول “على فم شاهدين أو ثلاثة تقوم كل كلمة” (2كو 13: 1)
ولكن… يجب أن أقول أنه لا توجد ولا آية واحدة في كل الكتاب المقدَّس تعلم مبدأ Sola Scriptura ولا توجد آية واحدة تقول ذلك ضمنا. صحيح إننا نجد آيات كثيرة تتكلم عن وحى الكتاب المقدَّس، ووجوب الالتزام به وبركات الإنصات له، ولكن لا يوجد جزء تعليم صريح مثل ذلك في الكتاب المقدَّس لكان الآباء علموا بهذه الحقيقة بالتأكيد، ولكن من من الآباء علم بها؟!
فهكذا نرى إن تعليم البروتستانت الأساسي يهدم نفسه إذ يناقض نفسه، فليس فقط لأننا لا نجد ما يثبت صحة مبدأ Sola Scriptura في الكتاب المقدَّس، بل على العكس نجد ما يناقضه في الكتاب المقدَّس من آيات تتكلم عن أهمية التقليد بالنسبة للمسيحيين (1كو 11: 2، 3، 2 تس 2: 15)(6).
ويقول الأسقف الأنجليكاني “يجيب.. إن المبدأ البروتستانتي الذي يصرح لكل أحد أن يفسر الكتاب المقدَّس حسب معرفته الشخصية قد منع امتداد الكنيسة، وقاد تابعية إلى ما هو مضاد للإيمان المسيحي فيجب أن نفتش عن الإيمان المسيحي الحقيقي في الأجيال الأولى حيث كان اتساع العالم مقرونا بنقاوة التعليم.
فكل من يريد أن يتحاشى الغلط في الإيمان يجب عليه أن يلجأ إلى الكتاب المقدَّس كقانون أولى ثم أيضًا إلى “التقليد ” تقليد الأجيال الأولى لتفسير الكتاب (الصفحة الخاصة للكنيسة)”(7).
ولا ننسى مدى أسف مارتن لوثر الذي علم ضج تقاليد الكنيسة “ويحًا لي، ترى ما الذي أفعله أنا الذي علمت ضدهم كما يعلم التلميذ ضد معلمه، فهذه هي أفكار داهمتني فعرفت ضلالي وتأكدت ذنبى. وآآسفاه، فحبذا لو الذي يستطيع أن ينهض ضده هذه الكنيسة التي نقول عنها في قانون الإيمان “ونؤمن بالكنيسة المقدسة”(8)“(9) كما قال في رسالته إلى مركيون “إنه لأمر خطير يُشْمَأَز منه أن نسمع أو نعتقد شيئا يخالف إيمان الكنيسة المقدسة الجامعة وتعاليمها المجمع عليه، الذي حفظته منذ البدء مدة ألف وخمسمائة سنة ونيف”(10).
وقال فيليب ملانكثون فيلسوف الحركة البروتستانتية في رسالته إلى كراتون الطبيب “إني أرى أن اتفاق القدماء يفيد كثيرًا في تثبيت العقول، ويسوغ لنا ن نتخذ إيريناؤس وترتوليانوس وأغسطينوس الذين خلفوا كثيرًا من الأمور للمتأخرين بمنزلة معلمين صالحين وقواد ماهرين، ومن هذه الآثار يستطيع كل واحد أن يعرف أنهم استعملوا أولا قاعدة الإيمان وألحقوا بها آراء الأتقياء والفقهاء وإجماع الكنائس الرسولية، التي كان يظهر إن أصلها من الرسل أو الرجال الرسوليين”(11).
وقال جيراردوس مولانوس “إن البروتستانت الأكثر تهذيبا يسلمون بأننا لا نعرف الكتاب المقدَّس نفسه فقط، بل لا نعرف معناه الصحيح والأصلي أيضًا في القضايا الإنسانية، دون تقليد، هذا لكي أترك لكاليستوس وأورينوس وكامنسيوس أمورا ذكروها ولا تعرف إلا بالتقليد”(12).
والحقيقة إننا لا يمكن أن نجد ديانة ما أو مذهب ما بدون تقليد، فكل ديانة وكل مذهب لا يخلو من الترتيبات والتنظيمات التي يتسلمها الخلف من السلف، ولا يعقل أن البروتستانت يجهلون قيمة التقليد في الكنيسة الأولى التي عاشت عدة عقود بدون إنجيل مكتوب، ولكنها عاشت بالتقليد و” الإيمان المسلم مرة للقديسين” (يه 3) بل إن البروتستانت يؤمنون بكثير من هذه التقليدات، وإن أنكروا ذلك فليقولوا لنا:
من أين جاءت كلمة “الثالوث” التي يستخدمونها في التعبير عن الإيمان المسيحي؟
من أين جاءوا بتقديس يوم الأحد بدلا من السبت ولا توجد آية واحدة في العهد الجديد تنص على هذا التغيير صراحة؟
من أين جاءوا بمعمودية الأطفال؟
وإن كان للبروتستانت طقوسهم في العشاء الرباني كما يمارسونهم، وطقوسهم في المعمودية وسيامة القسوس. ورشم الصليب. وطريقة العبادة… إلخ…
من أين أتوا بهذه الطقوس وهي لا توجد في الكتاب المقدَّس؟! ويقول الأب جون وايتفود “يدعى البروتستانت كثيرًا أنهم يؤمنون فقط بالإنجيل، ولكن حين تفحص استخدامهم للكتاب المقدس يأتي إلى ذهننا الكثير من التساؤلات، مثلًا:
لماذا نجد البروتستانت يكتبون كتبا كثيرة جدا عن العقيدة والحياة المسيحية عامة إذا كان فعلا كل ما نحتاجه موجود في الكتاب المقدَّس؟
إذا كان الكتاب المقدَّس وحده كافيًا لماذا لا نجد نتائج ثابتة، أو بمعنى آخر لماذا لا يوجد إيمان واحد للبروتستانت؟
ولماذا نجد “تفاسير تطبيقية” (Sindy Bibles) كثيرة إذا كان كل ما نحتاجه هو الكتاب المقدَّس فقط؟ ولماذا نجدهم يوزعون النبذات والكتيبات وغيرها من مادة مكتوبة أو مسموعة أو مرئية؟
ولماذا يعلمون ويعظون أصلا؟ لماذا لا يقرأون الإنجيل للناس فقط؟
الإجابة على كل ذلك (رغم إنهم لا يريدون الاعتراف بذلك) هو إن البروتستانت يعرفون بالفطرة أن الكتاب المقدَّس لا يفهم وحده. وفي الواقع نرى إن كل طائفة بروتستانتية لها تقليدها الخاص (أي فكرها الخاص) وإن كانوا لا يسمونه “تقليدًا”. فهي ليست صدفة أن كل “شهود يهوه ” لهم إيمان واحد مشترك بينهم أيضًا، فلا يأتي كل فرد من أفراد هذه الطوائف بأفكاره الخاصة من دراسته المستقلة للإنجيل، ولكنهم يلقنون إيمانهم الخاص حسب الطائفة التي ينتمون إليها من خلا تقليد مشترك بينهم.
إذا فالمسألة الحقيقية ليست الإيمان بالإنجيل فقط أم استخدام التقليد معه، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى.. السؤال الحقيقي هو “بأي تقليد سيفسر الكتاب؟” و”في أي تسليم نثق؟ ” هل نثق في التقليد الرسولي الذي للكنيسة الأرثوذكسية؟ أم في التقليد “العصري” والمشوش الذي للبروتستانت الذي لا نجد له جذورا”(13).
لقد رفض الفكر البروستانتي “التقليد” ونحا نحو “المنهج العلمي” في دراسة الكتاب المقدَّس مع إن الأمور اللاهوتية لا يمكن إخضاعها للمنهج التجريبى والعلم الموضوعى، حيث تتأثر الدراسة بالأهواء الشخصية، بل إن الدارسين قد يضعون الاستنتاجات التي يريدون أن يصلوا إليها مسبقا، ولذلك ينتهون إلى نتائج شتى، ونشكر الله أنه بدأت تنشط في الغرب حركة “العودة إلى الينابيع ” Return to Sources أي العودة إلى تقليد الكنيسة وأقوال الآباء قبل انشقاق الكنيسة سنة 451م.
وفي نفس الوقت لنحذر من الانزلاق فيما انزلق إليه الغرب من قبل، وننصت إلى الأب جون وايتفورد الذي يقول “عندما شملتني مراحم الله واهتديت إلى الإيمان الأرثوذكسي، لم أكن أريد أن أنظر إلى البروتستانتية ومنهاجها في دراسة الكتاب المقدَّس مرة أخرى، ولكن للأسف وجدت إن الفكر والأسلوب البروتستانتي قد استشرى في بعض الأرثوذكسية والسبب في هذا- كما قلنا سابقا- هو إضفاء صفة “العلم ” على المنهج البروتستانتي لدراسة الكتاب المقدَّس.
ويرى البعض في الكنيسة الأرثوذكسية إنهم يخدمون الكنيسة بإدخالهم هذا الفكر الخاطئ إلى كلياتنا اللاهوتية وكنائسنا، وهذا ليس جديدا لأن هذه هي الطريقة التي بها تدخل الهراطقة لخداع المؤمنين، كما قال القديس ايريناؤس عندما بدأ هجومه على الهرطقات في عصره (من خلال الكلام الخادع والمزخرف يجذبون بمكر البسطاء إلى فكرهم ولكنهم إذ يلقنوهم بتجاديفهم، يقضون عليهم… فالباطل لا يطهر أبدا مكشوفا وواضحا لئلا يكشف أمره ولكنه يزين نفسه بلباس جذاب لكيما يبدو أحق من الحق نفسه بشكله الخارجي لغير العارفين.
ولئلا يختلط الأمر على أحد سأكون واضحا: المنهج الأرثوذكسي لدراسة الكتاب المقدَّس ليس مؤسسًا على البحث “العلمي” في الأسفار المقدسة… لا يقوم فهمنا للكتاب المقدس على امتلاكنا لاكتشافات أثرية فريدة من نوعها، ولكن يقوم على علاقتنا الفريدة مع كاتب الأسفار.
الكنيسة الأرثوذكسية هي جسد المسيح، عمود الحق وقاعدته ومن خلالها كتب الرب الأسفار (أي من خلال أعضائها) ومن خلالها حفظ اله الأسفار، الكنيسة الأرثوذكسية تفهم الكتاب المقدَّس لأنه الوارثة للتقليد الحي الذي يمتد في الزمن من آدم إلى كل أعضائها في يومنا هذا. ونحن لا نستطيع أن نثبت هذا معمليًا، بل يجب أن يقتنع الإنسان بهذا من خلال الروح القدس، ويجب أن يختبر الحياة مع الله داخل الكنيسة(14).
الحواشي والمراجع
(1) القس بولا عطية – التقليد الكنسي ودوره في الكنيسة الجامعة جـ 1 ص 64.
(2) القس بولا عطية- التقليد الكنسي ودوره في الكنيسة الجامعة جـ 1 ص 65-66.
(3) Very Rev. W. R Lang, the Platonic Tradition in English Religious Thought (1925) P. 27.
(4) أورده الأب جورج فورفسكي في كتابه الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد ص 59.
(5) هل الكتاب المقدس وحده يكفى؟ ترجمة أسرة القديس ديديموس بكنيسة مار جرجس اسبورتينج ص 40، 41.
(6) هل الكتاب المقدس وحده يكفى؟ ص 60.
(7) القس بولا عطية- التقليد الكنسي ودوره في الكنيسة الجامعة جـ 2 ص 39.
أنكرت مدارس النقد والتشكيك دور التقليد الشفهي في وصول الكتاب المقدَّس إلينا بصورته الحالية، كما شككت في بعض أجزاء من الأسفار المقدسة مدعية أنها لا تطابق النص الأصلي، والحقيقة أن الكتاب المقدَّس كما هو بين أيدينا قد مر بعدة مراحل وهي:
مرحلة تدوين الأسفار المقدسة بيد الأنبياء القديسين.
مرحلة جمع الأسفار وترتيبها، وأول من قام بهذا العمل الجليل صموئيل النبي الذي كرس حياته للخدمة الدينية “وقضى صموئيل لإسرائيل كل أيام حياته” (1صم 7: 15) فقام بترتيب التوراة والأسفار التاريخية.
مرحلة جمع الأسفار النبوية والشعرية وقام بها عزرا الكاتب بعد العودة من السبي.
مرحلة الترجمة السبعينية حيث تم جمع وترتيب وترجمة أسفار العهد القديم من العبرانية لليونانية.
قام الكتبة منذ العودة من السبي إلى مجئ السيد المسيح بعمل جليل إذ تخصصوا في دراسة وتفسير ونسخ هذه الأسفار المقدسة، وقاموا أيضًا بتقسيم الناموس إلى 54 فصلا بحيث يقرأ فصل كل سبت، فيقرأ الناموس كله خلال العام الواحد، وأيضًا قسموا الأسفار النبوية ولكن بدون التزام بعدد سبوت السنة.
ولا ننسى أن الحاخام يهوذا قام بجمع تقاليد اليهود في شرح التوراة وجمعها في “المشناه” التي تعتبر الجزء الأول من التلمود، وتبعه حاخاموا طبرية الذين جمعوا التعاليم والتفاسير والتعليقات على المشناة في “الجمارا” وهو يمثل الجزء الثاني من التلمود.
فالتلمود يتكون من التوراة + شرح للتوراة (منشاه) + تعليق على الشرح (جمارا) + إضافات لاحقة (توسينته) وتمثل المشناة مجموعة التقاليد الشفاهية التي اعتقد اليهود أن موسى النبي تسلمها رأسا من الله في فترة الأربعين يوما التي قضاها على الجبل، ثم سلمها لتلميذه يشوع بن نون، وظلت تتوارث من السلف للخلف حتى وصلت إلى الحاخام “يهوذا هناسي” في القرن الثاني الميلادي الذي اهتم بتدوينها.
وبذلك صار هناك التوراة المكتوبة (توراة شيبكتاب Torah Shebiktab (والتوراة الشفاهية (توراة شبيل بيه Torah Shenl Peh) وحوت المشناه ست مجلدات، وكل مجلد مقسم إلى عدة فصول، فالمجلد الأول “سيدير زراعيم ” أي كتاب الزراعة، ويتحدث عن كل ما يختص بالزراعة وكيفية جمع المحصول والمساحات التي تترك عند الحصاد للفقراء، ويضم إحدى عشر فصلا.
والمجلد الثاني “سيدير مواعيد ” أي كتاب الأعياد ويشمل واجبات اليهودي في السبت والأعياد والأصوام، ويضم اثني عشر فصلا، والمجلد الثالث “سيدير ناشيم ” ويشمل الحديث عن النساء والزواج والطلاق وبه سبعة فصول، والمجلد الرابع “نزيكين ” ويشمل القوانين المدنية والجزائية والمسئوليات وتشكيل المحاكم ويضم ستة فصول. والمجلد الخامس “قدوشيم ” ويضم إحدى عشر فصلا، والمجلد السادس “طهاروت ” ويضم اثني عشر فصلًا.
أما الجمارا فهي تشمل التعليقات والشروحات على المشناة، وبعد دمار الهيكل سنة 70م لم يعد هناك جدوى من مناقشة الأمور الخاصة بالهيكل، وهناك نوعان من الجمارا الأولى جمار أورشليم التي كتبها الرابي “جوناثان” Jonathan وانتهى منها سنة 230م، وكان قد أمضى ثمانين عاما حاخاما في القدس، وشاركه في الكتابة آخرون، وشملت جمارا أورشليم 39 فصلا من الشروحات على المنشاة، أما الثانية فهي جمارا بابل.
وقد جمعها عدة أشخاص بدءا من الرابي “آشي” Ashe سنة 327م حيث عمل فيها لمدة ستين سنة، وفي سنة 427 م. تابع العمل الرابي ماريمار Maremar ثم الرابي أبينا Abina حيث أتم عملية التجميع بشكلها النهائي سنة 500 م، وضمت جمارا بابل 36 فصلًا، وهي أشمل من جمارا أورشليم، وكان للتوراة معلمين يترجمون من العبرية إلى الآرامية يدعون بالأمورانية، وللتلمود معلمين يجعون بالتناثيم(1).
6- في القرن التاسع الميلادي قام علماء كبرية ولأول مرة بتشكيل النص العبري، وإضافة تفسيرات في الحاشية دعيت بـ”الماسورة” ولذلك دعيت تلك النسخة بالنسخة الماسورية.
7- قام “أمونوس ” أحد علماء الإسكندرية سنة 220 م. بتقسيم الأناجيل إلى أقسام أسوة بما هو متبع في العهد القديم، ثم تم تقسيم أسفار العهد الجديد بنفس الطريقة، وفي سنة 1228 م. قام “ستيفن لانجتون ” رئيس أساقفة كتنربري بتقسيم الكتاب المقدَّس بعهديه إلى إصحاحات، وفي منتصف القرن السادس عشر قام “روبرت استفانس ” بتقسيم طبعة الفولجانا (وهي الترجمة اللاتينية التي قام بها القديس إيرنيموس سنة 390- 405 م.
نقلًا عن العبرية واليونانية، ودعيت بالفولجانا أي الشعبية) إلى إصحاحات وآيات، نشرت سنة 1555 م. فسهلت الدراسة في الكتاب والرجوع السريع للآيات المطلوبة.
ولا يمكن تجاهل دور جمعية التوراة البريطانية الأمريكية في متابعتها للترجمات المختلفة، ومطابقتها مع النصوص القديمة، واستخدام الإصلاحات اللغوية التي تناسب العصر دون الإخلال بالمعنى المراد، وقامت هذه الجمعية منذ نشأتها سنة 1804م وحتى سنة 1970م بتوزيع خمسمائة مليون نسخة من الكتاب المقدَّس.
ومن هنا لا يصح إنكار دور التقليد الشفهي في نقل النصوص المقدسة لنا بأمانة علمية كاملة، ولا يصح التشكيك فيما بين أيدينا من النصوص المقدسة.
ج: ليس المقصود بالتقليد المحاكاة Imitation إنما المقصود به التسليم Tradition وهي ترجمة للكلمة اليونانية παραδόσεις بارادوسيس ‘Paradosis ” وتعنى الأمور المسلمة من يد إلى يد from hand to hand، فهي تحمل معنى العطاء أو التسليم في اليد، وعندما نقول تسلم فلان “مقاليد وظيفته ” فنحن نعنى أن هناك شخصا آخر سلمه مهام وظيفته، وأوضح له كبيعتها وحدودها وسلطاتها، وقد ترجم البروتستانت كلمة التقليد إلى تعليم Teaching كما جاء في (1كو 11: 2، 2 تس 3: 6)، والتقليد نوعان الأول تقليد رسولي وهو ما تسلمته الكنيسة من الآباء الرسل، والثاني تقليد كنسي وهو ما تسلمته الكنيسة من آباء القرون الأولى وكان سائدا ومستقرا في الكنيسة الجامعة، وقد يكون التقليد نظري تفسيري يختص بشرح الإيمان المسيحي، وقد يكون سرائري عملي يختص بالأسرار والطقوس، وشروط التقليد الصحيح أن لا يتعارض مع روح الكتاب المقدَّس، وأن يوافق تعاليم الكنيسة المقدسة الجامعة الرسولية.
والقديس إيريناؤس في القرن الثاني الميلادي كان يرى التقليد مثل نسمة الحياة التي أودعها الله في آدم الإنسان الأول، فيقول الأب جورج فلورفسكي “وكان التقليد في مفهومه (وديعة حية) أعطيت للكنيسة لتكون نسمة جديدة للحياة، مثل نسمة الحياة التي أسبغت على الإنسان الأول (3: 24)”(1) كما رأى القديس إيريناؤس أن الإكليروس هم حراس التقليد فيقول “والأساقفة أو القسوس كانوا حراسا مفوضين في الكنيسة وخداما للحقيقة التي أودعت فيها، ومن عندهم التصرف اللائق الذي لا عيب فيه، ولمن ينطقون بكلام طاهر لا غش فيه، فهؤلاء يحفظون أيضًا إيمانا هذا بالإله الواحد الذي خلق كل شيء، ويكثرون محبتنا لإبن الله الذي أتم تدبيرا عظيما كهذا من أجلنا، ويفسرون لنا الكتاب من دون خطر ولا يجدفون على الله ولا يزدرون البطاركة ولا يحتقرون الأنبياء” (4، 26، 5)(2).
والتقليد أقدم من الكتاب المقدَّس، ففي العهد القديم عرف الإنسان أمورا عديدة خاصة بعلاقته مع الله قبل أن تكون هناك شريعة مكتوبة، فعرف طقس الذبيحة والمذبح منذ أن ألبس الله قميص الجلد لآدم (تك 3: 21) وقدم هابيل من أبكار غنمه وثمانها (تك 4: 4) وقدم نوح من البهائم الطاهرة والطيور الطاهرة (تك 8: 20) وأصعد أيوب الذبائح عن أولاده (أي 1: 5) وكذلك الآباء البطاركة إبراهيم وإسحق ويعقوب. كما عرف الإنسان الكهنوت متمثلا في ملكي صادق (تك 14: 20) وتدشين بيت الله (تك 28: 16- 22) ووصية الطهارة وعدم الزنا (تك 39: 9) وتقديس يوم السبت (خر 16: 29).
وفي العهد الجديد لم يأت السيد المسيح بكتاب مكتوب، ولم يأمر تلاميذه بكتابة الإنجيل، إنما كان منهجه الأساسي هو التلمذة والتعليم، وهكذا أوصى تلاميذه “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم…. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به” (مت 28: 19، 20) وبينما لم يكن هناك إنجيلا مكتوبا أوصى الرب يسوع تلاميذه قائلا “اذهبوا واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها” (مر 16: 15) فهو يقصد بلا شك الإنجيل الشفاهي الذي كان تقليدًا حينذاك.
والتقليد لا يقل في أهميته عن الإنجيل المكتوب، ولذلك يقول القديس باسيليوس الكبير “إن الاعتقادات والكرازات المحفوظة في الكنيسة، منها ما هو مأخوذ من التعليم المكتوب، ومنها ما هو قد تسلمناه مفصلًا من تقليد الرسل، وكلا الأمرين له قوة في العبادة”(3).
وقد أشار الكتاب المقدَّس مرارًا وتكرارًا للتقليد الذي تنكر له كل أرباب النقد، ومن هذه الإشارات ما يلي:
أ- “شكرا لله أنكم كنتم عبيدا للخطية ولكن أطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلمتموها” (رو 6: 17).
ب- فأمدحكم أيها الأخوة على أنكم تذكرونني في كل شيء وتحفظون التعاليم كما سلمتها إليكم” (1كو 11:2) فواضح أن التقليدات (التعاليم) شيء يسلم يدًا ليد.
ج- “وأما الأمور الباقية فعندما أجئ أرتبها” (1كو 11: 34).
د- “وما تعلمتموه وتسلمتموه وسمعتموه ورأيتموه في فهذا افعلوا” (في 4: 9).
هـ- “ثم نوصيكم أيها الأخوة باسم ربنا يسوع المسيح أن تتجنبوا كل أخ يسلك بلا ترتيب وليس حسب التعليم الذي أخذه منا” (2تس 3: 6).
و- “يا تيموثاوس احفظ الوديعة معرضا عن الكلام الباطل الدنس ومخالفات العلم الكاذب الاسم، الذي إذا تظاهر به قوم زاغوا من جهة الإيمان” (1تى 6: 20، 21).
ط- “وأما أنت فأثبت على ما تعلمت وأيقنت عارفا ممن تعلمت” (2تى 3: 14).
ى- “إذ كان لي كثيرًا لأكتب إليكم لم أرد أن يكون بورق وحبر لأني أرجو أن آتى إليكم وأتكلم فما لفم يكون فرحنا كاملًا” (2يو 12).
ك- “وكان لي كثير لأكتبه لكنني لست أريد أن أكتب بحبر وقلم. ولكنني أرجو أن أراك عن قريب فنتكلم فمًا لفم” (3يو 13، 14).
وروح الله القدوس الذي أودع التقليد في الكنيسة هو الذي حفظ هذا التقليد من جيل إلى جيل، ويقول خومياكوف “لا الأفراد ولا مجموعاتهم ضمن الكنيسة حفظوا التقليد أو كتبوا أسفار الكتاب المقدس، بل روح الله الذي يحيا في جسد الكنيسة كله”(4)(5)) وقد وصلت البشارة شفاهة لشعوب عديدة، فيتحدث القديس إيريناؤس عن البرابرة الذين أمنوا مع إن الإنجيل لم يترجم إلى لغتهم فيقول “إلى أي شيء يلتجئ كثير من البرابرة الذين يؤمنون بالسيد المسيح، وقد كتب الخلاص (الإيمان) في قلوبهم بالروح وليس على ورق بحبر، حافظين التقليد بكل حرص”(6).
ويلعب التقليد دورًا هامًا جدًا في تفسير الكتاب المقدَّس تفسيرًا صحيحًا بروح الآباء، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. مما يحفظ للكنيسة وحدانيتها، كما قال القديس أغسطينوس “أنا أقبل الكتاب المقدَّس مسلما من الكنيسة مشروحا بالآباء مُعاشَا في القديسين “لأنه لو تُرِك كل شخص يفسر الكتاب حسب هواه لتعددت الآراء وتضاربت بمقدار تعدد المفسرين، بل إن تفسير الكتاب منفصلا عن التقليد هو الذي أفرز الهراطقة، فالهراطقة هم الذين اعتمدوا في تفسيرهم للكتاب على العقل البشرى المنفرد بعيدا عن روح الكنيسة وفهم الكنيسة وإيمان الكنيسة، ولذلك لا توافق كنيستنا الأرثوذكسية على أن كل إنسان يفسر الكتاب بحسب هواه، وليس بحسب روح الآباء، وحسنا قال أوريجانوس إن التقليد هو مفتاح الكتاب المقدَّس “التلميذ الحقيقي ليسوع هو ذاك الذي يدخل المنزل أي يدخل الكنيسة، فإن من يدخل الكنيسة يفكر ذات فكر الكنيسة ويحيا كحياتها، بهذا يتفهم الكلمة أنه ينبغي أن نتقبل مفتاح الكتاب المقدَّس من التقليد الكنسي كما من الرب نفسه(7). ويقيم القديس أثناسيوس الحجة على خطأ تفسيرات الهراطقة لأنهم بلا آباء وبلا تقليد فيقول “لقد أقمنا البرهان على إن هذه القاعدة قد سلمت من آباء إلى آباء، يدا بيد، فأنتم (أيها الأريوسيون) بأي مؤلف تقدرون أن تستشهدوا لتعليمكم”(8). وقال القديس باسيليوس الكبير إن حذفت التقليد يشوه الكرازة بالإنجيل “إذا حاولنا أن نحذف العوائد غير المكتوبة (التقليدات) لأنه ليست بذات أهمية لا ننتبه بأننا نسئ إلى البشارة في أهم أركانها ونجعل الكرازة الإنجيلية أسماء لغير مسيحي”(9).
_____
(1) الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد ص 100.
(2) الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد ص 100.
(3) أورده القس بولا عطية في كتابه رؤية أرثوذكسية نحو الكنيسة ص 163.
(4) روسيا والكنيسة الروسية ص 198.
(5) أورده الأب جورج فلورفسكي في كتابه الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد ص 57.
(6) أورده القس بولا عطية في كتابة رؤية أرثوذكسية نحو الكنيسة ص 162.
(7) أورده القس بولا عطية في كتابه التقليد الكنسي ودوره في الكنيسة الجامعة جـ 2 ص 42.
(8) أورده القس بولا عطية في كتابه التقليد الكنسي ودوره في الكنيسة الجامعة جـ2 ص 64.
(9) ورده القس بولا عطية في كتابه التقليد الكنسي ودوره في الكنيسة الجامعة جـ 2 ص 65.
المسيح – كيف عرفنا يسوع المسيح – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح
المسيح – كيف عرفنا يسوع – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح
كيف عرفنا يسوع – مصادر معرفتنا عن يسوع المسيح
ما هي الأناجيل
في البابين الأولين من هذا الكتاب، ذكرنا الكثير عن حياة المسيح وتعليمه، ولكننا لم نتحدث إلا القليل جداً عن الكيفية التي عرفنا بها يسوع المسيح. ومن الطبيعي أن الصورة التي تخيلناها عنه قامت على أجزاء العهد الجديد التي تحدثت عن حياته وعمله، وهي الأسفار الأربعة التي نطلق عليها “الأناجيل” والتي ترتبط عادة بأسماء: “متى ومرقص، ولوقا، ويوحنا.
إلا أنه يتعين أن يكون واضحاً الآن أنه في فهمنا للأناجيل قمنا بعمل عدة افتراضات، وبشكل أو بآخر، تخيلنا صورة يسوع المسيح التي قدمت هنا. وعلى سبيل المثال، افترضنا أن الأناجيل ليست سيراً ذاتية للمسيح، بقدر ما هي عرض لمختارات من نواحي حياته وتعليمه التي بدت ذات أهمية بالغة لأولئك الذين كتبوها لأول مرة. وعلاوة على ذلك، افترضنا أن هناك الكثير من التداخل والتكرار في الروايات العديدة لحياة يسوع، ولذلك ربما يستخدم إنجيل لتوضيح أو تفسير التعليم الذي ورد في إنجيل آخر.
ثم لمحنا أيضاً إلى أنه من الممكن في الواقع معرفة شيء عن يسوع المسيح من دراسة الأناجيل، وأنه على الرغم من أنها فعلاً من نتاج الكنيسة الأولى، إلا أنها لا تحدثنا عن كاتبيها فقط، بل عن يسوع المسيح نفسه.
وقد حان الوقت الآن لدراسة بعض هذه الافتراضات، بشيء أكثر تفصيلاً لشرح الأسباب التي دفعتنا على افتراضها، ولاستكشاف تداعياتها.
ما هو الإنجيل؟
لماذا ندرس الانجيل
القارئ الحديث الذي يرى أحد الأناجيل لأول مرة قد يعتقد أنه يشبه إلى حد كبير سيرة ذاتية للمسيح. إلا أن لمحة خاطفة لأي منها، ستبين أن الأمر ليس كذلك. فالسيرة الذاتية الجيدة تبدأ عادة برواية عن سنوات طفولة الشخصية التي تتناولها، ثم تعرض بالتوالي إلى مرحلة المراهقة ثم البلوغ، كي تبين كيف نما الشخص الناضج استجابة للتأثيرات المختلفة في بداية حياته والبيئة التي نشأ فيها.
وعلى النقيض من ذلك، نرى أن التأكيد الرئيسي في الأناجيل لا ينصب على مجرى حياة يسوع المسيح، بل على أحداث الأسبوع الأخير منها على وجه التقريب. وهذه سبقتها تقارير عن تعليم يسوع، ورواية عن بعض الأحداث القليلة ترجع إلى فترة الثلاث سنوات السابقة لوفاته، مع عدم أي ذكر في الواقع لطفولته وفترة مراهقته. ولو كانت هذه سيرة ذاته، فإنها لا ريب سيرة ذاتية غير عادية.
وبمقدورنا وبمنتهى السهولة أن نعرف حقيقة الأمر بالرجوع إلى الأناجيل ذاتها. وعوض أن نحاول تصنيفها كما يفعل أي أمين مكتبة الآن، علينا أن نسأل، ماذا اعتقد كاتبوها بخصوص ما يفعلون وهم يكتبونها؟ لنأخذ على سبيل المثال إنجيل مرقص، وهو الإنجيل الذي يعتقد بوجه عام أنه أقدم الأناجيل الأربعة. والكتاب يصف عمله في العبارة الافتتاحية على أنه “بدء إنجيل يسوع المسيح”[1].
وهذا القول يأتي كعنوان أو مقدمة لما سيتبعه، ونجد هنا كلمتين هامتين لفهم الغرض من هذا الإنجيل، والكلمتان هما: “بدء” و”إنجيل”. وكلمة “إنجيل” هي ببساطة ترجمة لكلمة مرقص اليونانية “Evangilion” وقد اختيرت أساساً لأن للكلمتين معنى واحد هو: “أخبار سارة”. إذاً، فقد كان مرقص يكتب عن “بدء الأخبار السارة”.
وماذا يعني هذا؟ لقد سمع مرقص وكتبة الأناجيل الأخرى “الأخبار السارة” عن يسوع المسيح [2]. ولقد تقبلوا مصداقيتها واعترفوا بالمسيح كسيد لحياتهم[3]. ومرقص نفسه أصبح بناء على ذلك منخرطاً بشكل عميق في عمل الكنيسة، وتضمن جزءًا هاماً من عمله كلاً من الكرازة وتعليم الرسالة مما غير مجرى حياته هو شخصياً[4].
والكرازة والتعليم المشار إليهما سجلا في العهد الجديد، وفي صيغته الأساسية الخالصة يتكون من أقوال لخصها “دود” في تعريفه في كتابه “الكرازة الأولى”.
وبالنسبة لمرقص ومعاصريه لم تكن هذه الرسالة مجرد ذكر للحقائق المتعلقة بالإيمان المسيحي، بل كانت بمعنى أهم “الأخبار السارة” لإيمانهم، لأنهم فيما قبلوا دعوتها للتوبة وجودها اختبار تغيير حياة.
ولذلك حين وصف مرقص إنجيله بأنه “بدء الأخبار السارة” فهو بهذا كان يقول إن هدفه هو أن يصف المرحلة الأولى من تطور الرسالة التي استجاب لها هو وآخرون. والقصة التي يرويها تشكل جزءًا هاماً لا يتجزأ من قصتهم واختبارهم كمسيحيين، وكان للوقا غرض مماثل: فهو يكتب ليعرف قراءه المضامين الكاملة للرسالة المسيحية التي كثيراً ما سمعوا عنها[5]. والواقع أن لوقا شعر أنه من الواجب عليه أن يؤكد استمرارية حياة الكنيسة بحياة المسيح، وذلك بكتابة سفر آخر (سفر أعمال الرسل) ليجعل القصة كاملة تماماً.
وحين نطلق على كتبة الأناجيل لقب “إنجيليين” فإننا بذلك نصف قصدهم الحقيقي. لأنهم كانوا مهتمين بالدرجة الأولى بأن يوصلوا رسالتهم عن يسوع المسيح إلى معاصريهم، ثم بعد ذلك – بصفة ثانوية – يتناولون الاهتمامات العادية لكاتب السيرة، ولو أنهم لم يهتموا بهذه النقطة الأخيرة. وهذه الحقيقة لها على الأقل ثلاث نتائج هامة لفهمنا للأناجيل التي كتبوها:
يجب النظر إلى الأناجيل على اعتبار أنها تتضمن أقوالاً أو أحداثاً انتقائية تتعلق بحياة يسوع المسيح وتعليمه. وفي كرازتهم للرسالة لا ريب أن الرسل وآخرين تحدثوا عن أحداث من حياة المسيح بنفس الطريقة التي قد يستخدم بها الكارز الحديث توضيحات ملائمة لتفسير نفس النقاط اللاهوتية التي يعرض لها.
ولا ريب أن مرقص والإنجيليين الآخرين كانوا قد سمعوا عن هذه الأحداث التي استعملت لتوضيح كثير من المواعظ، وضمنوها أناجيلهم لأغراض مماثلة وبشكل أوسع. والواقع أن “بابياس Papias” وهو أباء الكنيسة الأولى زعم أن إنجيل مرقص يتكون من مادة استخلصت من كرازة بطرس نفسه.
وحقيقة أن المعلومات التي تتضمنتها الأناجيل التي استعملت أولاً لتوضيح رسالة الكنيسة تفسر لنا أيضاً بعض الصعاب التي كثيراً ما نستشعرها عما يبدو لنا من عدم اكتمال بعض روايات الإنجيل. وإذا جمعنا بين الأناجيل الأربعة معاً فبالكاد تحوي المعلومات الكافية لتسجيل ثلاث سنوات من حياة أي شخص، فما بال أن يكون هذه الشخص نشيطاً كالمسيح، إلا أنه إذا ما عرفنا أن المعلومات المتوافرة لنا قد حفظت بسبب ارتباطها بحياة أولى الكنائس، سنفهم بسهولة السبب في أن الكثير مما كنا نود معرفته قد ترك دون تدوين.
وهذا يفسر لنا السبب في أننا لا نجد أي ذكر في العهد الجديد لطفولة يسوع المسيح المبكرة، بل ولا أية أوصاف بالنسبة لشبهه أو من أية نوعية من الأشخاص كان. ولو كان الإنجيليون يكتبون لمجرد إشباع فضول الناس ورغبتهم في معرفة كل شيء عن يسوع المسيح، لضمنوا أناجيلهم هذه النوعية من المعلومات. ولكن هذا لم يكن قصدهم، لأنهم كانوا مهتمين بصفة أساسية بربح الناس للإيمان بربهم وسيدهم، ولهذا السبب لم تكن مثل هذه التفاصيل تهمهم من هذه الناحية.
إذا كانت الأناجيل توضيحات للكرازة الرسولية، فهذا معناه أن ليس بوسعنا النظر إلى محتوياتها على اعتبار أنها قصص بسيطة عن يسوع المسيح. فلا بد وأن يكون لها صلة وثيقة بالفكر اللاهوتي لكتاب الإنجيل. وقد جاء وقت انتشرت فيه فكرة افتراض أنه من الممكن أن نستخلص من الإنجيل صورة لمعلم جليلي بسيط، غيرها بولس وآخرون في وقت لاحق إلى رسالة لاهوتية عن ابن الله.
إلا أنه أصبح من المعروف الآن، وعلى نطاق واسع أن الأناجيل نفسها هي بذاتها من بين أكثر الوثائق اللاهوتية الهامة للكنيسة الأولى، وأن الحقيقة هي أنها ليس بوسعنا إطلاقاً اكتشاف صورة للمسيح كمعلم بسيط من الجليل. وبقدر ما استطعنا الرجوع إلى المصادر القديمة، فإن يسوع المسيح الذي وجدناه على صفحات العهد الجديد هو دائماً شخص يزعم لنفسه أموراً عظيمة، ويدلي بأقوال محددة عن علاقة الإنسان بالله. وكل تعاليمه، وكل حدث سجلته الأناجيل يتضمن بصفة خاصة شيئاً لاهوتياً يريد قوله لنا.
ç وكما سبق لنا القول، فإنه إذا كان كتبة الأناجيل قد اختاروا مادة للكتابة ليخدموا أهدافهم الشخصية، فمعنى هذا أنه قد يكون بوسعنا اكتشاف شيء عنهم وعن قرائهم بمقارنة اختيار كل منهم للمعلومات المتعقلة بالمسيح واستخدامه لها. وبالنسبة للأناجيل الثلاثة الأولى بمقدرونا عمل ذلك بكل يسر، لأنها على وجه التقريب تروي لنا نفس القصة وبنفس الترتيب، وكل منها يكرر أجزاء كبيرة من المادة التي نجدها في الأناجيل الأخرى.
وبمقارنة الطرق المختلفة التي استخدم بها كل من متى ومرقص ولوقا أعمال يسوع المسيح وتعليمه في رواياتهم، يمكننا بسهولة أن نعرف شيئاً عنهم والوضع الذي عاشوا وعملوا فيه.
وعلى هذا، فإنه لكي نفهم الأناجيل فهماً تاماً فإن ذلك يشكل عملية معقدة. فنحن نحتاج إلى معرفة السبب في أن الإنجيليين كتبوا بالطريقة التي كتبوا بها، ومتى كان ذلك. فإننا سنحتاج إلى محاولة فهم الطريقة التي جمعوا بها مادتهم، ولماذا استخدموها بطريقة معينة دون أخرى. كما أننا علينا أن نتذكر وبصفة دائمة أن أناجيلهم لم تكتب إلا بقصد المهمة الكرازية للكنيسة: وهي لم تكتب كسيرة ذاتية أو تاريخ، أو حتى كمادة لاهوتية بالمعنى المألوف.
الكرازة والكتابة
هناك سؤال واضح يمكن طرحه فيما يختص بالأناجيل وهو: من أين استقى كُتاب الأناجيل معلوماتهم، وما الذي عملوه بها؟ وللوهلة الأولى قد يبدو هذا سؤالاً خارجاً إلى حد ما عن الموضوع، أو نوعاً من تسلق قمة جبل إفرست بالنسبة للاهوتي، يجب عليه قهرها لا لشيء سوى أنها موجودة. لكنه سؤال مفيد يؤدي إلى فهم مقنع لطبيعة الأناجيل. فتتبع مصادر كاتب ما وفحص أسلوبه في استخدامها يمكن أن يشكل جزءًا هاماً لفهم ما يقوله.
فإذا كنا نعرف ما يعلمه، فبإمكاننا أن نفهم وبوضوح أكثر، ما الذي يهدف إليه. وإذا أسأنا فهم طريقته، فمن المحتمل تماماً أننا سنفشل في فهم رسالته الأساسية.
وبالنظر إلى أنه من المؤكد أن الأناجيل قد كتبت في سياق كرازة الكنيسة الأولى، فلنا أن نتوقع وجود بعض إلماحات إلى أصلها، وذلك بفحص رسالة الكنيسة. وهذا ما يتضمن بالضرورة ثلاثة موضوعات رئيسية، أولاً: الإنجيل المسيحي مرتبط بالمواعيد المذكورة في العهد القديم. ثانياً: سلسلة من الأقوال عن يسوع المسيح وأهميته. وأخيراً: كانت هناك دعوة للناس أن يتوبوا أو يقبلوا الرسالة.
نصوص العهد القديم
بدأت الرسالة بالقول إن المواعيد التي تضمنها العهد القديم قد تحققت في حياة يسوع المسيح. وفي ملخصات العهد الجديد لهذه الكرازة، كثيراً ما يقدم هذا القول بطريقة عامة إلى حد ما. إلا أنه في مواقف الحياة الواقعية لا بد وأنه كان إعلاناً جاء أكثر وضوحاً. فأي شخص ملم بالعهد القديم لن يقتنع إلا بعد أن يعرف تماماً ما هي النبوات التي كان من المفترض أن تتم بالمسيح. ونعرف من دليل آخر من بين الأعمال المفضلة لدى اليهود هي جمع قوائم لفقرات العهد القديم التي سيتممها المسيا حين يأتي.
وعلى سبيل المثال نجد أن أهل قمران كانوا يحتفظون بمثل هذه القوائم، وهكذا فعلت جماعات يهودية أخرى. وهذه القوائم يشير إليها العلماء عادة بكلمة “شهادات”.
وهناك عدد من الإشارات في العهد الجديد بأن قوائم النصوص هذه كان المسيحيون يستعملونها بشكل منتظم منذ البداية. فنجد في إنجيلي متى ويوحنا كثيراً من نصوص العهد القديم قد ذكرت للاستشهاد بها، مع إشارة إلى أنها تحققت في حدث معين في حياة يسوع المسيح. ومع ذلك ومما هو لافت للنظر أنهما بالكاد يستعملان نفس الفقرات. ولعل ذلك يرجع إلى أنهما كانا يستعملان مجموعات مختلفة من الشهادات.
كذلك في بعض رسائل بولس، نجد أيضاً نصوصاً من العهد القديم جمعت معاً في فقرات متصلة فيما يبدو أنها جاءت عشوائية، ومن المعقول أن نعتقد أن بولس وجدها أساساً وهي مجمعة معاً تحت نفس العنوان في مجموعة نصوص العهد القديم الخاص به. ولعل جمع هذه النصوص من العهد القديم كان من أوائل النشاط الأدبي للكنيسة المسيحية. فقد كانت من أجل تسهيل عمل الكارزين المسيحين، حتى يكون بمقدورهم أن يستشهدوا بنماذج معينة منها لدعم أقوالهم بأن يسوع المسيح أكمل مواعيد العهد القديم الخاصة بالمسيا.
كلمات يسوع
إن العنصر الرئيسي في الكرازة Kyrgma هو سلسلة الأقوال التي ذكرت عن يسوع المسيح نفسه. ومن المؤكد أنه في الأيام الأولى من وجود الكنيسة لم يكن من المستطاع إعلان الرسالة إلا بإشارة عابرة إلى حياة المسيح وتعليمه. ذلك أن معظم المسيحيين كانوا أصلاً من اليهود، وكانت الكنيسة لا تزال شيعة محلية فلسطينية، ولا بد أن كثيرين في فلسطين قد عرفوا شيئاً عن المسيح، مهما كان قليلاً.
إلا أنه لم يمر وقت طويل إلا وكان المرسلون المسيحيون ينتشرون في أماكن خارج فلسطين، حاملين تعليمهم إلى أجزاء الإمبراطورية الرومانية حيث لم يكن أحد يعرف شيئاً عن يسوع. ولا بد أنه كان من الضروري في هذه المرحلة، بالنسبة للكارزين بالأخبار السارة أن يضمنوا رسالتهم بعض المعلومات الحقيقية عن يسوع المسيح نفسه، حتى وإن اقتصرت على أحداث موته وقيامته.
وما أن يصبح الناس مسيحيين إلى ويحتاجون إلى تعليم بخصوص إيمانهم الجديد. وهذا التعليم يتضمن معلومات عن المعتقدات المسيحية، وكذلك نصيحة عن السلوك المسيحي من النوعية التي كثيراً ما نجدها في رسائل العهد الجديد. ومن مصادر هذا التعليم الواضحة والهامة لا بد وأن تكون الأقوال التي يذكرون أن يسوع المسيح نفسه قالها. وليس من الضروري أن تقدم هذه كمعلومات عن يسوع، وهذا ما نستطيع معرفته من نصيحة بولس إلى أهل رومية (12-13). فالكثير مما يقوله قريب جداً من تعليم يسوع المسيح في العظة على الجبل حتى أنه من الصعب الاعتقاد أن الاثنين لم يستندا إلى نفس المصدر.
ومع ذلك لم يقل بولس مطلقاً إن نصيحته مستمدة من تعليم المسيح نفسه. وهناك أجزاء أخرى من كتابات بولس تبين أيضاً أن تقاليد تعاليم يسوع المسيح كانت معروفة لدى كنائس الأمميين الأولى[6]. لذلك فمن المحتمل جداً أنه قبل كتابة الأناجيل بصورتها الحالية بوقت طويل كانت أقوال يسوع المسيح قد جمعت معاً كدليل لإرشاد المعلمين في الكنيسة الأولى. ولا شك أنه كان هناك عدد من مجموعات تعليم يسوع المسيح هذه، عملت لأغراض ومناسبات مختلفة في حياة الكنيسة، والدارسون كثيراً من يطلقون على هذه المجموعات كلمة “Logia” أي أقوال السيد المسيح.
وعلاوة على الاعتبارات العامة السابق ذكرها، هناك العديد من المبررات الأساسية الهامة للاعتقاد بأن هذه كانت من أول أنماط الكتابة المسيحية عن يسوع المسيح.
ç ونعرف أنه كانت توجد مجموعات لاحقة من هذه النوعية، حتى بعد كتابة أناجيل العهد الجديد بفترة طويلة. وهناك عدد من قصاصات البرديات التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث الميلادي، والتي وجدت في البهنسا في مصر، تحتوي على أقوال للمسيح، بعضها مختلف عن تلك الموجودة في الأناجيل.
وقد وجد كتاب كامل لمثل هذه الأقوال مكتوب باللغة القبطية تم العثور عليه في مصر. وقد عرف باسم “إنجيل توما”. وهو يحتوي على أقوال للمسيح ليست موجودة في العهد الجديد، ومع ذلك قد تكون حقيقية. ومع هذا وسواء كانت حقيقية أم لا، فإن هذه الوثائق لا تظهر بوضوح تام أنه كان من عادة الكنيسة الأولى أن تعمل هذه المجموعات الخاصة بأقوال السيد المسيح.
ç وفي الفترة 130-140م، كتب بابياس أسقف هيرابوليس، Papias the bishop of Hierapolis كتاب “شرح أقوال الرب” من خمسة أجزاء. ومع أن معظم هذا الكتاب مفقود الآن، إلا أنه لدينا بالفعل قصاصات قليلة منه على شكل مقتبسات وردت في كتابات أناس آخرين. وإذا كتب بابياس عن “متى قال إنه جمع أقوال المسيح “Logia” باللغة العبرية، وكل واحد فسرها بحسب ما استطاع. والمقصود بهذا القول على وجه الدقة أمر غير مؤكد، لكن معظم الباحثين يعتقدون أن اللوجيا “أقوال يسوع المسيح ” التي يشير إليها هي مجموعة من أقوال المسيح وليست السفر الذي نعرفه باسم “إنجيل متى”.
ç تنظيم المادة في الأناجيل كثيراً ما تشير إلى أن أقوال يسوع المسيح جمعت معاً قبل أن توضع في سياقها الحالي. وهناك مجموعات كثيرة من الأقوال بينها الصلة ضعيفة، ولا تشكل أي حجة مترابطة منطقياً. على سبيل المثال الأقوال عن الملح في إنجيل مرقص، تبدو في الواقع مختلفة تماماً بعضها عن بعض، ولعلها جمعت معاً لمجرد أنها كلها تذكر الملح[7].
ç ثم أمامنا العظة على الجبل بكاملها[8]. ولو حاول أي شخص في أي عصر أن يكتشف حجة الموعظة سيدرك استحالة المهمة، لأنها لا تتضمن حجة مترابطة منطقية. وما لدينا هو مجموعة تعاليم للمسيح جمعت معاً لأنها كلها تتناول مجموعات أخلاقية. ولكنها لا تتواصل بنفس الطريقة التي يتوقع أن تكون عليها العظة الحديثة. وطبقاً لما يقوله بروفسور جيرمياس Jeremias، أن السبب في ذلك يرجع إلى أن العظة في الأصل كانت تشكل مجموعة من أقوال يسوع المسيح، نظمت على هذا النحو لكي تكون سهلة التناول بالنسبة للمنضمين حديثاً في الإيمان المسيحي.
ç وهناك سبب قوي لافتراض وجود مجموعات من أقوال يسوع المسيح في وقت مبكر من تاريخ الكنيسة، يتمثل في حقيقة أنه كان لدى متى ولوقا كمية كبيرة من المادة المشتركة بين إنجيل كل منهما، ولكنها لا توجد إطلاقاً في إنجيل مرقص[9]. وتكاد هذه المادة تتكون في جملتها من تعاليم يسوع، ولكنها تتضمن أيضاً قصة عماده[10]. كما تتضمن التجربة وقصة معجزة واحدة هي شفاء عبد قائد المئة[11]. والتفسير العام المقبول لهذه المادة المشتركة هو أن متى ولوقا، استعمل كلاهما نفس مجموعة أقوال يسوع وأدمجها كل منهما في إنجيله[12].
والمفسرون يطلقون على هذه الأقوال المصدر (َQ). وربما كانت وثيقة مكتوبة، أو ربما تكون مجموعة من التقاليد الشفهية. ومن المؤكد أن وجودها في شكل ما أمر حقيقي، ولا سيما أن محتوياته تشابه إلى حد كبير مجموعات الأقوال النبوية التي نجدها في العهد القديم. وإلى جانب كلمات النبي التي تجمع معاً ويقوم تلاميذه بتحريرها، فإن الأسفار النبوية كثيراً ما تتضمن أيضاً رواية عن دعوة النبي، وحدثاً أو اثنين من الأحداث البارزة في حياته.
وهذا هو بالضبط ما نجده في التقليد المسمى (Q). فنجد قصة معمودية المسيح وتجربته في البرية (اللتان يمكن القول إنهما بمثابة دعوته)، كما نجد توضيحاً لأكثر أنشطته النمطية: معجزة وشفاء. إلا أن التأكيد الرئيسي إنما يكون على تعليمه.
وبناء على الدليل الذي تم جمعه حتى الآن، بوسعنا الاستنتاج انه من بداية وجود الكنيسة كان اهتمامها الرئيسي منصباً على نوعيتين من الكتابة هما: الشهادة Testimonia وأقوال يسوع المسيح Logia. ولعلهم أيضاً كان لديهم مخطط مشترك متفق عليه بالنسبة لمجرة حياة المسيح وتعليمه. إلا أنه قبل وقت طويل بدأت تبرز الحاجة إلى ضرورة جمع كل هذه المادة معاً في صورة تقبل الاستمراربة بشكل أكثر. وهذه العملية لم تتم بالطبع بين عشية وضحاها.
والواقع أنها ربما لم تكن في الحقيقة منفصلة على الإطلاق، بل كانت مجرد توسع وإكمال للعمل الذي سبق أن بدأ بعمل مجموعات من “الشهادة” و”أقوال يسوع”. غير أن المحصلة النهائية تمثلت في الوثائق الأربع التي نعرفها الآن بأسماء: إنجيل متى وإنجيل مرقص، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا.
وضع الأناجيل معاً
الأناجيل الثلاثة الأولى تسمى “المتشابهة Synoptics” لأنها تتشابه إلى حد كبير، والطريقة ذاتها التي حول الكتبة بها “أقوال يسوع” إلى أناجيل هي أساس مشكلة التشابه Synoptic Problem”.
وهذه الأناجيل في الواقع ما هي إلا ثلاث طبعات مختلفة لنفس المادة الأساسية تقريباً. وكثير من هذه التشابهات يمكن بالطبع تفسيره بافتراض أن هؤلاء الإنجيلين كانوا يستعملون نفس مجموعة الأقوال التي كانت متداولة بين مجموعة مختلفة من المسيحيين. ولكن التشابهات أكثر من ذلك تعقيداً، لأنه توجد أمثلة كثيرة جداً، حيث استعملت الأناجيل الثلاثة نفس اللغة بعينها من حيث المفردات اللغوية والتركيبات النحوية، الأمر الذي حمل معظم الباحثين على الاعتقاد بأنه لا بد وأنهم كانوا يستعملون نفس المصادر المكتوبة.
أما التفسير الذي قيل بوجه عام فيما يتعلق بهذه التشابهات فيتمثل في “نظرية المصدرين” والتي تفترض أن متى ولوقا استخدما نفس وثائق المصدرين في كتابة قصتيهما عن حياة يسوع المسيح وتعليمه. وكانت هذه هي المصادر التي نعرفها الآن بإنجيل مرقص والمصدر المفترض (Q). ومن المؤكد بالطبع، أن لوقا على الأٌقل استخدم مصادر متنوعة في كتابة إنجيله، ذلك لأنه يقول صراحة إنه فحص عمل أناس آخرين، واختار منها تلك الأجزاء التي كانت تناسب هدفه من الكتابة. وعلى ضوء العلاقات الأدبية الوثيقة بإنجيلي مرقص ولوقا، يبدو أن متى استخدم نفس الأسلوب في كتابة إنجيله.
وإذ توصل الباحثون إلى استنتاج أن متى ولوقا استخدما إنجيل مرقص كمصدر لهما، فقد حللوا نص الأناجيل الثلاثة المتشابهة مستخدمين على الأقل خمس معايير مختلفة:
ç الصياغة: مقارنة الكلمات المستخدمة في نصوص مختلفة تعد طريقة بسيطة جداً لتحديد العلاقة الأدبية بينها. وأكثر من نصف المفردات اللغوية المستخدمة فعلاً في إنجيل مرقص، نجدها متضمنة في إنجيلي متى ولوقا، وكلاهما يحتويان على أجزاء متطابقة لا نجدها في إنجيل مرقص. ولذا فإنه من الواضح أنه كان هناك مصدر واحد معروف لهم جميعاً، كما أن هناك مصدر واحد استخدمه متى ولوقا فقط.
ç الترتيب: إذا اتفقت ترتيب أحداث في قصة موجودة في أكثر من إنجيل واتفقت الأجزاء التي بها نفس الصياغة، نستطيع أن نخطو خطوة إلى الأمام ونفترض وجود مصدر مشترك اتبع ترتيبه واستخدمت كلماته بواسطة الإنجيليين الثلاثة جميعاً. وهنا أيضاً يوجد دليل كاف على هذا. فإن متى ومرقص ولوقا اتبعوا كلهم نفس الترتيب العام للأحداث. فهم يبدأون بخدمة يوحنا المعمدان، ثم ينتقلون إلى الحديث عن معمودية المسيح وتجربته في البرية.
بعد هذا تأتي خدمة عمل المعجزات والتعليم في الجليل، والتي بدأت تثير مقاومة من الرؤساء اليهود. ثم يقوم المسيح برحلات صوب الشمال ليعطي تعليماً لتلاميذه على انفراد. وأخيراً يتوجهون إلى أورشليم، ونجد قصة أيامه الأخيرة هناك، محاكمته، صلبه، ثم قيامته.
وفي هذا الإطار العام، هناك أحداث معينة سجلت أيضاً في كثير من الأحيان بنفس الترتيب.
وسمة الأناجيل المتشابهة هذه، تتضح على أفضل نحو إذا افترضنا أن إنجيلي متى ولوقا كانا يستخدمان إنجيل مرقص، كمصدر لهما وليس العكس. لأنه مما يلفت النظر أنه حين يخرج متى عن نهج نظام مرقص، نجد أن لوقا يحتفظ بنفس ترتيب مرقص، وحين يخرج لوقا عن نظام مرقص، نجد أن متى يتبع نهج مرقص. وهناك حدث واحد يضعه كل منهما بنظام يختلف عن ترتيب مرقص وهو: تعيين الاثني عشر[13].
فأحياناً يتخلى متى أو لوقا عن نمط قصة مرقص كي يضيف شيئاً جديداً[14]، غير أنهما بعد هذه الإضافة يعودان إلى النقطة التي في إنجيل مرقص، والتي كانا قد توقفا عندها[15]. وهذه من أقوى الدعامات التي تدعم الاعتقاد أن متى ولوقا استخدما إنجيل مرقص وليس العكس.
ç المحتويات: تحليل محتويات القصص كشف أيضاً عن استخدام مصادر مختلفة. فإذا سجل أحد الكتبة نفس القصة بنفس الكلمات والترتيب الذي استخدمهما كاتب آخر، فإنه يكون بوسعنا افتراض إما أن أحدهما استخدم عمل الآخر، وهذا ما حدث بالنسبة للأناجيل المتشابهة، فمن بين 661 آية الموجودة في إنجيل مرقص، نجد في متى منها 606 آيات بنفس صيغتها، ونصفها أيضاً نجده في إنجيل لوقا.
ç الأسلوب: هذا معيار صعب جداً من ناحية استعماله بطريقة مرئية، فأسلوب الكاتب يمكن أن يعتمد على أمور كثيرة، ومنها الوضع الذي يكتب أثناءه، والقراء الذين يقصدهم، وما إذا كان يستخدم سكرتيراً أم لا، وهكذا.
ومن المؤكد أن هناك اختلافات بارزة في الأسلوب بين مرقص والإنجيلين المتشابهين الآخرين. وإنجيل مرقص، على وجه العموم، كتب بلغة يونانية أقل مستوى من اللغة التي كتب بها الإنجيلان الآخران. على سبيل المثال، تراه كثيراً ما يصف الأحداث بالفعل المضارع التاريخي (يستخدم الفعل الحاضر للحديث عن شيء وقع في الماضي). ومع ذلك نجد أن متى ولوقا يستخدمان دائماً الفعل الماضي، وهذه بالطبع هي الصيغة الأدبية الصحيحة.
وكثيراً ما ثار الجدل بأن هذا الاختلاف يبين أن متى ولوقا كانا يستخدمان إنجيل مرقص – وليس العكس – وهي حقيقة مؤكدة أنه إذا كان مرقص قد اطلع على إنجيلي متى ولوقا لكان يعد أمراً شاذاً للغاية أن يقوم بتغير قواعد النحو الجيدة بأخرى رديئة.
ولكن هذه الحجة تعتمد على افتراض أن الإنجيليين استخدموا مصادرهم بطريقة خرقاء، حيث كانوا ببساطة ينقلون النص كلمة كلمة. غير أنه ليس هناك باحثون كثيرون ممن يتبعون مصدراً بحذافيره بحيث يسمحوا لأسلوبه بأن يعتم على أسلوبهم. وإذا كان مرقص ضعيف الكتابة باليونانية، فإن قواعد لغته المستعملة ستكون رديئة سواء كان ينقل عن مصدر آخر أم لا.
ولسوف نكون على صواب حقاً حين نلاحظ أنه في ثمان حالات سجل فيها مرقص أقوالاً للمسيح باللغة الآرامية، لا نجد لها مثيلاً في لوقا. ولا نجد سوى مثالاً واحداً لها في متى. والاحتمال الأكيد هو أن متى ولوقا حذفا الأقوال الآرامية، إلا أن مرقص تعمد ذكرها.
ç الأفكار واللاهوت: إذا أمكن بيان أن قصة أحد الأناجيل تتضمن فكراً لاهوتياً أكثر تطوراً من قصة أخرى، هنا يبدو من المعقول النظر إليها على أنها أحدث الاثنين. ويبدو هذا اختباراً بسيطاً، غير أنه من السهل تطبيقه من الناحية العملية، فكثيراً ما يكون من الصعب التأكد من أن ما يبدو أنه اختلاف في الوضع يكون بالفعل اختلافاً حقيقياً. وعلى أي حال، من الذي يحدد ما هو “فكر لاهوتي متطور”، وكيف لنا أن نكون واثقين أن هذا لا بد وأن ينتمي إلى وقت لاحق ولا يرجع إلى نظرة “أولية”؟
وحين نتذكر أن فكر بولس المتطور بدرجة عالية، كان موجوداً بالتأكيد في الوقت الذي كانت تتشكل فيه الأناجيل، وهنا يكون بوسعنا أن ندرك أن تحديد مثل هذه الاختلافات، وعلاقة ترتيبها الزمني بعضها ببعض، لا بد وأن يكون أمراً موضوعياً للغاية.
وهناك بالطبع عدد من التأكيدات المختلفة في الأناجيل. إلا أنه من الصعوبة أن نعرف على وجه اليقين ما هي أهميتها من ناحية كتابة الأناجيل. فعلى سبيل المثال، يبدو أن متى ولوقا عدلاً أو حذفاً أقوالاً معينة جاءت في إنجيل مرقص يمكن الاعتقاد أنها تشين يسوع. فقول مرقص الفظ إن المسيح في الناصرة: “لم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة”[16]، جاء في متى على هذا النحو: “ولم يصنع هناك قوات كثيرة”[17]، أما لوقا فقد حذف هذا القول بجملته.
ونفس الشيء يقال عن سؤال المسيح في إنجيل مرقص: “لماذا تدعوني صالحاً”[18]، جاء في متى على النحو التالي: “لماذا تسألني عن الصالح”[19]، بحسب إحدى الترجمات.
وهذه النقاط الخمس ليست جميعها على نفس القدر من الأهمية. فهناك صعبات في تقدير قيمة الاثنتين منها على الأقل. ولكنها إذا أُخذت معاً فإن محصلة الدليل الذي تشكله يمكن تفسيره بسهولة إذا افترضنا أن متى ولوقا استخدما قصة مرقص، إلا أن متى كان الإنجيل الأساسي الذي لخصه مرقص والذي اختار منه لوقا بعض المقتطفات.
مصدران أم أربعة
وما ذكر حتى الآن عن الطريقة التي يمكن أن تكون الأناجيل قد كتبت بها يمكن أخذه على أنه تقريباً الرأي الذي اتفق عليه باحثو العهد الجديد بشكل عام. وعلى الرغم من أنه قد توجد نقاط اختلاف بالنسبة للتفاصيل، إلا أن أغلبية من الخبراء اتفقوا على الخطوط العريضة للحقائق.
وبالإضافة إلى فكرة أن الأناجيل المتشابهة تعتمد بصفة أساسية على مصدرين: إنجيل مرقص والمصدر (Q) فقد قيل إن هذين لم يكونا المصدرين الوحيدين اللذين اعتمدت عليهما أناجيلنا. وكان “ستريتر B. H. Streeter” هو أول دارس بريطاني يقدم الحجج، على أن متى ولوقا استخدم كلاهما إنجيل مرقص، ولكنه ذهب إلى أبعد من ذلك، وقال إنه لكي نفهم كل تفاصيل الأناجيل (المتشابهة) فنحن في حاجة إلى نظرية أكثر دقة، لا تتناول مصدرين فحسب بل أربعة مصادر أساسية.
فإلى جانب إنجيل مرقص والمصدر (Q) حدد مصدرين أطلق عليها الحرفين (M) و(L). والواقع أن هذه المادة هي ببساطة ما تبقى من قصص متى ولوقا بعد استبعاد المادة من مرقص ومادة المصدر (Q). غير أن “ستريتر” قال إن مجموعتي المواد هذه كانت هي نفسها تشكل مصدرين منفصلين ولكن مترابطين منطقياً، ومن أصل مستقل.
مسودة لوقا
يبدأ “ستريتر” ملاحظاته من حقيقة أنه يبدو أن متى ولوقا استعملا إنجيل مرقص بطرق مختلفة، فمتى اتبع بشكل دقيق ترتيب إنجيل مرقص وإطاره العام، مع أنه في ذات الوقت كثيراً ما كان يعيد كتابة المادة الفعلية، وغالباً ما كان يوجز المادة المأخوذة من إنجيل مرقص لإفساح المجال لمزيد من المعلومات الإضافية. كان من شأن ذلك أن إنجيل متى بدا بالأحرى مثل طبعة جديدة ومبكرة من إنجيل مرقص. أما بالنسبة للوقا فكان الأمر مختلفاً. ففي حين أن متى انتفع تقريباً بك المادة الموجودة في إنجيل مرقص، نجد أن إنجيل لوقا لا يحتوي إلا على نص مادة إنجيل مرقص.
والأكثر من هذا أن “ستريتر” اكتشف أنه إذا ما نحينا جانباً كل المادة المأخوذة من مرقص من إنجيل متى نجد أن المادة المتبقية غير مترابطة، وينهار السفر إلى قطع متناثرة. ولكننا إذا فعلنا الشيء نفسه بإنجيل لوقا، فلسوف تبقى لنا قصة معقولة متماسكة ومتواصلة. وهذا ينطبق بصفة خاصة على القصص المتعلقة بموت يسوع وقيامته في إنجيل لوقا، والتي يبدو أنها دعمت بمعلومات من إنجيل مرقص، ولم تتخذ قصة مرقص أساساً لها.
ولذلك يرى “ستريتر” أنه قبل أن يكتب إنجيل مرقص كان لوقا قد كتب مسودة أولى لإنجيله، تقوم على أساس مجموعة الأقوال التي تضمنها المصدر (Q)، والمادة التي أطلق عليها الحرف (L) والتي تعلمها من الكنيسة في قيصرية حيث أقام بها حينما كان بولس في السجن (أع 23: 23 – 27: 2).
وأطلق “ستريتر” على هذه المسودة الأولى للإنجيل “مسودة لوقا Porto-Luke”، وقال إنه حين كان لوقا مقيماً في روما في تاريخ لاحق بعد ذلك بقليل، تعرف على إنجيل مرقص الذي كان قد كتب في السنوات التي تخللت ذلك، وقد ضمن مقتطفات منه في مسودة إنجيله التي كانت موجودة معه بالفعل، والتي أطلقنا عليها “مسودة لوقا”. وفي الوقت ذاته، ربما كان قد أضاف أيضاً المقدمة (لوقا 1: 1-4) وقصص ميلاد المسيح في الأصحاحين الأول والثاني.
وهناك عدد من الحقائق تتناسب تماماً وهذه النظرية. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما يذكر لوقا قصة مختلفة تماماً عن نص القصة الموجودة في إنجيل مرقص. فقصة رفض يسوع في الناصرة تعد مثالاً طيباً لذلك (مرقص 6: 1-6؛ لوقا 4: 16-30). ومن الواضح أن الإنجيلين كليهما يذكران نفس الحدث، غير أن قصة لوقا أكمل بكثير ومن ثم فمن الواضح أنه لا بد وأن يكون قد استخدم مصدراً مختلفاً للمعلومات التي ذكرها.
ثم إن هناك الطريقة التي وضعت بها أقسام صغيرة من قصة مرقص وبنفس ألفاظها تقريباً في وسط مادة أخرى في إنجيل لوقا، وتظهر كما لو أنها وضعت في وقت لاحق تقريباً، ومما يلفت الانتباه أيضاً أن كماً كبيراً من المعلومات التي تضمنها إنجيل مرقص محذوفة بكل بساطة في لوقا.
وينادي “ستريتر” بأنه إذا كان لوقا قد عرف بأمر عمل مرقص حين قام بعمل أول مسودة لإنجيله، لكان قد أضاف إليها المزيد من مادة مرقص. كذلك كثيراً ما لوحظ أن إنجيل لوقا يبدو وكأن له بدايتين. هناك بدايته الحالية (1: 1-4)، ولكن بعد قصص ميلاد يسوع، يبدو أنه يبدأ من جديد في (3: 1) مع تأريخ لوقا بحرص لخدمة يسوع، التي اتبعها بقائمة أسلافه في (3: 23-38). ويوضح “ستريتر” هذه السمة غير الطبيعية بافتراضه أن (3: 1) كان يشكل البداية الأصلية “لمسودة لوقا”، التي استهلها لوقا بعد ذلك بما يعرف الآن بالأصحاحين 1، 2 من إنجيله.
وأهمية نظرية “ستريتر” فيما يتعلق بالطريقة التي كتب بها لوقا إنجيله تكمن في حقيقة أنه إذا كان هناك بالفعل ما يسمى بمسودة لوقا فإنها ستشكل مصدراً مبكراً مستقلاً آخر لمعرفتنا لحياة يسوع وتعليمه. ومع ذلك فإن هذا لم يلق ما يشبه الموافقة الشاملة على الرغم من أن الكتاب المعاصرين قبلوا وجهة النظر هذه بشكل آو بآخر.
ولعل من أضعف النقاط في هذا الاقتراح هو ما افترضه عن طبيعة تقاليد الإنجيل في الكنيسة الأولى. ذلك أن “ستريتر” افترض أننا نتعامل مع عملية أدبية محددة على وجه حسن. وهو يميل إلى النظر إلى الإنجيلين كمحرري صحف، وقد جلسوا وأمامهم عدداً من المصادر المكتوبة يستخرجون منها أجزاء عديدة من الوثائق المختلفة.
وكان هذا يشكل مفهوماً شعبياً في الوقت الذي كتب فيه “ستريتر” اقتراحه (1924)، وكان يطبق على نطاق واسع على دراسة العهدين القديم والجديد، غير أن البحث اللاحق أثبت أن هذا تبسيط مفرط للموضوع، وربما كان لوقا على معرفة بالمادة المأخوذة من مرقص، ولكن ليس من خلال إنجيل مرقص بشكله الحالي.
وهذا أيضاً يشكل نقطة ضعف في اقتراحات أخرى قدمها “ستريتر”، فقد جادل ليس فقط في أنه يمكن تعريف أربعة مصادر تشكل خلفية للأناجيل المتشابهة، بل قال أيضاً إن كل منها قامت بتقديم تقاليد حياة يسوع وتعاليمه، كما حفظت في الأماكن الأربعة الأكثر أهمية في المسيحية الأولى: مرقص كُتب في روما، المصدر (Q) كُتب في أنطاكية، المصدر (M) في أورشليم، والمصدر (L) في قيصرية. ومع ذلك، هناك عدد من الصعاب التي تكتنف هذا الرأي.
افترض “ستريتر” أن المصدرين L وM مصدرين مترابطين منطقياً. ولكن هذا الأمر يصعب التمسك به. فحين أبعدت المادة المرقصة، ومادة المصدر (Q) من إنجيل متى، فما تبقى لم يشكل مجموعة مترابطة بأي شكل كان. ونفس الشيء يقال وبدرجة أقل عن المصدر (L)، والذي هو عبارة عن إنجيل لوقا بعد استبعاد مادة المصدر (Q) والمادة المأخوذة من مرقص.
يبدو أن هذه النظرية تفترض نوعاً من التعاقب الخطي في تطور الأناجيل، والذي بواسطته تقدم التقاليد من أشكال بدائية تقريباً إلى جمع أناجيلنا الأربعة الحالية بتطور أدبي خالص.
إلا أنه أصبح من المعروف الآن وعلى نطاق واسع، أنه ليس بوسعنا أن نتحدث بعد بثقة كبيرة عن هذه النوعية من التطور من قصص بدائية إلى قصص أكثر حنكة.
أضواء جديدة على مشاكل قديمة
ربي والهي – هل آمن توما بلاهوت المسيح حينما قال ربي والهي؟ Trent Horn
كثير من تركيز الدارسين للعهد الجديد الآن ينصب على هجر فكرة التحليل الآلي للأناجيل. ومع أن نظرية المصدرين الخاصة بأصل الإنجيل لا تزال مقبولة على نطاق واسع، إلا أن عدداً من الأسئلة الجديدة بدأ يطرح الآن على الساحة، بعضها قد يكون له تأثير حاسم على فهمنا للطريقة التي تم كتابة العهد الجديد بها.
وبين آونة وأخرى يتواصل طرح الأسئلة حول نظرية المصدرين نفسها، هل كان إنجيل مرقص فعلاً أول ما كتب من الأناجيل؟ وهل من الضروري حقاً افتراض أن المصدر (Q) يمثل مجموعة محددة من أقوال يسوع، أم أنها مجرد مجموعة غير مترابطة من التقاليد التي كانت معروفة لكل من متى ولوقا؟ وبالنظر إلى قوة الدليل لكل من أسبقية المادة المأخوذة من مرقص، والشكل الثابت لمصدر (Q)، فالأمر يتطلب حججاً قوية جداً لدحض وجهة النظر العامة.
والتشابهات اللفظية واللغوية الوثيقة بين الأناجيل المتشابهة الثلاث يبدو أنها تتطلب أن يكون إنجيل مرقص هو الأول، وأن المصدر (Q) له شكل ثابت تقريباً. وإذا تقبلنا الاقتراح القائل أن المصدر (Q) له شكل مماثل لشكل الكتابة النبوية في العهد القديم، إذاً لا بد وأن شكله كان له مادة مكتوبة أيضاً.
والفكرة الأقدم الخاصة بتطور خطى من الشهادة Testimonia وأقوال يسوع Logia والكرازة Kerygma إلى إنجيل تام، أصبحت الآن مصدر تساؤل. وما نعرفه عن الكنائس الأولى يوحي أنها كانت في الغالب مستقلة عن بعضها البعض. ولذلك فإن الكنائس في مختلف أنحاء الإمبراطورية الرومانية، كانت تتطور بحسب قدرتها، ومن المحتمل تماماً أن المسيحيين في المواقع الجغرافية المختلفة لن يكونوا في نفس مرحلة التطور في ذات الوقت.
وهذا معناه أنه ليس واقعياً افتراض أنه في مختلف التقاليد عن يسوع كانت هناك فترة كان كل الاهتمام فيها مركزاً على جمع أقوال يسوع، وأن هذه الفترة اتبعت بعد ذلك بفترة نشاط أدبي مكثف تم كتابة الأناجيل أثناءها. ومن المحتمل أن نمط المعلومات المعروفة عن يسوع الآن في أية كنيسة، كان يختلف بحسب احتياجات كل كنيسة على حدة.
وكان لذلك تأثير هام على موضوع تحديد تاريخ الأناجيل. وإذا كانت هناك ضرورة لافتراض تاريخ طويل للتطور من اللوجيا (أقوال يسوع) إلى الإنجيل، هنا يجب أن نأخذ في الاعتبار وقتاً لهذا عند تحديدنا تواريخ الأناجيل. ولكن إذا كانت أقوال يسوع والإنجيل كلاهما تكون في نفس الوقت، لمواجهة متطلبات الكنائس المختلفة، هنا لا يكون هناك سبب يحول دون نسبة تاريخ الأناجيل سابق إلى حد ما عن التواريخ المعتادة.
وثمة نقطة أخرى أثيرت فيما يتعلق “بالتطور اللاهوتي”، الذي يقول البعض إنه يمكن تتبعه في الأناجيل. ولقد أشار د. جون روبنسون Dr. John Robinson في كتابه “إعادة تحديد تواريخ العهد الجديد” أن الفكر اللاهوتي المصقول لا يشير بالضرورة إلى تاريخ أقدم بأكثر مما يشير إلى ذلك الفكر اللاهوتي البدائي.
وعلى سبيل المثال، فإن إنجيل مرقص بلا شك أقل تعقيداً من إنجيل يوحنا، وكان هذا من بين الأسباب (وليس بالطبع السبب الوحيد) التي تم الاستناد إليها في نسبة تاريخ قديم بصفة عامة إلى إنجيل مرقص، واعتبار يوحنا آخر الأناجيل. ولكن هذا يتطلب بالطبع تقدماً متطوراً مباشراً بالنسبة لكل الأناجيل.
ومع ذلك، فإنه إذا ما كانت الأناجيل المختلفة قد كتبت لخدمة احتياجات كنائس مستقلة وفي أماكن مختلفة، فليس من العسير أن الكنائس ذات الفكر اللاهوتي البدائي لابد وأنها كانت موجودة في ذات الوقت إلى جانب كنائس ذات عقيدة راسخة، وعلى هذا فإن تطور الفكر اللاهوتي، لا يشكل بالضرورة مفهوماً نافعاً للغاية في دراسة الأناجيل المتوافرة لنا الآن.
ولذلك يوجد عدد من الأسئلة الجديدة التي طرحت عن الأناجيل في أيامنا هذه، وهو من نوعية أصعب إلى حد ما عن تلك التي طرحتها الأجيال الأولى. فقد صار من المعترف به على نطاق واسع الآن، بغض النظر عن الجهة التي استقيت منها المعلومات، فإن كل إنجيلي كتب ما هو بالضرورة عمل أصلي، مميز من نواح هامة عن عمل أي من الآخرين، وكثير من اهتمامنا مركز الآن على “ما” كان الإنجيليون يعملون، وليس على معرفة كيف كانوا يعملونه. وهذا سؤال يتطلب إجابة لاهوتية لدعم الاكتشافات الأولى لنقاد الأدب.
نقاد الصيغ
ما أن قبلت نظرية المصدرين على نطاق واسع باعتبارها أكثر التفسيرات احتمالاً بالنسبة “للصناع” المختصين بكتابة الإنجيل، إلا وانهالت سلسلة عريضة من الأسئلة الجديدة، لأن عزل المصادر المختلفة التي كان يستخدمها الإنجيليون في كتابة قصصهم عن حياة يسوع وتعليمه، لم يجب إلا على السؤال: من أين جاءت الأناجيل؟ إلا أنه هناك سؤال آخر: من أين جاءت مصادرهم؟ وماذا كان يحدث للتقاليد التي كانت تتحدث عن يسوع خلال الفترة بين موته وقيامته، وحفظها كتابة في الأناجيل؟
لقد خطرت هذه الأسئلة على فكر بعض الباحثين في ألمانيا حتى قبل أن ينشر “ستريتر” كتابه العظيم عن مصادر الإنجيل.
وفي محاولتهم الإجابة عليها، استخدموا طريقة جديدة لتحليل أسفار الكتاب المقدس وأطلقوا عليها عبارة “تاريخ الصيغ” إلا أنه يشار إليها عادة في اللغة الإنجليزية بعبارة “نقاد الصيغ”. تم تطبيق هذا الأسلوب أولاً على العهد القديم بواسطة هيرمان جونكل Herman Gunked وهو مفكر ألماني، وعلى الرغم من أن بعض باحثي العهد الجديد البارزين كانوا الأسرع في معرفة مناسبته لدراسة الأناجيل. وكان أشهر هؤلاء ك. ل. شميدت K. L. Schmidt، م. ديبليوس M. Dibelus، ر. بولتمان R. Bultmann.
ولقد بدأ هؤلاء من ملاحظة أن الأدب القديم بصفة عامة يتطلب صيغة أدبية معينة، تعتمد على نوعية الكتابة. ولقد تم اختبار هذا المبدأ بطريقة متقنة للغاية في دراسة الكتابات الشعبية التقليدية لشمال أوروبا، التي يمكن تصنيفها إلى قصص خرافية، تاريخ، سير ذاتية، حكم وما إلى ذلك، وذلك بكل بساطة بملاحظة الطريقة التي كتبت بها. وقد افترض نقاد الصيغ أن نفس الشيء ينطبق على العهد الجديد.
فوحدات التقليد التي كون الإنجيليون منها أناجيلهم، كما يقولون، تطلبت صيغاً أدبية معينة للموقت الحياتي التي استخدمت فيها في الكنيسة الأولى. وعلى ذلك فبفحص الصيغة الأدبية لقصة ما، ادعوا أنهم قادرون على اكتشاف الاستخدام الأساسي لها من خدمة تعليم الكنائس الأولى.
وإذا أمكن عمل ذلك بنجاح، فلسوف يشكل ذلك عوناً قيماً لفهمنا للأناجيل. لأنه إذا كان بمقدورنا معرفة شيء عن استخدامات تقاليد الإنجيل في الكنيسة الأولى، نكون في وضع جيد لفهم علاقتها بحياة الكنيسة، من ثم نكتشف معناها الأساسي.
ومع ذلك، فإنه مما يؤسف له أن الذين درسوا الأناجيل بهذه الطريقة أخفقوا في الاتفاق عند نقطة واحدة حاسمة. فلا يوجد اتفاق مقبول على نطاق واسع عن أي الأنماط الأساسية يمكن أن توجد بالفعل في الأناجيل. ولقد ادعى مارتن ديبليوس أنه قادر على تمييز خمسة أشكال مختلفة، كل منها يتناغم مع موقف معين في حياة الكنيسة الأولى. غير أن اثنين فقط من بين هذه الأشكال الخمسة لم يعترف بهما إطلاقاً على نطاق واسع من قبل مفكرين آخرين وهما: الأمثلة والحكايات.
الأمثلة: وقد أطلق عليها فنسنت تايلر Vincent Taylor – وهو أحد نقاد الصيغ الإنجليز – “قصص إعلان”. وهذا التعبير يشير بشكل أدق إلى محتوياتها، لأنها على وجه العموم قصص صغيرة تصل في ذروتها إلى قول رائع قاله المسيح، أو قيل عنه، وطبقاً لما يقوله ديبليوس يرجع أصل هذا الشكل إلى الكنيسة الأولى التي استخدمت فيها مثل هذه القصص كأمثلة وتوضيحات.
وثمة قصة إعلان نمطية نجدها في الحدث الذي قطف فيه يسوع المسيح بعض سنابل القمح يوم السبت، وفسر عمله لليهود بقوله: “السبت إنما جعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت. وابن الإنسان هو رب السبت أيضاً” (مرقص 2: 23-28؛ متى 12: 1-8؛ لوقا 6: 1-5). وقصص من هذا القبيل كثيراً ما كانت تقال في الوعظ قبل أن تكتب في الأناجيل بوقت طويل. ونقاد الصيغ يميزون بشكل عام بين سمتين رئيسيتين في مثل هذه القصص:
ç دائماً تختتم بقول رائع للمسيح، وطبقاً لما يقوله البعض، كان هذا يعد وسيلة مفضلة لدى وعاظ الكنيسة الأولى. وفي حين أن الواعظ الحديث يبدأ عادة بالنص الذي اختاره، وربما احتفظ الرسل بنصهم إلى النهاية كي يستخدموه كذروة طبيعية لما حدث قبلاً.
ç وهذه قصص تحتوي على معلومات وصفية قليلة جداً، مجرد حقيقة بسيطة إلى أقل قدر ممكن لتهيئة الوضع للعنصر البالغ الأهمية وهو قول يسوع المسيح. وحين تقال أية قصة شفاهة فهناك أمران يمكن أن يحدثا لها. إما أنها تبلى من كثرة التكرار حتى إنه لا يتبقى منها إلا أكثر الحقائق ضرورة، ويعبر عنها بطريقة موجزة ورائعة. وإما أن يتم توضيحها أثناء سردها، وذلك حيث يضاف إليها المزيد من التفاصيل حتى تكتسب المزيد من الواقعية والإثارة. وطبقاً لما يقوله معظم نقاد الصيغ، فقد بقيت القصص المتضمنة إعلانات ولم يتبق منها إلا الضروريات عوض أن توضع أثناء تسلمها.
الحكايات: أطلق عليها تايلور Taylor قصص المعجزات، على الرغم من أنها لم تكن جميعاً مهتمة بالمعجزات. وكما يقول ديبليوس فإن الملح المميز لهذه القصص أنها توضحت ولم تبل أثناء تداولها. والواقع إنه يقول إن هذه القصص ربما وضعت في صياغتها الحالية بواسطة شخص من نوعية معينة في الكنيسة الأولى “راوي القصة” والذي كانت وظيفته صياغة قصص عن يسوع المسيح على نفس نمط قصص آلهة اليونان. وكانت قصصاً قصد بها أن تربح متجددين في الإيمان المسيحي بتوضيحها أن المسيح أسمى من الآلهة الأخرى.
ولا يوجد بالطبع أي شيء في العهد الجديد يشير إلى أمثال هذا الشخص. ومما يلفت النظر بوجه خاص أن بولس الذي ذكر أكثر من قائمة بأسماء أناس لهم وظائف خاصة في الكنيسة، لم يذكر إطلاقاً رواة قصص (1كو 12: 1-11؛ 28-30؛ رو 12: 6-8؛ أف 4: 11).
وربما تكون التفصيلات الرائعة في هذه القصص مأخوذة من مصدر مختلف تماماً. ولعلها كانت رواية شهود عيان، كانوا يتذكرون في الواقع تفاصيل كل الأحداث التي كانوا يصفونها، وبالنظر إلى حقيقة أن الأناجيل نفسها لم تكتب إلى بعد مرور ما لا يقل عن جيل على الأحداث التي تصفها، فمن الصعوبة تصديق أي رواة قصص محترفين أمكنهم بكل سهولة أن يخترعوا تفاصيل خيالية في الوقت الذي كان فيه كثيرون من شهود العيان الذين عاصروا يسوع المسيح ما زالوا على قيد الحياة.
ولقد عين ديبليوس ثلاث صيغ أخرى للقصة في الأناجيل، غير أن باحثين كثيرين لم يقبلوا رأيه بشأن هذه النقطة. وهذه الصيغ هي:
الخرافات: يشبهها ديبليوس بالقصص التي كثيراً ما ترتبط بقديسي العصور الوسطى. وعرفها بأنها “قصص دينية عن قديس تم الاهتمام بأعماله ومصيره”… والغرض منها تقديم أساس لتكريم القديس. ولا يحتاج الأمر اختلاق هذه القصص، على الرغم من أن ديبليوس يقول إنها تختلق في معظم الأحيان، ووظيفتها تمجيد الشخص الذي بصفة لا أن تقدم أية معلومات حقيقية عنه.
الأساطير: وهو الاسم الذي خلعه ديبليوس على أية قصص تتضمن شخصيات أو أحداث خرافية. وقصص العماد والتجربة والتجلي تنخرط تحت هذه النوعية.
النصائح التحذيرية: كانت بالضرورة التعليم الذي تضمنته الأناجيل، وكانت تستخدم لتعليم المتجددين في الكنيسة الأولى، وتابع آخرون دراسة قصص الأناجيل بعد العمل الرائد الذي قام ديبليوس، وليس من شك في أن هذا ألقى بعض الضوء على أصل الأناجيل. فهناك عدد من الأفكار الرائعة التي نسلم بها الآن جاءت كنتيجة مباشرة لعمل نقاد الصيغ.
ç وبمقدورنا أن ندرك الآن أنه لم يقصد بالأناجيل أن تكون سيراً ذاتية للمسيح. بل هي رواية منتقاة من أجزاء معينة من حياته وتعليمه حفظت لنفعها لخدمة الكنائس الأولى.
ç وبسبب هذا، أصبح من المعروف الآن أن تفاسير الأناجيل مرتبطة بشكل وثيق بالمفهوم الكلي للكنيسة الأولى. ولكن لنفهم علاقة الأناجيل ومعناها، ترانا في حاجة إلى فهم الأشخاص الذين كتبوها.
ç وهذه العملية أدت بدورها إلى فهم إيجابي مؤقت لما كان يدور في الفترة السابقة على كتابة أي من وثائق العهد الجديد، حيث كان تعليم يسوع المسيح يفسر ويطبق على مواقف جديدة في حياة أتباعه.
ولا شك أن هذه الأفكار لها قيمتها، ولا يجب التقليل من أهميتها – ولا سيما الرأي الأول، والذي أثر بشكل جذري في أسلوب تناولنا للأناجيل من جميع نواحيه. ومع ذلك يوجد عدد من النقاط كان عمل نقاد الصيغ بالنسبة لها أقل فائدة. وهناك ثلاثة انتقادات رئيسية يمكن توجيهها لعملهم. ولا سيما في الفترة المبكرة.
الصيغة والمحتوى: الكثير من تصنيفات ديبليوس كانت تعتمد في الواقع، ليس على الصيغة الأدبية، بل على المحتوى. فعلى سبيل المثال، لا يوجد سبب أساسي لوصع القصص التي تتضمن شخصيات خارقة في نوعية مختلفة عن القصص الأخرى. وإذ كانوا يضعون مثل هذه النوعية من التفريق كان نقاد الصيغ متأثرين بافتراضاتهم المسبقة القائمة على مذهبهم العقلاني.
وكما سبق أن ذكرنا، فإن اثنتين فقط من صيغ ديبليوس تم الاعتراف بهما، بل وأن بعض الباحثين شككوا فيما إذا كانت هاتين الصيغتين واضحتين على هذا النحو. هناك أمثلة عديدة لا نجد فيها فرقاً واضحاً بين الأمثال والحكايات وكثير من مادة الإنجيل يصعب تصنيفها. وحين يكون الاتفاق ضئيلاً بالنسبة لماهية الصيغ بالفعل، لا يمكن أن تتوافر لدينا ثقة كبيرة في التراكيب التي قامت عليها.
التقليد والإنجيل:
هناك مشكلة أساسية أخرى، وهي أن نقد الصياغة أقيم على افتراض أن تطور كتابة العهد الجديد يماثل تطور الفولكلور في شمالي أوربا. غير أنه توجد اختلافات هامة بين الاثنين. ولقد رأت الكنيسة الأولى أن مهمتها الرئيسية هي الكرازة بالأخبار السارة عن يسوع المسيح، وليس تسليم قصص تقليدية. فقد كانوا مهتمين بالحاضر بأكثر من اهتمامهم بالماضي.
وفيما يتعلق بموضوع اهتمامهم بالماضي، فقد كان ذلك ينصب على الماضي القريب، وليس – كما في حالة التقاليد الأوروبية – بالماضي السحيق الذي تم نسيانه منذ أمد طويل. ومعرفة الكنيسة بيسوع لم تأت من قصص تقليدية كانت تسلم من جيل إلى جيل، بل من التجربة المباشرة لبعض أعضائها، وهذا معناه أن المجال الفعلي لتطور التقاليد إلى صيغ معيارية لا بد وأنه كان في الحقيقة محدوداً للغاية.
الصيغ والحقائق:
كثيرون من نقاد الصيغ لم يكتفوا بإبداء ملاحظاتهم على الصيغة الأدبية للأناجيل، بل نزعوا إلى إصدار أحكام تاريخية على محتوياتها، على أساس نقد الصيغ. إذ يشير أرنست كيزمان Ernst Kasemann إلى نقاد الصيغ الأولي فقد كتب يقول إن عملهم الأساسي “كان يستهدف بيان أن رسالة يسوع المسيح كما قدمتها الأناجيل المتشابهة، ليست أصلية في معظم أجزائها بل غلب عليها إيمان المجتمع المسيحي البدائي في مراحله المختلفة.
وهذا الهدف واضح حتى من الأسماء التي أطلقها ديبليوس على بعض الصيغ التي اكتشفها كانت عبارتي “أسطورة” و”خرافة” من الكلمات التي تحمل معان كثيرة – بل أنه حتى في مناقشته ما أسماه “بالحكايات”، تكاد تكون بديهة أساسية عنده أنه بالنظر إلى وجود تشابهات أدبية بالقصص التي قيلت عن آلهة الوثنيين، هي الأصل الأساسي للقصص التي ذكرت على يسوع المسيح.
ولكن نقدين هامين يمكن توجيههما لهذا الإجراء:
ç الدليل المستمد من “صيغة أدبية ليس له قيمة على الإطلاق في صياغة الأحكام التاريخية. وهذا يصبح واضحاً تماماً إذا ما أخذنا مثالاً ما. فنحن في أيامنا هذه لا نفرق بوجه عام بين أنماط مختلفة للقصة بإعطائها صيغاً أدبية خاصة.
وقد عرض بروس F. F. Bruce مثالاً نافعاً بالمكان الوحيد الذي ما يزال القصة صيغة معينة. وهذا يكون في ساحة القضاء. فحين يدلي شرطي بشهادته في المحكمة، فهو لا يدلي بقصة أدبية بليغة عما رآه، بل نراه يلتزم وبشكل وثيق بقدر الإمكان بصيغة محددة – حتى إنه، بغض النظر عن التغيرات الخاصة بتفاصيل مختلفة – فإن وصف حادثة وقعت في الطريق سيبدو على وجه التقريب – كوصف أي حادثة أخرى – والأمل هو أنه باستخدام صيغة قالب Stereotyped، فإن أهم الحقائق يمكن إنجازها على نحو دقيق وبقدر الإمكان.
وما من عاقل يعتقد بأنه نظراً لأن الشرطي يصف حادثين بلغة متطابقة، فإنه كان يدلي بقصة مختلفة لحدث واحد فقط، ناهيك عن القول بأن أي منهما لم يحدث في الواقع، وأن الأقوال مختلفة من صيغة قانونية مألوفة. وسواء كان الحدث قد وقع أم لا، فإن هذا يعتمد على محك من نوعية مختلفة تماماً. ونفس الشيء ينطبق على الأناجيل. فليس بوسعنا أن نصدر ببساطة حكماً عن مصداقيتها التاريخية على أساس صياغتها الأدبية.
هناك أيضاً عدد من الأسباب القوية تدعو للشك في أن الكنيسة الأولى اختلقت قصصاً عن يسوع، كما زعم بعض نقاد الصيغ:
أولاً: هناك موضوع شهود العيان. وكثيرون منهم لا بد وأنهم كانوا على قيد الحياة في الوقت الذي كتبت فيه الأناجيل، والذين كانوا قد عارضوا كل الأحداث المختلفة والتي نسبت إلى حياة يسوع، ثانياً: ثمة افتراض أساسي لديبليوس وبولتمان هو أن الكنيسة الأولى لم تبذل أي جهد للتمييز بين تعليمها وتعليم يسوع المسيح. وعلى أي حال، هم يجادلون، بأن روح يسوع كان عاملاً في الكنيسة، وما قاله الرسل باسمه كان يعد شيء قاله يسوع المسيح أثناء خدمته.
ولكن هذا الاستدلال لا يدعمه العهد الجديد نفسه. لأن هناك أمثلة كثيرة أظهر كتابها أنهم ميزوا بالفعل بين تعليمهم وتعليم يسوع المسيح. وأبرز مثال على هذا نجده في (1كو 7)، حيث خرج بولس عن طريقه ليميز بين آرائه وكلمات يسوع. لكنه حتى في الأناجيل نفسها نجد أمثلة حيث التعليقات التحريرية للإنجيلين قد توضحت تماماً عن تعليم يسوع المسيح (مر 7: 19).
ثانياً: ثمة حقيقة أخرى تشير إلى نفس الاتجاه وهو الفرق بين الأناجيل وبقية العهد الجديد. فعلى سبيل المثال، دعي يسوع المسيح “ابن الإنسان” في الأناجيل، مع استثناء واحد وهو أن هذا اللقب وجد في موضوع آخر في العهد الجديد. وفضلاً عن ذلك فالموضوعات التي تناولتها الأناجيل ليست هي نفس الموضوعات التي أزعجت كتبة الرسائل. لنأخذ على سبيل المثال موضوع العلاقة بين اليهود وغير اليهود.
كانت هذه مسألة ملحة في الكنيسة الأولى، ولكن الأناجيل لم تتعرض لها في أي موضوع منها. وهذه الحقائق تشير إلى أن الكنيسة لم تشعر أنه لها الحرية إطلاقاً أن تضع أفكارها وتنسبها إلى يسوع المسيح، بل كانت إلى حد كبير تهتم بحفظ التقاليد التي تسلمتها من فترة سابقة.
هناك نقاد صيغ أكثر حداثة تعرفوا على هذه المشاكل في عمل أسلافهم وأصبحوا الآن لا يهتمون بالموضوعات الأدبية الشكلية. وموضوع مصداقية الأناجيل يفصل الآن فصلاً تاماً وبشكل تدريجي عن نقاد الصيغ. وبعد ذلك جاء تطور آخر هو من بعض النواحي يعد وريثاً لنقد الصيغ السابق. وهذا هو النظام الذي عرف باسم “نقاد التنقيح”.
ومع معرفتنا أن تاريخ الأناجيل لا يشبه تماماً تاريخ الفولكلور الأوروبي، أصبح من الواضح، أن أفضل سؤال نافع يمكن طرحه عن الأناجيل يجب أن يركز على كيفية استعمال الإنجيليين للمواد التي في مصادرهم. ما الذي كان يفعله هؤلاء الناس فيما كانوا يكتبون أناجيلهم؟
ولماذا احتاجوا أن يكتبوا أربعة أناجيل بدلاً من أن يكتبوا إنجيلاً واحداً متفقاً عليه؟ وما هي الظروف الخاصة التي سادت كنائسهم والتي حملتهم على الكتابة بهذه الطرق المعينة التي اتبعوها؟ هذه هي الأسئلة التي يحاول نقاد التنقيح الإجابة عليها. وهذا تطور حديث نسبياً في دراسة الأناجيل، ولا توجد على أية حال أية نتائج متفق عليها بعد. إلا أن كثيراً من توجهاته سيكون لها قيمة في الفصل التالي، وهو اكتشاف معنى وجود أناجيل مختلفة وأهمية ذلك.
“لو لم يحرّكني سلطان الكنيسة الجامعة لما أمنت بالإنجيل”
(أوغسطين، ضد الرسائل المانيّة، 1، 1)
القديس فكنديوس والتقليد
كان قول القديس فكنديوس الليرنسي الشهير: “يجب أن نحفظ ما آمن الجميع به دائماً وفي كل مكان” (Commonitorium،2) ميزة رئيسة في موقف الكنيسة القديمة من الأمور الإِيمانيَّة. وهذا القول كان مقياساً مبدأ في الوقت نفسه. وكان التشديد الحاسم يقع هنا على استمرار التعليم المسيحي. والحق، أن القديس فكنديوس احتكم إلى “المسكونية” المزدوجة في الإيمان المسيحي -في المكان والزمان. فهذا الرؤية الكبيرة هي التي ألهمت القديس إيريناوس في أيامه: لقد انتشرت الكنيسة الواحدة في أرجاء العالم، لكنَّها تتكلَّم بصوت واحد وتحفظ الإيمان نفسه في كلّ مكان، كما سلَّمه الرسل الأطهار وحفظه وتعاقب الشهود، هذا الإيمان “الذي حُفظ في الكنيسة من أيام الرسل بواسطة تعاقب القسوس”.
هذان الوجهان للإيمان، بل بعدهما، لن ينفصلا، لأن “المسكونية” (universitas) و”القِدَم” (antiquitas) و”الإجماع في الرأي” (consensios) أمور متكاملة وليس أحد منها مقياساً صالحاً في حدِّ ذاته. لم يكن “القِدَم” في حدِّ ذاته ضمانة كافية للحقيقة إذا لم يثبِّته “الإجماع في الرأي” عند “القدماء”. و”الإجماع” في حد ذاته لم يكن باتّاً ما لم ترجع جذوره بشكل مستمر إلى الرسل. يقول القديس فكنديوس: نحن نعترف بالإيمان الحقيقي عن طريق الالتجاء إلى الكتاب المقدَّس والتقليد، “عن طريقين… أولاً عن طريق سلطان الكتاب المقدس، ومن ثمّ عن طريق تقليد الكنيسة الجامعة”.
لكن هذا الأمر لا يشير إلى وجود مصدرين للعقيدة المسيحية، لأن قانون الكتاب كان “تاماً” و”كافياً” في حدِّ ذاته ولأن “كل الأشياء (في الكتاب) كاملة وأكثر من كافية”. فماذا يجب أن يُكمَّل “بسلطان” آخر؟ ولماذا كان الرجوع إلى سلطان “الفهم الكنسي” ضرورياً؟ لقد كان السبب واضحاً وهو أن كلّ مسيحي شرع في تفسير الكتاب بشكل مختلف، “لدرجة أن المرء يكاد يصل إلى الانطباع بأن هناك معاني مختلفة بمقدار عدد الناس”.
ولذلك قاوم القديس فكنديوس تعدّد الأفكار “الخاصة” بفكر الكنيسة “الواحد”، فكر الكنيسة الجامعة، فقال إنه يجب أن “نوجِّه تفسير كتب الأنبياء والكتابات الرسولية وفق قاعدة التفسير الكنسي الجامع”. فلم يكن للتقليد عنده وجود مستقل، ولم يكن مصدراً مكمِّلاً للإيمان. “فالفهم الكنسي” لا يضيف شيئاً إلى الكتاب المقدَّس، لكنه كان الوسيلة الواحدة للتحقق من المعنى الصحيح للكتاب ولكشفه. كان التقليد التفسير الموثوق به، وبهذا المعنى يمتد امتداد الكتاب. وكان التقليد “الكتاب المفهوم بشكل صحيح”. وكان الكتاب، عند القديس فكنديوس، القانون الأوحد والرئيسي والنهائي للحقيقة المسيحية (Commonitoriun الإصحاح 2 و28).
المسألة التفسيرية في الكنيسة القديمة
في هذا المجال وافق القديس فكنديوس كلياً التقليد القائم في الكنيسة. فعبارة القديس إيلاريون واتيه الرائعة التي تقول : “إن الكتاب ليس في قراءته، بل في فهمه” (إلى كونستانس، 2، 9، مجموعة الآباء اللاتين، مين 10، 570) كرَّرها القديس إيرونيموس “جيروم” (الحوار ضد لوكيفاروس، 28، مجموعة الآباء اللاتين مين 23، 190-191). ولقد ظلّت مشكلة التفسير الصحيح للكتاب المقدس حادّة حتى القرن الرابع أثناء صراع الكنيسة مع الآريوسيين، وما خفَّت حدَّتها عماّ كانت عليه في القرن الثاني أثناء مقاومة العرفانيين والصباليوسيين والمونتانيين.
فكلّ أطراف النزاع احتكمت إلى الكتاب، حتى إن الهراطقة والعرافايين والمانويين استشهدوا بفصوله وآياته واحتكوا إلى سلطانه. وكان التفسير في تلك الفترة أهمّ منهج لاهوتي ولعلَّه كان المنهج الأوحد، وكان سلطان الكتاب مطلقاً وسامياً. وكان الأرثوذكسيون يتّجهون إلى طرح السؤال التفسيري الحاسم: ما هو مبدأ تفسير الكتاب؟ لكنَّ لفظة “الكتاب المقدس” أشارت في القرن الثاني بصورة أساسية إلى العهد القديم، ولذلك اعترض مركيون (مرقيون) بقوة على سلطان أسفار العهد القديم رفض الاعتراف بها. بناء عليه أصبح برهان وحدة العهدين ضرورية. ما هو أساس الفهم المسيحي والخريستولوجي “للنبوءة”، أي للعهد القديم وما هو مبرِّره؟ ففي تلك الحقبة أُثير أولاً سلطان التقليد.
فالكتاب ينتمي إلى الكنيسة ولذلك يُفهم بشكل وافٍ ويُفسَّر بشكل صحيح فيها وضمن جماعة الإيمان القويم فقط. أمَّا الهراطقة، أي الذين خارج الكنيسة، فلم يملكوا مفتاح فكر الكتاب، لأنه لم يكن الاستشهاد بكلام الكتاب كافياً إذ يجب على الإنسان أن يَشرح معنى الكتاب الحقيقي والقصد منه بشكل كليّ وأن يُدرك مسبقاً نموذج الإِعلان الكتابي ومخطط عناية الله المخلِّصة. وهذا لن يتحقَّق إلاَّ بالرؤية الإيمانية. فبالإيمان كان “الإقرار بالمسيح” (Christiuszeugniss) في العهد القديم مفهوماً. فبالإيمان أُكِّدت بشكل صحيح وحدة الأناجيل ذات الأشكال الأربعة لكنَّ هذا الإيمان لم يكن تأملاً فردياً كيفياً، بل كان إيمان الكنيسة المتأصل في البشارة الرسولية وفي الكرازة (kerygma) أمَّا الذين خارج الكنيسة فتعوزهم هذه الرسالة الأساسية، التي هي قلب الإنجيل.
فالكتاب عندهم حرف ميت ومجموعة من النصوص والسير غير المترابطة. إنهم حاولوا ترتيبها وفق طريقتهم الخاصة التي استقوها من مصادر غريبة. فأتى إيمانها مختلفاً. هذه هي حجة ترتليان في مبحثه “معارضة الهرطقة” (De praescriptione). فهو لم يشأ أن يبحث الكتاب مع الهراطقة، إذ لا حقّ لهم في استعماله لأنه لا يخصّهم. الكتاب ملك الكنيسة. ولذلك أكّد ترتليان بشدة على أولوية “قانون الإيمان” (regula fidie) الذي هو المفتاح الأوحد لفهم معاني الكتاب. وهذا “القانون” كان رسولياً ومتأصّلاً في تعليم الرسل ومستمداً منه.
وصف تُرنير (C.H.Turner) بشكل صحيح معنى هذا الاحتكام إلى “قانون الإيمان” وغاية الرجوع إليه في الكنيسة الأولى، فقال: “عندما تحدَّث المسيحيون عن “قانون الإيمان”بكونه قانوناً “رسولياً”… لم يعنوا به أن الرسل اجتمعوا لصياغته… بل عنوا به أن الاعتراف بالإيمان الذي علَّمه الرسل وأودعوه تلاميذهم ليعلِّموه هم من بعدهم”. كان هذا الاعتراف هو هو في كل مكان، رغم أن أسلوب التعبير قد يتغيَّر من مكان إلى مكان وكان دوماً وثيق الصلة بدستور المعمودية. وخارج هذا “القانون” لا يمكن إلاَّ أن يفسَّر الكتاب تفسيراً خاطئاً.
فالكتاب والتقليد، عند ترتليان، متلازمان دون انفصال: “حيثما يتّضح التعليم المسيح الحقّ والإيمان المسيح القويم نجد الكتاب المقدَّس الحقيقي والتفسير القويم والتقليد المسيحي الحقيقي”. فتقليد الإيمان الرسولي كان المرشد الضروري لفهم الكتاب والضمانة الأساسية للتفسير الصحيح. لكنَّ الكنيسة لم تكن سلطة خارجية مهمتها أن تحكم على الكتاب، بل أن تحفظ الحقيقة الإلهية المودعة فيه. (E.Flesseman وأنظر مقدمة R.F.Refoulé وملاحظاته في كتاب”في المبادئ”).
القديس إيريناوس و”قانون الحقيقة”
عند دحض القديس إيريناوس سوء استعمال العرفانيين الغنوصيين للكتاب المقدَّس أورد تشبيهاً رائعاً، فقال: صنع فنَّان موهوب صورة جميلة لأحد الملوك من الجوهر الثمينة، لكنَّ شخصاً آخر فكَّ هذه الحجارة وأعاد ترتيبها بأسلوب آخر ليقدِّم صورة كلب وثعلب. ثم زعم أن هذه الصورة هي الصورة الأصلية التي صنعها الفنَّان الأول، وتعلَّل قائلاً إن الحجارة (أو الفسيفساء psiphides) أصلية. والحق أن التصميم الأصلي قد تهدَّم و “صاع نموذج الإنسان الموضوع”. هذا بالضبط ما يفعله الهراطقة بالكتاب المقدس.
فهم يتجاهلون ويمزِّقون “الترابط والترتيب” الموجودين في الكتاب المقدس، “ويقطعون أوصال الحقيقة”. إن كلماتهم وتعابيرهم وأمثالهم أصيلة، لكنَّ قياسهم (أو تصميمهم) (hypothesis) كيفيّ وخاطئ (ضد الهرطقة 1، 8، 1). ثمّ أورد هذا القديس تشبيهاً آخر. كانت مختارات من شعر هوميروس متداولة في تلك الأيام، لكنها استخدمت جزافاً وبعيداً عن سياقها وأُعيد ترتيبها بشكل كيفيّ. فكانت الأبيات كلُّها هوميروسية، لكنَّ القصة الجديدة التي اخترعها الناس بسبب إعادة ترتيب الأبيات لم تعد هوميروسية أبداً.
وكذلك ينخدع الإنسان بسهولة بهذا الأسلوب الذي يبدوا هوميروسياً (1، 9، 4). ويجدر بنا أن نشير إلى أن ترتليان ذكر أيضاً هذه المختارات الشعرية (centones) من أبيات هوميروسية وفرجيلية (معارضة الهراطقة 39). ويبدو أن هذا الأسلوب كان مألوفاً في الأدب الدفاعي آنذاك. أمَّا النقطة التي أراد القديس إيريناوس أن يوضحها فهي أن للكتاب نموذجه وبنيته الداخلية وتآلفه، لكنَّ الهراطقة ينكرون هذا النموذج وبالأحرى يستبدلونه بنموذجهم الخاص. وبكلام آخر، إنهم يعيدون ترتيب الشواهد الكتابية على أسس غريبة عن الكتاب نفسه.
فأكد القديس إيريناوس أن الذين يحفظون بقوة “قانون الحقّ” الذي تسلَّموه في المعمودية لن يجدوا صعوبة في “إعادة كلّ عبارة إلى مكانها الصحيح”، ولن يعجزوا عن مشاهدة الصورة الحقيقية. إن العبارة الواقعية التي استعملها القديس إيريناوس فريدة وخاصة به وهي “الملائم لجسم الحقيقة” (prosarmosas tis alithias somation) وترجمتها اللاتينية القديمة غير المتقنة: (corpusculum veritatis) أمَّا معناها فواضح جداً، لأن لفظة (Somation) “جسم” ليس تصغيراً، بل تشير إلى “الجسم” (corpus) إلى السياق الصحيح والبنية الأصلية و”الصورة الصحيحة” والترتيب الأولى للحجارة (أو الفسيفساء) والأبيات. ولذلك يجب أن يرشدنا “قانون” الإيمان، في رأيه، إلى قراءة الكتاب المقدَّس، لأن المؤمنين يلتزمونه باعترافهم به في المعمودية، ولأن هوية الرسالة الأساسية و”حقيقة” الكتاب تعيّنان به بصورة صحيحة.
أم العبارة الفضَّلة لدى القديس إيريناوس فكانت “قانون الحقّ” (Kanon tis alitheias، Regula veritatis). والواقع أن هذا “القانون” لم يكن سوى شهادة الرسل وكرازتهم وبشارتهم، التي “أودعت” في الكنيسة وعُهد بها إليها من الرسل وحُفظت بصدق وسُلِّمت بإجماع عام في كلّ الأمكنة عبر تعاقب الرعاة “الذين تسلَّموا موهبة الحقيقة الثابتة إلى جانب التعاقب الرسولي”. ومهما كان المدلول الدقيق والمباشر لهذه العبارة التي تزخر بالمعاني (أكد البعض أن “موهبة الحقيقة” كانت العقيدة الرسولية الحقيقة الرسولية في الإعلان الإلهي، حتى أن إيريناوس لم يشر إلى أية موهبة كهنوتية خاصة بالأساقفة. راجع Karl Müller) فلن يعترينا الشك في أن هذه الحفظ الدائم للإيمان المودَع ونقله تحققا، عند القديس إيريناوس، بحضور الروح القدس في الكنيسة. لقد كان مفهوم الكنيسة عنده قائماً على “المواهب” و”المؤسسة” بآن واحد.
وكان “التقليد”، في مفهومه، “وديعة حيَّة” (Juvenescens depositum) أعطيت للكنيسة لتكون نسمة جديدة للحياة، مثل نسمة الحياة التي أُسبغت على الإنسان الأول (aspiration plasmationis quemadmodum 1، 24، 3). والأساقفة وو “القسوس” كانوا حرَّاساً مفوَّضين في الكنيسة وخدَّاماً للحقيقة التي أُدعت فيها. “حيثما تودع posita sunt” مواهب (charismata) الرب يحسن تعلّم الحقيقة ممن عندهم التعاقب الكنسي الآتي من الرسل (successio apud quos est ea quae est ab apostolis ecclesiae) وممن عندهم التصرف اللائق الذي لا عيب فيه وممن ينطقون بكلام طاهر لا غش فيه. فهؤلاء يحفظون أيضاً إيماننا هذا بالإله الواحد الذي خلق كلّ شيء، ويكثرون محبتنا لابن الله الذي أتمَّ تدبيراً عظيماً كهذا من أجلنا، ويفسرون لنا الكتاب من دون خطر ولا يجدِّفون على الله ولا يزدرون البطاركة ولا يحتقرون الأنبياء” (5، 26، 4).
قانون الإيمان (Regula fidei)
كان التقليد في الكنيسة الأولى مبدأ تفسيرياً ومنهجاً تفسيرياً أيضاً، لأننا لا نقدر أن نفهم الكتاب فهماً صحيحاً وكاملاً إلاَّ على ضوء التقليد الرسولي الحيّ وفي إطاره. وهذا التقليد كان عاملاً أساسياً في الوجود المسيحي، لا لأنه يقدر أن يضيف شيئاً إلى ما أعلن في الكتاب، بل لأن يزوِّد بالإطار الحيّ وبالمنظور الواسع اللذين يُكتشف ويُفهم بهما “القصد” الحقيقي من الكتاب والإعلان الإلهي و”تصميمهما” الكامل.
كانت الحقيقة عند القديس إيريناوس “منهجاً راسخ الأساس” و”جسماً حيّاً” (corpus) (ضد الهراطقة 2، 27، 1) “ولحناً متآلف النغمات” (3، 38، 2). لكننا لا ندرك هذا “التآلف” إلاَّ بالرؤية الإيمانية. الحق، أن التقليد لم يكن مجرَّد نقل لعقائد متوارثة “على الطريقة اليهودية”، بل كان الحياة المستمرة في الحقيقة (5). ولم يكن قلباً بلا حراك ومُركباً من القضايا الملزمة، بل كان تبصرا في معنى الأحداث المعلَنة وتأثيرها في كشف “الإله الفاعل”.لقد كان هذا الأمر حاسماً في حقل التفسير الكتابي.
إن ج.ل.برستيج أحسن في قوله: “إن صوت الكتاب يُسمع بوضوح إذا ما فُسِّرت نصوصه برؤية واسعة وبطريقة منطقية وباتفاق مع الإيمان الرسولي ومع دليل الممارسة التاريخيَّة للمسيحية. فالهراطقة هم الذين عوَّلوا على نصوص منعزلة والمسيحيون الأصيلون تنبَّهوا أكثر من المبادئ الكتابية”. وعندما لخَّصت الدكتورة إلين فليسيمانفان لير تحليلها الدقيق لاستعمال التقليد في الكنيسة الأولى، قالت: “إن الكتاب من دون تفسير ليس كتاباً على الإطلاق، وعندما نستخدمه ويصير حياًّ يكون كتاباً مفسَّراً”. فيجب أن نفسِّر الكتاب وفقاً “لمضمونه الأساسي” المعلَن في “قانون الإيمان” (Regula fidei). وهكذا يكون هذا “القانون” مَثَلاً يوجّه تفسير الكتاب. “فالتفسير الحقيقي للكتاب هو التقليد وبشارة الكنيسة”
القديس أثناسيوس و”غاية الإيمان”
في القرن الرابع لم تتبدَّل الأحوال، لأن الصراع مع الآريوسيين دار أيضاً حول مسألة تفسير الكتاب، على الأقل في المرحلة الأولى من هذا الصراع. فجاء الآريوسيون وأنصارهم بمجموعة كبيرة من النصوص الكتابية ليدافعوا عن موقفهم العقيدي، وأرادوا حصر البحث اللاهوتي في المجال الكتابي وحده. ولذلك كانت مواجهتهم في هذا الإطار ضرورية في بادئ الأمر.
ومهجهم التفسيري أي طريقة معالجتهم للنص، كان مطابقاً لمنهج الذين انشقوا عن الكنيسة في القرون الأولى. فهم اهتموا بالنصوص التي اختاروها لتأييد موقفهم، من غير أن يلتفتوا إلى السياق العام للإعلان. ولذلك اضطر الأرثوذكسيون إلى الاحتكام إلى فكر الكنيسة، إلى “الإيمان” الذي أُعلن مرة وحُفظ بصدق. وهذا كان اهتمام القديس أثناسيوس الأساسي ومنهجه الاعتيادي.
لقد استشهد الآريوسيون بمقاطع كثيرة من الكتاب ليقيموا الدليل على ما ناضلوا من أجله وهو أن المخلِّص مخلوق. في جواب القديس أثناسيوس كان الاحتكام إلى “قانون الإيمان” واضحاً في قوله: “لنصلح، نحن الذين اقتنينا غاية الإيمان (to Skopon tis pisteos) المعنى الصحيح (orthisn tin dianian) لما فسَّروه بشكل خاطئ” (ضد الأريوسيين 3، 35). وأكَّد القديس أثناسيوس أن التفسير “الصحيح” لنصوص معيَّنة يصبح ممكناً من خلال المنظور الإيماني كله فقط: “ما يتعلَّلون به من الأناجيل يفِّسرونه بشكل خاطئ، إذا ما قبلنا نحن المسيحيين غاية الإيمان (Himas tous christianous pisteos ton skopon tis Kath) وقرأنا الكتاب مستعملين هذه الغاية قانوناً (osper Kanoni chrisameni)”.
من جهة ثانية يجب أن نهتمّ اهتماماً شديداً بالسياق المباشر لكلّ جملة وتعبير وبإبراز قصد الكاتب الصحيح بدقة (1، 54). وعندما كتب القديس أثناسيوس إلى الأسقف سرابيون عن الروح القدس أكَّد له أن الآريوسيين يجهلون “غاية الكتاب المقدس” (إلى سرابيون 2، 7 وإلى أساقفة مصر، 4) “لأنهم يهتمون بما يُقال ويتجاهلون معناه”. كانت لفظة (skopos) “لغاية” عند أثناسيوس موازنة لفظة (hypothesis) عند إيريناوس للإشارة إلى “الفكرة” الأساسية والتصميم الصحيح والمعنى المقصود (راجع Guido Müller، lexicon Athanasianum) وكانت لفظة (skopos) مألوفة في اللغة التفسيرية عند عدد من المدارس الفلسفية، وخاصة عند الأفلاطونية الحديثة.
إن التفسير قام بدورٍ كبير في المحاولات الفلسفية في ذلك الوقت ولذلك كان إثارة السؤال عن المبدأ التفسيري ضرورياً. فالفيلسوف إيامفليخوس كان نموذجياً في هذه النقطة. لقد كان من واجب الإنسان أن يكتشف “النقطة الرئيسية” والموضوع الأساسي في البحث الذي يدرسه وأن يحفظها في ذهنه دائماً (9). ومن الجائز أن يكون القديس أثناسيوس ملماً بالاستخدام التقني لهذه اللفظة، ولذلك أكَّد أن الاستشهاد بفصول ومقاطع معزولة من الكتاب المقدَّس بعيداً عن قصد الكتاب الإجمالي أمر مضلِّل. ونخطئ إذا فسَّرنا لفظة (skopos) عند أثناسيوس بأنها “المعنى العام” للكتاب. “فغاية” الإيمان و “غاية” الكتاب هي الفحوى العقيدي الموجود بكثافة في “قانون الإيمان”، كما حفظته الكنيسة وكما “انتقال من “أب إلى أب” في وقت لا نجد فيه “آباء” عند الآريوسيين (في قوانين مجمع نيقية، 27)”.
ولاحظ الكاردينال نيومان (Newman) أن القديس أثناسيوس عدَّ “قانون الإيمان” المبدأ الأسمى للتفسير و”عارض أفكار الهراطقة الخاصة في طريق الفكر الكنسي” (ضد الآريوسيين 1، 44). فكان يوجز المرة تلو المرة معتقدات الإيمان المسيحي الأساسية عند تدقيقه في الحجج الآريوسية قبل أن يمتحن النصوص التي يتعللون بها في براهينهم، حتى يعيد النصوص إلى منظورها الصحيح، أمَّا تُرنير (H.E.W.Turner) فوضف طريقة أثناسيوس التفسيرية فقال : “أصرَّ (أثناسيوس) على اتخاذ مرمى إيمان الكنيسة العام قانوناً للتفسير ضد التقنية الآريوسية المفضَّلة التي يؤكد المعنى المنطبق على قواعد اللغة من غير أن تنظر إلى سياق الكلام وإلى الإطار العام لتعليم الكتاب بكلِّيته.
فتعامى الآريوسيون عن المدى الواسع الذي يتمتع به اللاهوت الكتابي. ولذلك اخفقوا في النظر إلى سياق الكلام الذي تقع فيه نصوصهم الإثباتية. فيجب أن يُحسب معنى الكتاب نفسه كتاباً (مقدَّساً). وهذا المبدأ عُدَّ تخلِّياً عن الاحتكام إلى الكتاب واستبداله ببرهان مأخوذ من التقليد. ومن الأكيد أنه اذا وُضع في أيدِ لا تحرص عليه، فإنه يؤدي إلى تقييد كليّ للكتاب المقدس، كما حاولت عَقَديّة (دوغماتيّة) الآريوسيين والعرفانيين أن تفعل. ولكن هذا الأمر لم يكن قصد القديس أثناسيوس نفسه، الذي حسب الاحتكام إلى التقليد انتقالاً من تفسير ثمِل إلى تفسير صاح، ومن تشديد حرفي قصير النظر إلى معنى غاية الكتاب”
ولكن يبدو أن البروفسور تُرنير (Turner) ضخم الخطر، لأن. البرهان كان كتابياً، فالقديس أثناسيوس قبل مبدئياً كفاية الكتاب المقدس الموحى به للدفاع عن الحقيقة (ضد الوثنيين 1). إن الكتاب يجب تفسير في إطار التقليد الإيماني الحيّ، بتوجيه من “قانون الإيمان”. أمَّا هذا “القانون” فلم يكن أبداً سلطة “غريبة” “تُفرض” على الكتاب المقدس. فهو “البشارة الرسولية” نفسها، المدوَّنة باختصار (in epitome) في أسفار العهد الجديد.
كتب القديس أثناسيوس إلى الأسقف سرابيون : “لننظرنّ إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي أعطاه الرب وبشَّر به الرسل وحفظه الآباء، لأن الكنيسة أسِّست عليه” (إلى سرابيون 1، 28). هذا المقطع هو من ميزات القديس أثناسيوس، فهناك ثلاث ألفاظ متطابقة فيه “التقليد” (Paradosis) هو من المسيح نفسه، و”التعليم” (Didascalia) هو بواسطة الرسل، و”الإيمان” (Pistis) هو من الكنيسة الجامعة. وهذا هو أساس الكنيسة -الأساس الأوحد والفريد (12). الكتاب نفسه ينتمي إلى هذا “التقليد” الذي يأتي من الرب. وفي الفصل الختامي من رسالته الأولى إلى سرابيون يعود القديس أثناسيوس مرة ثانية إلى النقطة نفسها فيقول: “إنني سلَّمت التقليد وفق الإيمان الرسولي الذي تسلَّمته من الآباء، من غير أن أبتدع شيئاً من الخارج. فسلّمته مثلما تعلّمته من الكتب المقدسة” (1، 33).
وأشار مرة القديس أثناسيوس إلى الكتاب نفسه هو “التقليد” (paradosis) رسولي (إلى أدلفيون 6). والشيء المميَّز هو أنه لم يذكر أبداً لفظة التقليد بصبغة الجمع في نقاشه مع الآريوسيين. فكان يرجع دائماً إلى لفظة “تقليد” – أي “التقليد”، التقليد الرسولي، الذي يحوي كلّ فحوى البشارة الرسولية، والذي كان موجزاً في “قانون الإيمان”. وكانت وحدة التقليد وتماسكه النقطة الأساسية والحاسمة في كلّ البرهان الذي قدَّمه.
هدف التفسير و”قانون العبادة”
كان الاحتكام إلى التقليد احتكاماً إلى فكر الكنيسة، لأنه افتُرض أن الكنيسة كانت تملك معرفة الحقيقة وفهمها، إي حقيقة الإعلان و”معناه”. فالكنيسة كان عندها السلطان لنشر الإنجيل وتفسيره. لكن هذا لا يدلّ على أن الكنيسة كانت “فوق” الكتاب، فهي كانت تقف بجانبه مؤيِّدة إياه من دون أن تتقيَّد “بحرفه”. فالهدف الأول للتفسير كان في إظهار معنى الكتاب المقدس وغايته وبالأحرى معنى الإعلان و”تاريخ الخلاص” (Heilsgeschichte). كان واجب الكنيسة أن تبشِّر بالمسيح لا “بالكتاب” فقط.
ولذلك لا نقدر أن نفهم استعمال التقليد في الكنيسة القديمة بشكل صحيح إلاَّ في إطار الاستعمال الفعلي للكتاب. فالكلمة حُفظت بشكل حيّ في الكنيسة فانعكست على حياتها وبنيتها، لأن الإيمان والحياة تلاحما عضوياً. ويحسن أن نذكر في هذا المجال مقطعاً شهيراً من “النعمة الإلهية” (de gratia Dei Indiculus) المنسوب خطأً إلى البابا كلستينوس، لأن وضعه الحقيقي هو القديس بروسبر من أكويتانيا : “هذه هي قرارات الكرسي الرسولي المقدس التي لا يمكن نقدها، والتي قضى بها آباؤنا على الابتداع المهلك… لننظر إلى الصلوات المقدسة التي يرفعها كهنتنا بتماثل في كل كنيسة جامعة في العالم كلّه وفقاً للتقليد الرسولي. وليؤكد قانون العبادة قانون الإيمان”.
ويصحّ القول أن هذه العبارة في سياقها المباشر لم تكن صبغة لمبدأ عام، لأن القصد المباشر منها كان محصوراً في نقطة أساسية واحدة وهي أن معمودية الأطفال شاهد يدلّ على حقيقة الخطيئة الجدية. والحق أنه ما كان إعلاناً بابوياً جازماً، بل رأي خاص للاهوتي صرح به في جو من الصراع الحار. لكن لم تؤخذ هذه العبارة خارج سياقها المباشر ولم تغيَّر قليلاً، غفو ونتيجة لسؤ فهم، لتعبر عن المبدأ التالي: “يجب أن يبنى قانون العبادة قانون الإيمان” (crededi statuat lex orandi ut legem). “فالإيمان” وجد تعبيره الأول في الصِيغ الليتوجية والأسرارية والطقسية، و”دساتير الإيمان” برزت أولاً كجزء أساسي من خدمة إدخال المؤمنين الجدد إلى الكنيسة. يقول كيلي (J.N.D.Kelly): “إن الملخصات العقيدية الخاصة بالإيمان، تصريحيَّة كانت أم استفهامية، هي حصيلة الليتوجيا، ولذلك عكست ثباته وطواعيتها”. لقد كانت “الليتورجيا” بمعناها الواسع الشامل القاعدة الأولى للتقليد الكنيسي. أمَّا البرهان الواسع الشامل القاعدة الأولى للتقليد الكنسي.
أمَّا البرهان المتخذ من “قانون الصلاة” (Lex orandi) فكان يُستخدم دائماً في النقاشات التي دارت في أواخر القرن الثاني. فعبادة الكنيسة كانت تعبيراً احتفالياً عن إيمانها. ولعلَّ استدعاء اسم الله في المعمودية كان الصبغة الثالوثية المبكِّرة، مثلما كان سرّ الشكر الشاهد الأول لسرّ الخلاص في مثله. والعهد الجديد نفسه برز إلى حيِّز الوجود “ككتاب مقدس” في الكنيسة المصلية، لأنه كان يُقرأ أولاً في جو العبادة والتأمل.
القديس باسيليوس و”التقليد غير المدوَّن”
اعتاد القديس إيريناوس أن يرجع دائماً إلى “الإيمان” كما سُلّم في المعمودية. وكان ترتليان والقديس كبريان يستخدمان البراهين الليتورجية. والقديس أثناسيوس والكبادوكيون استخدموا البرهان نفسه. لكن توسيع هذا البرهان القائم على التقليد الليتورجي نجده عند القديس باسيليوس. ففي مواجهته للآريوسيين بصدد الروح القدس بنى برهانه الأساسي على تحليله للمجدلات كما كانت تُستخدم في الكنائس. وكتابه “في الروح القدس” دوِّن بشكل اقتضائي، أي في نار الصراع اليائس، فخاطب ظرفاً تاريخياً خاصاً، لكنه عُني بمبادئ البحث اللاهوتي ومناهجه.
في مبحثه هذا سعى القديس باسيليوس إلى البرهنة على نقطة حاسمة في عقيدة الثالوث الأقدس وهي مساواة الروح القدس في القيمة والكرامة (Homotimia) للأقنومين الأخرين. أمَّا مرجعه الأساسي فكان الشهادة الليتورجية في أي المجادلة التي تحوي عبارة “مع الروح” والتي برهن أنها استُخدمت كثيراً في الكنائس. هذه العبارة غير موجدة في الكتاب المقدس لكنَّ التقليد صدَّق عليها.
أمَّا أخصامه فلم يقبلوا إلاَّ بسلطان الكتاب المقدس، ولذلك حاول أن يبرهن شرعية الاحتكام إلى التقليد. فهو أراد أن يثبت مساواة الروح القدس في القيمة والكرامة، أي ألوهيته التي آمنت بها الكنيسة دائماً والتي كانت جزءاً من الاعتراف بالإيمان أثناء المعمودية. وكما أشار بحق الأب ب. بروش (Benoit Pruche)، كانت لفظة (homotimos)، عند القديس باسيليوس، معادلة للفظة “الواحد في الجوهر” (homoousios). ولم يكن هناك الكثير من الجدة في هذا المفهوم للتقليد، إذا استثنينا الدقة واتساق الكلام. ولكنَّ للعبارة ميزة خاصة. يقول : “إن العقائد والتعاليم التي حُفظت في الكنيسة حصلنا على بعض منها من التعليم المكتوب وعلى بعض الآخر في سرّ (en mystirio) سُلّم إلينا من تقليد الرسل. ولهما نفس الفاعلية بالنسبة إلى التقوى” (في الروح القدس 66).
يظن المرء في النظرة الأولى أن القديس باسيليوس أدخل هنا سلطتين وقاعدتين أي الكتاب والتقليد. والحق، أنه كان بعيداً كلّ البعد عن هذا الأمر، لأن استخدامه للألفاظ كان خاصاً. فلفظة (kerygmata) تشير عنده إلى ما يسمَّى اليوم “بالعقائد” أي التعليم الرسمي الذي يُعتمد عليه في أمور الإيمان، والتعليم العلني. ولفظة (domata) كانت عنده مجموعة الأعراف و”العادات غير المدوَّنة” وبنية الحياة الليتورجية والأسرارية. لا ننسى مفهوم لفظة (dogma) لم يكن ثابتاً وأن هذه اللفظة لم تكن قد أخذت مدلولاً ثابتاً ودقيقاً في أيامه. في أي حال يجب أن لا نرتبك في رأي القديس باسيليوس الذي يقول إن الـ (dogmata) سلَّمها الرسل “في سرّ” (en mystirion).
ونخطئ إذا ترجمناها بلفظة “الخفية”. فالترجمة الصحيحة هي “عن طريق الأسرار”، أي تحت شكل الاستخدامات الليتورجية والطقوس و”العادات” الليتورجية. هذا ما قاله بالضبط باسيليوس الكبير نفسه عندما كتب أن “معظم الأسرار وصلتنا بطريقة غير مكتوبة”. أمَّا لفظة “الأسرار” (ta mystica) فتشير هنا بالتأكيد إلى سرَّي المعمودية والشكر الذين يرجعان، في رأي القديس باسيليوس، إلى أصل “رسولي”. في هذا الصدد يستشهد باسيليوس بالرسول بولس عندما يذكر “التسليم” التي تسلَّمها المؤمنون “مشافهة وكتابةً إليهم” (2 تسا2 : 15، كور 11: 2). فالمجدلة التي تحدثنا عنها هي الواحدة من هذه “التقاليد” (71، أنظر أيضاً 66): “شرع الرسل والآباء منذ البدء في الاهتمام بكل ما يختص بالكنائس، فحفظوا في السّر والصمت هيبة الأسرار”).
والحق، أن كل المقاطع التي يستشهد بها القديس باسيليوس في هذا المجال لها طبيعة ليتورجية وطقسية، كرسم إشارة الصليب في خدمة قبول الموعوظين والاتجاه إلى الشرق أثناء الصلاة، وعادة الوقوف المستمر أثناء صلاة الآحاد، واستدعاء الروح القدس في القداس الإلهي، وتبريك الماء والزيت، ورفض الشيطان وكلّ مجده، والتغطيس في الماء ثلاث مرَّات في خدمة المعمودية. ويقول باسيليوس إن هناك العديد من “أسرار الكنيسة غير المدوَّنة” (66 و67) لم تُذكر في الكتاب، لكنها ذات أهمية وسلطة كبيرتين، وهي وسائل ضرورية للشهادة والاتحاد وأمور لا بدَّ منها لحفظ الإيمان الصحيح، وتأتي، كما يشير، من التقليد “الصامت” و”الخاص” : “من التقليد الصامت والصوفي ومن التعليم الذي لا يُعلن ولا يُقال”.
لم يكن هذا التقليد “الصامت والسرّي (mystical) وغير المعلَن” عقيدة باطنية مخصَّصة للنخبة، لأن “النُخبة” كانت الكنيسة. “فالتقليد” الذي يحتكم إليه القديس باسيليوس هو الممارسة الليتورجية في الكنيسة. إن القديس باسيليوس يلجأ هنا إلى ما نسمِّيه اليوم “نظام الكتمان” (disciplina aracni) الذي كان سائداً في القرن الرابع والذي دافعت عنه الكنيسة ودعمته. فكان ذا صلة بتأسيس رتبة الموعوظين وذا هدف تعليمي وتثقيفي. وهناك، على حدّ قول القديس باسيليوس، بعض “التقاليد” التي يجب أن تُحفظ بشكل “غير مدوَّن” لئلا تدنسها أيادي الهراطقة. هذه الإشارة تعود بوضوح إلى الطقوس والممارسات، ويجب أن نذكِّر هنا أن “دستور الإيمان” و”الصلاة الربَّانية” كانا في القرن الرابع جزئين من “نظام الكتمان” هذا، وأنه لم يكن جائزاً أن يعرضا لمن هم خارج الإيمان. كان دستور الإيمان مدخَّراً للذين يقبلون إلى المعمودية، في آخر مرحلة التعليم، أي بعد أن توافق الكنيسة عليهم وتدرجهم بكل إجلال في عداد “المستعدِّين للاستنارة”.
وكان الأسقف يقوم “بنقل” دستور الإيمان إليهم مشافهة، وكانوا هم يتلونه غيباً أمامه في خدمة “نقل” (traditio) و”ترداد دستور الإيمان” (redditio symboli). وكان يحثّ الموعوظين على عدم إفشاء دستور الإيمان لغير المؤمنين وعلى عدم تدوينه. فهو يجب أن يُحفر في قلوبهم. وهنا يكفي أن نستشهد “بمقدمة التعليم الديني” (Procatechesis) للقديس كيرلّس الأورشليمي في الفصلين 12و 17. وفي الغرب أيضاً أحسَّ روفينوس وأغوسطين بأنه لا يليق بالمسيحيين أن يدونوا دستور الإيمان على الورق.
ولذلك لم يذكر سوزمنوس في تاريخه نص الدستور النيقاوي “الذي كان يحق للمتنصرين وللمسارين (mystagogues) تلاوته وسماعه” (التاريخ الكنسي 1: 20). أمام هذه الخلفية وضمن هذا المحتوى التاريخي يجب أن نقوِّم ونفسر برهان القديس باسيليوس. فهذا أكد بقوة أهمية الاعتراف بالإيمان في المعمودية، الذي يتضمن التزام الإيمان بالثالوث الأقداس، الآب والابن والروح القدس (67 و26). كان هذا الاعتراف “تقليداً” يُسلم “في سرّ” إلى الذين تنصروا حديثاً ويُحفظ “بصمت”. ويتعرض المرء إلى خطر زعزعة “أساس الإيمان بالمسيح” إذا رفض وتجاهل هذا “التقليد غير المكتوب” (25).
فالفارق الأوحد بين العقيدة (dogma) و”التعليم” (kerygma) كان في طريقة نقلها: العقيدة تُحفظ “بصمت” أمَّا التعاليم “فتُنشر وتُعلن”. لكنَّ هدفها واحد، لأنهما يقدمان الإيمان نفسه ولو بطرق مختلفة. لكن هذه العادة الخاصة لم تكن مجرد تقاليد الآباء – لأن تقليداً كهذا لا يكون كافياً. فالآباء استقوا مبادئهم من “قصد الكتاب وغايته”. “إنهم اتبعوا رأي الكتاب واستقوا مبادئهم من شواهده”. إذن، لا يضيف “التقليد غير المكتوب” في طقوسه ورموزه، شيئاً إلى محتوى الإيمان الكتابي: فهو يكتفي بالتركيز على الإيمان في بعده المحرقي.
كان احتكام القديس باسيليوس إلى “التقليد غير المكتوب” احتكاماً إلى إيمان الكنيسة وإلى “المعنى الجامع” (sensus catholicus) وإلى “الفكر الكنسي”. لذلك اضطر إلى أن يزيل المأزق الذي خلقه أعداؤه الآريوسيون، الضيِّقو الأفق والمتمسكون تمسكاً كاذباً بحرف الكتاب المقدس. فرد على زعمهم قائلاً اننا لا نقدر أن نفهم قصد الكتاب وتعليمه بعيداً عن قانون الإيمان “غير المكتوب”. لقد كان القديس باسيليوس كتابياً في لاهوته بكلّ ما في الكلمة من معنى. فالكتاب عنده كان المقياس الأسمى للعقيدة (الرسالة 189، 3).
وتفسيره للكتاب كان رصيناً ومتَّزناً. إن الكتاب نفسه سر “للتدبير” الإلهي وسر للخلاص الإنساني، عمقه لا يُسبر غوره، لأنه كتاب “مُلهَم”، كتاب من الروح القدس. ولذلك يجب أن يكون تفسيره الصحيح روحياً ونبوياً. فموهبة التمييز الروحي ضرورية لفهم صحيح للكلمة المقدسة، “لأن ناقد الكلمات يجب أن ينطلق من الإستعداد الذي ينطلق منه المؤلف نفسه… وأرى أنه من المستحيل على كلّ إنسان أن يأخذ على نفسه التدقيق في كلمات الرب، ما لم يملك الروح الذي يهب قوة التمييز” (الرسالة 204).
ويُعطَى الروح في أسرار الكنيسة، لذلك يجب أن يُقرأ الكتاب تحت ضوء الإيمان وسط جماعة المؤمنين. ولهذا السبب كان تقليد الإيمان، كما سُلِّم من جيل إلى جيل، بالنسبة للقديس باسيليوس، المرشد الضروري والدليل في دراسة الكتاب المقدس وتفسيره. إذن حذا القديس باسيليوس حذو القديس إيريناوس وأثناسيوس في هذا المجال. وكذلك أغسطين استخدم التقليد بطريقة مشابهة ولا سيما الشاهد الليتورجي.
الكنيسة مفسِّر للكتاب
كان للكنيسة سلطان تفسير الكتاب، لأنها المستودع الحقيقي الأوحد للتعليم الرسولي (Kerygma). فهذا التعليم حُفظ بطريقة حية في الكنيسة، لأن الروح أعطي لها. والكنيسة كانت تعلِّم “مشافهة” (viva voca) مودعة كلمة الله وموطدة إياها في النفوس “فصوت الإنجيل الحيّ” (viva vox Evangelu) لم يكن مجرد تلاوة لكلمات الكتاب، بل كان إعلاناً لكلمة الله كما سُمعت وحُفظت في الكنيسة بقوة الروح الذي يفعل فيها دائماً ويحييها. أمَّا خارج الكنيسة وخارج خدمتها الكهنوتية القانونية “المتعاقبة” من أيام الرسل فلم يتمّ إعلان صحيح للإنجيل ولا تبشير قويم ولا فهم حقيقي لكلمة الله. إذن إن التفتيش عن الحقيقة في مكان آخر، أي خارج الكنيسة الجامعة الرسولية، سيكون بلا فائدة. هذا كان الإيمان المشترك في الكنيسة القديمة، من أيام القديس إيريناوس وحتى مجمع خلقيدونية وما بعده.
فالقديس إيريناوس كان نوذجياً في هذا المضمار، لأن الرسل، في رأيه، هم الذين حملوا ملء الحقيقة في الكنيسة : “فكل ما يتصل بالحقيقة أودع في أيديهم بأكثر وفرة” (ضد الهراطقة 3، 4، 1). والحق، أن الكتاب ألَّف القسم الأكبر من هذه “الوديعة” الرسولية، مثلما ألَّفت الكنيسة. فالكنيسة والكتاب لا ينفصلان ولا يتناقضان. فالكتاب، أي فهمه الصحيح، موجود في الكنيسة فقط، لأن الروح القدس يوجهها ويرشدها. ولذلك أكد أوريجنس وحدة الكنيسة والكتاب. وكانت مهمة المفسر، عنده، الإعلان عن كلمة الروح: “يجب أن ننتبه عندما نعلم لئلاّ نقدم تفسيرنا الخاص بدلاً من تفسير الروح القدس” (في تفسير رومية 1، 3، 1). هذا الأمر يبقى مستحيلاً خارج التقليد الرسولي المحفوظ في الكنيسة.
فأوريجنس شدد على التفسير “الجامع” للكتاب، كما هو مقدم في الكنيسة: “لنصغ في الكنيسة إلى كلمة الله التي تقدم على نحو جامع” (في تفسير اللاويين، العظة 4، 5). أما الهراطقة فيتجاهلون في تفسيرهن “قصد” الكتاب الحقيقي: “فالذين يقدمون كلام الله من دون أن يقرنوه بقصد الكتاب وبحقيقة الإيمان ويزرعون قمحاً ويحصدون شوكاً” (في تفسير إرميا العظة 7، 3). إن “قصد” الكتاب المقدس يرتبط بقوة “بقانون الإيمان”.
هذا هو موقف الآباء في القرن الرابع والقرون اللاحقة الذي ينسجم كلّياً مع تعليم الأقدمين. فالقديس إيرونيموس، رجل الكتاب العظيم، أورد الفكرة نفسها بأسلوبه القوي الحاد، فقال: “إن ماركيون وفاسيليدس وهراطقة آخرين… لا يملكون إنجيل الله، لأنهم لا يمكلون الروح القدس، الذي من دونه يصبح الإنجيل المبشَّر به إنسانياً. فنحن لا نعتبر أن الإنجيل (أي البشارة) يتألَّف من كلام الكتاب المقدس فغايته في معناه، لا في سطحه، في لبِّه وجوهره، لا في أوراق العظات، بل في أصل معناه. في هذا الحال يصحب الكتاب نافعاً حقاً للسامعين عندما يُبشَّر به مع المسيح وعندما يُقدم ويُعرض مع الآباء وعندما يُقدِّمه المبشِّرون به مع الروح… كبير هو خطر التكلم في الكنيسة، لأن التفسير المنحرف يحول إنجيل المسيح إلى إنجيل إنساني” (في تفسير غلاطية 1، 1، 2، مجموعة الآباء اللاتين، مين 26، 386).
نجد هنا الاهتمام نفسه بالفهم الصحيح لكلمة الله مثلما نجده في أيام إيريناوس وترتليان وأوريجنس. وبما كان إيرونيموس يقوم بإعادة صياغة كلام أوريجنس عندما قال إن “الإنجيل الإلهي” لا يوجد خارج الكنيسة، بل يوجد بديل إنساني منه. إننا لا نقدر أن نستقصي المعنى الحقيقي للكتاب (sensus Scripturae) أي الرسالة الإلهية، إلاَّ في ارتباطه بحقيقة الإيمان (veritatem juxta fidei)، وتحت توجيه قانون الإيمان. و”حقيقة الإيمان” (verias fidei) هي الاعتراف الإيماني بالثالوث. وهذه هي طريقة القديس باسيليوس. فالقديس إيرونيموس يتحدث هنا أولاً عن إعلان الكلمة في الكنيسة “لمن يصغي إليها” (andientibus utilis est)
أوغسطين والسلطان الجامع
بهذا المعنى يجب أن نفسر قول أوغسطين الشهير والمدهش حقاً : “لو لم يحركني سلطان الكنيسة الجامعة لما آمنت بالإنجيل” (V.f.epistolum fundaminti 6). يجب علينا أن نقرأ هذا العبارة ضمن سياقها. فأوغسطين لم ينطق بهذه العبارة بالأصالة عن نفسه، إنما بالأصالة عن الموقف الذي كان على المؤمن العادي أن يتخذه عندما يواجه الهراطقة، الذين يزعمون أنهم أصحاب السلطان. في هذا الحال، يليق بالمؤمن البسيط أن يحتكم إلى سلطان الكنيسة، التي تلقى فيها ومنها الإنجيل نفسه (أي البشارة) : “إنني آمنت بالإنجيل نفسه، لأن مبشرين “جامعيين بشروني”.
فالإنجيل وتعليم الكنيسة الجامعة لا يفصلان. وأوغسطين لم يسمع إلى “إخضاع” الإنجيل للكنيسة، بل أراد أن يشدد على أننا نتلقى “الإنجيل” في إطار التبشير الجامع في الكنيسة، لأنه لا ينفصل عنها. في هذا الإطار وحده يأخذ الإنجيل مكانه ويُفهم فهماً صحيحاً.
والحق، أن شهادة الكتاب بينة وواضحة كل الوضوح عند المؤمن الذي وصل إلى نضج “روحي”، وهذا ممكن في الكنيسة فقط. لذلك قاوم أوغسطين الأوهام التي يتعلل بها التفسير المانوي عبر هذا التعليم وعبر سلطان (auctoritas) البشارة اللذين يتصلان بالكنيسة الجامعة. فالإنجيل لا يخص المانويين. أما “سلطان الكنيسة الجامعة” فلم يكن مصدراً مستقلاً للإيمان، بل كان مبدأً ضرورياً للتفسير الصحيح. إننا نقدر أن نقلب هذه العبارة فنقول: يجب أن لا يؤمن المرء بالكنيسة ما لم يحركه الإنجيل. فالعلاقة متبادلة بنيهما بشكل تام.(Luis de Montadon <Bible et Eglise dans l Apologetique de Saint Augustin>a).
________________________________________
(5) راجع:
Dom Odo Casel, O.S.B., Benedict von Nursia als Pnermatiker, in “Heilege Uberlieferung” Münster 1938, pp. 100-101.
إذن، منذ البدء لم يكن التقليد المقدس في الكنيسة مجرد انتقال من العقيدة إلى اليهودية المتأخّرة ليكون نموذجاً من دون إزدهار حيّ للحياة الإلهية. وفي الحاشية يُرجع Dom Casel القارئ على John Adam Möhler.
(9) راجع:
Karl Pächter, Richtungen und schulen im Neuplatonismus, in “Genethliakon” (Carl Roberts zum 8. März 1910), Berlin, 1910.
يترجم Prächter لفظة “العناية” باللفظتين Grundthema أو Zielpunct (ص 128). ويصف بطريقة إيامفليخوس بأنها “تفسير مسكوني” (ص 138). وبروكلوس في تفسيره للرسالة إلى تيموثاوس يضع تضادّاً بين بورفيريوس وإيامفليخوس. فبورفيريوس يفسِّر النصوص بشكل جزئي أمّا إيامفليخوس فبشكل أشمل وأعمّ (في الرسالة الأولى إلى تيموثاوس، ص 204، 24 المذكورة عند Prächter، ص 136).
(12) (أشار C. R, B, Shapland بحق إلى أن “الأساس” في هذا النص يدلّ بالتحديد عند القديس اثناثيوس على اسم الثالوث الأقدس كما يستدعى في المعمودية. ويذكر القديس أثناثيوس هذا الأمر الإلهي فيما بعد في رسالته مستهلاً كلامه هكذا: “أمرهم السيّد أن يضعوا هذا الأساس للكنيسة قائلاً: …فذهب الرسل وعلّموا هكذا”). راجع:
The Letters of saint Athanasius concerning the Holy Spirit, C. R. B. Shapland, London 1951, 132.
التسليم الرسولي للإيمان المسلم مرة للقديسين – القمص عبد المسيح بسيط
التسليم الرسولي للإيمان المسلم مرة للقديسين – القمص عبد المسيح بسيط
التسليم الرسولي للإيمان المسلم مرة للقديسين – القمص عبد المسيح بسيط
كشف الرب يسوع المسيح، كما بينّأ في الفصل السابق، لتلاميذه ورسله ولليهود عن حقيقة لاهوته وكونه ابن الله الذي من ذات الله وفي ذات الله والواحد مع الآب في الجوهر، وعن كونه الآتي من السماء وأنه ليس من هذا العالم بل أنه من فوق، وأنه برغم نزوله من السماء إلا أنه موجود في السماء وعلى الأرض بلاهوته في آن واحد، وأنه الموجود في كل مكان وزمان والقادر على كل شيء، والديان، وأنه رب داود وإبراهيم ومرسل الرسل والأنبياء، ونسب لنفسه كل ما لله من صفات وأعمال وألقاب.
كما آمن تلاميذه بلاهوته وبكونه الإله القدير وأنه الله الذي ظهر في الجسد والذي فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً وكلمة الله الذي من ذات الله وصورة الله غير المنظور، بهاء مجده ورسم جوهره، وهو الله الكائن على الكل والإله الأبدي والإله الحق ورب العرش وخالق الكون وما فيه ما يرى وما لا يرى … الخ.
وقد آمن الآباء الرسوليون، تلاميذ الرسل وخلفاؤهم، ومن بعدهم تلاميذهم وأيضا خلفاؤهم الذين لُقّبوا بآباء الكنيسة، خاصة المدافعين عن الإيمان القويم (الأرثوذكسي) والعقيدة المسلمة مرة، بنفس ما آمن به وسلمه لهم الرسل، سواء من خلال الكلمة المكتوبة بالروح القدس، العهد الجديد إلى جانب العهد القديم، أو ما سلموه لهم شفاهه، أي بالتقليد المسلم مرة للقديسين كما يقول القديس يهوذا أخو يعقوب بن حلفي بالروح القدس: ” الإيمان المسلم مرة للقديسين ” (يه3)، والذي سلمه الرسل لتلاميذهم وخلفائهم بكل دقة وأمانة، ومن ثم فقد كان مصدر تعليمهم:
(1) ما سبق أن أعلنه وتنبأ به وكتبه في أسفارهم أنبياء العهد القديم. فقد كان العهد القديم هو كتاب الكنيسة الأول الذي جاء المسيح ليتمم ما كتب عنه فيه من نبوات ورموز تتعلق بكل تفاصيل تجسده وخاصة ما يختص بعمله الفدائي للتكفير عن خطايا البشرية وخلاصها بآلامه وصلبه وموته وقيامته، وتحويل الناموس والشريعة، من شريعة الحرف والناموس الذي به نعرف الخطية ” لأن بالناموس معرفة الخطية ” (رو3 :20)، إلى شريعة الحب والكمال ” وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضا. كما أحببتكم أنا تحبون انتم أيضا بعضكم بعضا ” (يو13 :34)، ” فكونوا انتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل ” (مت5 :48).
(2) ما سلمه الرب يسوع المسيح لتلاميذه ورسله، شهود العيان الذين عينهم كرسل وأنبياء بالروح لحمل إنجيله، ورسالته، للعالم أجمع. هؤلاء الرسل الذين وصفهم الآباء الأولون بخزانة الكنيسة، لأنهم عاشوا مع المسيح وشاهدوا شخصه وأعماله وحفظوا كلامه بالروح القدس، وحملوا إنجيله لجميع الشعوب والأمم والألسنة، وشهدوا له كشهود عيان عاشوا ما يكرزون به بأنفسهم.
وكما قال أحد العلماء أن تلاميذ المسيح ورسله هم الأنبياء الوحيدون عبر التاريخ الذين شاهدوا ربهم الذي أرسلهم، فقد عاشوا معه وتلامسوا معه، أو كما يقول القديس بطرس ” نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد قيامته ” (أع10 :41)، أو كما يقول القديس يوحنا الإنجيلي بالروح: ” الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فان الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا.
الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضا شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح … ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملا ” (1يو1:1-4)، ويقول أيضاً: ” ونحن قد نظرنا ونشهد أن الآب قد أرسل الابن مخلّصا للعالم ” (1يو4 :14). ويختم الإنجيل الرابع بقوله: ” هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا. ونعلم أن شهادته حق ” (يو21 :24).
وكما يقول القديس بطرس بالروح: ” لأننا لم نتبع خرافات مصنعة إذ عرّفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه بل قد كنا معاينين عظمته ” (2بط16:1). وأيضاً: ” وأوصانا أن نكرز للشعب ونشهد بان هذا هو المعين من الله ديانا للأحياء والأموات ” (أع10 :43)، كما يصف نفسه بـ ” الشاهد لآلام المسيح وشريك المجد العتيد أن يعلن ” (1بط5 :1).
(3) ما سلمه الرسل للعالم أجمع وخاصة لخلفائهم الآباء الرسوليين بالروح القدس الذي كان يعمل فيهم وبهم ويقودهم ويرشدهم ويوجههم ويعصمهم، والذي سلموه بدورهم لخلفائهم من جيل إلى جيل. فقد سلم الرسل ما تسلموه من الرب يسوع المسيح بالتقليد أو التسليم الرسولي لتلاميذهم وخلفائهم والذين سلموه بدورهم لمن خلفوهم، من جيل إلى جيل.
فقد كان تلاميذ المسيح ورسله الذين حملوا وصاياه وتعاليمه، وحل عليهم الروح القدس، هم المستودع الأمين للتسليم الرسولي، حيث تساوت وصاياهم وتعاليمهم مع تعاليم أنبياء العهد القديم ومع وصايا الرب نفسه لأن وصيتهم هي وصيته وتعاليمهم هي تعاليمه؛ يقول القديس بطرس بالروح ” لتذكروا الأقوال التي قالها سابقا الأنبياء والقديسون ووصيتنا نحن الرسل وصية الرب والمخلص ” (2بط2:3)، ويقول القديس يهوذا الرسول ” أخو يعقوب ” (أع1: 17)، ” وأما أنتم أيها الأحباء فاذكروا الأقوال التي قالها سابقاً رسل ربنا يسوع المسيح ” (يه 17).
يقول القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس عن هذا التسليم الرسولي:
U ” وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناسا أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا ” (2تي2:2)، ويحذره من الفكر الهرطوقي الذي ” يقاوم التعليم الصحيح حسب إنجيل مجد الله المبارك ” (1تي10:1)، ويقول له ” أن كان أحد يعلم تعليما آخر ولا يوافق كلمات ربنا يسوع المسيح الصحيحة والتعليم الذي هو حسب التقوى فقد تصلف ” (1تي3:6)، ” لأنه سيكون وقت لا يحتملون فيه التعليم الصحيح بل حسب شهواتهم الخاصة يجمعون لهم معلمين مستحكة مسامعهم (يَقُولُونَ لَهُمْ كَلاَماً يُدَاعِبُ الآذَانَ ) ” (2تي 3:4). ويقول له أيضا، مشدداً ” يا تيموثاوس أحفظ الوديعة معرضا عن الكلام الباطل الدنس ومخالفات العلم الكاذب الاسم ” (1تي20:6)، ” أحفظ الوديعة الصالحة بالروح القدس الساكن فينا ” (2تي 14:1).
U ويقول لأهل كورنثوس: ” أمدحكم أيها الأخوة على أنكم تذكرونني في كل شيء وتحفظون التعاليم كما سلمتها إليكم ” (1كو2:11).
U ويقول لأهل فيلبي: ” وما تعلمتموه وتسلمتموه وسمعتموه ورأيتموه في فهذا افعلوا واله السلام يكون معكم ” (في9:4).
U ويقول لتلميذه تيطس أنه يجب أن يكون الأسقف: ” ملازما للكلمة الصادقة التي بحسب التعليم لكي يكون قادرا أن يعظ بالتعليم الصحيح ويوبخ المناقضين ” (تي1:9)، ويقول له ” وأما أنت فتكلم بما يليق بالتعليم الصحيح ” (تي1:2)، ثم يحذره من الهراطقة قائلا ” الرجل المبتدع بعد الإنذار مرة ومرتين اعرض عنه، عالما أن مثل هذا قد انحرف وهو يخطئ محكوما عليه من نفسه ” (تي10:3 ،11).
وهذا ما تعلمه وعلمه أيضا الآباء الرسوليين تلاميذ الرسل الذين تتلمذوا على أيديهم واستلموا منهم الأخبار السارة:
يقول القديس أغناطيوس الأنطاكي تلميذ بطرس الرسول: ” أثبتوا إذاً على تعاليم الرب والرسل “(1). ” ثابروا على الاتحاد بإلهنا يسوع المسيح وبالأسقف وبوصايا الرسل “(2).
ويقول أكليمندس الروماني تلميذ بولس الرسول والذي يقول عنه القديس إيريناؤس أنه ” رأى الرسل القديسين وتشاور معهم “(3): ” من أجلنا استلم الرسل الإنجيل من الرب يسوع المسيح ويسوع المسيح أرسل من الله (الآب) “(4).
ويقول بوليكاربوس الذي رافق الرسل خاصة القديس يوحنا الحبيب ” فلنخدمه (المسيح) بخوف وتقوى كما يأمرنا هو والرسل الذين بشرونا بالإنجيل والأنبياء الذين أعلنوا لنا عن مجيء الرب “(5).
ويقول بابياس أسقف هيرابوليس بفرجية في آسيا الصغرى (60 – 130م) والذي يقول عنه القديس إيريناؤس أسقف ليون(6)، وكذلك القديس جيروم(7)، أنه كان تلميذا للقديس يوحنا ورفيقا لبوليكاربوس، ويقول يوسابيوس القيصري، نقلا عن إيريناؤس ” هو أحد الأقدمين، أستمع ليوحنا، وكان زميلا لبوليكاربوس … وأنه تلقى تعاليم الإيمان عن أصدقائهم (أي أصدقاء الرسل).
يقول عن كيفية استلامه للتقليد: ” ولكنني لا أتردد أيضا أن أضع أمامكم مع تفسيري كل ما تعلمته بحرص من الشيوخ ( أي آباء الكنيسة ) … وكلما أتى أحد ممن كان يتبع المشايخ سألته عن أقوالهم، عما قاله أندراوس أو بطرس، عما قاله فيلبس أو توما أو يعقوب أو يوحنا أو متى، أو أي أحد آخر من تلاميذ الرب أو عما قاله اريستون أو القس يوحنا أو تلاميذ الرب. لأنني أعتقد أن ما تحصل عليه
من الكتب يفيدني بقدر ما يصل إلى من الصوت الحي من الصوت الحي الدائم “(8).
ويقول القديس إيريناؤس أسقف ليون (120-202م) ” إذ أن الرسل وضعوا في أيدي الكنيسة كل الأمور التي تخص الحق بغزارة بلا حدود، مثل رجل غنى (أكتنز ماله) في بنك، لذلك فكل إنسان أيا كان يستطيع أن يسحب منها ماء الحياة “(9).
ويقول أيضاً:
“المعرفة الحقيقية قائمة في تعليم الرسل وقيام الكنيسة في العالم كله، وفي امتياز إستعلان جسد المسيح بواسطة تتابع الأساقفة الذين أعطوا الكنيسة القائمة في كل مكان أن تكون محروسة ومصانة دون أي تزييف أو ابتداع في الأسفار بسبب طريقة التعليم الكاملة والمتقنة التي لم تستهدف لأي أضافه أو حذف، وذلك بقراءتها بغير تزوير مع مواظبة شرحها باجتهاد بطريقة قانونية تلتزم بالأسفار دون أي خطورة من جهة التجديف، وبواسطة المحبة الفائقة التي هي أكثر قيمة من المعرفة وأعظم من النبوّة والتي تفوق كل ما عداها من المواهب “(10).
ويلخص لنا القمص تادرس يعقوب في كتابه التقليد الأرثوذكسي موقف إيريناؤس من التقليد كالآتي:
بقى التقليد المنحدر إلينا من الرسل محفوظًا خلال تتابع الشيوخ ” الكلمة اليونانية Presbyters تعنى كهنة ويقصد بها الأساقفة” في الكنيسة بغير انقطاع(11).
يحفظ التقليد في الكنيسة بواسطة الروح القدس الذي يجدد شباب الكنيسة(12).
التقليد الرسولي ليس بالأمر السري، بل يستطيع أن يتعرف عليه كل الراغبين في قبول الحق. إنه معلن في كل كنيسة من العالم كله(13).
أساء الهراطقة تفسير الكتاب المقدس إذ تمسكوا بعبارات عزلوها عن الكتاب وأعادوا
ترتيبها بما يناسب أفكارهم الخاصة(14)، متجاهلين وحدة الكتاب المقدس. لقد استخدموا نصوص الكتاب لكنهم لم يقرأوها خلال الكنيسة ولا بحسب تقليد الرسل. لهذا فإن الفهم الحقيقي للكتاب يوجد داخل الكنيسة حيث يحفظ التقليد المقدس وتعاليم الرسل. ” غرست الكنيسة كفردوس في هذا العالم، كما يقول الروح القدس: من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً (تك16:2)، أي تأكل من جميع كتب الرب المقدسة، لكن لا تأكل بذهن متكبر ولا تلمس أي فكر هرطوقي مضاد. لقد أعترف هؤلاء ” الهراطقة ” أن لديهم معرفة الخير والشر، وارتفعوا بأذهانهم الشريرة فوق الله صانعهم “(15).
أقوال القديس إيريناؤس عن التقليد:
” كما سبق أن أوضحت، الكنيسة وقد تقبلت هذه الكرازة وهذا الإيمان، بالرغم من انتشارها في العالم كله إلا أنها كمن تقطن في بيت واحد، تحافظ على هذه الأمور بكل عناية … وتتباين لغات العالم، لكن معنى التقليد واحد في كل موضع. فالكنائس التي قامت في ألمانيا لا تؤمن ولا تسلم أمرًا مغايرًا، وكذلك الكنائس التي في أسبانيا أو بلاد الغال أو التي في الشرق أو في مصر أو في ليبيا أو تلك التي قامت في مركز العالم “(16).
” إذ نشير ” للهراطقة ” عن التقليد المنحدر إلينا من الرسل والمحفوظ خلال تتابع الشيوخ “Presbyters أي رجال الكهنوت ” في الكنائس نقول أنهم يقاومون التقليد مدعين أنهم أكثر حكمة من الأساقفة ” الشيوخ ” بل ومن الرسل أنفسهم، وأنهم قد وجدوا الحق الأصيل، ” ويؤكدون ” أن الرسل قد خلطوا الأمور الخاصة بالشريعة بأقوال المخلص … من هذا يظهر أنهم لم يتفقوا لا مع الكتاب المقدس ولا مع التقليد …
أنه في قدرة الجميع، في كل كنيسة، أن يروا الراغبين في رؤية الحق وأن يتأملوا بوضوح تقليد الرسل معلنًا في العالم كله …بهذا الترتيب وخلال التتابع ” منذ الرسل “، وصل إلينا التقليد الكنسي من الرسل وأيضًا الكرازة بالحق. وهذا هو برهان قوى أنه يوجد إيمان واحد محيى، حفظ في الكنيسة منذ الرسل إلى يومنا هذا، وسلم بالحق.
إذ لدينا مثل هذه البراهين، لا نطلب الحق من الآخرين ” الخارجين عن الكنيسة ” إذ يسهل الحصول عليه من الكنيسة. لأنه في الكنيسة أستودع الرسل وديعتهم كما يصنع الرجل الغنى ” مودعًا أمواله ” في مصرف، إذ سلموا كل ما يتعلق بالحق. بهذا يستطيع كل إنسان يريد أن يشرب مياه الحياة (رؤ17:22). أنها مدخل الحياة! وكل الآخرين هم سراق ولصوص. لهذا يلزمنا أن نجتنبهم، وأن نسعى بكل غيرة واجتهاد في التمسك بما يخص الكنيسة، متمسكين بتقليد الحق.
فانه ماذا يكون الموقف لو ثار نزاع فيما يخص أمرًا هامًا حدث بيننا؟ أما كنا نلجأ إلى أكثر الكنائس قدمًا، التي أودع فيها الرسل حديثهم الدائم، ونتعلم منها ما هو أكيد وواضح في ذلك الأمر؟! فإنه ماذا لو أن الرسل لم يتركوا لنا كتبًا مكتوبة؟ أما كان يلزمنا أن نتبع ” قانون التقليد ” الذي سلموه إلى الذين استأمنوهم على رعاية الكنائس؟!
إلى أي شئ يلتجئ كثير من البرابرة ” الذين لم يترجم الكتاب المقدس إلى لغتهم حتى ذلك الحين” الذين يؤمنون بالسيد المسيح، وقد كتب الخلاص في قلوبهم بالروح وليس على ورق وبحبر، حافظين التقليد القديم بكل حرص.
ما دام التقليد المنحدر إلينا من الرسل موجودًا في الكنيسة وهو دائمًا بيننا، فلنرجع إلى البرهان الكتابي الذي أقامه الرسل، الذين كتبوا الإنجيل، وسجلوا فيه التعليم الخاص بالله، مشيرين إلى ربنا يسوع المسيح على أنه الحق (يو6:14) وليس فيه كذب.
لقد وهبت عطية الله هذه ” أي الأيمان بالمسيح الذي قبلناه خلال التقليد ” للكنيسة، وكأنها النسمة التي أعطيت للإنسان الأول، لكي يتمتع الأعضاء جميعهم بالحياة بقبولهم هذه العطية وينالوا “وسائط الشركة مع المسيح” التي هي: الروح القدس، لنوال عدم الفساد، وسائط الثبوت في الإيمان، السلم المرتفع نحو الله. فقد قيل إن الله أقام في الكنيسة رسلاً وأنبياء ومعلمين “1كو28:12”. وقدم كل الوسائط الأخرى التي من خلالها يعمل الروح. أما الذين ليست لهم شركة في الكنيسة ولا هم منتمين إليها فيحرمون أنفسهم من الحياة بآرائهم المضادة وسلوكهم المشين. لأنه حيث توجد الكنيسة، ونجد كل نوع من النعمة، لأن الروح هو الحق(17).
ويقول القديس أكليمندس الإسكندري (150 – 215م)، الذي كان مديراً لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية والذي كان، كما يصفه المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري (264 – 340م ) والمعاصر لمجمع نيقية سنة 325م: ” متمرساً في الأسفار المقدسة “(18).
وينقل يوسابيوس عن كتابه وصف المناظر أنه أستلم التقليد بكل دقة من الذين تسلموه من الرسل ” التقاليد التي سمعها من الشيوخ الأقدمين “، فقد كان هو نفسه خليفة تلاميذ الرسل أو كما يقول هو عن نفسه إنه ” التالي لخلفاء الرسل “(19)، ” ويعترف بأن أصدقاءه قد طلبوا منه بإلحاح أن يكتب من أجل – الأجيال المتعاقبة – التقاليد التي سمعها من الشيوخ الأقدمين “(20)، وذلك باعتباره أحد خلفائهم.
ومن ثم فقد سجل التقليد الشفوي الذي سمعه ورآه وتعلمه وعاشه وحوله إلى تقليد مكتوب، كما شرحه ودافع عنه. وينقل عنه يوسابيوس، أيضاً، قوله عن معلميه الذين أستلم منهم التقليد ” وقد حافظ هؤلاء الأشخاص على التقليد الحقيقي للتعليم المبارك، المسلم مباشرة من الرسل القديسين بطرس ويعقوب ويوحنا وبولس، إذ كان الابن يتسلمه عن أبيه … حتى وصل إلينا بإرادة الله لنحافظ على هذه البذار الرسولية “(21).
ويؤكد العلامة أوريجانوس (185-253)؛ أن التقليد الكنسي قد أنحدر إلينا من الرسل خلال تتابع بغير انقطاع، ولا يزال التقليد باقيًا إلى اليوم في الكنائس! “(22).
كما يؤكد العلامة كبريانوس (205-258)؛ أنه لا خلاص خارج الكنيسة، سواء للهراطقة أو للمنشقين. ” فلا يقدر أحد أن يأخذ الله أبًا له ما لم يأخذ الكنيسة أمًا له “(23). لهذا فإن التفسير السليم للكتاب المقدس والتعاليم الأرثوذكسية توجد فقط داخل الكنيسة الحقيقية. تقليد الكنيسة الحقيقية هو الحارس للإيمان المسيحي.
أما القديس باسيليوس الكبير (329-379) فيتحدث أيضًا عن التقليد الشفهي ” اجرافوس ” كحافظ للتفسير السليم للكتاب المقدس، الأمر الذي يحاول الهراطقة تحطيمه. إذ يقول: ” الإيمان هو موضوع الهجوم. فإن الهدف الوحيد لكل جماعة المقاومين، أعداء “التعليم السليم، (1تى10:1) هو تحطيم أساس إيمان المسيح بهدمهم التقليد الكنسي حتى النهاية وإزالته كلية … يطلبون البرهان الكتابي محتقرين تقليد الآباء غير المكتوب كأنه أمر ليس بذي قيمة “(24).
ويشير إلى التقليد كمرشد في الأسرار والطقوس، قائلاً: ” من جهة التعاليم والممارسات المحفوظة في الكنيسة والمقبولة بصفة عامة أو موصى بها علانية، فقد جاء بعضها عن تعليم كتابي بينما تسلمنا الآخر ” في سر” (1كو7:2) خلال تقليد الرسل وكلاهما يحمل ذات القوة.
ويقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص (339-394م): ” يكفينا للبرهنة على عبارتنا ذلك التقليد المنحدر إلينا من الآباء، بكونه الميراث الذي تناقلناه بالتتابع منذ الرسل خلال القديسين الذين تبعوهم “(25).
ويؤكد القديس أثناسيوس الرسولي والذي لعب الدور الأكبر في هزيمة الأريوسية(26)، أنه لم يستحدث، لا هو ولا بقية آباء نيقية، شيئًا مما وضعه المجمع من صيغ لاهوتية في قانون الإيمان، بل يقول في الكثير من كتاباته ودفاعاته أنه يقدم الإيمان الرسولي كما تسلمته الكنيسة عبر التسليم الرسولي:
” دعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة الجامعة وتعليمها وإيمانها، الذي هو من البداية والذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وحفظه الآباء. وعلى هذا الأساس تأسَّست الكنيسة، ومَنْ يسقط منه فلن يكون مسيحيًا، ولا ينبغي أن يُدعَى كذلك فيما بعد “(27).
” وبحسب الإيمان الرسولي المُسلَّم لنا بالتقليد من الآباء، فإني قد سلَّمت التقليد بدون ابتداع أي شيء خارجًا عنه. فما تعلَّمته فذلك قد رسمته مُطابِقًا للكتب المقدسة “(28).
” لأن ما سلَّمه آباؤنا هو عقيدة حقيقية، وهذه هي سِمَة المُعلِّمين اللاهوتيين، أن يعترف كل واحد منهم بما هو عند الأخر، وأن لا يختلفوا لا عن بعضهم البعض ولا عن آبائهم. أما هؤلاء الذين ليس لهم هذه السِمَة، فيجب ألا يُدعَوا معلِّمين لاهوتيين حقيقيين بل أشرارًا “(29).
” أما مُعلنو الحق القديسون الحقيقيون فيتفقون معًا ولا يختلفون، فبالرغم من أنهم عاشوا في أزمنة مختلفة، إلا أنهم جميعًا يتَّبعون نفس الطريق، لكونهم أنبياء لإله واحد ويُبشِّرون بنفس الكلمة في هارمونية واتفاق “(30).
” أما إيماننا نحن فمستقيم ونابع من تعليم الرسل، وتقليد الآباء، ومشهود له من العهدين الجديد والقديم كليهما “(31).
” لأنه (مجمع نيقية) لم يكتب عقائدنا بل كتب تلك العقائد التي سلَّمها إلينا من البداية هؤلاء الذين كانوا شهود عيان وخُدَّامًا للكلمة. لأن الإيمان الذي اعترف به المجمع كتابةً هو إيمان الكنيسة الجامعة “(32).
ويقول للهراطقة: ” ها نحن نُثبِت أن هذا الفكر قد سُلّم من أب إلى أب. أما أنتم أيها اليهود الجُدد وتلاميذ قيافا، كم عدد الآباء الذين يمكن أن تنسبوهم لتعبيراتكم؟ ليس ولا واحد ذا فهم وحكمة، لأن الجميع يمقتونكم، إلا الشيطان وحده، فليس أحد غيره أباكم في هذا الأرتداد “(33).
” دعهم يخبروننا من أي مُعَّلم أو من أي تقليد جاءوا بهذه المفاهيم عن المخلص “(34).
(1) رسالته إلى ماجنسيا 1:13
(2) إلى تراليس 1:7
(3) الآباء الرسوليين للبطريرك إلياس الرابع معوض 16.
(4) رسالته الأولى 1:42
(5) رسالته إلى فيلبى 3:6
(6) Adv. Hear. B 5;33.
(7) مشاهير الرجال ف 18.
(8) يوسابيوس ك3:39.
(9) N. T. Apoc رؤ 17:22
(10) Adv. Hear. B 5;33.
(11) Irenaeus: Against heresies 3:2:2, 3:3:1, 3:4:1.
(12)Ibid 3:24:1.
(13) Ibid 3:3:1.
(14) Ibid 1:8:1.
(15) Ibid 5:20:2.
(16) Probably referring to the in Palestine(Ante Nicene Frs, vol1, p 331).
(17) Irenarus: Against Heresies 1:10:2;3:2,2:3, 3L:3:1; 3:3:3; 3:4:1, 2; 3:5:1;3:24:1. Ante-Nicene Fathers, vol 1. j. Stevenson: A new Eusebius, London, 1974,p 115 – 117.
(18) يوسابيوس ك 5 ف1.
(19) يوسابيوس ك 6 ف 13.
(20) ك 6 ف 13 : 8.
(21) ك 5 ف 11 : 5.
(22) Origen: De Principus: Praef. 2.
(23) St. Cyprian: Epistle 74:11, Unity of the Church 6.
(24) St. Basil: O the Spirit, ch. 10 (25).
(25) St. Gregory of Nyssa: Contra Eunomuim 4 PG 45: 653.
(26) أنظر أيضاً ” لاهوت المسيح عند آباء ما قبل نيقية ” ك مار جرجس سبورتنج ص 10 – 12. والقمص تادرس يعقوب ” شفرة دافنشي رواية بوليسية خيالية أم بحث علمي؟ ” ص 128 و129.
(27) الروح القدس، الرسالة الأولى، فقرة 28.
(28) الروح القدس، الرسالة الأولى، فقرة 33.
(29) NPNF, 2nd ser. , Vol. IV, p. 153.
(30) NPNF, 2nd ser. , Vol. IV, p. 153.
(31) NPNF, 2nd ser. , Vol. IV, p. 576.
(32) NPNF, 2nd ser. , Vol. IV, p. 169.
(33) NPNF, 2nd ser. , Vol. IV, p. 168.
(34) NPNF, 2nd ser. , Vol. IV, p. 158.
التسليم الرسولي للإيمان المسلم مرة للقديسين – القمص عبد المسيح بسيط