الله والألم – لماذا لا يُبعد الله عنّا الألم؟

الله والألم – لماذا لا يُبعد الله عنّا الألم؟

«إني أواجه مشكلة حقيقية في مسألة الله والألم. إنه أمر غير مفهوم. فأنا لا أظن أنه يهتم بنا حقاً. لماذا لا يُبعد عنا الألم؟»

الله والألم – لماذا لا يُبعد الله عنّا الألم؟

 

«إني أواجه مشكلة حقيقية في مسألة الله والألم. إنه أمر غير مفهوم. فأنا لا أظن أنه يهتم بنا حقاً. لماذا لا يُبعد عنا الألم؟»

أجابتي:

«أشكرك على ذلك السؤال، خاصةً أني واثق أن آخرين من الحضور تدور في أذهانهم أفكار أو شكوك مشابهة. وسأحاول تقديم بعض الأفكار التي أرجو أن تكون مفيدة. أولاً، كلنا نواجه مشكلة في مسألة الألم، لأنها تبدو لنا خاطئة وشاذة، وفي أعماقنا شعور دفين بأن الصورة لا يجب أن تكون على هذا النحو.

ولكن الرجاء المسيحي يتضمن أننا يوماً ما سنصل إلى مكان بلا ألم ولا معاناة، وسوف تختفي كل هذه الأمور. وهذا المكان هو الموضع الذي ننتمي إله بالفعل. فهذا العالم مثل وادي أحزان مظلم، إلا أن المسيحي يعلم أن أورشليم الجديدة تقع في نهايته، وهي مكان يشع بالسلام.

وذلك الرجاء هو ما يساعدنا على مواصلة السير فيما يطلِق عليه الكتاب المقدس «وادي ظل الموت».

«وأود أن أشير إلى نقطة ثانية: الله يهتم بنا فعلياً، فهو معنا طوال الرحلة. وبصفتي مسيحياً، أؤمن من كل قلبي أننا نرى الله في يسوع المسيح. فالله دخل إلى هذا العالم، عالم الألم والحزن والموت، وهذه هي فكرة التجسد. وهو ما يعني أن الله اختار أن يصل إلينا في مكاننا.

لقد اختار أن يشاركنا آلامنا وأحزاننا، ولم يرسل لنا أحد مساعديه ليخبرنا بأنه يهتم بنا، ولكنه قطع المسافة بنفسه ليخبرنا بذلك شخصياً. وقد تألم يسوع على الصليب حتى نصل يوماً ما إلى مكان لا يُعرف فيه أي ألم. لدي الكثير أقوله في هذا الأمر، ولكن النقطة المهمة أن الله يقودنا من عمق الألم إلى المجد، وهو معنا طوال الطريق. نحن غير متروكين.»

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

الله والألم – لماذا لا يُبعد الله عنّا الألم؟

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

تُعنى الدفاعيات بإقناع الناس بأن المسيحية تخلق للحياة معنى، حتى إن “سي.إس.لويس” الذي قد يُعتبر أعظم مدافع مسيحي في القرن العشرين يصف قدرة الإيمان المسيحي على خلق معنى للأشياء بفصاحة بليغة وبإيجاز قاطع قائلاً: “إني أؤمن بالمسيحية كما أؤمن بأن الشمس قد أشرقت، لا لأني أراها فحسب، ولكن لأني أرى كل الأشياء الأخرى بواستطها.”[1] وما يقوله “لويس” أساسي في الدفاعيات المسيحية: فالمسيحية لها معنى في حد ذاتها وهي قادرة على إضفاء المعنى على سائر الأشياء أيضًا.

ويعرض “لويس” في كل أعماله، حتى الخالي منها، نظرة المسيحية للأمور باعتبارها نظرة منطقية، ومقنعة، ومتصلة بحياة البشر. فما أن ننظر للعالم من منظار مسيحي حتى يتضح قصور وجهات النظر الأخرى. وقد أشار أحد زملاء “لويس” في جامعة أكسفورد، وهو اللاهوتي وأستاذ العهد الجديد “أوستين فارِر” Austin Farrer   إلي أن تفوق “لويس” في الدفاعيات يرجع إلى قدرته على إظهار الإيمان بالله منطقي وطبيعي.

لم تكمن قوة “لويس” الحقيقية في البرهان، بل في التصوير. فقد سكن في كتاباته عالَمٌ مسيحي يمكن للقارئ أن يفكر فيه ويشعر به. وكان يشعر في هذا العالم بارتياح تام، وقد تمكن من نقل الشعور ذاته لقرائه. كان يقدم القضايا الأخلاقية بمنتهى الوضوح ويبين ارتباطها بالإرادة الإلهية، وعندما يتمكن المرء من رؤيتها على هذا النحو، لا يمكنه أن يراها غير ذلك أبدًا.[2]

يُعتبر الاتساع الفكري الذي يتميز به الإيمان المسيحي من أعظم نقاط قوته، ويمكن استخدامه بكل قوة في الدفاعيات كما سنرى في هذا الفصل. وعندما اقول إن المسيحية قادرة على خلق معنى أعمق للواقع أكثر من غيرها لا أقصد أن وجهات النظر الأخرى غير منطقية.

فمعظم أشكال الإلحاد مثلاً لها منطقها الذي يفترض بعض الملحدين مثل “ريتشارد دوكينز” Richard Dawkins  وكذلك “كرستوفر هيتشنز” Christopher Hitchens  أنه الشكل الوحيد للعقلانية، وهو افتراض طفولي ساذج. إلا أن المسيحية تتفوق على غيرها من حيث قدرتها على إضفاء معنى أكثر عمقًا ومنطقية على الأمور، كما يرى معظم المدافعين.

والروائي الإنجليزي “إفيلين وُه” Evelyn Waugh  (1903-1966) الذي اشتهر بروايته ” العودة إلى برايدزهد” Brideshead Revisited  (1945) يشير إلى نقطة مشابهة. فبعد أن آمن بالمسيحية سنة 1930 كتب لأحد أصدقائه يشرح له كيف مَكًنه إيمانه الجديد من رؤية الأشياء بوضوح لأول مرة.

الاهتداء إلى الإيمان  يشبه الخروج من عالم “أليس في بلاد العجائب”، حيث يبدو كل شيء كاريكاتيريًا وعبثيًا، والدخول إلى العالم الحقيقي الذي صنعه الله، ثم تبدأ بعد ذلك رحلةٌ بهيجة لا نهائية لاستكشاف هذا العالم.[3]

فقبل الإيمان لم يرَ “وُه” إلا عالمًا مشوهًا وهميًا، ولكنه بعد إيمانه رأى الأمور على حقيقتها. وبدأ رحلة اكتشاف هذا العالم الجديد تملؤه مشاعر الحماس والدهشة والإثارة كما يتضح من كتاباته بعد الإيمان.

فكيف نفهم منطقية الإيمان؟ يمكن توضح منطقية الإيمان المسيحي بطريقتين مختلفتين، ولكنهما تكملان بعضهما البعض:

  1. بإظهار القاعدة القوية من الحجج والأدلة المؤيِّدة للعقائد الجوهرية في المسيحية: يتضمن هذا المنهج بناء حجج عقلانية تثبت وجود الله، أو حجج تاريخية تثبت قيامة يسوع الناصري. في هذا المنهج يتم الدفاع بشكل مباشر عن مصداقية العناصر الأساسية للأمان المسيحي.
  2. بإظهار أنه إذا كان الإيمان المسيحي صحيحًا، فهو يخلق للواقع معنى أعمق وأكثر منطقية من البدائل الأخرى: تتفوق المسيحية على البدائل الاخرى من حيث توافقها مع ملاحظاتنا وخبرتنا على نحو أكثر منطقية. وهي بذلك تشبه اختبار النظريات العلمية للتأكد من اتساقها مع الملاحظات أو قدرتها على تفسير هذه الملاحظات.

هذان المنهجان لا يلغي أحدهما الآخر، بل يمكن استخدامها معًا في الدفاعيات. سنتناول الآن بعض الأفكار والخطوط المنهجية التي تمثل قيمة محورية في الدفاعيات بوصفها أداة تُظهر لثقافتنا ما يتميز به الإيمان المسيحي من عقلانية ومنطقية.

وسنبدأ دراستنا بالنظر إلى طبيعة الإيمان.
طبيعة الإيمان:

أدى صعود تيار”الإلحاد الجديد” سنة 2006 إلى خلق اهتمام جديد بطبيعة الإيمان، وأصبح السؤال المطروح: لماذا نؤمن بالله إن كنا لا نستطيع إثبات هذا الإيمان بيقين مطلق؟ ومن أشد انتقادات الإلحاد الجديد وأكثرها شيوعًا هو القول بأن “الإمان بالله غير منطقي”، حتى إن “ريتشارد دوكينز”، ذلك الملحد الذي يعتمد أسلوب المواجهات في دعم قضاياه ، يرى أن الإيمان هروب من الأدلة بدفن الرؤوس في الرمال، ورفض التفكير.

وبالرغم من أن الكثير من المراقبين الإعلاميين أظهروا نوعًا من القبول لهذه الانتقادات في بادئ الأمر، فقد أظهر الفحص الدقيق مدى ضحالتها، لأن هذا الإلحاد الجديد نفسه له معتقداته وتعاليمه غير المثبَتة، وغير القابلة للإثبات، مثل غيره من الأفكار.

يقول نقاد حركة التنوير من الفلاسفة، مثل “ألاسدير ماكينتاير” Alasdair Maclntyre  أو “جون جري” John Gray  إن محاولة حركة التنوير أن تضع أساسًا ومعيارًا واحدًا وشاملاً للمعرفة قد ضعُف حتى انهار تمامًا تحت وطأة كمية ضخمة من الأدلة المضادة.[4] فالنظرة القائلة بوجود عقل وحيد شامل لا يمكن الدفاع عنها ولا يمكن تحقيقها. وذلك، لأننا باعتبارنا بشرًا محدودين ليس أمامنا خيار سوى أن ندرك أننا لابد أن نعيش في غياب بعض الحقائق العقلانية الصرفة، الواضحة، المطلقة التي لا تتحمل أي لبس.

فمؤكد طبعًا أنه علينا أن نضع معايير تثبت صحة معتقداتنا، وعلينا أن ندافع عن هذه المعايير، ولكننا في الوقت نفسه لابد أن ندرك أن تلك المعتقدات قد تستعصي على الإثبات. إلا أنها، على حد التعبير الذي أطلقه “وليم جيمز” William James  أحد علماء النفس بجامعة “هارفارد” Harvard ، وتُفهم على أنها “فرضيات مقبولة” ” Working hypotheses”.[5]

وسوف أضرب مثالاً لتوضيح هذه النقطة. بعض العبارات الأخلاقية مثل “الاغتصاب فعل خاطئ” لا يمكن إثباتها لا بالمنطق ولا بالعِلم، وهو ما ينطبق على بعض العبارات السياسية أيضًا، مثل “الديمقراطية أفضل من الفاشية.” ولكن هذا لا يمنعنا من الإيمان بهذه المعتقدات السياسية والأخلاقية والتصرف وفقًا لها. ولا يقتصر ذلك على الأخلاقيات الشخصية والآراء السياسية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى المعتقدات الاجتماعية، وأهمها العدالة. فما من أمة أو مجتمع يمكنه أن يبقى على قيد الحياة دون أن يكون عنده مفهوم للعدالة. ومع ذلك، لا يمكننا أن نثبت بالمنطق البشري المحض صحة مفهوم بعينه من مفاهيم العدالة.

ومؤخرًا أكد “مايكل ساندل” Michael Sandel  أستاذ الحكومة في جامعة “هارفارد” أن أي فكرة للعدالة تقوم على مفهوم ما للحياة الطيبة بما يتضمنه من شبكة معتقدات عن الطبيعة البشرية وقيمها وغرضها.[6] وقد أشار إلى أن هذه المعتقدات لا يمكن إثباتها، وهو محق في ذلك. صحيح أن بعض مفكري عصر التنوير، تلك الفترة العظيمة في الثقافة الغربية التي قالت بالمرجعية العليا للعقل البشري، آمنوا بأن العقل قادر على تقديم إجابات قاطعة لهذه الأسئلة.

فلا يمكن العثور على إجابات ذات معنى للأسئلة المتعلقة بالعدالة دون الاعتماد على معتقدات لا يمكن إثباتها بشكل نهائي. وقد تلاشى حلم التنوير بتأسيس العدالة على المنطق البحت، لأن فكرة “المنطق الخالص” هي فكرة خيالية، لأن مفاهيم العقلانية تتشكل وفقًا للبيئة الثقافية، كما أشار “ستيفن تولمين” Stephen Toulmin  في ملاحظة صائبة قائلاً:

إن ممارسة الحكم العقلاني في حد ذاتها تتم في إطار معين وتعتمد عليه في الأساس، والحجج التي نواجهها توجد في زمان معين وفي طروف معينة، وعندما نُقَيٍّمها لابد أن نحكم عليها في ظل هذه الخلفية.[7]

يبدو أن الكثير من مفكري التنوير نجوا من هذه الحقيقة التي تقوض بناءهم الفكري، وذلك بفضل محدودياتهم الأكاديمية التي كانت شديدة الارتباط آنذاك بالتقليد الغربي الكلاسيكي، ولكن هذا الوهم قد تلاشى، حتى إن “ألاسدير ماكينتاير” يختم تحليله العبقري للتناول العقلاني لكلٍّ من المعرفة والأخلاق بأن التنوع الكبير في طريق التناول “العقلاني” للعدالة والأخلاق لابد أن يؤادي للاستنتاج بأن “الإرث الذي خَلَّفته حركة التنوير هو نموذج مثالي للتفسير العقلاني الذي ثبتت استحالة تحقيقه.”[8]

فالعقل يعد بالكثير ولكنه يعجز عن الوفاء بكل ما يعد به.

ويمكننا في هذا الصدد أن نسوق الكثير من الأمثلة التي تصل جميعها إلى الاستنتاج ذاته الذي أشار إليه منذ عدة سنوات فيلسوف أكسفورد العظيم والمؤرخ الفذ السير “أيزيا برلين”” Sir Isaiah Berlin  (1909 – 1997 ) عندما قال بأن القناعات البشرية يمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات:

  1. قناعات يمكن إثباتها بالملاحظة التجريبية.
  2. قناعات يمكن إثباتها بالاستنباط المنطقي.
  3. قناعات لا يمكن إثباتها بأي من الطريقتين السابقتين.[9]

تتمثل الفئتان الأولى والثانية فيما يمكن التحقق منه بالعلوم الطبيعية، وما يمكن إثباته بالمنطق والرياضيات. وبذالك، ينحصر”البرهان” في نوعية محدودة من العبارات التقريرية، مثل:
2+2= 4
الكل أكبر من الجزء.
التركيبة الكيميائية للماء هي H₂O.

العبارة الأولى والعبارة الثانية يمكن إثباتهما منطقيًا، والأخيرة يمكن إثباتهما علميًا. أما الفئة الثالثة فهي التي تضم القيم والأفكار التي تشكل الثقافة البشرية وتُعَرِّف الوجود الإنساني، أي أنها المعتقدات التي تعطي للحياة الإنسانية سببًا، واتجاهًا، وغرضًا، ولا يمكن إثباتها بالمنطق أو العلم.

ما الذي يندرج تحت هذه الفئة؟ سنة 1948 أكدت الأمم المتحدة “إيمانـ]ها[ بحقوق الإنسان الأساسية.” ورغم أهمية هذا المعتقد، فبنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يمكن إثباتها منطقيًا ولا علميًا، كما لا يمكن إثبات الاعتقاد بأن الظلم شر أو أن الاغتصاب خطأ. فهذه أمور مستحيلة الإثبات. ومع ذلك يتخذ الناس منها عملاً لهم طيلة حياتهم انطلاقًا من اعتقادهم بأنها، أولاً صحيحة، وثانيًا مهمة.

وقد أشار الناقد الأدبي البريطاني “تِري إيجلتون” Terry Eagleton  في نقد قوي لكتاب “وهم الإله” the God Delusion  لمؤلفه “ريتشارد دوكينز” قائلاً: “إننا نؤمن بالكثير من المعتقدات التي ليس لها مبرر عقلاني يفوق مستوى الشبهات، ومع ذلك هذه المعتقدات منطقية إلى الدرجة التي تجبرنا على أخذها بعين الاعتبار.”[10] والإيمان بالله واحد من هذه المعتقدات.

وقد أكد الفيلسوف “ألفين بلانتيجا” Alvin Plabtinga  هذه النقطة منذ سنوات بالإشارة إلى مشكلة دائمة وهي مشكلة “العقول الأخرى”[11] التي تقول بأنه لا يمكنك أن تبرهن برهانًا مطلقًا على أن اللآخرين عندهم عقول. ومع ذلك لم يشغل أحد نفسه بهذا الأمر، لأنه افتراض مقبول ويتفق مع طبيعة الأمور. ثم يقول “بلانتينجا” بوجود توازٍ بين إثبات وجود “عقول أخرى” وإثبات وجود الله.

ويستطرد قائلاً إنه لا يمكن إثبات أي منهما، ويمكن تقديم حججٍ قوية ضد كلٍّ منهما، ولكن مؤيدي هاتين النظرتين يرون أنهما منطقيتان جدًا.

إن “ريتشارد رورتي” Richard Rorty  (1931- 2007 ) الذي قد يُعتبر أعظم فيلسوف أمريكي في القرن العشرين عرض نقطة مشابهة في خطابه الرئاسي أمام “الجمعية الفلسفية الأمريكية” American Philosophical Society  منذ عدة سنوات أشار إلى أنه

إذا كان أي شخص يؤمن بالفعل أن قيمة أي نظرية تتوقف على أساسها الفلسفي، عندئذٍ لابد أن يشك في أشياء مثل الفيزياء والديمقراطية إلى أن نتغلب على نسبية النظريات الفلسفية، ونجعل منها نظريات مطلقة. ولكن من حسن الحظ أنه ما من أحد يؤمن بشيء كهذا.[12]

ماذا يقصد “رورتي” بهذا الكلام؟ يقصد أننا يمكن أن نؤمن بالمفاهيم الجوهرية في عصرنا دون أن يتوفر لدينا إثبات مطلق.

إن الكل يؤمن منطقيًا بصحة معتقدات معينة رغم إدراكه أن هذه المعتقدات لا يمكن إثباتها، بالمعنى الضيق لكلمة إثبات. ألا أن نقاد العقائد الدينية غالبًا ما يرجحون أن “الإيمان” نوع من المرض العقلي لا يصيب إلا المتدينين. ولكن هذا خطأ لأن الإيمان جزء من إنسانيتنا.

وقد عبَّرت الفيلسوفة “جوليا كريستفا”  Julia Kristeva عن ذلك مؤخرًا بالقول: “سواءً أكنت أنتمي إلى دين، أو كنت لاأدرية، أو ملحدة، فعندما أقول “أنا أؤمن” فهذا يعني أني أقول “أنا أعتبر ]ما أؤمن به [ صحيحًا.”[13] فالإيمان بالله، وبالعدالة، وبحقوق الإنسان تعاني جميعًا من هذه المشكلة المزعومة، وهذه ليست إلا ثلاثة أمثلة، ولكن القائمة تطول.

وعادةً ما يعجز الكُتاب الملحدون عن أن يأخذوا في الاعتبار محدودية العقل البشري، ويرون أن قناعتهم تتميز بالصلابة والمصداقية والقدرة على التحدي. وهم يقولون إنهم لا يؤمنون بأي شئ، ويقتصرون على ما هو صواب، حتى إن المدافع الملحد “كريستوفر هيتشنز” أعلن بكل جرأة أن الملحدين الجدد من أمثاله لا يأخذون العقائد في حسبانهم قائلاً إن “عقيدتنا هي اللاعقيدة.”[14]

هذا خطأ، وأخشى أن “هيتشنز” يضلل نفسه، لأنه يتضح أن تحليله للدين يقوم على معتقدات جوهرية معينة لا يمكن إثباتها، حيث إن نقده العنيف للدين يقوم على قيم أخلاقية معينة (كما في القول بأن “الدين شر” أو ” الله غير صالح” لا يمكن إثباتها، وهو ما يمثل في النهاية نوعًا من التسليم القائم على مجرد  شعور بالثقة في في صحة هذه الأفكار. ومادام تقييم “هيتشنز” للدين أخلاقيًا في المقام الأول، فهو مجبر على افتراض قيم أخلاقية معينة لا يمكنه إثباتها. وكل القيم الأخلاقية تقوم في النهاية على معتقدات.

ونقد”هيتشنز” للمسيحية يقوم في نهاية الأمر على معتقداته ويُعبر عنها، أي أنه يقوم على ما يعتقد أنه صواب ويفترض أن أناسًا أخرين يعتقدون أنه صواب، ولكنه لا يستطيع إثباته فعليًا لا بالمنطق ولا بالعلم.

إلا أن مفهوم الإيمان في المسيحية أعمق بكثير من مجرد الاعتقاد بصحة بعض الأفكار. لأن الإيمان عند المسيحيين ليس معرفيًا (“أنا أعتقد أنا هذا صواب”) فحسب، ولكنه في الوقت نفسه يحمل بعدًا علاقتيًا ووجوديًا (“أنا اثق في هذا الشخص”). فالأمر لا يتوقف عند الاعتقاد بوجود الله، بل يمتد إلى أكتشاف حكمة هذا الإله ومحبته وصلاحه، مما ينتج عنه قرار إرادي بتسليم الحياة لهذا الإله. وهو ما عبَّر عنه “سي.إس.لويس” عندما قال إنك لا تواجه “حجة تطالبك بأن توافق عليها، بل شخصًا يطالبك بأن تثق فيه.”[15]

ولذا، فالإيمان يعني الثقة في شخص، وليس مجرد الاعتقاد في وجوده. وقد أشار الكاتب الدنماركي “سورن كيركجارد” Soren Kierkegaard  (1813 – 1855) إلى هذه الفكرة عندما أكد أن الايمان الحقيقي بالله هو “قفزة نوعية” من وجود إلى وجود مختلف. فالايمان المسيحي ليس مجرد إضافة بند الايمان بالله لما نختزنه من أفكار عن العالم. ولكنه يعني إدراك واعتناق “النظام الوجودي” mode of existence” ” الجديد الذي تتيحه هذه الثقة.

وتجدر الإشارة إلى أن الفيلسوف النمساوي “لودفيج فيتجنشتاين” Ludwig Wittgenstein  الذي يُعتبر عند الأغلبية من عباقرة القرن العشرين العظماء، كان يعاني من شكوك مضنية في فكرة “إثبات” وجود الله. وقد صرح بأنه لم يلتقِ بشخص واحد آمن بالله نتيجةً للحجة العقلية!

وقد تنبأ “جوناثان إدواردز” Jonathan Edwards  (1703- 1785 ) عالمِ اللاهوت البيوريتاني الأمريكي العظيم بهذا الموضوع في كتاباته حيث رأى أن الحجة العقلية لها قيمتها وأهميتها في الدفاعيات المسيحية، ولكنها قد تؤدي إلى مجرد الايمان بوجود الله دون أي تأثير يغير الحياة. وكما يشير ” إدوردز”، البعض “يخضع لحق الديانة المسيحية بناءً على البراهين أو الحجج العقلية التي تثبت صحته.”[16] إلا أن هذا لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير الحياة أو “الإيمان الحقيقي.”

وما يقصده “إدواردز” أن الشخص قد يؤمن بوجود إله دون أن يؤمن بهذا الإله. وهو موقف معروف من العهد الجديد. “أَنتَ تُؤمِنُ أَنَّ الله وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤمِنُونَ وَيَقشَعِرُّونَ!” (يع19:2). فالفرق شاسع بين القبول العقلاني والتغير الشخصي. ويصرح “إدواردز” بأن ما يغير الناس ليس الحجة بل “إدراك” مجد الله، أي التقدير الواعي لهذا المجد، أو لقاء مباشر أو اختبار شخصي مع الله.

قد تلعب [الحجج] دورًا فعالاً في تنبيه غير المؤمنين وحثهم على التفكير بجدية، وفي تثبيت إيمان القديسين الحقيقيين. ولكنها لا تتمتع بالأهمية ذاتها في خلق الإيمان الخلاصي لدي الأشخاص. فالاقتناع الروحي لا ينتج عن الحكم العقلاني، بل من إدراك مجد الأمور الإلهية وجمالها الروحي.[17]

ولكن قيادة الناس للتحول إلى الإيمان هي في النهاية مهمة الكرازة. فالدفاعيات تمهد الطريق لهذا التحول بإظهار أن الإيمان بالله منطقي. إنها تزيل الأحجار والركام من طريق الكرازة. وقد لا يمكننا أن نثبت وجود الله بالمعنى الجامد والمطلق لكلمة إثبات. ولكن مؤكد أنه يمكننا أن نبين أن الإيمان بوجود هذا الإله منطقي تمامًا من حيث أنه يعطي معنى أعمق للحياة وللتاريخ وللخبرة الإنسانية على نحو يتفوق على غيره من البدائل، وبعدها يمكننا أن ندعو الشخص ليتجاوب مع هذا الإله المحب ويثق في مواعيده.

 ما أهمية منطقية الإيمان المسيحي؟

لماذا تمثل هذه النقطة أهمية كبرى؟ لماذا يجب علينا أن نظهر أن العقيدة المسيحية منطقية؟ لماذا لا نكتفي بإعلان هذه الفكرة وحسب؟ من النقاط الدفاعية التي يجب تأكيدها هنا أنه من الصعب أن ندافع عن الأفكار التي تسير في اتجاه مضاد لطريق التفكير السائدة في الثقافة.

وقد أشار “أوستين فارر” إلى أن نجاح “سي. إس. لويس” المبهر في عمله بالدفاعيات يرجع في جانب منه لقدرته على “عرض قوة الأفكار المسيحية على المستوى الأخلاقي، والخيالي، والعقلاني عرضًا إيجابيًا.”[18] ويرى “فارر” أن منهج “لويس” في الدفاعيات أظهر أن المسيحية تعطي معنى لأعمق انطباعات العقل البشري والقلب والخيال.

إلا أن “فارر” كان معنيًا بوجه خاص بتأكيد أهمية إظهار منطقية الإيمان. ولكنه لم يقصد بذلك أن المنطق يخلق الإيمان، أو أن الناس يؤمنون بالله بفضل الحجج العقلانية. إلا أنه أراد أن يؤكد مدى صعوبة الدفاع عن الايمان المسيحي علنًا إن كان المجتمع يراه غير منطقي. ولذلك، فإن أعظم إنجاازات “لويس”، من وجهة نظر “فارر”، أنه أظهر منطقية الإيمان بشكل يَسَّر قبوله  على المستوى الثقافي.

رغم أن الحجة لا تخلق قناعة، غيابها يضرب الإيمان في مقتل. فما يُثبَت، قد لا يُعتنق، ولكن ما لا يستطيع أحد أن يدافع عنه سرعان ما يتخلى الناس عنه. وإن كانت الحجة العقلانية لا تخلق الإيمان، فهي تحفظ على مناخ ملائم يسمح له بالنمو.[19]

وإظهار منطقية الإيمان لا يعني إثبات كل عنصر فيه، بل يعني القدرة على إظهار أن الاعتقاد في مصداقية هذه العناصر وصحتها يقف على أسس سليمة. ومثال ذلك تبيان أن الإيمان المسيحي يعطي معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ومن ثم، يمكن تشبيهه بعدسة تضع كل شئ في البؤرة، أو بضوء يسمح لنا بالرؤية على مسافات أبعد وبشكل أوضح مما تتيحه لنا قدرتنا العادية.

وقد أكدت هذه الفكرة الفيلسوفية والناشطة الاجتماعية الفرنسية “سيمون فيّ”  Simone Weil ، وهي مفكرة يهودية آمنت بالمسيحية في شبابها. فقد استخلصت بعد إمعان النظر فيها يتضمنه إيمانها الجديد من معانٍ أن الإيمان بالله ينير الواقع على نحو أفضل من البدائل العلمانية الأخرى بكثير. وإن كانت طريقة تفكير بعينها قادرة على وضع الأشياء في البؤرة أو إنارة ما هو مظلم وملتبس، فهذا يعد دليلاً على مصداقيتها.

إن أنرتُ كشافًا كهربائيًا في شارع مظلم، لن أحكم على قوته بالنظر إلى المصباح الموجود بداخله، بل بعدد الأشياء التي يسلطه على الأجسام المظلمة. وقيمة أي منهج ديني، أو روحي، بوجه عام، تقَيَّم بكمية النور الذي يُسلِّطه على ما في هذا العالم من أمور.[20]

إن قدرة النظرية على إنارة الواقع ووضعه في بؤرة التركيز تُعتبر في حد ذاتها مقياسًا مهمًا لمصداقيتها. وهنا ترى موضوعًا جوهريًا في الدفاعيات المسيحية، ألا وهو أن الإيمان بصحة المسيحية له أسباب وجيهة، ومنها مدى قدرته على خلق معنى منطقي لما نراه حولنا وبداخلنا. وقد علًّق “برايان لفتو” Brian Leftow  الفيلسوف بجامعة أكسفورد على اختباره المسيحي الذي مكنه من رؤية الأشياء على حقيقتها قائلاً: “إن كنت ترى الأشياء على حقيقتها من الموقع الذي تقف فيه، فأنت في المكان الصحيح.”[21]

فماذا عن العلوم؟ إن “جون بولكينجهورن” John Polkinghorne  (المولود سنة 1930 ) الفيزيائي الذي ترك المجال العلمي وتخصص في اللاهوت يثير نقطة وثيقة الصلة بموضوع هذا الفصل:

إن البحث عن الحق مهما كان شكله لا يمكنه الوصول إلى استنتاجات يقينية مطلقة. ولكن الشخص الواقعي في تطلعاته هو من يطمح إلى الوصول لأفضل شرح ممكن للظواهر المعقدة، وهو هدف يمكن تحقيقه بالبحث عن فهم شامل مدفوع بدوافع طيبة ليوفر أساسًا للقبول العقلاني. فلا العلم ولا الدين يمكنه أن يأمل في بناء برهان قاطع تجبر منطقيتُه علي قبوله حتى إنه لا ينكره إلا الحمقى.[22]

إن كلاً من العلم والعقيدة المسيحية ملتزمان بإيجاد أفضل تفسير مدعوم بالدليل لما نلاحظه ونواجهه فعليًا في هذا العالم. ومن وجهة نظر المسيحي، تمثل الدفاعيات في جزء منها تأكيدًا للتوافق المفاهيمي بين الإطار النظري للمسيحية والأنظمة العميقة للعالم كما تكشفها العلوم الطبيعية.

فهل الإيمان بالله منطقي؟ أم أنه مجرد وهم، ونموذج أليم للتفكير الرغبوي عند بشر يعانون مشاعر الوحدة والتعطش؟ لقد قال “لويس” نفسه معلِّقًا على معتقداته الإلحادية قبل الإيمان” “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[23] لقد اكتسبَت هذه القضية أهمية في الآونة الأخيرة نتيجةً للمناقشات السائدة حاليًا في ثقافتنا.

وبالرغم من أن الإلحاد الجديد الذي انفجر سنة 2006 فقدَ الكثير من الجاذبية التي تكسو أي شيء جديد، فالأسئلة التي يطرحها مازالت موضع مناقشة، ومنها هل الإيمان بالله يُعبر عن حالة من التجاوب العقلاني مع الواقع، أم أنه ضلالة قديمة الطراز تتفشى بين الجماهير بفعل فيروسات عقلية تعيش على منطق هش ساذج وتفرضها مؤسسات وأفراد سلطويون؟

وهنالك طبعًا نظرة أكثر تشددًا تقول: إن المحاولات البشرية لتكوين معنى أو تأسيس قيم تتساوى في أنها جمعيًا ضلالات سواءً أكانت تؤمن بوجود الله أم كانت إلحادية. وهي نظرة للواقع شديد التشاؤم وتنعكس بكثرة في كتابات “ريتشارد دوكينز” كما في تصريحه الشهير بأن “خواص هذا الكون الذي نراه هي ذات الخواص التي يمكن أن نتوقعها في كون هو أساسًا بلا تصميم ولا غرض ولا شر ولا خير، ولا أي شيء سوى حالة من الحياد القاسي الأعمى حيث يكون كل شيء عاديًا، لا هو بالجيد ولا بالرديء.”[24]

وترى هذه النظرية أننا نفرض معنى وقيمة على عالم بلا معنى، فيصبح المعنى مخترعًا، وليس شيئًا أصيلاً يكتشفه الإنسان. وهذه الفكرة على قدرة اتساقها، إلا أنها شديدة القسوة على نحو يجعل الكثيرين يرونها لا تطاق.

ونحن في هذا الفصل نبحث قدرة الإيمان المسيحي على إضفاء معنى على الأشياء.
وتركيزي على مسألة منطقيته لا يعني اختزال المسيحية إلى تفسير عقلاني للأمور، ولا يعني أنه القيمة العليا في اللاهوت المسيحي. ولكن الغرض من ذلك توضيح أن المحيط الثقافي الحالي تَشَكَّل بصعود تيارات عدائية يؤكد أن الإيمان في الأساس غير عقلاني، ومن ثم وجب الرد على هذه الادعاءات بشكل واعٍ ومحسوب.

وقد شهد القرن العشرين طاقة فكرية جديدة تم حقنها في الدراسات الفلسفية للأدلة العقلية والتجريبية التي تتعلق بالله، وكان ظهور تفاسير علمية جديدة لنشأة الكون من العوامل التي حفزت هذه الطاقة الجديدة. وقد أكد فلاسفة الأديان مثل “ألفين بلانتينجا” وكذلك “ريتشارد سوينبرن” Richard Swinburne  مجددًا على منطقية الإيمان وأحيوا الحجج القديمة التي تشرح اساب الإيمان بالله، وهنالك تزيد في الاتفاق على أن الإيمان بالله عقلاني تمامًا، إلا إذا عرَّفت “العقلانية” على نحو يتعمد إقصاء هذا الإيمان.[25]

والأمر الذي يزداد وضوحًا أن العقلانية يمكنها فعليًا أن تسجن البشرية في نظرة جامدة متحجرة تحصر الواقع فيما يمكن إثباته عقلانيًا وحسب. وكما أشار “أيزيا برلين” أنه من اللافت للانتباه أن التيار السائد في الثقافة الغربية منذ أواخر القرن التاسع عشر وما بعده يتمثل في “رفض العقل والنظام باعتبارهما سجنًا للروح.”[26] فحصر الإنسان لنفسه فيما يمكن إثباته بالعقل والعِلم هو عبارة عن الأخذ بالقشرة السطحية للواقع والعجز عن اكتشاف ما يمكن تحتها من أعماق.

أما الكتُاب المسيحيون يرون أن الإيمان الديني ليس تمردًا على العقل بل ثورة على سَجن البشرية بين جدران الجمود العقلاني الباردة. فالمنطق والحقائق لا يمكنهما إلا أن “يصلا بنا إلى نقطة معينة في الرحلة، بعدها يجب علينا أن نكمل المسيرة حتى نصل للإيمان.”[27]

فقد يكون المنطق البشري كافيًا على المستوى العقلاني ولكنه قاصر على المستوى الوجودي. والإيمان يعلن عما هو أعمق من العقل، ولا يتعارض معه، بل يفوقه. فالإيمان يستخلص الموافقة العقلانية، ويدعو إليها، ولكنه لا يفرضها، وهو يصل إلى حيث يصل العقل ولكنه لا يحد نفسه عند نقطة تَوقُّف العقل بل يتجاوزها.

فلسفة العلوم باعتبارها أحد الموارد التي تعتمد عليها الدفاعيات:

يوضح “سي.إس.لويس” في روايته لقصة إيمانه بالمسيحية في كتاب “مندهش من الفرح” أن إيمانه بالله لم يأتِ نتيجةً لحجة استدلالية، بل نتيجةً لإمعان التأمل في خبرته، وهو ما يبين أنه يمكننا الاستفادة من منهجيات العلوم الطبيعية في الدفاعيات.

إن العلم يعتمد على الاستدلال inference  لا على استنباط براهين رياضية deduction of mathematical proof ، ويتم ذلك بتراكم سلسلة من الملاحظات التي تطرح السؤال الأعمق: كيف نقدم تفسيرًا حقيقيًا صحيحًا لما نلاحظه؟ ما “الصورة الكبرى” الأكثر توافقًا مع ما نلاحظه فعليًا في خبرتنا الواقعية؟ وقد استخدم العالم والفيلسوف الأمريكي “تشارلز إس.بيرس” Charles S. Peirce مصطلح “الاستدلال الاحتمالي” “abduction“ للإشارة إلى الطريقة التي يتبعها العلماء لتوليد النظريات التي من شأنها تقديم أفضل تفسير للأشياء.

إلا أن هذه الطريقة أصبح يشار إليها الآن باسم “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات” “inference to the best explanation”. وهنالك اتفاق عام الآن على أن هذا الأسلوب هو الفلسفة المميِّزة للعلوم الطبيعية في تقصيها للعالم. فكيف تتم؟

يُعبر “بيرس” عن عملية التفكير التي تؤدي إلى تكوين نظريات علمية جديدة أو طرق تفكير في الواقع كما يلي:

  1. لاحظنا واقعة مفاجئة سنرمز لها بالرمز (ج).
  2. ولكن إذا كانت الواقعة (أ) حقيقية يمكن أن تكون الواقعة (ج) متوقعة.
  3. إذَن هناك سبب يدعو إلى الشك في أن الواقعة (أ) حقيقية.[28]

فالاستدلال الاحتمالي هو عملية ملاحظة أشياء معينة ومحاولة اكتشاف الإطار الفكري الذي يمكن أن يفسرها. وقد كان “شرلوك هولمز” Sherlock Holmes ، المخبر الشهر بطل الروايات البوليسية، يستخدم هذه الطريقة رغم أنه كان يطلق عليها خطأ مصطلح “الاستنباط.” ويرجح “بيرس” أن الاستدلال الاحتمالي أحيانًا ما “يعبر بعقولنا كومضة خاطفة سريعة كأنه “فعل استبصار”.”[29] ولكنه أحيانًا ما يحدث عن طريق عملية بطيئة من التفكير المنهجي العميق أثنا محاولتنا لتوليد كل الاحتمالات التي من شأنها تفسير ما نلاحظه.

وقد فحص “بيرس” بدقة كيفية تكوين العلماء لأفكارهم، وهو يعتبر أن هذه العملية هي التي تكمن وراء المنهج العلمي. فالعلم يبدأ بجمع سلسلة من الملاحظات ثم يبحث عن إطار تفسيري يقدم أفضل شرح لهذه الملاحظات. وقد يكون هذا الإطار نظرية موروثة من عصر سابق، وقد يكون أسلوب تفكير جديد تمامًا.

والسؤال الذي يتطلب إجابه هنا هو: ما مدى الاتساق بين النظرية والملاحظة؟ وغالبًا ما يُستخدم مصطلح “الاتساق التجريبي” “empirical fit” للإشارة إلى هذا التوافق بين ما يُرى في العالم وما تقدمه النظرية.

خذ مثلاً حركة الكواكب التي خضعت للملاحظة على مدى آلاف السنين. ما أفضل تفسير لها؟ في العصور الوسطى كان يُعتقد أن أفضل تفسير لهذه الملاحظات هو النظام “البطلمي” الذي قال بمركزية الأرض، وهو ما يعني أن الشمس والقمر والكواكب تدور جميعها حول الأرض. إلا أنه في نهاية العصور الوسطى اتضح أن الملاحظات لم تكون في اتساق تام مع النظرية، وبدأ النظام البطلمي يتراجع ويضعف لعجزه عن تقديم أدلة أكثر دقة وتفصيلاً بناءً على ملاحظته لحركة الكواكب. وأصبح واضحًا أن العالم في حاجة لأسلوب جيد.

وفي القرن السادس عشر قال كلٌ من نيكولاس كوبرنيكس Nicolas Copernicus  ويوهانس كِبلر Johannes Kepler  إن كل الكواكب بما فيها الأرض تدور حول الشمس. وقد أثبت هذا النظام “الشمس مركزي” “heliocentric” أنه أكثر قدرة على شرح حركة الكواكب كما تُرى ليلاً في السماء. وهكذا كان الاتساق التجريبي الكبير بين النظرية والملاحظة علاقة قوية على صحة النظرية، ومازال هذا النظام هو النموذج القياسي الذي يتبعه علماء الفلك حتى اليوم.

ولكن ليس العلم فقط هو الذي يسير على هذا المنوال، بل إن “بيرس” نفسه أوضح أن المحامين أيضًا يعتمدون على الاستدلال الاحتمالي لكسب قضاياهم، فهم يصنعون عدسةً نظريةً تنير الأدلة وتضعها في البؤرة.  ونظام القضاء الجنائي يستلزم الوصول إلى اتفاق على أفضل تفسير للأدلة المقدَّمة للمحكمة التي تبحث عن إجابة للسؤال: ماهي “الصورة الكبرى” التي تقدم أفضل تفسير للأدلة؟ ففي نهاية الأمر النظرية التي ستقنع هيئة المحلفين هي تلك التي تنسج أكبر عدد ممكن من الأدلة في قصة واحدة مترابطة.

وهذا ما يعكس السعي لإيجاد الصورة الكبرى التي تعطي معنى للقطات المتناثرة، والرواية الكبرى التي تعطي معنى للقصص المنفردة، والنظرية الكبرى التي تربط الأدلة معًا في كلٍ مترابط مُرضٍ. وما ينطبق على النظريات العلمية والقانونية ينتطبق على محاولاتنا لإيجاد معنى الحياة ككل، بل معنى مسألة الله والإنسان. فكيف يمكن أن تساعد هذه المنهجيات في العمل الدفاعي؟

للتفسير العلمي ثلاثة أنماط رئيسية، وكلٌّ منها له قيمة كبرى في الدفاعيات: التفسير السببي أو العِلِّي causal explanation ، والاستدلال القائم على أفضل التفسيرات، والتفسير الترابطي الذي يتضمن عدة تفسيراتexplanation  unificatory. وسنتناول فيما يلي إمكانية استخدام كلٍّ منها في الدفاعيات.

  • التفسير بتحديد المسببات:

أول نمط في التفسير هو التفسير السببي الذي قد يُعتبر أكثر طرق التفسير العلمي شيوعًا. ويقول بأن (أ) تفسر (ب) إن تمكنَّا من إثبات أن (أ) تسبب (ب).[30] فهل هذا يعني أن المسيحيين يؤمنون أن الله يجول في الطبيعة ويخبط التفاح برفق ليسقط من الشجر فيجذبه إلى الأرض؟ لا. ولكن الله يفوض فاعلاً مسببًا في هذا النظام المخلوق.

وقد قال توما الأكويني Thomas Aquinas  بفكرة “السببية الثانوية” “secondary causality” باعتبارها امتدادًا للسببية الأولية primary causality  أي الله نفسه وليست بديلاً لها. أي أن ما يتم من أحداث في النظام المخلوق يتم عن طريق علاقات سببية معقدة دون أي إخلال باعتمادها النهائي على الله باعتباره العلة النهائية.[31]

والنقطة الجوهرية التي يجب إدراكها أن النظام المخلوق إذَن يعكس علاقات سببية يمكن للعلوم الطبيعية أن تبحث فيها. وتلك العلاقات السببية يمكن تقصيها وربطها معًا على هيئة “قوانين الطبيعية” مثلاً دون أن يعني ذلك مطلقًا أو يستلزم تبني نظرة إلحادية. ولتبسيط هذه الفكرة قدر المستطاع نقول: إن الله خلق العالم بأنظمة وعمليات خاصة تُسيره.

ولكن ماذا عن نشأة الكون؟ ظهر ميل بين العلماء في أواخر القرن التاسع عشر نحو الاعتقاد بأن الكون موجود أزلاً. إلا أنه في القرن العشرين بات واضحًا أن الكون دخل حيز الوجود بفعل انفجار ضخم يُعرف عادةً باسم “الانفجار الكبير” “the big bang”.[32] ومنذ أدرك العلماء أن الكون له بداية سعت فلسفة العلوم لإيجاد تفسير لكيفية وجود شيء من العدم. فكيف نقول إن العدم سبَّب شيئًا؟ ولكن انتشار فكرة أن الكون نشأ في الزمن وأنه ليس ازليًا أحدث تحولاً كبيرًا لصالح الاعتقاد في وجود “علة أولى” “first cause” وصانع عاقل intelligent designer.

فما الذي تسبب في ظهور الكون؟ محتمل أنه خلق نفسه، أو أنه وُجد بالصدفة، أو أنه خُلق بفعل فاعل، وليكن الله مثلاً. وإن كان هذا طبعًا لا يُثبت شيئًا بالمعنى المنطقي الجامد للكلمة، إلا أنه يعطي مصداقية جديدة لحجة من أشهر الحجج التقليدية المختصة بوجود الله التي يمكن التعبير عنها كما يلي:

  • كل ما يظهر إلى الوجود له سبب.
  • العالم ظهر إلى الوجود.
  • إذَن العالم له سبب.

 

  • البحث عن أفضل تفسير:

منذ حوالي سنة 1970 تكوَّن شبه اتفاق على أن الفلسفة الأساسية للعلوم الطبيعية تتمثل في النهج المعروف عمومًا باسم “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات.”[33] “البطلمي” الذي قال بمركزية الأرض، وهو ما يعني أن الشمس والقمر والكواكب تدور جميعها حول الأرض. إلا أنه في نهاية العصور الوسطى اتضح أن الملاحظات لم تكون في اتساق تامٍ مع النظرية، وبدأ النظام البطلمي يتراجع ويضعف لعجزه عن تقديم أدلة أكثر دقة وتفصيلاً بناءً على ملاحظته لحركة الكواكب. وأصبح واضحًا ان العالم في حاجة لأسلوب جديد.

وفي القرن السادس عشر قال كلٌ من نيكولاس كوبرنيكس Nicolas Copernicus  ويوهانس كِبلرJohannes Kepler  إن كل الكواكب بما فيها الأرض تدور حول الشمس. وقد أثبت هذا النظام “الشمس مركزي” “heliocentric” أنه أكثر قدرة على شرح حركة الكواكب كما تُرى ليلاً في المساء. وهكذا كان الاتساق التجريبي الكبير بين النظرية والملاحظة علامة قوية على صحة النظرية، ومازال هذا النظام هو النموذج القياسي الذي يتبعه علماء الفلك حتى اليوم.

ولكن ليس العلم فقط هو الذي يسير على هذا المنوال، بل إن “بيرس” نفسه أوضح أن المحامين أيضًا يعتمدون على الاستدلال الاحتمالي لكسب قضاياهم، فهم يصنعون عدسةً نظريةً تنير الأدلة وتضعها في البؤرة. ونظام القضاء الجنائي يستلزم الوصول إلى اتفاق على أفضل تفسير للأدلة المقدَّمة للمحكمة التي تبحث عن إجابة للسؤال: ما هي “الصورة الكبرى” التي تقدم أفضل تفسير للأدلة؟ ففي نهاية الأمر النظرية التي ستقنع هيئة المحلفين هي تلك التي تنسج أكبر عدد ممكن من الأدلة في قصة واحدة مترابطة.

وهذا ما يعكس السعي لإيجاد الصورة الكبرى التي تعطي معنى للقطات المتناثرة،
والرواية الكبرى التي تعطي معنى للقصص المنفردة، والنظرية الكبرى التي تربط الأدلة معًا في كلٍ مترابط مُرضٍ. وما ينطبق على النظريات العلمية والقانونية ينطبق على محاولاتنا لإيجاد معنى الحياة ككل، بل معنى مسألة الله والإنسان. فكيف يمكن أن تساعد هذه المنهجيات في العمل الدفاعي؟

للتفسير العلمي ثلاثة أنماط رئيسية، وكلٌّ منها له قيمة كبرى في الدفاعيات: التفسير السببي أو العِلِّي causal explanation، والاستدلال القائم على أفضل التفسيرات، والتفسير الترابطي الذي يتضمن عدة تفسيرات unificatory explanation. وسنتناول فيما يلي إمكانية استخدام كلًّ منها في الدفاعيات.

  • التفسير بتحديد المسببات:

أول نمط في التفسير هو التفسير السببي الذي قد يُعتبر أكثر طرق التفسير العلمي ويتلخص أساسًا في طرح السؤال: أي النظريات تقدم أفضل تفسير لما نلاحظه فعليًا في الطبيعة؟ وتطرح الكتابات الفلسفية الكثير من الآراء المهمة حول كيفية تحديد أفضل تفسير: هل هو الأبسط؟ أم الأفخم؟ أم الأكثر قدرة على توليد أفكار جديدة؟ ما “الصورة الكبرى” الأكثر توافقًا مع الأدلة؟ والطريقة التي اعتمدها “تشارلز داروين”  Charles Darwinفي  وضع نظرية “الانتخاب الطبيعي” “natural selection” تُعتبر حاليًا نموذجًا لهذا المنهج.

وتبرز هنا نقطتان في غاية الأهمية. الأولى، أن هذا المنهج يدرك أنه لا يمكن أن نثبت أي تفسير يُعتبر الأفضل، فهي مسألة تتوقف على حالة من الثقة والارتياح، أو القدرة على التمييز لدى أفراد المجتمع العلمي. وهذا ما نراه فيما يدور حاليًا من جدل حول “الأكوان المتعددة” “multiverse” حيث نجد تفسيرين مختلفين اختلافًا جذريًا للملاحظات نفسها، ومع ذلك نجح كلٌ منهما في حشد التأييد اللازم من المجتمع العلمي. ولكن لا أحد يعرف على وجه الدقة أيهما صحيح.

لذلك، فأنت تختار ما يعتقد في صحته على أساس الأدلة المتاحة، مع الأخذ في الاعتبار أن الأدلة ليست قاطعة بما يكفي لإثبات تفسير دون الأخر. (وقد يكون هذا المنهج غير مريح ولكنه على الأقل يضمن لك أن تعامل خصومك بالحسنى بدلاً من أن تتهمهم بأنهم مضلَّلون).

والنقطة الثانية أن “الاستدلال القائم على أفضل التفسيرات” يدرك احتمالية وجود تفاسير عديدة للأشياء، ويحاول أن يتوصل لإطار يؤدي إلى حل النزاع بين الآراء المتصارعة، ونادرًا ما يمكن إثبات صحة نظرية، ولكن هذا ليس ضروريًا، لأن المهم أن نتأكد أن نظريةً ما أفضل من منافساتها، بمعنى أن الكثير من النظريات العلمية لها ما يدعمها أو يبررها (أي أنها تستند على أدلة قوية) دون أن يعني ذلك أنها مثبَتة.

ومسألة الله تتلاءم تمامًا مع هذا المنهج، حتى إن “ريتشارد سوينبرن” فيلسوف الأديان بجامعة أكسفورد يقول إن الإيمان بالله يقدم أفضل تفسير لمجموعة ضخمة من الأشياء التي نلاحظها في العالم.[34] ويشير الفيزيائي “جون بولكينجهورن” في ذات الصدد إلى أن الإيمان بالله يقدم تفسيرًا لأسئلة “ما وراء النظرية” “metatheoretical” التي تبحث في أساس النظرية، وهي المعتقدات التي ينبغي على العلم أن يعتمد عليها رغم أنه لا يستطيع أن يثبت صحتها.

  • التفسير بتجميع عناصر رؤيتنا للواقع:

منذ حوالي عام 1990 ازداد الاهتمام في مجال فلسفة العلوم بفكرة “التجميع التفسيري”  “explanatory unification” وقد نشأ هذا الأسلوب في التفسير العلمي إبان السبعينات من القرن العشرين، وهو يحاول تكوين إطار مشترك يجمع الأحداث التي كان يُنظر إليها باعتبارها لا تمت بصلة بعضها لبعض.[35] ومنذ ذلك الحين تطور هذا الأسلوب تطورًا كبيرًا واستُخدم لتفسير بعض السمات الجوهرية في تكوين المنهج العلمي الحديث.[36] وموضوعه الأساسي بسيط يتلخص في ضرورة إيجاد إطار يتسع لأكبر عدد ممكن من العناصر.

ويقوم هذا الأسلوب في فهم التفسير العلمي على فكرة أن أَوجُه الواقع التي كان يُعتقد أنها تتطلب تفسيرات مختلفة يمكن أن تدخل ضمن إطار تفسيري واحد. ويُعَد التفسير الشهير الذي قدمه “جيمز كلرك ماكسويل” James Clerk Maxwell للترابط بين الكهرباء والمغناطيسية  مثالا واضحًا على هذا المنهج الذي كان له الفضل في اعتبار الكهرباء والمغناطيسية وجهين لعملة واحدة بعد أن كان  يُظن أنهما متمايزتان تمامًا.

وهكذا يعني تفسير الشيء، وفقًا لهذا المنهج، أن يوضع في إطار أكبر يسمح بفهم علاقاته المتداخلة مع أوجه الواقع الأخرى. ويصبح السؤال هو: أي شبكة من الأفكار توفر أقصى درجة ممكنة من الترابط بين مختلف المجالات والنظريات العلمية؟

ولا يصعب علينا أن نرى التوافق الكبير بين هذا الفكر وأحد الموضوعات الجوهرية في الإيمان المسيحي. فقد رأى القديس أغسطينوس أن الله مثل شمس فكرية تنير أرض الواقع وتتيح لنا رؤية أعمق أنظمته واكتشاف مكاننا فيها. وكتابات “سي. إس. لويس” تشير إلى معانٍ مشابهة.

معنى الأشياء: دراسة حالة:

لمزيد من التعمق في هذا الأمر سنتناول مدى فاعلية النظرة المسيحية للأشياء في إضفاء معنى على ما نلاحظه. وسنحاول أن نجيب على سؤال: ما مدى الاتساق بين النظرية والملاحظة؟

كيف يمكننا إذَن أن نفهم معنى التاريخ والخصائص المميِّزة للثقافة البشرية؟ قد تم طرح عدد من القصص التفسيرية لشرح هذه الأمر. تقول إحداها، وهي المفضلة لدى الإلحاد الجديد، بحدوث تطور تقدمي للوضع البشري نتيجةً لتآكل خرافة الدين، وتحرر البشرية من كل المحرَّمات والقيود الاعتباطية.

إلا أنه أصبح من الصعب الاستمرار في اعتناق هذه القصة في الغرب نظرًا لما مُنيت به اللبرالية الغربية من إخفاقات واضحة. ومن اللافت للانتباه أن هذه القصة التفسيرية الكبرى تمثل واحدًا من الموضوعات الرئيسية التي يستهدفها “إيجلتون” بتحليله الذي أجراه مؤخرًا للإلحاد الجديد الذي يواجه فيه انتقادات عنيفة لهذا الفكر.

فهو يصف “حلم التقدم البشري الذي لا يقف أمامه عائق” بأنه “خرافة متجسدة”، قصة خيالية من قصص الجنيات تفتقرِ لأي نوع من الأدلة. “إن وُجِدَت أسطورة دينية وخرافة ساذجة، فإنها ذلك الاعتقاد الليبرالي العقلاني بأننا نسير قدمًا على الطريق إلى عالم أفضل، باستثناء بعض الانتكاسات القلية.”[37] ومن اللافت للنظر أن “كريستوفر هيتشنز” ينهي هجومه على الدين بدعوة للرجوع إلى فكر التنوير ولاسيما للشكل الذي اتخذه في القرن الثامن عشر.

وهكذا يبدو أن أسطورة العصر الذهبي المفقود لا تزال قائمة في هذا الفكر بعيد المنال. ولكن لا شك أننا مدعوون لفحص الخيالات المتعلقة بكلٍّ من الفرد والمجتمع حتى لو كانت هذه الخيالات متأصلة في العقل الغربي العلماني.

وتتحدث القصة الشاملة (أو القصة الكبرى) للإلحاد الجديد عما عانته البشرية من عبودية للخرافات البدائية. ولكن تطبيق المنطق والعلم تطبيقًا ذكيًا في القرون الأخيرة مَكنَّها أن تتحرر من هذا القهر الطويل وتدخل عالمًا جديدًا مشرقًا بالحرية والاستنارة. عالم جديد مشرق يواجه حاليًا خطر عودة ما يشار إليه باسم “الخرافة” وباسم “اللاعقلانية.” فالدين عاد لمكانته وكانت عودته متوقعة ولكن غير مرغوب فيها. لذلك لابد من إنقاذ الموقف قبل فوات الأوان!

وكأي قصة جديدة، تتميز هذه القصة بالبساطة، ولكنها سرعان ما تفقد قيمتها عندما يثبت عجزها عن شمول التاريخ ككل، وليس فقط مجرد بضعة مقتطفات منتقاة بعناية. ووفقًا لهذه القصة يُفرض أن يكون الدين قد مات في الغرب منذ سنوات، ففي الستينات من القرن العشرين تنبأ علماء الاجتماع الأوربيون بقرب حلول نظام عالمي علماني وكانوا واثقين من ذلك كثافة الجيل السابق من المُنَظِّرين السياسيين السوفييت عندما أعلنوا أن سيادة الماركسية – اللينينية حتمية تاريخية.

وقد أجمع “أكبر علماء الاجتماع والأنثروبولوجي وعلم النفس” أن “أبناءهم، وإن لم يكن فأحفادهم، سيشهدون بزوغ عصر جديد تنضج فيه البشرية فتتخلى عن أوهام الدين الطفولية على حد تعبير “فرويد”.”[38]

إلا أن الدين لم يختفِ، بل إن الكثيرين الآن يقولون إنه أصبح أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى، بالرغم مما يُفرض من ضوابط اجتماعية للحج من تأثيره الاجتماعي في الكثير من بلدان أوروبا الغربية. فالاتحاد السوفيتي انهار، وعلمانيته التي كانت تُفرض بالقوة حلَّت مكانها حالة من النشاط والحماس الدينيين اللذين اجتاحا الأمم التي كانت تحت سيطرته. وهذا ما يخيف الملحدين الجدد لأن قصتهم الكبرى تواجه تحديًا خطيرًا، مما يبين أنها غير صالحة للاستخدام.

والقصة الكبرى لعصر التنوير تعجز عن تفسير أي شئ ذي قيمة. وكما أشار “ريتشارد شودَر” Richard Shweder  مؤخرًا أن “قدرتها التنبؤية تكاد تساوي صِفرًا.”[39] وهو يقول في ملاحظة فكاهية إن الدين قد يتضح في نهاية الأمر أنه ضلالة، ولكنه ضلالة لها مستقبل. “إن شعبية الهجوم على الدين حاليًا تخفي وراءها حالة من القلق الشديد الذي عاد مجددًا للمجتمع العلماني لا لأن قصة الدين وهمية بل لأن قصة التنوير هي الوهمية.”[40]

والقصة التي يتبناها التنوير ويعتمد عليها الإلحاد الجديد اعتمادًا كبيرًا لا تحمل ذرة واحدة من الواقع، وهي تشبه في ذلك تأكيد الماركسية على الحتمية التاريخية لسيادة الاشتراكية. فالصحوة الدينية في الكثير من مناطق العالم التي تم قمع الدين فيها على يد الحكومات الإلحادية مؤشر واضح على ضعف هذه القصة وهشاشتها. وفي كل الأحوال تُعَد فكرة “الحتمية التاريخية” حكمًا يصدره علم الاجتماع. ومن ثم، فهو لا يتصل كثيرًا بالصواب والخطأ من الناحية الفكرية أو الأخلاقية.[41]

فسواءً أكان أحد التطورات الاجتماعية “حتميًا” أم لا ، فهذا لا يعني صحته أوخطأه. وأحد التطورات الثقافية أو التاريخية قد يكون حتميًا بوصفه مرحلة تاريخية عابرة وليس تطورًا مستديمًا.

غالبًا ما يتهم الإلحاد الجديد من يؤمنون بالله بأنهم يتمسكون “بعقائد بلا دليل” عكس حقائق الملحدين “المستنيرين” التي لها إثباتات قوية. ولكن هل ينطبق هذا الكلام على اعتقاد الإلحاد الجديد بالتقدم البشري؟ يرى “إيجلتون” أن هذه الأسطورة ليست جديرة بأي اهتمام لأنها كالعمل الفني المزيَّف وأنها مثال صارخ على “الإيمان الأعمى.”[42]

فهل من شخص عاقل يقبل أسطورة علمانية كهذه تتعامل مع الكوارث التي صنعها البشر مثل هيروشيما، وأوشفتز Auschwitz  أكبر معسكرات الاعتقال النازية، والتفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا باعتبارها “بضع انتكاسات محلية بسيطة” لا تنفي التقدم المستمر للتاريخ ولا تعطله على الإطلاق؟ إن الفرق بين المسيحية والإلحاد الجديد يكمن في اختيارهما لما يطلق عليه المعتقدات التي لا تقوم على دليل والأساطير الكبرى الشاملة، ورغم أن كليهما غير قابل للإثبات، فهذا لا يمنعنا من تمييز أيهما أكثر مصداقية وجاذبية.

فماذا عن القراءة المسيحية للثقافة والتاريخ؟ يحكم هذه القضية موضوعان أساسيان أولهما أن الإنسان مخلوق على “صورة الله”، وثانيهما أنه خاطئ. وبالرغم من اختلاف اللاهوتيين والمدارس الفكرية الدينية فيما يولونه من أهمية لهذين العنصرين في الفهم المسيحي للطبيعة البشرية، فهما القطبان التوأمان اللذان يُكونان أي محاولة مسيحية لفهم لغز السلوك البشري على مستوى الأفراد والمجتمعات وحل طلاسمه.

ووفقًا لهذه النظرية فإننا نمتلئ حماسًا وإلهامًا بفضل رؤيتنا لله التي تجذبنا لأعلى، ولكننا في الوقت نفسه ننجذب لأسفل بسبب ضعف الطبيعة البشرية وسقوطها. وهو مأزق مألوف عَبَّر عنه بولس في إحدى فقرات الكتاب المقدس الشهيرة قائلاً: “لَستُ أَفعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَستُ أُرِيدُهُ فَإِيَاهُ أَفعَلُ.” (رو 19:7).

ومن هنا يتضح أننا من وجهة النظر المسيحية ندرك أن البشرية تتمتع بتطلعات وقدرات تفوق بكثير ما تسمح به معظم الأنظمة السياسية أو الفلسفية، وندرك في الوقت نفسه أنها تملكُ قدرة متساوية على العجز عن تحقيق هذه التطلعات.

وتساعدنا هذه النظرة على وضع إطار للصورة المعقدة للثقافة والتاريخ التي تتسم بالتطلع نحو العظمة والصلاح من ناحية، والظلم والعنف من ناحية أخرى. وقد علق الكثيرون على الغموض الرهيب الذي يكتنف التاريخ وتفنيده للنظريات الساذجة التي تقول بصلاح البشرية. وقد أشار الكثيرون أمثال “تِري إيجلتون” مؤخرًا إلى الجانب المظلم في الثقافة والتاريخ المعاصرين.

إن البشر باعتبارهم من المخلوقات يتمتعون بقدرة على فعل الصلاح، ولكن هذه القدرة تعادلها قدرة أخرى على فعل الشر. وإدراك هذا الغموض الشديد هو ما يساعدنا على التخلص من احلام المدينة الفاضلة المثالية في المجالات السياسية والاجتماعية التي تقوم على أحكام قيمية أيدولوجية ساذجة لم تخضع للتجربة. فالنظرة الساذجة للبشرية تُوَلد يوتوبيا سياسية حيث يفضي “التقدم” إلى كارثة، “ج.ر.ر. تولكين” J.R.R Tolkien  في نظرة ثاقبة للمستقبل سنة 1931 ليلة صعود النازية:

لن أسير مع عصوركم التقدمية

مع المغرورين والحكماء الذين يقودهم تقدمهم

إلى هوة مظلمة سحيقة تفتح فمها لاستقبالهم.[43]

خطوة للأمام:

درسنا في هذا الفصل أهمية إظهار “منطقية” الإيمان في العمل بالدفاعيات. فما من أحد يحب أن يعتنق إيمانًا غير منطقي. إلا أن بعض المسيحيين يرجحون أنه مادام بولس يتحدث عن الإنجيل باعتباره نوعًا من “الجهالة” التي تخزي معرفة العالَم وحكمته (كما في 1كو 18:1 مثلاً) فلا داعي لاستخدام الوسائل العقلانية للدفاع عن الإنجيل. إلا أنه من الواضح أن هذه النظرة تعكس خطأً في قراءة ما يشغل بولس في كنيسة كورنثوس من ناحية، وفهمهِ لدور “العقل” في الحياة المسيحية من ناحية أخرى.

لقد كانت المسائل التي تشغل بولس في كنيسة كورنثوس معقدة.[44] فالكنيسة كانت عرضة للتأثر بأشكال سابقة من الغنوصية التي كانت تقول بأن الأفراد يخلصون عن طريق معرفة سرية باطنية لا تتاح إلا للقلة. وكان البعض في كورنثوس يمجدون التحزلق الفكري ولم يكونوا مستعدين لقبول أي شئ يخلو منه أو أي نوع آخر من المعرفة الثقافية.

وبولس يرفض هذه الأفكار تمامًا ويصر أن الإنجيل لابد أن يؤخذ كما هو حتى لو كان يتعارض مع الفكر الثقافي السائد والمقبول في كورنثوس. فهو هنا يتحدى النظرية العلمانية للحكمة ولكنه لا يدعو للتخلي عن المنطق البشري.

وبولس يؤكد أننا نحن المسيحيين “لَنَا فِكرُ المَسِيحِ” “have the mind of Christ” (1كو 16:2) مميزًا بينه وبين غيره من منهجيات الحكمة التي سادت كورنثوس قبل دخول المسيحية. ويُعتبر “العقل المسيحي” “Christian mind” تركيبة عقلية متميزة من حيث إنه طريقة تفكير تتشكل وتزدهر بالإيمان المسيحي. فهو ليس سعيًا نحو الوصول إلى معرفة غريبة أو باطنية، ولا حالة من الغرور الإكاديمي، ولا انتكاسًا إلى عقلانية حركة التنوير التي سادت القرن الثامن عشر وفقدت مصداقيتها.

ولكنه السماح لنور المسيح أن يشرق على عقولنا حتى تتمكن قوة الله المغَيرة أن تجدد أذهاننا كما تجدد أرواحنا. إنه النتيجة التي يستحثها الله ويبغيها ونحن نسعى لخدمته في هذا العالم.

فكيف يعطي الإنجيل معنى للأشياء؟ كيف نفهم خطابه العميق الموجَّه لعقولنا ومشاعرنا وخيالنا وبحثنا عن المعنى وكيف نطبقه؟ سنستعرض في الفصل القادم ثمانية اتجاهات رئيسية في الدفاعيات يسهم كلٌّ منها بدور خاص في إفساح مجال للإنجيل في الثقافة المعاصرة.

لمزيد من الاطلاع:

Evans, C .Stephen. Natural Signs and Knowledge of God: A New Look at Theistic Arguments. New York: Oxford University Press, 2010

McGrathm, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville, Westminster John Knox, 2011

Morris, Thomas V., ed. God and the Philosophers: The Reconciliation of Faith and Reason. Oxford University Press, 1994.

Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: Harper San Francisco, 2006.

[1] C. S. Lewis, “Is Theology Poetry?” C. S. Lewis: Essay Collection (London: Harper-Collins, 2000), 21.

[2] Austin Farrer, “In His Image,” Remembering C. S. Lewis, ed. James T. Como (San Francisco: Ignatius Press, 2005), 344-45.

[3] Letter of 1949 to Edward Sackville-West, cited in Michael de-la-Noy, Eddy: The Life of Edward Sackville-West (London: Bodley Head, 1988), 237.

[4] See, for example, Alasdair MacIntyre, Whose Justice? Which Rationality? (London: Duckworth, 1988); Stephan Toulmin, Cosmopolis: The Hidden Agenda of Modernity New York: Free Press, 1990); John Gray, Enlightenment’s Wake: Politics and Culture at the Close of the Modern Age (London: Routledge, 1995).

[5] William James, “The Sentiment of Rationality,” The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy (New York: Longmans, Green, and Co., 1897), 63-110.

[6] See Michael J. Sandel, Justice: What’s the Right Thing to Do? New York: Farrer, Straus and Giroux, 2010).

[7] Stephan Toulmin, The Uses of Argument (Cambridge: Cambridge University Press, 1958), 183.

[8] MacIntyre, Whose Justice?, 6.

[9] Isaiah Berlin, Concepts and Categories: Philosophical Essays New York: Viking Press, 1979), 2-5, 161-62.

[10] Terry Eagleton, “Lunging Flailing, Mispunching: A Review of Richard Dawkins’s The God Delusion,” London Review of Books, October 19, 2006.

[11] Alvin Plantinga, God and Other Minds: A Study of the Rational Justification of Belief in God (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1990).

[12] Richard Rorty, “Pragmatism, Relativism, and Irrationalism,” Proceedings and Addresses of the American Philosophical Association 53 (1980): 719-38, quote at 730.

[13] Julia Kristeva, The Incredible Need to Believe (New York: Columbia University Press, 2009), 3.

[14] Christopher Hitchens, God Is Not Great: How Religion Poisons Everything (New York: Twelve, 2007), 5. For criticism of this approach, see Aloster McGrath, Why God Won’t Go Away: Is the New Atheism Running on Empty? Nashville: Thomas Nelson, 2011).

[15] C. S. Lewis, “On Obstinancy in Belief,” C. S. Essay Collection (London: Harper-

[16] Collins, 2000), 213-14. Jonathan Edwards, The Works of Jonathan Edwards, vol. (Edinburgh: Banner of Truth Trust, 1974), 290.

[17] Ibid.

[18] Austin Farrer, “The Christian Apologist,” Light on C. S. Lewis, ed. Jocelyn Gibb (London: Geoffrey Bles, 1965), 26.

[19] Ibid.

[20] Simone Weil, First and Last Notebooks London: Oxford University Press, 1970), 147.

[21] Brian Leftow, “From Jerusalem to Athens,” God and the Philosophers, ed. Thomas V. Morris (Oxford: Oxford University Press, 1994), 191.

[22] John Polkinghorne, Theology in the Context of Science (London: SPCK, 2008), 85-86.

[23] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 197.

[24] Richard Dawkins, River out Eden: A Darwinian View of Life London: Phoenix, 1995), 133.

[25] See, for example, Alvin Plantinga, “Reason and Belief in God,” Faith and Philosophy: Reason and Belief in God, ed. Alvin Plantinga and Nicholas Wolterstorff (Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 1983), 16-93.

[26] Isaiah Berlin, The Cooked Timber of Humanity: Chapters in the History of Ideas (London: Pimkico, 2003), 208-13. The curious title of this important collection of essays reflect a famous dictum of Immanuel Kant: “Nothing straight was ever made out of the crooked timber of humanity.”

[27] See M. Neil Browne and Stuart M. Keeley, Asking the Right Questions: A Guide to Critical Thinking, 8th ed. (Upper Saddle River, NJ: Pearson Prentice Hall, 2007), 196.

[28] Charles S. Peirce, Collected Papers, vol. 5, ed. Charles Hartshome and Paul Weiss (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1960), 189. I reflect further on the importance of this approach in Alister E. McGrath, Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things (Louisville: Westminster John Knox), 2011.

[29] Ibid.

[30] The best studies are Paul Humphreys, The Chances of Explanation: Casual Explanation in the Social, Medical, and Physical Sciences (Princeton: Princeton University Press, 1989); and James Woodward, Making Things Happen: A Theory of Casual Explanation (Oxford: Oxford University Press, 2003).

[31] For a good discussion of Aquinas of this point, see William E. Carroll, “Divine Agency, Contemporary Physics, and the Autonomy of Nature,” Heythrop Journal 49 (2008): 582-602.

[32] Helge S. Kragh, Conceptions of Cosmos: From Myths to the Accelerating Universe: A History of Cosmology (Oxford: Oxford University Press, 2006).

[33] See especially Peter Lipton, Inference to the Best Explanation, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 2004).

[34] Routledge, 2004). Richard Swinburne, The Existence of God, 2nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 2004).

[35] Michael Friedman, “Explanation and Scientific Understanding,” Journal of Philosophy 71 (1974): 5-19; Paul Kitcher, “Explanatory Unification and the Causal Structure of the World,” Scientific Explanation, ed. P. Kitcher and W. Salmon (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1989), 410-505.

[36] For example, Margaret Morrison, Unifying Scientific Theories: Physical Concepts and Mathematical Structures (Cambridge: Cambridge University Press, 2000).

[37] Terry Eagleton, Reason, Faith, and Revolution: Reflections on the God Debate (New Haven: Yale University Press, 2009), 28.

[38] William S. Bainbridge and Rodney Stark, The Future of Religion: Secularization, Revival, and Cult Formation (Berkeley: University of California Press, 1985), 1.

[39] Richard Shweder, “Atheists Agonistes,” New York Times. November 27, 2006.

[40] Ibid.

[41] A point famously emphasized by Karl R. Popper, The Poverty of Historicism (London: Routledge & Kegan Paul, 1957).

[42] Eagleton, Reason, Faith, and Revolution, 87-98.

[43] J. R. R. Tolkien, “Mythopoeia,” Tree and Leaf (London: HarperCollins, 1992), 85-90; quote at p. 89.

[44] See especially Walter Schmithals, The Theology of the First Christians (Louisville: Westminster John Knox, 1997), 122-23, 146-51. See further Raymond Pickett, The Cross in Corinth: The Social Significance of the Death of Jesus (Sheffield, England: Sheffield Academic Press, 1997), 213-16; and Edward Adams and David G. Horrell, esd., Christianity at Corinth: The Quest for the Pauline Church (Louisville: Westminster John Knox, 2004).

منطقية الإيمان المسيحي – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

علامات على الطريق – أساليب للعمل بالدفاعيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

علامات على الطريق – أساليب للعمل بالدفاعيات

علامات على الطريق – أساليب للعمل بالدفاعيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

علامات على الطريق – أساليب للعمل بالدفاعيات

كتبت الشاعرة الأمريكية “إدنا سينت ڤينسنت ميلاي” Edna St. Vincent Millay (1892-1950) عن “وابل من الحقائق” يتساقط علينا من السماء كما تتساقط النيازك. وهذه الحقائق تشبه الخيوط التي لا بد أن تُنسج معًا لتُكون لوحة، وهي كالدلائل التي لا بد أن تُجمع بعضها مع بعض لتكشف لنا الصورة الكبرى. وكما أشارت “إدنا ميلاي”، إننا نجد أنفسنا مغمورين تحت “وابل من الحقائق”، ولكننا نعجز عن إيجاد معنى له لأننا “لا نجد نولاً لنصنع منه نسيجًا.” أي أننا نحتاج وسيلة تساعدنا على إيجاد معنى لهذا الوابل من المعلومات. والمسيحية تزودنا بوسيلة تضفي حالة من النظام والمعقولية على ملاحظاتنا الكثيرة والمعقدة في العالم الطبيعي، والتاريخ البشري، والخبرة الشخصية. إنها تتيح لنا الفرصة لنضعها معًا في كل متكامل ونراها بوصفها جوانب متشابكة تشكل صورة كلية كبرى.

إننا نتمنى أن نرى الصورة الكبرى التي تخلق معنى لكل ما نراه. بل الأهم من ذلك أننا نريد أن نعرف مكاننا في هذا المخطط الأكبر. ولذلك، تتحدث الفيلسوفة والكاتبة البريطانية “أيريس مرِدوك” Iris Murdoch  (1919-1999) عن “ميل الفكر البشري لصنع كليات تكسبه حالة من الارتياح.” وتقصد بذلك قدرة الصورة الكبرى أو “القصة الكبرى” على التأليف بين أجزاء رؤيتنا للواقع في كل متكامل. والإيمان المسيحي يُعنى بإدراك الصورة الكبرى، ويكشف لنا رؤية للواقع أكبر وأسمى من تلك التي يكشفها العقل البشري.

الدلائل والمؤشرات والبراهين:

قلنا في الفصل السابق إن الإيمان المسيحي منطقي في الأساس، إلا أنه لا يمكن إثباته بالمنطق، وهو ما ينطبق على كل الأشياء الجوهرية. ولكن الأجيال السابقة التي استسلمت دون داعٍ لنوع من العقلانية المتطرفة، زعمت أننا لا يجب أن نؤمن إلا بما له برهان مطلق. ولا يتبنى هذه النظرة حاليًا إلا فئة قليلة جدًا. في حين ترى الأغلبية أن هذه العقلانية الشديدة تحصرنا في مساحة ضيقة من المعتقدات قد تكون واضحة منطقيًا ولكنها قاصرة وجوديًا، لأنها تعجز عن تقديم أساس لحياة ذات معنى. فالعقل أجنحته قصيرة كما قال الشاعر الإيطالي العظيم دانتي Dante في القرن الرابع عشر.

إلا أن هذا لا يعني أن المعتقدات التي لا يمكن إثباتها بشكل قاطع غير منطقية. ولكنه يعني أن الأدلة المتاحة قاصرة عن إثبات صحة نظريات الحياة أو “الفلسفات الحياتية” “”worldviews، بما فيها الإلحاد. وفي النهاية يعتبر اختيارنا لإحدى هذه الفلسفات فعلاً إيمانيًا. وعلينا أن ندرك أن كل الفلسفات الحياتية تقع خارج نطاق البرهان المطلق. فنحن نؤمن أن الفلسفة الحياتية التي نتبناها هي الأفضل في خلق معنى للأشياء ولكننا ندرك أن هذه المسألة بوجه عام تستعصي على البرهان القاطع في هذا العالم.

والمسيحي لا بد أن يرى هذا المشهد على خلفية الإيمان بالسماء “لأَنَّنَا بِالإِيمَانِ نَسْلُكُ لاَ بِالْعِيَانِ.” (2 كو 5: 7). فنحن الآن نجتاز في أرض الظلال، ولكن يومًا ما ستشرق الشمس وسنرى الأشياء كما هي. “فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا. قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَتَقَارَبَ النَّهَارُ” (رو 13: 11، 12). تمثل هاتان الآيتان دعوة للنظر إلى الحياة المسيحية باعتبارها مسيرة في الظلام. ولكن الفجر أقرب مما كان حين بدأنا المسيرة. وإلى أن يبزغ الفجر علينا أن نعبر أراضي مجهولة واثقين من سلامة الوصول. وبالرغم من أنه لا يمكننا أن نرى الطريق الممتد أمامنا بكل وضوح، فنحن نثق في الرب الذي يقودنا حتى نصل إلى أرض الوطن، كما يقول بولس في هذه الآية الشهيرة: “فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ. الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ.” (1 كو 13: 12).

ولكن هذا لا يعني أن نقبل الأشياء بثقة عمياء، فالعالم مرصع بالدلائل المختصة بالطبيعة البشرية وبالهوية الإنسانية. والواقع مزين بعلامات تشير إلى حقيقة الله العظمى. وعلينا أن نصل النقاط ببعضها فنرى الصورة الكاملة. علينا أن ننسج الخيوط معًا ونرى النسق الذي تكشف عنه والمتاح للمدافع ليستخدمه في مساعدة الآخرين ليدركوا قدرة المسيحية على إعطاء معنى لما نفكر فيه ونراه ونختبره، وتشجيعهم على اكتشاف ما للمسيحية من قدرة أعمق على تغيير حياة البشر.

ولكن ليس العالم الخارجي فقط ما يشير إلى الله، بل خبراتنا الداخلية أيضًا تلعب دورًا في ذلك. والدفاعيات المسيحية قادرة على التواصل مع فاعليات الذاتية البشرية الداخلية بقوة ومصداقية، أي أنها قادرة على التواصل مع ما يكمن في أعماق النفس البشرية من مشاعر وعواطف شغلت الشعراء الرومانسيين وغيرهم من الكُتاب أمثال “بليز پاسكال” وكذلك ” سي. إس. لويس.” فماذا يقول الإيمان المسيحي عن هذه الكوامن؟ وكيف نرى خبرتنا الداخلية بعدسته؟ لقد بحث التقليد المسيحي في هذه المسألة من جذورها. فالقديس أغسطينوس في كتاب “الاعترافات” Confessions يروي كيف قادته قراءته للكُتاب “الأفلاطونيين” لاستكشاف أعماقه حيث قابل “نورًا يفوق عقلي ولا يعتريه تغيير.[1]

وفي هذا الفصل سنتناول بعض هذه المؤشرات أو العلامات ونبحث كيفية استخدامها في الدفاعيات. لقد تحدث “سي. إس. لويس” عن الصواب والخطأ باعتبارهما “مفاتيح لحل لغز معنى الكون.” ومفتاح الحل يوحي بالحل، ولكنه لا يُثبت أي شيء. وتكمن أهمية هذه المفاتيح في تراكميتها التي تشير إلى نسق أعمق للمعنى يعطي كلاً من هذه المفاتيح أو الدلائل معناها الحقيقي. فدليل واحد بمفرده لا يمكنه إلا أن يقدم إيحاء معينًا، فهو ليس سوى ريشة في مهب الريح. إلا أن مجموعة من الدلائل المترابطة يمكنها أن تكشف النسق الشامل. وكل دليل يبني على الدلائل الأخرى ويعطيها قوة جمعية تفوق أهميتها الفردية.

فكيف نصل لأفضل فهم لهذه المفاتيح؟ وما الذي تثبته؟ في المحاكمات الجنائية يُطلَب من هيئة المحلفين أن تختار تفسيرًا للدلائل من شأنه أن يُكسبها أفضل معنى، سواءً أكانت مقدَّمة من النيابة أم من الدفاع. ولكنهم ليسوا مطالبين أن يجزموا بثبوت الاتهام أو البراءة لمجرد أنهم يعتقدون أنهم قادرون على الوصول إلى استنتاج قاطع “لا يرقى إليه أي شك معقول.” والدفاعيات تكاد تسير بالطريقة نفسها. فلا يمكن لأيّ شخص أن يثبت وجود الله كما لو كان يثبت أن “الكل أكبر من الجزء.” ولكن يمكنه أن ينتبه إلى كل الدلائل التي تشير إلى وجود الله وما لها من قوة تراكمية. فقد لا يمكن إثبات وجود الله بالمعنى العقلاني الجامد للكلمة. إلا أنه يمكن أن نجزم بكل صدق أن الإيمان بالله منطقي بشكل يسترعي الانتباه وأنه يعطى لما نراه في العالم وما نميزه في التاريخ وما نختبره في حياتنا معنى أعمق من ذلك الذي تعطيه البدائل الأخرى.

فما نوعية المفاتيح أو الدلائل التي نتحدث عنها؟ وكيف يساعد المدافع الناس على رؤيتها والتفكير في أهميتها وتمييز ما يكمن وراءها من نسق أعمق؟ سنستعرض في هذا الفصل ثمانية مفاتيح تسهم في حل لغز الحياة. وكلٌّ منها يمكن دراسته على حدة ويمكنه أن يشكل أساسًا لمناقشة او حجة دفاعية. وسنبدأ بطرح سؤال من أكثر الأسئلة إثارةً في العلوم الطبيعية: من أين أتى الكون؟

المفتاح الأول: الخلق (نشأة الكون):

يؤكد أحد الموضوعات الجوهرية في الإيمان المسيحي أن الله خلق كل شيء من العدم. وكل شيء مدين بأصله وهويته الجوهرية لفعل الله الخلقي. فالكون ليس موجودًا من الأزل ولكنه ظهر إلى الوجود في لحظة معينة. وقد تنوعت وجهات نظر الكُتاب المسيحيين في فهمهم لهذه العقيدة الأساسية. فالقديس أغسطينوس مثلاً يقول إن الله خلق الكون في لحظة ولكنه أسبغ عليه القدرة على التطور بعد الخلق. ويقول آخرون إن الله خلق العالم بالشكل الذي نراه عليه حاليًا. إلا أن الخيط الذي يجمع كل الكُتاب المسيحيين حول هذا الموضوع أن الله أتى بالكون إلى حيز الوجود.

وإن كان مُرَوِّجو الإلحاد الجديد دائمًا ما يعلنون أن ما شهده العلم من تقدم وتطور في القرن الماضي قضى على كل ما يؤيد الإيمان بالله، إلا أن الحقائق تؤكد غير ذلك. وذلك لأن العلاقة بين العلم والإيمان شهدت تغيرًا جذريًا في أواخر القرن العشرين. ففي العقود الأولى من القرن العشرين ساد الاعتقاد بأزلية الكون، وأصبح يُنظر إلى حديث الدين عن “الخلق” على أنه كلام أسطوري فارغ لا يتوافق مع المعرفة العلمية القاطعة.

وقد لعب هذا الاعتقاد دورًا مهمًا في المناظرة الكبرى التي جرت في لندن سنة 1948 بين اثنين من كبار الفلاسفة، وهما الملحد “برتراند راسل” Bertrand Russell (1872-1970) والمسيحي “فردريك سي. كوپلستون” (Frederick C. Coplestone (1907-1990. آمن “راسل” أن هذا الإجماع العلمي أكثر من كافٍ لينهي قضية الله برمتها للأبد. فالكون موجود وحسب وليس هناك أي سبب وجيه يدعونا للتفكير فيما أتى به للوجود. وقد فاز “راسل” بالمناظرة في هذه النقطة.

إلا أنه منذ سنة 1948 تغير كل شيء. ففي الستينات أصبح واضحًا أن الكون له بداية، وهي ما عُرف باسم الانفجار الكبير. إلا أن هذه الفكرة قوبلت بمقاومة عنيفة من بعض العلماء الملحدين آنذاك مثل “فرِد هوُيل” Fred Hoyle عالم الفيزياء الفلكية العظيم الذي شعر بالقلق وعدم الارتياح إزاء هذه الفكرة التي تبدو دينية. ولكنه لم يكن الوحيد ممن أصابهم هذا الشعور. ففي اجتماع عُقد في لنينجراد في ديسمبر 1948 شدد علماء الفلك السوفيت على ضرورة محاربة النظرية “المثالية التي تمثل رد فعل ضد فلسفاتهم” التي تقول بأن الكون له بداية. وقد زعم السوفيت أن دعم هذه النظرية سيقوي قضية “الإكليروس.“[2]

ومن حسن الحظ أن هذا التحيز ضد فكرة نشأة الكون انهزم بالأدلة المضادة. وقد جاء هذا الفهم الجديد لنشأة الكون في تمام الانسجام مع عقيدة الخَلق في المسيحية لأنه يؤكد أن الكون له بداية.

وإذا تكررت المناظرة بين “راسل” وخصمه ” كوپلستون” اليوم ستختلف نتيجتها تمامًا في هذه النقطة. بل إن هذه المناظرة أعيدت بالفعل سنة 1998 احتفالاً بذكراها الخمسين بين اثنين من أكبر الفلاسفة هما “وليم لين كريج” William Lane Craig ونظيره “أنتوني فلو” Anthony Flew الذي كان ملحدًا آنذاك. “كريج” الذي يعتبره الكثيرون الوريث الشرعي للفيلسوف ” كوپلستون” قدم الحجة التالية التي أشرنا إليها سابقًا (ص 85):

  1. المقدمة الكبرى: كل ما يظهر إلى الوجود له سبب.
  2. المقدمة الصغرى: العالم ظهر إلى الوجود.
  3. النتيجة: إذَن العالم له سبب.

وعلى غير العادة نلاحظ في هذه الحجة أن المقدمة الصغرى تعادل المقدمة الكبرى في أهميتها وقد تَفُوقها. وهذه المقدمة الصغرى التي استخدمها “كريج” المقبولة اليوم من كل العلماء تقريبًا كانت ستُرفَض منهم جميعًا سنة 1948. وقد واجه “فلو” صعوبة ضخمة أمام هذه النقطة ولم يتمكن من استخدام الاستراتيجيات التي استخدمها أسلافه من المدافعين الملحدين استخدامًا مناسبًا. ومنذ هذه المناظرة تخلى “فلو” عن الإلحاد. وبالرغم من أنه لم يعتمد النظرة المسيحية لله بكامل ثرائها، فمن المؤكد أنه قبل وفاته سنة 2010 قبِل وجود خالق يحفظ هذا الكون، وهو الله.

وقد أدى هذا التحول الجذري في إجماع العلماء إلى تغيير النبرة السائدة في المناقشات حول قضية الله. وهو ما يُذكرنا بأن العلم يغير رأيه في الأمور، ولاسيما الأمور الجوهرية. فعلم الكون في مطلع القرن الحادي والعشرين أكثر اتفاقًا مع الإيمان المسيحي من ذلك الذي ساد العالم منذ قرن من الزمان. ولكن الأهم من ذلك هو تزايد الإدراك بأن الكون ظهر إلى الوجود وأنه مضبوط بدقة fine-tuned تسمح بوجود الحياة فيه. فالثوابت الأساسية fundamental constants في الطبيعة لها قِيم يبدو أنه تم انتقاؤها على نحو يسمح بتكون الحياة. فهل هذا مجرد صدفة كونية؟ أم أنه نتيجة لاختيار الله أن يصمم الكون بهذه الطريقة؟

المفتاح الثاني: الضبط الدقيق (كون مصمم للحياة):

في السنوات الأخيرة ازداد الاهتمام بظاهرة “الضبط الدقيق” “fine-tuning” في الطبيعة.[3] وغالبًا ما يُستخدم مصطلح “الضبط الدقيق” للإشارة إلى فكرة علمية تقول بأن قيم بعض الثوابت الكونية الأساسية وسمات بعض الظروف الأولية للكون يبدو أنها لعبت دورًا حاسمًا في ظهور الكون بشكل معين يسمح بتكون حياة عاقلة. وقد أكدت الكثير من الدراسات العلمية الحديثة أهمية بعض الثوابت الكونية الأساسية التي لو حدث أي تغير طفيف في قيمتها لكانت له آثار ضخمة على ظهور الحياة البشرية.[4]

وهكذا يتضح أن الثوابت الأساسية في الطبيعة خضعت لعملية من الضبط الدقيق لتصل إلى قيم تصلح لظهور الحياة. فوجود حياة كربونية الأساس[5] على الأرض يتوقف على توازن دقيق للغاية في القوى الفيزيائية والكونية وعلى قيم ثابتة parameters خاصة. ولو حدث أدنى تغيير في أي من هذه الكميات لاختل التوازن وانتفت إمكانية ظهور الحياة على سطح الأرض. ويقول السير “مارتن ريز” Sir Martin Rees عالم الفلك ورئيس الجمعية الملكية البريطانية إن ظهور الحياة البشرية عقب الانفجار الكبير محكوم بستة أرقام كلٌّ منها محدد بمنتهى الدقة لدرجة أنه لو حدث أدنى تغيير في أي منها لأصبح من المستحيل وجود الكون والحياة البشرية بالشكل الذي نعرفه.[6]

وأود أن أشير هنا إلى ما قاله “روبرت چ. سپيتزر” Robert J. Spitzer مؤخرًا بشأن هذه المسألة. فهو يتخيل كما لو كانت كل القيم الثابتة مثل سرعة الضوء في الفراغ، وثابت الجاذبية gravitational constant، والتوصيل الكهرومغناطيسي، وكتل الجسيمات الأولية ممثَّلة جميعًا على هيئة مفاتيح ضبط على “لوحة تحكم كونية”.[7] وقد أشارت اكتشافات علم الكون الحديث إلى أنه لو تغير وضع هذه المفاتيح ولو قيد شعرة لما كنا موجودين هنا نتحدث عن هذه الأمور. فمثلاً لو تغيرت قدرة الجاذبية أو القوة الضعيفة weak force (اثنتان من قوى الطبيعة الأربع المعروفة) بمقدار جزء من 4010 لأدى تمدد الكون إلى انفجار هائل لا يسمح بوجود المجرات، أو لانهار الكون تمامًا. ولو ان أحد التآلفات بين ثوابت الجاذبية والكهرومغناطيسية ونسبة كتل الإلكترونات إلى البروتونات تَغَيَّر بحوالي جزء من 3910 لاستحال تكوُّن نجوم النسق الأساسي main sequence stars التي منها شمس مجموعتنا الشمسية. ولو لم يوجد رنين نووي nuclear resonance محدد لذرة الكربون على نفس المحور مع رنين البيريليوم ونواة هليوم متصادمة (لكن دون أن يكون على نفس المحور مع رنين مناظر في الأكسجين والهليوم[8]) يستحيل أن يوجد الكربون الذي هو أساس الحياة بشكلها الذي نعرفه. وأكثر ما يلفت الانتباه أن “روچر پنروز” Roger Penrose عالم الرياضيات البارز اكتشف حسابيًا ان إنتروبيا[9] الكون تُبين أنه يوجد في حالة دقيقة تبعث على الذهول إذا ما أخذنا في اعتبارنا الكمية الضخمة من القيم المتاحة والمحتملة. فماذا يحمل هذا الضبط الدقيق العجيب من معانٍ دفاعية؟

تحظى ظاهرة الضبط الدقيق بقبول واسع، حتى إن كل المناظرات تدور حول تفسيرها. وقد كان عالِم الكون الملحد “فرِد هويل” مِن أول الذين أدركوا أهمية هذه الملاحظات وما تتضمنه من إشارات واضحة لوجود الله، حتى إنه كتب يقول إنه يبدو كما لو كان “عقل أعلى قد عبث بالفيزياء، وبالكيمياء، وبالأحياء، و… لا يليق بنا أن نتحدث عن قوى عمياء تدير الطبيعة.“[10] كان “هويل” ملحدًا رافضًا لفكرة خلق الله للكون. إلا أن تعليقه هذا يشير إلى ما أنتجه علم الكون المعاصر من ضيق شديد لدى من يرفضون الإيمان بالله. وكأنه أثار سؤالاً يقول: هل يمكن لفكرة الخلق الإلهي أن تقدم شرحًا أفضل للأدلة مما تقدمه فكرة الصدفة؟ لا شك أن “هويل” لم يتمنَّ أن تكون الإجابة بنعم، ولكن هذا ما اكتشفه.

ولكن من يريدون الهروب من الإشارات الواضحة لوجود الله التي يتضمنها الضبط الدقيق يلجؤون لعدة طرق منها افتراض وجود “أكوان متعددة.” ويزعم هذا الرأي أن الكون الذي نعيش فيه ليس إلا واحدًا ضمن مجموعة كبيرة من الأكوان. وهكذا يجب وضع الكون المنظور في سياقٍ كبير لا نهائي من الأكوان المتعددة الأزلية غير المنظورة. فعالمنا قد يكون خاضعًا للضبط الدقيق ولكن الأكوان الأخرى كلها لا تحتاج لهذه العملية، كل ما في الأمر أننا كنا محظوظين ووُجِدنا في هذا الكون بالصدفة. وهذا ما يبين سبب تفضيل “ريتشارد دوكينز” لهذا التفسير!

إلا أن فرضية الأكوان المتعددة تنطوي على مشكلات واضحة كما يبين “سپيتزر”.[11] أولاَ، الفرق بين الكون universe والأكوان المتعددة multiverse هو إلى حد كبير فرق لغوي يتعلق بدلالة المفردات. لأنه إن كان مصطلح “الكون” يعني المجال الكلي الذي يضم عناصر الواقع المادي المتصلة ببعضها، فهذه الفرضية مازالت تتضمن كونًا واحدًا حقيقيًا. وإن كانت الأكوان المتعددة المفتَرضة لا تتصل نهائيًا بالكون الذي نراه فعليًا، فمن الصعب أن نطبق أي قانون فيزيائي من القوانين الفاعلة في مجالنا المنظور على الأكوان المتعددة ككل. وهو ما يعني أنه لا يمكننا أن نستخدم ما نراه من ملاحظات في عالمنا لكي نصل إلى أي استنتاجات عن الأكوان المتعددة. ولكن إن كانت الأكوان المتعددة متصلة من حيث البنية، فالكثير من المشكلات التي تعالجها نظرية الانفجار الكبير سوف تظهر بدلاً منها مشكلات أخرى، أو تعاود الظهور في أشكال مختلفة، أو ستشكل صعوبة أكبر أمام الملحدين.

فما المعاني الدفاعية التي يتضمنها موضوع الضبط التدقيق؟ أن فكرة الضبط الدقيق المتوافق مع الإيمان المسيحي بالله الخالق. رغم أنها لا تثبت أي شيء، لأن كل هذا قد يكون نتيجة صدفة عجيبة شبه مستحيلة، فهي تتفق بشدة مع النظرة المسيحية ويمكن إدراجها بشكل طبيعي سلس في الخريطة التي يرسمها الإيمان المسيحي للواقع. وإن كانت قدرة المسيحية على احتواء هذه الظواهر لا تُعَد برهانًا نهائيًا على أي شيء، إلا أنها تحمل دلالات قوية، والمسيحية واحدة ضمن الكثير من الدلائل المتراكمة التي تُكون معًا “الصورة الكبرى” الكلية للواقع. وهي خيط ضمن الكثير من الخيوط التي يمكن أن تُنسج معاً فتُكون لوحة ذات نسق خاص. إن الضبط الدقيق أحد المفاتيح أو الدلائل التي تفسر معنى الكون، وهو عديم القيمة بمفرده، ولكن وضعه بجوار دلائل اخرى يثريه ويُحمله بدلالات عميقة.

والمسيحي يرى توافقًا مفاهيميًا عميقًا بين الإطار النظري للمسيحية وما تكشفه العلوم الطبيعية عن العالم. وسوف نتناول ذلك بمزيد من التفاصيل في دراستنا للمفتاح الثالث لمعنى الكون: البنية العميقة للعالم.

المفتاح الثالث: النظام (بنية العالم المادي):

ينعكس ميلنا الفطري لتمييز نوع من النظام في العالم انعكاسًا واضحًا في أسفار الحكمة التي يتضمنها العهد القديم. والعلوم الطبيعية أيضًا تقوم على فكرة انتظام الكون. فلولا وجد نظام في الكون لأصبح العلم مشروعًا مستحيلاً.

باعتبار أني كنتُ عالمًا في فترة من حياتي، فقد حظيت بامتياز البحث في الكون الذي يتميز بشفافية منطقية وجمال منطقي في الوقت نفسه، والذي يمكن التعبير عنه بصيغ رياضية مبتكرة وسلسة. ومن العوامل المشتركة بين العلوم الطبيعية واللاهوت المسيحي هو الاعتقاد الراسخ بأن العالم يتميز بحالة من الانتظام والمعقولية، كما أشار أحد علماء الكون في العصر الحديث قائلاً: “النظام الكوني هو إله الفيزيائيين.”[12] فالعالم وطبيعة العقل البشري يتسمان بصفة خاصة جدًا تتيح وجود أنماط في الطبيعة يمكن تمييزها والتعبير عنها.

ومن أهم القواسم المشتركة بين العلوم الطبيعية واللاهوت المسيحي هو الإيمان الأصيل بأن العالم منظم ومعقول. ويُعد مفهوم النظام والمعقولية على قدر كبير من الأهمية على مستوى كلٍّ من العلم والدين، كما أشار عالم الفيزياء “پول داڤيز” Paul Davis: “أثناء عصر النهضة الأوربي كان المبرر الذي نستند عليه لاستخدام ما نسميه اليوم منهج البحث العلمي scientific approach to inquiry هو إيماننا بإله عاقل يمكن اكتشاف نظامه المخلوق عن طريق دراسة دقيقة للطبيعة.[13]

فقد خلق الله عالمًا منظمًا، يمكن للبشر المخلوقين “على صورة الله ومثاله” تمييز ما به من نظام. ولكن ما الذي يمَكن البشر من تمييز هذا التنظيم؟ ولماذا نقدر أن نعبر عنه بمنتهى الذكاء والسهولة على هيئة معادلات رياضية؟ إن هذه الحقيقة أهم بكثير مما نتخيل، كما أشار عالم الفيزياء النظرية “چون پولكينجهورن”:

إن إمكانية فهمنا للعالم أمر مألوف جداً لنا حتى إننا غالبًا

ما نعتبره شيئًا عاديًا ومن المسَلمات. ولكن الحقيقة أنه

لولا هذه الإمكانية لما وُجد العِلم أصلاَ. والبديل لذلك

أن يكون هذا الكون فوضى[14]chaos عشوائية وليس كونًا

[15]cosmos منظمًا. أو أن يكون محكومًا بمنطق ولكن

لا يمكننا نحن البشر أن ندركه. … ولكن الواقع أن

هناك اتساقًا بين عقولنا والكون، وبين منطقيتنا الداخلية

والمنطقية التي نلاحظها خارجنا.[16]

فما الذي يجعل الكون مفهوماً لنا؟ كيف نفسر وضعه وشفافيته المنطقية؟ ولماذا تزودنا التركيبات الرياضية البحتة المجردة، المفترض أنها إنتاج حر من منتجات العقل البشري، بهذه المفاتيح المهمة التي تساعدنا في فهم العالم؟ وقد طرح “يوچين ويجنر” Eugene Wigner  عالم الرياضيات العظيم هذا السؤال الشهير: “ما الذي يمنح الرياضيات هذه الفاعلية غير المعقولة في فهمنا للعالم المادي؟“[17] إنه سؤال يتطلب إجابة. إلا أن العلم لا يمكنه أن يجيب عنه. فالواقع أن العلم يعتمد تحديدًا على ما تتميز به الرياضيات من هذه “الفاعلية غير المعقولة”، ويستخدمها بوصفها أداة، ولكنه لا يقدر أن تقدم تفسيرًا نظريًا يشرح سبب هذه المصداقية الكبيرة التي تتميز بها.

ويقصد “پولكينجورن” أن الإيمان المسيحي يقدم مخططًا للواقع يسمح لنا بإيجاد معنى مقبول منطقيًا لهذه الملاحظات. إن “المنطق الداخلي” وكذلك “المنطق الخارجي” أي منطقية العقلِ البشري والمنطقية المتأصلة في بنية الكون العميقة تنبعان من أصل مشترك في عقلانية أعمق، ألا وهي “عقل الله.” ودائمًا ما تثير العلوم الطبيعية أسئلة مهمة تفوق قدرة الأسلوب العلمي على إجابتها، وهي أسئلة غالبًا ما تكون شديدة الأهمية ولكنها تتجاوز حدود العلم نفسه. فلابد للعلم أن يفترض أن العالم يتميز بالمعقولية لأنها هي ما يعتمد عليه فيما يستخدمه من أساليب. والإيمان المسيحي قادر على تقديم إجابة لهذا السؤال الذي يطرحه العلم عن معقولية العالم، إلا أنه يتجاوز قدرة العلم التي تعجز عن إجابته، ويقدم “خريطة للمعنى” تساعدنا على فهم هذا الإمر فهمًا عميقًا.

وقد انشغل “سي. إس. لويس” أيضًا بسبب التوافق الكبير بين المنطق البشري وبِنية العالم الطبيعي.

أي تفسير للكون لا يمكن أن يكون صحيحًا إلا إذا أقر

بأن تفكيرنا يمثل قدرة حقيقية على الفهم، فالنظرية التي

تشرح كل شيء في الكون كله ولكنها تنفي صلاحية

تفكيرنا تفتقد لكل شرعية، لأن هذه النظرية نفسها تم

التوصل إليها عن طريق التفكير، فإن كان التفكير فاقدًا

للصلاحية، فالنظرية نفسها ستنهار.[18]

ومن ثم فإن استخدام الإنسان للعقل لكي يستكشف العالم يعتمد على منطقية العالم. ولذلك، ما يقصده “لويس” أن كلاً من الخليقة بوجه عام والمنطق البشري بوجه خاص يحملان آثارًا أو بصمات من التنظيم الخلاق النابع من الله. فالإله نفسه الذي أتى بالعالم إلى الوجود هو مَن خلق العقل البشري وصنع حالة من التشابه والانسجام بين هذين الخَلقين وطبيعته الإلهية.

ما فائدة هذا الأسلوب في الدفاعيات؟ يجب توضيح عدد من النقاط في هذا الصدد. أولاً، هذا المنهج يؤكد قدرة الإيمان المسيحي على إضفاء معنى على الأشياء بحيث تتوافق مع ما نلاحظه في العالم، أو مع الصورة الأعمق للواقع التي تنشأ من العلوم الطبيعية. ثانيًا، إنه يقدم لنا نقطة التقاء مهمة مع العلوم الطبيعية. فبالرغم من أنه أحيانًا ما يتم تقديم العلم والإيمان باعتبارهما طرفي نزاع، من الأفضل أن ننظر للإيمان على اعتبار أنه يقدم للأسلوب العلمي بعدًا أعمق. أي أنه يقدم تفسيرًا لنجاح العلم في أداء غرضه.

وهذه نقطة مهمة جدًا فيما يتعلق بفكرة “إله الثغرات” التي نجدها أحيانًا في الكتابات القديمة في مجال الدفاعيات. ويحاول هذا المنهج أن يدافع عن وجود الله بالاستناد إلى ما يوجد في التفسير العلمي من ثغرات. لابد أن أسجل عدم إعجابي بهذا المنهج على الإطلاق. وقد كان “تشارلز كولسون” Charles Coulson (1910- 1974) عالم الكيمياء النظرية بجامعة أكسفورد من أشد نقاد هذه الفكرة وكان يقول إنه “إما أن الله موجود في الطبيعة ككل دون ثغرات أو أنه غير موجود على الإطلاق.”[19] فلا يجب على الدفاعيات المسيحية أن تجعل شغلها الشاغل العثور على ثغرات مؤقتة في النظرة العلمية للعالم تشرح بها بعض الأمور. فالله هو من يعطي معنى للكون بأسره، وهو وحده القادر أن يفسر سبب وجود الأشياء ومعناها. والدفاعيات مهمتها أن تبين أن “الصورة الكبرى” التي تُمكننا المسيحية من إدراكها تجعل للعالم معنى.

المفتاح الرابع: الأخلاق (اشتياق للعدالة):

من الموضوعات الجوهرية في الفلسفة الكلاسيكية ما يطلق علية أحيانًا “الثلاثي الأفلاطوني” “Platonic triad”: الحق، والخير، والجمال. وهي مُثُل يعتبرها الأغلبية جوهرية ومهمة. ويمكن للمدافع أن يستخدم كلاً منها بوصفه مدخلاً للإيمان، وإذا استُخدم بدقة وعلى النحو الصحيح، يمكن أن يمثل نافذة يطل منها المستمع على الصفات الإلهية من حق وخير وجمال.

والدفاعيات الكلاسيكية تميل للتركيز على قضايا الحق، وهو مسلك حكيم جدًا. إذ يبدو أن الله حبا العقل البشري قدرة على إضفاء معنى على الأمور وإدراك أن البشرية جزء من شيء أكبر بكثير. فنحن ندرك أن العمليات المنطقية التي تتم في عقولنا البشرية تُعَد مشاركة في نظام عقلاني موضوعي وانعكاسًا له، وهذا النظام العقلاني أسسه الله وهو يعكس طبيعته وصفاته والأدبية. والبشر مخلوقون على صورة الله. ومن ثم، فهم يعكسون عقلانية الله ولو على نحو باهت. فنحن قادرون على إدراك البنية الأعمق للكون بما فيها وجود الله لأن هذا هو تحديدًا ما خُلقنا له. والقديس أغسطينوس من الكُتاب المسيحيين الأوائل الذين وضعوا هذا المنهج الذي يقوم على تلك الفكرة القائلة بأننا نحمل صورة الله، وهي إحدى الأفكار الجوهرية في الكتاب المقدس (تك 27:1).

إن صورة الخالق ماثلة في النفس البشرية العاقلة أو

المفكرة. … وقد خُلِقَت النفس البشرية على

صورة الله لكي تستخدم المنطق والفكر لتفهم الله وتعاينه.[20]

وكما أدرك أغسطينوس، وكذلك “پاسكال”، وأيضًا “لويس”، إن خلق الإنسان على صورة الله يوفر للدفاعيات المسيحية أساسًا لاهوتيًا قويًا، لأنه يعني أننا قادرون عل استخدام شوق البشرية العميق للحق والخير والجمال في مساعدة الناس على الاتجاه نحو مصدرهم الأعلى وهدفهم الأسمى، أي الله الحي المحب.

وما يعنينا في هذا الجزء هو موضوع “الخير”، أي أساسيات لرؤية ثابتة لما هو خيِّر وكيفية العيش وفقًا له. في لقاء إذاعي حديث تناول أحد الصحفيين البريطانيين طبيعة الأخلاق مع “ريتشارد دوكينز”، الملحد العنيف المشهور. وقد سأله الصحفي “چَستين برايرلي” Justin Brierley عما إذا كانت نظرته الداروينية للأمور قد قدمت له أساسًا للقيم الأخلاقية يمكنه الاعتماد عليه. وفيما يلي جزء من الحوار له أهمية خاصة من وجهة نظر الدفاعيات المسيحية:

برايرلي: ولكنك عندما تٌصدر حكمًا قيميًا، ألا يعني ذلك أنك تقفز خارج هذه العملية النشؤوية الارتقائية وتقول إن هذا الشيء جيد لأنه جيد، دون أن يكون عندك أي مبرر يجعلك تتخذ من هذه العبارة أساسًا للحكم؟

دوكينز: ولكن محتمل أن هذا الحكم القيمي نفسه نتج عن ماضيَّ النشؤوي الارتقائي.

برايرلي: إذَن فهو عشوائي مثل كل نواتج النشوء والارتقاء.

دوكينز: نعم، ولكن هذا لا يعني وجود أي شيء خارق للطبيعة.

برايرلي: ولكن في النهاية يصبح اعتقادك بأن الاغتصاب فعل خاطئ هو اعتقاد اعتباطي وليس له أي سبب، مثله في ذلك مثل حقيقةِ أننا نشأنا وتطورنا بخمسة أصابع وليس بستة.

دوكينز: نعم، صحيح.[21]

لقد اخترق الحوار واحدًا من أهم الأسئلة التي دائمًا ما تُطرح في المناظرات: هل الأخلاق تقوم على معيار أو أساس أعلى يتجاوز الكون المادي transcendent، مثل الله؟ والكثير من الملحدين يرفضون مناقشة هذا السؤال في المناظرات بحجة أنه سؤال سخيف، فكيف يجرؤ أحد أن يقول إن الملحدين عديمو الخلق لأنهم لا يؤمنون بالله؟ ولكن ليست هذه القضية الحقيقية، لأن السؤال المهم هو ما إذا كان يمكن للأخلاق الموضوعية[22] أن تظل باقية دون الإيمان بالله. إن المسيحي يؤمن أن الله وحده هو من يقدم أساسًا موضوعيًا للقيم الأخلاقية التي لا تخضع لنزوات أصحاب السلطة ولا لتغير أمزجة الرأي العام. ويُعبر الفيلسوف الملحد البارز “پول كرتز” Paul Kurtz عن هذه النقطة تعبيرًا جيدًا:

المسألة الجوهرية في المبادئ الأخلاقية والقيمية تتعلق بهذا الأساس الأنطولوجي [المتعلق بالوجود العقلي] ontological. أي أنها إن لم تكن مكتسبة من الله، وإن لم تكن جذورها مغروسة في أرض تتجاوز هذا الكون المادي، فهل هي مجرد شيء عابر قصير الأجل؟[23]

وسوف أسرد مثالاً من التاريخ لتوضيح هذه النقطة. سنة 1933 وصل النازيون إلى السلطة في ألمانيا وسرعان ما طوعوا القانون لفرض حكمهم الشمولي. فسنوا قوانين جديدة فرضت الأيديولوجية النازية. وبذلك تمكن النازيون من أن يدَّعوا أنهم فرضوا أفكارهم بالقانون. والوسيلة الوحيدة للتصدي للمنهج النازي هي بتقديم حجة تؤكد وجود سلطة أخلاقية أعلى من الدولة الألمانية. والأوضاع في ألمانيا آنذاك يطرح سؤالاً لا يمكن تجاهلها، ألا وهو: هل مفاهيم الأخلاقيات والعدالة التي لم تنتجها قناعات بشرية تقوم على أسس تتجاوز الكون المادي؟

أن الأسئلة المزعجة التي أثارها قيام الرايخ الثالث وما أعقبه من كوارث مازالت قائمة حتى الآن. فقد عادت للظهور بسبب المنحى “النفعي” “pragmatic” في الأخلاق الذي ارتبط ببعض الفلاسفة المؤثرين مثل الفيلسوف “ريتشارد رورتي” (1931-2007). والإنسانية وفقًا للقراءة النفعية أو البراجماتية تخلق قيمها وأفكارها الخاصة، وهي لا تحاسَب أمام أي موضوعية خارجية (القانون الطبيعي) أو ذاتية[24] داخلية (الضمير) عن نواتج هذه العملية الخلاقة. “إننا نحاول أولاً أن نكتشف الممارسات التي يجب أن نتبعها، ثم نتوقع من فلاسفتنا أن يُكيفوا تعريف مصطلح “الإنسان” أو “العقلاني” بحيث يلائم هذه الممارسات.”[25] ويقول “رورتي” إن هذا النهج المجتمعي communitarian أو النفعي في موضوع الحق يؤدي للاعتراف بأنه ليس في أعماقنا أي شيء إلا ما وضعناه بأنفسنا، فكل المعايير نحن الذين خلقناها أثناء خلقنا للممارسات، وليس هناك أي مقياس عقلاني لا يستند إلى هذه المعايير، وكل الحجج القوية ليست إلا انصياعًا للأعراف المتبعة.[26]

ووفقًا لهذه النظرة، لابد أن نعتبر الحق والأخلاق انعكاسات للأعراف الاجتماعية التي وضعتها المجتمعات البشرية. ولكن إن كان “رورتي” محقًا في هذه النظرة، فما مبررنا لمعارضة النازية؟ لقد وجد “رورتي” نفسه عاجزًا عن تقديم مبرر مقنع لرفض فلسفة الحكم الشمولي سواءً على المستوى الأخلاقي أو السياسي. ومن ثم، اعترف “رورتي” بأنه:

عندما يأتي البوليس السري، وعندما تُنتهك إنسانية الأبرياء بمختلف أشكال التعذيب، لن يمكننا ردعهم بأن نقول لهم: “حتى وإن كنتم تجسدون ممارسات مجتمع شمولي سيظل قائمًا إلى الأبد، إلا أن هناك صوتًا أعمق في داخلكم يدينكم ويدين هذه الممارسات.”[27]

تتوقف صحة القيم الأخلاقية عند “رورتي” على وجودها في مجتمع معين وقبول هذا المجتمع لها. وقد تعرضت هذه النظرة لنقد لاذع بسبب تبنيها لمنهج يميل لعدم انتقاد الأعراف الاجتماعية السائدة. وكما يشير “ريتشارد بِرنستين” Richard Bernstein يبدو أن “رورتي” تجاوز الحد في تعامله مع الممارسات الاجتماعية باعتبارها مفاهيم صحيحة ومطلقة، فاعتبرها مرادفات للحق والخير والعدالة.

كل هذه القضايا تدلل على الحاجة لأساس أخلاقي يتجاوز هذا الكون المادي، وإلا وجدنا أنفسنا سجناء لتقلبات أصحاب السلطة الذين يعيدون تعريف الأخلاق لتلائم احتياجات أصحاب النفوذ. والحجج الدفاعية التي تستند إلى الأخلاق تنقسم إلى فئتين بينهما اختلاف طفيف: حجج تستند إلى ما يتمتع به الإيمان بالله من ميزة فكرية باعتباره أساسًا للقيم الأخلاقية، حجج تستند إلى ما يتمتع به الإيمان بالله من قيمة عملية، ألا وهي أنه يضمن ثبات القيم الأخلاقية. والاثنتان تقولان بأن الإيمان بوجود الله شيء منطقي لأن هذا الإيمان يقدم أفضل تفسير للوجود، وللطبيعة، ولمعرفتنا بالحق الأخلاقي الموضوعي.

ففي كتاب “المسيحية المجردة” مثلاً يبين “سي. إس. لويس” أن فكرتنا عن الصواب والخطأ تمثل “مفاتيح لفهم معنى الكون.” ويمكن تلخيص حجته الأخلاقية التي تثبت وجود الله كما يلي:

مقدمة 1: يؤمن الجميع بوجود حق أخلاقي موضوعي. ولا يمكننا إجراء مناظرات أخلاقية في غياب هذا الحق.

مقدمة 2: يختلف الحق الأخلاقي الموضوعي عن “قوانين الطبيعية” أو الحقائق “الطبيعية.” فالأول يختص بما “يجب” أن نفعل. بينما تختص الأخيرة بما نلاحظه في العالم من حولنا.

النتيجة: أفضل تفسير لما يمكن داخلنا من حدس[28] عميق بوجد حق أخلاقي موضوعي هو أن هناك عقلاً وراء الطبيعة أو يتجاوزها يغرس فينا معرفة الصواب والخطأ ويمثل أساسًا لما نصدره من أحكام أخلاقية موضوعية.[29]

إن منهج “لويس”، مثل معظم جمل هذه الحجة ليست له القوة المنطقية التي تميز البرهان الاستنباطي. ولكن من الأفضل كثيرًا أن نفهمه باعتباره إيضاحًا إضافيًا يؤكد ما يتميز به الإيمان المسيحي من منطقية أصيلة فيه. أي أن وجود إله يقدم أساسًا أثبت يقوم عليه ما يكمن في البشر من إدراك فطري وحدس عميق لوجود قيم أخلاقية موضوعية، ويقدم دفاعًا عن الأخلاق ضد الحجج غير المسئولة التي تؤيد نسبية الأخلاق. فالله من وجهة نظر “لويس” يُعرف بواسطة ما يكمن فينا من حدس خلقي عميق:

إن كان خارج الكون قوة ضابطة، فلا يمكن أن تُظهر لنا ذاتها باعتبارها واحدة من الحقائق الواقعة داخل الكون، تمامًا كما لا يقدر مهندس قام بتصميم أحد المنازل أن يكون جدارًا دَرجًا أو مدفأة في ذلك المنزل. فالطريقة الوحيدة التي يمكننا بها أن نتوقع من تلك القوة إظهار ذاتها ستكون داخل أنفسنا في صورةِ سلطة مؤثرة أو وصية تحاول أن تحملنا على التصرف بطريقة معينة. وذلك هو عين ما نجده داخل أنفسنا.[30]

وبالتالي، فالإيمان بالله مقنع ومقبول من ناحية، ومفيد من ناحية أخرى. فهو لا يجعلنا صالحين، ولكنه يتيح لنا الإمكانية أن نكون صالحين. وكما يشير “لويس”: “وجود مبرر منطقي للفضيلة لا يجعل الإنسان فاضلاً.”[31] ولكن إن أردنا أن نصبح صالحين، علينا أولاً أن نعرف ماهية “الصلاح” ثم نكتسب القدرة على تحقيقه. وهذا يعتمد على إدراكنا لوضعنا الحقيقي ومحدوديته، كما أشار “لويس”. فنحن نحتاج للشفاء وللمعونة حتى نصبح صالحين. إلا أن اكتشاف نعمة الله واختبارها خطوة مهمة في الطريق إلى الخُلق الصحيح.

فكيف نستخدم هذه المنهجيات في الدفاعيات؟ لابد أن نلاحظ أن الدفاعيات يمكن أن تسير في أحد اتجاهين، أولهما إنشاء حجج تؤيد الإيمان المسيحي، وثانيهما إنشاء تحليلات وتقييمات تنقد المنهجيات غير المسيحية. وقد أعلن “فرانسيس شِفَر” Francis Schaeffer إعلانًا شهيرًا بأن أي منظور غير مسيحي يتضح في النهاية أنه غير متسق ومتناقض. وإن كان هذا الزعم ينطوي على قليل من المبالغة، فهو لا يخلو من الصواب. وتعتبر “الحجة المبنية على الأخلاق” “argument from morality” مثالاً ممتازًا على ذلك، فهل يمكن الإبقاء على فكرة القيم الأخلاقية الثابتة والموضوعية دون الإيمان بواقع يتجاوز العالم المادي، كإله المسيحية؟

وللتوضيح أقول إنه يمكن استخدام الحجة المبنية على الأخلاق على نحو فعال لتأكيد قدرة الإيمان المسيحي على خلق معنى للأشياء بتطبيق المنهجيات الموضحة سابقًا، وهذا هو الاتجاه الأول للدفاعيات. ولكن ربما يكون من الأفضل استخدام هذا المنهج نفسه في نقد الأفكار الإلحادية، كأن نطرح سؤالاً مثل: هل يمكن للإلحاد أن يدافع عن فكرة الحق الأخلاقي؟ وهذا هو الاتجاه الثاني للدفاعيات.

وفي المناظرات العامة، يغضب الملحدين من تحليل أفكارهم بهذا الشكل لأنهم يرون أن هذا يعني ضمنيًا القول بأنهم عديمو الخُلق. ولكن هذا ليس صحيحًا لأن هذا النقد لا ينكر القيم الأخلاقية عند الملحدين. ولكنه يطالبهم بتقديم مبرر منطقي لهذه القيم. خذ مثلاً نقدًا لتناول “رورتي” للأخلاق، نرى فيه “رورتي” عاجزًا عن تقديم معيار يعلو فوق الممارسة البشرية للرجوع إليه في الحكم على هذه الممارسة.[32] وقد قالت الفيلسوفة الملحدة “أيريس مِردوك” إن وجود فكرة للصلاح تتجاوز الكون المادي هي عنصر لا غنى عنه يضمن بقاء الأفكار البشرية الخاصة بما هو “صواب” وما هو “عدل”. وإن كانت على حق، فشوقنا للعدالة يمثل في حد ذاته مفتاحًا قويًا لفهم معنى الأشياء.

المفتاح الخامس: الرغبة (فطرة داخلية تسعى إلى الله):

تلجأ الكثير من الحجج التي تثبت وجود الله إلى المنطق في المقام الأول. في حين تستند حجج أخرى على الخبرة معتمدةً على قبول القلب البشري لها بقدر قبول العقل. وقد قال “باسكال” في تعليق شهير له: “للقلب منطقه وأسبابه التي لا يستطيع العقل أن يفهمها.” وأشهر الحجج في هذا المجال هي “الحجة المبنية على الرغبة” argument from desire””. ورغم تنوع أشكالها، فهي في معظم الأحيان تنعكس في وعي الإنسان العميق بأنه يتوق إلى شيء لا يمتلكه ولكنه يشعر بانجذاب نحوه. ويقول المدافعون المسيحيون إن هذا الشوق العميق لشيء يتجاوز حدود الكون المادي يرجع أصلاً إلى أننا مخلوقون لنحيا في شركة مع الله، ولن نرتوي إلا بالوصول إلى هذه الشركة.

وتُعتبر كتابات القديس أغسطينوس من أهم المعالجات اللاهوتية لهذا الموضوع. فالله، عند أغسطينوس، خلق البشر ووضعهم على قمة النظام المخلوق حتى يحققوا أغراضهم بالاتصال معه باعتباره خالقهم ومخلصهم. وبعيدًا عن هذه العلاقة لا يمكن للبشرية أن تكون ما يجب أن تكونه. وقد عبَّر أغسطينوس عن ذلك في صلاة مشهورة قائلاً: “لقد صنعتنا لذاتك، وستظل قلوبنا قلقة حتى تجد راحتها فيك.[33]

ويرجع الفضل للفيلسوف “بليز پاسكال” (1623-1662) وكذلك “سي. إس. لويس” (1898-1963) في وضع أهم تطبيقين دفاعيين لهذا المنهج. يقول “پاسكال” إن ما يختبره البشر من خواء وشوق إنما هو مؤشر على مصير الإنسانية الحقيقي، إنه ينير الطبيعة الإنسانية ويكشف عن هدفنا النهائي، ألا وهو الله من وجهة نظر “پاسكال”.

علامَ يدلل هذا التحرق والعجز، سوى على أنه كان بداخل كلٍّ منا سعادة حقيقية لم يبقَ منها الآن إلا مسحة وآثار فارغة؟[34]

الله وحده هو من يقدر أن يملأ هذا “الهوة”؛ هذه الفجوة العميقة المشكَّلة على صورة الله التي غرسها الله في الطبيعة البشرية ليجذب بها الناس إليه ثانيةً.

أن هذه الهوة غير المحدودة لا يمكن أن تُملأ إلا بشيء غير محدود غير متغير، أي الله نفسه. الله فقط هو خيرنا الحقيقي.[35]

وغالبًا ما يُعبَّر عن فكرة “پاسكال” بعبارة “فجوة على شكل الله” أو “فراغ على شكل الله” داخل الطبيعة البشرية. وبالرغم من أن “پاسكال” نفسه لم يستخدم هذه التعبيرات فعليًا، فهي تلخص منهجه ببراعة. وهو يقول إن الإيمان المسيحي يقدم إطارًا يفسر ما يختبره البشر عمومًا من المشاعر “التوق والعجز.” ويتكون هذا التفسير من عنصرين: أولهما، أنه يعطي معنى للخبرة. وثانيهما، أنه يُحدث تغييرًا في هذه الخبرة البشرية نتيجةً لتحديد معناها.

وقد وضع “سي. إس. لويس” منهجًا مشابهًا له أهمية خاصة للدفاعيات المسيحية.[36] فهو يقر بأهمية ما يختبره الكثيرون من إحباط تطلعاتهم: “نحاول، في أولى لحظات الشعور بهذا التوق، أن نمسك بشيء معين ولكنه سرعان ما يتلاشى على أرض الواقع.” فما تفسير ذلك؟ يشير “لويس” إلى طريقتين في التفسير يعتبرهما معيبتين: الأولى، أن نفترض أن هذا الإحباط ينتج عن البحث في أماكن خاطئة. والثانية، أن ننتهي إلى أن المزيد من البحث لن يؤدي إلا إلى المزيد من الإحباط. ومن ثم، فأي محاولة للعثور على شيء أفضل مما يقدمه العالم هي محاولة خاطئة. ويقول “لويس” بوجود حل ثالث، ألا وهو الاعتراف بأن هذه الأشواق الأرضية ليست “سوى نسخة، أو صدى، أو سراب” لوطننا الحقيقي.

ثم يبني “لويس” بعدئذٍ ما قد يطلق عليه البعض “الحجة المبنية على الرغبة”، ويمكن صياغتها كما يلي:

  1. كل رغبة طبيعية يقابلها موضوع تتجه نحوه، ولا تشبَع إلا عندما تصل إليه أو تختبره.
  2. هناك رغبة طبيعية نحو إشباع يتجاوز حدود العالم المادي لا يمكن الوصول إليه ولا اختباره بأي شيء أو عن طريق أي شيء في العالم الحاضر.
  3. وبالتالي هذه الرغبة الطبيعية في إشباع يتجاوز حدود العالم المادي لا يمكن تحقيقها إلا فيما وراء العالم الحاضر، في عالم يشير إليه النظام الحاضر.[37]

هذه الحجة لا تثبت فعليًّا وجود الله بالمعنى الضيق لهذا المصطلح. فيجب علينا في البداية أن نوسع نقطة “لويس” لتشمل إعلان المسيحية عن أن الله إما هو تحقيق الرغبة البشرية الطبيعية في إشباع يتجاوز العالم المادي أو أنه شرط أساسي له. ومع ذلك، لا يجب فهم هذه الحجة باعتبارها استنباطًا لوجود الله.

إلا أن “لويس” رأى أن هذا الخط الفكري يبين الارتباط بين الإيمان والخبرة لأنه يكشف بالتجربة العملية أن النظرة المسيحية للواقع تتوافق مع ما نختبره في نفوسنا. والحجة ليست استنباطية، ولكنها تستخدم الاستدلال بالاستبعاد، على حد تعبير “پيرس”. فمن الواضح أن “لويس” يرى أن الإيمان المسيحي يلقي الضوء على واقع خبراتنا الذاتية. وقد نسج القديس أغسطينوس الموضوعات المحورية في التعاليم المسيحية عن الخليقة والفداء في الصلاة له: “لقد صنعتنا لذاتك، وستظل قلوبنا قلقة حتى تجد راحتها فيك.“[38] ويؤكد “لويس” هذه الفكرة، ويغرس جذورها في عالم الخبرة البشرية التي يرى أنها تستنير بهذه الفكرة.

وهكذا يرى “لويس” أن الدفاعيات المسيحية لابد أن تتفاعل مع هذه الخبرة الإنسانية الأساسية من “التوق” إلى شيء له أهمية قصوى. والإيمان المسيحي يفسر هذه الحالة باعتبارها مفتاحًا يسهم في حل لغز السعي نحو تحقيق الهدف الحقيقي للطبيعة البشرية. وكما يشير الجوع الجسدي إلى احتياج بشري حقيقي يتم إشباعه بالطعام، هكذا يتقابل هذا الجوع الروحي مع احتياج حقيقي يتم إشباعه بالله نفسه. ويقول “لويس” إن معظم الناس يدركون بداخلهم شعورًا عميقًا بالتوق لا يمكن إشباعه بأي شيء مؤقت أو مخلوق: “إن وَجَدتُ في نفسي رغبة لا تشبعها أي خبرة في العالم، فالتفسير الأرجح لهذه الحالة أنني خُلقتُ لعالم آخر.”[39]

إلا أن هذا لا يثبت أي شيء. فقد أشعر برغبة عميقة في أن ألتقي بحصان وحيد القرن ذهبي اللون، إلا أن هذه الرغبة لا تعني أن الخيول وحيدة القرن موجودة فعليًا، سواء أكانت ذهبية أو غير ذهبية. ولكن ليس هذا ما يقصده “لويس”، بل يقصد أن المسيحية تخبرنا أن هذا الشعور بالشوق لله هو شيء متوقع جدًا لأننا مخلوقون لنتواصل مع الله. فهو يتوافق مع أسلوب التفكير المسيحي، وبذلك يؤكد مصداقيته بشكل غير مباشر، مما يخلق اتساقًا قويًا بين النظرية والملاحظة، أي بين الإطار اللاهوتي وواقع خبرتنا الشخصية.

فكيف يمكن تطوير هذا الأسلوب وتطبيقه في الدفاعيات؟ إن العنصر الأساسي في هذا النهج هو استناده إلى الخبرة الإنسانية، أي إلى عالم المشاعر الذاتي، لا إلى التحليل الموضوعي للعالم الطبيعي. إلا أن هذه الخبرات الذاتية مهمة عند أصحابها، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها شعور الناس بمدى أهميتها. وحتى إن لم يكن الجميع قادرين أن يتعرفوا على هذه الخبرة عندما توصف لهم، إلا أن انتشارها يكفي أن يجعلها أساسًا لاستراتيجية مهمة في الدفاعيات. ويجب التنويه إلى ثلاث نقاط في هذا النهج.

  1. يتصل هذا المنهج بخبرة إنسانية يشترك فيها الكثير من البشر. وهو يتفاعل مع شيء له أصداء عند الكثيرين، ويقدم تفسيرًا لشعور يختلج في صدور الكثيرين ولكنهم يتساءلون عن معناه.
  2. الخبرة لها تفسير. فهي ليست خبرة عشوائية أو بلا معنى، ولكنها مؤشر ينبه إلى شيء أبعد منه. فما يراه البعض ظاهرة بلا معنى يصبح علامة على الطريق لها دلالتها.
  3. تُعتبر هذه الخبرة بوابة مؤدية لله. فالله وحده هو مَن يستطيع أن يُحدث تحولاً في الخبرة الإنسانية. الله فقط هو من يقدر أن يملأ ما أطلق عليه “پاسكال” “الهوة” الكامنة في الطبيعة البشرية. وتفسير الخبرة الإنسانية على هذا النحو ليس انتهازيًا ولا اعتباطيًا، ولكنه يضرب بجذوره في فهم الطبيعة البشرية والمصير البشري من الوجهة اللاهوتية.

ولا تُعَد هذه ” الحجة المبنية على الرغبة” “برهانًا” منطقيًا قويًا يثبت وجود الله، ولكنها تصل إلى مستوى أعمق بكثير. فقد تنقصها القوة المنطقية، ولكنها تتميز بعمق وجودي. فهي تتعلق بقدرة الإيمان المسيحي على مخاطبة أعماق الخبرة الإنسانية، أي الأمور التي تمثل أهمية حقيقية لنا. وهي تعتمد على الشعور بالقلق وعدم الرضا الذي يعتمل في الطبيعة البشرية وتُبين أن هذه الحالة تمثل مفتاحًا يساعد في فهم طبيعتنا الحقيقة ومصيرنا. وكما قال “لويس”، إن لم يكن في هذا العالم ما يُشبع هذه الأشواق والتطلعات العميقة، فقد يعني ذلك أننا لابد أن نُسَلِّم بأن بيتنا الحقيقي في عالم آخر. وكما قال “فرانسيس كوارلز” Francis Quarles (1592-1644) أحد شعراء عصر النهضة، إن نفوسنا كالإبرة المعدنية التي تنجذب نحو مغناطيس الله. فكما يستحيل محو ما نشعر به من توق للعدالة أو رغبة عميقة في تحسين هذا العالم، يستحيل كذلك أن نمحو الله من الحياة الإنسانية تمامًا. إن ما بداخلنا من ميل فطري نحو الذهاب إلى البيت يرجع تحديدًا إلى وجود بيت لنا نعود إليه، ويُعَد هذا الموضوع من أهم موضوعات العهد الجديد.

وتمثل هذه الرغبة نقطة مهمة عندما نفكر في طبيعة المجتمع الغربي. فقد أجرى الفيلسوف السياسي “تشارلز تيلور” Charles Taylor مؤخرًا تحليلاً تفصيليًا لظهور “عصر علماني” وختمه بخلاصة مفادها أن الدين لن يختفي بسبب ما يميز الطبيعة البشرية من سمات خاصة، على رأسها ما يطلق عليه الفيلسوف الفرنسي “شانتال ميلون دلسول” Chantal Milon-Delsol “رغبة في الأبدية.”[40] إن الطبيعة البشرية تتميز بشيء يجعلنا نريد أن نصل إلى ما وراء الحدود العقلانية والتجريبية سعيًا نحو المعنى والقيمة.

ويجب التنويه إلى نقطة أخرى في هذا الصدد: إن الفكر المسيحي الذي يؤمن بأن البشرية تحمل صورة الله ينطوي على معانٍ مهمة تتصل بدور الخيال. ويؤكد كلٌّ من “لويس” وكذلك “تولكين” أن تخيلاتنا تفتح عوالم تصدر إشارات تبين هويتنا الحقيقية مصيرنا الحقيقي. فنحن غالبًا ما نحلم بعوالم جميلة، لا لأننا نريد الهروب من هذا العالم، ولكن لأن في أعماقنا شيئًا يجعلنا نتوق لواقع جميل. وسنرى فيما بعد أن هذه الفكرة أيضًا تتماشى مع الدفاعيات.

 المفتاح السادس: الجمال (بهاء العالم الطبيعي):

يتأثر الكثيرون تأثرًا عميقًا برؤية جمال الطبيعة، مثل سلاسل الجبال الضخمة، أو منظر الغروب الرائع، أو الوديان الزاخرة بالأشجار. فكيف نساعد الشخص على الانتقال من محبة مخلوقات الله لمحبة الله الخالق؟ قد تكون أول وأوضح نقطة أن نساعد الناس على رؤية العالم بنظرة مختلفة، أي باعتباره علامة على الطريق، ليس محطة وصول. فجمال العالم يشير إلى جمال الله الأعظم الذي يعكسه العالم كما يعكس القمر نور الشمس الأعظم، أو كما تتلألأ ماسة جميلة عندما تلتقط أشعة الشمس.

ويُعتبر هذا الموضوع من الموضوعات الرئيسية التي يتناولها اللاهوتي الأمريكي العظيم “چوناثان إدواردز” الذي يضع أساسًا لاهوتيًا صلبًا لمنهج دفاعي يقوم على فكرة جمال الطبيعة. ويرى “إدواردز” أن الله يرغب في أن تَعرف مخلوقاته جماله وتستمتع به. ولذلك، فهو يختار أن يوصل هذا الجمال عن طريق النظام المخلوق حتى يراه الجميع ويقرون به ويتجاوبون معه.[41] إن الطبيعة مصممة لتكشف جمال الله، وهي مثل مَدرسة للرغبة تتعلم فيها البشرية كيف تدرك مجد الله وتتجاوب معه بإيمان ومهابة.

ولكننا لابد أن نمعن التفكير في قضية الجمال. فإن أردت أن أدرك حجة منطقية، لابد أن أفكر فيها مليًا لأنها لا تُفهم فجأة. إلا أن الجمال يختلف لأنه شيء ندركه في التو واللحظة. فعندما نرى منظرًا أو شخصًا أو عملاً فنيًا جميلاً، نفهم على الفور أنه متميز. ولا نحتاج لمن يقنعنا بأن هذا الشيء أو هذا الشخص جميل، ولكننا نجد شيئًا عميقًا في داخلنا يخبرنا بذلك. وهكذا، فالدفاعيات التي تقوم على الجمال لا تستند على الحجة بل على التذوق. ولكن الحجة تبدأ عندما نسأل عما يشير إليه جمال الطبيعة.

فقد لا يعني إدراكنا لجمال الطبيعة أي شيء على الإطلاق. وقد يكون كله صدفة، مجرد شيء اعتباطي وبلا معنى. إذن، فهو أيضًا ما يطلق عليه “سي. إس. لويس” مصطلح “مفتاح لفهم معنى الكون.”[42] وفي أحد أشكال الحجة المبينة على الرغبة، يقول “لويس” إن توقنا للجمال يصاب بإحباط تام إن ظننا أننا سنجد الجمال الحقيقي في أي شيء مخلوق أو محدود، لأننا بذلك نبحث عن شيء لا وجود له. وهكذا، يرى “لويس” أن ما نراه في هذا العالم هو علامات تشير إلى الموضع الذي نجد فيه ما تدلل عليه، إلا أنها هي نفسها لا تقدم جمالاً حقيقيًا. وإن كنا نعتقد أن فيها جمالاً حقيقيًا، سنسقط في حالة من البؤس والتشوش.

ويرى “لويس” أن السعي البشري نحو الجمال الحقيقي هو نقطة تلاقي مهمة مع الإنجيل. وهو يمثل أحد الموضوعات المحورية في عظة “ثقل المجد” “The Weight of Glory” [43] التي ألقاها سنة 1941 وهي تُعتبر أهم أعماله القصيرة. ويعتقد “لويس” أن بداخلنا ميلاً فطريًا نحو ما يتجاوز حدود العالم المادي، يثيره فينا الجمال، ويعبر عن “رغبة في وطننا البعيد نكتشفها في أنفسنا الآن.”[44] والجمال، عند “لويس”، يستنفر قيمة أكثر واقعية من كل ما نلتقي به في هذا العالم الوقتي. وهو يثير شعورًا بالتوق إلى عالم تَعلَق بذاكرتنا صورة باهتة له ولكننا منفيون منه حاليًا، كما أشرنا في الجزء السابق من هذا الفصل. إنها رغبة “في شيء لم يظهر مطلقًا في نطاق خبرتنا” ولكن خبرتنا دائمًا ما تلوح به وتحببه إلينا.[45]

ولذلك، فالسعي البشري نحو الجمال يمثل في الواقع سعيًا نحو مصدر ذلك الجمال الذي ينتقل إلينا عبر الأشياء التي نراها في هذا العالم، ولكنها لا تحتويه. وتلك الأشياء “التي كنا نظن أن الجمال يكمن فيها سَوف تخوننا إن وثقنا فيها: فالجمال لم يكن فيها، ولكنه أتى من خلالها فحسب، وما أتى من خلالها كان الشعور بالتوق.”[46] وهذا هو ما يفسر انتهاء ذلك السعي بالإحباط أو اليأس. “لقد ابتسم الجمال، لكن لا ليرحب بنا.”[47] إننا نلتقط لمحة من ذلك الشيء الذي يفوق الوصف الذي يُعتبر الجمال رسولاً له، فنخطئ الفهم ونظن أنه الرسالة نفسها.

ولذلك، يؤكد “لويس” أنه لا بد لنا أن نرى الطبيعة بوصفها علامة على الطريق تشير إلى جمال الله الأعظم. إن “الجانب التصويري الذي يحظى بالقبول” في التقليد المسيحي يخاطب الشوق الذي نعرفه ونختبره، ويبشر في الوقت نفسه بكشف ما هو مخبوء في الوقت الحاضر، أي “ما لم نعرفه بعد ولكننا نريد أن نعرفه.”[48] إنه يفسر هذا السعي نحو الجمال على أنه “توق للاتحاد مرة أخرى بشيء في الكون نشعر أننا الآن منقطعون عنه، وشوق للدخول من باب ما طالما رأيناه من الخارج فقط.”[49] إن ما نختبره من رغبة في الجمال هو بالفعل دعوة “للعبور في الطبيعة ومن خلالها، ثم تَجاوزِها وصولاً إلى ذلك البهاء الذي تعكسه على نحو مؤقت.”[50]

وهكذا تُعتبر الطبيعة “أول رسم تخطيطي … مجرد صورة، أو رمز” لذلك الواقع الأعظم الذي تشير إليه. وبذلك تمثل الطبيعة “صورة جيدة لِما نرغب فيه بالفعل” ولكن الناس يعتقدون خطأً أنها هي نفسها ما يسعون إليه.[51] إلا أن الجمال يكشف الحق بالإشارة إلى عالم يتجاوز عالم الأشياء المنظور. إنه يتيح لنا أن نرى ما وراء الباب المغلق في الوقت الحاضر متوقعين فتحه والعبور فوق عتبته.

لا يمكننا أن نمسك بما نراه من صور البهاء. إلا أن حفيف أوراق العهد الجديد كلها يذيع أن الوضع لن يبقى كما هو عليه. ولكن يومًا ما، بمشيئة الله، سوف ندخل العالم الذي نشتاق إليه.[52]

ويمكننا العثور على أفكار مشابهة في كتابات آخرين مثل “چوناثان إدواردز” وكذلك “هانس أورز ڤون بالثازار” “Hans Urs von Balthasar. فكل الجمال الذي نراه في النظام المخلوق، سواء أكان في السماوات أم على الأرض مشتق من ضياء يسوع المسيح الذي هو صورة الله الجميل مصدر كل جمال.

فكيف نستخدم الجمال في دفاعياتنا؟ إجابة “لويس” بسيطة: الجمال يتجاوز التحليل العقلاني ويخاطب شيئًا أعمق بكثير داخلنا. قرر صديق لي يعمل محاميًا هو وصديقته أن يتزوجا. فذهبا إلى الصائغ لشراء خاتم الزواج بعد أن حددا مواصفات الخاتم المطلوب من حيث نوع الحجر الكريم الذي يزينه، والإطار المحيط به، وما إلى ذلك. ثم رأيا خاتمًا وقع كلاهما في غرامه. ورغم أنه لم يكن مطابقًا للمواصفات، فقد رأيا أنه الخاتم المناسب وعادا إلى البيت فرحين باختيارهما.

ولا يصعب أن نميز ما تتضمنه هذه القصة من معانٍ دفاعية. فأحيانًا يكون المهم أن تسمح للإنجيل أن يقنع الناس بنفسه. والتاجر الذي أدرك جمال “اللؤلؤة كثيرة الثمن” وقيمتها لم يكن بحاجة لأحد يقنعه بقيمتها الحقيقية (مت 13: 46،45). ولكن اللؤلؤة أقنعته بنفسها. فمهمتنا أن نساعد الناس على إدراكِ جمال الإنجيل، كبائع المجوهرات الذي يدفع ماسة مقابل الضوء حتى تبرق وجوهها فيُقدر الناظر جمالها. ولكن الجمال موجود من الأصل، وكل ما فعله الجواهرجي أنه عرضه بحيث يظهر بأقصى وضوح ممكن.

المفتاح السابع: العلاقاتية (الله بوصفه شخصًا):

تؤكد رواية الخلق في سفر التكوين أن كل ما خلقه الله حسن. ولكن عند نقطة معينة يقرر الله إجراء تغيير معين، فليس حسنًا أن يكون آدم وحده (تك 18:2)، وهو إقرار بما يميز البشر من جانب علاقاتي. فقد خُلقنا لنوجد في علاقة، مع بعضنا البعض، ومع الله. والصورة الفردوسية التي يرسمها الكتاب المقدس لِجَنَّة عدن تصور آدم وحواء في انسجام بعضهما مع بعض ومع الله. فالإنسانية الأصيلة تتضمن التواجد في علاقات، حسب الوضع الذي خُلقنا عليه.

وقد أدرك الإنسان احتياجه الأساسي للتواجد في علاقات منذ زمن بعيد. فعندما أطلق أرسطو، وهو من فلاسفة العصر الكلاسيكي العظماء، جملته الشهيرة أن البشر “حيوانات سياسية” كان يقصد فعليًا أن الإنسان لديه ميل طبيعي أن يعيش في مجتمعات مثل دولة المدينة التي سادت اليونان في الحقبة الكلاسيكية. إلا أن أهم طريقة لفهم حاجتنا للعلاقات، عند الغالبية، لا يُعَبَّر عنها بمصطلحات سياسية، بل بلغة الحب الشخصية الحميمة.

لقد قال “ڤيكتور ايجو” Victor Hugo (1802-1885) الكاتب المسرحي الفرنسي الشهير إن السعادة القصوى في الحياة تتحقق عندما نتأكد أننا محبوبون.” فمعرفتنا أننا محبوبون تمنحنا قاعدة الأمان التي نحتاج إليها لنواصل حياتنا. إننا نحتاج أن نطمئن إلى أننا مهمون عند شخص ما. ومما يؤكد أهمية هذا الموضوع عند جميع البشر أن حتى المقالات الأكاديمية المملة والروايات الرومانسية التافهة لم تخلُ منه، وهي تطرح سؤالاً يقول: لماذا نجد الأغنياء وأصحاب السلطة في غاية التعاسة؟ لأن ما يهم الناس فعلاً هو الحب، لا الثروة ولا السلطة. ولا يمكننا ان نحيا دون علاقات شخصية ذات معنى.

ويمكننا أن نروي الكثير من القصص لتوضيح هذه النقطة. ولكن قصتي المفضلة تختص بالفيلسوف الأمريكي “پول إلمر مور” Paul Elmer More (1864-1937). انبهر “مور” في شبابه بفكرة أفلاطون عن المثالي Ideal أي الواقع الذي يكمن خلف أي مظهر مرئي على الأرض. إلا أنه كلما تأمل في “عالم مثاليات” أفلاطون تضاءل إعجابه به. فقد بدا له قاحلاً عقيمًا عاجزًا عن التواصل مع البشر، ورآه باردًا يتلامس مع الإنسان باعتباره شخصًا، ولا تُنطق فيه أي كلمات ولا تُعرف فيه مشاعر الحب الرقيقة. إلا أن المسيحية تتحدث عن إله يدخل في تاريخنا ويحررنا من عالم المثاليات البارد المجرد من المشاعر لندخل عالمًا مشحونًا بحضور الله الشخصي البهيج. والاختلاف بين الاثنين يمثل أهمية عظمى. ولذلك، أصبح “مور” مسيحيًا في مرحلة لاحقة من حياته.[53] فما من كائن بشري يمكنه أن ينعم بالإشباع في عالم مجرد لا يتلامس مع الناس باعتبارهم أشخاصًا، فنحن نحتاج للتواصل من الآخرين، بمن فيهم الله.

والمسيحية إيمان علاقاتي في الأساس. فلا يجب أن نفكر في الإنجيل إطلاقًا من وجهة عقلانية بحتة، مثل الإيمان بوجود إله، كما لو كان الإيمان مجرد نوع من استيفاء مجموعة من الشروط. فرغم أن الإيمان له محتوى واضح يحدد ما نؤمن به عن الله وعن أنفسنا، هو أعمق من ذلك بكثير. ومن ثم، يجب ألا ننسى أبدًا أن الفكرة التي يتمحور حولها الإيمان في الكتاب المقدس تتلخص أساسًا في الثقة في الله الذي يُظهر نفسه على أنه أهل لتلك الثقة بالقول وبالفعل. ومن هنا يتضح الاتصال الوثيق بين الإيمان والرجاء والمحبة. فنحن نثق في إله يحبنا ويمنحنا رجاء للمستقبل.

ويمكن رؤية الجوانب العلاقاتية للإيمان في مجموعة لا تحصى من الفقرات الكتابية. ومنها مثلاً دعوة إبراهيم (تك 17،15). والعنصر الجوهري في هذه القصص الكتابية هو ثقة الإنسان في المواعيد الإلهية. ففي حالة إبراهيم كان الأساس هو تكوين علاقة ثقة وطاعة بين إبراهيم والله. ونرى نموذجًا مشابهًا في دعوة التلاميذ الأوائل على شاطئ بحر الجليل (مر 1: 16-20) حيث يدعو يسوع صيادين ليتبعوه، أي بالأحرى ليدخلوا في علاقة معه.

وعبر صفحات الوحي كله، نرى الله باعتباره شخصًا، وليس مجرد قوة، فهو شخص يحبنا ويريد أن يدخل في علاقة معنا. واللغة التي نستخدمها لنَصف علاقتنا بالله تشبه تلك التي نستخدمها لوصف علاقتنا بالآخرين، وهو ما يتضح في بعض الكلمات مثل “حب” أو “تكريس”. وبولس مثلاً يستخدم في رسائله تعبير “المصالحة” للإشارة إلى استعادة العلاقة بين الله وأناس غرباء واستعادة الشركة بين الله والبشر في المسيح.

والنقطة الدفاعية الرئيسية هنا تقوم على أسس لاهوتية متينة، ألا وهي أننا خُلقنا لكي نتواصل مع الله وسنظل مضطربين وغير مشبَعين حتى يحدث هذا التواصل. لقد خُلقنا “على صورة الله” (تك 1: 27)، وهذا ما يعني وجود تشابه أصيل، وليس تماثلاً، بين الله وكل واحد منا. فنحن نوصف بأننا كائنات بشرية بفضل ما منحنا الله إياه من قدرة على التواصل معه باعتباره خالقنا وفادينا. وعندما نصل إلى الإيمان بالله نرجع للحالة التي قصدها الله لنا. فالوجود الأصيل authentic existence لا يُكتسب بالممتلكات، ولا المناصب، ولا السلطة، بل بالالتصاق بالله الحي المحب.

وهذه القضية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بموضوع بحثناه سابقًا في هذا الفصل، وهو الحجة المبنية على الرغبة. ولكن الرغبة هنا تتجه نحو شخص، لا نحو شيء أو قوة. فالله شخص نعرفه، ولسنا فقط نعرف عنه. فلا شك أن بداخلنا “فراغًا على صورة الله” يدلل على حاجتنا للاتصال بالله حتى نصير إلى الوضع الذي يريدنا عليه. ودون الله، نظل نعاني من الفراغ وعدم الإشباع.

المفتاح الثامن: الأبدية (رجاء حدسي):

تصعب ترجمة بعض النصوص الكتابية إلى الإنجليزية نظرًا لثراء الأصل العبري أو اليوناني وتعقيده. وكما يقولون، إن المعاني تُفقد في الترجمة. فالإصحاح الثالث من سفر الجامعة يأخذ شكل تأمل طويل في موقعنا على خط الزمن. ولكن أحد أجزائه يشكل صعوبة حقيقية في الترجمة إلى اللغة الإنجليزية، ويقول هذا الجزء إن الله عندما خلق البشر “وضع في عقولهم حسًا بالماضي والمستقبل” (جا 3: 11). إلا أن هذه العبارة لا تحمل معنى مرور الوقت. لذلك، ربما يمكن ترجمتها بطريقة أخرى كأن نقول إن الله “زرع الأبدية في قلوبهم.” إننا ندرك في أعماقنا قِصَر الحياة البشرية، وحدسنا الداخلي يخبرنا بأن الواقع يتجاوز ما أعطي لنا من مقدار ضئيل من الزمان والمكان. ووجودنا المؤقت في هذا العالم يشير إلى وجود شيء أعظم وأفضل يتجاوزه. وبداخلنا شعور يقول لنا إننا خُلقنا لشيء أكبر من هذه الحياة. ولكن ما هو؟ وكيف نحصل عليه؟

إن هذا الشعور بان مصيرنا الحقيقي يتجاوز هذا العالم الزائل يتأكد بعدة عوامل. أولها الحدس الداخلي العميق بأننا لا ننتمي إلى هذا العالم. وقد تحدث القديس أغسطينوس الذي كتب في القرن الخامس عن ذكرى الفردوس التي تطاردنا بحيث لا يمكننا التخلص منها أبدًا. وحتى ونحن غارقون في خضم مشاغل الحياة، نتذكر عالمًا آخر، ووجودًا آخر. ويبدو أن الأصوات تنادينا من أقاصي الأرض مشيرةً إلى أعمق وأفضل من كل ما نمتلك أو نعرف في الوقت الحاضر. وقد عبَّر عن ذلك الشاعر “ماثيو أرنولد” Matthew Arnold (1822-1888) في قصيدته “الحياة الفانية” The Buried life التي نظَمها في أوج ازدهار العصر الفيكتوري:

ولكن غالبًا في أكثر شوارع هذا العالم ازدحامًا

ولكن غالبًا في عمق المعاناة

تنبثق رغبة يَقصُر التعبير عن وصفها

بعد أن عرفنا بحياتنا الفانية

يبدو أن ذكرى جنة عدن مطبوعة في نفوسنا، وهي تنهض لتوقظنا وتنعشنا عندما تغيب عن عيوننا هويتنا الحقيقية ومصيرنا الحقيقي.

وقد عبَّرت الموسيقية الأمريكية “چوني ميتشل” Joni Mitchell (المولودة سنة 1943) عن فكرة مشابهة سنة 1969 في أغنيتها الشهيرة “وُدستوك” “Woodstock” التي تقول فيها إننا “مصنوعون من تراب سحري”، إلا أن هذا لا يعني أننا نُختزل إلى مكوناتنا المادية كأننا مكونون من عناصر الكون الكيميائية، ولكننا نتميز بشي مختلف، شيء يجعلنا متفردين عن كل ما حولنا. وعلينا أن نستعيد إحساسنا بهويتنا وغرضنا. ولكن كيف؟ تأتي إجابة “چوني” قوية ومؤثرة: “ينبغي أن نعود بأنفسنا إلى الجنة.”

وهذا الشعور بالرجاء مغروس ومتأصل في الثقافة الغربية. فقد أجرت الصحفية “ليزا ميلر” Lisa Miller مؤخرًا دراسة على ما يتبناه الناس من مواقف ثقافية نحو السماء، أشارت فيها إلى أن الأفراد والمجتمعات مبرمجون على الاعتقاد في “مكان يجسد الأفضل في كل شيء، بل ما هو أعظم من الأفضل … الأجمل، والأكثر حبًا، والأكثر عدالة، والأوفر حقًا.”[54] وقد يكون هذا الاعتقاد طبعًا مجرد وهم، وتفكير رغبوي يحمينا من واقع الحياة القاتم. أو قد يمثل مفتاحًا يشير إلى هويتنا الحقيقية وقيمتنا. وترى “ليزا” أن في أعماقنا “رجاء أصيلاً”، يساعدنا على مواصلة الحياة حتى عندما يهاجمنا اليأس. ومن السهل أن نرى ارتباط هذه الفكرة بالرؤية المسيحية للرجاء المؤسس على قيامة يسوع المسيح ويقين المكوث في محضر الله نهائيًا في أورشليم الجديدة.

ومهمة المدافع أن يلتقط هذه المعرفة الحدسية العميقة الكامنة في القلب البشري ويبين أن الإيمان المسيحي يعطيها معنى ويقدم رجاءً حقيقيًا مؤسسًا في الله الحقيقي. فالمدافع يتخذ من هذا الشعور بالرجاء نقطة انطلاق ويسأل عما يشير إليه. ثم يشرح طبيعة الرجاء المسيحي، ويبين كيف أنه يجعل من هذا الحدس الأساسي الكامن في القلب البشري حقيقة واقعة. وهنا يمكن أن يبين أنه ربما غرس الله فكرة الأبدية في قلوبنا لتكون مفتاحًا يوحي بالمعنى الحقيقي للكون، وربما ما يجعلنا ننشغل بهذه الأفكار ونختبر هذه الأشواق أن الله خلقنا هكذا.

إن هذا الطرح لا يعتبر حجة منطقية. ولكنه توضيح لقدرة الإيمان المسيحي على أن يضفي معنى على الوضع البشري ويبين لنا أن ما نعرفه معرفة حدسية يمكن أن يتحقق واقعيًا في المسيح. إنه تفسير للوضع البشري باعتباره إعدادًا لتحويل اتجاهه وتغييره.

المفاتيح في نسيج واحد: بحثًا عن نسق:

أشرنا آنفًا إلى الصورة التي رسمتها الشاعرة الأمريكية “إدنا سينت ڤينسنت ميلاي” لِما أطلقت عليه “وابلاً من الحقائق” يهطل من السماء. وهي تشَبِّه هذه الحقائق بالخيوط التي لابد أن تُكون نسيجًا واحدًا يصنع لوحة، فهي كالمفاتيح التي يجب أن توضح معًا لتفتح الصورة الكبرى. وكما أشارت “ميلاي”، إننا عندما نواجه هذا الوابل من الحقائق، لابد أن نجد نولاً لنصنع منها نسيجًا. فما هو النسق الكامن في هذه الحقائق؟

تناولنا في هذا الفصل ثمانية مفاتيح تساعد في فهم معنى الكون. وكلٌّ منها له أهميته في حد ذاته، إلا أن قيمتها الحقيقية تكمن في النسق الكلي الذي تكشفه. فهي كالخيوط في لوحة الإيمان، واللاهوت المسيحي هو النول الذي ينسجها معًا حتى يدركها المرء ويُقدر قيمتها الحقيقية. فبالرغم من أنه يمكن تقدير كل خيط على حدة، فهي تزداد أهمية عندما تُنسج معًا لتشكيل نسقًا جميلاً متكاملاً.

وبعض هذه المفاتيح يختص بما نلاحظه في العالم المحيط بنا، والبعض الآخر يتعلق بعالم خبراتنا الداخلية. إلا أننا سنكتشف أن الإيمان المسيحي قادر على إضفاء المعنى على هذه المفاتيح ووضعها في الصورة الكبرى للواقع كما يكشفها الإنجيل، وذلك سواءً على مستوى ما يدور في أذهاننا من أفكار أو ما يعتمل في قلوبنا من أشواق. وهذه القدرة على التلامس مع خبرتنا وإعطائها معنى تُعتبر مؤشرًا أكيدًا على ما يميز الإيمان المسيحي من حق عقلاني ومَقدرة وجودية.

وقد قدم الفيلسوف “چون كوتينجهام” John Cottingham مؤخرًا شرحًا دقيقًا يعلل ما يتمتع به الإيمان المسيحي بالله من صلابة فكرية فائقة وإشباع روحي:

إنه يقدم إطارًا يحررنا من شبح الصدفة والبُطل الذي

يختبئ تحت سطح الأخلاق العلمانية التي يُظن أنها تتمتع

بالاستقلالية والاكتفاء الذاتي. فهو لا يعطينا برهانًا ولكنه

يملؤنا بالأمل في أن “كهف” عالمنا البشري (على حد

تعبير أفلاطون) لن يظل مغلقًا ومختومًا، بل ما نلتقطه

داخلنا من إشارات أخلاقية باهتة يعكس النبع الأصلي لكل

صلاح.[55]

وهكذا يقول “كوتينجهام” إن الومضات الأخلاقية التي تصدر داخلنا تعكس المصدر الأصلي للجمال وتشير إليه. والإنجيل يصنع لهذه “الإشارات” معنى، ويعيد توجيهها في الوقت نفسه نحو مَنشئها الحقيقي ومآلها.

والمنهج الذي نعرضه هنا يمكن دراسته بمزيد من الاستفاضة في ضوء الإطار اللاهوتي الذي يقدمه “چون كالڤن” John Calvin (1509-1564) في الفصول الافتتاحية من كتابه “مبادئ الدين المسيحي” Institutes of the Christian Religion،[56] حيث يؤكد أننا نتمتع بمعرفة حدسية أو نظرة لله تقوم إما على التأمل في العالم المحيط بنا أو على وعي داخلي بوجود الله فينا. وهو يعتبر هذه المعرفة مقبولة وإن كانت قاصرة، لأنها مجرد إشارات إلى شيء أعظم. ثم يستطرد “كالڤن” مؤكدًا أن المعرفة الكاملة لله التي تتأسس على الإعلان الإلهي قادرة على التلامس مع هذا النوع من الإدراك فتتيح للمرء أن يفهمه فهمًا صحيحًا، وتعمل أيضًا على إعادة تفسير هذه الأشكال من الإدراك، وإعادة توجيهها، وأخيرًا تؤدي إلى اكتمالها من خلال فداء المسيح.

ومن ثم، فالمنهج الدفاعي المستخدم في هذا الفصل يقوم على تحديد المفاتيح التي تساعد في فهم معنى الكون، سواء أكانت تصدر عن ملاحظاتنا للعالم المحيط بنا أم عن المشاعر الذاتية والأشواق البشرية العميقة. وعندما ننظر إلى هذه المفاتيح معًا، نجدها تمثل مؤشرات مهمة تدلل على قدرة الإيمان المسيحي على خلق معنى للحياة. إلا أنه يجب إدراك هذه المفاتيح وتطبيقها كلٍّ على حدة، فكلٌّ منها له أهميته الخاصة وهو يشع استراتيجية دفاعية منهجًا دفاعيًا خاصًا. وسأشرح ما أعنيه.

لنأخذ واحدًا من هذه المفاتيح، وليكن نظام الكون، ونرى كيف نستخدم مختلف جوانبه في الدفاعيات. كيف نستكشف هذا المفتاح ونساعد الآخرين على إدراك أهميته؟ كيف نستند على نظام الكون وانتظامه ونساعد الناس على إدراك أن هذا المفتاح يشير إلى أن الله مصدر هذا الكون؟ سأضرب مثلاً استخدمته في محاضرة قدمتها لشركة الإذاعة البريطانيةBritish Broadcasting Corporation  وأذيعت في مارس 2010. وفي هذه المحاضرة القصيرة استخدمت هذا “المفتاح”، وافتتحت كلمتي بواقعة من التراث القديم:

تحكى هذه القصة عن الفيلسوف اليوناني أريستبوس

الذي قذفته الأمواج على شاطئ جزيرة رودس، ولم يكن

يعلم شيئًا عن المكان، ولم يعلم إن كان آهلاً بالسكان أم

لا. وبينما كان يسير على الشاطئ وجد الأشكال

الهندسية مرسومة على الرمل، فهمس لنفسه قائلاً: “هناك

أمل. لابد أن في المكان أناسًا.” لقد رأى أريستبوس

أمارات في الطبيعة تشير إلى احتمال وجود عقل بشري.

فالأشكال تدلل على أن أشخاصًا مثله قاموا بتصميمها

ورسمها، أي أنه لم يكن وحده على هذه الجزيرة.

وبعدئذٍ ذكرتُ أن الكون يكشف عن أشكال نمطية منتظمة خاصة به، ومنها الضبط الدقيق. وكما استنتج أريستبوس من التصميمات التي رآها على شاطئ جزيرة رودس وجود فاعل عاقل صممها، قلت إن ما نراه من نظام في العالم يشير إلى وجود خالق. ثم ختمت المحاضرة كما يلي بالتفسيرات المحتملة لما نراه في الكون من نظام غريب وأنماط منتظمة:

من الإجابات التي تفسر ذلك أننا نجد هويتنا الحقيقية

ومعنانا عندما نعرف الله. وهذه هي الإجابة التي أقدمها

الآن، أو على الأقل جزء منها. ولكني لم أكن مقتنعًا بها

فيما سبق، إلا أنني عندما كنت طالبًا في أكسفورد منذ

سنوات طويلة بدأ هذا التفسير يستحوذ على أفكاري

وخيالي تدريجيًا.

وما زال هذا التفسير يملؤني بهجة وحيوية، فقد كان اكتشافي لله كالعثور على عدسة ساعدتني على رؤية الأشياء بمزيد من الوضوح. فالإيمان يقدم صورة أكبر للواقع، وهو في نظري شيء له معنى، وفي الوقت نفسه يجعل لوجودي معنى. وقد كتب “سي. إس. لويس”: “إني أؤمن بالمسيحية كما أؤمن بأن الشمس قد أشرقت، لا فقط لأني أراها، ولكن لأني أرى كل الأشياء الأخرى بواسطتها.” ولا أرى أن الإيمان بالله يتعارض مع العلم، بل إنه يزودني بإطار فكري وأخلاقي يمكن من خلاله تقدير نجاحات العلم وفهمها، وإدراك محدوديته.

وأود أن أختم بفكرة للسير “إسحق نيوتن”، وهو واحد من أهم من أسهموا في الثورة العلمية التي قامت في القرن السابع عشر. وما حققه “نيوتن” من طفرات علمية ورياضية، مثل اكتشافه لقوانين حركة الكوكب، ونظرية البصريات وضعه في صدارة ما توصل إليه العلم من مفاهيم جديدة للطبيعة. إلا أن “نيوتن” آمن أن ما يُرى من الطبيعة يشير إلى شيء أعمق يتجاوزها، والمنظور هو علامة إرشادية تلفت النظر إلى هذا الشيء. وقد كتب في نهاية حياته: “لم أكن سوى طفل يلعب على الشاطئ، وانا الآن أدخل قليلاً إلى المياه فأجد حصاة أنعم من الحصوات العادية أو صدفة أجمل من الأصداف العادية، ولكني حتى الآن لم أكتشف محيط الحق الشاسع الذي لا يزال ممتدًا أمامي.” ما زال هذا المحيط موجودًا، وأغواره التي لم تُسبر تدعونا لنغوص فيها وندخل في أعماقها.

لاحظ أني كونت منهجًا دفاعيًا وليس كرازيًا. فأنا لم أحاول أن أقود المستمع لقبول الإيمان، ولكني سعيت لإثارة تفكيره، وجذب انتباهه، ولفت نظره، وأخيرًا إقناعه. فما هو أفضل تفسير لهذا المفتاح؟ وما المعاني التي ينطوي عليها فيما يتعلق بالوجود البشري؟ أظن أننا جميعًا متفقون أن ما يجب أن يقال في هذا الموضوع يزيد عما أوردنا بكثير. ولكن على أي حال يجب أن يُنظر إلى الدفاعيات عمومًا باعتبارها وسيلة لفتح حوار جاد يجذب انتباه الجمهور، سواء أكان شخصًا واحدًا أو قاعة مليئة بالحضور، بطرح أسئلة الحياة العميقة. فالدفاعيات تفتح الحديث، والكرازة تصل به إلى النتيجة النهائية.

خطوة للأمام:

تناولنا في هذا الفصل “مفاتيح” تساعد في فهم معنى الكون المتناثر حولنا. ورغم أن الكثير من هذه المفاتيح معروف لجمهورنا، ربما أنهم لم يفكروا فيما تعنيه. ومهمتنا نحن المدافعين أن نصل كل هذه النقاط ونضع المفتاح في إطارها الصحيح.

ولكن يجب الإشارة هنا إلى نقطة أخرى. لقد أكدنا في الفصل السابق أهمية أخذ الجمهور في الاعتبار لأن الناس مختلفون. فالبعض قد يُقدر قيمة الحجة العقلية. في حين أن البعض الآخر قد يُقدر أسلوبًا يتناول مستوى أعمق، مثل الجمال أو شعور البشر بالتوق إلى شيء له قيمة عظمى. وهو ما يعني أننا لا نقتصر على الحجج التي تستند إلى المنطق البشري، ولكننا قادرون على التفاعل مع كل جوانب الطبيعة البشرية، بما فيها الخيال، والمشاعر، والحدس. وفي الفصل التالي سنتناول مجموعة من المداخل للإيمان وندرس أهميتها وكيفية استخدام كلًّ منها الاستخدام الأمثل.

لمزيد من الاطلاع:

Craig, William Lane. “In Defense of Theistic Arguments.” In The Future of Atheism, edited by Robert B. Stewart, 67-96. Minneapolis: Fortress Press, 2008.

Dubay, Thomas. The Evidential Power of Beauty: Science and Theology Meet. San Francisco: Ignatius press, 1999.

Evans, C. Stephen. Natural Signs and Knowledge of God: A New Look at Theistic Arguments. Oxford: Oxford University Press, 2010.

Feingold, Lawrence. The Natural Desire to See God According to St. Thomas and His Interpreters. Rome: Apollinare Studi, 2001.

Haldane, John. “Philosophy, the Restless Heart, and the Meaning of Theism.” Ratio 19 (2006): 421-40.

Hart, David Bentley. The Beauty of the Infinite: The Aesthetics of Christian Truth. Grand Rapids: Eerdmans, 2003.

Keller, Timothy J. Counterfeit Gods: The Empty Promises of Money, Sex, and Power, and the Only Hope That Matters (New York: Dutton, 2009).

McGrath, Alister E. Surprised by Meaning: science, Faith, and How We Make sense of Things. Louisville: Westminster John Knox, 2011.

Peters, James R. The Logic of the Heart: Augustine, Pascal, and the Rationality of Faith. Grand Rapids: Baker Academic, 2009.

Plantinga, Alvin. Warranted Christian Belief. Oxford: Oxford University Press, 2000.

Polkinghorne, John. Science and Creation: The Search for Understanding. London: SPCK, 1988.

Spitzer, Robert J. New Proofs for the Existence of God: Contributions of Contemporary Physics and Philosophy. Grand Rapids: Eerdmans, 2010.

Swinburne, Richard. The Existence of God. 2nd ed. Oxford: Clarendon Press, 2004.

Warren, Rick. The Purpose Driven Life: What on Earth Am I Here for? Grand Rapids: Zondervan, 2002.

Wolterstorff, Nicholas. “The Migration of the Theistic Arguments: from Natural Theology to Evidentialist Apologetics.” In Rationality, Religious Belief, and Moral Commitment, edited by Robert Audi and William J. Wainwright, 38-80. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1986.

[1] Augustine of Hippo, Confessions VII.x.16.

[2] Helge Kragh, Cosmology and Controversy (Princeton: Princeton University Press, 1999), 262.

[3] For a thorough exploration of the scientific issues and their apologetic implications, see Alister E. McGrath, A Fine-Turned University: The Quest for God in Science and Theology (Louisville: Westminster John Knox, 2009), 109-201ز

[4] Richard Swinburne, “The Argument from the Fine-Tuning of the Universe,” Physical Cosmology and Philosophy, ed. John Leslie (New York: Macmillan, 1990), 154-73; Robin Collins, “A Scientific Argument for the Existence of God: The Fine-Tuning Design Argument,” Reason for the Hope Within, ed. Michael J. Murray (Grand Rapids: Eerdmans, 1999), 47-75.

[5] الكربون هو المكون الرئيسي للمركبات العضوية ويمثل حوالي 18% من وزن الكائنات الحية. (المترجمة)

[6] Martin J. Rees, Just Six Numbers: The Deep Forces That Shape the Universe (London: Phoenix, 2000).

[7] Robert J. Spitzer, New Proofs for the Existence of God: Contributions of Contemporary Physics and Philosophy (Grand Rapids: Eerdmans, 2010), 60-65

[8] عملية تحول ذري تحدث داخل النجوم، مثل الشمس وفيها تتحول ذرات الهيدروجين إلى هليوم ثم يتحول الهليوم إلى كربون وأكسجين في وجود مركب الباريوم. وهذه العملية المعقدة هي الأساس الوحيد لتكون الكربون في الكون. (المترجمة)

[9] entropy: مصطلح يعبر عن محتوى الطاقة الداخلي في المادة، ويترجَم وفقًا لما ورد في “معجم المصطلحات العلمية والفنية والهندسية” لأحمد شفيق الخطيب إلى “درجة التعادل الحراري”، أو “قياس الطاقة اللامتاحة”. (المترجمة) 

[10] Fred Hoyle, “The Universe: Past and Present Reflections,” Annual Review of Astronomy and Astrophysics 20 (1982): 16.

[11] Spitzer, New Proofs for Existence of God, 34-42.

[12] Heinz R. Pagels, The Cosmic Code: Quantum Physics and the Language of Nature (Harmondsworth: Penguin, 1984), 83.

[13] Paul Davies, The Mind of God: Science and the Search for Ultimate Meaning (London: Penguin, 1992), 77.

[14] الأصل اليوناني للكلمة khaos ويعني “فجوة شاسعة”، “فراغ”. (المترجمة)

[15] الأصل اليوناني للكلمة kosmos ويعني “نظام” أو “عالم”. (المترجمة)

[16] John Polkinghorne, Science and Creation: The Search for Understanding (London: SPCK, 1988), 20-21.

[17] Eugene Wigner, “The Unreasonable Effectiveness of Mathematics,” Communications on Pure and Applied Mathematics 13 (1960): 1-14.

[18] C. S. Lewis, Miracles (New York: Macmillan, 1947), 26ز

[19] Charles A. Coulson, Science and Christian Belief (Chapel Hill: University of North Carolina Press, 1958), 22.

[20] Augustine, On the Trinity XVI. Iv.6.

[21] Audio recording available at .

[22] الموضوعية هي وجود الشيء مستقلاً عن الأفكار والآراء الشخصية وغير متأثر بها، وتشير في الفلسفة إلى الاعتقاد بأن الموجودات توجد مستقلة عن معرفة البشر بها أو إدراكهم لها. (المترجمة)

[23] Paul Kurtz, Forbidden Fruit: The Ethics of Humanism (Buffalo: Prometheus Books, 1988), 65ز

[24] الذاتية في الفلسفة موقف يرى أن المعرفة تتوقف على وجود الذات المدركة وأنه ليس هناك حقيقة موضوعية أو خارجية. (المترجمة)

[25] Richard Rorty, Contingency, Irony, and Solidarity (Cambridge: Cambridge University Press, 1989), 194 n.6.

[26] Richard Rorty, The Consequences of Pragmatism (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1982), xlii.

[27] Ibid.

[28] الحدس intuition هو الفهم أو المعرفة التي تعتمد على الشعور لا على المنطق والدليل والحقائق. (المترجمة)

[29] C. S. Lewis, Mere Christianity (London: HarperCollins, 2002), 3-8.

[30] Ibid., 24.

[31] C. S. Lewis, The Abolition of Man (London: Collins, 1978), 19.

[32] Philip E. Devine, Natural Law Ethics (Westport CT: Greenwood, 2000), 32-34.

[33] Augustine, Confessions I.i.1.

[34] Blaise Pascal, Pensées (Mineola, NY: Dover Publications, 2003), 113.

[35] Ibid.

[36] See Lewis, Mere Christianity, 134-38. See also a similar argument in C. S. Lewis, “The Weight of Glory,” Screwtape Proposes a Toast (London: Collins, 1965), 94-110.

[37] For Lewis’s approach, see Peter Kreeft, “C. S. Lewis’s Argument from Desire,” G. K. Chesterton and C. S. Lewis: The Riddle of Joy, ed. Michael H. MacDonald and Andrew A. Tadie (Grand Rapids: Eerdmand, 1989), 249072. More generally, see John Haldane, “Philosophy, the Restless Heart, and the Meaning of Theism,” Ratio 19 (2006): 421-40.

[38] Augustine, Confessions I.i.1.

[39] Lewis, Mere Christianity, 136-37.

[40] Charles Taylor, A Secular Age (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2007), 530.

[41] Avihu Zakai, “Jonathan Edwards and the Language of Nature: The Re-Enchantment of the World in the Age of Scientific Reasoning,” Journal of Religious History 26 (2002): 15-41.

[42] Lewis, Mere Christianity, 1.

[43] Lewis, “Weight of Glory,” 94-110

[44] Ibid.,97.

[45] Ibid.

[46] Ibid., 98.

[47] Ibid., 105.

[48] Ibid., 100.

[49] Ibid., 106.

[50] Ibid., 108.

[51] Ibid., 107-8.

[52] Ibid., 107.

[53] See Paul Elmer More, Christ the Word (Princeton: Princeton University Press, 1927).

[54] Lisa Miller, Heaven: Our Enduring Fascination with the Afterlife (New York: HarperCollins, 2010).

[55] John Cottingham, Why Believe? (London: Continuum, 2009), 47.

[56] For comment, see the classic studies of Edward A. Dowey, The Knowledge of God in Calvin’s Theology (New York: Columbia University Press, 1952); and T. H. L. Parker, Calvin’s Doctrine of the Knowledge of God (Edinburgh: Oliver & Boyd, 1969).

الجمهور – الإمكانات المتاحة والقضايا المطروحة – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

الجمهور – الإمكانات المتاحة والقضايا المطروحة  – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

الجمهور – الإمكانات المتاحة والقضايا المطروحة  – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

الجمهور – الإمكانات المتاحة والقضايا المطروحة – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

 

يمكن تشبيه الدفاعيات بإزاحة الستار حتى يتمكن الناس من رؤية لمحة لما يختبئ وراءها، أو يرفع ماسة مقابل النور فتتلألأ وجوهها وتبرق عند سقوط أشعة الشمس عليها. فالدفاعيات تهتم بتأسيس مداخل للإيمان، سواءً تخيلنا هذه المداخل فتح أبواب، أو إزاحة ستار، أو إضاءة مصباح حتى يرى الناس بمزيد من الوضوح، أو استخدام عدسة تضع الأشياء في البؤرة. والموضوعات الرئيسية في الدفاعيات هي تلك التي تتيح للناس رؤية الأشياء بوضوح، وربما للمرة الأولى، تساعدهم على اكتشاف الأفكار المضللة، فيدركون فجأة سر ما يتمتع به الإيمان المسيحي من قدرة على الإقناع على المستوى الفكري وجاذبية على المستوى التخيلي.

فالدفاعيات تقوم بمد الجسور التي يعبر عليها الناس من العالم الذي يعرفونه إلى العالم الذي يودون اكتشافه، وتساعدهم في العثور على أبواب ربما لم يسمعوا بها من قبل، فيرَون عالماً يفوقُ كل تخيلاتهم ويدخلون فيه. والدفاعيات تفتح العيون وتفتح الأبواب بتأسيس مداخل للإيمان المسيحي. فما هي المداخل التي نقصدها؟

حتى عهد قريب، كان الاتجاه السائد في الدفاعيات يعتمد على استخدام الحجج للدفاع عن الإيمان المسيحي بشكل عقلاني. إلا أن هذا الاتجاه كان يمثل إلى حد كبير استجابة لثقافة عقلانية اتخذت من التوافق مع العقل معيارًا للحق. وسنرى أن استخدام الحجة ما زال يمثل جزءًا لا يتجزأ من الدفاعيات المسيحية ولا يجب تهميشه أبدًا. إلا أن تراجع المذهب العقلاني في الثقافة الغربية أدى إلى الإقلال من أهميتها. وخلَق جوًا يتطلب إدراكَ جوانب أخرى في الإيمان المسيحي، وعلى رأسها ما يتمتع به من جاذبية عظمى على مستوى الخيال، والأخلاق. والكُتاب المسيحيون القدامى، وخاصةً كُتاب العصور الوسطى وعصر النهضة، علقوا أهمية كبرى على الصور التشبيهية والقصص الكتابية في تعليم الأشخاص المخلصين، إلا أن صعود تيار الحداثة أدى إلى الحط من قيمة هذين العنصرين، بقدر ما أدى ظهور تيار ما بعد الحداثة إلى إعادة اكتشاف قوة تأثيرهما.

وقد أدى نمو تيار ما بعد الحداثة مؤخرًا إلى تأكيد أهمية القصة والصورة من جديد لأن كلاً منهما يجذب الخيال البشري بشكل خاص. وكل من له دراية بتاريخ الدفاعيات المسيحية لا يصعب عليه أن يدرك أن المدافعين القدامى كانوا يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على هذين العنصرين باعتبارهما مداخل للإيمان، وخاصةً في عصر النهضة. ولذلك، فنحن بحاجة لاستعادة هذه الأساليب القديمة في الدفاعيات لخلق منهج متوازن يدافع عن الإيمان المسيحي ويبرز جماله في ظل ما تشهده ثقافتنا من تحولات.

وعلينا أن نكيف دفاعياتنا بم يتلاءم مع مستمعينا، مع الانتباه لوجود عدة نقاط للتلاقي بين الإنجيل والنفس البشرية. ويتضح أن العهد الجديد نفسه يُعنى بربط الإنجيل مع مفاهيم وخبرات المتلقين على اختلاف نزعاتهم. فإن كانت النفس تَعطش لله “كَأَرضٍ يَابِسَةٍ” (مز143: 6)، فكيف ترتوي؟ إن مهمتنا تحديد القنوات المتاحة التي تتدفق فيها مياه الإنجيل الحية فتنعش النفس البشرية وتغيرها، ثم استخدام هذه القنوات بأمانة وفاعلية. وفي هذا الفصل سأستخدم صورة المدخل لتساعدنا على فهم هذه المنهجيات المختلفة.

المداخل والدفاعيات: بعض الأفكار:

تُعتبر صورة الشمس والنافذة من أهم الصور التي استخدمها اللاهوتيون في العصور الوسطى لشرح ما تجريه نعمة الله من تغيير في النفس البشرية. وتُعَد كتابات “ألن الذي من لِيل” Alan of Lille (المتوفى سنة 1203) مثالاً جيدًا على هذا حيث يشَبه النفس البشرية بحجرة باردة مظلمة. ولكن عندما تُفتح النافذة على مصراعيها، يندفع نور الشمس إلى الحجرة فيشيع فيها النور والدفء. إلا أن فتح النافذة لا يدفئ الغرفة ولا ينيرها، ولكنه يزيل حاجزاً من أمام القوة التي يمكنها أن تفعل ذلك، فسبب التغيير الحقيقي هو الشمس. وكل ما نفعله نحن أننا نزيل الحاجز الذي يمنع نور الشمس وحرارتها من دخول الحجرة.

وهذه الصورة تساعدنا على إدراك هذه الفكرة اللاهوتية، وهي أننا لا نتسبب في تغيير الناس وقبولهم للإيمان. ويؤكد “ألن” أننا نحن الذين لا بد أن نفتح نافذة عقولنا على مصراعيها، فتتمكن نعمة الله من العمل في حياتنا، وهكذا ينحصر دورنا في إزالة العوائق من أمام نعمة الله، أما تجديد نفوسنا فهو مهمة هذه النعمة الإلهية. إلا أن الصورة مهمة في مجال الدفاعيات أيضًا، فهي تُذكرنا أن الله هو من يغير النفوس، وتؤكد في الوقت نفسه أننا قادرون على تيسير هذه العملية بالمساهمة في إزالة الحواجز والعوائق التي تقف أمام نعمة الله.

والمدخل وسيلة تنفتح بها عيوننا على حقيقة حالتنا، وقدرة الإنجيل على تغييرها. ولكي نفهم هذه النقطة المهمة، تخيل أنك مصاب بتسمم في الدم، وحياتك ستنتهي في غضون ساعات لو لم تحصل على الأدوية اللازمة، ولكنك لا تعرف ما أصابك على وجه التحديد، ولا تعرف بوجود علاج لهذه الحالة. حاول أن تتخيل نفسك في ذلك الموقف. والآن فكِّر في الطرق التالية التي يمثل كلٌّ منها مدخلاً يؤدي إلى تغيير وضعك:

  1. يخبرك طبيب من أصدقائك أن ما تعانيه هو تسمم في الدم، ويشرح لك أن هذه الحالة إن لم تعالج تؤدي إلى الوفاة، ويعطيك أسماء عدة أدوية ويخبرك بالمكان الذي تحصل عليها منه وبكيفية استخدامها.
  2. يخبرك صديق آخر أنه أصيب بهذه الأعراض عينها، إلا أن شخصًا أخبره بدواء معين أنقذ حياته. يقترح عليك أن تجرب هذا الدواء. أي أنه يحكي لك قصته الشخصية التي تتقابل مع قصتك في هذه النقطة الحرجة.

الطريقة الأولى تمثل حجة تستند إلى أدلة، أما الثانية قصة تستند إلى خبرة شخصية يرى صاحبها أنها مطابقة للموقف الذي تمر به. ورغم أن كل أسلوب يختلف تمامًا عن الآخر، فكلٌّ منهما يمثل مدخلاً. كيف؟

أولاً، كلٌّ منهما يساعدك على رؤية الأمور على حقيقتها. ثانياً، كلٌّ منهما يتيح لك أن تدرك ما يجب فعله لتغيير الأوضاع. ثالثًا، كلٌّ منهما يشجعك على اتخاذ تلك الخطوة الحاسمة بالحصول على الدواء، وتناوله حتى تتحسن حالتك.

إن الدواء هو سبب شفائك، ولكنك لو لم تدرك حقيقة حالتك، وأنك تحتاج للدواء، لكان شفاؤك مستحيلاً. ونعمة الله هي الدواء، وبعد أن تُشفى بهذه النعمة يمكنك أن تساعد الآخرين على إدراك حاجتهم لها، ويمكنك أن تشهد عن قوتها. والله هو من يغير الناس ويأتي بهم للإيمان. أنت جزء صغير (ولكنه حقيقي) في عملية الشفاء هذه. ومن ثم، فما تقوله يمكن أن يمثل مدخلاً يسمح للناس برؤية الأمور من منظور مختلف، مما يساعدهم على تخيل طريقة جديدة للتفكير والعيش.

فما هذه المداخل المتاحة للدفاعيات المسيحية؟ سوف نبحث في هذا الفصل بعض الإمكانات المتوفرة للدفاعيات. وسنبدأ بأبسط الأساليب الدفاعية، ألا وهي شرح ماهية المسيحية.

المدخل الأول: الشرح:

أفضل دفاع عن المسيحية هو شرحها. أي أنك إن أردت أن تدافع عن المسيحية أو تبرز جمالها، فأفضل السبل لذلك أن تبدأ بتعريف الناس بماهية المسيحية، لأن الكثيرين لديهم مفاهيم خاطئة عن المسيحية تعيق قبولهم للإيمان. ومن أروع الأمثلة على ذلك مثال يقدمه اللاهوتي العظيم القديس أغسطينوس الذي قبِل الإيمان بعد جولة طويلة في أراضي الفلسفة المجدبة.[1] كان أغسطينوس شابًا موهوبًا في الخطابة من شمال أفريقيا، وقد صاحب المانويين، وهي طائفة كانت شديدة الانتقاد للمسيحية، هكذا استقى جُل معرفته بالمسيحية من نقادها، لم تكن بالمعرفة الدقيقة. ورفض أغسطينوس المسيحية باعتبارها لا تستحق اهتمام شخص في ثقافته وذكائه.

وكان أغسطينوس طموحًا، فقرر أن يكون رجلاً ناجحًا في عاصمة الإمبراطورية، فغادر شمال أفريقيا متجهًا إلى روما. وبعد فترة وجيزة من وصوله، عُرِضَت عليه وظيفة خطيب عام في ميلانو، وهي المدينة الرئيسية في شمال إيطاليا. ونظرًا لإدراكه بأن هذه الوظيفة يمكن أن تمثل بداية لحياة مهنية ذات شأن في العمل المدني بالإمبراطورية، رحب أغسطينوس بالعرض. إلا أنه كان يعلم أيضًا أن تقدمه في المجال السياسي يعتمد على قدراته البلاغية. فمن يستطيع أن يساعده في تطوير هذه المهارات؟

اكتشف أغسطينوس بعد وصوله إلى ميلانو أن أمبروز Ambrose أسقف المدينة المسيحي مشهور ببراعته في الخطابة، فقرر أن يكتشف بنفسه ما إذا كان يستحق هذه الشهرة. فكان كل يوم أحد يتسلل إلى الكاتدرائية الكبيرة في المدينة ويستمع لعظات الأسقف. وفي البداية لم يكن اهتمامه بالعظات سوى اهتمام الشخص المتخصص الذي ينظر للعظة باعتبارها خطبة فخمة. ولكن محتوى العظات بداً يستحوذ عليه تدريجيًا.

اعتدت أن أسمع عظاته متحمسًا، ولكني لم أكن مدفوعاً لذلك بالدافع الصحيح، بل كنتُ أريد أن أختبر مهارته في الخطابة لأرى ما إذا كانت طلاقته أفضل مما قيل لي عنه أم أدنى… ولكني لم أكن مهتمًا بما يقول، وكانت أذناي لا تتجه سوى نحو أسلوبه في الخطابة… إلا أنه كما دخلت الكلمات التي أمتعتني إلى عقلي، هكذا دخلت المادة التي لم أكن أعبأ بها في بادئ الأمر، حتى إني لم أتمكن من الفصل بينهما. فبينما كنت أفتح قلبي لفصاحته، دخل معها أيضًا الحق الذي كان يعلنه.[2]

وكما يتضح من رحلة أغسطينوس الطويلة إلى الإيمان، نجح أمبروز (الذي أصبح أغسطينوس يعتبره واحدًا من أبطال اللاهوت) في إزالة عائق ضخم من طريق الإيمان. فقد أبطل مفعول الصورة المغلوطة التي روجتها المانوية عن المسيحية. وبعد أن استمع أغسطينوس لأمبروز بدأ يدرك أن المسيحية أكثر جاذبية وإقناعًا مما كان يظن بكثير. وهكذا أزيل عائق يقف أمام الإيمان. وبالرغم من أن أغسطينوس لم يؤمن بالمسيحية إلا بعد فترة، فقد كان لقاؤه مع أمبروز علامة بارزة على طريق البحث.

ولابد أن البعض ممن نلتقي بهم في خدمتنا الدفاعية يحمل أفكارًا مضللة ومشوهة تمامًا عن المسيحية. وهذه المفاهيم الخاطئة التي يلتقطها البعض دون وعي، والبعض الآخر ينشرها عن قصد، لابد من تحديدها وإبطال مفعولها بخطة مُحكمة مدروسة.

ننتقل الآن لنبحث ما قد يُعتبر أكثر مداخل الإيمان شيوعًا، ألا وهو استخدام الحجة المنطقية.

المدخل الثاني: الحجة:

تؤكد المنهجيات الكلاسيكية في الدفاعيات أهمية العقل في كلٍّ من بناء حجة فكرية تؤيد فكرة وجود الله، ونقد الأفكار المغايرة. وقد بحثنا فيما سبق دور الحجج في الدفاع عن وجود الله، ومنها:

  1. الحجة المبنية على التصميم argument from design: وهي تَعتبر أن ملاحظة التصميم الموجود في العالم، مثل ما يميزه من “ضبط دقيق”، أو بنية معقدة يشير إلى أن الله هو المصمم (ص 99، 100).
  2. الحجة المبنية على الإنشاء argument from origination: إن كانت للكون بداية، فهذا يعني أن له مسببًا أنشأه، وقد يكون هذا المسبب شخصًا أو شيئًا، وهو ما يشير تلقائيًا إلى فكرة الله في المسيحية باعتباره خالقَ كل شيء (ص 96- 98).
  3. الحجة المبنية على الترابط argument from coherence: وهنا نركز على قدرة الإيمان المسيحي أن يقدم تفسيرًا لما نلاحظه في العالم المحيط ولما نختبره داخلنا (ص79- 86، 101- 103).
  4. الحجة المبنية على الأخلاق argument from morality: تقول هذه الحجة باستحالة وجود قواعد ثابته وموثوق بها للقيم الأخلاقية إلا إذا كان لها أساس يتجاوز هذا العالم المادي، كإله بار مثلاً (ص 104-109).

وقائمة الحجج تطول، ولكن لابد أن نأخذ في اعتبارنا أن هذه الحجج لا يجب أن تُفهم على أنها “براهين” بالمعنى المنطقي الدقيق للكلمة. ولكن ما توضحه هذه الحجج بكل جلاء أن الإيمان بالله له أسباب وجيهة، أو أن الإيمان بالله له مبرراته، حتى وإن كان لا يمكن البرهنة عليه بشكل مطلق.

وكلمة “برهان” بمعناها الدقيق لا تنطبق إلا على المنطق والرياضيات، فكما يمكننا أن نبرهن على أن الكل أكبر من الجزء، يمكننا أن نبرهن أن 2+2 =4. إلا أنه يجب أن نحترس من الخلط بين “قابلية البرهنة” و”الحق”. ففي مطلع القرن العشرين أثبت عالم الرياضيات العظيم “كرت جودل” Kurt Gödel أنه بالرغم من كثرة ما نصوغه من قواعد الاستدلال، ستظل هناك بعض الاستدلالات التي لا تخضع لهذه القواعد، ومع ذلك فهي مقبولة. أي أن هناك عددًا من الأفكار الصحيحة التي قد لا يمكننا إثبات صحتها،[3] وهذه الحقيقة تنطوي على معانٍ غاية في الأهمية من الناحية الفلسفية.[4]

ويمكن استخدام الحجج أيضًا في نقد بدائل الإيمان المسيحي وتقييمها، وذلك بإظهار عدم ترابطها على المستوى الفكري أو افتقارها لأساس من الأدلة يمكن الوثوق به. فقد أبرزنا مثلاً عبر صفحات هذا الكتاب قدرة الإنجيل على خلق معنى للأشياء. ونحن بذلك لا نحصر جاذبية المسيحية في أبعادها العقلانية فحسب، لأنها غنية بالجوانب الوجدانية، والأخلاقية، والتخيلية، والوجودية. ويجب على المدافع الذي يتحلى بروح المسئولية أن يستفيد منها استفادة كاملة. ولا شك أن الكثيرين ينجذبون إلى الإيمان المسيحي بسبب قدرته على خلق معنى للأشياء.

ولكن ماذا عن بدائل المسيحية؟ ما مدى قدرة النظم المنافسة على خلق معنى للأشياء؟ هل تصمد أمام اختبار الاتساق التجريبي، أي هل تنجح نظرياتها في خلق معنى للملاحظة وللخبرة؟ وقد أكدنا في فصل سابق أهمية إظهار ما يميز الإيمان المسيحي من قدرة على خلق معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ولا يكفي هنا أن يقتصر المدافع على إظهار تفوق المسيحية في هذا الصدد، ولكنه لا بد أن يبين قصور البدائل الأخرى.

ويرجع الفضل في تصميم هذا الأسلوب لواحد من أهم المدافعيين الكتابيين في أمريكا الشمالية أثناء القرن العشرين، وهو “فرانسيس شِفَر” (1912- 1984). ويُبرز أسلوب “شِفَر” في الدفاعيات الكثير من النقاط التي تناولناها في هذا الكتاب.[5] فهو يلفت النظر مثلاً لأهمية أخذ الجمهور في الاعتبار، والابتعاد عن استخدام منهج موحد للجميع: “إن أردنا أن نتواصل مع مستمعينا، لابد أن نصرف الوقت والجهد لنفهم لغتهم، حتى نوصل لهم الرسالة باللغة التي يفهمونها.”[6] أي أن المدافع لابد أن يستمع لجمهوره حتى يتعلم لغتهم ليتمكن من التواصل معهم بهذه اللغة.

ويبدو أن “شِفَر” اكتشف بنفسه أهمية الإصغاء لأفكار جمهوره ومخاوفهم وتطلعاتهم أثناء عمله المرسلي في المنطقة الناطقة بالفرنسية في سويسرا في أواخر الخمسينات وفي الستينات من القرن العشرين. ونظرًا لأنه كان يقيم في كوخ سويسري (اسمه “لابري” L’Abri وهو مشتق من الكلمة الفرنسية التي تعنى “مأوى” أو “ملجأ”) في قرية بجبال الألب تدعى “إيموز” Huemoz، فقد كان يستضيف الكثير من الطلاب الذين يتجولون في أنحاء أوروبا، ولاسيما الشباب الأمريكيين الذين كانون يتجولون في مختلف البلدان الأوروبية بحقيبة ظهر. فكان يسمع آرائهم في الأفلام والروايات المعاصرة أو في الفلسفات الجديدة التي ظهرت آنذاك. وكان يتساءل كيف يمكن تقديم الكتاب المقدس بشكل يناسب الأفكار الوجودية العنيدة التي روجها الفلاسفة المؤثرون في تلك الحقبة مثل “جان بول سارتر”  Jean Paul Sartreوكذلك “سورن كيركجارد”. وإذ استمع “شِفَر” لهؤلاء الطلاب وهم يُعبرون عن أفكارهم، اكتشف أنه يمكنه التفاعل معهم في مستواهم وبلغتهم، مستخدمًا صورًا توضيحية من عالمهم ليساعدهم على إدراك معقولية الإيمان المسيحي.

إلا أن أعظم إساهم قدمه “شِفَر” للدفاعيات يكمن في الأهمية التي يعلقها على تحديد مَواطن الصراع في الفلسفات غير المسيحية واكتشاف ما تنطوي عليه من معانٍ أشمل. والمقصود أن أي فلسفة حياتية ترتكز على افتراضات مسبقة معينة، فإن كانت هذه الافتراضات المسبقة من صنع الإنسان ولا تتضمن تفويضًا أو تخويلاً إلهيًّا، فلن تتمكن من التوافق مع بِنَى الكون الذي خلقه الله.

كلما كان مَن يؤمن بفكر غير مسيحي منسجمًا مع افتراضاته المسبقة، ابتعد عن العالم الحقيقي، وكلما اقترب من العالم الحقيقي، تَبدد انسجامه مع افتراضاته المسبقة.[7]

ويقول “شِفَر” إن كل شخص يعيش بإحدى قدميه في أحد العالمَين ويضع الأخرى في العالم الآخر: العالم الحقيقي الخارجي الذي يتميز بعمقه وتعقيده، وعالم داخلي من الأفكار يشكله الاشتياق للتفهم، والحب، والقيمة. فإن وُجِد صراع بين هذين العالمين، يستحيل على الفرد أن يحيا حياة لها معنى. فلابد من وجود توافق بين خبرتنا في العالم الخارجي وعالمنا الداخلي.[8] ولذلك، يرجح “شِفَر” أن المدافع لابد أن يستخدم الحجة المنطقية لتحديد وكشف التناقضات والصراعات الداخلية التي تحويها الفلسفات الحياتية غير المسيحية. وهو يبين أنها تقوم على فرضيات أو افتراضات مسبقة لا تتسق مع الوجود الإنساني الحقيقي ولا تتوافق معه.

كل مَن نتحدث إليه، سواءً أكان بائعًا في متجر أم كان طالبًا جامعيًا، يحتفظ بمجموعة من الافتراضات المسبقة، سواء قام بتحليلها أم لم يقم… ويستحيل على أي شخص غير مسيحي أو جماعة غير مسيحية أن تتوافق مع النظام الذي تتبعه سواء على مستوى المنطق أو على مستوى الممارسة. وعندما يحاول الشخص إخفاء الصراع، عليك أن تساعده على كشفه، وفي نقطة معينة سيكتشف عدم الاتساق. وعندئذٍ سيجد نفسه غير قادر على الاستمرار، وهذا الصراع ليس صراعًا فكريًا فحسب، ولكنه يقع في صميم الكيان الإنساني ككل.[9]

ومن ثم، على المدافع أن يساعد الفرد على إدراك هذا “الصراع” والشعور بقوته الفكرية والوجودية، وهو ما يتضمن مساعدته على اكتشافه أولاً، وتقدير أهميته ثانيًا. ويرى “شِفَر” أن البشر يَقُون أنفسهم من هذا الصراع بحمايتها داخل شرنقة فكرية تمنعهم من مواجهة ذلك الاكتشاف المزعج بأن أفكارهم لا تتفق مع الواقع. ويستخدم “شِفَر” صورة يقتبسها من شتاء سويسرا لوصف هذه الحالة، فهو يشبه هذه الشرنقة الفكرية بأسقف أكواخ جبال الألب التي تعمل كمصدات تحمي المسافرين من الانهيارات الثلجية:

فهو يشبه المصدات الكبيرة التي تبنى على بعض الممرات الجبلية لحماية العربات من انهيارات الصخور والحجارة التي تهوي من فوق الجبل من آن لآخر. وهذه الانهيارات الثلجية في حالة غير المسيحي هي العالم الحقيقي الساقط المشوه الذي يحيط بهم. وعلى المسيحي أن يزيل المصدة بحب ويسمح لحقيقة العالم الخارجي وحقيقة الإنسان بأن تصدمه.[10]

ومن ثم يمكن النظر إلى الدفاعيات باعتبارها نزعًا لسقف هذا الكوخ لإجبار الشخص على إدراك أن طريقة تفكيره عاجزة عن الصمود في مواجهة العالم الحقيقي الخارجي.

فكيف يمكن تطبيق هذا المنهج؟ يعطينا “شِفَر” مثالاً يوضح هذا الأسلوب جيدًا. فقد كان يتحدث إلى مجموعة من الطلاب في غرفة بإحدى الكليات في جامعة كامبردج. وبينما كان الماء يغلي لتحضير الشاي، ابتدره أحد الطلاب الهنود قائلاً إن المسيحية لا معنى لها. فسأله “شِفَر” عن عقيدته قائلاً: “ألستُ على صواب إن قلت إن القسوة وعدم القسوة متساويات في عقيدتك، وليس بينهما أي فارق أصيل؟” فوافقه الطالب. ثم يروي “شِفَر” ما حدث بعد ذلك:

الطالب الذي اجتمعنا في غرفته فهم جيدًا ما يعنيه اعتراف الطالب السيخي، فتناول الغلاية الممتلئة بالماء الساخن الذي كان سيعمل به الشاي، ووضعها أعلى رأس الشاب الهندي والبخار يتصاعد منها. فنظر الشاب لأعلى وسأله: ماذا تفعل؟ فأجابه بنبرة حاسمة باردة ولكنها مهذبة: “لا فرق بين القسوة وعدم القسوة.” وعندئذ خرج الهندي صامتًا واختفى في ظلام الليل البهيم.[11]

وأسلوب “شِفَر” يتسم بقوته وبقدرته على الوفاء بالعديد من الأغراض، مما يجعله صالحًا لعدد من المواقف المختلفة. خذ مثلاً الوضعية المنطقية Logical Positivism، وهي حركة فلسفية حققت نجاحًا كاسحًا في العالم الناطق بالإنجليزية في ستينات القرن العشرين. وقد أعلنت هذه الحركة أن كل العبارات الميتافيزيقية*، بما فيها ما يتعلق بالله، عديمة المعنى. وكان الأساس الذي اعتمدت عليه هذه الفلسفة في ذلك هو “مبدأ التحقق” الذي قصر العبارات ذات المعنى على القضايا الصحيحة في حد ذاتها (مثل “كل العزاب غير متزوجين”) أو التي تتأكد بالخبرة (مثل “كان في الحديقة الأمامية لقصر “باكينجهام” ست إوزات الساعة 5:23 صباحًا يوم 1 ديسمبر 1968″). وتطبيق منهج “شِفَر” يتيح لنا أن نؤكد أن مبدأ التحقق نفسه عديم المعنى لأنه لا يتماشى مع المعيار الذي اعتمدته الوضعية المنطقية لقياس المعنى.

أو خذ مثالاً أبسط للهجمة الشرسة التي غالبًا ما نواجهها في جامعات أمريكا الشمالية: “لا يمكن أن تتأكد من أي شيء”. وهذه النظرة تهدف إلى الإطاحة برؤية “الصورة الكبرى” للواقع، كتلك التي يقدمها الإيمان المسيحي لأنها تعني أننا لابد أن نتشكك حتى في كل العبارات المؤكدة المختصة بالحياة. ولكن من الواضح أن هذا التصريح ذاتي المرجعية يعتمد في صدقه أو كذبه على ذاته self-referential، ويمكن تقويضه والقضاء عليه بطرح سؤال بسيط ردًا عليه: “هل أنت متأكد من ذلك؟” وهكذا فإن المنطق الذي يقوم عليه الادعاء هو نفسه الذي يُسقطه.

إلا أن هذا لا يعنى أن مهمتنا هي مجرد الفوز بالمجادلات أو تقديم المؤهلات العقلانية للإيمان. فمما يؤسف له أن تأثير حركة التنوير على الثقافة الغربية لم يختفِ، ولا سيما في الإصرار على تقديم براهين تثبت صحة العقائد، مما نتج عنه تقديم الدفاعيات المسيحية باعتبارها مجرد بناء حجج فعالة تهدف لإقناع الناس بصحة الإيمان المسيحي. إلا أن الخطورة في ذلك أنه قد يؤدي إلى إظهار المسيحية على أنها مجموعة من الحقائق الجامدة والأفكار المجردة. ولذلك، فإن هذا المنهج ينطوي على ثلاث صعوبات.

أولها، أنه ليس  مؤسسًا على الكتاب المقدس كما يجب. فالحق، ولاسيما في العهد القديم، يركز في المقام الأول على المصداقية والثقة. والقضية الأساسية في الدفاعيات تتلخص في أن الله هو قاعدة أمان، وأنه أساس آمن تُبنى عليه حياة الإيمان. أي أن “الإله الحقيقي” ليس مجرد إله موجود، بل إله يمكن الاعتماد عليه. والنظرة العقلانية التي تعتبر الحق هو كل افتراض تَثبت صحته تستبعد النظرة الكتابية التي تعتبر الحق مفهومًا علاقاتيًا.

والمشكلة الثانية أن جاذبية الإيمان المسيحي لا يمكن أن تقتصر على منطقية عقائده. ولكن المسيحية تستند بقوة على الخيال أيضًا. كما توضح كتابات “سي. إس. لويس.” وعندما كان “لويس” شابًا وجد نفسه يتوق إلى عالم له معنى، يشتعل حبًا، ويفيض جمالاً، ولكنه اقتنع أن هذا العالم لم ولن يوجد: “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وَهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[12] لقد أخبره خياله بوجود عالم أفضل، ولكن عقله أخبره أنه كلام فارغ. فلم يجد أمامه خيارًا سوى مواجهة عالم مجدب مجرد من المشاعر، ومواجهة وجوده الخالي من أي معنى.

وأخيرًا اكتشف “لويس” عقلانية الإيمان المسيحي، إلا أن انجذابه للإيمان كان سببه أن الإنجيل يقدم معنى، وليس لأنه يُعبر عن افتراضات صحيحة. وقد علق “لويس” على هذا قائلاً: “إن العقل هو الأداة الطبيعية للحق، ولكن الخيال هو أداة المعنى.”[13] وجاذبية الإيمان المسيحي عند البعض تتمثل في جمال عبادته، أو في قدرته على التلامس مع المشاعر الإنسانية، أو في نتائجه الأخلاقية.

أما ثالث هذه المشكلات فهي أن المنهج العقلاني يقوم على نظرة حداثية. إلا أنه في معظم أنحاء العالم الغربي اليوم، حل اتجاه ما بعد الحداثة مكان الحداثة، مما يقلب الكثير من المعتقدات المحورية للحداثة رأسًا على عقب. فالاستناد إلى الصفة العقلانية الأصيلة في الإيمان ينجح في إطار حداثي، ولكن في أطر ثقافية أخرى، قد يفشل هذا المنهج نفسه الذي يقوم على الحجة والمنطق فشلاً ذريعًا في التلامس مع التطلعات والأفكار الثقافية المسبقة. وكما سنرى في قسم لاحق من هذا الفصل، أن ميل ما بعد الحداثة للقَصص أكثر منه للحجة يتيح فرصًا عظيمة للدفاعيات الكتابية نظرًا لأن الأشكال القصصية تملأ صفحات الوحي.

ولكننا مع ذلك، ما زلنا نؤكد منطقية الإيمان ونشدد عليها، دون أن نحصره فيما يمكن للمنطق أن يبرهن عليه بشكل قاطع. فأسئلة الحياة الجوهرية تتجاوز حدود العقل بكثير، ومن هذه الأسئلة: من أنا؟ هل أنا مهم فعلاً؟ لماذا أنا هنا؟ هل يمكنني أن أُحدث اختلافًا؟[14] وهي أسئلة لا يمكن للعلم ولا للمنطق البشري الإجابة عنها. ومع ذلك، إن لم يجد المرء إجابات لهذه الأسئلة، تصبح حياته بلا معنى. وعلينا نحن المدافعين أن نبين أن الإيمان المسيحي يقدم إجابات لأسئلة الحياة الجوهرية، وهي إجابات منطقية من ناحية، وناجحة على المستوى العملي من ناحية أخرى. فكما هو مهم أن نُظهر أن المسيحية صحيحة، مهم أحيانًا أن نُظهر أنها حقيقية.

المدخل الثالث: القصص:

إن تركيز تيار ما بعد الحداثة على القصص يمثل أهمية خاصة في الدفاعيات. فقد كانت الحداثة تنظر بعين الريبة للقصة في التعامل مع الواقع. ومن ثم، سعت لإجهاضها أو التخلص منها بالاستناد إلى التحليل أو الحجة العقلانية، بحيث تتحرر تمامًا من قيود عشوائية التاريخ الأليمة. وقد انعكس ذلك بكل وضوح في تفسير الكتاب المقدس. وكما أشار “هانس فري” Hans Frei  (1922- 1988) أستاذ اللاهوت في “جامعة ييل” Yale University، مختزلاً ما به من روايات تاريخية وأشكال قصصية (كأمثال المسيح) إلى أفكار مجردة من الزمن.[15] وكان يُنظر إلى القصة كأنها قشرة مزعجة غير مستحبة تغطي على الجوهر الفكري والأخلاقي للكتاب المقدس.

إلا أن تيار ما بعد الحداثة شهد استعادة للاهتمام بالقصة الكتابية بما فيها الأشكال القصصية الخاصة كالأمثال التي رواها يسوع ليُعَلم الجموع عن ملكوت الله. ولم يعد إثبات الحق يتوقف على الحجة، ولكن بدأ يُنظر للقصص على أنها قادرة على تكوين هوية مميزة من الناحية الأخلاقية والمفاهيمية. فالمسيحية تعلن عن عالم يتشكل بالقصص وهي تسكن في هذا العالم، والأساس الذي يشكل أفكار هذا العالم وقيمه هو قصة تعاملات الله مع شعبه التي تبلغ ذروتها في قصة يسوع الناصري. وهكذا فالمسيحية في أساسها ليست مجرد مجموعة أفكار.

منذ حوالي سبعينات القرن العشرين، تزايد الاهتمام بدراسة دور القصة في كلٍّ من اللاهوت والفلسفة، وعلى صعيد الفلسفة الإنجليزية والأمريكية، ظهر بعض الكُتاب البارزين أمثال “بول ريكور” Paul Ricoeur وكذلك “ألاسدير ماكينتاير” وأيضًا “تشارلز تيلور” الذين تصدوا لتقديم معالجات جادة لما ينطوي عليه القَصَص من موضوعات أساسية. فقد درس “ريكور” القصة بوصفها أساسًا لكل صور فهمنا للعالم وبوصفها إطارًا يعيش فيه البشر. ويقول “ماكينتاير” بأن قرارات حياتنا تتشكل وتترتب بناءً على فهمنا لها باعتبارها تشكل جزءًا في “قصة” (أو تقليد) أكبر. وهو يقول “لا يمكنني أن أجيب عن سؤال “ماذا يجب أن أفعل؟” إلا بعد أن أجيب عن سؤال أسبق، وهو “ما هي القصة التي أشكل جزءًا منها؟”[16] وكما سنرى، يمكن أن تمثل هذه المنهجيات قيمة عظمى للدفاعيات المسيحية.

والكثيرون اليوم يؤيدون الرأي الذي يقول بأن القصص هي المنظار الأساسي الذي يرى البشر الواقع من خلاله. فنحن نرى العالم باعتباره قصة تجيب عن الأسئلة المحورية المختصة بالوجود، والهوية، والمستقبل. وهذه القصص يمكن أن تجيب عما يسميه الفيلسوف “كارل بوبَر” Karl Popper “الأسئلة العليا” “ultimate questions” وهو بذلك يريدنا أن نفهم المسائل الكبرى التي تتناول “معنى الحياة”، ومنها تلك التي يطرحها “روي بوميستر” Roy [17]Baumeister، وهي التي تتعلق بالهوية، والغرض، والتكليف، والقيمة وتتخذ شكل أسئلة مثل: “من أنا؟” “ما هدف الحياة؟” ” ماذا أفعل لأُحدث فرقًا؟”

وقد أدرك البشر من قديم الزمان الأهمية الثقافية والفكرية لوجود قصة تفسيرية شاملة. وغالبًا ما يستخدم مصطلح “الأسطورة” في المجال الأكاديمي للإشارة إلى هذه القصص التفسيرية التي تشرح الواقع والهوية الشخصية والاجتماعية. (عادةً ما يساء فهم مصطلح “الأسطورة” على أنه “قصة غير حقيقية”، إلا أن هذا المعنى ليس هو المقصود هنا). ولكن كما أشار “لويس” وآخرون، كلمة “أسطورة” تشير أساسًا إلى قصة عن العالم تُمكن الأفراد من فهمه والعيش فيه. وهذه “الأساطير” تمثل العدسات التي ينظر بها أي مجتمع للعالم، فهي تقدم إطارًا يسهم في حل التناقض بين الخبرات العديدة ويعمل على خلق رابطة بينها.

والقصة المسيحية عند “لويس” التي يعتبرها المنحة الإلهية التي تكمل وتتوج المحاولات البشرية الأخرى في صنع الأسطورة، تمثل أعلى وأسمى قمة نرى منها الحقيقة ونفهمها. فالقصة المسيحية عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تعطي معنى لكل القصص الأخرى التي نرويها عن هويتنا وغاياتنا الحقيقية. إنها القصة الأم، الرواية العليا التي تضع سائر الروايات المختصة بأصل الإنسان ومصيره في مكانها الصحيح.

ويؤكد هذه النقطة أستاذ العهد الجديد والمدافع البريطاني ” ن. ت. رايت” N.T. Wright الذي يقول إننا عندما نروي قصة الكتاب المقدس كاملةً فنحن بذلك نعلن النظرة المسيحية للواقع وفي الوقت نفسه نتحدى البدائل العلمانية الأخرى. فبروايتنا لقصة الكتاب المقدس

مؤكد أننا نتحدى جوانب عديدة في نظرة العالم للأمور (أي نظرته للسلطة والقوة). ونقوض نظرته لماهية العالم ولغرضه بالكامل، ونقدم نظرة جديدة للعالم بأفضل طريقة ممكنة.[18]

والكتاب المقدس عند “رايت” يتحدى طرق التفكير الأخرى ويبرز جمال طريقته ويجسدها بوضوح. وهو يروي قصة تجيب عن أربعة أسئلة أساسية:

  1. من نحن؟ الكتاب المقدس يخبرنا أننا بشر مصنوعون على صورة خالقنا، ولا نكتسب هويتنا الجوهرية من العنصر الذي ننتمي إليه، ولا النوع، ولا الطبقة الاجتماعية، ولا الموقع الجغرافي.
  2. أين نحن؟ نتعلم من الكتاب المقدس أننا نحيا في عالم حسن وجميل، ولكنه مؤقت. وقد خلقه الله الذي نحمل صورته.
  3. ما المشكلة؟ نفهم من الكتاب المقدس أن البشرية تمردت على خالقها، وبالتالي انحرف العالم عن القصد المخلوق له.
  4. ما الحل؟ يطمئننا الكتاب المقدس أن الله عمل، ويعمل، وسوف يعمل في الخليقة من خلال المسيح يسوع والروح القدس ليتعامل مع الشر الذي نتج عن تمرد البشرية، وليصل بعالمه إلى الغاية التي صنعه من أجلها، ألا وهي أن يكون في توافق تام مع حضوره ومجده.[19]

وتطالعنا أعمال الروائي “ج. ر. ر. تولكين” بنظرة مشابهة. وقد عُرف “تولكين” بدفاعه المستميت عن الدور المحوري الذي تلعبه الأسطورة في خلق معنى للواقع وبمحاولته أن يطبق هذا الفكر في ثلاثيته الملحمية “ملك الخواتم” The Lord of the Rings.[20] ووفقًا لهذا النهج، تظهر قدرة القصة المسيحية الكبرى على تفسير الأمور في تَمَكُّنها من وضع غيرها من القصص الكبرى في موقعها الصحيح، وتفسيرها، وشرحها. والقصة المسيحية، مثل سائر القصص، لا يمكن “البرهنة عليها” بالوسائل الموضوعية منطقية كانت أم علمية. بل يجب تقييمها بناءً على قدرتها أن تخلق للأشياء معنى أعمق من منافساتها الحالية أو التي قد تظهر فيما بعد، وذلك ببساطتها، وأناقتها، وسهولة فهمها، وقدرتها على خلق معنى يتجاوز حدودها.

فكيف نستفيد من عودة الاهتمام بالقصة في محاولتنا لفهم كيفية تقديم الإيمان المسيحي لثقافتنا؟ سأطرحُ هنا بعض الأفكار الشخصية. عندما كنت أصغر سنًا كنت أعتقد أن أفضل طريقة لمساعدة الآخرين على اكتشاف حق المسيحية المدهش هو مناقشتهم بالحجة. أي إقناعهم بأن المسيحية صحيحة وحق. وباختصار، كونت ما يطلق عليه الكثيرون اليوم منهجًا “حداثيًا”. ولكني اليوم أوصل حق الإنجيل بطريقة مختلفة. فأنا أحكي قصة قبولي للإيمان. لماذا؟ لأن القصة أكثر تشويقًا من أي حجة، ولكن السبب الأهم أن قصتي تبين أن المسيحية حقيقية، أي أنها قادرة على تغيير حياة البشر، وإعطائهم أسباب جديدة للحياة ورجاء أكيد للمستقبل. فالقصة تدور حول فلسفة حياتية أصبحت تمثل نظرة شخصية في حياة صاحبها، وهي قادرة على التجديد والتغيير والاستثارة. وروايتي لهذه القصة الشخصية تؤكد أن الإنجيل حقيقي في حياتي.

إننا نعيش في عالم تشكله القصص. بالإضافة إلى أن “القصص الكبرى” قادرة على إضفاء معنى على العالم وعلى خلق علاقة مفيدة بين من يلاحظ الأحداث والأحداث نفسها. وهذه القصص عبارة عن شباك من المعاني نحكيها لنجمع فيها خبراتنا الشخصية ونحتفظ بها، ولنختزن فيها المعنى الذي نرى أنها تنقله أو تنطوي عليه. والمسيحية تروي واحدة من هذه القصص، والإلحاد الجديد يروي قصة أخرى، وهناك قصص لا تحصى يرويها أولئك ممن لديهم أغراض يريدون تنفيذها، ورؤى ينشرونها، ومصالح أو أغراض شخصية يروجونها. إن القصص تحدد أماكن الحقائق بوضعها في إطار قصصي.

والآن بعد أن وضعنا أساسًا نظريًا لتأكيد أهمية القصص في الدفاعيات، سنتناول كيفية استخدامها. وسنبدأ بعد قليل بقصتين تُستخدمان في تدعيم الدعاوى التي يقيمها بعض الكُتاب ضد المسيحية، وسنرى كيف يمكن نقدهما.

على الدفاعيات المسيحية أن تنقد وتُقَيم غيرها من القصص الكبرى، مثل القصص العلمانية التي تعمل على تقويض المسيحية أو تهميشها. ولكنها لابد أن تُقدر في الوقت نفسه ما تتضمنه المسيحية من قصص خاصة بها. فالقصة المسيحية الكبرى عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تساعدنا أن نفهم معنى العالم، كما أشار “لويس” وغيره. ولكن هذه كلها “قصص كبرى” فماذا عن القصص العادية؟ وكيف يمكن استخدامها في الدفاعيات المسيحية؟

أَوضَحُ نموذج يمكننا البدء به هو أمثال المسيح. فاستخدام الرب يسوع للقصص حتى يتفاعل مع مستمعيه لم يكن من قبيل الصدفة، ولكن هذه القصص كان لها غالبًا أساس في الحياة اليومية للمجتمعات الريفية والزراعية التي سادت فلسطين في القرن الأول. وقد كانت قصصًا غاية في السهولة تجذب انتباه المستمعين وتثير خيالهم. وكلُّ من هذه الأمثال يحمل داخله قدرة دفاعية هائلة يجب اكتشافها وفهمها، بل استخدامها. وإذا استُخدمَت هذه الأمثال بحكمة فإنها تتمتع اليوم بذات التأثير الذي كانت تتمتع بها عندما قيلت لأول مرة.

والمدافع الحكيم هو من يدرس الأمثال الرئيسية ويسأل هذه الأسئلة المحورية: كيف تساعدني هذه القصة في توصيل الإنجيل؟ كيف تساعدني على التواصل مع هذه الفئة؟ فالقضية هنا ليست دراسة ما في المثل من صور ومفردات في ضوء الديانة اليهودية إبان القرن الأول، بل اكتشاف وسائل لاستخدامه دفاعيًا اليوم.

ولنأخذ مثالاُ لوضيح هذه النقطة، وليكن تلك القصة المعروفة التي عادةً ما يشار إليها باسم “مثل اللؤلؤة كثيرة الثمن.”

أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا تَاجِرًا يَطْلُبُ لآلِئَ حَسَنَةً، فَلَمَّا وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ الثَّمَنِ، مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَاهَا. (مت 13: 45، 46)

بالرغم من صياغة القصة بأقل عدد ممكن من الكلمات (خمس وعشرون كلمة فقط في الأصل اليوناني)، فالخيال البشري يمكنه بسهولة معالجتها وتذوق تأثيرها. والخبرة البشرية تؤكد صحتها. بالإضافة إلى أنه من السهل البناء عليها وتطبيقها. فكيف نستخدمها في الدفاعيات؟ سأعرض لك كيف أستخدمها، وأترك لك الحرية في تطويرها:

إننا جميعًا نبحث عن شيء له قيمة في الحياة. إلا أننا غالبًا ما نكتشف أن الأشياء التي كنا نظن أنها ستسعدنا وتفرحنا لا تفعل ذلك، فنشعر أنه ما من شيء يمكنه أن يمنحنا الفرح والسلام. ولكن يسوع روى قصة عن هذا الموضوع. فقد قال إن تاجرًا وجد لؤلؤة ثمينة كانت معروضة للبيع، فقرر أن يبيع كل شيء ليحصل عليها. لماذا؟ عندما رأي التاجر تلك اللؤلؤة المميزة أدرك أن كل ممتلكاته باهتة وتافهة مقارنةً بها. وكما يغطي لمعان الشمس على لمعان النجوم، فلا يُرى إلا ليلاً، هكذا أتاحت هذه اللؤلؤة الثمينة للتاجر أن يرى ممتلكاته من منظور مختلف. فما كان يظن أنه سيشبعه ثبت أنه يكشف عدم شبعه، ويثير اشتياقه لشيء لم يكن في متناوله. ولكنه رأى تلك اللؤلؤة المتميزة، فأصر أن يحصل عليها، لأنها شيء عظيم القيمة، شيء يستحق الامتلاك، حتى إن كل مقتنياته الأخرى تبدو قليلة القيمة مقارنةً بها. هذا هو الإنجيل عندما تكتشفه لأول مرة. إنه شيء في غاية الروعة حتى إنه يتفوق على كل ما عداه.

وهنا نرى مثالاً لاستخدام قصة كتابية لتوضيح نقطة دفاعية مهمة. إلا أن القصص الكتابية يمكن أن تُستخدم أيضاً لتكوين أطر تقدم معاني أو تفسيرات يمكن استخدامها لإضفاء معنى على الحياة. وعندما نستخدم القصص ندعو المستمع للدخول في القصة ونسأله عما إذا كانت تعطي معنى لخبراته وملاحظاته.

ولكن ليست كل القصص الكتابية تلقي الضوء على نقاط محددة بهذا الشكل. فبعض القصص تتيح لنا أن نرى خبراتنا الحياتية وملاحظاتنا من منظور مختلف. ولتوضيح هذه الفكرة سنأخذ قصة من أعظم قصص العهد القديم، وهي قصة السبي البابلي وَرَدّ مسبيي أورشليم إلى أرضهم بعد سقوط الإمبرطورية البابلية.

وتُعتبر قصة السبي البابلي سنة 586 ق. م من أهم قصص العهد القديم. ففي سنة 605 ق.م هزم الإمبرطور البابلي نبوخذ نصر الجيوش المصرية التي تجمعت في كركميش، وهكذا أسس بابل باعتبارها أعلى قوة عسكرية وسياسية في المنطقة. إلا أن يهوياقيم ملك يهوذا تمرد على الحكم البابلي، فقامت القوات البابلية بغزو يهوذا، وهو ما فسره الكُتاب آنذاك بكل وضوح باعتباره تنفيذًا للقضاء الذي أخبر به الرب على شعبه الخائن وملكهم. وفي مطلع سنة 597 ق.م استسلم كلٌّ من الملك، والعائلة المالكة، ومستشارو البلاط الملكي لقوات الحصار. وتم ترحيلهم إلى بابل مع عدة آلاف من المسبيين غيرهم. ثم حدثت موجة أخرى من الترحيلات سنة 586 ق.م ولم يحصل اليهود على حريتهم في العودة إلى أرضهم إلا بعد سقوط بابل أمام الفرس سنة 539 ق.م.

وغالبًا ما تستخدم هذه القصة التاريخية المؤثرة لخلق معنى للوضع البشري. فمن منظور مسيحي، يرمز وضع اليهود أثناء سبيهم في بابل لحالة البشر. وذلك لأن اليهود لم يكونوا ينتمون لبابل، ولكنهم كانوا مسبيين يتوقون للعودة إلى أرضهم. ومزمور 137 يرسم صورة تنبض باشتياقهم للعودة وتعبر عن ذكرياتهم المرتبطة بأرضهم: “عَلَى أَنْهَارِ بَابِلَ هُنَاكَ جَلَسْنَا، بَكَيْنَا أَيْضًا عِنْدَمَا تَذَكَّرْنَا صِهْيَوْنَ.” (ع1).

إن هذا الإطار يعطي الحياة الإنسانية معنى. فليس المفترض أن نكون هنا، وهذه الأرض ليست وطننا، ولكننا ننتمي لوطن آخر. ومازلنا نحمل في أعماقنا ذكرى هذا الوطن التي لا تستطيع قوة في الوجود أن تمحوها. إننا نتحرق شوقًا للعودة إلى وطننا، ونحيا على رجاء أننا يومًا ما سنكون في الوطن الذي ننتمي إليه بالفعل. إن هذا الإطار يشير إلى مصدرنا الحقيقي ومآلنا، ويعطي معنى للشوق والتوق العميق الذي تتناوله “الحجة المبنية على الرغبة.”

ولكن ماذا عن القصص التي تتحدى المسيحية؟ سنستعرض قصتين تهدفان لهدم المصداقية التاريخية لأهمية يسوع الناصري كما يصورها التقليد المسيحي. أولهما “شفرة دافينشي” The Da Vinci Code (2003) لكاتبها “دان براون” Dan Brown، والثانية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ    (2010) لمؤلفها “فيليب بولمان” Philip Pullman. ما المنهجيات التي يتبعها كلٌّ منهما؟ وكيف نرد عليهما؟

إن القصص تدعونا لنتخيل عوالم بديلة ونقارنها بعالمنا: أيهما أكثر معقولية؟ وأكثر جاذبية؟ وتجدر الإشارة إلى أن إعادة قراءة التاريخ بشكل مختلف عادةً ما يكون وراءها دوافع هجومية أو أخلاقية، ومنها على سبيل المثال تصوير شخصية تاريخية خبيثة بشكل أفضل، أو شخصية محبوبة بشكل أسوأ. فرواية “أنا كلوديوس” I, Claudius (1934) مثلاً لكاتبها “روبرت جرفز” Robert Graves تتعاطف مع الإمبرطور الروماني كلوديوس (10ق.م – 54 م) وترسم له صورة إيجابية، وهو شخص كان يُنظر إليه في التاريخ على أنه رجل أحمق لا يضر ولا ينفع. إلا أن “جرفز” يبرز كلوديوس على أنه يروج هذه الصورة عمدًا حتى يخدع الآخرين فيضمن بقاءه في زمن ملئ بالمخاطر السياسية.

وقد تَمكَّن كتاب “دان براون” الذي صدر سنة 2003 من تحقيق نجاح باهر واستحوذ على انتباه قرائه بفضل حبكته المتقنة التي تروي بداية تاريخ المسيحية بدرجة عالية من المعقولية حتى إن القارئ لا يلحظ التحريفات الجذرية المدسوسة في الكتاب ببراعة. (والطبعات الأولى من الكتاب كانت بحمل على غلافها كلمة “رواية” تحت العنوان. ولكنها حُذفَت فيما بعد). والقصة المحورية في هذا الكتاب تتلخص في أن الكنيسة اخترعت صورة خاصة بها ليسوع وجعلت منه إلهًا وفرضت هذه الصورة بالمؤامرة السياسية والتهديد بالعنف. ويصور “براون” الإمبراطور قسطنطين على أنه شخص مكيافلي انتهازي يغير طبيعة المسيحية لتخدم أغراضه السياسية.

ويروي “براون” قصة خداع وقمع تنتهي بكشف “الحق” وتحرير الناس. ويركز جزء كبير من القصة على بداية تاريخ المسيحية، فيروي أن الإمبراطور قسطنطين أراد للمسيحية أن تكون الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، ولكنه أدرك أنها تحتاج لنوع من إعادة الصياغة حتى تفي بهذا الغرض. ومن ثم، كان لابد من رفع رتبة يسوع الناصري بحيث لا يظل ذلك المعلم الريفي الفلاح، فأعلن فسطنطين أن يسوع هو الله. وقد استلزم ذلك الحصول على عدد مناسب من الأصوات والتلاعب في النصوص. ويتم إطلاع القارئ على هذه الأسرار في شخصية السير “لي تيبينج” Sir Leigh Teabing الذي يعلم بهذه الخفايا التاريخية، فيصرح بأنه لم يكن أحد يعتقد أن يسوع هو الله حتى مجمع نيقية سنة 325 عندما طُرحَت المسألة للتصويت، وحصلت على غالبية الأصوت بفارق ضئيل. وتُصدم “صوفي نفو” Sophie Neveu المتخصصة في فك الشفرات عندما تسمع هذا الكلام وتقول في حالة من الذهول: ” لست أفهم ما تقول. هل تتحدث عن ألوهيته؟”

صرح لها “تيبينج”: “عزيزتي، حتى تلك اللحظة، كان أتباع يسوع يتعتبرونه نبيًا فانيًا مثل كل البشر… رجل عظيم مؤثر، ولكنه إنسان، فانٍ”.

[قالت “صوفي”]: “ليس ابن الله؟”

أجاب “تيبينج”: “بلى. فكرة أن يسوع “ابن الله” طُرحَت رسميًا للتصويت في مجمع نيقية.”

“مهلاً. تقول إن لاهوت يسوع جاء نتيجة تصويت؟”

أضاف “تيبينج”: “بفارق ضئيل بين الطرفين.”[21]

ويشرح “تيبينج” كيف حظر قسطنطين الأناجيل التي تحدثت عن يسوع بلغة إنسانية بحتة، ولم يسمح إلا بالأناجيل التي تشير إلى ألوهيته.[22]

ويتم تعريف القارئ بالحقائق المحظورة الخطيرة التي تتعلق بتاريخ الكنيسة ويركز الكاتب بشكل خاص على جماعة يلفها الغموض تعرف باسم “جمعية سيون” Priory of Sion ويقدمها باعتبارها حارسة لأحد الأسرار الخطيرة. ويخبر “براون” قراءه بأن هذه “الجمعية” هي جماعة سرية تكونت سنة 1099 ومازالت موجودة حتى اليوم ويؤكد لهم أن هذه حقائق ثابتة. والحقيقة أن هذا كلام خاطئ بكل المقاييس، لأن “جمعية سيون” عبارة عن منظمة اخترعها “بيير بلانتار”  Pierre Plsntard (1920- 2000) سنة 1956، وقد كان “بلانتار ” بارعًا في تأليف القصص الخيالية، فنسج قصصًا غاية في الإتقان عن هذه الجماعة التي اخترعها وربط بينها وبين أحداث من العصور الوسطى والأرض المقدسة.[23] أي أن الموضوع لا يمت بصلة لأي نوع من الحقائق.

ولست أعرف أي سند تاريخي ذا قيمة يؤيد أيًا من الأفكار الرئيسية التي تقوم عليها “شفرة دافينشي” التي يمكن تفنيدها جميعًا بمنتهى السهولة. ولكن مربط الفرس أن “براون” يروي قصة يتمنى الكثيرون أن تكون صحيحة ويدعوهم أن يصدقوها. وقصة “براون” تقوض الفكر المسيحي التقليدي في أذهان عموم القراء بتصويره لهذا الفكر على أنه نشأ من إساءة ممارسة السلطة والرغبة في قمع العناصر الأنثوية للإيمان. والقصة “تُعرفنا” بأن الحقيقة هي أن يسوع تزوج مريم المجدلية وأن ابنتهما أنجبت نسلاً ملكيًا في فرنسا. وقد قال “براون” ردًا على الانتقادات الكثيرة التي تناولت الأخطاء التاريخية الفادحة في روايته إن كل ما فعله أنه وضع الكلمات في أفواه شخصيات الرواية وترك القارئ يفهم منها ما يفهمه.

وتكمن جاذبية منهج “براون” في المقام الأول في قدرته على الهدم. فالقصة مكتوبة بأسلوب ركيك يبدو أن معظم القراء يتقبلونه خاصةً مع سرعة توالي الأحداث. وهي من حيث الأسلوب على النقيض تمامًا من “يسوع الصالح والمسيح الشرير” لكاتبها “فيليب بولمان” التي صدرت سنة 2010.[24] فأسلوب “بولمان” يتبع نوعًا ما أسلوب ترجمة الملك جيمز King James للكتاب المقدس، وهو يتميز بفصاحة لا نجد لها أثرًا في أسلوب “براون” الممل الركيك.

وكتاب “بولمان” يعيد سرد قصة الإنجيل في قالب تخيلي يحتفظ بالأسلوب الأصلي للأناجيل ولكنه يغير المحتوى تغييرًا جذريًا. وتنطوي إعادة صياغة القصة بهذا الشكل على تقديم فرضية محورية يبني عليها “بولمان” أطروحته. فهو يصور مريم على أنها فتاة تعاني من ضعف قدراتها العقلية وصعوبات في التعلم، يخدعها أحد الرجال لتنام معه مؤكدًا لها أنه ملاك، فتلد توأمين، يسوع والمسيح، ولكن العلاقة بينهما تسوء منذ سن مبكرة.

كان يسوع رجلاً تقيًا، وواعظًا متجولاً يكرز بملكوت الله وينتظر من أتباعه أن يتغيروا أخلاقيًا. ويخبرنا “بولمان” أن يسوع، كأي كارز بروتستانتي ليبرالي من القرن التاسع عشر، لم يصنع معجزات بالمعنى المفهوم. ولكنه كان يجعل الأمور تحدث بشكل طبيعي. فما الذي حدث في إشباع الخمسة الآلاف؟ كل ما في الأمر أنهم تقاسموا ما كان معهم من طعام.

وهكذا يتضح أن يسوع شخص صالح ينتمي إلى عالم مثالي غير عالمنا ولا يحتك بواقع السلطة السياسية. إلا أن المسيح مختلف. فهو يلتقي بشخصية غامضة اسمها “الغريب” The Stranger تزرع في عقله فكرةَ أن يعيد كتابة قصة يسوع وتعاليمه على نحو يجعلها أكثر جاذبية وأطول عمرًا. والنتيجة إنجيل أسطوري كُتِب أصلاً لأسباب تافهة بقلم توأم يسوع المزعوم. وما يريد “بولمان” أن يشير إليه من طرف خفي أن إنجيل المسيح “المحسَّن” والمزوَّر هو السبب الأساسي في ظهور كتابات بولس في العهد الجديد.

وهكذا تصبح الكنيسة مؤسسة على إنجيل المسيح الوهمي، وليس على حقيقة يسوع التاريخية المفقودة. فالمسيح يدرك بدهائه ضرورة خلق قصة كبرى، فلسفة حياتية مغرية لتضمن استمرار الكنيسة على مر التاريخ. ونظرًا لفشل يسوع في تقديم هذه القصة، يقوم المسيح بتعويض هذا العجز بنفسه بتأليف قصة قادرة على إنشاء مؤسسة قوية والحفاظ عليها. والقوة المؤسسية تعتمد على الأمر الإلهي الذي يُفرض دون هوادة ويصبح أيديولوجية راسخة تضمن استمراريته. ويظهر بكل وضوح من هذه الرواية ومن ثلاثية “مواده السوداء” His Dark Materials أن “بولمان” يستهدف مؤسسة الكنيسة.

وأخيرًا يحرض “الغريب” المسيح على خيانة أخيه، خيانة تؤدي إلى موت الشقيق (نعم، يتضح في النهاية أن المسيح هو يهوذا الإسخريوطي). ثم تصبح القيامة مسرحية يحاول فيها المسيح الحي أن يُظهر نفسه على أنه يسوع الميت، وهو ما يعني طبعًا أن القيامة تمثيلية اخترعها المسيح ليعوض عن موت يسوع ميتة مؤسفة عادية. والموضوع مألوف لدى قراء الأعمال العقلانية التي أعادت تأليف حياة يسوع في القرن الثامن عشر، ولكن “بولمان” أدخل عليها تعديلات تاريخية جديدة ولكنها مستحيلة الحدوث.

وهذه هي المشكلة، فهذه القصة الهجومية غير معقولة على الإطلاق لدرجة أنها لا تطابق أدنى المعايير المستخدمة لتحديد صحة الأحداث من الناحية التاريخية. والقصة معقدة ومتداخلة حتى إنها لا يمكن أن بؤخذ على محمل الجد من الناحية التاريخية. ورغم أن الكاتب قَصَّاص من الطراز الأول عندما يؤلف قصصًا خاصة به، فعندما يعيد إنتاجَ قصص غيره، وخاصةً إذا كانت قصة مألوفة كقصة يسوع الناصري يتعثر كثيرًا. فالحبكة مفتعلة بشكل مفرط حتى إن براعة “بولمان” الأسلوبية تعجز عن التعامل مع هذا الخط القصصي المعقد اللازم لتحقيق أغراضه في مهاجمة التقليد.

وقد أقحم “بولمان” نفسه في القصة الكتابية على نحو سافر، فلم يكن دوره فيها سلبيًا ولا صامتًا. وأكثر المواقف التي يظهر فيها هذا الإقحام بشكل صريح هو صلاة يسوع في جثسيماني التي يفاجئنا بأن يسوع يختمها قائلاً أنه لا يوجد إله. ويأتي صوت المؤلف مملاً رتيبًا في مواقف كهذه، ولا سيما عندما يعظ يأخذ مكان يسوع ويعظ قراءه بنبرة حادة مزعجة. وهو ما يختلف عن أسلوبه في ثلاثية “مواده السوداء”. وهو في رواية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” يفتعل حالة من التقوى المفرطة بشكل يثير الاشمئزاز. علاوة على أنه يَسهل على القارئ التنبؤ بما سيحدث قبل قراءته.

ومن الواضح أن القصة مستحيلة الحدوث التي نطالعها في هذه الرواية تهدف إلى هدم مؤسسة السلطة الدينية. ويتضح هذا الهدف بجلاء في سؤال طرحه أثناء لقاء أجري معه عقب نشر كتابه بفترة وجيزة: “إن استطعت أن ترجع بالزمن وتنقذ ذلك الرجل من الصَلب وأنت تعلم أن هذا يعني عدم ظهور الكنيسة لحيز الوجود، هل ستنقذه أم لا؟” وترتكز هذه الحجة على افتراض مسبق مفاده أن القارئ يشارك “بولمان” في كراهيته الشديدة للمؤسسة الكنسية، وهو ما يظهر بكل وضوح في أعماله الأسبق. ولكن هل الأمور حقًا بهذه البساطة؟ وهل الحق التاريخي يتوقف على ما نحب؟ وهل الإنجيل يتمحور فعلاً حول الكنيسة باعتبارها مؤسسة؟

معروف أن “بولمان” يريد أن يزعزع أساس الإيمان المسيحي. ولكن كيف يدعم هذا الكتاب حجته؟ إن ما حصل عليه هذا الكتاب من ردود أفعال فاترة على المواقع الإلكترونية الإلحادية يؤكد مدى غموضه. وقد سألني أحد زملائي من الأساتذة الملحدين مؤخرًا: “ولكن ما الفائدة منه؟ ومن سيلتفت لهذا الهراء؟” وقد راودتني هذه الأسئلة الوجيهة الواضحة وأنا أقرأ هذا الكتاب. ورغم استمتاعي بأسلوبه، لم أتمكن من تصديق حبكته الركيكة. ولابد أن أعترف أني لم أجد إجابة مقنعة حتى الآن.

المدخل الرابع: الصور:

تُعتبر الصور، لا الكلمات، أعلى أشكال التواصل عند كُتاب ما بعد الحداثة. وشركات الدعاية والإعلان تنفق أموالاً طائلة لتحصل على أفضل صورة للشركة المعلِنة، وتصمم إعلانات تليفزيونية تعرض صورًا تجعلنا نريد أن نشتري منتجات معينة دون غيرها. إلا أن الكثير من المسيحيين، مثلي، يفضلون استخدام الكلمة (ولا سيما الكلمة المكتوبة، في حالتي) لتوصيل الإيمان وإبراز جماله. ولكن علينا أن نعي أن الصور يُنظر إليها في إطار ما بعد الحداثة على أنها تتمتع بمصداقية وقوة من نوع خاص وتتجاوز الحدود المفروضة على الكلمات.

والعقل البشري يعمل عن طريق توليد صور تساعدنا على “تصوير” العالم المحيط بنا وفهم معناه. ويمكن تشبيه الصور بالخرائط الذهنية التي تساعدنا على رسم أرض الواقع وتحديد مكاننا في الإقليم المحيط بنا. وهذه الصور مفيدة جدًا للمدافع، لأن الصور التي تُعبر عن الفكر المسيحي يمكن تقديمها بأشكال تجذب الخيال البشري. وعمومًا نحن نتعلم أن نسكن في صورة نستخدمها ونكتشف مدى ملاءمتها لواقع عالمنا.

وسنفحص في هذا الجزء عددًا من هذه الصور ونبحث كيفية استخدامها لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله. وبعضها مأخوذ من الكتاب المقدس، والبعض الآخر من الثقافة العلمانية. وأولى هذه الصور مأخوذ من أحد كلاسيكيات الفلسفة اليونانية القديمة، ألا وهو كتاب “الجمهورية” Republic لأفلاطون. (إن كنت قد قرأت رواية “الكرسي الفضي” The Silver Chair، وهي إحدى روايات سلسلة “نارنيا” لكاتبها “لويس”، ستكون الصورة مألوفة لك، حتى وإن لم تكن تعرف أصلها التاريخي[25]).

يدعونا أفلاطون لأن نتخيل كهفًا مظلمًا عاشت فيه مجموعة من الناس منذ مولدهم. وقد ظلوا محبوسين في هذا الكهف طيلة حياتهم حتى إنهم لم يعرفوا عالمًا آخر سواه. وفي أحد أطراف الكهف تشتعل نيران متوهجة بالدفء والضوء. اللهُّب المتصاعدة تلقي ظلالاً على جدران الكهف، فيشاهد الناس هذه الظلال التي تسقط أمامهم على الحائط، ويفكرون فيما تعنيه، فهذه الظلال المرتعشة هي كل ما يعرفه سكان الكهف عن العالم. وإدراكهم للواقع منحصر فيما يرونه ويختبرونه في هذا السجن المظلم. فإن كان هناك عالم خارج الكهف، فإنه شيء لا يعرفونه ولا يمكنهم أن يتخيلوه، وكل آفاقهم محدودة ومحددة بالظلال وبما ينالونه من ضوء خافت. ولكنهم لا يعرفون أن الكهف سجن ولا أنهم محبوسون فيه، وليس لهم أن يصلوا إلى هذا الاكتشاف إلا إذا عرفوا بوجود عالم آخر.

ويزين أفلاطون هذه الصورة بالعديد من التفاصيل، منها أن سكان الكهف مقيدون بأغلال تمنعهم من الحركة في أنحاء الكهف. ولا يمكنهم أن يروا إلا الجدار المقابل لهم. ويمتد خلفهم ممر يعبر فيه أشخاص يحملون أشياء متنوعة على رؤوسهم، والنار تلقي هذه الظلال المتحركة على جدران الكهف. والناس الذين يعبرون الممر يتحدثون بعضهم مع بعض فتُرَجِّع أصواتهم صداها في جنبات الكهف، ولكنها تأتي مشوهة بفعل الجدران. وهكذا يرى السجناء ظلالاً متحركة ويسمعون أصداء أصوات. فهم لا يرون ولا يسمعون أي شيء بشكل مباشر، ولكن خبرتهم بكل شيء تأتي على نحو غير مباشر وغير واضح المعالم.[26]

ولا يعنينا هنا البناء الفلسفي لهذا التشبيه كما وضعه أفلاطون، ولكن ما يعنينا هو إمكانية استخدامه في الدفاعيات. فكيف نستخدم هذه الصورة لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله في عالم اليوم؟ تخيل نفسك الآن تسكن في هذه الصورة بضع دقائق، ولاحظ أنك لابد أن تنسى كل شيء عن العالم الذي نعرفه جميعًا حيث الشمس الساطعة، والهواء العليل، والورود، والبحيرات، والأشجار. وتَذَكر أن العالم الوحيد الذي تعرفه هو ذلك الكهف المظلم الذي يمثل لك الواقع كله. وأنت لا ترى إلا ظلالاً ولا تسمع إلا أصداء. وما يظهر من هذه الأشياء يصبح واقعًا لك.

احترس من مقارنة عالم الكهف بأي واقع آخر، ففكرة التشبيه كلها تقوم على أساس أنك لا تعرف أي شيء غير هذا الكهف الذي يمثل لك تعريف الواقع. وعندما تشعر بأنك اعتدت على الصورة، سنبدأ في فحصها ودراسة كيفية تطبيقها في الدفاعيات.

اسأل نفسك هذا السؤال: كيف يتأتى لسكان الكهف أن يدركوا أن هناك عالمًا أفضل خارج جدران الكهف المظلمة المدخنة؟ فكر قليلاً في السؤال ثم واصل القراءة بعد أن تصل إلى بعض الإجابات.

ثلاث وسائل تُمكن سكان الكهف من اكتشاف وضعهم الحقيقي:

  1. يدخل شخص من العالم الحقيقي الخارجي إلى داخل الكهف ويخبر سكانه بالعالم الحقيقي. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة فكرة الإعلان الإلهي.
  2. بنية الكهف نفسه تحتوي على دلائل تشير إلى وجود عالم خارج جدرانه. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بناءً على المؤشرات التي نراها في بنية العالم.
  3. عند هؤلاء المساجين معرفة حدسية تقول لهم إن هناك عالمًا أفضل من الكهف المظلم المدخن. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بالاستناد على المشاعر الإنسانية، ومنها الحجة المبنية على الرغبة.

وسوف نبحث فيما يلي ما تتضمنه كل وسيلة من إمكانية دفاعية مع الاحتفاظ بصورة الكهف.

أولاً، قد يقتحم الكهف شخص من عالم آخر، ويخبرنا عن ذلك العالم الآخر مستخدمًا تشبيهات مستمدة من الكهف. بل إنه قد يفعل ما هو أفضل من هذا فيعرض علينا أن يرشدنا لطريق الخروج. وقد يفعل ما هو أفضل من هذا وذاك، فيعرض علينا أن يُخرجنا بنفسه. وهذا الأسلوب هو الذي ينعكس في عقيدة التجسد المسيحية التي ترى يسوع المسيح باعتباره الشخص الذي يدخل إلى عالم التاريخ والخبرة البشرية، ليُظهر لنا الأمور على حقيقتها وليعطينا القدرة أن نتحرر من ربط العالم وقيوده. وبالرغم من أن هذا الموضوع يملأ صفحات العهد الجديد، فهو يَبرز بشكل خاص في إنجيل يوحنا، كما يتضح من الآيتين التاليتين:

وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْدًا (يو 1: 14)

أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. (يو 6: 51)

والوسيلة الثانية تقول بأن عالم الكهف نفسه مرصع بمؤشرات ومفاتيح تشير إلى أنه ليس العالم الوحيد. فقد يكون على جدران الكهف علامات تشير إلى أصله أو إلى مصيره الحقيقي، مثل العلامات التي لاحظها أريستبوس على شاطئ جزيرة رودس (ص 122). فربما الكهف يكشف عن أدلة تشير إلى وجود تصميم أو بنية معقدة تثير أسئلة جوهرية عن نشأته. وقد تكون جدرانه مزينة بالرسوم أو غيرها من الدلائل التي تشير إلى أصله وتاريخه.

أما الحل الثالث هو أن من يلاحظون الكهف أنفسهم يملكون في أعماقهم حسًا فطريًا أصيلاً بوجود عالم آخر. وقد يتخذ هذا الحس شكل قناعة عميقة أن الحياة أكثر من مجرد ظلمة هذا الكهف المدخن، أو معرفة حدسية قوية بأن مصيرهم يجب أن يكون في مكان آخر، أو رغبة في شيء يشعر صاحبها أنها لن تُشبع أبدًا، وهو شعور يشير إلى أن عالمنا ليس العالم الوحيد، وأن إشباعنا الحقيقي لن يتحقق فيه. فنار الشوق التي تشتعل داخلنا ولا تطفئها خبراتنا في هذا العالم تمثل مفتاحًا جوهريًا يشير إلى وضعنا الحقيقي ويدعونا لاكتشاف الواقع الأعظم الذي تشير إليه.

هكذا قمنا ببحث الأساليب الثلاثة وشرحها بسهولة مستخدمين صورة كهف أفلاطون. وكل وسيلة منها تتيح للدافع أن يبحث أحد جوانب الإيمان المسيحي ويكتشف تلامسه مع خبرتنا بالعالم المحيط ومع معرفتنا الحدسية وأشواقنا العميقة وقدرته على خلق معنى لكل هذه الأمور. ويمكن إدماج هذه الصورة المعبرة بسهولة في الأحاديث، والعظات، والمحاضرات، ويمكن تطويرها بالعديد من الطرق المبتكرة. ويسهل كذلك إضافة طرق أخرى للثلاثة المذكورة أعلاه.

فما الصور الأخرى التي يمكن استخدامها في الدفاعيات؟ يستخدم بولس مجموعة من الصور القوية في رسائله ليساعدنا على فهم ما فعله المسح لأجلنا بصلبه وقيامته. ومن هذه الصور صورة التبني. وفيها يؤكد لنا بولس أننا أصبحنا أبناء الله بالتبني في المسيح (رو 8: 23، غل 4: 5). ويرى بولس أن هذه الصورة المستمدة من قانون الأسرة الروماني تلقي الضوء على امتيازات المؤمن ومكانته في علاقته بالله.[27] وهي صورة تتطلب منا أن ندركها في عقولنا ونقدرها في قلوبنا.

وصورة التبني سهلة الفهم نسبيًا، فهي تُعبر عن أسرة تقرر أن تمنح طفلاً لم يولد في أحضانها الامتيازات القانونية نفسها التي يحصل عليها الطفل المولود في الأسرة. وهو ما يستتبع أن الطفل المتبنى يتمتع بحقوق الميراث التي يتمتع بها الطفل الطبيعي. وهكذا يمكن أن يرى المؤمن نفسه باعتبار أنه أُدخِل في عائلة الله ومُنح ذات الامتيازات القانونية التي يتمتع بها أي ابن طبيعي. ومن هو الابن الطبيعي لله؟ إنه المسيح نفسه. وبذلك، يشرح بولس هذه الفكرة القوية، ألا وهي أن كل ما منحه الله للمسيح باعتباره ابنه سيؤول إلينا في النهاية باعتبارنا أولاد الله:

أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ. فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ. (رو 8: 16، 17)

ولذلك فالسمات الأسرية التي تميز أولاد الله هي الألم في هذه الحياة والوعد بالمجد في الحياة الآتية. وهو ما يعني أن المجد يكمن وراء الألم، ولابد أن نتعلم أن نرى الألم باعتباره امتيازًا نحتمله مسرورين بوصفه نتيجة لمركزنا الجديد بصفتنا ورثة الله.

ولكن صورة التبني لا تخاطب العقل فحسب، بل تستحوذ على الخيال والقلب أيضًا. وهي بذلك تدعونا أن نترجمها بشكل تخيلي، ولا نكتفي بفهمها. فالتبني معناه أن الطفل مرغوب فيه، وهو يتضمن أيضًا معنى الانتماء. وهذه قضايا وجدانية عميقة تتلامس مع اهتمامات الكثيرين ومخاوفهم في مجتمعات تزداد انكسارًا يومًا بعد يوم. فالتبني يعني دعوة الشخص ليدخل في بيئة مُحبة حانية. وهي تعني الترحيب بالشخص والرغبة في وجوده وتقديره . والتبني يقدر امتياز الدعوة التي يتم بمقتضاها الترحيب بشخص من خارج الأسرة وإدخاله في كنف الإيمان والحب.

والصورة التي يرسمها بولس للتبني تتوافق بشدة مع اشتياق الإنسان العميق للانتماء إلى مكان ما. فنحن نحتاج أن نشعر أننا مقبولون ومرغوبون. وتؤكد “سيمون فيّ” كثيرًا في كتاباتها أهمية هذه النقطة. فهي تشير في كتابها “البحث عن الجذور” The Need for Roots إلى أهمية المجتمعات في تكوين الهوية الشخصية وحمايتها: “قد تمثل الحاجة للجذور أهم احتياجات النفس البشرية ولكنها الأقل حظًا من حيث إدراكها والاعتراف بها.”[28] ويتناول “ولتر بروجمَن” Walter Brueggemann أستاذ العهد القديم المعروف هذه الفكرة بمزيد من العمق عندما يشير إلى أن

الشعور بالضياع والتشرد وفقدان المأوى يسود ثقافتنا المعاصرة. وتوق الإنسان لأن ينتمي لمكان، ويكون له بيت، يحتمي في موضع آمن هو سعي عميق يثير في النفس لهيبًا من المشاعر المتأججة.[29]

ونجاح المسلسل التليفزيوني الأميريكي “في صحتك” Cheers يعكس هذه النقطة على أكمل وجه. وقد بدأ عرض المسلسل الذي تجري أحداثه في حانة في بوسطن سنة 1982 واستمر على مدى 271 حلقة حتى سنة 1993. ويرجع نجاحه الباهر إلى ما خلقه من شعور قوي بالانتماء لجماعة.[30] فقد كانت الحانة مكانًا للأحاديث الخفيفة والأحاديث الجادة، وكانت ملجأ يرحب بكل من يأتيه، والجميع هناك يعرفك. أما خارج الحانة هناك جموع مجهولة من بشر لا يعرفهم أحد ولا يعرفون بعضهم البعض. ولكن داخل الحانة، أنت شخص مميز، ومهم عند الآخرين، أنت تنتمي لمكان. وقد عبَّرت أغنية المسلسل عن هذا المعنى أوضح تعبير: أنت تريد أن تكون في مكان “كل من فيه يعرف اسمك.”

ويمكن للمدافع أن يستخدم صورة التبني التي يرسمها بولس مشيرًا إلى ما تحمله من معانٍ على مستويات مختلفة. فهي لا تلقي الضوء على ما يعود علينا من موت المسيح وقيامته فحسب، ولكنها تخاطب اشتياق القلب البشري العميق للانتماء.

وهناك صور كتابية أخرى يسهل الاستفادة منها في الدفاعيات، مثل صورة الله الراعي، أو المسيح خبز الحياة. فالدفاعيات تتمتع بصندوق زاخر بالكنوز التي يمكننا الاستفادة منها، وهي تستخدم الخيال باعتباره مدخلاً للنفس البشرية. وينبغي على المدافع الناجح أن يجدد هذا الصندوق باستمرار مضيفًا إليه قصصًا وصورًا جديدة.

خطوة للأمام:

المداخل الأربعة التي تناولناها في هذا الفصل كلها مهمة ويمكن تطبيقها بسهولة في الدفاعيات. إلا أنها مجرد أمثلة توضيحية لا تشمل كل المداخل التي يمكن الاستفادة منها، بل يمكن إضافة مداخل أخرى لها. ومنها على سبيل المثال تجسيد المؤمن لإيمانه في حياته العملية، وهو مدخل يؤدي وظيفة دفاعية مهمة. فالكثيرون يسألون عن الإيمان عندما يرون أن أصدقائهم يتميزون بشيء غير متوفر لهم، كالشعور بالسلام أو بوجود غرض للحياة، أو الشعور العميق بالحنان والحب للبشر، وهو ما يثير لديهم السؤال: “من أين لهم هذا؟” ويتمنون في أعماقهم أن يتمتعوا بما يتمتع به هؤلاء. ومحبة الله تتجسد وتعلَن عندما يخدم المسيحي الحقيقي العالم المحيط به.

والطريقة التي يتعامل بها المؤمن مع الموت تقدم شهادة مهمة لرجاء القيامة المغير الذي يمثل ركيزة أساسية في الإنجيل. فممارسة الحق في حياتنا العملية هي “دفاعيات متجسدة” تمثل في حد ذاتها شهاد قوية لذلك الحق. أي أننا نحتاج لما هو أكثر من الحجج، نحتاج أن نظهر أن الإيمان المسيحي يغير الحياة ويمنحها قوة، كما أشار المدافع “فيليب د. كنِسون” Philip D. Kenneson في ملاحظة حكيمة قائلاً:

إن ما ينتظره عالمنا، وما تبدو الكنيسة متقاعسة عن تقديمه، ليس الاستمرار في تقديم مزيد من الأحاديث عن الحق الموضوعي، بل شهادة متجسدة تعطي الآخرين سبباً للالتفات لهذا الحق.[31]

علاوة على ذلك، تقدم الحياة المسيحية شهادة مهمة لقدرة الإنجيل على تغيير حياة البشر، فعندما نشهد عن قصتنا الشخصية، نقدم شهادة غير مباشرة على أن الإنجيل حقيقي، وليس صحيحًا فحسب.

ومن السهل إضافة المزيد من الأساليب أو تطويرها حسب القضايا التي يواجهها المدافع أو الاتجاهات الثقافية التي يشعر أنه يجب التعامل معها. ومن الأمثلة الواضحة التي يمكن استخدامها في الدفاعيات من بعض المجالات الفنية والأدبية الأخرى:

  1. الأفلام: ربما يعتبر الفيلم، لما يميزه من المزج بين القصة والصورة، أفضل وسيلة للتواصل مع جيل يطَلِّع على الواقع بطريقة بصرية أكثر منها نَصية. والكثير من الأفلام الحديثة تثير قضايا لاهوتية ودفاعية كبرى، مما يتيح الفرصة لفتح مناقشات دفاعية.
  2. الشعِر: تُعبر الكثير من القصائد عن شعور بالقلق الشديد تجاه الوضع الحالي للعالم، وعن تطلع نحو الهدف الأسمى للبشرية. وليس من الصعب على المدافع أن يحدد بعض القصائد، وكلمات بعض الأغاني المشهورة، التي تتيح الفرصة لإثارة أسئلة أو فتح مداخل للدفاعيات.
  3. اللوحات الفنية: الكثير من الأعمال الفنية الكلاسيكية، ناهيك عن الصور المشهورة، يمكن أن تمثل مداخل دفاعية. فإذا أجريت بحثًا سريعًا على الإنترنت مثلاً ستجد لوحة مشهورة للفنان “إدفارد مونك” Edvard Munch اسمها “الصرخة” The Scream  (1893) يظهر فيها شخص في حالة من اليأس الوجودي المريع لعجزه عن التعامل مع العالم. فكيف نستفيد من هذه اللوحة؟ إنها مدخل ممتاز للدفاعيات، ويمكنك أن تجد الكثير غيرها بسهولة.

الآن وقد اطلعنا على أساليب تساعدنا في إبراز جمال الإيمان المسيحي وربطه بحياة الناس العاديين، لابد أن ننتقل للعثرات والشكوك التي يواجهها الناس في الإيمان وكيفية التعامل معها .

لمزيد من الاطلاع:

Garson, D.A.The God Who Is There: Finding Your Place in God’s Story. Grand Rapids: Baker, 2010.

Johnston, Robert K.Reel Spirituality: Theology and Film in Dialogue، 2nd ed. Grand Rapids: Baker Academic, 2006.

Keller, Timothy J. The Reason for God: Belief in an Age of Skepticism. New York: Dutton, 2008.

Marsh, Clive. Theology Goes to the Movies: An Introduction to Critical Christian Thinking. New York: Routledge, 2007.

McGrath, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville: Westminster john Knox, 2011.

Nash, Ronald H. Faith and Reason: Searching for a Rational Faith. Grand Rapids: Academie Books, 1988.

Peters, James R. The Logic of the Heart: Augustine, Pascal, and the Rationality of Faith. Grand Rapids: Baker Academic, 2009.

Piper, John. Think: The Life of the Mind and the Love of God. Wheaton: Grossway, 2010.

Sire, James W. Naming the Elephant: Worldview as a Concpt. Downers Grove, IL: Inter Varsity, 2004.

Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: HarperSanFrancisco, 2006.

[1] Peter Brown, Augustine of Hippo (London: Faber & Faber, 1967).

[2] Augustine, Confessions V.xiii.23-xiv.25.

[3] James Robert Brown, Philosophy of Mathematics: An Introduction to the World of Proofs and Pictures (London: Routledge, 1999, 71-78); George Bools, “Gödel’s Second Incompleteness Theorem Explained in Words of One Syllable,”, Mind 103 (1994): 1-3.

[4] For a highly influential discussion, see John Lucas, “Minds, Machines and Gödel,” Philosophy 36 (1961): 112-27.

[5] For two good assessments of Schaeffer’s approach, see Thomas V. Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics: A Critique (Grand Rapids: Baker, 1987); Bryan A. Follis, Truth with Love: Apologetics of Francis Schaeffer (Wheaton: Crossway, 2006).

[6] Francis Schaeffer, The God Who Is There, Complete Works of Francis Schaeffer, vol. 1 (Westchester, IL: Crossway, 1982), 130.

[7] Ibid., 134.

[8] For a good analysis, see Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics, 21-22.

[9] Schaeffer, The God Who Is There, 132.

[10] Ibid., 140.

[11] Ibid., 110.

* metaphysical وتترجم أحياناً إلى “ما وراء الطبيعة” والمقصود كل ما يختص بالبحث الفسلفي في المبادئ أو العلل الأولى للكينونة والمعرفة. (المترجمة)

[12] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 138.

[13] C. S. Lewis, Rehabilitations and Other Essays (London: Oxford University Press, 1939), 158.

[14] See Roy Baumeister, Meanings of Life (New York: Guilford Press, 1991). Baumeister’s analysis of the importance of questions of identity, value, purpose, and agency is of major importance to Christian apologetics.

[15] Hans Frei, The Eclipse of Biblical Narrative: A Study in Eighteenth and Nineteenth Century Biblical Hermeneutics (New Haven: Yale University Press, 1977).

[16] Alasdair MacIntyre, After Virtue (London: Duckworth, 1985), 216.

[17] Baumeister, Meanings of Life.

[18] N. T. Wright, “How Can the Bible Be Authoritative?” Vox Evangelica 21 (1991): 7-32.

[19] N. T. Wright, The New Testament and the People of God (Minneapolis: Fortress, 1992), 132.

[20] See Verlyn Flieger, Splintered Light: Logos and Language in Tolkien’s World (Kent, OH: Kent State University, 2002); Jeffrey L. Morrow, “J. R. R. Tolkien as a Christian for Our Times,” Evangelical Review of Theology 29 (2005), 164-77.

[21] Dan Brown, The Da Vinci Code: A Novel (New York: Doubleday, 2003), 233.

[22] Brown is totally wrong on all these points. See, for example, Bart D. Ehrman, Truth and Fiction in The Da Vinci Code: A Historian Reveals What We Really Know About Jesus, Mary Magdalene, and Constantine (Oxford: Oxford University Press, 2004), 23-24.

[23] The best account of the fabrication of this myth is Massimo Introvigne, Gli Illuminatie il Priorate di Sion (Milan: Piemme, 2005). An English summary of this work is available at http://www.cesnur.org/2005/pa_introvigne.htm.

[24] Philip Pullman, The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ (Edinburgh: Canongate, 2010).

[25] You might enjoy reading the interesting study of William G. Johnson and Marcia K. Houtman, “Platonic Shadows in C. S. Lewis’ Narnia Chronicles,” Modern Fiction Studies 32 (1986), 75-87.

[26] For a detailed discussion, see Gail Fine, Plato on Knowledge and Forms: Selected Essays (Oxford: Oxford University Press, 2003).

[27] James C. Walters, “Paul, Adoption, and Inheritance,” Paul in the Greco-Roman World, ed. J. Paul Sampley (Harrisburg, PA: Trinity Press International, 2003), 42-76.

[28] Simone Weil, The Need for Roots (London: Routledge, 2002), 43.

[29] Walter Brueggemann, The Land: Place as Gift, Promise, and Challenge in Biblical Faith, 2nd ed. (Philadelphia: Fortress Press, 2002), 1.

[30] Bill Carter, “Why ‘Cheers’ Proved So Intoxicating,” New York Times, Sunday, May 9, 1993.

[31] Philip D. Kenneson, “There’s No Such Thing as Objective Truth, and It’s a Good Thing, Too.” Christian Apologetics in the Postmodern World, ed. Timothy R. Phillips and Dennis L. Okholm (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1995), 155-70.

الدفاعيات والثقافة المعاصرة من الحداثة وما بعد الحداثة – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

الدفاعيات والثقافة المعاصرة من الحداثة وما بعد الحداثة

الدفاعيات والثقافة المعاصرة من الحداثة وما بعد الحداثة – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

عن كتاب: الدفاعيات المجردة لأليستر ماكجراث

 
الدفاعيات والثقافة المعاصرة من الحداثة وما بعد الحداثة – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

الدفاعيات والثقافة المعاصرة من الحداثة وما بعد الحداثة – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

 

        دائما ما تتم الدفاعيات في إطار ثقافي محدد. فالمرسلون المسيحيون إلى الصين والهند سرعان ما اكتشفوا أن الأساليب الدفاعية التي نجحت في أوروبا الغربية لم تكن فعالة في آسيا. وكان لابد من وضع منهجيات جديدة تتلاءم مع المناخ الثقافي والأنماط الفكرية التي تميز هذه المناطق. وهو ما يعني أن المنهج الدفاعي الذي يأتي بنتائَج عظيمة في إطار ثقافي معين قد يُثبت عدم فاعليته، بل قد يأتي بنتائج عكسية في إطار ثقافي آخر.

الدفاعيات والحداثة:

        عادةً مايُطلق على البيئة الثقافية التي سادت الغرب منذ حوالي سنة 1750 إلى1960مصطلح “الحداثة” “modernity”. وقد قام هذا الفكر على الاعتقاد بشمولية العقل البشري، أي أن هناك عقلاً مشتركًا يشمل جميع الناس والأزمنة، وهو قادر على إدراك أعمق أنظمة العالم. وكان العقل هو المفتاح الذي كشف غوامض الحياة، وكانت الحجة هي أداته في الإقناع. وأصبحت الحجة العقلية هي الأداة الموثوق بها في هذه الحقبة الثقافية. وسرعان ما أدرك العاملون في حقل الدفاعيات المسيحية أهمية هذا التطور. وأصبح الدفاع العقلاني عن الإيمان على درجة عالية من الأهمية.

        وكانت نوعيات الدفاعيات التي صممها الكُتَّاب المسيحيون للتفاعل مع الحداثة تركز على إظهار الأسس المنطقية والعقلانية للإيمان. وتم تأسيس العقائد الصحيحة على فرضيات صحيحة قامت بدورها على قواعد المنطق العقلانية. وهكذا، أصبح يُنظر إلى الدفاعيات، في المقام الأول، باعتبارها حججًا تقوم على المنطق وتُخاطب العقل البشري. وبينما تميزت هذه المنهجيات بالكثير من نقاط القوة، إلا أنها تجاهلت جوانب العلاقاتية والتخيلية والوجودية في الإيمان. وكما أشرنا آنفا “بليز باسكال” عَبَّر عن استيائه من الإفراط في التركيز على العقل. فماذا عن القلب البشري؟ وقد قال إن للقلب منطقه الخاص الذي يقوده للإيمان ولايمكن للعقل إدراكه.

        ومن النتائج الهامة لتأثير العقلانية على الدفاعيات المسيحية التقليل من أهمية كل مايُنظر إليه باعتباره “غير عقلاني” أو “غير منطقي” في الفكر المسيحي، مثل تعليم الثالوث. ولم يدافع عن هذه الفكرة في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر سوى القليل من المدافعين المسيحيين، إيمانًا منهم أنه يضع العقلانية المتشددة التي سادت عصرهم في موقف حرج. ولم يعاد اكتشاف الأهمية اللاهوتية لتعليم الثالوث ولم تُسترد الثقة في أسسه واتساقه المنطقي إلا بعد الحرب العالمية الأولى عندما تَلَقَّت عقلانيةُ عصرِ التنويرِ ضربةً قاسيةً مِن لاعقلانيةِ الحرب العالمية الأولى.

        ومع ذلك، استجابت الدفاعيات المسيحية بوجه عام استجابة جيدة لتحديات العقلانية، ووضعت منهجيات جديدة في الدفاعيات تتفق مع “روح العصر”. وقد افرز هذا العصر بعض الأعمال التي تمثل علامات بارزة على طريق الدفاعيات. فقد ألَّف “إدوارد جون كارنل” Edward John Carnell (1919- 1967) كتابًا يُعَد نموذجًا للدفاع المنطقي الانجيلي[1] عن الإيمان المسيحي.[2] إلا أنه بمرور الوقت أصبحت كثرة استخدام هذه المؤلفات تسبب مشكلة، لسببين:

  1. كل عصر يُوَلِّد شكوكه وتحليلاته وانتقاداته الخاصة بشان الإيمان المسيحي. فالكثير من القضايا التي اعتبرها “كارنل” وغيره من مدافعي هذا العصر قضايا مهمة تبدو اليوم قليلة الأهمية. وقراءة المؤلفات الأقدم في مجال الدفاعيات تشبه بحق الذهاب في رحلة عبر الذاكرة تزينها أسماء الكُتاب والمجادلات التي أصبحت لا تمت بصلة للعصر الحاضر .
  2. الكثير من مدافعي عصر الحداثة تفاعلوا مع محيطهم الثقافي مستخدمين منهجيات رأوا أنها تلائم جمهورهم، ومنها الاعتماد على الحجة العقلانية بوصفها الأساس لبناء ايمان موثوق به. ومقياس نجاح الدفاعيات، كما سنرى، هو قدرتها على إثارة اهتمام جمهور بعينه والتواصل معه. إلا أن فرضية الحداثة التي تعطي الأولوية للعقلانية أصبحت الآن موضع شك، مما يشكل صعوبات امام المنهجيات الدفاعية التي تقوم على العقلانية أو تستند إليها.

          ومن المشكلات التي تنشأ هنا أن المناهج العقلانية في الدفاعيات تميل إلى الحد من العنصر السري الباطني في الايمان المسيحي لكي تُقَرِّب المسيحية إلى العقل. ولكن الانجيل يحوي بعض الأفكار الإلهية التي تتجاوز قدرة العقل البشري. حتى إن المدافعين، حتى يكسبوا المجادلة مع خصمهم، أحيانًا ما يستعيرون فرضيات الخصم. وهكذا يمكن أن تتحول ميزة تكتيكية إلى ضرر استراتيجي. فخطورة النماذج الدفاعية التي تتعامل مع المذهب العقلاني أنها غالبًا ما ينتهي بها الحال إلى استيراد العقلانية إلى المسيحية، بدلاً من تصدير الإنجيل إلى الثقافة العقلانية.

صعود تيار ما بعد الحداثة:

          تواجه مسيحية الغرب في مطلع القرن الحادي والعشرين محيطًا ثقافيًا أكثر تعقيدًا وتنوعًا مما اعتاده المدافعون في منتصف القرن العشرين. فالآن أصبح المسيحيون أفرادًا وجماعات يعيشون في عالم ما بعد الحداثة. والمناهج الدفاعية التي نجحت في الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن العشرين أصبحت نشازًا في المناخ الثقافي الذي أعقب هذه الفترة.

ظهر مصطلح “ما بعد الحداثة” ”postmodernism” حوالي عام 1971. وقد استُخدم بادئ الأمر للإشارة إلى طراز معماري جديد، لكنه ىسرعان ما انسحب على عالم الأفكار. وأصبح مصطلح ما بعد الحداثة يشير إلى الاعتقاد الثقافي المتنامي القائل بفشل الحداثة وضرورة إصلاحها. وقد ركز هذا الاتجاه في البداية على إخفاقات “الفن الحديث” في التفاعل مع الخيال البشري، ولكنه سرعان ما امتد إلى القضايا الاجتماعية والمشكلات الناتجة عن الاعتقاد السائد بحتمية التقدم، مثل حتمية تحول المجتمعات إلى التصنيع “industrialization” وحتمية الامتداد الحضري “urbanization”. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الحركة الناشئة لم تُسمِّ نفسها بأنها “مضادة للحداثة” ”antimodernism”. فحركة ما بعد الحداثة لا ترفض كل جوانب الحداثة، ولكن دعاتها يعتبرونها محاولة لدمج أفضل ما في العالم الحديث بأفضل عناصر التقاليد الكلاسيكية والتخلص من الجوانب الغير مرغوب في كلٍ منهما.

وقد تعرضت حركة ما بعد الحداثة لنقد لاذع بسبب ضحالتها الفكرية، ولاسيما من حيث أنها تنتقي عناصرها من أكثر من مذهب. فمن الذي يقرر ما نختاره من الماضي والحاضر وندمجه في مذهب واحد؟ إلا أن الحجة التي يقدمها كُتاب ما بعد الحداثة هي أن الحركة تمثل محاولة لدفع المجتمع والفكر للأمام على نحو يستفيد من أفضل أفكار الماضي دون أن يسقط في في فخاخه. فمن أهم ما يعنون به مثلاً مقاومة “الأنظمة الشمولية” الكاسحة مثل الماركسية التي كانت من أبرز خصائص الحداثة التي أصبحتمن أبرز خصائصالحداثة التي أصبحت اليوم تُعتبر قميصًا فكريًا وثقافيًا يضيق بمن يرتديه. وكما سنرى بعد قليل، هذا النقد لهذه “الأحادية” “uniformitarianism” التي برزت في فكر الحداثة له أهمية كبيرة في الدفاعيات المسيحية.

فكيف نستجيب إذًا لهذا التحول الثقافي الكبير؟ ربما الخطوة الأولى أن نضع هذا التطور في حجمه الحقيقي، ويساعدنا على ذلك أن نمعن النظر في تاريخ الكنيسة. فكل جيل يعتقد أنه يقف في نقطة حرجة من التاريخ. فحتى القديس أغسطينوس أسقف هيبو الذي كتب في مطلع القرن الخامس ذكر أن الكثيرين من معاصريه كانوا يتوقون لأيام الماضي الجميل عندما كانت المسيحية تحظى بالدعم والأمن من الامبراطورية الرومانية. وكذلك “برنارد الذي من كليرفو” Bernard of Clairvaux الذي كتب بعد أغسطينوس بسبعمائة سنة، أشار إلى ما شعر بها الكثيرون في عصره من حنين لعصر أغسطينوس. والكثير من كُتاب القرن السادس عشر عبَّروا عن اشتياقهم أن يعيشوا في عصر “برنارد الذي من كليرفو”، لأن أيامه كانت أفضل بكثير! فمن السهل جدًا أن نرى أن الماضي كان أفضل. ولكن علينا أن نتذكر أننا نميل إلى إضفاء صبغة مثالية رومانسية على الماضي، وخاصةً إن كنا لانجد لنا مكانًا في الحاضر ونشعر باغترابنا عنه.

إلا أن مهمتنا ألا نظل أسرى الحنين للماضي، بل أن نتعامل مع تحديات الحاضر مستغلين أساليب الدفاعيات التي استُخدِمَت في الماضي طالما أنها مفيدة (وهي غالبًا كذلك). والدفاعيات غالبًا ما تعمل في مواجهة مايطرأ على المحيط الثقافي من تحولات. إلا أن الإنجيل لا يتغير، ولكن الاسئلة المطروحة عنه والتحديات التي يواجهها هي التي تتغير تغيرًا كبيرًا حسب الإطار الثقافي. فقد اجتاح مد الحداثة المشهد الثقافي في فترة معينة من التاريخ ولكنه الآن يتراجع مفسحًا الطريق لحركة ما بعد الحداثة التي أصبحت هي التيار السائد. وفي المستقبل قد يتغير الوضع تمامًا.

ويجب ألا ينزعج المدافعون المسيحيون من صعود تيار ما بعد الحداثة، لأن الإيمان المسيحي يمتلك موارد وفيرة تمكنه من مواجهة هذا التحدي. كل ما في الأمر أننا لم نستخدم بعضها على مدى عصور طويلة لأنها لم تكن ملائمة للنظرة الحداثية. ولا شك أن صعود تيار مابعد الحداثة يضع تحديات حقيقية أمام الدفاعيات المسيحية، إلا أنه من الواضح أن يخلق أيضًا فرصًا حقيقية. ومن الواضح أيضًا أن هذا الاتجاه الثقافي الجديد يشكل تحديات أمام الكنائس من حيث إنه يجبرها على أن تعيد النظر بشكل جاد في بعض الأمور. فهل الأساليب المتبعة في الكرازة بالإنجيل هي الأفضل؟ أم أنها تضرب جذورها في اتجاه فكري قديم حتى إنها تسقط مع سقوط الحداثة؟

يرى الكثير من المدافعين الغربيين الأصغر سنًا أن المسيحية أصبحت شديدة التداخل مع الأنظمة المحببة في الحداثة؛ تلك الفترة المزدهرة في تاريخ أوربا الثقافي التي سادت من حوالي سنة 1750 حتى 1960. ومن ثَمَّ، صعود تيار ما بعد الحداثة يتيح الفرصة لمراجعة هذا الاتجاه. فالحقائق التي اعتبرها الكُتاب السابقون ضرورة لاهوتية ربما يثبت أنها كانت فقط تتماشى مع ثقافة عصرهم أو أنها كانت مرتبطة بحقبة تاريخية معينة.

كيف يمكننا إذًا أن نشرح الإنجيل أو ندافع عنه أو نوصله في هذا الوضع الثقافي المتغير؟ بينما أؤمن أن اتجاه ما بعد الحداثة يمثل صعوبة فكرية من حيث إمكانية الدفاع عنه والحفاظ عليه، إلا أنني أقبل أنه مازال يُشكِّل المدارك الثقافية للناس. وعلينا أن نصل إليهم في النقطة التي يقفون فيها، لا النقطة التي نرى نحن أنهم يجب أن يكونوا فيها. وعلى أي حال، فأنا أؤمن أيضًا أنه يتيح لنا فرصًا جديدة للكرازة بالإنجيل وتوصيله، وهذا ما سأتناوله لاحقًا.

يظن بعض المدافعين الأقدم أن أفضل طريقة لإعلان الانجيل في محيط ما بعد الحداثة أن نحاول إعادة الناس إلى الحداثة. ولكن هذا الأسلوب خاطئ ومستحيل. ولن أدافع، في هذا الكتاب، لا عن الحداثة ولا ما بعد الحداثة ولن أنقد أيًّا منهما. كل ما سأفعله أني سأعتبرهما “معطيات” ثقافية شَكَلَّتها الحداث التاريخية وسافترض أن لكُّل منهما نقاط قوة ونقاط ضعف. فلا شك أن تيار ما بعد الحداثة يضع أمامنا بعض التحديات، ولكني أظن أن الكنيسة قادرة على التصدي لها والاستفادة منها.

 

الدفاعيات وحركة ما بعد الحداثة:

ما هي إذًا القضايا الأساسية في مذهب “ما بعد الحداثة” الذي نتحدث عنه؟ أصبح التقليد المقدس في هذا المضمار هو أن نبدأ أي حديث عن حياة الكنيسة وشهادتها في عصر ما بعد الحداثة بطرح أكاديمي مفصل للنشأة التاريخية لحركة ما بعد الحداثة، وجذورها الفسلفية، ومضامينها الثقافية، مع تزيينه ببعض الملاحظات الحصيفة التي تشير إلى أن المصطلح يتسم في حد ذاته بالميوعة التي قد تصل إلى حد التضليل. إلا أنه من الواضح أن هذا المذهب يمثل شيئًا لايستهان به حدث في الثقافة الغربية أثناء الحقبة الماضية حتى لو كان وصفه وصفًا دقيقًا مازال يشكل صعوبة.

قد تكون أكثر السمات المميِّزة لاتجاه ما بعد الحداثة هو رفضه لمِا سأطلق عليه الأحادية، أي الإصرار على أنه لا توجد إلا طريقة واحدة صحيحية للتفكير، وطريقة واحدة صحيحة للسلوك، ويرى كُتاب ما بعد الحداثة أن هذه التوجهات هي ما تكمن وراء النازية والستالينية اللتين يعتبرونهما الوجه المرئي غير المقبول للأحادية. وهم يرون أن الدعوة للتوحيد والتنميط تؤدي إلى القهر من حيث إن الناس يُجبَرون على الدخول في قالب واحد وحيد سابق التجهيز، حيث يُختزل” الآخر” “the other” بلا هوادة إلى “المِثل” “the same”، على حد تعبير بعض فلاسفة ما بعد الحداثة البارزين.

وهكذا يمكن اعتبار تيار ما بعد الحداثة رد فعل مضادًا لهذه الأشكال من التفكير التي يعتبرها هذا التيار الجديد قهرية. ومن ثمَّ، خلق بدلاً منها مناخًا ثقافيًا يحترم التنوع ويسعى لتقويض تلك النظرة الجامدة المُقَيَّدة القهرية. فهو في المقام الأول رد فعل ضد الحداثة التي حاولت اختزال كل شيء لمجموعة موحدة من الأفكار في محاولة للتحكم في الآخرين والسيطرة عليهم، مما يجعلها نوعًا من الستالينية الفكرية أو الثقافية التي تتسم برفضها للتنوع في قراءاتنا للعالمَ. وهكذا ترى مدرسة ما بعد الحداثة أن الحرية الإنسانية مرهونة بالنجاح في تحديد ما يتحكم في الناس من “قصص كبرى” “metanarratives”[3] ومواجهتها ثم تقويضها.

        إلا أنه من الإنصاف أن تشير إلى أن تيار ما بعد الحداثة أيضًا له قصصه الكبرى المميِّزة التي ترقى فوق النقد. بل إن بعض هذه القصص الكبرى أصبحت التقليد القويم السائد في بعض قطاعات الثقافة الغربية، مما يطرح أسئلة جوهرية على دعاة ما بعد الحداثة الذين يرفضون “الصورة الكبرى” للواقع. ولنأخذ مثلاً من يؤمنون بالنسبية التي تقول بأن كل وجهات النظر في موضوعٍ ما على نفس الدرجة من الصحة حتى لو كانت تبدو ظاهريًّا غير متوافقة بعضها مع بعض. وهذا الموقف يقوم أساسًا على فهم للواقع (بل يمكن أن تقول “قصة للواقع” أو قصة كبرى) يتعارض تعارضًا واضحًا وصريحًا مع قصص أخرى للواقع تنظر إليه، ولو من حيث المبدأ، باعتباره مفتوحًا للخبرة العامة وللنقاش العام.

        والواقع أنه ليس من السهل وضع تعريف محدد لمصطلح ما بعد الحداثة، حتى إن كبار روادها ينظرون إليها بطرق مختلفة، ويقول بعضهم إنها بطبيعتها لابد بالضرورة أن ترفض أي شكل من أشكال التعريفات. وهكذا، يصبح أقصى ما نصبو إليه اقتراح توصيف أو نوع من الوصف المختصر لما بعد الحداثة. وفيما يلي سأطرح شرحًا حديثًا ثاقبًا يجلو الغموض عن الموضوعات الرئيسية في تيار ما بعد الحداثة أقتبسه من كتابات “كفن فانهوزر” Kevin Vanhoozer، وهو أحد أساتذة اللاهوت الإنجيليين البارزين في “كلية ويتون” Wheaton College بولاية إلينوي.[4]

        يرى “فانهورز” أن ظاهرة ما بعد الحداثة المعقدة يمكن تلخيصها في أربعة انتقادات توجهها لطرق التفكير الأقدم:

  • العقل: يشير “فانهوزر” إلى أن كُتاب ما بعد الحداثة ينظرون بعين الريبة إلى منهج الحداثة الذي يقوم على أن الحجة هي أداة التفكير المنطقي. فبينما كانت الحداثة تؤمن بعقل شامل وحيد، ترى ما بعد الحداثة أن هناك أنواعًا كثيرة ومختلفة من العقلانية. “إنهم يرفضون فكرة العقلانية الشاملة، والعقل عندهم أمر نسبي يتوقف على المحيط الموجود فيه.”
  • الحق: يقول “فانهوزر” إن مدرسة ما بعد الحداثة تشك في فكرة الحق بسبب استخدامه في تقنين القهر، أو تبرير الامتيازات الممنوحة للبعض. وهي تعتبر أن الحق “قصة جذابة يرويها أشخاص في مواقع السلطة ليبقوا على رؤيتهم للعالم الطبيعي والاجتماعي وتنظيمهم له.”
  • التاريخ : يرى “فانهوزر” أنه بينما حاول كُتاب الحداثة إيجاد أنماط عامة موحدة تشمل التاريخ، فإن ما بعد الحداثة “ترفض الإيمان بالقصص التي تحاول تقديم نوع من التاريخ العام الموحد.” وهو ما يعني من وجهة نظر المدافعين المسيحيين أن أي محاولة لاكتشاف مغزى عام في قصة يسوع الناصري سينظر إليه بعض المنتمين إلى ثقافة اليوم بقدر كبير من الشك.
  • الذات: يشير “فانهوزر” إلى أنه تبعًا لما سبق. يرفض تيار ما بعد الحداثة أي فكرة تقول بوجود “رواية واحدة صحيحة لتاريخ الشخص”، وبالتالي يخلص تيار ما بعد الحداثة إلى أنه “ليست هناك رواية واحدة صحيحة لهوية المرء.” وهكذا تصبح كل أساليب فهم الفرد لنفسه مفتوحة النهاية وجزئية. وليست هناك إجابة موحدة للسؤال عن ماهية الهوية الانسانية.[5]

وتكمن أهمية تحليل “فانهوزر” في أنه يساعد على تحديد ماستواجهه المناهج الأقدم في الدفاعيات المسيحية من عثرات وشكوك في أطر ما بعد الحداثة. إلا أنه من الواجب ملاحظة نقطتين على وجه الخصوص :

  • يجب ألا ننظر أبدًا إلى ما بعد الحداثة على أنها تعطي تعريفًا لما هو “صواب” أو “حق”. ولكنها مناخ ثقافي شَكَلَّتَه قيم ومعتقدات معينة. وتيار ما بعد الحداثة، مثل الحداثة، هو في الأساس نظرة علمانية، فلا هو ضد المسيحية ولا مؤيدًا لها. ولكنه يعكس إطارًا ثقافيًا علينا أن نقدم فيه الدفاعيات.
  • الكثير من المنهجيات الدفاعية التي نعتبرها “تقليدية” قديمة هي في الواقع منتجات حديثة نوعًا ما وتمثل استجابات لإطار الحداثة. فالمدافعون الذي أرادوا أن يخاطبوا الحداثة وضعوا منهجيات مصممة خصيصًا لفرضيات الحداثة، وأهمها أولوية العقل.

        علينا أن ندرك أن لنا الحرية في تصميم المنهجيات الدفاعية التي تقدم الإنجيل بأمانة من ناحية، وتلائم محيطنا الثقافي من ناحية أخرى. وبذلك نكرر أسلوب “الدفاعيات التقليدية” في استجابتنا لما يطرأ من تغيرات على المحيط الثقافي الذي نخاطبه. فلا يمكننا استخدام منهج صُمم ليخاطب عقلانية القرن الثامن عشر للدفاع عن الإيمان مع أبناء القرن الحادي والعشرين الذين يعتبرون العقلانية فكرة بالية ومُقَيِّدة.

        فمثلاً تيار ما بعد الحداثة يعتبر الاستناد إلى الحجج العقلانية مشكلة. ولكنه ينجذب بشدة للقصص والصور. علاوة على أن اتجاه ما بعد الحداثة يُقدر الحق الذي يُثبت قابليته للتطبيق في الحياة العملية أكثر من الحق الذي يتم التدليل عليه بالحجج العقلية. وهذا يساعدنا أن ندرك سبب أن “الدفاعيات المتجسدة” “incarnational apologetics” التي تؤكد الأهمية الدفاعية للحياة الأمينة الشاهدة أصبحت شديدة التأثير في السنوات الأخيرة. وكما سيتضح في فصل لاحق، يمكننا عادةً التصدي بسهولة لهذا التحدي الجديد، ليس باختراع منهجيات جديدة في الدفاعيات بل باستعادة منهجيات أسبق جعلها صعود العقلانية تبدو قديمة الطراز.

وكما سنرى، قد يؤدي صعود تيار ما بعد الحداثة إلى تغيير بعض ما نتبناه من أساليب، ولكنه لايُبطل مهام الدفاعيات المسيحية ولا أسسها الفكرية. فالمبادئ الأساسية تبقى دائمًا دون تغيير:

1.افهم الإنجيل.

2.افهم الإطار الذي تقوم فيه بالدفاعيات.

  1. صمم أساليب دفاعية تقدم الإنجيل بأمانة وتبني على “أرضية مشتركة” أو “نقاط التقاء” مع الإطار الثقافي.

 

المنهج المعتمد في هذا الكتاب:

        تتعدد طرق تقديم الدفاعيات. فبعض الكتب تستخدم منهج “دراسة الحالة” بتقديم عدد من الاعتراضات أو الصعوبات المتعلقة بالإيمان المسيحي. ثم يتم دراسة كلٍ منها وتقديم الإجابات لها. وبعض الكتب تستند إلى الأدلة التاريخية أو العقلانية التي تثبت صحة الإيمان. في حين تنطلق فئة أخرى من مبدأ أنه لا يمكن فهم العالم دون أن تكون المرجعية لله. إلا أن هذا الكتاب لا يعكس أي منهج لأي مدرسة من مدارس الدفاعيات، بل يهدف إلى تمكين مستخدميه من التفكير بأسلوب دفاعي، مستفيدًا من أفضل الدفاعيات لدراسة القضايا المطروحة.

        ويمكن إيجاز المنهج الأساسي للكتاب في سلسلة الخطوات التالية. وسوف نتناول كلاً منها بمزيد من التفصيل فيما بعد. ولكني في هذه المرحلة أكتفي بعرضها.

  • افهم الايمان :

       أولاً، فهمك للإيمان المسيحي فهمًا جيدًا هو أمر أساسي. إلا أن هذا الفهم يجب أن يشتمل على بعد دفاعي. أي أنه علينا أن نفكر كيف يمكن للموضوعات الرئيسية في الإيمان أن تتلامس مع الناس وتتفاعل مع خبراتهم وأفكارهم، وهو ما يتطلب محاولة تكوين “نظرة من الخارج” للإيمان وطرح السؤال: كيف يتجاوب غير المؤمن مع الجوانب الجوهرية في الإنجيل؟ بدلاً من أن ينصب كل اهتمامنا على القضايا التي تشغل المؤمنين.

       فمثلاً قد يسأل أحد أساتذة الكتاب المقدس السؤال التالي: ” كيف يساعدنا مثل الابن الضال في فهم علاقة يسوع الناصري بالديانة اليهودية؟” أما المدافع يسأل سؤالاً مختلفًا، مثل: “كيف يساعدنا هذا المثل في فهم عالم الشخص غير المؤمن؟” فالمدافع عليه أن يكتشف كيف يمكن لما يحويه الإيمان من أفكار وقصص وصور ذهنية أن يتفاعل مع واقع الحياة اليومية.

  • افهم جمهورك :

       ثانيًا، من المهم أن تفهم الجمهور الذي تخاطبه. من هم؟ رأيت من خبرتي الشخصية أن الناس يختلفون اختلافًا كبيرًا، كما كان الحال في زمن العهد الجديد. قارن بين الأساليب التي استخدمها بطرس في خطابه لجمهور يهودي (أع2) وأساليب بولس وهو يخاطب جمهورًا يونانيًا (أع17) ولاحظ الاختلاف الجذري بين الاثنين. سترى أن الإنجيل الذي يقدمه كلاهما ويبرز جماله إنجيل واحد ولكن الطرق مختلفة تمامًا تلائم العالم الذي ينتمي إليه كلٌ من هاتين الفئتين المختلفتين. فكل جمهور له أسئلته واعتراضاته ومشكلاته التي يجب التفاعل معها، وله كذلك “نقاط التقاء” وأبواب مفتوحة أمام الإيمان.

       ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن المعرفة بالإيمان المسيحي تختلف اختلافات شاسعة من جمهور لآخر. فبعض الناس ليس لديه أي معرفة بالكتاب المقدس، ويعتبره لا يمت بصله له على الإطلاق. وبعضهم مازال يحتفظ في ذاكرته ببضعة نصوص كتابية ويُكن تجاهها مشاعر طيبة، مثل (مزمور1:23) “اَلرَّبُّ رَاعِيَّ.” والناس مختلفون اختلافًا كبيرًا أيضًا في انتماءاتهم الثقافية. فبعضهم يتبنى مفاهيم الحداثة، في حين أن مجموعة أخرى تتبنى مفاهيم ما بعد الحداثة. بعض الناس يحب الأدب الكلاسيكي، بينما يُفضل آخرون الحديث عن أحدث المسلسلات التلفزيونية. بعض الناس يفكر بأساليب مجردة جدًا، في حين أن آخرين يستخدمون الصور أو القصص كأدوات للتفكير. وفي كل حالة ينبغي أن نجد الطريقة المثلى لتوصيل الإيمان المسيحي بلغة تناسب خبرة المستمع ومعرفته.

  • تواصَل بوضوح:

       ثالثًا، علينا أن نترجم إيماننا إلى لغة يفهمها مستمعونا. وقد تساعدنا في هذا الصدد المناقشات الدائرة حول الترجمة الكتابية حيث إنها تلفت انتباهنا لضرورة توصيل رسالة الكتاب بلغة عصرية مفهومة، كما أشار “سي. إس. لويس” في ملاحظة حكيمة قائلاً: “مهمتنا أن نقدم ما لازمن له (هو هو أمس واليوم وغدًا- عب 13 :8) بلغة زماننا.”[6] إن امتيازنا ومسئوليتنا أن نُعبر عن حق الإنجيل الذي يصلح لكل زمان بلغة وصور ذهنية تلائم مستمعينا. ولذلك، فالمدافع هو شخص يترجم حقائق الإيمان إلى لغة الثقافة الدارجة.

  • ابحث عن نقاط التقاء:

       رابعًا، يجب علينا أن نحدد ما في الثقافة والخبرة الإنسانية من نقاط التقاء مع الإنجيل. فالله لم يترك نفسه بلا شاهد في التاريخ أو الثقافة أو الخبرة الإنسانية (أع 14 : 17) ومهمتنا أن نحاول تحديد ذلك الشاهد (سواءٌ أكان في الطبيعة، أو المجتمع، أو العُرف الأخلاقي) ونستخدمه باعتباره نقطة تلاقي لإعلان الانجيل.

  • قَدِّم الإنجيل كله:

      خامسًا، لابد أن نحترس من أن نُفقر نداء الإيمان المسيحي بأن نحصره في الأجزاء التي نستمع بها شخصيًا أو نراها جذابة لنا. فقد أكد “سي. إس. لويس” أن المدافع لابد أن يميز تمييزًا دقيقًا بين “الرسالة المسيحية” و”أفكاره الخاصة.” وإن فشلنا في هذا التمييز فلن نقدم للمستمعين الإنجيل بل سنقدم لهم من الانجيل مانراه مهمًا وشيقًا. ويرى “لويس” أن الفخ الذي قد نقع فيه من التركيز على ما يعجبنا شخصيًا ومانقبله يُفقر الإنجيل. وينتهي بنا الأمر إلى الإعلان عن أنفسنا في الوقت الذي يجب فيه أن نعلن عن المسيح.

      إلا أن تأثير الإيمان المسيحي على حياتنا مهم في حد ذاته في الدفاعيات. لماذا؟ لأنه يشهد على قدرة الإنجيل على تغيير وجود الشخص. ويقصد “لويس” أننا لابد ألا نقدم المسيحية انطلاقًا من تفضيلاتنا الشخصية، بل نُظهر قدرتها على التفاعل مع أعمق مستويات الوجود البشري، أي مع قلوبنا، وعقولنا، وأرواحنا.

        ويجب ألا نُقَيِّد نداء المسيحية بالحد من الوسائل المستخدَمة لتوصيلها. فالكثيرون من المسيحيين في الغرب يركزون على الأفكار الجوهرية في المسيحية ويعتبرون الدفاعيات هي الدفاع العقلاني عن الحق المسيحي. وهنا أريد أن أوضح أن هذا صواب، وهو جيد ولكنه ليس الأفضل، وهو لا يمثل الحقيقة كلها، لأننا لابد أن نسير خطوة أبعد وننتبه أن الكتاب المقدس يستخدم صورًا ذهنية وقصصًا وأفكارًا ليوصل رسالته المحورية. وقد استخدم يسوع الناصري الأمثال لتوصيل الموضوعات الأساسية في ملكوت الله. وقد نجحت هذه القصص في غرس بعض الأفكار الجوهرية في أذهان مستمعيه. فكيف يمكننا اليوم أن نفعل ذلك؟

6- لاتكف عن الممارسة:

 سادسًا، الدفاعيات ليست مجرد نظرية، ولكنها ممارسة. علينا أن نعرف كيف نطبق الأفكار والأساليب الدفاعية في حياتنا اليومية؛ في حواراتنا، ومناقشاتنا، ولقاءاتنا، وفي كل تفاعلاتنا مع الآخرين. فالدفاعيات علم وفن. أي أنها تجمع بين المعرفة والحكمة. وهي تشبه الطبيب الماهر الخبير الذي يعرف نظريات الطب معرفة جيدة، ولكنه لابد أن يطبقها على مرضاه، وهو ما يتطلب أن يشعر بهم ويفكر في أفضل الطرق لمساعدتهم باكتشاف مشكلاتهم الحقيقية وإيجاد وسيلة لتوصيل المصطلحات الطبية لهم بلغتهم العادية وشرح كيفية التعامل مع المرضى.

          وسوف نتناول هذه الموضوعات الستة في الفصول التالية في دراستنا للموضوعات والمنهجيات المهمة في الدفاعيات المسيحية.

خطوة للأمام:

        تناولنا باختصار بعض الأسئلة الأولية المتعلقة بالدفاعيات. وبذلك أصبح المسرح مُعَدًا لدراسة أوسع فيما يلي حيث نعالج بعض هذه الموضوعات بمزيد من التفصيل. وسنبدأ بتناول الأسس اللاهوتية العميقة التي تقوم عليها الدفاعيات المسيحية.

 

 

[1] مصطلح “إنجيلي” evangelical في هذا الكتاب لا يشير إلى الطائفة بل إلى الاتجاه المحافظ في التفسير الكتابي مقابل الاتجاه الليبرالي المتحرر. (المترجمة)

[2] Edward John Carnell, An Introduction to Christian Apologetics (Grand Rapids: Eerdmans, 1948). For an analysis, see Kenneth C. Harper, “Edward John Carnell: An Evaluation of His Apologetics,” Journal of the Evangelical Theological Society 20 (1977), 133-46.

 

[3] يشير المصطلح في تيار ما بعد الحداثة إلى الأفكار التي تُقدم للمجتمع لإضفاء المشروعية على آليات التحكم فيه، وقد رفضها تيار ما بعد الحداثة، ويعتبر الفيلسوف “جان فرانسوا ليوتارد” “Jean-Francois Lyotard” رائدًا في استخدام المصطلح. (المترجمة)

[4] Kevin Vanhoozer, “Theology and the Condition of Postmodernity,” in The Cambridge Companion to Postmodern Theology, ed. Kevin Vanhoozer (Cambridge: Cambridge University Press, 2003), 3-24.

[5] يعلق المفكر المسيحي د. ماهر صموئيل على أهمية ملاحظة اختلاف الواقع العربي عن الواقع الغربي من جهة مدى اتصاله بهذا التطور الفكري الذي حدث في الغرب. فالثقافة السائدة في المجتمع العربي حتى الآن تميل إلى ثقافة ما قبل الحداثة، وإن كانت بدأت تنحسر الآن مد العولمة وثورات الربيع العربي لحساب الحداثة، وبنسبة أقل لما بعد الحداثة. لذلك، على من يتصدون للدفاعيات المسيحية في العالم العربي أن يعوا أنهم يتعاملون مع ثلاثة أنظمة فكرية تسود المجتمع في الوقت نفسه. ولكن أهمها من وجهة نظره هو الحداثة. وبالتالي، على المدافعين أن يكثروا من استعمال الحجة المنطقية. (المترجمة)

[6] Lewis, “Christian Apologetics,” C. S. Lewis: Essay Collection (London: Harper Collins, 2000), 151.

كلمة إلى المهتمين بالدفاعيات المسيحية – د. يوسف يعقوب

كلمة إلى المهتمين بالدفاعيات المسيحية – د. يوسف يعقوب

كلمة إلى المهتمين بالدفاعيات المسيحية – د. يوسف يعقوب
 

كلمة إلى المهتمين بالدفاعيات المسيحية – د. يوسف يعقوب 
لطالما اعتقدت أن كل من يعيشون في “العالم الأول” هم أذكى خلق الله، و بالذات طلاب الجامعات. فهؤلاء من يعيشون في “أوروپا و الدول المتقدمة” يملكون كل ما أحلم به من موارد ثقافية و فكرية التي تمكنهم من التفكير المنطقي المستنير لمعرفة الإجابات عن أسئلة الحياة الصعبة. هؤلاء مستقلّون! الموضوعية لغتهم، والحق غايتهم.

هم ليسوا “مثلنا”، يؤمنون عمياناً، يصدقون تسليماً، يخافون الأسئلة الصعبة، يخشون و يشوهون الآخر (فقط لأنه آخَر)، و يكفّرون المتحيرين. 
في العام الماضي حظيت بالفرصة التي دمت أحلم بها، لقد ذهبت هناك لأدرس. قضيت سنة في دراسة اللاهوت و فلسفة الأديان في واحدة من أشهر الجامعات العالمية. بكل المقاييس، قد كانت سنة فاصلة في حياتي. أشعر بامتنان وقشعريرة كلما تأملت في روعة تلك السنة. ولكن مع هذا اكتشفت أن تخيلي عن جنة الفكر تلك كان ساذجاً. 

لقد كانت الأحاديث والمناقشات جزء أساسي من دراستي، فقد تعمدت أن أتحدث مع من يختلفون معي متوقعاً أن أتحدى فكري و فكرهم. ها قد كنت، بكل ما تعلمته من حُجج و أدلة “تُثبت” وجود الله وحقيقة الإيمان المسيحي أحاول إقناع المشككين. لكن على رغم ما توقعت، تحطمت تلك الصورة التي كانت في مخيلتي. فقد ذُهلت من موقف الكثيرين من وجود الله و من أسئلة الحياة الصعبة. لم أجد ثقة بل تشويش، لا استنارة بل جهل، لا تشكيك (skepticism) بل لامبالاة. 

ومع ذلك استمريت في استخدام ما يسميه اللاهوتيين بالدفاعيات الكلاسيكية (classical apologetics)، وهي تستخدم حُجج فلسفية مُحكمة ومجردة (أي بدون الإستعانة بأي آيات أو معتقدات من الكتاب المقدس والمسلمات المسيحية) “لإثبات” وجود الله. لكن في كثير من أحاديثي، وجدت نفسي تحت ضغط أن أسأل بعض الأشخاص (بعضهم ممن ادّعى الانتماء بشكل أو بآخر للمسيحية) عما يعنون عندما يستخدمون لفظ الله. فاجأتني الإجابات وفي مراتٍ أضحكتني. وصفه البعض كرجل كهل بلحية بيضاء يراقبنا من فوق، أو كحمامة ترفرف فوق السحاب، أو كقوة غير مرئية كالجاذبية، أو كساحر دهي يمِنّ علينا بالمعجزات كل حين أو آخر وصور أُخرى كثيرة.

وجدت صورًا مشوهة عن الله، هجين من مفاهيم مسيحية وفلسفات و أديان أخرى. وكالمتوقع، يُعلِق الكثيرون بعد وصفهم لصورة الإله تلك قائلين: “لكني لا أؤمن بوجود الله من الأساس”. بالتأكيد! إن كانت مخيلتي عن الإله هي التي تصورها قصص الأطفال والأساطير، فالتشكيك رد فعل جائز. لكن حقيقةً، رد الفعل المتوقع هو اللامبالاة. لأي سببٍ نهتم بشخصية الحواديت تلك؟

دفعني ذلك لأستنتج أن موقف الناس تجاه وجود الله لم يتغير عبر الأزمنة أو الحضارات. لقد نشأت في جو من الوعظ الكنسي الذي طالما ولايزال يخاطب عدم الإخلاص واللامبالاة تجاه الله. يستخدم هذا النوع من الوعظ الضغط علي الضمائر والإحساس بالذنب كي يُلين قلوب الناس تجاه الله. أما الآن في عصر الإنترنت و العلم، قرر أبناء جيلي، خاصةً اللامباليين منهم، عدم الإنصياع لهذا “التلاعب العاطفي”. اليوم، العلم في صفهم ضد الله (أو ذاك يظنون). الآن هم ليسوا فقط لامباليين، بل لامباليين عن اقتناع. تبين هذا لي في أحاديثي مع طلاب جامعة أوكسفورد في انجلترا.

بعدما تنفذ أسلئتهم و حُججهم ضد وجود الله وتُجاوَب بردود مقنعة (أو هذا ما رأيت)، لم أرى أى نية أو استعداد لتغيير المواقف أو القناعات. جائتني ردود الفعل بما يمكن تلخيصه في تعبير ترنيمة قديمة: “ماذا يعنيني؟!”. رأيت أن رفض الناس لله لم يتلاشى بأي كمية من الأدلة أو الحجج الفلسفية المُحكمة لوجوده.

حاولت أن أغير طريقتي بأن أحوّل موضوع المناقشات من وجود الله إلى الحديث عن الله نفسه. بدا لي واضحاً أن رد فعل الأشخاص تجاه “إثباتات” وجود الله تُملى في المقام الأول بتصور الشخص المسبق عن طبيعة الله وليس الإثباتات على وجوده. إن كان الله ذلك العجوز ذو اللحية البيضاء الجالس على السحاب، فوجوده، حتى و إن كان جلياً، غير جدير بالاهتمام، تماماً كوجود “أُمّنا الغولة” و “أبو رجل مسلوخة”. إن كان الله “بلطجياً”، شخص كريه مهووس بالتحكم والعقاب ويُسجل تصرفاتنا وغلطاتنا التافهة ليحدد مصيرنا، فوجوده، حتى وإن كان مُثبتاً، خبرٌ كارثي.

إن كان الله متعالٍ فوق أي وكل إدراك ووصف لغوي، لدرجة أن مفهوم معرفة الله يشكل تناقضاً في حد ذاته، ورغم أن هذا الإله لا يُعرف فإنه يقتضي منّا الطاعة والطاعة فقط؛ فوجود ذلك الإله، حتى وإن ادعاه الملايين، عبء ثقيل. لذلك ما أعرضه هنا هو إنه إن أراد المسيحيون أن يقنعوا الآخرين بوجود الله، يجب عليهم أولاً أن يوضحوا لماذا يعتبرون وجود الله، حسبما يتصورونه، خبر سعيد وجدير بالاهتمام. ما الذي يجعل حقيقة وجود كائن غير مرئي حقيقة تتطلب منّي رد فعل وقرار جاد؟

لقد أدرك الفيلسوف وعالم الرياضيات الفرنسي بلايز پاسكال تلك الفرضية منذ عدة قرون. لقد لاحظ أن “الناس يكرهون الدين” وأنه لا توجد كمية ممكنة من الأدلة تكفي لإقناع من ثبّت قلبه على رفض الله. ولذلك، ما اختبرته في رحلتي ومُناقشاتى هو أن جمال المسيحية هو العامل المحرك الأساسي للعقول المتشككة. لا أقصد أن الجمال وحده يقنع العقول، فقد تكون المسيحية مجرد كذبة جميلة أخرى، لكني أقصد أن الإدراك الواعي والحسي لجمال المسيحية قد يدفع الباحث أن يأخذها بعين الإعتبار. ينصح پاسكال المدافع عن المسيحية أن يحاول أن يوصّل السائل لمرحلة يتمنى فيها أن تكون المسيحية حقيقية.

وعند هذه المرحلة يأتي دور الأدلة التي تُرجح أن المسيحية (أو وجود الإله الذي تصفه المسيحية) هي أكثر من مجرد قصة جميلة، هي أيضاً حقيقة. باختصار، قبل أن يقدم المسيحيون الدلائل على صحة إيمانهم، يجب عليهم أولا أن يقدموا أسباباً تقنع المشكك أن المسيحية تستحق اهتمامه من الأساس.

في رأيي، هذه المنهجية في الدفاع عن المسيحية، والتي سأسميها بالدفاعيات الروائية (Narrative Apologetics)، هي ما يفترضه الرسول بطرس حينما دعا المسيحيين للدفاع عن إيمانهم. “كونوا مستعدين دائماً لمجاوبة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم، بوداعة وخوف. “ (بطرس الأولى ١٥:٣). لاحظ أن هناك افتراض أن هناك من يسأل عن سبب (أو”دفاع عن”، كما تقول اللغة الأصلية) الرجاء الذي فينا. ما هو هذا الرجاء؟ وما الذي يدفع أحداً أن يسأل عن سبب هذا الرجاء؟ أتعتقد أن ما تؤمن به هو بالفعل سبب رجاء يستحق أن تحيا بل وأن تموت لأجله؟

هل يستحق ما تؤمن به أن يغير الآخرون فكرهم وطريقة حياتهم ليقبلوه؟ أم أن هدف المناقشات والجدالات هو فقط أن تثبت لنفسك أنك على حق بغض النظر عن مضمون ما تحاول جاهداً أن تقنع الناس به؟ أعتقد أن مفهوم الدفاعيات الروائية يقدم لنا خيط خلاق ومفيد للإجابة على تلك الأسئلة (وأيضآ قدران كبيران من التواضع و مسائلة النفس الجادّان).

أسميها دفاعيات روائية لأنها تعتمد في الأساس على مهارة الحكاية. لقد فقدنا تقديرنا لأداة الحكاية. فنحن أناس متعقلون، نقيّم الحُجج والنظريات المجردة؛ لا مجال لقصص الأطفال في يومنا هذا. لكن دعني ألفت النظر أن آداة الحكاية كانت ولازالت تُستخدم كواحدة من أساليب الفكر والفلسفة في أغلب العصور والحضارات.

فالفلاسفة الروسيون، مثل فيودور دوستويفسكي، على عكس أقرانهم الغربيون، لا يكتبون فلسفاتهم في نظريات بل في روايات. أدعوك لقراءة رواية ”الأخوان كرامازوڤ“ التي تتحدث عن مشكلة الألم والشر وسترى عزيزي القارئ أن الحكاية لم تفقد قوتها أو تأثيرها. المسيح نفسه لم يغير نصف العالم القديم وثلث العالم الحديث بنظرياته بل بحكاياته.

تدفعنا الدفاعيات الروائية أيضاً ألي إعادة التفكير فيما نؤمن به كمسيحيون. يدخل الكثيرون في عالم الدفاعيات في محاولة للدفاع عن المعتقدات المسيحية التي تربوا عليها. ومع أن دراسة الدفاعيات شئ جيد جداً، ولكنه قد يتحول بسهولة لندّية ومواجهة متكبرة مع الآخر فقط لغاية الارتياح الداخلي دون التوقف للتأمل فيما نؤمن به. ينتهي الكثيرون إلى الدفاع عن معتقدات تبدو وكأنها مسيحية ولكنها ساذجة، كالتي تعلمناها كأطفال في مدارس الأحد. ولكن إن أردت أن تدافع عن المسيحية بحق، حاول أن تحكي قصتها لشخص يختلف عنك في الرأي دون أن تحاول أن تثبت صحتها له.

حاول أن تحكيها دون أن تستخدم ألفاظ لاهوتية معقدة أو كلمات لا يفهمها إلا من تربى داخل المجتمع الكنسي. حاول أن تضع نفسك في مكان شخص لا يعنيه الله في شئ (أو حتى يكرهه)، وحاول أن ترسم له صورة عن الله التي قد تدفع ذلك الشخص لوضع حياته بالكامل في أيدي الله دون أن تخفي شيئآ مما وصفه الكتاب المقدس عنه.

كُن مستعداً أن تغير رأيك في كثير مما تؤمن به، كُن مستعداً أن تستمع وأن تصغي إلى أسئلة وإعتراضات الآخرين دون أن تسرع لتفنيدها بدون التفكير في الأسباب التي أنشأت بداخلهم أسئلتهم واعتراضاتهم. كن مستعداً أن تشك! وهنا ستسنح لك الفرصة، بعد وقت ومجهود كثيريّن، أن تكتشف كنوز لم تعرفها من قبل عن من هو الله، وماذا فعل، وماذا يريد أن يفعل وماذا يعنينا في كل ذلك، ولماذا في كل هذا لنا رجاء.

“Men despise religion…. Make it attractive, make good men wish it were true and then show them that it is.” – Blaise Pascal, Pensées 1670: Pensée 187

“The Best defence of Christianity is a good explanation of it.” – Alister McGrath, Mere Apologetics

“I have come to the conviction that if you cannot translate your thoughts into uneducated language, then your thoughts were confused”- C.S. Lewis, God in the Dock, Christian Apologetics

* ملاحظة: جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبها. وصوت أونلاين ترحب باختلاف الآراء.

كلمة إلى المهتمين بالدفاعيات المسيحية – د. يوسف يعقوب

الأساس اللاهوتي للدفاعيات – أليستر ماجراث (الدفاعيات المجردة)

الأساس اللاهوتي للدفاعيات  – أليستر ماجراث (الدفاعيات المجردة)

الأساس اللاهوتي للدفاعيات  – أليستر ماجراث (الدفاعيات المجردة)

 عن كتاب: الدفاعيات المجردة لأليستر ماكجراث

الأساس اللاهوتي للدفاعيات – أليستر ماجراث (الدفاعيات المجردة)

 

ليست الدفاعيات مجموعة من الأساليب الفنّية لربح الناس للمسيح، ولا مجموعة من الحجج النموذجيّة الجاهزة التي تهدف للفوز بالمناظرات. ولكنها رغبة في العمل مع الله لمساعدة النفوس على اكتشاف مجده والرجوع له. وقد عبِّر “إفري داليس” Avery Dulles عن أسفه تجاه هذه النظرة قائلاً إنَّ المُدافع غالبًا ما يُنظر إليه بإعتباره “شخصًا عدوانيًّا انتهازيًّا يُحاول بحجته أن يضُم النّاس الى الكنيسة سواءً أكان ذلك بوسائل رقيقة أو فظّة”.[1]

وليس صعبًا أن نرى كيف تنشأ هذه الصُّور النمطيّة الشائعة. ولا يصعُب كذلك أن تكتشف خطورة هذه التّوجُّهات.  فالدِّفاعيّات في جوهرها ليست إتقان مجموعة من الأساليب الفنّية وحفظها لتسيير المناقشة في اتجاه مُعيّن للحُصول على النتيجة المَرجُوّة. ولكنّها تعني أن نكون محكومين بالإيمان المسيحي بحيث تنطبع أفكاره وموضوعاته وقيمه على عقولنا وفي قلوبنا إنطباعًا عميقًا.

فالدفاعيّات أبعد ما تكون عن ترديد الأفكار آليًّا، ولكنها إدراك طبيعي لما يمكننا ان نقدّمه من إجابات عن أسئلة الناس وشكوكهم، إجابات تنبع من تأصّلنا المخلص العميق في واقع إيماننا. وأفضل الدفاعيّات هي ما تتم انطلاقًا من رؤية ثريّة للواقع تُميّز الإنجيل، وتَخلِق بصيرةٍ شديدة الواقعيّة تنفُذ الى الطبيعة البشريّة. فما مشكلتنا؟ وما احتياجنا؟ وكيف يمكن الوفاء بهذا الإحتياج؟ في كل حالة، يمكن تقديم إجابة قويّة لكلّ سؤال، إجابة مؤسّسة على الفهم المسيحي لطبيعة الأمور.

وكما سيؤكد هذا الكتاب، لا بديل عن دراسة حقائق الإيمان العظمى دراسة طويلة، جادّة، مُمتزجة بالصلاة من ناحية، وفهم طبيعة الجمهور الذي نتفاعل معه ونُخاطبه فهمًا عميقًا من ناحية أخرى. وسأتناول في هذا الفصل قدرة الدراسة اللاهوتيّة للموضوعات المحوريّة في الإيمان المسيحي على إثراء الدفاعيات.

تكوين سياق:

لنأخذ واحدًا من أول الأحداث المُسجّلة في روايات الإنجيل عن خدمة يسوع الناصري حتى نضع دراستنا في سياق مناسب:

وَفِيمَا هُوَ يَمشِي عِندَ بَحرِ الجَلِيلِ أَبصَرَ سِمعَانَ وَأندَرَاوُسَ أَخَاهُ يُلقِيَانِ شَبَكَةً فِي البَحرِ فَإنِهُمَا كَانَا صَيَّادَينِ.  فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ: «هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجعَلُكُمَا تَصِيرَانِ صَيَّادِي الْنَاس».  فَلِلوَقتِ تَرَكَا شِبَاكَهُمَا وَتَبِعَاه. (مر 16:1-18).

 

يا لها من قصّة بديعة مُحمّلة بالتفاصيل والأفكار، حيث نرى يسوع مثلاً يدعو صيادين. وهنا تجدر الإشارة الى أنّ الكتابات اليهوديّة آنذاك امتلأت بالأحاديث عن فئات من النّاس كانت وظائفهم تمنعهم من حفظ ناموس موسى، ومنهم النّجارون والصّيادون الذين غالبًا ما كانوا ملفوظين لأسباب خاصة (سلبيّة). فالنّجار كان يعمل حانوتيًّا يتعامل مع أجساد الموتى طوال الوقت، بالإضافة لعمله بالنجارة. والصّياد كان يتعامل مع أنواع مُختلفةٍ من الأسماك منها ما هو طاهر وما هو نجس. وهكذا كانت هاتان الفئتان غير قادرتين على الالتزام بالقواعد اليهوديّة الصّارمة فيما يختص بالطّهارة الطقسيّة التي كانت تحظر لمس أي شيء نجس. ومع ذلك، نرى يسوع يدعو هؤلاء الصّيادين على وجه التّحديد، أولئك الذين يعيشون على هامش الحياة الدينيّة اليهوديّة، وهو ما يُذكّرنا بكل جلاء أنّ الإنجيل يصل للجميع، حتى مَن يعتبرهم المُجتمَع عاجزين أو بلا قيمة.

وبالرّغم من أهمية تلك النُقطة، فهي ليست الأهمّ من وجهة النّظر الدفاعيّة، لأنّ السؤال الدّفاعي الذي يجب أن نسأله: ما الذي جعل سمعان وأندراوس يتركان كل شيء ويتبعان يسوع؟ هل قدّم يسوع حججًا قويّة لإثبات وجود الله؟ هل شرح لهما أنّ فيه تتحقق نبوات العهد القديم العظيمة؟ لا. بل إنّ يسوع نفسه كان يتمتع بجاذبيّة خاصّة، فجاءت استجابة سمعان وإندراوس فوريّة وحدسيّة. ويترك لدينا مرقس انطباعًا عن شخص شديد الجاذبيّة، حضوره يُجبر النّاس تلقائيًا على قبوله.

وبالرغم من أنّ قصة لقاء يسوع النّاصري مع أوّل تلاميذه على بحر الجّليل مألوفة لنا جدًّا، علينا أن نقرأها إنطلاقًا من غرض دفاعي. وهي تُساعدنا على وضع الدفاعيّات في نصابها الصّحيح، من حيث إنّها تُذكّرنا أنّ الحجّة ليست إلاّ جزءًا من استراتيجيتنا. فمهمتنا، من أوجه كثيرة، هي أن نقود الناس للمسيح ولاكتشاف الله الحيّ. أي أن الدفاعيّات لا تُخلِّص أحدًا ولا يُمكنها أن تفعل ذلك. ولكنّها تُرشد الناس للاتجاه الصّحيح بإزالة العوائق التي تحول دون اللقاء مع الله، أو بفتح نافذة يطلّ منها الناس على المسيح. وهي تُمكّن النّاس من إدراك أهمية الإنجيل. ومن ثَمُّ فهي تُوجّه، وتشرح، وتفتح الأبواب وتُزيل العوائق. ولكن ما يُخلّص ليس الدفاعيّات في حدّ ذاتها، بل الحقيقة العُظمى المُختصّة بالله والمسيح المُقام. 

ولشرح هذه النقطة المهمة، نرجع لرواية آخرى من روايات دعوة التلاميذ الأوائل:

فِيلُبُّسُ وَجَدَ نَثَنَائِيلَ وَقَالَ لَهُ: «وَجَدنَا الَّذِي كَتَبَ عَنهُ مُوسَى فِي اَّلَنامُوسِ وَالأَنبِيَاء: يَسُوعَ ابنَ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَة».  فَقَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ: «أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمكِنُ أَنَ يَكُونَ شَيءٌ صَالِحٌ؟» قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ: «تَعَالَ وَانظُر».  (يو 45:1-46)

يقتنع فيلبس بعد لقائه مع يسوع الناصري أنه لشخص الذي كان يرجوه، ويحاول بعدئذٍ أن يقنع نثنائيل أنّ يسوع هو تحقيق رجاء إسرائيل. ولكن نثنائيل في شكّ شديد من الأمر، حتّى إنّه يعترض قائلاً: هل يُمكن أن يأتي شخص كهذا من الناصرة؟ وبدلاً من أن يُواجه فيلبس هذا الاعتراض بحجة منطقية، يدعو نثنائيل ليلتقي بيسوع الناصري ويُقرّر بنفسه.

كان بإمكان فيلبس أن يُجيب نثنائيل بحجّة مُفصّلة. كان يمكنه أن يثبت له أنّ نشأة يسوع في الناصرة تحقيق لنبوّة كتابيّة. أو كان يُمكنه أن يشرح له العوامل المُختلفة التي دعته هو وأندراوس وبطرس لاتباع يسوع الناصري والإيمان به باعتباره تحقيق رجاء إسرائيل. إلاّ أنّ فيلبس عرف أنّ اللقاء أفضل من الحجة. فما الداعي من النقاش مع نثنائيل وهناك طريقة مباشرة وأكثر ملاءمة لحلِّ المسألة؟ وهكذا نجد فيلبس يقول :«تَعَالَ وَانظُر».  وبعد لقاء نثنائيل بيسوع واستماعه له يصل إلى الاستنتاج بنفسه: «يَا مُعَلِّمُ، أَنتَ ابنُ الله! أَنتَ مَلِكَ إِسرَائِيلَ!»  (يو 49:1). وهنا نرى أهميّة توجيه الناس نحو يسوع الناصري. فيمكننا، مثل فيلبس، أن نشرح ما نراه في يسوع من جاذبيّة وجمال لا يُقاوم. ولكن في النهاية، لا يأتي الاقتناع الكامل من شهادتنا. بل من اللقاء الشخصيّ مع المسيح المُقام.

وهنا نصل الى نقطة مُهمّة، فغالبًا ما يُقال لنا إنّ الدفاعيّات في إقناع النّاس بحقّ الايمان المسيحيّ. وهذه العبارة تشتمل على شيء من الحقيقة ولكنّها ليست الحقيقة الكاملة، لأنّ الحجج تقف عند حدود مُعيّنة يستحيل أن تتعدّاها. فقد يمكنك أن تقنع شخصًا بصحّة فكرةٍ ما، ولكن هل اقتناعه سيغير حياته؟ لقَد أصاب فيلبس في إدراكه أنّ نثنائيل لن يتغير بحجّةٍ ولا حتّى بفكرةٍ، بل بلقاءٍ شخصّي مع يسوع. فهو لم يُقدّم حجّة لحساب يسوع، بل أشار إلى يسوع. ألا يُقدِّم لنا هذا نموذجًا مُفيدًا للشهادة المسيحية، من حيث إنها توجيه النّاس ليسوع الذي وجدنا فيه كمال تحقيق أشواق الإنسانيّة، وتاجَ تطلعاتها، حتى نتيح لهم أن يلتقوا به بأنفسهم بدلاً من الاعتماد على ما نُقدّمه لهم من حجج وشرح؟

ولكن القصّة تستمر، حيث يمكننا الإشارة إلى المزيد من النقاط المُتعلّقة بالدفاعيّات. فبعد بضعة أيّام، يحضر يسوع وتلاميذه عرسًا في قانا الجليل، حيث يُجري يسوع “آيةً” محوّلاً الماء إلى خمر، وهو ما كان له عظيم الأثر على التلاميذ. وكما تُخبرنا رواية الإنجيل: “هَذِهِ بِدَايَةُ الآيَاتِ فَعَلَهَا يَسُوعُ فِي قَانَا الَجلِيلِ، وَأَظهَرَ مَجدَهُ، فَآمَنَ بِهِ تلَامِيذُهُ.” (يو 11:2). وهنا نرى الإيمان يأتي نتيجة إعلان مجد المسيح، وهذا هو ما يتجاوز الحجج المنطقيّة بكثير. الإيمان هو الاستجابة لإدراكِ كمال مجد المسيح، وجلاله، وروعته. ولعلّ أوضح الأمثلة على ذلك هو “توما المُتشكك” الذي يؤمن بالمسيح عندما يدرك أنه قام حقًّا من الأموات “أجاب توما وقال له:«رَبِّي وَإِلَهِي».” (يو 28:20).

يبين هذا الشرح المُختصر لطبيعة الدفاعيّات أن لها بُعداً لاهوتيًّا قويًّا. وقد يكون من المفيد أن نتناول هذه النقطة بمزيد من التفصيل قبل التقدّم في الموضوع.

أوّلاً، تُذكرنا نصوص إنجيل يوحنّا التي تبيّن أنّ الإيمان ينشأ عن إعلان المجد الإلهيّ بأنّ قُبول الإيمان لا يتمّ بالحكمة او المنطق البشريين، ولكنّه، في أعمق معانيه، يحدث بفعل إلهيّ. وهذا الموضوع ثابت في العهد الجديد كله. فكرازة بولس في كورنثوس لم تعتمد على الحكمة البشريّة “لِكَي لَا يَكُونَ إِيمَانُكُم بِحِكمَة النَّاسِ بَل بِقُوَّةِ الله.” (اكو 5:2). والإيمان ليس مجرّد تغيير الفكر، ولكنّه تحول شخصي يتمّ باللقاء مع الله الحيّ.

ثانيًا، يصوّر العهد الجديد ما أصاب الطبيعة البشريّة من جرح وخلل بسبب الخطيئة، مما جعلنا عاجزين عن رؤية الأمور على حقيقتها. ” الَّذِينَ فِيهِم إِلَهُ هَذَا الدَّهرِ قَد أَعمَى أَذهَانَ غَيرِ المُؤمِنِينَ، لِئَلَا تُضِيءَ لَهُم إِنَارَة إِنجِيلِ مَجِد المسيح الذي هو صورة الله.” (2كو 4:4). فلا الحجج ولا كثرة الأدلّة ولا قوّة البلاغة ولا جاذبيّة الشهادة الشخصيّة تستطيع أن تُعالج العمى. ولكن العمى يحتاج الى شفاء، وهذا الشفاء لا يستطيع أن يفعله سوى الله. الله وحده هو القادر على فتح عيون العُمي وتمكينهم من رُؤية واقع الحياة على حقيقته. وهكذا فالدفاعيّات تعتمد على نعمة الله وقدرته على الشفاء والتجديد، وهو ما لا نستطيع أن نفعله نحن. وهو ما يساعدنا أن نضع الدفاعيّات في حجمها الصحيح.

ثالثًا، هذه الزاوية اللاهوتيّة تضع مهمة الدفاعيّات في سياقها الصحيح، لأنّها تساعدنا على أن نُدرك أننا نلعب دورًا مهمًّا في الإتيان بالناس للإيمان. ولكنّه، على أهمّيته، دور محدود. فالله هو الذي يُغيّر الشخص، ونحن لنا الامتياز أن نأتي به إلى نقطة مُعيّنة عندها يتولى الله المسؤولية. إننا نشير إلى مصدر الشفاء، والله هو الذي يشفي. ونشهد لقوّة الغفران، والله هو الذي يغفر. ونشرح كيف غيّر الله حياتنا وحوّلها للأفضل، والله هو الذي يدخل الحياة ويغيّرها. فنحن نقوم بدور حقيقي في هذه العمليّة، وهو امتياز لنا، ولكنّنا لا نقوم به وحدنا. لأنّ الدفاعيّات دائمًا ما تتم بقوة المسيح المُقام وحضوره.

وسأقدم هنا تشبيهًا لعلّه يُساعد في توضيح هذه النقطة الجوهريّة. تخيّل أنك أُصبت بتسمم في الدم منذ عدة سنوات. وظهرت عليك بعض الأعراض، وعندئذ أدركت أنّك في حالة حرجة. فاستشرت طبيبًا ماهرًا أخبرك بالمُشكلة ووصف لك علاجًا، هو البنسيلين. فأخذت العلاج على الفور وبدأت تستعيد صحّتك في غُضون أيّام. سيناريو بسيط يسهل تخيّله، ويُمكنك أن تعيد كتابته بأسلوبك لتنشره على نطاق أوسع.

وإليك السؤال المُهم: هل الطبيب شفاك؟ من ناحية، نعم. ومن ناحية أخرى، لا. الطبيب أخبرك بالمُشكلة وبما يجب أن تفعله حتّى تشفى. ولكن ما عالجك بالفعل هو البنسيلين. فتشخيص الطبيب عرّفك بالمشكلة، ولكن قبل اكتشاف البنسيلين كانت هذه الحالة تعني شيئاً واحداً، هو الموت. وما كان هناك من سبيل لإنقاذك. وحتّى تحديد المشكلة ليس كافيًا لشفائك، بل لابد من العلاج.

يتيح لنا هذا التشبيه فهمًا أفضل لدور الدفاعيّات ولموقعنا في الخطّة الكبرى. واستمرارًا لهذا التشبيه الطبّي، أقول إن الدفاعيّات تشرح أن الطبيعة البشريّة مجروحة، فاسدة، مكسورة، ساقطة، وأنّها لا يُمكن أن تُشفى إلاّ بنعمة الله. ولشرح هذه الفكرة وتوصيلها والدفاع عنها يُمكن للمُدافع استخدام الكثير من الإستراتيجيات. وبالمثل يُمكننا استخدام الكثير من الاستراتيجيات التي تُسهم في شرح وتوصيل فكرة وجود علاج حقيقي والدفاع عنها. ولكن الدفاعيّات نفسها لا تشفي. كل ما تفعله أنّها تُشير إلى حيث يوجد الشفاء.

وهكذا يمكننا أن نُقدّم أقوى الحجج على وجود علاج، يمكننا أن نقدم شهادات شخصيّة عن أُناس تغيّرت حياتهم باكتشاف هذا العلاج. ولكن في النهاية الشفاء لا يتم إلاّ بالعُثور على العلاج وقُبوله والسماح له أن يؤدّي وظيفته. يُمكننا القيام بدور حقيقي ومهمّ في مُساعدة الناس على إدراك مرضهم وفي إرشادهم للعلاج الذي قد لا يعثرون عليه بدوننا. ولكن عملية الشفاء الفعليّة تنتج من قوّة البنسيلين، لا من كلامنا.

الدفاعيّات ورؤية لاهوتيّة للواقع:

تقوم الدفاعيّات على أساس من التقدير العميق لما يتميّز به الإيمان المسيحي من إتساع فكري وثراء روحي. فمهمة المُدافع لا أن يجعل الإيمان المسيحي جذّابًا أو مُناسبًا للعالم، ولكنّنا مدعوون لنُساعِد الناس على إدراكِ واكتشاف قوّته وملاءمته لحياتهم وقُدرته على الإقناع. والمُدافع مدعو أن يجد السُبل التي تتيح للنّاس أن يُميّزوا ما في الإيمان المسيحي من حقٍّ أصيل وجمال وصلاح.

وأسوقُ تشبيهًا آخر يُساعدُ في توضيح هذه النقطة. هبْ أنّك تقف على جبلٍ مع أحد أصدقائك مُندهشين من جمال الطبيعة. المنظر مألوف لك تمامًا لأنّك زرت المكان عدة مرّات. ولكنّ صديقك لم يزره، فكلّ شيء جديد عليه. وأسفل الجبل تمتد عناصر الطبيعة في الفضاء الفسيح؛ الغابات والأنهار والحقول والقرى. وأنت تُشير إلى القرى وتروي تاريخها لصديقك، وتُريه الأنهار، وتُخبره عن الغابات القديمة. وتُشير إلى شلاّلٍ صغير لا يلحظه الناظر إلاّ اذا كان يعرِفُ المكان من قَبْل. وصديقك مبتهج بالمنظر. ولكن النقطة التي لا بد من الانتباه لها أنّك لم تَخلِق هذا الجمال ولا التاريخ. كل ما هُنالِك أنّك ساعدت صديقك على تقدير قيمة ما هو موجود بالفعل، شيء لم يَعرِف به من قبل، ولم يلحظه.

فالدفاعيّات لا تعني إلباس الإيمان المسيحي ثوبًا من العقلانيّة أو الخيال الثري أو الخُلُق الراقي، لأنّ هذه الصفات هي صفات أصيلة في الإيمان، ولكن كل ما تفعله الدفاعيّات أنّها تُبرِز هذه السمات، وتُتيح الفرصة للناس حتى يروها بوضوح ويُقدّروا قيمتها الحقيقيّة. وهو ما يتطلّب من المُدافع نفسه أن يكون عنده من الرغبة والقدرة ما يمكنه من تقدير الإيمان المسيحي تقديرًا عميقًا واعيًّا. ولكن هذا لا يكفي: فلا بد للمُدافع أيضًا أن يكون نظره من الخارج. أي أنّه علينا ان نفهم كيفية الدفاع عن الموضوعات العظمى في الإيمان المسيحي وشرحها لأُناسٍ لم يألفوا مُفرادات هذا الإيمان ولا ممارساته. والأهم من ذلك أن نتمكن من اكتشاف وسيلة بها تتلامس هذه الموضوعات مع الناس، حتّى يدركوا ملاءمتها لهم وما يكمُن فيها من قوّة تغيير.

فكيف يمكننا أن نُقدّر قوًة الإيمان المسيحي وعُمقه عن طريق التحليل اللاهوتي؟ سنبدأ بتشبيه ساعد الكثيرين على إدراك أهميّة اللاهوت في الدفاعيّات. بدأت أستخدم هذا التشبيه في أواخر الثمانينات من القرن العشرين، وتشجّعت عندما رأيت الكثيرين يقتبسونه (وأحياناً يقتبسونه بتصرّف!) ما هو التشبيه؟ المنشور.

سنة 1666 توصّل عالم الرياضيات والفيزياء “إسحق نيوتين” Isaac Newton إلى اكتشاف ما في قاعاته الدراسيّة في “كليّة ترنيتي” Trinity College بجامعة كامبردج. وهذا الاكتشاف هو أنّه إذا تمّ تمرير شعاع من ضوء أبيض عبر منشور زجاجي، ينقسم الشعاع إلى سبعة ألوان قوس القزح: الأحمر، والبرتقالي، والأصفر، والأخضر، والأزرق، والنيلي، والبنفسجي.[2]  واستنتج “نيوتين” أن تكوُّن ألوان قوس القزح يتم بعمليّة مشابهة، فقطرات المطر تكسر ضوء الشمس الأبيض فيتحلّل إلى مُكوناته اللونيّة. ورغم أن كلّ لون موجود أصلاً في شعاع الضوء الأبيض، فهوّيته الفرديّة لم تكن ظاهرة، والمنشور هو ما سمح للألوان أن تنفصل حتّى يظهر كلٌّ منها ويتمكّن الرائي من تقدير جماله.

تشبيه بسيط ولكنّه يوضح نقطة في غاية الأهمّيّة. فالإنجيل مثل شعاع الضوء الأبيض؛ حقيقة غنيّة مركّبة تتكوّن من مجموعة عناصر، يستحق كلٌّ منها أن يُدرس على حده ليُقدّر الدارس قيمته. والتحليل اللاهوتي يهتم بتحديد كلٍّ من هذه العناصر في الإعلان المسيحي واكتشاف ما يكمن فيها من قدرة دفاعيّة، واستخدامها على نحو مُناسب.

ولمزيدٍ من إيضاح هذه النقطة سنتناول جزءًا من تحليل لاهوتي ونستخدمه استخدامًا دفاعيًّا. لنطرح سؤالاً بسيطًا: ما قيمة صليب المسيح؟ بالرغم من أهميّة هذا السؤال على المستوى اللاهوتي، فهو مُهمّ بالقدر ذاته على مستوى الدفاعيّات.  فالنّاس مُختلفون في حاجاتهم وشكوكهم. وقد يتفاعل أحد جوانب الإنجيل مع مجموعة من الاحتياجات، في حين يتماشى جاتب آخر مع مجموعة أخرى مختلفة.

مثال مُناسب: تحليل لاهوتي للصليب:

يستحيل تلخيص رسالة الصليب بكل ثرائها وتعقيدها في كلمات قليلة. فالواقع أن واحدة من أعظم مُتع اللاهوت أنّه يتيح لنا الفرصة لإمعان النظر والتعمُّق (مُطولاً) في المعنى الكامل للموضوعات العظيمة التي تُكوّن الرسالة المسيحيّة مثل صليب المسيح.[3] إلاّ أنّه من الأهميّة بمكان أن نُلاحظ أنّه يُمكن تحديد عدد من الجوانب في تلك الرسالة يُلائم كلّ منها مجموعات مُعيّنة من البشر. فكُلّ جانب من الإعلان المسيحي عن صليب المسيح يجد له صدى عند جماعات مُعيّنة من البشر خارج الكنيسة.

وللوفاء بغرضنا في هذا الجزء، سنتناول أربعة موضوعات رئيسيّة في صليب المسيح، تلعب جميعها دورًا مُهمًّا في شهادة العهد الجديد عن أهميّة موت المسيح وما يترتّب عليه من أفكار تختص بالمعنى الواسع لهذا الحدث في تقليد اللاهوت المسيحي.

  1. صليب المسيح أساس غفران خطيّة البشر.
  2. صليب المسيح وقيامته نصرة على الخطيّة والموت.
  3. الصليب شفاء للبشريّة الكسيرة الجريحة.
  4. الصليب يُظهر محبة الله للبشر.

يمكن إضافة موضوعات أخرى لهذه القائمة القصيرة. ولا أقصد هنا تقديم تحليل لاهوتي شامل للصليب، بل أود أن أُبيّن أنّ تحديد موضوعاته يتضمّن تطبيقات دفاعيّة على قدر كبير من الأهميّة. وقبل أن ندرس ما تتضنمه هذه النقاط اللاهوتيّة الأربع من أبعاد دفاعيّة، سوف أتناول كلاًّ منها باختصار.

  1. صليب المسيح أساس غفران خطيّة البشر:

يمثل إعلان بولس أن “المَسِيحَ مَاتَ مِن أَجلِ خَطَايَانَا.” (اكو 3:15) نقطة انطلاقٍ جيّدة لدراستنا. فأهمّية موت المسيح لا تقتصر على كونِها حقيقة تاريخيّة ثابتة جامدة، بل تتجاوزها لتشمل دلالة ذلك الحدث لنا. أي أنّ موت المسيح حقيقة تاريخيّة، أمّا موت المسيح من أجل غفران خطايانا فهو الإنجيل. والصليب، طبقًا لما يقوله بولس، يعني الخلاص والغُفران والنصرة على الموت. ومن ثَمّ، فإنّ “رسالة الصليب” لا تتفق عند حد حَدَثِ صلب يسوع، بل تمتد لتشمل ما يعنيه هذا الحدث لنا، ألا وهي أن يسوع مات لكي نحيا نحن. لقد أُحصي يسوع مع أثمة حتى ينال الأثمة غفران الخطايا.

ورغم أنّ لاهوت الغفران موضوعٌ ضخمٌ جدًّا، فهذا الكتاب يَختصّ بالدفاعيّات، وليس اللاهوت. وما يَعنينا هنا ان نُركّز على الرُؤية الخارجيّة، فنسأل أنفسنا: كيف يُمكن لإعلان وجود غُفران حقيقي لخطايا حقيقيّة من خلال موت المسيح أن يتلامس مع مَن هم خارج الإيمان المسيحي؟ كيف يُمكن لهذا الحق اللاهوتي أن يتلاقى مع مخاوفهم وتطلُّعاتهم؟ لابدّ أن نتعلّم التفكير بأسلوب دفاعي محاولين أن نُجيب عن أسئلة مُهمّة، مثل: كيف يُمكن لهذا الجانب من الصليب أن يكون بوّابة تنفتح أمام الشخص لاكتشاف حقائق الإنجيل؟ كيف يُمكننا أن نستخدم فكرة الغفران هذه كجسرٍ لله؟

من المداخل التي تُساعدنا على ذلك مسألة الشُّعور بالذّنب التي تشغل الكثيرين. وقد أشار الفيلسوف “إيمانيول كانط” Immanuel Kant إلى أنّ الشُّعور العميق بالذّنب يمنع الكثيرين من الفعل الأخلاقي. وفي حين أنّ هذه العبارة لا تخلو من الحقيقة، فلابدّ من لفت النظر الى نقطةٍ أعمق كثيرًا. فبعض الناس يُعانون من شعور شديد بالذنب تجاه شيء فعلوه، أو أحيانَا، تجاه شيءٍ تسبّبوا هم في يُفعل بهم، مما يشعرهم أنّهم لا يُمكن أن يعيشوا حياة سويّة إلاّ إذا تمّ حلّ هذه المُشكلة، وهم يتساءلون: ما السبيل لتحقيق لك؟

تُعتبر هذه المسألة من الموضوعات الجوهريّة في واحدة من أشهر كلاسيكيات الأدب الإنجليزي، وهي رواية “سياحة المسيحي” The Pilgrim’s Progress لكاتبها “يوحنا بنيان” John Bunyan حيث يصوّر السائح بطل القصّة يرزح تحت “ثقل الخطيّة” لدرجة أنّه يسقط على ركبتيه، فلا يَقوى على السير بشكل طبيعي. وأخيرًا، يتمكّن من إلقاء حِمله عند الصليب، وعندئذٍ يسير على نحو سويّ لأوّل مرّة. وهذا ما يشعر به الكثيرون، فهم يشعرون أنّهم مُثقلون بالذنب، ويدركون أنّهم لا يُمكن أن يعيشوا حياة سويّة إلاّ إذا تأكّدوا أنّهم نالوا غفرانًا على أساس سليم.

إلاّ أنه من المُؤكد أنّ كلمة “خطيّة” تُمثّل مُشكلة للكثيرين اليوم. ونُخطئ إن اعتقدنا أنّ هذه المشكلة حديثة العهد.  فمنذ عام 1945 قال “سي. إس. لويس” إنّ “معنى الخطيّة يكاد يكون غائبًا تمامًا” في الثقافة الحديثة. وهو ما يتطلّب أن يتعامل المُدافع مع “أُناس نشئوا على الاعتقاد بأنّ أيّ خطأ يَحدُث في العالم هو مَسؤوليّة شخص آخر غيرهم.”[4] فالخطيّة، كغيرها من مُفردات الدفاعيّات، يجب شرحها.[5]

  1. صليب المسيح وقيامته نصرة على الخطيّة والموت:

من أروع موضوعات الإنجيل أنّ صليب يسوع المسيح وقامته يعتقاننا من خوف الموت. فقد أُقيم المسيح من الأموات ومن يُؤمن به سيحظى بنصيب في تلك القيامة يومًا وما يبقى معه للأبد، وبذلك لم يعُد الموت شيئًا يخشاه. وهذا ما يحتفل به المسيحيون إحتفالاً مجيدًا في عيد القيامة عندما يتذكرون كُلفة هذا الانتصار بشعور من العرفان والابتهاج بحقيقته. ورُغم أنّ رسالة رجاء عظيمة كهذه في مواجهة الألم والموت رسالة لا غِنى عنها لنا جميعًا، فهي تحمل مغزى خاصًّا جدًّا لمن يستيقظون في منتصف الليل مذعورين من فكرة الموت. فالكثيرون في الثّقافة الغربيّة غير قادرين أو غير راغبين أن يُواجهوا حقيقة الفناء البشريّ، ويتمنّون أن يجتازوا في الحياة دون يضطروا للتعامل معها. إلاّ أنّه لا يُمكن للمرء أن يهرُب من الواقع، لأنّه مُجبَر على مُواجهته كما هو.

ويُقدّم كتابُ  “إنكار الموت” The Denial of Death الفائز بإحدى الجوائز لكاتبه “إرنست بِكَر” Ernest Becker دراسة نموذجيّة لرفض الغرب أن يُواجه حقيقة فناء البشر، حيث يقول “بِكَر” إنّ الكثير من الغربيين يوهمون أنفسهم بأنّ الإنسان خالد ويرفضون الإعتراف بحتميّة فنائهم، لأنّهم يجدون التفكير في هذه المسألة شديد الصّعوبة والإيلام.  ومن ثمَّ، فهم يُجنّبون هذه القضيّة ويتجاهلونها، ولكن تجاهلها لا يلغي وجودها.

إنّ الصليب يُحرّرنا من خوف الموت ومن العيش في أكذوبة الخلود. فهو ترياق فعّال يُعالج ميلنا الطبيعي للخوف أو القلق بشأن وضعنا في العالم، ويجعلنا نواجه الموت بثقة الهادئ المُطمئن، عالمين أنّ شوكته قد زالت بالصليب وقد نلنا النصرة بالقيامة. والرسالة إلى العبرانيين تؤكد هذه الحقيقة بكُلّ قوّةٍ عندما تُعلن أنّ المسيح مات “لكي يُبِيدَ بِالمَوتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلطَانُ المَوتِ، أَي إِبلِيسَ،  وَيُعتِقَ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَوفًا مِنَ المَوتِ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِم تَحتَ العُبُودِيَّةِ.” (عب 14:2-15).

لاحظ أنّ هذا الأسلوب لا يقول: “دعونا نتظاهر أنّ الموت انهزم وأنّ قوته انكسرت، ولنمضِ في حياتنا وكأنّ الموت لا يُقلقنا.” لو فعلنا ذلك فنحن نغمض عيوننا عن حقائق الحياة المُرّة ونعيش في عالمٍ من الوهم الزائف وكأنّنا ندخل في قصّة خياليّة من قصص الجنّيات، أو في لُعبةِ السجن والتنين الخياليّة. ولكن ما يطرحه هذا الأسلوب مُختلف تمامًا عن ذلك، فهو يقول: “إنّ قوّة الموت انكسرت بصليب يسوع المسيح وقيامته. وقد نلنا النصرة على الموت من خلال المسيح، ومعرفتنا لهذه الحقيقة لابدّ أن تُغيّرنا، وتُغيّر طريقة تفكيرنا وأسلوب حياتنا. ولا يُفترض أن نخاف من الموت فيما بعد لأنّ المسيح صارعه على الصليب وصرعه.” فنحن لا نعيش في عالم وهميّ من الخيال البشري الحماسيّ الخصب، ولكنّه العالم الحقيقي للإنجيل الذي يعطيه الله شخصيًّا ويضمنه.

إنّ ما تتضمنّه هذه الحقيقة من أبعاد دفاعيّة لهُوَ شديد الأهميّة، خاصةً لمن يخشى الموت ويتمنّى أن ينفلت من قبضته، فالكثيرون فشلوا في أن يقبلوا الحياة لشدة خوفهم من الموت. ولكن الإنجيل يواجه هذه المخاوف ولا يهرب من الواقع.

  1. الصليب شفاء للبشريّة الكسيرة الجريحة:

يُعتبر شفاء الله للعالم الكسير واسترداده للنفوس الفاسدة من الموضوعات المحوريّة في أسفار الكتاب المُقدّس. وقد أكّد الأنبياء هذا الرجاء في الشفاء مشبّهين الله بالطبيب أو بشمس البرّ “تُشرِقُ شَمسُ البِرِّ وَالشِّفَاءُ فِي أَجنِحَتِهَا.” (مل 2:4).  ويمكن النظر إلى خدمة الشفاء التي قام بها يسوع الناصري باعتبارها امتدادًا لهذا الموضوع، من حيث أنها تشير الى تجديد الله لخليقته بتدخل شخصي منه.

ويتجسد هذا الموضوع بمنتهى الجلاء في الصليب الذي يراه العهد الجديد تحقيقًا لموضوع “العبد المُتألّم” الوارد في نبوّة إشعياء:

 

لَكِنَّ أَحزَانَنَا حَمَلَهَا وَأوجَاعَنَا تَحمَّلَهَا. وَنَحنُ حَسِبنَاهُ مُصَابًا مَضرُوبًا مِنَ الله وَمَذلُولاً. وَهُوَ مَجرُوحٌ لأَجلِ مَعَاصِينَا مَسحُوقٌ لأَجلِ آثَامِنَا. تَأدِيبُ سَلَامِنَا عَلَيهِ وَبِحُبرِهِ شُفِينَا. ” (إش 4:53-5)

وهكذا يمكننا أن نُدرك البُعد الأعمق لجراح المسيح المصلوب وآلامه. فقد حمل المسيح الألم والمُعاناة نيابةً عن أُناسٍ آخرين حتى يُشفوا.

وقد كان كُتّاب المسيحيّة الأوائل واعين بما لهذا الموضوع من أهميّة دفاعيّة. ففي أواخر القرن الأوّل تحدّث إغناطيوس الأنطاكيّ Ignatius Antioch عن “دواء الخلود” مشبّهًا الإنجيل بعقارٍ قادرٍ على شفاء داء الإنسانيّة المُميت وتحريرها من رهبة الموت. وفي القرن الخامس شبّه القديس أغسطينوس الكنيسة بالمستشفى المليء بالجرحى والمرضى الذين يُشفون من أمراضهم تحت رعاية الطبيب الماهر والدواء الذي يُقدّمه لهم. وتُعبّر إحدى الترانيم الرائعة للأمريكيين الأفارقة تعبيرًا قويًّا لا يُنسى عن هذا الموضوع:

          في جلعادَ بلسان

          يُعيدُ الجريحَ صحيحًا

          في السماءِ قوّةٌ

          تشفي النفسَ المريضة

فكيف يُمكن استخدام هذا الموضوع دفاعيًّا؟ كيف يخاطب الجوّ الثقافي وطموحات الناس العاديين ومخاوفهم؟ إنّ الكثيرين يرون المُجتمع كسيرًا أو يرون أنّهم مُصابون بخلل أو جرح، وهو ما يُمثّل تعبيرًا دالّاً قويًّا يعكس شُعورًا عميقًا بأنّ الأمور ليست في وضعها الصحيح، ويجب أن تُعاد إلى الحالة التي كان يُفترض أن تكون عليها. ولكن أين الشّفاء؟

عند هذه المرحلة، تبرز حلقة اتّصال قويّة بالإيمان المسيحي يُمكن إبرازها تصويريًّا، أي باستخدام الصور الذهنيّة، وصورة المسيح المجروح والمُتألّم على الصليب المألوفة للغالبيّة، عندما يتم تفسيرها على النحو الصحيح. تُجسّد تضامن الله مع المُتألّمين والباب المفتوح للتجديد والاسترداد. ويُمكن أيضًا إبرازها فكريًّا من حيث دخول المسيح في وادي الحزن والألم البشرييّن ليُغيّر هذا الوضع. ومن ثَمّ، ليس من قبيل الصُّدفة أنّ ما يُقدّمه العهد الجديد من صورة رائعة لأورشليم الجديدة تُؤكّد أنّ الحزن والألم قد ذهبا دون رجعة، ولن يكون لهما مكان في النظام الجديد. “وَسَيمسَحُ الله كُلَّ دَمعَةٍ مِن عُيُونِهِم، وَالمَوتُ لَا يَكُونُ فِي مَا بَعدُ، وَلَا يَكُونُ حُزنٌ وَلَا صُرَاخٌ وَلَا وَجَعٌ فِي مَا بَعدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَد مَضَت.” (رؤ 4:21)

  1. الصليب يُظهر محبة الله للبشر:

يكمن في قلب الإيمان المسيحي الاعتقاد في إله محب وأهل للثقة. بل إنّ الله بيّن محبّته للبشريّة بموت المسيح على الصليب. “الله بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحنُ بَعدُ خُطَاةٌ مَاتَ المَسِيحُ لأَجلِنَا. ” (رو 8:5). وهكذا ينكشف مُنتهى هذا الحب في صليب المسيح. فقد مات يسوع ليقنعنا ويؤكد لنا محبّة الله الرقيقة لنا نحن الخطاة (يو 16:3)، وهكذا يُعيدنا الى بيتنا؛ إلى الله. ولكن من الناس من يشعُرون أنّهم غارقون في بحر الخطيّة حتّى إنّ الله يستحيل أن يحبّهم. إلّا أنّ نظرة العهد الجديد مختلفة تمامًا، إذ يؤكد أنّه ما من شيء يمكن أن يفصلنا عن محبّة الله في المسيح (رو 31:8-39).

والإيمان المسيحي يُعلن أنّ محبّة الله أُظهِرَت وتبرهنت بفعل عملي، وهو ما يجعل عبارة  “الله مَحبَّةٌ” (1يو8:4) حقيقة مؤكَّدة. إلا أن الكثيرين يسيئون فهم هذا الحق الثابت على مر الأزمان ويظنون أن الله هو النموذج الحقيقي الكامل للحب البشري. ولكن هذا المفهوم قاصر عن وصف إله المسيحية. فالكتاب المقدس يشهد عن إله يخرجُ كالراعي الذي فقدَ أحد خرافه ليبحث عنه ويحمله عائدًا به إلى البيت فرِحًا (لو4:15-7). وتتجسد هذه الصورة بمنتهى الروعة والبهاء في صليب المسيح الذي كان العمل الذي قام به الله لإظهار محبته “بِهَذَا أُظهِرَت مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا: أَنَّ الله قَد أَرسَلَ ابنَهُ الوَحِيدَ إِلَى العَالمَ لِكَي نَحيَا بِهِ.” (1 يو 9:4). ولا شكّ أنّ الأفعال أعلى صوتًا من الأقوال. فالله إله حيّ نشط، إلهٌ فاعِل يقوم بأعمال معيّنة ليكشف عن كمال محبّته لنا.

كيف يُمكن إذًا لهذه الفِكرة اللاهوتيّة المُهمّة أن تُستخدَم بشكل دفاعيّ؟ كيف تتحدّث إلى ثقافتنا اليوم؟ إنّ كل شخص يتمنّى أن يكون مهمًا، وجميعنا نحتاج إلى “قاعدة أمان”، أيُّ بيئةٍ ننعم فيها بالحب وتأكيد الذات ونتمكن من النموّ والتقدُّم. والمفترض أن تكون الأُسر، والأصدقاء، والمجتمعات قادرة على الوفاء بهذا الاحتياج. ومع ذلك، غالبًا ما يشعر الكثيرون بالوحدة والضياع في رحلة الحياة، ويشعرون بالعجز أمام ضخامة هذا الكون الشاسع وقِصر الحياة البشرية وتفاهتها. وكأنّ لسان حالهم يقول: من يهتمّ بنا؟

إنّ موضوع محبّة الله يتحدث عن إله حاضر ومُهتمّ، إلهٌ تمثل له أهميّة عظمى. والله يعرف كلاً منا معرفة شخصيّة وبالإسم، كما يعلن كاتب المزمور وهو يتأمّل السموات الشاسعة بنجومها المتلألئة:

          “إِذَا أَرَى سَمَواَتِكَ عَمَلَ أَصَابِعِكَ القَمَرَ وَالّنُجُومَ الَّتِي كَوَّنتَهَا  فَمَن هُوَ الإِنسَانُ حَتَّى تَذكُرَهُ وَابنُ آدَم حَتَّى تَفتَقِدَهُ! وَتَنقُصَهُ قَلِيلًا عَنِ المَلَائِكةِ وَبِمَجدٍ وَبَهَاءٍ تُكَلِّلُه.” (مز 3:8-5).

هذا الإعلان الأكيد يكتسب مزيدًا من العمق والقوّة في رسالة صليب المسيح التي تتحدّث عن الله الذي خلق كل الأشياء ودخل في خليقته ليفدينا. فكم كان الله “مشغولاً” بكلّ منا حتّى إنّ المسيح اختار أن يموت عن كلّ واحدٍ، واهبًا كل ما له من أجلنا، كما أشار “سي. إس. لويس” قائلاً إنّ المسيحي لا يؤمن أنّ “الله سيحبنا لكوننا صالحين، بل إنّه سيجعلنا صالحين لكونه يحبّنا.”[6]   

خطوة للأمام:

رأينا في هذا الفصل أنّ الدراسة اللاهوتيّة الدقيقة للموضوعات والعناصر الجوهريّة في الإنجيل تتيح لنا الفرصة لإكتشاف الصلة بينه وبين مستمعينا. وهذا النسق الفكري يمكن تطبيقه على كل الموضوعات. المُهم هو أن نجد نقاط التلاقي بين الإنجيل وحياة الناس، واللاهوت هو الذي يُساعدنا على تحديد أنسب هذه النقاط، بما يمكّن الأفراد من اكتشاف فرح الإيمان. إلاّ أنّ هذا لا يعني أننا نختزل الإنجيل لنقطة واحدة فقط، ولكنّه يعني أنّنا نبحث عن أكثر جوانب الإنجيل قربًا وملاءمة للشخص الذي نتحدث إليه، وسوف تأتي بقيّة جوانب الإنجيل في وقتها المناسب. ولذلك، علينا أن نبدأ من نقطة معيّنة مع كل شخص، واللاهوت هو ما يُساعدنا على تحديد أفضل نقطة بدء في كل حالة على حده.

وسنركز في الفصل التالي بمزيد من التفصيل على هويّة المستمعين، وكيف تؤثر على أسلوبنا في خدمة الدفاعيّات.

لمزيد من الإطلاع:

Allen, Diogenes. Christian Belief in a Postmodern World: The Full Wealth of Conviction. Louisville: Westminster John Knox, 1989.

Grenz, Stanley J., and William C. Placher. Essentials of Christian Theology. Louisville: Westminster John Knox, 2003.

McGrath Alister E. Christian Theology: An Introduction, 5th ed. Oxford: Wiley-Blackwell, 2011.

Sire, James W. A Little Primer on Humble Apologetics. Downers Grove.IL: InterVarsity, 2006.

Sproul, R. C. Defending Your Faith: An Introduction to Apologetics. Wheaton: Crossway, 2003.

[1] Avery Dulles, A History of Apologetics, 3rd ed. (San Francisco: Ignatius Press, 2005), xix

[2] Richard S. Westfall, The Life of Isaac Newton (Cambridge: Cambridge University Press, 1993), 73-75.

[3] For some important representative accounts, see Colin E. Gunton, The Actuality of Atonement: A Study of Metaphor, Rationality, and the Christian Tradition (Grand Rapids: Eerdmans, 1989); Charles E. Hill and Frank A. James, eds., The Glory of the Atonement: Biblical, Historical & Practical Perspectives (Downers Grove, IL: InterVarsity, 2004); Peter Schmiechen, Saving Power: Theories of Atonement and Forms of the Church (Grand Rapids: Eerdmans, 2005); and Thomas F. Torrance, Atonement: The Person and Work of Christ (Downers Grove, IL: InterVarsity, 2009)

[4] Lewis, “Christian Apologetics,” C. S. Lewis: Essay Collection (London: HarperCollins, 2000), 152-53.

[5] For an excellent introduction, which offers the apologist many helpful approaches and analogies, see Cornelius Plantinga, Not the Way It’s Supposed to Be: A Breviary of Sin (Grand Rapids: Eerdmans, 1995).

[6] C. S. Lewis, Mere Christianity (London: HarperCollins, 2002), 63.

المداخل المتاحة للدفاعيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

المداخل المتاحة للدفاعيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

المداخل المتاحة للدفاعيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

عن كتاب: الدفاعيات المجردة لأليستر ماكجراث

المداخل المتاحة للدفاعيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

 فتح الباب للإيمان

يمكن تشبيه الدفاعيات بإزاحة الستار حتى يتمكن الناس من رؤية لمحة لما يختبئ ورائها، أو يرفع ماسة مقابل النور فتتلألأ وجوهها وتبرق عند سقوط أشعة الشمس عليها. فالدفاعيات تهتم بتأسيس مداخل للإيمان، سواءً تخيلنا هذه المداخل فتح أبواب، أو إزاحة ستار، أو إضاءة مصباح حتى يرى الناس بمزيد من الوضوح، أو استخدام عدسة تضع الأشياء في البؤرة. والموضوعات الرئيسية في الدفاعيات هي تلك التي تتيح للناس رؤية الأشياء بوضوح، وربما للمرة الأولى، تساعدهم على اكتشاف الأفكار المضللة، فيدركون فجأة سر ما يتمتع به الإيمان المسيحي من قدرة على الإقناع على المستوى الفكري وجاذبية على المستوى التخيلي.

فالدفاعيات تقوم بمد الجسور التي يعبر عليها الناس من العالم الذي يعرفونه إلى العالم الذي يودون اكتشافه، وتساعدهم في العثور على أبواب ربما لم يسمعوا بها من قبل، فيرون عالماً يفوقُ كل تخيلاتهم ويدخلون فيه. والدفاعيات تفتح العيون وتفتح الأبواب بتأسيس مداخل للإيمان المسيحي. فما هي المداخل التي نقصدها؟

حتى عهد قريب، كان الاتجاه السائد في الدفاعيات يعتمد على استخدام الحجج للدفاع عن الإيمان المسيحي بشكل عقلاني. إلا أن هذا الاتجاه كان يمثل إلى حد كبير استجابة لثقافة عقلانية اتخذت من التوافق مع العقل معياراً للحق. وسنرى أن استخدام الحجة ما زال يمثل جزءاً لا يتجزأ من الدفاعيات المسيحية ولا يجب تهميشه أبداً. إلا أن تراجع المذهب العقلاني في الثقافة الغربية أدى إلى الإقلال من أهميتها. وخلَق جواً يتطلب إدراكَ جوانب أخرى في الإيمان المسيحي، وعلى رأسها ما يتمتع به من جاذبية عظمى على مستوى الخيال، والأخلاق. والكُتاب المسيحيون القدامى، وخاصةً كُتاب العصور الوسطى وعصر النهضة، علقوا أهمية كبرى على الصور التشبيهية والقصص الكتابية في تعليم الأشخاص المخلصين، إلا أن صعود تيار الحداثة أدى إلى الحط من قيمة هذين العنصرين بقدر ما أدى ظهور تيار ما بعد الحداثة إلى إعادة اكتشاف قوة تأثيرهما.

وقد أدى نمو تيار ما بعد الحداثة مؤخراً إلى تأكيد أهمية القصة والصورة من جديد لأن كلاً منهما يجذب الخيال البشري بشكل خاص. وكل من له دراية بتاريخ الدفاعيات المسيحية لا يصعب عليه أن يدرك أن المدافعين القدامى كانوا يعتمدون اعتماداً كبيراً على هذين العنصرين باعتبارهما مداخل للإيمان، وخاصةً في عصر النهضة. ولذلك، فنحن بحاجة لاستعادة هذه الأساليب القديمة في الدفاعيات لخلق منهج متوازن يدافع عن الإيمان المسيحي ويبرز جماله في ظل ما تشهده ثقافتنا من تحولات.

وعلينا أن نكيف دفاعياتنا بم يتلاءم مع مستمعينا، مع الانتباه لوجود عدة نقاط للتلاقي بين الإنجيل والنفس البشرية. ويتضح أن العهد الجديد نفسه يُعنى بربط الإنجيل مع مفاهيم وخبرات المتلقين على اختلاف نزعاتهم. فإن كانت النفس تَعطش لله “كَأَرضٍ يَابِسَةٍ” (مز143: 6)، فكيف ترتوي؟ إن مهمتنا تحديد القنوات المتاحة التي تتدفق فيها مياه الإنجيل الحية فتنعش النفس البشرية وتغيرها، ثم استخدام هذه القنوات بأمانة وفاعلية. وفي هذا الفصل سأستخدم صورة المدخل لتساعدنا على فهم هذه المنهجيات المختلفة.

المداخل والدفاعيات: بعض الأفكار

تُعتبر صورة الشمس والنافذة من أهم الصور التي استخدمها اللاهوتيون في العصور الوسطى لشرح ما تجريه نعمة الله من تغيير في النفس البشرية. وتُعَد كتابات “ألن الذي من لِيل” Alan of Lille (المتوفى سنة 1203) مثالاً جيداً على هذا حيث يشَبه النفس البشرية بحجرة باردة مظلمة. ولكن عندما تُفتح النافذة على مصراعيها، يندفع نور الشمس إلى الحجرة فيشيع فيها النور والدفء. إلا أن فتح النافذة لا يدفئ الغرفة ولا ينيرها، ولكنه يزيل حاجزاً من أمام القوة التي يمكنها أن تفعل ذلك، فسبب التغيير الحقيقي هو الشمس. وكل ما نفعله نحن أننا نزيل الحاجز الذي يمنع نور الشمس وحرارتها من دخول الحجرة.

وهذه الصورة تساعدنا على إدراك هذه الفكرة اللاهوتية، وهي أننا لا نتسبب في تغيير الناس وقبولهم للإيمان. ويؤكد “ألن” أننا نحن الذين لا بد أن نفتح نافذة عقولنا على مصراعيها، فتتمكن نعمة الله من العمل في حياتنا، وهكذا ينحصر دورنا في إزالة العوائق من أمام نعمة الله، أما تجديد نفوسنا فهو مهمة هذه النعمة الإلهية. إلا أن الصورة مهمة في مجال الدفاعيات أيضاً، فهي تُذكرنا أن الله هو من يغير النفوس، وتؤكد في الوقت نفسه أننا قادرون على تيسير هذه العملية بالمساهمة في إزالة الحواجز والعوائق التي تقف أمام نعمة الله.

والمدخل وسيلة تنفتح بها عيوننا على حقيقة حالتنا، وقدرة الإنجيل على تغييرها، ولكي نفهم هذه النقطة المهمة، تخيل أنك مصاب بتسمم في الدم، وحياتك ستنتهي في غضون ساعات لو لم تحصل على الأدوية اللازمة ولكنك لا تعرف ما أصابك على وجه التحديد، ولا تعرف بوجود علاج لهذه الحالة. حاول أن تتخيل نفسك في ذلك الموقف. والآن فكر في الطرق التالية التي يمثل كل منها مدخلاً يؤدي إلى تغيير وضعك:

  1. يخبرك طبيب من أصدقائك أن ما تعانيه هو تسمم في الدم، ويشرح لك أن هذه الحالة إن لم تعالج تؤدي إلى الوفاة، ويعطيك أسماء عدة أدوية ويخبرك بالمكان الذي تحصل عليها منه وبكيفية استخدامها.
  2. يخبرك صديق آخر أنه أصيب بهذه الأعراض عينها، إلا أن شخصاً أخبره بدواء معين أنقذ حياته، يقترح عليك أن تجرب هذا الدواء. أي أنه يحكي لك قصته الشخصية التي تتقابل مع قصتك في هذه النقطة الحرجة.

الطريقة الأولى تمثل حجة تستند إلى أدلة، أما الثانية قصة تستند إلى خبرة شخصية يرى صاحبها أنها مطابقة للموقف الذي تمر به. ورغم أن كل أسلوب يختلف تماماً عن الآخر، فكلٌّ منهما يمثل مدخلاً. كيف؟

أولاً، كلٌّ منهما يساعدك على رؤية الأمور على حقيقتها. ثانياً، كلٌّ منهما يتيح لك أن تدرك ما يجب فعله لتغيير الأوضاع. ثالثاً، كلٌّ منهما يشجعك على اتخاذ تلك الخطوة الحاسمة بالحصول على الدواء، وتناوله حتى تتحسن حالتك.

إن الدواء هو سبب شفائك، ولكنك لو لم تدرك حقيقة حالتك، وأنك تحتاج للدواء، لكان شفاؤك مستحيلاً. ونعمة الله هي الدواء، وبعد أن تُشفى بهذه النعمة يمكنك أن تساعد الآخرين على إدراك حاجتهم لها، ويمكنك أن تشهد عن قوتها. والله هو من يغير الناس ويأتي بهم للإيمان، أنت جزء صغير (ولكنه حقيقي) في عملية الشفاء هذه. ومن ثم، فما تقوله يمكن أن يمثل مدخلاً يسمح للناس برؤية الأمور من منظور مختلف، مما يساعدهم على تخيل طريقة جديدة للتفكير والعيش.

فما هذه المداخل المتاحة للدفاعيات المسيحية؟ سوف نبحث في هذا الفصل بعض الإمكانات المتوفرة للدفاعيات. وسنبدأ بأبسط الأساليب الدفاعية، ألا وهي شرح ماهية المسيحية.

المدخل الأول: الشرح:

أفضل دفاع عن المسيحية هو شرحها. أي أنك إن أردت أن تدافع عن المسيحية أو تبرز جمالها، فأفضل السبل لذلك أن تبدأ بتعريف الناس بماهية المسيحية، لأن الكثيرين لديهم مفاهيم خاطئة عن المسيحية تعيق قبولهم للإيمان. ومن أروع الأمثلة على ذلك مثال يقدمه اللاهوتي العظيم القديس أغسطينوس الذي قبِل الإيمان بعد جولة طويلة في أراضي الفلسفة المجدبة. كان أغسطينوس شاباً موهوباً في الخطابة من شمال أفريقيا، وقد صاحب المانويين، وهي طائفة كانت شديدة الانتقاد للمسيحية، هكذا استقى جُل معرفته بالمسيحية من نقادها، لم تكن بالمعرفة الدقيقة. ورفض أغسطينوس المسيحية باعتبارها لا تستحق اهتمام شخص في ثقافته وذكائه.

وكان أغسطينوس طموحاً، فقرر أن يكون رجلاً ناجحاً في عاصمة الإمبراطورية فغادر شمال أفريقيا متجهاً إلى روما. وبعد فترة وجيزة من وصوله، عُرِضَت عليه وظيفة خطيب عام في ميلانو، وهي المدينة الرئيسية في شمال إيطاليا. ونظراً لإدراكه بأن هذه الوظيفة يمكن أن تمثل بداية لحياة مهنية ذات شأن في العمل المدني بالإمبراطورية، رحب أغسطينوس بالعرض. إلا أنه كان يعلم أيضاً أن تقدمه في المجال السياسي يعتمد على قدراته البلاغية. فمن يستطيع أن يساعده في تطوير هذه المهارات؟

اكتشف أغسطينوس بعد وصوله إلى ميلانو أن أمبروز Ambrose أسقف المدينة المسيحي مشهور ببراعته في الخطابة، فقرر أن يكتشف بنفسه ما إذا كان يستحق هذه الشهرة. فكان كل يوم أحد يتسلل إلى الكاتدرائية الكبيرة في المدينة ويستمع لعظات الأسقف. وفي البداية لم يكن اهتمامه بالعظات سوى اهتمام الشخص المتخصص الذي ينظر للعظة باعتبارها خطبة فخمة. ولكن محتوى العظات بداً يستحوذ عليه تدريجياً.

اعتدت أن أسمع عظاته متحمساً، ولكني لم أكن مدفوعاً لذلك بالدافع الصحيح، بل كنتُ أريد أن أختبر مهارته في الخطابة لأرى ما إذا كانت طلاقته أفضل مما قيل لي عنه أم أدنى…. ولكني لم أكن مهتماً بما يقول، وكانت أذناي لا تتجه سوى نحو أسلوبه في الخطابة…. إلا أنه كما دخلت الكلمات التي أمتعتني إلى عقلي، هكذا دخلت المادة التي لم أكن أعبأ بها في بادئ الأمر، حتى إني لم أتمكن من الفصل بينهما. فبينما كنت أفتح قلبي لفصاحته، دخل معها أيضاً الحق الذي كان يعلنه.

وكما يتضح من رحلة أغسطينوس الطويلة إلى الإيمان، نجح أمبروز (الذي أصبح أغسطينوس يعتبره واحداً من أبطال اللاهوت) في إزالة عائق ضخم من طريق الإيمان. فقد أبطل مفعول الصورة المغلوطة التي روجتها المانوية عن المسيحية. وبعد أن استمع أغسطينوس لأمبروز بدأ يدرك أن المسيحية أكثر جاذبية وإقناعاً مما كان يظن بكثير. وهكذا أزيل عائق يقف أمام الإيمان. وبالرغم من أن أغسطينوس لم يؤمن بالمسيحية إلا بعد فترة، فقد كان لقاؤه مع أمبروز علامة بارزة على طريق البحث.

ولابد أن البعض ممن نلتقي بهم في خدمتنا الدفاعية يحمل أفكاراً مضللة ومشوهة تماماً عن المسيحية. وهذه المفاهيم الخاطئة التي يلتقطها البعض دون وعي، والبعض الآخر ينشرها عن قصد، لابد من تحديدها وإبطال مفعولها بخطة مُحكمة مدروسة.

ننتقل الآن لنبحث ما قد يُعتبر أكثر مداخل الإيمان شيوعاً ألا وهو استخدام الحجة المنطقية.

المدخل الثاني: الحجة:

تؤكد المنهجيات الكلاسيكية في الدفاعيات أهمية العقل في كلٌّ من بناء حجة فكرية تؤيد فكرة وجود الله، ونقد الأفكار المغايرة. وقد بحثنا فيما سبق دور الحجج في الدفاع عن وجود الله، ومنها:

  1. الحجة المبنية على التصميم argument from design: وهي تَعتبر أن ملاحظة التصميم الموجود في العالم، مثل ما يميزه من “ضبط دقيق”، أو بنية معقدة يشير إلى أن الله هو المصمم (ص 99، 100).
  2. الحجة المبنية على الإنشاء argument from origination: إن كانت للكون بداية، فهذا يعني أن له مسبباً أنشأه، وقد يكون هذا المسبب شخصاً أو شيئاً، وهو ما يشير تلقائياً إلى فكرة الله في المسيحية باعتباره خالقَ كل شيء (ص 96- 98).
  3. الحجة المبنية على الترابط argument from coherence: وهنا نركز على قدرة الإيمان المسيحي أن يقدم تفسيراً لما نلاحظه في العالم المحيط ولما نختبره داخلنا (ص79- 86، 101- 103).
  4. الحجة المبنية على الأخلاق argument from morality: تقول هذه الحجة باستحالة وجود قواعد ثابته وموثوق بها للقيم الأخلاقية إلا إذا كان لها أساس يتجاوز هذا العالم المادي، كإله بار مثلاً (ص 104-109).

وقائمة الحجج تطول، ولكن لابد أن نأخذ في اعتبارنا أن هذه الحجج لا يجب أن تُفهم على أنها “براهين” بالمعنى المنطقي الدقيق للكلمة. ولكن ما توضحه هذه الحجج بكل جلاء أن الإيمان بالله له أسباب وجيهة، أو أن الإيمان بالله له مبرراته، حتى وإن كان لا يمكن البرهنة عليه بشكل مطلق.

وكلمة “برهان” بمعناها الدقيق لا تنطبق إلا على المنطق والرياضيات، فكما يمكننا أن نبرهن على أن الكل أكبر من الجزء، يمكننا أن نبرهن أن 2+2 =4. إلا أنه يجب أن نحترس من الخلط بين “قابلية البرهنة” و”الحق”. ففي مطلع القرن العشرين أثبت عالم الرياضيات العظيم “كرت جودل” Kurt Godel أنه بالرغم من كثرة ما نصوغه من قواعد الاستدلال، ستظل هناك بعض الاستدلالات التي لا تخضع لهذه القواعد، ومع ذلك فهي مقبولة. أي أن هناك عدداً من الأفكار الصحيحة التي قد لا يمكننا إثبات صحتها، وهذه الحقيقة تنطوي على معانٍ غاية في الأهمية من الناحية الفلسفية.

ويمكن استخدام الحجج أيضاً في نقد بدائل الإيمان المسيحي وتقييمها، وذلك بإظهار عدم ترابطها على المستوى الفكري أو افتقارها لأساس من الأدلة يمكن الوثوق به. فقد أبرزنا مثلاً عبر صفحات هذا الكتاب قدرة الإنجيل على خلق معنى للأشياء. ونحن بذلك لا نحصر جاذبية المسيحية في أبعادها العقلانية فحسب، لأنها غنية بالجوانب الوجدانية، والأخلاقية، والتخيلية، والوجودية. ويجب على المدافع الذي يتحلى بروح المسئولية أن يستفيد منها استفادة كاملة. ولا شك أن الكثيرين ينجذبون إلى الإيمان المسيحي بسبب قدرته على خلق معنى للأشياء.

ولكن ماذا عن بدائل المسيحية؟ ما مدى قدرة النظم المنافسة على خلق معنى للأشياء؟ هل تصمد أمام اختبار الاتساق التجريبي، أي هل تنجح نظرياتها في خلق معنى للملاحظة وللخبرة؟ وقد أكدنا في فصل سابق أهمية إظهار ما يميز الإيمان المسيحي من قدرة على خلق معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ولا يكفي هنا أن يقتصر المدافع على إظهار تفوق المسيحية في هذا الصدد، ولكنه لا بد أن يبين قصور البدائل الأخرى.

ويرجع الفضل في تصميم هذا الأسلوب لواحد من أهم المدافعيين الكتابيين في أمريكا الشمالية أثناء القرن العشرين، وهو “فرانسيس شِفَر” (1912- 1984). ويُبرز أسلوب “شِفَر” في الدفاعيات الكثير من النقاط التي تناولناها في هذا الكتاب. فهو يلفت النظر مثلاً لأهمية أخذ الجمهور في الاعتبار، والابتعاد عن استخدام منهج موحد للجميع: “إن أردنا أن نتواصل مع مستمعينا، لابد أن نصرف الوقت والجهد لنفهم لغتهم، حتى نوصل لهم الرسالة باللغة التي يفهمونها.” أي أن المدافع لابد أن يستمع لجمهوره حتى يتعلم لغتهم ليتمكن من التواصل معهم بهذه اللغة.

ويبدو أن “شِفَر” اكتشف بنفسه أهمية الإصغاء لأفكار جمهوره ومخاوفهم وتطلعاتهم أثناء عمله المرسلي في المنطقة الناطقة بالفرنسية في سويسرا في أواخر الخمسينات وفي الستينات من القرن العشرين. ونظراً لأنه كان يقيم في كوخ سويسري (اسمه “لابري” L’Abri وهو مشتق من الكلمة الفرنسية التي تعنى “مأوى” أو “ملجأ”) في قرية بجبال الألب تدعى “إيموز” Huemoz، فقد كان يستضيف الكثير من الطلاب الذين يتجولون في أنحاء أوروبا، ولاسيما الشباب الأمريكيين الذين كانون يتجولون في مختلف البلدان الأوروبية بحقيبة ظهر. فكان يسمع آرائهم في الأفلام والروايات المعاصرة أو في الفلسفات الجديدة التي ظهرت آنذاك. وكان يتساءل كيف يمكن تقديم الكتاب المقدس بشكل يناسب الأفكار الوجودية العنيدة التي روجها الفلاسفة المؤثرون في تلك الحقبة مثل “جان بول سارتر”  Jean Paul Sartreوكذلك “سورن كيركجارد”. وإذ استمع “شِفَر” لهؤلاء الطلاب وهم يُعبرون عن أفكارهم، اكتشف أنه يمكنه التفاعل معهم في مستواهم وبلغتهم، مستخدماً صوراً توضيحية من عالمهم ليساعدهم على إدراك معقولية الإيمان المسيحي.

إلا أن أعظم إساهم قدمه “شِفَر” للدفاعيات يكمن في الأهمية التي يعلقها على تحديد مَواطن الصراع في الفلسفات غير المسيحية واكتشاف ما تنطوي عليه من معانٍ أشمل. والمقصود أن أي فلسفة حياتية ترتكز على افتراضات مسبقة معينة، فإن كانت هذه الافتراضات المسبقة من صنع الإنسان ولا تتضمن تفويضاً أو تخويلاً إلهياً، فلن تتمكن من التوافق مع بِنَى الكون الذي خلقه الله.

كلما كان مَن يؤمن بفكر غير مسيحي منسجماً مع افتراضاته المسبقة، ابتعد عن العالم الحقيقي، وكلما اقترب من العالم الحقيقي، تَبدد انسجامه مع افتراضاته المسبقة.

ويقول “شِفَر” إن كل شخص يعيش بإحدى قدميه في أحد العالمَين ويضع الأخرى في العالم الآخر: العالم الحقيقي الخارجي الذي يتميز بعمقه وتعقيده، وعالم داخلي من الأفكار يشكله الاشتياق للتفهم، والحب، والقيمة. فإن وُجِد صراع بين هذين العالمين، يستحيل على الفرد أن يحيا حياة لها معنى. فلابد من وجود توافق بين خبرتنا في العالم الخارجي وعالمنا الداخلي. ولذلك، يرجح “شِفَر” أن المدافع لابد أن يستخدم الحجة المنطقية لتحديد وكشف التناقضات والصراعات الداخلية التي تحويها الفلسفات الحياتية غير المسيحية. وهو يبين أنها تقوم على فرضيات أو افتراضات مسبقة لا تتسق مع الوجود الإنساني الحقيقي ولا تتوافق معه.

كل مَن نتحدث إليه، سواءً أكان بائعاً في متجر أم كان طالباً جامعياً، يحتفظ بمجموعة من الافتراضات المسبقة، سواءً قام بتحليلها أم لم يقم….. ويستحيل على أي شخص غير مسيحي أو جماعة غير مسيحية أن تتوافق مع النظام الذي تتبعه سواء على مستوى المنطق أو على مستوى الممارسة. وعندما يحاول الشخص إخفاء الصراع، عليك أن تساعده على كشفه، وفي نقطة معينة سيكتشف عدم الاتساق. وعندئذٍ سيجد نفسه غير قادر على الاستمرار، وهذا الصراع ليس صراعاً فكرياً فحسب، ولكنه يقع في صميم الكيان الإنساني ككل.

ومن ثم، على المدافع أن يساعد الفرد على إدراك هذا “الصراع” والشعور بقوته الفكرية والوجودية، وهو ما يتضمن مساعدته على اكتشافه أولاً، وتقدير أهميته ثانياً. ويرى “شِفَر” أن البشر يَقُون أنفسهم من هذا الصراع بحمايتها داخل شرنقة فكرية تمنعهم من مواجهة ذلك الاكتشاف المزعج بأن أفكارهم لا تتفق مع الواقع. ويستخدم “شِفَر” صورة يقتبسها من شتاء سويسرا لوصف هذه الحالة، فهو يشبه هذه الشرنقة الفكرية بأسقف أكواخ جبال الألب التي تعمل كمصدات تحمي المسافرين من الانهيارات الثلجية:

فهو يشبه المصدات الكبيرة التي تبنى على بعض الممرات الجبلية لحماية العربات من انهيارات الصخور والحجارة التي تهوي من فوق الجبل من آن لآخر. وهذه الانهيارات الثلجية في حالة غير المسيحي هي العالم الحقيقي الساقط المشوه الذي يحيط بهم. وعلى المسيحي أن يزيل المصدة بحب ويسمح لحقيقة العالم الخارجي وحقيقة الإنسان بأن تصدمه.

ومن ثم يمكن النظر إلى الدفاعيات باعتبارها نزعاً لسقف هذا الكوخ لإجبار الشخص على إدراك أن طريقة تفكيره عاجزة عن الصمود في مواجهة العالم الحقيقي الخارجي.

فكيف يمكن تطبيق هذا المنهج؟ يعطينا “شِفَر” مثالاً يوضح هذا الأسلوب جيداً. فقد كان يتحدث إلى مجموعة من الطلاب في غرفة بإحدى الكليات في جامعة كامبردج، وبينما كان الماء يغلي لتحضير الشاي، ابتدره أحد الطلاب الهنود قائلاً إن المسيحية لا معنى لها. فسأله “شِفَر” عن عقيدته قائلاً: “ألستُ على صواب إن قلت إن القسوة وعدم القسوة متساويات في عقيدتك، وليس بينهما أي فارق أصيل؟” فوافقه الطالب. ثم يروي “شِفَر” ما حدث بعد ذلك:

الطالب الذي اجتمعنا في غرفته فهم جيداً ما يعنيه اعتراف الطالب السيخي، فتناول الغلاية الممتلئة بالماء الساخن الذي كان سيعمل به الشاي، ووضعها أعلى رأس الشاب الهندي والبخار يتصاعد منها. فنظر الشاب لأعلى وسأله: ماذا تفعل؟ فأجابه بنبرة حاسمة باردة ولكنها مهذبة: “لا فرق بين القسوة وعدم القسوة.” وعندئذ خرج الهندي صامتاً واختفى في ظلام الليل البهيم.

وأسلوب “شِفَر” يتسم بقوته وبقدرته على الوفاء بالعديد من الأغراض، مما يجعله صالحاً لعدد من المواقف المختلفة. خذ مثلاً الوضعية المنطقية Logical Positivism، وهي حركة فلسفية حققت نجاحاً كاسحاً في العالم الناطق بالإنجليزية في ستينات القرن العشرين. وقد أعلنت هذه الحركة أن كل العبارات الميتافيزيقية*، بما فيها ما يتعلق بالله، عديمة المعنى. وكان الأساس الذي اعتمدت عليه هذه الفلسفة في ذلك هو “مبدأ التحقق” الذي قصر العبارات ذات المعنى على القضايا الصحيحة في حد ذاتها (مثل “كل العزاب غير متزوجين”) أو التي تتأكد بالخبرة (مثل “كان في الحديقة الأمامية لقصر “باكينجهام” ست إوزات الساعة 5:23 صباحاً يوم 1 ديسمبر 1968″). وتطبيق منهج “شِفَر” يتيح لنا أن نؤكد أن مبدأ التحقق نفسه عديم المعنى لأنه لا يتماشى مع المعيار الذي اعتمدته الوضعية المنطقية لقياس المعنى.

أو خذ مثالاً أبسط للهجمة الشرسة التي غالباً ما نواجهها في جامعات أمريكا الشمالية: “لا يمكن أن تتأكد من أي شيء”. وهذه النظرة تهدف إلى الإطاحة برؤية “الصورة الكبرى” للواقع، كتلك التي يقدمها الإيمان المسيحي لأنها تعني أننا لابد أن نتشكل حتى في كل العبارات المؤكدة المختصة بالحياة. ولكن من الواضح أن هذا التصريح ذاتي المرجعية يعتمد في صدقه أو كذبه على ذاته self-referential، ويمكن تقويضه والقضاء عليه بطرح سؤال بسيط رداً عليه: “هل أنت متأكد من ذلك؟” وهكذا فإن المنطق الذي يقوم عليه الادعاء هو نفسه الذي يُسقطه.

إلا أن هذا لا يعنى أن مهمتنا هي مجرد الفوز بالمجادلات أو تقديم المؤهلات العقلانية للإيمان. فمما يؤسف له أن تأثير حركة التنوير على الثقافة الغربية لم يختفِ، ولا سيما في الإصرار على تقديم براهين تثبت صحة العقائد، مما نتج عنه تقديم الدفاعيات المسيحية باعتبارها مجرد بناء حجج فعالة تهدف لإقناع الناس بصحة الإيمان المسيحي. إلا أن الخطورة في ذلك أنه قد يؤدي إلى إظهار المسيحية على أنها مجموعة من الحقائق الجامدة والأفكار المجردة. ولذلك، فإن هذا المنهج ينطوي على ثلاث صعوبات.

أولها، أنه ليس  مؤسساً على الكتاب المقدس كما يجب. فالحق، ولاسيما في العهد القديم، يركز في المقام الأول على المصداقية والثقة. والقضية الأساسية في الدفاعيات تتلخص في أن الله هو قاعدة أمان، وأنه أساس آمن تُبنى عليه حياة الإيمان. أي أن “الإله الحقيقي” ليس مجرد إله موجود، بل إله يمكن الاعتماد عليه. والنظرة العقلانية التي تعتبر الحق هو كل افتراض تثبت صحته تستبعد النظرة الكتابية التي تعتبر الحق مفهوماً علاقاتياً.

والمشكلة الثانية أن جاذبية الإيمان المسيحي لا يمكن أن تقتصر على منطقية عقائده. ولكن المسيحية تستند بقوة على الخيال أيضاً. كما توضح كتابات “سي. إس. لويس.” وعندما كان “لويس” شاباً وجد نفسه يتوق إلى عالم له معنى، يشتعل حباً، ويفيض جمالاً، ولكنه اقتنع أن هذا العالم لم ولن يوجد: “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريباً وَهم، وتقريباً كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفراً وبلا معنى.” لقد أخبره خياله بوجود عالم أفضل، ولكن عقله أخبره أنه كلام فارغ. فلم يجد أمامه خياراً سوى مواجهة عالم مجدب مجرد من المشاعر، ومواجهة وجوده الخالي من أي معنى.

وأخيراً اكتشف “لويس” عقلانية الإيمان المسيحي، إلا أن انجذابه للإيمان كان سببه أن الإنجيل يقدم معنى، وليس لأنه يُعبر عن افتراضات صحيحة. وقد علق “لويس” على هذا قائلاً: “إن العقل هو الأداة الطبيعية للحق، ولكن الخيال هو أداة المعنى.” وجاذبية الإيمان المسيحي عند البعض تتمثل في جمال عبادته، أو في قدرته على التلامس مع المشاعر الإنسانية، أو في نتائجه الأخلاقية.

أما ثالث هذه المشكلات فهي أن المنهج العقلاني يقوم على نظرة حداثية. إلا أنه في معظم أنحاء العالم الغربي اليوم، حل اتجاه ما بعد الحداثة مكان الحداثة، مما يقلب الكثير من المعتقدات المحورية للحداثة رأساً على عقب. فالاستناد إلى الصفة العقلانية الأصيلة في الإيمان ينجح في إطار حداثي، ولكن في أطر ثقافية أخرى، قد يفشل هذا المنهج نفسه الذي يقوم على الحجة والمنطق فشلاً ذريعاً في التلامس مع التطلعات والأفكار الثقافية المسبقة. وكما سنرى في قسم لاحق من هذا الفصل، أن ميل ما بعد الحداثة للقَصص أكثر منه للحجة يتيح فرصاً عظيمة للدفاعيات الكتابية نظراً لأن الأشكال القصصية تملأ صفحات الوحي.

ولكننا مع ذلك، ما زلنا نؤكد منطقية الإيمان ونشدد عليها، دون أن نحصره فيما يمكن للمنطق أن يبرهن عليه بشكل قاطع. فأسئلة الحياة الجوهرية تتجاوز حدود العقل بكثير، ومن هذه الأسئلة: من أنا؟ هل أنا مهم فعلاً؟ لماذا أنا هنا؟ هل يمكنني أن أُحدث اختلافاً؟ وهي أسئلة لا يمكن للعلم ولا للمنطق البشري الإجابة عنها. ومع ذلك، إن لم يجد المرء إجابات لهذه الأسئلة، تصبح حياته بلا معنى. وعلينا نحن المدافعين أن نبين أن الإيمان المسيحي يقدم إجابات لأسئلة الحياة الجوهرية، وهي إجابات منطقية من ناحية، وناجحة على المستوى العملي من ناحية أخرى. فكما هو مهم أن نُظهر أن المسيحية صحيحة، مهم أحياناً أن نُظهر أنها حقيقية.

المدخل الثالث: القصص:

إن تركيز تيار ما بعد الحداثة على القصص يمثل أهمية خاصة في الدفاعيات. فقد كانت الحداثة تنظر بعين الريبة للقصة في التعامل مع الواقع. ومن ثم، سعت لإجهاضها أو التخلص منها بالاستناد إلى التحليل أو الحجة العقلانية، بحيث تتحرر تماماً من قيود عشوائية التاريخ الأليمة. وقد انعكس ذلك بكل وضوح في تفسير الكتاب المقدس. وكما أشار “هانس فري” Hans Frei  (1922- 1988) أستاذ اللاهوت في “جامعة ييل” Yale University، مختزلاً ما به من روايات تاريخية وأشكال قصصية (كأمثال المسيح) إلى أفكار مجردة من الزمن. وكان يُنظر إلى القصة كأنها قشرة مزعجة غير مستحبة تغطي على الجوهر الفكري والأخلاقي للكتاب المقدس.

إلا أن تيار ما بعد الحداثة شهد استعادة للاهتمام بالقصة الكتابية بما فيها الأشكال القصصية الخاصة كالأمثال التي رواها يسوع ليُعَلم الجموع عن ملكوت الله. ولم يعد إثبات الحق يتوقف على الحجة، ولكن بدأ يُنظر للقصص على أنها قادرة على تكوين هوية مميزة من الناحية الأخلاقية والمفاهيمية. فالمسيحية تعلن عن عالم يتشكل بالقصص وهي تسكن في هذا العالم، والأساس الذي يشكل أفكار هذا العالم وقيمه هو قصة تعاملات الله مع شعبه التي تبلغ ذروتها في قصة يسوع الناصري. وهكذا فالمسيحية في أساسها ليست مجرد مجموعة أفكار. منذ حوالي سبعينات القرن العشرين، تزايد الاهتمام بدراسة دور القصة في كلٍّ من اللاهوت والفلسفة، وعلى صعيد الفلسفة الإنجليزية والأمريكية، ظهر بعض الكُتاب البارزين أمثال “بول ريكور” Paul Ricoeur وكذلك “ألاسدير ماكينتاير” وأيضاً “تشارلز تيلور” الذين تصدوا لتقديم معالجات جادة لما ينطوي عليه القَصَص من موضوعات أساسية. فقد درس “ريكور” القصة بوصفها أساساً لكل صور فهمنا للعالم وبوصفها إطاراً يعيش فيه البشر. ويقول “ماكينتاير” بأن قرارات حياتنا تتشكل وتترتب بناءً على فهمنا لها باعتبارها تشكل جزءاً في “قصة” (أو تقليد) أكبر. وهو يقول “لا يمكنني أن أجيب عن سؤال “ماذا يجب أن أفعل؟” إلا بعد أن أجيب عن سؤال أسبق، وهو “ما هي القصة التي أشكل جزءاً منها؟” وكما سنرى، يمكن أن تمثل هذه المنهجيات قيمة عظمى للدفاعيات المسيحية.

والكثيرون اليوم يؤيدون الرأي الذي يقول بأن القصص هي المنظار الأساسي الذي يرى البشر الواقع من خلاله. فنحن نرى العالم باعتباره قصة تجيب عن الأسئلة المحورية المختصة بالوجود، والهوية، والمستقبل. وهذه القصص يمكن أن تجيب عما يسميه الفيلسوف “كارل بوبر” Karl Popper “الأسئلة العليا” “ultimate questions” وهو بذلك يريدنا أن نفهم المسائل الكبرى التي تتناول “معنى الحياة”، ومنها تلك التي يطرحها “روي بوميستر” Roy Baumeister، وهي التي تتعلق بالهوية، والغرض، والتكليف، والقيمة وتتخذ شكل أسئلة مثل: “من أنا؟” “ما هدف الحياة؟” ” ماذا أفعل لأُحدث فرقاً؟”

وقد أدرك البشر من قديم الزمان الأهمية الثقافية والفكرية لوجود قصة تفسيرية شاملة وغالباً ما يستخدم مصطلح “الأسطورة” في المجال الأكاديمي للإشارة إلى هذه القصص التفسيرية التي تشرح الواقع والهوية الشخصية والاجتماعية. (عادةً ما يساء فهم مصطلح “الأسطورة” على أنه “قصة غير حقيقية”، إلا أن هذا المعنى ليس هو المقصود هنا). ولكن كما أشار “لويس” وآخرون، كلمة “أسطورة” تشير أساساً إلى قصة عن العالم تُمكن الأفراد من فهمه والعيش فيه. وهذه “الأساطير” تمثل العدسات التي ينظر بها أي مجتمع للعالم، فهي تقدم إطاراً يسهم في حل التناقض بين الخبرات العديدة ويعمل على خلق رابطة بينها.

والقصة المسيحية عند “لويس” التي يعتبرها المنحة الإلهية التي تكمل وتتوج المحاولات البشرية الأخرى في صنع الأسطورة، تمثل أعلى وأسمى قمة نرى منها الحقيقة ونفهمها. فالقصة المسيحية عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تعطي معنى لكل القصص الأخرى التي نرويها عن هويتنا وغاياتنا الحقيقية. إنها القصة الأم، الرواية العليا التي تضع سائر الروايات المختصة بأصل الإنسان ومصيره في مكانها الصحيح.

ويؤكد هذه النقطة أستاذ العهد الجديد والمدافع البريطاني ” ن. ت. رايت” N.T. Wright الذي يقول إننا عندما نروي قصة الكتاب المقدس كاملةً فنحن بذلك نعلن النظرة المسيحية للواقع وفي الوقت نفسه نتحدى البدائل العلمانية الأخرى. فبروايتنا لقصة الكتاب المقدس

مؤكد أننا نتحدى جوانب عديدة في نظرة العالم للأمور (أي نظرته للسلطة والقوة). ونقوض نظرته لماهية العالم ولغرضه بالكامل، ونقدم نظرة جديدة للعالم بأفضل طريقة ممكنة.

والكتاب المقدس عند “رايت” يتحدى طرق التفكير الأخرى ويبرز جمال طريقته ويجسدها بوضوح. وهو يروي قصة تجيب عن أربعة أسئلة أساسية:

  1. من نحن؟ الكتاب المقدس يخبرنا أننا بشر مصنوعون على صورة خالقنا، ولا نكتسب هويتنا الجوهرية من العنصر الذي ننتمي إليه، ولا النوع، ولا الطبقة الاجتماعية، ولا الموقع الجغرافي.
  2. أين نحن؟ نتعلم من الكتاب المقدس أننا نحيا في عالم حسن وجميل، ولكنه مؤقت. وقد خلقه الله الذي نحمل صورته.
  3. ما المشكلة؟ نفهم من الكتاب المقدس أن البشرية تمردت على خالقها، وبالتالي انحرف العالم عن القصد المخلوق له.
  4. ما الحل؟ يطمئننا الكتاب المقدس أن الله عمل، ويعمل، وسوف يعمل في الخليقة من خلال المسيح يسوع والروح القدس ليتعامل مع الشر الذي نتج عن تمرد البشرية، وليصل بعالمه إلى الغاية التي صنعه من أجلها، ألا وهي أن يكون في توافق تام مع حضوره ومجده.

وتطالعنا أعمال الروائي “ج. ر. ر. تولكين” بنظرة مشابهة. وقد عُرف “تولكين” بدفاعه المستميت عن الدور المحوري الذي تلعبه الأسطورة في خلق معنى للواقع وبمحاولته    أن يطبق هذا الفكر في ثلاثيته الملحمية “ملك الخواتم” The Lord of the Rings. ووفقاً لهذا النهج، تظهر قدرة القصة المسيحية الكبرى على تفسير الأمور في تمكنها من وضع غيرها من القصص الكبرى في موقعها الصحيح، وتفسيرها، وشرحها. والقصة المسيحية، مثل سائر القصص، لا يمكن “البرهنة عليها” بالوسائل الموضوعية منطقية كانت أم علمية. بل يجب تقييمها بناءً على قدرتها أن تخلق للأشياء معنى أعمق من منافساتها الحالية أو التي قد تظهر فيما بعد، وذلك ببساطتها، وأناقتها، وسهولة فهمها، وقدرتها على خلق معنى يتجاوز حدودها.

فكيف نستفيد من عودة الاهتمام بالقصة في محاولتنا لفهم كيفية تقديم الإيمان المسحيي لثقافتنا؟ سأطرحُ هنا بعض الأفكار الشخصية. عندما كنت أصغر سناً كنت أعتقد أن أفضل طريقة لمساعدة الآخرين على اكتشاف حق المسيحية المدهش هو مناقشتهم بالحجة. أي إقناعهم بأن المسيحية صحيحة وحق. وباختصار، كونت ما يطلق عليه الكثيرون اليوم منهجاً “حداثياً”. ولكني اليوم أوصل حق الإنجيل بطريقة مختلفة. فأنا أحكي قصة قبولي للإيمان. لماذا؟ لأن القصة أكثر تشويقاً من أي حجة، ولكن السبب الأهم أن قصتي تبين أن المسيحية حقيقية، أي أنها قادرة على تغيير حياة البشر، وإعطائهم أسباب جديدة للحياة ورجاء أكيد للمستقبل. فالقصة تدور حول فلسفة حياتية أصبحت تمثل نظرة شخصية في حياة صاحبها، وهي قادرة على التجديد والتغيير والاستثارة. وروايتي لهذه القصة الشخصية تؤكد أن الإنجيل حقيقي في حياتي.

إننا نعيش في عالم تشكله القصص. بالإضافة إلى أن “القصص الكبرى” قادرة على إضفاء معنى على العالم وعلى خلق علاقة مفيدة بين من يلاحظ الأحداث والأحداث نفسها. وهذه القصص عبارة عن شباك من المعاني نحكيها لنجمع فيها خبراتنا الشخصية ونحتفظ بها، ولنحتزن فيها المعنى الذي نرى أنها تنقله أو تنطوي عليه. والمسيحية تروي واحدة من هذه القصص، والإلحاد الجديد يروي قصة أخرى، وهاك قصص لا تحصى يرويها أولئك ممن لديهم أغراض يريدون تنفيذها، ورؤى ينشرونها، ومصالح أو أغراض شخصية يروجونها. إن القصص تحدد أماكن الحقائق بوضعها في إطار قصصي.

والآن بعد أن وضعنا أساساً نظرياُ لتأكيد أهمية القصص في الدفاعيات، سنتناول كيفية استخدامها. وسنبدأ بعد قليل بقصتين تُستخدمان في تدعيم الدعاوى التي يقيمها بعض الكُتاب ضد المسيحية، وسنرى كيف يمكن نقدهما.

على الدفاعيات المسيحية أن تنقد وتُقَيم غيرها من القصص الكبرى، مثل القصص العلمانية التي تعمل على تقويض المسيحية أو تهميشها. ولكنها لابد أن تُقدر في الوقت نفسه ما تتضمنه المسيحية من قصص خاصة بها. فالقصة المسيحية الكبرى عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تساعدنا أن نفهم معنى العالم، كما أشار “لويس” وغيره. ولكن هذه كلها “قصص كبرى” فماذا عن القصص العادية؟ وكيف يمكن استخدامها في الدفاعيات المسيحية؟

أَوضَحُ نموذح يمكننا البدء به هو أمثال المسيح. فاستخدام الرب يسوع للقصص حتى يتفاعل مع مستمعيه لم يكن من قبيل الصدفة، ولكن هذه القصص كان لها غالباً أساس في الحياة اليومية للمجتمعات الريفية والزراعية التي سادت فلسطين في القرن الأول. وقد كانت قصصاً غاية في السهولة تجذب انتباه المستمعين وتثير خيالهم. وكلُّ من هذه الأمثال يحمل داخله قدرة دفاعية هائلة يجب اكتشافها وفهمها، بل استخدامها. وإذا استُخدمَت هذه الأمثال بحكمة فإنها تتمتع اليوم بذات التأثير الذي كانت تتمتع بها عندما قيلت لأول مرة.

والمدافع الحكيم هو من يدرس الأمثال الرئيسية ويسأل هذه الأسئلة المحورية: كيف تساعدني هذه القصة في توصيل الإنجيل؟ كيف تساعدني على التواصل مع هذه الفئة؟ فالقضية هنا ليست دراسة ما في المثل من صور ومفردات في ضوء الديانة اليهودية إبان القرن الأول، بل اكتشاف وسائل لاستخدامه دفاعياً اليوم.

ولنأخذ مثالاُ لوضيح هذه النقطة، وليكن تلك القصة المعروفة التي عادةً ما يشار إليها باسم “مثل اللؤلؤة كثيرة الثمن.”

أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا تَاجِرًا يَطْلُبُ لآلِئَ حَسَنَةً، فَلَمَّا وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ الثَّمَنِ، مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَاهَا. (مت 13: 45، 46)

بالرغم من صياغة القصة بأقل عدد ممكن من الكلمات (خمس وعشرون كلمة فقط في الأصل اليوناني)، فالخيال البشري يمكنه بسهولة معالجتها وتذوق تأثيرها. والخبرة البشرية تؤكد صحتها. بالإضافة إلى أنه من السهل البناء عليها وتطبيقها. فكيف نستخدمها في الدفاعيات؟ سأعرض لك كيف أستخدمها، وأترك لك الحرية في تطويرها:

إننا جميعاً نبحث عن شيء له قيمة في الحياة. إلا أننا غالباً ما نكتشف أن الأشياء التي كنا نظن أنها ستسعدنا وتفرحنا لا تفعل ذلك، فنشعر أنه ما من شيء يمكنه أن يمنحنا الفرح والسلام. ولكن يسوع روى قصة عن هذا الموضوع. فقد قال إن تاجراً وجد لؤلؤة ثمينة كانت معروضة للبيع، فقرر أن يبيع كل شيء ليحصل عليها. لماذا؟ عندما رأي التاجر تلك اللؤلؤة المميزة أدرك أن كل ممتلكاته باهتة وتافهة مقارنةً بها. وكما يغطي لمعان الشمس على لمعان النجوم، فلا يُرى إلا ليلاً، هكذا أتاحت هذه اللؤلؤة الثمينة للتاجر أن يرى ممتلكاته من منظور مختلف. فما كان يظن أنه سيشبعه ثبت أنه يكشف عدم شبعه، ويثير اشتياقه لشيء لم يكن في متناوله. ولكنه رأى تلك اللؤلؤة المتميزة، فأصر أن يحصل عليها، لأنها شيء عظيم القيمة، شيء يستحق الامتلاك، حتى إن كل مقتنياته الأخرى تبدو قليلة القيمة مقارنةً بها. هذا هو الإنجيل عندما تكتشفه لأول مرة. إنه شيء في غاية الروعة حتى إنه يتفوق على كل ما عداه.

وهنا نرى مثالاً لاستخدام قصة كتابية لتوضيح نقطة دفاعية مهمة. إلا أن القصص الكتابية يمكن أن تُستخدم أيضاً لتكوين أطر تقدم معاني أو تفسيرات يمكن استخدامها لإضفاء معنى على الحياة. وعندما نستخدم القصص ندعو المستمع للدخول في القصة ونسأله عما إذا كانت تعطي معنى لخبراته وملاحظاته.

ولكن ليست كل القصص الكتابية تلقي الضوء على نقاط محددة بهذا الشكل. فبعض القصص تتيح لنا أن نرى خبراتنا الحياتية وملاحظاتنا من منظور مختلف ولتوضيح هذه الفكرة سنأخذ قصة من أعظم قصص العهد القديم، وهي قصة السبي البابلي وَرَدّ مسبيي أورشليم إلى أرضهم بعد سقوط الإمبرطورية البابلية.

وتُعتبر قصة السبي البابلي سنة 586 ق. م من أهم قصص العهد القديم. ففي سنة 605 ق.م هزم الإمبرطور البابلي نبوخذ نصر الجيوش المصرية التي تجمعت في كركميش، وهكذا أسس بابل باعتبارها أعلى قوة عسكرية وسياسية في المنطقة. إلا أن يهوياقيم ملك يهوذا تمرد على الحكم البابلي، فقامت القوات البابلية بغزو يهوذا، وهو ما فسره الكُتاب آنذاك بكل وضوح باعتباره تنفيذاً للقضاء الذي أخبر به الرب على شعبه الخائن وملكهم. وفي مطلع سنة 597 ق.م استسلم كلٌّ من الملك، والعائلة المالكة، ومستشارو البلاط الملكي لقوات الحصار. وتم ترحيلهم إلى بابل مع عدة آلاف من المسبيين غيرهم. ثم حدثت موجة أخرى من الترحيلات سنة 586 ق.م ولم يحصل اليهود على حريتهم في العودة إلى أرضهم إلا بعد سقوط بابل أمام الفرس سنة 539 ق.م.

وغالباً ما تستخدم هذه القصة التاريخية المؤثرة لخلق معنى للوضع البشري. فمن منظور مسيحي، يرمز وضع اليهود أثناء سبيهم في بابل لحالة البشر. وذلك لأن اليهود لم يكونوا ينتمون لبابل، ولكنهم كانوا مسبيين يتوقون للعودة إلى أرضهم. ومزمور 137 يرسم صورة تنبض باشتياقهم للعودة وتعبر عن ذكرياتهم المرتبطة بأرضهم: “عَلَى أَنْهَارِ بَابِلَ هُنَاكَ جَلَسْنَا، بَكَيْنَا أَيْضًا عِنْدَمَا تَذَكَّرْنَا صِهْيَوْنَ.” (ع1).

إن هذا الإطار يعطي الحياة الإنسانية معنى. فليس المفترض أن نكون هنا، وهذه الأرض ليست وطننا، ولكننا ننتمي لوطن آخر. ومازلنا نحمل في أعماقنا ذكرى هذا الوطن التي لا تستطيع قوة في الوجود أن تمحوها. أننا نتحرق شوقاً للعودة إلى وطننا، ونحيا على رجاء أننا يوماً ما سنكون في الوطن الذي ننتمي إليه بالفعل. إن هذا الإطار يشير إلى مصدرنا الحقيقي ومآلنا، ويعطي معنى للشوق والتوق العميق الذي تتناوله “الحجة المبنية على الرغبة.”

ولكن ماذا عن القصص التي تتحدى المسيحية؟ سنستعرض قصتين تهدفان لهدم المصداقية التاريخية لأهمية يسوع الناصري كما يصورها التقليد المسيحي. أولهما “شفرة دافينشي” The Da Vinci Code (2003) لكاتبها “دان براون” Dan Brown، والثانية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ    (2010) لمؤلفها “فيليب بولمان” Philip Pullman. ما المنهجيات التي يتبعها كلٌّ منهما؟ وكيف نرد عليهما؟

إن القصص تدعونا لنتخيل عوالم بديلة ونقارنها بعالمنا: أيهما أكثر معقولية؟ وأكثر جاذبية؟ وتجدر الإشارة إلى أن إعادة قراءة التاريخ بشكل مختلف عادةً ما يكون وراءها دوافع هجومية أو أخلاقية، ومنها على سبيل المثال تصوير شخصية تاريخية خبيثة بشكل أفضل، أو شخصية محبوبة بشكل أسوأ. فرواية “أنا كلوديوس” I،Claudius (1934) مثلاً لكاتبها “روبرت جرفز” Robert Graves تتعاطف مع الإمبرطور الروماني كلوديوس (10ق.م – 54 م) وترسم له صورة إيجابية، وهو شخص كان يُنظر إليه في التاريخ على أنه رجل أحمق لا يضر ولا ينفع. إلا أن “جرفز” يبرز كلوديوس على أنه يروج هذه الصورة عمداً حتى يخدع الآخرين فيضمن بقاءه في زمن ملئ بالمخاطر السياسية.

وقد تَمكَّن كتاب “دان براون” الذي صدر سنة 2003 من تحقيق نجاح باهر واستحوذ على انتباه قرائه بفضل حبكته المتقنة التي تروي بداية تاريخ المسيحية بدرجة عالية من المعقولية حتى إن القارئ لا يلحظ التحريفات الجذرية المدسوسة في الكتاب ببراعة. (والطبعات الأولى من الكتاب كانت بحمل على غلافها كلمة “رواية” تحت العنوان. ولكنها حُذفَت فيما بعد). والقصة المحورية في هذا الكتاب تتلخص في أن الكنيسة اخترعت صورة خاصة بها ليسوع وجعلت منه إلهاً وفرضت هذه الصورة بالمؤامرة السياسية والتهديد بالعنف. ويصور “براون” الإمبراطور قسطنطين على أنه شخص مكيافلي انتهازي يغير طبيعة المسيحية لتخدم أغراضه السياسية.

ويروي “براون” قصة خداع وقمع تنتهي بكشف “الحق” وتحرير الناس. ويركز جزء كبير من القصة على بداية تاريخ المسيحية، فيروي أن الإمبراطور قسطنطين أراد للمسيحية أن تكون الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، ولكنه أدرك أنها تحتاج لنوع من إعادة الصياغة حتى تفي بهذا الغرض. ومن ثم، كان لابد من رفع رتبة يسوع الناصري بحيث لا يظل ذلك المعلم الريفي الفلاح، فأعلن فسطنطين أن يسوع هو الله. وقد استلزم ذلك الحصول على عدد مناسب من الأصوات والتلاعب في النصوص. ويتم إطلاع القارئ على هذه الأسرار في شخصية السير “لي تيبينج” Sir Leigh Teabing الذي يعلم بهذه الخفايا التاريخية، فيصرح بأنه لم يكن أحد يعتقد أن يسوع هو الله حتى مجمع نيقية سنة 325 عندما طُرحَت المسألة للتصويت، وحصلت على غالبية الأصوت بفارق ضئيل. وتُصدم “صوفي نفو” Sophie Neveu المتخصصة في فك الشفرات عندما تسمع هذا الكلام وتقول في حالة من الذهول: ” لست أفهم ما تقول. هل تتحدث عن ألوهيته؟”

صرح لها “تيبينج”: “عزيزتي، حتى تلك اللحظة، كان أتباع يسوع يتعتبرونه نبياً فانياً مثل كل البشر… رجل عظيم مؤثر، ولكنه إنسان، فانٍ”.

[قالت “صوفي”]: “ليس ابن الله؟”

أجاب “تيبينج”: “بلى. فكرة أن يسوع “ابن الله” طُرحَت رسمياً للتصويت في مجمع نيقية.”

“مهلاً. تقول إن لاهوت يسوع جاء نتيجة تصويت؟”

أضاف “تيبينج”: “بقارق ضئيل بين الطرفين.”

ويشرح “تيبينج” كيف حظر قسطنطين الأناجيل التي تحدثت عن يسوع بلغة إنسانية بحتة، ولم يسمح إلا بالأناجيل التي تشير إلى ألوهيته.

ويتم تعريف القارئ بالحقائق المحظورة الخطيرة التي تتعلق بتاريخ الكنيسة ويركز الكاتب بشكل خاص على جماعة يلفها الغموض تعرف باسم “جمعية سيون” Priory of Sion ويقدمها باعتبارها حارسة لأحد الأسرار الخطيرة. ويخبر “براون” قراءه بأن هذه “الجمعية” هي جماعة سرية تكونت سنة 1099 ومازالت موجودة حتى اليوم ويؤكد لهم أن هذه حقائق ثابتة. والحقيقة أن هذا كلام خاطئ بكل المقاييس، لأن “جمعية سيون” عبارة عن منظمة اخترعها “بيير بلانتار” Pierre Plsntard (1920- 2000)  سنة 1956، وقد كان “بلانتار ” بارعاً في تأليف القصص الخيالية، فنسج قصصاً غاية في الإتقان عن هذه الجماعة التي اخترعها وربط بينها وبين أحداث من العصور الوسطى والأرض المقدسة. أي أن الموضوع لا يمت بصلة لأي نوع من الحقائق.

ولست أعرف أي سند تاريخي ذا قيمة يؤيد أياً من الأفكار الرئيسية التي تقوم عليها “شفرة دافينشي” التي يمكن تفنيدها جميعاُ بمنتهى السهولة. ولكن مربط الفرس أن “براون” يروي قصة يتمنى الكثيرون أن تكون صحيحة ويدعوهم أن يصدقوها. وقصة “براون” تقوض الفكر المسيحي التقليدي في أذهان عموم القراء بتصويره لهذا الفكر على أنه نشأ من إساءة ممارسة السلطة والرغبة في قمع العناصر الأنثوية للإيمان. والقصة “تُعرفنا” بأن الحقيقة هي أن يسوع تزوج مريم المجدلية وأن ابنتهما أنجبت نسلاً ملكياً في فرنسا. وقد قال “براون” رداً على الانتقادات الكثيرة التي تناولت الأخطاء التاريخية الفادحة في روايته إن كل ما فعله أنه وضع الكلمات في أفواه شخصيات الرواية وترك القارئ يفهم منها ما يفهمه.

وتكمن جاذبية منهج “براون” في المقام الأول في قدرته على الهدم. فالقصة مكتوبة بأسلوب ركيك يبدو أن معظم القراء يتقبلونه خاصةً مع سرعة توالي الأحداث. وهي من حيث الأسلوب على النقيض تماماً من “يسوع الصالح والمسيح الشرير” لكاتبها “فيليب بولمان” التي صدرت سنة 2010. فأسلوب “بولمان” يتبع نوعاً ما أسلوب ترجمة الملك جيمز King James للكتاب المقدس، وهو يتميز بفصاحة لا نجد لها أثراً في أسلوب “براون” الممل الركيك.

وكتاب “بولمان” يعيد سرد قصة الإنجيل في قالب تخيلي يحتفظ بالأسلوب الأصلي للأناجيل ولكنه يغير المحتوى تغيراً جذرياً. وتنطوي إعادة صياغة القصة بهذا الشكل على تقديم فرضية محورية يبني عليها “بولمان” أطروحته. فهو يصور مريم على أنها فتاة تعاني من ضعف قدراتها العقلية وصعوبات في التعلم، يخدعها أحد الرجال لتنام معه مؤكداً لها أنه ملاك، فتلد توأمين، يسوع والمسيح، ولكن العلاقة بينهما تسوء منذ سن مبكرة.

كان يسوع رجلاً تقياً، وواعظاً متجولاً يكرز بملكوت الله وينتظر من أتباعه أن يتغيروا أخلاقياً. ويخبرنا “بولمان” أن يسوع، كأي كارز بروتستانتي ليبرالي من القرن التاسع عشر، لم يصنع معجزات بالمعنى المفهوم. ولكنه كان يجعل الأمور تحدث بشكل طبيعي. فما الذي حدث في إشباع الخمسة الآلاف؟ كل ما في الأمر أنهم تقاسموا ما كان معهم من طعام.

وهكذا يتضح أن يسوع شخص صالح ينتمي إلى عالم مثالي غير عالمنا ولا يحتك بواقع السلطة السياسية. إلا أن المسيح مختلف. فهو يلتقي بشخصية غامضة اسمها “الغريب” The Stranger تزرع في عقله فكرةَ أن يعيد كتابة قصة يسوع وتعاليمه على نحو يجعلها أكثر جاذبية وأطول عمراً. والنتيجة إنجيل أسطوري كُتِب أصلاً لأسباب تافهة بقلم توأم يسوع المزعوم. وما يريد “بولمان” أن يشير إليه من طرف خفي أن إنجيل المسيح “المحسَّن” والمزوَّر هو السبب الأساسي في ظهور كتابات بولس في العهد الجديد.

وهكذا تصبح الكنيسة مؤسسة على إنجيل المسيح الوهمي، وليس على حقيقة يسوع التاريخية المفقودة. فالمسيح يدرك بدهائه ضرورة خلق قصة كبرى، فلسفة حياتية مغرية لتضمن استمرار الكنيسة على مر التاريخ. ونظراً لفشل يسوع في تقديم هذه القصة، يقوم المسيح بتعويض هذا العجز بنفسه بتأليف قصة قادرة على إنشاء مؤسسة قوية والحفاظ عليها. والقوة المؤسسية تعتمد على الأمر الإلهي الذي يُفرض دون هوادة ويصبح أيديولوجية راسخة تضمن استمراريته. ويظهر بكل وضوح من هذه الرواية ومن ثلاثية “مواده السوداء” His Dark Materials أن “بولمان” يستهدف مؤسسة الكنيسة.

وأخيراً يحرض “الغريب” المسيح على خيانة أخيه، خيانة تؤدي إلى موت الشقيق (نعم، يتضح في النهاية أن المسيح هو يهوذا الإسخريوطي). ثم تصبح القيامة مسرحية يحاول فيها المسيح الحي أن يُظهر نفسه على أنه يسوع الميت، وهو ما يعني طبعاً أن القيامة تمثيلية اخترعها المسيح ليعوض عن موت يسوع ميتة مؤسفة عادية. والموضوع مألوف لدى قراء الأعمال العقلانية التي أعادت تأليف حياة يسوع في القرن الثامن عشر، ولكن “بولمان” أدخل عليها تعديلات تاريخية جديدة ولكنها مستحيلة الحدوث.

وهذه هي المشكلة، فهذه القصة الهجومية غير معقولة على الإطلاق لدرجة أنها لا تطابق أدنى المعايير المستخدمة لتحديد صحة الأحداث من الناحية التاريخية. والقصة معقدة ومتداخلة حتى أنها لا يمكن أن بؤخذ على محمل الجد من الناحية التاريخية. ورغم أن الكاتب قَصَّاص من الطراز الأول عندما يؤلف قصصاً خاصة به، فعندما يعيد إنتاجَ قصص غيره، وخاصةً إذا كانت قصة مألوفة كقصة يسوع الناصري يتعثر كثيراً. فالحبكة مفتعلة بشكل مفرط حتى إن براعة “بولمان” الأسلوبية تعجز عن التعامل مع هذا الخط القصصي المعقد اللازم لتحقيق أغراضه في مهاجمة التقليد.

وقد أقحم “بولمان” نفسه في القصة الكتابية على نحو سافر، فلم يكن دوره فيها سلبياً ولا صامتاً. وأكثر المواقف التي يظهر فيها هذا الإقحام بشكل صريح هو صلاة يسوع في جثسيماني التي يفاجئنا بأن يسوع يختمها قائلاً أنه لا يوجد إله. ويأتي صوت المؤلف مملاً رتيباً في مواقف كهذه، ولا سيما عندما يعظ يأخذ مكان يسوع ويعظ قراءه بنبرة حادة مزعجة. وهو ما يختلف عن أسلوبه في ثلاثية “مواده السوداء”. وهو في رواية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” يفتعل حالة من التقوى المفرطة بشكل يثير الاشمئزاز. علاوة على أنه يَسهل على القارئ التنبؤ بما سيحدث قبل قراءته.

ومن الواضح أن القصة مستحيلة الحدوث التي نطالعها في هذه الرواية تهدف إلى هدم مؤسسة السلطة الدينية. ويتضح هذا الهدف بجلاء في سؤال طرحه أثناء لقاء أجري معه عقب نشر كتابه بفترة وجيزة: “إن استطعت أن ترجع بالزمن وتنقذ ذلك الرجل من الصَلب وأنت تعلم أن هذا يعني عدم ظهور الكنيسة لحيز الوجود، هل ستنقذه أم لا؟” وترتكز هذه الحجة على افتراض مسبق مفاده أن القارئ يشارك “بولمان” في كراهيته الشديدة للمؤسسة الكنسية، وهو ما يظهر بكل وضوح في أعماله الأسبق. ولكن هل الأمور حقاً بهذه البساطة؟ وهل الحق التاريخي يتوقف على ما نحب؟ وهل الإنجيل يتمحور فعلاً حول الكنيسة باعتبارها مؤسسة؟

معروف أن “بولمان” يريد أن يزعزع أساس الإيمان المسيحي. ولكن كيف يدعم هذا الكتاب حجته؟ إن ما حصل عليه هذا الكتاب من ردود أفعال فاترة على المواقع الإلكترونية الإلحادية يؤكد مدى غموضه. وقد سألني أحد زملائي من الأساتذة الملحدين مؤخراً: “ولكن ما الفائدة منه؟ ومن سيلتفت لهذا الهراء؟” وقد راودتني هذه الأسئلة الوجيهة الواضحة وأنا أقرأ هذا الكتاب. ورغم استمتاعي بأسلوبه، لم أتمكن من تصديق حبكته الركيكة. ولابد أن أعترف أني لم أجد إجابة مقنعة حتى الآن.

المدخل الرابع: الصور:

تُعتبر الصور، لا الكلمات، أعلى أشكال التواصل عند كُتاب ما بعد الحداثة. وشركات الدعاية والإعلان تنفق أموالاً طائلة لتحصل على أفضل صورة للشركة المعلِنة، وتصمم إعلانات تليفزيونية تعرض صوراً تجعلنا نريد أن نشتري منتجات معينة دون غيرها. إلا أن الكثير من المسيحيين، مثلي، يفضلون استخدام الكلمة (ولا سيما الكلمة المكتوبة، في حالتي) لتوصيل الإيمان وإبراز جماله. ولكن علينا أن نعي أن الصور ينظر إليها في إطار ما بعد الحداثة على أنها تتمتع بمصداقية وقوة من نوع خاص وتتجاوز الحدود المفروضة على الكلمات.

والعقل البشري يعمل عن طريق توليد صور تساعدنا على “تصوير” العالم المحيط بنا وفهم معناه. ويمكن تشبيه الصور بالخرائط الذهنية التي تساعدنا على رسم أرض الواقع وتحديد مكاننا في الإقليم المحيط بنا. وهذه الصور مفيدة جداً للمدافع، لأن الصور التي تُعبر عن الفكر المسيحي يمكن تقديمها بأشكال تجذب الخيال البشري. وعموماً نحن نتعلم أن نسكن في صورة نستخدمها ونكتشف مدى ملاءمتها لواقع عالمنا.

وسنفحص في هذا الجزء عدداً من هذه الصور ونبحث كيفية استخدامها لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله. وبعضها مأخوذ من الكتاب المقدس، والبعض الآخر من الثقافة العلمانية. وأولى هذه الصور مأخوذ من أحد كلاسيكيات الفلسفة اليونانية القديمة، إلا وهو كتاب “الجمهورية” Republic لأفلاطون. (إن كنت قد قرأت رواية “الكرسي الفضي” The Silver Chair، وهي إحدى روايات سلسلة “نارنيا” لكاتبها “لويس”، ستكون الصورة مألوفة لك، حتى وإن لم تكن تعرف أصلها التاريخي 25).

يدعونا أفلاطون لأن نتخيل كهفاً مظلماً عاشت فيه مجموعة من الناس منذ مولدهم. وقد ظلوا محبوسين في هذا الكهف طيلة حياتهم حتى إنهم لم يعرفوا عالماً آخر سواه. وفي أحد أطراف الكهف تشتعل نيران متوهجة بالدفء والضوء. اللُّهب المتصاعدة تلقي ظلالاً على جدران الكهف، فيشاهد الناس هذه الظلال التي تسقط أمامهم على الحائط،و يفكرون فيما يعنيه، فهذه الظلال المرتعشة هي كل ما يعرفه سكان الكهف عن العالم. وإدراكهم للواقع منحصر فيما يرونه ويختبرونه في هذا السجن المظلم. فإن كان هناك عالم خارج الكهف، فإنه شيء لا يعرفونه ولا يمكنهم أن يتخيلوه، وكل آفاقهم محدودة ومحددة بالظلال وبما ينالونه من ضوء خافت. ولكنهم لا يعرفون أن الكهف سجن ولا أنهم محبوسون فيه، وليس لهم أن يصلوا إلى هذا الاكتشاف إلا إذا عرفوا بوجود عالم آخر.

ويزين أفلاطون هذه الصورة بالعديد من التفاصيل، منها أن سكان الكهف مقيدون بأغلال تمنعهم من الحركة في أنحاء الكهف. ولا يمكنهم أن يروا إلا الجدار المقابل لهم. ويمتد خلفهم ممر يعبر فيه أشخاص يحملون أشياء متنوعة على رؤوسهم، والنار تلقي هذه الظلال المتحركة على جدران الكهف. والناس الذين يعبرون الممر يتحدثون بعضهم مع بعض فتُرَجِّع أصواتهم صداها في جنبات الكهف، ولكنها تأتي مشوهة بفعل الجدران. وهكذا يرى السجناء ظلالاً متحركة ويسمعون أصداء أصوات. فهم لا يرون ولا يسمعون أي شيء بشك مباشر، ولكن خبرتهم بكل شيء تأتي على نحو غير مباشر وغير واضح المعالم.

ولا يعنينا هنا البناء الفلسفي لهذا التشبيه كما وضعه أفلاطون، ولكن ما يعنينا هو إمكانية استخدامه في الدفاعيات. فكيف نستخدم هذه الصورة لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله في عالم اليوم؟ تخيل نفسك الآن تسكن في هذه الصورة بضع دقائق، ولاحظ أنك لابد أن تنسى كل شيء عن العالم الذي نعرفه جميعاً حيث الشمس الساطعة، والهواء العليل، والورود، والبحيرات، والأشجار. وتَذَكر أن العالم الوحيد الذي تعرفه هو ذلك الكهف المظلم الذي يمثل لك الواقع كله. وأنت لا ترى إلا ظلالاً ولا تسمع إلا أصداء. وما يظهر من هذه الأشياء يصبح واقعاً لك.

احترس من مقارنة عالم الكهف بأي واقع آخر، ففكرة التشبيه كلها تقوم على أساس أنك لا تعرف أي شيء غير هذا الكهف الذي يمثل لك تعريف الواقع. وعندما تشعر بأنك اعتدت على الصورة، سنبدأ في فحصها ودراسة كيفية تطبيقها في الدفاعيات.

اسأل نفسك هذا السؤال: كيف يتأتى لسكان الكهف أن يدركوا أن هناك عالماً أفضل خارج جدران الكهف المظلمة المدخنة؟ فكر قليلاً في السؤال ثم واصل القراءة بعد أن تصل إلى بعض الإجابات.

ثلاث وسائل تُمكن سكان الكهف من اكتشاف وضعهم الحقيقي:

  1. يدخل شخص من العالم الحقيقي الخارجي إلى داخل الكهف ويخبر سكانه بالعالم الحقيقي. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة فكرة الإعلان الإلهي.
  2. بنية الكهف نفسه تحتوي على دلائل تشير إلى وجود عالم خارج جدرانه. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بناءً على المؤشرات التي نراها في بنية العالم.
  3. عند هؤلاء المساجين معرفة حدسية تقول لهم إن هناك عالماً أفضل من الكهف المظلم المدخن. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بالاستناد على المشاعر الإنسانية، ومنها الحجة المبنية على الرغبة.

وسوف نبحث فيما يلي ما تتضمنه كل وسيلة من إمكانية دفاعية مع الاحتفاظ بصورة الكهف.

أولاً، قد يقتحم الكهف شخص من عالم آخر، ويخبرنا عن ذلك العالم الآخر مستخدماً تشبيهات مستمدة من الكهف. بل إنه قد يفعل ما هو أفضل من هذا فيعرض علينا أن يرشدنا لطريق الخروج. وقد يفعل ما هو أفضل من هذا وذاك، فيعرض علينا أن يُخرجنا بنفسه. وهذا الأسلوب هو الذي ينعكس في عقيدة التجسد المسيحية التي ترى يسوع المسيح باعتباره الشخص الذي يدخل إلى عالم التاريخ والخبرة البشرية، ليُظهر لنا الأمور على حقيقتها وليعطينا القدرة أن نتحرر من ربط العالم وقيوده. وبالرغم من أن هذا الموضوع يملأ صفحات العهد الجديد، فهو يَبرز بشكل خاص في إنجيل يوحنا، كما يتضح من الآيتين التاليتين:

وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْدًا (يو 1: 14)

أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. (يو 6: 51)

والوسيلة الثانية تقول بأن عالم الكهف نفسه مرصع بمؤشرات ومفاتيح تشير إلى أنه ليس العالم الوحيد. فقد يكون على جدران الكهف علامات تشير إلى أصله أو إلى مصيره الحقيقي، مثل العلامات التي لاحظها أريستبوس على شاطئ جزيرة رودس (ص 122). فربما الكهف يكشف عن أدلة تشير إلى وجود تصميم أو بنية معقدة تثير أسئلة جوهرية عن نشأته. وقد تكون جدرانه مزينة بالرسوم أو غيرها من الدلائل التي تشير إلى أصله وتاريخه.

أما الحل الثالث هو أن من يلاحظون الكهف أنفسهم يملكون في أعماقهم حساً فطرياً أصيلاً يوجود عالم آخر. وقد يتخذ هذا الحس شكل قناعة عميقة أن الحياة أكثر من مجرد ظلمة هذا الكهف المدخن، أو معرفة حدسية قوية بأن مصيرهم يجب أن يكون في مكان آخر، أو رغبة في شيء يشعر صاحبها أنها لن تُشبع أبداً، وهو شعور يشير إلى أن عالمنا ليس العالم الوحيد، وأن إشباعنا الحقيقي لن يتحقق فيه. فنار الشوق التي تشتعل داخلنا ولا تظفئها خبراتنا في هاذا العالم تمثل مفتاحاً جوهرياً يشير إلى وضعنا الحقيقي ويدعونا لاكتشاف الواقع الأعظم الذي تشير إليه.

هكذا قمنا ببحث الأساليب الثلاثة وشرحها بسهولة مستخدمين صورة كهف أفلاطون. وكل وسيلة منها تتيح للدافع أن يبحث أحد جوانب الإيمان المسيحي ويكتشف تلامسه مع خبرتنا بالعالم المحيط ومع معرفتنا الحدسية وأشواقنا العميقة وقدرته على خلق معنى لكل هذه الأمور. ويمكن إدماج هذه الصورة المعبرة بسهولة في الأحاديث، والعظات، والمحاضرات، ويمكن تطويرها بالعديد من الطرق المبتكرة. ويسهل كذلك إضافة طرق أخرى للثلاثة المذكورة أعلاه.

فما الصور الأخرى التي يمكن استخدامها في الدفاعيات؟ يستخدم بولس مجموعة من الصور القوية في رسائله ليساعدنا على فهم ما فعله المسح لأجلنا بصلبه وقيامته. ومن هذه الصور صورة التبني. وفيها يؤكد لنا بولس أننا أصبحنا أبناء الله بالتبني في المسيح (رو 8: 23، غل 4: 5). ويرى بولس أن هذه الصورة المستمدة من قانون الأسرة الروماني تلقي الضوء على امتيازات المؤمن ومكانته في علاقته بالله. وهي صورة تتطلب منا أن ندركها في عقولنا ونقدرها في قلوبنا.

وصورة التبني سهلة الفهم نسبياً، فهي تُعبر عن أسرة تقرر أن تمنح طفلاً لم يولد في أحضانها الامتيازات القانونية نفسها التي يحصل عليها الطفل المولود في الأسرة. وهو ما يستتبع أن الطفل المتبنى يتمتع بحقوق الميراث التي يتمتع بها الطفل الطبيعي. وهكذا يمكن أن يرى المؤمن نفسه باعتبار أنه أُدخِل في عائلة الله ومُنح ذات الامتيازات القانونية التي يتمتع بها أي ابن طبيعي. ومن هو الابن الطبيعي لله؟ إنه المسيح نفسه. وبذلك، يشرح بولس هذه الفكرة القوية، ألا وهي أن كل ما منحه الله للمسيح باعتباره ابنه سيؤول إلينا في النهاية باعتبارنا أولاد الله:

أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ. فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ. (رو 8: 16، 17)

ولذلك فالسمات الأسرية التي تميز أولاد الله هي الألم في هذه الحياة والوعد بالمجد في الحياة الآتية. وهو ما يعني أن المجد يكمن وراء الألم، ولابد أن نتعلم أن نرى الألم باعتباره امتيازاً نحتمله مسرورين بوصفه نتيجة لمركزنا الجديد بصفتنا ورثة الله.

ولكن صورة التبني لا تخاطب العقل فحسب، بل تستحوذ على الخيال والقلب أيضاً. وهي بذلك تدعونا أن نترجمها بشكل تخيلي، ولا نكتفي بفهمها. فالتبني معناه أن الطفل مرغوب فيه، وهو يتضمن أيضاً معنى الانتماء. وهذه قضايا وجدانية عميقة تتلامس مع اهتمامات الكثيرين ومخاوفهم في مجتمعات تزداد انكساراً يوماً بعد يوم. فالتبني يعني دعوة الشخص ليدخل في بيئة مُحبة حانية. وهي تعني الترحيب بالشخص والرغبة في وجوده وتقديره . والتبني يقدر امتياز الدعوة التي يتم بمقتضاها الترحيب بشخص من خارج الأسرة وإدخاله في كنف الإيمان والحب.

والصورة التي يرسمها بولس للتبني تتوافق بشدة مع اشتياق الإنسان العميق للانتماء إلى مكان ما. فنحن نحتاج أن نشعر أننا مقبولون ومرغوبون. وتؤكد “سيمون فيّ” كثيراً في كتاباتها أهمية هذه النقطة. فهي تشير في كتابها “البحث عن الجذور” The Need for Roots إلى أهمية المجتمعات في تكوين الهوية الشخصية وحمايتها: “قد تمثل الحاجة للجذور أهم احتياجات النفس البشرية ولكنها الأقل حظاً من حيث إدراكها والاعتراف بها.” ويتناول “ولتر بروجمُن” Walter Brueggemann أستاذ العهد القديم المعروف هذه الفكرة بمزيد من العمق عندما يشير إلى أن الشعور بالضياع والتشرد وفقدان المأوى يسود ثقافتنا المعاصرة. وتوق الإنسان لأن ينتمي لمكان، ويكون له بيت، يحتمي في موضع آمن هو سعي عميق يثير في النفس لهيباً من المشاعر المتأججة.

ونجاح المسلسل التليفزيوني الأميريكي “في صحتك” Cheers يعكس هذه النقطة على أكمل وجه. وقد بدأ عرض المسلسل الذي تجري أحداثه في حانة في بوسطن سنة 1982 واستمر على مدى 271 حلقة حتى سنة 1993. ويرجع نجاحه الباهر إلى ما خلقه من شعور قوي بالانتماء لجماعة. فقد كانت الحانة مكاناً للأحاديث الخفيفة والأحاديث الجادة، وكانت ملجأ يرحب بكل من يأتيه، والجميع هناك يعرفك. أما خارج الحانة هناك جموع مجهولة من بشر لا يعرفهم أحد ولا يعرفون بعضهم البعض. ولكن داخل الحانة، أنت شخص مميز، ومهم عند الآخرين، أنت تنتمي لمكان. وقد عبَّرت أغنية المسلسل عن هذا المعنى أوضح تعبير: أنت تريد أن تكون في مكان “كل من فيه يعرف اسمك.”

ويمكن للمدافع أن يستخدم صورة التبني التي يرسمها بولس مشيراً إلى ما تحمله من معانٍ على مستويات مختلفة. فهي لا تلقي الضوء على ما يعود علينا من موت المسيح وقيامته فحسب، ولكنها تخاطب اشتياق القلب البشري العميق للانتماء.

وهناك صور كتابية أخرى يسهل الاستفادة منها في الدفاعيات، مثل صورة الله الراعي، أو المسيح خبز الحياة. فالدفاعيات تتمتع بصندوق زاخر بالكنوز التي يمكننا الاستفادة منها، وهي تستخدم الخيال باعتباره مدخلاً للنفس البشرية. وينبغي على المدافع الناجح أن يجدد هذا الصندوق باستمرار مضيفاً إليه قصصاً وصوراً جديدة.

خطوة للأمام:

المداخل الأربعة التي تناولناها في هذا الفصل كلها مهمة ويمكن تطبيقها بسهولة في الدفاعيات. إلا أنها مجرد أمثلة توضيحية لا تشمل كل المداخل التي يمكن الاستفادة منها، بل يمكن إضافة مداخل أخرى لها. ومنها على سبيل المثال تجسيد المؤمن لإيمانه في حياته العملية، وهو مدخل يؤدي وظيفة دفاعية مهمة. فالكثيرون يسألون عن الإيمان عندما يرون أن أصدقائهم يتميزون بشيء غير متوفر لهم، كالشعور بالسلام أو بوجود غرض للحياة، أو الشعور العميق بالحنان والحب للبشر، وهو ما يثير لديهم السؤال: “من أين لهم هذا؟” ويتمنون في أعماقهم أن يتمتعوا بما يتمتع به هؤلاء. ومحبة الله تتجسد وتعلَن عندما يخدم المسيحي الحقيقي العالم المحيط به.

والطريقة التي يتعامل بها المؤمن مع الموت تقدم شهادة مهمة لرجاء القيامة المغير الذي يمثل ركيزة أساسية في الإنجيل. فممارسة الحق في حياتنا العملية هي “دفاعيات متجسدة” تمثل في حد ذاتها شهاد قوية لذلك الحق. أي أننا نحتاج لما هو أكثر من الحجج، نحتاج أن نظهر أن الإيمان المسيحي يغير الحياة ويمنحها قوة، كما أشار المدافع “فيليب د. كنِسون” Philip D. Kenneson في ملاحظة حكيمة قائلاً:

إن ما ينتظره عالمنا، وما تبدو الكنيسة متقاعسة عن تقديمه، ليس الاستمرار في تقديم مزيد من الأحاديث عن الحق الموضوعي، بل شهادة متجسدة تعطي الآخرين سبباً للالتفات لهذا الحق.

علاوة على ذلك، تقدم الحياة المسيحية شهادة مهمة لقدرة الإنجيل على تغيير حياة البشر، فعندما نشهد عن قصتنا الشخصية، نقدم شهادة غير مباشرة على أن الإنجيل حقيقي، وليس صحيحاً فحسب.

ومن السهل إضافة المزيد من الأساليب أو تطويرها حسب القضايا التي يواجهها المدافع أو الاتجاهات الثقافية التي يشعر أنه يجب التعامل معها. ومن الأمثلة الواضحة التي يمكن استخدامها في الدفاعيات من بعض المجالات الفنية والأدبية الأخرى؟

  1. الأفلام: ربما يعتبر الفيلم، لما يميزه من المزج بين القصة والصورة، أفضل وسيلة للتواصل مع جيل يطَلِّع على الواقع بطريقة بصرية أكثر منها نَصية. والكثير من الأفلام الحديثة تثير قضايا لاهوتية ودفاعية كبرى، مما يتيح الفرصة لفتح مناقشات دفاعية.
  2. الشعِر: تُعبر الكثير من القصائد عن شعور بالقلق الشديد تجاه الوضع الحالي للعالم، وعن تطلع نحو الهدف الأسمى للبشرية. وليس من الصعب على المدافع أن يحدد بعض القصائد، وكلمات بعض الأغاني المشهورة، التي تتيح الفرصة لإثارة أسئلة أو فتح مداخل للدفاعيات.
  3. اللوحات الفنية: الكثير من الأعمال الفنية الكلاسيكية، ناهيك عن الصور المشهورة، يمكن أن تمثل مداخل دفاعية. فإذا أجريت بحثاً سريعاً على الإنترنت مثلاً ستجد لوحة مشهورة للفنان “إدفاد مونك” Edvard Munch اسمها “الصرخة” The Scream (1893) يظهر فيها شخص في حالة من اليأس الوجودي المريع لعجزه عن التعامل مع العالم. فكيف نستفيد من هذه اللوحة؟ إنها مدخل ممتاز للدفاعيات، ويمكنك أن تجد الكثير غيرها بسهولة.

الآن وقد اطلعنا على أساليب تساعدنا في إبراز جمال الإيمان المسيحي وربطه بحياة الناس العاديين، لابد أن ننتقل للعثرات والشكوك التي يواجهها الناس في الإيمان وكيفية التعامل معها .

لمزيد من الاطلاع:

Garson،D.A.The God Who Is There: Finding Your Place in God’s Story. Grand Rapids: Baker،2010.

Johnston، Robert K.Reel Spirituality: Theology and Film in Dialogue، 2nd ed. Grand Rapids: Baker Academic،2006.

Keller، Timothy J. The Reason for God: Belief in an Age of Skepticism. New York: Dutton،2008.

Marsh، Clive. Theology Goes to the Movies: An Introduction to Critical Christian Thinking. New York: Routledge،2007.

McGrath، Alister E. Surprised by Meaning: Science، Faith، and How We Make Sense of Things. Louisville: Westminster john Knox، 2011.

Nash، Ronald H. Faith and Reason: Searching for a Rational Faith. Grand Rapids: Academie Books،1988.

Peters، James R. The Logic of the Heart: Augustine، Pascal، and the Rationality of Faith. Grand Rapids: Baker Academic،2009.

Piper، John. Think: The Life of the Mind and the Love of God. Wheaton: Grossway،2010.

Sire، James W. Naming the Elephant: Worldview as a Concpt. Downers Grove IL: Inter Varsity، 2004.

Wright، N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: HarperSanFrancisco، 2006.

* metaphysical وتترجم أحياناً إلى “ما وراء الطبيعة” والمقصود كل ما يختص بالبحث الفسلفي في المبادئ أو العلل الأولى للكينونة والمعرفة. (المترجمة)

الهوامش:

  1. Peter Brown, Augustine of Hippo (London: Faber & Faber, 1967).
  2. Augustine, Confessionsxiii.23-xiv.25.
  3. James Robert Brown, Philosophy of Mathematics: An Introduction to the World of Proofs and Pictures (London: Routledge, 1999, 71-78); George Bools, “Gödel’s Second Incompleteness Theorem Explained in Words of One Syllable,”, Mind 103 (1994): 1-3.
  4. For a highly influential discussion, see John Lucas, “Minds, Machines and Gödel,” Philosophy 36 (1961): 112-27.
  5. For two good assessments of Schaeffer’s approach, see Thomas V. Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics: A Critique (Grand Rapids: Baker, 1987); Bryan A. Follis, Truth with Love: Apologetics of Francis Schaeffer (Wheaton: Crossway, 2006).
  6. Francis Schaeffer, The God Who Is There, Complete Works of Francis Schaeffer, 1 (Westchester, IL: Crossway, 1982), 130.
  7. , 134.
  8. For a good analysis, see Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics, 21-22.
  9. Schaeffer, The God Who Is There,
  10. , 140.
  11. , 110.
  12. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 138.
  13. S. Lewis, Rehabilitations and Other Essays (London: Oxford University Press, 1939), 158.
  14. See Roy Baumeister, Meanings of Life (New York: Guilford Press, 1991). Baumeister’s analysis of the importance of questions of identity, value, purpose, and agency is of major importance to Christian apologetics.
  15. Hans Frei, The Eclipse of Biblical Narrative: A Study in Eighteenth and Nineteenth Century Biblical Hermeneutics (New Haven: Yale University Press, 1977).
  16. Alasdair MacIntyre, After Virtue (London: Duckworth, 1985), 216.
  17. Baumeister, Meanings of Life.
  18. T. Wright, “How Can the Bible Be Authoritative?” Vox Evangelica 21 (1991): 7-32.
  19. T. Wright, The New Testament and the People of God (Minneapolis: Fortress, 1992), 132.
  20. See Verlyn Flieger, Splintered Light: Logos and Language in Tolkien’s World (Kent, OH: Kent State University, 2002); Jeffrey L. Morrow, “J. R. R. Tolkien as a Christian for Our Times,” Evangelical Review of Theology 29 (2005), 164-77.
  21. Dan Brown, The Da Vinci Code: A Novel (New York: Doubleday, 2003), 233.
  22. Brown is totally wrong on all these points. See, for example, Bart D. Ehrman, Truth and Fiction in The Da Vinci Code: A Historian Reveals What We Really Know About Jesus, Mary Magdalene, and Constantine (Oxford: Oxford University Press, 2004), 23-24.
  23. The best account of the fabrication of this myth is Massimo Introvigne, Gli Illuminatie il Priorate di Sion (Milan: Piemme, 2005). An English summary of this work is available at http://www.cesnur.org/2005/pa_introvigne.htm.
  24. Philip Pullman, The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ (Edinburgh: Canongate, 2010).
  25. You might enjoy reading the interesting study of William G. Johnson and Marcia K. Houtman, “Platonic Shadows in C. S. Lewis’ Narnia Chronicles,” Modern Fiction Studies 32 (1986), 75-87.
  26. For a detailed discussion, see Gail Fine, Plato on Knowledge and Forms: Selected Essays (Oxford: Oxford University Press, 2003).
  27. James C. Walters, “Paul, Adoption, and Inheritance,” Paul in the Greco-Roman World, J. Paul Sampley (Harrisburg, PA: Trinity Press International, 2003), 42-76.
  28. Simone Weil, The Need for Roots (London: Routledge, 2002), 43.
  29. Walter Brueggemann, The Land: Place as Gift, Promise, and Challenge in Biblical Faith, 2nd (Philadelphia: Fortress Press, 2002), 1.
  30. Bill Carter, “Why ‘Cheers’ Proved So Intoxicating,” New York Times, Sunday, May 9, 1993.
  31. Philip D. Kenneson, “There’s No Such Thing as Objective Truth, and It’s a Good Thing, Too.” Christian Apologetics in the Postmodern World, Timothy R. Phillips and Dennis L. Okholm (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1995), 155-70.

ما هي الدفاعيات ؟ – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

ما هي الدفاعيات ؟ – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

ما هي الدفاعيات ؟ – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

عن كتاب: الدفاعيات المجردة لأليستر ماكجراث

ما هي الدفاعيات ؟ – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

تُقدم الإرسالية العظمي لكل مؤمن امتياز ومسئولية الكرازة بالخبر السار حتى نهاية الزمان: “فَاذهَبوُا وَتلمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ” (مت 28: 18-20). إن كل مسيحي على قيد الحياة اليوم مرتبط، عن طريق سلسة أحداث تاريخية مركبة، بهذه اللحظة المحورية. وكلٌ منا له شجرة عائلة روحية تضرب بجذورها في أعماق الزمن. فنحن، على مدى العصور المتعاقبة، مثل العّدَّائين في سباق تتابع تاريخي ضخم، فقد سبقنا عداؤون آخرون ونقلوا الأخبار السارة من جيل إلى جيل. والآن قد استلمنا نحن العصا، وحان دورنا. وهو ما يعني أننا مؤتمنون على نقل البشارة للقريب وللبعيد.

ويا لها من فكرة مثيرة لأنها تساعدنا على اكتشاف مكاننا في الصورة الأكبر. ولكنها تمثل تحديًا ضخمًا للكثيرين. وكأن لسان حالهم: هل نحن قادرون على الاضطلاع بهذا الأمر؟ كيف يمكننا أن نحمل هذه المسئولية الثقيلة؟ لابد أن ندرك أن المؤمنين طالما شعروا بهول التحديات التي تواجههم في توصيل إيمانهم للآخرين. فنحن نشعر أننا نفتقد الحكمة، والبصيرة، والقوة اللازمة للقيام بهذه المهمة، ونحن محقون في هذا الشعور. ولكن علينا أن ندرك أيضًا أن الله يعرفنا تمام المعرفة (مز 139). إنه يعرف أسرارنا الخفية، ونقاط قوتنا، ونقاط ضعفنا. والله قادر أن يعمل فينا وبنا ليتحدث للعالم الذي مات المسيح من أجله.

إن واحدًا من الموضوعات الرائعة في الكتاب المقدس أنه وقتما يطلب الله منا أن نقوم بعملٍ ما من أجله، يمنحنا ما نحتاج إليه من مواهب للقيام بهذا العمل. ولمَّا كان يعرفنا على حقيقتنا، فهو يؤهلنا للمهمة التي يريدنا القيام بها. ولذلك، تتضمن الإرسالية العظمى أمرًا ووعدًا. الأمر الذي يصدره المسيح المقام لتلاميذه يتسم بالجرأة والصعوبة: “فَاذهَبُوا وَتَلمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ” (أع 19). وعلى قدر صعوبة الأمر يأتي الوعد الذي يقطعه المسيح لأولئك التلاميذ مطَمئنًا ومشجعًا: “وَهَا أَنَا مَعَكُم كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انقِضَاءِ الدَّهر.” (أع 20). وهو وعد مُعّزٍّ جدًا. فنحن لسنا بمفردنا، ولكن المسيح المقام يقف معنا وبجوارنا ونحن نبذل قصارى جهدنا لتوصيل الخبر السار عن شخص المسيح وما فعله من أجلنا، ولتسليمه لمَن بعدنا.

ومع ذلك، معرفتنا أن المسيح المقام يرافقنا ويقوينا في مسيرة إيماننا لا تجيب عن الأسئلة الكثيرة التي لابد أن نواجهها وندرسها ونحن نعلن الإنجيل ونبرز جماله للآخرين. فكيف يمكن لأي شخص أن يفي الإنجيل حقه مظهرًا كل ما فيه من إثارة وفرح وروعة؟ إننا كثيراً ما نجد كلماتنا تعجز عن التعبير عن ثراء الإنجيل تعبيرًا وافيًا. فحقيقة الله والإنجيل دائمًا ما تتجاوز قدراتنا على التعبير. وكيف يمكن أن نقدم إجابات فعالة لما تطرحه ثقافتنا من أسئلة عن الله، أو كيف نرد على الاعتراضات التي تثيرها بشأن الإيمان؟ وكيف يمكننا أن نعثر على طرق واضحة وصادقة ومتجددة لشرح الإنجيل والتعبير عنه، بما يتيح له التلامس مع آمال المحيطين بنا ومخاوفهم؟

كيف يمكن للمؤمنين أن يشرحوا إيمانهم بلغة مفهومة لِمَن هم خارج الكنيسة؟ كيف يمكننا أن نتعامل مع الفهم الخاطئ أو التفسير الخاطئ للإيمان المسيحي؟ كيف يمكننا توصيل ما في الإنجيل من حق، وجاذبية، وفرح لثقافتنا؟ هذه الأسئلة تناولها المسيحيون منذ زمن العهد الجديد. وهذا ما جرى العرف على تسميته بعلم “الدفاعيات” الذي يمثل موضوع هذا الكتاب.

 

تعريف الدفاعيات:

ما هي الدفاعيات إذَن؟ القديس أوغسطينوس أسقف هيبوAugustine of Hippo (354-430)، وهو من أعظم اللاهوتيين في الكنيسة، يُعتبر باتفاق الغالبية مفسرًا للكتاب المقدس، وواعظًا، وشارحًا لنعمة الله. ومِن أَقيَم ما ساهم به في تكوين اللاهوت المسيحي هو أفكاره عن تعليم الثالوث. وهو تعليم غالبًا ما يمثل صعوبة للناس، كما سيعرف القارئ فيما بعد. إلا أن الصعوبة التي واجهها أوغسطينوس شخصيًا كانت تتعلق بتعبير “ثلاثة أقانيم، إله واحد.” فكان يتساءل: لماذا استخدم المسيحيون كلمة “أقنوم” “person” في هذا السياق؟ لأنه رأي أن الكلمة لا تساعد على فهم الموضوع. ولا شك أنه كان يمكن استخدام كلمة أفضل. إلا أن أوغسطينوس توصل في النهاية إلى أنه ربما لم تكن هناك كلمة أفضل، وأن كل ما يجب على الكنيسة أن تظل تستخدم كلمة “أقنوم” على هذا النحو.

وهذا ما أشعر به غالبًا عندما أستخدم مصطلح “دفاعيات” “apologetic”، لأن الكلمة لا تساعدنا كثيرًا. فهي في نظر الكثيرين توحي بفكرة “الاعتذار”[1]. وأنا موقن أن الكنيسة اليوم يجب أن تعتذر عن الكثير. ولكن ليس هذا معني الدفاعيات. ومما يُزيد الأمر صعوبة أن كلمة “دفاعيات” تبدو انها في صيغة الجمع ]ينطبق هذا على الكلمة الإنجليزية أيضًا[، ولكنها في الواقع مفرد (مثل كلمة “scissors”]مقص[). وبالرغم من محاولات الكُتاب المسيحيين عبر العصور لإيجاد مصطلحات بديلة، يبدو أن أيًا منها لم يحظَ بالإعجاب. لذلك، سنلتزم باستخدام مصطلح “الدفاعيات.” ولكن حتى وإن لم يكن بإمكاننا تغيير الكلمة، لابد أن نحرص على إدراك ثراء معناها.

يكتسب مصطلح “الدفاعيات” معني أعمق بكثير عندما ننظر لمعنى الكلمة اليونانية المشتقة منها كلمة “apologetics” الإنجليزية، ألا وهي “apologia” التي تعني “الدفاع”، أي قضية منطقية مكتملة الأركان تُثبت براءة متهم في المحكمة، أو عرض لصحة حجة أو معتقَد. وقد استخدم بطرس هذا المصطلح في (1 بطرس 15:3) التي يراها الكثيرون عبارة كتابية نموذجية توضح أهمية الدفاعيات:

بَل قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلَهَ فِي قُلُوبِكُم، مُستَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَة “apologia” كُلِّ مَن يَسأَلُكُم عَن سَبَبِ “logos” الرَّجّاءِ اَّلذِي فِيكُم بِوَدَاعَةٍ وَخَوفٍ.

إنه نص مهم ويستحق ان نقرأه في قرينته كاملةً. فرسالة بطرس الأولى موجَّهة للمسيحين في آسيا الصغرى (تركيا الحالية) في زمن سيادة الإمبراطورية الرومانية. وهو في هذه الرسالة يطمئنهم ويعزيهم وهم يواجهون خطر الاضطهاد، ويشجعهم على التفاعل مع مَن ينتقدونهم ويسألونهم، وذلك بأن يشرحوا لهم أساس إيمانهم ومحتواه بوداعة وخوف.

ويتضح أن بطرس يعتبر أن الأفكار المسيحية تتعرض إما لسوء الفهم أو سوء التفسير، ويحث قراءه على تصحيح المفاهيم، ولكن مع مراعاة حسن الخلق ودون إساءة للآخر. ومن هنا يرى بطرس أن الدفاعيات هي دفاع عن الحق بلطف واحترام. فالدفاعيات لا تهدف إلى استعداء مَن هم خارج الكنيسة ولا إهانتهم، بل إلى فتح عيونهم على واقعية الإيمان المسيحي، وصدقه، وملاءمته لحياتهم واحتياجاتهم. ولا يجب أن يحدث تعارض أو تناقض بين الرسالة المعلَنة ونبرة الرسول الذي يعلنها. فلابد أن نكون جذابين، ولطفاء، وكريمي الخلق. وإن كان الإنجيل يشكل صعوبة، يجب أن تنبع من ذات طبيعته ومحتواه، لا من أسلوب إعلاننا له[2]. فالفارق كبير أن تأتي العثرات من الإنجيل نفسه، وأن تأتي من المدافعين عنه بسبب عدم حكمتهم في اختيار اللغة أو عدوانيهم نحو مَن هم مِن خارج واستهانتهم بهم.

وقد أخذ المسيحيون هذه النصيحة مأخذ الجد منذ الأيام الأولى للكنيسة. والعهد الجديد نفسه يحتوي على عدد من النصوص المهمة التي تشرح الإيمان المسيحي وتظهر جماله وتدافع عنه أمام جماهير من خلفيات مختلفة، ومعظم هذه النصوص في أعمال الرسل. فعظة بطرس الشهيرة يوم الخمسين تقيم الحجة بأن يسوع المسيح هو منتهى آمال إسرائيل (أع 2). وعظة بولس التي لا تقل شهرة أمام فلاسفة أثينا تثبت بالحجة أن يسوع الناصري هو مقصد السعي البشري الطويل عن الحكمة (أع 17).

وقد استمر هذا الاندماج مع المجتمع عبر تاريخ الكنيسة. وكان الكُتاب المسيحيون الأوائل مهتمين بوجه خاص بمخاطبة المذهب الأفلاطوني. فكيف أمكنهم توصيل حق الإنجيل وقوته لأناس اعتادوا على التفكير الأفلاطوني؟ لقد اعتمدوا في منهجهم على تحديد كلٍ من الفرص المتاحة، والتحديات، ثم استغلال الفرص ومواجهة التحديات. إلا أن الأفلاطونية بوجه عام أفل نجمها في أوائل العصور الوسطى، وأصبح أرسطو هو الفيلسوف الذي يقع عليه الاختيار في معظم الجامعات الغربية ن القرن الثالث عشر حتى مطلع القرن السادس عشر. وعندئذٍ نهض المدافعون المسيحيون لهذا التحدي أيضًا. وقاموا بتحديد التحديات التي يطرحها المذهب الأرسطي مثل الاعتقاد بأزلية العالم، وكذلك الأبواب التي يفتحها أمام الإيمان. ومازالت المهمة مستمرة إلى يومنا هذا ونحن نواجه تحديات وفرصًا فكرية وثقافية جديدة. ومن السهل أن نرتاع من هول التحديات التي تُنتج من التغيرات الثقافية، مما يعجزنا عن رؤية ما تتيحه من فرص.

 

الموضوعات الأساسية في الدفاعيات المسيحية:

 

قبل أن نتناول هذه الفرص، علينا أن نفكر أكثر في طبيعة الدفاعيات، فما القضايا التي يتناولها هذا العلم؟ وكيف يساعدنا في إعلان الإنجيل وتوصيله؟ يمكننا أن نلخص المهام الثلاث التي واجهها متخصصو الدفاعيات في الماضي وما يواجهونه في الحاضر تحت عناوين رئيسية: الدفاع، وإبراز الجمال، والترجمة.

الدفاع:

وهنا يحاول المدافع أن يكشف العوائق التي تقف أمام الإيمان. هل نتجت عن إساءة الفهم أو إساءة التفسير؟ وإن كان الأمر كذلك، فلابد من التصحيح. أم نتجت بسبب صعوبة حقيقية يشكلها الحق المسيحي؟ إن كان الأمر كذلك، فلابد من تناول هذه القضايا التي تمثل صعوبة. ولابد أن نلاحظ أن الدفاع عمومًا هو استراتيجية رد فعل، أي أنه عندما تُطرح شكوك معينة لابد من الرد عليها. ولحسن الحظ هناك إجابات ممتازة يمكن تقديمها، وعلى المدافع أن يعرفها ويفهمها. وعندما تُطرح أسئلة صادقة بإخلاص، لابد أن نقدم لها إجابات صادقة بقوة وبلطف في الوقت نفسه.

إلا أن الأسئلة والمخاوف والشكوك تختلف من شخص لآخر. ومن ثَمَّ، على المدافع أن يعرف جمهوره، ويكشف التحديات التي يواجهها الناس في الإنجيل. فمن أول الأمور التي يتعلمها المدافع في تقديمه للدفاعيات، وليس مجرد قراءته بعض الكتب عنها، أن الناس مختلفون اختلافًا كبيرًا، مما يستتبع اختلافات التحديات المحددة التي يواجهها كلٌ منهم في الإيمان التي لا يجب اختزالها وتعميهما في نمط موحد.

وهذه التحديات غالبًا ما تكون عقلية تتعلق بالأدلة التي تثبت صحة الإيمان أو ببعض التعاليم المسيحية الأساسية. ولكن من المهم أن ندرك أنه ليست كل الصعوبات تندرج تحت هذه الفئة. فبعض القضايا أعمق من ذلك بكثير، ولا تتصل كثيرًا بالفهم العقلاني بل بالبعد الوجودي. وقد علَّق المدافع الفرنسي “بليز باسكال” Blaise Pascal (1623-1662) ذات مرة تعليقًا ثاقبًا حين قال: “للقلب منطقه وأسبابه التي لا يستطيع العقل أن يفهمها.” والدفاعيات تهدف إلى تحديد هذه الحواجز التي تقف عائقًا أمام الإيمان، أيًّا كانت طبيعتها، وتقديم إجابات تساعد في التغلب عليها.

والدفاعيات تشجع المسيحيين على “تلمذة العقل وتهذيبه”، حتى قبل أن نتمكن من إجابة الأسئلة التي يطرحها الآخرون عن إيماننا، لابد أن نجيب عنها لأنفسنا أولاً. فالمسيح يدعو أتباعه أن يحبوا الله من كل قلبهم، ومن كل نفسهم، ومن كل فكرهم (مت 37:22). وبولس أيضًا يتحدث عن تجديد أذهاننا (رو 2:12) باعتباره جزءًا من عملية تغيير حياتنا. فكوننا مسيحيين يعني أن نفكر في إيماننا ونبدأ في تكوين إجابات لأسئلتنا. إن الدفاعيات تهتم بالتعمق في الإيمان المسيحي والغوص فيه لاكتشاف ما به من كنوز. وهي تساعدنا نحن أنفسنا على تقدير ثراء إيماننا ومنطقيته. ولكنها تمكننا ايضًا، وهو ما قد لا يقل أهمية عن فائدتها السابقة، من التعامل مع أسئلة الآخرين.

ومن المهم أيضًا أن ندرك أن مَن يطرحون أسئلة عن الإيمان ليسوا فقط مِن خارج الكنيسة. فالكثير من المسيحيين أيضًا يواجهون عثرات في إيمانهم ويجدون أنفسهم يبحثون عن تفسيرات له أو وسائل تساعدهم على الاحتفاظ به. ورغم أن الدفاعيات تركز أساسًا على ثقافة المجتمع المحيط بوجه عام، علينا ألا ننسى أن الكثير من المسيحيين داخل الكنيسة يحتاجون لمَن يساعدهم في إيمانهم. لماذا يسمح الله بالألم؟ كيف افهم الثالوث؟ هل حيواناتي المنزلية ستذهب إلى السماء بعد الموت؟ كل هذه أسئلة دفاعية مألوفة لأي قس، ولابد من الإجابة عليها. ومن حسن الحظ أن هناك بالفعل إجابات لها جذور عميقة في تاريخ الكنيسة المسيحية الطويل بكتابها المقدس الذي يتناول هذه الأسئلة.

وعلى المؤمنين أن يظهروا تفهمهم لهذه المخاوف ولا ينظروا إليها على أنها مجرد حجج يستهان بها ببساطة وبسهولة. ولكن علينا أن نتعامل معا بحرص وحنو بالدخول إلى عقل الشخص الذي تمثل له هذه المخاوف مشكلة. فلماذا تمثل له مشكلة؟ ما الذي تراه أنت ولم يتمكن هو من رؤيته؟ كيف يمكنك أن تساعده على رؤية الأمور بنظرة جديدة تحل المشكلة أو تُبين له أنها مشكلة معتادة في مجالات حياته الأخرى؟ من المهم إذَن ألا نستهين بهذه الأمور، بل لابد ان نتحلى باللطف والتعاطف. فالدفاعيات تتعلق بتوجهاتنا وصفاتنا الأدبية بقدر ما تتعلق بما نطرحه من حجج وتحليلات. وعليه، يمكنك أن تدافع عن الإنجيل ولكن دون أن تتخذ موقفًا عنيفًا كمَن يدافع عن نفسه ضد هجوم أو تهمة.

إبراز الجمال:

          وهنا يسعى المدافع لإتاحة الفرصة للمستمع أن يُقدر حق الإنجيل وملاءمته لحياته. وقد يكون المستمع شخصًا واحدًا أو مجموعة كبيرة. وفي الحالتين يحاول المدافع أن يفسح المجال لروعة الإيمان المسيحي وامتيازه لكي يظهرا جليين حتى يفهمه المستمع ويقدره. فنحن لسنا بحاجة أن نجعل الإنجيل ملائمًا لحياة هؤلاء الأشخاص، لأنه كذلك بالفعل. ولكن المهم أن نجد الأساليب التي تساعدهم على إدراك هذه الحقيقة. ومنها الأمثلة التوضيحية أو التشبيهات أو القصص التي تُمكنهم من التلامس مع الإنجيل.

          ومن ثَمَّ، فالدفاعيات لها بعد إيجابي قوي، وهو إظهار كمال جاذبية الرب يسوع حتى يتمكن مَن هم خارج الإيمان من إدراك السبب الذي يجعل يسوع يستحق أن نعيره اهتمامًا جادًا. والمسيح نفسه شَبَّه ملكوت السماوات بلؤلؤة كثيرة الثمن: “أَيضًا يُشبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَات إِنسَانًا تَاجِرًا يَطلُبُ لَآلِئَ حَسَنَة فَلَمَّا وَجَدَ لُؤلُؤةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ الثَّمّنِ مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشتَرَاهَا.” (مت 46،45:13). كان التاجر يُقدر قيمة اللآلئ وأدرك أن هذه اللؤلؤة بالذات من الجمال والقيمة حتى إنها تستحق أن يتخلى عن كل شيء لكي يحصل عليها.

          وكما سنرى أنه من الطرق التقليدية للقيام بهذه المهمة أن نبين أن المسيحية جذابة من الناحية العقلية. فهي تعطي الأشياء معنى أفضل مما يفعل منافسوها. إلا أنه من المهم جدًا ألا نحصر جاذبية الإنجيل في العقل البشري. فماذا عن القلب البشري؟ إن الأناجيل تخبرنا مرارًا وتكرارًا أن الناس كانوا ينجذبون ليسوع الناصري لأنهم أدركوا قدرته على تغيير حياتهم. ولم يكن مقياس تحققهم من ذلك: “هل هذا صواب؟” بقدر ما كان: “هل هذا سيَصلح معي؟”

          فمهمتنا أن نساعد الناس على إدراك أن الإيمان المسيحي له من الجمال والروعة ما لا يضاهيه فيهما شيء، وهو ما يعني أن نساعد الناس على رؤية ما في الأيمان من جاذبية. واللاهوت يساعدنا في تحديد العناصر الفردية في الإيمان المسيحي وتقدير قيمتها، بحيث نكون كمَن يفتح صندوقًا للمجوهرات ويسمك بالجواهر، واللآلئ، والأحجار الكريمة واحدة بعد الأخرى بحيث يُرى كل منها بمفرده وتظهر قيمته على حدة، وكأنه يمسك بماسة ويرفعها في النور حتى يشع كل وجه من وجوهها فيُظهر جماله وبريقه أمام عين الرائي.

الترجمة:

          في هذه المرحلة يجد المدافع أن الكثير من الأفكار والموضوعات المحورية في الإيمان المسيحي غالبًا ما تكون غير مألوفة للكثير من مستمعيه. لذلك، يجب عليه شرحها باستخدام صور مجازية أو مصطلحات أو قصص مألوفة سهلة الفهم. ويُعتبر “سي. إس. لويس” بحق أستاذًا في هذه المهارة، ولابد أن ننتبه لمدي تقديره لأهميتها:

          علينا أن نتعلم لغة مستمعينا. وبادئ ذي بدء أقول إنه لا فائدة أن نقدم ما يفهمه “الشخص العادي” وما لا يفهمه باعتباره بديهيات. فعليك أن تكتشف ذلك من الخبرة. … ينبغي أن تترجم كل جزء في لاهوتك إلى لغة العامة. … إن الاستنتاج الذي توصلتُ إليه أنه لو لم تتمكن من ترجمة أفكارك إلى لغة غير المتعلمين، فلن تكون مفهومة. والقدرة على الترجمة هي المحك الذي يثبت ما إذا كنت فهمت المعنى الذي تقصده.[3]

          والمسألة هنا تتعلق بمدى أمانتنا وفاعليتنا في توصيل الإيمان المسيحي لثقافة قد لا تفهم المصطلحات أو المفاهيم المسيحية التقليدية. فلابد أن نكون قادرين على الاضطلاع بالمهمة وشرح ما يتميز به الإنجيل من جمال أخاذ لثقافتنا باستخدام لغة وصور مفهومة لها. وليس من قبيل الصدفة أن المسيح اعتمد على الأمثال لِيُعَلِّم عن ملكوت الله. وقد استخدم تعبيرات وصورًا مألوفة لثقافة عصره الريفية الفلسطينية لتوصيل حقائق روحية عميقة.

          فكيف يمكننا ترجمة الأفكار المحورية في الإيمان المسيحي، مثل الفداء والخلاص للغة ثقافتنا العامية؟ إن أردنا للمصطلحات الكتابية أن تلقى صدى عند الناس اليوم، فلابد من شرحها وتفسيرها. وهنا أضرب مثالاً لتوضيح هذه النقطة. بولس يعلن قائلاً: “فَإِذ قَد تَبَرَّرنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلَامٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ المَسِيحِ” (رو 1:5). من الواضح أن هذه الآية تقرر عنصرًا جوهريًا في الإنجيل. ولكنها غير مفهومة للناس في عصرنا. وقد يخطئون فهم الفكرة المحورية التي يعرضها بولس، ألا وهي “التبرير” ويفهمونها بإحدى طريقتين:

  1. دفاع عن سلامة تصرفنا أو “صحة موقفنا” بمعنى “أنا قدمت تبريرًا لأفعالي أمام رؤسائي.” أي أن التبرير هنا معناه إثبات أننا على صواب.
  2. محاذاة النص على هامش الصفحة الأيمن، وخاصة إذا كانت تُكتب على الكمبيوتر.[4] أي أن التبرير هو ضبط نص غير منظم.

إلا أن أيًا من هذين الفهمين لا يجلو الغموض عن المعنى الذي يقصده بولس في (روية 1:5)، فهذان التعريفان يضللان الناس بشأن المعنى الذي يقصده بولس. لذلك، لابد من شرح فكرة بولس عن التبرير بلغة أمينة لما قصده بولس أصلاً ومفهومة للمستمع المعاصر. فيمكن مثلاً أن نبدأ بشرح الفكرة بأن نقول إنها تعني “إصلاح موقف” الإنسان مع الله، بما يتيح تناول الجوانب العلاقاتية والشرعية التي يحتويها مفهوم التبرير.

بناءً على ما قيل حتى الآن يتضح أن الدفاعيات تهتم بثلاثة موضوعات يضيف كلً منها عمقًا جديدًا لإيماننا الشخصي وسمة جديدة لشهادتنا المسيحية:

  1. التعرف على الاعتراضات أو الصعوبات المتعلقة بالإنجيل والرد عليها وتذليل هذه العقبات التي تعيق الإيمان.
  2. إظهار ما يميز الإيمان المسيحي من إثارة وروعة حتى يُدرك السامع قدرته على تغيير الوضع البشري.
  3. ترجمة الأفكار المحورية في الإيمان المسيحي إلى لغة مفهومة لِمَن هم من خارج.

وسوف نعالجُ كلاً من هذه القضايا بمزيد من العمق في هذا الكتاب لاحقًا. ولكننا الآن سنتناول علاقة الدفاعيات بالكرازة.

الدفاعيات والكرازة:

مما ذُكِرَ أعلاه نرى ان الدفاعيات المسيحية تمثل تفاعلاً جادًا ومستمرًا مع “الأسئلة الأساسية” التي تطرحها ثقافة معينة، أو جماعة، أو فرد بهدف إظهار قدرة الإيمان المسيحي على تقديم إجابات لها معني لهذه الأسئلة. أين الله من معاناة العالم؟ هل الإيمان بالله منطقي؟ إن الدفاعيات تهيئ الطريق للكرازة، كما هيأ يوحنا المعمدان الطريق لمجيء يسوع الناصري.

والكرازة تخطو أبعد من هذه المحاولة مبُينة معقولية الإيمان المسيحي من الناحية الثقافية. فبينما تُعتبر الدفاعيات أداة تفسح الطريق أمام الإيمان بالمسيح، والكرازة تدعو الناس للتجاوب مع الإنجيل. وبينما تهدف الدفاعيات إلى الحصول على “موافقة” الناس على الإنجيل، فالكرازة تهدف إلى الحصول على “التزامهم” به. وتعريف “ديفيد بوش” David Bosch للكرازة الذي يحظى بسعة القبول والتأثير، يشرح هذه النقطة جيدًا:

الكرازة إعلان للخلاص بالمسيح لِمَن لا يؤمنون به، داعيةً للتوبة والتحول إلى الإيمان، ومعلنةً غفران الخطايا، مُقدمة لهم الدعوة ليصبحوا أعضاء أحياء في جماعة المسيح على الأرض ويبدؤوا حياة الخدمة للآخرين بقوة الروح القدس.[5]

واتباعًا لهذا النهج نفسه يمكننا أن نقول إن الدفاعيات تهدف إلى إثبات منطقية الخلاص بالمسيح، مثلاً عن طريق بناء قضية فكرية تستدل على سقوط البشرية أو طبيعتها الخاطئة من التاريخ الثقافي، أو بالاستناد إلى خبرة التوق الروحي التي يجتازها الكثيرون باعتبارها دليلاً يؤكد اغترابنا عن الله وعن مصيرنا الحقيقي. ومن ثَمَّ، فإن مهمة الدفاعيات أن تمهد الطريق لقدوم المسيح، تمامًا مثل إزالة الأحجار وغيرها مما يعيق السير من الطريق.

وبالرغم من أن الخط الفاصل بين الدفاعيات والكرازة دقيق للغاية، من المفيد لنا أن نميز بينهما. فالدفاعيات تقوم على الحوار Conversational، بينما الكرازة تقوم على تقديم الدعوة Invitational.[6] وبينما يمكن للحوار الدفاعي عن الإيمان المسيحي أن يؤدي بسهولة إلى الدعوة للإيمان، فهو يُعني في المقام الأول بإزالة سوء الفهم وشرح الأفكار وتبيان ملاءمة الإيمان لحياة الفرد على المستوى الشخصي. أي أن الدفاعيات تهتم بإقناع الناس بوجود باب ينفتح على عالم آخر، باب ربما لم يسمعوا به إطلاقًا. أما الكرازة تُعني بمساعدة الناس على فتح ذلك الباب والدخول إلى العالم الجديد الممتد وراءه.

ويمكن وضع تعريف مبدئي بسيط للكرازة بأنها “دعوة الشخص لأن يصبح مسيحيًا.” وهكذا يمكن اعتبار الدفاعيات وسيلة لتمهيد الطريق لتلك الدعوة حتى يزداد احتمال استجابة المستمع لها. ويمكن القول أيضًا بأن الكرازة تشبه تقديم الخبز للشخص. أما الدفاعيات فهي إقناع الشخص بوجود خبز يمكنه تناوله والاستفادة منه.

وأضرب مثالاً من تعليم المسيح لتوضيح هذه النقطة. كان الرب يسوع غالبًا ما يشبه ملكوت الله بالوليمة (لو15:14-24). وهكذا، يمكن أن تُعتبر الدفاعيات وسيلة تشرح للناس أن هناك وليمة بالفعل، وتدعوهم ليفكروا فيما قد يجدونه فيها، مثل الطعام والشراب. فما أروع أن يحصل المرء على دعوة! وما أحلى أن يكون هذا الخبز حقيقيًا! وكما أشار “بليز باسكال” إنه علينا “أن نجعل الناس يتمنون أن يكون [الإيمان المسيحي] صحيحًا، ثم نثبت لهم صحته.”[7] وما يقصده “باسكال” أن دورنا مساعدة الناس على الاشتياق لما يعَد به الإيمان المسيحي، وبعدئذٍ تُظهر لهم أن ما يتوقون إليه صواب وحقيقي. فالرغبة في الشيء تخلق الدافعية لاستكشافه.

          أما الكرازة مختلفة عن ذلك. فهي تقدم دعوة شخصية: “انت مدعو للوليمة. تفضل.” والدفاعيات تمهد الطريق لهذه الدعوة، ثم تقوم الكرازة بتقديمها. وكلاهما جزء أساسي من إرسالية الكنيسة. الدفاعيات تثبت منطقية الإنجيل ومرغوبتيه وتعلنهما، بينما الكرازة تنادي الناس للدخول فيه والاشتراك في بركاته. الدفاعيات ليست كرازة، وهي قاصرة من دونها. إلا أنها تلعب دورًا مهمًا ومتميزًا في تفاعل المجتمع المسيحي مع العالم كما تشجع إيمان المسيحيين وتنميه.

          إلا أن الدفاعيات تشتمل على بعض الصعوبات التي يجب التعرف عليها. فكل أداة لابد من ضبطها حتى يمكن فهم نقاط قوتها وضعفها. وعلينا ان نعرف الظروف اللازمة لهذه الأداة حتى تعمل بكفاءة، ونحدد ما قد يُحدث خللاً فيها. وسوف نتناول هذه المسألة في الجزء التالي.

 

حدود الدفاعيات:

إذا فُهِمَت الدفاعيات واستُخدِمَت على النحو الصحيح تصبح ذات أهمية محورية في خدمة الكنيسة، إذ يمكنها إضفاء سمة جديدة وعمق فكري على حياة المؤمنين العاديين وتأهيلهم للإجابة عن أسئلتهم الشخصية حول إيمانهم، وأسئلة أصدقائهم. وهي تساعدنا على مد الجسور بيننا وبين ثقافتنا ممهدةً الطريق لإعلان الإنجيل. إلا أنه من السهل إساءة فهم الدفاعيات وإساءة تطبيقها.

من المهام التي تهدف الدفاعيات إلى القيام بها ترجمة الأفكار الأساسية في الإيمان المسيحي إلى عناصر يفهمها العالم. فمثلاً بعض المصطلحات الكتابية، مثل التبرير، تفسيرها يجب للثقافة العلمانية[8] لئلا يساء فهمها. إلا أنه بالرغم من أن هذه العملية من “الترجمة الثقافية” للأفكار الأساسية في الإنجيل يمكن أن تكون عظيمة الأهمية في مساعدة الناس على فهم الإيمان المسيحي، فمن الممكن أيضًا أن تؤدي إلى نتيجتين ضارتين.

أولاً، ترجمة الأفكار المسيحية إلى مصطلحات ثقافية يمكن أن تؤدي بسهولة لاختزال الفكرة المسيحية إلى مقابلها الثقافي. فقد يساعدنا مثلاً أن نري المسيح باعتباره الوسيط بين البشر والله، ولدينا في العهد الجديد ما يؤكد صحة الحديث عن المسيح من هذا المنطق. وهذا الأسلوب يساعدنا على تحديد العناصر الجوهرية المختصة بالمسيح من وجهة نظر مسيحية. إلا أن الثقافة الغربية الحديثة تفهم “الوسيط” من منظور مهني، أي أن الوسيط شخص له خبرة في حل الصراعات ووظيفته تسوية نزاع نشب بين طرفين. لذلك، الحديث عن الرب يسوع باعتباره وسيطًا قد يؤدي إلى اختزال دوره إلى ما تفهمه الثقافة المعاصرة عن هذه الفكرة، فقد يُفهم مثلاً أن يسوع صانع سلام. لذا، علينا أن نحرص على عدم اختزال يسوع المسيح أو الإنجيل إلى مصطلحات مفهومة في ثقافتنا. ومن هنا قد تؤدي الدفاعيات إلى ضياع الهوية المميِّزة للمسيحية.

ويمكن بالطبع تفادي هذا الخطر بتوضيح أن الدفاعيات تهدف إلى بناء جسور مع الثقافة المعاصرة. ففي نهاية الأمر، لا يجب أن يتحول الإنجيل إلى شيء يمكن أو يجب اختزاله بما يتناسب مع أعراف الثقافة الغربية. ولكنه شيء يمكن لما فيه من حق وملاءمة للحياة أن يصل للثقافة بأكثر فاعلية عن طريق الاستخدام الحكيم للتشبيهات أو القيم أو القصص المنتقاة من الثقافة بدقة، مع الأخذ في الاعتبار ان الإنجيل لا يماثل أيًّا منها تمام المماثلة، فيمكننا أن نستخدم عبارات مثل: “إنه يشبه… قليلاً.” ولكن علينا في النهاية أن ندرك أن الإنجيل يتجاوز ويغَير أي فكرة ثقافية وكل الأفكار الثقافية التي قد نستخدمها كقنوات لتوصيله. فهي قنوات وأدوات لتوصيل الإنجيل، ولكنها ليست الإنجيل نفسه.

ثانيًا، قد تخلق الدفاعيات الانطباع بأن كل المطلوب هو إظهار منطقية الإيمان. وهذا هو أحد الأسباب التي تستدعي تأكيد أهمية الكرازة. ويمكننا هنا استخدام تشبيه من كتابات “مارتن لوثر” Martin Luther حيث يَعتبر الإيمان مثل دخول مركب وعبور البحر للوصول إلى جزيرة. فالدفاعيات يمكنها أن تساهم في إثبات أن تصديق وجود مركب أمر منطقي، ومن المحتمل أن السفر به آمن، وأن هناك جزيرة خلف الأفق. ولكن مازال عليك أن تدخل المركب وتبحر إلى الجزيرة. إن الإيمان يعني التكريس لله لا مجرد الاعتقاد فيه. وأكرر أن هذه الصعوبة يمكن تفاديها إن أدركنا أن الدفاعيات والكرازة شريكان أساسيان ومترابطان في الإرسالية المسيحية للعالم.

خطوة للأمام:

لقد تناولنا في هذا الفصل الافتتاحي بعض الموضوعات الأساسية في الدفاعيات المسيحية: كيف نوصل الإيمان المسيحي للثقافة المعاصرة؟ وكما سنري في نقاط متنوعة عبر هذا الكتاب، أنه من أفضل السبل لأداء هذه المهمة أن نتأكد أننا فهمنا الإيمان المسيحي بالفعل وأننا نُقدّر جاذبيته الفكرية والعلاقاتية والجمالية والخيالية والأخلاقية. فالإيمان المسيحي يحتوي على الكثير الذي يجب تقديره.

إلا أنه يجب علينا أيضًا أن نمعن التفكير في المحيط الثقافي الذي نعلن فيه الإنجيل ونشرحه ونُظهر جماله. فالناس لا يعيشون في فراغ ثقافي، بل يعيشون في وضع محدد وغالبًا ما يتشربون ولو بعض أفكاره وقيمه. وفي الفصل التالي سنتناول الدور الذي تلعبه الثقافة في الدفاعيات.

 


 


 

للمزيد من الاطلاع:

Craig, William Lane. Reasonable Faith: Christion Truth and Apologetics, 3rd. Wheaton: Crossway, 2008.

Kreeft, Peter, and Ronald K. Tacelli. Handbook of Catholic Apologetics: Reasoned Answers to Questions of Faith. San Francisco: Ignatius Press, 2009.

Markos, Louis. Apologetics for the Twenty-First Century. Wheaton: Crossway, 2010.

Peters, James R. The Logic of the Heart: Augustine, Pascal, and the Rationality of Faith. Grand Rapids: Baker Academic, 2009.

Sire, James W. A Little Primer on Humble Apologetics. Downers Grove, IL: InterVarsity, 2006.

Sproul, R. C. Defending Your Faith: An Introduction to Apologetics. Wheaton: Crossway, 2003.

Stackhouse, John G. Humble Apologetics: Defending the Faith Today: Oxford: Oxford University Press, 2002.

Taylor, James E. Introducing Apologetics: Cultivating Christion commitment. Grand Rapids: Baker Academic, 2006.

[1] كلمة apologetics في الإنجليزية مشتقة من كلمة apology التي تعني “اعتذار”. (المترجمة)

[2] The great Swiss theologian Emil Brunner (1889-1966) argued that the gospel rightly caused a “scandal” to modern people on account of doctrines that challenged contemporary myths about human nature and destiny—such as the doctrine of original sin. See Emil Brunner, The Scandal of Christianity (Philadelphia: Westminster Press, 1946).

[3] C. S. Lewis, “Christian Apologetics,” C. S. Lewis: Essay Collection (London: Harper-Collins, 2000), 153, 155.

[4]  زرار “ضبط” في مجموعة أوامر محاذاة النص عبى شريط الأدوات في برنامج Microsoft Office Word يُترجَم في الإنجليزية إلى justify وهي نفس الكلمة التي تعني “يبرر” المستخدمة في رو1:5. (المترجمة)

[5] David Bosch, Transforming Mission: Paradigm Shifts in the Theology of Mission (Maryknoll, NY: Orbis Books, 1991), 11.

[6] For useful reflections, see John G. Stackhouse, Humble Apologetics: Defending the Faith Today (Oxford: Oxford University Press, 2002), 131-205.

[7] Blaise Pascal, Pensées (Mineola, NY: Dover Publications, 2003), 52.

[8] الكلمة الإنجليزية secular وتعني ما لا يتخذ من الدين مرجعية، ولكنه ليس بالضرورة ضدًا له. (المترجمة)

Exit mobile version