الله ليس مسبب للشرور – للقديس باسيليوس الكبير – ترجمة د جورج عوض ابراهيم
الله ليس مسبب للشرور – للقديس باسيليوس الكبير – ترجمة د جورج عوض ابراهيم
استخدم داود النبي والمرنم المستنير بالروح القدس طرقا شتى في تعليمنا. تارة يحكى لنا عن آلامه وشجاعته التي مكنته من تحمل مواقف كثيرة تاركًا لنا من خلال شخصه مثالاً يعلمنا الصبر، مثلما قال: ” يارب ما أكثر مضايقى. كثيرون قائمون على ” (مز1:3). وتارة أخرى يقدم لنا داود صلاح الله وسرعته في المعونة التي يمنحها لأولئك الذين يطلبونه حقًا، عندما يقول ” فاعلموا أن الرب قد ميز تقية. الرب يسمع عندما أدعوه ” (مز2:4).
وهذه الأقوال هي نفسها التي قالها النبي إشعياء: ” حينئذ تدعو فيجيب الرب تستغيث فيقول هاآنذا ” (إش9:58) أيضًا يصلى داود النبي الى الله بطلبات حارة يعلمنا بطريقة صحيحة كيف يجعل الخطاة الله عطوفا نحوهم بتوسلاتهم: ” يارب لا توبخنى بغضبك ولا تؤدبنى بغيظك ” (مز1:6) ويقول في المزمور الثالث عشر: ” إلى متى يارب تنسانى كل النسيان ” لكي يعبر عن عتابه الله في شكل استفهام ويعلمنا من هذا المزمور ألا نترك أنفسنا للحزن والضيق ونحن ننتظر صلاح الله نحونا، وعلينا أن نعرف أن الله يسلمنا إلى الضيقات والتجارب بحسب قياس ودرجة إيمان كل واحد منا.
خطورة نسبة الشرور الى الله:
وبعدما قال داود ” إلى متى يارب تنسانى كل النسيان “، ” حتى متى تحجب وجهك عنى ” (مز2:12) ينتقل مباشرة الى شرور الوثنيين، غير المؤمنين الذين عندما يواجهون صعوبة صغيرة في الحياة لا يستطيعون أن يتحملوا ظروف الأحداث الأكثر صعوبة ويبدأوا يشكوا بعقولهم ما إذا كان الله موجودًا ويعتنى بكل الأمور وأنه يجازى كل واحد بحسب أعماله. وعندما يرون أنفسهم مستمرين في هذه الظروف المؤلمة يثبتون داخلهم التعاليم الشريرة ويقتنعون في قلوبهم بالرأي القائل بأنه لا يوجد إله: ” قال الجاهل في قلبه ليس إله ” (مز1:14).
وطالما أن هذا الجاهل يضع في قلبه هذا الأمر فإنه يفعل أي خطية بدون تردد لأنه إن لم يوجد الله الذي يرى كل الأمور، إن لم يوجد الله الذي يجازى كل واحد حسب أعماله إذًا فما الذي يمنع أن نظلم الفقير ونتسلط عليه ونقتل الأيتام، ولا نتردد في إبادة الأرملة والغريب الذي أراد أن يعيش بيننا، ونتجرأ على فعل أي عمل سخيف ولا مانع أن نتلوث بالشهوات النجسة والقذرة وبكل الرغبات المتوحشة؟
لذلك وكنتيجة للإعتقاد بعدم وجود الله يقول المرنم: ” فسدوا ورجسوا بأفعالهم ” (مز1:14). لأنه ليس من الممكن أن ينحرفوا هكذا عن الطريق المستقيم إن لم تكن نفوسهم قد ضعفت بمرض نسيان الله.
إننى أتساءل: كيف سُلم الوثنيون ” إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق” (رو28:1). ألم يُسلموا أنفسهم لأنهم قالوا: “لا يوجد إله”؟ كيف وقعوا في ” أهواء الهوان لإن إناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعي بالذى على خلاف الطبيعة. وكذلك الذكور أيضًا تاركين استعمال الأنثي الطبيعى إشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكورا بذكور ” (رو26:1ـ27). ألم يُسلموا أنفسهم بسبب أنهم ” أبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات “؟ (رو23:1).
من ينسب الشر لله يتشبه بالوثنى:
حسنا من يقول ليس إله هو الذي لا يملك عقلا ولا حكمة كذلك من يقول إن الله مسبب للشرور هو شبيه به. إنى أعتقد أن خطية الإثنين واحدة، لأن الأول والثاني ينكران الله الصالح. فالأول يقول لا يوجد إله والآخر يقول أن الله ليس صالحا لأنه لو أن الله هو مسبب للشرور فهذا يعنى أن الله ليس صالحًا، إذًا هناك انكار لله من كلا الجانبين. يتسائلون من أين تأتى الأمراض؟ من أين هذه الميتات المبكرة؟
من أين الدمار العظيم الذي يلحق بالمدن؟ من أين العواصف؟ من أين الأوبئة؟ إن هذه الأمور تعتبر بالطبع شرورًا، وكلها من أعمال الله ويتمادوا في ذلك بقولهم من هو الآخر الذي يمكننا أن نتهمة بإرتكاب هذه الحوادث إلا الله؟.
تعال الآن، إذًا، لأننا قد أدخلنا أنفسنا في موضوع يتحدث عنه كثيرون وقيل فيه كلام كثير، وحيث أننا انشغلنا بهذه المسألة بالتفصيل دعنا نحاول أن نطرح شرحًا واضحًا ووافيًا لها.
هل الإنسان مسئول عن كل ما يصيبه من تجارب وضيقات؟
حسنًا ينبغي أن نضع في تصورنا هذا الأمر: إننا نحن خليقة الله الصالح وإننا محفوظون بواسطة الله الذي يدبر أمورنا الصغيرة والكبيرة في حياتنا، لذا لن نعانى شيئًا بدون أن يكون لله إرادة في ذلك. أيضًا ليس شيئًا مما نعانى منه يعتبر ضارًا لنا بل يكون أفضل لنا لأننا عندما نتأمل في ذلك نستطيع أن نقترب من الله خالقنا.
فالموت على سبيل المثال يأتى من قبل الله بالتأكيد، ولكنه ليس شر، بل يصبح شرًا فقط في حالة موت الخاطئ. والموت بالنسبة للخاطئ الذي يرحل عن هذا العالم يعتبر بداية الجحيم في الهاوية. وأيضًا ما يقابله الإنسان من آلام في الهاوية لا يكون الله المتسبب فيها بل الإنسان نفسه لأنه كان في مقدرته وسلطته أن يختار بين فعل الخطية أو رفضها وكان لدى الخطاة إمكانية الابتعاد عن فعل الشر وتجنب الإصابة بأية نكبات.
ولكنهم إنخدعوا بطعم اللذة وانقادوا الى الخطية. إذن فما صحة هذا الذي يُقال بأن هؤلاء أنفسهم ليسوا سببا في النكبات التي اصابتهم؟! هذه النكبات هي شرور كما نفهم نحن. وهناك شرور تتوقف علينا نحن مثل الظلم، الخلاعة، الإنحلال الخلقى، الجُبن، الحسد، القتل، الدسائس وكل ما يترتب عليها من أفعال تلوث النفس التي خُلقت بحسب صورة الله خالقنا. إن هذه الأفعال تشوه بالطبع جمال النفس.
أيضًا نحن ندعو كل أمر متعب ومحزن لنا شرًا مثل المرض الجسدى، الجروح، حرمان الجسدمن الأمور الضرورية، العار أو الفضيحة، الضرر المالى، فقدان أحد الأقارب. إن هذه الأمور تأتى إلينا من الرب الصالح والحكيم وذلك لفائدتنا. فمثلاً عندما يأخذ الله المال من الذين يستخدمونه بطريقة سيئة فإنه يريد أن يُدمر ـ بهذه الطريقة ـ الأداة التي بها يظلمون الناس.
وأحيانًا يتسبب الله في مرض للذين يكون في صالحهم أن تتقيد أعضائهم ويلازموا فراش المرض أفضل من أن يكونوا معافين وأحرارًا في إرتكاب الخطية. والموت يأتي إلى البشر في الوقت المناسب أي عندما يصلون الى نهاية حياتهم التي حددها حكم الله العادل منذ البداية الذي قد رأى مسبقًا ما يفيد كل واحد منا. فالمجاعات والسيول هي نكبات مشتركة تأتى على المدن والأمم لكي توقف وتحجم فعل الشر المتفاقم.
إذن مثلما نصف الطبيب دائمًا بأنه محسن وكريم حتى لو تسبب في إيلام الجسد أو النفس (لأنه يحارب المرض وليس المريض) هكذا الله هو صالح يدبر الخلاص من خلال محصلة بعض العقوبات. أيضا نحن لا نتهم الطبيب بأى إتهام عندما يقوم ببتر جزء من أعضاء الجسد أو يكوى آخر بل نعطيه أجرًا وندعوه مخلصًا لأنه يوقف المرض عندما يظهر في جزء صغير من الجسد قبل أن ينتشر في كل الجسد. ولكن عندما نرى مدينة تنهار على ساكينيها بسبب زلزال، أو سفينة تنكسر وتغرق في البحر مع كل ركابها لا نتردد في التجديف على الله الطبيب الحقيقي والمخلص.
أننا نعرف جيدًا أنه في حالة إصابة أحد بأى مرض فإنه يعطي له علاجا مفيدا ليُشفى، ولكن عندما يُصاب بمرض لا يقبل الشفاء تصير الحاجة الى قطع العضو غير القابل للشفاء حتى لا ينتشر المرض في كل أعضاءه الحية والنشطة. إذن كما أن الطبيب ليس هو السبب في إجراء الجراحة أو الكى بل المرض نفسه هكذا فالخطايا هي التي تسبب دمار المدن وليس الله المنزه عن أي تهمة.
شرح لبعض الآيات التي قد يفهم منها أن الله مصدر للشرور:
“مصور النور وخالق للظلام”
ربما يتسائل أحد: إن كان الله غير مسئول عن الشرور لماذا قال عن نفسه أنه ” مصور النور وخالق الظلمة ” (إش7:45).
إن من يفهم هذه الآية فهما صحيحا لا يمكن أن يتهم الله بأنه مسبب للشرور وهى تعني الآتي:
إن الله الذي قال إنه ” مصور النور وخالق الظلمة صانع السلام وخالق الشر أنا الرب صانع كل هذه ” يقدم ذاته من خلال هذه الكلمات ـ كخالق للخليقة كلها وليس لأى شر. ولكى لا تظن أن هناك آخر هو مسبب للنور وآخر أيضًا مسبب للظلمة، دعى نفسه خالق وصانع كل الأشياء حتى التي تبدو أنها ضد الطبيعة، وذلك حتي لا تطلب خالقا آخر للنور وخالقا آخر للمياه، وآخر للهواء وآخر للأرض. والحقيقة أن كثيرين آمنوا بتعدد الآلهه آنذاك إذ رأوا أشياءًا متضادة فيما بينهما (مثل الماء والنار، النور والظلمة،….) دعونا نفحص الجزء الثانى من الآية.
” صانع السلام وخالق الشر “:
” صانع السلام وخالق الشر “. ” صانع السلام ” تعنى أن الله يمنحك الهدوء بالتعليم المستقيم الذي يدخل الهدوء والسكينة الى عقلك ويُسكِّن الشهوات التي تثور ضد النفس. أما عبارة ” خالق الشر ” فتعنى أن الله يغير الشر ويشركة في طبيعة الصلاح. هيا نرى بعض الأمثلة على فعل يخلق: عندما يقول المرنم ” قلبا نقيا إخلق في يا الله ” (مز1:51) لا يعنى أنه يطلب من الله أن يخلق له قلبا آخر لكن تعنى أنه يطلب من الله أن يجدد قلبه الذي عتق من الشرور ليصير جديدًا.
وأيضًا بولس الرسول يقول ” ليخلق من الإثنين إنسانا جديدا ” (أف15:2) لا يعنى ان الله يخلق من العدم لكن تجديد الاثنين الموجودين بالفعل. كذلك عندما يقول: ” إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة ” (2كو17:5). وأيضًا عندما يقول موسى النبي: ” أليس هو أباك مقتنيك هو عملك. وأنشأك (أى خلقك) ” فإنه يعلمنا أنه الله خلقك أو أنشأك بعدما عملك أي أن هناك تحسين وتجديد للخليقة. هكذا يصنع الله السلام بتغيير الشر وتحويله الى ما حسن.
وحتى لو كان السلام في رأيك هو التحرر من الحروب وحتى لو كنت تعتبر الأمور التي تحدث أثناء الحروب شرورًا مثل حملات الإغارة والهجوم خارج حدود البلاد، والدوريات والسهر المستمر، والتدريبات والمشقات، الجرحى والقتلى وسقوط المدن، والأسر، والسلب والنهب، ومناظر القتلي، وكل الفوضى التي تصاحب الحروب، فإن هذه الأمور قد صارت بحكم الله العادل الذي يُعاقب كل الذين يستحقون العقوبة من خلال هذه الحروب. هل ترى إنه يجب الا تحترق سدوم بعد كل هذه الأفعال القبيحة التي إرتكبها سكانها؟
وربما كنت تتمنى ألا تخرب أورشليم ولا ينقض الهيكل بعد كل تلك الاتهامات الباطلة التي تفوه بها اليهود ضد الرب؟! هل هناك طريقة أخري عادلة غير أن تخرب أورشليم بيد الرومان؟ تذكَّر أن اليهود كانوا هم أنفسهم أعداء الحياة إذ سلموا الرب الحياة. هكذا كان ينبغي في بعض الأحيان أن تسقط شرور الحروب على هؤلاء الذين يستحقون العقاب.
” أنا أُميت وأنا أحيي “
أما بالنسبة لقوله ” أنا أُميت وأنا أحيي ” عليك أن تقبل هذه العبارة في معناها البسيط، لأن المخافة تبنى البسطاء. أما عبارة “سحقت وأنا أشقى” فإن السحق أو الجرح ينتج عنه مخافة والشفاء يقود الى المحبة. ويمكنك أن تتأمل هذه الآية تأملاً أسمى من هذا، فستجد الله كأنه يقول: أنا سوف أميت بالخطية وسوف أحيّ بالفضيلة. لأنه ” إن كان إنسانا الخارج يفنى بالداخل يتجدد يوما فيوما ” (2كو16:4).
إذن الله لا يميت أحدا ويحيي آخر، ولكن هو يحي بالأشياء التي تميت ويشفي بالأمور التي تجرح وينطبق ذلك على المثل الذي يقول: ” تضربه أنت بعصا فتنقذ نفسه من الهاوية ” (أم14:23) إذًا يجرح الجسد لكي يشفى النفس، يميت الخطية لتحيا الفضيلة.
وبالنسبة لقوله: ” لأن شرًا قد نزل من عند الرب الى باب أورشليم ” فالآية تشرح نفسها أي شر؟ إنه ضوضاء العربات والفرسان القادمين إليها.
” لا توجد بلية إلا والرب صانعها “
أما عندما تقرأ ” لا توجد بلية إلاّ والرب صانعها ” فإنه يقصد بهذا الكلام الإشارة الى فعل الألم الذي يحدث للخطاة بغرض إصلاح وتقويم إخطائهم، لأنه يقول بعد ذلك ” فأذلك وأجاعك وأطمعك المن الذي لم تكن تعرفه ولا عرفه آباؤك لكي يعلمك أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل ما يخرج من فم الرب يحيا الإنسان” تث 8: 3، وذلك لكي يوقف الظلم قبلما ينتشر ويمتد إمتدادا فائقا مثل تيار النهر الذي يوقفونه بسد أو بجدار متين قوى.
الكوارث الطبيعية تحدث لفائدة الإنسان :
الأمراض التي تصيب المدن والأمم، والرياح الجافة والأرض الجرداء العقيمة التي لا تثمر وأيضًا الظروف الأكثر قسوة في حياة كل واحد توقف زيادة ونمو الشر. هكذا كل أنواع الشرور (الآلام) التي تأتى من الله تبعد الإنسان عن فعل الشرور الحقيقية. فالعذابات التي يتعرض لها الجسد وكذلك الأمور المؤسفة التي تأتى من خارج الجسد تحدث لكي يبتعد الإنسان عن فعل الخطية.
إذًا ـ في الحقيقة ـ الله يبعد الشر كما إن الشر لا يأتى من الله. لأن الطبيب يشفى المرض لكنه لا يتسبب في حدوث المرض نفسه. هكذا دمار المدن والزلازل والفيضانات وإبادة الجيوش وحوادث الغرق وكل أشكال الدمار التي تصيب الإنسان وتأتى سواء من الأرض أو البحر أو الهواء أو النار أو تأتى من أي مكان تحدث لأن الله يريد بهذه الضربات الجهارية تهذيب البشر.. أما الشر الحقيقى فهو الخطية، وإرتكابها يتوقف على إرادتنا وهى تدعى بالحق شرًا، وبإرادتنا نستطيع أن نبتعد عن الشر أو نفعل الشر.
التجارب تخلص الإنسان من الخطايا:
هناك شرور (آلام) تحيط بالإنسان لتظهر مدى شجاعته وإحتماله وصبره، مثلما حدث مع أيوب إذ حرم من أولاده ولحق الدمار بكل ما يملك في لحظة، وحلت قروح البرص بجسده. وهناك أيضا شرور أخري تحيط بالإنسان لشفائه من الخطايا التي فعلها، مثل داود الذي إستحق العقاب الذي لحق به نتيجة شهوته غير المشروعه.
هكذا تعلمنا كيف أن عدل الله ينزل نوعا آخر من العقوبات المخيفة لكي يجعل أولئك الذين ينزلقون بسهولة في فعل الخطية اكثر تهذيبًا. مثال على ذلك داثان وأبيرام اللذين بلعتهما الأرض عندما ” إنشقت الأرض التي تحتهم ” (خر31:16) بهذا العقاب طبعا لم يصيرا في حالة أفضل (لأنه كيف يحدث هذا طالما نزلا الى الهاوية؟ ولكن بهذه العقوبة القاسية صار الباقين أكثر تهذيبا. وبهذه الطريق أغرق فرعون مع كل جنودة (خر28:14).
لا تظن عندما قال بولس الرسول مرة ” آنية الغضب مهيأة للهلاك ” (رو23:9) إنه يقصد آنية شريرة (لأنه سوف ينسب بالصواب سبب الشر لعملية التصنيع)، إنما عندما تقرأ كلمة “آنية” فلنفهم أن كل واحد منا صار (خلق) لشئ مفيد ” ولكن في بيت كبير ليس آنية من ذهب وفضه فقط بل من خشب وخزف أيضًا وتلك للكرامة وهذه للهوان ” (2 تيمو20:2).
[ الإنسان بمقدوره أن يكون إناء ذهب أي طاهر القلب ونقي في طرقه، وإناء فضه أي يكون أقل قيمة من الأول، وإناء خزف أي أن له تصرفات أرضية ومعرض للكسر، أو أن يكون إناء من الخشب أي يتلوث بسهولة من فعل الخطية وجدير أن يلقى في الناء الأبدية ]، هكذا عبارة ” آنية غضب ” أي مثل وعاء فيه طاقة شيطانية تسبب رائحة فساد كريهه وهو غير قابل للاستخدام بل جدير بالفناء والضياع.
لذلك فإن فرعون كان ينبغي أن يهلكه الله الحكيم ومدبر النفوس لكي يعرف للجميع أنه بسبب شره كان غير قابل للشفاء لقد قسى الله قلبه بتأجيل العقاب فيزداد شرًا ويظهر هكذا حكم الله العادل.
تدرج الله معه بعقوبات صغيرة محاولاً دائمًا أن يلين تصرفه غير المطيع ولكنه إزداد في احتقار طول أناة الله وإعتاد على المتاعب التي كانت تحل عليه. إذن الله لم يسلمه إلى الموت. لقد أغرق فرعون نفسه بتكبر قلبه وتشامخه، إذ تجرأ في مقاومة شعب الله وظن أنه يستطيع أن يعبر البحر الأحمر مثلما عبر هذا الشعب.
الشر ليس له جوهر:
حسنًا حيث أنك عرفت أنواع الشرور (الآلام) التي تأتى من الله، وعرفت أن تميزها في داخلك. وحيث أنك تعرف جيدًا ما هو الشر الحقيقي؟ أي الخطية التي نهايتها الدمار والموت. كذلك تعرف الآن ما هو الأمر الذي يبدو شرًا إذ يؤلمك ولكنك تدرك أن له قوة الصلاح مثل كل الآلام التي تحيط بنا كى نتوقف عن فعل الخطية، وتعرف أن ثمار هذه الآلام هي خلاص نفوسنا الأبدى، عليك إذًا أن تتوقف عن الشعور بالإحباط تجاه خطة الله لك وعليك أيضًا أن تبتعد عن اعتبار الله مسبب للشر، كذلك لا تظن أن الشر له وجود خاص به. لأن الشر ليس شيئًا موجودًا، مثلما نقول ذلك عن حيوان ما (كائن حى ما).
الشر ليس له جوهر، فالشر هو غياب الصلاح. كما أن العمى يحدث نتيجة تلف يصيب العينين، هكذا الشر ليس له وجود خاص لكنه يأتى بعدما تمرض النفس. والشر أيضًا ليس هو غير مولود كما ينادي الفجار (الغنوسيون وغيرهم) جاعلين هكذا طبيعة الصلاح وطبيعة الشر على نفس المستوى في التقدير. لو أن الكل أتى من الله عندئذ كيف يكون الممكن أن يأتي الشر من الصلاح؟
فلا السيئ يأتى من الصلاح ولا الشر من الفضيلة. إقرأ في سفر التكوين عن خلق العالم ستجد أن الكل صار “حسنا” وأيضا ” حسنا جدًا ” (تك31:1). إذًا، الشر لم يخلق مع الصلاح في آن واحد. ولم تكن الأرواح المخلوقة ممتزجة بالشرور عندما خلقها الله وأتى بها الى الوجود. لأنه إذا كانت الأجساد المادية لم تكن لها طبيعة شريرة بداخلها فكم بالأولى الأرواح التي تتميز جدًا بالنقاوة والقداسة لم تكن لها وجود مشترك مع الشر؟ لكننا نرى الشر موجود وفعله ظاهر ومنتشر في كل العالم.
كيف يوجد الشر إن كنا نقول أن ليس له بداية ولا أنه خلق؟
الإجابة تأتى من هؤلاء الذين يفحصون هذه الأمور. فإذا تساءل أحد: كيف تأتى الأمراض؟ من أين يأتى الشلل الجسدى؟ نقول إن المرض ليس هو غير مولود وليس هو خليقة الله، لكن الكائنات لها أعضاء تؤدى وظيفتها ولكن عندما يصيبها المرض تنحرف عن أداء مهمتها بحسب طبيعتها. إذ أن هذه الأعضاء تكون قد فقدت عافيتها سواء لقلة التغذية أو لأى سبب آخر. إذن الله خلق الجسد وليس المرض. لقد خلق الله النفس ولم يخلق الخطية.
إنما النفس يمكن أن تقبل الشر لأنها ابتعدت عن حالتها الطبيعية. وإذا تساءل أحد وقال ما هو الخير الذي كان للنفس؟ نقول: كان مكانها بجوار الله وكان الخير متمثلاً في الاتحاد به بواسطة المحبة. ثم سقطت من هذا المكان وعانت من أمراض كثيرة ومتنوعة لكن إذا تسائل أيضًا وقال: لماذا تقبل النفس فعل الشر؟ نقول: إن نفس الإنسان لها حرية تتناسب مع الكائنات العاقلة. إن نفس الإنسان الانسان متحررة من أي قيد وقد منحها الله أن تحيا بحرية إذ خلقت بحسب صورة الله.
لقد نالت بالتأكيد الصلاح وتعرف جيدا أن تستمتع بهذا الصلاح، ولديها المقدرة لأن تحفظ حياتها الطبيعية طالما أنها تظل تستمتع بالروحيات. لكن أيضًا لديها المقدرة أن ترفض الصلاح. وهذا يحدث للنفس عندما تنحاز للجسد بسبب حب اللذات والشهوات حيث أنها تشبع من مباهج العالم فتنفصل عن حب التمتع بالأمور السمائية.
الله لم يخلق الموت ولكن….
6ـ لقد كان أدم في السماء بالمفهوم الروحي وليس المكاني، وفور أن دبت فيه الحياة (النفس) ونظر نحو السماء إمتلأ فرحا إذ نظر هذه الأشياء التي رآها. لقد أحب كثيرا الله الكريم حبا قوى إذ هو الذي منحه حب التمتع بالحياة الأبدية من خلال مباهج الفردوس حيث أعطاه سلطة وسيادة تشبه سلطة وسيادة الملائكة. هذه السيادة جعلته يشترك في الحضور مع رؤساء الملائكة وأن يكون جديرًا بأن يسمع صوت الله.
لكن بينما كان في حماية الله متمتعا بخيراته، شعر بشبع (زائف) من هذه الخيرات السمائية وفضل ما يبهج عينيه الجسدية على الجمال الروحي، وبدلاً من أن يستمتع بالأمور الروحية فضل أن يملأ بطنه، وللتو وجد نفسه خارج الفردوس، خارج تلك البيئة الطوباوية التي كانت محيطة به. وصار شريرا ليس عن إجبار ولكن عن عدم استنارة. إذً فهو الذي وقع في الخطية عن طريق إختياره السيئ ومات بسبب الخطية ” لأن أجرة الخطية هي موت ” (رو23:6) أي كل من يبتعد عن الحياة يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة وغياب الحياة هو موت.
هكذا جلب آدم الموت على نفسه وصنعه بابتعاده عن الله وفق المكتوب في المزمور ” لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون” (مز27:73). هكذا ليس الله هو الذي خلق الموت لكن نحن الذين جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة. لكن الله لم يوقف الانحلال الذي يحمله الموت حتى لا يظل المرض بدون نهاية، هذا الأمر مثل شخص لا يقبل أن يضع إناء مكسور من الخزف في النار لكي يأخذ الشكل النهائى قبلما يصلح الخطأ بإعادة تصنيعه من جديد.
لماذا لم يمنحنا الله طبيعة لا تميل للخطية:
7ـ قد يتسائل أحد أيضا لماذا لا تكون لنا طبيعة لا ترتكب الخطية حتى إذا أردنا أن نفعل الخطية، فلا نجد في طبيعتنا إمكانية لفعلها؟ إننى أقول لك: أنت لا تعتبر العبيد المجبرين على أداء خدماتك أحباءًا لك، بينما عندما تراهم باختيارهم وبإرادتهم ينفذون واجباتهم تعتبرهم أحباءًا لك. هكذا بالنسبة لله فهو لا يحب أن يُنفذ أمره عن إجبار بل يحب ذاك الذي بحرية يتوق الى فعل الخير وإكتساب الفضائل.
والفضيلة تتحقق بالإرادة الحرة وليس بالإجبار. والإرادة الحرة أيضًا تتوقف على مدى استعدادنا الداخلي. وهذا الاستعداد هو الحرية الداخلية. إذًا فإن من يشكو الى الله لأنه لم يمنحنا طبيعة غير قابلة لفعل الخطية، هو الذي لا يفضل لنفسه شيئا آخر إلاّ الطبيعة غير العاقلة محتقرًا بذلك طبيعته العاقلة.
فالطبيعة الأولي تأمر بألا تفعل شيئا، أما الثانية فلديها هذا الاستعداد الداخلي والحرية التي تتوقف دائما على الخبرة والفعل.
هذه الأمور بالرغم من أنها أبعدتنا عن الموضوع إلاّ أننا قد تحدثنا عنها للضرورة حتى لا تقع في هوّة الأفكار، وفى غمرة غياب القيّم تحرم نفسك من الله. إذن ليتنا نتوقف عن تقييم أعمال الله الحكيم. وإن غابت عنا مقاصد خططه فياليت توجد داخل نفوسنا عقيدة واحدة وهي أن الله الصالح لا يصدر عنه أي شرٍ.
الشيطان لم يصر مضادا للصلاح بطبيعته:
8ـ نتناول أيضًا موضوع يتعلق بهذه الأمور التي فحصناها وهو الشيطان. ربما يتساءل أحد: إن كانت الشرور لا تأتى من الله فمن أين أتى الشيطان إذًا؟ حسنًا، ماذا يقول عن هذا؟
يكفي أن نجيب عن ذلك بنفس الإجابة التي أعطيناها عن الشر البشري. بمعني، كيف صار الإنسان شريرًا؟ أقول من استعداده الشخصى. أيضا على نفس المنوال: كيف صار الشيطان شريرًا؟ نفس الإجابة، كان الشيطان لدية حرية، كان بمقدرته أن يظل بالقرب من الله أو يتغرب عن الله الصالح.
غبريال كان ملاكا يقف دائما بالقرب من الله والشيطان أيضًا كان ملاكًا لكنه سقط من رتبته. إرادة الملاك غبريال هي التي حفظته في السماء، أما بالنسبة للشيطان فإن اختياره الحر هو الذي ألقى به الى أسفل. وبكل تأكيد كان بمقدور الملاك غبريال أن ينشق عن الله وكذلك كان بمقدور الشيطان الا يسقط. لكن محبة غبريال الملاك لله هي التي حفظته، بينما ابتعاد الشيطان عن الله جعله مطرودًا.
إذًا الشر هو الاغتراب والابتعاد عن الله. بالتفاته صغيرة من العين تجعلنا نكون تجاه الشمس أو تجاه ظل جسدنا. فالاستنارة والنور هما نصيب من نظر الى فوق أما الظلام فهو مصير ذلك الذي يلتفت نحو الظلال. هكذا فإن الشيطان صار شريرًا بارادته، ولم يصر مضادا للصلاح بطبيعته.
ولكن لماذا يحاربنا نحن البشر؟
لأن أي وعاء يحتوي على الشر يقبل أي مرض مثل الحسد، فالشيطان هذا الوعاء المملوء بالشر قد حسدنا من أجل المكانة التي منحها الله لنا. لم يطق أن نحيا في الفردوس بدون حزن. لذا خدع الإنسان بالدسائس والمكائد وانتهز فرصة اشتياق الإنسان لأن يتشبه بالله فخدعه وأظهر له بهجة الشجرة ووعده بأنه إذا أكل من ثمرتها سوف يصير مثل الله ” يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر ” (تك5:3).
لم يُخلق هذا الملاك “الشيطان” لكي يكون عدوًا لنا ولكنه من جراء الحسد إنتهى إلى هذه الحالة صائرًا عدوا لنا. وإذ رأى نفسه قد سقط من مكانة الملائكة فلم يستطع أن يرى الإنسان الأرضى يرتفع مترقيا نحو رتبة الملائكة.
9ـ إذن، بسبب أن الشيطان صار عدوا لنا، وضع الله في داخلنا عداوة ضده، وهذا نفهمه من وعد الله للحية التي كانت تخدم الشيطان، إذ قال لها ” وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها ” (تك15:3) لأنه حقا المصالحة مع الشر مؤذية جدا. لأن هذا هو ناموس الصداقة:
يؤثر الواحد في الآخر ويصيران ذات طبيعة متشابهه. وهذا يعبر عنه بالصواب ما هو مكتوب: ” المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة ” (1كو33:15).
لأنه كما أن الهواء الموجود في الأماكن الملوثة بالأمراض ينقل الأمراض خفية لمن يتنفسه، هكذا اعتياد فعل الشرور ينشئ في النفس شرورا عظيمة حتى لو كان الضرر لا يحدث طريقة مباشرة. لذلك لا مصالحة بيننا وبين الحية بل عداوة دائمة وإن كانت الأداة (الحية التي استخدمها الشيطان) تستحق مثل هذه العداوة فكم وكم العداوة التي تتناسب مع ذاك الذي كان السبب (الشيطان)؟! وقد يتساءل البعض: هل كان لابد أن توجد الشجرة في الفردوس حيث انطلق منها الشيطان ليفعل فعلته ضدنا؟ وأنا أتساءل أيضا:
إن لم يكن لديه طعم الخداع كيف كان سيقودنا بالعصيان الى الموت؟ لقد وجدت الشجرة لأنه كان ينبغي أن توجد الوصية التي بها يتم اختبار طاعتنا لله. كان لابد أن توجد شجرة تحمل ثمارًا شهية، حتى إذا تجنبنا هذه الثمرة وأظهرنا انضباطنا نستحق أن نأخذ حقا إكليل الصبر والرجاء.
لم ينتج عن الأكل من الشجرة المحرمة عصيان الوصية فقط بل أيضًا معرفة العُرى الجسدى لأنه مكتوب: ” فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان ” (تك7:3). كان ينبغي للإنسان ألا يعرف العُرى الجسدي حتى لا ينشغل عقل الإنسان بتعويض جسده المكشوف عن طريق صنع الملابس، وأيضًا حتى لا يتلذذ الإنسان بمنظر العري، وعلى أية حال فان الاعتناء الزائد بالجسد يجعلنا ننفصل عن الله بدلاً من أن نتجه دائما نحوه.
ولكننى أتساءل: لماذا لم تصنع الملابس في نفس الوقت الذي خلق فيه الإنسان؟ أقول: لم تصنع الملابس لأنه لم يكن هناك داع لوجود ملابس طبيعية في الكائن الحي. لأن الملابس الطبيعية هي شيء يتميز به الحيوانات غير العاقلة مثل الأجنحة والشعر والجلود السميكة التي تساعد الحيوانات على تحمل برد الشتاء وقيظ الصيف. وبالنسبة للحيوانات لا يختلف الواحد عن الآخر في شيء لأن الجميع لهم طبيعة متساوية. أما بالنسبة للانسان فهو ينال عطايا مختلفة قياسا بالمحبة التي يتمتع بها تجاه الله.
إذً كان يجب على الإنسان تجنب الاهتمامات الجسدية إذ هي ضارة، لذلك فإن الرب عندما دعانا ثانية الى حياة الفردوس أوصانا أن نقتلع من نفوسنا هذه الاهتمامات قائلا لنا: ” لا تهتموا بحياتكم بما تأكلون وبما تشربون. ولا لأجسادكم بما تلبسون أليست الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس ” (مت25:6).
إذًا لم يكن ينبغي للإنسان أن تكون له أغطية طبيعية ولا حتى صناعية، إذ كان معدًا له نوعا آخر من الأغطية إذا مارس الفضيلة. هذه الأغطية التي كانت لابد أن تغطى الإنسان بنعمة الله هي تلك التي يرتديها الملائكة، تلك الملابس المنيرة التي تفوق جمال الزهور، ولمعان وبهاء النجوم. لذا لم تعطى له الملابس مباشرة بعد خلقته، إذ كانت معدة له كمكافأة له إذا مارس الفضيلة، والحقيقة كان في يده أن يأخذها لكن للأسف بسبب تأثير الشيطان لم يستطع أن ينالها.
إذًا عدونا هو الشيطان الذي تسبب في سقوطنا لذا حدد لنا الله أن نجاهد ضد الشيطان حتى أننا بالطاعة نستطيع أن نتوج مرة ثانية بانتصارنا على الشيطان. ياليته لم يصر شيطانا وظل في مكانه الذي حدده له الله مدبر الكون.
وبسبب أن الشيطان صار عاصيا بالفعل وعدوا لله وعدوا للبشر الذين خلقوا بحسب صورة الله لذلك فهو يمقت الإنسان ويحارب الله إنه يكرهنا لأننا ملك الله وأيضا لاننا خلقنا بحسب صورة الله. استخدم الله ـ الذي يضبط كل الأشياء بحكمته ـ خداع الشيطان كوسيلة لكي تتدرب نفوسنا، مثل الطبيب الذي يستخدم سم الحية في صنع الدواء الشافى.
انحصار سيادة الشيطان بآلام مخلصنا الصالح:
حسنًا من هو الشيطان؟ وما هي مكانته ورتبته؟
أيضا لماذا سمى شيطان؟ يطلق عليه إسم شيطان لأنه مقاوم للصلاح. وهذه الكلمة العبرية شيطان” تعلمناها من سفر الملوك: ” وأقام الرب خصما لسليمان هدد الأدومى ” (1مل14:11). يطلق على الشيطان إسم “ديافلوس” لأنه صار هو نفسه معاون في فعل الخطية ثم يشتكى أيضا علينا، لأنه يفرح لهلاكنا ويقودنا لفعل الأعمال الشريرة.
طبيعة الشيطان غير جسدية كما قال بولس الرسول: ” فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات ” (أف12:6) وله رتبة ذات سيادة، لأنه يقول: ” مع الرؤساء مع السلاطين ولاة هذا العالم على ظلمة هذا الدهر “. ومكان سلطته هي المجال الهوائى كما يقول لنا بولس الرسول: ” حسب دهر هذا العالم حسب رئيس سلطان الهواء الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية ” (أف2:2) ويدعوه ” برئيس هذا العالم ” لأن سلطته هي حول الأرض.
والرب يقول هكذا: ” الآن دينونة هذا العالم الآن يطرح رئيس هذا العالم خارجا ” (يو31:12) وأيضا يقول الرب: ” رئيس هذا العالم ياتى وليس له في شئ ” (يو30:14).
10ـ لكن بمناسبة أننا تكلمنا عن جنود الشيطان: ” أجناد الشر الروحية في السموات ” (أف12:6)، علينا أن نوضح تسمية السموات الواردة في هذه الآية. ينبغي علينا أن نعرف أن الكتاب المقدس يعتاد أن يسمى الهواء بالسماء، على سبيل المثال تعبير: ” طيور السماء ” (مت26:6)، و” يصعدون الى السموات ” (مز26:107). أي يرتفعون عاليا في الهواء. لذلك رأى الرب: ” الشيطان ساقطا مثل البرق من السماء. ها أنا أعطيكم سلطانا أن تدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ” (لو10: 18ـ19).
ولكن يسوع المسيح المخلص كرز لنا بملكوت السموات بعدما إنحصرت سيادة الشيطان الشريرة حول الأرض. هذا الانحصار للسيادة الشريرة هذه قد تم بفضل آلام المخلص الذي صالح الأرضيين مع السمائيين (كو20:20). لذا نرى يوحنا المعمدان يقول: ” إقترب ملكوت السموات ” (مت2:3)، والرب نفسه كرز في كل مكان بإنجيل الملكوت.
وقبل ذلك كرزت الملائكة قائلة: ” المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام ” (لو14:2)، وأيضًا الملائكة المملئون بالفرح بدخول ربنا الى أورشليم كرزوا قائلين: إن أصواتنا المنتصرة هي التي سوف تهتف بالانكسار الكامل للعدو الذي سيحدث في السماء حيث لاجهاد ولاصراع يتبقى لنا هناك. ولن يوجد أي أحد يقاومنا ويحاول إخراجنا من الحياة الطوباوية، لأننا سوف نستمتع بالميراث السمائى المُعَّد لنا مستمعين دائما بثمار شجرة الحياة التي لم نستطع أن نتمتع بها بسبب مكيدة الحية، إذ مكتوب: ” فطرد الإنسان وأقام شرقى جنه عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة ” (تك24:3) لكننا سنمر بدون عائق لندخل ونستمتع بالخيرات الأبدية بمعونة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقوة من الآن وإلى أبد الآبدين آمين.
الله ليس مسبب للشرور – للقديس باسيليوس الكبير – ترجمة د جورج عوض ابراهيم
356- هل ثمار شجرة معرفة الخير والشر كانت مُهلكة في حد ذاتها بغض النظر عن مخالفة الوصية؟
يقول جيمس فريزر ” إن الشجرة المُحرَّمة كانت في الحقيقة شجرة فناء لا شجرة معرفة، وأن مجرد تناول فاكهتها المُهلكة، بغض النظر عن موضوع طاعة الأمر الإلهي أو عصيانه، كان كفيلًا بأن يفضي بالإنسان إلى الموت“(1).
ج:
1- لم تكن فاكهة شجرة المعرفة سامة وقاتلة في حد ذاتها، وإلاَّ تعرض الإنسان للموت مباشرة، وإنما جوهر القضية هو طاعة آدم للخالق، وعلامة هذه الطاعة هي البعد عن الأكل من هذه الشجرة.
2- ما معنى الأكل من شجرة معرفة الخير والشر؟ نقول أن الأكل من هذه الشجرة يعني مخالفة الوصية الإلهية، فشجرة المعرفة مثلها مثل أي شجرة عادية، وثمارها مثل أية ثمار أخرى، والأكل من ثمارها لم يكن يمثل أية مشكلة في حد ذاته لو أن الله سمح بالأكل منها، ولكن المشكلة نشأت أساسًا من أن الله نهى الإنسان عن الأكل من هذه الشجرة، فمعنى الأكل منها هو مخالفة الوصية الإلهية، وعندما أكل الإنسان من الشجرة كان يطمع في أن يصير مثل الله، مصدقًا كلام الحيَّة ” يوم تأكلان منه تتفتح أعينكما وتكونان كالله” (تك 3: 5)..
حقًا إنه قبل أن يأكل الإنسان من هذه الشجرة لم يكن يعرف إلاَّ الخير والصلاح فقط، ولكن عندما خالف الوصية الإلهية انفتحت عيناه على جحيم الشر، فحقيقة أن الخير كل الخير كان في طاعة الوصية، والشر كل الشر في مخالفتها، والأمر العجيب أن الإنسان أراد أن يرتفع إلى مرتبة الله فسقط وتحطمت آماله وعاش في تعاسة ما بعدها تعاسة والنهاية الموت الأبدي. أما الله في ملء الزمان فقد تنازل إلى مرتبة الإنسان، وأخرجه من ورطته، ورفعه إلى الملكوت السمائي.
_____
(1) ترجمة د. نبيلة إبراهيم – الفولكلور جـ 1 ص 146.
هل ثمار شجرة معرفة الخير والشر كانت مُهلكة في حد ذاتها بغض النظر عن مخالفة الوصية؟
«ورأيت على يمين الجالس على العرش سفراً مكتوباً من داخل ومن وراء مختوماً بسبعة ختوم. ورأيت ملاكاً قوياً ينادي بصوت عظيم من هو مستحق أن يفتح السفر ويفك ختومه. فلم يستطع أحد في السماء ولا على الأرض ولا تحت الأرض أن يفتح السفر ولا أن ينظر إليه. فصرت أبكي كثيراً لأنه لم يوجد أحد مستحقاً أن يفتح السفر ويقرأه ولا أن ينظر إليه. فقال لي واحد من الشيوخ لا تبك. هوذا قد غلب الأسد الذي من سبط يهوذا أصل داود ليفتح السفر ويفك ختومه السبعة ورأيت فإذا في وسط العرش والحيوانات الأربعة وفي وسط الشيوخ خروف قائم كأنه مذبوح له سبعة قرون وسبع أعين هي سبعة أرواح الله المرسلة إلى كل الأرض. فأتى وأخذ السفر من يمين الجالس على العرش. ولما أخذ السفر خرت الأربعة الحيوانات الأربعة والعشرون شيخاً أمام الخروف ولهم كل واحد قيثارات وجامات من ذهب مملوءة بخوراً هي صلوات القديسين. وهم يترنمون ترنيمة جديدة قائلين مستحق أنت أن تأخذ السفر وتفتح ختومه لأنك ذبحت واشتريتنا لله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة وجعلتنا لإلهنا ملوكاً وكهنة فسنملك على الأرض. ونظرت وسمعت صوت ملائكة كثيرين حول العرش والحيوانات والشيوخ وكان عددهم ربوات ربوات وألوف ألوف قائلين بصوت عظيم مستحق هو الخروف المذبوح أن يأخذ القدرة والغنى والحكمة والقوة والكرامة والمجد والبركة. وكل خليقة مما في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض وما على البحر كل ما فيها سمعتها قائلة للجالس على العرش وللخروف البركة والكرامة والمجد والسلطان إلى أبد الآبدين. وكانت الحيوانات الأربعة تقول آمين. والشيوخ الأربعة والعشرون خروا وسجدوا للحي إلى أبد الآبدين.»
ربما تكون مثلي، مغرماً بروايات الجرائم المثيرة. فلا بد أن أعترف أنني أحب أن أجلس وأستغرق في مغامرات أجاثا كريستي من وقت لآخر. فهل لاحظت من قبل عدد القصص التي يرى فيها شخص شيء ما يبدأ الإثارة عن طريق المصادفة. ربما عن طريق ثقب الباب مثلاً؟ ربما يحدث أن أحد الخدم “بالمصادفة” كان ينحني ليربط حذاءه، فرأى شيئاً غريباً يحدث، والذي يتضح بعد ذلك أنه مهم. لكن تكمن المشكلة في النظر من خلال ثقوب الأبواب في أن مجال الرؤية يكون محدوداً وضيقاً (إنني لست معتاداً بالطبع على النظر من خلال ثقب الباب!). لكن قد يكون هناك شخصاً يقف بعيداً عن الأنظار، أو يكون هناك شيء يحدث لا تستطيع أن تراه، ولكنه يصنع اختلافاً كبيراً في عالم تفسيرك للأشياء. ويبدو لي أن المسيحيين في بعض الأحيان يشتركون فيما يطلق عليه “لاهوت ثقب الباب”، بمعنى أنه يأخذون جزء مما يعرفونه على الله أو عن الكتاب المقدس، ويفهمونه عن خطأ باعتباره هو الصورة الكلية. فمثلاً، في مرقص 11: 24 يقول يسوع: «لذلك أقول لكم كل ما تطلبونه حينما تصلون فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم.» يفهم البعض هذه الآية كأنها “شيك على بياض” للصلاة، كما لو أنه يمكن للمرء أن يطلب أي شيء، وإذا كان لدى المرء إيمان كاف فإنه لا بد وأن ينال هذا الشيء، مهما كان. لذلك ليس من المستغرب أن يصاب البعض بالإحباط سريعاً، عندم لا ينالون استجابة لبعض من صلواتهم بالطريقة التي توقعوها على أساس هذه الآية. فما يحدث هنا هو أنه يتم آخذ آية واحدة منفردة باعتبارها ثقب الباب لفهم موضوع الصلاة بأكمله، دون الانتباه إلى المقاطع الكتابية الأخرى التي تؤكد على سيادة الله وسلطانه على كل الأمور، وحقيقة أن الله ملك ولذلك فإن لديه الحق والسلطان لعدم إجابة بعض من صلواتنا، أو تعديلها وإعطائنا شيئاً أفضل.
لكننا في رؤيا 5 لا يكون لدينا ثقب الباب هذا، بل مكان بأكمله مفتوح لنا، باب يكشف عمل الله السيادي الكامل في الخليقة كلها من خلال ابنه يسوع المسيح.
العرش الذي يقع في المركز
قبل أن نلقى نظرة على هذا المقطع المدهش بالتفصيل، قد يكون من المفيد أن نقول كلمات قليلة عن فهم سفر الرؤيا عامة. دعونا نواجه حقيقة أن هذا السفر كان أرضاً خصبة للطوائف المختلفة، إذ يقدم مادة وفيرة لتدعيم معتقدات كل منها الخاصة. يضل الناس بسهولة عندما يقرأون في هذا السفر، والسبب الأساسي في ذلك هو الفشل في إدراك نوع هذا السفر، فهو ليس لغز ديني عبارة عن كلمات متقاطعة، تم تصميمه لشغل عقول أولئك الذين لديهم وقت فراغ كبير. بل هو رسالة رعوية مكتوبة للمسيحيين الذين كانوا يتمزقون حرفياً بسبب إيمانهم. وباستخدام التشبيهات القوية التي يأتي معظمها من العهد القديم، يقصد بهذا السفر أن يكون مصدراً لتعزية المؤمنين الذين يجدون الحياة صعبة لدرجة لا يمكن احتمالها. كما أن أسلوب كتابته، الذي يطلق عليه الأسلوب النبوي، قد يبدو غريباً وغير معتاد بالنسبة لنا، لكن في الوقت الذي كان يوحنا يكتبه فيه (في حوالي التسعينات من القرن الميلادي الأول)، ومنذ حوالي قرن قبل ذلك، كان هذا الأسلوب مألوفاً بالنسبة للكثيرين. فالرموز، وخاصة استخدام الأرقام، كانت شائعة بالنسبة لأولئك الذين اعتادوا التعامل مع هذا النوع الخاص من الأساليب الأدبية.
لكن الرسالة الوحيدة الجلية التي لا يمكن أن نخطئها من هذا السفر، والتي تتكرر المرة تلو الأخرى، هي أن “إلهنا يملك”. هذا هو ما يعنى به سفر الرؤيا في الأساس. فلا شيء يحدث بالمصادفة، سواء كان في المجال الواسع للتاريخ البشري، أو في المشهد الأضيق للحياة المسيحية الشخصية. بل أن الله من خلال ابنه يأتي بأهدافه الأبدية لأجل خيرنا النهائي ومجده الأسمى، على الرغم من أنه في بعض الأحيان لا يبدو الأمر كذلك. وحيث أن الأمر لا يبدو كذلك في بعض الأحيان، فإننا نؤخذ مع يوحنا خلف المسرح، في الكواليس، لكي نرى ما هو مخفي عنا في الوقت الحاضر.
فالخلفية التي يتم وصفها في الأصحاح الرابع، هي كالآتي: يرى يوحنا في رؤيته باباً مفتوحاً له إلى العالم الروحي غير المرئي، في السماويات. فيرى أمامه مباشرة عرش الله، وهو عرش يشع بالنور والمجد، ويحتل مكانة المركز لكل شيء. ويحيط بالعرش أربعة وعشرون شيخاً، يمكن أن نعتبر أنهم يمثلون شعب الله بأكمله، في كل من العهدين القديم والجديد – متمثل في أسباط إسرائيل الاثني عشر وفي الاثني عشر رسولاً. ثم نلمح بعد ذلك الحيوانات الموجودة في عدد 6؛ فهناك أربعة حيوانات ترمز إلى أربعة أطراف الأرض. وهكذا، كما أن الشيوخ الأربع والعشرين يمثلون سيادة الله وحكمه على شعبه، تمثل الحيوانات الأربعة سيادة الله على كل خليقته. فلا شيء يقع أبعد من نطاق سلطانه وغرضه، فكل شيء قد خلق به ولأجله:
«أنت مستحق أيها الرب أن تأخذ المجد والكرامة والقدرة لأنك أنت خلقت كل الأشياء وهي بإرادتك كائنة وخلقت.» (4: 11)
لكن هذا هو الله الذي ليس فقط في محور الكون، ولكنه يجلس متوجاً ببهاء في وسط شعبه عندما يلتقون معاً. ثم نجد مفاجأة، أو على الأقل يمكن أن تكون مفاجأة بالنسبة لمسيحية يهودية في الثامنة عشرة من عمرها، والتي سنطلق عليها جوديث، من كنيسة سميرنا الصغيرة، عندما تسمع عن هذا السفر. ففي عام 95 ميلادية، وبسبب إيمانها، كانت مطروحة في زنزانة في السجن. فأسرتها اليهودية لم يكن لديهم ما يفعلونه معها، فهم لا يفهمون لماذا تركت ديانتها اليهودية وكل ما تقدمه لها، لكي تعبد نجار مصلوب من الناصرة. وحيث كانت جالسة ووحيدة في الزنزانة الباردة، كان الإمبراطور الروماني دوميتيان الذي يبدو جالساً آمناً على عرشه، هو الذي يحدد المصائر. لكن لا، لأنه بحسب هذه الرؤية، هذه الفتاة المسيحية، تلمس أطراف عرش الله الإلهي. فالله يحبها، ولا يزال يراها ويلاحظها ويهتم بها، وهي تعرف أنه هو المتحكم في الأمور، هل تؤمن بذلك؟ يا له من إيمان رائع، وهو إيمان جاء بتعزية لا يمكن التعبير عنها لعدد لا حصر له من المسيحيين عبر الأجيال، إذ كانوا يواجهون أكثر المواقف المروعة والمرعبة.
المستقبل الآمن
لكنك قد تقول: «إن ما يهمنى هو المستقبل. فقد يكون الله هو الخالق والحافظ لكل شيء، لكن هل يمكننا أن نتأكد من أن الأحداث المستقبلية لن تخرج عن السيطرة؟ إني أخاف من أن أستمع إلى نشرة أخبار الغد، لئلا أرى الأمور تتجه إلى الأسوأ.» هل سبق أن شعرت هكذا؟ إن كان كذلك، فإن رؤيا 5 يحوي رسالة لك؛ لأنه يحوي مسألة حماية وضمان الله للمستقبل:
«ورأيت على يمين الجالس على العرش سفراً مكتوباً من داخل ومن وراء مختوماً بسبعة ختوم. ورأيت ملاكاً قوياً ينادي بصوت عظيم من هو مستحق أن يفتح السفر ويفك ختومه. فلم يستطع أحد في السماء ولا على الأرض ولا تحت الأرض أن يفتح السفر ولا أن ينظر إليه، فصرت أنا ابكي كثيراً لأنه لم يوجد أحد مستحقاً أن يفتح السفر ويقرأه ولا أن ينظر إليه.» (الأعداد 1-4)
تشير يد الله دائماً إلى حكمه، وإلى أهدافه الصالحة التي يريد أن يحققها. أما السفر الذي في يده اليمنى فهو وثيقة قانونية مكتوبة على كلا وجهيها، ومختومة بسبعة أختام. وتفترض طبيعة تلك الوثيقة محتواها وهدفها، فهذه الوثيقة هي خطة الله، فهي حكم ومرسوم الله الملكي الخاص بالتاريخ البشري بأكمله. لكن هناك مشكلة، وهي أن الوثيقة مختومة بسبعة أختام (رقم الكمال)، وإذا لم يتم فتحها، ليس فقط لن يتم إعلان مشيئة الله، بل أيضاً لن يتم تنفيذها. بكلمات أخرى يمكن أن نقول إن فك الأختام هو أمر ضروري لأجل إعلان وتفعيل هذا المرسوم.
لذلك تخرج صرخة عظيمة في عدد 2، بصوت يتردد صداه عبر كل الكون، على أمل أن يكون هناك شخص ما يستطيع فك الأختام: «من هو مستحق أن يفتح السفر ويفك ختومه؟»
حاول أن تشعر بذروة التوتر في تلك اللحظة، والتي يعقبها صمت ثقيل، حيث تنتظر المخلوقات السماوية، راجية، ومصلية، أن تكون هناك إجابة. لكن يتبع ذلك ذعر ويأس مطبق: «فلم يستطيع أحد في السماء ولا على الأرض ولا تحت الأرض أن يفتح السفر ولا أن ينظر إليه.» فبكى يوحنا كثيراً، لأنه لم يوجد أحد.
هل حدث وحلمت بكابوس، رأيت فيه شيئاً مريعاً يحدث لك، وأنت تحاول الصراخ، لكن صوتك لا يخرج، ثم تستيقظ فجأة لتجد نفسك تبكي؟ كان هذا ما شعر به يوحنا هنا. لكن لماذا؟ حسناً، دعنا نفكر في النتائج. إذا لم يتم فتح هذا السفر، فلن يتم تحقيق خطة الله، ولن يتم حكم العالم لمصلحة الله وشعبه. لن يكون هناك حكم ودينونة، ولا تصحيح للأخطاء، ولا نصرة نهائية للخير على الشر. كما أن رجال مثل هتلر وستالين، وكل الطغاة الذين ظهروا عبر التاريخ، وحتى إبليس نفسه، كل هؤلاء سوف ينجون بأفعالهم الشريرة. باختصار، إذا لم يستطع الله أن يحقق أهدافه للعالم. فلن يكون هناك رجاء بتحقيق العدل أياً كان. ألا يعد هذا بالتأكيد هو الموقف المأساوي لأولئك الذي يعيشون بدون الله، الذين يؤمنون أننا نعيش في كون ليس له معنى ولا مغزى حقيقي، بل كل شيء فيه مجرد مصادفة كونية عظيمة؟ فقد يحاولون الحصول على أفضل ما يمكن من خلال وظيفة سيئة، لكن في نهاية اليوم، لا يوجد اختلاف جوهري بين اللص والقديس، فكلاهما يموت، وأخيراً سينتهي العالم إلى لا شيء. هذه هي النتيجة المنطقية الوحيدة لعدم الإيمان: «لنأكل ونشرب لأننا غداً نموت». يا له من أمر مأساوي لو لم يكن هناك إله!
لكن، يحدث شيء بعد ذلك في عدد 5، وهو الإجابة على أزمة يوحنا، وفي الحقيقة على أزمة البشرية كلها. فقد وجد الشخص الذي يستطيع أن يفتح السفر ويفك ختومه ويحقق النصرة النهائية للخير على الشر: «فقال لي واحد من الشيوخ لا تبك. هوذا قد غلب الأسد الذي من سبط يهوذا أصل داود ليفتح السفر ويفك ختومه السبعة».
ومن هو هذا الشخص؟ إنه الرب يسوع المسيح.
الأسد الذي هو الخروف
هل تتخيل ذهول يوحنا الكامل، عندما ينظر فيرى أسداً، هذا الوحش الملكي الذي يرمز إلى القوة، فقط لكي يلمح خروفاً، ضعيفاً، وهو يعرج كما لو كان مذبوحاً: «ورأيت فإذا في وسط العرش والحيوانات الأربعة وفي وسط الشيوخ خروف قائم كأنه مذبوح» (ع 6). ومع ذلك، فالاثنان هما واحد. لأن يسوع المسيح الذي هو جالس الآن في السماوات فوق كل قوة وسلطة ورياسة، يلبس الجلال والبهاء، يشغل هذا المكان بالتحديد لأنه هو الوحيد الذي تألم ومات على الصليب. وحتى وهو في السماء، لا يزال يحمل جروح وندبات موته، يديه المثقوبتين، وجنبه المطعون. فالأسد هو الخروف. فقد قدم يسوع حياته كالحمل المذبوح لكي يغسل كل نجاسات خطيتنا، ولكي يرد عنا غضب الله، بأن تحمله هو نفسه، وبذلك هزم الخطية والموت والشيطان. فهو الحاكم المطلق، كلي المعرفة، كما تشير إلى ذلك القرون السبعة (فالقرون تشير إلى الحكم)، والعيون السبعة (التي ترمز إلى العلم والمعرفة الكلية). لا يوجد أحد آخر مستحق أو قادر على كشف وتنفيذ إرادة الله الآب إلا يسوع المسيح وحده، لذلك نجد التسبيح يقدم له في عدد 9:
«مستحق أنت أن تأخذ السفر وتفتح ختومه لأنك ذبحت واشتريتنا لله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة وجعلتنا لإلهنا ملوكاً وكهنة».
لقد عاش يسوع في طاعة تامة ومحبة كاملة للآب، حتى إلى مرحلة الموت صلباً دون أن يستحق ذلك، لكي يتمكن خطاة أشقياء مثلي ومثلك أن يذوقوا الحياة الأبدية. إن شخصاً مثل ذلك لا يستحق فقط أن يحكم كإله، ولكنه أيضاً قادر على ذلك. فيمكنك أن تثق في أن شخصاً مثله سيفعل الصواب. إنه أمر مذهل، كيف أنه عبر التاريخ كان الناس يبحثون عن قادة ونماذج، عن أشخاص لكي يتبعوهم – لكن الكتاب المقدس يقول لا تبحث أكثر من ذلك، فالقائد المطلق، يسوع المسيح، قد جاء.
الخطة التامة الكاملة
إن السؤال الذي يجب أن يرد على أذهاننا بقراءتنا لهذه الأعداد هو: «لماذا كان من الضروري لشخص ما أن يفتح السفر وينفذ خطط الله؟ لماذا لم يقم الله بذلك بنفسه، فهو الله على أية حال؟» تكمن الإجابة على ذلك السؤال في أن الكتاب المقدس يعلمنا عن قصد الله الأصلي لعالمه، ففي تكوين 1، 2، نرى أن خطة الله كانت أن يحكم عالمه ويعتني به من خلال الإنسان. لكن آدم، مع بقيتنا، قد أفسدنا هذا المخطط بتحولنا بعيداً عن الله، محاولين أن نعيش ونسلك كما لو كنا آلهة، محدثين فوضى عارمة في كل شيء حولنا! لكن الله كان مصراً على تحقيق قصده الأصلي، بأن يكون هناك شخص يملك على خليقته تحت سلطانه، ولكن كان عليه أولاً أن ينفذ تلك الخليقة ويخلصها، لكي يسلم الناس حياتهم إليه بحب، وكان هذا الشخص هو الإله الإنسان – يسوع المسيح.
وهذه هي الطريقة التي يعبر بها كاتب العبرانيين عن هذا الأمر، بقوله:
«فإنه لملائكة لم يخضع العالم العتيد الذي نتكلم عنه. لكن شهد واحد في موضع قائلاً ما هو الإنسان حتى تذكره وابن الإنسان حتى تفتقده. وضعته قليلاً عن الملائكة. بمجد وكرامة كللته وأقمته على أعمال يديك. أخضعت كل شيء تحت قدميه. لأنه إذ أخضع الكل له لم يترك شيئاً غير خاضع له. على أننا الآن لسنا نرى الكل بعد مخضعاً له. ولكن الذي وضع قليلاً عن الملائكة يسوع نراه مكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد.» (عبرانيين 2: 5-9)
إننا لا نرى كل شيء مخضع له بعد، لكن يسوع لا يزال على العرش، وبالإيمان نراه هناك، يوجه ويقود ويحرك كل الأحداث بحسب حكمته الفائقة إلى أن يأتي اليوم الذي سيعود فيه لكي يختم المسرحية كلها، ويصحح كل الأخطاء، ويأخذ أتباعه لكي يكونوا معه في “العالم الآتي” إلى الأبد، إذاً يوجد الآن مستقبل نتطلع إليه بشوق!
لاحظ الطريقة التي يطور بها الرسول بولس نفس الفكرة في رومية 8: 28: «ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله الذي هم مدعوون حسب قصده.» هذا هو ما يرمي إليه رؤيا 5. إن الله يعمل كل شيء ويحقق كل شيء من خلال المسيح، لأجل خير أولئك الذين يحبونه (حيث أن “الخير” هو أن نشابه صورة يسوع، كما يواصل القول في عدد 29). كل الأشياء؟ حتى الآلام والصعوبات؟ هذا هو ما يقوله تماماً.
وإذ يتأمل في سيادة الله من خلال استخدامه للألم لأجل تقديس شعبه، يكتب جون نيوتن، مؤلف الترانيم العظيم، والذي كان فيما سبق تاجراً من تجار الرقيق، هذه الكلمات، فيقول:
طلبت من الله أن أنمو لكي أعرف المزيد عن خلاصه، فهو الذي علمني أن أصلي هكذا، ولكن هذا حدث بطريقة كادت كنت أتمنى لو أنه في ساعة طيبة وبمحبته القديرة الآسرة؛ لكنه بدلاً من ذلك، جعلني أشعر وترك قوى الجحيم الغاضبة بل الأكثر، بدا كما أنه بيديه هو نفسه إذ قام بإلغاء كل الخطط التي بنيتها “لماذا يا رب؟”، صرخت بارتعاد، فأجاب الرب، “إنه بهذه الطريقة “فإني أستخدم التجارب الداخلية وأحبط مخططاتك بالأفراح الأرضية
في الإيمان والمحبة، في كل نعمة، وأطلب وجهه بكل جدية. وهو الذي أثق أنه قد استجاب لصلاتي؛ أن تودي بي إلى اليأس. قد استجاب طلبتي في الحال؛ تغلب على خطاياي، وأعطاني الراحة. بالشرور المخفية في قلبي، تهاجم نفسي من كل ناحية. يقصد أن يزيد من محنتي، وأبلى كل يقطينة، تركني حزيناً. “لماذا تأمر ديدانك بإماتة يقطينتي؟” أستجيب لصلاتك بطلب النعمة والإيمان. من الذات والكبرياء، لأجل تحريرك، لكي تجدها جميعها فيّ.”
عندما نؤمن بذلك (ولا يمكن إلا للمسيحي الحقيقي أن يؤمن بذلك)، يصبح عندها من الممكن أن ننظر إلى الحياة والعالم بعيون مختلفة. ورغم أن الألم لا يزال موجوداً (حيث سيظل موجوداً دائماً في هذا العالم الساقط)، ومهما شعرنا بالضعف والتقلب، من الممكن بنعمة الله أن نواجه الحياة بيقين كامل بأن الله سيفعل ما هو صواب، فنحن لا نعرف ما يحمله لنا المستقبل، لكننا نعرف الشخص الذي يحمل المستقبل – الخروف الجالس على العرش.
«أيها الأحباء لا تستغربوا البلوى المحرقة التي بينكم حادثة لأجل امتحانكم كأنه أصابكم أمر غريب بل كما اشتركتم في آلام المسيح افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده أيضاً مبتهجين. إن عيرتم باسم المسيح فطوبى لكم لن روح المجد والله يحل عليكم. أما من جهتهم فيجدف عليه وأما من جهتكم فيمجد. فلا يتألم أحدكم كقاتل أو سارق أو فاعل شر أو متداخل في أمرو غيره. ولكن إن كان كمسيحي فلا يخجل بل يمجد الله من هذا القبيل. لأنه الوقت لابتداء القضاء من بيت الله. فإن كان أولاً منا فما هي نهاية الذين لا يطيعون إنجيل الله. وإن كان البار بالجهد يخلص فالفاجر والخاطئ أي يظهران. فإذاً الذين يتألمون بحسب مشيئة الله فليستودعوا أنفسهم كما لخالق أمين في عمل الخير.»
واحد من أكثر المواقف المحزنة التي كان عليّ أن أتعامل معها عندما كنت قساً لكنيسة جامعة كيلي، هو موقف طالبة شابة، جاءت هذه الطالبة إلى الجامعة مليئة بالحياة والحماسة المسيحية، فقد قادت الكثيرين من أصدقائها إلى الإيمان الخلاصي بيسوع المسيح، وكانت قائدة لواحدة من مجموعات دراسة الكتاب المقدس، كما تم ترشيحها لتكون النائبة التالية لاتحاد الشباب المسيحي. لم يكن من الممكن أن تبدو الأمور واعدة ومبشرة بالخير أكثر من ذلك. لكن بعد ذلك، بدأ الناس تدريجياً يلحظون تغيراً، فلم تعد تهتم بالدراسة الكتابية، كما أن حضورها لاجتماعات اتحاد الشباب المسيحي والكنيسة أصبح غير منتظم، إلى أن توقفت في النهاية عن الحضور تماماً. بل أنها بدأت تقضي في حانة الشباب نفس قدر الوقت الذي اعتادت أن تقضيه في الاجتماعات المسيحية. كما بدأت أيضاً علاقة مع شخص غير مسيحي.
لذلك فقد طُلب إليّ أن أذهب لكي أتحدث معها. عندما التقيت بها أخيراً كانت محبطة للغاية وغير سعيدة. فسألتها بلطف بشأن التغيير الذي حل بها، ولماذا بدا عليها أنها قد ابتعدت عن الإيمان الذي كان في وقت ما ثميناً للغاية بالنسبة لها. فكانت إجابتها: «لقد تعرضت ببساطة للخداع. فقد كنت أعتقد أن المرء عندما يصبح مسيحياُ فإنه يكون سعيداً دائماً، لكني وجدت الأمور صعبة، وقد مررت بصراعات حقيقية، وأنت تعرف أن الله لا يجيب الصلاة دائماً. لذلك فقد فكرت: ما معنى كل هذا؟»
ربما نشعر ببعض التعاطف مع ما تقوله تلك الفتاة الشابة، خاصة في ضوء ما يقال في العظات التبشيرية هذه الأيام، حيث يعطى انطباع أن يسوع هو نوع من العلاج لكل الأمراض، ويقال الكثير عن بركات كون المرء مسيحياً، بينما لا يقال إلا القليل عن التكلفة والنفقة. إن النقطة التي أخطأت فيها تلك الشابة هي اعتقادها أن اهتمام الله الأعظم هو أن نكون سعداء – خالين من المتاعب ونشعر بمشاعر جيدة – بينما يوضح الكتاب المقدس تماماً أن إرادة الله هي أن نكون قديسين، بمعنى أن نصبح أكثر فأكثر شبه يسوع المسيح (1تسالونيكي 4: 3).
هل يمكنك أن تفكر في أحد أكثر صلاحاً وعطفاً من يسوع؟ هل هناك شخص أكثر رحمة ومحبة من يسوع؟ هل كان هناك شخص أكثر طاعة ورضى في علاقته بالله الآب أكثر من يسوع؟ لكي أيضاً، هل تعرض إنسان قط للاضطهاد أكثر من يسوع، أو تألم بأسوأ مما يمكن أن نتخيل، بالصلب والهزء، والجلد، والتعليق على خشبة والمسامير في يديه ورجليه؟ يخبرنا الكتاب المقدس أن يسوع «تعلم الطاعة مما تألم به» (عبرانيين 5: 8).
بكلمات أخرى، يستخدم الله الألم بصورة ما لكي يشكل شخصيتنا، بالتخلص من الأنانية وبناء الصفات المحببة مثل الصبر واللطف والتفهم. ومن خبرتي الشخصية، أجد أن أولئك المسيحيين الذين تألموا أكثر، يحبون أكثر، وتوجد بداخلهم سمات المسيح الرائعة، ولكن تلك السمات قد تم تحقيقها بتكلفة كبيرة.
يركز 1بطرس 4: 12-19 على الطريقة التي بها يستخدم الله شيئاً مثل الاضطهادات لجعل المؤمنين أشخاصاً أفضل. فكم من المرات التي صرخ فيها الناس: «لماذا يحدث هذا لي يا رب؟» وإحدى الإجابات على هذا السؤال، تقدمها لنا هذه الأعداد.
قاعدة إلهية
«أيها الأحباء لا تستغربوا البلوى المحرقة التي بينكم حادثة لأجل امتحانكم كأنه أصابكم أمر غريب بل كما اشتركتم في آلام المسيح افرحوا…» (ع 12). هذا يعني أن على المسيحي أن يتوقع حدوث مقاومة أو اضطهاد فقط على أساس أنه تابع للمسيح. ويسوع نفسه أخبرنا بذلك عندما قال: «إن كان العالم يبغضكم فاعلموا أنه قد أبغضني قبلكم… ليس عبد أعظم من سيده. إن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم.» (يوحنا 15: 18-20).
فالبشر، كما يخبرنا الكتاب المقدس كثيراً، ليسوا متعادلين في علاقتهم بالله، بل هم في حالة من التمرد والعصيان. فالرجال والنساء الذين يريدون أن يديروا حياتهم بأنفسهم بدون الله، ولا يستطيعون أن يحاربوا الله مباشرة، يكون أفضل شيء يمكنهم أن يفعلوه بعد ذلك هو أن يحاربوا أتباعه.
في حالة الناس الذي كان يوجه لهم بطرس رسالته، كان هذه المحاربات تعني الاضطهاد العنيف لهم. فقد كان نيرون يقوم بغمر المسيحيين بالقار وإشعار النار فيهم لإنارة حفلاته التي كان يعقدها في حديقته الإمبراطورية! كما كان يلقيهم إلى الكلاب المتوحشة ويحرقهم على شباك حديدية ساخنة. كما كانت هناك أشكال أخرى خبيثة من الاضطهاد تتمثل في حرمان المؤمنين من الحصول على وظائف، مما يعني بالتالي عدم تمكنهم من دفع فواتيرهم، ويؤدي بالتالي إلى مصادرة ممتلكاتهم، ثم سجنهم بسبب الديون. كانت هذه هي أنواع الاضطهاد والآلام التي يجتازها هؤلاء الناس.
لكنك قد تقول: «لكن بالتأكيد الأمر مختلف في مجتمعنا، فالمهم هو أن تعيش وتترك غيرك يعيش، فلن يتعرض المسيحيون لهذا النوع من الضغوط بسبب إيمانهم، أليس كذلك؟ «هل تعتقد ذلك فعلاً؟ قل ذلك للصبي اليهودي الذي أصبح مسيحياً، ودفنته أسرته لذلك. قل ذلك للممرضة التي حُرمت من ترقيتها الوظيفية لأنها رفضت إجراء عمليات إجهاض غير مشروعة.
هل تفترض أنه لن تكون هناك اضطهادات للشاب الذي يعمل في عالم التجارة، والذي يجد أن آفاقه المهنية تتضاءل لأنه لم يشترك في صفقات ومعاملات تجارية مشبوهة؟ بالنسبة لآخرين، قد يتمثل الأمر في أن يتخلى عنهم أصدقاؤهم القدامى، ويتهامسون عليهم من خلف ظهروهم: «ماذا حدث له؟ لقد أصبح غريب الأطوار مؤخراً، فهو لم يعد يشاركنا النكات القذرة في العمل، كما أنه أصبح مهووساً دينياً.» هذا جارح، أليس كذلك؟
لكن بطرس يريدنا أن ندرك أنه عندما يحدث هذا، فإننا بذلك نشارك في آلام المسيح. بكلمات أخرى، إن العلاقة بين المؤمن وبين المسيح المقام هي علاقة شديدة الحميمية، حتى أنه عندما يتم محاربة المؤمن، فإن المسيح نفسه هو الذي تتم محاربته.
تذكر كلمات يسوع لشاول في طريقه إلى دمشق، عندما كان ذاهباً للقبض على المسيحيين ووضعهم في السجن: «شاول شاول لماذا تضطهدني.» (أعمال 9: 4). كان شاول يضطهد المسيحيين، ولكنه إذ كان يمسهم كان يمس حدقة عين المسيح. وهذا هو السبب في أن محاربة المؤمنين هي أمر شديد الخطورة.
الغرض الإلهي
الأكثر من ذلك، أنه عندما يجتاز المسيحيون في آلام، خاصة عندما تكون في شكل اضطهادات، يكون هناك غرض إلهي وراءها: «التي بينكم حادثة لأجل امتحانكم» (ع 12)؛ «لأنه الوقت لابتداء القضاء (أي عملية الغربلة) من بيت الله.» (ع 17). وتكمن الفكرة هنا في حرق الشوائب من المعادن الثمينة، أو غربلة حياتنا من كل ما يلوثها. باختصار، يهدف كل ذلك إلى تنقيتنا.
فإذا كنت مؤمناً بيسوع المسيح، فإن الله يحبك لدرجة أنه يصمم على تغييرك لكي تكن الشخصية الرائعة الجميلة أخلاقياً، التي في يوم ما في السماء، حتى الملائكة سوف يتعجبون بالنظر إليها. فهو يصمم على صنفرة الحواف الحادة في حياتنا، حتى أنه يكون مستعداً لاستخدام الصعوبات والمقاومات كأدوات بين يديه الماهرتين للقيام بذلك.
يصف سي إس لويس تلك الطريقة التي يعمل بها الله بقوله:
«عندما كنت طفلاً، كنت أعاني كثيراً من آلام الأسنان، وكنت أعرف إنني إذا ذهبت إلى والدتي فإنها ستعطيني مسكناً لتهدئة الألم طوال فترة الليل. ولكني لم أكن أذهب إليها إلا عندما يصبح الألم شديداً ويصعب احتماله. وكان السبب في عدم ذهابي مبكراً هو الآتي. لم أكن أشك في أنها ستعطيني الأسبرين، ولكني كنت أعرف أنها ستفعل شيئاً آخر. فهي ستأخذني إلى طبيب الأسنان في الصباح التالي. فلم أكن أستطيع الحصول على شيء أرغبه منها، دون أن أحصل كذلك على شيء آخر لم أكن أريده. وأنا أعرف أطباء الأسنان؛ كنت أعرف أنهم يبدأون في فحص الأسنان الأخرى التي لم تبدأ في الوجع بعد، فهم لا يتركون الأمور على حالها، فإذا أعطيتهم الفرصة لشيء صغير فإنهم يستغلونها للقيام بعمل أكير في بقية الأسنان. وربنا مثل طبيب الأسنان. فإذا سمحت له بمكان ما فإنه سيطلب المزيد من العمل. عشرات من الأشخاص يذهبون إليه لكي يشفيهم من خطية معينة تضايقهم. فيقوم بعمله في تلك الخطية، ولكنه لا يتوقف عند هذه النقطة. ربما كان ذلك هو كل ما طلبت، ولكنك إذا طلبت الرب مرة للدخول إلى حياتك، فإنه سيعطيك علاجاً كاملاً، هذا هو السبب الذي لأجله حذر الناس “بحساب النفقة”، قبل أن يصبحوا مؤمنين. فهو يقول لك: لا يخطئن أحد، فإنك إذا دعوتني إلى حياتك، فسأجعلك كاملاً.»[1]
فعندما نجد أنفسنا في مواقف صعبة – ربما بسقوط أحد أفراد أسرتنا تحت وطأة مرض ما فجأة، أو المعاناة الشديدة في العمل، أو التعرض للاضطهاد بسبب كوننا مسيحيين – كيف يمكن لله أن يستخدم هذه الأمور لجعلنا أشخاصاً أكثر تقوى؟ يخبرنا عدد 19: «فإذاً الذين يتألمون بحسب مشيئة الله فليستودعوا أنفسهم كما لخالق أمير في عمل الخير.» وقد وجدت شخصياً أن أكثر الأوقات الثمينة وذات المغزى والحميمية مع الله، قد استمتعت بها خلال تلك الأوقات التي كنت أجتاز بها بأشد الصعوبات والآلام.
نعم، لقد استمتعت بها خلال تلك الأوقات التي كنت أجتاز بها بأشد الصعوبات والآلام. نعم، لقد استمتعت بالله في الأوقات الطيبة، ولكني عندما كنت أتعرض للمحاربات من كل الجهات، وعندما كانت تحدث أمور تجعلني أدرك أنه ليس لدي موارد داخلية في نفسي، عندها كنت أقترب للمسيح أكثر في الصلاة، بطريقة مختلفة تماماً. فكنت أشعر أنني مضطر أن أستودع نفسي للخالق، لأنه هو وحده الذي يستطيع أن يحفظها.
وأيضاً عندما تنتزع منا أمور معينة، يجب علينا أن نمارس الإيمان. ففي تلك الحالة تنكشف ما هي حالتنا الروحية الحقيقية، وكما يقول بطرس، يكون علينا أن نفعل الصلاح، فهذه هي الاستجابة المسيحية السليمة، عندما نجتاز في أمور صعبة.
هناك مثل مؤثر على ذلك قدمه القس جون آرثر من كاليفورنيا، في مؤتمر حضرته منذ بضع سنوات. فقد أخبرنا عن أسرة من أصدقائه، عن خادم وأسرته، كانوا يعملون في كنيسة صغيرة مجاهدة في يوتا لكي يربحوا المرمون للمسيح.
وفي أحدا الأيام اتصلت تلك الأسرة هاتفياً بماك آرثر وقالوا إنه يرغبون في الذهاب لزيارة كنيسته، وإدراج ابنتيهما المراهقتين اللطيفتين في كلية لدراسة الكتاب المقدس. وكانوا سيحضرون معهم اثنين من الطلاب الإيطاليين كانوا يرغبون في تعريفهما بالمسيح. وهكذا انطلق الأب والأم والابن والفتاتان الشابتان والطالبان الإيطاليان في سيارتهم الاستيشن واجن، ووصلوا يوم السبت. كانوا يشعرون بالإثارة لحضور اجتماع الأحد، لأنهم كانوا يرغبون في رؤية الاجتماع الكبير – الذي كان يتمثل في بضعة آلاف، مع فريق ترنيم ضخم. فوصلوا إلى هناك وقضوا وقتاً رائعاً في البركة والشركة المسيحية، وكانوا يشعرون بفرح غامر.
لكن في طريق العودة إلى المنزل، لسبب ما لا يمكن معرفته، اندفع الأب بسرعة عند نقطة تقاطع الإشارة الحمراء، في نفس الوقت الذي كان فيه شاحنة ضخمة تندفع أسفل التل. فما كان إلا أن صدمت الشاحنة سيارتهم وهي منطلقة بأقصى سرعتها أسفل الطريق، فاندفعت الفتاتان من النافذة الخلفية للسيادة واصطدمتا بالحاجز الحجرة فماتتا في الحال. وتم أخذ الابن والطالبان الإيطاليان إلى العناية المركزة وهم يعانون من جروح داخلية خطرة. انشطرت السيارة إلى نصفين تقريباً، ثم انفجرت ككرة من النار، لكن الوالدان نجيا بأعجوبة، فما بدأ كيوم من الفرح الغامر، انتهى إلى محرقة رهيبة.
بمجرد أن وصل ماك آرثر إلى المستشفى، ذهب ليرى الأب، وسأله: «بم تفكر يا جون؟». أجاب جون والدموع تملأ عينيه: «أحاول أن أقنع نفسي أن هذا ربما كان حلماً، وأني سأستيقظ منه سريعاً، لكن أعلم أن هذا ليس صحيحا.» ثم قال بعد ذلك: «أما ما فكرت فيه بعد ذلك، فهو: أليس الله صالحاً؟ فقد أبقى على حياة هذين الشابين الإيطاليين غير المؤمنين، وأخذ ابنتي المسيحيتين.» كان هذا الأب يعرف أن ابنتيه في محضر الله الآن، فقد كان يتعامل مع الكتاب المقدس بجدية – وكان إيمانه حقيقياً. لكنه قال بعد ذلك: «لقد أردت لابنتيّ أن تستمتعا باجتماع كنسي كبير، لكني لم أتوقع أن يكون بمثل هذه الضخامة. وأردت لهما أن تستمعا بالترنيم مع فريق ضخم للتسبيح، ولكن لم أتوقع أنه سيكون مع الملائكة.»
أترى ما فعله هذا الرجل؟ كان يفعل ما هو صواب، فكان يستودع نفسه ونفسي ابنتيه إلى إله أمين. وهذا إيمان قوي، تم اختباره وتنقيته، فخرج نقياً مائة بالمائة من بوتقة الألم. وإني أتحدى أي إنسان يفسر ذلك، إلا بأن الله كان يعمل في حياة هذا الرجل من خلال كلمة الله.
لكن قد يسأل المرء: «هل تقول إن الألم، بل وحتى الاضطهاد، هو مشيئة الله؟» أنا لا أقول ذلك، بل لنحاول أن نفهم ما يقوله بطرس. فهذه الأمور تقع داخل مجال سماح الله. وإذا توقفت وفكرت في هذا للحظات، فأين ستجد راحة أفضل من ذلك، من أنه لا يوجد شيء خارج نطاق سلطانه؟ أليس من المعزي أن نعرف، أنه بسبب سيادة وسلطان أبينا السماوي المحب على كل الأمور، هناك حدود للألم، سواء في شدته أو في مدته، وهي حدود وضعها خالقنا ومخلصنا؟ ألا توجد تعزية في معرفتنا أننا ونحن في يديه، تكون الآلام لأجل خيرنا، وتنقيتنا، وجذبنا أكثر إليه، لكي يمسح بعطفه الدموع من أعيننا؟ لكن فوق كل هذا، ألا توجد تعزية في معرفتنا أننا لسنا بمفردنا عندما نتألم، بل أننا يمكن أن نعتمد على إله أمين؟ بالتأكيد توجد تعزية في ذلك، وإذا فقدنا تلك النظرة، فلن نتمكن من التكيف مع الصعوبات بطريقة مسيحية ولو للحظة واحدة.
يمثل هذا الأمر معنى عميقاً لنا في الطريقة التي نرى بها أبناءنا. ففي بعض الأحيان نكون شديدي الحماية بشكل مبالغ فيه، ونرغب في حمايتهم من الصعوبات بسرعة شديدة. لكني أسأل الوالدين المسيحيين، ألا تريدان النظر إلى أبنائكما وترغبان في أن يلاقوا ما يكفي من الصعوبات التي تجعلهم أقوياء، وما يكفي من الإهانات التي تجعلهم يختارون، وما يكفي من الاختيارات الصعبة التي تجعلهم يرون أن اتباع يسوع يتضمن تكلفة وحساب النفقة، وأن تلك التكلفة أمر يستحق للغاية، ولكنها مع ذلك لا تزال مكلفة؟
البركات الإلهية
إن الألم هو الطريق الأكيد لنوال بركات الله:
«بل كما اشتركتم في آلام المسيح افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده أيضاً مبتهجين. إن عيرتم باسم المسيح فطوبى لكن لأن روح المجد والله يحل عليكم.» (العددان 13-14).
أليس هذا أمراً رائعاً؟ كان المسيحيون الأوائل يعتبرونه وسام شرف على صدورهم أن يتعرضوا لظروف صعبة بسبب اتباعهم للمسيح. لم يكن هذا مثار ضيق أو حرج، بل مبعث فرح، أنهم حُسبوا مستأهلين أن يتبعوا خطوات المسيح.
لاحظ كيف يعمل بطرس مراراً وتكراراً على جذب انتباهنا إلى المستقبل المجيد الذي ينتظرنا: «وإله كل نعمة الذي دعانا إلى مجده الأبدي في المسيح يسوع بعد ما تألمتم يسيراً هو يكملكم ويثبتكم ويقويكم ويمكنكم.» (1بطرس 5: 10)، فلو كانت هذه الحياة هي كل شيء، لكان المسيحيون بالطبع يحسبون مخبولين إن هم احتملوا وتقبلوا الألم. وكان بالطبع أناس، مثل هذه الطالبة الشابة، سيصابون سريعاً بالإحباط، وسيشعرون أنهم قد تعرضوا للوهم والخداع. لكن هذه الحياة ليس هي كل شيء، كما أنها ليست هي أهم شيء. بل أهم شيء هو الحياة الآتية، «ثقل المجد الأبدي» الذي سيختبره المؤمنون، والذي يجعل هذه الحياة تبدو وكأنها ليست أكثر من مجرد حلم. هذا هو ما ينتظرنا، وهذا هو السبب الذي يجب لأجله أن نثبت أنظارنا على المستقبل، وألا نرى أي شيء بمنظور تلك الحياة هنا والآن.
لكننا إذن نقول ذلك، نقول إننا يمكن أن نعرف شيئاً عن ذلك الفرح الآن، حتى وسط الآلام. اقرأ القصة المؤثرة لريتشارد ورمبراند “Tortured for Christ”[2]. كان ورمبراند قسيساً رومانياً، قضى سنوات كثيرة في السجون الشيوعية بسبب إيمانه. تم أخذ زوجته بعيداً في معسكر عمل، وأجبرا على ترك ابنهما ذو التسعة أعوام تائهاً في الشوارع. وفي كتابه تقرأ عن كل من فساد الأشرار الذي يغرق فيه البشر في معاملتهم لإخوتهم في البشرية، وأيضاً عن تفوق وسيادة الله، إذ تكتشف أن الرجال المسيحيين الذين تعرضوا للضرب المبرح، استمروا في الصلاة والكرازة لخاطفيهم. وستذهل لوجود ريتشارد ورمبراند في زنزانته الباردة، وهو يرقص حرفياً من الفرح، لأن لديه هذا الشعور المجيد بحضور المسيح وبطعم السماء، وهو في جحيمه على هذه الأرض. هذا هو روح المجد الذي يعمل في حياة كل الذين يرغبون في اتباع المسيح. والسؤال الآن هو، هل ترغب أنت في اتباعه؟