كتاب صلاة يسوع PDF – أمجد بشارة

كتاب صلاة يسوع PDF – أمجد بشارة

كتاب صلاة يسوع PDF – أمجد بشارة

كتاب صلاة يسوع – أمجد بشارة

للتحميل

كتاب صلاة المسيح، لماذا؟ في تعليم آباء الكنيسة – أمجد بشارة

كتاب صلاة المسيح، لماذا؟ في تعليم آباء الكنيسة – أمجد بشارة

كتاب صلاة المسيح، لماذا؟ في تعليم آباء الكنيسة – أمجد بشارة

كتاب صلاة المسيح، لماذا؟ في تعليم آباء الكنيسة – أمجد بشارة

للتحميل

كتاب صلاة المسيح، لماذا؟ في تعليم آباء الكنيسة – أمجد بشارة

كتاب 25 سؤال وجواب في إنجيل القديس متى – أمجد بشارة

كتاب 25 سؤال وجواب في إنجيل القديس متى – أمجد بشارة

كتاب 25 سؤال وجواب في إنجيل القديس متى – أمجد بشارة

كتاب 25 سؤال وجواب في إنجيل القديس متى – أمجد بشارة

للتحميل

كتاب 25 سؤال وجواب في إنجيل القديس متى
كتاب 25 سؤال وجواب في إنجيل القديس متى
كتاب 25 سؤال وجواب في إنجيل القديس متى

 

 

الفهرس

1- سلسلة نسب المسيح.

2- كيف يُنسب يسوع ليوسف بينما هو إبن مريم العذراء حسب الجسد فقط؟ 

3- كيف دخل داود في سلسلة النسب (مت1: 5) وهو حفيد مؤابية والكتاب امر بان لا يدخل المؤابيون في النسب إلى الجيل العاشر (تث23: 3)؟ 

4- في مت1: 7- 12 حذف متى ثلاثة اشخاص من سلسلة النسب، لماذا؟ وهل اسقطهم عن سهو؟ 

5- في مت1: 8، هل يورام والد عزيا أم احزيا؟ ففي 1اخ3: 11 جاء أن يورام وابنه احزيا، فأيهما صحيح؟ 

6- كيف يولد المسيا من يكنيا وهو عليه لعنة ابدية (ار22: 30) 

7- »ورد في متى 1: 11 »ويوشيا ولد يكنيا وإخوته عند سبي بابل«.لكن لم يكن يوشيا أب يكنيا، بل كان جدّه (كما في 1أخبار 3: 15 و16) 

8- ورد في متى 1: 12 أن زربابل ابن شألتئيل، وهو غلط، لأنه ابن فدايا، وابن الأخ لشألتئيل كما في 1أخبار 3: 17 و19. 

9- كيف تُذكر أسماء نساء خطاة وزانيات في نسب السيد المسيح؟ 

10- ورد في متى 1: 13 أن أبيهود ابن زربابل – وهو غلط لأن زربابل كان له خمسة بنين كما في 1أخبار 3: 19، وليس فيهم أحد يحمل هذا الاسم. 

11- هل أخطأ القديس متّى لأنه احتسب أن المجموعة الاخيرة التي تبدأ بسبي بابل هي أربعة عشر جيلًا، بينما هم 13 جيل فقط؟ 

12- الملاك قال لأبي يسوع في الرؤيا: وتدعو اسمه يسوع كما في إنجيل متى 1: 21، وقال جبريل لأمه: ستحبلين وتلدين ابنًا وتسمينه يسوع كما في إنجيل لوقا ولم يدّع المسيح في أي وقت أن اسمه عمانوئيل. 

13- هل ترجمة متّى لكلمة علماه خطأ (فتاة أم عذراء؟) 

كيف كانت كلمة (علماه) تفهم في العقلية اليهودية القديمة؟ 

المنظور التاريخي. – طبيعة هذه العلامة 

دليل إضافي خاص بالترجمة – ما هي الـ (علْماه)؟

شهادة آباء الكنيسة الأولى

14- وردت في متى 2: 1-10 قصة مجيء المجوس إلى أورشليم برؤية نجم المسيح في المشرق، وقيادة النجم لهم بأن تقدَّمهم حتى جاء ووقف فوق الصبي، وهذا غلط، لأن حركات الكواكب السيارة، وكذا الحركة الصادقة لبعض ذوات الأذناب هي من المغرب إلى المشرق؟! 

15- في مت 2: 2، كيف يبارك الرب عمل المجوس ويقودهم عن طريق نجم، بينما الكتاب المقدس يرفض العرافة التنجيم (لا19: 26، تث18: 10، اش8: 19)؟ 

16- متى 2: 6 تخالف ميخا 5: 2

17- كيف تكون نبوة هو 11: 1 والتي اقتبسها متى (مت 2: 15)، نبوة مسيانية؟ 60

18- ورد في متى 2: 17 و18 حينئذ تمّ ما قيل في إرميا النبي القائل.. وهذا أيضًا غلط وتحريف من الإنجيل، لأن هذا المضمون وقع في إرميا 31: 15، عن حادثة بختنصر التي وقعت في عهد إرميا 

19- في متى 2: 19 أن هيرودس الملك مات لما كان المسيح طفلًا في مصر، بينما يؤكد لوقا 23: 8 أن هيرودس كان حيًّا بعد ذلك بأكثر من ثلاثين سنة، وأن المسيح مثُل أمامه للمحاكمة

20- ورد في إنجيل متى2: 23 وأتى وسكن في مدينة يُقال لها ناصرة، لكي يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيُدعَى ناصريًا، وهذا غلط، ولا يوجد في كتاب من كتب الأنبياء. 65

21- ورد في متى 3: 14 أن المسيح أتى إلى يوحنا ليعتمد منه، فمنعه يوحنا! ثم اعتمد المسيح وصعد من الماء، فنزل عليه الروح مثل حمامة، وورد في يوحنا 1: 33 وأنا لم أكن أعرفه (وعرفتُه بنزول الروح مثل حمامةٍ ونارٍ)، وفي متى 11: 3 لما سمع يوحنا بأعمال المسيح أرسل اثنين من تلاميذه يسألونه: أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟، في الأول عرف يوحنا قبل نزول الروح، وفي الثاني عرفه بعد نزول الروح، وفي الثالث لم يعرفه بعد نزول الروح. 

22- جاء في متى 3: 15 قول المسيح للمعمدان بخصوص معمودية المسيح اسمح الآن لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر، وهذا يعني أن بعض الفرائض الدينية وخاصة المعمودية لا فائدة منها ولا معنى روحي لها؟ 

23- في مت 3: 16، لماذا انتظر المسيح حتّى وصل إلى سن الثلاثين لكي يحصل على نعمة الروح القدس في معموديته على يد يوحنا المعمدان؟ بينما يوحنا المعمدان كان مملوء من الروح القدس من وقت الحبل به (لو1: 15)! 

24- اختلف البشيرون في رواية خبر الصوت الذي سُمع من السماء وقت نزول الروح القدس على المسيح، فقال متى 3: 17 هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت، وقال مرقس 1: 11 أنت ابني الحبيب الذي به سُررت وقال لوقا 3: 22 أنت ابني الحبيب الذي بك سُررت؟

25- هل في معمودية المسيح المذكورة في مت3: 16- 17 عند الظهور الالهي، هل هذا يعني أن الأب والابن والروح القدس هم ثلاثة اشخاص منفصلين؟

 

 

 

1- سلسلة نسب المسيح

تختلف سلسلة نسب المسيح بحسب إنجيل لوقا (لو 3: 23: 38)، اختلافا كبيرًا عن تلك الواردة في انجيل متي، ليس من ناحية أنها ترجع بنا إلى آدم، إبن الله، وبهذا تضع يسوع في سلسلة الجنس البشري كله، وليس في إطار الأمة اليهودية فحسب، بل من ناحية الأسماء التي تضمنتها.

فمن إبراهيم حتّى داود هناك اتفاق، لكنهما تختلفان اعتبارا من داود، حيث يتبع متى خط وراثة عرش يهوذا من سليمان، بينما سلسلة الأنساب بحسب لوقا تُحقق ذلك من خلال ناثان، وهو إبن آخر لداود، وتلتقي مع سلسلة الأنساب بحسب متى فقط مع الاسمين شألتئيل وزربابل حتى يوسف.

 وبالنسبة لما يُقال من أن متى أو لوقا أخترع ببساطة الأسماء التي سجلها فهذا لا يفق مع ما عُرِفَ عنهما من اهتمامهما بالتفاصيل (وهو الواضح أيضًا في إنجيليهما وسفر الأعمال)، وليس هُناك ما يدعوهما إلى ذلك[1].

وفي واقع الأمر نحن لا نعرف تحديدًا ما هي المصادر التي اعتمد عليها كلٍ من القديسين متى ولوقا لمعرفة سلسلة نسب عائلة السيد المسيح، إلا انه في الغالب كانت هُناك سلسلة نسب محفوظة في مستند أو في ذاكرة كل عائلة يهودية، إذ كان اليهود مشغولين كثيرًا بسلاسل نسب العائلات هذا لأمور تختص بتقسيم الأسباط في خدمة الهيكل ومجيء المسيا والنسل الملوكي الذي له الأحقية في حكم إسرائيل وما إلى ذلك، وهذا ليس غريبًا فقد ذكر يوسيفوس المؤرخ اليهودي الشهير والمُعاصر لعصر السيد المسيح سلسلة نسب عائلته بالكامل[2].

ويقص علينا أيضًا الكاتب الكنسي افريكانوس (220م) في رسالته إلى ارستيدس أن هيرودس الملك كان ادومي الاصل ونسبة غير مُشرف بالمقارنة مع انساب اليهود، ولأنّه كان دائمًا تنغصه خساسة أصله، فقد حرق كلّ سجلاّّت الأنساب، ظنًّا منه بأنّه قد يبدو من أصل شريف أن لم يوجد غيره مَن ستطيع أن يُثبّتَ من السجلاّت العامّة أنّه كان ينتمي للآباء البطاركة الأوّلين أو الدخلاء أو الذين اختلطوا بهم الذين كانوا يُسمّون “جوري”، “ومع ذلك فإنّ عددًا قليلًا من الحريصين إذ حصلوا على سجلاّت خاصّة ملك لهم، إمّا بتذكّر الأسماء أو بالحصول عليها بطريقة أخرى من السجلاّت، فإنّهم يفخرون بحفظ تذكار أصلهم النبيل ومن ضمنهم أولئك السابق ذكرهم الذين يُسمّون “دسبوسيني[3]“، بسبب علاقتهم بعائلة المخلّص. وإذ أتوا من الناصرة وكوتشابا، وهما قريتان في يهوذا، إلى أرجاء أخرى، استقوا سلسلة النسب هذه من الذاكرة، ومن سفر السجلاّت اليوميّة، بمنتهى ما يمكن من الأمانة[4]. ويخبرنا العالِم يواقيم إرميا[5] وهو مسيحي من أصل يهودي أن حفظ الأنساب في أيام المسيح كان ضرورة حتمية كعمل رسمي هام جدًا للعائلات الكهنوتية والعائلات غير الكهنوتية على السواء. وأن هذه الأنساب لم تكن تلفَّق بل كان يُتَّخذ فيها الحيطة الدقيقة بمنتهى الدقة على قدر كبير من الاجتهاد العاملين في تسجيلها، حتى ولو حدث فيها بعض الفجوات فهذا لا يثني القائمين بالأمر من تكميل التسجيل على أكثر صحة ممكنة.

كما يمدنا العالِم م. د. جونسون[6] أنه كان هناك اهتمام شديد بنقاوة الأنساب، وكانت العائلات تحتفظ دائمًا بتاريخ أنسابها كتابة وشفاهًا، وكانت حاضرة دائمًا في أذهانهم وعلى لسانهم، لذلك أصبح من غير العدل أن لا يُعترف بها تاريخيًا.

ومن الممكن أيضًا أن يكونا قد اعتمدا على سلسلتي النسب الواردتين في كلٍ من (راعوث 4: 18- 21، وسفر أخبار الأيام الأول).

وفي حضارة الشرق القديم وخاصة عند اليهود كانت سلاسل الأنساب لا تهدف إلى وضع سلسال متصل دقيق لكل أشخاص العائلة، بل تهدف سلسلة النسب قبل كل شيء إلى البحث عن حق في إمتلاك أرض أو حق في الوضع الكهنوتي (انظُر، عز2: 61: 63)، وفي العهد القديم إذا قارننا بين (عز 7: 5)، و(1خ6) سنجد أن عزرا أسقط ستة أسماء من أمريا حتّى عزريا، وذلك لان سلسلة النسب تتعلق بجوانب روحية وحقوق قانونية أكبر وأهم من النسب البيولوجي. ولهذا فإن سلسلتي النسب عند كلٍ من متى ولوقا تُسقط عمدًا أسماء لا قيمة لها من ناحية إثبات نسب المسيح الملوكي وانه من نسل داود ويهوذا وإبراهيم.

ولهذا فالبشيران لا يذكران نفس عدد الأجيال. أما من جهة ذكر الشخصيات التي اختلفت بين كلٍ من متى ولوقا فإن ذلك يرجع إلى أن متى يذكر سلسلة نسب يسوع البيلوجية عن يوسف بن يعقوب خطيب مريم والذي انتسب إليه يسوع بالجسد امام العالم، بينما لوقا يعود بالنسب إلى مريم ابنة هالي ويذكر نسب مريم وليس نسب يوسف.

يقول وزرينتون: «من الأمور التقليدية افتراض أن قائمة نسب متَّى تقتفي أثر نسب يسوع من خلال يوسف (نسبه القانوني)، بينما قائمة لوقا تهتم بنسبه من خلال مريم (نسبه الطبيعي). وهذا الحل يجد دعمًا من الحقيقة التي تقول أن متَّى ركز في تسجيله للأحداث على دور يوسف أكثر من مريم، بينما كانت تسجيلات لوقا تجعل من مريم المحور الأساسي في الدراما. وهذا أيضًا ينسجم مع التخمين القديم الذي يقول بأن يوسف هو مصدر كثير من حكايات مولد يسوع عند متَّى، بينما مريم هي المصدر الذي استقى منه لوقا معظم معلوماته[7].

وكل من جيسلر وهاو يتبنيان هذا الموقف، وتفضيلهم لهذا الموقف وأسباب قبولهم له تضيف وتدعم من ملاحظات وزرينتون:

قائمة الأنساب عند لوقا ومتى مختلفتان، إحداهما تتبع نسبه عن طريق الأب القانوني وهو يوسف، والأخرى من خلال أمه وهي مريم. متَّى يمدنا بالخط الرسمي للنسب، طالما أنه يقدم يسوع لليهود الذين يهتمون بالمسيح اليهودي والذي من شروطه أن يكون من نسل إبراهيم وداود» (مت 1: 1). أما لوقا وأمامه جمع كبير من اليونانيين، يقدم يسوع بأنه الرجل الكامل (وهو مطلب يوناني يتفق مع معتقداتهم)، لذا هو يتعقب نسب يسوع حتى الرجل الأول وهو آدم» (لو 3: 38).

أن يقوم متَّى بتسجيل قائمة نسب ليسوع من ناحية الآب، بينما يتتبع لوقا هذا النسب من ناحية الأم فذلك يدعمه عدد من الحقائق. أولًا، بينما تواصل كل من القائمتين التقدم حتى داود: إلا أن متَّى ينسب يسوع إلى يوسف (أبيه القانوني) ويصل به حتى الملك سليمان، والذي يرث منه المسيح الملك وعرش داود (2صم 7: 12). وفي الجانب الآخر، كان هدف لوقا أن يرى الناس المسيح كإنسان عادي، لذا هو يصل بنسبه إلى ناثان ابن داود، ثم إلى والدته مريم، والتي من خلالها يمكن أن يظهر إنسانيته الكاملة، وكونه مخلِّصًا للعالم.

أكثر من ذلك، فإن لوقا لم يقل إنه يصل نسب يسوع بيوسف، بل يسجل أن يسوع «وهو على ما كان يظن» (لو 3: 23) إنه ابن ليوسف، بينما هو في الواقع ابن لمريم. أيضًا، فإن لوقا يسجل نسب مريم لأن هذا يتناسب مع تأكيده المستمر على النساء في إنجيله، والذي دُعي «إنجيل النساء».

وأخيرًا، فإن احتواء كل من القائمتين على نفس الأسماء على وجـه العموم (مـثل شلتـائـيل وزربابـل مـت 1: 12، لو 3: 27) لا يثبت أنهـم نفـس الأشخـاص. أولًا، هـي ليسـت مـن الأسماء غيـر الـمتـداولة، وأكثر من ذلـك، حتـى إذا كـانـت نفـس سلسلة النسب، فإن لوقا قد كرر اسمي يوسف، ويهوذا» (لو 3: 26 و30)[8].

ويدعم الباحث الكتابي جليسون أرشر هذا الرأي، فيكتب:

يعطي متَّى (1: 1- 16) سلسلة نسب يسوع عن طريق يوسف، الذي كان هو سليلًا للملك داود. ولأن يسوع هو الابن الذي تبنَّاه يوسف، لذا فإنه يصبح وارثًا له قانونيًا. لاحظ بدقة ما ورد في الآية 16 «ويعقوب ولد يوسف رجل مريم التي وُلد منها يسوع الذي يُدعى المسيح». وهذا شكل في العرض لا يتوافق مع ما سبقه في سرد قائمة أجداد يوسف: «إبراهيم ولد إسحق، وإسحق ولد يعقوب، الخ». لكن لم يذكر أن يوسف ولد يسوع، لكن يشار إليه بأنه «رجل مريم التي وُلد منها يسوع».

في لوقا 3: 23- 38، من جانب آخر يسجل قائمة نسب مريم نفسها، ويصل بنا حتى إبراهيم ثم آدم وبداية التاريخ الإنساني. وهذا يبدو متضمنًا في الآية 23: يسوع.. «كان يظن أنه ابن يوسف». هذه الكلمة (كان يظن) توضح أن يسوع لم يكن الابن الطبيعي ليوسف، بالرغم أن كل معاصريه يعلمون أنه ابنه. وهذا يدعو إلى تركيز الانتباه على الأم مريم، التي هي الوالد الوحيد ليسوع من خلال عدد من الأسلاف. لذا ذكرت سلسلة نسبها بدءًا من هالي، الذي هو يعتبر حمو يوسف، بينما أب يوسف هو يعقوب (مت 1: 16). وخط نسب مريم ينتهي إلى ناثان وهو ابن لبثشبع زوجة داود. لذلك فإن يسوع من نسل داود وبشكل طبيعي من خلال ناثان، ومن سليمان من الناحية القانونية[9].

ويتضح ذلك من اللغة اليونانية، حيث يجب أن تُعَّرف جميع الأسماء بأداة تعريف، بينما لا نجد اسم يوسف في النص هُنا مُعرف ([10]υἱός، ὡς ἐνομίζετο، Ἰωσήφ)، بينما يأتي اسم هالي أو إيلَّي (τοῦ Ἠλί [11]) مُعَّرف، فهذا يعني أن سلسلة النسب هذه لا تخص يوسف (الزوج)، بل تخص مريم (الزوجة). وهذا يعني أن النص يُقرأ هكذا: وهو على ما كان يُظَّن بن يوسف (وهُنا يوسف كناية عن مريم لإن نسب الأنثى لا يُعتد به[12]) وجده هو هالي (أب مريم). وهذا ما يؤكده التلمود إذ ذكر في أكثر من موضع أن مريم هي ابنة هالي[13].

ولذلك بينما يذكر متى نسب المسيح عن سليمان بن داود، يذكره لوقا عن ناثان بن داود. فناثان هو أحد أجداد مريم بينما سليمان هو أحد أجداد يوسف.

وأيضا يذكر متى أن والد يوسف هو يعقوب، بينما يذكر لوقا أن يوسف هو بن هالي كما سبق وأوضحنا ذلك، لان يعقوب هو الأب الحقيقي ليوسف، بينما هالي هو حمي يوسف وأب مريم وقد استخدم لوقا يوسف كمجرد كناية لمريم لان الأنسال في اليهودية ترفض ذكر نسب المرأة.

 

2- كيف يُنسب يسوع ليوسف بينما هو إبن مريم العذراء حسب الجسد فقط؟

حقًا لم يكن يوسف هو الأب الشرعي للسيد المسيح، لكنه اب المسيح بالتبني وهكذا وُضِعَّ يسوع في سلسلة نسبه كإبن له مع انه ليس الأب الشرعي له. ويكتب أغسطينوس عن ذلك: يجب على يوسف أن لا ينكر انه يسمي أبا المسيح على الرغم من انه لم ينجبه بالاتصال الجسدي. فلو تبني طفل رجل آخر، لكان من حقه أن يكون ابًا له بحسب النسب[14].

ويقول القديس أمبروسيوس:

لا تتعجب إذا ذُكِرَ نسب يوسف. لان يسوع ولد بحسب الجسد، وينبغي اتباع التسلسل العائلي. ولأنه ولد في العالم ينبغي أن يُعرف انتماؤه العائلي بالعادة المتبعة، خصوصًا أن نسب مريم هو أيضًا نسب يوسف. وبما أن يوسف كان رجلًا بارًا، فقد تزوج امرأة من سبطه ومن بلده، فالبار لا يُخالف الشريعة[15].

 يعرض القديس أمبروسيوس هُنا أمر هام، وهو أن القديس يوسف هو من نفس عائلة القديسة مريم العذراء، ويعتمد في ذلك على نص سفر العدد الذي يُلزم بالزواج من نفس السبط عدد 36: 6- 8، وهذا أمر في غاية الأهمية حيث يثبت أيضًا أن النسب الذي أورده القديس لوقا هو نسب العذراء مريم كما أثبتنا من قبل.

 وجاء أيضًا عن ذلك في تاريخ العلامة يوسابيوس القيصري: وإذ تتبّعنا نسب يوسف هكذا فإنّه يتبيّن فعلًا أن مريم أيضًا من نفس سبطه، لأنّه، طبقًا لناموس موسى، لم يكن مسموحًا الزواج من سبطٍ آخر، فالأمر الصادر هو أن يتزوّج المرء من نفس العشيرة ومن نفس السلالة، لكي لا ينتقل الميراث من سبطٍ إلى سبطٍ. ولعلّ في هذا الكفاية الآن[16].

فبحسب القديس متى فإن يسوع ينتسب إلى يوسف لأنه زوج مريم والذي هو من نفس عائلة ونسب مريم العذراء[17]. بينما عاد القديس لوقا في سلسلة النسب التي ذكرها إلى نسب القديسة مريم أم يسوع من خلال اسم يوسف كزوج لها وهالي الذي هو في الحقيقة والدها وحمي يوسف[18].

 

3- كيف دخل داود في سلسلة النسب (مت1: 5) وهو حفيد مؤابية والكتاب امر بان لا يدخل المؤابيون في النسب إلى الجيل العاشر (تث23: 3)؟

المؤابيين هم شعب غير مُحبب لليهود[19]، وراعوث هي بنت عجلون بن بالاق ملك مؤاب[20]، لكنها قد دخلت في شعب الله وتركت أصلها المؤابي حينما قالت لحماتها اليهودية (شَعْبِي وَإِلهُكِ إِلهِي.. راعوث 1: 16)، فهي بهذا قد دخلت في شعب الله، وانحلت من لعنة المؤابيين.

ومن جهة أخرى: فهذه العبارات تُشير إلى معني الاستمرار وليس المعني الحسابي[21]، فإفتقاد الله لخطايا الاباء لا يحدث إلا إذا استمرت الخطية وتحولت من فعل إلى عادة متأصلة في أجيال هذا النسل. هكذا تظهر طول أناة الله على البشريّة. وللقديس ﭽيروم تعليق جميل على ذلك بالنسبة لطول أناة الله على الإنسان إذ يرى الله لا يعاقب الإنسان في الحال على فكره الطارئ ولا على الجيل الأول حينما يتقبل الفكر إلى حين لكنه يؤدب على الجيل الثالث والرابع حينما تتحول الأفكار إلى أعمال وإلى عادات متأصلة ومستمرة، إذ يقول: “هذا يعني أن الله لا يعاقبنا في الحال على أفكارنا ونياتنا بل يرسل التأديب على أولادهم أي على الأفعال الشريرة والتي صارت عادات للخطيئة النابعة عنهم[22].

وإن كان هذا حكمًا إلهيًا على أن يحمل الأبناء أخطاء أبائهم لعملت به الشريعة الموسوية في الأنظمة التي وضعتها للقضاء، لكن على العكس فتؤكِّد الشريعة للقضاة ألاَّ يُعاقب عضو من الأسرة بسبب عضو آخر، إنَّما يلتزم كل واحد أن يتحمَّل مسئوليَّة نفسه، لا يُقْتَلُ الآبَاءُ عَنِ الأَوْلادِ وَلا يُقْتَلُ الأَوْلادُ عَنِ الآبَاءِ. كُلُّ إِنْسَانٍ بِخَطِيَّتِهِ يُقْتَلُ (تث 24: 16).

وقد طبَّق أمصيا بن يوآش ملك يهوذا هذا المبدأ، فقد “قتل عبيده الذين قتلوا الملك أباه، ولكنَّه لم يقتل أبناء القاتلين حسب ما هو مكتوب في سفر شريعة موسى حيث أمر الرب قائلًا: لا يُقتل الآباء من أجل البنين، والبنون لا يُقتلون من أجل الآباء” (2 مل 14: 6).

 

4- في مت1: 7- 12 حذف متى ثلاثة أشخاص من سلسلة النسب، لماذا؟ وهل أسقطهم عن سهو؟

في الآيات من 7: 12 حذف ق. متى أسماء ثلاثة أشخاص من سلسلة النسب هُنا هو حذف طبيعي ومقصود من الكاتب، لأنه لا يكتب تأريخ لسلسلة أنساب، بل يُقدم المسيا الملك المُنتظر من خلال سلسلة أنساب تربطه بعمق تاريخ إسرائيل وأصل ملوكي مسياني والذي ينبع من إبراهيم وداود. ويقول عن ذلك القديس جيروم: لقد ترك متّى كل الأسماء ليذكر داود وإبراهيم، لأن الله وعدهما وحدهما (بصراحة) بالمسيح، إذ قال لإبراهيم: “ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض” (تك22: 18)، ولداود “من ثمرة بطنك أجعل على كرسيك” (مز132: 11)[23].

وأسماء الملوك الثلاثة الذين أسقطهم القديس متى من سلسلة النسب هم: (آحاز- يوأش- أمصيا)، فقد كان حذفهم مُتعمدًا لعدة أسباب:

1- لان القديس متى يُريد أن يربط سلسلة النسب مقسمة إلى ثلاثة حقب كل حقبة منهم مكونة من أربعة عشر جيلًا، وذلك ليساوي رقم أربعة عشر بالرقم المُساوي لاسم داود النبي والملك في العبرية.

2- لابد أن يكون قد تعمد الاختيار والانتقاء من سلسلة النسب الطويلة حتّى قدم منها فقط ثلاثة حقب من 27 جيلًا منتقاة بعناية لخدمة أهدافه اللاهوتية التي يُريد إعلانها[24].

 

5- في مت1: 8، هل يورام والد عزيا أم احزيا؟ ففي 1اخ3: 11 جاء أن يورام وابنه احزيا، فأيهما صحيح؟

عزيا أو عزريا بحسب ما جاء في (2مل15: 1)، لم يكن الابن المباشر ليورام، فكان بينه وبين يورام ثلاثة ملوك قام بحذفهم القديس متى من سلسلة النسب (راجع تعليقنا على حذف ثلاثة أشخاص من سلسلة النسب)، ومن الطبيعي أن يُقال في سلاسل الأنساب أن جد الشخص هو أبوه، أو أن عزيا ابن يورام بينما يورام هو جد عزيا وليس أبيه.

 

 

6- كيف يولد المسيا من يكنيا وهو عليه لعنة أبدية (ار22: 30)

(هكذا قال الرب. اكتبوا هذا الرجل عقيما رجلا لا ينجح في أيامه لأنه لا ينجح من نسله أحد جالسا على كرسي داود وحاكما بعد في يهوذا)

أولا عقيمًا هُنا مرتبطة بما بعدها، لان يكنيا لم يكن عقيمًا بل كان له أبناء (أنظر 1اخ3: 17)، فهو فقط عقيمًا من جهة من يتوجون كحكام على إسرائيل، فلن يوجد له أبناء يتوجون ملوكًا على إسرائيل. وهذا النص معناه فقط أن لا يجلس أحد من نسله على كرسي المُلك حاكم في إسرائيل، كما جاء في النص السابق لأرميا النبي: (لا ينجح من نسله أحد جالسًا على كرسي داود)[25].

وبناء على انه مكتوب (رجلًا لا ينجح في أيامه) فاللعنة هُنا تخصه هو وأبناءه المُباشرين القائمين في أيامه، أي في حياته البشرية ولا تخطاه ذلك إلى الأجيال التي تليه لأنه لا توجد في الكتاب المُقدس في أي موضع لعنة أبدية، كما أننا نعلم أن زربابل بن شألتئيل أصبح واليًا على يهوذا (أنظر حجي 1: 1، 2: 2)، كما أن زربابل هذا كان مشاركًا في بناء الهيكل الثاني للرب بعد العودة من السبي (انظر عزرا 5: 2)[26]. هذا غير أن اليهود لديهم تقليد قديم عن أن يكنيا هذا قد تاب عن خطاياه في وقت السبي[27].

 

هذا غير أن يسوع كان وريثًا للنسب الملوكي من خلال دعوته ابنًا ليوسف، فالقديس متى وضع يكنيا في نسب السيد المسيح القانوني وليس النسب الطبيعي أو الجسدي له[28]. وبينما هو لم يكن ابنًا ليوسف بالجسد، لذلك فقد تجاوزته تلك اللعنة[29].

 

 

7- »ورد في متى 1: 11 »ويوشيا ولد يكنيا وإخوته عند سبي بابل«.لكن لم يكن يوشيا أب يكنيا، بل كان جدّه (كما في 1أخبار 3: 15 و16)

ما يكتبه القديس متى هُنا ليس هو سلسلة نسب تفصيلية أو تأريخية، إنما كُتبَّت هذه السلسلة لأغراض تعليمية ولاهوتية، فليس المقصود هو ذكر كل شخص في نسب السيد المسيح للآلاف السنين من آدم إلى المسيا المُخلص، إنما المقصود من ذكر سلسلة النسب هذه ومثيلتها في إنجيل القديس لوقا هو غرض لاهوتي، فمثلًا في (الأعداد 5،6) يذكر أن سلمون ولد بوعذ من راحاب ويكمل بعد ذلك بجيلين فقط في ربط النسب بداود الملك، مع انه من المفترض أن يكون قد مضي وقت أطول من جيلين بكثير (علي الأقل أربعمئة سنة)، ولكن غرض الكتابة يقتضي إبراز شخصيات معينة وهي المرتبطة في الفكر اليهودي بمجيء المسيا إما عن طريق نبوات أو عن طريق الخلاص والخروج من العبودية على مراحل تاريخ اليهود الكبير.

“فالقديس متى هُنا لا يقدم تاريخ للحدث، بل يقدم وثيقة تدل على أن يسوع هو بالفعل المسيح المُنتظر من اليهود[30]“.

وهذا التبديل في الأسماء هُنا أحدثه القديس متى الإنجيلي لسبب لاهوتي، وهو أن يصير ترتيب الأجيال أربعة عشر جيلًا لا يزيد عن ذلك[31]، وهذا أيضًا رأي القديس جيروم[32]. فمتي الرسول يتعمد فعل ذلك لكي ينشئ ثلاثة حقب أو أقسام تاريخية متماثلة (انظر عدد 17)، ولكي يربط المسيا بداود الملك، فالأسماء العبرية تقابلها أرقام في التفسير اليهودي، وإذ أن متى يقدم إنجيله إلى جماعة عبرانية فهو دائمًا يشدد على أن المسيا هو ابن داود، وحتى من خلال عدد الأجيال الفاصلة أراد أن يربط نسل المسيا باسم داود الملك، فأخذ رقم دواد (في العبرية: دود(דוד)= 4 + 6 + 4= 14) وأورده ثلاث مرات. وهكذا شدّد مت على داود وتواصل سلالته. كما أن تقسيم ق. متى السلالات لثلاثة أقسام متساوية كان عاملًا مساعدًا على تسهيل الحفظ[33] وهو أسلوب جيد للكرازة والشرح.

وأيضا يهوياقيم هذا كان ألعوبة في يد ملك مصر (أنظر؛ 2اخ 36: 4)، وهذا ما جعله اسمًا مغمورًا في سلسلة الأنساب[34].

 

8- ورد في متى 1: 12 أن زربابل ابن شألتئيل، وهو غلط، لأنه ابن فدايا، وابن الأخ لشألتئيل كما في 1أخبار 3: 17 و19.

زربابل بن شألتئيل هو الاسم الصحيح لزربابل بحسب ما جاء في (عزرا 3: 2، 5: 2، نح12: 1، حجي 1: 1، 2: 2، لو3: 27، وأيضًا ما جاء في يوسيفوس [Ant. 11.33–78])، أما عن ما جاء في (1اخ3: 17، 19) أن زربابل بن فدايا وابن أخ شألتئيل، فذلك لأن شألتئيل نفسه لم يكن له أبناء يذكرون في أي موضع في العهد القديم، ولذلك فبحسب الناموس والتقليد اليهودي[35] فإنه من المُرجح أن فدايا قد مات وسُميَّ أبنائه باسم أخيه وانتسبوا له، أي أنهم أبنائه بالمصاهرة.

 

9- كيف تُذكر أسماء نساء خطاة وزانيات في نسب السيد المسيح؟

كان من غير المُعتاد أن تُذكر أسماء النساء في سلسلة النسب. لكن متى يُسمي خمسً منهن: 1- ثامار كانت امرأة كنعانية تظاهرت بأنها زانية لتصل على نسل من يهوذا (تك38: 13- 30). 2- راحاب كانت أممية وزانية (يش2: 1). 3- راعوث كانت امرأة مؤابية وعابدة أوثان (را1: 3). 4- بثشبع زوجة أوريا والتي زنت مع داود (2صم11). 5- مريم بنت هالي أم يسوع[36].

قد جاء المسيح لا ليتظاهر بأنه من سلالة عظماء بل من بشر خطائون، فقد كتب متى نسب المسيا حسب الجسد رابطًا إياه من جهة بالموعودين أن يأتي من نسلهم المسيا، ومن جهة أخرى من بشر أخطأوا ونظر إليهم المجتمع نظرة إذدراء، وإن كانوا قدموا توبة فيما بعد.

فالمسيح جاء ليكشف أن طبيعتنا التي أخطأت وسقطت، ودارت وتعثّرت في الشهوات غير اللائقة، هي التي جاء المسيح لعلاجها، حتى أنها عندما هربت ضُبطت، وعندما اندفعت وفي ثورتها أسرعت في الابتعاد أمسكها وأوقفها، وأتى بها وقادها إلى الطريق”، “المسيح إذن وضع على ذاته نسب هذه الطبيعة التي تنجّست لكي يطهّرها؛ هذه التي مرضت لكي يشفيها؛ هذه التي سقطت لكي يقيمها، وكان ذلك، كما قال ق.ساويرس الأنطاكي[37].

ويكتب جيروم:

لم يذكر في ميلاد المسيح ونسبه اسم قدّيسة، بل ذكر من شَجَبهنّ الكتاب، وهو يريد القول بأن من جاء من أجل الخطاة وُلد من خاطئات ليمحو خطايا الجميع[38].

ويكتب العلامة اوريجينوس:

جاء ربنا ومُخلصنا لهذه الغاية، ليحمل على عاتقه خطايا البشر. فالله (لم يعرف خطيئة، لكنه صار خطيئة لأجلنا.. 2كو5: 21)، لهذا السبب جاء إلى العالم وأتخذ صورة الأثمة والفاسدين. شاء أن يولد من نسب سليمان الذي دونت خطاياه، ومن رحبعام الذي عُرِفَت أثامه، ومن كثيرين غيرهم ممن خطئوا امام عيني الرب[39].

وهكذا فإن الرب لا يستحي من أن يولد من نسل بشر خطائون، وإن كان أختار أن يولد من نسل بشري فكل البشر خطائون، وهذا ما أتي الله لأجله، لأنه لا يمسه نجاسة من خطايا البشر ولا تؤثر عليه، بل تذوب أمامه ليحل محلها بر الله الذي ثبته يسوع فينا كختم بميلاده.

فالقديس متى هُنا كلاهوتي لا كمؤرخ، يكتب عن قصد هؤلاء النساء خصيصًا في سلسلة نسب السيد المسيح، لكي يُبرز دور المسيح الذي جاء لترتقي به البشرية من حالتها الساقطة إلى البنوة لله.

وهُنا أيضًا نجد أن القديس متى يشير إلى موقف الاستضعاف لأولئك النساء اللائي يحميهن الله ببركته، وقد وضع المرأة في خطة الخلاص الإلهي معارضًا بذلك كل ما هو مُتبع في ذكر سلاسل الأنساب اليهودية في عصره، إذ كان ذكر اسم النساء في سلاسل الأنساب امر غير اعتيادي.

وإذا دققنا في هؤلاء النسوة نجد الآتي:

1- ثامار عرضت نفسها لمخالفة الناموس وإدراء المجتمع بل والرجم مقابل أن تعطي نسلًا لإسرائيل، وهُنا تظهر الرابطة بينها وبين مريم أم يسوع حيث كانت مثارًا للشك عند يوسف وعرضت نفسها للخطر حتّى يأتي المسيا إلى العالم[40].

2- راحاب وهي زانية أريحا، التي تابت وانضمت إلى شعب الله هي وأُسرتها، قد قُدمت في التقاليد اليهودية بحفاوة كبيرة، ففي كتاب mekhilta يقول: سوف يجعلونها إنسانة متهودة. وفي كتاب sifre يقول: ثمانية من الكهنة ومثلهم من الأنبياء يكونون من نسلها[41]. وفي كتاب berakot جاء: إنها نموذج الإيمان[42]. كما فعل أيضًا يوسيفوس (تاريخ اليهود، مجلد 2). وهذا أيضًا ما نجد صداه في العهد الجديد (أنظُر: يع2: 25، عب 11: 31). فهي بذلك مثال لدخول الأمم في الإيمان الذي بيسوع المسيح.

3- راعوث المؤابية هي جدة داود وبحسب مدراش التكوين الربي فإنه من نسلها يأتي المسيا[43].

4- بثشبع والتي ذكرها متى هُنا بتعبير (التي لأُوريا)، وكأنه يُريد أن يُذكر اليهود أنها زوجة داود وأم سليمان الملك وهي امرأة خاطئة، وكانت زوجة رجلٍ من الأمم.

5- كانت كلٍ من ثامار وراحاب كنعانية، وراعوث مؤابية، وهذا يُذكرنا أيضًا أن المسيح قد جاء ليجمع اليهود والأمم في شخصه لأنه يُخلص الجميع وملك الجميع.

وهكذا يورد متى سلسلة النسب هذه مُظهرًا أن مجيء المسيا الملك ليس على حساب استحقاقات بشرية بل بمقتضي نعمته جاء لأجل الخطأة ليبررهم بذاته، وهو الله الذي لا يُمكن أن يتنجس بخطاياهم، فهذه هي الغاية المجيدة من مجيئة له المجد، إذ جاء لكي يُطالب بأحقيته في استرداد خليقته ورعيته ذكورًا وإناث، فكلاهما لهما مكانتهما وكرامتهما متساوية لديه، كما جاء ليُنجي ويُنقذ ويُعيد تشكيل ما قد هلك منهم (لو19: 10).

 

10- ورد في متى 1: 13 أن أبيهود ابن زربابل – وهو غلط لأن زربابل كان له خمسة بنين كما في 1أخبار 3: 19، وليس فيهم أحد يحمل هذا الاسم.

ابيهود هذا من المُرجح أنه هو ذاته مشلام ابن زربابل المذكور في (1اخ3: 19)، وذلك لأنه في وقت السبي البابلي فإن الشخص كان يحمل أكثر من اسم كما حدث مع دانيال النبي والآخرون الذين معه (أنظر دا1: 7).

 

11- هل أخطأ القديس متّى لأنه احتسب أن المجموعة الأخيرة التي تبدأ بسبي بابل هي أربعة عشر جيلًا، بينما هم 13 جيل فقط؟

إن وضعنا في الحسبان انه تم حساب داود مرتين في سلسلة النسب (فجميع الأجيال من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلًا، ومن داود إلى سبي بابل أربعة عشر جيلًا .. مت 1: 17)، والمجموعة الثانية بدأت -بحسب تقسيم القديس متى نفسه- من داود وانتهت بيوشيا الذي سُبيّ في بابل (مت1: 11)، والمجموعة الثالثة بدأت بيكنيا لتنتهي بيسوع ربنا، فبهذا ستكون المجموعة الأخيرة تتكون من أربعة عشر جيلًا[44].

وبذلك سيكون تقسيم المجموعات كالتالي:

المجموعة الاولي من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلًا:

1- ابراهيم، 2- اسحق، 3- يعقوب، 4- يهوذا، 5- فارص، 6- حصرون، 7- ارام، 8- عميناداب، 9- نحشون، 10- سلمون، 11- بوعز، 12- عوبيد، 13- يسي، 14- داود.

المجموعة الثانية من داود إلى سبي بابل أربعة عشر جيلًا:

1- داود، 2- سليمان، 3- رحبعام، 4- ابيا، 5- اسا، 6- يهوشافاط، 7- يورام، 8- عزيا، 9- يوثام، 10- احاز، 11- حزقيا، 12- منسي، 13- امون، 14- يوشيا.

المجموعة الثالثة من سبي بابل إلى المسيح أربعة عشر جيلًا:

1- يكنيا، 2- شألتئيل، 3- زربابل، 4- ابيهود، 5- إلياقيم، 6- عازور، 7- صادوق، 8- اخيم، 9- اليود، 10- أليعازر، 11- متان، 12- يعقوب، 13- يوسف، 14- يسوع.

فالقديس متى قسم المجموعات إلى ثلاثة أقسام متساوية يحتوي كل قسم منها على أربعة عشر جيلًا، وذلك لسبب لاهوتي لأنه بينما ق. متى يكتب إلى جماعة عبرانية، فقد أتخذَّ أٍسلوب متعارف عليه في التعاليم الربانية وهو حساب الأرقام، أو ترجمة الأسماء والكلمات إلى أرقام، أو ما يُعرف بالجامتريا، وذلك لكي يربط دائمًا اسم يسوع بداود النبي والملك والذي منه يأتي المسيا، فأخذ رقم دواد (في العبرية: دود(דוד)= 4 + 6 + 4= 14) وأورده ثلاث مرات. وهكذا شدّد مت على داود وتواصل سلالته في المسيا. كما أن تقسيم ق. متى في السلالات لثلاثة أقسام متساوية كان عاملًا مساعدًا على تسهيل الحفظ[45] وهو أسلوب جيد للكرازة والشرح.

 

12- الملاك قال لأبي يسوع في الرؤيا: وتدعو اسمه يسوع كما في إنجيل متى 1: 21، وقال جبريل لأمه: ستحبلين وتلدين ابنًا وتسمينه يسوع كما في إنجيل لوقا ولم يدّع المسيح في أي وقت أن اسمه عمانوئيل.

ليست هناك مشكلة في تسمية الشخص باسمين في الفكر اليهودي، فقد حدث هذا مع غالبية أنبياء العهد القديم، حيث تغير اسم يعقوب إلى إسرائيل وأبرام إلى إبراهيم وغير ذلك.

لكن هذا الاسم (عمانوئيل)، ليس اسم شخصي لكنه اسم لوصف لعمل سيؤديه هذا الشخص، ولهذا ترجمة القديس متى وقال الذي تفسيره الله معنا (μεθʼ ἡμῶν ὁ θεός). فهؤلاء الذين سيدعونه عمانوئيل هم الذين سوف يقبلون العمل الذي جاء لأجله –أي فداء البشرية وخلاص الإنسان- وقد أورد ق. متى في نهاية إنجيله قول يسوع: وها انا معكم كل الأيام والي انقضاء الدهر (مت28: 20) كتفسير لمعني اسمه عمانوئيل فهو الله الذي معنا للأبد ليتمم خلاصنا[46].

 

13- هل ترجمة متّى لكلمة علماه خطأ (فتاة أم عذراء؟)

نص الاعتراض:

ورد في متى 1: 22 و23» وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: هوذا العذراء تحبل وتلد ابنًا، ويدعون اسمه عمانوئيل، الذي تفسيره الله معنا «. وهو مُقتَبس من إشعياء 7:14» يعطيكم السيد نفسه آية: ها العذراء تحبل وتلد ابنًا، وتدعو اسمه عمانوئيل «. ويقول علماء اليهود أن المقصود هنا هو النبي إشعياء.. وكلمة» العذراء «التي ترجمها متَّى هي في الأصل العبري» عَلْماه «مؤنث علم، ومعناها» المرأة الشابة، سواء كانت عذراء أو كانت غير عذراء «. وجاءت في سفر الأمثال 30 بمعنى» المرأة الشابة التي تزوجت «. فيكون تفسير متَّى وترجمته لكلمة» علماه «خطأ.

الإجابة:[47]

هناك نبوءة واضحة في إشعياء 7: 14

«ولكن يعطيكم السيد نفسه آية، ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل».

هناك سؤالان محددان يبدأ بهما تفسير هذا النص. الأول هو، ما معنى كلمة (ALMAH)= (הָעַלְמָה- الما أو علْماه– عذراء) العبرية، هي تعني «العذراء»؟ والسؤال الثاني هو، لمن تشير «العذراء» المذكورة في النص؟

 

حاول الرابي يوسي مزراحي أن يجادل في بشارة العهد الجديد قائلا:
“لم يحدث إطلاقًا في التاريخ أن فسر أحدهم كلمة (علماه – עלמה) بأن قال أنها تعني بتول [عذراء – בתולה]”. في الحقيقة لقد فسر راشي هذه الكلمة لبتول [عذراء] في العديد من المرات، وسناتي لذلك لاحقًا.

كبداية لكي نفهم خلفية هذا الموضوع يجب أن نفهم ماذا قد حدث في هذا الأصحاح. أشعياء7  يبدأ بوصف للملك أحاز بن يوثام بن عزيا ملك يهوذا. بعكس أبيه، أحاز لم يسر في طريق الرب بل كان حاكمًا شريرًا وعابد للأوثان، عبد البعل بل وقدم أبنائه قربانًا للآلهه. لم يكن جيران أحاز بأفضل حالا منه، في أرام ملك رصين وفي السامرة فقح ابن رمليا ملك إسرائيل.

لقد حاول هذان الملكان أن يقيموا حلفًا عسكريًا ضد ملك أشور بضم أحاز ملك يهوذا، وقد كان ملك أشور في هذا الوقت قد قام بحملة عسكرية قوية، لكن برفض أحاز الانضمام إليهم قرر ملك أرام وملك إسرائيل أن يحاربوه. وكانت خطتهم أن يسقطوا أحاز ويقيموا آخرًا مكانه يمكنهم التحكم فيه، ولأن أحاز لا يؤمن ويثق بالرب، فقد عرف أنه ليس لديه أية فرصة أمامهم ليتنصر. فأرسل لملك اشور [تيجلاث بيلياسر الثالث] وطلب منه المعونة وحمل المرسلين للملك هدايا من أموال وذهب.

 

أحاز كملك على كرسي داوود كان من المفترض أن يطلب المعونة من إله آباؤه، ولكن مثل حالات أخرى كثيرة في العهد القديم يظهر هنا أيضًا أن كل من يتكل على ذراع بشر يسقط رجاؤه، جيوش أرام وإسرائيل قد أتت قبالة يهوذا وحاصروا أورشليم، ولكن استصعبوا احتلال المدينة لأنه كان عليهم أن يجتازوا الحصون التي أنشأها عزيا جد أحاز.

 

لقساوة قلب أحاز أرسل الرب اشعياء مع إبنه شار يشوب اليه لكي يشجعوه، وكان الرب يريد تذكرة أحاز وقومه أن حيوة الناس في يد الرب ويجب على كل إنسان أن يؤمن ويثق به. وبينما كان أحاز يبصر حصار أعداؤه له، قال له أشعياء: “هَاتَيْنِ الشُّعْلَتَيْنِ الْمُدَخِّنَتَيْنِ” يصف النبي، رصين ملك أرام وفقح ملك إسرائيل كعديمي القوة، في نظر الرب كفتيلتين مدخنتين في نهاية ذيلهما.

 

يبدأ أشعياء في التنبؤ في الآيات 7-9 حيث يشير فيها الرب لخطة ملكي أرام وإسرائيل أن يقتلوا أحاز ويقيموا مكانه ملكًا مطيعًا لهم ويعد الرب بأن خطتهما لن تنفذ. أحاز إذ يرى أمامه جيوش أرام وإسرائيل يخططون للفتك به ويخبره أشعياء أن الرب يقول له أن ملوك أرام وإسرائيل سيسقطون كنبوة ستتحقق بعد 65 عامًا؛ بالتأكيد جال بخاطر أحاز وبم سيفيدني هذا أن يسقطوا بعد 65 عام؟ أنا أريد حلا الآن، والرب في الآيات 10-11 يعرف أفكار الملك ولتشجيعه قدم له عرضًا، أطلب لنفسك آية من الرب، وفي الآية 12 أحاز الملك الشرير عابد الأوثان يجيب الرب بسخرية: “«لاَ أَطْلُبُ وَلاَ أُجَرِّبُ الرَّبَّ “

لقد كان الرب مستعدًا أن يعطي أحاز آية لكي يجعله يؤمن ويثق به، إجابة آحاز للرب بهذه الطريقة الساخرة والمنافقة أثبتت عمق شره وعدم إستحقاقه لمساعدة الرب، لقد كان يعلم تمامًا أنه إذا طلب آية وتحققت فيتوجب عليه أن يتوب عن طريقه، وكملك شرير أراد أن يحتفظ بالسلطة والقوه في يديه.

 

لقد أضطرم غضب الرب لإجابة أحاز وتحول النبي أشعياء من أحاز الى الشعب لكل بيت داوود وقال لهم: “وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً”. لقد رفض أحاز أن يطلب آية من الرب لذا فقد بادر الرب بإعطاء الشعب آية.

تبدأ النبوءة الثالثة (بالإصحاح 7) بالأية 14 لذلك “يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ (علماه) تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ»”. أن كانت النبوة عن امرأة متزوجة تحبل فلن يكون هناك أي قيمة لهذه الآية، فإن النساء تحبل يوميًا كنتيجة للتزاوج الطبيعي، ولكن النبي يتحدث عن أمر اعجازي فيقول (علماه) تحبل، شابة غير متزوجة لهذا هي عذراء في عيني الرب وتلك تحبل. وللعلم اسم الطفل نفسه آية أيضًا وله مدلول هام، (عمانو-ئيل) يعني الله معنا، فطبيعة هذا الطفل ستكون مختلفة عن باقي اقرانه فسيكون له طبيعة إلهية.

 

متى سيحدث هذا؟ الآيات التي تلي هذا النص تنبئنا بأنها ستكون أيام صعبة على بني إسرائيل، النبي يتحدث عن انه “زُبْدًا وَعَسَلًا يَأْكُلُ”، يبدو هذا رائعًا اليس كذلك؟ ليس في عصر الكتاب، فالزبد مصنوع من اللبن وبالنسبة للعسل فكان يتوجب على الناس أن يخرجوا للغابات في بحث شاق عن خلايا النحل، هذا يعني أنها ستكون أيامًا صعبة ومقفرة، وبالفعل ولد يسوع في زمان كان الشعب يئن تحت وطأة الإحتلال الروماني. يستمر أشعياء في وصف الطفل الذي ستحبل به الـ(علماه): “مَتَى عَرَفَ أن يَرْفُضَ الشَّرَّ وَيَخْتَارَ الْخَيْرَ” عمانوئيل سيكون كاملًا قدوسًا يرفض الشر ويختار فقط الحق.

 

سنرى الآن سبب طلب الرب لأشياء أن يجلب ابنه شار يشوب معه، في هذه اللحظة يتحول اشعياء لأحاز الملك ويشير لشار يشوب قائلا لأحاز: “لأَنَّهُ قَبْلَ أن يَعْرِفَ الصَّبِيُّ أن يَرْفُضَ الشَّرَّ وَيَخْتَارَ الْخَيْرَ، تُخْلَى الأَرْضُ الَّتِي أَنْتَ خَاشٍ مِنْ مَلِكَيْهَا”. معنى هذا انه قبل أن يستطيع شار يشوب (إبن إشعياء) أن يميز بين الخير والشر يفنى ملكي ارام وإسرائيل اللتان يخشاهما أحاز من الأرض، وبالفعل قتل هذين الملكين في خلال سنتين من تفوه أشعياء بهذه النبوءة.

سؤال آخر يتبادر للذهن: كيف كانت كلمة (علماه) تفهم في العقلية اليهودية القديمة؟

الترجمة السبعينية للعهد القديم بواسطة 70 شيخ التي ترجمت قبل المسيح بزمان طويل، ترجموا كلمة علماه إلى عذراء [بتول].

البشيتا ترجمة من العبرية الى الأشورية في القرن الثاني الميلادي ترجمتها من علماه الى عذراء [بتول].

أيضا الفولجاتا التي ترجمت الكتاب الى اللاتينية فعلت ذلك أيضًا.

باحث الكتاب اليهودي د. فوختينباوم قال في كتابه:

“الحاخامات ينقلون عن راشي انه كان يفسر كلمة (علماه) بأنها امرأة شابة، بالفعل راشي يفسر اشعياء 7:14 الى امرأة شابة. من السهل أن نفهم محاولته إتخاذ موقف مختلف في هذه الحالة: فقد كان منشغلا جدًا في مجادلاته مع المسيحيين، لذا اتخذ موقفًا معارضًا لما كان مقبولا في أيامه، بل حتى عارض نفسة بحالة مختلفة.

راشي لم يفسر (علماه) في كل الأحوال على انها إمرأه شابة، فقد فسر هذه الكلمة عندما ظهرت في نشيد الأنشاد كونها تشير الى عذراء [بتول]، فوق ذلك راشي نفسه يوضح أن كثيرين من المفسرين اليهود في زمانه فسروا اشعياء 7:14 على انها تشير الى عذراء”. ومن المهم ذكر أن المعتقد بأنه لن يكون للمسيا أب بيولوجي كان أيضًا هو فكر الحزال (الحخامات الكلاسيكيين):

مدراش رباه للتكوين 35 – “المخلص الذي أقيمه من وسطكم يكون بلا أب”.

مدراش رباه للتكوين 37 – “لكن المخلص العتيد أن أقيمه من وسطكم لا يكون له أب”.

ماذا تعني كلمة (علْماه)؟

يتحدد معنى أي كلمة من سياق النص. مثلًا كلمة (TRUNK) تعني مكان التخزين في مؤخرة السيارة. عندما نقرأ الجملة التالية (وضعت السيدة شنطتها في TRUNK السيارة)، أو نفهم أن تلك الكلمة تعني الأنف الطـويـل للفيــل عندمـا نقرأ الجملـة التالية «رفع الفيل الـ TRUNK الخاص به والتقط الفول السوداني من يد الطفل». وبشكل مشابه نحاول أن نفهم لفظة (علْماه) من سياق الجملة ككل. استخدمت تلك الكلمة في كتابات العهد القديم سبع مرات لتشير إلى امرأة صغيرة في السن (تك 24: 43، خر 2: 8، مز 68: 25، أم 30: 19، نش 1: 3، 6: 8، إش 7: 14).

ويذكر إدوارد هندسون: «مع أنه أمر حقيقي أن كلمة (علْماه) ليست هي الكلمة المعتادة لتدل على «عذراء»، إلا أن استخدامها دائمًا يدل على هذا المعنى». وأكثر من ذلك، فإن التفسير الكتابي لهذه الكلمة لا تعني أبدًا سيدة متزوجة، لكن تعني دائمًا امرأة غير متزوجة[48]، وهذا نتوصل إليه باستعراض الفقرات التي وردت فيها هذه الكلمة في الكتاب المقدس:

التكوين 24: 43

في سفر التكوين 24 بعدما يصل عبد إبراهيم إلى ناحور يصلِّي إلى الله طالبًا أن يلهمه العثور على المرأة المناسبة لابن إبراهيم. والآية 16 تصف رفقة بأنها «امرأة صغيرة السن»، وقد كانت حسنة المنظر جدًا وعذراء (بتول)، لم يعرفها رجل «وبعد قليل يشير إليها عبد إبراهيم في الآية 43 بأنها عذراء (علْماه)».

الخروج 2: 8

كتب ريتشارد نيسن في شأن هذا النص:

الإصحاح الثاني من سفر الخروج يتكلم عن حادثة إنقاذ الطفل موسى من النهر بيد ابنة فرعون. وكانت أخت موسى (مريم) تراقب الموقف على البعد وأسرعت إلى بنت فرعون واقترحت عليها أن تجد لها امرأة عبرانية (أم موسى) لكي ترضع الطفل «فقالت لها ابنة فرعون اذهبي، فذهبت الفتاة (علْماه) ودعت أم الطفل» (خر 2: 8).

الطريقة التي تم بها تقديم مريم في أصحاح 2: 4 توحي بأنها لم تكن أكبر من موسى بسنوات طويلة، وما يؤكده هو أنها كانت تحيا في كنف والديها في ذلك الحين. يبدو من هذا النص أن أي عنصر خاص بالعذرية البيولوچية في كلمة (علْماه) متضمن في السن، فمريم يبدو أنها كانت في سنوات المراهقة، أي أنها مازالت عذراء[49]. وهذا ما يؤكده ألبرت مايرز أن مريم أخت موسى «كانت بلا شك عذراء» (خر 2: 8)[50].

مزمور 68: 25

في هذا النص «في الوسط فتيات (علْماه) ضاربات الدفوف»، جزء من الاحتفال الذي صاحب الملك حتى المذبح. في مجال تعليقه على ذلك النص، يذكر أن هذه الفتيات «بالتأكيد لسن عاهرات أو غير طاهرات، لكن كن عفيفات وفي خدمة الله، طالما أنهن عذارى»[51].

أكثر من ذلك، فإنه طبقًا للعادات السامية، كانت الفتيات اللاتي لم يتزوجن بعد، يشاركن في احتفالات الزواج والاحتفالات الأخرى بوجه عام. لذا فإن الإنسان يفترض أن الفتيات الصغيرات اللاتي اشتركن في هذا الاحتفال كنَّ عذارى[52].

أمثال 30: 19

كاتب هذا النص يذكر أربعة أشياء تعتبر «مدهشة جدًا» بالنسبة له: الطريقة التي يطير بها النسر في السماء، الطريقة التي يزحف بها الثعبان فوق الصخرة، الطريقة التي تسير بها السفينة في عرض البحر، والطريقة التي يتبعها الإنسان مع (علْماه). في الآية 20 يقارن ما بين السيدة الشريرة، والعذراء الفاضلة[53].

ويشير هندسون في مجال تفسيره لأمثال 30: 19، يقول «المقارنة التي حدثت في الفقرات التالية توضح الاختلافات ما بين البركات الطبيعية للفتاة الفاضلة بالمقارنة مع المرأة الشريرة. لذلك، فإن الصورة هنا يجب أن تفسر بأنها تشير إلى فتاة عذراء»[54].

ويفهم نيسن هذا النصّ بشكل مماثل: «ما هو مثير للإعجاب هنا هو الغزل والافتتان والمحبة بين الشاب وفتاته. وبالرغم أن النص لا يشير إلى عذرية الفتاة، إلا أنه يمكن افتراض ذلك.

نشيد الأنشاد 1: 3

في هذا الجزء من أغنية الحب الشعرية، تقول العروس وهي تصف عريسها «لرائحة أدهانك الطيبة اسمك دهن مهراق، لذلك أحبتك العذارى (علْماه)». ويشرح چاك دير هذا النص قائلًا «اسم الشخص يمثل صفاته أو سمعته. لذلك كان اقتران اسم سليمان بالدهن والعطر توضح أن صفاته كانت محببة وجاذبة لأن يُحب، لهذا السبب، قالت هي، أن العذارى أحبتك[55].

والنساء الأخريات اللاتي تجذبن للمحبوب بسبب صفاته لم يكنَّ متزوجات بل فتيات يرغبن في تواجد العريس لكن فشلن في ذلك السعي. وكلمة (علْماه) هنا تشير إلى العذرية[56].

نشيد الأنشاد 6: 8

هذا النص يشير إلى ثلاثة فئات من النساء في قصر الملك: الملكة، السريات، والفتيات (علْماه). ويكتب نيسن قائلًا، الملكات بالطبع متزوجات، والسرايا طبقًا للقانون العام مشابهات لزوجات زماننا هذا. أما (الفتيات) فمن الواضح أنهن مختلفات عن المجموعتين من الزوجات، ومماثلات للنساء غير المتزوجات. وهنَّ كنَّ في خدمة الملكة، وسوف يكون مصيرهن أن يتم اختيار بعضهن بعد ذلك كزوجات للملك.

لذلك فمن الطبيعي أن يكنَّ عذارى. وتأكد وهذا من استعراض الأحداث في سفر أستير 2. حيث جمع الملك أحشويرش عددًا كبيرًا من العذارى لكي يختار منهن ملكة جديدة (أس 2: 1- 4). كانت الطهارة ضرورية للغاية لدرجة أن النسوة كن يمارسنَّ طقوسًا خاصة للطهارة تمتد لسنة كاملة (أس 2: 12 و13) قبل الدخول إلى الملك في غرفته. وعذريتهم ليست محل للتساؤل، إنه أمر مفترض.

إشعياء 7: 4

بعد قيامنا بدراسة كلمة (علْماه) في الكتب المقدسة اليهودية، يصل ديك ويلسون إلى استنتاجين مهمين «الأول، كلمة (علْماه) على حد علمنا، لم تستخدم أبدًا للتعبير عن سيدة صغيرة في السن ومتزوجة، وثانيًا طالما أنه من المفترض طبقـًا للقانون العام أن استخدام تلك اللفظة كـان ومـازال يعبـر عن عـذراء طاهـرة، إلى أن يثبـت أنها ليست كذلك. إذن لدينا الحق أن نفترض أن رفقة والـ (علْماه) في إشعياء 7: 14 وكل الأخريات من ذلك الصنف كن عذارى، إلى أن يثبت العكس.

وتوصل الباحث جريثم ماكين في كتابه «المولد العذري للمسيح» إلى نفس تلك النتيجة «لا يوجد في السبعة حالات التي استعملت فيها كلمة (علْماه) في كتابات العهد القديم ما يوحي بأنها استخدمت للتعبير عن امرأة ليست عذراء. ونعترف بأن هذه اللفظة لا تعني مباشرة العذرية، كما توحي لنا كلمة (بتول)، وأنها تعني بالأكثر فتاة صغيرة وهي في سن الزواج، لكن من جهة أخرى ربما يشك الإنسان بالنسبة لاستخدام اللفظ، هل يمكن أن يكون استخدامها طبيعيًا في حالة عدم العذراوية»[57].

ويشاركه في هذا الرأي ويليس بيتشر في مقالته الكلاسيكية «نبوءة الأم العذراء» بقوله «المعاجم اليهودية تقول لنا أن استخدام لفظ (علْماه) هنا، والمترجمة عذراء، ربما تشير إلى أي امرأة شابة، سواء كانت عذراء أم لا. وفيما يختص باشتقاقاتها واستخدامها العام، ربما يكون الحال هكذا، لكن الكتاب المقدس استخدم هذه الكلمة في كل حالة للإشارة إلى عذراء»[58].

وبعبارات أخرى، طالما أن كلمة (علْماه) تشمل داخلها العذرية في النصوص الأخرى التي ذُكرت فيها، لذا يفترض أن استخدامها في نص إشعياء يشمل أيضًا العذرية. سياق هذا النص يُعطي تأكيدات أخرى بأن الـ (علْماه) التي تم التنبؤ بها يجب أن تكون عذراء.

المنظور التاريخي

علامة الميلاد العذراوي أتت في وقت حرج في تاريخ اليهودية، وطبقًا لإشعياء 7: 1 «رصين ملك أرام صعد مع فقح بن رمليا ملك إسرائيل إلى أورشليم لمحاربتها، لكنهما فشلا في ذلك، لكن آحاز ملك يهوذا في ذلك الحين تملَّكه الذعر والخوف وطلب المساعدة العسكرية من أشور لكي يتجنب الهزيمة أمام الجيش الغازي، ويخبرنا نيسن بأن مشكلة هذا الاختيار أن أشور كانت في ذلك الحين كانت قوة غاشمة أنانية، والتحالف معها قد يعني فقدان يهوذا لاستقلالها، ولن يمر وقت طويل حتى يزاح الله من هيكل المقدس وتحل محله آلهة أشور».

ويستمر نيسن في قوله:

قابل إشعياء الملك آحاز ليطمئنه بأن الله سوف ينقذ أورشليم ويحذره من الارتباط بحلف مع أشور، كانت مهمة إشعياء ذات شقين: (أ) الملكان اللذان ينويان غزو يهوذا لم يكونا سوى «شعلتين مدخنتين»، لذا ليس هناك خوف منهما (إش 7: 3- 9). (ب) ولكي يتبين أن إشعياء ليس بالنبي الكاذب وأن الله لديه القوة لأن يخلِّص يهوذا، طُلب من آحاز أن يطلب آية مؤكدة- لكن آحاز رفض (إش 7: 12).

كان آحاز على علم بأنه تورط أمام إشعياء إذا قبل تلك الآية أو العلامة فإن هذا سوف يعرِّضه إلى فقدان شرفه وتحدي الرأي العام الضاغط الذي يدعو لطلب النجدة من الأشوريين، وهذا هو ما كان مصممًا علىه في كل الأحوال… لقد رفض آحاز هذه العلامة بسبب اعتبارات سياسية، وبسبب قلبه غير المصدِّق… وبعد توبيخ آحاز، استمر إشعياء في نقل الرسالة «ولكن يعطيكم (بصيغة الجمع) السيد نفسه آية: ها العذراء (علْماه) تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئىل» (إش 7: 13)[59].

طبيعة هذه العلامة

في هذا النص، تُفهم هذه العلامة بأنها يجب أن تكون فوق العادة، شيء لا يمكن أن يحققه سوى الله ذاته، معجزة. وكما يلاحظ مارتن في قوله «هي معجزة مؤكدة ومؤيدة لكلمة الله».

ولأن آحاز رفض قبول هذه العلامة، يتكلم الله بنفسه عن ماهية هذه العلامة. لذا فإنه من المعقول القول بأنه عندما يأتي الله بعلامته هذه، فإنها سوف تكون ذات طبيعة إعجازية. ويعلق ج. الكسندر على هذا النص قائلًا: «إنه من المستبعد تمامًا بعد إرسال مثل هذا العرض (من الله إلى آحاز)، أن يكون تحقيق هذه العلامة في النهاية من الأمور التي تحدث في العالم كل يوم. هذا الافتراض يتقوى ويتعزز بالوقار الذي نقل فيه إشعياء تلك النبوءة، ليس كأنما هي حدث عادي أو طبيعي، لكن كشيء مثير للدهشة عندما تلقى الرسالة في رؤية»[60].

ويقول هندرسون «من المهم أن نلاحظ أن تلك العلامة (ولكن يعطيكم)، مقدمة إلى جمع من الناس، ومن الواضح أنها ليست مقدمة لفرد واحد وهو آحاز الذي رفض العرض الأول. وفي عدد 13، يقول إشعياء «اسمعوا يا بيت داود» ومن الواضح أن صيغة الجمع التي وردت في عدد 14 مرتبطة بما سبقها في عدد 13. ولأن النص يخبرنا بأن مملكة داود في خطر من جراء الغزو القادم. لذا يمكن لنا القول بأن صيغة الجمع يقصد بها بيت داود الذي عليه تسلُّم هذه العلامة[61].

والآن إذا أصبحت سيدة ما حاملًا بالطرق الطبيعية، فهذا لا يحقق شروط العلامة المعجزية. چون كالفن المصلح الكبير يصيب الهدف في هذا الشأن عندما يقول: ما هو الأمر الغريب إذا قال النبي أن امرأة قد حملت من جراء علاقتها الجنسية برجل؟ إنه من السخف أن نعتبر تلك علامة ذات صفة إعجازية. دعنا إذن نفترض أن النصّ يدل على فتاة صغيرة سوف تصبح حاملًا بالطريقة المعتادة، كل إنسان سوف ينظر باحتقار إلى هذا النبي، بعدما قال ذلك. لذا فمن الواضح تمامًا أنه يتكلم عن عذراء ستحبل وتلد، ليس بالطريق العادي الطبيعي ولكن بقوة وتأثير الروح القدس[62].

والفحص الدقيق لبعض الألفاظ المحددة في نص إشعياء 7: 14 تعزز رأي كالفن. الكلمة المكتوبة باللغة العبرية وهي (h-r-h) والتي تترجم «تحبل» في إشعياء 7: 14، ليست فعلًا أو اسم فاعل، لكن صفة أنثوية مرتبطة مع اسم فاعل وتدل على أن المنظر واضح في عين النبي. وهذا يعني أن تلك الكلمة واستخداماتها تشابه ما أبلغه الملاك لهاجر في البرية قبل عدة قرون ماضية: «ها أنت حبلى فتلدين ابنًا» (تك 16: 11). وبالاختصار، يجب ترجمة نص إشعياء 7: 14 بالشكل الآتي «ها العذراء سوف تحمل وتلد ابنًا».

يعلق على ذلك هندسون:

من الواضح أن اللفظة (h-r-h) تشير هنا إلى الزمن المضارع.. والنظر إلى الزمان مهم جدًا في تفسير هذه الكلمة وكذلك النصّ. إذا كانت كلمة (علْماه) تعني «عذراء» وإذا كانت هذه الفتاة حامل وعلى وشك ولادة طفل، لذا فهذه الفتاة مازالت عذراء، بالرغم أنها أصبحت أم. تأمل في قدر التناقض الذي يمكن أن يحدث لو لم يشر هذا النص إلى ولادة طفل من عذراء للمرة الأولى في التاريخ -وهو يسوع المسيح. العذراء حامل!

كيف يتسنى لها أن تكون حاملًا وهي مازالت عذراء؟ المعنى يدل على أن هذا الطفل سوف يكون معجزة وهو مولود بلا أب، وبالرغم من حمل الأم فإنها مازالت عذراء. الكلمة (علْماه) «عذراء» تدل على صيغة الزمن المضارع مشابهة ذلك كلمة (h-r-h). إذا كانت صيغة النص في زمن المستقبل، فليس هناك ضمان أن هذه العذراء سوف تلد ابنًا (في المستقبل)، سوف تظل كما هي عذراء، وليست زوجة. لكن إذا كان هناك (عذراء) ومعها (ابن)، لا يمكن لنا أن نتهرب من استنتاج أن هذه ولادة عذرية[63].

ويستخلص نيسن من ذلك: «تعطينا العلامة في (إشعياء 7: 14) ما يفوق ما تقدمه لنا الطبيعة. إنها لم تكن عرضًا بلا معنى، لكنها علامة متوافقة مع المناسبة ومتصلة بموضوع استمرار دوام عائلة بيت داود المهددة بالانقراض بسبب الغزو الوشيك. أصعب العلامات التي يتقدم بها الله في تلك المناسبة هي استحالة بيولوچية -وهي الحمل الإعجازي لامرأة عذراء. وأصعب العلامات التي يمكن أن يعطيها الله ولها صلة باستحالة بيولوچية -الحبل المعجزي لابن من فتاة عذراء بالمعنى البيولوچي للكلمة.

دليل إضافي خاص بالترجمة

الكلمة المقابلة لعذراء في اللغة اليونانية هي كلمة παρθένος- بارثينوس- عذراء، وباللغة اللاتينية «فيرجو». وإحدى الكلمات باللغة العبرية والتي تستعمل كثيرًا هي (betfl-h) أو «بتولاه»، وإذا كانت هذه الكلمة الأخيرة تعني عذراء أم لا، فإنها دائمًا ما كانت تفهم من واقع النصّ. ويلاحظ ديك ويلسون الآتي:

في الترجمة السبعينية لنص إشعياء 7: 14 والذي ظهر قبل مولد المسيح بحوالي 200 سنة، بينما اقتباس القديس متى لنفس النصّ في مت 1: 23 كان في منتصف القرن الأول الميلادي، ترجمة البشيتا السيريانية ظهرت في القرن الثاني الميلادي، والفولجاتا اللاتينية للقديس چيروم ظهرت في سنة 400م، كل هذه المصادر تقرن كلمة (علْماه) بـ (بارثينوس) أي عذراء أو مشتقاتها الأخرى مثل (بتولاه)، (فيرجو). وقد كانت ترجمة كلمة (علْماه) باعتبارها عذراء مقبولة عند اليهود حتى زمن اقتباس متَّى للنص[64].

ويكتب هنري موريس في نفس النقطة:

«العلماء الذين ترجموا العهد القديم إلى اللغة اليونانية السبعينية استخدموا الكلمة اليونانية المقابلة لعذراء في ترجمة إشعياء 7: 14. وكذلك هو ما فعله متى عندما استعار هذه الآية في (مت 1: 23) عندما تمت النبوءة بالفعل بولادة يسوع المسيـح من عـذراء[65].

ويتفق مع هذا الرأي ب. وزرنتون: «من الصواب أن نقول أن كلمة (علْماه) لا تعبر مباشرة عن أنها عذراء، لكن من الصعب بل ومن المستحيل تصوُّر السبب الذي دفع المترجمين للكتاب المقدس السبعيني إلى استخدام كلمة بارثينوس للتعبير عن (علْماه)[66]؟.

لذلك فإن هذا الدليل يوضح بما لا يدعو مجالًا للشك أن (علْماه) في نبوءة إشعياء تعبر عن فتاة عذراء صغيرة. ولا يوجد أي نوع من الفهم يمكن أن يبرر ترجمة تلك الكلمة بذلك الأسلوب سواء كان اجتماعيًا أو تاريخيًا.

ما هي الـ (علْماه)؟

طالما أننا قد حددنا بأن (علْماه) ليست سوى فتاة عذراء في سن الزواج والتي تصبح حاملًا بوسائل تفوق الطبيعة، لذا يمكن لنا بكل اطمئنان أن نستنتج بأن هذه الشروط انطبقت على العذراء مريم أم يسوع المسيح. وهندسون على حق عندما كتب «ليس هناك سوى مريم التي تستطيع أن تحقق اشتراطات تلك النبوة، فالعذراء ليست هي زوجة إشعياء، وليست زوجة آحاز أو حزقيال، أو أي فتاة أخرى. أن العذراء مريم هي الوحيدة التي سُجِّلت في التاريخ والكتب المقدسة وينطبق عليها ذلك»[67].

بعض دارسي الكتاب المقدس يدَّعون عكس هذه الآراء، ويحاولون تفسير نبوءة إشعياء بأنها «كانت علامة مقدمة من الله إلى الملك آحاز توضِّح قرب غزو مملكة إسرائيل الشمالية ويهوذا الجنوبية بواسطة ملك أشور- ولأن هذه العلامة تخصُّ آحاز، لذا فإنه من المنطقي أن نستنتج بأن الميلاد سوف يكون في زمن الملك آحاز. لذلك، فإن هذا يستلزم تحقيق جزئي لنبوة إشعياء 7: 14[68].

بينما يبدو هذا الرأي معقولًا للبعض، إلا أنني أعتقد بأنه ينتهك عددًا من النقاط.

أولًا، لكي ينجح هذا الاتجاه يجب أن نعتبر أن (علْماه) لا تعني العذرية في نص إشعياء 7: 14، وإلا فإن مؤيدي هذا الرأي سوف يواجهون بأمر مستحيل: ولادتان عذراويتان حدثتا في التاريخ- واحدة أثناء حياة آحاز والأخرى الخاصة بأم يسوع. لكن توصَّلنا من قبل إلى الدليل القاطع المعارض: الأدلة توضح بكل جلاء أن (علْماه) في نبوة إشعياء تعني فتاة عذراء صغيرة في سن الزواج، وليس مجرد فتاة صغيرة، فـ (علْماه) هي بالتحديد عذراء تحبل.

ثانيًا: التحقيق العاجل الذي يدعونه لا يأخذ في حسبانه بشكل جدي الأزمنة النحوية التي وردت في نص إشعياء 7: 14، والتي تصل بنا إلى اعتبار كلمة (علْماه) هي في نفس الوقت عذراء حامل.

ثالثًا، طبيعة العلامة في إشعياء 7: 14 لها خاصية تفوق الطبيعة فإن حمل امرأة بواسطة العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة لا تكفي لتوثيق وإثبات كلمة الله. من المطلوب حدوث معجزة، وولادة طفل من فتاة عذراء هي المعجزة.

رابعًا، من السياق الأكبر لنص النبي إشعياء في الفقرات 6- 12، نستنتج أن عمانوئيل وهو الطفل الذي وُلد من رحم عذراء، يجب أن يكون إنسانًا إلهيًا وليس مجرد إنسان (انظر إش 9: 6، 7، 11: 1- 16). وليس هناك غير يسوع المسيح الناصري.

وأخيرًا، فإن النبوءة التي أُلقيت على مسامع الملك آحاز في (إش 7: 14)، كرئيس مؤقت على بيت داود الملكي ومن سوف يليه من نفس البيت. وجزئيًا، هذه النبوة صدرت لتبين لآحاز ومن يلحقه أن بيت داود سوف يستمر ويعيش إلى الأبد. وهذا يدعِّم رأي حدوث تتميم النبوة في المدى البعيد وليس القريب. ويؤكد الباحث شارلز فيبنرج هذه النقطة بقوله:

كان آحاز ورجال بلاطه في خوف دائم من انقراض بيت داود وإحلاله بالحكم الأشوري. مع ذلك، كلما طال الزمن اللازم للوفاء بذلك الوعد لبيت داود، كلما طالت مدة بقاء هذه السلالة الملكية لترى بعينها تحقيق هذا النبوة وهذا ما عبَّر عنه الأستاذ الكسندر أفضل تعبير: «… أن التأكيد بأن المسيح سوف يولد في يهوذا، ومن العائلة الملكية، ربما تكون علامة لآحاز، بأن مملكته لن تنتهي في عهده، وأن تحقيق هذه العلامة سيكون في زمن بعيد.

وكلما بعُد الوعد كلما كان تحقيقه قويًا في استمرارية يهوذا. لذا فإن هذا الاستنتاج لا مفر منه. ليس هناك أساس قوي، سواء نحويًا، أو تاريخيًا، أو منطقيًا للشك في المعنى الحقيقي، وهو أن الكنيسة في كل أجيالها كانت على حق في اعتبار هذا النصّ كعلامة وتنبؤ واضح للحبل المعجزي ومسقط رأس يسوع المسيح»[69].

لذلك يمكن لنا أن نتفهم عقيدة ولادة السيد المسيح المعروضة في العهد الجديد وارتباطها بالتعليم والنبوءات التي كُتبت في أسفار العهد القديم.

شهادة آباء الكنيسة الأولى

من الأمور المهمة في تاريخ الكنيسة الأولى هو الاعتقاد في عذراوية الميلاد في شهادات الآباء الأولين. في سنة 110م، كتب أغناطيوس أسقف مدينة أنطاكية السورية في كتابه «رسالة إلى الأفسسيين 18: 2» قائلًا «لأن إلهنا يسوع المسيح كان.. حبل به في رحم مريم.. بالروح القدس». وكتب أيضًا «الآن فإن عذراوية مريم، ومن وُلد منها.. هي من الأسرار والغوامض التي يُنطق بها في كل أنحاء العالم، لقد صنع الله ذلك سرًا»[70].

وأغناطيوس استمد تعليمه من يوحنا الرسول.

يقول إريكسون بأن أغناطيوس بكلامه هذا كان يعارض جماعة من الناس يدعون الدوسيتيين، هؤلاء الناس كانوا ينكرون طبيعة المسيح البشرية وأنه إجتاز فعلًا ولادة بشرية وعانى من الآلام. بالنسبة لهم كان يسوع قدوسًا لكن ليس إنسانًا. فتحدَّى أغناطيوس هذه الهرطقة بإصداره «ملخص الحقائق الخاصة بالمسيح». من ضمن تلك الحقائق كان «الاعتقاد بدوام عذراوية القديسة مريم كأحد الأسرار التي لا يُنطق بها».

وتبعًا لما يقوله إريكسون:

هناك عدد من الملاحظات تجعل من هذا الاعتقاد شأنًا أعظم:

(1) لأن أغناطيوس كان يكتب معارضًا هذه الجماعة، فإن تعبير «مولود من امرأة (كما في غلاطية 4: 4) مفيد له أكثر من «مولود من عذراء».

(2) أن هذا الاحتجاج لم يكتبه إنسان مبتديء، لكن كتبه أسقف الكنيسة الأولى لمسيحيي الأمم.

(3) كتب هذا في حدود سنة 117م. وكما يلاحظ جريشام ماكين عندما قال: «عندما نجد أن أغناطيوس يُصدِّق على الميلاد العذراوي ليس كأمر جديد لكن كأمر بديهي، كأحد الحقائق المقبولة الخاصة بالمسيح، ومن الواضح أن الاعتقاد في الميلاد العذراوي كان سائدًا قبل نهاية القرن الأول»[71].

ويكتب كليمنت روجرز:

«لدينا دليل آخر يوضح أن الإيمان الذي جاهر به أغناطيوس لم يكن جديدًا عليه. لأننا نعلم بأن ميلاد المسيح العذراوي الذي يؤمن به المسيحيون كان يُهاجم من الآخرين. فمثلًا كان هناك سيرينيوس المعارض المعاصر للقديس يوحنا، ويقال أن يوحنا تقابل مع هذا الرجل في الحمامات العامة وصاح: «دعنا نهرب لكي لا ينطبق علينا الحمَّام بسبب تواجد سيرينيوس، عدو الحقيقة، المتواجد هنا». هذا الرجل، كما أخبرنا إيريناوس كان يُعلِّم بأن المسيح وُلد من علاقة يوسف بمريم[72].

وهناك أيضًا شهادة بعض الكُتَّاب الذين ظهروا بعد أيام الرسل، ومنهم أرستيدس الذي كتب في سنة 125م عن الميلاد العذراوي:

«هو ابن الله في الأعالي، والذي تصوِّر في الروح القدس، أتى إلينا من السماء، ووُلد من عذراء عبرانية وأخذ جسدا ًمنها… وهو الذي حسب الجسد وُلد من جنس العبرانيين، بقوة الله التي حلَّت على العذراء مريم»[73].

ويعطينا ق. يوستينوس الشهيد في سنة 150م دليلًا مطولًا عن الحبل المعجزي ليسوع:

«معلمنا يسوع المسيح، لم يولد نتيجة لتزاوج جنسي… نزلت قوة الله على العذراء وظللتها، وجعلتها وهي مازالت عذراء حاملًا… لأنه، بقوة الله حُمل به من عذراء… بإرادة الله، ولد ابنه يسوع المسيح من العذراء مريم»[74].

ويضيف ايضًا: ذا كان سيولد عن طريق اتصال جنسي مثل اي ابن بكر، فلماذا يعلن الله بإسلوب مهيب انه يعطينا علامة غير مألوفة لاي ابن بكر! اما هذه العلامة الحقيقية والبرهان الدافع هو أن بكر كل خليقة سيولد من رحم عذراء[75].

كان ترتليان من أبرز المتكلمين باللغة اللاتينية والذي أعتنق المسيحية وكان مدافعًا عنها، يخبرنا أن تلك العقيدة لم توجد فقط في أيامه (200م) بل إنه اعتقاد مسيحي كانت تأخذ به كل الكنائس. وقد اقتبس هذه العقيدة أربع مرات (مريم العذراء)[76].

 

14- وردت في متى 2: 1-10 قصة مجيء المجوس إلى أورشليم برؤية نجم المسيح في المشرق، وقيادة النجم لهم بأن تقدَّمهم حتى جاء ووقف فوق الصبي، وهذا غلط، لأن حركات الكواكب السيارة، وكذا الحركة الصادقة لبعض ذوات الأذناب هي من المغرب إلى المشرق؟!

كان ظهور النجم علامة معجزية من الله ولذلك فإنه من الطبيعي الا يتوافق مع معطيات علم الفلك الطبيعية، ولو انه توافق مع معطيات علم الفلك ولم يكن ظهوره وحركته شيئًا غريبًا لما تبعه المجوس.

فالنجم هُنا لا يجب تفسيره بالمعاني العلمية الخاصة بعلم الفلك مثل مولد نجم أو التقاء كوكبي، لكنه بالأحرى تدخل الله المعجزي[77]. فالمحدود لن يقدر على استيعاب الغير محدود، فالله كثيرًا ما يتدخل مُخترقًا ومتجاوزًا حدود الزمن والمكان بطريقة لا نستطيع تفسيرها لأنها معجزة فوق الأمور الطبيعية المعتادة التي نستطيع فحصها بالمنطق والعلوم التحليلية.

 

15- في مت 2: 2، كيف يبارك الرب عمل المجوس ويقودهم عن طريق نجم، بينما الكتاب المقدس يرفض العرافة التنجيم (لا19: 26، تث18: 10، اش8: 19)؟

الله قد حرم في هذه النصوص عبادة النجوم، والاتكال عليها لمعرفة الأزمان وما إلى ذلك.

ولكن الأمر يختلف في موضوع ظهور النجم للمجوس لان الله استخدم العلوم التي يعرفونها جيدًا ليعلن من خلالها لكل الأمم عن ميلاد المسيا المُخلص.

فهذا النجم لم يكن ظاهرة طبيعية، لكنه كان حقيقة خارقة للطبيعة، ومشابهة لعمود السحاب الذي كان يهدي بني إسرائيل في زمن موسي (خر13: 21).

انظر ردنا على مت2: 1

 

16- متى 2: 6 تخالف ميخا 5: 2

ق. متى كان يستخدم النصوص بحرية كبيرة، فهو يستخدم النص لكي يُعبر عن إيمانه بمسيانية يسوع، وسبب استخدام متى لهذا النص تحديدًا هو انه تُرجِمَ كنص مسياني عند كل الرابيين اليهود القدامى والمُحدثين[78]. فمتي الإنجيلي هُنا يضع النص في معناه المسياني، وهذا الأسلوب هو المُتبع عند كل مُعاصريه من اليهود وذلك واضح من أسلوب كتابة الترجوم على أسفار العهد القديم.

فمثلًا، ترجوما يوناثان واونكيلوس اوردا النص كالاتي: [منك يخرج لي المسيا الملك الذي يكون متسلطًا…].

 

انظر أيضًا ردنا على: مت2: 15، مت 2: 17، 18.

 

17- كيف تكون نبوة هو 11: 1 والتي اقتبسها متى (مت 2: 15)، نبوة مسيانية؟

ينبغي ألا يغيب عن ذهن القارئ أن الرمزية في الكتاب المقدس هي علم قائم بذاته كتب عنه العلماء العديد من الكتب لا يمكن حصرها، فدراسة الرموز في الكتاب المقدس يفيد جدًا استنتاج الشخص أو الحدث المُراد الحديث عنه بصورة رمزية، ومن ثم يعتبر الرمز على مستوي النبوءة. واغلب إشارات العهد القديم عن المسيا والتي استخدمها متى البشير هي من هذا النوع، ليست نبوات مباشرة.

بكلمات أخرى، أن العنصر التنبؤي لا يوجد بصورة مباشرة في المقام الأول في المقطع المُقتبس من العهد القديم، لكن على خلفية حياة المجتمع الإسرائيلي وتاريخه. هذا النوع من المقاطع الكتابية يشير قبل كل شيء إلى أحداث في الماضي أكثر منها في المستقبل[79]. فالقديس متى هُنا يُحقق الآية التي تخص شعب إسرائيل على إسرائيل الحقيقي الذي هو المسيا.

-انظر أيضًا ردنا على مت 2: 6، مت 2: 17، 18

 

18- ورد في متى 2: 17 و18 حينئذ تمّ ما قيل في إرميا النبي القائل.. وهذا أيضًا غلط وتحريف من الإنجيل، لأن هذا المضمون وقع في إرميا 31: 15، عن حادثة بختنصر التي وقعت في عهد إرميا

نعم أن نبؤة ارميا هذه ليست نبؤة مباشرة عن أطفال يقتلون بواسطة هيرودس، ولكن عندما تقول النبوة (راحيل تبكي على أولادها)، فراحيل هُنا لا تبكي على أطفال بيت لحم بل على شعب إسرائيل المسبي خارج ارضه، وهكذا أيضًا المسيا الذي سُبي خارج أرضه عندما ذهب عنوة إلى مصر، فالقديس متى هُنا –مثل بقية مسيحيين عصره- يري في السيد المسيح إسرائيل الحقيقي، ولهذا وجد في هذه النبوة التي تتحدث عن سبي شعب إسرائيل انها تتحدث عن سبي إسرائيل الحقيقي أيضًا خارج أرضه.

-انظر أيضًا ردنا على مت2: 6، مت 2: 15

 

19- في متى 2: 19 أن هيرودس الملك مات لما كان المسيح طفلًا في مصر، بينما يؤكد لوقا 23: 8 أن هيرودس كان حيًّا بعد ذلك بأكثر من ثلاثين سنة، وأن المسيح مثُل أمامه للمحاكمة

هيرودس الذي يتحدث عنه ق. متى هُنا هو هيرودس الكبير والذي كان ملكًا على اليهودية من 37 ق. م إلى 4 ق. م[80]. ولا عجب في ذلك لان يسوع لم يولد في سنة 1 م بل ولد قبل ذلك في سنة 5 أو 6 ق. م، وقد حدث هذا الخطأ بسبب الراهب دينيس الذي أرخ لبداية التقويم الميلادي من سنة 754 لتأسيس روما، وهذا خطأ.

ويُعرف أيضًا هيرودس الكبير هذا بهيرودس الأول، والذي كان واليًا على اليهودية[81]. والذي كان معروفًا بأنه شخص مجنون وقتل الكثير من الرابيين اليهود وحتى من عائلته[82]، هو صاحب العقل الشرير الذي يرغب في تدمير كل شيء يقف أمام مملكته وطموحاته[83]. وكما يقول ق. متى فقد ملك ابنه ارخيلاوس عوضًا عنه[84].

وهُناك هيرودس آخر وهو الذي يتحدث عنه ق. لوقا (وهو المذكور أيضًا في مت 14) وهو الذي قتل يوحنا المعمدان وفي عهده صُلِبَ المسيح وهو هيرودس انتيباس، أو هيرودس انتيباتيروس بحسب النطق اليوناني، وكان هو الحاكم من 4 ق. م حتّى سنة 39 م على منطقة الجليل وبيريا، وقد كان هو الابن الأكبر لأبيه هيرودس الكبير من زوجته ملثاكا[85].

وهُناك أيضًا هيرودس اغريباس ابن ارسطوبولوس وحفيد هيرودس الكبير وهو الذي حكم الجليل وبيرية عام 39 م خلفًا لعمه هيرودس انتيباس، وبعد ذلك عينه كلوديوس ملكًا على اليهودية والسامرة وبهذا أصبح ملكًا على كل فلسطين. وهو الذي قطع رأس يعقوب وسجن بطرس أع 12 ومات عندما ضربه ملاك الرب بحسب ما جاء في سفر الأعمال (أع 12: 19 وما بعدها)[86].

 

ويوجد أيضًا أخرين باسم هيرودس ومن نفس عائلة هيرودس الكبير، لكن هؤلاء هم الملوك الثلاثة باسم هيرودس الأساسيين في العهد الجديد.

 

20- ورد في إنجيل متى2: 23 وأتى وسكن في مدينة يُقال لها ناصرة، لكي يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيُدعَى ناصريًا، وهذا غلط، ولا يوجد في كتاب من كتب الأنبياء

كان يُشار إلى المسيحيين بحسب ما جاء في سفر الأعمال بأنهم ناصريين كنوع من الإزدراء (أع 5: 24)، ففي القرن الأول كان المسيحيين القارئين لإنجيل متى الذين ذاقوا أنواعا من الاحتقار والسخرية، كان في استطاعتهم أن يفهموا سريعًا قصد ق. متى هُنا. فهو لم يقل انه يوجد نبي من أنبياء العهد القديم قال ذلك حرفيًا أن المسيح سوف يعيش في الناصرة!

لكنه يقول إن أنبياء العهد القديم تنبأوا أن المسيا سيكون مرزول ومُحتقر (انظر: مز 22: 6- 8، 69: 8، 20- 21، اش 1: 1، 49: 7، 53: 2- 3، دا 9: 26). فقد أختار ق. متى موضوع قد تمت إعادته مرارًا وتكرارًا لكي يربطه بموطن المسيح الذي هو أيضًا موطن لكل شخص مُزدري به. فهنا ق. متى يعطينا فحوى مجموعة نصوص من العهد القديم وليس نص واحد صريح عن الأمر[87].

لقد أورد القديس متى 11 نبوة تحققت في المسيح (انظر 1: 23، 2: 15، 2: 18، 2: 23، 3: 3، 4: 15، 8: 17، 12: 8- 21، 13: 35، 21: 5، 27: 9)، كلها أتت بها كلمة الأنبياء بصيغة المُفرد، عدا هذه الآية التي ندرسها الآن هي الوحيدة التي استخدم فيها صيغة الجمع[88]. فصيغة الجمع هذه معناها أن هذا النص ليس حرفيًا، بل هو شهادات متواصلة تتخلل أسفار الأنبياء عن المسيا المُحتقر، لخصها ق. متى بقوله (سيُدعي ناصريًا).

فعندما يقول القديس متى لفظ (الأنبياء) وليس (النبي)، فهو لا يقصد نبي مُحدد، ولكن فحوى نبوات الأنبياء الذين تحدثوا أن المسيا سيكون مُحتقر، ذلك لان الناصرة كانت مقر الحامية الرومانية للمناطق الشمالية من الجليل، ولذلك نظر اليهود إلى سُكانها على أنهم مجموعة من المتنازلين المُتعاملين مع الأعداء[89]. فكان قادة اليهود دائمي السؤال: امن الناصرة[90] يخرج شيء صالح؟ (يو1: 46)، لكن ق. متى رد على اعتراضهم بأن أظهر المعني الإلهي في اختيار الناصرة كموطن للمسيح. فكان ق. متى دائمًا ما يجاوب اليهود على اعتراضاتهم من ثقافتهم الخاصة[91] (أي من العهد القديم وتعاليم الرابيين).

 

ولذلك يكتب ق. جيروم:

لو وجدت هذه الآية في الكتاب المقدس، لما قال: لأنه قيل بلسان الأنبياء. بل لقال صراحة: لأنه قيل بلسان النبي. والآن، بكلامه العام على الأنبياء بعامة، أظهر انه لم يأخذ الكلام حرفيًا، بل استعمل المعني العام للكتاب المقدس[92].

 

21- ورد في متى 3: 14 أن المسيح أتى إلى يوحنا ليعتمد منه، فمنعه يوحنا! ثم اعتمد المسيح وصعد من الماء، فنزل عليه الروح مثل حمامة، وورد في يوحنا 1: 33 وأنا لم أكن أعرفه (وعرفتُه بنزول الروح مثل حمامةٍ ونارٍ)، وفي متى 11: 3 لما سمع يوحنا بأعمال المسيح أرسل اثنين من تلاميذه يسألونه: أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟، في الأول عرف يوحنا قبل نزول الروح، وفي الثاني عرفه بعد نزول الروح، وفي الثالث لم يعرفه بعد نزول الروح.

صحيح انه مكتوب في إنجيل ق. متي: وَلَكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ قَائِلًا: «أَنَا مُحْتَاجٌ أن أَعْتَمِدَ مِنْكَ وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ!» (مت 3: 14)، ولكن أيضًا نقرأ في إنجيل ق. يوحنا: وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلًا إِلَيْهِ، فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ! 30 هَذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: يَأْتِي بَعْدِي، رَجُلٌ صَارَ قُدَّامِي، لأنه كَانَ قَبْلِي. (يو1: 29- 30)، ففي النصين السابقين نري أن يوحنا المعمدان عرف المسيح قبل أن يُعمده ويري الروح نازلًا عليه.

 

لكن ماذا عن النص الذي يقول فيه انه لم يكن يعرفه! (يو1: 33)، هُنا ق. يوحنا لا يقول انه لم يكن يعرفه بمعني انه يجهله ولكن انه لم يكن يعرفه بمعني انه لم يكن ليتأكد انه هو ويخبر الشعب بذلك إلا بعلامة إلهية، فيوحنا المعمدان هنا لا ينفي انه كان يعلم هويته، ولكنه يقول انه ما كان ليُخبر عن معرفته هذه للشعب إلا أن كان الله سبق وأعلن ذلك لهم.

وهذا ما أخبرنا به ق. يوحنا فم الذهب إذ يقول: [نعم أن شهادة المعمدان كانت فوق كل شبهة، لكن لرغبته في أن تكون أهلًا للتصديق أكثر من غيرها، رفعها الله كشهادة من الروح القدس ذاته، وأيضًا هو يصف جهله به في الزمان السابق إذ كان يوحنا يعيش بعيدًا في البرية وليس في زمان المعمودية نفسه (إذ قال انا لم أكن اعرفه ولم يقل انا لم اعرفه إلا بعد نزول الروح القدس)[93]]

أما سؤال يوحنا الأخير عن المسيح، فهو سؤاله كيهودي مُتعثر في شخص المسيح، إذ كان ينتظر المسيا الملك الذي سيُعيد المُلك لإسرائيل بينما يفاجًا بالمسيا الذي يدعو للخلاص ومغفرة الخطايا.. فهو ليس سؤال عن جهل بشخص المسيح ولكنه سؤال عن تعثر في رسالته التي كان ينتظرها أرضية سياسية فيفاجأ بأنها دينية سماوية.

 

22- جاء في متى 3: 15 قول المسيح للمعمدان بخصوص معمودية المسيح اسمح الآن لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر، وهذا يعني أن بعض الفرائض الدينية وخاصة المعمودية لا فائدة منها ولا معنى روحي لها؟

أولا: المسيح هُنا يقول ليوحنا اسمح أن نكمل كل بر (3: 15)، فقد وصف هذا العمل أولا بالبر.

ثانيًا: السيد المسيح قال ذلك عن نفسه هو لأنه لم يكن محتاجًا إلى المعمودية إذ هو بلا خطيئة (عب4: 15، 1يو3: 5، 1بط2: 22، يو8: 46)، فشخص السيد المسيح نفسه ليس محتاجًا للمعمودية بل قام بها من أجلنا أي لكي يؤسس لنا طريق وسر المعمودية.

ثالثًا: المسيح نفسه أوصى التلاميذ وفي ذات الإنجيل أن يعمدوا كل من يتتلمذ على أيديهم باسم الأب والابن والروح القدس (مت28: 19)، فكيف تكون المعمودية بلا قيمة وقد أوصي بها يسوع كأخر وصية للتلاميذ قبل صعوده؟!

 

23- في مت 3: 16، لماذا انتظر المسيح حتّى وصل إلى سن الثلاثين لكي يحصل على نعمة الروح القدس في معموديته على يد يوحنا المعمدان؟ بينما يوحنا المعمدان كان مملوء من الروح القدس من وقت الحبل به (لو1: 15)!

المسيح لم يحصل على الروح القدس وقت معموديته، لان يوحنا المعمدان أعلن ذلك حين قال له: وَلكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ قَائِلًا: «أَنَا مُحْتَاجٌ أن أَعْتَمِدَ مِنْكَ، وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ!» فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «اسْمَحِ الآنَ، لأنه هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أن نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ». حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ. (مت3: 14، 15).

لكن معمودية المسيح كانت استعلان لان هذا هو المسيا الآتي، فنزول الروح عليه لم يكن لتقديسه لأنه ولد بالروح القدس (مت1)، وجسده مقدس لأنه مولود بالروح القدس ومتحد بالله الكلمة، إلا أن معموديته كانت مجرد إشارة على أن هذا هو الشخص المميز المنتظر أو المسيا الآتي.

ولم تكن فقط لإستعلان الله الإبن بل أيضًا لان تكون إشارة إلى تقديس أو بدء وتأسيس المعمودية لمن سيتبعون يسوع ويعتمدون على مثاله، فيكتب ق. كيرلس الأورشليمي:

لقد قدس يسوع المعمودية باعتماده بنفسه، أن كان ابن الله قد اعتمد فكيف يمكن أن يكون ورعًا من يحتقر العماد. انه لم يعتمد لنوال غفران الخطايا إذ هو بلا خطيه. لكنه إذ هو هكذا بلا خطيه اعتمد ليهب المعمدين نعمه سماوية علويه (عب 2: 14). حتّى إذ تشاركنا بحضوره في الجسد نصير شركاء معه في نعمته الإلهية. هكذا اعتمد يسوع لكي شركنا معه نتقبل الخلاص والكرامة[94] .

 

24- اختلف البشيرون في رواية خبر الصوت الذي سُمع من السماء وقت نزول الروح القدس على المسيح، فقال متى 3: 17 هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت، وقال مرقس 1: 11 أنت ابني الحبيب الذي به سُررت وقال لوقا 3: 22 أنت ابني الحبيب الذي بك سُررت؟

من الطبيعي عدم إلتزام الكاتب بالحرفية فيما يكتب. فمثلًا في قصة عماد المسيح يذكر القديس متى أن صوتًا من السماء قال: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت (مت 3: 17)، بينما بحسب رواية لوقا فإن هذا الصوت قد قال: انت ابني الحبيب الذي به سررت (لو 3: 22). كذلك يختلف الأمر بين البشائر الاربعة حين يذكرون النص الذي كتب وعلق على صليب السيد المسيح، فبينما يقول متي: [هذا هو يسوع ملك اليهود]، يقول مرقس: [ملك اليهود]، ويكتب لوقا: [هذا هو ملك اليهود]، ويختم يوحنا: [يسوع الناصري ملك اليهود].

وحدث نفس الأمر أيضًا في الصلاة الربانية وفي نصوص أخرى كثيرة في الكتاب المُقدس بعهديه. وهكذا تعامل الاباء مع النص الكتاب المُقدس فقد كانوا عادة ما يتلونه من الذاكرة، فيشير القديس جيروم عدة مرات إلى أن مسيحي القرون الاولي، بما فيهم الرسل والبشيرين، في إقتباسهم للعهد القديم لم يحتسبوا حرف الكتابات المُقدسة بنفس العقيدة الخرافية التي كانت منذ البداية تُميز الموقف اليهودي تجاه تقديسه لحرف النص، لقد فهم الاباء أن الحرف له قيمة فقط من خلال معناه، وأن الكتاب إنما كُتِبَ للإنسان، وليس الإنسان للكتاب.

هذه الطريقة في رؤية الكُتب المُقدسة ظاهرة بوضوح في إقتباسات العهد الجديد في كتابات الكُتاب الكنسيين الأوائل، فهم ليسوا فقط يقتبسون من الذاكرة بشكل تقريبي، بل أنهم يستخدمون غالبًا الإشارات الضمنية بدلًا من الإقتباسات الدقيقة. ويبدو واضحًا أن ما نظروه في النص كان معني أعمق لا يُمكن أن يتأثر بأي شكل من التغيرات النصية[95]. لأن المسيحية ليست مبنية على نص لكنها متأسسة على شخص المسيح وهي التي كرز بها الرسل وعبروا عنها بإسلوبهم، وكان روح الله يعمل فيهم حتّى لا يخطئوا في إيصال القصد من الرسالة، وليس أن يكتبوا نفس الرسالة وكأنها اقتباسات نصية مجردة من بعضهم البعض.

 

25- هل في معمودية المسيح المذكورة في مت3: 16- 17 عند الظهور الالهي، هل هذا يعني أن الأب والابن والروح القدس هم ثلاثة اشخاص منفصلين؟

طبيعة الله هي طبيعة واحدة بسيطة، وبسيطة تعني انها غير مركبة من اجزاء، فالاقانيم ليسوا اجزاء في الله وكأن الإبن هو جزء من الله والاب هو جزء اخر وهكذا.. هذا فهم مشوه عن طبيعة الله الثالوث. ويكتب ق. اثناسيوس الرسولي: الثالوث المبارك لا يتجزأ، وهو واحد في ذاته، لأنه حينما ذ ُكر الأب ذُكر الإبن الكلمة والروح القدس الذي في الإبن، وإذا ذُكر الإبن فان الأب في الإبن، والروح القدس ليس خارج الكلمة لأن الأب نعمة واحدة تتم بالإبن في الروح القدس، وهناك طبيعة إلهية واحدة[96].

فالله غير مكون من اجزاء وغير قابل للتجزئة وكل اقنوم هو كل ما هو الله منذ الازل لان فيه ومعه الاقنومين الآخرين في احتواء متبادل بغير انفصال.

وهذا ظهر جليًا هُنا في حدث المعمودية إذ أن الإبن المُتجسد أظهر انه غير مُنفصل عن الأب والروح القدس إذ هم متواجدون معه كما هم معه وفيه دائمًا، ولذلك يكتب ق. امبرسيوس: نحن نقول إله واحد ونعترف بالآب والإبن. لقد كُتِبَ (احبب الرب إلهك ولا تعبد سواه. تث 10 : 20) اما يسوع فقد رفض انه منفرد بنفسه إذ قال (لا اكون وحدي لان الأب معي. يو16: 32). ليس هو وحده الآن لإن الأب يشهد انه حاضر معه. الروح القدس حاضر (ايضًا). لان الثالوث غير منفصل[97] .

والظهور في هيئات جسدية حيث الابن متجسد ومتحد بجسد المسيح والروح القدس ظاهر في هيئة حمامة والله الأب ظاهر كصوت من السماء، هذا لا يحد طبيعة الله الغير محدودة والموجودة في كل مكان، ولكنه مجرد اعلان حتّى يستطيع أن يستوعبه ويتفهمه البشر، ولا يعني أن الله في طبيعته هو هكذا حمامة وجسد انسان وصوت، فهذا تصور طفولي عن طبيعة الله كما هو في ذاته وجوهرة وليس ما يظهره ويعلنه لنا.

فالثالوث القدوس ليس له هيئة جسمية ولذلك فهو بعيد تمامًا عن أن يكون محدود بمكان أو منفصل مكانيًا، هذا لان طبيعة الله روحية وفوق المكان والزمان فلا يُمكن أن تُمسك بالمكان أو الزمان ولا أن يكون هذا عامل إنفصال بين اقانيم اللاهوت الذين هم كل ما هو الله الواحد منذ الازل، ويكتب ق. اغسطينوس:

هنا يظهر لنا الثالوث بصوره مميزة، الأب في الصوت، الابن في الإنسان، الروح القدس في الحمامة. انه امر واضح جلي لأي إنسان يُريد أن يراه. فينقل الينا الاعتراف بالثالوث بحيث لا يترك اي مجال للشك أو التردد …

نحن نؤمن أن الأب والإبن والروح القدس ثالوث لا ينفصل، إله واحد لا ينفصل، وليس هوثلاثة الهه. لكن هناك إله واحد على نحو لا يكون فيه الإبن هو الأب ولا الأب هو الإبن ولا الروح القدس هو الأب أو الإبن. هذه الالوهية التي لا توصف حاضرة في كل مكان مجددة كل شئ، فهي تخلق وتعيد الخلق وترسل وتعيد إلى الحياة، وتحكم وتُخلص. هذا هو الثالوث الفائق الوصف وغير المنفصل[98] .

 

[1] R. T. France، vol. 1، Matthew: An Introduction and Commentary، Tyndale New Testament Commentaries. P، 77.

[2] See، Flavius Josephus and William Whiston، The Works of Josephus: Complete and Unabridged، Includes Index.، Life 1-.12.

[3] كلمة يونانية معناها من له صلة بالسيد.

[4] تاريخ الكنيسة، للعلامة يوسابيوس القيصري، ترجمة الأب مرقس داود، 7: 13، 14

[5] J. Jeremias، Jerusalem in the time of jesus، London. 1969. Pp. 213- 221. 275- 303.

[6] M. D. Johnson، The Purpose of The Biblical Genealogies، Cambridge، 1969، p، 238.

[7] Witherington III، the birth of jesus، dictionary of jesus and the gospels، p. 65

[8] Geisler، when critics ask، p. 385

[9] Archer، encyclopedia of bible defficulties، p. 316

[10] وهو على ما كان يُظَّن بن يوسف، بينما حرفيًا يجب أن تكون الإبن ليوسف حتّى تكون مُعرفة، وهذا لم يحدث هُنا.

[11] وهو الإسم المُختصر من Ἠλιακίμ- يواقيم وهو الاسم الذي تسلمته الكنيسة القبطية كأب لمريم العذراء بحسب التقليد. انظر: John Nolland، vol. 35A، Word Biblical Commentary : Luke 1:1-9:20، Word Biblical Commentary (Dallas: Word، Incorporated، 2002)، p. 171.

[12] يوضح التلمود أن اسرة الاب فقط هي التي تدعي اسرة، اما اسرة الام فلا تدعي هكذا. (Baba Batra 109B)

[13] See، jer talmud، hagigah 2: 4 ; Sanhedrin 23: 3- babylonian talmud، Sanhedrin 44: 2

[14] Harmony of the Gospels 2.1.2–3

[15] Exposition of the Gospel of Luke 3.4.

 [16] تاريخ الكنيسة 7: 17

[17] Richard C. Blight، An Exegetical Summary of Luke 1-11، 2nd ed. (Dallas، TX: SIL International، 2008)، p. 141.

[18] See، Arn Arndt، William F. Luke. St. Louis: Concordia، 1984. Gdt Godet، F. A Commentary on the Gospel of St. Luke. 2 vols. 1870. Reprint. Edinburgh: T. & T. Clark، 1957. Lns Lenski، R. C. H. The Interpretation of St. Luke’s Gospel. Minneapolis: Augsburg، 1946. NIC Geldenhuys، Norval. Commentary on the Gospel of Luke. New International Commentary on the New Testament. Grand Rapids: Eerdmans، 1951. NIVS Barker، Kenneth، ed. The NIV Study Bible. Grand Rapids: Zondervan، 1985. NTC Hendriksen، William. Exposition of the Gospel According to Luke. New Testament Commentary. Grand Rapids: Baker، 1978. Rb Robertson، Archibald Thomas. The Gospel According to Luke. Word Pictures in the New Testament، vol. 2. Nashville، Tenn.: Broadman، 1930.

[19] Targ. in Ruth. i. 4. T. Bab. Sanhedrim، fol. 105. 2. Horayot، fol. 10. 2. Nazir. fol 23. 2. Sota، fol. 47. 1. Zohar in Deut. fol. 109. 2. Shalshelet Hakabala fol. 8. 1

[20] Targ. in Ruth 3.15. T. Bab. Sanhedrim، fol. 93. 7. Midrash Ruth، fol. 34. 4. Zohar in Gen، fol. 72. 1. Tzeror Hammor، fol. 20. 4. & 123. 4. & 132. 4.

[21] التفسير الحديث لسفر الخروج، د/ الان كول، ص 177.

[22] Epis. 130: 9

[23] In Matt. 1:2.

[24] R. T. France، vol. 1، Matthew: An Introduction and Commentary، P، 79

[25] الكنز الجليل في تفسير الانجيل، د/ وليم ادي، ص 5.

[26] The NET Bible First Edition Notes (Biblical Studies Press، 2006; 2006)، Je 22:30.

[27] Kimchi in 1 Chronicles 3.17. & in Jeremiah 22.30.

[28] Charles L. Feinberg، “Jeremiah” In، in The Expositor’s Bible Commentary، Volume 6: P، 516.

[29] جون ماك ارثر، ص 1515.

[30] William Hendriksen and Simon J. Kistemaker، vol. 9، New Testament Commentary: Exposition of the Gospel According to Matthew، P، 119.

[31] The NET Bible First Edition Notes (Mt 1:11).

[32] Catena Aurea: Commentary on the Four Gospels، Collected Out of the Works of the Fathers، Volume 1: St. Matthew، P. 26.

[33] John Jr MacArthur، The MacArthur Study Bible. (Nashville: Word Pub.، 1997، c1997)، Mt 1:17.

[34] A commentary، critical and explanatory، on the Old and New Testaments. (Mt 1:11).

[35] Juchasin، fol. 13. i.

[36] John MacArthur، The MacArthur Study Bible: New American Standard Bible. (2006)، Mt 1:3.

[37] Cathedral Sermons، Homily 94.

[38] In Matt. 1:3.  

[39] Homilies on the Gospel of Luke 28.2

[40] Les genealogies de jesus en matthieu luc. Pp. 56- 58

[41] See: the Babylonian Gemara، Megill. fol. 14. 2.

[42] F. youga، lepitre de saint Jacques. Geneve، labor et fides، p. 90.

[43] D’apres ch. Perrot. Les recits de l’enfance de jesus. Matthieu 1:2

[44] Robert Jamieson، A. R. Fausset، A. R. Fausset et al.، A Commentary، Critical and Explanatory، on the Old and New Testaments، On Spine: Critical and Explanatory Commentary. (Oak Harbor، WA: Logos Research Systems، Inc.، 1997)، Mt 1:17. See also، So Schöllig (v) and Schweizer، Matthew، p. 23. Cf. Bengel 1، p. 59. Augustine، Con. ev. 2.4.10 counts Jechoniah twice. & W. D. Davies and Dale C. Allison، A Critical and Exegetical Commentary on the Gospel According to Saint Matthew (London; New York: T&T Clark International، 2004)، 186.

[45] John Jr MacArthur، The MacArthur Study Bible، electronic ed. (Nashville: Word Pub.، 1997، c1997)، Mt 1:17.

[46] Donald A. Hagner، vol. 33A، Word Biblical Commentary: Matthew 1-13، Word Biblical Commentary (Dallas: Word، Incorporated، 2002)، 21.

see also، R. T. France، vol. 1، Matthew: An Introduction and Commentary، Tyndale New Testament Commentaries (Nottingham، England: Inter-Varsity Press، 1985)، 84.

[47] مأخوذة بتصرف عن كتاب: برهان جديد يتطلب قرار.

[48] Hindson، Isaiah’s immanal، grace journal 10، II،7

[49] Niessen، the virginity of the almah in Isaiah 7: 14، bibliotheca sacra، p. 137

[50] Myers، the use of almah in the Old Testament، the Lutheran quarterly 7، p. 139

[51] Niessen، ibid، p. 138

[52] ibid

[53] Hindson، ibid،7

[54] Niessen، ibid، p.140

[55] Deere، song of songs، the bible knowledge commentary; Old Testament، p. 1011، 1012

[56] Niessen، ibid، p.140

[57] Machen، the virgin birth of Christ، p. 288

[58] Beecher، the prophecy of virgin mother، classical evangelical essays in Old Testament interpretation، p. 179-80

[59] Niessen، ibid، p. 142- 43

[60] Feinberg، the virgin birth in the old testament، bibliotheca sacra، I، p. 254

[61] Hindson، ibid، 6

[62] Calvin، commentary of the book of the prophet Isaiah، vol 2، p. 245

[63] Hindson، ibid، 8

[64] Wilson، the meaning of almah in Isaiah VII. 14، Princeton theological، 310-15

[65] Morris، the bible has the answer، p. 36

[66] Witherington III، the birth of jesus، dictionary of jesus and the gospels، p. 64

[67] Ibid، p. 9

[68] Mueller، a virgin shall conceive، p. 205-6

[69] Feinberg، the virgin birth in the Old Testament، bibliotheca sacra، I، p.258

[70] Wells، OH، 19: 1

[71] Erickson، Christian theology، vol.2، 747-48

[72] Rogers، the cse for miracles، p. 105

[73] Aristides، apology، 32

[74] Apology 1: 21- 33; Dialogue with trypho the Jew

[75] Dialogue with trypho the Jew 84

[76] Rogers، ibid، 103

[77] ميلاد وطفولة ابن الله، إليان كوفيليه، ص 72

[78] Targum Jon. Jarchi، Aben Ezra، Kimchi & Abendana in loc. Abarbinel Mashmia Jeshua، fol. 62. 2. R. Isaac Chizuk Emuna، p. 279.

[79] الاب رافائيل البراموسي، شعبي لا يفهم، ص 31

[80] See: Richardson، Peter. Herod: King of the Jews and friend of the Romans، (Continuum International Publishing Group، 1999) pp. xv–xx. & Knoblet، Jerry. Herod the Great (University Press of America، 2005)، p. 179. & Rocca، Samuel. Herod’s Judaea: a Mediterranean state in the classical world (Mohr Siebeck، 2008) p. 159. & Millar، Fergus; Schürer، Emil; Vermes، Geza. The History of the Jewish People in the Age of Jesus Christ (Continuum International Publishing Group، 1973) p. 327. & Wright، N. T. The New Testament and the People of God (SPCK، 1992)، p. 172.

[81] See: McGonigle، Thomas C.; McGonigle، Thomas D.; Quigley، James F. (1988). A History of the Christian Tradition: From its Jewish Origins to the Reformation Volume 1 of A History of the Christian Tradition. Paulist Press. & Peters، Francis E. (2005). The Monotheists: Jews، Christians، and Muslims in Conflict and Competition، Volume II: The Words and Will of God The Words And Will of God. Princeton University Press. & Kasher، Aryeh; Witztum، Eliezer (2007). King Herod: a persecuted persecutor : a case study in psychohistory and psychobiography. Translation by Karen Gold. Walter de Gruyter.

[82] Spino، Ken (Rabbi) (2010). “History Crash Course #31: Herod the Great (online)”. Crash Course in Jewish History. Targum Press. ISBN 978-1-5687-1532-2. Retrieved 7 May 2013.

[83] Tierney، John. “Herod: Herod the Great”، Catholic Encyclopedia (1910): “Herod، surnamed the Great، called by Grätz “the evil genius of the Judean nation” (Hist.، v. II، p. 77). See also Herod I at Jewish Encyclopedia: “above all، he was prepared to commit any crime in order to gratify his unbounded ambition”

[84] Josephus، Wars، 2.26.

[85] Frederick Fyvie Bruce، ”The Acts of the Apostles” (Eerdmans 1990 ISBN 978-080280966-7)، p. 96. Books.google.com. 1990-12-01. ISBN 9780802809667. Retrieved 2013-05-02.، see also: “The House of Herod”. Virtualreligion.net. Retrieved 2013-05-02.

[86] انظر تاريخ الكنيسة للعلامة يوسابيوس القيصري، ترجمة القس مرقس داود، ص 57. وايضًا يوسيفوس الاثار 19.

[87] D. A. Carson، “Matthew” In، in The Expositor’s Bible Commentary، Volume 8: Matthew، Mark، Luke، ed. Frank E. Gaebelein (Grand Rapids، MI: Zondervan Publishing House، 1984)، 97.

[88] الراهب رافائيل البراموسي، شعبي لا يفهم، ص 50

[89] John F. Walvoord، Roy B. Zuck and Dallas Theological Seminary، The Bible Knowledge Commentary: An Exposition of the Scriptures (Wheaton، IL: Victor Books، 1983-c1985)، 2:23-24… see also: R. T. France، vol. 1، Matthew: An Introduction and Commentary، Tyndale New Testament Commentaries (Nottingham، England: Inter-Varsity Press، 1985)، p. 93.

[90]  يتيمز القديس متى باستخدام هذا الشكل دائمًا عن كلمة الناصرة أو ناصري (Ναζωραῖος)، بينما يستخدم كلٍ من مرقس ولوقا هذا الشكل: (Ναζαρηνός)

Donald A. Hagner، vol. 33A، Word Biblical Commentary: Matthew 1-13، Word Biblical Commentary (Dallas: Word، Incorporated، 2002)، p. 40.

[91] Craig S. Keener، vol. 1، Matthew، The IVP New Testament commentary series (Downers Grove، Ill.: InterVarsity Press، 1997)، Mt 2:23.

[92] Commentary on Matthew 1.2.23.

[93] Hom، on john، 17: 2- 3

[94] مقالات لطالبي العماد، ترجمة القمص تادرس يعقوب مالطي 3: 11 … ص 73، 74

[95] L. Vaganay & C-B amphoux، an introduction to the new testament textual criticism، p. 92.

[96] الرسائل إلى سرابيون 1 : 14

[97] التفسير القديم للكتاب المقدس، ترجمة الاب ميشال نجم، انجيل لوقا، ص 126

[98] PL 38، 3 55 . NPNF . I 6، 259

كتاب 25 سؤال وجواب في إنجيل القديس متى – أمجد بشارة

كتاب: سر التأله – للباحث أمجد بشارة

كتاب: سر التأله – للباحث أمجد بشارة

كتاب: سر التأله – للباحث أمجد بشارة

كتاب: سر التأله – للباحث أمجد بشارة

كتاب: سر التأله – للباحث أمجد بشارة

للتحميل

للقراءة مباشرة

كتاب: سر القيامة – للباحث أمجد بشارة

كتاب: سر القيامة – للباحث أمجد بشارة

كتاب: سر القيامة – للباحث أمجد بشارة

كتاب: سر القيامة – للباحث أمجد بشارة

كتاب: سر القيامة – للباحث أمجد بشارة

للتحميل

للقراءة المباشرة

كتاب: سر جهنم – للباحث أمجد بشارة

كتاب: سر جهنم – للباحث أمجد بشارة

كتاب: سر جهنم – للباحث أمجد بشارة

كتاب: سر جهنم – للباحث أمجد بشارة

مقدمة

كثيرا ما سمعت من ملحدين ومؤمنين عن جهنم بشكل يتنافى مع ما تعلمه المسيحية عن الله الحب ويتلخص تعليمهم في:

إن جهنم هو مكان عقاب الاشرار وان الله سيعاقب هؤلاء الذين لم يستمعوا لوصاياه بإدخالهم في حفره كبيره ترتفع منها ألسنة اللهب الحارق الذي سيحترقون به كل لحظه إلى الأبد بدون توقف.

وحتى ان هذا الشرح البعيد عن الله المحب والمخلص للبشرية صار هو مصدر السخرية والورقة الرابحة عند كل ملحد فيتفاخرون قائلين:

من هذا الاله الذي يحرق شخصا لأنه لم يحبه، أنا كإنسان لا أستطيع ان احرق أصبع أحد لأنه لم يحبني او حتى لم يستمع إليّ، وما الفائدة من ان أُعاقب على افعال وقتية زمنية بعقاب أبدى لا ينتهي؟ حتى أن هذا الاله لا يدعني احترق وانتهى بل كلما احترق يصنع لي جلدًا جديدا لكيلا أُستنفذ من التألم من العقاب. أي إله هذا وعن أي محبة تتحدثون.

وفي حقيقة الأمر فإن الجانبان مخطئان لأنهم لم يعرفوا الله في حقيقته والمعنى المقصود من جهنم بحسب الكتاب المقدس والفهم المسيحي له منذ القرون الأولى، حتى قبل أن يظهر الالحاد واي نقد للجحيم في تلك الأزمنة.

للتحميل

 

للقراءة المباشرة

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

فلك نوح

العظة الأولى – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثالثة ختان إبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

التفسير الحرفي

1 في بدء الحديث عن الفلك الذي بناه نوح بأمر الله، لنر أولاً ما قيل عنه حرفياً ولنعرض المسائل التي اعتاد الكثيرون طرحها كأمور معارضة، ولنبحث لها عن حل بناء على ما نقله لنا القدماء فبهذه الطريقة، وعقب وضع تلك الأسس، نستطيع أن نرتفع من نص التاريخ[1] إلى المعنى المستيكي الرمزي للفهم الروحي، وإذا كان هناك أي سر، ندركه بفضل الرب الذي يكشف لنا علم كلمته.

وها هي إذاً الآية نفسها: “وقال الرب لنوح: نهاية كل بشر قد أتت أمامي، لأن الأرض مملوءة ظلماً بسببهم. فسأهلكهم مع الأرض. اصنع لنفسك إذاً فلكاً من خشب مربع، تهيئ كوى وكوى[2] في الفلك، وتطليه بالقار من داخل ومن خارج.

هكذا تصنع الفلك: تصنع الفلك حاسباً ثلاث مئة ذراع لطول الفلك، وخمسين ذراعا لعرضه، وثلاثين ذراعا لارتفاعه. والقمة تكملها في ذراع واحد. وتضع باب الفلك في الجانب. وتجعل الجزء السفلي طابقين والجزء العلوي ثلاثة طوابق” وبعد ذلك ببضع كلمات، يقول الكتاب: “وفعل نوح حسب كل ما أمره به الله الرب، هكذا فعل.[3]

هيئة الفلك[4]

نحن نتساءل بداية، كيف يجب النظر في هيئة الفلك نفسه وشكله، فبقدر ما يبرز من الوصف أتصور الفلك رباعي الزوايا، يرتفع وهو يضيق تدريجيا من الأسفل إلى القمة حتى يصل من الصغر هنا إلى قياس ذراع واحد. وقيل إنه جعل القاعدة ثلاث مئة ذراع طولاً، وخمسين ذراعاً عرضاً، بينما أقامه بارتفاع ثلاثين ذراعاً ولكن يصغر [الفلك] إلى قمة ضيقة جداً بحيث لم يبلغ طوله وعرضه سوى ذراع واحد.

المساكن الداخلية[5]

وبالنسبة للداخل، يتكون ما يسمى بالجزء السفلي من طابقين أي إنه يضم ارتفاعاً مزدوجاً من المساكن، ولكن يتكون الجزء العلوي من “ثلاثة طوابق فيمكننا القول بأنه قد بني في الفلك ارتفاع ثلاثي من غرف عليا. ويبدو أن هذا الفصل بين المساكن قد تم حتى يمكن توزيع أنواع الحيوانات المختلفة في كل مسكن بسهولة أكبر والاحتفاظ بالحيوانات الوديعة والضعيفة منها بمنأى عن الوحوش الشرسة. وتسمى إذا هذه المساكن المنفصلة “بالكوى”.

مواد البناء

قيل إن (الأخشاب المستخدمة) كانت أخشاباً مربعة وذلك حتى تتلائم مع بعضها البعض بسهولة أكبر ولمنع أي تسرب للمياه أثناء اجتياح الطوفان، في حين تم سد الفجوات من الداخل ومن الخارج بالقار.

الطوابق

يخبرنا التقليد[6]، وهو أمر محتمل الحدوث، أن أسفل الفلك المبني على الارتفاع المزدوج، كما قلنا قبلاً، قد سمي من جانبه ذو طابقين، بينما الجزء الأعلى قيل إنه ذو ثلاثة طوابق، وقد صنع الأسفل مزدوجاً من أجل السبب الآتي: فجميع الحيوانات أمضت في الفلك عاماً كاملاً، وكان بالتأكيد من الضروري توفير المؤن لهم طوال العام، ولكن أيضاً [يجب] إنشاء أماكن لتلقي نتاج الهضم بحيث لا تتضايق الحيوانات ذاتها، وكذلك على الأخص الأفراد، من رائحة الزبل غير المحتملة.

فيخبرنا إذن أن الجزء الأدنى في القعر كان محفوظا للضروريات التي من هذا النوع، وأن الجزء الذي كان يوجد فوقه مباشرة كان مخصصاً لحفظ الغذاء. لأنه بالنسبة إلى الحيوانات التي تتغذى عادة على اللحوم، كان يبدو من الضروري إدخال عدد أكبر جداً من الحيوانات التي تستخدم لحومها كغذاء، وتسمح للحيوانات الأخرى بالبقاء من أجل الحفاظ على السلالة. كما كان ينبغي من أجل الحيوانات الأخرى الاحتفاظ بنوع الأغذية الذي يتطلبها نظامها الطبيعي.

إذاً فكما يخبرنا فقد كانت الأجزاء السفلية المسماة “بـ ذات الطابقين” مخصصة لهذا الغرض، أما الأجزاء العليا فقد كانت مخصصة لإقامة الحيوانات: هناك في الأسفل كانت تأوي الحيوانات المتوحشة والمفترسة والثعابين، وفوقها مباشرة كانت هناك حظائر الحيوانات الأكثر هدوءً، وأخيراً فوق الجميع في القمة وضع مسكن البشر، كما هو طبيعي بالنسبة لهم، وهم الذين بالكرامة وبالعقل يتفوقون على الكل. وهكذا، فالإنسان الذي يتسلط على جميع الكائنات التي على الأرض، كما نعرف، بعقله وبحكمته، قد أقيم موضعياً في مكان أسمى فوق كل كائنات الفلك الحية.

الباب

ويخبرنا التقليد أيضاً أن الباب الذي صُنع، كما يقول الكتاب، في الجانب كان يوجد في مكان ما بحيث كانت تحته الأجزاء السفلية التي يطلق عليها “ذات الطابقين”، وبحيث سميت الأجزاء العليا ذوات الطوابق الثلاثة بأنها “عليا” بالنسبة إلى موضع الباب. وإذ دخلت كل الحيوانات من هنا، تم توزيعها بعد ذلك في أماكنها الخاصة، كما قلنا أعلاه، مع الأخذ في الاعتبار الفصل المطلوب.

ولكن لم تكن الطرق البشرية هي التي تضمن حماية الباب. إذ كيف، عندما أغلق الباب ولم يكن أحد خارج الفلك، تمكن من طلائه بالقار من الخارج؟ كان ينبغي بالتأكيد أن تعمل القدرة الإلهية حتى لا تتغلغل المياه من ممر لم تحمه يد الإنسان.

لذا، بعدما قال الكتاب بالنسبة إلى كل الباقي أن نوح هو الذي صنع الفلك وأدخل فيه الحيوانات، وكذلك أبناءه مع زوجاتهم، لم يقل، عندما يتعلق الأمر بالباب أن نوحاً قد أغلق باب الفلك، ولكنه قال: “الرب الإله من الخارج أغلق باب الفلك” وهكذا “حدث الطوفان[7]” ولنلاحظ مع ذلك أن بعد الطوفان حين أرسل نوح “الغراب ليرى إن كانت المياه قد انحسرت من على وجه الأرض[8]“، لم يقل الكتاب إن نوحاً فتح الباب ولكنه فقط فتح “الطاقة”.

المؤن

أدخل نوح إلى الفلك غذاء لكافة الحيوانات التي دخلت معه، ولنسمع الكلام الذي قاله الرب لنوح: “وأنت خذ من كافة الأغذية التي تؤكل واذخرها بالقرب منك لتستخدم كغذاء لك وكذلك لهم.[9]” وفعل نوح ما أمره به الرب. اسمع نص الكتاب: “وفعل نوح كل ما أمره به الرب الإله، هكذا فعل.[10]

أماكن التبرز

إن كان الكتاب لم يقل شيئاً عن الأماكن المخصصة لزبل الحيوانات، في حين يتحدث التقليد عنها، فيبدو أنه قد تم بحق السكوت حول هذه النقطة وتبعاتها، في حين يكفي العقل ليعلمها. وكما أن تعليم مثل هذا هو أقل استحقاقاً من أن ينسجم مع الفهم الروحي، لذا كان الكتاب محقاً في أن يسكت عنه، وهو الكتاب الذي شغله الأساسي هو أن يوافق رواياته مع المعاني الرمزية.

إتقان الفلك وكماله

ولكن، ومع الوضع في الاعتبار الظروف التي فرضتها الأمطار والطوفان، لم يكن ممكناً أن يعطى الفلك شكلاً مناسباً أكثر من الشكل الذي كان يسمح لمياه الأمطار أن تسيل من القمة كما من سقف ضيق عند قمته، والذي كان يحتفظ بالتوازن تاركاً الجوانب الأربعة تغوص بعمق تحت المياه على هذا النحو، لا تستطيع لا قوة الرياح ولا تلاطم الأمواج ولا تهيج الحيوانات التي كانت بالداخل أن تميل الفلك ولا أن تغرقه.

اعتراضات أبيليس

۲ لكن في ظل وجود كل هذا التكوين المجمع بمهارة شديدة، يبدي البعض اعتراضات وخاصة أبيليس”[11] (Apelles) الذي بسبب أنه تلميذ ماركيون (Marcion) لم يخترع هرطقة أخرى غير تلك التي أخذها عن معلمه. إذا يبالغ أبيليس، في رغبته أن يتهم كتابات موسى بأنها لا تحوي شيئا من الحكمة الإلهية ولا من عمل الروح القدس، في الأقوال التي من هذا النوع، ويدعي أنه من المستحيل تماماً أن يتمكن حيز بهذا الصغر من احتواء كل تلك الأنواع من الحيوانات مع الغذاء الذي كان يلزمها لمدة عام كامل.

وحيث إنه قد أدخل إلى الفلك وفقا للكتاب “زوجاً زوجاً[12]” من جميع الحيوانات النجسة أي زوجا من الذكور وكذلك زوجا من الإناث. وهذا ما يشير إليه تكرار الكلمة. وسبعة أزواج سبعة أزواج[13]“، أي سبعة أزواج من كافة الحيوانات الطاهرة، فيقول: كيف أمكن أن يحدث أن الحيز الذي ذكره الكتاب استطاع أن يحتوي فقط على الأقل على أربعة أفيال وبعد أن أبدى هكذا نفس الاعتراض بالنسبة لكل نوع من الحيوانات، ختم بهذه الكلمات: “من الواضح إذا أن القصة قد تم اختراعها. وبما أن الأمر هكذا، فمن الواضح أن هذا الكتاب ليس من الله”.

الرد على الاعتراض

وللرد على ذلك الاعتراض سوف نطلع المستمعين بما تعلمناه من الرجال الاختصاصيين طويلي الباع في التقاليد العبرانية ومن المعلمين القدماء. كان القدماء يقولون إذن إن موسى الذي كان، كما يؤكد الكتاب ذلك، “مهذباً بكل الحكمة المصرية”[14]، قد استخدم هنا عدد الأذرع كما يفعل في علم الهندسية الذي برع فيه المصريون بوجه خاص[15].

والواقع أن علماء الهندسة لهم أسلوب في العد يطلقون عليه “الأسس والجذور” يمثل الذراع بمقتضاه ستة أذرع بالنسبة للمجسم والمربع بموجب الاختزال العام للأرقام، أو [الذراع] يمثل ثلاثمائة بموجب اختزال متقدم جداً. فإذا استخدمنا هذا الأسلوب في العد، فسوف نجد أن الفلك كان له أبعاد من حيث الطول والعرض كافية لتحتوي حقا براعم ما سيعاد تكوينه في العالم بأكمله، والكائنات التي ستكون الأصل الذي ستتدفق منه حياة الكائنات الحية جميعها.

ها هو ما كنا ينبغي علينا قوله من وجهة النظر التاريخية في مواجهة من يبحثون عن مهاجمة كتابات العهد القديم، متعللين بأنها تحتوي على أشياء مستحيلة وغير معقولة.

التفسير الروحي

۳ لنطلب في البداية الآن إلى الوحيد القادر أن يرفع البرقع عند قراءة العهد القديم[16]، ولنحاول أن نبحث أي نوع من البنيان الروحي يحتوي عليه بناء الفلك الهائل هذا.

الطوفان، صورة لمجيء المسيح

بقدر ما تسمح لي ضآلة ذهني، أعتقد أن الطوفان الذي وضع في ذلك الحين نهاية العالم، يمثل نهاية العالم التي يجب بالحقيقة أن تحدث. وقد أعلن ذلك الرب بنفسه حين قال: “في أيام نوح كان الناس يشترون ويبيعون ويبنون ويتزوجون ويزوجون بناتهم وجاء الطوفان الذي أهلكهم جميعا: هكذا سيكون أيضاً مجيء ابن الإنسان.[17]

ففي هذه الآية يظهر جلياً أن الرب يصف بنفس الأسلوب الواحد الطوفان الذي سبق ونهاية العالم التي يعلنها بالنسبة إلى المستقبل. هكذا إذن، كما قيل آنذاك لنوح القديم أن يصنع فلكاً ويدخل معه ليس فقط أبناءه وذويه وإنما أيضا حيوانات من كل نوع، كذلك عند انقضاء الدهور[18] قال الأب لـ “نوحنا” (our Noah) الذي هو بالحقيقة البار[19] الوحيد، والكامل الوحيد، الرب يسوع المسيح، أن يصنع لنفسه فلكاً من خشب مربع وأن يعطيه أبعاداً ممتلئة بالأسرار السماوية. هذا ما يشار إليه في المزمور الذي يقول فيه: “اسأل فأعطيك الأمم ميراثا لك وأقاصي الأرض ملكا لك.[20]

 الفلك ومساكنه، الإيمان ومظاهره

لقد بنى إذن فلكاً وأعد فيه “كوى” أي أنواعاً من مأوى لاستقبال أنواع الحيوانات المختلفة. ويقول النبي حول ذلك: “هلم يا شعبي ادخل مخابئك، اختبئ بضع لحظات حتى تعبر شدة غضبي[21]“، هناك إذا مقابلة بين هذا الشعب الذي خلص في الكنيسة وبين هذه الكائنات: البشر والحيوانات التي خلصت في الفلك[22]. ولكن لا يتساوى الأمر لا في الاستحقاق ولا في التقدم في الإيمان بالنسبة للجميع.

لذا لا يشتمل الفلك على نفس المسكن للجميع، ولكن الجزء الأسفل فيه ذو طابقين والأعلى ذو ثلاثة طوابق، وأقام به كوى. هذا يدل على أنه في الكنيسة، بالرغم أن الكل محتوى داخل إيمان واحد، واغتسل في معمودية واحدة، إلا أنهم لا يتقدمون معاً ولا بنفس القدر ولكن كل واحد في رتبته[23].”

الكائنات المختلفة المحبوسة في الفلك: درجات الكمال

ومن يميلون بحياتهم إلى العلم العاقل والقادرين ليس فقط على قيادة أنفسهم ولكن أيضاً على تعليم الآخرين[24]، هم عدد ضئيل جداً يحقق صورة العدد القليل للذين خلصوا مع نوح والذين اتحدوا به بأوثق قرابة، تماماً كما يمتلك ربنا يسوع المسيح، نوح الحقيقي، عدداً صغيراً من الأصدقاء، عدد صغير من الأبناء ومن الأقارب الذين يشاركون كلمته ويمكنهم تلقي حكمته. هؤلاء هم من أقيموا في أسمى مرتبة ووضعوا في قمة الفلك.

أما هذا الجمع من الحيوانات أو الوحوش غير العاقلة فتلبث في الجزء السفلي، وبينهم في الجزء الأسفل، الذين لم تهدئ حلاوة الإيمان عنف وحشيتهم. ولكن فوقهم بقليل، هناك من يحتفظون على الرغم من ذلك بالكثير من البساطة والبراءة دون أن يكونوا عقلاء بالكامل.

نوح الحقيقي: يسوع المسيح

وهكذا كلما اتجهنا صعوداً من خلال طوابق الشقق المختلفة، نصل إلى نوح ذاته. نوح يعني “الراحة” أو “العادل[25]” -الذي هو المسيح يسوع. لأن كلمات لامك أبيه لا تتوافق مع نوح القديم: “هذا يريحنا من أتعابنا ومن عمل أيدينا المؤلم ومن الأرض التي لعنها الرب الإله[26]“، فكيف إذن نعتبره أمراً صحيحاً أن نوح القديم قد أراح لامك أو الشعب الذي كان يوجد على الأرض في ذلك الوقت

كيف كان يمكن أن يتوقف التعب والعمل المؤلم في زمن نوح، وكيف كان يمكن أن تمحى اللعنة التي نطق بها الرب على الأرض عندما يظهر بالأحرى أن الغضب الإلهي قد تزايد وأخبرنا أن الله قال: “ندمت أني عملت الإنسان على الأرض[27]” وأنه قال أيضاً: “سأبيد كل جسد على الأرض[28]” وخاصة عندما يقدم موت الأحياء الدليل على النكبة الأكبر؟

ولكن انظروا ربنا يسوع المسيح: لقد قيل عنه: “هذا هو حمل الله، هذا الذي يرفع خطية العالم[29]“، وفي موضع آخر: “صار من أجلنا لعنة ليفتدينا من لعنة الناموس[30]“؛ وفي موضع آخر أيضاً هو الذي يقول: “تعالوا إلى يا جميع المتعبين وثقيلي الأحمال وأنا أجددكم فتجدوا راحة نفوسكم[31]“.” أنتم ترون أنه هو الذي أعطى حقاً الراحة للبشر وهو من خلص الأرض من اللعنة التي أتت عليها من قبل الرب الإله. هكذا إذن قيل لهذا الـ “نوح” الروحي، الذي أعطى الراحة للبشر والذي رفع خطية العالم: “اصنع لنفسك فلكاً من خشب مربع”[32].

الخشب المربع: دعائم الإيمان

4 لنر اذاً ما هي هذه الأخشاب المربعة. الخشب المربع هو ذلك الخشب الذي لا يميل بأي شكل والذي، مهما قلبناه من أي جانب فإنه يحتفظ دائما بصلابة بتوازنه. هذه الأخشاب هي التي تحتمل بالداخل ثقل الحيوانات وضغط المياه بالخارج. وهي تمثل في رأيي الأحبار والمعلمين وغيوري الإيمان الذين في الكنيسة، الذين يعزون الشعب الموجود بالداخل بكلمة الإنذار والتعليم، من ناحية، ومن ناحية أخرى يقاومون بقوة الكلمة وبحكمة العقل مهاجمي الخارج، سواء كانوا وثنيين أو هراطقة، كما يقاومون من يثيرون أمواج الاعتراضات وعواصف المجادلات[33].

هل تريدون أن تروا أن الكتاب الإلهي يعرف “أخشاباً” عاقلة؟ لنذكر أنفسنا بالمكتوب في حزقيال النبي: “وكان في السنة الحادية عشرة في الشهر الثالث في أول يوم من الشهر أن كلام الرب كان إليّ قائلاً: يا ابن الإنسان، قل لفرعون ملك مصر وجموعه: بمن تشبه نفسك في عظمتك؟ هوذا آشور كان سرواً على لبنان، جميل الأغصان، وارف الظل، طويل القامة، رأسه مرتفع إلى الغمام. عظمته المياه، وكبره البحر، وأتى بكل أنهاره من حوله وأرسل فيض مياهه لكل أشجار السهل. فلذلك ارتفعت قامته أعلى من جميع أشجار السهل[34].”

وبعد بضع كلمات يقول: “الكثير من سرو جنة الله والصنوبر لا يشبه أغصانه والأرز لا يساوي فروعه. لم تشبهه أية شجرة في جنة الله وجميع أشجار جنة نعيم الله حسدته[35]“. هل لاحظتم عن أي نوع من الأشجار يتكلم النبي؟ وكيف يصف سرو لبنان الذي لا يمكن مقارنته بجميع أشجار جنة الله الأخرى. ويضيف حتى في النهاية أن كل أشجار جنة الله تحسده. ووفقا للمفهوم الروحي، هو يريد بالتأكيد أن يوضح أن الأشجار العاقلة التي في جنة الله هي التي يصف أن لديها غيرة من الشجر الذي على جبل لبنان.

وهكذا. ولكننا نقولها اعتراضاً. لاحظوا أنه يجب ربما فهم الآية: “ملعون من الله كل من علق على خشبة”[36] بنفس المعنى المستخدم في موضع آخر: “ملعون الرجل الذي يضع رجاءه في الإنسان[37].” فعلينا أن نعلق بالله وحده دون آخر حتى ولو ادعى أنه من جنة الله.

كما يقول ذلك بولس الرسول أيضاً: “عندما نبشركم نحن أو ملاك من السماء بإنجيل آخر غير الذي بشرناكم به فليكن أناثيما[38]” ولكن لنؤجل الحديث هذا الموضوع إلى مرة أخرى.

 

القار: التقديس الداخلي والخارجي

لقد رأيتم ما هي الأخشاب المربعة التي وضعها نوح الروحي لأجل الذين هم في الداخل كجدار وحماية ضد المياه التي تضرب الفلك من الخارج. هذه الأخشاب مطلية بالقار من الداخل ومن الخارج[39]“، فالمسيح مؤسس الكنيسة، لا يريد أن تكونوا كالذين يظهرون من خارج أبراراً في أعين الناس والذين من داخل هم قبور موتى[40]“؛ ولكنه يريد أن تكونوا قديسين بالجسد في الخارج وطاهرين بالقلب في الداخل، منتبهين من كل ناحية ومحميين بفضيلة العفة والنقاوة. هذا ما يعنيه أن يكون المرء مطلياً بالقار من الداخل ومن الخارج.

الطول والعرض والارتفاع. أبعاد أسرار المسيح

5 بعد ذلك يذكر طول الفلك وعرضه وارتفاعه ويعطي تلك الأبعاد بعض الأرقام التي اختصت بأسرار عظيمة[41]. ولكن قبل الحديث عن الأرقام، لنرى ما يقصده الكتاب بالطول والعرض والارتفاع. لقد قال الرسول في فقرة كان يتحدث فيها عن سر الصليب بطريقة سرية أكثر: “حتى تعرفون الطول والعرض والعلو والعمق[42].” العمق والعلو هما سيان، إلا أن في العلو يبدو الفضاء محسوباً من أسفل إلى أعلى، بينما يبدأ قياس العمق من أعلى ويهبط إلى أسفل. فسمعنا إذا روح الله بحق، بواسطة موسى وبولس الرسول في ذات الوقت، أسراراً عظيمة بالرمز.

أما بولس فلأنه كان يبشر بسر نزول المسيح فقد استخدم لفظ العمق حتى يبين أن المسيح جاء من المناطق العليا إلى المناطق السفلى؛ أما موسى فعلى العكس، فلأنه يصف عودة الذين ردهم المسيح من المناطق السفلى إلى المناطق السماوية منتزعا إياهم من الدمار وهلاك الدهر كما من موت الطوفان، فلا يذكر العمق في أبعاد الفلك ولكن الارتفاع، كأنما ليشير إلى أن الأمر يتعلق بمكان نرتفع فيه من المناطق الأرضية الوضيعة إلى المناطق السماوية والمرتفعة.

معاني الأعداد

أما بالنسبة إلى الأعداد، فهي ثلاثمائة ذراع للطول وخمسون للعرض وثلاثون للارتفاع.

الثلاثمائة هي ثلاثة في مئة والعدد مئة يشير إلى تمام كل شيء وإلى الكمال، وهو يحوي سر مجموعة المخلوقات العاقلة، كما نقرأ ذلك في الأناجيل حيث يقول إن: “من كان له مئة خروف وأضاع واحدا منهم ترك إذن التسعة والتسعين على الجبل ونزل ليبحث عن الضال. وإذ وجده حمله على منكبيه وأعاده إلى التسعة والتسعين التي لم تضل[43]“.

ولأن العدد مئة هذا الذي لمجموعة المخلوقات العاقلة لا ينشأ من تلقاء ذاته ولكنه يتحدر من الثالوث ونال من الأب بالابن والروح القدس[44] طول العمر، أي نعمة الخلود، فلذلك يعطينا الكتاب هذا العدد مضروباً في ثلاثة، كما هو طبيعي بالنسبة لمن ينمو إلى الكمال بنعمة الثالوث، والذي بمعرفة بالثالوث يعيد إلى جماعة الثلاثمائة من ترك نفسه يضل بجهله بعيداً عن جماعة المئة[45].

أما العرض فقد خصه بالعدد خمسين، وهو العدد المختص بالعتق والغفران، فوفقاً للناموس[46]، كان هناك عتق يتم في السنة الخمسين، أي إنه إذا تم رهن أي من الممتلكات، كان يرد آنذاك، وإذا وقع رجل حر في العبودية كان يستعيد حريته، والمدين ينال إبراء من دينه، والمنفي كان يعود إلى وطنه. لذا فقد أعطى المسيح، نوح الروحي، في فلكه، أي في الكنيسة، التي يخلص فيها الجنس البشري من الدمار، العدد خمسين للعرض وهو عدد العتق، لأنه لو لم يكن قد وهب المؤمنين مغفرة الخطايا، لما امتد “عرض” الكنيسة عبر العالم.

ويحتوي العدد ثلاثون الذي للارتفاع على سر شبيه مثل العدد ثلاثمائة. فما كان يمثله منذ قليل العدد مئة، يمثله الآن العدد عشرة مضروبا في ثلاثة.

ولكن قمة كل البناء تتقلص إلى الرقم واحد: فليس هناك إلا “إله واحد، الأب، الذي منه تأتي كل الأشياء، ورب واحد[47]” ولا يوجد سوى إيمان واحد للكنيسة، ومعمودية واحدة وجسد واحد وروح واحد[48]” وتنزع كافة المخلوقات إلى الغاية الوحيدة التي للكمال الإلهي[49].

ولكن أنتم أيضا الذين تسمعون، لو دأبتم على مهل في قراءة الكتاب المقدس فستجدون أن الكثير من الإنجازات الكبيرة تختبئ في رقمي ثلاثين وخمسين. فيوسف كان في الثلاثين حين خرج من السجن وتبوأ حكم مصر كلها[50] حتى يبعد، بفطنة إلهية، كارثة المجاعة التي كانت تهددهم. ويخبرنا أن يسوع كان في الثلاثين[51] من عمره حين ذهب ليعتمد وحين رأى السموات مفتوحة وروح الله نازل عليه في هيئة حمامة[52]“.

في ذلك الوقت بدأ سر الثالوث ينكشف لأول مرة. وستكتشفون الكثير من الأحداث المشابهة لذلك. كما ستجدون أيضا أن يوم الخمسين كان مخصصا لتكريس الحصاد الجديد[53] وأنه قد تم اقتطاع جزء من خمسين من غنائم المديانيين[54] للرب. وأيضاً أن إبراهيم قد انتصر على أهل سدوم بثلاثمئة رجل[55]، وأنه بالثلاثمئة رجل الذين رشفوا الماء بألسنتهم أحرز جدعون نصرته[56].

الباب: دينونة الله

أما الباب فلا هو في الواجهة الأمامية ولا هو أعلى الفلك ولكنه في الجانب مائلاً لأنه وقت الغضب الإلهي. مكتوب أن يوم الرب هو يوم غضب وسخط[57]“، ويمكن للبعض أن يخلص ولكن هناك الكثيرون الذين يدينهم سلوكهم ومصيرهم الهلاك والموت. وإذا كان الباب قد وضع مائلاً فهذا لكي يذكرنا بقول النبي هذا: “إن سلكتم معي باعوجاج فسوف أسير معكم بسخط معوج[58]“.

الطوابق السماء والأرض والجحيم

لنفحص بعد ذلك الفقرة التي تشير بشكل منفصل إلى كل من الجزء الأسفل ذي الطابقين والجزء الأعلى ذي الثلاثة الطوابق. وقد يقصد أن يشير من هنا لما يقوله الرسول أنه “ستجثو باسم يسوع كل ركبة من الكائنات التي في السماوات وعلى الأرض والجحيم”[59]، ويعني أن الجزء الأسفل في الفلك هو نفسه ما يقصده الرسول بكائنات الجحيم، وأن ما يأتي فوقه مباشرة هو نفس ما يقصده بكائنات الأرض.

أما الجزء العلوي الذي يقال إنه ذو ثلاثة طوابق والذي نسكنه جميعاً فهو ما يقصده بكائنات السماء. ولكن من بين هؤلاء يجب أن نميز من تسمح لهم استحقاقاتهم، وفقا للرسول بولس أن “يصعدوا إلى السماء الثالثة[60]“. أما عن الكوى والكوى، ولأنها عددها كبير في الفلك، فهي تشير إلى أن هناك في بيت الأب منازل كثيرة[61]“.

تعايش الحيوانات معا اتحاد الجميع في الملكوت

ولكي نفسر [وجود] الحيوانات والوحوش والبهائم وشتى الأحياء الأخرى، فأي صورة أخرى نأخذها غير تلك التي أعطاها لنا إشعياء النبي حين قال إن في ملكوت المسيح الذئب والحمل، الفهد والجدي، الأسد والثور، سوف تذهب معاً للمرعى وصغارها تأكل الكلأ ما، بل حتى الطفل الصغير أحد الذين قال المخلص عنهم: “إن لم ترجعوا وتصيروا مثل هذا الولد فلن تدخلوا ملكوت الله[62]“، ذلك الطفل، يدخل يده في وكر الأفعوان دون أن يشعر بأي أذى[63].

ألا يمكننا أن نتناول أيضاً الصورة المتحققة بعد الآن في الكنيسة، كما يعلم بطرس بذلك حين نقل لنا ما شاهده في رؤيا، حيث ظهرت كل الدواب (ذوات الأربع) ووحوش الأرض وطيور السماء محتواة في الملاءة الواحدة التي للإيمان[64] والمربوطة بالجوانب الأربعة التي للأناجيل؟

التفسير الأخلاقي

6 ولكن بما أنه بالنسبة للفلك، الذي نسعى جاهدين لوصفه، جاء أمر الله أن يبنى لا على طابقين فقط ولكن على ثلاثة طوابق، فلنهتم نحن أيضاً بإضافة تفسير ثالث إلى التفسير المزدوج الذي سبق وفقا للوصية الإلهية.

 المعنى الأخلاقي

التفسير الأول الذي بدأنا به هو في الواقع تفسير تاريخي، وقد وضع كأساس في الأسفل، أما التفسير الثاني، التفسير المستيكي، فقد كان أعلى وأسمى. فلنحاول إن أمكن أن نرفق به التفسير الثالث وهذا يكون أخلاقياً. ولنلاحظ مع ذلك خاصية ألا وهي أن الكتاب المقدس لم يقل إن الفلك كان ذا طابقين فقط دون أن يضيف شيئاً، كما لم يقل إنه كان ذا ثلاثة طوابق فقط دون إضافة؛ ولكن بعد أن قال: ذا طابقين” أضاف “و ذا ثلاثة طوابق.

هذا لا يكون، كما يبدو لي دون سر نفس التفسير الذي بين يدينا الآن لأن مصطلح “ذو ثلاثة طوابق” يشير إلى هذا التفسير الثلاثي. ولكن حيث إن التسلسل المنطقي في الكتابات الإلهية بالنسبة لوجهة النظر التاريخية لا يستقيم دائما بل ويغيب أحياناً، هكذا، حين يقول مثلاً: “أشواك تنبت في يد السكران[65]“، أو حين يقول فيما يتعلق بالهيكل الذي بناه سليمان “ولم يسمع في بيت الله صوت المعول والمنحت[66]

أو أيضاً في سفر اللاويين حين “يأمر بفحص برص الجدران والجلود وخيوط النسيج بواسطة الكهنة لكي يطهروه[67]“، فبسبب تلك المقاطع ومقاطع أخرى مشابهة، لا يتكون الفلك فقط من مجموعة من ثلاثة طوابق ولكن أيضاً من مجموعة من طابقين، حتى نعرف أن الكتابات الإلهية لا تحتوي دائما على ثلاثة معاني للشرح، بما أن المعنى التاريخي لا يقدم لنا دائماً، ولكن أحياناً معنيين فقط. ولنحاول إذا أيضاً شرح المعنى الثالث ألا وهو وجهة النظر الأخلاقية.

الفلك وأبعاده

إن كان هناك أحد قادر، رغم نمو الشر وفيض الرذائل، على أن يتحول عن الأمور الزائلة، الفانية والباطلة، ليستمع إلى كلمة الله وإلى الوصايا السماوية، فإن هذا يبنى في قلبه فلك الخلاص ويكرس بداخله “مكتبة” الكلمة الإلهية[68]، إن جاز القول، ويعطيها كطول وعرض وارتفاع الإيمان والمحبة والرجاء.

وهو يبسط الإيمان بالثالوث من أجل طول الحياة والخلود، أما عرض المحبة، فيقيمه بمشاعر اللطف والصلاح، وأما ارتفاع الرجاء فيرفعه إلى الحقائق السماوية العلوية، لأنه إن عاش على الأرض فإنه “في السموات مسكنه[69]. أما بالنسبة إلى مجموع أعماله فهو يرجعها إلى هدف واحد لأنه يعرف أن “الجميع يركضون ولكن واحد فقط ينال الجعالة[70]“، وذلك من لن يتشتت في تنوع الأفكار وتقلب الروح.

الأخشاب المربعة والقار والحيوانات

وهو لا يبني هذه المكتبة من أخشاب خام خشنة، ولكن من أخشاب مربعة مسطحة ومستقيمة، أي لا من كتب المؤلفين الدنيويين ولكن من كتب الأنبياء والرسل، لأن هؤلاء هم الذين؛ إذ تنقلوا بالتجارب المتنوعة وشذبوا واقتطعوا كل رذائلهم، فإن الحياة لديهم مهذبة ومتوازنة من كل جانب. أما مؤلفو الكتب الدنيوية فمن الممكن أن نطلق عليهم “أخشاباً مرتفعة” وأخشاباً ظليلة”.

فإن “تحت كل خشبة مرتفعة وظليلة يتهم إسرائيل بأنه قد زنا[71]“. بما أنهم يجاهرون بتعاليم رفيعة ويستخدمون أساليب مزخرفة، دون أن يعملوا وفقاً لكلامهم، فلا نستطيع أن نطلق عليهم “أخشاب مربعة[72]“، لأن السلوك لديهم ليس متوافقاً مع أقوالهم بأي شكل.

أنت إذاً إن صنعت فلكاً، إن جمعت مكتبة، فلتضم بها كتابات الأنبياء والرسل أو من اتبعوهم في خط الإيمان المستقيم. اصنعها مزدوجة وثلاثية الطوابق. تعلم بواسطتها الروايات التاريخية، اعلم بواسطتها “السر العظيم[73]” الذي يتم في المسيح وين الكنيسة، واعرف بواسطتها كيف تصحح أيضاً عاداتك وتزيل عيوبك، وتطهر نفسك وتجردها من كل الرباطات التي تأسرها، مقيما فيها كوي وكوى من أجل الفضائل المتنوعة والتقدم[74].

وبالتأكيد ستطليها بالقار من الداخل ومن الخارج[75]“، “حاملاً الإيمان في قلبك ومعترفا به بفمك[76]“، حاملاً العلم بالداخل والأعمال بالخارج ومتقدماً بالقلب الطاهر بالداخل وبالجسد المتعفف بالخارج.

في هذا الفلك إذاً، لنضع “مكتبة الأسفار الإلهية أو النفس المؤمنة من وجهة نظر أخلاقية مؤقتاً. عليك أيضاً إدخال حيوانات من كل نوع، لا طاهرة فقط ولكن أيضا نجسة. أما الحيوانات الطاهرة فمن السهل علينا القول بأنه يمكن تفسيرها كالذاكرة والعلم والذكاء والفحص والتمييز وكل الملكات المشابهة الأخرى التي نطبقها على ما نقرأ. وأما بالنسبة للحيوانات النجسة فمن الصعب إبداء الرأي بشأنها؛ إذ لاحظنا أنه يشير إليها بزوج زوج[77]

ومع ذلك فإن لم يكن التعرض لمثل تلك المقاطع الصعبة أمراً متهوراً، فأعتقد أن الشهوة والغضب الطبيعيين لدى كل النفوس، يجب أن تسمى نجسة حين تؤدي بالإنسان إلى الخطية، ولكن حيث إننا لا نستطيع لا أن نوفر النسل بدون الشهوة ولا الإصلاح والتعليم بدون الغضب، فنقول إنهما ضروريان ويجب الاحتفاظ بهما[78]. قد يبدو هذا الكلام لا يتعلق بالمعنى الأخلاقي ولكن بالمعنى الطبيعي، ومع هذا فقد تحدثنا بما تقدم من أجل البناء[79].

ومن يستطيع على مهل مقارنة أجزاء الكتاب المقدس بنفسه وربط “الروحيات بالروحيات[80]” فإنه سيجد بلا شك في هذا المقطع الكثير من الخفيات التي لسر عميق وخفي يمنعنا الوقت القصير المتبقي وكذلك تعب المستمعين من عرضها الآن.

ولكن لنطلب رحمة الله العلي القدير حتى لا يجعلنا “نسمع فقط[81]” كلمته ولكن “أن نعمل بها”، وليسكب على نفوسنا أيضاً طوفان مائه وليهدم فينا كما يريد ما ينبغي هدمه ويحيي بالمثل فينا ما ينبغي إحياؤه بالمسيح ربنا وبروحه القدوس، له المجد لأبد الآبدين آمين.

 

[1] هناك خلط لدى أوريجانوس (أو روفينوس) بين كلمتي حرفي وتاريخي.

[2] المقصود بها مساكن لأن الكوة هي فتحة غير نافذة في الجدار.

[3] انظر: تك 6: ۲۲، ۲۲.

[4] هنا نجد في أكثر من مئة سطر، المقطع اليوناني الوحيد الذي بقي لنا من العظات على سفرالتكوين لأوريجانوس، وقد حفظه لنا بروكوبس وتقليد (Chaines) ولكن مع وجود اختلاف طفيف بينها. ونحن لا يمكن أن نعتبر أن هذا النص هو بالضبط ما قدمه أوريجانوس؛ إذ نجده يحتوي على مقاطع لديديموس الضرير في تعليقه على سفر التكوين، والذي يستلهم بلا شك من أوريجانوس.

وهكذا يعتبر نص روفينوس هو ترجمة مباشرة لنص أوريجانوس، تحترم أفكار أوريجانوس لكن يرجع التعبير عنها وتنظيمها إلى روفينوس. وحيث إن الترجمة التي نوردها هنا هي ترجمة روفينوس فقد التزمنا بها أيضا في هذا الجزء.

[5] نجد في العديد من مخطوطات (Chaines) رسما في الهامش يمثل الفلك بشكله الهرمي وطابقيه السفليين وطوابقه الثلاثة العليا وتقسيمه.

[6] إنه واحد من عدة تقاليد تسلمها أوريجانوس من بعض اليهود الذين بالإسكندرية أو خلال رحلاته إلى فلسطين.

[7] انظر: تك 7: 16-18.

[8] انظر: تك 8: 6، 8.

[9] انظر: تك 6: 21.

[10] انظر: تك 6: 22.

[11] نحو القرن الثاني كتب أبيليس سلسلة من الجدالات الشكلية” تكون مجموعة من الاعتراضات ضد الكتاب المقدس. وقد تسربت بعض اعتراضاته بين المؤمنين وزرعت بلبلة. (ارجع إلى العظة 3: ۱)

[12] انظر: تك 6: 9

[13] انظر: تك 7: 2.

[14] انظر: اع 7: 22.

[15] كانت فكرة أن المصريين قد برعوا في الهندسة فكرة شائعة عند القدماء. ووفق العديد من الباحثين فإن المصريين هم من اخترعوا الهندسة.

[16] انظر: 2كو 3: 14.

[17] انظر: لو 17: 26-27؛ مت 24: 27.

[18] يمثل انقضاء الدهر بالنسبة لأوريجانوس ليس مجرد الحدث الأخير لمجي المسيح الثاني، ولكنه العصر الحالي ككل الذي بدأ بمجيء ابن الإنسان أي التجسد. ومن هنا جاء استخدام صيغة الماضي الذي يدهشنا. ارجع إلى العظة 15: 5 “في نهاية الدهر، نزل ابن الله الوحيد إلى الجحيم.”

[19] انظر: تك 6: ۹.

[20] انظر: مز ۲: ۸.

[21] انظر إش 26: 20.

[22] انظر: ترتليان ( 24, TERTULLIEN , De idol): “لنر إن كان هناك مكان بالكنيسة وفقا لما صوره الفلك بالنسبة للغراب والعقاب والذئب والكلب والثعبان. ولكن من المؤكد أن الفلك لا يحوي أي وثني”. وطبقا لهيبوليتوس (HIPPOLYTE, Philos. 9, 12): “يقول سابيليوس إن فلك نوح كان صورة الكنيسة، نرى فيه كلابا وذئائا وغربانا وكافة أنواع الحيوانات الطاهرة والنجسة. وكان يقول إنه لا بد أن يكون هكذا أيضا في الكنيسة.”

[23] انظر 1كو 15: 23.

[24] انظر 2تي 2: 2.

[25] كثيرا ما كان أوريجانوس يعود إلى المعنى الاشتقاقي للأعلام كما ورد في معاجم أسماء الأعلام القديمة. وسوف نلتقي فيما يلي بالعديد من أصول الكلمة هذه. وهي تبدو مبتكرة بالنسبة لفقهاء اللغة اليوم، لكنها كانت تؤخذ آنذاك كما هو شائع.

[26] انظر: تك 5: 29.

[27] انظر: تك 6: 7.

[28] انظر: تك 6: 7، 12.

[29] انظر: يو 1: 29.

[30] انظر: غل 3: 13.

[31] انظر: مت 11: 28-29.

[32] انظر: تك 6: 14.

[33] لاحظ تدرج وظائف التعليم. أولا غيورو الإيمان الذين يبدو أن دورهم يتمثل في توبيخ وتحذير الفاترين، ثم يأتي المعلمون المتولون مهمة التعليم بالمعنى الحرفي للكلمة، وأخيرا هناك الأحبار ويمكن أن يقوموا بالوظائف السابق ذكرها (العظة 13: 4) ولكن ترجع إليهم بشكل خاص مهمة الدفاع عن الإيمان ضد الهراطقة والوثنيين.

[34] انظر: حز 31: 1-5.

[35] انظر: حز ۳۱: ۸-۹. هذا الاستشهاد من حز 3: 1-5، ۸۔ ۹ موجود دون حذف في المقاطع عند ديديموس بنفس الهدف وهو أن يثبت أن الكتاب المقدس يتحدث عن” أشجار عاقلة” ويمكننا أن نتبين اختلافات طفيفة بين النصين.

[36] انظر: تث 21: 23.

[37] انظر: إر 17: 5.

[38] انظر: غل 1: 8.

[39] انظر: تك 6: 14.

[40] انظر: مت 23: 27.

[41] كثيرا ما يظهر مفهوم السر هذا في فكر أوريجانوس. لقد جاء العهد الجديد بالإعلان عن سر المسيح، ولكن هذا السر لا ينكشف مرة واحدة أمام المؤمن. بل هو منتشر ومخفي في كل مكان في الكتاب المقدس ومتناثر في قصص ورموز لا حصر لها. والحرفية هي التي تبقي الكتاب في الظل، كما يغطي البرقع وجه موسى (العظة ۲: ۳؛ 6: ۱؛ 7: 1، ۷: 6؛ ۱۲: ه؛ ۱۳: ۳؛ 15: 7). ولذا يجب إزالة البرقع حتى ينكشف سر الكتاب.

وتضاعف الدراسة الدقيقة والمثابرة والتي على نور الإيمان من نقاط الاتصال مع هذا السر. كل نقطة اتصال تكون إذا مثل سر خاص وجزء من السر الواحد. والكتاب المقدس هو محيط من الأسرار (العظة ۹: ۱) التي ينبغي الكشف عنها واحدة فواحدة.

[42] انظر: اف 3: 18.

[43] انظر: لو 15: 4-5؛ مت 18: 12-13.

[44] تعتبر هذه هي الصورة التمهيدية للمفهوم الذي يرد عند معظم الآباء الشرقيين وهو أن عمل الله الثالوث هو “من الآب بالابن في الروح القدس”.

[45] يجب أن يتساءل القارئ باستمرار في كل فقرة شبيهة، إلى أي مدى يمكن أن تتطابق ترجمة روفينوس الذي كان يكتب بعد الجدال عن الثالوث، مع لغة أوريجانوس. ومن المؤكد أن أوريجانوس كان يجد من جهة الأرقام، أن شرح رمزيتها هو أمر مفيد.

ويأتي أوريجانوس بعد فيلو، الذي كان يسر بهذا النوع، وبعد كيلمندس السكندري، الذي قدم بالفعل معنى أبعاد الفلك (475.Strom . VI , 11 , 86 – 87 : GCS 15 , p)، وسنجد أنه قد جاءت أيضا معنی الأرقام ۳۰۰ و ۱۰۰ و 50 و ۳۰ و۱ وفقا لمقارنات كتابية في العظة 16: 16.

[46] انظر: لا 25: 10.

[47] انظر 1كو 8: 6.

[48] انظر: أف 4: 4، 5.

[49] ارجع إلى عظاته على سفر العدد 21: 2 “من جهة القمة المحصورة والضيقة، فهي مكان الإنسان العاقل. ومن جهة أخرى، تقام القبة على ذراع واحد لأن الكل يرجع إلى الوحدة؛ لكن الوحدة نفسها تشير إلى سر الثالوث بعدد ثلثمائة ذراع ويوضع الإنسان بجانب هذا الرمز باعتباره عاقلا وقادرا على استقبال الله .”

[50] انظر: تك 41: 46.

[51] انظر: لو 3: 23؛ مت 3: 16.

[52] انظر: مر 1: 10.

[53] انظر: لا 23: 16؛ تث 16.

[54] انظر: عد 31: 28، 30.

[55] انظر: تك 14: 14.

[56] انظر: قض 7: 6، 8.

[57] انظر: صف 1: 15.

[58] انظر: لا 16: 27-28.

[59] انظر: في 2: 10.

[60] انظر: 2كو 12: 2.

[61] انظر: يو 14: 2.

[62] انظر: مت 18: 3.

[63] انظر: إش 11: 6-8.

[64] انظر: أع 10: 11-12.

[65] انظر: أم 26: 9.

[66] انظر: اصم 6: 7.

[67] انظر: لا 14: 34؛ 13: 48.

[68] ارجع إلى عظاته على سفر الخروج ۹: 4 “ليعمل كل واحد فينا من ذاكرته فلكا ومكتبة الكتب الإلهية لأن النبي يعتبر أن من يحفظون في ذاكرتهم وصايا الله لينفذوها هم مطوبون.”

[69] انظر: في 3: 20.

[70] انظر: 1كو 9: 24.

[71] انظر: إر 2: 20؛ 3: 6.

[72] انظر: تك 6: 14.

[73] انظر: أف 5: 32.

[74] نرى هنا الثمرة الثلاثية مصاغة بإتقان وهي التطبيق بالمعنى الحرفي والرمزي والأخلاقي.

[75] انظر: تك 6: 14.

[76] انظر: رؤ 10: 10.

[77] انظر: تك 6: 19.

[78] ارجع إلى العظة 1: 17.

[79] اهتمام أوريجانوس بالتأمل والاقتباسات التي يأخذها من الفلسفات الوثنية تعطي بعض المستمعين الأقل خبرة انطباعا أنه يتحدث کرواقي أو علماني أكثر من كونه معلما مسيحيا۔ وهو ينكر ذلك ويشرح رأيه بالفعل في العظات ۱: ۱۷، ۲۳. وفي موضع آخر (العظة 13: 3) يذكر أن المعلمين الوثنيين هم الذين يتهموه باستعمال حججهم وأساليبهم.

[80] انظر: 1كو 2: 13.

[81] انظر: يع 1: 22.

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثالثة ختان إبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

الخليقة

اليوم الأول[1]

“في البدء”

1“في البدء خلق الله السماء والأرض”[2]. ما هو بدء كل شيء إلا يسوع المسيح ربنا و”مخلص جميع الناس”[3] “بكر كل خليقة[4]“؟ إذاً في هذا البدء، بمعنى في “كلمته” “خلق الله السموات والأرض، كما يقول يوحنا البشير في بداية إنجيله: “في البدء كان الكلمة وكان الكلمة عند الله وكان الكلمة الله. كان هذا في البدء عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان.[5]” وهو لا يتكلم هنا عن بدء زمني ولكنه يقول إن السماء والأرض وكل ما خلق قد خلق “في البدء” أي في المخلص[6].

الظلمة

وكانت الأرض محتجبة ولا شكل لها، وكانت الظلمة تغطي الهاوية، وروح الله يرف على المياه”[7] كانت الأرض محتجبة ولا شكل لها قبل أن يقول الله “ليكن نور”[8] وقبل أن يفصل النور عن الظلمة وفقاً لما يشير إليه ترتيب السرد. بعد ذلك أمر الله بأن يكون هناك جلد وهذا أسماه “سماء”. وحين نصل إلى تلك النقطة سنوضح الفرق بين الجلد والسماء ولماذا أطلق على الجلد السماء. ولكن الآن يقال: “كانت الظلمة تغطي الهاوية”[9]، فما هي تلك الهاوية؟ بالتأكيد هي الهاوية التي سيكون فيها[10] “إبليس وملائكته”[11]. على الأقل هذا أيضاً مذكور بوضوح في الإنجيل، حين قيل عن المخلص: “إن الشياطين الذين كان يطردهم كانوا يطلبون إليه ألا يأمرهم بالذهاب إلى الهاوية.”[12]

لهذا يبدد الله الظلمة طبقا للنص الكتابي القائل: “وقال الله ليكن نور فكان نور. ورأى الله أن النور كان حسناً وفصل الله النور عن الظلمة. وسمى الله النور نهاراً وسمى الظلمة ليلاً. وكان مساء وكان صباح: يوماً واحداً.”[13]

الزمن

وطبقا للحرف، فإن الله أطلق على النور نهاراً وعلى الظلمة ليلاً ولكن طبقاً للمعنى الروحي، دعونا نرى بعدما “صنع السماء والأرض” في ذلك “البدء الذي تحدثنا عنه سابقاً، وبعد أن قال أيضاً إنه كان نور ثم فصل النور عن الظلمة وأطلق على النور نهاراً وعلى الظلمة ليلاً، وبعد أن قال إنه كان مساء وكان صباح، لماذا لم يقل الله “اليوم الأول”[14] لكن “يوم واحد”[15]؟ ذلك لأن الزمن لم يكن موجوداً قبل كون العالم. ولكن الزمن بدأ يوجد مع الأيام التالية. فاليوم الثاني والثالث والرابع وكل الأيام الأخرى بدأت تشير إلى الزمن.

اليوم الثاني

السماء والجلد[16]

۲ وقال الله: “ليكن جلد في وسط المياه وليفصل المياه من المياه. وكان كذلك. فعمل الله الجلد[17]” وبعدما خلق السماء، يخلق الله الآن الجلد. في الواقع هو خلق السماء أولاً التي قال عنها: “السماء كرسيي”[18]، ثم بعد ذلك خلق الجلد، أي السماء الجسدية. فمن الواضح أن كل جسد يكون صلباً ومتماسكاً وهذا ما يفسر أن الجلد “فصل بين المياه التي فوق السماء من المياه التي تحتها.”[19]

وحيث أن كل ما كان الله سيصنعه كان مكوناً من روح وجسد، فلهذا قد قيل إن السماء، أي كل مادة روحية يعتمد عليها الله، كما على كرسي، قد خلقت في “البدء” وقبل كل شيء. ولكن السماء الأخرى، أي الجلد، هي جسدية. لهذا فإن السماء الأولى التي وصفناها بأنها روحية هي روحنا، التي هي بالضرورة روحية، أي إنساننا الروحي الذي يرى الله ويتأمله. ولكن الأخرى، التي هي السماء الجسدية والتي يطلق عليها جلد، فهي إنساننا الخارجي الذي يرى بأعين الجسد.

وكما أطلق على الجلد سماء لأنه يفصل بين المياه التي فوقه عن تلك التي تحته، هكذا الإنسان، الذي هو كائن في جسد، إن استطاع أن يفصل ويميز بين المياه العليا التي “فوق الجلد” والمياه التي “تحت الجلد” فسوف يسمى هو أيضاً سماء أي “إنساناً سماوياً[20]” كقول الرسول بولس: “فإن مسكننا هو في السماء[21]

هذا إذا هو ما تحويه ألفاظ الكتاب ذاتها: “فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه الذي فوق الجلد. ودعا الله الجلد سماء ورأى الله أن هذا حسن، وكان مساء وكان صباح، وكان ذلك يوما ثانياً[22]

المياه العليا

وليهتم كل واحد منكم إذن بأن يصير من يفصل الماء الذي هو في الأعلى عن الماء الذي بالأسفل حتى يصل إلى الفهم والمشاركة في الماء الروحي الذي هو “فوق الجلد”، ويجري من بطنه أنهار ماء حي تنبع إلى الحياة الأبدية”[23]، مبتعداً بلا شك ومفصولاً عن الماء السفلي أي عن ماء الهاوية الذي يضع الكتاب فيه الظلمة وحيث يسكن “رئيس هذا العالم[24]” و”التنين العدو “مع ملائكته”[25] كما سبق وقلنا.

وهكذا إذاً بالاشتراك في الماء العالي الذي هو فوق السموات يصبح كل مؤمن سماوياً بمعنى أن يركز ذهنه في الأشياء العليا والسامية ولا يكون أي شيء من أفكاره في الأرض، ولكن تكون كلها في السماء، و “يطلب ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الآب”[26]. حينئذ هذا الإنسان نفسه سيحسبه الله مستحقاً للمديح الموجود في النص القائل: “ورأى الله أن هذا كان حسناً”[27]

اليوم الثالث

تصبح أرضا خصبة

ثم ما عرضه في التكملة عن اليوم الثالث يلحق بذات المعني. والواقع أن الكتاب يقول: “وقال الله: ليجتمع الماء الذي تحت السماء إلى كتلة واحدة ولتظهر اليابسة[28]. وكان كذلك”[29].

لنسعى نحن إذن إلى جمع الماء الذي تحت السماء” وأن نزيلها بعيداً عنا حتى تظهر بعد ذلك “اليابسة” أي أعمالنا التي نعملها بالجسد “حتى إذ يرى الناس أعمالنا الحسنة يمجدوا أبانا الذي في السموات”[30]. لأننا إن لم نفصل عنا المياه التي تحت السماء، أي الخطايا ونقائص جسدنا فلن تتمكن يابستنا من الظهور ولن يكون لها الثقة بأنها تسير نحو النور. “كل من يفعل الشر يكره النور ولا يأتي إلى النور خشية أن تدينه أعماله، ولكن من يتمم الحق يأتي إلى النور حتى تظهر أعماله ونراها بما أنها قد عملت في الله”[31]. وهذه الثقة لن تعطى لنا إن لم نطرح ونقطع بعيداً عنا، مثل المياه، نقائص الجسد التي هي أسباب الخطايا. وحين يتم ذلك فإن اليابسة فينا لن تظل “يابسة” كما سنرى فيما يلي.

يقول الكتاب في الواقع ليجتمع الماء الذي تحت السماء إلى كتلته ولتظهر اليابسة. ودعا الله اليابسة أرضاً ومجتمع المياه دعاه بحراً”[32]. وكما أن اليابسة حين تنفصل عن المياه، كما قلنا منذ قليل، لا تبقى يابسة” ولكنها تدعى منذ ذاك “أرضا”، هكذا أيضا أجسادنا، إن حدث مثل هذا الانفصال فيها، فلن تظل “يابسة”، بل سوف تدعى “أرضاً” حيث سيمكنها بعد الآن أن تنتج ثمراً لله.

والله حين “خلق في البدء السماء والأرض خلق فقط فيما بعد الجلد واليابسة ودعا الجلد “سماء” معطياً إياه اسم سماء التي كان قد خلقها قبلاً. ودعا اليابسة “أرضا” لأنه أعطاها القدرة على أن تنتج ثمراً. إذاً إن ظل أحد يابساً بسبب إثمه ولم ينتج ثمراً بل “شوكاً وحسكاً”[33] كما لو كان ينتج “غذاء للنار[34]” فسوف يصير هو نفسه “طعاماً للنار” بسبب ما ينتجه. أما إن فصلته غيرته اليقظة عن مياه الهاوية التي هي أفكار الشياطين، وإذا بدا كأرض تنتج ثمراً، فيجب عليه أن يترجى معاملة بنفس الطريقة، لأن الله يدخله إلى “أرض يفيض فيها اللبن والعسل[35].”

الإتيان بثمر

۳ ولكن دعونا نرى مما يلي ما هي الثمار التي يأمر الله “الأرض” التي أعطاها هو نفسه هذا الاسم بإنتاجها. “ورأى الله أن ذلك حسن. وقال الله: لتنبت الأرض عشب الحقول يحمل بذراً كجنسه وكهيئته، وشجرا ذا ثمر ينتج ثمراً يحوي بذره بداخله كهيئته على الأرض. وكان كذلك”[36]. ومن الواضح لو تمسكنا بحرفية النص، إنه توجد هنا الثمار التي أنتجتها الأرض حينما لم تعد بعد “اليابسة”

ولكن دعونا نرجع إلى أنفسنا من جديد. فها نحن الآن “أرض” ولم نعد بعد “يابسة”، فلنأت إذاً لله بثمار وفيرة ومتنوعة حتى نكون نحن أيضاً مباركين من الآب الذي يقول: ها إن رائحة ابني كرائحة حقل مثمر باركه الرب”[37]، وحتى يتحقق فينا قول الرسول: “حين تشرب أرض المطر الآتي عليها مراراً كثيرة وتنتج عشباً صالحاً للذين يزرعونها، فستنال بركات من الله. ولكن الأرض التي تنبت شوكاً وحسكاً تبدو نوعيتها رديئة وقريبة من اللعنة وننتهي بإحراقها”[38].

4 “فأخرجت الأرض عشب الحقول يحمل بذراً كجنسه وكهيئته، وشجراً ذا ثمر يعمل ثمراً يحوي بذره بداخله كجنسه على الأرض. ورأى الله ذلك أنه كان حسنا. وكان مساء وكان صباح، وكان هذا اليوم الثالث[39].” فالله يأمر الأرض ألا تنبت فقط “عشب الحقول ولكن أيضا “البذار” حتى يمكن أن تنتج ثمراً باستمرار. ولم يأمر بأن تنبت فقط شجراً ذا ثمر” ولكن أيضا شجراً “يحمل ثماراً تحوي بداخلها بذرها كجنسها” وذلك حتى تستطيع بفضل هذه البذار التي بداخلها أن تؤتي ثمراً باستمرار.

وبالمثل، علينا نحن أيضا أن نأتي بثمر وأن تكون في أنفسنا البذار، أي أن نحوي في قلوبنا بذور كل الأعمال الحسنة وجميع الفضائل التي إذ تكون مغروسة في أرواحنا هكذا تجعلنا نتمم ببر كل الأعمال التي نعملها. لأن ثمار هذه البذار هي أعمالنا حين تأتي من كنز قلبنا الصالح”[40].

لأننا إن سمعنا الكلمة وبعد سماعها تنبت أرضنا في الحال عشبا، وإن “جف هذا العشب”، قبل أن ينضج ويأتي بثمر، فإن أرضنا سوف يطلق عليها أرضاً “صخرية”[41]، ولكن إن ترسخت الكلمة في قلبنا بجذور عميقة حتى تعطي ثمرة الأعمال وتحوي بذار الخيرات العتيدة، فحينئذ تعطي أرض كل منا بالحقيقة ثمراً كطاقتها “الواحدة مائة، والأخرى ستين، والأخرى ثلاثين للواحدة[42]“. ولكن بدا لنا من الضروري أن نلفت النظر إلى أن ثمرنا لا يجب أن يحوي “شقاقا”[43] أي زوانا في أي مكان، وأنه لا يجب أن يكون على جوانب الطريق”[44] بل يجب أن يكون مزروعاً على الطريق ذاته، على هذا الطريق الذي يقول: “أنا هو الطريق”[45] حتى لا تأكل طيور السماء”[46] ثمارنا ولا كرمنا. ومع ذلك إن استحق أحد منا أن يكون كرمة[47]، فليحترس من أن يحمل “أشواكا” بشكل العناقيد، وإلا فإن تلك الكرمة لن تشذب ولن تقلم، ولن تحصل “السحب” على الأمر (من الله) بأن تسقط عليها الأمطار، بل بالعكس سوف تترك “قفراً” حتى تنبت فيها الأشواك “[48].

اليوم الرابع

الأنوار: المسيح والكنيسة

5 وبعد ذلك تستحق السماء من الآن أن تكون مزودة بأنوار. فقال الله: “لتكن أنوار في جلد السماء لتضيء على الأرض وتفصل النهار عن الليل[49]“. فكما أمر الله أن تكون هناك أنوار في الجلد الذي يدعى سماء، حتى تفصل بين النهار والليل هكذا يمكن أن يحدث لنا أيضا شرط أن نجاهد حتى ندعي ونصير سماء؛ فيكون لنا في أنفسنا مثل أنوار لتنير لنا المسيح وكنيسته. فالمسيح هو “نور العالم[50]” هو الذي ينير الكنيسة أيضا بنوره[51]. فكما نقول إن القمر يحصل على نوره من الشمس حتى يتمكن الليل ذاته من أن يستنير به، هكذا أيضاً الكنيسة إذ تحصل على نورها من المسيح، تنير كل من هم في ليل الجهالة. ولكن إن تقدم أحد حتى صار “ابنا للنهار” سائرا بأمانة كما في وضح النهار”[52]، “كابن للنهار وابن للنور[53]“، فهذا ينيره المسيح ذاته كشمس النهار.

6 “لتكن علامات ولتحدد الأزمنة والأيام والسنين، ولتكن أنوار في جلد السماء لتنير الأرض. وكان كذلك[54] ” فكما أن الأنوار التي نراها في السماء قد وضعت لتكون “علامات ولتحدد الأزمنة والأيام والسنين” وتنير من الجلد من هم في الأرض، هكذا المسيح؛ إذ ينير كنيسته يعطي أيضاً علامات من خلال تعاليمه، حتى نعلم لدى استقبال العلامة كيف نتجنب “الغضب الآتي[55]” بحيث لا يفاجئنا “يوم الرب كلص[56]“، بل يسمح لنا بالحري أن نصل إلى سنة نعمة الرب[57]“.

فالمسيح إذاً هو “النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آت إلى هذا العالم[58]“، وتصير الكنيسة المستنيرة بنوره هي نفسها “نور العالم وتنير “الذين في الظلمة[59]“، كما يؤكد ذلك المسيح نفسه حين يقول لتلاميذه: “أنتم نور العالم[60]“. وينجم من هنا أن المسيح هو نور الرسل، والرسل بدورهم هم نور العالم، فهم في الواقع الكنيسة الحقيقية بسبب أنهم بلا دنس ولا غضن ولا شيء من مثل ذلك”، وفقا لقول بولس الرسول أن الله “أراد أن يظهر أمامه كنيسة مجيدة بلا دنس ولا غضن ولا شيء من مثل ذلك[61]“.

۷ “وعمل الله نورين عظيمين، النور الأكبر ليتسلط في النهار والنور الأصغر ليتسلط في الليل، وعمل أيضا النجوم. ووضعها الله في جلد السماء حتى تضيء على الأرض لتتسلط في النهار وفي الليل وحتى تفصل بين النور والظلمة. ورأى الله أن ذلك حسن. وكان مساء وكان صباح، وكان هذا اليوم الرابع[62]“. وكما أن الشمس والقمر، وفقا للكتاب المقدس، هما النوران العظيمان في جلد السماء هكذا أيضاً المسيح والكنيسة بداخلنا. ولكن أضاف الله نجوماً في الجلد، فيجب علينا نحن أيضاً أن نرى ما يمثل النجوم في داخلنا أي في سماء قلوبنا. فموسى نجم فينا يضيء وينيرنا بأعماله وكذلك إبراهيم وإسحق ويعقوب وإشعياء وإرميا وحزقيال وداود ودانيال وكل من شهدت لهم الكتب المقدسة بأنهم كانوا مرضيين لله[63]. وكما أن كل “نجم يختلف عن نجم في العظمة[64]” هكذا كل قديس بمقدار عظمته يسبغ نوره علينا.

وكما أن الشمس والقمر ينيران أجسادنا، هكذا ينير المسيح والكنيسة عقولنا. على الأقل هما ينيرانها، إن لم نكن عمياناً روحياً. لأنه كما أن الشمس والقمر لا يشعان نورهما على العميان الجسديين الذين لا يمكنهم أن يستقبلوا النور، هكذا المسيح يمد أرواحنا بنوره، ولكنه لن ينيرنا إلا لو لم يمنعه عمى عقلنا. فإن كان هذا هو الحال، فينبغي أولاً أن العميان يتبعون المسيح قائلين وصارخين: ارحمنا يا ابن داود[65]“، فبعد أن ينالوا من المسيح نفسه الإبصار، يمكن بعد ذلك أن يشرق عليهم بهاء نوره.

وأيضاً الذين يبصرون لا يستنيرون بالمسيح بالتساوي ولكن كل واحد على القدر الذي يستطيع به تلقي النور. فإن عيون جسدنا لا تنيرها الشمس بالتساوي ولكن كلما صعدنا إلى أماكن مرتفعة وكلما وضعنا المرصد في مكان عال حيث تتأمل النظرة من خلاله شروق الشمس، تمكننا من إدراك بريقها وحرارتها بصورة أفضل. وهكذا كلما اقتربت عقولنا بصعودها وارتفاعها من المسيح وتعرضت بمزيد من القرب لبريق ضيائه، أشعت أيضاً بنوره بصورة أكثر روعة وأكثر لمعانا، كما يقول الله ذاته هذا من خلال النبي: “اقتربوا إلي فأقترب إليكم، يقول الرب[66]“، ويقول أيضاً: “أنا إله يقترب ولست إلهاً بعيداً”[67].

ومع ذلك فنحن لا نقترب إليه جميعنا بنفس الأسلوب “ولكن كل منا يذهب إليه حسب إمكاناته الخاصة.[68]” إما نذهب إليه مع الجموع وهو يشبعنا بأمثاله[69] فقط لئلا يجعلنا الصوم الطويل نخور في الطريق[70]، أو نظل باستمرار وبلا نهاية جالسين عند قدميه لا نهتم إلا بسماع كلمته دون أن ندع أنفسنا نضطرب “باهتمامات الخدمة الكثيرة”، “مختارين النصيب الأفضل الذي لن ينزع منا”[71]. وعند الاقتراب هكذا منه[72] نأخذ أكثر من نوره. ولو بقينا معه مثل الرسل بلا انقطاع في كل تجاربه[73] دون أن نبتعد عنه ولو إلى قليل، فهو يوضح ويفسر لنا سراً ما قاله للجموع[74] وينيرنا بنور أكبر بكثير وحتى لو استطعنا أن نذهب معه إلى قمة الجبل كبطرس ويعقوب ويوحنا[75] فلن نستنير فقط بنور المسيح، ولكن أيضا بصوت الآب ذاته.

 اليوم الخامس

الزواحف والطيور: الأفكار الطيبة والأفكار السيئة

۸ “وقال الله: لتنتج المياه بين الحيوانات الحية كائنات تزحف وطيور تطير على الأرض في جلد السماء. وكان كذلك[76]” وحسب التفسير الحرفي تنتج المياه “الكائنات التي تزحف” “والطيور” عند أمر الله، وهكذا نعلم من هو خالق هذه الكائنات التي نراها. ولكن لنرى كيف يحدث الشيء ذاته في جلد سمائنا، أي في الحقيقة الثابتة التي لعقلنا وقلبنا.

أتصور حينما استنارت عقولنا بالمسيح شمسنا، فإنها تحصل بعد ذلك على الأمر بأن تظهر من المياه التي بها “كائنات تزحف” وطيور تطير بمعنى أن تعرض للنور الأفكار الجيدة والأفكار الرديئة، حتى تعمل الفصل بين الجيدة والرديئة، بما أنها جميعها تأتي من القلب. لأن من قلوبنا تخرج. كما من المياه الأفكار الجيدة والرديئة. لنعرض إذاً، على كلمة الله وبأمره، الأفكار الجيدة والرديئة أمام نظر الله وحكمه حتى إذ نستنير به نستطيع أن نفصل الرديء عن الجيد، أو بعبارة أخرى أن نبعد عنا ما يزحف على الأرض ويقدم اهتمامات أرضية.

أما الكائنات الأفضل، أي “الطيور”، فلندعها تطير ليس فقط “على الأرض” ولكن أيضاً في “جلد السماء”. أو بعبارة أخرى لنعد إلى فكر واعتبار المخلوقات الأرضية وكذلك السماوية التي فينا كي نتمكن من فهم أن الكائنات الزاحفة هي العنصر الضار فينا. فلو نظرنا “لامرأة باشتهاء[77]” فهذا نوع من الزواحف السامة ولكن إن كان لدينا الشعور بالتعفف فحتى لو هامت بنا سيدة مصرية عاشقة، فنصير كالطيور تاركين بين يديها الثياب المصرية ونهرب بلا توقف من الفخاخ الدنيئة[78]. وإن كان فينا ميل للسرقة فهذا أيضاً من الزواحف الكريهة، ولكن إذا فكرنا وإن كنا لا نملك سوى “فلسين صغيرين” لتقديمهما كصدقة “عطية لله[79]” فهذه الفكرة هي طير لا يفكر في الأرضيات، بل يتجه بأقصى سرعة ممكنة إلى جلد السماء. وإن سلمنا بفكرة أنا لا ينبغي أن نحتمل آلام الاستشهاد فهذا نوع من الزواحف السامة، ولكن إن تكونت لدينا الفكرة المتعقلة بأننا يجب أن نجاهد حتى الموت من أجل الحق[80] فهذا يكون طيراً وصل من الأرض إلى الأعالي[81]. وعلينا التفكير بالمثل بالنسبة لباقي أنواع الخطايا والفضائل ونميز الزواحف والطيور التي تحصل مياهنا على الأمر بإبرازها حتى نحكم عليها في إطار نظرة الله.

9 “وخلق الله الحيوانات المائية العظيمة وكل كائن حي من الحيوانات الدبابة التي أنتجتها المياه كجنسها وكل طائر ذي جناح كجنسه[82].” وفيما يتعلق بهذه المخلوقات، كما فيما يتعلق بمن تحدثنا عنها للتو، علينا أيضا أن نفهم أننا يجب أن ننتج “حيوانات مائية عظيمة وكذلك “حيوانات دبابة كجنسها يجب في رأيي أن نرى في الحيوانات المائية العظيمة: الأفكار الآثمة والتصرفات الشنيعة المخالفة لله. ومع ذلك فكل تلك الأفكار يجب أن نظهرها بالنسبة إلى الله ونعرضها أمامه حتى يسمح لنا بتقسيم وفصل الجيد من الرديء وحتى يعين الرب لكل منا مكانه كما سنرى فيما بعد.

۱۰ “ورأى الله أنها كانت حسنة. وباركها الله قائلا: أثمري وأكثري واملأي المياه التي في البحار وليكثر الطير على الأرض. وكان مساء وكان صباح وكان هذا اليوم الخامس[83]” أخذت “الحيوانات المائية العظيمة وكذلك “كل كائن حي من جميع الحيوانات الدبابة التي أنتجتها المياه الأمر بأن تبقى هناك حيث يسكن “التنين الذي صنعه الله ليسخر منه[84]“. ولكن الطيور عليها أن تكثر على الأرض التي كانت قبلا “اليابسة”، والتي تدعى الآن “أرضا”، كما قلنا عاليه.

المنفعة من وراء الشر

ومن الممكن أن نتساءل: لماذا تمثل الحيوانات المائية العظيمة والكائنات الدبابة الشر بينما الطيور تمثل الخير في حين أنه قيل عنهما معا: “ورأى الله أنها حسنة[85]“؟ ذلك لأنه بالنسبة للقديسين، فحسنة هي الكائنات التي تضادهم، لأنهم يستطيعون أن يغلبوها وعندما يغلبونها يصير لهم مجد أعظم عند الله. وفي نهاية المطاف، حين طلب إبليس من الرب أن يسلطه على أيوب[86]، فقد كانت مهاجمات العدو بالنسبة لأيوب سبب مجد مضاعف بعد النصرة[87]، والدليل على ذلك أنه قد استعاد ضعف ما كان قد فقده في هذا العالم، كما أنه مستعد جداً لأن يستعيده دون أدنى شك بذات الأسلوب في السماء. ومن ناحية أخرى يقول بولس الرسول: “لا يكلل أحد إن لم يحارب قانونياً[88]“. فكيف تكون هناك حرب بدون عدو؟ فجمال النور وروعته لن يلاحظا إن لم تأت ظلمة الليل. هل نمتدح هؤلاء بسبب عفتهم إن لم ندن أولئك بسبب فسقهم؟ هل نمجد هؤلاء بسبب شجاعتهم لو لم يكن هناك جبناء ومرتعدون؟ تناول ما هو مر فتصير حينئذ الحلاوة ألذ. تأمل شيئاً مظلماً يبدو لك الشيء المنير أكثر جاذبية. فباختصار، تأمل الأشرار يظهر مجد الأبرار الأكثر تألقاً. ولهذا يقول الكتاب عنها جميعا: “ورأى الله أنها حسنة[89]“.

ولكن لماذا لم يكتب أن الله قال إنها حسنة بل قال “ورأى الله أنها حسنة”؟ لأن الله رأى فائدتها والسبب الذي سمح لها. مع كونها حسنة في ذاتها. بأن تجعل الصالحين يصلون إلى الكمال. لذا قال: “أثمري وأكثري واملأي المياه التي في البحار وليكثر الطير على الأرض[90]“، وهذا يعني أن الحيوانات المائية العظيمة والكائنات التي تزحف يجب أن تكون في البحر كما قلنا عاليه وأما الطيور فيجب أن تكون على الأرض.

اليوم السادس

حيوانات الأرض: الإنسان الأرضي

۱۱ “وقال الله: “لتنتج الأرض الحيوان الحي كجنسه: البهائم والدبابات ووحوش الأرض كجنسها. وكان كذلك. فعمل الله وحوش الأرض كجنسها وجميع الكائنات التي تزحف على الأرض كجنسها ورأى الله أنها حسنة[91].” التفسير الحرفي هنا لا يمثل صعوبة. لأنه يقول بوضوح إن الله هو الذي خلق الكائنات الحية والبهائم والوحوش وثعابين الأرض. أما بالنسبة إلى المعنى الروحي، فمن المفيد أن نربط هذا المقطع بالتفسيرات السابقة.

منذ قليل، كانت الآية تنص على: “لتنتج المياه بين الحيوانات الحية كائنات تزحف وطيور تطير فوق الأرض في جلد السماء.[92]” أما الآن فتنص على: لتخرج الأرض حيوانات حية كجنسها: البهائم والدبابات ووحوش الأرض كجنسها” ففيما يتعلق بالكائنات التي تخرجها المياه سبق وقلنا إنها يجب أن تفسر بتحركات وأفكار عقولنا والتي تأتي من عمق قلبنا. أما الآن فيما يتعلق بأية: “لتخرج الأرض حيوانات حية كجنسها: البهائم والدبابات ووحوش الأرض كجنسها[93]“، فأعتقد أننا ينبغي أن نرى فيها تحركات إنساننا الخارجي، أي الإنسان الجسداني والأرضي. وإجمالاً لا يذكر الطيور في الفقرات التي ترتبط بالجسد، ولكنه يذكر فقط البهائم والدبابات ووحوش الأرض. لأنه حسب رأي الرسول أن “البر لا يسكن جسدي[94]” وأن “حكمة الجسد هي عداوة لله[95]” فهذه بالتأكيد هي وحوش الأرض، أي جسدنا المخلوق، التي أوصى من جهتها الرسول أيضا هذه الوصية: “فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض، الزنا والنجاسة والدعارة والبخل وعبادة الأوثان… إلخ[96]“.

إذا بأمر الله وبواسطة كلمته عملت كل الأشياء المنظورة وأنشأ هذا الكون المرئي الهائل، ومن ناحية أخرى وفي الوقت ذاته وبصورة رمزية تم تحديد العناصر التي يمكنها أن تجمل هذا العالم الأصغر الذي هو الإنسان[97]، وحينئذ خلق الإنسان نفسه كما سيعرفنا ذلك ما يلي

خلق الإنسان

۱۲ وقال الله: “لنعمل الإنسان على صورتنا وشبهنا وليتسلط على أسماك البحر وطيور السماء وعلى الكائنات الحية وعلى كل الأرض وعلى كل الكائنات التي تدب على الأرض[98]“. وتبعا لتفسيراتنا السابقة، فإن الإنسان كما وصفناه هو من يتلقى من الله أمراً بالتسلط على الوحوش التي ذكرناها سالفاً، أي الطيور والوحوش الدبابة والبهائم وكل ما عداها. وقد قلنا ما هو التفسير الرمزي الذي يجب أن نعطيه لها حين شرحنا أن الماء، أي عقل الإنسان، قد تلقى أمرا بإنتاج الحس الروحي، والأرض بإنتاج الحس الجسدي بحيث إن الروح تتسلط على الحيوانات وليس العكس. لأن الله يريد أن “العمل” العظيم[99] هذا، وهو الإنسان، الذي من أجله خلق الكون كله[100]، لا يكون فقط غير ملوث وغير مصاب من قبل ما ذكرناه عاليه، ولكن أيضاً أن يتسلط عليها. ولكن دعونا الآن نرى بكلمات الوحي ذاتها من أي نوع من الكائنات الحية يصنف الإنسان.

عظمة الإنسان

إن جميع المخلوقات الأخرى خلقت بأمر إلهي، هذا هو ما يقوله الكتاب: “وقال الله: ليكن جلد[101]“، وقال الله: “لتجتمع المياه التي تحت السماء في كتلة واحدة ولتظهر اليابسة[102]“، وقال الله: لتخرج الأرض عشب الحقول[103].” ويعبر الكتاب بنفس الطريقة بالنسبة لكافة المخلوقات الأخرى. ولكن لنر ما هي المخلوقات التي صنعها الله بنفسه، ولنقس بها عظمة الإنسان: “في البدء عمل الله السموات والأرض[104]“، وأيضاً: “عمل نورين عظيمين[105]” والآن أيضاً: “لنعمل الإنسان[106]“. هذه فقط هي المخلوقات دون غيرها التي تحددت كعمل الله الشخصي. فالله لم يعمل سوى السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والآن الإنسان، وأما جميع الباقي فيقول الكتاب إنه عًمل بناء على أمره. فلننظر من هنا ما هي عظمة الإنسان، فهو يجعله مساو لأعظم العناصر وللعناصر الرئيسة. فهو يكرم مثل السماء، ولذلك فله الوعد “بملكوت السموات”، وهو أيضاً يكرم مثل الأرض، ولذا يأمل أن يدخل إلى أرض جيدة، في “أرض الأحياء حيث يتدفق اللبن والعسل[107].” وهو أيضاً يكرم كالشمس والقمر ولذا قد وعد بأن يضيء كالشمس في ملكوت الله[108]

۱۳ بل أتبين في وضع الإنسان شيئاً أسمى أيضاً، لا أجده في أي موقع آخر: “وعمل الله الإنسان، على صورة الله عمله[109]” وهذا لم يذكر لا عن السماء ولا الأرض ولا عن الشمس أو القمر.

الإنسان شبيه الله

بالتأكيد ذلك الإنسان الذي وفقاً للكتاب “عًمل على صورة الله لا نقصده إنساناً جسدياً. فالواقع أن نموذج الجسد لا يحوي صورة الله. ولم يقل إن الإنسان الجسدي قد “عُمل” ولكن إنه “صُنع كما ينص الكتاب فيما يلي. يقول الكتاب: “وصنع الله الإنسان أي شكله من طمي الأرض[110]. أما من عُمل “على صورة الله” فهو إنساننا الداخلي، غير المرئي، غير الجسدي، غير القابل للفساد وغير المائت. لأننا من هذه الصفات نعرف بدقة أكثر صورة الله[111]. فالتصور بأن الإنسان الجسدي هو الذي عمل حسب صورة الله وشبهه، هو الافتراض أن الله نفسه جسدي وأنه يمتلك شكل بشري، ومثل هذه الفكرة عن الله تعد وبكل وضوح تجديفاً. حاصل الكلام، فإن هؤلاء البشر الجسديون، الذين يجهلون معنى اللاهوت، حينما يقرأون عن الله في الكتاب: “السماء عرشي والأرض موطئ لقدمي[112]“، يتصورون أن الله له جسد ضخم حتى إنه يمد قدميه من السماء حيث هو جالس حتى الأرض. وإن كانت لديهم تلك الأفكار فذلك لأنه تنقصهم الآذان المطلوبة لسماع كلام الله المذكور في الكتاب عن الله باستحقاق. فكلمة “السماء عرشي” تفسر كما ينبغي عن الله عندما نعلم أن الله يستريح ويسكن في الذين “مسكنهم في السموات[113]“، أما من كان لهم سلوك أرضي بعد، فنجد فيهم الجزء الأخير من نعمته، كما يشار إلى ذلك بأسلوب مجازي من خلال ذكر القدمين.

فإذا كان من بينهم من وضعوا جهادهم وحماسهم في أن يصيروا سماويين من خلال قداسة الحياة وعمق الفكر، فهؤلاء يصبحون هم أنفسهم أيضا عرشا لله، بعد أن جعلوا أولا سماويين بسلوكهم، وهم يقولون: “أقامنا مع المسيح وأجلسنا معه في السماوات[114].” وأما الذين “كنزهم في السماء[115]” فهؤلاء يمكن أن يطلق عليهم سماويين وكذلك عرشاُ الله لأنه “حيث يكون كنزهم هناك يكون قلبهم[116]“، والله لا يكتفي بأن يستند عليهم ولكنه يسكن أيضاً فيهم[117]. وإن كان هناك من يصلون إلى درجة أن يستطيعوا القول: “أم أنكم تبحثون عن برهان أن المسيح هو الذي يتكلم فيّ[118]“، فلا يكتفي الله بأن يسكن في هؤلاء فقط، ولكنه يسير في وسطهم أيضاً. ولهذا فالكاملون إذ صاروا سماويين أو أصبحوا سماوات، فإنهم يخبرون بمجد الله[119]” كما يقول في المزمور، لهذا أيضا التلاميذ الذين كانوا من السماوات قد أرسلوا ليخبروا بمجد الله ويأخذوا اسم “بوانرجس أي ابني الرعد[120]“، حتى تؤكد لنا قوة الرعد أنهم حقاً من السماوات.

إذاً “عمل الله الإنسان، على صورة الله عمله[121]“. فعلينا أن نرى ما هي صورة الله ونبحث على شبه أية صورة خلق الإنسان، لأنه لم يقل إن الله عمل الإنسان على صورته أو على شبهه، ولكن أنه “عمله على صورة الله فما هي إذا صورة الله الأخرى هذه التي عمل الإنسان على شبهها؟ لهذه الصورة لا يمكن أن تكون إلا مخلصنا: هو بكر كل خليقة[122]” ومكتوب عنه أنه “بهاء النور الأبدي والرسم المرئي لجوهر الله[123]“، ويقول هو عن نفسه: “أنا في الآب والآب فيّ[124]” ومن رآني فقد رأى الآب أيضاً[125].” والواقع أن من يرى صورة شخص يرى الشخص الذي تمثله الصورة. وهكذا، نحن نرى الله عن طريق كلمة الله الذي هو صورة الله. وهكذا يحق ما يقوله إن: “من رآني فقد رأي الآب أيضاً”.

فالإنسان خلق إذا على شبه هذه الصورة. ولهذا، مخلصنا، الذي هو صورة الله، إذ تحركت مشاعر الشفقة لديه من أجل الإنسان الذي عًمل على شبهه، والذي رآه ينحل من صورته ليلبس صورة اللئيم، أخذ هو نفسه صورة إنسان، بدافع الشفقة، وجاء إليه كما يشهد بذلك أيضا الرسول حين يقول: “مع إنه كان الله بحاله، لم يتمسك بلهفة بمساواته مع الله، لكنه أخلى نفسه آخذاً حالة العبد، صائرا في شبه الناس، وإذ عًرف كإنسان من خلال كل ما بدا منه، وضع نفسه حتى الموت[126]

فكل من يأتون إليه ويجتهدون في أن يكونوا مشاركين لتلك الصورة العاقلة[127] بتقدمهم، “يتجددون يوما بعد يوم حسب الإنسان الداخلي[128]” على صورة من صنعهم، وهكذا يمكنهم أن يصيروا تشبيهين بجسد مجده[129]“، ولكن كل واحد بحسب قدراته. لقد تشكل الرسل من جديد على شبهه حتى قال عنهم هو نفسه: “إني ذاهب لأبي وأبيكم، إلهي وإلهكم[130]“، وقد طلب هو نفسه إلى الآب من أجل تلاميذه حتى يعاد لهم الشبه القديم قائلا: “أيها الآب اعمل بحيث يكونوا واحداً فينا، كما أننا أنت وأنا واحد[131].”

فلتكن إذن أعيننا دوماً على صورة الله هذه حتى يمكننا أن شكل من جديد على شبهه. فإن كان الإنسان المخلوق على صورة الله قد صار مشابها لإبليس بالخطية، بنظره، على عكس طبيعته، إلى صورة إبليس، فكم بالأحرى لو نظر إلى صورة الله التي خلقه الله حسب شبهها، فهو سينال بالكلمة وبقوته الشكل الذي أعطى له بالطبيعة. وإن وجد أحد أنه يشبه أكثر إبليس منه إلى الله، فلا ييأس من أنه يمكنه استعادة شكل صورة الله، بما أن المخلص لم يأت ليدعو الأبرار بل الخطاة إلى التوبة[132].” فمتى كان عشاراً[133] وبالطبع كانت صورته تشبه إبليس، ولكن بمجيئه إلى صورة الله وإلى ربنا ومخلصنا وباتباعها، تم تغييره إلى شبه صورة الله. ويعقوب ابن زبدي ويوحنا أخوه[134] “كانا صيادين[135]” وشخصين عديمي العلم[136]“، ومن الواضح أنهما كانا بناء على ذلك يشبهون بالأحرى صورة إبليس، ولكن باتباعهما هما أيضاً لصورة الله صارا مشابهين له مثل باقي التلاميذ. وبولس كان يضطهد[137] صورة الله ذاتها ولكنه حين استطاع أن يرى جمالها وعظمتها، حولته تلك الرؤيا إلى شبهها إلى درجة عالية، حتى إنه قال: “أم أنتم تبحثون عن البرهان على أن المسيح هو الذي يتكلم فيّ[138]؟

“خلقهما ذكرا وأنثى”

14 “ذكراً وأنثى خلقهم وباركهم الله قائلا أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض وكونوا أسيادها[139].” إنه من المثير للاهتمام أن نبحث هنا بتفسير حرفي لماذا يقول الكتاب: “خلقهما ذكرا وأنثى” في حين لم تكن المرأة قد خلقت بعد. بلا شك. هكذا أعتقد أنه بسبب البركة التي أعطاهما الله إياها قائلا: “أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض، فيقول الكتابة، مستبقاً ما كان سوف يحدث: “ذكراً وأنثى خلقهما”، لأن الرجل لا يستطيع أن يثمر ولا أن يتكاثر إلا بالمرأة. وحتى لا يكون هناك إذاً تردد في الإيمان بحلول تلك البركة، يقول: “ذكرا وأنثى خلقهما”، فعلى هذا النحو، إذ يرى الرجل أن النمو والتكاثر ينتج من أن المرأة مرتبطة به، فيمكنه أن يحتفظ بثقة أكبر في البركة الإلهية. فلو كان الكتاب قد قال: “أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض وكونوا أسيادها” دون أن يضيف أنه “خلقهما ذكرا وأنثى” لظل الإنسان حتما متشككا في البركة الإلهية، مثلما فعلت مريم التي جاوبت على بركة الملاك: “كيف يحدث هذا بما إني لست أعرف رجلا[140]؟” ولكن إذا كان الكتاب يقول مستبقا: “خلقهما ذكرا وأنثى” فربما أيضاً لأن كل أعمال الله مقدمة بكونها متحدة ومنجمعة كالسماء والأرض والشمس والقمر، فقد أراد الكتاب من هنا إذاً أن يوضح أن الإنسان أيضاً هو عمل الله وأنه لم يخلق دون الاتفاق والارتباط اللازمين له.

كل ذلك لم يقم بشيء سوى الإجابة على مشكلة التفسير الحرفي.

15 ولكن دعونا نرى أيضا بالمعنى المجازي كيف خلق الإنسان ذكراً وأنثى على صورة الله. إنساننا الداخلي مكون من روح ونفس. لنقل أن الروح هي الذكر، ويمكن أن تعتبر النفس هي الأنثى. فإن تفاهما واتفقا فيما بينهما يثمران ويكثران باتحادهما فيلدان – كأبناء – الأعمال الصالحة والأفكار والتأملات المفيدة التي يمكن بها الأرض ويكونون أسيادها، أي أنهما إذ يتحكمان في ميول الجسد يحولانها إلى مقاصد أسمى ويكونون أسيادها بعدم تساهلهما مع أي تمرد للجسد ضد إرادة الروح. أما إن هبطت النفس المتحدة بالروح والمقترنة بها، إذا جاز التعبير، أحياناً إلى الشهوات المادية ومالت إلى متعة الجسد، فبدت أنها تطيع إنذارات الروح الخلاصية حيناً وتستسلم للرذائل الجسدية حيناً آخر، فإن هذه النفس الملوثة، كما من زنا جسدي، لا يمكنها أن تثمر ولا أن تتكاثر بشكل شرعي، بما أن كلمة الكتاب تعلن أن “أبناء الزنا لا يصلون إلى كمالهم[141]“، فمثل هذه النفس التي تهمل الارتباط بالروح وتستسلم بكاملها إلى ميول الجسد وإلى الشهوات الجسدية كما لو كانت قد ابتعدت عن الله بوقاحة، فتلك النفس ستسمع الصوت القائل لها: “اتخذت وجه امرأة زانية وبذلت نفسك دون حياء للجميع[142]” وستعاقب إذا كزانية ويأمر الرب بإعداد مذبحة أبنائها[143].

16 “وتسلطوا على سمك البحر وعلى طيور السماء وعلى الخيل والحمير وعلى كل الحيوانات التي على الأرض وعلى الزواحف التي تدب على الأرض[144].” لقد سبق وأن فسرنا ذلك بالمعنى الحرفي[145] حين تعرضنا لآية: “وقال الله: لنعمل الإنسان” والباقي تم تفسيره حين قال: “ليتسلطوا على سمك البحر وعلى طيور السماء. إلخ[146]

أما بالمعنى المجازي، فما يبدو لي هو أن ما تشير إليه الأسماك والطيور والحيوانات والزواحف التي على الأرض هو ما قد سبق وقلناه أيضاً أعلاه، أي سواء ما ينتج عن تدابير النفس وفكر القلب أو ما يتولد من الشهوات المادية وحركات الجسد. وفي هذه جميعها يمارس القديسون الذين يحفظون بركة الرب تسلطهم من خلال قيادة الإنسان بالكامل طبقاً لإرادة الروح، أما الخطاة فهم على العكس تحت سيادة ما ينشأ عن نقائص الجسد وشهواته.

غذاء الإنسان

۱۷ “وقال الله ها قد أعطيتكم كل عشب يبذر بذراً على سطح الأرض كلها وكل شجر فيه ثمر ببذر يبذر، هذا يكون لكم طعاماً ولكل حيوانات الأرض وكل طير السماء وكل الدبابات التي تدب على الأرض والتي فيها نفس حية.[147]” وبالمعنى التاريخي، هذه العبارة تشير بوضوح إلى أن الله في البدء سمح باستخدام العشب كطعام، أي الخضراوات وثمار الأشجار ولكن فيما بعد، حين تم العهد مع نوح بعد الطوفان سمح الله للإنسان أن يتغذى على اللحوم. وسوف نفسر لاحقاً أسباب ذلك بشكل أفضل في موقعها. أما بالمعنى المجازي، فالعشب وثمار الأرض التي وهبت للإنسان كطعام يمكن أن تفسر على أنها الأهواء الجسدية. فالغضب والطمع هما إذا أفرع الجسد[148]، وثمر هذه الأفرع، أي العمل، بالنسبة لنا نحن الكائنات العاقلة كما بالنسبة لوحوش الأرض، هو مشترك، لأننا حين نحتد بحق، أي من أجل توبيخ شخص مذنب وإصلاحه من أجل خلاصه، فنحن هنا نتغذى من ثمرة الأرض هذه وغذاؤنا هو الإحتداد الجسدي الذي يردع الخطية ويستعيد العدالة.

وربما يبدو [لكم] أني قد استنتجت هذا من أعماقي أكثر مما استنتجته من سلطان الكتاب الإلهي، ولكن ارجعوا إلى سفر العدد وتذكروا ما عمله الكاهن فينحاس؛ إذ رأى امرأة زانية من مديان سلمت نفسها لفعل النجاسة مع رجل من بني إسرائيل أمام أعين الجميع، وإذ امتلأ من الغضب ومن الغيرة المقدسة، أمسك بسيف وطعن كل منهما به في صدريهما[149]. هذا التصرف حسب له براً من قبل الله، وفقا لكلمة الرب: “فينحاس هدأ غضبي وسوف يحسب له هذا براً[150]“. فهذا الطعام، أي الغضب الأرضي قد صار إذن غذاءنا حين نستخدمه بتعقل من أجل العدل. ولكن حين يوصل الغضب إلى أعمال مخالفة للصواب كمعاقبة الأبرياء، أو كالثورة في وجه من لم يفعلوا أي سوء، يكون هذا الطعام من أجل بهائم الحقل وثعابين الأرض وطيور السماء لأن الشياطين أيضاً تتغذى على نفس هذا الطعام، الذين يقتاتون أعمالنا السيئة ويفضلونها. وقايين مثال لنا على هذا النوع من الأعمال، هو الذي من غضبه وغيرته قتل أخاه البريء[151]. ويجب أن نقول ذلك عن الشهوة وعن كل الأهواء التي من هذا النوع. لأنه عندما تشتهي نفسنا وتنضني تائقة للإله الحي[152]“، فيكون الاشتهاء هو طعامنا. ولكن إذا نظرنا امرأة غريبة لنشتهيها[153] أو إذا اشتهينا أي شيء يملكه القريب[154] هنا تصبح الشهوة طعاما حيوانياً. ومن الممكن أن نعطي مثالا لذلك: شهوة آخاب وما فعلته إيزابل من أجل كرم نابوت اليزرعيلى[155].

ويجب بالتأكيد أن نلاحظ حذق الكتاب المقدس حتى في اختيار الكلمات، فبينما قال حين كان الأمر يتعلق بالبشر: “قال الله: ها قد أعطيتكم كل عشب يبزر بزراً على الأرض وكل شجر على الأرض: هذا يكون لإطعامكم[156]“، لم يقل ذلك حين كان الأمر يتعلق بالبهائم: “إني أعطيتها كل هذا طعاما لها” لكن: هذا يستخدم طعاما لها[157]“، وباتباع المعنى الروحي الذي عرضناه، يجب نفهم أن هذه الغرائز قد أعطاها الله للإنسان ومع ذلك فهو يعلن أنها تستخدم أيضا طعاماً لبهائم الأرض. هذا هو السبب إذن في أن الكتاب الإلهي قد استخدم أسلوباً حذراً للغاية: فيخبر بالنسبة للبشر أن الله قال: “أعطيتكم هذا طعاما[158]“، أما عندما يأتي إلى البهائم، يقول إن هذا يستخدم أيضاً طعاماً للبهائم والطيور والثعابين، ليعني أن هذا لا يأتي كأمر من قبل شخص، وإنما كنوع من الإعلان من قبل شخص.

أما نحن، فلنعكف وفقا لقول بولس الرسول “على القراءة[159]“، حتى نستطيع، حسب كلماته الخاصة، “أن نأخذ فكر المسيح[160]” ونعرف “ما أعطاه الله لنا[161]“، وما أعطاه طعاما لنا لا يجب أن نجعل منه طعاما للخنازير أو للكلاب[162]. لكن لنهيئ بداخلنا طعاما يجعلنا مستحقين لاستقبال كلمة وابن الله في قلوبنا، الذي يأتي مع أبيه والذي يريد أن يقيم فينا مسكنه[163] في الروح القدس[164] الذي يجب قبل كل شيء أن نكون له هيكلاً[165] بقداستنا. له المجد الدائم إلى دهر الدهور آمين[166].

 

 

 

[1] العناوين الجانبية من وضع مترجم النسخة الفرنسية.

[2] انظر: تك 1: 1.

[3] انظر: 1 تي 4: ۱۰.

[4] انظر: كو 1: 15.

[5] انظر: یو ۱: ۳

[6] هناك شروحات أجزل ومتنوعة أكثر وأدق في:

In principio, Commentaire sur S. Jean, I, 90-124, SC 120, p. 106 – 125

ويتعلق الأمر هنا بالنسبة إلىأوريجانوس بحفظ دور الكلمة في الخلق كل شيء به كان”، وأيضا بتأكيد لا زمنية البدء بحيث يمكن أن يطابق عرض الكتاب المقدس لبداية الخليقة مع الوجود المسبق للعالم المعقول (المدرك بالعقل لا بالحواس). وسنلاحظ بعد قليل (في نهاية الفقرة 1) أنأوريجانوس يعبر بوضوح عن فكرة أن ’’يوم الخليقة الأول” لا يحسب في الزمن. فبالنسبة له، تكون مخلوقات اليوم الأول (“السماء” و”الأرض” كما يفهمهما) موضوعة إذا خارج الزمن، في الوجود المسبق. ارجع إلى:

In principio, Interpretations des premiers versets de la Genese, Paris, Etudes augustiniennes, 1973; chez Origene, p. 88-92, par P. Nautin.

[7] انظر: تك 1: ۲ (حسب نص الترجمة السبعينية للعهد القديم). ومن الجدير بالذكر أن النص

الذي يعتمد عليه العلامةأوريجانوس في عظاته على سفر التكوين وفي كل اقتباساته من العهد القديم هو نص الترجمة السبعينية. كما أنه في بعض الأحيان يعتمد على الذاكرة فلا

تأتي اقتباساته حرفية.

[8] انظر: تك 1: 3.

[9] انظر: تك 1: ۲.

[10] يذكر النص كلمة “سوف” (erit) بدلا من كلمة “كان” (erat) وحيث وضعناأوريجانوس في مناخ خليقة ما قبل الزمن، تكون الهاوية التي يصفها أيضا من نفس الطبيعة هي موجودة قبل الزمن. لكن هل كان (erat) بالفعل إبليس وملائكته فيها (وهذا يطابق الفكر الأوريجيني)، أم يجب انتظار أن يكون الزمن قد أتم عمله الذي سوف. (erit) تحدث فيه المعركة ضد إبليس، وهذا ما تمكن روفينوس من تصوره من خلال سفر الرؤيا ( ۹: ۱۲ و ۲۰ : ۳). وفي مكان آخر في هذه العظات نجد أن الهاوية هي مسكن إبليس الدائم (راجع العظة 4: 4).

[11] انظر: رؤ 12: 9؛ 20: 3 (انظر مت 25: 41).

[12] انظر: لو ۸: ۳۱.

[13] انظر: تك 1: ۳. 5.

[14] اقرأ، بالتزامن مع عظة أوريجينيس:

De opificio mundi de PHILON (en français dans “ Les œuvres de Philon d’Alexandrie’’, ed. Du Cerf, Paris, I, trad.R. Arnaldez, 1961).

[15] انظر: تك 1: 5.

[16] لتتبع شرح وفكرأوريجانوس عن رمزية السماء هذه والجلد والمياه، انظر:

  1. PÉPIN, Théologie cosmique et théologie chrétienne, PUF Paris 1964, le chap. VI de la 4 partie, p. 390-417.

[17] انظر: تك 1: 6- ۷.

[18] انظر: إش 66: ۱.

[19] انظر: تك 1: 7.

[20] انظر: اکو 15: 4۷.

[21] انظر: في ۳: ۲۰.

[22] انظر: تك 1: ۷۔ ۸.

[23] انظر: يو ۷: ۳۸؛ 4: 14.

[24] انظر: يو 12: 31. حرفيا “أمير هذا العالم.”

[25] انظر: رؤ 12: 7؛ 2: 3.

[26] انظر كو 3: 1.

[27] انظر تك 1: 8.

[28] حرفياً: العنصر اليابس”.

[29] انظر تك 1: 9.

[30] انظر متى 5: 16.

[31] انظر: يوحنا 3: 20-21.

[32] انظر تك 1: 9.

[33] انظر: تك 3: 18؛ عب 6: 8.

[34] انظر: إش 9: 19.

[35] انظر خر 3: 8؛ 33: 3.

[36] انظر تك 1: 10-11.

[37] انظر: تك 27: 27.

[38] انظر: عب 6: 7-8.

[39] انظر: تك 1شك 12-13.

[40] انظر: لو 6: 45.

[41] انظر: مت 13: 5-6، 20.

[42] انظر: مت 13: 8، 23.

[43] انظر: مت 13: 25.

[44] انظر: لو 8: 5.

[45] انظر: يو 14: 6.

[46] انظر: مت 13: 4؛ لو 8: 5.

[47] إن الطريقة التي يشير بهاأوريجانوس هنا إلى المراتب الروحية هي غير دقيقة. فهو لا يعطي تصنيفات محددة وواضحة المعالم لتلك المراتب التي يقترحها من خلال الصور الكتابية. ويبدو أن حالة “الكرم” هنا متفوقة عن حالة “الأرض”، لكن لا توجد أية اشارة الطبيعة هذا التفوق. وفي مواضع آخرى، يميزأوريجانوس المراتب وفقا للفرق الذي يجده بين نوح وحيوانات الفلك (العظة ۲: ۳)؛ وبين إبراهيم ولوط (العظة 4: ۱)؛ وبين إسحق وإسماعيل (العظة ۷: ۲)؛ وبين رفقة وجمالها (العظة ۱۰: ۲)؛ وبين الأرض واليابسة (العظة ۱: ۲)؛ وبين الأرض والسماء (العظة ۱: ۲). ونعتقد أنه سيكون من غير المجدي أن نبحث هنا عن شيء أخر بخلاف مجرد تمييز الخبرة بين مسيحيين كاملين تقريباً.

[48] انظر: إش 5: 2، 6.

[49] انظر تك 1: 14.

[50] انظر يو 8: 12.

[51] انظر: يو 8: 12.

[52] انظر: رو 13: 13.

[53] انظر 1تس 5: 5.

[54] انظر: تك 1: 14-15.

[55] انظر: 1تس 1: 10؛ مت 3: 7؛ لو 3: 7.

[56] انظر: 1تس 5: 4.

[57] انظر: إش 61: 2.

[58] انظر: يو 1: 9.

[59] انظر: رو 2: 19.

[60] انظر: مت 5: 14.

[61] انظر: أف 5: 27.

[62] انظر: تك 1: 16-19.

[63] انظر: عب 11: 5. ارجع إلى العظة ۹: ۲ “كان هناك في الشعب اليهودي الكثير من الأبرار والأنبياء الذين يمكن أن نقارنهم بحق مع نجوم السماء.”

[64] انظر: 1كو 15: 41.

[65] انظر: مت 9: 27.

[66] انظر: زك 1: 3.

[67] انظر: ار 23: 23.

[68] انظر: مت 25: 15.

[69] انظر: مت 13: 34.

[70] انظر: مت 15: 32؛ مر 8: 3.

[71] انظر: لو 10: 39 وما بعده.

[72] انظر: مت 13: 36.

[73] انظر لو 22: 28.

[74] انظر: مر 4: 34.

[75] انظر: مت 17: 1-3.

[76] انظر: تك 1: 20.

[77] انظر: مت 5: 28.

[78] انظر: تك 39: 7 وما بعده.

[79] انظر: لو 21: 2.

[80] انظر: سي 4: 28.

[81] موضوع الاستشهاد الذي يظهر هنا ليس بلاغة محضة، ولكنه يجعلنا نفهم أن الاضطهاد في ذلك الزمان كان يمكن أن يبعث من حين لآخر. وبعد بضعة سنوات، ختم أوريجينيسن الدرس الرمزي الذي يستخلصه اليوم من عرضه، بآلامه الخاصة.

[82] انظر: تك 1: 21.

[83] انظر: تك 1: 21-23.

[84] انظر: مز ۱۰۳: ۲۹. هذا هو المزمور رقم ۱۰۳ بحسب نص السبعينية ويقابله مزمور رقم 104 في النص العبري الماسوري وهو النص الذي أخذت عنه الترجمة البيروتية.

[85] انظر: تك 1: 21.

[86] انظر: أي 1: 9.

[87] انظر: أي 42: 10.

[88] انظر 2تي 2: 5.

[89] انظر: تك 1: 21.

[90] انظر: تك 1: 22.

[91] انظر: تك 1: 24-25.

[92] انظر: تك 1: 20.

[93] انظر: تك 1: 24.

[94] انظر رو 7: 10.

[95] انظر رو 8: 7

[96] انظر: كو 3: 5.

[97] “العالم المصغر” هو فكرة أرسطوطالية وكثيراً ما يرجع إليها فيلو.

[98] انظر: تك 1: 26.

[99] انظر أف 2: 10.

[100] LACTANCE, De ira Dei, 13, CSEL, p. 99

“إذا تفحصنا إدارة العالم الكونية، فسنفهم مدى عظمة الحقيقة الموجودة في اعتقاد الرواقيين الذين يقولون إن العالم قد أنشئ من أجلنا”

CISERON, De nat. deor. II, 62, 154:

“كل ما هو في العالم قد اعد وانجز من أجل خير البشر” ويرفضأوريجانوس فكر كیلسوس الذي لا يقبل أن يكون الله قد صنع كل شيء من أجل الإنسان.

[101] انظر: تك 1: 6.

[102] انظر: تك 1: 9.

[103] انظر: تك 1: 11.

[104] انظر: تك 1: 1.

[105] انظر: تك 1: 16.

[106] انظر: تك 1: 26.

[107] انظر: خر 3: 8؛ 33: 3.

[108] انظر: مت 13: 43.

[109] انظر: تك 1: 27.

[110] انظر: تك 2: 7.

[111] يرجعأوريجانوس من أجل شرح أكثر تفصيلا للإنسان المخلوق على صورة الله في تعليقات على سفر التكوين. لكن الجزء الأكبر من هذه التعليقات مفقود اليوم باستثناء ربما المقطع الطويل الذي على البردية التي تملكها جامعة جيسين (Giessen).

[112] انظر: إش 66: 1.

[113] انظر:: في 3: 20.

[114] انظر: أف 2: 6.

[115] انظر: مت 19: 21.

[116] انظر: لو 12: 34.

[117] انظر: 2كو 6: 16.

[118] انظر: 2كو 13: 3.

[119] انظر: مز 18: 1 (بحسب السبعينية).

[120] انظر: مر 3: 17.

[121] انظر: تك 1: 27.

[122] انظر: كو 1: 15.

[123] انظر: عب: 1: 3.

[124] انظر: يو 14: 10.

[125] انظر: يو 14: 9.

[126] انظر: في 2: 6-8.

[127] تعادل “عاقلة” هنا تقريبا “روحية” أو حتى “إلهية”. ويقال “عاقل” عن كل من يتطابق مع مبادئ العقل المستنير بالروح القدس. “المعرفة العقلية” هي المعرفة التي تجعلنا نتشارك مع كلمة وحكمة الله (العظة ۳: ۲). “المخلوقات العقلية” هي المخلوقات التي تستمد حياتها من الثالوث (العظة ۲: 5). “الحس العقلي” هو الحس الذي يسمح لنا بأن نسود على شهوات الجسد وأن نقف بلا انقطاع أمام الله العظة 4: 14؛ العظة ۱۲: 5)، وألا ننظر إلى الوراء وأن نكون على الدوام متجهين صوب الخلاص (العظة 5: ۲)؛ وهو الذي يجعل الماء الحي الذي للحياة الأبدية ينبع فينا (العظة 12: 5)، وهو انعكاس صورة الله فينا (العظة ۱۳: 3). وعلى العكس فإن الذين لم يضئ عندهم الإيمان بعد هم كائنات محرومة من العقل (العظة ۲: ۳).

[128] انظر: 2كو 4: 16.

[129] انظر في 3: 21.

[130] انظر: يو 20: 17.

[131] انظر: يو 17: 21-22.

[132] انظر: لو 5: 32.

[133] انظر: مت 10: 3.

[134] انظر: مت 4: 21.

[135] انظر: مت 4: 18.

[136] انظر: أع 4: 13.

[137] انظر: 1تي 1: 13.

[138] انظر: 2كو 13: 3.

[139] انظر: تك 1: 27-28.

[140] انظر: لو 1: 34.

[141] انظر: حك 3: 16.

[142] انظر: إر 3: 3.

[143] انظر: إش 14: 21.

[144] انظر: تك 1: 28.

[145] ارجع إلى العظة 1: 12.

[146] انظر: تك 1: 26.

[147] انظر: تك: 1: 29-30.

[148] أي التي يتغذى عليها.

[149] انظر: عد 25: 7-8.

[150] انظر: عد 25: 11-12؛ مز 105: 31 (بحسب السبعينية).

[151] انظر: تك 3: 8.

[152] انظر: مز 83: 3 (بحسب السبعينية).

[153] انظر: مت 5: 28.

[154] انظر: خر 20: 17.

[155] انظر: 1صم 21.

[156] انظر: تك 1: 29.

[157] انظر: تك 1: 30.

[158] انظر: تك 1: 29.

[159] انظر: 1تي 4: 13.

[160] انظر: 1كو 2: 16.

[161] انظر: 1كو 2: 12.

[162] انظر: مت 7: 6.

[163] انظر: يو 14: 23.

[164] هذه العبارة تذكر مصطلح “في الروح القدس” حينما تتكلم عن عمل الثالوث معنا. وسنجد في (العظة ۲: 5) عبارة “من الأب بالابن والروح القدس” وهي كلها تعتبر بدايات لما استقر في القرن الرابع: “من الأب بالابن في الروح القدس.

[165] انظر: 1كو 6: 19.

[166] انظر: رو 11: 36.

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

أخلاقيات ممارسة العلم والطب – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

أخلاقيات ممارسة العلم والطب – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

أخلاقيات ممارسة العلم والطب – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

أخلاقيات ممارسة العلم والطب – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

أخلاقيات ممارسة العلم والطب

كتاب لغة الإله PDF – فرانسيس كولينز – للتحميل

 

الكثيرون في المجتمع يشعرون بالسعادة من الإمكانيات المحتملة لأبحاث الطب الحيوي في منع أو علاج الأمراض المستعصية، ولكنهم قلقون من أن هذه التقنيات الحديثة قد تقودنا إلى مناطق خطرة. الفرع الذي يعالج تأثير التكنولوجيا الحيوية والطب على البشر يسمى أخلاقيات الطب. في هذا الملحق، سنأخذ أمثلة من بعض المعضلات الأخلاقية التي تثير نقاشاً هاماً في الوقت الحالي، رغم أن هذه الأمثلة لا تمثل قائمة حصرية لهذه النقاشات. سأركز بشكل خاص على التطورات التي تنشأ من التقدم السريع في فهم الجينوم البشري.

الجينات الطبية

قبل بضع سنوات، جاءت امرأة شابة إلى عيادة الأورام في جامعة میشیغان في مهمة يائسة. في ذلك اليوم أدركت أن ثورة حقيقية في مجال الطب الوراثي قد بدأت. جمعني مع سوزان عدة ظروف تتعلق بإصابة أفراد من عائلتها بمرض عضال عندما كنا على وشك اكتشاف مهم في مجال الجينوم البشري. تعيش سوزان (ليس اسمها الحقيقي) وعائلتها في محنة. في البداية تم تشخيص أن والدتها مصابة بسرطان الرحم، وبعد ذلك خالتها، وبعدها أثنين من أولاد خالتها، وبعد ذلك أخت سوزان الكبرى. كانت سوزان في حالة قلق كبيرة، وكانت تراقب نفسها وتجري فحوصات تصوير الثدي بالأشعة السينية بشكل دوري، بينما كانت تتابع أختها وهي تخسر معركتها مع المرض. تم اختيار أحد بنات خالتها للخضوع لعملية استئصال الثديين الوقائية لتجنب نفس المصير، ثم اكتشفت جانيت وهي أخت سوزان المتبقية ورماً جسدها وتبين أنه سرطان.

وفي هذه الأثناء، كنت أقوم وطبيبة زميلة تدعى باربرا ويبر بمشروع في میشیغان في محاولة لتحديد العوامل الوراثية لسرطان الثدي. كانت عائلة سوزان مشاركة في هذا المشروع وكان يرمز لها بالعائلة رقم 15، ولكن في إحدى المصادفات الغريبة، عندما جاءت جانيت لأخذ استشارة بخصوص ورم سرطان الثدي الذي تم اكتشافه في جسمها حديثاً، كانت الدكتورة ويبر في العيادة واستمعت لتاريخ العائلة مع المرض وأدركت العلاقة.

بعد ذلك بعدة أشهر كان المهمة اليائسة لسوزان أن تعرف ما إذا كنت ودكتورة ويبر قد توصلنا إلى معلومات إضافية من البحث تجنبها الخضوع لعملية استئصال الثديين. لم يعد بإمكانها أن تستمر بالتفاؤل لمدة أطول من ذلك، ولذلك قررت إجراء العملية خلال ثلاثة أيام. لقد كان توقيت زيارتها مناسب جداً. كشف البحث الذي قمنا بها خلال الأشهر السابقة بأن من المحتمل جداً أن تكون عائلة سوزان حاملة الطفرة خطرة في جين موجود في الكروموسوم رقم 17. لقد بدأنا البحث مع تفاؤل قليل بأن يؤدي البحث لنتيجة إيجابية سريعة. أما الآن، فنحن نواجه حالة طارئة، ووجدت أنا والدكتورة ويبر أن من غير الأخلاقي أن نخفي هذه المعلومات عن سوزان.

ولكن عندما رجعنا إلى البيانات المختبرية تبين أن سوزان لا تحمل هذه الطفرة الجينية الخطيرة التي تحملها أمها وأخواتها، وبالتالي فإن خطر أصابتها بسرطان الثدي لا يزيد على احتمال إصابة عامة النساء. في ذلك اليوم، كانت سوزان أول شخص في العالم يعرف عن الطفرة الجينية المسماة BRCAl. كانت ردة فعلها مزيجا من الدهشة وعدم التصديق، وقامت بإلغاء إجراءات العملية.

انتشر الخبر بين أفراد عائلتها انتشار النار في الهشيم، ولم يتوقف جرس التلفون عن الرنين. وخلال أسابيع وجدت أنا ودكتورة ويبر نقدم استشارات الكثير من أفراد عائلتها الممتدة، وجميعهم يرغبون في معرفة إذا ما كانوا مصابين بهذه الطفرة الخطرة. كانت هناك لحظات مأسوية، فقد تم اكتشاف أن أبنة خالتها التي تم استئصال ثدييها لم تكن حاملة لهذه الطفرة الجينية. في البداية أصيب بالصدمة عندما علمت بالنتيجة ولكن بعد ذلك أدركت أنها كانت على صواب لأنها قامت بأفضل خيار ممكن في الوقت الذي قررت فيه إجراء العملية. ولكن أكثر اللحظات مأسوية عندما علم أحد فروع العائلة الذي كانت يعتقد أفراده أنهم بعيدون عن خطر الإصابة بالطفرة أنهم متأثرون عن طريق علاقة والدهم بالمصابات بهذا المرض.

لم تبدو فكرة انتقال الجين المؤثر عن طريق الذكور غير المتأثرين بالجين معقولة، ولكن هذه هي الطريقة التي يعمل بها الجين BRCA1. في الواقع، تبين أن والدهم حامل لهذه الطفرة وقام بنقلها إلى خمسة من أطفاله العشرة. إحدى هؤلاء وهي في التاسعة والثلاثين من العمر أصيب بالدهشة عندما علمت بانها معرضة للخطر. كنت ترغب بأن تعرف نتيجة حمضها النووي، وجاءت النتيجة موجبة. ومباشرة طلبت أن يتم لها عملية استئصال الثديين، وفي ذلك اليوم بالتحديد علمت بأنها مصابة بسرطان الثدي. لحسن الحظ أن الورم كان صغيرة، ولم يكن من الممكن اكتشافه قبل مرور سنتين أو ثلاث قادمة، وعندها لن يكون العلاج مشجعاً.

تم إبلاغ 35 فرد من أفراد العائلة بأنهم معرضون للإصابة بهذه الطفرة الجينية الخطرة، ونصف هذا العدد كانوا من النساء. الحاملات لهذا الجين كانت معرضات لسرطان الثدي والرحم معاً. كانت الآثار الطبية والنفسية المترتبة على ذلك كبيرة. حتى بالنسبة لسوزان التي نجت من خطر المرض مرت بمرحلة عصيبة من الاكتئاب وشعور العزلة عن عائلتها وهو ما يسمى بشعور الناجين بالذنب، وهو الاسم الذي أطلق على الناجين من محرقة الهولوكوست.

كانت حالة عائلة سوزان غير معتادة. ينتقل سرطان الرحم وراثية بين الأقارب بنسبة معينة، ولكن في حالة عائلة سوزان كان أثر الوراثة قوياً. ولكن لا يوجد بيننا عينات مثالية. الانتشار العالمي للطفرات الجينية في الحمض النووي هو الثمن الذي ندفعه مقابل التطور، وهو ما يعني أنه لا يوجد كمال جسدي كما أنه لا يوجد كمال روحي.

أصبح من الممكن قريباً التعرف على مواطن الخلل الوراثية في كل واحد منا التي تجعلنا معرضين للإصابة ببعض الأمراض في المستقبل، وقد تكون لدينا الفرصة، كما حدث مع عائلة سوزان لمعرفة ما يختبئ داخل كتيب تعليمات الحمض النووي الخاص بنا.

ومع بدأ تعرفنا على عواقب التقدم السريع في فهم البيولوجيا البشرية، تبرز الأسئلة الأخلاقية، وهذا ما ينبغي أن يحدث. المعرفة في ذاتها لا يوجد لديها قيمة أخلاقية؛ فالطريقة التي يتم فيها وضع هذه المعرفة موضع الاستخدام هو ما يكسبها بعداً أخلاقياً. وينبغي أن يكون هذا المبدأ مألوفاً في العديد من التطبيقات غير الطبية في تجارب الحياة اليومية. على سبيل المثال، يمكن عمل خليط معين من المواد الكيميائية تضيء السماء في عرض للألعاب النارية لتبهج نفوسنا في وقت الاحتفال، كما أن الخليط نفسه يمكن استخدامه كذلك لإطلاق قذيفة، أو صنع قنبلة تقتل عشرات المدنيين الأبرياء.

هناك العديد من الأسباب المقنعة التي تجعلنا نحتفل بالتطورات العلمية الناتجة عن مشروع الجينوم البشري. في نهاية الأمر، في كل الثقافات طوال التاريخ البشري يعتبر تخليص الناس من الأمراض أمر حسن، بل ربما يكون واجب أخلاقي. ولذلك فإن البعض قد يقول إن العلم يتقدم بسرعة كبيرة وانه لابد لنا أن نضع بعض القيود في تطبيقات معينة حتى يتم دراستها من الناحية الأخلاقية، أجد أن هذه الحجة لا يمكن أن تقنع أب في أمس الحاجة لمساعدة ابنه المريض. إلا بعد التقييد المتعمد للتقدم العلمي الذي ينقذ حياة البشر حتى تستطيع اللحاق به هو في حد ذاته غير أخلاقي؟

 

الطب الشخصي

ماذا يمكن للمرء أن يتوقع في السنوات القادمة من الثورة الحالية في مجال الجينات في البداية، فهم الفرق البسيط (0,1) في الحمض النووي بين شخص وأخر تقدم بسرعة، ومن المحتمل أن يكشف خلال السموات القادمة عن الخلل الوراثي المشترك التي تعرض الأفراد للإصابة بأمراض السكري والقلب والزهايمر وفي حالات أخرى عديدة. وسوف تسمح لكل واحد منا، إذا كنا مهتمين لذلك في الحصول على قراءات الشخصية توثق المخاطر المستقبلية للأمراض.

قليل من تلك التقارير سوف تكون وخيمة كما هو الحال في عائلة سوزان، وذلك لأن قلة منا سيكون لديهم أخطاء وراثية بهذه الآثار القاسية. هل تريد أن تعرف ذلك؟ كثير من الناس يقولون نعم، إذا كانت التدخلات تحد من المخاطر التي يتعرضون لها، وفي بعض الحالات، أصبح ذلك ممكناً بالفعل. إذا وجد أن شخصا معرض لخطر الإصابة بسرطان القولون على سبيل المثال فإنه يمكنه البدء بإجراء فحص القولون في عمر مبكر لاكتشاف الأورام الحميدة الصغيرة في وقت يمكن إزالتها بسهولة قبل أن تتحول إلى سرطان قاتل. الأشخاص الذين يتم اكتشاف أنهم معرضون لخطر الإصابة بمرض السكري يمكن أن يراقبوا وجباتهم لتجنب زيادة أوزانهم. أولئك الأشخاص المعرضون لخطر جلطات الدم في الأرجل يمكنهم تجنب حبوب منع الحمل حتى لا يصابوا بالشلل لفترات طويلة.

ومن المجالات الأخرى للطب الشخصي أصبح من الواضح أن استجابة الأشخاص للدواء يعتمد بشكل كبير على الجانب الوراثي. لقد أصبح من الممكن في العديد من الحالات تحديد من هو الشخص الذي يأخذ هذا العلاج وبأي مقدار وذلك عن طريق فحص عينة من الحمض النووي لهذا الشخص. هذا الاتجاه في علم الصيدلة أصبح مطبقاً على نطاق واسع وهو ما يؤدي إلى علاج دوائي فعال، والتقليل من حالات الأعراض الجانبية القاتلة.

الإشكاليات الأخلاقية الناتجة عن فحص الحمض النووي

كان للتطورات المذكورة أعلاه قيمة محتملة. ومع ذلك فإن هذه التطورات تواجه أيضا العديد من المعضلات الأخلاقية. في حالة عائلة سوزان، نشأ خلاف قوي حول ما إذا كان من المناسب اختبار الأطفال للكشف عن وجود طفرة BRCA1 لديهم. وبما أنه لم يكن هناك أي تدخل طبي متاح للأطفال، وبما أن التأثير النفسي إذا ما ثبت وجود هذه الطفرة لديهم يمكن أن يكون كبيراً، قمت أنا والدكتورة ويبر وبدعم من غالبية الخبراء الأخلاقيين بالتشاور، وتوصلنا إلى أنه يجب تأجيل مثل هذه التجارب حتى يبلغ الشخص سن الثامنة عشرة. في إحدى الحالات على الأقل، شعر أحد الآباء الحاملين للطفرة بالغضب لأنه لا يمكن اختبار بناته في الوقت الحالي. أحتج الأب بان من واجبه الأبوي أن يعارض قرارنا.

ثار نقاش أخلاقي حول ما إذا كان يحق لطرف ثالث للاطلاع على المعلومات الجينية للأفراد أو استخدامها. سوزان والعديد من أقرباءها كانوا خائفين من أنه أذا ثبت حملهم للطفرة الجينية أن تصل هذه المعلومة إلى شركات التأمين الصحي أو تصل إلى أيدي رؤساءهم في العمل، وعندها سوف يفقدون التأمين الصحي أو وظائفهم. بعد نقاش مستفيض، توصلنا إلى نتيجة مفادها أن الاستخدام المنحاز لاستخدام المعلومات الجينية مخالف لمبادئ العدالة والإنصاف لأن عيوب الحمض النووي عالمية، وليس باستطاعة أحد أن يختار تسلسل حمضه النووي. ومن ناحية أخرى، إذا علم المؤمن عليهم بأنهم حاملين للطفرة مع جهل شركات التأمين الصحي بذلك فإن ذلك يعد تلاعب على النظام والقوانين. وهذا ما سيكون له تأثير كبير على أنظمة التأمين. ولكن لم يكن من الواضح تأثيرها على التأمين الصحي. ومع ذلك فإن الأدلة رجحت وجوب أن يكون هناك تشريع ضد التمييز الجيني في مجال التأمين الصحي وأماكن العمل. ومع كتابة هذه السطور لا زلنا ننتظر أن يتم إصدار تشريع فعال على المستوى القومي في الولايات المتحدة. سيكون للفشل في إصدار مثل هذا التشريع تأثير سلبي كبير على مستقبل الطب الشخصي الاحترازي، لأن الأفراد سوف يتخوفون من الحصول على المعلومات الجينية مع أنها قد تكون مفيدة لهم.

طرحت في هذه النقاشات مسألة أخلاقية أخرى وهي مسألة الحصول على الرعاية. هذه المسألة بالخصوص تثير الحيرة في الولايات المتحدة، فحتى كتابة هذه السطور لا يزال هناك أكثر من 40 مليون أمريكي ليس لديه تأمين صحي. من بين كل الدول المتقدمة، يبدو أننا في الولايات المتحدة لا نهتم بذلك ونفشل في تحمل مسؤوليتنا الأخلاقية. أحد أكثر العواقب مأسوية أن يتم التركيز على العلاج في غرف الطوارئ بدلا من الاهتمام بالوقاية والتركيز على الكوارث الطبية عندما لا يكون مفر من حصولها. مسألة الحصول على الرعاية الصحية تصبح أكثر إلحاحا كلما تقدمنا في البحث، وخاصة في مجال الجينوم وهو ما يقودنا إلى معرفة طرق أفضل للوقاية من السرطان وأمراض القلب والأمراض العقلية والعديد من الحالات الأخرى.

 

 

الأخلاقيات البيولوجية تقوم على أساس القانون الأخلاقي

قبل الخوض في مزيد من المعضلات الأخلاقية، حري بنا النظر في الأسس التي قامت عليها أحكامنا الأخلاقية. العديد من الأخلاقيات البيولوجية معقدة. نقاش هذه الأخلاقيات واتخاذ قرارات بشأنها يعتمد بشكل كبير على خلفية ثقافية ودينية. هل يمكن أن يتفق الناس في مجتمع علماني متعدد على الإجراء الصحيح في مثل هذه الحالات الصعبة؟ في الحقيقة أنني وجدت أنه عندما تكون الأمور واضحة فإنه في أغلب الأحوال تكون النتيجة متشابهة على الرغم من الاختلاف الكبير في الرؤى بين الناس. في حين أنه قد يبدو مثيرة للدهشة، فإنني أعتقد أن ذلك مثال مقنع على أن القانون الأخلاقي عالمي. جميعنا لدينا المعرفة الفطرية فيما هو صائب وخاطئ، ورغم أن ذلك يمكن يصبح غامضاً بفعل سوء الفهم والتشويش، فإنه يمكن التوصل له عبر التأمل الدقيق. حاجج بوشامب وتشلدش أن هناك أربعة مبادئ أخلاقية تمثل الأساس للأخلاقيات البيولوجية وهي مشتركة وتشمل جميع الثقافات والمجتمعات تقريباً، وهذه المبادئ تشمل:

1- احترام الاستقلالية: مبدأ أن من حق الإنسان العاقل أن يتخذ قراره الخاص دون تدخل خارجي.

2- العدالة: توفير العلاج بطريقة أخلاقية منصفة دون تمييز لجميع الأشخاص.

3- الإحسان: معالجة الآخرين بأفضل طريقة تحقق مصلحتهم.

4- عدم إلحاق الأذى: لا تؤذي أحد (كما في قسم أبقراط)

ما هو دور الإيمان في نقاشات الأخلاقيات البيولوجية؟

الشخص المؤمن سوف يجد أن هذه المبادئ موجودة في النصوص المسيحية واليهودية والإسلامية والبوذية وبقية التعاليم الدينية. في الواقع، أنه يمكن العثور على بعض من أكثر العبارات بلاغة لهذه المبادئ في النصوص المقدسة. ولكن المرء لا يحتاج أن يكون مؤمناً حتى يتفق مع هذه مبادئ. فحتى الشخص غير المدرب على الموسيقى يمكن أن يعجب بمقطوعة موتسارت. القانون الأخلاقي يخاطبنا جميعاً، سواء كنا نتفق أو نختلف على أصوله.

يمكن أن نستقي المبادئ الأساسية للقيم الأخلاقية من القانون الأخلاقي. ولكن الخلاف يظهر عندما لا تلبية متطلبات هذه المبادئ في الوقت نفسه، ويختلف المراقبون في إعطاء أوزان لهذه المبادئ حتى يتحقق التوزان. في العديد من الحالات، يكون المجتمع قد توصل إلى إجماع على التعامل مع ذلك، وفي حالات أخرى في مثل الحالة التي سوف نناقشها بعد قليل يختلف العقلاء في تحديد القرار الأخلاقي المتوازن.

الخلايا الجذعية والاستنساخ

ما زلت أذكر بعد ظهر يوم الأحد قبل عدة سنوات عندما اتصل أحد المراسلين الصحفيين بي في المنزل ليسألني عن رأيي حول عدد من مجلة بارزة على وشك أن يصدر يتم فيه الإعلان عن استنساخ النعجة دوللي. لقد كان ذلك تطوراً مذهلاً وغير مسبوق، وكان جميع العلماء تقريباً (بما فيهم أنا) يعتقدون أنه سيكون من المستحيل استنساخ الثدييات. وعلى الرغم من أن هناك كتيب تعليمات للحمض النووي بأكمله من كائن حي في كل خلية من خلايا الجسم، وكان من المفترض أن التغيرات التي تحدث في الحمض النووي تجعل من المستحيل برمجة كتيب تعليمات الحمض النووي بصورة دقيقة بهذه الطريقة.

لقد كنا على خطأ. في الواقع، على مدى العقد الماضي، ومن خلال اكتشاف بعد اكتشاف ظهر بشكل لافت المرونة غير المتوقعة لأنواع من خلايا الحيوانات الثدية. وهذا ما أدى بدوره إلى وقوع الجدل الدائر حالياً حول الفوائد والمخاطر المحتملة لهذا النوع من البحوث، التي تتميز بالتباينات العلنية الشديدة التي لا يبدو أنها قابلة للحل. لقد كان النقاش حول الخلايا الجذعية بالخصوص محتدماً، وكانت المصطلحات المستخدمة غير مفهومة بحيث كان لابد من تكوين خلفية عن الموضوع. الخلايا الجذعية هي تلك الخلايا التي تملك القدرة على التطور إلى أنواع أخرى من الخلايا. على سبيل المثال، يمكن للخلايا الجذعية في نخاع العظام أن ترفع عدد كريات الدم الحمراء والبيضاء وخلايا العظم وخلايا عضلات القلب. هذا النوع من الخلايا يطلق عليه اسم “الخلايا الجذعية الناضجة” للتمييز بينها وبين الخلايا الجذعية التي تؤخذ من الأجنة.

يتكون الجنين البشري من اتحاد للسائل المنوي مع البويضة لتكوين خلية واحدة. وهذه الخلية مرنة وتمتلك القدرة بشكل ملفت على التحول إلى خلية كبد أو خلية مخ أو خلية عضلات أو خلايا أي نوع أخر من الأنسجة المعقدة لجسم الإنسان التي تتكون من 100 تريليون خلية. الدلائل الحالية تشير إلى أن قدرة الخلايا الجذعية الجنينية على التوالد الذاتي والتحول إلى أي نوع من الخلايا يفوق تلك القدرة الموجودة في الخلايا الجذعية الناضجة. وبحسب التعريف فإن الخلايا الجذعية الجنينية يمكن أن تنتج فقط أثناء تكون الجنين عندما يكون الجنينة على شكل كرة صغيرة من الخلايا أصغر من نقطة ضمن النقاط المكونة للحرف أ. ولكن النعجة دوللي لم تنتج عن أي من نوعي الخلايا الجذعية. الشي المثير وغير المسبوق فيما يخص إنتاج النعجة دوللي جاء عن طريق غير مسبوق في الثدييات، وهو أمر لا يحدث في الطبيعة. وكما هو موضح في الشكل 1.A تسمى هذه العملية “نقل نواة الخلية الجسدية” (SCNT) وهي تبدأ من خلية واحدة مستمدة من ضرع النعجة المتبرعة.

تحتوي نواة هذه الخلية على كامل الحمض النووي للنعجة المتبرعة، وبعد ذلك يتم نقلها إلى بيئة مناسبة مليئة بالبروتينات والجزئيات الموجودة في السيتوبلازم لخلية بويضة. ويكون قد تم استئصال نواة هذه الخلية بشكل كامل حتى لا تستطيع نقل التعليمات الجينية، وإنما يتم فقط نقل البيئة الحاضنة لهذه التعليمات. ثم يتم وضع هذه الخلية في رحم النعجة بحيث يعود الحمض النووي لضرع النعجة ومع مرور الوقت يتم مسح جميع التغيرات الحاصلة في الحمض النووي بحيث تصبح خلية خاصة يتم إنتاجها مع الحليب. وبعدها تعود نواة الخلية الضرع إلى الحالة البدائية لها، ومن ثم يعاد زرع الخلية في رحم النعجة لتلد النعجة دوللي التي يكون حمضها النووي مطابق تماما للنعجة المانحة.

اندهش الوسط الطبي والعلمي في العالم بالمرونة غير المتوقعة لكتيب تعليمات الحمض النووي. بناء على هذا الاكتشاف المذهل، يعتبر العلماء أن دراسة الخلايا الجذعية قد تؤدي إلى فرصة حقيقية للتعرف على كيفية تحول خلية واحدة إلى خلية كبد أو خلية مخ. بالطبع فإن كثير من هذه الأسئلة الأساسية تم الإجابة عليها من خلال دراسة الخلايا الجذعية للثديات عندما تكون الهواجس الأخلاقية محدودة جداً. الإثارة الحقيقية فيما يخص الفوائد الطبية من أبحاث الخلايا الجذعية، مازالت في مرحلة الإمكانية، ولم يتم البرهنة عليها لاستخدام هذا النهج لتطوير علاجات جديدة. تظهر العديد من الأمراض المزمنة بسبب موت نوع من الخلايا قبل أوانها. إذا كانت ابنتك تعاني من النوع الأول من مرض السكري فإن ذلك بسبب أن خلايا بنكرياسها التي تفرز الأنسولين عادة تعرضت لهجوم مناعي من الجسم مما تسبب في موتها. إذا كان والدك يعاني من الباركنسون فإن ذلك بسبب خلايا عصبية في مناطق معينة من المخ ماتت في وقت مبكر مما أدى إلى خلل في دوائر العمل الحركية المعتادة. إذا كان ابن عمك على قوائم الانتظار لنقل الكلى أو الكبد أو القلب فذلك لأن هذه الأعضاء قد تعرضت لأضرار شديدة بحيث لم تعد قادرة على إصلاح نفسها.

إذا أمكن إيجاد وسائل تستطيع إعادة إنتاج الأنسجة أو الأعضاء المتضررة فإن العديد من هذه الأمراض المزمنة يمكن علاجها أو القضاء عليها. ولهذا السبب، فإن “الطب التجديدي” يمثل موضوع ذو أهمية كبيرة للأبحاث الطبية. في الوقت، يبدو أن دراسة الخلايا الجذعية توفر فرصة عظيمة لتحقيق هذا الحلم.

ثار جدل اجتماعي وأخلاقي وسياسي حول استخدام الخلايا الجذعية.

العواطف الجياشة والعاطفة من جهات متعددة والاختلاف الشديد في وجهات النظر لم يسبق له مثيل من قبل، لدرجة أن بعض الحقائق العلمية ضاعت وسط هذه العاصفة. أولاً وقبل كل شيء، قلة يجادلون بأن الاستخدام العلاجي للخلايا الجذعية البالغة يمثل تحدياً أخلاقياً جديداً. هذه الخلايا يمكن استخلاصها من أنسجة أفراد على قيد الحياة. السيناريو المطلوب هو في إثبات أن هذه الخلايا بالفعل ضرورية لعلاج هذه الأمراض. إذا عرفنا على سبيل المثال، كيف نحول عدد قليل من خلايا نخاع العظم الجذعية إلى عدد كبير جدا من خلايا الكبد، فإن ذلك يمكن أن يتحقق ببساطة من خلال “زرع” نخاع المريض نفسه.

في حين كانت هناك بعض الخطوات المشجعة في هذا الاتجاه، وتم استثمار ذلك بشكل كبير جداً في متابعة أبحاث الخلايا الجذعية البالغة، فإننا نفتقر في الوقت الحاضر دليل مؤكد على أن الخلايا الجذعية للبالغين كافية لتلبية العديد من احتياجات الناس الذين يعانون من أمراض مزمنة. في حين تعتبر الخلايا الجذعية الجنينية أو استخدام نواة الخلية الجسدية البديل المحتمل لذلك. الخلايا الجذعية الجنينية تمتلك القدرة على التحول إلى أي نوع من أنواع الخلايا. ولكن هنا بالتحديد تبرز التحديات الأخلاقية باعتبار أن الجنين الذي تكون من اتحاد السائل المنوي مع البويضة هو عبارة عن حياة إنسانية محتملة. إنتاج خلايا جذعية من الجنين يعني تدمير لهذا الجنين (على الرغم من وجود نظريات تدعي إمكانية المحافظة على بقاء الجنين).

إذا كان المرء يعتقد بشكل قاطع أن الحياة تبدأ عند الحمل، وأن الحياة البشرية مقدسة من تلك اللحظة فصاعداً، فإن هذا الشكل من البحوث الطبية أو العلاج غير مقبول. الناس العقلاء سوف يختلفون بشدة حول صوابية مثل هذه البحوث وذلك يعتمد على إجابتهم على الأسئلة التالية:

هل تبدأ حياة الإنسان مع الحمل؟

لقد تجادل الفلاسفة ورجال الدين والعلماء لقرون طويلة حول مسألة متى تبدأ الحياة. الحصول على معلومات عن الخطوات الجزيئية والتشريحية التي تتعلق ببداية تكون الجنين لم تساعد في التوصل إلى نتيجة في هذه المسألة، لأن هذه المسألة ليست مسألة علمية. خلال قرون، قدمت الثقافات والديانات المختلفة تعاريف كثيرة لبداية الحياة، وحتى اليوم يوجد اختلاف بين المذاهب الدينية حول النقطة التي تدخل بها الروح إلى الجنين.

من منظور علم الأحياء، الخطوات التي تعقب اتحاد الحيوان المنوي والبويضة تحدث في ترتيب يمكن التنبؤ به بدقة، مما يؤدي إلى زيادة التعقيد، مما يجعل من الصعب وضع حدود فاصلة بين المراحل. وبالتالي فليس هناك خط فاصل بين الإنسان وبين مرحلة الجنين بحيث يمكن القول إنه هنا تبدأ الحياة. البعض يقول إن الوجود الإنساني الحقيقي لا يمكن أن يتم من دون جهاز عصبي، ولذلك فإن نمو الجنين من الشريط البدائي (يبدأ مع تكون الحبل الشوكي في اليوم الخامس عشر تقريبا). يمكن أن يعتبر علامة فاصلة. البعض يرد بالقول إن استعداد الجنين لتكوين نظام عصبي يتم بمجرد حصول الحمل، وبالتالي فإن الأمر لا علاقة له بتكون البناء التشريحي. تم تسليط الضوء على هذه المسألة من خلال توأمين متطابقين والذين نتجا عن تلقيح بويضة واحدة. في المرحلة الأولى للتكون انفصل الجنين إلى جنینین يحملان حمض نووي متطابق. ليس هناك رجل دين يمكن أن يقول إن الجنينين ليس لهما روح أو أنهما يتشاركان في روح واحدة. في هذه الحالات، نجد أن التأكيد على أن الطبيعة الروحية للشخص تتحدد في لحظة الحمل تواجه صعوبة.

هل هناك ظروف تبرر أخذ خلايا جذعية من الجنة البشرية؟

أولئك الذين يعتقدون أن الحياة تبدأ من لحظة الحمل وأنه من تلك اللحظة يصبح الجنين يستحق الاحترام الأخلاقي للإنسان الكامل سوف يجيب بالنفي على هذا السؤال. وبالتالي فإن جوابهم سوف يكون متسق من الناحية الأخلاقية. ولكن تجدر الإشارة إلى أن العديد من هؤلاء سوف ينظرون إلى الأمر من زاوية أخرى، أو على الأقل يتبنون النسبية الأخلاقية في حال كانت هذه الأجنة مدمرة.

هذه هي عملية التخصيب في المختبر (IVF)، وقد أصبحت متاحة على نطاق واسع للأزواج الذين يعانون من العقم، وينظر إليها على نطاق واسع باعتبارها حلاً لمشاكل مؤثرة. في هذا الإجراء، يتم أخذ البيض من الأم بعد العلاج الهرموني الذي ينتج مجموعة من البويضات في وقت واحد. ويتم تخصيب البويضات في إناء مع الحيوانات المنوية للأب. يتم مراقبة الأجنة لمدة ستة أيام لتحديد أي منها نما بشكل طبيعي وبعد ذلك يتم إعادة عدد قليل من هذه الأجنة (في العادة واحد أو أثنين) إلى رحم الأم على أمل تحقق الحمل.

في أغلب الأحيان يكون عدد الجنة الصالحة لإعادتها إلى رحم الأم أكثر مما هو مطلوب. في العادة يتم تجميد هذه الأجنة. في الولايات المتحدة وحدها، هناك مئات الآلاف من الجنة التي يتم تجميدها في الثلاجات، وهذا الرقم يزداد باستمرار. رغم أن عدد محدود من هذه الأجنة يمكن أن يستفيد منه أزواج أخرين، إلا أنه لا شك في أن أغلب هذه الأجنة يتم التخلص منها. وهنا يبرز الموقف الصارم المعارض لتدمير الجنة، مما يجعله يعارض فكرة التخصيب خارج الرحم. طرحت المطالبة بإعادة كل الجنة الناتجين عن عملية التخصيب إلى رحم الأم، ولكن هذه العملية تزيد من احتمالات حدوث موت الأجنة في عمليات الحمل المتكررة. لا يوجد حل سهل لهذه المعضلة في الوقت الحالي.

هذه الظروف تثير سؤالاً مطروحاً من قبل الكثيرين: إذا أمكن تحديد الإجراءات المطلوبة لضمان عدم تخصيب أجنة في المختبر لأغراض البحث، وإذا كانت الأبحاث الطبية سوف تقتصر فقط على تلك الأجنة التي بقيت بعد التلقيح الاصطناعي والتي من الواضح أنه سوف يتم التخلص منها، هل في ذلك انتهاك للقيم الأخلاقية؟

نقل الخلية الجسدية مختلف جذرياً

الأمر المفرح هنا هو أن النقاشات المحتدمة حول الخلايا الجذعية الناتجة عن الأجنة البشرية ليس من الضروري أن يتم استخدامها، لأن هناك طريق أقل إشكالية من الناحية الأخلاقية يمكن أن يمثل فتحة جديدة من الناحية الطبية. وأنا أشير هنا إلى عملية نقل نواة الخلايا الجسدية التي نتج عنها النعجة دوللي. إنه لمن المؤسف أن إنتاج الخلايا الجسدية أصبح مرادف من ناحية المفهوم ومن الناحية الأخلاقية مع إنتاج الخلايا الجذعية من الأجنة التي تأتي من اتحاد السائل المنوي والبويضة. هذه المعادلة تسللت إلى النقاش العام في مراحله الأولى وأصبحت خادعة لمعظم المشاركين في النقاش، وفي ذلك تجاهل للفرق العميق بين الكيانات الناتجة. الأرجح أن عملية نقل نواة الخلايا الجسدية سوف يكون أكثر فائدة من الناحية الطبية، ولذلك فمن المهم أن نحاول توضيح الخلط الحاصل في فهم هذه العملية.

كما أوضحنا فيما سبق وكما هو مبين في الشكل 1.A فإن عملية نقل نواة الخلايا الجسدية لا تنطوي على اتحاد للسائل المنوي مع البويضة. وبدلا من ذلك، يتم نسخ كتيب تعليمات الحمض النووي من خلية واحدة مأخوذة من جلد أو نسيج أخر حي من الحيوان (في حالة النعجة دوللي تم اخذ الخلية من الضرع، ولكن يمكن أخذها من أي عضو). سوف يتفق الجميع تقريبا أن خلية جلد المتبرع ليس لها قيمة من الناحية الأخلاقية، ففي نهاية الأمر نحن نفقد ملايين الخلايا كل يوم. وكذلك الحال مع الخلية منزوعة النواة التي فقدت كل حمضها النووي وليس لها القدرة على التحول إلى عضو حي، وبالتالي لا تسحق أي قيمة أخلاقية. وضع هذين الكيانين مع بعضهما البعض لا يحدث بصورة طبيعية، ولكن لديه قابلية كبيرة. هل يمكننا أن نسميه إنسان؟ إذا كان هناك من يقول إن توقعات الآثار المترتبة على نقل الخلية الجسدية تستحق التأمل فلماذا لا تنطبق هذه الحجة على نقل الخلية الجسدية قبل أن تتشكل؟ هي أيضا لها القابلية على ذلك.

خلال السنوات القليلة المقبلة من المرجح أن يكتشف العلماء الإشارات المتضمنة في بويضة خلية السيتوبلازم الخلية وهي الإشارات التي تسمح لنواة خلايا الجلد في محو تاريخها وتستعيد قدرتها الرائعة في التحول إلى العديد من أنواع الأنسجة المختلفة. وبالتالي، فمن المرجح أنه في غضون سنوات قليلة أن لا تحتاج هذه العملية لوجود البويضات على الإطلاق، وإنما يتم ذلك من خلال وضع أي نوع من الخلايا من متبرع فردي في خليط مناسب من جزيئات الإشارة. في أي نقطة، في هذه السلسلة الطويلة من الخطوات، يجب تطبيق الاعتبار الأخلاقي على الإنسان؟ ألا تشبه هذه النتيجة الخلية الجذعية البالغة أكثر من الخلية الجذعية الجنينية؟

هذه الضجة حول الخلايا الجسدية مستمدة من حقيقة غرابة اندماج خلية من ضرع نعجة وبويضة منزوعة النواة نتج عنها النعجة دوللي. حدث ذلك فقط لأن المنتج من عملية الخلايا الجسدية الناضجة وضعت بشكل مقصودا مرة أخرى في رحم الأغنام، وهو أمر لا يمكن أن يحدث عن طريق الصدفة. هناك خطوات مماثلة اتخذت في كثير من الثدييات الأخرى، بما في ذلك الأبقار والخيول والقطط، والكلاب.

لقد تم الشروع لمحاولة القيام بما يسمى الاستنساخ التناسلي في البشر من قبل مجموعتين من الأبحاث، واحدة منها يقودها فرد يرتدي سترة من الفضة ويدعي أنه اختطف من قبل أغراب. العلماء وعلماء الأخلاق، ورجال الدين، والمشرعون متفقون من الناحية الجوهرية أنه لا ينبغي تطبيق الاستنساخ التناسلي للإنسان تحت أي ظرف من الظروف.

في حين أن السبب الرئيسي لهذا الموقف يستند إلى اعتراضات أخلاقية ودينية قوية تعارض صنع نسخ من الإنسان بهذه الطريقة غير الطبيعية، في المقابل فإن هناك اعتراضات كبيرة أخرى تستند إلى اعتبارات السلامة، منذ استنساخ كل الثدييات الأخرى وقد تبين أنه جهد غير مجد وعرضة لوقوع كوارث، وخاصة أنه أدى إلى الإجهاض أو موت الرضع في وقت مبكر لمعظم الحيوانات المستنسخة. وفي بعض الحالات القليلة التي نجح فيها الاستنساخ وتجاوز مرحلة الولادة كان الناتج مختلف على نحو ما بما في ذلك النعجة دوللي (عانت من التهاب المفاصل والسمنة).

ونظرا لهذه النتائج، سيكون من المناسب تماما المطالبة بأن لا يتم أبدا زرع نتاج نقل نواة الخلية الجسدية البشري في رحم الأم المضيفة. عمليا يمكن لأي شخص أن يوافق على ذلك. النقاش يدور حول الظروف التي يمكن أن يسمح بها بنقل نواة الخلية الجسدية البشرية عندما لا يكون هناك نية لإنتاج إنسان كامل. المخاطر يمكن أن تكون عالية جداً. إذا كنت على وشك الموت من مرض باركنسون، فإنك لا تحتاج إلى الخلايا الجذعية من جهات مانحة أخرى، وإنما تحتاج إلى خلاياك الجذعية.

عبر عقود عديدة تعلمنا من خلال علم نقل الأعضاء أن زرع خلايا من شخص آخر في المتلقي من المتوقع أن يرفض الجسم تقبلها وهو ما يؤدي إلى نتائج مدمرة، وهو ما يمكن تقليل مخاطره فقط من خلال التأكد بدقة من تطابق الأنسجة بين المتبرع والمتلقي، بالإضافة إلى استخدام الأدوية القوية المثبطة للمناعة والمضاعفات المترتبة عليها.

العديد من السيناريوهات التي تدعو إلى استخدام خلايا جذعية جنينية من أشخاص أخرين لعلاج الأمراض المختلفة تواجه هذه التجربة الطويلة.

سيكون من الأفضل بكثير، أن تكون الخلايا الجذعية متطابقة وراثياً مع الشخص المتلقي. وهذه بالتحديد النتيجة التي قد تحدث بعد نقل نواة الخلية الجسدية البشرية. (وهذا ما يسمى “الاستنساخ العلاجي”). إنه من الصعب بالنسبة لمراقب موضوعي أن يجادل بأن هذا لن يحدث على المدى الطويل، حيث المستقبل واعد في نهاية المطاف بأننا سنصل إلى علاج قائمة طويلة من الأمراض المنهكة والقاتلة. ولذلك حري بنا أن ننظر بعناية فائقة، إلى الاعتراضات الأخلاقية لفوائد هذه العملية وتقييم ما إذا كانت تستحق أن تعطى أهمية في بعض الحالات. أنا أزعم أن الإنتاج الفوري لخلايا الجلد من خلية بويضة منزوعة النواة يبدو مختلفة من الناحية الأخلاقية عن اتحاد الحيوانات المنوية والبويضات. الأول هو خلق في المختبر لا يحدث في الطبيعة، وليس جزءاً من خطة الله الخلق فرد البشري. أما الثاني فمشابهاً جداً لخطة الله خلال آلاف السنين في خلق النوع البشري والأنواع الأخرى.

أنا مثل أي شخص آخر تقريباً أعارض بشدة فكرة الاستنساخ البشري. زرع نتاج نقل نواة الخلية الجسدية البشري الإنسان في الرحم عمل غير أخلاقي بشكل مطلق.

من جهة أخرى، يجري بالفعل تطوير بروتوكولات لإقناع خلية واحدة بتقبل اسُتمدت من نقل نواة الخلية الجسدية البشري لتحويلها إلى الخلية التي تستشعر مستويات الجلوكوز وتفرز الأنسولين، دون الوصول إلى أي من الخطوات الأخرى من التطور الجنيني. إذا كانت هذه الخطوات يمكن أن تؤدي إلى خلايا مطابقة من الناحية النسيجية بحيث يمكنها علاج مرض السكري عند الأحداث، لماذا لا يكون إجراء ذلك مقبولاً أخلاقياً؟

ليس هناك من شك في أن العلم سوف يستمر في التحرك بسرعة في هذا المجال. في حين أن الفوائد الطبية النهائية لأبحاث الخلايا الجذعية يظل غير معروف، فإن الأمل في ذلك يظل كبيراً. إن معارضة جميع هذا النوع من الأبحاث يعني أن الأخلاقية تفوقت على مبدأ تخفيف المعاناة بشكل مطلق. بالنسبة لبعض المؤمنين، قد يكون هذا الموقف دفاعي، ولكن يجب ألا نصل إلى هذا الموقف إلا بعد الأخذ بعين الاعتبار الكامل بالحقائق العلمية. أي شخص يصور هذا القضية باعتبارها معركة بسيطة بين الإيمان والإلحاد يجعل هذه القضايا أكثر تعقيداً.

ما وراء الطب

الجريدة التي أقرأها نشرت تحليلاً للتحديات التي يواجهها رئيس الولايات المتحدة. هذا الأمر يحدث عادة عندما لا تسير كما ينبغي بالنسبة للقائد الأعلى للقوات المسلحة، وهنا أنا أنقل عن صديق للرئيس يعمل كمحلل سياسي “لم أر الرئيس مطلقاً يعاني من الرئاسة. لقد نشأ على مواجهة القضايا الكبرى. هذه القدرة موجودة في حمضه النووي”. قد يكون صديق الرئيس قال هذا الكلام على سبيل المزاح، ولكن يمكن أنه يعنيه تماماً.

ما هو الدليل الحقيقي على وجود التوريث في السلوك البشري وسمات الشخصية؟ وهل ستقودنا ثورة الجينوم إلى أسئلة أخلاقية جديدة بسبب ذلك؟ كيف يمكن للمرء تقييم دور الوراثة والبيئة في خصائص الإنسان المعقدة؟ كتبت العديد من الأطروحات حول هذا الموضوع. ولكن قبل فترة طويلة من داروين، مندل، واتسون، کريك، وبقية العلماء، لاحظ البشر أن الطبيعة وفرت لنا فرصة رائعة لتقييم دور الوراثة في العديد من الجوانب المختلفة للوجود الإنساني، والتوائم المتماثلة مثال على ذلك.

إذا كنت قد صادفت توأمين متماثلين سوف تدرك أنهما يتشاركان في العديد من الصفات الجسمانية وكذلك في خصائص أخرى مثل نبرة الصوت وطريقة التصرف. ولكن إذا كان لك أن تتعرف عليهما عن قرب سوف تجد أن لهما شخصيتين مختلفتين. لقد درس العلماء عبر القرون التوأم المتماثلة لتحديد دور الطبيعة في شخصية الإنسان.

يمكن إجراء تحليل دقيق غير متحيز على التوائم المتطابقة الذين تم تبنيهم في منازل مختلفة عند الولادة، بحيث تكون بيئات الطفولة مختلفة تماماً. هذه الدراسات تسمح بتقدير نسبة توريث سمة معينة دون تحديد التركيب الجزيئي لها. الجدول 1.A يبين نسبة الوراثة في بعض سمات الشخصية في دراسة لتوأم متطابقة. ولكن لا يجب أن تؤخذ هذه النتائج على نحو الدقة.

 

 

الجدول 1.A: نسبة الوراثة في بعض الصفات عند الإنسان

الصفة

نسبة الوراثة

القدرة الذهنية العامة

50٪

قوة الشخصية

54٪

مدى التقبل

42٪

الاجتهاد

49٪

الغضب

48٪

الانفتاح

57٪

العدوانية

39٪

التقليدية

54٪

 

هذه الدراسات توصلت إلى نتيجة مفادها أن الوراثة تعتبر عامل مهم في سمات الشخصية. وهذه النتيجة لن تثير تعجب الأشخاص الذين يعيشون مع هذه العائلات. ولذلك علينا أن لا نصاب بالصدمة من حقيقة بعض تفاصيل الجزيئات في آلية التوريث بدأت بالتكشف من خلال دراسة الجينوم.

إلى الفصل السابق: فك رموز كتاب تعليمات الإله دروس من الجينوم البشري

Exit mobile version