أيام الخلق أيام عادية كل منها يمثل 24 ساعة أم أنها أحقاب زمنية

أيام الخلق أيام عادية كل منها يمثل 24 ساعة أم أنها أحقاب زمنية

أيام الخلق أيام عادية كل منها يمثل 24 ساعة أم أنها أحقاب زمنية

 174- “وكان مساء وكان صباح يومًا واحدًا” (تك 1: 5).. هل أيام الخلق أيام عادية كل منها يمثل 24 ساعة أم أنها أحقاب زمنية؟

ج: هناك ثلاثة آراء أساسية في مقدار أيام الخلق هي:

أولًا: أن يوم الخلق يمثل حقبة زمنية معينة قد تشمل ملايين السنين، فكلمتي ” مساء وصباح ” لا تعنيان غروب الشمس وشروقها، إنما تعنيان انتهاء مرحلة من مراحل الخلق، وقد تقدم المساء على الصباح لأن الظلمة كانت أولًا على الأرض واستمرت فترة طويلة ثم لاح النور عندما قال الله ” ليكن نور فكان نور “ فالمقصود بيوم الخلق حقبة زمنية معينة، وساق أصحاب هذا الرأي الأدلة الآتية:

1- بعد أن ذكر الإصحاح الأول أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، عاد في الإصحاح الثاني ليجملها في يوم واحد فقال ” هذه مبادئ السموات والأرض حين خُلقت. يوم عمل الرب الإله الأرض والسموات” (تك 2: 4).

2- لم يذكر الكتاب نهاية اليوم السابع، فنحن مازلنا للآن نعيش في اليوم السابع ” وبارك الله اليوم السابع وقدَّسه. لأن فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقًا” (تك 2: 3) ولم يذكر الكتاب ” وكان مساء وكان صباح يومًا سابعًا ” أما اليوم الثامن فهو يشير للأبدية التي لا نهاية لها.

3- يقول الكتاب ” لأن يومًا واحدًا في ديارك خير من ألف” (مز 84: 10).. ” لأن ألف سنة في عينيك مثل يوم أمس بعدما عبر وكهزيع من الليل” (مز 90: 4).. ” ولكن لا يُخفَ عليكم هذا الشيء الواحد أيها الأحياء أن يومًا واحدًا عند الرب كألف سنة وألف سنة كيوم واحد” (2بط 3: 8).

4- اليوم النبوي في الكتاب كان يشير لسنة كاملة، فعندما تنبأ دانيال عن مجيء المسيا المخلص حدد الوقت بـ490 يومًا، وهو يقصد 490 سنة ” سبعون أسبوعًا قُضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدَّسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الإثم وليؤتي بالبر الأبدي ولختم الرؤيا والنبوءة ولمسح قدوس القدوسين” (دا 9: 24).

5- جاءت كلمة يوم في الكتاب المقدَّس أحيانًا لتعبر عن جزء من اليوم ” فكان يونان في جوف الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ” (يون 1: 17).

6- وجاءت كلمة يوم في الكتاب أحيانًا لتعبر عن لحظات أو دقائق ” اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم” (مز 95: 7، 8).

7- وكلمة يوم تعبر أيضًا عن المستقبل ” اسمع يا إسرائيل أنت اليوم عابر الأردن لكي تدخل وتمتلك شعوبًا أكبر وأعظم منك ومدنًا عظيمة ومحصنة إلى السماء” (تث 9: 1).

8- يستمر اليوم في القطبين سنة كاملة، ستة أشهر ليلًا وستة أشهر نهارًا تقريبًا.

وقال القديس أغسطينوس أن أيام الخلق مختلفة عن الأيام الحاضرة، وقال المتنيح العلامة الأسقف الأنبا إيسوذورس ” لم يقصد بالأيام المذكورة الأيام التي في عرفنا، التي يحد كل منها شروق الشمس وغروبها، لأن الأيام الثلاثة التي تقدمت على ظهور الشمس والقمر لم تكن أيامًا طبيعية لعدم ظهور شمس في أولها وغروب شمس في آخرها، فيلزم أن تكون الأيام التي تلتها هي كذلك، وهذا الرأي قديم في الكنيسة أقرَّه الذهبي الفم في شرح سفر الخليقة وعزَّزه بشتى النصوص التي ورد فيها ذكر اليوم مرادفًا لذكر الزمن، وعليه فيكون المُراد من الأيام الستة الأزمنة الستة”(1) وقال نيافة المتنيح الأنبا غريغوريوس ” أن كلمة (يوم) كما هي في لغة العبرانيين التي كُتب بها سفر التكوين تحتمل زمانًا غير محدد بالنظام الشمسي”(2).

ثانيًا: أيام الخلق قصيرة جدًا، ولكن بينها فترات زمنية طويلة، فقال ” بيتر و. ستونر Peter Stoner عالِم الرياضيات والفلك ” واعتقادي الشخصي أن معظم أيام سفر التكوين هي فترات زمنية قصيرة جدًا تفصل بينها أوقات طويلة للغاية. إن معظم أعمال الله المسجلة في تكوين (1) يمكن التحقق منها بالتغيُّرات الكبيرة المستفيضة المسجلة في علم الجيولوجيا.

حيث يذكر حدوث تغيرات هائلة في أشكال الحياة بين أي طبقتين جيولوجيتين تسبب ظهور أشكال جديدة كثيرة من الحياة في آن واحد واختفاء أشكال كثيرة سابقة فجأة (ليس القصد بالاختفاء اختفائها من الوجود ولكن اختفاء الحفريات منها) هذه التغيُّرات التي تناظر لحظات الخلق في سفر التكوين فجائية لدرجة أنه لا توجد أي طبقة -مهما كانت قليلة السُمك- تحتويها بل أن التركيب الجيولوجي للأرض يقفز فجأة من طبقة إلى أخرى في الحفريات”(3).

ثالثًا: أيام الخلق أيام عادية، كل منها يبلغ 24 ساعة فقط ولاسيما الأيام الثلاث الأخيرة بعد عمل الشمس، وأصحاب هذا الرأي يسوقون الأدلة الآتية:

1- عندما تقترن كلمة ” أيام ” في الكتاب المقدَّس بعدد معين فإنها تعني أيام وليس فترات زمنية، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. 

فمثلًا عندما قال الكتاب أن الطوفان استمر أربعين يومًا (تك 7: 17) وأن المياه نقصت بعد 150 يومًا (تك 8: 3) وأن إبراهيم سار مع إسحق ثلاثة أيام (تك 22: 4) وأن الجواسيس أمضوا في أرض كنعان أربعين يومًا (عد 13: 25) وأن يونان أمضى في بطن الحوت ثلاثة أيام (يون 1: 17) وأن السيد المسيح أمضى في القبر ثلاثة أيام (مت 12: 14) وأنه صعد إلى السماء بعد القيامة بأربعين يومًا (أع 1: 3) فهذه كلها أيام حرفية.

2- أوضح سفر الخروج أن أيام الخلق ستة أيام بالمعنى الحرفي، ولذلك جعل الراحة في اليوم السابع ” ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك. وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك.. لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها. واستراح في اليوم السابع” (خر 20: 9، 11) ويقول ” هنري موريس”.. ” ما كان يمكن لهذه الوصية الإلهية أن تكون لها قوة لو لم تكن قاعدة أسبوع العمل والراحة عند الإنسان متساوية أو معادلة تمامًا لأسبوع العمل والراحة عند الخلق”(4)(5).

3- إن الأرض خُلقت في اليوم الأول ” في البدء خلق الله السموات والأرض” (تك 1: 1) ويقول برسوم ميخائيل ” فالأرض كانت موجودة بالفعل، ولكن ملفوفة في قماط من غمر يكسوه قماط آخر من ظلمة. ولما أشرق عليها نور اليوم الأول بدأ يتعاقب عليها الليل والنهار بدورانها أمام النور، كما يتعاقبان الآن تمامًا بدورانها أمام الشمس”(6).

4- ردًا على القائلين بأن الأيام الثلاث الأول قبل عمل الشمس عبارة عن أحقاب زمنية، والأيام الثلاث الأخيرة بعد عمل الشمس هي أيام عادية، ذكر الكتاب عن الأيام الستة ” وكان مساء وكان صباح يومًا.. ” بدون تفريق، فلو كان المقصود بالأيام الثلاثة الأولى أحقاب طويلة، والأيام الثلاث التالية أيام حرفية لأوضح الكتاب المقدَّس هذه الحقيقة، ويقول ” هنري م. موريس”.. ” إن هناك رأيان الأول: يفيد أنها تلك التي استخدمت قبل خلقة الشمس في اليوم الرابع وتعني حقبًا زمنية. أما كلمة يوم بعد خلقة الشمس فتعني يوم شمسي أي 24 ساعة.

والرأي الثاني: يفيد أن كلمة يوم وردت في العهد القديم أكثر من 700 مرة، وأن هناك كلمة عبرية ترجمتها ” دهر ” أي ” وقت طويل لا نهائي ” والتي كان من الممكن أن يستخدمها الوحي للتعبير عن الثلاثة الأيام الأولى إذا كان ذلك هو المعنى المقصود، لكن الله استخدم كلمة يوم وكلمة أيام دون أن يُلمح أنه استخدمها بصورة رمزية، وهذا معناه أنها استخدمت بالمعنى الحرفي، وأن ستة أيام الخليقة إنما هي أيام عادية يدل كل يوم منها 24 ساعة”(7).

5- لو كانت الأيام الثلاث الأخيرة أحقاب زمنية لاستحالة الحياة على النباتات والبحريات والحيوانات، فلو فرضنا أن اليوم من هذه الأيام يمثل حقبة تُقدَّر بعشرة ملايين من السنين، فمعنى هذا أن الليل استمر خمسة ملايين، والنهار خمسة ملايين أخرى، فكيف تحيا النباتات والبحريات والحيوانات في ظلام دامس وبرودة تصل لدرجة التجمد أو تزيد لمدة خمسة ملايين سنة، ثم تعيش هذه الكائنات في نور دائم وحرارة قاسية لدرجة الاشتعال لمدة خمسة ملايين سنة أخرى؟!!

6- حدَّد الكتاب عمر آدم بتسعمائة وثلاثين سنة (تك 5: 5) فلو كان آدم خُلق في بداية نهار اليوم السادس، فهو بهذا يكون قد عاش نصف حقبة (نهار اليوم السادس) والتي قد تقدَّر بملايين السنين. إذًا عمره ليس 930 سنة إنما يتجاوز ملايين السنين!!.

7- الذين يقولون أن الكتاب لم يذكر ” وكان مساء وكان صباح يومًا سابعا ” يرد عليهم أصحاب هذا الرأي، بأن السبب هو توقف أعمال الخلق، فلم يعد هناك أعمال خلق جديدة، ولذلك لم يعد هناك داع لاستعمال تعبير المساء والصباح.

8- إن الخلق لم يستغرق إلاَّ لحظات قليلة ” لأنه قال فكان. هو أمر فصار” (مز 33: 9) فما الداعي لليوم الطويل الذي يمثل حقبة زمنية طويلة؟!

9- قال الكتاب ” كان مساء وكان صباح يومًا واحدًا ” ولم يقل ” كان مساء وكان صباح حقبة واحدة ” ولو قصد الله بأيام الخلق الستة أحقاب زمنية لأوضح ذلك، كما أوضح لنا حقيقة ” الدهور الآتية” (أف 2: 7).

10- فهم اليهود أن المقصود بيوم الخلق أربعة وعشرين ساعة، ولذلك استخدموا نفس المفهوم في التعبير عن أيامهم (لا 23: 32، مز 55: 17) ومازالوا يبدأون يومهم بالمساء قبل الصباح.

11- يقول د. فوزي إلياس ” من الثابت فلكيًا أن الأرض في مبدئها كانت تدور حول محورها مرة كل أربع ساعات، ولما وُجِد القمر وأثرت جاذبيته (المتبادلة مع الأرض) أبطأت حركة الأرض حتى أصبحت تدور حول محورها كل 24 ساعة”(8).

وقد ناقش ” هيربرت وولف ” مشكلة أيام الخلق الستة وطرح عدة آراء متباينة وهي:

اليوم مجرد أربعة وعشرون ساعة – اليوم عبارة عن حقبة زمنية – نظرية اليوم المجزء – نظرية العمل الإطاري – نظرية اليوم الموحى به

أولًا: اليوم مجرد أربعة وعشرون ساعة: فإن الله الكلي القدرة قادر أن ينتهي من هذه الأعمال العظيمة في هذه الأيام المحدودة، ولكن يقف ضد هذا الرأي ما يلي:

1- إن الشمس لم تبدو في الوجود إلاَّ في اليوم الرابع، فكيف تم قياس الأيام الثلاثة الأولى، ولكن تم الرد على هذا الاعتراض أن الله خلق الشمس منذ اليوم الأول.

2- لو كان اليوم السادس أربعة وعشرون ساعة فقط، فكيف يكفي لخلقة الحيوانات، ثم خلقة آدم وتسميته لجميع الحيوانات والطيور، ونومه وخلق حواء.

ثانيًا: اليوم عبارة عن حقبة زمنية The Day – Age Theory: ولاسيما إن الكتاب قد أشار لهذه الحقيقة عندما قال ” لأن ألف سنة في عينيك مثل يوم أمس بعدما عبر وكهزيع من الليل” (مز 90: 4) و” إن يومًا واحدًا عند الرب كألف سنة وألف سنة كيوم واحد” (2 بط 3: 8) ويعترض البعض على هذه النظرية للسببين الآتيين:

1- كيف ظهرت النباتات في اليوم الثالث واستغرقت حقبة استمرت ملايين السنين، مع إن الشمس لم تبدو إلاَّ في اليوم الرابع أي الحقبة الرابعة.

2- كيف كانت تتم عملية تلقيح النباتات، بينما الحشرات والطيور التي تحمل حبوب اللقاح لم تُخلق إلاَّ في اليوم الخامس؟

ثالثًا: نظرية اليوم المجزء The Intermittent Day Theory: وهي تجمع بين النظريتين السابقتين، فاليوم يشمل أربعة وعشرون ساعة، وبين كل يوم وآخر حقبة زمنية طويلة. إذًا اليوم يعني يومًا عاديًا وحقبة زمنية في نفس الوقت، ونهاية كل يوم تشير إلى نهاية مرحلة من مراحل الخلق.

رابعًا: نظرية العمل الإطاري The Framework Theory: وتعتمد هذه النظرية على التناسق بين الأيام الثلاثة الأولى من الخلق، والثلاث الأيام التالية، فاليوم الأول الذي وُجِد فيه ” النور ” يقابل اليوم الرابع التي بزغت فيه أنوار الشمس والقمر والنجوم، واليوم الثاني الذي ظهر فيه الغلاف الجوي وتم الفصل بين المياه التي على الأرض والمياه التي فوق الجلد يقابل اليوم الخامس التي خُلقت فيه الطيور التي تطير في الهواء والأسماك التي تسبح في المياه..

واليوم الثالث الذي ظهرت فيه الأرض والنباتات يقابل اليوم السادس الذي خُلقت فيه الحيوانات التي تدب على الأرض وكذلك الإنسان، واعترض البعض أن البحار وُجِدت في اليوم الثالث بينما خُلقت الأسماك في اليوم الخامس، فالتوافق هنا بين اليوم الثالث والخامس، ورد أصحاب النظرية عليهم بأن اليوم الخامس الذي خُلقت فيه الأسماك يتناسق مع اليوم الثاني الذي نُظمت فيه المياه فوق الجلد وتحته.

خامسًا: نظرية اليوم الموحى به The Revelatory Day Theory: وتتحاشى هذه النظرية كل الأمور الزمنية ومشاكلها، ويعتمد على أن الله كشف لعبده موسى النبي قصة الخلق في رؤيا استغرقت ستة أيام، فسجلها موسى كما رآها في الرؤيا، والحقيقة أنه لا يوجد أي إشارة في الكتاب المقدَّس لهذه الرؤيا، إنما يوضح النص حقيقة الخلق وترتيب الخليقة بحسب كل يوم من الأيام الستة(9)(10)

ومما يُذكَر رغم أن القرآن لم يذكر قصة الخلق كرواية كاملة، وإنما كفقرات متناثرة قد أوضح أن أيام الخلق ستة أيام فقال ” الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم إستوى على العرش” (سورة السجدة 3).. ” إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش” (سورة الأعراف 54) وأشار القرآن أيضًا أن اليوم قد لا يعني 24 ساعة بل يعني فترة زمنية، فقال ” ثم يعرج إليه في يومٍ كان مقداره ألف سنة مما تعدُّون” (سورة السجدة 5).. ” تعرج الملائكة والروح في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة” (سورة المعارج 4).

_____

(1) الإخاء والسلم بين الدين والعلم طبعة 1938م ص 6.

(2) مقالات في الكتاب المقدَّس جـ 2 ص 76.

(3) ترجمة أنيس إبراهيم – العلم يشهد ص 80.

(4) الكتاب المقدَّس والعلم الحديث ص 31.

(5) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 69.

(6) المرجع السابق ص 70.

(7) ترجمة نظير عريان ميلاد – الكتاب المقدَّس ونظريات العلم الحديث ص 56.

(8) ستة أيام الخليقة ص 21.

(9) راجع مقدمة للأسفار الخمسة من العهد القديم ص 84 – 88.

(10) قام الأستاذ الفاضل بشرى جرجس خليل أستاذ اللغة الإنجليزية بإكليريكية طنطا بترجمة ما يخص سفر التكوين من هذا المرجع بتصرف. ثم قمت بتبسيط ما تم ترجمته في الجزئية السابقة.

أيام الخلق أيام عادية كل منها يمثل 24 ساعة أم أنها أحقاب زمنية

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثانية فلك نوح – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

العظة الثالثة ختان إبراهيم – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

الخليقة

اليوم الأول[1]

“في البدء”

1“في البدء خلق الله السماء والأرض”[2]. ما هو بدء كل شيء إلا يسوع المسيح ربنا و”مخلص جميع الناس”[3] “بكر كل خليقة[4]“؟ إذاً في هذا البدء، بمعنى في “كلمته” “خلق الله السموات والأرض، كما يقول يوحنا البشير في بداية إنجيله: “في البدء كان الكلمة وكان الكلمة عند الله وكان الكلمة الله. كان هذا في البدء عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان.[5]” وهو لا يتكلم هنا عن بدء زمني ولكنه يقول إن السماء والأرض وكل ما خلق قد خلق “في البدء” أي في المخلص[6].

الظلمة

وكانت الأرض محتجبة ولا شكل لها، وكانت الظلمة تغطي الهاوية، وروح الله يرف على المياه”[7] كانت الأرض محتجبة ولا شكل لها قبل أن يقول الله “ليكن نور”[8] وقبل أن يفصل النور عن الظلمة وفقاً لما يشير إليه ترتيب السرد. بعد ذلك أمر الله بأن يكون هناك جلد وهذا أسماه “سماء”. وحين نصل إلى تلك النقطة سنوضح الفرق بين الجلد والسماء ولماذا أطلق على الجلد السماء. ولكن الآن يقال: “كانت الظلمة تغطي الهاوية”[9]، فما هي تلك الهاوية؟ بالتأكيد هي الهاوية التي سيكون فيها[10] “إبليس وملائكته”[11]. على الأقل هذا أيضاً مذكور بوضوح في الإنجيل، حين قيل عن المخلص: “إن الشياطين الذين كان يطردهم كانوا يطلبون إليه ألا يأمرهم بالذهاب إلى الهاوية.”[12]

لهذا يبدد الله الظلمة طبقا للنص الكتابي القائل: “وقال الله ليكن نور فكان نور. ورأى الله أن النور كان حسناً وفصل الله النور عن الظلمة. وسمى الله النور نهاراً وسمى الظلمة ليلاً. وكان مساء وكان صباح: يوماً واحداً.”[13]

الزمن

وطبقا للحرف، فإن الله أطلق على النور نهاراً وعلى الظلمة ليلاً ولكن طبقاً للمعنى الروحي، دعونا نرى بعدما “صنع السماء والأرض” في ذلك “البدء الذي تحدثنا عنه سابقاً، وبعد أن قال أيضاً إنه كان نور ثم فصل النور عن الظلمة وأطلق على النور نهاراً وعلى الظلمة ليلاً، وبعد أن قال إنه كان مساء وكان صباح، لماذا لم يقل الله “اليوم الأول”[14] لكن “يوم واحد”[15]؟ ذلك لأن الزمن لم يكن موجوداً قبل كون العالم. ولكن الزمن بدأ يوجد مع الأيام التالية. فاليوم الثاني والثالث والرابع وكل الأيام الأخرى بدأت تشير إلى الزمن.

اليوم الثاني

السماء والجلد[16]

۲ وقال الله: “ليكن جلد في وسط المياه وليفصل المياه من المياه. وكان كذلك. فعمل الله الجلد[17]” وبعدما خلق السماء، يخلق الله الآن الجلد. في الواقع هو خلق السماء أولاً التي قال عنها: “السماء كرسيي”[18]، ثم بعد ذلك خلق الجلد، أي السماء الجسدية. فمن الواضح أن كل جسد يكون صلباً ومتماسكاً وهذا ما يفسر أن الجلد “فصل بين المياه التي فوق السماء من المياه التي تحتها.”[19]

وحيث أن كل ما كان الله سيصنعه كان مكوناً من روح وجسد، فلهذا قد قيل إن السماء، أي كل مادة روحية يعتمد عليها الله، كما على كرسي، قد خلقت في “البدء” وقبل كل شيء. ولكن السماء الأخرى، أي الجلد، هي جسدية. لهذا فإن السماء الأولى التي وصفناها بأنها روحية هي روحنا، التي هي بالضرورة روحية، أي إنساننا الروحي الذي يرى الله ويتأمله. ولكن الأخرى، التي هي السماء الجسدية والتي يطلق عليها جلد، فهي إنساننا الخارجي الذي يرى بأعين الجسد.

وكما أطلق على الجلد سماء لأنه يفصل بين المياه التي فوقه عن تلك التي تحته، هكذا الإنسان، الذي هو كائن في جسد، إن استطاع أن يفصل ويميز بين المياه العليا التي “فوق الجلد” والمياه التي “تحت الجلد” فسوف يسمى هو أيضاً سماء أي “إنساناً سماوياً[20]” كقول الرسول بولس: “فإن مسكننا هو في السماء[21]

هذا إذا هو ما تحويه ألفاظ الكتاب ذاتها: “فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه الذي فوق الجلد. ودعا الله الجلد سماء ورأى الله أن هذا حسن، وكان مساء وكان صباح، وكان ذلك يوما ثانياً[22]

المياه العليا

وليهتم كل واحد منكم إذن بأن يصير من يفصل الماء الذي هو في الأعلى عن الماء الذي بالأسفل حتى يصل إلى الفهم والمشاركة في الماء الروحي الذي هو “فوق الجلد”، ويجري من بطنه أنهار ماء حي تنبع إلى الحياة الأبدية”[23]، مبتعداً بلا شك ومفصولاً عن الماء السفلي أي عن ماء الهاوية الذي يضع الكتاب فيه الظلمة وحيث يسكن “رئيس هذا العالم[24]” و”التنين العدو “مع ملائكته”[25] كما سبق وقلنا.

وهكذا إذاً بالاشتراك في الماء العالي الذي هو فوق السموات يصبح كل مؤمن سماوياً بمعنى أن يركز ذهنه في الأشياء العليا والسامية ولا يكون أي شيء من أفكاره في الأرض، ولكن تكون كلها في السماء، و “يطلب ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الآب”[26]. حينئذ هذا الإنسان نفسه سيحسبه الله مستحقاً للمديح الموجود في النص القائل: “ورأى الله أن هذا كان حسناً”[27]

اليوم الثالث

تصبح أرضا خصبة

ثم ما عرضه في التكملة عن اليوم الثالث يلحق بذات المعني. والواقع أن الكتاب يقول: “وقال الله: ليجتمع الماء الذي تحت السماء إلى كتلة واحدة ولتظهر اليابسة[28]. وكان كذلك”[29].

لنسعى نحن إذن إلى جمع الماء الذي تحت السماء” وأن نزيلها بعيداً عنا حتى تظهر بعد ذلك “اليابسة” أي أعمالنا التي نعملها بالجسد “حتى إذ يرى الناس أعمالنا الحسنة يمجدوا أبانا الذي في السموات”[30]. لأننا إن لم نفصل عنا المياه التي تحت السماء، أي الخطايا ونقائص جسدنا فلن تتمكن يابستنا من الظهور ولن يكون لها الثقة بأنها تسير نحو النور. “كل من يفعل الشر يكره النور ولا يأتي إلى النور خشية أن تدينه أعماله، ولكن من يتمم الحق يأتي إلى النور حتى تظهر أعماله ونراها بما أنها قد عملت في الله”[31]. وهذه الثقة لن تعطى لنا إن لم نطرح ونقطع بعيداً عنا، مثل المياه، نقائص الجسد التي هي أسباب الخطايا. وحين يتم ذلك فإن اليابسة فينا لن تظل “يابسة” كما سنرى فيما يلي.

يقول الكتاب في الواقع ليجتمع الماء الذي تحت السماء إلى كتلته ولتظهر اليابسة. ودعا الله اليابسة أرضاً ومجتمع المياه دعاه بحراً”[32]. وكما أن اليابسة حين تنفصل عن المياه، كما قلنا منذ قليل، لا تبقى يابسة” ولكنها تدعى منذ ذاك “أرضا”، هكذا أيضا أجسادنا، إن حدث مثل هذا الانفصال فيها، فلن تظل “يابسة”، بل سوف تدعى “أرضاً” حيث سيمكنها بعد الآن أن تنتج ثمراً لله.

والله حين “خلق في البدء السماء والأرض خلق فقط فيما بعد الجلد واليابسة ودعا الجلد “سماء” معطياً إياه اسم سماء التي كان قد خلقها قبلاً. ودعا اليابسة “أرضا” لأنه أعطاها القدرة على أن تنتج ثمراً. إذاً إن ظل أحد يابساً بسبب إثمه ولم ينتج ثمراً بل “شوكاً وحسكاً”[33] كما لو كان ينتج “غذاء للنار[34]” فسوف يصير هو نفسه “طعاماً للنار” بسبب ما ينتجه. أما إن فصلته غيرته اليقظة عن مياه الهاوية التي هي أفكار الشياطين، وإذا بدا كأرض تنتج ثمراً، فيجب عليه أن يترجى معاملة بنفس الطريقة، لأن الله يدخله إلى “أرض يفيض فيها اللبن والعسل[35].”

الإتيان بثمر

۳ ولكن دعونا نرى مما يلي ما هي الثمار التي يأمر الله “الأرض” التي أعطاها هو نفسه هذا الاسم بإنتاجها. “ورأى الله أن ذلك حسن. وقال الله: لتنبت الأرض عشب الحقول يحمل بذراً كجنسه وكهيئته، وشجرا ذا ثمر ينتج ثمراً يحوي بذره بداخله كهيئته على الأرض. وكان كذلك”[36]. ومن الواضح لو تمسكنا بحرفية النص، إنه توجد هنا الثمار التي أنتجتها الأرض حينما لم تعد بعد “اليابسة”

ولكن دعونا نرجع إلى أنفسنا من جديد. فها نحن الآن “أرض” ولم نعد بعد “يابسة”، فلنأت إذاً لله بثمار وفيرة ومتنوعة حتى نكون نحن أيضاً مباركين من الآب الذي يقول: ها إن رائحة ابني كرائحة حقل مثمر باركه الرب”[37]، وحتى يتحقق فينا قول الرسول: “حين تشرب أرض المطر الآتي عليها مراراً كثيرة وتنتج عشباً صالحاً للذين يزرعونها، فستنال بركات من الله. ولكن الأرض التي تنبت شوكاً وحسكاً تبدو نوعيتها رديئة وقريبة من اللعنة وننتهي بإحراقها”[38].

4 “فأخرجت الأرض عشب الحقول يحمل بذراً كجنسه وكهيئته، وشجراً ذا ثمر يعمل ثمراً يحوي بذره بداخله كجنسه على الأرض. ورأى الله ذلك أنه كان حسنا. وكان مساء وكان صباح، وكان هذا اليوم الثالث[39].” فالله يأمر الأرض ألا تنبت فقط “عشب الحقول ولكن أيضا “البذار” حتى يمكن أن تنتج ثمراً باستمرار. ولم يأمر بأن تنبت فقط شجراً ذا ثمر” ولكن أيضا شجراً “يحمل ثماراً تحوي بداخلها بذرها كجنسها” وذلك حتى تستطيع بفضل هذه البذار التي بداخلها أن تؤتي ثمراً باستمرار.

وبالمثل، علينا نحن أيضا أن نأتي بثمر وأن تكون في أنفسنا البذار، أي أن نحوي في قلوبنا بذور كل الأعمال الحسنة وجميع الفضائل التي إذ تكون مغروسة في أرواحنا هكذا تجعلنا نتمم ببر كل الأعمال التي نعملها. لأن ثمار هذه البذار هي أعمالنا حين تأتي من كنز قلبنا الصالح”[40].

لأننا إن سمعنا الكلمة وبعد سماعها تنبت أرضنا في الحال عشبا، وإن “جف هذا العشب”، قبل أن ينضج ويأتي بثمر، فإن أرضنا سوف يطلق عليها أرضاً “صخرية”[41]، ولكن إن ترسخت الكلمة في قلبنا بجذور عميقة حتى تعطي ثمرة الأعمال وتحوي بذار الخيرات العتيدة، فحينئذ تعطي أرض كل منا بالحقيقة ثمراً كطاقتها “الواحدة مائة، والأخرى ستين، والأخرى ثلاثين للواحدة[42]“. ولكن بدا لنا من الضروري أن نلفت النظر إلى أن ثمرنا لا يجب أن يحوي “شقاقا”[43] أي زوانا في أي مكان، وأنه لا يجب أن يكون على جوانب الطريق”[44] بل يجب أن يكون مزروعاً على الطريق ذاته، على هذا الطريق الذي يقول: “أنا هو الطريق”[45] حتى لا تأكل طيور السماء”[46] ثمارنا ولا كرمنا. ومع ذلك إن استحق أحد منا أن يكون كرمة[47]، فليحترس من أن يحمل “أشواكا” بشكل العناقيد، وإلا فإن تلك الكرمة لن تشذب ولن تقلم، ولن تحصل “السحب” على الأمر (من الله) بأن تسقط عليها الأمطار، بل بالعكس سوف تترك “قفراً” حتى تنبت فيها الأشواك “[48].

اليوم الرابع

الأنوار: المسيح والكنيسة

5 وبعد ذلك تستحق السماء من الآن أن تكون مزودة بأنوار. فقال الله: “لتكن أنوار في جلد السماء لتضيء على الأرض وتفصل النهار عن الليل[49]“. فكما أمر الله أن تكون هناك أنوار في الجلد الذي يدعى سماء، حتى تفصل بين النهار والليل هكذا يمكن أن يحدث لنا أيضا شرط أن نجاهد حتى ندعي ونصير سماء؛ فيكون لنا في أنفسنا مثل أنوار لتنير لنا المسيح وكنيسته. فالمسيح هو “نور العالم[50]” هو الذي ينير الكنيسة أيضا بنوره[51]. فكما نقول إن القمر يحصل على نوره من الشمس حتى يتمكن الليل ذاته من أن يستنير به، هكذا أيضاً الكنيسة إذ تحصل على نورها من المسيح، تنير كل من هم في ليل الجهالة. ولكن إن تقدم أحد حتى صار “ابنا للنهار” سائرا بأمانة كما في وضح النهار”[52]، “كابن للنهار وابن للنور[53]“، فهذا ينيره المسيح ذاته كشمس النهار.

6 “لتكن علامات ولتحدد الأزمنة والأيام والسنين، ولتكن أنوار في جلد السماء لتنير الأرض. وكان كذلك[54] ” فكما أن الأنوار التي نراها في السماء قد وضعت لتكون “علامات ولتحدد الأزمنة والأيام والسنين” وتنير من الجلد من هم في الأرض، هكذا المسيح؛ إذ ينير كنيسته يعطي أيضاً علامات من خلال تعاليمه، حتى نعلم لدى استقبال العلامة كيف نتجنب “الغضب الآتي[55]” بحيث لا يفاجئنا “يوم الرب كلص[56]“، بل يسمح لنا بالحري أن نصل إلى سنة نعمة الرب[57]“.

فالمسيح إذاً هو “النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آت إلى هذا العالم[58]“، وتصير الكنيسة المستنيرة بنوره هي نفسها “نور العالم وتنير “الذين في الظلمة[59]“، كما يؤكد ذلك المسيح نفسه حين يقول لتلاميذه: “أنتم نور العالم[60]“. وينجم من هنا أن المسيح هو نور الرسل، والرسل بدورهم هم نور العالم، فهم في الواقع الكنيسة الحقيقية بسبب أنهم بلا دنس ولا غضن ولا شيء من مثل ذلك”، وفقا لقول بولس الرسول أن الله “أراد أن يظهر أمامه كنيسة مجيدة بلا دنس ولا غضن ولا شيء من مثل ذلك[61]“.

۷ “وعمل الله نورين عظيمين، النور الأكبر ليتسلط في النهار والنور الأصغر ليتسلط في الليل، وعمل أيضا النجوم. ووضعها الله في جلد السماء حتى تضيء على الأرض لتتسلط في النهار وفي الليل وحتى تفصل بين النور والظلمة. ورأى الله أن ذلك حسن. وكان مساء وكان صباح، وكان هذا اليوم الرابع[62]“. وكما أن الشمس والقمر، وفقا للكتاب المقدس، هما النوران العظيمان في جلد السماء هكذا أيضاً المسيح والكنيسة بداخلنا. ولكن أضاف الله نجوماً في الجلد، فيجب علينا نحن أيضاً أن نرى ما يمثل النجوم في داخلنا أي في سماء قلوبنا. فموسى نجم فينا يضيء وينيرنا بأعماله وكذلك إبراهيم وإسحق ويعقوب وإشعياء وإرميا وحزقيال وداود ودانيال وكل من شهدت لهم الكتب المقدسة بأنهم كانوا مرضيين لله[63]. وكما أن كل “نجم يختلف عن نجم في العظمة[64]” هكذا كل قديس بمقدار عظمته يسبغ نوره علينا.

وكما أن الشمس والقمر ينيران أجسادنا، هكذا ينير المسيح والكنيسة عقولنا. على الأقل هما ينيرانها، إن لم نكن عمياناً روحياً. لأنه كما أن الشمس والقمر لا يشعان نورهما على العميان الجسديين الذين لا يمكنهم أن يستقبلوا النور، هكذا المسيح يمد أرواحنا بنوره، ولكنه لن ينيرنا إلا لو لم يمنعه عمى عقلنا. فإن كان هذا هو الحال، فينبغي أولاً أن العميان يتبعون المسيح قائلين وصارخين: ارحمنا يا ابن داود[65]“، فبعد أن ينالوا من المسيح نفسه الإبصار، يمكن بعد ذلك أن يشرق عليهم بهاء نوره.

وأيضاً الذين يبصرون لا يستنيرون بالمسيح بالتساوي ولكن كل واحد على القدر الذي يستطيع به تلقي النور. فإن عيون جسدنا لا تنيرها الشمس بالتساوي ولكن كلما صعدنا إلى أماكن مرتفعة وكلما وضعنا المرصد في مكان عال حيث تتأمل النظرة من خلاله شروق الشمس، تمكننا من إدراك بريقها وحرارتها بصورة أفضل. وهكذا كلما اقتربت عقولنا بصعودها وارتفاعها من المسيح وتعرضت بمزيد من القرب لبريق ضيائه، أشعت أيضاً بنوره بصورة أكثر روعة وأكثر لمعانا، كما يقول الله ذاته هذا من خلال النبي: “اقتربوا إلي فأقترب إليكم، يقول الرب[66]“، ويقول أيضاً: “أنا إله يقترب ولست إلهاً بعيداً”[67].

ومع ذلك فنحن لا نقترب إليه جميعنا بنفس الأسلوب “ولكن كل منا يذهب إليه حسب إمكاناته الخاصة.[68]” إما نذهب إليه مع الجموع وهو يشبعنا بأمثاله[69] فقط لئلا يجعلنا الصوم الطويل نخور في الطريق[70]، أو نظل باستمرار وبلا نهاية جالسين عند قدميه لا نهتم إلا بسماع كلمته دون أن ندع أنفسنا نضطرب “باهتمامات الخدمة الكثيرة”، “مختارين النصيب الأفضل الذي لن ينزع منا”[71]. وعند الاقتراب هكذا منه[72] نأخذ أكثر من نوره. ولو بقينا معه مثل الرسل بلا انقطاع في كل تجاربه[73] دون أن نبتعد عنه ولو إلى قليل، فهو يوضح ويفسر لنا سراً ما قاله للجموع[74] وينيرنا بنور أكبر بكثير وحتى لو استطعنا أن نذهب معه إلى قمة الجبل كبطرس ويعقوب ويوحنا[75] فلن نستنير فقط بنور المسيح، ولكن أيضا بصوت الآب ذاته.

 اليوم الخامس

الزواحف والطيور: الأفكار الطيبة والأفكار السيئة

۸ “وقال الله: لتنتج المياه بين الحيوانات الحية كائنات تزحف وطيور تطير على الأرض في جلد السماء. وكان كذلك[76]” وحسب التفسير الحرفي تنتج المياه “الكائنات التي تزحف” “والطيور” عند أمر الله، وهكذا نعلم من هو خالق هذه الكائنات التي نراها. ولكن لنرى كيف يحدث الشيء ذاته في جلد سمائنا، أي في الحقيقة الثابتة التي لعقلنا وقلبنا.

أتصور حينما استنارت عقولنا بالمسيح شمسنا، فإنها تحصل بعد ذلك على الأمر بأن تظهر من المياه التي بها “كائنات تزحف” وطيور تطير بمعنى أن تعرض للنور الأفكار الجيدة والأفكار الرديئة، حتى تعمل الفصل بين الجيدة والرديئة، بما أنها جميعها تأتي من القلب. لأن من قلوبنا تخرج. كما من المياه الأفكار الجيدة والرديئة. لنعرض إذاً، على كلمة الله وبأمره، الأفكار الجيدة والرديئة أمام نظر الله وحكمه حتى إذ نستنير به نستطيع أن نفصل الرديء عن الجيد، أو بعبارة أخرى أن نبعد عنا ما يزحف على الأرض ويقدم اهتمامات أرضية.

أما الكائنات الأفضل، أي “الطيور”، فلندعها تطير ليس فقط “على الأرض” ولكن أيضاً في “جلد السماء”. أو بعبارة أخرى لنعد إلى فكر واعتبار المخلوقات الأرضية وكذلك السماوية التي فينا كي نتمكن من فهم أن الكائنات الزاحفة هي العنصر الضار فينا. فلو نظرنا “لامرأة باشتهاء[77]” فهذا نوع من الزواحف السامة ولكن إن كان لدينا الشعور بالتعفف فحتى لو هامت بنا سيدة مصرية عاشقة، فنصير كالطيور تاركين بين يديها الثياب المصرية ونهرب بلا توقف من الفخاخ الدنيئة[78]. وإن كان فينا ميل للسرقة فهذا أيضاً من الزواحف الكريهة، ولكن إذا فكرنا وإن كنا لا نملك سوى “فلسين صغيرين” لتقديمهما كصدقة “عطية لله[79]” فهذه الفكرة هي طير لا يفكر في الأرضيات، بل يتجه بأقصى سرعة ممكنة إلى جلد السماء. وإن سلمنا بفكرة أنا لا ينبغي أن نحتمل آلام الاستشهاد فهذا نوع من الزواحف السامة، ولكن إن تكونت لدينا الفكرة المتعقلة بأننا يجب أن نجاهد حتى الموت من أجل الحق[80] فهذا يكون طيراً وصل من الأرض إلى الأعالي[81]. وعلينا التفكير بالمثل بالنسبة لباقي أنواع الخطايا والفضائل ونميز الزواحف والطيور التي تحصل مياهنا على الأمر بإبرازها حتى نحكم عليها في إطار نظرة الله.

9 “وخلق الله الحيوانات المائية العظيمة وكل كائن حي من الحيوانات الدبابة التي أنتجتها المياه كجنسها وكل طائر ذي جناح كجنسه[82].” وفيما يتعلق بهذه المخلوقات، كما فيما يتعلق بمن تحدثنا عنها للتو، علينا أيضا أن نفهم أننا يجب أن ننتج “حيوانات مائية عظيمة وكذلك “حيوانات دبابة كجنسها يجب في رأيي أن نرى في الحيوانات المائية العظيمة: الأفكار الآثمة والتصرفات الشنيعة المخالفة لله. ومع ذلك فكل تلك الأفكار يجب أن نظهرها بالنسبة إلى الله ونعرضها أمامه حتى يسمح لنا بتقسيم وفصل الجيد من الرديء وحتى يعين الرب لكل منا مكانه كما سنرى فيما بعد.

۱۰ “ورأى الله أنها كانت حسنة. وباركها الله قائلا: أثمري وأكثري واملأي المياه التي في البحار وليكثر الطير على الأرض. وكان مساء وكان صباح وكان هذا اليوم الخامس[83]” أخذت “الحيوانات المائية العظيمة وكذلك “كل كائن حي من جميع الحيوانات الدبابة التي أنتجتها المياه الأمر بأن تبقى هناك حيث يسكن “التنين الذي صنعه الله ليسخر منه[84]“. ولكن الطيور عليها أن تكثر على الأرض التي كانت قبلا “اليابسة”، والتي تدعى الآن “أرضا”، كما قلنا عاليه.

المنفعة من وراء الشر

ومن الممكن أن نتساءل: لماذا تمثل الحيوانات المائية العظيمة والكائنات الدبابة الشر بينما الطيور تمثل الخير في حين أنه قيل عنهما معا: “ورأى الله أنها حسنة[85]“؟ ذلك لأنه بالنسبة للقديسين، فحسنة هي الكائنات التي تضادهم، لأنهم يستطيعون أن يغلبوها وعندما يغلبونها يصير لهم مجد أعظم عند الله. وفي نهاية المطاف، حين طلب إبليس من الرب أن يسلطه على أيوب[86]، فقد كانت مهاجمات العدو بالنسبة لأيوب سبب مجد مضاعف بعد النصرة[87]، والدليل على ذلك أنه قد استعاد ضعف ما كان قد فقده في هذا العالم، كما أنه مستعد جداً لأن يستعيده دون أدنى شك بذات الأسلوب في السماء. ومن ناحية أخرى يقول بولس الرسول: “لا يكلل أحد إن لم يحارب قانونياً[88]“. فكيف تكون هناك حرب بدون عدو؟ فجمال النور وروعته لن يلاحظا إن لم تأت ظلمة الليل. هل نمتدح هؤلاء بسبب عفتهم إن لم ندن أولئك بسبب فسقهم؟ هل نمجد هؤلاء بسبب شجاعتهم لو لم يكن هناك جبناء ومرتعدون؟ تناول ما هو مر فتصير حينئذ الحلاوة ألذ. تأمل شيئاً مظلماً يبدو لك الشيء المنير أكثر جاذبية. فباختصار، تأمل الأشرار يظهر مجد الأبرار الأكثر تألقاً. ولهذا يقول الكتاب عنها جميعا: “ورأى الله أنها حسنة[89]“.

ولكن لماذا لم يكتب أن الله قال إنها حسنة بل قال “ورأى الله أنها حسنة”؟ لأن الله رأى فائدتها والسبب الذي سمح لها. مع كونها حسنة في ذاتها. بأن تجعل الصالحين يصلون إلى الكمال. لذا قال: “أثمري وأكثري واملأي المياه التي في البحار وليكثر الطير على الأرض[90]“، وهذا يعني أن الحيوانات المائية العظيمة والكائنات التي تزحف يجب أن تكون في البحر كما قلنا عاليه وأما الطيور فيجب أن تكون على الأرض.

اليوم السادس

حيوانات الأرض: الإنسان الأرضي

۱۱ “وقال الله: “لتنتج الأرض الحيوان الحي كجنسه: البهائم والدبابات ووحوش الأرض كجنسها. وكان كذلك. فعمل الله وحوش الأرض كجنسها وجميع الكائنات التي تزحف على الأرض كجنسها ورأى الله أنها حسنة[91].” التفسير الحرفي هنا لا يمثل صعوبة. لأنه يقول بوضوح إن الله هو الذي خلق الكائنات الحية والبهائم والوحوش وثعابين الأرض. أما بالنسبة إلى المعنى الروحي، فمن المفيد أن نربط هذا المقطع بالتفسيرات السابقة.

منذ قليل، كانت الآية تنص على: “لتنتج المياه بين الحيوانات الحية كائنات تزحف وطيور تطير فوق الأرض في جلد السماء.[92]” أما الآن فتنص على: لتخرج الأرض حيوانات حية كجنسها: البهائم والدبابات ووحوش الأرض كجنسها” ففيما يتعلق بالكائنات التي تخرجها المياه سبق وقلنا إنها يجب أن تفسر بتحركات وأفكار عقولنا والتي تأتي من عمق قلبنا. أما الآن فيما يتعلق بأية: “لتخرج الأرض حيوانات حية كجنسها: البهائم والدبابات ووحوش الأرض كجنسها[93]“، فأعتقد أننا ينبغي أن نرى فيها تحركات إنساننا الخارجي، أي الإنسان الجسداني والأرضي. وإجمالاً لا يذكر الطيور في الفقرات التي ترتبط بالجسد، ولكنه يذكر فقط البهائم والدبابات ووحوش الأرض. لأنه حسب رأي الرسول أن “البر لا يسكن جسدي[94]” وأن “حكمة الجسد هي عداوة لله[95]” فهذه بالتأكيد هي وحوش الأرض، أي جسدنا المخلوق، التي أوصى من جهتها الرسول أيضا هذه الوصية: “فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض، الزنا والنجاسة والدعارة والبخل وعبادة الأوثان… إلخ[96]“.

إذا بأمر الله وبواسطة كلمته عملت كل الأشياء المنظورة وأنشأ هذا الكون المرئي الهائل، ومن ناحية أخرى وفي الوقت ذاته وبصورة رمزية تم تحديد العناصر التي يمكنها أن تجمل هذا العالم الأصغر الذي هو الإنسان[97]، وحينئذ خلق الإنسان نفسه كما سيعرفنا ذلك ما يلي

خلق الإنسان

۱۲ وقال الله: “لنعمل الإنسان على صورتنا وشبهنا وليتسلط على أسماك البحر وطيور السماء وعلى الكائنات الحية وعلى كل الأرض وعلى كل الكائنات التي تدب على الأرض[98]“. وتبعا لتفسيراتنا السابقة، فإن الإنسان كما وصفناه هو من يتلقى من الله أمراً بالتسلط على الوحوش التي ذكرناها سالفاً، أي الطيور والوحوش الدبابة والبهائم وكل ما عداها. وقد قلنا ما هو التفسير الرمزي الذي يجب أن نعطيه لها حين شرحنا أن الماء، أي عقل الإنسان، قد تلقى أمرا بإنتاج الحس الروحي، والأرض بإنتاج الحس الجسدي بحيث إن الروح تتسلط على الحيوانات وليس العكس. لأن الله يريد أن “العمل” العظيم[99] هذا، وهو الإنسان، الذي من أجله خلق الكون كله[100]، لا يكون فقط غير ملوث وغير مصاب من قبل ما ذكرناه عاليه، ولكن أيضاً أن يتسلط عليها. ولكن دعونا الآن نرى بكلمات الوحي ذاتها من أي نوع من الكائنات الحية يصنف الإنسان.

عظمة الإنسان

إن جميع المخلوقات الأخرى خلقت بأمر إلهي، هذا هو ما يقوله الكتاب: “وقال الله: ليكن جلد[101]“، وقال الله: “لتجتمع المياه التي تحت السماء في كتلة واحدة ولتظهر اليابسة[102]“، وقال الله: لتخرج الأرض عشب الحقول[103].” ويعبر الكتاب بنفس الطريقة بالنسبة لكافة المخلوقات الأخرى. ولكن لنر ما هي المخلوقات التي صنعها الله بنفسه، ولنقس بها عظمة الإنسان: “في البدء عمل الله السموات والأرض[104]“، وأيضاً: “عمل نورين عظيمين[105]” والآن أيضاً: “لنعمل الإنسان[106]“. هذه فقط هي المخلوقات دون غيرها التي تحددت كعمل الله الشخصي. فالله لم يعمل سوى السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والآن الإنسان، وأما جميع الباقي فيقول الكتاب إنه عًمل بناء على أمره. فلننظر من هنا ما هي عظمة الإنسان، فهو يجعله مساو لأعظم العناصر وللعناصر الرئيسة. فهو يكرم مثل السماء، ولذلك فله الوعد “بملكوت السموات”، وهو أيضاً يكرم مثل الأرض، ولذا يأمل أن يدخل إلى أرض جيدة، في “أرض الأحياء حيث يتدفق اللبن والعسل[107].” وهو أيضاً يكرم كالشمس والقمر ولذا قد وعد بأن يضيء كالشمس في ملكوت الله[108]

۱۳ بل أتبين في وضع الإنسان شيئاً أسمى أيضاً، لا أجده في أي موقع آخر: “وعمل الله الإنسان، على صورة الله عمله[109]” وهذا لم يذكر لا عن السماء ولا الأرض ولا عن الشمس أو القمر.

الإنسان شبيه الله

بالتأكيد ذلك الإنسان الذي وفقاً للكتاب “عًمل على صورة الله لا نقصده إنساناً جسدياً. فالواقع أن نموذج الجسد لا يحوي صورة الله. ولم يقل إن الإنسان الجسدي قد “عُمل” ولكن إنه “صُنع كما ينص الكتاب فيما يلي. يقول الكتاب: “وصنع الله الإنسان أي شكله من طمي الأرض[110]. أما من عُمل “على صورة الله” فهو إنساننا الداخلي، غير المرئي، غير الجسدي، غير القابل للفساد وغير المائت. لأننا من هذه الصفات نعرف بدقة أكثر صورة الله[111]. فالتصور بأن الإنسان الجسدي هو الذي عمل حسب صورة الله وشبهه، هو الافتراض أن الله نفسه جسدي وأنه يمتلك شكل بشري، ومثل هذه الفكرة عن الله تعد وبكل وضوح تجديفاً. حاصل الكلام، فإن هؤلاء البشر الجسديون، الذين يجهلون معنى اللاهوت، حينما يقرأون عن الله في الكتاب: “السماء عرشي والأرض موطئ لقدمي[112]“، يتصورون أن الله له جسد ضخم حتى إنه يمد قدميه من السماء حيث هو جالس حتى الأرض. وإن كانت لديهم تلك الأفكار فذلك لأنه تنقصهم الآذان المطلوبة لسماع كلام الله المذكور في الكتاب عن الله باستحقاق. فكلمة “السماء عرشي” تفسر كما ينبغي عن الله عندما نعلم أن الله يستريح ويسكن في الذين “مسكنهم في السموات[113]“، أما من كان لهم سلوك أرضي بعد، فنجد فيهم الجزء الأخير من نعمته، كما يشار إلى ذلك بأسلوب مجازي من خلال ذكر القدمين.

فإذا كان من بينهم من وضعوا جهادهم وحماسهم في أن يصيروا سماويين من خلال قداسة الحياة وعمق الفكر، فهؤلاء يصبحون هم أنفسهم أيضا عرشا لله، بعد أن جعلوا أولا سماويين بسلوكهم، وهم يقولون: “أقامنا مع المسيح وأجلسنا معه في السماوات[114].” وأما الذين “كنزهم في السماء[115]” فهؤلاء يمكن أن يطلق عليهم سماويين وكذلك عرشاُ الله لأنه “حيث يكون كنزهم هناك يكون قلبهم[116]“، والله لا يكتفي بأن يستند عليهم ولكنه يسكن أيضاً فيهم[117]. وإن كان هناك من يصلون إلى درجة أن يستطيعوا القول: “أم أنكم تبحثون عن برهان أن المسيح هو الذي يتكلم فيّ[118]“، فلا يكتفي الله بأن يسكن في هؤلاء فقط، ولكنه يسير في وسطهم أيضاً. ولهذا فالكاملون إذ صاروا سماويين أو أصبحوا سماوات، فإنهم يخبرون بمجد الله[119]” كما يقول في المزمور، لهذا أيضا التلاميذ الذين كانوا من السماوات قد أرسلوا ليخبروا بمجد الله ويأخذوا اسم “بوانرجس أي ابني الرعد[120]“، حتى تؤكد لنا قوة الرعد أنهم حقاً من السماوات.

إذاً “عمل الله الإنسان، على صورة الله عمله[121]“. فعلينا أن نرى ما هي صورة الله ونبحث على شبه أية صورة خلق الإنسان، لأنه لم يقل إن الله عمل الإنسان على صورته أو على شبهه، ولكن أنه “عمله على صورة الله فما هي إذا صورة الله الأخرى هذه التي عمل الإنسان على شبهها؟ لهذه الصورة لا يمكن أن تكون إلا مخلصنا: هو بكر كل خليقة[122]” ومكتوب عنه أنه “بهاء النور الأبدي والرسم المرئي لجوهر الله[123]“، ويقول هو عن نفسه: “أنا في الآب والآب فيّ[124]” ومن رآني فقد رأى الآب أيضاً[125].” والواقع أن من يرى صورة شخص يرى الشخص الذي تمثله الصورة. وهكذا، نحن نرى الله عن طريق كلمة الله الذي هو صورة الله. وهكذا يحق ما يقوله إن: “من رآني فقد رأي الآب أيضاً”.

فالإنسان خلق إذا على شبه هذه الصورة. ولهذا، مخلصنا، الذي هو صورة الله، إذ تحركت مشاعر الشفقة لديه من أجل الإنسان الذي عًمل على شبهه، والذي رآه ينحل من صورته ليلبس صورة اللئيم، أخذ هو نفسه صورة إنسان، بدافع الشفقة، وجاء إليه كما يشهد بذلك أيضا الرسول حين يقول: “مع إنه كان الله بحاله، لم يتمسك بلهفة بمساواته مع الله، لكنه أخلى نفسه آخذاً حالة العبد، صائرا في شبه الناس، وإذ عًرف كإنسان من خلال كل ما بدا منه، وضع نفسه حتى الموت[126]

فكل من يأتون إليه ويجتهدون في أن يكونوا مشاركين لتلك الصورة العاقلة[127] بتقدمهم، “يتجددون يوما بعد يوم حسب الإنسان الداخلي[128]” على صورة من صنعهم، وهكذا يمكنهم أن يصيروا تشبيهين بجسد مجده[129]“، ولكن كل واحد بحسب قدراته. لقد تشكل الرسل من جديد على شبهه حتى قال عنهم هو نفسه: “إني ذاهب لأبي وأبيكم، إلهي وإلهكم[130]“، وقد طلب هو نفسه إلى الآب من أجل تلاميذه حتى يعاد لهم الشبه القديم قائلا: “أيها الآب اعمل بحيث يكونوا واحداً فينا، كما أننا أنت وأنا واحد[131].”

فلتكن إذن أعيننا دوماً على صورة الله هذه حتى يمكننا أن شكل من جديد على شبهه. فإن كان الإنسان المخلوق على صورة الله قد صار مشابها لإبليس بالخطية، بنظره، على عكس طبيعته، إلى صورة إبليس، فكم بالأحرى لو نظر إلى صورة الله التي خلقه الله حسب شبهها، فهو سينال بالكلمة وبقوته الشكل الذي أعطى له بالطبيعة. وإن وجد أحد أنه يشبه أكثر إبليس منه إلى الله، فلا ييأس من أنه يمكنه استعادة شكل صورة الله، بما أن المخلص لم يأت ليدعو الأبرار بل الخطاة إلى التوبة[132].” فمتى كان عشاراً[133] وبالطبع كانت صورته تشبه إبليس، ولكن بمجيئه إلى صورة الله وإلى ربنا ومخلصنا وباتباعها، تم تغييره إلى شبه صورة الله. ويعقوب ابن زبدي ويوحنا أخوه[134] “كانا صيادين[135]” وشخصين عديمي العلم[136]“، ومن الواضح أنهما كانا بناء على ذلك يشبهون بالأحرى صورة إبليس، ولكن باتباعهما هما أيضاً لصورة الله صارا مشابهين له مثل باقي التلاميذ. وبولس كان يضطهد[137] صورة الله ذاتها ولكنه حين استطاع أن يرى جمالها وعظمتها، حولته تلك الرؤيا إلى شبهها إلى درجة عالية، حتى إنه قال: “أم أنتم تبحثون عن البرهان على أن المسيح هو الذي يتكلم فيّ[138]؟

“خلقهما ذكرا وأنثى”

14 “ذكراً وأنثى خلقهم وباركهم الله قائلا أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض وكونوا أسيادها[139].” إنه من المثير للاهتمام أن نبحث هنا بتفسير حرفي لماذا يقول الكتاب: “خلقهما ذكرا وأنثى” في حين لم تكن المرأة قد خلقت بعد. بلا شك. هكذا أعتقد أنه بسبب البركة التي أعطاهما الله إياها قائلا: “أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض، فيقول الكتابة، مستبقاً ما كان سوف يحدث: “ذكراً وأنثى خلقهما”، لأن الرجل لا يستطيع أن يثمر ولا أن يتكاثر إلا بالمرأة. وحتى لا يكون هناك إذاً تردد في الإيمان بحلول تلك البركة، يقول: “ذكرا وأنثى خلقهما”، فعلى هذا النحو، إذ يرى الرجل أن النمو والتكاثر ينتج من أن المرأة مرتبطة به، فيمكنه أن يحتفظ بثقة أكبر في البركة الإلهية. فلو كان الكتاب قد قال: “أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض وكونوا أسيادها” دون أن يضيف أنه “خلقهما ذكرا وأنثى” لظل الإنسان حتما متشككا في البركة الإلهية، مثلما فعلت مريم التي جاوبت على بركة الملاك: “كيف يحدث هذا بما إني لست أعرف رجلا[140]؟” ولكن إذا كان الكتاب يقول مستبقا: “خلقهما ذكرا وأنثى” فربما أيضاً لأن كل أعمال الله مقدمة بكونها متحدة ومنجمعة كالسماء والأرض والشمس والقمر، فقد أراد الكتاب من هنا إذاً أن يوضح أن الإنسان أيضاً هو عمل الله وأنه لم يخلق دون الاتفاق والارتباط اللازمين له.

كل ذلك لم يقم بشيء سوى الإجابة على مشكلة التفسير الحرفي.

15 ولكن دعونا نرى أيضا بالمعنى المجازي كيف خلق الإنسان ذكراً وأنثى على صورة الله. إنساننا الداخلي مكون من روح ونفس. لنقل أن الروح هي الذكر، ويمكن أن تعتبر النفس هي الأنثى. فإن تفاهما واتفقا فيما بينهما يثمران ويكثران باتحادهما فيلدان – كأبناء – الأعمال الصالحة والأفكار والتأملات المفيدة التي يمكن بها الأرض ويكونون أسيادها، أي أنهما إذ يتحكمان في ميول الجسد يحولانها إلى مقاصد أسمى ويكونون أسيادها بعدم تساهلهما مع أي تمرد للجسد ضد إرادة الروح. أما إن هبطت النفس المتحدة بالروح والمقترنة بها، إذا جاز التعبير، أحياناً إلى الشهوات المادية ومالت إلى متعة الجسد، فبدت أنها تطيع إنذارات الروح الخلاصية حيناً وتستسلم للرذائل الجسدية حيناً آخر، فإن هذه النفس الملوثة، كما من زنا جسدي، لا يمكنها أن تثمر ولا أن تتكاثر بشكل شرعي، بما أن كلمة الكتاب تعلن أن “أبناء الزنا لا يصلون إلى كمالهم[141]“، فمثل هذه النفس التي تهمل الارتباط بالروح وتستسلم بكاملها إلى ميول الجسد وإلى الشهوات الجسدية كما لو كانت قد ابتعدت عن الله بوقاحة، فتلك النفس ستسمع الصوت القائل لها: “اتخذت وجه امرأة زانية وبذلت نفسك دون حياء للجميع[142]” وستعاقب إذا كزانية ويأمر الرب بإعداد مذبحة أبنائها[143].

16 “وتسلطوا على سمك البحر وعلى طيور السماء وعلى الخيل والحمير وعلى كل الحيوانات التي على الأرض وعلى الزواحف التي تدب على الأرض[144].” لقد سبق وأن فسرنا ذلك بالمعنى الحرفي[145] حين تعرضنا لآية: “وقال الله: لنعمل الإنسان” والباقي تم تفسيره حين قال: “ليتسلطوا على سمك البحر وعلى طيور السماء. إلخ[146]

أما بالمعنى المجازي، فما يبدو لي هو أن ما تشير إليه الأسماك والطيور والحيوانات والزواحف التي على الأرض هو ما قد سبق وقلناه أيضاً أعلاه، أي سواء ما ينتج عن تدابير النفس وفكر القلب أو ما يتولد من الشهوات المادية وحركات الجسد. وفي هذه جميعها يمارس القديسون الذين يحفظون بركة الرب تسلطهم من خلال قيادة الإنسان بالكامل طبقاً لإرادة الروح، أما الخطاة فهم على العكس تحت سيادة ما ينشأ عن نقائص الجسد وشهواته.

غذاء الإنسان

۱۷ “وقال الله ها قد أعطيتكم كل عشب يبذر بذراً على سطح الأرض كلها وكل شجر فيه ثمر ببذر يبذر، هذا يكون لكم طعاماً ولكل حيوانات الأرض وكل طير السماء وكل الدبابات التي تدب على الأرض والتي فيها نفس حية.[147]” وبالمعنى التاريخي، هذه العبارة تشير بوضوح إلى أن الله في البدء سمح باستخدام العشب كطعام، أي الخضراوات وثمار الأشجار ولكن فيما بعد، حين تم العهد مع نوح بعد الطوفان سمح الله للإنسان أن يتغذى على اللحوم. وسوف نفسر لاحقاً أسباب ذلك بشكل أفضل في موقعها. أما بالمعنى المجازي، فالعشب وثمار الأرض التي وهبت للإنسان كطعام يمكن أن تفسر على أنها الأهواء الجسدية. فالغضب والطمع هما إذا أفرع الجسد[148]، وثمر هذه الأفرع، أي العمل، بالنسبة لنا نحن الكائنات العاقلة كما بالنسبة لوحوش الأرض، هو مشترك، لأننا حين نحتد بحق، أي من أجل توبيخ شخص مذنب وإصلاحه من أجل خلاصه، فنحن هنا نتغذى من ثمرة الأرض هذه وغذاؤنا هو الإحتداد الجسدي الذي يردع الخطية ويستعيد العدالة.

وربما يبدو [لكم] أني قد استنتجت هذا من أعماقي أكثر مما استنتجته من سلطان الكتاب الإلهي، ولكن ارجعوا إلى سفر العدد وتذكروا ما عمله الكاهن فينحاس؛ إذ رأى امرأة زانية من مديان سلمت نفسها لفعل النجاسة مع رجل من بني إسرائيل أمام أعين الجميع، وإذ امتلأ من الغضب ومن الغيرة المقدسة، أمسك بسيف وطعن كل منهما به في صدريهما[149]. هذا التصرف حسب له براً من قبل الله، وفقا لكلمة الرب: “فينحاس هدأ غضبي وسوف يحسب له هذا براً[150]“. فهذا الطعام، أي الغضب الأرضي قد صار إذن غذاءنا حين نستخدمه بتعقل من أجل العدل. ولكن حين يوصل الغضب إلى أعمال مخالفة للصواب كمعاقبة الأبرياء، أو كالثورة في وجه من لم يفعلوا أي سوء، يكون هذا الطعام من أجل بهائم الحقل وثعابين الأرض وطيور السماء لأن الشياطين أيضاً تتغذى على نفس هذا الطعام، الذين يقتاتون أعمالنا السيئة ويفضلونها. وقايين مثال لنا على هذا النوع من الأعمال، هو الذي من غضبه وغيرته قتل أخاه البريء[151]. ويجب أن نقول ذلك عن الشهوة وعن كل الأهواء التي من هذا النوع. لأنه عندما تشتهي نفسنا وتنضني تائقة للإله الحي[152]“، فيكون الاشتهاء هو طعامنا. ولكن إذا نظرنا امرأة غريبة لنشتهيها[153] أو إذا اشتهينا أي شيء يملكه القريب[154] هنا تصبح الشهوة طعاما حيوانياً. ومن الممكن أن نعطي مثالا لذلك: شهوة آخاب وما فعلته إيزابل من أجل كرم نابوت اليزرعيلى[155].

ويجب بالتأكيد أن نلاحظ حذق الكتاب المقدس حتى في اختيار الكلمات، فبينما قال حين كان الأمر يتعلق بالبشر: “قال الله: ها قد أعطيتكم كل عشب يبزر بزراً على الأرض وكل شجر على الأرض: هذا يكون لإطعامكم[156]“، لم يقل ذلك حين كان الأمر يتعلق بالبهائم: “إني أعطيتها كل هذا طعاما لها” لكن: هذا يستخدم طعاما لها[157]“، وباتباع المعنى الروحي الذي عرضناه، يجب نفهم أن هذه الغرائز قد أعطاها الله للإنسان ومع ذلك فهو يعلن أنها تستخدم أيضا طعاماً لبهائم الأرض. هذا هو السبب إذن في أن الكتاب الإلهي قد استخدم أسلوباً حذراً للغاية: فيخبر بالنسبة للبشر أن الله قال: “أعطيتكم هذا طعاما[158]“، أما عندما يأتي إلى البهائم، يقول إن هذا يستخدم أيضاً طعاماً للبهائم والطيور والثعابين، ليعني أن هذا لا يأتي كأمر من قبل شخص، وإنما كنوع من الإعلان من قبل شخص.

أما نحن، فلنعكف وفقا لقول بولس الرسول “على القراءة[159]“، حتى نستطيع، حسب كلماته الخاصة، “أن نأخذ فكر المسيح[160]” ونعرف “ما أعطاه الله لنا[161]“، وما أعطاه طعاما لنا لا يجب أن نجعل منه طعاما للخنازير أو للكلاب[162]. لكن لنهيئ بداخلنا طعاما يجعلنا مستحقين لاستقبال كلمة وابن الله في قلوبنا، الذي يأتي مع أبيه والذي يريد أن يقيم فينا مسكنه[163] في الروح القدس[164] الذي يجب قبل كل شيء أن نكون له هيكلاً[165] بقداستنا. له المجد الدائم إلى دهر الدهور آمين[166].

 

 

 

[1] العناوين الجانبية من وضع مترجم النسخة الفرنسية.

[2] انظر: تك 1: 1.

[3] انظر: 1 تي 4: ۱۰.

[4] انظر: كو 1: 15.

[5] انظر: یو ۱: ۳

[6] هناك شروحات أجزل ومتنوعة أكثر وأدق في:

In principio, Commentaire sur S. Jean, I, 90-124, SC 120, p. 106 – 125

ويتعلق الأمر هنا بالنسبة إلىأوريجانوس بحفظ دور الكلمة في الخلق كل شيء به كان”، وأيضا بتأكيد لا زمنية البدء بحيث يمكن أن يطابق عرض الكتاب المقدس لبداية الخليقة مع الوجود المسبق للعالم المعقول (المدرك بالعقل لا بالحواس). وسنلاحظ بعد قليل (في نهاية الفقرة 1) أنأوريجانوس يعبر بوضوح عن فكرة أن ’’يوم الخليقة الأول” لا يحسب في الزمن. فبالنسبة له، تكون مخلوقات اليوم الأول (“السماء” و”الأرض” كما يفهمهما) موضوعة إذا خارج الزمن، في الوجود المسبق. ارجع إلى:

In principio, Interpretations des premiers versets de la Genese, Paris, Etudes augustiniennes, 1973; chez Origene, p. 88-92, par P. Nautin.

[7] انظر: تك 1: ۲ (حسب نص الترجمة السبعينية للعهد القديم). ومن الجدير بالذكر أن النص

الذي يعتمد عليه العلامةأوريجانوس في عظاته على سفر التكوين وفي كل اقتباساته من العهد القديم هو نص الترجمة السبعينية. كما أنه في بعض الأحيان يعتمد على الذاكرة فلا

تأتي اقتباساته حرفية.

[8] انظر: تك 1: 3.

[9] انظر: تك 1: ۲.

[10] يذكر النص كلمة “سوف” (erit) بدلا من كلمة “كان” (erat) وحيث وضعناأوريجانوس في مناخ خليقة ما قبل الزمن، تكون الهاوية التي يصفها أيضا من نفس الطبيعة هي موجودة قبل الزمن. لكن هل كان (erat) بالفعل إبليس وملائكته فيها (وهذا يطابق الفكر الأوريجيني)، أم يجب انتظار أن يكون الزمن قد أتم عمله الذي سوف. (erit) تحدث فيه المعركة ضد إبليس، وهذا ما تمكن روفينوس من تصوره من خلال سفر الرؤيا ( ۹: ۱۲ و ۲۰ : ۳). وفي مكان آخر في هذه العظات نجد أن الهاوية هي مسكن إبليس الدائم (راجع العظة 4: 4).

[11] انظر: رؤ 12: 9؛ 20: 3 (انظر مت 25: 41).

[12] انظر: لو ۸: ۳۱.

[13] انظر: تك 1: ۳. 5.

[14] اقرأ، بالتزامن مع عظة أوريجينيس:

De opificio mundi de PHILON (en français dans “ Les œuvres de Philon d’Alexandrie’’, ed. Du Cerf, Paris, I, trad.R. Arnaldez, 1961).

[15] انظر: تك 1: 5.

[16] لتتبع شرح وفكرأوريجانوس عن رمزية السماء هذه والجلد والمياه، انظر:

  1. PÉPIN, Théologie cosmique et théologie chrétienne, PUF Paris 1964, le chap. VI de la 4 partie, p. 390-417.

[17] انظر: تك 1: 6- ۷.

[18] انظر: إش 66: ۱.

[19] انظر: تك 1: 7.

[20] انظر: اکو 15: 4۷.

[21] انظر: في ۳: ۲۰.

[22] انظر: تك 1: ۷۔ ۸.

[23] انظر: يو ۷: ۳۸؛ 4: 14.

[24] انظر: يو 12: 31. حرفيا “أمير هذا العالم.”

[25] انظر: رؤ 12: 7؛ 2: 3.

[26] انظر كو 3: 1.

[27] انظر تك 1: 8.

[28] حرفياً: العنصر اليابس”.

[29] انظر تك 1: 9.

[30] انظر متى 5: 16.

[31] انظر: يوحنا 3: 20-21.

[32] انظر تك 1: 9.

[33] انظر: تك 3: 18؛ عب 6: 8.

[34] انظر: إش 9: 19.

[35] انظر خر 3: 8؛ 33: 3.

[36] انظر تك 1: 10-11.

[37] انظر: تك 27: 27.

[38] انظر: عب 6: 7-8.

[39] انظر: تك 1شك 12-13.

[40] انظر: لو 6: 45.

[41] انظر: مت 13: 5-6، 20.

[42] انظر: مت 13: 8، 23.

[43] انظر: مت 13: 25.

[44] انظر: لو 8: 5.

[45] انظر: يو 14: 6.

[46] انظر: مت 13: 4؛ لو 8: 5.

[47] إن الطريقة التي يشير بهاأوريجانوس هنا إلى المراتب الروحية هي غير دقيقة. فهو لا يعطي تصنيفات محددة وواضحة المعالم لتلك المراتب التي يقترحها من خلال الصور الكتابية. ويبدو أن حالة “الكرم” هنا متفوقة عن حالة “الأرض”، لكن لا توجد أية اشارة الطبيعة هذا التفوق. وفي مواضع آخرى، يميزأوريجانوس المراتب وفقا للفرق الذي يجده بين نوح وحيوانات الفلك (العظة ۲: ۳)؛ وبين إبراهيم ولوط (العظة 4: ۱)؛ وبين إسحق وإسماعيل (العظة ۷: ۲)؛ وبين رفقة وجمالها (العظة ۱۰: ۲)؛ وبين الأرض واليابسة (العظة ۱: ۲)؛ وبين الأرض والسماء (العظة ۱: ۲). ونعتقد أنه سيكون من غير المجدي أن نبحث هنا عن شيء أخر بخلاف مجرد تمييز الخبرة بين مسيحيين كاملين تقريباً.

[48] انظر: إش 5: 2، 6.

[49] انظر تك 1: 14.

[50] انظر يو 8: 12.

[51] انظر: يو 8: 12.

[52] انظر: رو 13: 13.

[53] انظر 1تس 5: 5.

[54] انظر: تك 1: 14-15.

[55] انظر: 1تس 1: 10؛ مت 3: 7؛ لو 3: 7.

[56] انظر: 1تس 5: 4.

[57] انظر: إش 61: 2.

[58] انظر: يو 1: 9.

[59] انظر: رو 2: 19.

[60] انظر: مت 5: 14.

[61] انظر: أف 5: 27.

[62] انظر: تك 1: 16-19.

[63] انظر: عب 11: 5. ارجع إلى العظة ۹: ۲ “كان هناك في الشعب اليهودي الكثير من الأبرار والأنبياء الذين يمكن أن نقارنهم بحق مع نجوم السماء.”

[64] انظر: 1كو 15: 41.

[65] انظر: مت 9: 27.

[66] انظر: زك 1: 3.

[67] انظر: ار 23: 23.

[68] انظر: مت 25: 15.

[69] انظر: مت 13: 34.

[70] انظر: مت 15: 32؛ مر 8: 3.

[71] انظر: لو 10: 39 وما بعده.

[72] انظر: مت 13: 36.

[73] انظر لو 22: 28.

[74] انظر: مر 4: 34.

[75] انظر: مت 17: 1-3.

[76] انظر: تك 1: 20.

[77] انظر: مت 5: 28.

[78] انظر: تك 39: 7 وما بعده.

[79] انظر: لو 21: 2.

[80] انظر: سي 4: 28.

[81] موضوع الاستشهاد الذي يظهر هنا ليس بلاغة محضة، ولكنه يجعلنا نفهم أن الاضطهاد في ذلك الزمان كان يمكن أن يبعث من حين لآخر. وبعد بضعة سنوات، ختم أوريجينيسن الدرس الرمزي الذي يستخلصه اليوم من عرضه، بآلامه الخاصة.

[82] انظر: تك 1: 21.

[83] انظر: تك 1: 21-23.

[84] انظر: مز ۱۰۳: ۲۹. هذا هو المزمور رقم ۱۰۳ بحسب نص السبعينية ويقابله مزمور رقم 104 في النص العبري الماسوري وهو النص الذي أخذت عنه الترجمة البيروتية.

[85] انظر: تك 1: 21.

[86] انظر: أي 1: 9.

[87] انظر: أي 42: 10.

[88] انظر 2تي 2: 5.

[89] انظر: تك 1: 21.

[90] انظر: تك 1: 22.

[91] انظر: تك 1: 24-25.

[92] انظر: تك 1: 20.

[93] انظر: تك 1: 24.

[94] انظر رو 7: 10.

[95] انظر رو 8: 7

[96] انظر: كو 3: 5.

[97] “العالم المصغر” هو فكرة أرسطوطالية وكثيراً ما يرجع إليها فيلو.

[98] انظر: تك 1: 26.

[99] انظر أف 2: 10.

[100] LACTANCE, De ira Dei, 13, CSEL, p. 99

“إذا تفحصنا إدارة العالم الكونية، فسنفهم مدى عظمة الحقيقة الموجودة في اعتقاد الرواقيين الذين يقولون إن العالم قد أنشئ من أجلنا”

CISERON, De nat. deor. II, 62, 154:

“كل ما هو في العالم قد اعد وانجز من أجل خير البشر” ويرفضأوريجانوس فكر كیلسوس الذي لا يقبل أن يكون الله قد صنع كل شيء من أجل الإنسان.

[101] انظر: تك 1: 6.

[102] انظر: تك 1: 9.

[103] انظر: تك 1: 11.

[104] انظر: تك 1: 1.

[105] انظر: تك 1: 16.

[106] انظر: تك 1: 26.

[107] انظر: خر 3: 8؛ 33: 3.

[108] انظر: مت 13: 43.

[109] انظر: تك 1: 27.

[110] انظر: تك 2: 7.

[111] يرجعأوريجانوس من أجل شرح أكثر تفصيلا للإنسان المخلوق على صورة الله في تعليقات على سفر التكوين. لكن الجزء الأكبر من هذه التعليقات مفقود اليوم باستثناء ربما المقطع الطويل الذي على البردية التي تملكها جامعة جيسين (Giessen).

[112] انظر: إش 66: 1.

[113] انظر:: في 3: 20.

[114] انظر: أف 2: 6.

[115] انظر: مت 19: 21.

[116] انظر: لو 12: 34.

[117] انظر: 2كو 6: 16.

[118] انظر: 2كو 13: 3.

[119] انظر: مز 18: 1 (بحسب السبعينية).

[120] انظر: مر 3: 17.

[121] انظر: تك 1: 27.

[122] انظر: كو 1: 15.

[123] انظر: عب: 1: 3.

[124] انظر: يو 14: 10.

[125] انظر: يو 14: 9.

[126] انظر: في 2: 6-8.

[127] تعادل “عاقلة” هنا تقريبا “روحية” أو حتى “إلهية”. ويقال “عاقل” عن كل من يتطابق مع مبادئ العقل المستنير بالروح القدس. “المعرفة العقلية” هي المعرفة التي تجعلنا نتشارك مع كلمة وحكمة الله (العظة ۳: ۲). “المخلوقات العقلية” هي المخلوقات التي تستمد حياتها من الثالوث (العظة ۲: 5). “الحس العقلي” هو الحس الذي يسمح لنا بأن نسود على شهوات الجسد وأن نقف بلا انقطاع أمام الله العظة 4: 14؛ العظة ۱۲: 5)، وألا ننظر إلى الوراء وأن نكون على الدوام متجهين صوب الخلاص (العظة 5: ۲)؛ وهو الذي يجعل الماء الحي الذي للحياة الأبدية ينبع فينا (العظة 12: 5)، وهو انعكاس صورة الله فينا (العظة ۱۳: 3). وعلى العكس فإن الذين لم يضئ عندهم الإيمان بعد هم كائنات محرومة من العقل (العظة ۲: ۳).

[128] انظر: 2كو 4: 16.

[129] انظر في 3: 21.

[130] انظر: يو 20: 17.

[131] انظر: يو 17: 21-22.

[132] انظر: لو 5: 32.

[133] انظر: مت 10: 3.

[134] انظر: مت 4: 21.

[135] انظر: مت 4: 18.

[136] انظر: أع 4: 13.

[137] انظر: 1تي 1: 13.

[138] انظر: 2كو 13: 3.

[139] انظر: تك 1: 27-28.

[140] انظر: لو 1: 34.

[141] انظر: حك 3: 16.

[142] انظر: إر 3: 3.

[143] انظر: إش 14: 21.

[144] انظر: تك 1: 28.

[145] ارجع إلى العظة 1: 12.

[146] انظر: تك 1: 26.

[147] انظر: تك: 1: 29-30.

[148] أي التي يتغذى عليها.

[149] انظر: عد 25: 7-8.

[150] انظر: عد 25: 11-12؛ مز 105: 31 (بحسب السبعينية).

[151] انظر: تك 3: 8.

[152] انظر: مز 83: 3 (بحسب السبعينية).

[153] انظر: مت 5: 28.

[154] انظر: خر 20: 17.

[155] انظر: 1صم 21.

[156] انظر: تك 1: 29.

[157] انظر: تك 1: 30.

[158] انظر: تك 1: 29.

[159] انظر: 1تي 4: 13.

[160] انظر: 1كو 2: 16.

[161] انظر: 1كو 2: 12.

[162] انظر: مت 7: 6.

[163] انظر: يو 14: 23.

[164] هذه العبارة تذكر مصطلح “في الروح القدس” حينما تتكلم عن عمل الثالوث معنا. وسنجد في (العظة ۲: 5) عبارة “من الأب بالابن والروح القدس” وهي كلها تعتبر بدايات لما استقر في القرن الرابع: “من الأب بالابن في الروح القدس.

[165] انظر: 1كو 6: 19.

[166] انظر: رو 11: 36.

العظة الأولى الخليقة – عظات أوريجانوس على سفر التكوين

هل أيام الخلق ايام حرفية 24 ساعة أم حقب زمنية؟

هل أيام الخلق ايام حرفية 24 ساعة أم حقب زمنية؟

هل أيام الخلق ايام حرفية 24 ساعة أم حقب زمنية؟

هل أيام الخلق ايام حرفية 24 ساعة أم حقب زمنية؟

يقسم علماء الجيولوجيا تاريخ الأرض بناءً على ما تم اكتشافه من آثار وبقايا حيوانية ونباتية وحفريات إلى قسمين:

الأول: يسمى عصر ما قبل البروتيروزويك (Proterozoic)، والثاني:عصر ما بعد البروتيروزويك. ويتميز الأول بتكوين الأرض ووجود كائنات أولية لم تترك آثاراً أو بقايا.

وأما القسم الثاني: فقد تم تقسيمه إلى ثلاث أحقاب، وهي حقبة الحياة القديمة (Paleozoic)، وحقبة الحياة المتوسطة (Mesozoic)، وحقبة الحياة الحديثة (Cenozoic).

ولقد تم تقسيم كل حقبة إلى مجموعة من العصور يتميز كل منها بحفريات تدل على الكائنات التي كانت تعيش فيها، وطبقات التربة المنفصلة بين العصور، وتغير المناخ الفجائي… إلخ.

ويؤكد علماء اليولوجيا أن الكون وُجِدَ في 10.000 مليون سنة، والأرض من حوالي 5000 مليون سنة. وهذا يطرح العديد من الأسئلة:

كيف يذكر الكتاب المقدس أن الكون كله خُلِقَ في 144 ساعة فقط؟!

هل هناك من تعارض بين الكتاب المقدس والعلم؟!

هل أيام الخلق ستة أيام حرفية يتكون اليوم من 24 ساعة فقط، أم حقب زمنية قد تكون آلاف أو ملايين السنين؟

والإجابة على هذه الأسئلة أقول:

بكل يقين لا توجد أي مشكلة بين الكتاب المقدس والعلم، ولا بين الإيمان والفكر التحليلي المستنير. فيقول فرانسيس بيكون (Francis Bacon): “إن الله قد أعطانا كتابين لا يشوبهما أي خطأ:

الأول: “الكون المادي” ويفسره العلماء والعلم (Science).

والثاني: “الكتاب المقدس” ويفسره اللاهوتيون والفكر اللاهوتي (Theology).

وإن كان الكتابان معصومين من الخطأ، إلا أن تفسيرهما، لنهما – أي التفسيرين – عمل بشري قابلان للصواب والخطأ. ومن هنا يبدو سبب الخلاف الظاهري بين آراء العلماء واللاهوتيين، وخاصة أن اللاهوتيين في الكثير من الأحيان مثلما حدث أيام جاليليو (Galileo) في القرن السابع عشر، يظنون أن آرائهم العلمية لها نفس الصحة مثل آرائهم اللاهوتية في العقيدة.

ولكن من يدرس قصة الخلق (تك 1-3) بدقة، وبنظرة متسعة الأفق يدرك أن أيام الخليقة الستة لا يمكن أن يكون اليوم الواحد مكوَّن من 24 ساعة فقط، بكل كل يوم يمثل حقبة زمنية قد تصل إلى آلاف أو ملايين السنين.

ولكن دعنيى أولاً أعرض وجهة نظر من يؤمنون بحرفية أيام الخلق الستة بكل دقة وأمانة:

أولاً: الاعتقاد بستة أيام حرفية:

أصحاب هذه النظرية يؤمنون بحرفية (تك 1-3) ويُسمون (Creationists)، والكون بالنسبة لهم خُلِقَ كله في مدة 144 ساعة فقط (ستة أيام حرفية)، ويؤيدون وجهة نظرهم بالحجج الآتية:

  1. اليوم في(تك1: 5) “وَدَعَااللهُ النُّورَ نَهَارًا، وَالظُّلْمَةُ دَعَاهَا لَيْلاً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا” وأيضاً في (تك1: 8و 13و 19و 23و 31و 2: 3) هو يوم محدد كمانعرفه الآن 24 ساعة. وقد قال الكتاب ” وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا” ولم يقل وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ حقبة وَاحِدَة” ولو قصد الله بأيام الخلق الستة أحقاب زمنية لأوضح ذلط، كما أوضح لنا حقيقة “الدهور الآتية” (أف2 :7).
  1. عندما تقترن كلمة “أيام” في الكتاب المقدَّس بعدد ممعين فإنها تعني أيام وليس فترات زمنة، فمثلاً عندما قال الكتاب أن الطوفان استمر أربعين يوماً (تك7: 17)، وأن المياة نقصب بعد 150 يوماً (تك8: 3)، وأن إبراهيم سار مع إسحق ثلاثة ايام (تك22: 4)، وأن الجواسيس أمضوا في أرض كنعان أربعين يوماً (عد13: 25)، وأن يونان أمضى في بطن الحوت ثلاثة أيام (يون1: 17)، وأن السيد المسيح أمضى في القبر ثلاثة أيام (مت12: 14)، وأنه صعد إلى السماء بعد القيامة بأربعين يوماً (أع1: 3)، فهذه كلها أيام حرفية. وبذلك تكون أيام الخلق معناها مقتصراً على 24 ساعة.
  1. عندما تشير كلمة يوم في الكتاب المقدس إلى فترة زمنية تختلف عن يوم يتألف من 24 ساعة، فإن السياق لابد وأن يوضح ذلك[5]. وبما أن الكتاب لم يذكر مجازية أو عدم حرفية الستة أيام فلابد وأن تكون حرفية. إلى جانب أن القراءة المباشرة الأولية لتكوين 1و2 تدعم فكرة حرفية الأيام. ولو أراد الله أن يخبرنا عن يوم يختلف عن 24 ساعة لذكر ذلك بوضوح ولم يتركنا في حيرة.
  1. أوضح سفر الخروج أن أيام الخلق ستة أيام بالمعنى الحرفي، ولذلك جعل الراحة في اليوم السابع فنقراً:”سِتَّةَأَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِك، 10 وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. 11لأَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ” (خر20:9-11). ويقول هنري موريس: “ما كان يمكن لهذه الوصية الإلهية أن تكون لها قوة لو لم تكن قاعدة أسبوع العمل والراحة عند الإنسان متساوية أو معادلة تماماً لأسبوع العمل والراحة عند الخلق”.[6] فبما أن الرب ربط في سفر الخروج راحة الشعب بعد عمل ستة أيام حرفية بأيام الخلق، فلابد ان نستنتج أن الأيام في الخروج حرفية.

ويقول تشارلز ماكنتوش في شرحه لهذه النقطة:

“ولعل القارئ ليس بحاجة لن نؤكد له أن “اليوم” في هذا العدد والأعداد التالية، هو اليوم المألوف لدينا، اليوم بساعاته الأربع والعشرين. وهوذا موسى يقول بروح الله ” سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِك، 10 وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. 11لأَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ” (خر20:9-11). وإذا كنا نأخذ اليوم السابع مأخذاً حرفياً فلماذا لا نأخذ الستة الأيام بنفس الحساب؟[7]

  1. عندما يذكر الوحي عبارة: ” وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ” فهذا يؤكد تحديد اليوم كما نفهمه الآن، وذكر المساء والصباح في كل الأيام – وخاصة بعد أن أخذت الشمس وضعها في اليوم الرابع – بدون تفريق، حسم بأن كل يوم كان يوماً 24 ساعة. فالمساء والصباح المحددين بالنظام الكوني وخلق الشمس في اليوم الرابع هما نفسهم المساء والصباح الذين ذكروا في اليوم الأول قبل خلق الله للشمس.
  1. حدَّد الكتاب عمر آدم بتسعمائة وثلاثين سنة (تك5:5) فلو كان آدم خُلِق في بداية نهار اليوم السادس، واليوم السادس حقبة زمنية – فهذا يعني أنه قد عاش نصف حقبة (نهار اليوم السادس) والتي قد تقدَّر بملايين السنين. إذاً عمره ليس 930 سنة إنما يتجاوز ملايين السنين!!
  1. إن الله قادر أن يخلق بكلمة كل الكون وليس في حاجة إلى فترات زمنية طويلة. فالخلق لم يستغرق إلاَّ لحظات قليلة “لأَنَّهُقَالَ فَكَانَ. هُوَ أَمَرَ فَصَارَ”(مز33:9). فالخلق كان خلقاً فجائياً وفورياً، وفكرة الخلق في حقب زمنية هي فكرة يستبعدها الوحي إذ يقول” بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ، وَبِنَسَمَةِ فِيهِ كُلُّ جُنُودِهَا ” (مز33: 6)، “وقال الله: “لِيَكُنْ نُورٌ”، فَكَانَ نُور” (تك1: 3)، “الذي يَدْعُو الأَشْيَاءَ غَيْرَ الْمَوْجُودَةِ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ” (رؤ4: 7)، ولذلك الجزم بأن طريقة الخلق الفجائي تغلب على قصة الخلق[8]. ولا داعي لليوم الطويل الذي يمثل حقبة زمنية طويلة؟!
  1. ردَّاً على القائلين بأن الأيام الثلاثة الأولى قبل عمل الشمس عبارة عن أحقاب زمنية، والأيام الثلاث الأخيرة بعد عمل الشمس هي أيام عادية، ذكر الكتاب عن الأيام الستة “وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا” بدون تفريق، فلو كان المقصود بالأيام الثلاثة الأولى أحقاب طويلة، والأيام الثلاثة التالية أيام حرفية لأوضح الكتاب المقدَّس هذه الحقيقة.

ويقول هنري م. موريس: “هناك رأيان: الأول: يفيد أنها تلك التي استخدمت قبل خلقة الشمس في اليوم الرابع وتعني حقباً زمنية. أما كلمة يوم بعد خلق الشمس فتعني يوم شمسي أي 24 ساعة.

والرأي الثاني: يفيد ان كلمة يوم وردت في العهد القديم أكثر من 700 مرة، وأن هناك كلمة عبرية ترجمتها “دهر” أي “وقت طويل لا نهائي” والتي كان من الممكن أن يستخدمها الوحي للتعبير عن الثلاثة الأيام الأولى إذا كان ذلك هو المعنى المقصود، لكن الله استخدم كلمة “يوم” وكلمة “أيام” دون أن يُلمح أنه استخدمها بصورة رمزية، وهذا معناه أنها استخدمت بالمعنى الحرفي، وأن ستة أيام الخليقة إنما هي أيام عادية يدل كل يوم منها 24 ساعة”.

  1. لو كانت الأيام الثلاث الأخيرة أحقاباً زمنية لإستحالة الحياة على النباتات والبحريات والحيوانات، فلو فرضنا أن اليوم من هذه الأيام يمثل حقبة تُقدَّر بعشرة ملايين من السنين، فمعنى هذا أن الليل استمر خمسة ملايين، والنهار خمسة ملايين أخرى، فكيف تحيا النباتات والبحريات والحيوانات في ظلام دامس وبرودة تصل لدرجة التجمد او تزيد لمدة خمسة ملايين سنة، ثم تعيش هذه الكائنات في نور دائم وحرارة قاسية لدرجة الاشتعال لمدة خمسة ملايين سنة أخرى؟!!

فمن المستحيل أن يكون اليوم الثالث حقبة تزيد عن 24 ساعة لأنه فيه خلقت النباتات التي تحتاج للشمس لكي تتمكن من الحياة، والشمس نفسها خلقت بععدها في اليوم الرابع. فلو كان اليوم الثالث حقبة من الزمن لهلكت النباتات لعدم وجود الشمس لمدة هذه الحقبة أياً كانت[9].

  1. قول الرب يسوع:” وَلكِنْ مِنْ بَدْءِ الْخَلِيقَةِ، ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمَا اللهُ” (مز10: 6)، يؤكد أن آدم وحواء لم يخلقا بعد بدء الخليقة بملايين السنين – إن كان اليوم حقبة – وإنما في بداية الخليقة.
  1. فهم اليهود أن المقصود بيوم الخلق أربعة وعشرين ساعة، ولذلك استخدموا نفس المفهوم في التعبير عن ايامهم (لا23: 32، مز55: 17) وما زالوا يبدأون يومهم بالمساء قبل الصباح.

ثانياً: محاولة التوفيق بين الكتاب المقدس والعلم:

للأسف مَنْ يؤمنون بأن الكون قد خُلِقَ في 144 ساعة فقط (ستة أيام) يرفضون المعطيات العلمية، مدَّعين أن العلماء يهدفون غلى محاربة الإيمان، لدرجة ان دكتور و.ي. أوانيلك “من المستحيل أن تكون مؤمناً مسيحياً ومع ذلك تؤمن بأن الأيام الستة غير حرفية، فإنك بذلك تحرف الحق الكتابي لصالح الحقائق العلمية”[10].

وكثيراً ما يسألون: هل توافق على رأي الكتاب المقدس الموحى به من الله أم تتبع رأي العلم والعلماء الذي يخالف كلمة الله؟

وهنا يبدو العلم كانه ضد الكتاب المقدس. ولذلك حاول الكثير من العلماء والمفكرين على مدى التاريخ الوفيق بين ما يقوله الكتاب المقدس من أن عملية الخلق تمت في ستة أيام، وبين ما يقوله العلم من أنها اخذت ملايين السنين، ومن هذه المحاولات:

  1. نظرية اليوم المجزء (The Intermittent Day Theory)

وقد نادي بها العلامة بيتر ستونر (Peter Stoner) عالِم الرياضيات والفلك في جامعة باسيدينا- كاليفورنيا، في كتابه “العلم يتكلم” (Science Speaks)  وخلاصتها أن الخلق قد تم في فترات قصيرة هي ايام الخلق الستة، ولكن فصل الله بين فترات الخلق القصيرة بفواصل زمنية طويلة تمثل ملايين السنين. اي أنه بين يوم خلق وآخر يتوقف الله عن عملية الخلق! إذاً اليوم يعني يومْاً عادياً وحقبة زمنية في نفس الوقت، ونهاية كل يوم تشير إلى نهاية مرحلة من مراحل الخلق. إذاً اليوم يعني يوماً عادياً وحقبة زمنية في نفس الوقت، ونهاية كل يوم تشير إلى نهاية مرحلة من مراحل الخلق. ويذكر الكاتب أن عملية تحدث فجأة وبسرعة، وهذا ما يوضحه التغير الفجائي بين طبقات الأرض المختلفة وما تحتويه من حفريات.

فقال “اعتقادي الشخصي أن معظم ايام سفر التكوين هي فترات زمنية قصيرة جداً تفصل بينها اوقات طويلة للغاية. إن معظم أعمال الله المسجلة في تكوين (1) يمكن التحقق منها بالتغيرات الكبيرة المستفيضة المسجلة في علم الجيولوجيا. حيث يذكر حدوث تغيرات هائلة في أشكال الحياة بين أي طبقتين جيولوجيتين تسبب ظهور أشكال جديدة كثيرة من الحياة في آن واحد واختفاء أشكال كثيرة سابقة فجأة (ليس القصد بالاختفاء اختفائها من الوجود ولكن اختفاء الحفريات منها) هذه التغيُّرات التي تناظر لحظات الخلق في سفر التكوين فجائية لدرجة أنه لا توجد أي طبقة – مهما كانت قليلة السُمك – تحتويها بل أن التركيب الجيولوجي للأرض يقفز فجأة من طبقة إلى أخرى في الحفريات”.

وللرد على هذه النظرية نقول:

  • إن عدد الأحقاب الجيولوجية التي ينبغي أن تفصل أيام الخلق لا تتناسب إطلاقاً مع أيام الخلق نفسها.
  • يُلاحَظ وجود أيام خلق تحوي كائنات حية تنتشر حفرياتها على مدى زمني أكثر من حقبة جيولوجية، كاليوم الخامس الذي خلقت فيه كائنات ظهرت وانتشرت تدريجياً في كل حقبتي الحياة القديمة والمتوسطة.
  • وأيضاً توجد أحقاب ارتبطت زمنياً بظواهر طبيعية أو حركات أرضية أو وجود كائنات تحدث عنها الكتاب المقدس في أكثر من يوم. ومثال ذلك فترة ما قبل الكمبري الذي يحوي ما تحويه الأيام الأربعة الأولى.
  1. نظرية إعادة الخلق:

وهي ما ذكرها وليم كيلي في كتابه “في البدء والأرض الآدمية”، وهذا الرأي يتركز في وجود مجموعتين من الخليقة: الأولى منها ما ذكرها العلم تفصيلاً في الأحقاب الجيولوجية، وهذه الحياة اندثرت بكاملها. والثانية التي ذُكِرَت تفصيلاً في الكتاب المقدس كخليقة جديدة بعد فناء الخليقة الأولى! ويذكر أن الأولى وجدت على مدى أحقاب زمنية والثانية فقط في 6أيام! ويقول إن قول الكتاب ” وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً” (تك1: 2) تتحدث عن دمار الخليقة الأولى المذكورة في آية ” فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ” (تك1: 1)!

ويقول برسوم ميخائيل إن الوحي عندما يقول: ” فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ” (تك1: 1) فهذا يعني أن الأرض كانت موجودة بالفعل، ولكن ملفوفة في قماط من غمر يكسوه قماط آخر من ظلمة. ولما أشرق عليها نور اليوم الأول بدأ يتعاقب عليها الليل والنهار بدورانها أمام النور، كما يتعاقبان الآن تماماً بدورانها أمام الشمس”.

وللرد على هذه النظرية نقول:

  • إن كان الله قد خلق الخليقة الأولى في فترات طويلة ذُكرت علمياً تحت عبارة “أحقاب زمنية” في فترة تصل إلى مئات الملايين من السنين. فلماذا إذاً غيَّر اسلوبه في عملية الخلق الثانية وخلق الخليقة في ستة أيام فقط؟ هل تطور الله في أسلوبه وقدراته على الخلق؟! حاشا لله. وأيضاً لماذا تم إفناء الخليقة الأولى؟!
  • هلق خلقها ثم أفناها كما يقولون كنوع من الإعداد والتهيئة لخلق الإنسان؟! هذا كلام غير منطقي وغير مقنع.
  • بالنظر غلى الآية التي يستند إليها في فناء الخليقة الأولى “وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً” (تك1: 2)، نلاحظ عدة ملاحظات منها:
    • إنه يقول: ” وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً”، ولم يقل: “صارتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً”، أي أن ذلك إقراراً لحالة وليس توضيحاً لتغيير حدث.
    • عبارة “خَرِبَةً وَخَالِيَةً”، تتوافق علمياً مع طبيعة الأرض عند بداية تكوينها قبل وجود أي خليقة عليها حيث كانت جسماً منصهراً من شدة الحرارة، ولا توجد فيها أي نوع من الحياة.
    • وعبارة” وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ” بسبب الأبخرة الكثيفة التي خرجت منها نتيجة لحرارتها المرتفعة، والتي كانت تحيط بها لارتفاعات شاهقة تمنع دخول الضوء إليها.
  • ويلاحظ أن كثيراً من كائنات الخليقة التي يُفترض حسب النظرية أنها انقرضت (كائنات الأحقاب) لازالت موجودة حالياً، بل والمتتبع لتطورها الوظيفي يجد أن الموجودة منها حالياً هو امتداد طبيعي متدرج من التي وجدت منذ زمن طويل، ولا زالت محفوظة في باطن الأرض كحفريات حيث ادعوا أنها فنيت!

ثالثاً: الاعتقاد بأن اليوم عبارة عن حقبة زمنية: (The Day- Age Theory)

إن الدارس المدقق لكلمة الله يستطيع أن يكتشف بسهولة أن الكتاب المقدس لا يتناقض مع العلم، وأن أيام الخليقة الستة لا يمكن أن تكون 144 ساعة فقط، بل هي حقب زمنية قد تصل إلى آلاف أو ملايين السنين.

لقد قال القديس أعسطينوس: “إن أيام الخلق مختلفة عن الأيام الحاضرة”.

ويقول هنري ثيسن عن حرفية وعدم حرفية أيام الخلق فيقول: إن القراءة غير المتمعنة لسفر التكوين هي ما ترجح أن اليوم 24 ساعة. لذلك أدعوك لدراسة متانية ومتعمقة.

فاليوم في (تك1-3) هو يوم رزمزي يشير إلى مدة زمنية، بغض النظر عن الفترة الزمنية التي يشير إليها.. فقد يشير إلى حقبة زمنية أو أقل… أي أنها لا تعني يوماً من 24 ساعة[11]. فاليوم وإن كان قصيراً بالنسبة لنا، هكذا الحقبة عند الله، وكما لليوم مساء وصباح أي بداية ونهاية، هكذا الأحقاب مهما طال زمنها فلها بداية ونهاية. أي أن اليوم في قصة الخلق لا يأتي بالمعنى الحرفي ولكن بالمعنى الرمزي. وما يؤكد كلامي هذا ما يأتي:

  • مفهوم كلمة يوم في الكتاب المقدس: إن كلمة “يوم” في الكتاب المقدس وإن كانت تعني يوماً محدداً بأربعة وعشرون ساعة في أغلب الأحيان، إلا أنها أيضاً في أحيان كثيرة تاتي بصورة رمزية بمعاني عديدة كالآتي:
  • كلمة يوم تشير إلى لحظات أو دقائق: ” الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ، فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ” (مز95: 7).
  • كلمة يوم تشير إلى جزء من اليوم: مثال ذلك دفن السيد المسيح في القبر والذي لم يكمل 48 ساعة، ولكنها كانت موزعة على ثلاثة أيام قيل أنه وضع في القبر ثلاثة أيام.
  • كلمة يوم تشير إلى سنين: ” اَلإِنْسَانُ مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ، قَلِيلُ الأَيَّامِ وَشَبْعَانُ تَعَبًا” (أي14: 1)، ” أَنَا صَغِيرٌ فِي الأَيَّامِ وَأَنْتُمْ شُيُوخٌ” (أي 32: 6)، ” هُوَذَا جَعَلْتَ أَيَّامِي أَشْبَارًا، وَعُمْرِي كَلاَ شَيْءَ قُدَّامَكَ” (مز39: 5). ” أَيَّامِي انْطَفَأَتْ” (أي17: 1)، ” الإِنْسَانُ أَشْبَهَ نَفْخَةً. أَيَّامُهُ مِثْلُ ظِلّ عَابِرٍ” (مز144: 4)، إلى جانب عندما نقراً: ” أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ” (مت2: 1)، “وَكَمَا كَانَتْ أَيَّامُ نُوحٍ” (مت24: 37)، وعندما يقول زَكَرِيَّا لِلْمَلاَكِ: ” كَيْفَ أَعْلَمُ هذَا، لأَنِّي أَنَا شَيْخٌ وَامْرَأَتِي مُتَقَدِّمَةٌ فِي أَيَّامِهَا؟” (لو1: 18)، أو ” وَكَانَتْ نَبِيَّةٌ، حَنَّةُ بِنْتُ فَنُوئِيلَ مِنْ سِبْطِ أَشِيرَ، وَهِيَ مُتَقدِّمَةٌ فِي أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ” (لو2: 36). وقد كان عمرها حوالي 105 سنة في ذلك الوقت. وأيضاً: ” أَمَّا شَعْبِي فَقَدْ نَسِيَنِي أَيَّامًا بِلاَ عَدَدٍ” (إر2: 32). وقد كان قد نسيه سنين بلا عدد. راجع: (مز90: 12، إش24: 22، إر31: 31، عب10: 16، 12: 10، 1بط3: 20).
  • كلمة يوم تشير إلى المستقبل:
  • ” اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ، أَنْتَ الْيَوْمَ عَابِرٌ الأُرْدُنَّ لِكَيْ تَدْخُلَ وَتَمْتَلِكَ شُعُوبًا أَكْبَرَ وَأَعْظَمَ مِنْكَ” (تث9:1). ولكن بني إسرائيل لم يعبروا الأردن إلا بعد سنوات طويلة.
  • ” إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ: قَالَ لِي: «أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ” (مز2: 8).
  • ” هذَا هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي صَنَعُهُ الرَّبُّ، نَبْتَهِجُ وَنَفْرَحُ فِيهِ” (مز118: 24). والمزمور هنا يشير إلى يوم الخلاص الذي سيتممه الله على خشبة الصليب، وهذا ما حدث بعد زمن طويل.
  • كلمة يوم تشير إلى الأبدية: ” وَأَسْكُنُ فِي بَيْتِ الرَّبِّ إِلَى مَدَى الأَيَّامِ” (مز23: 6).
  • كلمة أيام تشير إلى تاريخ البشرية كلها: ” وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ” (مت28: 20).
  • كلمة أيام تشير إلى نهاية العالم: ” فَإِنَّ لِرَبِّ الْجُنُودِ يَوْمًا عَلَى كُلِّ مُتَعَظِّمٍ وَعَال، وَعَلَى كُلِّ مُرْتَفِعٍ فَيُوضَعُ” (إش2: 12)، ” فَهُوَذَا يَأْتِي الْيَوْمُ الْمُتَّقِدُ كَالتَّنُّورِ، وَكُلُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ وَكُلُّ فَاعِلِي الشَّرِّ يَكُونُونَ قَشًّا، وَيُحْرِقُهُمُ الْيَوْمُ الآتِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ، فَلاَ يُبْقِي لَهُمْ أَصْلاً وَلاَ فَرْعًا” (ملا4: 1).
  • كلمة يوم تشير إلى آلاف السنين: ” لأَنَّ أَلْفَ سَنَةٍ فِي عَيْنَيْكَ مِثْلُ يَوْمِ أَمْسِ بَعْدَ مَا عَبَرَ، وَكَهَزِيعٍ مِنَ اللَّيْلِ” (مز90″ 4)، ” وَلكِنْ لاَ يَخْفَ عَلَيْكُمْ هذَا الشَّيْءُ الْوَاحِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ: أَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا عِنْدَ الرَّبِّ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَأَلْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ” (2بط3: 8).
  • كلمة أيام تشير إلى الأبد: ” وَأَجْعَلُ إِلَى الأَبَدِ نَسْلَهُ، وَكُرْسِيَّهُ مِثْلَ أَيَّامِ السَّمَاوَاتِ” (مز89، 29)، ” أَحْكَامِكَ ثَبَتَتِ الْيَوْمَ، لأَنَّ الْكُلَّ عَبِيدُك” (مز119: 91) فأحكام الله ثابتة إلى إنقضاء الدهر.
  • كلمة أيام تشير إلى الأزلية: ” كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ.14 فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ” (دا7: 13-14). يقول الأب أنطونيوس فكري إن عبارة” الْقَديمِ الأَيَّامِ” هنا تؤكد ان كلمة يوم أكبر وأوسع من اليوم الزمني[12].
  • بعد أن ذكر الأصحاح الأول أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيامن عاد في الأصحاح الثاني ليقول إن الرب خلقها في يوم واحد: ” هذِهِ مَبَادِئُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حِينَ خُلِقَتْ، يَوْمَ عَمِلَ الرَّبُّ الإِلهُ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ” (تك2: 4).
  • إن كلمتي “مَسَاءٌ وصَبَاحٌ” لا تعنيان غروب الشمس وشروقها، إنما تعنيان إنتهاء مرحلة من مراجل الخلق، وقد تقدم المساء على الصباح لأن الظلمة كانت أولاً على الأرض واستمرت فترة طويلة ثم لاح النور عندما قال الله: ” لِيَكُنْ نُورٌ، فَكَانَ نُورٌ” (تك1: 3). فالمقصود بيوم الخلق حقبة زمنية معينة.
  • ومما يؤكد هذه النظرية أن الكتاب المقدس يذكر عبارة: ” وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ” لكل الأيام فيما عدا اليوم السابع، فلم يذكر الكتاب ” وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْماً سَابعاً”. أي أن أيام الخلق كلها لها بداية ونهاية، وأما اليوم السابع فبدأ ولم ينته… فنحن ما زلنا للآن نعيش في اليوم السابع ” وَبَارَكَ اللهُ الْيَوْمَ السَّابعَ وَقَدَّسَهُ، لأَنَّهُ فِيهِ اسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ اللهُ خَالِقًا” (تك2: 3) فاليوم السابع يمتد منذ خليقة آدم وحتى نهاية العالم. أما اليوم الثامن فهو يشير للأبدية التي لا نهاية لها. وهذا يرينا كم هو طويل جداً، وبالتالي يمكننا أن نتوقع ما تشير إليه عبارة يوم في أيام الخلق من طول قد يمتد لآلاف أو ملايين السنوات.
  • يعلن الكتاب المقدس بوضوح أن الله لا يتقيد إطلاقاً في عمله بأيامنا المحدودة فهو فوق الزمن: “لأَنَّ أَلْفَ سَنَةٍ فِي عَيْنَيْكَ مِثْلُ يَوْمِ أَمْسِ بَعْدَ مَا عَبَرَ، وَكَهَزِيعٍ مِنَ اللَّيْلِ (مز90: 4)، ” وَلكِنْ لاَ يَخْفَ عَلَيْكُمْ هذَا الشَّيْءُ الْوَاحِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ: أَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا عِنْدَ الرَّبِّ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَأَلْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ” (2بط3: 8).
  • أما عن ربط الله في (خر20) حادثة الخلق براحة الإنسان في اليوم السابع، وكما يزعم البعض أن هذه الحادثة تؤيد فكرة أنه كما أن يوم السبت الراحة في (خر20) عبارة عن 24 ساعة فلابد وأن تكون أيام الخلق أيام بنفس المعنى، فأنا أرى أن هذا مجرد اجتهاد في التفسير، فيقول جرودم: “إن القراء كانوا مدركين أن تلك الأيام كانت فترات غير محددة من الزمن، وأن وصية السبت كانت تقول للناس أنه كما اتبع الله نمط {ستة فترات من العمل تتبعها فترة راحة}، فإن عليهم أيضاً أن يتبعوا نفس النمط {ستة + واحد} في حياتهم أي ستة أيام عمل يتبعها يوم راحة. ومن غير المعقول إن كانت أيام الخلق حقبات زمنية غير محددة التويت أن يقول الله لشعبه { سة حقبات تعمل عملك وفي الحقبة السابعة تستريح}، فمفهوم الزمن بالنسبة لله يختلف عن مفهومه عند الإنسان أي كان. وفي نفس النقطة يستكمل جرودم فيقول: إن الله في (خر23: 10-11) أوصى على نفس النهج أن يعمل الإنسان ستة سنوات يتبعها سنة سبت راحة[13]، فبكل وضوح إن شدد اصحاب نظرية حرفية الأيام على كنن تطابق هذه اليام في {خروج} بالأيام في {التكوين}، فلماذا لا يوجد تطابق بين الأيام في التكوين والسنين في الخروجن وبين يوم الراحة في التكوين وسنة السبت في الخروج!! لعل هذا التطابق بجعلنا نستنتج – على نفس الطريقة السابقة- إن اليوم كان عبارة عن فترة زمنية؟
  • إن فكرة اقتران اليوم بعدد لا بد وأن تدل على يوم فعلي (24ساعة) فكرة غير دقيقة بالمرة فمثلاً في سفر دانيال نقراً كثيراً عن أيام محددة وهي تشير إلى فترة زمنية مختلفة، فنقراً:

” يَا دَانِيآلُ، إِنِّي خَرَجْتُ الآنَ لأُعَلِّمَكَ الْفَهْمَ…..24 سَبْعُونَ أُسْبُوعًا قُضِيَتْ عَلَى شَعْبِكَ وَعَلَى مَدِينَتِكَ الْمُقَدَّسَةِ لِتَكْمِيلِ الْمَعْصِيَةِ وَتَتْمِيمِ الْخَطَايَا، وَلِكَفَّارَةِ الإِثْمِ، وَلِيُؤْتَى بِالْبِرِّ الأَبَدِيِّ، وَلِخَتْمِ الرُّؤْيَا وَالنُّبُوَّةِ، وَلِمَسْحِ قُدُّوسِ الْقُدُّوسِينَ” (دا9: 24). فهنا عندما تنبأ دانيال عن مجيء المسيا المخلص حدد الوق بـ490 يوماً، ونلاحظ أن المسيح لم يأتِ ولم يُمسَح بعد سبعين أسبوعْاً ولا سبعين شهراًن بل بعد حوالي 490 سنة.

  • “وَرَئِيسُ مَمْلَكَةِ فَارِسَ وَقَفَ مُقَابِلِي وَاحِدًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا” (دا10 : 13).
  • “وَمِنْ وَقْتِ إِزَالَةِ الْمُحْرَقَةِ الدَّائِمَةِ وَإِقَامَةِ رِجْسِ الْمُخَرَّبِ أَلْفٌ وَمِئَتَانِ وَتِسْعُونَ يَوْمًا.12 طُوبَى لِمَنْ يَنْتَظِرُ وَيَبْلُغُ إِلَى الأَلْفِ وَالثَّلاَثِ مِئَةٍ وَالْخَمْسَةِ وَالثَّلاَثِينَ يَوْمًا” (دا12: 10-12).
  • عندما يقول الروح لملاك كنيسة أفسس: ” لاَ تَخَفِ الْبَتَّةَ مِمَّا أَنْتَ عَتِيدٌ أَنْ تَتَأَلَّمَ بِهِ. هُوَذَا إِبْلِيسُ مُزْمِعٌ أَنْ يُلْقِيَ بَعْضًا مِنْكُمْ فِي السِّجْنِ لِكَيْ تُجَرَّبُوا، وَيَكُونَ لَكُمْ ضِيْقٌ عَشَرَةَ أَيَّامٍ.” (رؤ2: 10). لو قرأت أي تفسير لأصحاب النظريتين ستجده يقول: “إن المقصود فترة محدودة وليس عشرة أيام حرفية”.
  • وكذلك من الممكن أن تكون أيام الخليقة الستة ليست أيام حرفية.
  • يقول قداسة البابا شنودة الثالث: “إن اليوم يُحَدد إما من شروق الشمس إل شروقها في اليوم التالي، أومن غروب الشمس إلى غروبها في اليوم التالي، ويخبرنا الوحي أن الرب صنع الشمس في اليوم الرابع (تك1: 16)، فالأيام الثلاثة الأولى غير محددة، هي ليست أيام حرفية بل هي حقب زمنية طويلة”[14].

ويؤيد هذا الفكر الأب متى المسكن قائلاً إن الأيام الثلاثة الأولى التي كانت قبل خلق الشمس والقمر كانت بالضرورة غير شبيهة بأيامنا التي يتحدد طولها بدوران الأرض حول محورها وأمام الشمس[15]. وهذه النقطة تؤكد أن أيام الخلق ليست حرفية. وأرجو أن تقرأ بدقة ما حدث في اليوم الرابع:

“وَقَالَ اللهُ: «لِتَكُنْ أَنْوَارٌ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتَفْصِلَ بَيْنَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وَتَكُونَ لآيَاتٍ وَأَوْقَاتٍ وَأَيَّامٍ وَسِنِينٍ…. وَكَانَ كَذلِكَ. 16 فَعَمِلَ اللهُ النُّورَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ: النُّورَ الأَكْبَرَ لِحُكْمِ النَّهَارِ، وَالنُّورَ الأَصْغَرَ لِحُكْمِ اللَّيْلِ، وَالنُّجُومَ 17 وَجَعَلَهَا اللهُ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى الأَرْضِ، 18 وَلِتَحْكُمَ عَلَى النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وَلِتَفْصِلَ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ”.

فإلى اليوم الرابع لم تكن الأيام ولا السنين محددة.

ولذلك قال العلامة الأسقف الأنبا إيسوذورس: “لم يقصد بالأيام المذكورة الأيام التي في عرفنا، التي يحد كل منها شروق الشمس وغروبها، لأن الأيام الثلاثة التي تقدمت على ظهور الشمس والقمر لم تكن أياماً طبيعية لعدم ظهور شمس في أولها وغروب شمس في آخرها، فيلزم أن تكون الأيام التي تلتها هي كذلك، وهذا الرأي قديم في الكنيسة أقرَّه القديس يوحنا ذهبي الفم في شرح سفر التكوين وعزَّره بشتى النصوص التي ورد فيها ذكر اليوم مرادفاً لذكر الزمن، وعليه فيكون المُراد من الأيام الستة الأزمنة الستة”.

وقال نيافة الأنبا غريغوريوس “أن كلمة {يوم} كما هي في لغة العبرانيين التي كُتب بها سفر التكوين تحتمل زماناً غير محدد بالنظام الشمسي”

  • إن كلمة {يوم} المستخدمة في النص لا يشترط أن تكون 24ساعة، وهناك شواهد عديدة في الكتاب التي تؤيد ذلك، فيقول هنري ثيسن: “إن نفس كلمة يوم العبرية لها معاني وطرق في الكتاب المقدس متعددة مثل: “إِنَّ يَوْمَ هَلاَكِهِمْ قَرِيبٌ” (تث32: 35)، “إِنَّهُ لِيَوْمِ الْبَوَارِ يُمْسَكُ الشِّرِّيرُ. لِيَوْمِ السَّخَطِ يُقَادُونَ” (أي:21: 30). “وَادْعُنِي فِي يَوْمِ الضِّيقِ أُنْقِذْكَ فَتُمَجِّدَنِي” (مز50: 15). ” لأَنَّهُ يُخَبِّئُنِي فِي مَظَلَّتِهِ فِي يَوْمِ الشَّرِّ” (مز27: 5)؟ “فِي يَوْمِ خَوْفِي، أَنَا عَلَيْكَ أَتَّكِلُ” (مز56: 3). ”      فِي يَوْمِ الْخَيْرِ كُنْ بِخَيْرٍ، وَفِي يَوْمِ الشَّرِّ اعْتَبِرْ” (جا7: 14). ”    وَمَاذَا تَفْعَلُونَ فِي يَوْمِ الْعِقَابِ” (إش10: 3). وقد تترجم كلمة يوم أيضاً بمعنى الزمان (تك26: 8)[16].

ويتفق جرودم مع ذلك أيضاً مشيراً إلى شواهد عديدة[17] مثل :” لِيَسْتَجِبْ لَكَ الرَّبُّ فِي يَوْمِ الضِّيقِ” (مز20: 1).

وأنا أرجو أن تسأل نفسك: ما المقصود بعبارة: {الأَيَّامِ الأخِيرَةِ}؟ هل مجرد عدة أيام أم المقصود بها الأيام التي بدأت بمجيء المسيح في الجسد وستنتهي بنهاية التاريخ؟ “وَيَكُونُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ أَنِّي أَسْكُبُ….” (أع2: 17)، “كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ” (عب1: 2).

كما أرجو أن تسأل نفسك: ما المقصود بيوم الرب؟ هل مجرد يوم؟!

“وَلْوِلُوا لأَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ قَرِيبٌ، قَادِمٌ كَخَرَابٍ مِنَ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ” (إش13: 6).

“لأُنَادِيَ بِسَنَةٍ مَقْبُولَةٍ لِلرَّبِّ، وَبِيَوْمِ انْتِقَامٍ لإِلَهِنَا. لأُعَزِّيَ كُلَّ النَّائِحِينَ” (إش61: 2).

الخاتمة:

بعد عرض الأراس المختلفة لكلا الفريقين، أود أو أوكذ أن كلا الفريقين يؤمن بوجود الله الخالق العظيم خلف قصة الخلق، ويؤمن بعصمة الكلمة، وبصدق الوحي الإلهي، وبسلطان الله على الكون، وسموه على كل ما خلقه.

[5] – واين جرودوم، بماذا يفكر الإنجيليون، ص 245.

[6] – الكتاب المقدَّس والعلم الحديث ص31.

[7] – تشارلز ماكنتوش، شرح سفر التكوين، 14.

[8] -http://www.kalimatalhayat.com/outlines/66-early-earth/1009-page04.html

[9] – واين جرودم، مرجع سابق، 246.

[10]- و.ي.أوانيل، أيهما هو الصحيح: الخلق أم النشوء، الخدمة العربية للكرازة بالإنجيل، 2005.

[11] – هنري ثيسن، مرجع سابق، 203.

[12] – أنطونيوس فكري، مقدمة للعهد القديم: التكوين، 30.

[13] – واين جرودوم، مرجع سابق، 246.

[14] – البابا شنودة الثالث. سنوات مع أسئلة الناس، ج1، ص32.

[15] – دير أنبا مقار، شرح سفر التكوين، ص195.

[16] – هنري ثيسن، محاضرات في علم اللاهوت النظامي، ص202.

[17] – واين جرودم، بماذا يفكر الإنجيليون، 245.

هل أيام الخلق ايام حرفية 24 ساعة أم حقب زمنية؟

Exit mobile version