هل نستطيع التعامل مع الحق؟

هل نستطيع التعامل مع الحق؟

هل نستطيع التعامل مع الحق؟

هل نستطيع التعامل مع الحق؟

 

“يتعثر الناس في الحق من آن لآخر، ولكن معظمهم ينهضون ويركضون بعيداً عنه وكأن شيئاً لم يكن”.

                                                                      “وينستون تشرتشل”Winston Charchill

في فيلم “القليل من الرجال الصالحين” A Few Good Men يلعب “توم كروزTom Cruise دور محامٍ في البحرية الأمريكية يستجوب عقيد مشاة، يقوم بدوره “جاك نيكولسون Jack Nicholson بخصوص مقتل أحد رجال “نيكولسون”. ويتحول مشهد قاعة المحكمة الدرامي إلى مباراة للصياح عندما يتهّم “كروز” “نيكولسون” بالتورط في جريمة القتل:

كروز: سيادة العقيد، هل أعلنت حالة الطوارئ؟

القاضي: لست مضطراً لإجابة ذلك السؤال!

نيكولسون: سأجيب عن السؤال…. أتريد إجابات؟

كروز: أظنها من حقي.

نيكلوسون: تريد إجابات!

كروز: أريد الحق!

نيكولوسن: لن تستطيع التعامل مع الحق!

ربما كان :نيكولسون” يصيح في أمريكا بأسرها وليس في “كروز”، لأنه يبدو أن الكثيرين في بلدنا لا يستطيعون التعامل مع الحق. فنحن من ناحية نريد الحق في كل مجالات حياتنا تقريباً. فنحن مثلاً نطلب الحق من:

  • أحبائنا (لا أحد يريد أكاذيب من شريكة حياته أو أبنائه).
  • الأطباء (نريدهم أن يصفوا لنا الدواء الصحيح ويُجروا لنا العمليات الصحيحة).
  • سماسرة البورصة (نريدهم أن يخبرونا بالحق عن الشركات التي ينصحون بها).
  • المحاكم (نريدها ألا تحكم إلا على المذنبين حقيقةً).
  • أصحاب الأعمال (نريدهم ان يخبرونا بالحق ويدفعوا أجورنا بالعدل).
  • الخطوط الجوية (نريد طائرات آمنة بحق وطيارين جادين بحق).

ونتوقع كذلك أن نجد الحق عندما نطالع أحد المراجع، أو نقرأ مقالاً، أو نشاهد خبراً. ونريد الحق أيضاً من المُعلِنين، والمدرسين، والساسة. ونحن نفترض ان اللافتات المرورية، وزجاجات الأدوية، والمعلومات المُبيًنة على عبوات الطعام تكشف الحق. إننا في الواقع نطالب بالحق في كل نواحي الحياة تقريباً التي تؤثر على أموالنا، أو علاقاتنا، أو أماننا، أو صحتنا.

ولكننا من ناحية أخرى، لاغم إصرارنا على الحق في تلك المجالات، لا نكترث بالحق في مجال الأخلاق والدّين. بل إن الكثيرين يرفضون رفضاً قاطعاً فكرة أن أي دين يمكن أن يكون حقاً.

ومؤكًد أنك لاحظت ما في هذا الموقف من تناقض كبير. لماذا نطالب بالحق في كل شيء ما عدا الأخلاق والدّين؟ لماذا عندما نتكلم عن الأخلاق أو الدين نقول: “هذا حق بالنسبة لك ولكن ليس بالنسبة لي”، رغم أن هذا الكلام الفارغ لا يخطر لنا ببال عندما نتحدث إلى سمسار في البورصة عن أموالنا أو إلى طببيب عن صحتنا؟

إن رفضنا للحق الديني والأخلاقي غالباً ما يرجع لأسباب إرادية أكثر منها فكرية، وإن كان القليلين هم الذين يعترفون بهذا. فنحن لا نريد أن نحاسَب بمقتضى أي معايير أخلاقية أو عقيدة دينية. وهو ما يجعلنا نقبل كالعميان مزاعم الحق التي تُفنّد نفسها بإثبات عكس ما تريد أن تُثبته self-defeating  التي يطلقها المُفكّرون ذوو الكياسة الاجتماعية عندما يخبروننا أنه لا يوجد حق، كل شيء نسبي، ليس هناك مطْلقات، إنها مسألة رأي، لا تحكم، الدين يختص بالإيمان لا بالحقائق. وربما اصاب أغسطينوس حين قال إننا نحب الحق عندما ينيرنا، ولكننا نكرهه عندما يُبكّتنا. من المحتمل أننا لا نستطيع التعامل مع الحق.

وحتى نعالج هذا الانفصام الثقافي، علينا أن نجيب عن أربعة أسئلة بخصوص الحق:

  1. ما هو الحق؟
  2. هل معرفة الحق ممكنة؟
  3. هل معرفة الحق المختص بالله ممكنة؟
  4. ماذا يعنينا؟ مَن يهتم بالحق؟

سنناقش هذه الأسئلة في هذا الفصل والفصل القادم.

ما هو الحق؟ حقيقة الحق

ما هو الحق؟ الحق بمنتهى البساطة هو “قول الشيء كما هو”. فالوالي الروماني بيلاطس عندما سأل يسوع: “ماهو الحق؟” منذ قرابة ألفي عام، لم ينتظر ليسمع إجابة يسوع، ولكنه سرعان ما تصرّف وكأنه يعرف على الأقل شيئاً من الحق. فقد قال عن يسوع: “أنا لست أجد فيه علة واحدة” (انظر يو18 :38). وبإعلان بيلاطس براءة يسوع كان “يقول الشيء كما هو”.

ويمكن تعريف الحق أيضاً بأنه “ما يتوافق مع موضوعه” أو “ما يصف الواقع”. فقد كان حكم بيلاطس صحيحاً لأنه كان يتفق مع موضوعه، ووصف الواقع وصفاً دقيقاً. فيسوع كان بريئاً بالفعل.

وخلافاً لما يُدَرّس في الكثير من المدارس الحكوميةن الحق مطلق وليس نسبياً. فإن كان شيء ما صحيحاً، فهو يصح لكل الناس، وفي كل وقت، وفي كل مكان. كل مزاعم الحق مطلقة، وضيقة، وإقصائية. خذ مثلاً الزعم القائل بأن “كل الأشياء حق”. إنه زعم مطلق، ضيق، إقصائي. فهو يقصي عكسه (أي أنه يزعم أن الجملة التي تقول إن “ليست كل الأشياء حقاً” جملة خاطئة). والواقع أن أي حق يقصى كل ما هو ضده، حتى الحق الديني.

وهو ما تبين على نحو مضحك منذ عدة سنوات عندما كنتُ (أنا “نورم”) أناظر المفكر الإنساني الديني[1] “مايكل قسطنطين كولندا” Michael Constantine Kolenda . وكان من الملحدين القلائل الذين ناظرتهم ممن قرأوا كتابي “الدفاعيات المسيحية” Christian Apologetics قبل المناظرة.

وعندما حان دوره ليتكلم رفع كتابي قائلاً: “هؤلاس المسيحيون ضيقو الأفق للغاية. لقد قرأت كتاب الدكتور “جايسلر”. أتعرفون ما يؤمن به؟ يؤمن أن المسيحية صحيحة وكل ما يتعارض معها خطأّ هؤلاء المسيحيون ضيقوا الأفق للغاية!”.

“كولندا” أيضاً ألَّف كتاباً قراته قبل المناظرة. وكان عنوانه: “دين بدون الله” Religion without God (مثل قصة حب بدون محبوب!). وعندما حان دوري للكلام رفعت كتاب “كولندا” قائلاً: “هؤلاء الإنسانيون ضيقوا الأفق للغاية. لقد قرات كتاب الدكتور “كولندا”. أتعرفون ما يؤمن به؟ يؤمن أن الإنسانية صحيحة وكل ما يتعارض معها خطأ! هؤلاء الإنسانيون ضيقوا الأفق للغاية!”.

فضحك الجمهور لأنهم فهموا القصد. إن مزاعم الحق الإنسانية ضيقة ضيق مزاعم الحق المسيحية، لأنه إن كانت المسيحية صحيحة، فقك ما يتعارض مع الإنسانية خطأ. وبالمثل، إن كانت المسيحية صحيحة، فكل ما يتعارض مع المسيحية خطأ.

وهناك الكثير من الحقائق الأخرى عن الحق. وإليك بعضها:

  • الحق يُكتشف ولا يُخترع. فهو يوجد بالاستقلال عن معرفة اي شخص به. (الجاذبية كانت موجودة قبل”نيوتن”).
  • الحق يشمل كل الثقافات. أي أنه غن كان شيء ما حقاً، فهو حق عند كل الناس، وفي كل الأماكن، وفي كل الأوقات (2+2=4 عند الجميع، وفي كل مكان، وفي كل وقت).
  • الحق لا يتغير رغم أن معتقداتنا عن الحق تتغير. (عندما بدأنا نعتقد أن الأرض كروية بعد ان كنا نعتقد أنه مسطحة، الحق بخصوص الأرض لم يتغير. ما تغيَّر هو اعتقادنا بخصوص الأرض).
  • المعتقدات لا تستطيع أن تغير حقيقة، مهما كان صدق أصحابها في اعتناقهم لها. (فيمكن أن يعتقد شخص ما بصدق أن الأرض مسطحة، ولكن هذا الاعتقاد لا يفعل شيئاً سوى أنه يجعل الشخص مخطئاً بصدق).
  • الحق لا يتأثر بحالة الشخص الذي يعلنه. (فإن كان الشخص مغروراً، غروره لا يجعل الحق الذي يعلنه خاطئاً. وإن كان الشخص متواضعاً، تواضعه لا يجعل الخطأ الذي يعلنه حقاً).
  • كل الحق هو حق مطلق. وحتى الحق الذي يبدو نسبياً هو في الحقيقة مطلق. (مثلاً جملة “أنا فرانك تورك أشعر بالدفء يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2003” قد تبدو حقاً نسبياً، ولكن شعور “فرانك تورك” بالدفء في ذلك اليوم هو أمر حقيقي بصفة مطلقة بالنسبة لكل شخص في كل مكان).

وإيجازاً نقول إن وجود معتقدات متضادة أمر وارد، ولكن وجود حقائق متضادة مستحيل. يمكننا أن نعتقد أن كل شيء صحيح، ولكننا لا نستطيع أن نجعل كل شيء صحيحاً.

هذه الأفكار تبدو واضحة وضوحاً كافياً. ولكن كيف نتعامل مع الفكر الحديث الذي يدعي أنه لا يوجد حق؟ يمكننا أن نستعين باثنتين من الشخصيات الكارتونية لمساعدتنا.

خطة رود رَنَر

إن قال لك أحدهم: “عندي لك فكرة ستُحدث قطعاً تغييراً جذرياً في قدرتك على سرعة التعرف على العبارات الخاطئة والفسلفات الخاطئة التي تنتشر في ثقافتنا وتُمكّنك من تحديدها بوضوح”، هل ستهتم أن تعرف الفكرة؟ هذا ما سنفعله هنا. والحقيقة اننا إن أردنا أن نختار أقيَم قدرة فكرية تعلمناها أثناء سنوات دراستنا الطويلة في كلية اللاهوت والدراسات العليا، سنختار القدرة على تحديد ودحض الجمل المتناقضة التي تُفنِّد نفسها self-defeating statements ونورد هنا موقفاً من برنامج إذاعي حوراي يوضح ما نعنيه بالعبارات التي تُفَنًّد نفسها.

كان “جيري” Jerry مقدِّم البرنامج الليبرالي يستقبل مكالمات هاتفية في موضوع الأخلاق. وبعد أن سمعه العديد من المتصلين يزعمون بجرأة ان موقفاً أخلاقياص بعينه هو حق، انبرى أحد المتصلين قائلاً: “جيري… جيري، ليس هناك شيء اسمه الحق”.

فأسرعت (أنا “فرانك”) أبحث عن الهاتف وبدأت أطلب الرقم وقد استشطتُ غضباً. مشغول. مشغول. مشغول. أرد أن أتصل بالبرنامج وأقول “جيري، أوجه سؤالي للرجل الذي قال “ليس هناك شيء اسمه الحق” : هل ما تقوله حق؟”.

ولكني لم أتمكن أبداً من إجراء المكالمة. وبالبطبع اتفق “جيري” مع المتصل، دون أن يدرك مطلقاً أن إدعاءه يستحيل أن يكون صحيحاً لأنه يفنَّد نفسه.

العبارة التي تفند نفسها هي عبارة تعجز عن التوافق مع المعيار الذي تحدده. ومؤكد أنك أدركت أن عبارة المتصل التي تقول “لا يوجد شيء اسمه الحق” تدعي أنها حق، ومن ثم تفنَّد نفسها. إنها تشبه من يقول: “لا أتحدث كلمة واحدة بالعربية”. إن قال أحدهم ذلك، لا بد أنك ستجيب قائلاً: “لحضة من فضلك! بالتأكيد عبارتك خاطئة لأنك قلتها باللغة العربية!”.

التصريحات المنتاقضة التي تفند نفسها تُطلق باستمرار في ثقافة ما بعد الحداثة التي نشهدها اليوم، وما إن تشحذ قدرتك على رصدها حتى تتمكن من الدفاع عن الحق بمنتهى الجرأة. فلا شك أنك سمعت أشخاصاً يقولون مثلاً: “كل الحق نسبي”، “ليس هناك مطلقات”. ولكنك الآن ستتسلح بالسلاح اللازم لدحض هذه العبارات السخيفة بسهولة بأن تكشف عجزها عن بلوغ ما وضعتْه من مقاييس. أي أنك عندما تقلب العبارة المتناقضة على نفسها يمكنك أن تكشف خواءها.

ونحن نطلق على عملية قلب العبارة المتناقضة على نفسها خطة “رود رَنَر” Road Runner Tactic لأنها تذكرنا بالشخصيتين الكارتونيتين “رود رَنَر” و”وايل إي. كويوت[2]Qile E. Coyote. وربما تَذْكُر من أفلام الكارتون التي كانت تُعرض صباح السبت أن الكويوت كان شغله الشاغل وهَمَّه الأوحد أن يطارد “رود رَنَر” السريع ويتناوله على العشاء. ولكن “رود رَنَر” شديد السرعة وحاد الذكاء. فحالما يحرز الكويوت نوعاً من الانتصار، يتوقف “رود رَنَر” فجأة على حافة الجُرف ويترك الكويوت الذي يركض وراءه معلقاً في الهواء على لا شيء. وما إن يدرك الكويوت أنه لا أرض تحته يقف عليها حتى يهوي إلى قاع الوادي ويسقط في كومة من الرمال.

وهذا هو بالضبط ما تستطيع خطة “رود رَنَر” أن تفعله مع النسبيين وما بعد الحداثيين في يومنا هذا. إنها تساعدهم أن يدركوا أن حججهم أضعف من أن تحملهم. ولذلك، يهوون إلى القاع ويسقطون في كومة من الرمال. وهو ما يجعلك تبدو في منتهى العبقرية! فلنأخذ خطة “رود رَنَر” إلى الجامعة ونشرح لك ما نقصده.

العدَّاء رود رَنَر يذهب إلى الجامعة

إن اكثر من يحتاجون اليوم لخطة “رود رَنَر” هم طلاب الجامعات. لماذا؟ لنك إن استمعت للكثير من أساتذة جامعاتنا، ستجدهم يقولون لك إنه لا يوجد حق. ولكن المدهش أن الآباء والأمهاب في العالم أجمع ينفقون فعلياً آلاف الدولارات على التعليم الجامعي حتى يتعلم أبناؤهم وبناتهم ولكن المدهش أن الآباء والأمهاب في العالم أجمع ينفقون فعلياً آلاف الدولارات على التعليم الجامعي حتى يتعلم أبناؤهم وبناتهم “الحق” القائل بعدم وجود حق، ناهيك عن غير ذلك من التصريحات المتناقضة التي تفند نفسها مثل: “كل الحق نسبي” (هل هذه الجملة حق نسبي؟)، “ليس هناك مُطْلَقات” (هل أنت متأكد بصفة مطلقة؟)، “إنه حق بالنسبة لك ولكن ليس بالنسبة لي” (هل هذه العبارة حق بالنسبة لك فقط، أم أنها حق بالنسبة للجميع؟)| حق بالنسبة لك ليس بالنسبة لي” هي الشعار الببغائي العصري، ولكن الواقع أن العالم لا يسير هكذا. جرِّب مثلاً أن تردد هذا الشعار لصَرَّاف البنك، أو ضابط الشرطة، أو مصلحة الضرائب وانظر إلى أين يؤدي بك؟

وهذه الشعارات الحديثة خاطئة بالطبع لأنها تفنِّد نفسها بسبب تناقضها. ولكننا نريد أن نوجِّه بضعة أسئلة لمن لا يزالون يقبلونها قبولاً أعمى: إن لم يكن هناك أي حق، فلماذا تحاولون أن تتعلموا أصلاً؟ ما الذي يضطر أي طالب أن يستمع لأستاذه؟ فمهما كان، الأستاذ لا يملك الحق. ما معنى الذهاب إلى المدرسة أو الجامعة، وبالأحرى دفع مصروفاتها؟ وما معنى الابتعاد عن الممنوعات الأخلاقية التي يحدِّدها الأستاذ من الغش في الامتحانات والسرقة الفكرية في الأبحاث الدراسية؟

الأفكار لها عواقب. الأفكار الصالحة تأتي بعواقب صالحة، والأفكار السيئة تأتي بعواقب سيئة. والحقيقة أن الكثير من الطلاب يدركون تداعيات هذه الأفكار السيئة لما بعد الحداثة ويتصرفون بناءً عليها. فإن علَّمنا طلابنا أنه لا يوجد صواب ولا خطأ، لماذا نندهش عندما يطلق اثنان من الطلاب الرصاص على زملائهم، أو عندما تترك أمٌّ مراهِقةٌ رضيعها في صندوق القمامة؟ لماذا يجب أن يفعلوا “الصواب” ونحن نُعلمِّهم أنه ليس هناك “صواب”؟

لقد كشف “سي. إس. لويس” C.S.Lewis عبثية انتظار الفضيلة من أناس تعلّموا أنه لا توجد فضيلة: “بنوع من السذاجة المقيتة نستاصل العضو ونطالب بأداء وظيفته. نصنع رجالاً بلا قلب وننتظر منهم الفضيلة وحسن السلوك. نستهزئ بالشرف ونُصْدم عندما نكتشف خونة فيما بيننا. إننا كمن يخصي خيله ويتوقع منها أن تتكاثر.

إن حقيقة الأمر أن: الأفكار الخاطئة عن الحق تؤدي إلى أفكار خاطئة عن الحياة. وفي الكثير من الأحيان هذه الأفكار الخاطئة تبرِّر ظاهرياً سلوكيات غير أخلاقية بالمرَّة. لأنك إن قتلت مفهوم الحق، عندئذٍ يمكنك أن تقتل مفهوم أي ديانة صحيحة أو أي أخلاق صحيحة.

وقد حاول الكثيرون في ثقافتنا أن يفعلوا ذلك، والأربعون سنة الماضية من الانحدار الديني والأخلاقي تشهد على نجاحهم. فللأسف أن العواقب الوخيمة التي ترتبت على جهودهم ليست صحيحة بالنسبة لهم فقط، ولكنها صحيحة بالنسبة لنا جميعاً.

إذَن الحق موجود. ولا يمكن إنكاره. ومَن ينكرون الحق يزعمون هذا الزعم المتناقض عن الحق الذي يقول بعدم وجود حق. وهم يشبهون في ذلك “الدب ويني” Winnie the Pooh يجيبون قارع الباب قائلين: “لا أحد في البيت”.

فلنرَ الآن كيف يمكن أن تساعدنا خطة “رود رَنَر” في الرد على الزعم المتشكك في الحق الذي يقول إنه “يستحيل أن نعرف الحق”.

هل معرفة الحق ممكنة؟ قَرَعات على الباب….

يؤمن المسيحون بأن عليهم أن يطيعوا وصية يسوع حين قال: “فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم” (مت28: 19). ولمساعدة المسيحيين في القيام بهذه “المأمورية العظمي”، ابتكر “دي جيمز كينيدي” D.James Kennedy أسلوباً كرازياً يعتمد على قرع أبواب البيوت، يطلق عليه “انفجار الكرازة” Evangelism Explosion (EE). وإن كنت مسيحياً، أسلوب “انفجار الكرازة” يتيح لك أن تحدِّد بسرعة موقع الشخص روحياً. فبعد أن تقدِّم نفسك، تسأل من يفتح لك الباب أسئلة من قبيل:

  1. هل لي أن أسألك سؤالاً روحياً؟
  2. إن انتهت حياتك الليلة ووقفت أمام الله، وسألك الله، “لماذا أُدْخِلك إلى سمائي؟” بم ستجيب؟

معظم الناس لديهم من الفضول ما يجعلهم يرُدّون بالإيجاب على السؤال الأول. (إن قالوا: “ماذا تقصد بالسؤال الروحي؟” تنتقل إلى السؤال الثاني). أما عن السؤال الثاني، فدليل “انفجار الكرازة” يتوقع أن غير المسيحي عادة ما يقدم إجابة “الأعمال الصالحة”. فهو يقول شيئاً مثل: “الله سيقبلني لأني شخص صالح في الأساس. لم أقتل أحداً. أذهب إلى الكنيسة. أعطي الفقراء….” في هذه الحالة يخبرك دليل “انفجار الكرازة” أن تجيبه بالإنجيل (يعني حرفياً “الخبر السار”): أن الجميع (بما فيهم أنت) قَصُروا عن بلوغ مستوى كمال الله، وما من أعمال صالحة يمكنها أن تمحو حقيقة أنك ساقط فعلياً في الخطية، لكن الخبر السار أنه يُمكِنك أن تخلص من العقاب بأن تثق في المسيح الذي تَحَمَّل العقاب نيابةً عنك.

ورغم ما حقَقه هذا الأسلوب من نجاح ملحوظ، بعض غير المسيحيين لا يجيبون عن السؤالين كما هو متوقع. فمثلاً، قررتُّ (أنا “نورم”) ذات ليلة أن أستخدم أسلوب “انفجار الكرازة” في الشوارع مع أحد إخوتي من أعضاء الكنيسة. وإليك ما حدث:

قَرَعنا الباب.

“من الطارق” (فتح رَجُل الباب).

رفعت يدي محيياً وقلت: “مساء الخير. اسمي “نورم جايسلر”، وهذا صديقي رولاند. نحن من الكنيسة الواقعة في نهاية الشارع”.

أجاب الرجل وهو يتفحصنا بعينيه: “أنا “دون” Don“.

فبادرته فوراً بالسؤال الأول: ” “دون” هل عندك مانع أن نسألك سؤالاً روحياً؟”

أجاب “دون” بثقة وكأنه يتوق لتناول لَكْمة كتابية بدلاً من حلوى العشاء: “لا، تفضل”.

فطرحت عليه السؤال الثاني: ” “دون”، إذا انتهت حياتك الليلة ووقفت أمام الله، وسألك الله: “لماذا أُدْخلك إلى سمائي؟” بم ستجيب؟”.

فأجاب “دون” غاضباً: “سأقول لله: “ولماذا لا تُدخلني إلى سمائك؟”

مفاجأة … لا يُفترض أن يقول ذلك! أقصد هذه الإجابة ليست في الكتيب!

بعد لحيظة من الارتباك رفعتُ صلاة سريعة وأجبت: ” “دون”، إن قرعنا بابك وأردنا الدخول إلى بيتك، فقلت لنا: “لماذا أُدخلكم إلى بيتي؟” فقلنا: “ولماذا لا تُدْخلنا؟” ماذا تقول؟”

أشار “دون” بإصبعه نحو صدري وأجاب بحزم: “سأخبركما إلى أين تذهبان!”

فرددتُّ فوراً: “هذا بالضبط ما سيقوله الله لك!”

صُعِق “دون” لحظة ولكنه بعدئذ ضيَّق عينيه وقال: “الحقيقة أنا لا أؤمن بالله. أنا ملحد”.

“أنت ملحد؟”

“بالضبط”.

فسألته: “هل أنت متيقن يقيناً مطلقاً أن الله غير موجود؟”

فصمت ثم قال: “لا لستُ متيقناً يقيناً مطلقاً. أظن أنه من المحتمل أن يكون هناك إله”.

فأخبرته: “إذاً أنت لستَ ملحداً حقيقياً. أنت لا أدري، لأن الملحد يقول “أنا أدري أن الله غير موجود”. واللاأدري يقول: “لستُ أدري إن كان الله موجوداً”.

فاعترف قائلاً: “آه… وهو كذلك. إذاً أظن أني لا أدري”.

يا له من تقدُّم! بسؤال فقط انتقلنا من الإلحاد إلى اللاأدرية! ولكن بقي عليَّ أن أكتشف نوع اللاأدريين الذي ينتمي إليه “دون”.

فسألته: ” “دون”، أي نوع من اللاأدريين أنت؟”

فسألني ضاحكاً: “ماذا تقصد؟” (محتمل أنه كان يقول لنفسه “منذ دقيقة واحدة كنتُ ملحداً. لا أعلم أنا أي نوع من اللاأدريين الآن!”)

فشرحت قائلاً: ” “دون” اللاأدريون نوعان. الأول هو اللاأدري العادي الذي ييقول إنه لا يعرف أي شيء على وجه اليقين، والثاني هو اللاأدري العنيد الذي يقول إنه لا يستطيع أن يعرف أي شيء على وجه اليقين”.

أجاب “دون” واثقاً: “أنا من النوع العنيد. لا تستطيع أن تعرف أي شيء على وجه اليقين”. وهنا رأيت أن زعمه متناقض يفند نفسه، فأطلقت خطة “رود رَنَر” وسألته: ” “دون”، إن كنت تقول إنك لا تستطيع أن تعرف أي شيء على وجه اليقين، فكيف تعرف ذلك على وجه اليقين؟”

فقال متحيراً: “ماذا تقصد؟”

فشرحتُ له باسلوب مختلف قائلاً: “كيف تعرف على وجه اليقين أنك لا تستطيع أن تعرف أي شيء على وجه اليقين؟”

لاحظت بريق الفهم بدأ يطل من عينيه، لكني قرَّرت ان أضيف نقطة أخرى: “ثم إنك يا “دون” لا تستطيع أن تتشكك في كل شيء لآن هذا يعني أنك لابد أن تتشكك في الشك، ولكنك كلما شككت في الشك، ازداد يقينك”.

فبدأ يلين، وقال: “أظن أني فعلاً أستطيع أن أعرف شيئاً على وجه اليقين. مؤكد أني لا أدري عادي”.

وهنا بدأنا فعلاً نصل إلى نقطة محددة. فبالقليل من الأسئلة انتقل “دون” من الإلحاد مروراً باللاأدرية العنيدة إلى اللاأدرية العادية.

فاستطردتُ قائلاً: ” مادمت تعترف الآن أنك تستطيع أن تعرف، لماذا لا تعرف إن كان الله موجوداً؟”

فهز كتفيه قائلاً: “أظن لآنه ما من أحد بيَّن لي أي أدلة”.

وهنا سألته سؤالاً بمليون دولار: “هل ترغب في الاطلاع على بعض الأدلة؟”

فأجاب: “بالتأكيد”.

وهذا هو أفضل نوع من الأشخاص يمكنك أن تتحدث إليه: شخص يريد أن ينظر نظرة صادقة للأدلة. فالإرادة ضرورية لأن الأدلة لا تستطيع أن تقنع مَن لا يريد.

وبما أن “دون” كانت له الإرادة، أعطيناه كتاباً بقلم “فرانك موريسون” بعنوان “من دحرج الحجر” Who Moved the Stone  وقد كان “موريسون” شكوكياً عزم أن يكتب كتاباً يفند فيه المسيحية، ولكنه بدلاص من أن يكتب الكتاب اقتنع بالأدلة أن المسيحية صحيحة بالفعل. (والحقيقة أن الفصل الأول من كتاب “من حرَّك الحجر؟” “عنوانه ” الكتاب الذي أبى أن يُكتب” “The Book That Refused to Be Written” ).

ثم زرنا “دون” بعد فترة قصيرة. ووصف الأدلة التي قدمها “موريسون” بأنها “مقنعة جداً” وبعد عدة أسابيع في دراسة لإنجيل يوحنا، قَبِل “دون” يسوع المسيح رباً ومخلصاً شخصياً.

اليوم “دون” يخدم في إحدى الكنائس المعمدانية بالقرب من “سانت لويس” في ولاية ميزوري. وعلى مدى سنوات وهو يقود حافلة الكنيسة صباح الأحد ليأتي بأطفال الحي الذين لا يذهب آباؤهم وأمهاتهم إلى الكنيسة. وخدمته تُمثِّل لي (أنا “نورم”) قيمة خاصة لأن رَجلين مثل “دون” (مستر “كوستي” Costie ومستر “سويتلاند” Sweetland) أخذاني إلى الكنيسة بالحافلة أكثر من 400 مرة، كل يوم أحد منذ سن التاسعة حتى السابعة عشر. وقبولي للمسيح في سن السابعة عشر يرجع الفضل الأكبر فيه لخدمة الحافلة هذه. أظن أن المثل القائل “كما تزرع تحصد” مثل صحيح، حتى إن كانت حافلة مدرسة الأحد.

هل يمكن أن تكون كل الديانات صحيحة؟

الدرس الذي نستخلصه من قصة “انفجار الكرازة” هو أن اللاأدرية التامة أو الشكوكية التامة تفنِّد نفسها. فاللاأدريون والمتشككون يزعمون زعماً بخصوص الحق يقول إننا لا نستطيع أن نزعم أي شيء بخصوص الحق. وهم يقولون إننا لا نستطيع أن نعرف الحق، ولكنهم بعدئذ يزعمون أن موقفهم هذا حق، ولكن من المستحيل أن يجمعوا بين الاثنين.

لذا فقد أثبتنا أن معرفة الحق ممكنة. بل إن الحق لا يمكن إنكاره. ولكن ألا يمكن أن تكون كل الديانات صحيحة؟ مما يؤسَف له أن اللغط المرتبط بهذا السؤال لا يقتصر على الدوائر العلمانية فحسب، بل حتى بعض قسوس الكنائس متحيرون في هذا السؤال.

وقد سمع البروفسور “رونالد ناش” Ronald Nash الأستاذ بكلية اللاهوت عن مثال جيد على ذلك. فقد أخبرنا عن أحد طلابه منذ بضع سنوات ذهب لقضاء عطلة الكريسماس في بيته في مدينة “بولينج جرين” Bowling Green بولاية كنتاكي. وأثناء العطلة قرّر هذا الطالب الذي يؤمن بالكتاب المقدس أن يغامر ويحضر خدمة الأحد في كنيسة لم يذهب إليها من قبل. ولكن ما إن نطق القس بأول جملة في عظته، حتى أدرك الطالب خطأه، فقد كانت القس يناقض الكتاب المقدس.

وهكذا بدأ  القس: “موضوع عظتي هذا الصباح أن كل المعتقدات الدينية صحيحة!” وأخذ الطالب يتلوى في مقعده، بينما استمرّ القس يؤكِّد لكل شخص في الحاضرين أن كل ما لديه من عقائد دينية “حق”!

وبعد إنتهاء العظة أراد الطالب أن يَنسَل خارجاً دون أن يلحظه أحد، ولكن القس، ضخم الجثة، وقف بردائه على الباب يحتضن كل شخص بقوة عند خروجه.

فحيّا القس الطالب وساله بصوت جهوري: “من أين أنت يا ابني؟”

“أنا من “بولينج جرين”، سيدي. أتيت من كلية اللاهوت لقضاء العطلة مع أسرتي”.

“كلية اللاهوت! ممتاز. إذاً ما هي معتقداتك الدينية يا بُنَيّ؟”

“سيدي، أُفضِّل أن أحتفظ بها لنفسي”.

“لماذا يا بُنَيّ؟”

“لأني لا أريد أن أؤذيك، سيدي”.

“لا يا بُنَيّ. لن تؤذيني. وأياً كاننت معتقداتك فهي صحيحة. بمَ تؤمن إذاً؟”

فأذعن الطالب وقال: “حسناً”. ومال نحو القس وأحاط فمه بيده وهمس: “سيدي، أنا أؤمن أنك ذاهب إلى الجحيم!”.

اشتعل وجه القس حمرة وهو يحاول أن يجد إجابة، ثم قال: “أنا، آه، أظن أني …. أخطأت! لا يمكن أن تكون كل المعتقدات الدينية صحيحة لأنه مؤكد أن معتقداتك لسيت صحيحة”.

بالطبع، كما أدرك القس، يستحيل أن تكون كل المعتقدات الدينية صحيحة لأن الكثير من المعتقدات الدينية متناقضة، أي أنها تُعلِّم مفاهيم عكس بعضها البعض. فمثلاً المسيحيون المحافظون يؤمنون أن من لم يقبل المسيح مخلِّصاً اختار جهنم مصيراً أبدياً له. والكثير من المسلمين أيضاً يؤمنون أن غير المسلمين ذاهبون إلى جهنم، إلا أننا غالباً ما نتجاهل ذلك. والهندوس عموماً يؤمنون أن الجميع، بصرف النظر عن معتقداتهم، محبوسون في دائرة لا نهائية من تناسخ الأرواح حسب أعمالهم. وهذه المعتقدات المتناقضة لا يمكن أن تكون كلها صحيحة.

والحقيقة أن الأفكار المتناقضة في ديانات العالم تزيد عن الأفكار المتوافقة فيها. والفكرة القائلة بأن كل الديانات في جوهرها تُعلّم نفس التعاليم، لذا علينا أن نحب بعضنا بعضاً، تنم عن سوء فهم خطير لديانات العالم. فمعظم الديانات تتشابه في قانونها الأخلاقي نوعاً ما: لأن الله زرع الصواب والخطأ في ضمائرنا (سنناقشُ ذلك في الفصل السابع)، إلا أنها تختلف في كل القضايا الرئيسية تقريباً، بما فيها طبيعة الله، وطبيعة الإنسان، والخطية، والخلاص، والسماء، وجهنم، والخليقة!

فكّر فيها: طبيعة الله، طبيعة الإنسان، الخطية، الخلاص، السماء، جهنم، الخلييقة. تلك هي الموضوعات الكبيرة! وإليك بعضاً من تلك الاختلافات الكبيرة:

  • اليهود والمسيحيون والمسلمون يؤمنون، بصور مختلفة، بالله الخالق الحافظ، بينما يؤمن معظم الهندوس وأتباع العصر الجديد أن كل الموجودات جزء من قوة غير شخصية impersonal متوحجة مع الوجود pantheistic يطلقون عليها “الله”.
  • كثير من الهندوس يعتقدون أن الشر وَهْمٌ محضْ، في حين أن المسيحيين والمسلمين واليهود يؤمنون أن الشر حقيقة.
  • المسيحيون يؤمنون أن الإنسان يخلص بالنعمة في حين أن سائر الديانات جميعاً، إن كانت تؤمن بالخلاص أصلاً، تُعلِّم بنوع خاص من الخلاص على أساس الأعمال الصالحة (وتختلف فيما بينها اختلافاً كبيراً في تعريف “الصلاح” وفيما يخلص منه الإنسان).

وهي مجرد أمثلاة قليلة على الكثير من الاختلافات الجوهرية. اختلافات أكبر من استيعاب الفكرة القائلة بأن كل الديانات تتفق جوهرياً في تعاليمها.

 

 

الحق مقابل قبول الاختلاف

رغم أن معظم الديانات تحوي بعض المعتقدات الصحيحة، لا يمكن أن تكون كل المعتقدات الدينية صحيحة لأنها تقصي بعضها البعض، أي أنها تحوي تعاليم مضادة لبعضها البعض. وهو ما يعني أن بعض المعتقدات الدينية لا بد أن تكون خاطئة. ولكنك لا يجب أن تقول هذا الكلام في أمريكا اليوم. يجب أن “تقبل الاختلاف” بين كل المعتقدات الدينية. وفي ثقافتنا اليوم لم يعد “قبول الاختلاف” tolerance يعني أن تجبر نفسك على تحمُّل شيء تراه خاطئاً (طبيعي أنك لا تجبر نفسك على تحمُّل ما تتفق معه). ولكن قبول الاختلاف الآن يعني أنك يجب أن تقبل كل معتقد باعتباره صحيحاً! وهو ما يُعرف في المجال الديني باسم العددية الدينية، وتعني الاعتقاد بأن كل الديانات صحيحة، إلا أن هذا التعريف الجديد لقبول الاختلاف ينطوي على عدد من المشكلات.

أولاً، لابد أن نسجِّل امتناننا لما ننعم به من حرية دينية في هذا البلد، وأننا لا نؤمن بفرض ديانة بقوة القانون (انظر كتابنا “تشريع الأخلاق” Legislating Morality ). فنحن واعون تماماً بمخاطر عدم قبول الاختلاف الديني، ونؤمن أنه علينا أن نقبل مَن يختلفون عنا في العقائد الدينية ونحترمهم. إلا أن هذا لا يعني أنه علينا أن نعتنق شخصياً الفكرة المستحيلة القائلة بأن كل المعتقدات الدينية صحيحة. فيما أن المعتقدات الدينية المتضادة، يستحيل أن تكون كلها صحيحة، فلا معنى للتظاهر بأنها صحيحة. والحقيقة أن هذا التظاهر خطير على المتسوى الفردي. فإن كانت المسيحية صحيحة، فعدم إيمانك بها يهدِّد مصيرك الأبدي. وكذلك، إن كان الإسلام صحيحاً، فعدم إيمانك به يهدّد مصيرك الأبدي.

ثانياً، الزعم الذي يقول إنه “يجب ألا تتساءل في صحة المعتقدات الدينية لأي شخص” هو نفسه يمثِّل معتقداً دينياً يعتنقه التعدديون. ولكن هذا المعتقد في حد ذاته يتساوي في إقصائه للمعتقدات الأخرى وفي “رفضه للاختلاف” مع اي معتقد ديني يؤمن به المسيحي أو اليهودي. بمعنى أن التعدديين يرون أن كل المعتقدات غير التعددية خاطئة. لذا، فالتعدديون متصلبو الفكر ومنغلقو العقل، مثلهم مثل غيرهم ممن يطلقون مزاعم عن الحق في سوف الأفكار، ويريدون مِن كل مَن يختلف معهم أن يرى الأمور كما يرونها هم.

ثالثاً، منع التساؤل في صحة المعتقدات الدينية يُعبِّر أيضاً عن موقف أخلاقي مطلق. ما المانع أن نتسائل في صحة المعتقدات الدينية؟ هل هذا الفعل ضد الأخلاق؟ وإن كان كذلك، فمن الذي وضع هذا المعيار؟ هل يملك التعدديون أسباباً وجيهة تؤيد اعتقادهم بأننا يجب ألا نتساءل في صحة المعتقدات الدينية، أم إنه مجر راي شخصي يريدون أن يفرضوه علينا جميعاً؟ فإن لم يتمكنوا من أن يقدِّموا لنا أسباباً وجيهة لهذا المعيار الأخلاقي، لماذا نسمح لهم بفرضه علينا؟ ولماذا يحاول التعدديون فرض ذلك الموقف الأخلاقي علينا بأي حال؟ فهم بهذا لا “يقبلون الاختلاف”.

رابعاً، الكتاب المقدس يأمر المسيحيين أن يتساءلوا في صحة المعتقدات الدينية (مثلاً تث13: 1-5، 1يو4: 1، غل1: 8، 2كو11: 13، وغيرها). وبما أن التساؤل في صحة المعتقدات الدينية يدخل ضمن المعتقدات الدينية للمسيحيين، إذاً التعدديون يجب أن يقبلوا هذا المعتقد المسيحي أيضاً، وفقاً للمعيار الذي وضعوه بأنفسهم. ولكنهم لا يقبلونه طبعاً، فمن المضحك أن التعدديين، أنصار المفهوم الجديد لقبول الاختلاف، لا يقبلون الاختلاف على الإطلاق. فهم لا “يقبلون” إلا مَن يفق معهم، وهو ما لا يُعد قبولاً للاختلاف، أياً كان تعريف قبول الاختلاف.

خامساً، زَعْم التعدديين بأنه يجب ألا نتساءل في صحة المعتقدات الدينية مشتق من الحظر الثقافي الخاطء على إصدار الأحكام. إنَّ حظر إصدار الأحكام هو حظر خاطئ لأنه يعجز عن التوافق مع المعيار الذي يضعه: عبارة “يجب ألا تحكم” هي نفسها حكم! (التعدديون يسيئون تفسير كلام يسوع عن إصدار الأحكام (مت7: 1-5). فيسوع لم يمنع هذا النوع من إصدار الأحكام، ولكنه منَعَ فقط الحكم المرائي). بل الواقع أن الجميع، من تعددييين ومسيحيين وملحدين ولاأدريين، يصدرون أحكاماً. فالقضية ليست في إصدار الأحكام أو عدمه، ولكن في إصدار الأحكام الصحيحة.

وأخيراً، هل التعدديون مستعدون لقبول المعتقدات الدينية التي تعتنقها بعض الجماعات الإرهابية باعتبارها صحيحة، وخاصة عندما تقول تلك المعتقدات إن كل من لا يؤمنون بعقائدهم (ومنهم التعدديون) يجب قتلهم؟ هل هم مستعدون لقبول المعتقدات الدينية لمن يؤمنون بذبائح الأطفال أو غيرها من الأعمال الوحشية باعتبارها صحيحة؟ نتمنى لا.

صحيح أنه يجب علينا أن نحترم حقوق الآخرين في أن يؤمنوا بما يشاؤون، إلا أننا نكون أغبياء وغير محبين للآخرين إن قَبِلْنا ضمناً كل عقيدة دينية باعتبارها صحيحة. لماذا نكون غير محبين إن فعلنا ذلك؟ لأنه إن كانت المسيحية صحيحة، فإن أوحينا لأي شخص أن معتقداته الدينية المخالفة للمسيحية أيضاً صحيحة نكون غير محبين له. فتأكيد ما عنده من خطأ قد يبقيه في طريق الهلاك الأبدي. ولكن إن كانت المسيحية صحيحة، علينا أن نُعَرِّفه الحق بلطف، لأن الحق فقط هو الذي يستطيع أن يحرِّره.

كنت أعمى والآن أبصر

بم تخبرنا التعددية المذهلة للمعتقدات الدينية عن الحق الديني؟ للوهلة الأولى قد يظهر أن تعدد المعقدات المتناقضة يؤكد مَثَل الفيل الذي ذكرناه في المقدمة، أي أن الحق الديني لا يمكن معرفته. ولكن الحقيقة أن العكس هو الصحيح.

وللتذكِرة، نرى في هذا المثل ستة رجال مكفوفين يتفحصون فيلاً. وكل رجل يتحسس جزءاً مختلفاً من الفيل، ومن ثم يتوصل إلى استنتاج مختلف بخصوص الشيء الموجود أمامه. يمسك أحدهم بالناب ويقول: “هذا رمح!” ويمسك آخرُ الخرطومَ ويقول: “إنه ثعبان!” أما مَن يحتضن الساق يقول: “هذه شجرة!” والأعمى الذي يمسك الذيل يقول: “معي حبل!” ومن يتحسس الأذن يقول “إنها مروحة!” ومن ينحني على جانب الفيل يقول واثقاً” “إنه حائط!” ويقال إن هؤلاء الرجال العمليان يمثلون ديانات العالم لأن كلاً منهم يتوصل إلى استنتاج مختلف عما يتحسسه. ويقال لنا إنه ما من دين واحد يمتلك “الحق” بأل التعريف، مثل كل رجل من الستة العمي. فالحق الديني نسبي يختص بالفرد. إنه ذاتي، وليس موضوعاً.”

وقد يبدو هذا الكلام مقنعاً حتى تسأل نفسك سؤالاً واحداً: “ما منظور الشخص الذي يروي هذا المثل؟” حسناً، لنرَ الشخص الذي يروي هذا المثل… يبدو أن منظوره موضوعي للعملية كلها لأنه يدرك أن الرجال العميان مخطئون. بالضبط. والحقيقة أنه ما كان ليَعرف أن الرجال العميان مخطئون إلا إذا كان عنده منظور موضوعي لما هو صائب!

فإن كان راوي المثل يمكنه أن يدرك الأمر من منظور موضوعي، لِمَ لا يستطيع الرجال العمي ذلك؟ بإمكانهم ذلك، فإن تمَكَّن الرجال العمي من أن يروا فجأة، سيتمكنون هم أيضاً من إدراك خطئهم في البداية. سيدركون أن الكائن الموجود أمامهم فيل وليس حائطاً، ولا مروحة، ولا حبلاً.

 ونحن أيضاً نستطيع أن نرى الحق الديني. ولكن للأسف الكثير منَّا ممن ينكرون وجود حق في الدين ليسوا عمياناً فعلياً ولكنهم عميان عمداً. فقد لا نريد أن نعترف بوجود حق في الدين لن ذلك الحق سيُبَكِّتنا. ولكننا إن فتحنا أعيننا وتوقفنا عن الاختباء خلق هذا الكلام الفارغ الذي يفنِّد نفسه زاعماً أن معرفة الحق غير ممكنة، سنتمكن من رؤية الحق. ولن نرى الحق في المجالات التي نريده فيها فقط، كالمال، والعلاقات، والصحة، والقانون…. إلخ، بل الحق الديني أيضاً أيضاً. ونقول مع الأعمى الذي شفاه يسوع:” كنت أعمى والآن أبصر”.

وقد يقول المتشكك: “لحظة من فضلك! من المحتمل أن مَثَل الفيل ليس مُوفَّقاً، إلا أن ذلك لا يُثْبِت أن معرفة الحق الديني ممكنة. لقد أثْبَتَّ أن معرفة الحق ممكنة، ولكن ليس بالضرورة الحق الديني. أوَ لم يدحض “ديفيد هيوم” David Hume وكذلك “إيمانيول كانط” Immanuel Kant  فكرة الحق الديني؟”

بالقطع لا، وسنناقش السبب في الفصل التالي.

المخلص والخلاصة

  1. رغم ما تنضحه ثقافتنا من نسبية، فالحق مطلق، وإقصائي، وقابل للمعرفة. وإنكار الحق المطلق وإمكانية معرفته هو افتراض يفنِّد نفسه بإثبات عكس ما يريد أن يُثْبِت.
  2. خطة “رود رَنَر” تقلب الجملة على نفسها وتساعد في كشف الجُمَل المفنِّدة لنفسها (التي هي بالتالي خاطئة) التي أصبحت واسعة الانتشار اليوم. ومن هذه الجُمَل: “ليس هناك حق” (هل تلك الجملة حق؟)، “كل الحق نسبي” (هل تلك الجملة حق نسبي؟)، “لا يكنك أن تعرف الحق” (فكيف عرفت ذلك إذاً؟). في الأساس أي جملة لا يمكن تأكيدها (لأنها تناقض نفسها) لا بد أن تكون خاطئة. فالنسبيون يهزمون أنفسهم بمنطقهم.
  3. الحق لا يعتمد على مشاعرنا ولا استحساناتنا. فالشيء يكون صحيحاً سواء أعْجَبَنا أم لا.
  4. خلافاً للرأي الشائع، ديانات العالم الرئيسية لا “تُعَلِّم جميعاً تعاليم واحدة”. بل إنها تختلف فيما بينها اختلافات جوهرية ولا تتفق إلا في أمور سطحية. فلا يمكن أن تكون كل الديانات صحيحة لأنها تُعَلِّم تعاليم متناقضة.
  5. بما أنه يستحيل منطقياً أن تكون كل الديانات صحيحة، لا نستطيع أن نقبل التعريف الحديث لقبول الاختلاف الذي يطالبنا بقبول الفكرة المستحيلة القائلة بأن كل المعتقدات الدينية صحيحة. لذا، علينا أن نحترم معتقدات الآخرين، ولكن نخبرهم بالحق بمحبة. فمهما كان، إن كنتَ تحب الناس حقاً وتحترمهم، ستخبرهم بالحق المتعلق بمعلومات قد تَجُرّ عواقب أبدية.

 

[1]  مصطلح “الإنساني” humanist يُستخدم اليوم للإشارة إلى من يسعى ليعيش حياة صالحة دون اعتماد على معتقدات دينية أو خرافية (humanism.org.uk/humanism/humanism-today/non-religious-beliefs)، تم الاطلاع على الرابط بتاريخ 13تموز/يوليو2016. (المترجمة).

[2]  Road runner تعني عَدَّاء المسافات الطويلة وهو في هذا الفيلم الكارتون اسم لطائر سريع جداً، أما  “الكويوت” Coyote فهو حيوان من فصيلة الكلاب البرية أو الذئاب ويعيش في أمريكا الشمالية وأحياناً ما يسرق الطعام أو يقتل الحيوانات المنزلية الصغيرة. (المترجمة)

اللغة المجازية في الكتاب المقدس بحث موسع

اللغة المجازية في الكتاب المقدس – بحث موسع

اللغة المجازية في الكتاب المقدس – بحث موسع

اللغة المجازية في الكتاب المقدس – بحث موسع

المبدأ الإرشادي: تعرف على اللغة المجازية وحدد معناها الحرفي

حيث أن الكتاب المقدس قد كتبه بشر، فلا بد أن يتم التعامل معه مثل أية معلومات بشرية أخرى عند تحديد المعنى الذي قصده المؤلف. وقد قمنا بدراسة إرشادات مشتقة من ذلك المبدأ، وتلك الإرشادات هي التي تمكن الدارس الجاد من تحديد المعنى المباشر والحرفي للغة. ومع ذلك فهناك الكثير من الأساليب اللغوية الأخرى في الكتاب المقدس، غير التعبيرات الحرفية.

فبالإضافة إلى الأقسام التاريخية والتعليمية، يحوي الكتاب المقدس الشعر، والمسرحية، وأقوال الحكمة، والاستعارات والتشبيهات، والأمثال، وهذه أساليب شائعة ومشتركة في جميع اللغات البشرية. والكتاب المقدس، حيث أنه كتاب كتبه بشر، مليء بمثل هذه الأساليب الأدبية.

إلا أنه توجد إرشادات لفهم معاني التعبيرات الخاصة، كما توجد إرشادات لفهم التعبيرات الحرفية المباشرة. ولذلك فإن التفسير ينحرف عندما يساء فهم الأسلوب اللغوي، وبالتالي يتم التعامل معه بطريقة غير سليمة لذلك فمن المهم للغاية أن نتعرف على أسلوب اللغة في مقطع معين، وأن نقوم بتفسيره باستخدام الإرشادات المناسبة لفهم هذه النوع المحدد من الأساليب.

وعلى الرغم من أن الكتاب المقدس يحوي كل أنواع الأساليب الأدبية، فإننا سندرس فقط تلك الأساليب التي لها أهمية رئيسية في فهم المعنى. أولاً، سنقوم بدراسة الأنواع المتنوعة من اللغة المجازية. وحيث أن معظم العهد القديم تمت كتابته بصياغة شعرية، والكثير من تعاليم المسيح مكتوبة في صيغة أمثال، فسوف ندرس الشعر العبري والأمثال باعتبارهما صيغتين أدبيتين منفصلتين.

فهم التعبيرات المجازية

تشير التعبيرات المجازية إلى أية كلمات يتم استخدامها بمعنى آخر غير المعنى الشائع والحرفي. فعندما نستخدم كلمة كلب للإشارة إلى إنسان (مثلاً في فيلبي 3: 2)، فإنه لا يقصد بها تعريف الحيوان بالمعنى العادي أو الحرفي. وأيضاً تعبير “فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة” (يوحنا 21: 25)، لا يقصد به أبداً تقديراً علمياً لمساحة العالم الموجدة.

الكتاب المقدس مليء بهذا النوع من التعبيرات المجازية، ومثل هذه الصور غير الحرفية تعد واحدة من أعظم مشاكل التفسير. وهكذا فإن تعاملنا مع التعبيرات المجازية باعتبارها تعبيرات حرفية، والعكس، أي تعاملنا مع التعبيرات الحرفية باعتبارها مجازية، يشكل اثنين من أكبر المعوقات لفهم معنى الكتاب المقدس. بل الأكثر من ذلك، حتى عندما يتم التعرف على المقطع باعتباره مجازي فعلاً، يمكن الخطأ في فهم معناه من خلال استخدام مبادئ أو إرشادات غير مناسبة لتفسير المقطع. إننا سنقوم أولاً بدراسة أسباب استخدام اللغة المجازية، ثم سنقوم بعدها بدراسة الإرشادات الضرورية لفهم معاني المقاطع غير الحرفية.

أسباب استخدام اللغة المجازية

لماذا يستخدم الكتاب المقدس لغة مجازية من الأساس؟ ألن يكون التواصل أكثر سهولة ووضوحاً لو كان الإعلان كله قد تمت كتابته بلغة حرفية مباشرة؟ توجد عدة أسباب لاستخدام اللغة المجازية في الكتاب المقدس:

تستخدم اللغة المجازية كثيراً لأن كل لغة بشرية تحوي تعبيرات غير حرفية.

يعبر سي إس لويس عن هذا الأمر بقوله:

في كثير من الأحيان عندما نتحدث عن شيء لا يتم استيعابه بالحواس الخمسة، فإننا نستخدم كلمات تشير إحدى معانيها إلى أشياء أو أفعال مجازية. فعندما يقول إنسان ما أنه يفهم فكرة معينة، فإنه يستخدم الفعل “يفهم” (grasp بالإنجليزية، التي تعني حرفياً الإمساك بشيء في اليد، ولكنه بالتأكيد لا يعني أن عقله له يدان يمسك بهما الفكرة).

وهكذا، فلكي يتجنب كلمة “grasp”، يمكنه أن يغير الصياغة فيقول، “I see”، (حرفياً بمعنى أنا أرى) ولكنه مرة أخرى لا يعني أن شيئاً محدد قد ظهر في مجال رؤيته، بل أنه قد فهم، ولذلك فقد يجرب صيغة ثالثة فيقول، “I follow you” (حرفياً بمعنى أنا أتبعك)، وبهذا أيضاً هو لا يقصد أنه يمشي خلفك في الطريق، ولكنه يقصد أنه يفهم، جميعنا معتادون على هذه الظواهر اللغوية، والتي يطلق عليها علماء النحو “الاستعارات”.

لكن هناك خطأ بالغ في أن نفكر أن الاستعارة هي أمر اختياري، قد يستخدمه الشعراء والمؤلفون في أعمالهم كنوع من الزخرفة، بينما الأشخاص العاديون يمكنهم أن يستغنوا عنه أثناء حديثهم. فالحقيقة هي أننا لو أردنا أن نتحدث عن أية أمور لا يتم فهمها بالحواس، فإننا نكون مجبرين على استخدام اللغة استعارياً أو مجازياً. إن الكتب الخاصة بعلم النفس أو بالاقتصاد أو بالسياسة، تستخدم تعبيرات مجازية باستمرار مثلها مثل الكتب الشعرية أو التعبدية. فلا توجد طريقة أخرى للكلام… فكل كلام عن أمور تفوق الحواس لا بد وأن يكون استعارياً ومجازياً في المقام الأول.

فأي شخص يتحدث عن أمور لا يمكن رؤيتها أو لمسها أو سماعها، من المحتم أن يتحدث عنها كما لو كان يمكن رؤيتها أو لمسها أو سماعها (مثلاً، لا بد أن نتحدث عن العقد النفسية والاكتئاب، كما لو كانت رغبات يمكن حقاً ربطها في حزم أو “عقد”، ودفعها للوراء في اللاوعي؛ كما نتحدث عن “النمو” و”التطور” كما لو كانت المؤسسات يمكنها حقاً أن تنمو مثل الأشجار أو تتفتح مثل الأزهار؛ ونتحدث عن الطاقة باعتبارها “تُطلق” كما لو كانت حيواناً يُطلق من قفصه).[1]

وهكذا فإن كل اللغات البشرية تمتلئ بتعبيرات غير حرفية، ولكن اللغات الشرقية على وجه الخصوص تمتلئ بالاستعارات والتشبيهات. وحيث أن تلك اللغات غريبة عنا، فهذا من شأنه أن يجعلنا نجتهد أكثر لفهم المعنى الذي كان في ذهن المؤلف بالضبط فهناك حاجز البعد اللغوي والثقافي، وهناك حاجز التعبيرات المجازية كذلك. فكر مثلاً في محنة شخص أجنبي يسعى لفهم الكلمة الإنجليزية “hang”. من السهل القيام بالتعريف الحرفي للكلمة (يعلق أو يشنق……)، لكن نرى كيف سيفكر، عندما يسمع، كشخص غريب عن اللغة الإنجليزية، تعبيرات مثل “hang-ups”، أو “hang loose”، أو “hangover”، أو “hang out”، أو “hang on”، أو “hang in”؟

غالباً ما تستخدم التعبيرات المجازية لتأكيد أمر ما. فعندما يقول يسوع في لوقا 13: 32، “قولوا لهذا الثعلب”، فإن هذا التعبير هو أكثر قوة مما لو كان قد قال “قولوا للملك”. وبالمثل قوله، “من لا يبغض أباه وأمه” هو تعبير أقوى من “لا بد أن تحبني أكثر مما تحب أباك وأمك”. فالتعبيرات المجازية تحدث انطباعات أقوى.

التعبيرات المجازية يمكن استخدامها لتحفيز الشخص نحو القيام بفعل معين. فتعبير “ها أنذا واقف على الباب وأقرع”، يحدث تأثيراً عاطفياً أكبر بكثير من تأثير مجرد القول ببساطة، “إنني منتظر استجابتك” ففي الشرق، حيث العشاء معاً هو ختم الصداقة، يكون التأثير العاطفي كبيراً لمعنى الوقوف في الخارج في انتظار الدعوة للدخول. ولذلك فإن التعبيرات المجازية تكون قوية في تحفيز الشخص على الاستجابة والقيام بفعل معين.

كما أن التعبيرات المجازية قد تساعد على التذكر. إن تعبيرات مثل “لا تخف سراجك تحت المكيال”؛ أو “لا تدفن وزنتك”؛ أو “إنه كالسامري الصالح”؛ أو “إنها ملح الأرض”، جميع هذه التعبيرات الشائعة في اللغة الإنجليزية المستخدمة اليوم، تثبت أن اللغة المجازية تشدد على معنى معين بطريقة لا يسهل نسيانها. بل أنها قد تصبح جزءًا من اللغة كما في الأمثلة التي ذكرناها.

التعبيرات المجازية تكون مؤثرة في التفسير والشرح. عندما قال السيد المسيح “أنا هو خبز الحياة” (يوحنا 6: 48)، كان يوضح حقيقة أساسية خاصة بعلاقته مع الأشخاص الذين ينتمون له، فهو يشبع ويغذي. “يشبه ملكوت السماوات خميرة” (متى 13: 33) يثير هذا التعبير في الحال معنى النمو التدريجي والثابت الذي يتخلل الكل. وعندما نعرف أن المسيحي هو جندي أو فلاح، فإن هذا التشبيه التوضيحي يساعدنا على فهم مسؤولياتنا. وهكذا فإن التعبيرات المجازية شديدة الفعالية في توضيح وتفسير الحق الروحي.

التعبيرات المجازية مفيدة في التوضيح. فالأمر المعتاد يمكن أن يستخدم لتوضيح الأمر غير المعتاد أو غير المألوف. وهذا الأمر مفيد وضروري بصفة خاصة عندما يكون من اللازم أن يتم تبسيط حق الله غير المحدود بما يكفي لأن يفهمه الإنسان محدود الفهم. فعندما نتحدث عن الله كزوج أو كأب فإن هذا يأتي لمجال فهمنا المحدود للغاية بالحقائق الأساسية عن العلاقة التي يرغب الله أن يشاركها معنا.

فكيف يمكن لله غير المحدود والذي ليس له كيان مادي، أن يشرح لنا عملية خلق كائن محدود ومادي، وقيامه مع ذلك بخلق هذا الكائن على صورة وطبيعة الله نفسه؟ لذلك قال الله أنه “نفخ في أنف آدم نسمة حياة” (تكوين 2: 7). بذلك نجد أن التعبيرات المجازية تكون مفيدة في التوضيح، وفي جعل الحقائق الروحية وغير المحدودة متاحة ومفهومة للبشر المحدودين.

فالحقيقة هي أنه، كما أشار سي إس لويس من قبل، كلما أراد المؤلف أن يتحدث عن أمور غير مدركة بالحواس، فإنه قد يكون مجبراً على استخدام تعبيرات غير حرفية. فبعض الحقائق المجردة لا يمكن توصيلها إلا باستخدام نماذج ملموسة ومادية – فنحن نحتاج إلى أمثلة يمكننا أن نراها لكي نفهم ما هو غير مرئي.

كما يمكن استخدام التعبيرات المجازية كنوع من الشفرة. ففي حالة أمثال السيد المسيح، يخبرنا أن الأمثال تم اختبارها كوسيلة لجعل الأمور غامضة عن عمد:

“فتقدم التلاميذ وقالوا له “لماذا تكلمهم بأمثال”. فأجاب وقال لهم “لأنه قد أعطي لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات، أما لأولئك فلم يعط. فإن من له سيعطى ويزاد، وأما من ليس له فالذي عند سيؤخذ منه. من أجل هذا أكلمهم بأمثال لأنهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون فقد تمت فيهم نبوة إشعياء القائلة: تسمعون سمعاً ولا تفهمون ومبصرين تبصرون ولا تنظرون لأن قلب هذا الشعب قد غلظ وآذانهم قد ثقل سماعها.

وغمضوا عيونهم لئلا يبصروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم. ولكن طوبى لعيونكم لأنها تبصر ولآذانكم لأنها تسمع فإني الحق أقول لكم أن أنبياء وأبراراً كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا. وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا” (متى 13: 10-17).

وهكذا تستخدم اللغة المجازية أحياناً “كلغة شفرة”. فهي تعطي نوراً للأشخاص الطائعين، وتعتيماً للأشخاص غير الطائعين. لا يعتبر هذا فقط نوع من الدينونة بسبب عدم الطاعة، بل أنه في الحقيقة لخيرهم هم شخصياً، لئلا يجلب لهم المزيد من النور مزيداً من المسؤولية وبالتالي مزيداً من الدينونة. وبذلك تستخدم التعبيرات المجازية في بعض الأحيان للتعتيم والغموض.

إلا أن هناك سبب آخر لاستخدام التعبيرات الغامضة المبهمة. ففي بعض الأحيان يتم عرض النبوات بصورة مبهمة لكي تظل خفية حتى وقت اتمامها. وسوف نقوم بدراسة هذا الأمر بتفصيل أكثر عندما نقوم بالحديث عن إرشادات فهم النبوات. ومع ذلك فإننا نجد مثالاً واضحاً لهذا الأمر في كلمات السيد المسيح لليهود:

“أجاب يسوع وقال لهم: انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه. فقال اليهود في ست وأربعين سنة بني هذا الهيكل، أفأنت في ثلاثة أيام تقيمه. وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده، فلما قام من الأموات تذكر تلاميذه أنه قال هذا فآمنوا بالكتاب والكلام الذي قاله يسوع” (يوحنا 2: 19-22).

هناك عدة أسباب إذاً تدعو لاستخدام التعبيرات المجازية في الكتاب المقدس، ومسؤوليتنا هي أن ندرس باجتهاد حتى نستطيع أن نتعامل مع هذا النوع من الأساليب بطريقة صحيحة.

اللغة المجازية في الكتاب المقدس بحث موسع

إرشادات تفسير اللغة المجازية

إن الهدف من دراسة اللغة المجازية في الكتاب المقدس هو نفس الهدف من دراسة اللغة الحرفية: أي أن نميز المعنى الذي قصده المؤلف، وأن نطبقه في حياتنا. لكن في حالة اللغة المجازية، توجد خطوة سابقة، وهي أننا يجب أولاً أن نتيقن من أن التعبيرات مجازية وليست حرفية، ثم نقوم بعد ذلك بالتعرف على أسلوب أو نوع اللغة المجازية. فبعد أن نتوصل إلى أن معنى المقطع غير حرفي، نكون مستعدين للتفسير والتطبيق. بكلمات أخرى، هناك خطوة وسطية ضرورية في حالة المقطع المجازي: وهي التوصل إلى حقيقة أنه مجازي وتحديد نوع التشبيه الذي يستخدم فيه.

التعرف على اللغة المجازية

هناك مبدآن إرشاديان يساعدانك في التعرف على اللغة المجازية

المبدأ الإرشادي الأول.

إن لغة الكتاب المقدس، مثل لغة الصحف اليومية أو أية لغة بشرية عادية، يجب أن يتم تفسيرها بمعناها الحرفي، إلا إذا كان هناك سبب من ثلاثة أسباب ملزمة لاعتبارها غير حرفية:

1 – لو كان من الواضح أن العبارة ستكون غير معقولة، أو غير منطقية، أو غريبة ومبهمة إذا تم التعامل معها باعتبارها حرفية، فإن الفرضية هي أن تكون استعارة أو تشبيهاً. مثال لذلك، “أنا هو الباب” و”أنتم ملح الأرض”، فهذان التعبيران من الواضح أنهما غير معقولين إذا تم التعامل معهما حرفياً.

2 – السياق نفسه قد يشير إلى أن اللغة مجازية. فعندما يؤخذ بمفرده، قد يكون التعبير أو العبارة إما مجازية أو حرفية، ولكن في السياق نفسه يشير المؤلف إلى أنه لا يقصد أن يؤخذ المعنى حرفياً. فعندما قال بولس، “وإن كنت قد كتبت إليكم فليس لأجل المذنب” (2كو 7: 12)، فإن السياق المباشر وسياق الحدث بأكمله يمتد إلى الأصحاحات الأولى، كما يمتد بعده إلى الأصحاحات التالية في رسالة كورنثوس الثانية، مما يظهر بوضوح أنه كان يبالغ لإيقاع تأثير معين. فقد كتب الكثير جداً لأجل الشخص الذي ارتكب الخطأ وتحدث عدة مرات عن هذا الأمر بوضوح شديد. فماذا كان يعني هنا؟ لقد كان يعني، “أنني لم أكتب فقط لغرض خلاص الشخص الذي ارتكب الخطأ”.

3 – إن كان هناك تناقض مع أمر أكثر وضوحاً وبقاء وتأكيداً في الكتاب المقدس، فمن المشروع أن نسأل ما إذا كنا سنتعامل مع هذا المقطع بصورة حرفية أم لا. فمثلاً أن يبغض المرء أباه وأمه (لوقا 14: 26) فهذا يتعارض مع كل من العهدين القديم والجديد في تعليمهما الواضح والقوي والثابت بأن الإنسان يجب أن يحب والديه ويكرمهما. لذلك فليس فقط من المسموح، بل من الضروري أن نبحث عن معنى مجازي هنا. يعتمد هذا المبدأ الإرشادي فعلياً ليس على الاستخدام العادي للغة البشرية، بل على حقيقة أن الكتاب المقدس هو أيضاً كتاب فوق طبيعي. وسوف نتعامل مع هذا الأمر بتفصيل أكثر عندما ندرس العلاقة بين التعاليم المتنوعة في الكتاب المقدس

ورغم أنه أمر سليم أن نبحث عن فهم أصيل غير حرفي، فإن الدارس يجب عليه ألا يقحم معنى مجازياً على اللغة. بعض المقاطع المعينة الحرفية يتم اعتبارها مجازية بواسطة الأشخاص الذين يؤمنون بالكتاب المقدس ويحاولون أن يجدوا تناسقاً بين جميع تعاليمه. فقد يحاولون بذلك أن يجعلوا مقطعاً صعباً يتسق مع مقاطع أخرى حرفية واضحة ومع التعاليم السائدة والواضحة في الكتاب المقدس، كما أوضحنا ذلك للتو.

ومن ناحية أخرى، يوجد أشخاص لا يؤمنون بالكتاب المقدس، والذين يتعاملون مع العبارات الحرفية باعتبارها مجازية. فالخلق، والأرواح النجسة، والقيامة، ومجيء المسيح الثاني، هي أمور غير مقبولة بالنسبة لأولئك الذين يعتنقون افتراضات عقلانية مسبقة. لذلك فإنهم ينظرون إلى هذه التعاليم باعتبارها مجازية أو خرافية، لكي يتجنبوا الاعتراف بما هو فوق طبيعي. وهكذا فإن افتراضات الشخص المسبقة بشأن الكتاب المقدس هي التي تثير الأسئلة بشأن ما إذا كان مقطع معين سيتم التعامل معه حرفياً أم مجازياً.

بوضع هذه الاستثناءات في الاعتبار، لا يزال يجب على المرء أن يتذكر أن القاعدة الأساسية هي أن نتعامل مع كل مقطع في الكتاب المقدس باعتباره حرفياً. فالأسباب الملزمة فقط هي التي تجعل الكلمات مجازية.

المبدأ الإرشادي الثاني.

إن وجهة نظر المؤلف والمتلقي الأصلي، وليس فهمنا الخاص، هو الذي يجب أن يتحكم في فهمنا لما هو من السليم أن يكون حرفياً أو مجازياً. فقد نعتقد أنه من المناسب أن نستخدم الحمل أو الأسد لتعريف شيء يختص بيسوع المسيح، ولكننا نرفض استخدام لفظ اللص أو الجثة لتصويره. لكن الأمر لا يعتمد علينا في أن نقيم مدى ملائمة تشبيهات معينة من غيرها.

ولكننا لا بد أن نقيم اللغة في ضوء ما كان يقصده المؤلف. فعندما يتم مقارنة الناس بالخراف أو الغنم مثلاً، فلن يفيدنا أن ندرس عن رعاة الغنم وسلوك الغنم في أيامنا الحالية لكي نحدد ما كان في ذهن المؤلف. فغنم الوقت الحالي قد تلقي بالضوء فقط على احتمالات للمعنى، ولكن الطريقة التي كان ينظر بها المؤلف ومعاصروه للغنم هي التي يجب أن تحدد وجه المقارنة.

فالحقيقة هي أن المؤلف قد يقوم بتغيير وجه المقارنة في المقطع الواحد نفسه. فالآية. “كلنا كغنم ضللنا” (إش 53: 6) تستخدم مقارنة مختلفة عن غيرها في نفس المقطع، “كنعجة صامتة أمام جازيها” (ع7). فمن الواضح أن المؤلف كان في ذهنه شيء مختلف في استخدامه لهاتين المقارنتين.

أخبرنا المسيح أننا ملح الأرض، لذلك فإننا غير أحرار في اختيار ما نفضل أن يكون عليه وجه المقارنة الذي كان يقصده. فلا بد لنا أن نجتهد لكي نميز وجه المقارنة الذي كان يقصده. سمعت ذات مرة عظة مدهشة ذكرت فيها عدة سمات مميزة للملح في هذا التشبيه، لحث المسيحيين نحو التصرف بطريقة كتابية أكثر. قال الواعظ أن الملح كان يستخدم لحفظ السمك الذي تم صيده في الجليل أثناء نقله إلى أورشليم لحفظه من الفساد، كما أن الملح يعطي طعماً ونكهة للمجتمع عديم الطعم.

وفي العهد القديم كانت هناك تقدمة الملح، والتي تشير إلى أن الله هو إله العهد، وأنه إله آمين. وبالتالي، فإن الشهادة بالحياة المعجزية والحياة المتغيرة، هي أعظم دليل على وجود الله. الأكثر من ذلك، فإن الملح لا يجب أن يكون معزولاً في قالب بل أن ينتشر في كل مكان، فيفقد فرديته وعزلته. وأخيراً فإن الملح تأثيره يفوق حجمه بكثير.

فهل من المشروع أن نقوم بكل أوجه المقارنة هذه، ونحن متأكدون أن يسوع كان في ذهنه كل هذه النقاط عندما قال، “أنتم ملح الأرض؟ كلا، وهذا لأن أول مهمة للمفسر هي أن يميز ما كان في ذهن المؤلف من وجه المقارنة، وليس ما يمليه علينا اختبارنا الشخصي في ثقافة أخرى أو تفكيرنا وابتكارنا الخاص. فالمبدأ الإرشادي هو هذا: إن قصد المؤلف يجب أن يتحكم في فهمنا لما يعنيه.

اللغة المجازية في الكتاب المقدس بحث موسع

التعرف على أنواع الاستعارات

من المهم قبل أن نقوم بتفسير تعبير مجازي أن نحدد نوع الاستعارة التي تم استخدامها. في كثير من الأحيان يكون هذا التحديد نفسه هو مفتاح تفسير المعنى، كما سنرى.

لقد حدد التحليل الأدبي عدداً كبيراً من الاستعارات المختلفة المميزة. في إحدى المطبوعات المخصصة للاستخدام بواسطة مترجمي الكتاب المقدس، تم تحديد ثمانية وعشرين نوعاً من الاستعارات، بما فيها عدد من الأنواع الغريبة غير المألوفة. لكننا بدلاً من أن نحاول تعريف كل أنواع الاستعارات في دراستنا هذه، فإننا سنركز على عدد قليل يستخدم كثيراً وله أهمية عظيمة في فهم الكتاب المقدس.

استعارات المقارنة. معظم الاستعارات الشائعة في التعبيرات المجازية في الكتاب المقدس هي استعارات مقارنة. وهي قد تتكوم إما من مقارنة بسيطة أو مركبة، كما في الأمثال أو التشبيهات. وقد تستخدم المقارنة في مناسبة واحدة، أو تستخدم كمقارنة دائمة، كما في استخدام الرمز. كما أن الرموز النبوية، التي تسمى نماذج، هي أساسية في فهم الكثير من أجزاء الكتاب المقدس. وسوف نقوم بذكر الأقسام التصنيفية الرئيسية للمقارنة كل على حدة، ولكن نوع اللغة المجازية الذي نشرحه في هذا القسم هو أساساً نوع المقارنة.

التشبيه. وهو استعارة مقارنة شائعة، حيث يتم فيها المقارنة بوضوح بين شيئين مختلفين عن بعضهما البعض. وكمثال على ذلك الآية “كلنا كغنم ضللنا” (إش 53: 6). ومن ناحية أخرى، ففي الاستعارة، قد تكون المقارنة متضمنة فقط، مثال على ذلك قول المرنم: “إننا…. غنم مرعاه” (مز 100: 3). ببساطة فإن التشبيهات والاستعارات هي تعبيرات تظهر أوجه الشبه بين شيئين أو فكرتين تكونان، في أغلب الأحيان، مختلفتين.

عند فحص تشبيهات المقارنة، علينا أن نتذكر أنه في المعتاد يكون هناك وجه شبه واحد فقط في المقارنة هو المقصود. فالمقارنة محدودة، ولا يُسمح للقارئ بأن يرتجل أو يقرر أي وجه للمقارنة يفضله أكثر أو يجده متفقاً مع هيكل عقيدته أو مع محتوى عظته. وكما أشرنا من قبل، في تشبيه الناس بالملح، فإن السؤال هو، ما الأمر الذي كان في ذهن يسوع وسامعيه، وليس ما يمكن لخيالنا الخصب أن يحدده من معان إضافية.

لذلك فإن لم نأخذ حذرنا، لن يصبح الكتاب المقدس بعد ذلك سلطة مستقلة، تحكم على أفكارنا، ولكن السلطة عندها ستصبح في يدنا نحن المفسرين، فنبني عقائد غير سليمة على فهم خاطئ للتعبير الاستعاري الكتابي.

هناك نوع آخر من تشبيهات المقارنة وهي التصوير التمثيلي – بأن نأخذ شيئاً ما لكي يمثل شيئاً آخر، ومثال على ذلك، الرموز. وغالباً ما يمثل الشيء المادي شيئاً آخر غير ملموس. فالنحاس في الكتاب المقدس يرمز إلى الدينونة. والرمز عبارة عن مقارنة ضمنية (استعارة)، لكنها ع خاص من الاستعارات. فهي تكون أكثر عمومية ورمزية.

وتشيع التعبيرات الرمزية في الكتاب المقدس، كما في اللغات الأخرى، لكن حيث أن الكتاب المقدس له أصل إلهي أيضاً، يوجد به قدر كبير من الرموز النبوية. والمصطلح الفني للرمز النبوي هو النموذج أو المثال. الرمز والنموذج هما أمران شديدا الأهمية لفهم الكتاب المقدس، لذلك فإننا سندرسهما بتوسع أكثر فيما بعد. لكن لكي نأخذ فكرة عامة عن الأنواع المختلفة لتشبيهات المقارنة، فإننا سنقوم بعرضها هنا كالآتي:

الرسم الموجود على الصفحة التالية يوضح العلاقة بين الأنواع المختلفة لتشبيهات المقارنة.

استعارة الربط. تختلف تشبيهات الربط عن تشبيهات المقارنة كالآتي: ففي تشبيهات المقارنة يتم المقارنة بين شيئين مختلفين، بينما في استعارة الربط، يتم استخدام اسم شيء أو فكرة ما لشيء أو لفكرة أخرى مرتبطة بها. ويطلق على هذا الترابط metonomy. لقد أعطانا المسيح مثالاً لهذا النوع من التشبيهات عندما قال: “ومن حلف بالسماء فقد حلف بعرش الله وبالجالس عليه”. (متى 23: 22).

كان على الفريسي ألا ينطق باسم الله باطلاً، فكان الفريسي يستخدم تشبيه الربط لكي يتجنب هذه الضرورة، لكن المسيح منع هذا الأمر، مشيراً إلى أن التعبير باستعارة الربط يعني نفس الشيء أو المفهوم الذي ترمز إليه.

اللغة المجازية في الكتاب المقدس بحث موسع

 

بالمثل، “وخرج إليه جميع كورة اليهودية وأهل أورشليم واعتمدوا جميعهم منه (من يوحنا)”. فإن هذه الآية لا تعني أن المدينة كلها تحركت حرفياً، بل أن الناس الذين كانوا يعيشون في المدينة، والذين ارتبطوا باسم “أورشليم”، خرجوا لكي يعتمدوا من يوحنا.

في بعض الأحيان يتم الحديث عن استعارة الربط، والتي فيها يتم الحديث عن جزء من شيء كما لو كان الشيء كله؛ أو يمكن أن يشير الشيء بأكمله إلى جزء فقط من شيء آخر. فكثيراً ما يشير “الناموس” إلى العهد القديم بأكمله. كيف يمكن ذلك؟ إن وصايا الناموس قد تم إعطاؤها بواسطة موسى، الذي كتب أول خمسة أسفار من العهد القديم (التوراة).

ولذلك فإن كلاً من موسى والناموس مرتبطان بالتوراة، وكثيراً ما يتم استبدالهما أو “اختزالهما” في هذا الجزء من الكتاب المقدس. والتوراة بدورها ترتبط في بعض الأحيان بالعهد القديم كله، كما ترتبط بالجزء الأول منه، لذلك فإن “الناموس” كاستعارة ربط أصبح يتم استخدامه إما للإشارة إلى التوراة أو إلى العهد القديم بأكمله. لذلك فإن السياق هو الذي يجب أن يحدد أي منهما هو المقصود.

الاستعارة التشخيصية. في كثير من الأحيان يستعير الكتاب المقدس صفة بشرية وينسبها إلى الله، أو يأخذ صفة بشرية وينسبها لشيء لكي يصنع تجسيداً للصفة. فعندما نقول إن الله “مد ذراعه” وأن “الأشجار تصفق بالأيادي” أو أن “الجبال تقفز”، يمكننا أن نطلق على مثل هذه التشبيهات استعارات تشخيصية.

من ناحية، هذا النوع من الربط يكون مقارنة ضمنية، ويمكن معاملته باعتباره استعارة مقارنة، كما وصفناها من قبل. ومع ذلك، توجد فائدة في فصل هذا النوع المحدد من الاستعارة عن غيره، عند تفسير مقاطع معينة من الكتاب المقدس. فعلى سبيل المثال، نجد في الأصحاحات الأولى من سفر الأمثال أنه يتم الحديث عن الحكمة كما لو كانت إنساناً. فهل هذا يجعل القسم بأكمله يتحدث عن المسيح، كما يعتقد البعض؟

وماذا كان قصد المؤلف من تشخيص الحكمة؟ فكر أيضاً في الطريقة التي يتحدث بها الكتاب المقدس عن الله مستخدماً صفات مادية بشرية. فسر سي إس لويس هذا الأمر توضيحياً كالآتي:

الله هو الحقيقة الأساسية أو الفعلية، وهو مصدر كل الحقائق الأخرى، لذلك فيجب ألا يتم التفكير فيه بأي حال من الأحوال باعتباره حقيقة عمومية بلا ملامح. فإنه لو كان الله موجوداً من الأساس، فسيكون هو الأكثر واقعية من أي شيء آخر، والأكثر تفرداً وشخصية، “منظم بمنتهى الدقة والوضوح”. فهو لا يمكن وصفه، لي لكونه غير محدد، لكن لأنه شديد التحديد بالنسبة لغموض اللغة الذي لا يمكن تجنبه. لذلك فإن الكلمات المادية وغير الشخصية مضللة، لأنها تفترض أنه يفتقر إلى نوع من الواقعية التي نمتلكها نحن. لذلك فمن الأسلم أن ندعوه “ما وراء المادي، أو ما وراء الشخصي”.

فالجسد والشخصية كما نعرفهما هما السلبيات الحقيقية – فهما ما يتبقى من الكيان الإيجابي عندما يتم تخفيفه بما يكفي لكي يظهر في هيئة مؤقته أو محددة. بل وحتى الجنس يجب أن ننظر إليه باعتباره تحول إلى مفتاح ثانوي لذلك الفرح الخلاق في الله، والذي لا يتوقف ولا يمكن مقاومته. إن الأشياء التي نقولها عن الله، نحوياً، هي “استعارية”: ولكن بمعنى أعمق، سنجد أن طاقاتنا المادية والنفسية هي التي تعتبر مجرد “استعارات” للحياة الحقيقية التي هي الله. لذلك يمكننا أن نقول إن البنوة الإلهية هي المجسم الخالص، الذي تعتبر بجانبه البنوة البشرية مجرد تمثيل بياني على مسطح.[2]

الحقيقة أن “كل، أو معظم اللغة المستخدمة في الكتاب المقدس للإشارة إلى الله هي استعارية (الاستثناء المحتمل الوحيد هو كلمة “قدوس”)”[3]. لذلك فلكي نفسر الاستعارات الخاصة بالله، من الضروري أن نميز وجه المقارنة المقصود بواسطة الكاتب، وليس أن نفرض وجه مقارنة نشعر أنه “فهماً جديداً”. فعندما “نفخ” الله في هيئة آدم التي بلا حياة مثلاً، ما الذي فعله حقاً؟ كم من المهم أن نميز ما هو المقصود بتلك الاستعارة التشخيصية، وبذلك النسب المحدد للصفات البشرية إلى الله! إن تقرير معنى هذا الأمر يؤثر على لاهوت الخلق بأكمله.

الاستعارة الوهمية. هناك الكثير من العبارات في الكتاب المقدس ستكون غير حقيقية لو فسرناها حرفياً. فعلى سبيل المثال، السخرية هي تعبير يقول فيه الكاتب عكس ما يعنيه في الحقيقة. كما أن المبالغة لأجل خلق انطباع معين هو أمر شائع في الكتاب المقدس (يشتق من الكلمة اليونانية hyperbole). فقد كان بولس يتحدث بسخرية أو تهكم عندما قال، “سامحوني بهذا الظلم” (2كور 12: 13). إذ يتضح من السياق أنه لم يكن يعتبر صنعه للخيام لكسب العيش شيئاً خاطئاً أخلاقياً، بل قد كان يقول عكس الحقيقة لكي يخجل أهل كورنثوس ويحثهم على التوبة. كل من بولس وأنبياء العهد القديم استخدموا أسلوب السخرية والتهكم. لذلك يجب التعرف على هذه الصور باعتبارها وهمية، وإلا سيتم فهم وبناء المعنى بصورة خاطئة.

عندما يشير الكاتب مثلاً إلى أنه “خرج إليه جميع كورة اليهودية وأهل أورشليم واعتمدوا جميعهم منه”، قد لا يكون الأمر ذا أهمية كبيرة أن نتأكد ما إذا كان كل فرد في أورشليم قد خرج بالفعل إلى البرية لكي يعتمد من يوحنا المعمدان. لكن، عندما يقول الكتاب المقدس، “أن كل من يؤمن بالمسيح سوف يخلص”، يكون من الأهمية العظمى أن نكتشف ما إذا كانت هذه العبارة حرفية أم مجازية.

أما أسلوب المبالغة فهو شائع في كل اللغات، لكنه بين الشعوب السامية، وبالتالي في الكتاب المقدس يكون شديد الانتشار. بل يبدو أنه يأتي غالباً من أسلوب تفكير أساسي. يقتبس جي بي كيرد من تي إل لورنس، الذي كان يعيش وسط العرب خلال الحرب العالمية الأولى، ما يلي:

لم يكن لدى الساميين “نصف درجة نغمة” في تسجيلهم للرؤية. بل كانوا أناساً ذوي ألوان أساسية، أو بالأحرى، يفكرون إما بالأبيض أو بالأسود، ويرون العالم محدداً بخطوط دائماً. كانوا شعباً عقائدياً، يحتقرون الشك، الذي هو تاج تفكيرنا الحديث. لم يفهموا صعوبات الميتافيزيقا الخاصة بنا، أو تساؤلاتنا الاستبطانية. بل كانون يعرفون فقط أن هناك الحق والكذب، الإيمان والكفر، بدون أن يكون لديهم حاشية الظلال الأدق للمعاني.[4]

وإننا إذ نقترب من الكتاب المقدس، لا بد أن نكون على حذر دائم من احتمالية وجود المبالغة، وألا نتعامل مع هذه الصور البلاغية باعتبارها عبارات حرفية تذكر حقائق.

الأسئلة التي تهدف إلى تأكيد حقيقة ما (أسئلة التقرير). يطلق على هذه الأسئلة البلاغية، التي تكون فيها الإجابات واضحة بالنسبة للسامعين. فكر مثلاً في الآيات التالية:

“إن كان الله معنا فمن علينا؟” (رو 8: 31)

ألعل الجميع رسل؟” (1كور 12: 29)

“وكيف يسمعون بلا كارز؟” (رو 10: 14)

إن الإجابات على تلك الأسئلة معروفة ولا شك فيها، ولكن المؤلف يصيغ هذه الحقائق في شك أسئلة لكي يزيد من وقعها على المتلقي. بل ولا بد أن يتم التعامل معها باعتبارها توكيدات أقوى للحقائق المقصود طرحها. فإن كان الله معنا، فلا يمكن لأي شخص أن يكون علينا. وبالتأكيد ليس جميع المؤمنين رسلاً، ولا الجميع أنبياء أو معلمين ولا الجميع يتكلمون بألسنة. ولا بد أن يكون هناك مبشر لكي يسمع الناس كلمة الله. هذه هي التوكيدات المتضمنة، والمقاطع نفسها يجب التعامل معها بهذه الطريقة.

التعبيرات الاصطلاحية. توجد العديد من التعبيرات التشبيهية والاصطلاحية الأخرى. فعلى سبيل المثال، يمكن للمؤلف أن يستخدم الحذف، بأن يحذف كلمة أو كلمات من الجملة كان يمكن أن تكملها (خر 32: 32)، أو الألغاز (قض 14: 14)، أو القصص الخرافية (قض 9: 8-15)، أو الكناية. لكننا لن نتعامل مع كل ذلك بتوسع لأن عددها ليس كثيراً، وعادة ما يكون كل من التعبير المجازي وتفسيرها واضح للغاية.

إلا أن واحداً من الأمثلة غير الواضحة تماماً، هو تعبير، “حسن للرجل ألا يمس امرأة” (1كور 7: 1). بحسب سياق المقطع والاستخدام الاصطلاحي في هذا الزمن، يجب أن يتم التعامل مع هذا التعبير باعتباره كناية عن العلاقات الجنسية، وفي ذلك المقطع، عن الزواج كان أن مصطلح مثل “يكشف…. عورتها” هو تعبير أخف لوصف العلاقات الجنسية غير الأخلاقية (لا 18: 8، 12).

لا يتم فهم مثل هذه المقاطع بسهولة بدون دراسة الكلمات أو استكشاف الخلفية الثقافية. لكن في معظم الأحيان، لا تكون هذه التشبيهات كثيرة العدد كما أنه يسهل فهمها. لذلك لا بد من التعرف على نوع التشبيه قبل البدء في محاولة التفسير. في كثير من الأحيان يكون المعنى شديد الوضوح، بمجرد تحديد نوع التشبيه. ومع ذلك فهناك بعض الإرشادات الخاصة التي تفيدنا في تفسير تشبيهات معينة.

تفسير التعبيرات المجازية

لا بد أن يتم التعرف على ما يقصد المؤلف أن يشير إليه في التعبير المجازي. وأول خطوة في التفسير هي نقل التعبير المجازي إلى معناه الحرفي. فمن هن “الثيران”، و”الأسود”، و”الكلاب” الذين كانوا يحيطون بداود (مز 22: 12-13، 16)؟ بمجرد أن نفهم العناصر المجازية، يجب أن نقوم باستخدام الأدوات التفسيرية بأكملها لنقل التعبير المجازي إلى معناه الحرفي، ولتفسير المقطع بأكمله. ففي كل مرحلة، يجب استخدام جميع الإرشادات؛ فالخلفية الثقافية، ودراسة الكلمات، ودراسة السياق هي أدوات لا يمكن الاستغناء عنها لفهم اللغة المجازية.

لكن دعونا نفكر في ثلاثة إرشادات خاصة لتفسير الأنواع المعينة من التعبيرات المجازية.

1 – تشبيهات المقارنة غالباً ما تتطلب إرشادات خاصة. أكثر مبدأ إرشادي مفيد هنا هو أن نتذكر أننا عندما نقوم بعقد مقارنة بين شيئين مختلفين، تكون أوجه المقارنة محدودة للغاية. والحقيقة هي أنه عادة ما يكون في ذهن المؤلف وجه واحد للمقارنة، كما رأينا.

لذلك يجب على المفسر أن يقاوم إغراء أن يقوم بإقحام أوجه للمقارنة من خياله الخاص. بل عليه أن يقوم من خلال دراسة الكلمات، ودراسة السياق والخلفيات الثقافية والتاريخية، بتمييز وجه المقارنة الذي قصده المؤلف. أما في المقارنات المركبة، كما في الأمثال، والنماذج، تصبح هناك إرشادات أخرى ضرورية، والتي سوف ندرسها فيما بعد بتفصيل أكثر.

2 – من المهم أن نميز بين تشبيه الربط وتشبيه المقارنة. فقد تحدث داود عن “وادي ظل الموت” (مز 23: 4). فهل هذا تشبيه مقارنة أم تشبيه ربط؟ يخبرنا بعض المفسرين أن تعبير “وادي ظل الموت” كان مصطلحاً يشير إلى الخطر. المقارنة هي مع وهدة عميقة يعبر من خلالها المسافر وهو يخشى فيها على حياته. ومن ناحية أخرى، يمكن أن يتم اعتباره تشبيه ربط، حيث يتم استخدام المكان الذي يرتبط بالموت للإشارة إلى العبور المخيف في الموت. هذا هو المعنى التي يعطى للآية في العديد من الجنازات.

فأي معنى منهما هو الذي كان يقصده داود؟ بفحص السياق نجد أن داود كان يقوم بعقد مقارنة ممتدة للعلاقة بين الراعي والخراف، وعلاقة الله بداود. فالمعنى الطبيعي إذاً هو تشابه آخر بين الخروف وبين داود. فيمكن لداود أن يجتاز أي تجربة مخيفة أو مجهولة بدون خوف لأن الرب معه. وبالطبع، يمكن أن يكون الموت نفسه هو واحد من هذه التجارب، ولكن المعنى سيكون أكثر اتساعاً لو تم اعتبار هذا التعبير أنه مقارنة.

لكننا نحتاج كذلك إلى تطبيق إرشادات أخرى. بفحص البنية النحوية للمقطع، يمكن للمرء أن يلاحظ أن داود يغير الحديث من ضمير الغائب غير الشخصي في الأعداد الأولى “في مراع خضر تربضني”، إلى الحديث بصورة شخصية بضمير المخاطب “لأنك أنت معي”، فهل هذا يعني ضمنياً التحول من تشبيه الخروف بداود إلى العلاقة الحرفية بين داود والرب؟ إن كان كذلك، فقد يكون من الأفضل اعتبار أن الوادي يشير إلى الموت، أي تشبيه ربط. فهل هذا التفسير يدعمه رمز قديم للموت، كما نرى ذلك في سفر قديم آخر من أسفار الكتاب المقدس (أي 10: 21-22)؟

لكن الجزء اللاحق من العدد ينفي مثل هذا التفسير بعودته إلى المقارنة بالخروف: “عصاك وعكازك هما يعزيانني” بمقارنة ذلك بكتابات داود الأخرى، وبفحص الخلفية الثقافية (كيف كان الناس يفكرون في الموت) تتدعم فكرة أن داود كان في ذهنه كل أنواع المخاطر، وليس الموت فقط. والأكثر من ذلك، أن الفكرة السارية في هذا المزمور بأكمله، تجعل الموت لا مكان لن في المقطع، حيث يتبعه مائدة ومسح للرأس بالزيت، وتعبير “كل أيام حياتي”، و”بيت الرب إلى مدى الأيام”.

بهذه الطريقة، نكون قد استخدمنا العديد من الإرشادات في نقل هذا التشبيه إلى معناه الحرفي. وهكذا يمكن أن يكون هذا تشبيه مقارنة، والذي فيه يواجه داود، مثل خرافه الخاصة، أكثر التجارب المرعبة في حياته بلا خوف، لأن الرب معه ليحميه منها.

3 – قم بفحص التشبيهات الوهمية. في بعض الأحيان تكون المبالغة هي تشبيه وهمي واضح. فعندما يقال أن المسيح لم يكون يكلم الناس إلا بأمثال (متى 13: 34)، فإن الكاتب كان يعني بوضوح أن الأمثال كانت هي وسيلته الرئيسية في التواصل مع الناس. ولكنه لم يكن يعني أن يسوع لم يكن يتحدث مطلقاً بطرق أخرى، لأنه حتى متى نفسه يسجل الكثير من تعاليم المسيح التي لم تكن بأمثال، مثل الموعظة على الجبل.

وعندما قال داود بشأن خطيته ضد بثشبع وأوريا، “إليك وحدك أخطأت” (مز 51: 4) كان من الواضح أنه يقصد التشيديد على أن خطيته العظمى في النهاية هي موجهة ضد الله.

لكن ليست جميع المبالغات ظاهرة وواضحة هكذا. فعندما يقول الكتاب المقدس “إلى الأبد”، فهل هذا يعني دائماً “بدون نهاية”؟ يقول الكتاب “المؤسس الأرض على قواعدها فلا تتزعزع إلى الدهر والأبد” (مز 104: 5). ومع ذلك، فمنذ مزمورين سابقين قال المرنم: “من قدم أسست الأرض والسماوات هي عمل يديك هي تبيد وأنت تبقى وكلها كثوب تبلى كرداء تغيرهن فتتغير” (مز 102: 25-26).

هذان المقطعان لا يعتبران متناقضان على الإطلاق، عندما يضع المفسر في الاعتبار أن كلمة “إلى الأبد” تعني في بعض الأحيان “بدون نهاية” ولكنها كثيراً ما تعني “لفترة زمنية طويلة”. وهكذا فإننا نستخدم أيضاً هذا التعبير مجازياً. كان الفصح والكهنوت اللاوي إلى الأبد (خر 12: 14؛ 1أخ 15: 2)، لكن عندما أصبح المسيح هو فصحنا (1كور 5: 7)، وهو كاهننا (في سفر العبرانيين)، فقد انتهت عندئذ كلمة “إلى الأبد”. وهكذا فإن “إلى الأبد” تعني عادة “بدون نهاية”، ولكن ليس في كل حالة.

يجب على المفسر أن يضع في الاعتبار دائماً أن الناس كانوا يعيشون في زمن الكتاب المقدس لم يكونوا ملتزمين بالاحتفاظ بمقياس معين في الأسلوب، بالطريقة الحديثة، وأن المبالغات لإحداث وقع وتأثير كانت أسلوباً أدبياً شائعاً. ولذلك فإن السياق وتعاليم الكتاب المقدس الأخرى هي مصادر تساعدنا في معرفة ما إذا كانت العبارة تفسر حرفياً أم تفهم كمبالغة.

ملخص

يمتلئ الكتاب المقدس بتعبيرات غير حرفية. واللغة المجازية شديدة الأهمية والقيمة للعديد من الأسباب، كما رأينا. لكن لكي نستطيع تطبيق الكتاب المقدس في حياتنا، يجب تحديد ما قصده المؤلف. وقد قمنا بدراسة الخطوات اللازمة لذلك: بتحديد ما إذا المقطع مجازياً، وتحديد نوع التشبيه، ثم استخدام الإرشادات العامة والخاصة بعد ذلك لتحديد المعنى الذي قصده المؤلف عندما اختار أن يتحدث “بلغة تصويرية”.

سنقوم فيما بعد بدراسة مبادئ تطبيق الحقائق الكتابية. ومع ذلك، فعند هذه النقطة دعونا نتذكر أن كلمة مجازي أو تشبيهي لا تعني “غير حقيقي” أو “أقل أهمية”. فاللغة المجازية تعلم أمور حقيقية ومهمة. وبعد أن يقوم المرء بتحديد المعاني الحقيقية للغة المجازية، يجب أن يقوم بتطبيقها بثقة.

مراجع مختارة لمزيد من الدراسة

– بولينجر، إثيلبيرت ويليام. Figures of Speech Used in the Bible: Ecplainned and Illustrated معاد طباعتهGrand Rapids: Baker, 1968.

– لامسا، جورج إم. Idioms in the Bible Explained. New York: Harper & Row 1985.

– تيري، ميلتون، Biblical Hermeneutics. معاد طباعته. Grand Rapids: Zondervan 1974.

[1] سي إس لويس، (New York: Macmillan, 1947) Miracles، الصفحتان 88 – 89.

[2] نفس المرجع السابق. الصفحتان 110-111.

[3] جي بي كيرد، The Language and Imagery of the Bible (Philadelphia: Westminister, 1980)، صفحة 18.

[4] نفس المرجع السابق. صفحة 110.

اللغة المجازية في الكتاب المقدس بحث موسع

الرمز والحقيقة فى العبادة الأرثوذكسية – دكتور جورج عوض إبراهيم

الرمز والحقيقة في العبادة الأرثوذكسية – دكتور جورج عوض إبراهيم

الرمز والحقيقة فى العبادة الأرثوذكسية – دكتور جورج عوض إبراهيم

الرمز والحقيقة في العبادة الأرثوذكسية – دكتور جورج عوض إبراهيم

مقدمة:

يتميّز الإنسان وحده بقدرته على العمل في الحياة مستخدمًا الرموز، بينما يتعذر ذلك بالنسبة للحيوان. فالإنسان وحده هو الذي يتواصل مع غيره من الناس عن طريق اللغة، وهو وحده الذي يصوغ القوانين ويراعى قواعد السلوك العامة، ويمارس طقوسًا معينة، في حالة الولادة والزواج والموت، مملوءة بالرموز والدلالات والمعاني. فالرمز هو أحد السمات الأساسية للجنس البشرى. فالسلوك الإنساني هو سلوك رمزي في جوهره، كما أن السلوك الرمزي هو بالضرورة سلوك إنساني [1].

ليس غريبًا ـ في هذا الإطار ـ أن تكون العبادة الكنسية مملوءة بالرموز، ولا توجد صلاة تعبدية أو عمل ليتورجي يتحقق في الكنيسة بدون استخدام رموز معينة.

لكن ما هو مفهوم الرمزية Symbolism؟ وما هو المغزى التعليمي من استخدامه؟

المفهوم العام للرمزية Symbolism:

الرمز Symbol في معناه العام هو أي شيء يحيل إلى شيء آخر، أو يقوم مقامه أو يدل عليه. فهو من ناحية ما يرتبط بالموضوع الذي نود الكشف عن فكرته، ومن ناحية أخرى هو مصطلح يُطلق على موضوع مرئي يمثل تشابهًا مع ما هو غير مرئي. وقد تؤدى كلمة علامة sign أو إشارة signal أو معنى meaning نفس دلالة الرموز. وتعتبر اللغة أو الكلام رموزًا لأنها وسيلة لتسهيل واختصار التعامل ونقل المعاني [2].

الرمزية إذن هي شيئًا ما يقف بديلاً عن شيء آخر أو يحل محله أو يمثله بحيث تكون العلاقة بين الاثنين هي علامة الملموس بالمجرد، وذلك على اعتبار أن الرمز هو شيء له وجود محسوس ولكنه يرمز إلى فكرة أو معنى مجرد. فالميزان مثلاً يرمز إلى العدالة، والحمامة ترمز إلى السلام، والصليب يرمز إلى المسيحية. بينما الصليب المعقوف يشير إلى النازية. وقد تستخدم بعض الأفعال والحركات والإشارات كرموز.. وهذا ما نراه في العبادة؛ فرفع الذراعين إلى أعلى في الصلاة يشير إلى التماس المعونة من الله والتضرع إليه، أيضًا السجود وانحناء الرأس، كلها لها دلالات تعبّر عن التقوى والخشوع في حضرة الله.

هكذا فإن الرمز هو كل ما يحل محل شيء آخر في الدلالة عليه، لا بطريق المطابقة التامة وإنما بوجود علامة عرضية أو متعارف عليها من الجماعة البشرية التي تستخدم هذا الرمز، هكذا الرمز لا يتطابق تمامًا مع الحقيقة المُعلنة من خلاله، وفى نفس الوقت هناك تشابه بين الرمز والحقيقة، فالرمز ليس غريبًا تمامًا عن الحقيقة التي يُعلنها.

تكمن الخطورة في استخدام الرموز في العبادة إذا أخضعنا هذه الرموز للمفاهيم السحرية. فالرمز ليس أداءً حركيًا آليًا أو مجرد قول ننال بمقتضاه بركة بعيدًا عن الفهم والإدراك والتمييز من جانبنا نحن.

لقد عانت الكنيسة الغربية في العصور الوسطى من وجود هذه الأفكار السحرية بكثرة في الحياة التعبدية، مما أسهم في ظهور معارضين كثيرين للكنيسة وانشقوا عنها، نقصد البروتستانت. هذا الأمر هو الذي جعل الكنيسة الكاثوليكية في المجمع الفاتيكاني الثاني تُبسط الليتورجيا وتُلغى الملابس الكهنوتية المُبالغ في زخرفتها وأثمانها وتلجأ إلى الملابس البيضاء البسيطة مثل التي نستخدمها نحن في العبادة في كنيستنا القبطية، وأيضًا إلغاء أمور كثيرة كانت تحدث في أثناء العبادة وتسبّب تشويشًا وعائقًا للإيمان البسيط والعميق.

فالصلوات الطويلة والمُبالغ في أدائها والملابس المُزينة بأحجار ثمينة، والرموز الكثيرة جدًا والمتنوعة كانت في نظر المعارضين للكنيسة الغربية وقتذاك غير متوافقة مع السمة الروحية للعبادة المسيحية، وبساطة حياة المسيح الأرضية وكذلك فضيلة التواضع وبقية سمات الحياة المسيحية[3].

تأخذ مسألة الرمزية ـ في هذا الإطار ـ أبعادًا هامة في الكنيسة، خاصةً أنه توجد هوة كبيرة بين الفهم المستنير لما يؤدى في أثناء العبادة وبين الفهم السطحي الذي قد يتبناه البعض من بسطاء الشعب. إذن من الضروري أن نواجه موضوع الرمزية المستخدمة بكثرة ـ كما قلنا ـ في عبادتنا. ونبحث في ما هو المفهوم المسيحي للرمزية؟

المفهوم المسيحي للرمزية:

لقد رأينا أن الرمزية ليست مجرد ابتداع مسيحي كنسى، بل هي مغروسة في الطبيعة البشرية، وتظهر في حياتنا اليومية. وبحسب تعليم كنيستنا الأرثوذكسية، فإن سبب الالتجاء لاستخدام الرمز يتمثل في نزوع الكائن البشرى نحو عبور المسافة بين المحدود واللانهائي، وبلغة آباء الكنيسة بين المخلوق وغير المخلوق. هذا العبور لا يمكن أن يتحقق إلاّ باستخدام الوسائل المُتاحة للمخلوق (الإنسان)، والتي هي وسائل مادية وقابلة للفساد.

حتى لو تجنب الإنسان استخدام المادة في هذا العبور، ولجأ إلى الكلمة البشرية فهي أيضًا غير كافية حتى أن آباء الكنيسة عبّروا عن ذلك بما يُسمى “اللاهوت السلبي”، أي التعبير عن الله (غير المخلوق) بأسلوب النفى أو الأسلوب السلبى. وهذا ما نراه في القداس الغريغورى: [مستحق وعادل.. أيها الواحد وحده الحقيقي محب البشر، الذي لا يُنطق به، غير المرئي، غير المُحوى، غير المبتدئ، الأبدى، غير الزمنى، الذي لا يُحد، غير المفحوص، غير المستحيل، خالق الكل].

وكما قلنا فإن الرمز لا يتطابق تمامًا مع الحقيقة المُعلنة من خلاله، وفى نفس الوقت هناك تشابه ما بين الرمز والحقيقة. وهناك تمييز بين الرمز Σύμβολο والعلامة Σημείου. فالعلامة تشير إلى حقيقة ما دون أن يكون بالضرورة هناك تشابهًا بينهما، بينما الرمز يتشابه إلى حد ما مع الحقيقة، أو هناك عناصر مشتركة فيما بينهما.

ومن هنا تأتى الخطورة المتمثلة في سوء شرح مفهوم الرمز، فمرات كثيرة نشرح الرمز لنصل إلى مفهوم وحقيقة بعيدة جدًا عن الرمز. وقد يكون هذا المفهوم مضاد لما أراد الرمز أن يعلنه. وهذا الخطأ يقودنا إلى العشوائية في تفسير الرموز الليتورجية أو يقودنا إلى إهمال نماذج أو أمثلة في الليتورجية تعبّر عن حقائق لاهوتية عميقة للحياة الكنسية.

لكن لو التزمنا بتعريف الرمز بأنه وسيلة لعبور المسافة بين المخلوق (الإنسان) وغير المخلوق (الله) وذلك باستخدام وسائل معروفة وممكنة للمخلوق، عندئذٍ نستطيع أن نعرف المعنى المسيحي الصحيح للرمز في عبور الهوة بين المخلوق وغير المخلوق في شخص المسيح. وهذا سيقودنا إلى معرفة الاختلاف بين الرمزية المسيحية والرمزية في أي مذهب آخر.

الاختلاف بين الرمزية المسيحية والرمزية في الديانات الوثنية:

إن الاختلاف الأساسي بين الإيمان المسيحي الكتابي والإيمان في الديانات الوثنية بخصوص عبور الهوة بين المخلوق وغير المخلوق، هو أن الديانات الوثنية تعبر هذه الهوة بمعونة الطبيعة، بينما في الإيمان المسيحي، الطبيعة لا تملك في ذاتها أي إمكانية أو خاصية لعبور الهوة. فالمسيحي يعبر هذه الهوة بكامل حريته. بينما في الديانات الوثنية، فإن الرمز الذي يصنع جسرًا بين المخلوق والخالق هو الذي يُخضِع الحرية الشخصية للعبودية للطبيعة مثل السحر أو حركة النجوم… إلخ. عبور المخلوق إلى غير المخلوق في الإيمان المسيحي يعتمد على الحرية الشخصية. هكذا لا يوجد في العهد القديم ولا في العهد الجديد رمزية مرتبطة بالطبيعة.

ويعلن هذه الحقيقة بولس الرسول في رسالته إلى أهل غلاطية قائلاً: ” لكن حينئذٍ إِذْ كنتم لا تعرِفونَ اللهَ استعبدتم للذِين ليسوا بالطبيعة آلِهَةً. وأمَّا الآنَ إِذْ عَرَفتمُ اللهَ، بَلْ بِالْحَرِي عُرِفْتُمْ مِنَ اللهِ، فَكَيْفَ تَرجِعونَ أَيضًا إلى الأَرْكَانِ الضعيفَة الفقيرة التي تُرِيدُونَ أَنْ تُستَعبَدُوا لَهَا مِنْ جَدِيدٍ؟ أَتَحفَظُونَ أَيامًا وشهورًا وَأَوقَاتًا وسنين” (غلا8:4ـ10).

إن الرمزية المسيحية مُؤسسة على الكلمة المتأنس، ابن الله الذي تأنس واتحد بالمخلوق ـ بدافع من محبته ـ وعبر هذه الهوة بين المخلوق وغير المخلوق. وبدون التجسد سيظل أي رمز عاجزًا عن عبور الهوة بين المخلوق والخالق (انظر أى32:9). والقديس كيرلس الإسكندري يصف عبور هذه الهوة بالمسيح قائلاً: [إن الإنجيلي (يوحنا) يصف الابن الوحيد بكل الصفات الخاصة بالله ولاسيما أنه حاضر بدون انقطاع في العالم لأنه بالطبيعة هو الحياة وهو نور بجوهره ويملأ الخليقة كإله غير محصور في مكان، ولا يُقاس بمقاييس، ولا يُدرك بالكم، ولا يحيط به شيء. ولا يتحرك من مكانٍ إلى آخر، ولكنه يسكن في الكل ولا يفارق أحدًا، ومع كل هذا يُقال إنه أتى إلى العالم رغم حضوره الدائم فيه.

وهذا المجيء إلى العالم هو التجسد، لأنه أعلن نفسه للذين على الأرض وتحدّث مع البشر (باروخ37:3) عندما تجسد، وجعل حضوره في العالم ظاهرًا للكل. والذي كان في الماضي معروفًا لفكر الإنسان صار مرئيًا بعيون الجسد أيضًا ولاسيما عندما صار ظاهرًا بالعجائب والقوات. ويترجى المرنم مجيء النور والحق لكي ينير الكلمة العالم عندما يأتي متجسدًا][4].

هكذا عبر الإنسان الهوة، إذ أعلن غير المخلوق عن نفسه بالتجسد، وتحدث مع البشر. ويوضح القديس كيرلس هذه الحقيقة بقوله: [فالابن ينير الخليقة كخالق لأنه النور الحقيقي، وعندما تشترك الخليقة في نور الابن تُشرق بنوره وتصبح في هذه الحالة نورًا، لأنه بتعطف الابن ترتفع إلى فوق، لأنه مَجَّد الخليقة وكلّلها بأكاليل متنوعة من الكرامة، لكى يأتي إليه كل من نال كرامة ويرفع صلوات الشكر بصوتٍ عالٍ: ” باركي يا نفسى الرب ولا تنسى كل حساناته” (مز2:103)][5].

هكذا بتأنس ابن الله وعبور الهوة أصبح ممكنًا تحقيق الهدف من الرمز، لكن تحت مبادئ لا تُخترق:

أ ـ أي رمزية لا يمكن أن تتأسس فقط على التشابه الشكلي بين ملامح الوسيلة الرمزية المخلوقة والملامح الإلهية غير المخلوقة. فالعالم المادى والعالم المعنوى والعقلى أيضًا لا يمكن لهم أن يصوِّروا الله غير المنظور. عبور الهوة تم في المسيح فقط، إذ هو ذاته الوسيلة التي تم بها هذا العبور.

ب ـ وطالما أن أي رمزية لا تكون مُؤسسة فقط على الخواص الطبيعية للوسيلة الرمزية لكن على الحرية الشخصية، فكل الرموز في الكنيسة تُؤسس على الحوادث التاريخية لتدبير الله الخلاصى لأنها نابعة من محبة الله وخضوع الابن وفعل الروح القدس.

ج ـ وحيث إن كل الحوادث التاريخية لتدبير الله الخلاصي يكتمل فهمها ليس بالرجوع إلى الماضي بل في بُعدها الأخروي، إذن فكل رمز يشير إلى حدث أخروي، أي إلى ملكوت الله في ملئه. هكذا كل رمز يشير إلى حقيقة أُخروية، وهذه الحقيقة ليست موجودة في طبيعة المواد المُستخدمة أو الوسائل التي يستخدمها الرمز، وهي ليست فقط موجودة في الحوادث التي حدثت في الماضي بل المهم هو مدى دلالة الرمز تجاه الحقيقة الأخروية.

نستطيع أن نطبق هذه المبادئ في العبادة الأرثوذكسية:

الرمزية في العبادة الأرثوذكسية:

لقد بدأت العبادة الكنسية بقيامة الرب. لأن قبل قيامة المسيح لم تكن العبادة المسيحية ” في الروح والحق” (يو23:4)، ” لأن الروح القدس لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد” (يو39:7). الكلام هنا عن الروح القدس الذي أعطاه المسيح بعد قيامته إلى تلاميذه (يو22:20)، وبواسطة هؤلاء التلاميذ أُعطى الروح لكل الكنيسة. وهذا ما جعل العبادة المسيحية عبادة روحية تتطّلع وتدخل إلى “الأيام الأخيرة”، لذا قال القديس بطرس في عظته يوم الخمسين: ” يقول الله ويكون في الأيام الأخيرة أنى أسكب من روحي على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويرى شبابكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلامًا. وعلى عبيدي أيضًا وإمائي أسكب من روحي في تلك الأيام فيتنبأون” (أع17:2ـ18، يؤ28:2).

هكذا بالقيامة تحقق بالتمام عبور الهوة التي كانت تفصل بين الخالق والمخلوق. فالسجود للمسيح القائم والعبادة التي قُدمت له، إذ هو الرب الجالس في يمين الآب، هما بمثابة محور العبادة المسيحية. وكذلك إتمام العشاء السري (لو30:24) من جانب التلاميذ، أي الإفخارستيا التي هي حدثٌ أخروي بعد قيامة الرب هي أيضًا محور عبادتنا، لأن القيامة هي حدثٌ أخروي وليست مجرد حدث تاريخي. فالقيامة هي انتصار على “العدو الأخير” أي الموت وإشراق “اليوم الأبدي”. لكن ماذا يعنى كل هذا للرمزية؟

يعنى أن رمزية العبادة المسيحية لا تتحرك بعد القيامة بين العالم الطبيعي والعالم العقلي أو بين حوادث العهد القديم، لكن بالحري بين القيامة والمجيء الثاني. بشكل عام لدينا مستويان من الرموز. المستوى الأول: يربط رمزية العبادة بالحوادث التاريخية في الماضي. أما المستوى الثاني: فيربط العبادة بحوادث سوف تحدث أي أخروية.

إن كل الرمزية الموجودة في العبادة الكنسية لها هذان المستويان. الأول يرتبط بحوادث الماضي التاريخية ويمكن أن ندعوها نماذجية Τυπολογικός وهذا نراه بكثرة في العظات السرائرية للقديس كيرلس الأورشليمي وأيضًا في كتاب جان دانيلو المعروف: “الإنجيل والليتورجيا”[6]. وعبادة الكنيسة كانت منذ البداية مملوءة من الملامح النماذجية: فالمعمودية لها نماذجها في العهد القديم: الختان، عبور البحر الأحمر، الطوفان.. إلخ. نفس الأمر يسرى على بقية الأسرار الأخرى. وأى رمزية في العبادة لا تتجه ناحية طبيعة الوسيلة الرمزية وخصائصها.

على سبيل المثال: الماء في المعمودية لا ينحصر دلالته على الخصائص الطبيعية للماء الذي ينقى الجسد فقط، بل على الحدث التاريخي الذي تم في الماء من خلال عبور البحر الأحمر مثلاً أو الطوفان. فقوة الرمز لا تنبع من أي خاصية طبيعية للوسيلة المستخدمة. والجدير بالذكر أن دلالة الخصائص الطبيعية موجودة ولكن ليست هي منبع القوة، فمثلاً ارتباط الغرب بالظلام أثناء التفات المُعمّد ناحية الغرب وجحد الشيطان، وإلى الشرق أثناء إقرار الإيمان والانضمام للمسيح، يدل على أن الخصائص الطبيعية لها دور ألاّ وهو التشابه بين الرمز والمرموز إليه والذي قلنا عنه أنه لابد أن يكون موجودًا.

فالغرب حيث غروب الشمس وحلول الظلام يشير إلى المكان المُظلم الذي هو مسكن الشيطان، أما الشرق المضيء بشروق الشمس فهى مكان شمس البر مسكن المسيح. وهذا لا يعنى أن الله ليس موجودًا في كل مكان، حاشا، بل إن الله موجود في كل مكان، فهو “الحاضر في كل مكان والمالئ الكل”. وفى يوم الجمعة العظيمة نصلى كيرياليسون في الاتجاهات الأربعة. إذن رمزية الغرب والشرق لها دور محدد يخدم المعنى والدلالة المُشار إليها.

أما المستوى الثاني فيختص بالرمزية التي تتحرك بين القيامة والمستقبل في شكله الأخروي. هذه الرمزية يمكننا أن نسميها التصويرية Εικονολογικός، فإن كان الآباء قد استخدموا المثال والنموذج “Τύπος” بكثرة لتفسير حوادث العهد القديم، فإن مصطلح الأيقونة “Εικών” قد استخدمه الآباء للعهد الجديد. ومن الجدير بالملاحظة أن آباء مدرسة الإسكندرية: إكليمندس وأوريجانوس قد فسروا حوادث العهد القديم على أنها أيقونة للحقيقة التي تمت في العهد الجديد، وهذا ما نجده عند يوسابيوس القيصري أيضًا[7].

ويستخدم ديونيسيوس الأريوباغى مصطلح أيقونة أو صورة ليبرهن على أن العبادة الأرضية هي صورة وأيقونة للعبادة السماوية[8]. ولعل الصلاة التي نصليها في الأجبية تعبّر بوضوح عن هذه الحقيقة: ” إذا ما وقفنا في هيكلك المقدس نُحسب كالقيام في السماء..”.

إذن، الفرق بين الأيقونة والمِثال والظل، هو أن الأيقونة تستند على نعمة العهد الجديد وعلى الكلمة المتجسد الذي تجسد بالفعل وتمّم خلاصنا، وليس على انتظار تجسد الكلمة. وفى هذا الإطار دافع يوحنا الدمشقي عن الأيقونة بأن التأنس أعطى إمكانية أن يكون لدينا صورة أو أيقونة لأنه بالتجسد صار ابن الله حقيقة تاريخية [9].

الأيقونة هي بمثابة حضور شخصي لصاحبها، وأيقونات القديسين تمثل سحابة الشهود المحيطة بنا. ومن هنا نستطيع أن نفهم ما تقوم به الكنيسة من تدشين الأيقونات ومسحها بالمسحة المقدسة. ومن يرفض الأيقونة كحضور شخصي لا يستطيع أن يتمتع بالعبادة بحسب كنيستنا الأرثوذكسية. إذن لا نستطيع أن نختزل الأيقونة باعتبارها فقط مجرد صورة تعبيرية يتواصل معها البسطاء، وإلاّ ما الداعي لتمسك الكنيسة بالأيقونات وتكريمها وتدشينها. ولا نستطيع أن نحصر قوة الأيقونة في المواد المصنوعة منها أو الرسم والألوان ولكن قوتها هي في الحضور الشخصي لصاحب الأيقونة.

الرمزية التصويرية:

كما سبق أن قُلنا إن الأيقونة هي بمثابة حضور شخصي وهي في حد ذاتها كمواد طبيعية لا تحتوي في داخلها على أي قوة. إذن حقيقة الرمزية هي في الحضور الشخصي والحدث التاريخي. وقول يوحنا الدمشقي المعروف: ” نحن لا نعبد المادة بل نسجد لخالق المادة”، هو قول ينسحب على إكرامنا لرفات القديسين، وتكريمنا للأواني المقدسة، والملابس الكهنوتية، والمذابح، …إلخ.

فالفعل الإلهي الذي ننال منه البركة لا يسكن في طبيعة الأشياء، إذ أنه فعل إلهي مقدس يتطلب قبولاً شخصيًا. فالبركة التي أنالها عندما ألمس أيقونة القديس وأصلى أمامها تنبع من الحضور الشخصي للقديس، وقبولي وتجاوبي مع الحضور، وليس مجرد اللمس والاتصال الطبيعي بالأيقونة.

وعندما نتحدث عن الإفخارستيا أو القداس الإلهي نرى أيقونة السماء على الأرض، أو بالحري نرى تجلّى الكنيسة الأرضية وتحوّلها إلى سماء. إنها أيقونة السماء كما ذكرنا عندما نصلى قائلين: ” إذا ما وقفنا في هيكلك المقدس نحسب كالقيام في السماء…”. هكذا نرى ليتورجية سماوية، فالهيكل هو ملكوت الله ويسوع الملك مُحاط بالقديسين. والأسقف صورة للمسيح الجالس على العرش. والكهنة هم صورة الرسل الذين يحيطون بالمسيح. والشمامسة هم صورة الملائكة الذين هم أرواح خادمة مرسلة للخدمة (انظر عب14:1)، يتحركون بين الشعب والإكليروس.

الشعب المجتمع الذي يحمل التقدمات (خبز، خمر، زيت،… إلخ) هم صورة لشعب الله. ومجيء الأسقف إلى الكنيسة هو حدث ليتورجي عظيم له طقس في كنيستنا لأنه يصور مجيء المسيح إلى العالم في حضوره الأول وكذلك في حضوره الثاني، واستقباله من جانب الإكليروس والشعب هو قبول للمسيح.

هكذا فإن الرمزية موجودة في عبادتنا، ولكن الرمزية ليست هدفًا في ذاتها، هي فقط تشير إلى الحقيقة. والرمزية المسيحية هي مُؤسسة على التجسد الإلهي. وقوة الرمز لا تكمن في الرمز نفسه كمادة بل في إشارته إلى الحدث الخلاصي الذي تمّمه المسيح، وبذلك يتحقق عبور الهوة بين غير المخلوق والمخلوق في شخص المسيح.

كذلك رأينا كيف أن “المثال” يشير إلى حوادث خلاصية سوف يتممها المسيح، ويتناسب مصطلح “المثال” مع حوادث العهد القديم، فعلى سبيل المثال “ماء الخلق الأول” يشير إلى المعمودية، وكذلك عبور البحر الأحمر يشير أيضًا إلى المعمودية، وأمثلة كثيرة في العهد القديم نجدها تشير إلى بقية الأسرار مثل المن الذي يشير إلى الإفخارستيا. أما “الصورة” فهي تحقيق لما تم بالفعل في المسيح: ” إذا ما وقفنا في هيكلك المقدس نُحسب كالقيام في السماء..”. لذا نرى أن القداس الإلهي هو صورة لتجلى الأرض لتصير سماءً. هذه هي الرمزية الموجودة في عبادتنا الأرثوذكسية والتي تستمد قوتها من شخص المسيح.

[1] أ. د. عادل كمال خضر، مفهوم الرمزية في التحليل النفسي، مجلة علم النفس، الهيئة المصرية العامة للكتاب، العدد التاسع والخمسون، يوليو ـ أغسطس ـ سبتمبر 2001، ص 17.

[2] المرجع السابق، ص18.

[3] انظر المطران يوحنا زيزيولاس، الرمزية والحقيقة في العبادة الأرثوذكسية، مجلسة سيناكس، المجلد 71 يوليو ـ سبتمبر 1971، ص6ـ21 (باللغة اليونانية)، وهو مرجع أساسي في هذا البحث.

[4] القديس كيرلس الإسكندري، شرح إنجيل يوحنا، الجزء الأول، مركز دراسات الآباء 1989، ص106.

[5] القديس كيرلس الأسكندرى، المرجع السابق، ص104.

[6] ترجمة القمص ميخائيل ميخائيل مليكه، القاهرة 1996.

[7] انظر إكليمندس الإسكندري، المتفرقات22:4؛ أوريجينوس، في تفسير ليوحنا16:10؛ يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة I,3,4.

[8] ديونيسيوس الأريوباغي، عن الهيكل السماوى3:1، وعن الأسماء الإلهية4:4.

[9] Λόγ. πρός τούς διαβ. τάς αγ. Εικόνος. Α’, 8-16.

الرمز والحقيقة في العبادة الأرثوذكسية – دكتور جورج عوض إبراهيم

Exit mobile version