علماء مسلمون قالوا بصلب المسيح وأسباب قولهم بذلك – القمص عبد المسيح بسيط

علماء مسلمون قالوا بصلب المسيح وأسباب قولهم بذلك – القمص عبد المسيح بسيط

علماء مسلمون قالوا بصلب المسيح وأسباب قولهم بذلك – القمص عبد المسيح بسيط

العلماء المسلمون الذين قالوا بصلب المسيح وأسباب قولهم بذلك

1 – عدم وضوح معنى الآية:

  كما سبق أن بينّا من عدم وضوح معنى قوله ” وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ” فقد وُجد هناك أربعة أراء لأربع مجموعات من العلماء المسلمين:

1 – الرأي الأول والذي يقول بإلقاء شبه المسيح على آخر، ولكن كيف ومتى ومن هو الشبيه فهذا غير معلوم، وهذا ما يتلخص في قول الإمام محمد أبو زهرة ( أن القرآن الكريم لم يبين لنا ماذا كان من عيسى بين صلب الشبيه ووفاة عيسى أو رفعه على الخلاف في ذلك، ولا إلى أين ذهب، وليس عندنا مصدر صحيح يعتمد عليه )، وهذا هو الرأي التقليدي ورأي الأغلبية.

  ومن ضمن أصحاب هذا الرأي الذين نقلوا روايات عن جهلاء أهل الكتاب العرب، كما يقول أبن خلدون، أو الذين راحوا يؤلفون روايات من وحي خيالهم هم !!

2 – الرأي الثاني والذي يرى أن المسيح صلب فعلا وإنما قول القرآن جاء من باب مجادلة اليهود والمقصود بها التنقيص من شأنهم، كقول د. عبد المجيد الشرفي ” هذا فليس من المستبعد أن يكون إنكار قتل اليهود عيسى وصلبه من باب المجادلة المقصود بها التنقيص من شأن المجادلين “.

3 – الرأي الثالث والذي يقول بصلب المسيح فعلا ولكن بعدم موته على الصليب، ومن هؤلاء الأستاذ الجوهري فضلا عما يناور ويقول به السيد أحمد ديدات !!

4 – الرأي الرابع والذي يقول بصلب المسيح كما جاء في الأناجيل، سواء عن طريق النقل من الإنجيل بأوجهه الأربعة دون تعليق، مثل المؤرخ الإسلامي اليعقوبي، والأستاذ خالد محمد خالد. وغيرهم. هذا فضلا عن البيضاوي الذي نقل قول النسطورية  ” وقيل صلب الناسوت ولم يصلب اللاهوت “.

  ولو كان نص الآية واضحاً تماما لما أختلف المسلمون عبر التاريخ في جزئية واحدة حول معنى الآية، ولكن اختلاف المفسرين، بهذه الصورة دليل على عدم وضوحها، وخاصة أنها الآية القرآنية الوحيدة التي تكلمت عن هذا الموضوع، باستثناء آيات الموت الوفاة، وهذا موضوع آخر.

2 – العلماء والمؤرخون المسلمون الذين قالوا بصلب المسيح:

  ظهر بعض الكتاب والعلماء والمؤرخين المسلمين الذين حاولوا التوفيق بين حقيقة وتاريخية صلب المسيح وتفسيرهم لقوله ” وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ” (النساء:157). ولذا فقد قالوا بصلب المسيح، وفيما يلي أهم من قالوا بذلك:  

(1) وقال الشيخ احمد بن أبي يعقوب، اليعقوبي، الذي يُعد من أقدم مؤرخي الإسلام والذي قال ” ولما طلب اليهود من بيلاطس أن يصلب المسيح. قال لهم خذوه أنتم واصلبوه أما أنا فلا أجد عليه علة. قالوا قد وجب عليه القتل من أجل أنه قال أنه ابن الله. ثم أخرجه وقال لهم خذوه أنتم واصلبوه فأخذوا المسيح وحملوه الخشبة التي صلب عليها “(1).

(2) وقال أخوان الصفا من القرن الخامس الهجري (457 – 459): ” فلما أراد الله تعالى أن يتوفاه (أي المسيح) ويرفعه إليه اجتمع معه حواريوه في بيت المقدس في غرفة واحدة، وقال أني ذاهب إلي أبي وأبيكم وأوصيكم بوصية 00 وأخذ عهدا وميثاقا فمن قبل وصيتي وأوفى بعهدي كان معي غدا 000 فقالوا له ما تصديق ما تأمرنا به. قال أنا أول من يفعل ذلك. وخرج في الغد وظهر للناس وجعل يدعوهم ويعظهم حتى اُخذ وحُمل إلى ملك إسرائيل فأمر بصلبه. فصلب ناسوته (جسده) وسمرت يداه على خشبتي الصليب وبقي مصلوبا من صحوة النهار إلى العصر. وطلب الماء فسقي الخل وطعن بالحربة ثم دفن في مكان الخشبة ووكل بالقبر أربعون نفرا. وهذا كله بحضرة أصحابه وحوارييه فلما رأوا ذلك منه أيقنوا وعلموا أنه لم يأمرهم بشيء يخالفهم فيه. ثم اجتمعوا بعد ذلك بثلاثة أيام في الموضع الذي وعدهم أن يتراءى لهم فيه. فرأوا تلك العلامة التي كانت بينه وبينهم وفشا الخبر في بني إسرائيل أن المسيح لم يقتل. فنبش القبر فلم يوجد فيه الناسوت “(2).

(3) ويقول د. عبد المجيد الشرفي (عميد كلية الآداب بتونس، وله كثير من المقالات التي تتعلق بالعلاقات المسيحية – الإسلامية ): ” وكما نفي القرآن ألوهية عيسى وعقيدة الثالوث، فإنه نفى في الآية 157 من سورة النساء أن يكون اليهود قتلوا عيسى أو صلبوه (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم 00 وما قتلوه يقيناً)، فهل تعني هذه الآية أنه قُتل وُصلب، لكن على غير أيدي اليهود أم أنه لم يُقتل ولم يُصلب البتة؟ لا شئ مبدئياً يمكّننا من ترجيح أحد الاحتمالين إن اقتصرنا على النص القرآني وحده، ولم نعتمد السنة التفسيرية التي بتت في اتجاه نفي الصليب جملة في أغلب الأحيان. على أن هذه الآيات لا يجوز أن تفصل عن الآية 33 من سورة مريم: (والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً)، وكذلك عن الآية 35 من آل عمران: (يا عيسى إني متوفيك)، وعن الآية 117 من المائدة: (وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم)، وهي صريحة في أن عيسى يموت ويتوفى.

  فليس من المستبعد أن يكون إنكار قتل اليهود عيسى وصلبه من باب المجادلة المقصود بها التنقيص من شأن المجادلين، لا سيما أن كل الأحداث المتعلقة بحياة المسيح لم تزل منذ القديم محل أخذ ورد واختلاف، ولا أحد يستطيع ادعاء اليقين فيها. يضاف إلى هذا أن إقرار القرآن برفع عيسى في الآية الموالية يتفق والعقيدة المسيحية في هذا الرفع، بل ويتماشى والعقلية الشائعة في الحضارات القديمة والمؤمنة بهذه الظاهرة. والأمثلة على ذلك كثيرة. فهل نحن في حاجة إلى التنقيب عن مصدر العقيدة القرآنية المتعلقة بنهاية حياة المسيح في آراء الفرق الظاهرانية (Docetiste )؟¨، ” أليس في منطق الدعوة ذاته ما يفسر هذا الموقف الواضح في سائر الأنبياء من جهة، والذي يترك الباب مفتوحاً للتأويل واعتماد المعطيات التاريخية في أمر من جهة أخرى “. ويقول المؤلف أيضاً تحت عنوان: الصلب:

  ” من اليسير أولاً أن نسجل أن هذا الفرض لم يكن محل عناية كبيرة من قبل المفكرين المسلمين، رغم أنه غرض محوري في المنظومة اللاهوتية المسيحية ويحق لنا أن نتساءل عن علة هذا الإعراض النسبي، وهل ينم عن نوع من الحرج في مواجهة الرواية ذات الصبغة التاريخية المتعلقة بالصليب والسائدة في أوساط النصارى 00 بمجرد آية قرآنية؟ أم هل اعتبر المسلمون أن نظرية الفداء تسقط بطبيعتها إن لم ترتكز على أساس متين بعد النقد الصارم الذي وجه إلى عقيدتي التثليث والتجسد؟ “(3).

(4) وقال عبد الرحمن سليم البغدادي الذي كان عراقياً ولد وعاش ومات في بغداد (1832 – 1911)، وكان رئيساً لمحكمتها التجارية وانتخب نائباً في المجلس العثماني ” (وما قتلوه وما صلبوه) لا يفهم منها أن المسيح لم يمت قط، بل هو نص صريح في أن القتل والصلب لم يقعا على ذاته من اليهود فقط “. ربما يقصد إنما صلب على أيدي الرومان(4).

(5) وقال الأستاذ نبيل الفضل ” إن عملية الصلب لا يهم أن تكون على عمود رأسي وآخر أفقي كما في الصليب، بل قد تكون على عمود رأسي فقط. وصلب المسيح ربما كان على صليب ذي عمودين رأسي وأفقي، أو ربما على عمود رأسي فقط، فإن كان المسيح قد ُصلب على عمود رأسي فقط، فإن تعبير(صلب المسيح) يكون تعبيراً غير كامل. فتعبير صلب يجوز في حالة وجود عمود رأسي وأفقي، فإن كان عمود واحد فالأدق أن يكون التعبير هو (تعليق المسيح) لا (صلب المسيح). ورغم أن الحالتين تؤديان إلى الوفاة بالاختناق، إلا أن هذا يذكرنا بقول القرآن (وما صلبوه) “(4).

(6) وقال المفكر والفيلسوف الدكتور فؤاد حسنين على أستاذ الفلسفة ” قتلوه وما قتلوه، صلبوه وما صلبوه ولكن شبه لهم. قتلوا الجسد وما قتلوا الكلمة، صلبوا الجسد وصعدت الروح إلى خالقها  00″. ثم تحدث عن محاكمات المسيح وكلماته على الصليب واستهزاء اليهود به ثم قال ” أسلم يسوع روحه فصعدت إلى ربها راضية مرضية ” وتحدث عن صلب المسيح وموته باستفاضة وكذلك عن دفنه حتى وصل إلى قيامته من الموت فقال ” وموت المسيح على الصليب ليس هو معجزة المسيحية. والعكس هو الصحيح أعني قيامة المسيح من بين الموتى ” إلى أن ختم مقاله بقوله ” إذ قال الله يا عيسى أني متوفيك ورافعك إلي 000ألخ “(5).

(7) وكذلك تبني السيد أحمد ديدات وناشر كتبه السيد على الجوهري لقول الفرقة القاديانية التي تعتقد أن المسيح صلب على الصليب ولكنه لم يمت عليه بل أغمى عليه وأنزل من على الصليب حّياً(6)!!

 (8) بل وقال الأمير شكيب أرسلان في كتابه ” حاضر العالم “: ” قال درنغم (أحد المستشرقين): فقول القرآن (وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) يذكرنا بأقوال العهد الجديد 000 إننا لو فرضنا وجوب أخذ هذه الآية على ظاهرها فلا مانع من ذلك حسب عقيدة الكنيسة نفسها، لأن آباء الكنيسة ما زالوا يقولون، إنه ليس ابن الله هو الذي صلبه اليهود، وأماتوه على الصليب، وإنما الطبيعة البشرية في المسيح. وهكذا لا يكون اليهود قتلوا كلمة الله الأبدية، ولكن يكونون قتلوا الرجل الذي يشبهها، واللحم والدم المتجسدين في بطن مريم “.

  ” وقال (المستشرق): فلا يكون القرآن فيما قاله بشأن الصلب إلا مؤيداً عقيدة الكنيسة الكبرى، وهي أن في المسيح طبيعتين: إلهية وبشرية، وأن القتل وقع على الطبيعة البشرية فقط 00″. وقال الأمير أرسلان معلقاً ” ولا نريد أن نفرغ من هذه المسألة بدون أن نعلق على بعض الملاحظات على ما قاله درنغم فيها. فأما ذهابه أن مراد القرآن بالآية الكريمة: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) إنما هو وقوع القتل على الجسد فقط، وأن الله بعد ذلك رفعه إليه، (فأن له وجها وجيهاً) لا سيما وأن آية أخرى: ” إذ قال الله يا عيسى أني متوفيك ورافعك إليّّ، ومطهرك من الذي كفروا) تعزز هذا الرأي “(7).   

(9) وقال الإمام محسن فاني في كتابه الدابستاني في القرن التاسع للهجرة ” أنه عندما قبض اليهود على عيسى، بصقوا عل وجهه المبارك ولطموه ثم أن بيلاطس حاكم اليهود جلده حتى أن جسمه من رأسه إلى قدمه صار واحدا 000 ولما رأى بيلاطس من إصرار اليهود على صلب عيسى وقتله قال ” أني بريء من دم هذا الرجل وأغسل يدي من دمه “، ” فوضعوا الصليب على كتف عيسى وساقوه للصلب “(8).

(10) وقال الكاتب الإسلامي المعروف خالد محمد خالد، بعد أن تكلم في فصل كامل عن محاكمات المسيح: ” لقد كان الصليب الكبير الذي أعده المجرمون للمسيح يتراءى له دوما “. ” المسيح قد حمل الصليب من أجل السلام “.” الصليب الذي حمله المسيح سيف أراد اليهود أن يقضوا على ابن الإنسان ورائد الحق “.

ثم قال ” وأريد للمسيح أن تنتهي حياته الطاهرة على صورة تشبه الأحقاد الملتوية، الملتاثة. لخراف إسرائيل الضالة “(9).

(11) ونقل الكاتب محمود أبو ريه فقرات كاملة من الإنجيل بأوجهه الأربعة خاصة بكلام المسيح قبل صلبه مباشرة وكلام المسيح وهو معلق على الصليب وعند قيامته. وذلك كحقيقة تاريخية(10).

(12) ويرى د. محمد أحمد خلف الله (في كتابه الفن القصصي في القرآن الكريم) أن القصة القرآنية لم يُقصد بها التاريخ، ولكن العظة والاعتبار ولذلك يُهمل الزمان والمكان، وهي تمثل الصور الذهنية للعقلية العربية في ذلك الوقت ولا يلزم أن يكون هذا هو الحق والواقع ومن حقنا أن نبحث وندقق. وهذا هو ما كتبه بالنص:

+ ” يدلنا الاستقراء على أن ظواهر كثيرة من ظاهرات الحرية الفنية توجد في القرآن الكريم، ونستطيع أن نعرض عليك منها في هذا الموقف ما يلي:

1 – إهمال القرآن حين يقص لمقومات التاريخ من زمان ومكان 000 “.

2 – اختياره لبعض الأحداث دون البعض، فلم يعن القرآن بتصوير الأحداث الدائرة حول شخص أو الحاصلة في أمة تصويراً تاماً كاملاً، وإنما كان يكتفي باختيار ما يساعده على الوصول إلى أغراضه.

3 – كما لا يهتم بالترتيب الزمني أو الطبيعي في إيراد الأحداث وتصويرها وإنما كان يخالف هذا الترتيب ويتجاوزه. 

4 – إسناده بعض الأحداث لأناس بأعينهم في موطن ثم إسناده نفس الأحداث لغير الأشخاص في موطن آخر.

5 – إنطاقه الشخص الواحد في الموقف الواحد عبارات مختلفة حين يكرر القصة.

6 – وجود مواقف جديدة لم تحدث في سياق القصة التي تصور أحداثاً وقعت انتهت. ” القرآن يجري في فنه البياني على أساس ما كانت تعتقد العرب وتتخيل، لا على ما هو الحقيقة العقلية ولا على ما هو الواقع العملي “.

” إن المعاني التاريخية ليست مما بلغ على أنه دين يتبع، وليست من مقاصد القرآن في شئ، ومن هنا أهمل القرآن مقومات التاريخ من زمان ومكان وترتيب للأحداث 00 إن قصد القرآن من هذه المعاني إنما هو العظة والعبرة أي في الخروج بها من الدائرة التاريخية إلى الدائرة الدينية. ومعنى ذلك أن المعاني التاريخية من حيث هي معان تاريخية لا تعتبر جزءاً من الدين أو عنصراً من عناصره المكونة له. ومعنى هذا أيضاً أن قيمتها التاريخية ليست مما حماه القرآن الكريم ما دام لم يقصده.

” إن ما بالقصص القرآني من مسائل تاريخية ليست إلا الصور الذهبية لما يعرفه المعاصرون للنبي من التاريخ، وما يعرفه هؤلاء لا يلزم أن يكون الحق والواقع، كما لا يلزم القرآن أن يصحح هذه المسائل أو يردها إلى الحق والواقع، لأن القرآن الكريم، كان يجئ في بيانه المعجز على ما يعتقد العرب، وتعتقد البيئة ويعتقد المخاطبون. ويضيف الكاتب أيضاً:

  ” إن القرآن الكريم لا يطلب الإيمان برأي معين في هذه المسائل التاريخية. ومن هنا يصبح من حقنا أو من حق القرآن علينا أن نفسح المجال أمام العقل البشري ليبحث ويدقق، وليس عليه بأس في أن ينتهي من هذه البحوث إلى ما يخالف هذه المسائل، ولن تكون مخالفة لما أراده الله أو لما قصد إليه القرآن لأن الله لم يرد تعليمنا التاريخ، ولأن القصص القرآني لم يقصد إلا الموعظة والعبرة وما شابههما من مقاصد وأغراض. ونوجز ما سبق فيما يلي:

1 – القصة القرآنية، قصة لا تتوافر فيها مقومات التاريخ، ولم يكن هدفها التاريخ بل العظة والاعتبار. وهي ما يعرفه المعاصرون للنبي من تاريخ، ولا يلزم أن يكون هذا هو الحق والواقع.

2 – هناك أقوال جاءت على لسان بعض الأشخاص، لم ينطقوا بها بل القرآن أنطقها على لسانهم.

3 – القرآن لا يطلب منا الإيمان برأي معين في هذه المسائل التاريخية ومن حقنا أو من حق القرآن علينا أن نبحث ونفتش لمعرفة الحدث التاريخي كما وقع ومخالفتنا للقصة القرآنية لا يمس القرآن.

   وإذا طبقنا هذه المبادئ على حادثة صلب المسيح نرى:

+ إن اليهود لم يقولوا أن المسيح هو رسول الله، وإن القول ” ما قتلوه وما صلبوه ” هو ما يعرفه بعض المعاصرين.

+ إن القرآن لا يطلب منا الإيمان بعدم قتل وصلب المسيح. إذا رأينا من الكتب المقدسة أو من التاريخ ما يؤكد حقيقة صلب وموت المسيح، فالواجب علينا أو من حق القرآن علينا أن نؤمن بذلك، ولهذا فالمسيح قد صلب ومات على الصليب.

  ” إن القرآن لم يقصد إلى التاريخ من حيث هو تاريخ إلا في النادر الذي لا حكم له، وأنه على العكس من ذلك عمد إلى إبهام مقومات التاريخ من زمان ومكان “.

  ” إن وصف عيسى بأنه رسول الله في قول اليهود الذي حكاه عنهم القرآن في قوله تعالى: (وقولهم إن قتلنا المسيح عيس بن مريم رسول الله)، لا يمكن أن يفهم على أنه قد صدر حقاً من اليهود فهم لم ينطقوا بهذا الوصف وإنما القرآن هو الذي أنطقهم به، ذلك لأن وصفه بالرسالة ليس إلا التسليم بأنه رسول الله وهم لم يسلموا بهذا، ولو سلموا بهذا لأصبحوا مسيحيين، ولما كان بينهم وبينه أي لون من ألوان العداء، ولما كان قُتل وصُلب. إن اليهود إنما يتهمون عيسى بالكذب، وينكرون عليه أنه رسول الله، ويذكرونه بالشر، ويقولون إنه ابن زنا وأن أمه زانية. يقول اليهود كل هذا وأكثر منه، ومن هنا لم يستطع العقل الإسلامي أن يسلم بأن وصف عيسى بأنه رسول الله قد صدر حقاً من اليهود “.

  ” مصادر القصص القرآني في الغالب هي العقلية العربية، فالقرآن لم يبعد عنها إلا القليل النادر، ومن هنا جاءت فكرة الأقدمين القائلة: إن القرآن ليس إلا أساطير الأولين، وذلك لأنهم نظروا فوجدوا الشخصيات القصصية والأحداث القصصية مما يعرفون “(11).

(13) الأستاذ على الجوهري: والذي ترجم عددا من كتب السيد أحمد ديدات والتعليق عليها، وكان رأيه في قضية موت المسيح، كما بينّا في الفصل السابق، هو كالآتي: ” إذا لم يكن معنى قوله سبحانه وتعالى: ولكن شبه لهم هو إلقاء شبه المسيح على شخص آخر غيره، فما هو معناها؟ هل لها معنى آخر، وما هو هذا المعنى الأخير؟ ثم يركز بعد ذلك على القول بعدم موت المسيح على الصليب وإنزاله من على الصليب حيا، مغمى عليه(12)!!!

  وقد تصور بذلك أنه حل مشكلتين الأولى عدم تاريخية ومعقولية ومنطقية إلقاء شبه المسيح على آخر، والثانية هي إبطال عقيدة الفداء بدم المسيح.

 إقرأ أيضاً:

نبوات العهد القديم عن صلب المسيح وقيامته – القمص عبد المسيح بسيط

هل صلب المسيح حقيقة أم شبه لهم؟ – القمص عبد المسيح بسيط

(1) تاريخ اليعقوبي حـ1:64.

(2) رسائل أخوان الصفا  جـ 4: 96و97.

(3) ” قبر المسيح في كشمير ” د. فريز صموءيل ص 139 و 140.

(4) المرجع السابق ص 141.

(4)  ” هل بشر المسيح بمحمد ” نبيل الفضل. رياض الريس للكتب والنشر. لندن. ص 72-73. مع قبر المسيح في كشمير ص 142.

(5) جريدة أخبار اليوم في 22/4/1970.

(6) أنظر كتاب ” صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء ” أحمد ديدات ترجمة على الجوهري.

(7) كتاب ” مقدمة في نشأة الكتابات الدفاعية بين الإسلام والمسيحية ” حسني يوسف الأطير، ص 25 – 28.

(8) عن كتاب ” إنجيل برنابا في ضوء العقل والدين ” لعوض سمعان ص 110.

(9) كتاب ” معا على الطريق محمد والمسيح ” ص 34و181.

(10) كتابه “محمد والمسيح أخوان ص 46.

(11) ” الفن القصصي للقرآن الكريم ”  محمد احمد خلف الله مع شرح وتعليق خليل عبد الكريم، وكتاب ” قبر المسيح في كشمير  ” د. صمويل فريز 151 – 155.

(12) أنظر تعليقه على كتاب ” أخطر مناظرات العصر، هل مات المسيح على الصليب؟ ” .

 

علماء مسلمون قالوا بصلب المسيح وأسباب قولهم بذلك – القمص عبد المسيح بسيط

إلقاء شبه المسيح على آخر – دراسة – القمص عبد المسيح بسيط

إلقاء شبه المسيح على آخر – دراسة – القمص عبد المسيح بسيط

إلقاء شبه المسيح على آخر – دراسة – القمص عبد المسيح بسيط

 

نظرية إلقاء شبه المسيح على آخر تتعارض مع عدل الله وجلاله وعظمته ومع العقل والمنطق والتاريخ

1 – إشكالات روايات عدم صلب المسيح وإلقاء شبهه على آخر :

  لا يقدر أن يقول لنا أصحاب نظرية الشبه ، كما بينّا ، أن آية الشبه ذكرت كيفية إلقاء الشبه ومتى حدثت ومن هو الشبيه ومن هو المشبه به ، وكما يقول الشيخ أبو زهرة ” أن القرآن الكريم لم يبين لنا ماذا كان من عيسى بين صلب الشبيه ووفاة عيسى أو رفعه على الخلاف في ذلك ، ولا إلى أين ذهب ، وليس عندنا مصدر صحيح يعتمد عليه “.

وكما يقول الإمام الفخر الرازي في تعليقة على ما روي من روايات خيالية عن الشبه بقوله ” اختلفت مذاهب العلماء في هذا الوضع وذكروا وجوهاً 000 وهذه الوجوه متدافعة متعارضة والله أعلم بهذه الأمور “(1).

  وقال في تفسير الآية 175 من سورة النساء ، مكررا ما قاله الزمخشري في كشافه ” الأول : قوله شبّه مسند إلى ماذا ؟ أن جعلته إلى المسيح فهو مشبّه به وليس بمشبّه ، وأن أسندته إلى المقتول ، فالمقتول لم يجر له ذكر ؟ 00″ .

والثاني : أنه أن جاز أن الله تعالى يلقي شبهه (أي المسيح) على إنسان آخر فهذا يفتح باب السفسطة فانا إذا رأينا زيدا فلعله ليس بزيد فأنه ألقي شبه زيد عليه .

وعند ذلك لا يبقى النكاح والطلاق والملك موثوق به ، وأيضا يفضي إلى القدح في التواتر 000 وذلك يوجب القدح في جميع الشرائع وليس مجيب أن يجيب عنه بأن ذلك مختص بزمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنا نقول لو صح ما ذكرتم فذاك إنما يعرف بالدليل والبرهان فمن لم يعلن ذلك الدليل والبرهان وجب أن يشي من المحسوسات ووجب أن لا يعتمد على شيء من الأخبار المتواترة 0000 وبالجملة ففتح هذا الباب يوجب الطعن في التواتر والطعن فيه يوجب الطعن في نبوة سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ” .

  كما أن القول بعدم صلب المسيح وإلقاء شبهه على غيرة يوقع القائلين به في جملة مشاكل دينية يلخصها الأمام الفخر الرازي في تفسيره لسورة آل عمران 55 :

  ” من مباحث هذه الآية موضع مشكل وهو أن نص القرآن دال على أنه تعالى حين رفعه ألقى شبهه على غيره 000 والأخبار أيضا واردة بذلك إلا أن الروايات اختلفت في ذلك فتارة يروى أن الله تعالى ألقى شبهه على بعض الأعداء الذين دلوا اليهود على مكانه 000 وتارة يروى أن رغّب بعض خواص أصحابه في أن يلقي شبهه (عليه) حتى يقتل مكانه . وبالجملة فكيفما كان  ففي إلقاء شبهه على غيره إشكالات :

(1) الإشكال الأول : إنّا لو جوَّزنا إلقاء شبه إنسان على إنسان آخر لزم السفسطة، فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانية فحينئذ أجوّز أن يكون هذا الذي رأيته ثانياً ليس بولدي بل هو إنسان أُلقي شبَهه عليه ، وحينئذ يرتفع الأمان على المحسوسات . وأيضاً فالصحابة الذين رأوا محمداً يأمرهم وينهاهم وجب أن لا يعرفوا أنه محمد، لاحتمال أنه أُلقي شبهه على غيره ، وذلك يُفضي إلى سقوط الشرائع .

وأيضاً فمدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس ، فإذا جاز وقوع الغلط في المبصرات كان سقوط خبر المتواتر أولى . وبالجملة ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات بالكلية .

(2) الإشكال الثاني : وهو أن الله تعالى كان قد أمر جبريل عليه السلام بأن يكون معه (مع المسيح) في أكثر الأحوال ، هكذا قال المفسرون في تفسير قوله (إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ).

ثم إن طرف جناح واحد من أجنحة جبريل عليه السلام كان يكفي العالم من البشر ، فكيف لم يكفِ في منع أولئك اليهود عنه ؟ وأيضاً أنه عليه السلام  لما كان قادراً على إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء وعلى إسقامهم وإلقاء الزمانة (العاهة) والفلج عليهم حتى يصيروا عاجزين عن التعرض له ؟

(3) الإشكال الثالث : إنه تعالى كان قادراً على تخليصه من أولئك الأعداء بأن يرفعه إلى السماء ، فما الفائدة في إلقاء شبهه على غيره ، وهل فيه إلا إلقاء مسكين في القتل من غير فائدة إليه ؟

(4) الإشكال الرابع : إنه إذا ألقى شبهه على غيره ثم إنه رُفع بعد ذلك إلى السماء ، فالقوم اعتقدوا فيه أنه عيسى مع أنه ما كان عيسى ، فهذا كان إلقاءً لهم في الجهل والتلبيس . وهذا لا يليق بحكمة الله تعالى .

(5) الإشكال الخامس : إن النصارى على كثرتهم في مشارق الأرض ومغاربها وشدة محبتهم للمسيح عليه السلام ، وغلوّهم في أمره أخبروا أنهم شاهدوه مقتولاً ومصلوباً ، فلو أنكرنا ذلك كان طعناً فيما ثبت بالتواتر ، والطعن في التواتر يوجب الطعن في نبوة محمد، ونبوة عيسى ، بل في وجودهما ، ووجود سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وكل ذلك باطل .

(6) الإشكال السادس : أنه بالتواتر أن المصلوب بقي حياً زماناً طويلاً ، فلو لم يكن ذلك عيسى بل كان غيره لأظهر الجزع، ولقال : إني لست بعيسى بل إنما أنا غيره ، ولبالغ في تعريف هذا المعنى ، ولو ذكر ذلك لاشتهر عند الخلق هذا المعنى ، فلما لم يوجد شيء من هذا علمنا أن ليس الأمر على ما ذكرتم . فهذا جملة ما في الموضع من السؤالات “(2).

  وبالرغم من أنه علق على هذه الإشكالات إلا أن تعليقة كان غير مقنع سواء له أو لغيره ، إذ يقول في رد مقتضب :

أ – ” الجواب عن الأول : إن كل من أثبت القادر المختار، سلَّم أنه تعالى قادر على

أن يخلق إنساناً آخر على صورة زيد مثلاً ، ثم إن هذا التصوير لا يوجب الشك المذكور ، فكذا القول فيما ذكرتم ” !!!

  ونقول هل حدث مثل ذلك في تاريخ البشرية والإجابة بالقطع كلا !!!

ب –  ” والجواب عن الثاني : إن جبريل عليه السلام لو دفع الأعداء عنه أو أقدر الله تعالى عيسى عليه السلام على دفع الأعداء عن نفسه لبلغت معجزته إلى حد الإلجاء (أي اضطرار الله إلى إجراء تلك المعجزة) ، وذلك غير جائز ” !!!

  ونقول على العكس لو كان الله قد أنقذه بواسطة ملاك لظهرت عظمته وآمن به اليهود ، ونسأل ونقول وهل إلقاء شبهه على آخر ليس فيه إلجاء واضطرار ؟؟!!

ج – ” والجواب عن الثالث : فإنه تعالى لو رفعه إلى السماء وما ألقى شبهه على الغير لبلغت تلك المعجزة إلى حد الإلجاء (أي اضطرار الله إلى إجراء تلك المعجزة) ” .

  والسؤال هنا أيهما أكرم وأليق بجلال الله وعظمته ؟ أن يرفعه أمام الجميع فتظهر قدرة الله أم يخدعهم ويلقي بشبهه على آخر ؟؟!!!

د – ” والجواب عن الرابع : إن تلامذة عيسى كانوا حاضرين ، وكانوا عالمين بكيفية الواقعة ، وهم كانوا يزيلون ذلك التلبيس ” .

  ونقول أنه ولا واحد من تلاميذ المسيح قال بغير صلب المسيح !!!!!!

ر – ” والجواب عن الخامس : إن الحاضرين في ذلك الوقت كانوا قليلين ودخول الشبهة على الجمع القليل جائز والتواتر إذا انتهى في آخر الأمر إلى الجمع القليل لم يكن مفيداً للعلم ” .

  ونقول هل تدخل الشبهة على أمه وأخت أمه وتلميذه يوحنا ومن كان معهم من التلاميذ غير المعلنين مثل يوسف الرامي ونيقوديموس ، أم على اليهود الذين كانوا حاضرين الصلب والذين جال يبشر بينهم يعلمهم ويصنع المعجزات وكانوا  يلتفون حوله بعشرات الألوف ، أم على الجنود الرومان الذين كانوا يقومون بعملية الصلب ، أم سمعان القيرواني الذي كان يشاركه في حمل الصليب ؟؟!!

س – ” والجواب عن السادس : إن بتقدير أن يكون الذي ألقي شبه عيسى عليه السلام عليه كان مسلماً وقبل ذلك عن عيسى ، جائز أن يسكت عن تعريف حقيقة الحال في تلك الواقعة ” .

  تقول كل تفاصيل المحاكمة والصلب أن المحاكم والمصلوب كان هو المسيح وهذا ما دلل عليه بأقواله وتصرفاته !!!!

  ثم يختم بقوله ” وبالجملة فالأسئلة التي ذكروها أمور تتطرق الاحتمالات إليها من بعض الوجوه . ولما ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد في كل ما أخبر عنه ، امتنع صيرورة هذه الأسئلة المحتملة معارضة للنص القاطع ، والله وليّ الهداية ” .

  هذا هو تعليق الرازي وتعليقنا عليه .

  ولأن هذه الردود غير مقنعة ، حتى له هو نفسه كما هو واضح . لذا فسر بعض العلماء المسلمين الآية باعتبار أنها لا تنفي الصلب .

2 – تعليق على هذه الإشكالات :

  ويعلق الأستاذ على الجوهري الذي بنى مفهومة في تفسيره لآية سورة النساء على حقيقة الصلب ولكنه قال بعدم موت المسيح على الصليب معتقداً أن عدم موته على الصليب ينفي القصد من صلبه ويحقق تفسير الآية بشكل يتفق مع المنطق

وحقائق التاريخ ، فيقول(4):

  ” أهم الأسئلة فيما يتعلق بمسألة صلب المسيح أو نهاية شأن المسيح مع قومه كما أفضل أن اسميها هي : ما هو معنى الصلب ؟ هل الصلب هو مجرد وضع شخص على الصليب سواء مات من جراء الصلب أو لم يمت لأي سبب من الأسباب ؟ أم أن الصلب لا يتم إلا إذا مات الشخص المحكوم عليه بالصلب على الصليب ؟ إن تحديد معنى الصلب بالإجابة على هذه الأسئلة الهامة يجعلنا نعرف على وجه الدقة  ما إذا كانوا قد قتلوه وصلبوه ، أو أنهم (ما قتلوه وما صلبوه) .

  ” جدير بنا أن ندقق في معنى الفعل المبني للمجهول (صُلب) . يقال عن شخص إنه صُلب إذا كان مات على الصليب ويقال عن شخص إنه (أُغرق) إذا كان قد مات إغراقاً تحت الماء ، أما إذا كان بعض الناس حاولوا إغراق شخص تحت سطح الماء بهدف قتله ولم يمت هذا الشخص تحت الماء لأي سبب فإنهم لم يغرقوه.

يجوز أن يكونوا قد شرعوا في قتله بإغراقه ، ولكنهم في حقيقة الأمر (ما قتلوه وما أغرقوه) ، حيث أنه لم يمت تحت سطح الماء من جراء إغراقهم له ، في محاولتهم قتله تحت سطح الماء . وهكذا لو وُضِع شخص على الصليب ولم يمت من جراء الصلب لا يجوز أن نقول عنه أنه صُلب . ربما كان هذا شروعاً في قتله صلباً ، ولكنهم (ما صلبوه) ” .

  ولكنا نقول لسيادته نتفق معك في الجزء الأول من حديثك أن اليهود دفعوا الرومان لصلب المسيح ليتخلصوا منه ومن رسالته ، أما الجزء الثاني فقد تحقق لا بعدم موته على الصليب بل بقيامته من الأموات في اليوم الثالث ، وفي هذه الحالة يكون قوله ” ما صلبوه وما قتلوه ” يعني أن قصدهم وخطتهم في القضاء عليه لم ينجحا لأنه قام من الأموات وظهر لتلاميذه وأرسلهم للكرازة به في كل العالم .

  ثم يوضح الأستاذ على الجوهري رأيه في نظرية إلقاء شبه المسيح على شخص آخر بقوله : ” لأن إلقاء شبه المسيح على شخص غير المسيح إنما هو نظرية قال بها المفسرون ، إنها رأي المفسرين ، ومن المعروف أن المفسرين يلزم كل منهم أن ينظر في تفسير من سبقه من المفسرين . هذا بطبيعة الحال من ضرورات التصدي لمحاولة تفسير آيات القرآن الكريم . ونظرية إلقاء الشبه غير مستساغة  وغير معقولة لأسباب هامة كثيرة :

أولاً : لا دليل عليها ، ولتكون نظرية مستساغة ومقبولة ومعقولة يلزم أن تتوافر لها أدلة على صحتها . ونظرية إلقاء شبه المسيح على شخص غيره لا ينهض  دليل على صحتها ، وتنهض أدلة على عدم صحتها

لقد اضطر المفسرون المسلمون إلى القول بنظرية إلقاء الشبه إجابة وحيدة لسؤال فرض نفسه هو : إذا كان المسيح ما قتلوه وما صلبوه ، فماذا حدث له ؟ وكيف نجا من القتل والصلب؟ ويجوز أن يوضع شخص على الصليب بقصد قتله صلباً ، ولا يكون هذا الشخص قد قُتل أو صُلب إذا لم يمت على الصليب .

ثانياً : لأن إنكار وضع المسيح على الصليب يتعارض مع شهادة شهود العيان

وشهادة شهود العيان في هذه الجزئية بالذات لا تشوبها شائبة تناقض أو خلاف بين الشهود . كل شهودهم مجمعون عليها في مسألة القبض على المسيح ووضعه على الصليب يستحيل بحق إهدار شهادة شهود العيان، وكذلك وقائع محاكمة المسيح أمام السنهدرين وأمام الحاكم الروماني بيلاطس. قبضوا عليه، وحاكموه ، ووضعوه على الصليب.

وشهد بذلك عشرات بل مئات من شهود العيان، ولا تناقض في شهادة شهود العيان بهذا الصدد يمكن التعويل عليه في رفض محتوى شهادتهم“.

  ” أليس المطلوب هو إثبات صدق القرآن الكريم فيما أخبر به من أن أعداء المسيح ما قتلوه وما صلبوه ؟ يتحقق المطلوب دون حاجة إلى الاعتماد في ذلك على التسليم بنظرية إلقاء الشبه ، ودون أن نصطدم بضرورة إهدار شهادة الشهود في مسألة يستحيل فيها إهدار شهادة الشهود . ومن المعلوم أنه في بعض الحالات يمكن التدليل على فساد شهادة الشهود ، وفي حالات أخرى لا يكون هنالك سبيل إلى إهدار شهادة الشهود .

والقبض على المسيح ووضعه على الصليب من المسائل التي لا يجوز إهدار شهادة الشهود بشأنها – والحق يقال – بأي حال من الأحوال . إنهم مجمعون عليها ، ولا تناقض داخلي بشأنها ، والحق يقال أيضاً ولا ينبغي كمسلمين  أن نجادل بالباطل أبداً . إن الله سبحانه وتعالى يأمرنا بذلك . أن الله يأمرنا أن جادل بالتي هي أحسن . والاعتراف بالحقائق ، وعدم الجدال بالباطل إنما هما من أهم ركائز الجدل بالتي هي أحسن . هل يجادل بالتي هي أحسن من ينكر الحقائق ولا يعترف بها ” .

 ويضيف ” لأن التمسك بالمعنى الأول من معاني انتفاء الصلب بإنكار وضع المسيح على الصليب يعرض مصداقية القرآن الكريم ذاتها للخطر 000 إن مَثَلَ مَن يعارضون أن يكون أعداء المسيح قد وضعوه فعلاً على الصليب كمثل شخص حضر حفل زفاف صديق ، وأثناء الحفل وقعت حادثة قتل أُتهم فيها هذا الشخص وعندما يتم سؤال هذا الشخص : هل حضرت حفل زفاف صديقك أم لا ؟ يقول لا ، أنا لم أحضر حفل زفاف صديقي.

وإذا شهد شاهدان على أنه كان يجلس بينهما في ذلك الحفل نجد أن إنكار ذلك الشخص حضوره الحفل يسئ إلى موقفه في التحقيق ولا يفيده ” .

ثالثاً : إن نظرية إلقاء الشبه وردت في إنجيل برنابا وهذا هو الدليل الثالث على فسادها وعدم صحتها : ” إن الاحتجاج بورود هذه النظرية في إنجيل برنابا يكشف قبل أي شئ على أن هذه النظرية ليست من بنات أفكار أي مفسر مسلم ، بل هي

فكرة مسيحية 000 وفضلا عن ذلك نجد أن النصارى لا يعترفون بصحة إنجيل برنابا كله ، ولن نجد مسيحيا واحداً يعترف بصحته . سيقول لك على الفور أنه إنجيل مزيف منتحل لا صحة ولا حجة لكل محتواه . إنه أبوكريفا .

  ولا يصح لنا كمسلمين أن نقيم عقائدنا على أساس من نصوص إنجيل برنابا الذي لا يعترف النصارى به ولا يجوز أن نثق بنص من نصوص إنجيل برنابا “.

رابعاً : ” يوجد رابعاً سبب هام وهو عدم قدرة أي مفسر من القائلين بهذه النظرية على تحديد الشخص الذي أُلقي الله عليه شبه المسيح عليه السلام . يقول بعضهم – وراجع ما شئت أي تفسير موجز أو مطول – إن الله ألقى شبه سيدنا عيسى على يهوذا . ويقول بعضهم : إن الله ألقى شبه سيدنا عيسى على شخص يدعى طيطانوس .

ويقول بعضهم : إن الله ألقى شبه سيدنا عيسى على واحد من أتباعه تطوع لتحمل هذا المصير بدلاً من المسيح بعد أن وعده المسيح أن تكون له الجنة دون تحديد لهذا الشخص بشيء سوى أنه واحد من أتباعه . ويقول بعضهم : إنه واحد من حراس المسيح .

  وأنت تعرف يا صاحبي أنه يلزم تحديد شخص واحد بعينه ألقى الله عليه شبه سيدنا عيسى . وعدم تحديد شخص واحد بعينه يفسد هذا الادعاء تماماً من الناحية الشكلية البحتة . ولو مات رجل قتيلاً إثر طعنة سكين ، ويريد أحد أن يدافع عن أحد المتهمين بأن شخصاً آخر غير المتهم هو الذي طعنه بالسكين، لوجب عليه أن يحدد من هو هذا الشخص تحديداً قاطعاً . ولو تعددت الاحتمالات لأفضى ذلك إلى عدم تحديد القاتل وكان ذلك من مصلحة المتهمين جميعاً مهما كان عددهم كبيراً .

  ولا ريب أن تضارب آراء المفسرين على هذا النحو بصدد رأيهم ونظريتهم القائلة بإلقاء شبه المسيح على شخص آخر غير المسيح يضعف من نظريتهم هذه إلى حد الانهيار ” .

خامساً : ” وخامس الأسباب الدالة على فساد نظرية إلقاء الشبه هذه هو إن أي مفسر لا يستطيع أن يقول أو يدّعي أنه شاهد شبه المسيح يلقيه الله سبحانه وتعالى على شخص آخر . ولو زعم أحدهم هذا الزعم لكان زعمه باطلاً بطبيعة الحال . ويزداد هذا الزعم ضعفاً وانهياراً لو لم يملك من يزعمه أي دليل على صحته ” .

سادساً : ” ضمائر الغائب الكثيرة الموجودة في الآية الكريمة 000 ما شأن ضمائر الغائب الكثيرة الموجودة بالآية الكريمة ؟ وكيف تدل على خطأ المفسرين في القول بنظرية إلقاء شبه المسيح على شخص آخر غير المسيح ؟

  نعرف جميعاً إن ضمائر الغائب المفرد لا بد من إرجاعها إلى شخص تعود عليه ضمائر الغائب.

والمعقولية شرط لصحة إرجاع ضمير الغائب إلى من يُفترض رجوع ضمير الغائب إليه 000 (وقد) اختلف المفسرون الإسلاميون بشأنه اختلافاً  كبيراً ولم يصب أحدهم الرأي الصواب في إرجاع هذه الضمائر إلى من تعود عليه بشكل قاطع حتى الآن، أنهم جميعاً يرجحون إرجاع ضمير الغائب إلى المسيح في قول الله سبحانه وتعالى: “وما قتلوه وما صلبوه صحيح تماماً ولكن الاستمرار في إرجاع ضمير الغائب إلى المسيح في بقية الآية الكريمة خطأ وغير مقبول ، ويربك المعنى الصحيح للآية الكريمة ” .

  ” فإذا وصلنا إلى قول الله سبحانه وتعالى: ” وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا إتباع الظن وما قتلوه يقيناً ” . أرجو منك يا صاحبي أن نحدد ضمائر الغائب المفردة في هذا الموضع من الآية الكريمة 000 إن ضمائر الغائب المفرد كثيرة في هذا الموضع من الآية الكريمة . قلت : وقد أرجعها المفسرون المسلمون كلها إلى المسيح إن ضمائر الغائب المفرد المتكررة في هذا الموضع تعود إلى اختلافهم ، أي اختلاف أهل الكتاب من اليهود والنصارى في مسألة أن المسيح قد مات على الصليب أم لم يمت على الصليب.

هذه المسألة اختلفوا فيها ، هذا الشأن ” اختلفوا فيه ” وبدءاً من ضمير الغائب المفرد الموجود بآخر حرف الجر هنا تعود الضمائر على الشأن الذي ” اختلفوا فيه ” ولا تعود إلى المسيح عليه السلام . هل اختلفوا في أن الشخص الذي حاكموه وقبضوا عليه هو المسيح أو هو شخص آخر ؟ هذا احتمال ضعيف جداً وبالغ الضعف وعديم المعقولية. ويلزم أن يكون الرأي السليم سليماً في نظر كل الناس وليس في نظر المسلمين وحدهم

إن أعداء المسيح لو كانوا قد اختلفوا بشأن شخص المسيح وهل هو الشخص الذي حاكموه وقبضوا عليه ووضعوه على الصليب لكان الأقرب إلى المعقولية أن يتحروا ويدققوا ويحققوا هذه المسألة كل التحري والتدقيق والتحقيق. وليس من المعقول طبعاً أن يكون هدف أعداء المسيح هو قتل المسيح صلباً ثم يقبلون بسهولة وبساطة وسذاجة أن يقتلوا ويصلبوا شخصاً آخر غيره.

لو اختلفوا في شخص المسيح لكان الأقرب إلى الصواب والمعقولية أن يوقفوا إجراءات تنفيذ الحكم ليتحققوا أن شخص الإنسان الذي يقومون بتنفيذ الحكم عليه  . وهذا التحقق سهل ميسور لهم . وليس هناك أسهل من أن يحاوروا ويناقشوا الشخص الموجود بين أيديهم ليكتشفوا حقيقته ، خصوصاً أن اليهود لم يعمدوا إلى قتل المسيح غيلة ، بل أنهم استصدروا حكماً بقتله صلباً من الحاكم الروماني بيلاطس ” .

  ” إن مصلحتهم تفرض عليهم ذلك ، إنهم يريدون قتل وصلب شخص معين وليس قتل وصلب أي شخص آخر غيره ” . ” يقول الله سبحانه وتعالى : (ما لهم به من علم) وضمير الغائب الملحق بحرف الجر (به) يجعل المعني – والله أعلم بمراده – هو : ” ما لهم بشأن موته أو عدم موته على الصليب من علم ” .

  ” قال المفسرون : إن ضمير المفرد الغائب هنا يعود على المسيح ، ما لهم به من علم. هل هذا معقول؟ كيف يكون شهود العيان الموجودين حول الصليب الذي ُصلب عليه المسيح ما لهم بالمسيح من علم ؟ هل يكون المفسرون المسلمون الذين لم تطأ قدم أحدهم في الغالب الأعم مكان الصليب ، أعلم بالمسيح ، وبما لو كان هو الشخص الموجود على الصليب من كانوا شهود عيان لهذا الحدث التاريخي العظيم ؟ لقد مضت قرون وقرون بين الزمان الذي ولد فيه أولئك المفسرون وبين وقت هذا الحدث العظيم .

أما عندما يعود ضمير المفرد الغائب في هذا الموضع على شأن من الشئون هو عدم معرفة أعداء المسيح ما إذا كان المسيح قد مات على الصليب أم أنه لم يمت على الصليب ، نجد أن المعنى يتضح ويستقيم ويصبح معنى معقولاً مقبولاً والله أعلم بمراده 000 ” .

  ويعلق الأستاذ الجوهري على إشكالات الرازي بقوله : ” هيا نقتبس سطورا مما كتبه الإمام الفخر الرازي في تفسيره لهذه الآية الكريمة بدءاً من صفحة (515) بالجزء الخامس من طبعة دار الغد العربي بالقاهرة في تفسيره مفاتيح الغيب ، يقول الإمام الفخر الرازي ما نصه : ” وفي الآية سؤالان: السؤال الأول : قوله تعالى : (شبه) ُمسند إلى ماذا ؟ إن جعلته مسنداً إلى المسيح ، فهو مشبّه به وليس بمشبّه ، وإن نسبته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر ” .

ويضيف ” إن الإمام الرازي قد  استهل تفسيره للآية الكريمة ببحث الإسناد في قوله تعالى : (شبه) وتساءل : ُمسند إلى ماذا ؟ ولتكون فكرة الإسناد واضحة يا صاحبي دعني أنشط ذاكرتك لتفهم بوضوح المقصود بالإسناد الذي يشير إليه الإمام الرازي .

لو قلت : (ضرب عمرو زيداً) فالضرب مسند وعمرو مسند إليه ، ولما كان فعل (شبه) في الآية في صيغة المبني للمجهول ، وحسب نظرية إلقاء الشبه التي سبق أن أشرنا إليها وإلى فسادها لا بد من وجود الحيرة وعدم القدرة على الفهم

والسؤال بصيغة أخرى يمكن أن يُصاغ هكذا : ” إذا كان أعداء المسيح حول الصليب ، قد شبه لهم ، فماذا شبه لهم بالضبط ؟ هل شبه لهم أنهم قتلوا شبيه المسيح على الصليب ، وبذلك يكون الأمر قد اختلط عليهم مرتين لا مرة واحدة ، اختلط عليهم الأمر في المرة الأولى إذ خُيِّل إليهم وظنوا أن الله قد ألقى شبه المسيح على غيره ، وخيل إليهم في المرة الثانية وظنوا واحتاروا ولم يستطيعوا أن يقطعوا برأي فيما كانوا قد قتلوا شبيه المسيح أم قتلوا المسيح ؟”.  

 ثم يقول ” والقول بنظرية إلقاء شبه المسيح على غيره لا يثبت لتمحيص بيننا كمسلمين ، ولا يثبت لجدل بيننا وبين خصوم الإسلام ” .

وبعد أن يفند على الجوهري نظرية إلقاء شبه المسيح على شخص آخر يذكر ما يؤمن به هو : ” إذا لم يكن معنى قوله سبحانه وتعالى : ولكن شبه لهم هو إلقاء شبه المسيح على شخص آخر غيره ، فما هو معناها ؟ هل لها معنى آخر ، وما هو هذا المعنى الأخير ؟ نعم معناها هو : ولكن اختلط الأمر عليه ، اختلط عليهم ما إذا كان المسيح قد مات على الصليب فينزلونه ويدفنونه أم أنه لم يمت على الصليب . لقد اختلفوا بهذا الشان فعلاً ” .

وهكذا يتضح لنا أن نص سورة النساء غير الواضح في مسألة صلب المسيح أوقع الجميع في حيرة مما جعل البعض يعتمد على الخرافات ، أو ما يسمى بالإسرائيليات ، والبعض الآخر يؤلف روايات من وحي خياله ، والبعض يصر على الإيمان بالنص كما هو ولكنه يفسره هو أيضا فيقول أنه ينفي الصلب عن  المسيح ، والبعض يحاول أن يوفق بين النص وبين المنطق والعقل والتواتر والحدث التاريخي لصلب المسيح والمسجل في كل كتب التاريخ والتي لا تقول شيء مطلقا بل ولا تعرف شيء مطلقا عن نظرية الشبه !!!!!

3 – إلقاء شبه المسيح على آخر يوقع البشرية في ضلالة كبرى :

أن القول بإلقاء شبه المسيح على آخر وصلبه بدلا عنه واعتقاد كل من اليهود والرومان وتلاميذ المسيح ورسله وأمه العذراء القديسة مريم بأن الذي صلب هو المسيح ثم كرزوا في العالم أجمع بأن الذي صلب هو المسيح وآمن الملايين ، بل المليارات ، عبر التاريخ أن المسيح هو الذي صلب ، في حين أن الذي صلب ، حسب نظرية الشبه ، هو آخر غير المسيح فماذا تكون النتيجة ؟؟!! والإجابة هي ضلالة كبرى لا مثيل لها في تاريخ الكون !!!!

فقد اعتقد اليهود أنهم قتلوا المسيح ، وهذا ما شهد به القرآن ” وقولهم أنا قتلنا المسيح

“وشاع ذلك بين الأمم ، وهذا ما حدث أيضا وسجله المؤرخون ، ولكن الأهم والأخطر هو أن تلاميذ المسيح ورسله الذين أعدهم للكرازة بإنجيله في العالم كله ، قد شاهدوا المصلوب وآمنوا أنه المسيح وبشروا في كل مكان أن الذي صلب هو المسيح !!! بل وجمعوا الإنجيل ، بالروح القدس ، ودونوا فيه حادثة الصلب تفصيليا لدرجة أنها تكون ثلث الإنجيل ، بل وهي محور كرازة الرسل ” نحن نكرز بالمسيح مصلوبا ” (1كو23:1) 

وبسبب كرازتهم وبشارتهم بالمسيح مصلوبا آمن الملايين ، بل والمليارات منذ القرن الأول وحتى الآن، بل وقد يصل الذين يؤمنون بذلك منذ القرن الأول وحتى نهاية العالم مليارات المليارات ، ولو افترضنا صحة نظرية إلقاء شبه المسيح على آخر تكون هذه المليارات من البشر قد آمنت بخدعة وضلالة كبرى !!!

والسؤال هنا هو من الذي أوقع هذه المليارات في هذه الخدعة وهذه الضلالة الكبرى ؟؟؟!!! وبمعنى آخر ؛ من هو الذي خدع البشرية وأوقعها في هذه الضلالة الكبرى ، المزعومة ؟؟!! ولو سرنا مع أصحاب نظرية الشبه فستكون النتيجة  مريعة وغير منطقية وغير معقولة ، فلو افترضنا ، معهم ، أن الذي ألقى شبه المسيح على آخر هو الله !! فستكون النتيجة ، بحسب هذه النظرية ، أن الله هو  الذي خدع البشرية وأوقعها في هذه الضلالة الكبرى ، فهل يقبل العقل ذلك ؟؟!!

وحاشا لله من ذلك وتعالى عنه علوا كبيراً!! فهذا يعني عدة أمور لا يقبلها عقل ولا منطق ؛ وهي أنها تنسب لله الجهل والعجز والخداع والغش وعدم تقدير الأمور ، بل والظلم 000 ألخ .

وحاشا لله من ذلك وتعالى عنه فلم يكن الله في حاجة إلى مثل هذه الوسيلة التي لا تعني إلا الغش والتضليل والخداع ، لأنه لو فرضنا صحة هذه النظرية فماذا كانت النتيجة ، نقول هي سقوط الملايين بل والمليارات عبر مئات وآلاف السنين من

الذين أمنوا بذلك في الضلال !!! ومن الذي أضل هذه الملايين بهذه الخدعة ، هل نقول أنه هو الله ، ونقول ؛ حاشا وكلا وتنزه الله عن ذلك ؟؟؟!!!!!!! وهل يجرؤ أحد أن يقول أن الله هو الذي ألقي شبه المسيح على غيره وترك الناس تسقط في هذه الضلالة الكبرى ؟؟؟ !!! ونقول حاشا لله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ً !!! فهذا لا يتفق مع العقل والمنطق ولا مع قداسة الله وعظمته وجلاله وقدرته الكلية !!!

كما أن هذه النظرية تصور لنا الله بالطريقة التي يتصور بها الذين يؤمنون بتعدد الآلهة آلهتهم التي الذين يتآمرون ويغشون ويخدعون ، فالله ، بحسب هذه النظرية يبدو وكأنه قد فوجئ باليهود وهم يقبضون على المسيح وقد عجزت حيلته وقدرته على إنقاذ مسيحه ولم يستطع أن ينقذه من أيديهم إلا بإلقاء شبهه على آخر ، لكي ينقذه من يديهم بهذه الوسيلة مهما كانت نتيجتها !!!!!!!!! ونتيجتها هي إنقاذ شخص واحد ، فرد مهما كانت مكانته على حساب المليارات من البشر ؟؟؟!! وأكرر حاشا لله من ذلك وتعالى عنه علوا كبيرا !!!!

  كما أن القرآن يقول ” وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ ” ، فهل من الهدى والنور أن يقع كل من يؤمن به ، بحسب هذه النظرية في الضلالة ؟؟؟!!! هل يرسل الله المسيح لهداية البشر ثم ينقذه من اليهود بوسيلة تكون هي السبب في ضلال البشر  ؟؟؟!! وهل يتفق الهدى مع الضلال ؟؟؟!!! وهل يتفق هذا مع حب الله غير المحدود للبشرية ؟؟؟!!! ونكرر حاشا لله من ذلك وتعالى عنه علوا كبيرا !!!!

  يقول الكتاب المقدس ” معلومة عند الرب منذ الأزل جميع أعماله ” (18:15) ، ويؤكد لنا الإنجيل بأوجهه الأربعة أن المسيح لم يكن يعمل شيئاً بالمصادفة أو حسب الظروف ، إنما كان كل ما يعمله مرتباً ترتيبا سابقا قبل خليقة العالم ، بحسب ترتيب أزلي سابق ، فعندما كان يقوم بعمل معجزة ما أو يعلم تعليم ما لم يكن بدون ترتيب سابق ، لهذا لم يناقض نفسه أبدا ولم يغير كلامه مطلقاً ، وعلى سبيل المثال فعندما حضر عرس في قانا الجليل ونفذت الخمر من العرس ، وكانت

العذراء القديسة مريم قد عرفت بالروح القدس أنه سيصنع لهم معجزة ، ” قالت له ليس لهم خمر ” ، ولأنه كان يعمل كل شيء في وقته وبحسب ترتيب إلهي دقيق قال لها ” لم تأت ساعتي بعد ” ، أي لا يزال على صنع هذه المعجزة المطلوبة وقت حتى لو كان هذا الوقت مجرد لحظات ، فقالت هي بالروح القدس للخدام ” مهما قال لكم فافعلوه ” وفي الوقت المعين ، وبعد الحديث مع العذراء ليس بكثير قال للخدم ” املأوا الأجران ماء . فملأوها إلى فوق . ثم قال لهم استقوا الآن ” (يو1:2-8) .

وفي قصة إقامة لعازر من الموت ، يقول الكتاب ” وكان إنسان مريضا وهو لعارز 000 فأرسلت الأختان إليه قائلتين يا سيد هوذا الذي تحبه مريض فلما سمع يسوع قال هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله ليتمجد ابن الله به 000 فلما سمع انه مريض مكث حينئذ في الموضع الذي كان فيه يومين 000 وبعد ذلك قال لهم .

لعازر حبيبنا قد نام . لكني اذهب لأوقظه . وكان يسوع يقول عن موته . وهم ظنوا انه يقول عن رقاد النوم ” (يو1:11-13) . وقد ترك المسيح لعازر حتى مات وظل في القبر أربعة أيام لكي يقيمه من الموت بعد أن تعفن جسده ويصبح رميما ، فيتمجد من خلال عمله هذا المسيح كابن الله ويتمجد الله في ذاته .

وهكذا لا يتم عمل الله بالمصادفة أو بحسب الظروف إنما بترتيب إلهي سابق . ولا يمكن بل ومن المستحيل أن يكون الله قد رتب لخديعة البشر وغشهم وإيقاع مليارات الناس في هذه الضلالة الكبرى !!! ونكرر حاشا لله من ذلك !!!

إقرأ أيضاً:

إلقاء شبه المسيح على آخر – دراسة – القمص عبد المسيح بسيط

هل صلب المسيح حقيقة أم شبه لهم ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

(1) التفسير الكبير للرازي جـ 3 : 35 .

(2) التفسير الكبير جـ 2 : 466 .

(4) أخطر المناظرات ، هل مات المسيح على الصليب ؟ مناظرة بين داعية العصر أحمد ديدات والبروفيسور فلويد كلارك ، ص 82 – 110 .

 

إلقاء شبه المسيح على آخر – دراسة – القمص عبد المسيح بسيط

هل صلب المسيح حقيقة أم شبه لهم ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

هل صلب المسيح حقيقة أم شبُّه لهم؟ – القمص عبد المسيح بسيط

هل صلب المسيح حقيقة أم شبه لهم ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

 

آمن المسيحيون عبر كل تاريخهم وعصورهم، بناء على ما سبق أن تنبأ به آباء وأنبياء العهد القديم، من إبراهيم إلى موسى وجميع الأنبياء وكتاب المزامير الموحى إليهم بالروح القدس، وما دونه العهد الجديد تفصيليا عن المحاكمة والصلب والقيامة وكرازة تلاميذ المسيح ورسله للعالم أجمع بالمسيح المصلوب، وما سجله خلفاء التلاميذ والرسل، تلاميذهم الذين تعلموا على أيديهم وتسلموا منهم الإنجيل، سواء المكتوب، العهد الجديد، أو الشفوي ” فما لفم ” (2يو12؛14:3).

وذلك إلى جانب ما سجله المؤرخون والفلاسفة الرومانيون واليونانيون والربيون اليهود المعاصرون للحدث. ولم يشك أحد من المسيحيين أو غيرهم في حقيقة صلب المسيح ولا في إمكانية وحقيقة قتل الأنبياء والعظماء عبر تاريخ العالم وفي سجلات الكتاب المقدس وبقية كتب اليهود وغيرهم وذلك بطرق الإعدام والقتل المختلفة حسب أسلوب وعقيدة كل زمن وكل عصر وكل دولة.

ولم يقل أحد بأن المسيح لم يصلب أو يقتل قبل مجيء الإسلام كما لم يقل أحد بذلك غير الأخوة المسلمين وذلك بناء على تفسيرهم لما جاء في القرآن في معرض توبيخه لليهود وحديثه عن كفرهم في قوله ” وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ” (النساء:158).

 

1 – آية وحيدة ونص غير واضح :

آمن المسيحيون، كما قلنا، منذ البدء بصلب المسيح، وشرح كتاب الإنجيل بأوجهه الأربعة وبقية أسفار العهد الجديد حادثة الصلب تفصيليا، بل كانت قصة الصلب هي أول من كرز به تلاميذ المسيح ورسله وقدموه للعالم أجمع وأول ما كتب في الإنجيل، كما سبق أن تنبأ عنه أنبياء العهد القديم تفصيليا، وعرف ذلك العالم عنهم ولم يقل أحد بعدم صلب المسيح حتى جاء نص الآية القرآنية المذكور. وبعد انتشار المسيحية بأكثر من 600 سنة. وهذه الآية غير واضحة ولنا عليها عدة تساؤلات :

(1) فهي تقول ” وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ” !! ولو افترضنا أن اليهود آمنوا فعلا بأن المسيح هو رسول الله لما فكروا في قتله وصلبه بل لكانوا قد آمنوا به مثل بقية من آمن به منهم وصاروا مسيحيين(1)!!

(2) كما تقول ” وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ ” !! ولم يشك أحد لا من اليهود ولا من المسيحيين ولا من الرومان أو غيرهم في حقيقة أن الذي كان مصلوبا ومعلقا على الصليب هو المسيح، ولا في حقيقة موته على الصليب أو دفنه في القبر، ولم يقل أحد بشيء مثل ذلك في أي كتاب من كتب المسيحيين أو اليهود أو الرومان أو عيرهم !!!!

(3) وعبارة “ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ” لا تقول صراحة أن كان المقصود هو لإلقاء شبه المسيح على آخر كما يقول أصحاب نظرية الشبه أم أنها تقصد شيء آخر. يقول كل من الإمام الفخر الرازي في تفسيره، وابن كثير في كشافه : ” شبّه ” مسند إلى ماذا ؟ أن جعلته إلى المسيح فهو مشبّه به وليس بمشبّه، وأن أسندته إلى المقتول، فالمقتول لم يجر له ذكر ؟ “(2).

(4) أن كل الضمائر الموجودة بالآية والخاصة بالمصلوب تعود جميعها على المسيح وليس على آخر يمكن أن يفترض أنه المقصود !!

(5) ولم تقل من هو المصلوب صراحة ؟ سواء كان المسيح أو غيره ؟

(6) ولا من هو الذي القي عليه الشبه، أن كان هناك من ألقي الشبه عليه ؟

(7) ولا من هو المشبه ؟

(8) ولا من هو المشبه به ؟

(9) ولا كيف نجا أن لم يصلب ؟

(10) ولا كيف تم ذلك ؟ 

(11) ولا متى تم ذلك ؟

(12) ولا تقول لنا أي تفاصيل توضح المعنى المقصود في الآية ؟

(13) ولا يوجد في القرآن آية غيرها توضح ما جاء بها ؟ بل على العكس توجد ست آيات قرآنية تتكلم عن موت المسيح ووفاته قبل رفعه وتلمح لقتله، هي :

1 – فقد قيل عن لسان المسيح ” وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ” (مريم:33). وهذا نفس ما قيل عن يوحنا المعمدان، يحي ابن زكريا ” وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ” (مريم:15). والمعروف في المسيحية والإسلام أن يوحنا المعمدان أو يحي ابن زكريا مات قتيلاً على يد هيرودس الملك(3).

2 – ” وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَ فَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُون ” (البقرة:87). والآية هنا تؤكد على تكذيب اليهود لفريق من الرسل وحقيقة قتلهم لفريق آخر، وفي نفس الوقت لا تذكر من الفريقين سوى موسى وعيسى، ومن ثم فأحدهم من الفريق الذين كذبوه والآخر من الفريق الذي قتلوه !! 

3 – ” الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ” (آل عمران:183). والمسيح هو أكثر من أتي بالمعجزات وبالبينات بحسب ما ذكر القرآن وهو الذي أنزل الله عليه مائدة من السماء بناء على طلب الحواريين.

5 – ” إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ” (آل عمران:55). وهنا تتحدث الآية عن الوفاة قبل الرفع إلى السماء مباشرة.

6 – “وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ.
مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ” (المائدة:116و117). وهذه الآية تتحدث عن الوفاة قبل الرفع أيضاً !! ولكن للأخوة المسلمين تفسيرات عديدة لقوله ” متوفيك ” و ” لما توفيتني “، وأيضا في زمن الموت المقصود في قوله ” ويوم أموت “.

وباختصار فنص آية الشبه لا يوضح للمفسر أي شيء يخص نهاية المسيح على الأرض، ومن الصعب جداً أن نقول أنه ينفي صلب المسيح لأنه لو كان يقصد أن المسيح لم يصلب حقيقة، وقد ملأت عملية صلبه أكثر من ثلث العهد الجديد، كما ملأت آلاف الكتب التي كتبها آباء الكنيسة في نهاية القرن الأول وما بعد ذلك، لكان القرآن قد شرح عملية عدم صلبه وإلقاء شبهه على آخر بالتفصيل، كما فعل بعد ذلك بحوالي ألف سنة الذين زوروا كتاب إنجيل برنابا الخرافي المزيف !!!!!

فقد كان مبيتا في نية من كتبوا هذا الكتاب المزيف أن يؤكدوا النظرية لقائلة بعدم صلب المسيح فألفوا قصة إلقاء شبهه على يهوذا !! وأقول أنه لو كان في نية القرآن القول بعدم صلب المسيح لكان قد فعل ما فعلة من كتبوا هذا الكتاب المزيف !!! ولكنه لم يفعل، فماذا نفهم من ذلك ؟؟؟!!!

والعجيب بل والغريب أنه عند ترجمة قوله “ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ” إلى الإنجليزية، كما جاء في ترجمة القرآن المعتمدة من مجمع البحوث الإسلامية، لا يعطينا أي معنى واضح سوى قوله : so it was made to appear to them “، أي ظهر لهم هكذا، أو بدا لهم هكذا !!! وهذا الكلام في حد ذاته لا ينفي وقوع الصلب على المسيح مطلقاً، وسنوضح ذلك في الفصول التالية.

والخلاصة فنص الآية لا يقول أي شيء يمكن أن ينفي حقيقة قصة وحادثة صلب المسيح بل على العكس جعلت المفسرين يتخبطون ويروون روايات تتنافى مع المنطق والعدل وتمتلئ بالخرافة !!

مناظرة ( هل صلب المسيح ؟ ) جوش مكدويل و أحمد ديدات -مفرغة و مترجمة للعربية

2 ـ روايات الشبه التي رواها المفسرون :

جمع المفسرون عشرات الروايات الخرافية التي نقلوها عن جهلاء أهل الكتاب ممن امتلأت أفكارهم بالفكر الخيالي الخرافي الذي كان عالقاً في فكر بعض العامة والبسطاء خاصة الذين كانوا يعيشون في المناطق النائية والمتطرفة والبوادي والصحاري لبعدهم عن المراكز الرئيسية للكنيسة الأم، وذلك دون أن يشيروا أبدا إلى ثقتهم فيها واعتمادهم عليها، وقد ذكر عن بعضهم ابن خلدون بقوله : ” وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين والمقبول والمردود‏.‏ والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية‏.‏

فإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى ‏.‏ وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ‏ !‏

بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ومعظمهم من حمير الذين اخذوا بدين اليهودية‏.‏ فلما اسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك‏.‏ وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم ‏.‏

فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض أخبارا موقوفة عليهم وليست مما يرجع إلى الأحكام فيتحرى في الصحة التي يجب بها العمل ‏.‏ وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملؤوا كتب التفسير بهذه المنقولات.‏ واصلها كما قلناه عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك إلا انهم بعد صيتهم وعظمت أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة فتلقيت بالقبول من يومئذ‏ ‏”(4).

هؤلاء الناس رووا العديد من الروايات الخرافية التي امتلأت بها الكتب وخاصة كتب التفسير، كما يقول ابن خلدون، وان كان ناقلوها لم يعتمدوا عليها أو يوحوا بصحتها ولكنهم نقلوها كما هي بل وكان لهم تفسيرات مختلفة عنها تماماً !! وكثيراً من هذه الروايات الخرافية يقول بصلب أخر بدلاً من المسيح بصورة خرافية وثنية. وهذا ملخص لبعض الروايات.

1 – قال القرطبي في كتابه ” الجامع لأحكام القرآن ” في تفسيره لآية سورة النساء 157 ” قوله تعالى: ” وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ” كسرت ” إن ” لأنها مبتدأه بعد القول وفتحها لغة. وقد تقدم في ” آل عمران” اشتقاق لفظ المسيح. ” رسول الله ” بدل، وإن شئت على معنى أعني. ” وما قتلوه وما صلبوه ” رد لقولهم. ” ولكن شبه لهم ” أي ألقي شبهه على غيره كما تقدم في ” آل عمران “.

وقيل : لم يكونوا يعرفون شخصه وقتلوا الذي قتلوه وهم شاكون فيه ؛ كما قال تعالى: ” وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ” والإخبار قيل : إنه عن جميعهم. وقيل : إنه لم يختلف فيه إلا عوامهم ؛ ومعنى اختلافهم قول بعضهم إنه إله، وبعضهم هو ابن الله. قاله الحسن : وقيل اختلافهم أن عوامهم قالوا قتلنا عيسى.

وقال من عاين رفعه إلى السماء : ما قتلناه. وقيل : اختلافهم أن النسطورية من النصارى قالوا : صلب عيسى من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته. وقالت الملكانية : وقع الصلب والقتل على المسيح بكماله ناسوته ولا هوته.

وقيل : اختلافهم هو أنهم قالوا : إن كان هذا صاحبنا فأين عيسى ؟ ! وإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ؟ ! وقيل: اختلافهم هو أن اليهود قالوا : نحن قتلناه ؛ لأن يهوذا رأس اليهود هو الذي سعى في قتله. وقالت طائفة من النصارى : بل قتلناه نحن. وقالت طائفة منهم : بل رفعه الله إلى السماء ونحن ننظر إليه. ” ما لهم به من علم ” من زائدة ؛ وتم الكلام “.

ونلاحظ هنا أن كل ما نقله لا يتفق مع بعضه وهو لا يقدر أن يؤكد على أي شيء بالمرة سواء صلب المسيح أو عدمه، بل يعتمد دائما على كلمة ” قيل “، أنه ينقل مجرد أقاويل وليس حقائق !!!!

2 – وروى الطبري عدة روايات مختلفة بعضها عن بعض ولا توجد أية صلة بينها :

(1) ” ثم إن بني إسرائيل حصروا عيسى وتسعة عشر رجلا من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه : من يأخذ صورتي فيقتل وله الجنة، فأخذها رجل منهم، وصعد بعيسى إلى السماء، فذلك قوله: ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) فلما خرج الحواريون أبصروهم تسعة عشر، فأخبروهم أن عيسى قد صعد به إلى السماء، فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلا من العدة، ويرون صورة عيسى فيهم فشكوا فيه، وعلى ذلك قتلوا الرجل وهم يرون أنه عيسى، وصلبوه ” !!

(2) ” لما أحاطت اليهود به وبأصحابه، أحاطوا بهم، وهم لا يثبتون معرفة عيسى بعينه، وذلك أنهم جميعا حولوا في صورة عيسى، فأشكل على الذين كانوا يريدون قتل عيسى… وخرج إليهم بعض من كان في البيت مع عيسى، فقتلوه وهم يحسبونه عيسى “!!

(3) ” أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت وأحاطوا بهم. فلما دخلوا صورهم الله كلهم على صورة عيسى. فقالوا لهم حيرتمونا. ليبرزن لنا عيسى أو نقتلكم جميعاً. فقال عيسى لأصحابه من يشتري نفسه منكم بالجنة فقال رجل أنا، فخرج إليهم. فقال أنا عيسى فأخذوه. فقتلوه وصلبوه ومن ثم شبه لهم. وظنوا انهم قتلوا عيسى. ورفع الله عيسى من ذلك اليوم “(5)!!

(4) ” أن بني إسرائيل حصروا عيسى وتسعة عشر رجلا من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه: من يأخذ صورتي فيقتل وله الجنة ؟ فأخذها رجل منهم. وصعد بعيسى إلى السماء، فلما خرج الحواريون أبصروهم تسعة عشر، فأخبروهم أن عيسى عليه السلام قد صعد به إلى السماء، فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلا من العدة، ويرون صورة عيسى فيهم، فشلوا فيه. وعلى ذلك قتلوا الرجل وهم يرون أنه عيسى وصلبوه “!!

(5) ” كان اسم ملك بني إسرائيل الذي أرسل إلى عيسى ليقتله رجلاً منهم يقال له داود. فلما اجمعوا لذلك لم يفظع عبد من عباده للموت فظعه ولم يجزع جزعه !! وانه ليقول عما يزعمون : اللهم أن كنت صارفاً هذه الكأس عن أحد من خلقك، فأصرفها عني وحتى أن جلده من كرب ذلك يتصفد دماً. فدخل المدخل الذي اجمعوا عليه فيه، ليقتلوه هو وأصحابه، وهم ثلاثة عشر بعيسى فلما أيقن انهم داخلون عليه… ألقى شبه على أحدهم فامسكوه وصلبوه “!!

(6) ” أو يكون الأمر في ذلك كان على نحو ما روى عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه، أن القوم الذين كانوا مع عيسى في البيت تفرقوا عنه قبل أن يدخل عليه اليهود، وبقي عيسى، وألقي شبهه على بعض أصحابه الذين كانوا معه في البيت بعد ما تفرق القوم غير عيسى وغير الذي ألقي عليه شبهه، ورفع عيسى، فقتل الذي تحول في صورة عيسى أصحابه، وظن أصحابه واليهود أن الذي قتل وصلب هو عيسى لما رأوا من شبهه به وخفاء أمر عيسى عليهم؛

لأن رفعه وتحول المقتول في صورته كان يعد تفرق أصحابه عنه، وقد كانوا سمعوا عيسى من الليل ينعى نفسه ويحزن لما قد ظن أنه نازل به من الموت، فحكوا ما كان عندهم حقا، والأمر عند الله في الحقيقة بخلاف ما حكوا، فلم يستحق الذين حكوا ذلك من حوارييه أن يكونوا كذبة، أو حكوا ما كان حقا عندهم في الظاهر وإن كان الأمر عند الله في الحقيقة بخلاف الذي حكوا “(6).

3 – وذكر البيضاوي أربعة روايات تبدأ بإلقاء شبه المسيح على غيره وتنتهي بصلبه :

(1) ” روى أن رهط من اليهود سبوه وأمه فدعى عليهم فمسخهم الله قردة وخنازير، فاجتمعت اليهود على قتله. فأخبره الله تعالى بأنه يرفعه إلى السماء. فقال لأصحابه ايكما يرضى أن يلقى شبهي عليه فيقتل ويصلب ويدخل الجنة. فقام رجل منهم فألقى الله عليه شيه عيسى فقتل وصلب ” !!

(2) ” وقيل كان رجل ينافق عيسى فلما أرادوا قتله قال أنا أدلكم عليه فدخل بيت عيسى فرفع عيسى وألقى شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون انه عيسى”!!

(3) ” وقيل دخل طيطانوس اليهودي بيتاً كان هو فيه فلم يجده، وألقى الله عليه شبهه فلما خرج ظن أنه عيس فأخذ وصلب ” !!

(4) ” وقال قوم صلب اللاهوت وصعد الناسوت “(7)!!

4 – وروى الأمام النسفي نفس الرواية الأولى والثالثة اللاتي رواهن البيضاوي.

5 – كما روى ابن كثير في الجزء الأول من كتابه الكشاف نفس هذه الروايات وكذلك أيضا ابن مسعود والخازن والبغدادي وغيرهم نفس الروايات تقريباً ولا تختلف عنها سوى في تغيير مكان القبض على المصلوب واسم المصلوب الذي دعته بيهوذا ونطيانوس اليهودي وسرجس والحارس الذي أقامه اليهود لحراسة المسيح وأحد أصحاب المسيح الذي صلب راضياً ليدخل الجنة وأحد أصحاب المسيح الذي صلب جزاء لخيانته.. الخ، بل وقيل لم يصلب أحد ولكن أرجف بقتله فشاع بين الناس !! بل وقال قوم، كما نقل البيضاوي ” صلب الناسوت وصعد اللاهوت !!

3 ـ تعليق على هذه الروايات :

هذه الروايات الخيالية الخرافية غير المنطقية تشترك في صفات كثيرة نلخصها فيما يلي :

1 ـ لم تأخذ هذه الروايات لا عن القرآن ولا عن السنة الصحيحة ولا كتب السير النبوية ولا عن أي وثيقة معتمدة من أي دين !! إلى جانب أنه لا يوجد هناك كتاب صحيح يعتمد عليه في هذا الأمر ليفسر لنا الآية تفسيرا يقنع جميع المفسرين !!

2 – لم يعتمد معظم الكتّاب والمفسرين الذين نقلوا هذه الروايات الخيالية، على واحدة منها، وذلك برغم ذكرهم للعديد منها، لأنه لا يوجد أي سند أو دليل لأي واحدة منها على الإطلاق سوى القول ” روي أن ” أو ” قيل ” أو ” عن وهب ” أو ” عن فلان “… الخ وهؤلاء الذين نقلت عنهم هذه الروايات، سواء كانوا من اليهود أو النصارى الذين اعتنقوا الإسلام، كما يقول ابن خلدون في تاريخه كانوا ” بادية جهلاء ” !! ويسمي العلماء ما نقل عنه بالإسرائيليات.

3 – اعتمدت هذه الروايات بالدرجة الأولى على الفكر الغنوسي، الذي سنشرحه لاحقاً، والذي تأثر به بعض البسطاء من عامة البادية وذلك إلى جانب الفكر النسطوري، الذي انتشر بواسطة الرهبان النسطوريين الذين عاشوا في الصحاري وكان بعضهم يعيش بالقرب من طرق الرحلات التجارية، والذين كانوا يعتقدون أن المسيح مكون من شخصين متصاحبين هما الإله الذي كان يقوم بالمعجزات والإنسان الذي كان يتحمل الآلام، وبالتالي فقد صلب الإنسان لا الإله، أي صلب الناسوت ولم يصلب اللاهوت كما ذكر بعض ناقلي هذه الروايات ” وقيل صلب الناسوت ولم يصلب اللاهوت “.

4 – امتلأت هذه الروايات بالخرافة والخيال الساذج والتناقض الشديد، فقد ذكر بعضها أن سبب صلب المسيح هو “سبه اليهود ومسخه لهم قردة وخنازير”!! والكثير منها لم يذكر سبباً لذلك !! كما تناقضت بشدة من جهة الشخص الذي قيل أنه صلب بدلاً من المسيح والمكان الذي تم فيه ذلك والزمان الذي تم فيه الصلب !! فيقال أن الذي صلب هو أحد أصحابه حباً في معلمه أو جزاءً لخيانته !! أو أنه أحد أعدائه أو الذي ارشد عنه أو حارس المنزل… الخ !! وانه قبض عليه في بيته أو في بيت أحد أصحابه أو في مكان آخر واغلب الروايات لا تذكر المكان على الإطلاق !! أما الزمان فغير واضح تماماً !!

5 – نسبت هذه الروايات للمسيح صفات لا تليق به تماماً وتختلف مع صفاته الحقيقية السامية مثل الإدعاء بأنه ” سب اليهود ومسخهم قردة وخنازير “!! وهذه صفات وأعمال لا تليق بالرب يسوع المسيح الذي جاء ” نوراً للعالم ” (يو 46:12) والذي كانت دعوته هي الحب والتسامح بلا حدود ” احبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم احسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم ” (مت44:5).

والغريب أن بعض هذه الروايات، الخرافية الساذجة، تزعُم أن المسيح خاف وجبن أمام الموت وارتعب لدرجة انه لم يرتعب أحد مثله أمام الموت !! وأن أحد تلاميذه كان أشجع منه وقبل أن يموت نيابة عنه!! فهل يقبل هذا إنسان عرف من هو المسيح ؟!! وهل يتفق ذلك مع قول المسيح نفسه ” وأنا أضع نفسي عن الخراف ” (يو15:10) و” ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه ” (يو13:15). هل يخاف المسيح من الموت وهو القائل ” لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ” (مت28:10) ؟!!

الواقع أن هذه الروايات ألغت العقل تماماً وجهلت الواقع والدين والتقليد والتاريخ وغرقت في الخرافة والجهل والحماقة لذلك لم يعتمد عليها أحد برغم امتلاء الكتب بها!!

4 ـ الكتاب المعاصرين ونظرياتهم الخاصة :

بعد أن تبين لنا أن الروايات السابقة غير منطقية خرج علينا بعض الكتاب المعاصرين بنظريات وأراء خاصة بهم وحدهم، بل كل واحدة منها تخص كاتبها فقط، فقد أنتجها بوحي خياله بدون أي سند من كتاب موحى به أو واقع أو تاريخ أو منطق سوى محاولة إثبات عدم صلب المسيح وعدم قيامته!! والعجيب انهم جميعاً لم يتفقوا معاً على رواية واحدة !! بل والأعجب انه لم يتفق اثنان منهم على رواية واحدة !! وهذه أم رواياتهم :

1 – تقول الرواية الأولى ومؤلفها، من وحي خياله، الأستاذ عبد الحميد جودة السحار، والتي مزج فيها بين ما جاء في الأناجيل الأربعة وأفكاره الخاصة التي أنتجها خياله الخصب كمؤلف وكاتب سيناريو وحوار شهير!! أن يهوذا شك في المسيح فاتفق مع أعدائه أن يسلمه لهم، وحجة ذلك، لكي يزكي في المسيح روح المقاومة ويخرجه من عزلته حتى ينتصر عليهم في العيد فتؤمن به الوفود القادمة من بلاد كثيرة فيمهد بذلك الطريق لملك المسيح الدائم !!

أي أن يهوذا أراد أن يخدم المسيح فباعه ؟!! وبعد العشاء ذهب يهوذا إلى الهيكل ليخبر عن مكانه وقاد مجموعة من الجنود الرومان وخدام رئيس الكهنة إلي حيث كان المسيح لأنهم كما يزعُم هذا الكاتب ” لم يكونوا يعرفونه ” وقد أُرسلوا ليقبضوا على رجل لم يروه من قبل ليلتهم ” !!

فقال لهم المسيح ” أنا هو ” فرجعوا للوراء وسقطوا على الأرض، فأمر تلاميذه بالهرب، فهربوا وظل يهوذا وحده مذهولاً، فتقدم المسيح خطوات ” فرجع الجنود للخلف وانطلق المسيح من بينهم دون أن يروه وذهب ليختفي” فقبضوا على يهوذا الذي وجدوه واقفاً في الظلام وحده وهم يظنون انه المسيح فحاول مقاومتهم وان يصرخ بهم انهم أخطئوا ولكن دون جدوى، فلزم الصمت وهو يظن أن الله انزل به هذا البلاء جزاء شكه !!

واجتاز المحاكمات في صمت ولم يجب عن معظم ما وجه إليه من أسئلة !! ولما سأله رئيس الكهنة ” هل أنت المسيح ؟ لم يشأ أن يكذب وقال ” أنت تقول… من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة واتياً في سحاب السماء ” !! وقال لبيلاطس ” إذا أمرت بقتلي ترتكب ظلماً كبيراً لأنك تقتل برئ ” !!

ثم أخذ يهوذا وصلب على الصليب قال ” أنا عطشان ” فأعطوه خلاً، فصدق قول المسيح، انه لن يشرب من نتاج الكرمة إلا في ملكوت السموات، فالمسيح لم يشرب الخل الذي هو نتاج الكرمة بل يهوذا هو الذي شرب !! ثم صرخ ” إلهي إلهي لماذا تركتني ؟ ” ولم يقل ” أبي.. أبي لماذا تركتني ؟ ” لأنه لم يكن قد تعود أن يدعوا الله “أبي ” !!

أما تلاميذه فقد هربوا وظنوا أن الذي صلب هو المسيح لا يهوذا كقول المسيح ” كلكم تشكون في هذه الليلة “. ثم ذهب المسيح عند قبر يهوذا وظهر للمجدلية وتلميذي عمواس ثم لبقية التلاميذ دون أن يخبرهم بحقيقة المصلوب، ثم تركهم هكذا – في ضلال مبين – حتى يأتي الباراقليط، والذي يتصور الكاتب أنه نبي المسلمين، فيذكرهم بكل شئ !! أي تركهم لمدة 600 سنة على الأقل في ضلال مبين !! هل يقبل العقل والمنطق هذا الكلام ؟؟!!

والكاتب يزعُم أن التلاميذ خُدعوا من الله أولاً ثم أن المسيح اكمل هذه الضلالة وذهب إلي قبر يهوذا فتظاهر بأنه هو الذي مات وقام ليُمعن بذلك في تضليل التلاميذ ثم تركهم في ضلال مبين ؟!! ليبشروا الناس بأوهام وضلال(8)!!!

2 ـ وتقول رواية ثانية : أن الذين ذهبوا للقبض على المسيح لم يكونوا على بينة من هيئته أو هيئة يهوذا الذي أخذوه معهم ؟!! ليدلهم عليه ! لأنهم التقوا بيهوذا في المعبد الذي عاده ما يكون ضؤه خافتاً وساروا إلى المسيح في الليل في ضوء المشاعل الذي لا تتبين فيه الأمور على حقيقتها، وبالتالي لم يكن في وسعهم التفرقة بين المسيح ويهوذا ؟!

ولما جاءوا إلى حيث المسيح هرب كل التلاميذ وظل يهوذا وحده، فضاعت كل الوسائط التي يمكن بها الكشف عن المسيح !! وفي هذا الجو الملبد بالغموض ظهرت ذراع الله القوية ورفعت المسيح إلى السماء، فسقط الجميع على الأرض، على وجوههم، ولما قاموا لم يجدوا أمامهم سوى يهوذا. فقبضوا عليه ظانين انه المسيح ؟!! ولما رأى يهوذا ذراع الله التي أنقذت المسيح ندم أراد أن يكفر عن أثمه، فسلم لهم نفسه، فأخذوه وصلبوه وشاع أن الذي صلب هو المسيح !!

ونقول لهذا الكاتب : كيف رفعت ذراع الله المسيح أمامهم وأمام يهوذا ومع ذلك ظنوا أن يهوذا هو المسيح !!

3 – وتقول رواية ثالثة : ” أن الله لم يلق صورة المسيح على أحد بل أن اليهود لم يكونوا على بينة من هيئة يهوذا أو هيئة المسيح !! ونظراً لأنهم كانوا يريدون القبض على المسيح وصلبه في الليل وقعت أيديهم على يهوذا فصلبوه وهم يظنون انه المسيح ” !!

هكذا بشكل اعتباطي وبدون بحث أو تحري أو دليل ؟!! هكذا، في نظر هذا الكاتب، يقبضون على شخص وقف أمام أمه بأسرها ؟!!

4 – وتقول رواية رابعة : ” في لحظة إتيان اليهود للقبض على المسيح عيسى، فالأناجيل تقرر انه عندما تحدث إليهم وعرفهم بنفسه، رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض… ” ثم يترك هذا الكاتب بقية ما جاء في الأناجيل ويؤلف رواية من عنده هو ويقول “وفي هذه اللحظة رفع الله نبيه إليه وألقى شبهه تلميذه الخائن، فلما أفاق اليهود من سقطتهم لم يجدوا أمامهم سوى يهوذا فساقوه للمذبح ” !! هكذا دون تحقيق أو بحث وكأننا في عالم سحري خيالي يمت لكوكب أخر، يعيش في ما يشبه أساطير ألف ليلة وليلة، ولا صلة له بالأرض !!

5 – ويقول البعض، وهم غير مقتنعين بالروايات السابقة، أن المسيح قبض عليه بالفعل وحُكم بالفعل ولكن الله أنقذه بعد ذلك، أنقذه بعد القبض عليه ومحاكمته ورفعه إليه ولا يذكرون كيف حدث ذلك بل أن أحدهم ينهي كتابه والمسيح مقبوض عليه وبين أعدائه ولا يقول لنا إن كان قد صلب أم لا ؟! ويترك المسألة بجملتها لإيمان القارئ سواء كان يؤمن بالصلب أم لا !!

6 – وتقول رواية أخرى مختلفة تماماُ عن كل ما سبق !! ” أن المسيح هرب قبل حادثة الصلب. فقد ذكر يوحنا، أن المسيح لما علم أن اليهود سيقتلونه لم يكن يمشي علانية، بل انطلق إلى ناحية بالقرب من البرية مع تلاميذه. ومن ثم فإن تلاميذه هم الذين ألفوا قصة صلبه من عندياتهم، ليكرم الناس ذكراه، ويعتنقوا المبادئ التي نادى بها في حياته لأن الناس يجلون الشهداء ويشيدون بأعمالهم كما يحفظون ذكراهم من عام إلى عام ” !!

هل هذا منطق أو عقل ؟!! وهل هذه أخلاق التلاميذ الحواريين التي تجلهم كتب الأديان وتضعهم في مصاف الأنبياء والرسل ؟!!

7 – وتقول روايات أخرى : ” أن تلاميذ المسيح جمعوا النبوات التي قيلت في التوراة عن موت شخص كفارة من العالم، وصاغوا منها قصة صلب المسيح، حتى يثبتوا انه الشخص الذي تنبأت عنه من قبل ” ؟!! هكذا وكأن ما حدث للمسيح حدث في زاوية ولم يره عشرات الآلاف بل ملايين الناس ؟؟!!

ونقول لهؤلاء ؛ إذا كانت هناك نبوات عن شخص يموت كفارة عن العالم في التوراة، فلماذا لا يأتي هذا الشخص ؟ ولماذا لا يكون هذا الشخص هو المسيح ؟!! ولماذا لم تتم فيه ؟؟!! ولماذا كان التلاميذ في حاجة إلى التأليف ؟!!

8 – ويقول آخرون : ” أن تلاميذ المسيح نقلوا موضوع صلبه أو موته لأجل خلاص العالم، من الأساطير الوثنية. لأن الوثنيين كانوا يعتقدون أن ألهتهم مثل كريشنا وبوذا وتاموز وايزيس وبروميتسييه تألموا بآلام متنوعة، من بينها الصلب، لكي يخلصوا الناس من خطاياهم ويمنحوهم حياة أبدية ” !! ومرة أخرى نقول هل المتحدث عنهم هنا هم تلاميذ المسيح ؟! وهل هذا ما قاله التاريخ ؟! وهل هذا يتفق مع العقل والواقع ؟! ولو كان صلب المسيح وموته مجرد أسطورة من الأساطير فهل كان يستشهد جميع تلاميذ المسيح ويضحون بحياتهم من أجل أسطورة ؟؟!!

9- وقال آخر ” أخذ جند الرومان يبحثون عن عيسى لتنفيذ الحكم عليه، وأخيرا عرفوا مكانه فأحاطوا به ليقبضوا عليه، وكان من أصحابه رجل منافق يشي به، فألقى الله عليه شبه عيسى وصورته فقبض عليه الجنود وأرتج عليه وأسكته الله فنفذ فيه حكم الصلب، أما المسيح فقد كتب الله له النجاة من هذه المؤامرة، وأنسل بين المجتمعين، فلم يحس به أحد وترك بني إسرائيل بعد أن يأس من دعوتهم وبعد أن حكموا بإعدامه… ولم تجد المراجع الإسلامية الدقيقة شخص هذا الواشي وربما تأثرت بالمراجع المسيحية فذكرت أن الخائن هو يهوذا الأسخريوطي “(9).

وقال في طبعة الكتاب الثامنة (ص54و55) متأثرا بما جاء في إحدى روايات البيضاوي وما جاء في الكتاب المزيف المدعو زورا بإنجيل برنابا:

أخذ جند الرومان يبحثون عن عيسى لتنفيذ الحكم عليه، كما أوردنا من قبل ” وكمل بقصة خيانة يهوذا ومجيئه مع الجند الرومان للقبض على المسيح إلى أن قال ” وتم كل شيء على هذا النمط، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان، فأنه عند تقبيل الخائن للمسيح ألقى الله على الخائن شبه عيسى وملامحه تماماً، فأصبح الدليل هو المدلول عليه، واصبح الذي قبّل يحمل جميع ملامح الذي قبُُّل، وتقدم الجند الرومان فقبضوا على الخائن وأرتج عليه، أو أسكتَه الله حتى تم فيه تنفيذ حكم الصلب ” !!!!!

وهكذا تتغير الأفكار والأقوال تبعا للمصلحة، وتؤلف القصص والروايات لتأكيد العقيدة، والغريب أنهم يتهموننا بالتحريف ؟؟؟؟!!!!!

10 – وقال آخر ” تجلت قدرة الله سبحانه في رفع السيد المسيح إلى السماء معززا مكرما وإيقاعها بالمجرم الخائن يهوذا لينال عقاب خيانته “(10).

11 – ونقل محمود شلبي عن عبد الوهاب النجار في كتابه قصص الأنبياء ” أما خاتمة أمر المسيح… بحسب قصص القرآن فهي عجيبة وبسيطة… لا تعقيد فيها… ذلك أن المسيح قد أحرج الكهنة والفريسيين بتعليمه وتجريحه إياهم في طريقتهم وخبثهم… فأخرجهم ذلك إلى الكيد له والتدبير لقتله.

” فلما اختمر هذا الأمر في أنفسهم… شكوا أمره للوالي طبعاً وزينوا له شكواهم بما يستدعي اهتمام الوالي… بأن ادعوا عليه أنه يقول أنه ملك اليهود… وأنهم لا يقرون بملك إلا قيصر رومية، ” فأرسل الوالي جندا للقبض على المسيح عيسى ابن مريم… فلما أتوا ولم يبق إلاّ القبض عليه، ” والمسيح قد أهتم لهذا الأمر.. وخشى أن ينالوه بالأذى… أنقذه الله من أيديهم… وطهره منهم… وألقى شبهه على شخص آخر… عُلم فيما بعد أنه تلميذه الخائن… وعرفته الأناجيل بأنه يهوذا – كما هو مشهور – وصار بحيث كل من رآه لا يشك أنه يسوع… فأخذ وصُلب وقُتل… ونجا المسيح من شرهم “(11).

 وهنا نسأل الناقل والمنقول عنه ونقول لهما ؛ هل حقا ما تقولانه هو ما جاء في القرآن ؟؟!! وأين ورد ؟؟!! وإذا كنتما قد خلطتما بين ما جاء في الإنجيل ونسبتماه للقرآن فأين يوجد هذا الكلام في كلا الكتابين ؟؟!! وهل يمكن أن نصدق أقوالكما بعد ذلك ؟؟؟!!!

12 – وهناك نظرية قال بها الشيخ محمد رشيد رضا أسماها بـ ” نظريتي في قصة صلب المسيح وقيامته من الأموات ” !! قال فيها بالقبض على المسيح ثم قال ” ولما كان الصباح ساقوه إلى بيلاطس الذي كان يود إنقاذه منهم ولكن الظاهر من الأناجيل أنه لم يفلح فحكم بصلبه فأخذه العسكر إلى السجن حتى يستعدوا للصلب ففر من السجن هاربا أما بمعجزة أو بغير معجزة كما فر بعض اتباعه من السجون أيضا.

وربما ذهب إلى جبل الزيتون ليختفي… وهناك توفاه الله أو رفعه إليه بجسمه، أو بروحه فقط فخرج الحراس للبحث عنه. وكان يهوذا مسلمه مصمما على الانتحار ومضى خارجا ليشنق نفسه في بعض الجبال (مت 3:27-20) ندما وأسفا على ما فعل فلقيه الحراس، ونظرا لما بينه وبين المسيح من الشبه التام فرحوا وظنوه هو وساقوه إلى السجن متكتمين خبر هروبه من العقاب، ولما وجد يهوذا أن المقاومة لا تجدي نفعا ولما طرأ عليه من التهيج النفساني الشديد واليأس الذين يصيب عادة المنتحرين قبل الشروع في الانتحار ”

ثم يكمل عل أن يهوذا هو الذي صلب وقال أنه لم يكن حاضرا وقت الصلب إلا بعض النسوة اللواتي لا يمكنهن من الإمعان والتحديق إلى المصلوب في مثل هذا الموقف وكذلك بعد موقفهن عنه فلذا اعتقدن أنه هو المسيح !!! ولما وجد في وجود العذراء ويوحنا عند الصليب ما يبطل نظريته وادعاءاته من الأساس قال ” وأما دعوى الإنجيل الرابع (19 : 26) أن مريم أم عيسى ويوحنا كانا واقفين عند الصليب فالظاهر أنها مخترعه “(12)!!!

ولا نعرف من أين أتى هؤلاء الكتاب بالزعم القائل أنه كان هناك شبه تام بين يهوذا والمسيح، إلا إذا كان من خيالهم لعدم اقتناعهم بنظرية إلقاء شبه المسيح على غيره !!

وهكذا يخترعون القصص ويؤلفون الروايات ويضعون النظريات، ويقولون ؛ يبدو والظاهر وربما… إلخ في محاولة يائسة لإثبات عدم صلب المسيح. لا لشيء إلا لأنهم لا يملكون سوى نص واحد غير واضح يتكلم بطريقة غير واضحة المفترض أنه يناقش حقيقة يؤمن بها ملايين بل ومليارات البشر عبر تاريخ المسيحية !!! أنهم يؤلفون الراويات ويؤمنون بصحتها !!!!

وهذا يذكرنا بأسطورة بجمليون، فما هي أسطورة بجمليون ؟ تقول الأساطير اليونانية أنه كان هناك صانع تماثيل يدعى بجمليون صنع تمثالا جميلا لامرأة جميلة فأعجب بالتمثال إعجابا شديدأ، ومن شدة إعجابه به تمنى أن يصير التمثال امرأة حقيقية، فاستجابت له الإلهة وتحول التمثال إلى امرأة حقيقية !!!

وهذا ما يفعله كتاب روايات الشبه فهم ينسجون روايات من وحي خيالهم تقول بإلقاء شبه المسيح على آخر ويصدقونها، برغم أنهم هم مؤلفيها، ولكن نقول لهم أننا نعيش الواقع وليس الأسطورة لذا لن تتحول رواياتهم التي ألفوها من وحي خيالهم إلى حقيقة، فلا هم بجمليون وليس هناك آلهة تستجيب لهم فتحولها إلى حقيقة كما يتوهمون !!!

5 – التعليق على هذه النظريات والأقوال :

1 – عند النظر إلى هذه الروايات والأقوال يتضح لنا للوهلة الأولى إنها متناقضة ومتعارضة ومتضاربة وانه لا أساس لها ولا سند ولا دليل على صحتها وإنها مجرد أفكار خيالية من تأليف رواتها ووحي خيالهم، وهم لم ينكروا ذلك !! بل أن كل منهم حاول أن يروي رواية، معتمداً على خياله بالدرجة الأولى مع محاولة بتر بعض آيات الكتاب المقدس وتأليفهما مع رواياتهم المزعومة !! ولا نعرف كيف يستبيحون لأنفسهم ذلك ؟!! إذ لا هم لهم إلا مجرد الإيهام بأن المسيح لم

يصلب وإنما الذي صلب هو غيره !! بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة !! فالغاية هي محاولة الإيهام بأن المسيح لم يصلب والوسيلة هي تلفيق روايات خيالية وغير واقعية للإيحاء والإيهام بذلك !! مع تغيير وتبديل الحقائق الإنجيلية !!

2 – كما أن هذه الروايات قيلت أساساً لتفسير عبارة ” شُبِّهَ لَهُمْ ” بمفهوم واحد فقط هو نظرية إلقاء شبه المسيح على آخر دون أي اعتبار لحقائق التاريخ العام والتقليد المسيحي، وبالرغم من صمت الآية عن ذكر أي تفصيلات !!!

3 – هذا الصمت وضع هؤلاء الكتاب في حيرة فراحوا يؤلفون ويتخيل كل واحد منهم حسب هواه وحسب ما يتراءى له، ونتيجة لذلك خرج كل واحد منهم بفكره أو برواية مختلفة تماماً عن الآخر سواء في مكانها أو زمانها أو أشخاصها، فقد اختلفت هذه الروايات من جهة الشبيه الذي قيل انه صلب بدلاً من المسيح، فقد قال البعض أن هذا الشخص لا يعرفه إلا الله ” فلنترك المسألة عند هذا الحد ” !!

وقال البعض الأخر انه أحد الذين يحبون المسيح وقال غيرهم انه يهوذا جزاء خيانته أو جزاء شكه في معلمه أو حباً في معلمه !! كما اختلفت في كيفية القبض على المصلوب فقالوا أن المسيح ألقى شبهه على يهوذا أو هرب أو صعد إلى السماء ! آو أن يهوذا كان شبيهاً بالمسيح لدرجة عدم التفريق بينهما ! أو أن اليهود لم يكونوا على بينة من هيئة المسيح أو يهوذا ! أو أن ذلك حدث بسبب الظلام..الخ

كما أضافت روايات أخرى أن المسيح حُكم ولكنه لم يصلب، بل هرب من السجن !!! أو أن قصة الصلب من الأساس ملفقة!! “فالمسألة كلها من تأليف تلاميذه ” !! كما اختلفت هذه الروايات أيضاً من جهة الزمان والمكان ودوافع الصلب.

أخيراً يقول لنا الشيخ محمد أبو زهرة ” أن القرآن الكريم لم يبين لنا ماذا كان

من عيسى بين صلب الشبيه ووفاة عيسى أو رفعه على الخلاف في ذلك، ولا إلى أين ذهب، وليس عندنا مصدر صحيح يعتمد عليه، فلنترك المسألة : ونكتفي باعتقادنا اعتقادا جازماً أن المسيح لم يصلب ولكن شبه لهم “(13).

انه لا يوافق على كل ما روي من روايات ويعتبرها جميعاً من مصادر غير صحيحة، ويعتمد فقط على اعتقاده بأن المسيح لم يصلب دون الاعتماد على أي رواية لم تذكر في أي مصدر صحيح !!

وهذا الرأي هو ما يتفق عليه الغالبية العظمى من المحاورين المسلمين الذين يتحاورون في موضوع صلب المسيح على شبكة الإنترنت وأغلبهم يرفضون جميع هذه الروايات سواء القديمة أو الحديثة لعدم صحتها وإلغائها للعقل والمنطق، ولأنها جميعا تسقط دائما مع الحوار المنطقي الجاد، ويتمسكون فقط بحرفية آية سورة النساء 157 !!!

(1) ويرى البعض أن الآية تتكلم بأسلوب العبرة وليس بأسلوب التاريخ والتأريخ، فيقول أ. محمد أحمد خلف الله ” وبان للعقل الإسلامي أن وصف عيسى عليه السلام بأنه رسول الله في قول اليهود الذي حكاه عنهم القرآن في قوله تعالى (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيس بن مريم رسول الله)، لا يمكن أن يفهم على أنه قد صدر حقاً من اليهود فهم لم ينطقوا بهذا الوصف وإنما القرآن هو الذي أنطقهم به، ذلك لأن وصفه بالرسالة ليس إلا التسليم بأنه رسول الله وهم لم يسلموا بهذا، ولو سلموا بهذا لأصبحوا مسيحيين، ولما كان بينهم وبينه أي لون من ألوان العداء، ولما كان قُتل وصُلب.

إن اليهود إنما يتهمون عيسى بالكذب، وينكرون عليه أنه رسول الله، ويذكرونه بالشر، ويقولون إنه ابن زنا وأن أمه زانية. يقول اليهود كل هذا وأكثر منه، ومن هنا لم يستطع العقل الإسلامي أن يسلم بأن وصف عيسى بأنه رسول الله قد صدر حقاً من اليهود “. القصص القرآني مع شرح وتعليق خليل عبد الكريم (ص66و67).

 

(2) التفسير الكبير جـ 3 : 35 ؛ والكشاف جـ 1 : 580.

(3) فقد أورد الحافظ ابن كثير في كتابه البداية والنهاية جـ 2 : 53و54 ” بيان قتل يحي عليه السلام. وذكروا في قتله أسبابا أشهرها أن بعض ملوك ذلك الزمان بدمشق كان يريد أن يتزوج ببعض محارمه أو من لا يحل له تزويجها فنهاه يحي عليه السلام عن ذلك فبقى في نفسها منه. فلما كان بينها وبين الملك ما يحب منها استوهبت منه دم يحي فوهبه لها فبعثت إليه من قتله وجاء برأسه ودمه في طشت إلى عندها “.

(4) تاريخ ابن خلدون جـ 1 فـ 5، و قراءات في الفلسفة د. علي النشار ص 26.

(5) وروى الأمام جلال الدين السيوطي نفس الرواية تقريباً في كتابه ” الدر المنثور في التفسير بالمأثور ” فقال ” فأتى عيسى ومعه سبعة وعشرون من الحواريين في بيت وأحاطوا بهم، فدخلوا عليهم وقد صورهم الله على صورة عيسى، فقالوا: قد سحرتمونا؟ لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلكم جميعا، فقال عيسى لأصحابه: من يشتري منكم نفسه بالجنة؟ فقال رجل من القوم: أنا. فأخذوه فقتلوه وصلبوه، فمن ثم شبه لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى وصلبوه فظنت النصارى مثل ذلك، ورفع الله عيسى من يومه ذلك “.

(6) جامع البيان جـ 6 : 12-14.

(7) البيضاوي جـ 1 : 247.

(8) عبد الحميد جودة السحار ” المسيح عيسى ابن مريم ” ص 214 – 256.

(9) (د. أحمد شلبي المسيحية ط 6 ص 42-43).

(10) د. عبد الغني عبود ” المسيح والمسيحية ” ص 189.

(11) ” حياة المسيح ” ص 402 و403.

(12) ” الصلب والفداء ” ص 67و68.

(13) ” محاضرات في النصرانية ” ص 25.

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

هل صلب المسيح حقيقة أم شبه لهم ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

شهادة المؤرخ المسلم المقريزي لظهور النور المقدس في كنيسة القيامة

شهادة المؤرخ المسلم المقريزي للنور المقدس في كنيسة القيامة

شهادة المؤرخ المسلم المقريزي للنور المقدس في كنيسة القيامة

يعترض الإخوة المسلمون بغير دليل على معجزة ظهور النور المقدس كل عام، لما تمثله هذه المعجزة من مواجهة فكرية صادقة مع بعض الأفكار القائلة بعدم صلب المسيح، وعلى الرغم من أن القرآن لم يقل أبداً أبدًا بعدم صلب المسيح، إلا أنه هناك إعتقاد سائد عند الكثيريين منهم أن المسيح لم يصلب (يمكنكم مراجعة الموضوع هنا)، فعندما يجد الإخوة المسلمين النور المقدس يظهر كل عام في ذات الموعد يطرح البعض إعتراض مفاده أن هذا النور المقدس ما هو إلا خدعة نقوم بها نحن المسيحيين لإضلال العوام.

ويقولون أن هذا النور المقدس ينتج من مادة تسمى بالفسفور الأبيض (يمكنكم مراجعة الرد على هذا الإدعاء تفصيلياً هنا وهنا)، لكن بعيدا عن الرد العلمي الخاص بالفسفور الأبيض، فهناك رد تاريخي، حيث أن الفسفور الأبيض ليس مادة طبيعية ولكن مادة مصنعة حيث يعود اكتشاف الفسفور الابيض لاول مرة في التاريخ إلى القرن السابع عشر وتحديدا سنة 1669م بواسطة هينيج براند بهامبورج (Henning Brand)، مما يعني أن هذه المادة لم تكن موجودة ومستخدمة قبل القرن الـ 17.

لكن الحقيقة أننا لدينا شهادات تاريخية لعلماء الإسلام أنفسهم يشهدون على حدوث النور المقدس قبل القرن الـ 17، أي قبل وجود ما يسمى “الفسفور الأبيض” مما يبطل إدعاء الإخوة المسلمين أننا نخدع العوام بالفسفور الأبيض، وفي هذا الموضوع سنتعرض لشهادة أحد أعلم أعلام شيوخ الإسلام ومؤرخيه، حيث يشهد بحدوث هذه المعجزة وهذا ما يعنينا، ولا يعنينا هنا من شهادة المقريزي إلا شهادته لحدوث هذا النور قبل إكتشاف تركيب الفسفور الأبيض، حيث أن المقريزي توفى في عام 1442م أي في القرن الخامس عشر.

والفسفور الأبيض مكتشف في القرن السابع عشر، مما يبطل حجة الأخوة المسلمين في الفسفور الأبيض، ويكون عليكم تكذيب المؤرخ المقريزي بل وأيضا شيخ الإسلام بن تيمية الذي شهد هو أيضا للنور المقدس وقد أفردنا موضوعا خاصا بشهادته تلك يمكنكم مراجعته هنا، بالطبع هذا كله بغض النظر عن الرد العلمي التاريخي الموسع الذي ناقشناه في الموضوعات التالية:

الرد علي موضوع خديعة النور المقدس بالأدلة

تاريخ ظهور النور المقدس والرد على الأسئلة والتشكيكات المُثارة ضده | بيشوي مجدي

 

شهادة المؤرخ المقريزي عن يوم سبت النور وعن ذكر النور المقدس الذي لا يعتقد انه عمل اعجازي لكنه يقول انه من مخازيق النصاري ويبدو انه يقصد انه عمل خارق يقوم به النصاري لا يجد له تفسير وهو ما يؤكد أصالة هذه المعجزة منذ مئات الاعوام. ويذكر انه اليوم الثالث بعد خميس العدس وهو الاسم الشائع لخميس العهد حيث كان المسيحيون يأكلون العدس فيه.
المصدر من كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار للمقريزي

( المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والاثار صفحة – ط: دار الكتب العلمية – بيروت – جزء 2 صـ 31)
سبت النور: وهو قبل الفصح بيوم، ويزعمون: أن النور يظهر على قبر المسيح بزعمهم في هذا اليوم بكنيسة القيامة من القدس، فتشعل مصابيح الكنيسة كلها، وقد وقف أهل الفصح، والتفتيش على أن هذا من جملة مخاريق النصارى، لصناعة يعملونها، وكان بمصر هذا اليوم من جملة المواسم، ويكون ثالث يوم من خميس العدس، ومن توابعه.

(إضغط على الصورة لتراها بالحجم الأكبر)

شهادة المؤرخ المسلم المقريزي لظهور النور المقدس

(إضغط على الصورة لتراها بالحجم الأكبر)

 

شهادة المؤرخ المسلم المقريزي للنور المقدس في كنيسة القيامة

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

فتاة مسيحية تتعرض لقص شعرها في مترو الأنفاق من إمراة منقبة

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مسألة التأويل في الأرثوذكسية الشرقية

مسألة التأويل في الأرثوذكسية الشرقية

مسألة التأويل في الأرثوذكسية الشرقية

لطالما اعترف العلماء الأرثوذكسيون بأهميّة مسألة التأويل في أبعادها المختلفة: التفسيرية، اللاهوتيّة والمسكونيّة[1]. فيما سعى المفكّرون الأرثوذكس نحو شرح التأويل الأرثوذكسي، تعاطى نتاجهم الأدبي بصورة أولية مع مظاهر عامة المسالة. لقد كتبوا جميعاً، بصورة افتراضية، من ضمن الأمانة للتقليد. بالنسبة إليهم، ليس لمسألة التأويل الإلحاحيّة ذاتها كما عند الغربيّين، لأن الأرثوذكس لا يفترضون مسبقاً إشكاليات الإصلاح ولا إشكاليّات التنوير.

بالطبع، تأثّر المسيحيّون في كل مكان، بمن فيهم الأرثوذكس، بميزات التنوير عبر العلم والتربية والتكنولوجيا والعلمانية. لكن المفكرين الأرثوذكس يحسّون أنّ لديهم أدوات نظرية وتطبيقيّة للسيطرة على الحضارة المعاصرة طالما أنّهم لا يذعنون للافتراضات المسبقة والثنائيات المسبقة والثنائيات الخاطئة التي في الإشكاليات الغربيّة.

هم يدركون أن المسألة الملحّة في التأويل بالنسبة إليهم هي على مستوى الحياة وليست على مستوى المبادئ النظريّة التي تحتاج، مع ذلك، إلى إيضاح. شعارهم هو الممارسة القويمة التي تتضمّن رؤية واسعة من التجدد بحسب الأصول الكنسية واللاهوتية الأرثوذكسيّة، بما فيها إعطاء الصوت الكامل لشهادة الكتاب المقدّس عبر العلم السليم.

مع ذلك، لا تتمّ الشهادة الأرثوذكسية الحيّة بمعزل عن الجهود لصياغة علم تفسير واضح في العبارات العامّة والخاصة. بالنسبة إلى الأرثوذكس، أسس جورج فلوروفسكي الإطار الواسع للمناقشة بتحديد خُلُق ethos الكنيسة الأرثوذكسيّة مستعملاً تركيبة آبائية جديدة neopatristic… هي اليوم مهمّة اللاهوت الأرثوذكسي وهدفه[2]. بحسب فلوروفسكي، تضمّ التركيبة الآبائية الجديدة بعدين لا يمكن فصلهما: لاهوتيّ وروحيّ.

أحد البعدين هو عقائدي مؤسّس على الأسرار الخريستولوجيّة الثالوثية المفهومة والمحتَفَل بها على أنها حقيقة خلاصيّة. أما البعد الآخر فهو روحيّ مثبّت على استعادة “فكر الآباء”، الذي هو رؤية بصيرة خلاقة متأصّلة في الإيمان والخليقة الجديدة ضمن حياة الكنيسة جسد المسيح. هذان البعدان لا ينفصلان لأن الحقيقة المطلّقة ليست مبدأ مجراً بل هي شخص، أي المسيح. ممارسة اللاهوت يجب أن تتمّ، بحسب القديس غريغوريوس اللاهوتيّ، على طريقة الرسل، وليس على طريقة أرسطو[3].

كتب فلوروفسكي: “بمعزل عن الحياة في المسيح، لا يحمل اللاهوت أيّ قناعة، وإذا فُصل عن حياة الإيمان، ينحط اللاهوت بسهولة إلى جدليات فارغة، إلى حشو فارغ[4]. لقد جسد فلوروفسكي هذه الرؤية الآبائية الجديدة في إخلاصة للتقليد كما في اتباعه العلمي للحقيقة.

حول المواضيع الكتابية، قدم فلوروفسكي رؤى ديناميكية للكتاب والإعلان والوحي والتقليد والكنيسة بمفتاح آبائي[5]. على مستوى اللاهوت الكبير، مساهماته كلاسيكية. لقد شدد على سلطة الكتاب كإعلان فيما يشير إلى سلطة التقليد على أنه “أساس التأويل” بالنسبة إليه، لا “يضيف” التقليد شيئاً إلى الكتاب إنما يكشف معناه الحقيقي ويفعله. التقليد، كتقليد حي، يعمل كمبدأ في التأويل لا فقط عبر القانون المعياري للإيمان، أي حمل العقائد المتوارثة، بل أيضاً عبر تفعيل رسالة الكتاب الخلاصية في التعليم والوعظ ومجمل حياة الكنيسة العبادية، “حياة مستمرة من الحقيقة والحق”. إنه يستعير Ellen Flessman-van-Leen مؤكداّ:

“الكتاب بدون تفسير ليس كتاباً بالمطلق. إنه يصبح حياً لحظة استعماله وتفسيره. التفسير الحقيقي للكتاب هو الوعظ في الكنيسة، إنه التقليد”[6].

ومع ذلك، لا يتورط فلوروفسكي في المناقشة العصرية لمسألة التأويل ولا يظهر بنفسه كيف أن ممارسة اللاهوت بحسب فكر الآباء تقدر على معالجة المسائل الجديدة بشكل خلاق والوصول إلى أجوبة متجددة. لا يناقش نقدياً مسائل من نوع تأثير التنوير على اللاهوت المعاصر أو طبيعة الدراسات التاريخية[7]. كما أنه قليلاً ما يأخذ مسائل محدّدة مثل مقارنة أدوار ومقاربات الكتاب الأدبية – اللغوية، الرمزية والمجازية وصحّتها.

ما هو بالتحديد دور الكتاب وسلطته على التقليد وبأي وسائل تُطبّق؟ ما هي العلاقة بين التفسير الوعظيّ والتفسير النقدي للإنجيل؟ ماذا عن سوء التفسير وسوء التطبيق في التقليد الوعظيّ الشعبيّ؟ وكيف نستطيع أن نتعامل مع الأمور المعاصرة، مثل الجنس والجنسانيّة، بطريقة أرثوذكسيّة أصيلة؟ لقد ترك فلوروفسكي هذه التحديات للآخرين المتأصلين في المبدأ الآبائي القائل بالعلاقة الإيجابية بين التقليد والكتاب، والذين حاولوا أن يدفعوا إلى الأمام مناقشة التأويل مع مزيد من التفاصيل.

من المناسب أن نراجع على ضوء هذه الاعتبارات جهود عدد من علماء الأرثوذكس المعاصرين في اليونان والولايات المتحدة. هدفنا إيجابيّ وهو تطوير موقف منظّم للتأويل الأرثوذكسي عبر نقد بنّاء ومناقشة متفاعلة، كلاهما دليل على البحث العلميّ الناضج[8].

قبل حوالي عشرين عاماً، بانايوتيس أندريابولوس Panagiotis Andreapoulos، أستاذ في جامعة أثينا، قام بقفزة جريئة إلى فكر التأويل الحديث عبر عمله الضخم والمميّز مسألة “يسوع التاريخيّ ” في فكر علم تفسير العهد الجديد المعاصر على ضوء لاهوت كيرلّس الإسكندري[9]. مع الأخذ في اعتبار السمة التقليدية للدراسات اللاهوتيّة اليونانيّة، هذا كان غزواً نادراً للإشكاليات البولتمانيّة.

بعد مراجعة الفكر التأويليّ عند شلايرماخر، ديلثي، هايدجر وغادامر، تابع أندريابولوس التأويل عند بولتمان وتلاميذه المتعلق بمناقشتهم للبحث الجديد عن يسوع الناريخيّ. بموازاة ذلك، قدّم فكر كيرلّس الإسكندري الخريستولوجيّ. رغم وضوح المعالم في وصفه الاثنين، إلا أن عمله المقارن لم يكن وافياً لأنه لم يطلع بشكل كاف في مسألة أطرهما المتباينة وافتراضاتهما الإبيستيمولوجيّة المختلفة. لقد انتهى متحيّراً في كيفيّة توصّل البولتمانيّين إلى هذه الاستنتاجات المسيحانيّة غير المقبولة، مع الأخذ في الاعتبار مبدأ البروتستانت “الكتاب وحده”[10].

لا يبدو أنه استوعب أن الإشكاليات البولتمانيّة كانت محددة بشكل حاسم بالتراث التنويريّ والأزمنة الناتجة من سلطة الكتاب في البروتستانتية. بافتراضه أنّ الإنسان المعاصر بحاجة إلى شيء على شكل التأويل البولتماني لمجابهة مسائل العصرية الحقيقية، لم يميّز أندريابولوس أرضية الفكر البولتمانيّ الفلسفية ولا قيمته العابرة، كما فعل المفكرون الغربيّون.

رغم جهوده اللافتة للنظر والمستحقة الثناء والتي بذلها في مصارعة المفكرين التأويليين المعاصرين، فهو مثال عن الصعوبات التي تواجه محاولات الأرثوذكس للاطلاع على قضايا مهمّة في لاهوت الغرب التعددي بدون الانتباه المناسب للأمور الإبيستيمولوجيّة الأوسع.

سابا أغوريدس، أستاذ دراسات كتابية في تسالونيكي وفي أثينا لسنوات عديدة، ومفكر متحفز بين المفكرين اليونان المعاصرين، عالج مسألة التأويل من زوايا مختلفة في أعماله العديدة[11]. ما يحتل المرتبة الوسطى في فكره التفسيري هو عمل مطوّل عنوانه “تفسير النصوص المقدسة”[12] إنجازه كان طرح مسألة التأويل على ضوء الحياة المعاصرة.

ويقدم اكتشافات فيها تحد وبلاغة في مواضيع الكنيسة والمجتمع، الكتاب والتقليد، الإعلان والتاريخ، الدراسات الكتابية الآبائية والمعاصرة، اللاهوت والروحانية، الليتورجيا والبحث الكتابي، وكلها بأسلوب عميق ونبويّ.

ومع هذا، فإن إنجاز البروفسور أغوريدس التفسيري مبهم. رغم ملاحظاته العميقة، يحتاج عمله إلى وضوح أكثر تكامليّة وشمولاً في الفكر. هو يوافق على أنّ المشكلة التفسيرية “المعذِّبة سببها” المسافة بين الفكرين الكتابي والمعاصر، لكن يبدو أنّه لا يعرف مدى فاعلية أوجه التنوير السلبيّة على مفهوميّة هذه المشكلة مع أنه يرفض التنوير بشكل عابر في مكان آخر[13]. لكونه التزام البحث التاريخيّ، هو يميّز عن حق التفسير والشروحات، ويقدّر كثيراً حرية البحث.

علاوة على ذلك، يجد أن عالم العبادة يعبّر عن جوهر الكتاب المقدس من دون أن يظهر العلاقة الإبيستيمولوجيّة بين الليتورجيا والدراسات النقدية[14]. هو يؤكد أن التقليد يحمل الحقيقة المعلنة ويضمنها، لكنّه يهمل مناقشة علاقة التوافق التي بين التقليد والكتاب نظراً لسلطة الكتاب في التقليد والمؤيدة له[15].

هو يتمسك بأن الحقيقة اللاهوتية الأساسية تُكشف على المستويين الاختباري والجماعي أكثر منها على المستوى الفكري، لكنه لا يقيم وزناً لوظيفة قانون الإيمان وحسّ الكنيسة العقائدية ولا يبدو أنه استوعب أن مفهومه الخاص لمسألة التأويل يتغذى جزئياً بمنظار عقلاني[16].

بالجوهر، هو يقول، على عكس رأي الآخرين، إن الجواب الأرثوذكسي الحاسم على مسالة التأويل هو في تركيبة ملتبِسة من الرؤية الأخروية في الليتورجيا ومفهوم التاريخ العالميّ الذي حكى عنه Pannenverg، لكن من دون محاول ردم الهوة الإبيستيمولوجيّة بين شلكيّات فكرهما التسبيحيّ والفلسفي[17].

ما يبدو أنّه يميز جهود الأستاذ أغوريدس هو تركيبة متلازمة من العظمة والإحباط. فيما هو يضطلع بمواضيع واسعة وملائمة، لا يحدّد الأوجه المهمّة والنقاط الحاسمة في مسألة التأويل يجب السعي نحو صياغة أوضح للتأويل الأرثوذكسي عبر مناقشة أكثر دقّة في تمييز مستويات التأويل المختلفة وعناصر هذا العلم: الإيمان والعقل، الكتاب والتقليد، الكنيسة والحضارة المعاصرة، بتعابير محددة.

الأب جون براك (Breck)، باحث كتابيّ أميركي أرثوذكسي، كرس عددا من أعماله لمناقشة التأويل. نشر مقالتين في 1976 و1983 وكتابه The Power of the Word in the Worship ظهر في 1986[18]. وقد لخص فكره لاحقاً في محاضرة ألقاها أمام حضور مسيحيّ مختلط[19]. هدف الأب براك الأساس هو إيجاد طريقة أرثوذكسية بين المقاربتين الأصوليّة والتاريخيّة. هو أيضاً يميّز بشكل صحيح بين المستويّين التفسيري والشرحي ويستوعب أن مشكلة التأويل الأولى تقع على المستوى التفسيريّ.

بالنسبة إليه، المنهجي التاريخية – النقدية هي بحد ذاتها حيادية، وهكذا هو يمنح كل الوزن للدراسة العلمية الدقيقة بهدف اكتشاف رسالة الكتاب وجعلها معاصرة “الأرض الحقيقية للإيمان والحياة الأرثوذكسيين”[20]. مع هذا، لا الدارسات التاريخية النقدية ولا مقاربات التأويل الغربية أثبتت ملاءمتها مهمّة حمل قوة كلمة الله. جواب التأويل الحاسم، بحسب البروفسور براك، موجود في تعليم الآباء حول الثايوريا، أي فعل تقبّل، أو الرؤية الروحية، لوجود الله المخلص والعمل الذي تشهد له كلمة الكتاب ويتفعّل بأسمى شكل في عبادة الكنيسة[21].

كما في حالة الأستاذ أغوريدس، يمكن طرح الأسئلة المشابهة حول فكر الأب براك التفسيري. فهو أيضاً يأخذ على عاتقه فكرة غير كافية عن الهوة التي بين الفكرين الكتابيّ والمعاصر، وهكذا هو يتكلم على الحاجة إلى ترجمة رسالة الكتاب بشكل ذي معنى إلى “الفكر المعاصر وإلى عالم من الشك الفطري”[22]. لكنه ليس واضحاً بالكلية كيف أن الدراسة العلمية تستطيع بهذا الشكل أن تتخذ مهمة العصرنة، أي حمل معنى الكتاب وقوته بشكل قادر إلى القراء المعاصرين.

على أساس أي مقومات وبأي أشكال سوف نسعى إلى الملاءمة مع العصريّة. لا يأخذ الأب براك في الحسبان فشل المسيحية الليبرالية بسبب تكيّفها مع الحضارة المعاصرة ولا المشاكل الإبيستيمولوجية التي طرحها التنوير كما ناقشها على نحو واسع الباحثون الإنجيليون (Evangelical)، على سبيل المثال[23].

نموذجه المقارن لجسر التأويل بين الكتاب والإنسان المعاصر: العظة عند البروتستانت، وسلطة البابا عند الكاثوليك والروح القدس عند الأرثوذكس، هو نموذج عمومي جداً[24]. لا يتغاضى فقط عن التعددية التأويلية عند الكاثوليك والبروتستانت، بل أيضاً عن أن كل المسيحيين يقدرون الروح القدس والعظة وأشكال التفسير الصادرة عن سلطة[25].

يركز الأب براك بشكل رئيس على الثايوريا بحسب الآباء، التي هي بالفعل مرساة قيمة في التأويل لكنها أحادية الطرف. في فهمه الثايوريا، فيما يرفض المجاز، يبرر البروفسور براك دارسة الرموز بدون أي إشارة مهمة إلى تفاسير رمزية سطحية في التقليد. كما أنه يربط عن حق الثايوريا بالبعد الليتورجي الذي يناقشه مطولاً في كتابه. الصعوبة هي أن الثايوريا هي بشك أساس رؤية روحية، كما ينتهي هو نفسه مؤكداً، وليست طريقة تفسيرية.

وكفعل تلق وحي، تؤثر الثايوريا نوعياً على مقاربة كل شيء بما فيه الكتاب، لكنها لا تستطيع أن تبتلع المهمة الاستطرادية في التعاطي مع ما عبر عنها فلوروفسكي “المحيطات الفكرية” للحقيقة المسيحية. في قراءة آباء الكنيسة، لا يقدم براك فرقاً مهماُ بشكل كاف بين الثايوريا كطريقة تفسيرية والثايوريا كمفهوم موحى به، وهي تمييز مقارن في اللاهوت الاستطرادي والمستيكي أو بين التفكير اللاهوتي والتعبير التمجيدي.

بالطبع، أثناسيوس وياسيليوس وأخوه غريغوريوسن مع أنهم عملوا في رؤية روحية غامرة، فقد فسروا الكتاب بتعابير عقلانية قرينية ونحوية، بخاصة في مجادلاتهم المتجولة مع الهراطقة. رغم أن البعدين لا ينفصلان، فهما يتضمنان عمليات تفسيرية متمايزة لا يستطيع أحدهما أن يختزل الآخر.

كنتيجة، ينبغي ألا تعتم العبارة التقنية على حقيقة أن الثايوريا كرؤية روحية ليست سوى أفق الإيمان الحي، أي الالتزام والانفتاح الروحي، الذي يقبض على قوة الكلمة الكتابية التي تغيّر وتخلص والتي أطلقها الروح القدس، سواء عبر عظات أو قراءات شخصيّة أو الاحتفال الجماعي في العبادة[26].

كل المسيحيين، أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت، يؤكدون هذه الحقيقة. رغم فقدان الغنى الليتورجي عند الكثير من البروتستانت، ليس صحيحاً أن التشديد على العظة، أي الإنجيل وعرضه، يحول الكلمة إلى “ظاهرة محض كلامية”[27]. كل المسيحيين التقليديين يتمسكون بالتعليم حول الاستنارة الداخلية بالروح. الكل يغذي البعدين الكلامي والتأملي ويسعى إلى توازن صحيح بينهما. من الجانب الأرثوذكسيّ، الملء الإفخارستي بدون شرح الحقيقة الكتابية ممكن أن يتمزق بممارسات طقسية.

الإيمان، الصلاة، الانتباه لكلمة الإنجيل، سواء مقروءة أو مسموعة أو موعوظة، كما العبادة الجماعية والعيش المسيحي الملتزم، هذه كلها تشكل روحياً العالم المتقبل الذي فيه يحول الروح القدس الكلمة الكتابية إلى كلمة حية لكل المسيحيين.

فلنسلم كلياً أن آباء الكنيسة، على مثال نظرية الإنجيليين، طوروا تفاسير رمزية ومجازية مختلفة من منظار رؤية موحى بها. ولكن من المنظار عينه، هم أيضً قدّموا كمّاً من التفاسير المباشرة مطبّقة على الإيمان والممارسة. أغلب هذه، كما في تعليقات الذهبي الفم الوعظيّة، أُعطيت بدون إشارة إلى الثايوريا أو الرؤيا الإفخارستية، التي قد تكون افترضت مسبقاً، لكنها لم تُستحضر علناً ولم تكن ضروريّة لفهم تعليم الكتاب وتطبيقه.

علاوة على هذا، في محيط التربية اليونانية العالية اللغوية والفلسفية، مال الآباء الكبادوكيون نحو التفسير النصي واللغوي المتأني، بخاصة فيما يتعلق بالمناظرات العقائدية التي تضع مسألة الدقة القياسية (syllogistic) والترابط المنطقي في الواجهة[28]. إذاً، منظار الثايوريا، سواء علناً أو ضمنياً، أدى إلى فيض من التفاسير الأدبية – اللغوية، الرمزية، والمجازية بين آباء الكنيسة.

إذا كانت الرمزيّة والمجازيّة تنطلقان من منظار نظري، لماذا نَبذُ الأولى واتخاذ العناء لتبرير الأخيرة؟ هل هما، كطريقتين، مختلقتان فعلاً إلى درجة تثبيت واحدة ورفض الأخرى؟ أيضاً، لماذا إعمال التفاسير المتعدّدة المباشرة والتعليمية التي هي لا مجازيّة ولا رمزيّة؟

لماذا، بهدف الوضوح، لا نميّز بين الأدبي، المجازي والرمزي من التفاسير ونسميها بأسمائها الحقيقية كممثلة لمقاربات منهجية مختلفة، ونترك الثايوريا في مهمتّها الروحيّة والمستيكيّة الخاصّة في ملاءمة قوة الله المتعالية، التي لها وزنها بحدّ ذاتها؟ إن حقيقة كون الثايوريا الأنطاكية قد مالت نحو أخذ النص الكتابيّ والتاريخ بشكل أكثر جديّة من الثايوريا الإسكندرية، هي حقيقة لا تحول وحدها التفسير الرمزي على تفسير تاريخي – نقدي، كما أنها لا تجعل التفاسير الرمزيّة بلا معنى.

كلا المجازيّة والرمزية تتخطيّان مستوى التفسير النصيّ – اللغوي ويجب تقديرهما على مستوى التأويل بسبب أهدافهما وعملهما. فيما الاثنتان قد تقودان إلى المبالغات، إلا أن لكل منهما جدارتها لكن ليس كتفسير تاريخيّ – نقديّ.

قد يمكن توضيح أحجية التأويل في أطروحة الأب براك بتمييز بُعدين إبيستيمولوجيين على المستوى التفسيريّ: الأول منطقيّ بالدرجة الأولى وحاسم، والثاني تأمليّ وحدسيّ. في دعمه للثايوريا كفهم للحقيقة الإلهية الموحى بها من الروح القدس، وفي تأييده التفسير النظري على أنه المثاليّ للمفسّرين اليوم، ينظر الأب براك إلى هدف الليتورجيا وعملها فيكتب: “كما يشترك اليهود بالخروج من كل فصح، كذلك يشترك المسيحيّون باللحظات الحاسمة من حياة المسيح وبشارته”[29]، أي في عبادة الكنيسة.

مع هذا، فالعبادة هي عالم خصوصي وليست تقويماً عقلياً للحقيقة التي في تقاليد الجماعة المقدسة. فالعبادة بطبيعتها الخاصّة هي مستوى من التأمل التفسيريّ تقوم عليه كل جماعة دينية بالاحتفال بنصوصها المقدّسة وبتخليدها مع ما تدّخر فيها من خبرة مع الله. وقد تنتج منها تفاسير “نظرية أرثوذكسية أو كاثوليكية أو بروتستانتية أو يهودية.

وهما كانت العبادة مهمّة بهدفها وعملها، إلا أنه لا تستطيع أن تحل محل اللاهوت النقدي، أي محل المقاربة المنطقة للحقيقة كفيض تمّ إثباته في المناظرات العقائدية التي كانت بالدرجة الأولى استئنافات قياسيّة أكثر منها نظرية في تفسير النصوص الكتابيّة من قِبَل الآباء والهراطقة. كما أن أحداً لا يستطيع أن يشير إلى احتكام الآباء إلى سلطة التقليد الليتورجي لشرح العقيدة لأنّ هذا الشرح تمّ على مستوى اللاهوت المنطقيّ.

إذاً، في اتّباع آباء الكنيسة، يجد المرء صعوبة في المصادقة على دراسة الكتاب النقديّة وفي إرساء تفسيره على إدراك روحي أحادي الجانب باستطاعة كل إنسان أن يدعيه. بالطبع، يجب عدم التقليل من أهميّة الإدراك الروحيّ كصيغة حاسمة من الخصوصيّة الشخصية والجماعيّة للحقيقة الخلاصيّة وقوة كلمة الله. لكنّ هذه الخصوصيّة، إن لم تكن زلّة إلى الذاتانيّة المرفوضة، يجب أن ترتبط بشدة وتؤسَّس على “الأطر الفكرية” للشهادة الكتابية لبعض المنهجيات التب تتضمن عملية قياسيّة مركزة استناداً إلى التوافق الآبائي بين الإيمان والعقل.

لا يمكن اعتبار أيّا من الطرائق، سواء أكانت الأدبية أم المجازيّة أم الرمزيّة أم غيرها من الطرائق المعاصرة، مطلقة، كما لا يمكن رفض أياّ منها، كونها جميعاً، من حيث المبدأ، تسعى إلى توصّل عمليّ إلى المعنى المفاهيميّ للنصوص الكتابية. ينبغي بالأحرى تقويم كلّ منها على أساس هدفها وجدارتها. السؤال الحاسم ليس التلقي الروحي فقط بل أيضاً الحقيقة اللاهوتية.

من هذا المنظار، العوامل الحاسمة في التأويل هي ما أدركه آباء الكنيسة منذ زمن طويل: ادّعاءات الكتاب الحقيقيّة التي، عند تفنيدها، يجب تفسيرها بشكل موثوق بحسب التوافق العقائدي في الكنيسة. الغريب هو أنّ لا الأستاذ أغوريدس ولا الأب الأستاذ برك اختار أن يناقش بشكل تقديّ ارتباط العقائد بالتأويل[30]. علاوة على ذلك، الإشارة الأرخميديّة في التأويل هي بالتحديد البحث عن الحقيقة، الحقيقة اللاهوتية المعيارية، التي تعمل في آن واحد كإطار توحيديّ ومعيار مطلق للطرائق كافّة ومختلف التفسيرات المتنوعة.

هذا السعي إلى الحقيقة المعيارية هو اضطلاع بأكثر أسئلة التأويل حدّة. وفيه نجد التأمّلي والمنطقي، النسكيّ والعقلي، الإيمان والعقل متلازمة نقدياً. على أي أساس يستطيع التقليد الحي والخلاق أن يواجه بشكل أصيل ظروفاً جديدة ومعرفة جديدة؟ هذا للقول بأيّ ميازين نستطيع كشف ما هو معياريّ في الإيمان والممارسة وتحديده، ليس فقط في الماضي البعيد، إنما أيضاً في الحاضر المليء بالتحديات والمفتوح على أمور جديدة تطرأ؟

موقف الأب يوحنا رومانيدس في التأويل، وهو الأخير في هذه المراجعة، يجيب جزئياً عن الأسئلة الأخيرة التي يمكن طرحها إذا استطاع المرء الإشارة إلى سلطة حيّة تجمع ذاتها النسكيّ والمنطقيّ، النظريّ والعمليّ، وبهذا تعمل كمقياس معياريّ وكشف لا يخطئ للحقيقة المسيحيّة في الحاضر الدائم التغير والمستقبل المجهول. هذا هو تماماً موفق الأب رومانيدس التفسيريّ وهو يبني علماً كاملاً لاهوتياً وكتابياً على أساس نموذج القديس المواهبيّ (charismatic)[31]. في المقاطع التالية تلخيص لموقفه هذا.

بالنسبة إلى البروفسور رومانيدس، القديسون بامتيازهم الأنبياء والرسل أي أولئك الذين كانت لهم خبرات مباشرة مع الله بحلة مستمرّة وديناميكيّة من التمجيد الذي يسميّه آباء الكنيسة ثايوريا أو تمجيداً بالنعمة. فخبرات الأنبياء والرسل الإلهية السامية كانت فوق المفاهيم التأملية والصور، وكانت تمنح أصحابها معرفة مباشرة عن الله وتؤهلهم لقيادة الآخرين نحو الله بشكل لا يخطئ عبر كلمات وصور تحمل المفاهيم التي تناسب مستوى فهم المستمعين.

هذا التقليد حول رؤية الله والمشاركة في المجد الإلهي هو تقليد حيّ في المسيحيّة الشرقية، ويُفترض أنه مستمر في عدد محدود من القديسين المعروفين أو المجهولين، أيّ أنه عنصره مستمرّة تشكل أعلى إعلان عن الله ومعرفة له. إحدى النقاط التي تأسر الاهتمام عند الأب رومانيدس هي أن المعنى الحقيقي لمبدأ “الكتاب وحده (sola scriptura)” هي لا شيء غير التمجيد بالنعمة جامعاً وحدة الخبرة المباشرة وهويتها ومعرفة الله عند الأنبياء والرسل والقديسين.

هذه الخبرة الموحدة هي “المفتاح لفكّ أسرار الكتاب… التي بدونها يبقى الكتاب سراً مخبئاً حتى لعلماء الكتاب[32]، من الأرثوذكسيين وغيرهم. بالنسبة إلى رومانيدس، وحده القديّس الحقيقي، أي ذاك الذي تخطى مرحلة التطهّر وبلغ مرحلتي الاستنارة والكمال، يستطيع تفسير الإعلان الكتابيّ بشكل لا يخطئ على مستوى الكلمات والمفاهيم بفعل تمتّعه “بالنوع ذاته من المعرفة” التي كانت للأنبياء والرسل أنفسهم.

اقتراح البروفسور رومانيدس يدعى بقوّة مفاهيم نظريّة وتطبيقات عمليّة تتكل على بعضها البعض[33]، أي أنه يدعو إلى وحدة بين النسكي والعمليّ. فعلى المستوى العملي، ممكن أن نجد قديسين غير معلنين بلغوا الثايوريا، وهم متحرّرون كليّاً من عبوديّة الخطيئة والشيطان ومحبّة الذات، وهم في مجد الله والمحبّة غير الأنانيّة شهود معصومون يعلّمون الطرائق التي تؤدي إلى الله.

إنهم لاهوتيّون بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، أي عارفون موثوقون لله ومتحدثون باسمه، لا بالعقل التأمليّ بل بالخبرة المباشرة معه على طريقة الأنبياء والرسل. هؤلاء الأشخاص، هم وحدهم، الذين تطهّروا من أهوائهم الفاسدة وبلغوا على الأقل الاستنارة وكشف الأرواح، أن لم يكن التمجيد الفعليّ، هم المرشدون الحقيقيون في التفسير الكتابيّ. كل الآخرين هم مجرد “لاهوتيين بالاسم”، ومحتَمَل أنهم دجالون ومنحرفون عن الحقيقة بدرجات مختلفة. بحسب هذا اللاهوت المؤسّس على الثايوريا، يترافق التعلّم مع التطبيق.

على الطالب أن يلازم معلماً قد اختبر الاستنارة. أمّا المعلّم، كأب روحيّ، يستطيع أن يقود الطالب لكنّه لا يستطيع أن يفعّل فيه الثايوريا، التي هي عطية من الروح القدس وحده. ورغم ذلك، كل هذا يعني أنّ:

اللاهوتيّ الأرثوذكسي والأب الروحي هما واحد. لا يستطيع الرجل أن يكون لاهوتياً بدون أن يكون أباّ روحياً ولا يستطيع أن يكون أباً روحياً إن لم يكن لاهوتياً[34].

من الجانب النظريّ، يقدم الأب رومانيدس ملاحظات على القدر ذاته من الأهمية. إنّه يطرح مسألة الافتراضات المسبقة التي في ممارسة اللاهوت. بحسب الأب يوحنا، المقاربة الأوغسطينية للكتاب المقدّس واللاهوت انحرفت عن النموذج الكتابيّ والآبائي القائم على الخبرة وفقدت الرؤية حتى في التمييز الحاسم بين الخالق والمخلوق.

لقد افترضت بطريقة أفلاطونية وجود نماذج أولى أو عوالم غير مخلوقة، وبهذا افترضت مسبقاً وجود تشابه حقيقي وتناظر وظيفي بين مراتب الكائنات المخلوقة وغير المخلوقة، وكأن الاثنين ينتميان إلى نظام واحد من الحقيقة، يمكن اختراقه بالعقل البشريّ. يذكر الأب رومانيدس أنه، بحسب تعليم أوغسطين، يبلغ الله ما يريد إلى الإنجيليين في لحظات محدّدة من الوحي وبشكل لا يخطئ وفي كلمات تحمل مفاهيم وصوراً لم يفهمها الكتّاب بالضرورة.

في هذا المنظار الأوغسطينيّ، تماهي الكتاب المقدس مع أشكال مخلوقة مع الإعلان الإلهي إذا اعتُبر، خطأ، أن كلمات الكتاب المقدس بحد ذاتها هي الاعلان. تالياً، الفكر البشري الذي طالما امتحن عالم الحقائق الإلهية الثابتة، يستطيع أن يكتسب تدريجياً معرفة أعلى للنماذج الأولى الأبدية، بما فيها سر الثالوث القدوس، وهي معرفة قد تكون أعلى من تلك التي بلغها الأنبياء والرسل أنفسهم.

هذه الإبيستيمولوجيا الأوغسطينية هي البنية الأساسية التي تهلك كل الفكر التأمليّ الغربي، الذي تصدع بالضرورة في العصور الحديثة، حيث الإسمانية الفلسفية والدارسة العلمية لتدفق كل الأمور “أضعفت فكرة الحقائق الثابتة غير المتغيرة العزيزة على الأنظمة الفلسفية واللاهوتية في الغرب. بتعابير أخرى، يستطيع المرء أن يشرح لماذا انهار الإيمان بالحقيقة المطلقة والقانون والقيم الأخلاقية كمعايير للفكر والتصرف في الحضارة الغربية بشكل شامل[35].

هنا تلخيص البروفسور رومانيدس لموقفه في التأويل:

لا يستطيع التأمل الجدلي مطلقاً أن يكون مصدراً للتعليم الموثوق كما لو أن الكنيسة، عبر بابا أو مجامع أو علماء كتاب بروتستانت، تستطيع أن تحول البحث إلى عقيدة.

سلطة الحقيقة المسيحية ليست كلمات الكتاب المقدس المكتوبة بحد ذاتها، التي لا تستطيع من ذاتها أن تعبر عن الله أو أن تنقل مفهوماً ملائماً عنه، بل بالأحرى هذه السلطة هي الرسول والنبي والقديس الذي تمجد بالمسيح واتحد في خبرة المجد هذه بكل أصدقاء الله من كل العصور.

إذاً، الكتاب المقدّس وكتابات الآباء وقرارات المجامع ليست وحياً بل حول الوحي. فالوحي ذاته هو فرق الكلمات والمفاهيم، مع أنه يلهم هؤلاء المشاركين في المجد الإلهي للتعبير بدقة وبدون خطأ عن ما لا يمكن وصفه بالكلمات والمفاهيم.

بالنسبة إلى الآباء، الموثوقية ليست الكتاب وحده، بل الكتاب يضاف إليه المتمجّدون. فالكتاب ككتاب ليس بحدّ ذاته ملهَماً ولا معصوماً. إنّه ملهّم ومعصوم ضمن شركة القديسين الذين اختبروا المجد الإلهي الموصوف ولكن غير المنقول فيه. بالنسبة إلى الذين خارج تقليد الثايوريا الحي، الكتاب المقدس هو كتاب لا تُحل أسراره[36].

فكر البروفسور رومانيدس التفسيري واضح المعالم في تركيزه الكتابي على خبرة الله المباشرة التي هي قلب الإعلان الكتابيّ، كما في حنكته الفلسفيّة التي هي تحرّرٌ في الفكر من الإبيستيمولوجيا الأفلاطونية. ما يخص الأخيرة، التأكيد على وجوب السعي إلى الحقيقة في عبارات شخصية وعلائقية أكثر منها في نماذج أولى مجردة وأزلية، هي في الوقت ذاته إراحة من القلق على طريق فلسفي مسدود وفتح آفاق جديدة في السعي إلى الحقيقة المُعاشة.

ما يتعلّق بالأول، إعلاء شأن خبرة الله المباشرة هو تضمين جوهر شهادة الكتاب المقدس كما هو جوهر التجوال البشري المشترك. لا يوجد شيء أكثر عمقاً وإلحاحاً بالنسبة إلى كل كائن بشري من اكتساب خصوصيات مع الله الحي.

بالواقع، يتداخل المنظاران، الشخصي – الاختباري والإسمانيّ – الفلسفي، بطريق تأسر الاهتمام عند الأب رومانيدس، طريقة تدويّ صحيحة وتعطي فكرة وحدة قويّة جذابة. إنها بالتأكيد شهادة قيّمة لآباء الكنيسة العظماء، الذين كانوا أصحاب حنكة فلسفية في عصورهم، وتدريجياً أداروا ظهرهم لأفلاطون وبتأن تبعوا طريقة الكتاب في معرفة الله. ليس أقل فضائل الأب رومانيدس تذكير العلماء المعاصرين باستمرارية اللاهوت الكتابي والآبائي الأساسية وبوحدته.

في جهوده لطرد الشبح الأفلاطوني الذي يوجّه دائماً الأشخاص إلى الاتكال على الحقائق المجردة أكثر من الاتكال على الله الحي نفسه، لقد بيّن ما هو لبّ الفكر الآبائي أي المحتوى والرؤية الروحيين. طريقة الآباء هي طريقة الكتاب المقدس. بإمكاننا أن نضيف أن الإخلاص للكتاب كان تماماً القوة التي تحركت ودفعت آفاق الأفلاطونية إلى الخلف في فكر المفكرين المسيحيين القدامى، وهي طريقة تفكير مثيرة للاهتمام حول كيف أن “موسى تخطى أفلاطون”، أي كيف فتح علم الوجود (ontology) الأفلاطوني الطريق للشخصانية الكتابية[37].

في أي حال، طرح رومانيدس في التأويل مثقل بالأحادية من جهة طريقته الخاصة، بسبب بعض الادعاءات الصارمة أكثر من اللازم والتي تؤثر على قيمة فكره وقدرته على الإقناع. على المستوى الفلسفي، مع ترك مسألة التفسير الأوغسطيني للخبراء في هذا المجال، إن نوعاً من الاسمانية يجب تلطيفه باعتبار أن “الكلمات والصور الحاملة المفاهيم” تحمل نوعاً من استقرار المعنى.

في رفض فكرة النماذج الأولى والكونيات الخالدة، يجب الأخذ في الاعتبار النظرة الكتابية والآبائية بأن في الكتاب المقدس تعاليم واضحة وملزمة حول الله وطرائقه المتاحة للجميع. ليس بالضرورة أن يتبنى المرء ما ورائيات أفلاطون حول الحقيقة الثابتة ليؤكد أن الكتاب، على مستوى تبادل الكلمات والصور، يحتوي على نظرات ثابته وأسس وحقائق تتعلق بأمور كالله والأوثان، النعمة والإرادية الحرة، المحبة والكراهية، الصدق والكذب، الغفران والثأر، العدالة والاستغلال، العطاء والأنانية، والرجاء واليأس.

ليس ضرورياً أن يمضي المرء بعيداً في قراءته كتابات آباء الكنيسة اللاهوتية والعملية، كباسيليوس والذهبي الفم، حتى يرى الموثوقية الكبيرة الي يعزونها إلى الحرف والمعنى الجلي للكتاب المقدس كمصدر للتعليم عن الله وإرادته، مؤمن للجميع. لقد اتكل هؤلاء الآباء بشدة على وضوح المعنى وثباته في النص الكتابي واستخرجوه بالتفسير الحرفي واعتبروا أن أي قارئ قادر على المتابعة بدون أي تقنيات باطنية.

إن الادعاء بأن “الكتاب غير ملهم” هو وقوف في وجه كل التقليد الآبائي واقتطاع من قاعدة شهادة الكتاب لتعاطي الله مع كل الشعوب. الظهور بمظهر الادعاء بأن المعنى الثابت والأكيد على مستوى الكلمات والصور لا يمكن بلوغه بالفهم البشري العادي هو اجتثاث للتواصل البشري والبحث العلمي كما والرجاء بحوار ذي معنى ومصالحة ممكنة بين المتنازعين، الأرثوذكسيين والهراطقة على السواء. نحن لا نقول إن معنى الكلمات والصور الكامل المتاح للجميع هو كل شيء، لكنه جزء أساس من الحقيقة التي عن الله ومنه، والتي جميعنا مدعون للسعي إليها.

الصعوبة المركزيّة في طرح رومانيدس هي التركيز المفرط على القديس المواهبي الذي يبدو فوق الكتاب والمجامع وحتى فوق الكنيسة. نحن لا نتساءل حول تقليد الآباء الروحيين الغني والقيم في المسيحيّة الشرقيّة[38].

كما أننا لا نتساءل حول الدور الأساس للصور الكتابية الرئيسة وللقديسين العظماء في مجمل حياة شعب الله. نحن نتساءل حول اقتصاريّة النموذج المواهبي الذي يبدو أنه يرفع القديس إلى رمز لاهوتي مُغالى فيه. قد يُجرب المرء بمقارنة التباس القديس المثالي المطالب بالكثير بغموض تشديد البروتستانت على كلمة الله التي ينسبون إليها رفعة مماثلة.

ولكن من هم هؤلاء القديسون المتمتعون بالخبرة الإلهية ذاتها والقادرون على الاتصال بدون خطأ بينهم ومع الآخرين، وغير المباركين بالثايوريا؟ بعد خبرة تجلي يسوع، يوحنا ويعقوب لم يترفعا عن التطلع إلى كرامات خاصة في المجيء الثاني الذي كانا ينتظرانه ولكن بشك أرضي (مرقص 10: 35). بغض النظر عن مكانتهما غير القابلة للمناقشة، كان بين الرسولين بطرس وبولس اختلاف لافت للنظر حول أمر مهم في حياة الكنيسة، ما أدى ببولس إلى مواجهة بطرس علناً (غلاطية 2: 11-14)[39].

كما أن كتاب الأعمال يشير إلى مشاجرة بين بولس وبرنابا حول عدم استقرار يوحنا مرقص ما سبب افتراقهما في العمل البشاري (أعمال 15: 36-41). إذا كانت هذه النزاعات جرت بين الرسل، فلن يحس المرء بالحرج إذا سرد عدداً من الأمثلة بين آباء الكنيسة. بالواقع، أغلب الهراطقة ممكن وصفهم بالرموز المواهبية.

ما هو الدليل الذي يقدمه رومانيدس لهذا النموذج المشار إليه أعلاه في التأويل؟ يتمثّل في ثلاثة اسنادات من القديس غريغوريوس اللاهوتيّ حول استحالة فهم الله وضرورة التطهر الروحي في السعي إلى معرفة سر الله[40]. إنه يشير إلى الفعل (يلاحظ، يفهم، أو يمتلك…) المستَعمل في إنجيل يوحنا للكلام على رؤية المسيح أو معرفته. أخذ الأب رومانيدس حرية ترجمة هذا الفعل كاسم: “لينظروا مجدي” (يوحنا 17: 24). تالياً هو يبث فيه المعنى الآبائي التقني.

لكن استعمال الاسم ليس محصوراً في انجيل يوحنا بل في مرة أخرى في العهد الجديد وبفارق دقيق مختلف (لوقا 23: 49)، بشكل يصعب اعتباره دليلاً على فهم تقني عميق للثايوريا. بالواقع، يقدم الإنجيل الرابع فيضاً من العبارات المعرفية وكلها مطبقة بدون تمييز على علاقات المسيح بالجميع، مؤمنين وغير مؤمنين على السواء.

فيما يتعلق بخطبتي غريغوريوس، فالهدف منهما هو: إذا تطهرنا كما ينبغي، “فلنتفلسف ضمن حدودنا”[41] لأن “الطبيعة الإليه لا تُفهم بالعقل البشري”[42]. يتكلم غريغوريوس على الاستعمال الحسن للعقل مكملاً بالإيمان[43]. إن احتكامه إلى المعرفة المستيكية هو ضد المذهب العقلي الأريوسي والأقنومي. وليس ضد الاستعمال العادي للعقل في اكتساب معرفة كتابية عن الله مُتاحة للجميع.

غريغوريوس نفسه يستعمل كثيراً العقل والبلاغة المكتسبين من تربيته الإغريقية الكلاسيكية، على الأقل في استعماله الإغريقي للتمجيد الذي يملؤه بشكل أكيد من المعنى الكتاب. كل هذا ليس بأي طريقة للقول إن البعد الاختباري والمستيكي غير مهم في الإنجيل الرابع أو في غريغوريوس. على العكس، نحن نؤكد الأهمية في كليهما.

في أي حال، إنه للإشارة إلى أنه لا الإنجيل الرابع ولا غريغوريوس، في مجمل شهادتهما، يرفعان المؤمن المواهبي أو القديس كمعيار معصوم لمعرفة الله والمعرفة عن الله فوق الكتاب وفوق الكنيسة. إن كامل شهادة الكتاب والآباء لا تدعم هذا النموذج المطلق كمعيار في التأويل.

في التأويل الكتابي واللاهوتي، لا يمكننا الاكتفاء بطرح يفترض ظاهرياً أن الشخص المواهبي الموثوق هو فوق النقد، ما يشكل موقفاً معرضاً للاتهام بالاعتباطية والذاتانية. الشخص المواهبي مهم في التقليد اليهودي – المسيحي لكن لا يمكن فصله عن شعب الله أي عالم الجماعة المؤمنة التي تشكل شخصيتها المشتركة نقطة السلطة المسيطرة. التوجيه الرسولي هو: “لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم” (1يوحنا 4: 1).

من بين آباء الكنيسة، القديس سمعان اللاهوتي الحديث يدعو، كما لم يفعل أي قديس أرثوذكسي آخر، الحكمة المعصومة وحتى الطهارة من الخطيئة، عند الذي يحمل مجد الله، وهو اعتبر نفسه واحداً منهم. مع هذا، رغم حدة عباراته عن عمى الآخرين جميعاً، يدعو مستمعيه الذين لم يمسكون بعد بمجد المسيح القائم، ليحكموا بأنفسهم على صحة كلماته. أحد الأمثلة على ما يكتب: “هذه هي برأيي حقيقة الأمر، وهذا هو تدبير الله لنا… أنتم، من جهتكم، يجب أن تمتحنوا ما نقول”[44].

تقليد الجماعة وحياة الكنيسة هما المعيار النهائي لامتحان الادعاءات المواهبية. خبرة الله ملك الكنيسة جمعاء وليست فقط لمجموعة نخبوية، ما قد يذكرنا بالغنوصية. للمعرفة المستيكية الشخصية قيمتها لكنها لا تستطيع وحدها أن تطغى على معرفة الله المتاحة للجميع أو تمتصها.

وإلا لا يتجرد المؤمنون فقط من دورهم كحُماة للإيمان، بل الكنيسة أيضاً سوف تُقطع من التواصل مع العالم الذي هي مسؤولة عن تعليمه الإنجيل بشكل هادف. في الواقع، في التأويل، الحاجة هي إلى نموذج يأخذ باعتباره توازناً أكبر بين الإيمان والعقل، المعرفة المستيكية والبحث العلمي، إيمان الفرد وإيمان الجماعة، الكنيسة والثقافة، وهذا كله بحسب شهادة آباء الكنيسة.

 

[1] See the diverse bibliography in Chapter Two, notes 51 through 54. From an Ecumenical perspective, largely centered on the work of the World Council of Churches, sample contributions include Metropolitan Chrysostomos Konstantinidis, “The Significanse of the Eastern and Western Traditions within Christendom,” Orthodoxy: A Faith ans Order Dialogue, (Geneva: WCC, 1960), pp. 62-72; Nikos A. Missions, “The Unity of Scripture and Tradition:

An Eastern Orthodox Contribution to the prolegomena of Hermeneutlcs,’ GOTR 11 (2, 1965-1966), pp. 183-208; and Ion Bria, The Sense of Ecumenical Tiwition (Geneva: WCC Publications, 1991). A Standard for the ecumenical discussion is The Bible: Its Authority and Interpretation in the Ecumenical Movement, ed. Ellen Flesseman-van Leer (Geneva: World Council of Churches, 1980).

[2] G. Florovsky, “The Ethos of the Orthodox Church, “in Orthodoxy: A Faith and Order Dialogue, pp. 45ff.

[3] Cited by Florovsky, ibid, p.41.

[4] Ibid.

[5] The relevant articles on these subjects have been conveniently collected in his book Bible, Church, Tradition: An Eastern Orthodox view.

[6] G. Florovsky, “The Function of Tradition in the Ancient Church, “GOTK9 (Winter, 1963-1964), pp. 187-188, and reprinted in Bible, Church, Tradition.

[7] Even Florovky’s articles “The Predicament of the Church Historian,” in Religion and Culture, ed. W. Leibrecht (New York: Harper & Row, 1959), pp. 140-166, and “The Patterns of Historical Interpretation, “ATR 50 (2, 1968), pp. 144-145, are written in a grand theological perspective rather than a truly critical one, as for example by Van A Harvey, The Historian & the Believer (New York: MacMillan, 1966).

[8] Orthodox theological scholars have tacitly shown ectreme sensitivity about constructive mutual criticism. Although they quote one another in oblique or supportive ways, each usually presents his or her own ideas of other Orthodox authors. But advancement in Orthodox scholarship cannot occur without honest, interactive discussion on the basis of mutual respect and the putting aside of personal attacks and recriminations.

[9] (Athens: Maurogeorges, 1975). A fervent believer and inspiring teacher, Andriopoulos died at a young age, a great loss to Orthodox biblical studies.

[10] Ibid., pp. 405-408.

[11] FornBibliographical entry into his works, see Chapter Two, notes 52 through 54.

[12] ## (Athens, 1979). See also his forthright and stimulating article on biblical studies in modern Greece mentioned and commented on in Chapter Two, note 53.

[13] Ibid., pp. 8-9, 16, 57-58,328.

[14] Ibid., pp. 45,61ff., 71-72,339,342,349,360.

[15] Ibid., pp. 318ff. and 326ff.

[16] Ibid., pp. 8-9, 57-58, 67, 323-327. In his passionate concern for the hermeneutical question and pastoral care, he expects that scholars, students, and Lay people alike must bear the same hermeneutical burden without qualification, pp. 14-15, 315-316, as if all must experience the gap or distance between Bible and modern thought before they can derive any value from Scripture.

[17] Ibid., pp. 16,71-72, 302,310-315.

[18] The two articles are “Theoria and Orthodox Henneneurics,” SVTQ^IO (4, 1976), pp. 95-219 and “Exegesis and Interpretation: Orthodox Reflections on the ‘Hermeneutic Problem,'” SVTQ 27(2, 1983), pp. 75-92. These are essentially reproduced in his book, published bu St. Vladimir’s Seminary Press in Crestwood, New York, which includes Substantive additions on patristic exegesis and rich sections on Scripture as “Living Word” in liturgical Celebration, creedal confessions, and iconography.

[19] John Breck, “Orthodoxy and the Bible Today,” in The Legacy of St. Vladimir, ed. John Breck and others, pp. 141-157.

[20] John Breck, “Theoria and Orthodox Hermeneutics,” pp. 195-196; “Exegesis and Interpretation, “pp. 75-76; The Power of the Word, pp. 25-28.

[21] John Breck, “Theoria and Orthodox Hermeneutics,” pp. 196, 211, 217-219″ Exegesis and interpretation,”pp. 78-84; 90-92; The Power of the Word, pp. 9-10, 28-36,44-47, 109-113.

[22] John Breck, “Ecegesis and Interpretation,” p. 76; The power of the Word, p.28.

[23] For example C. H. Pinnock, The Scripture principle; D. G. Blocsch, Holy Scripture: Revelation; Inspiration & Interpretation; M. A. Noll, Between Faith and Criticism; and many others in Scripture and Truth, ed. D. A. Carson and J. D. Woodbridge.

[24] John Breck, “Exegesis and Interpretation,” pp. 80-84; The Power of the Word, pp. 31-36.

[25] For Example, M. A. Noll, Between Faith and Criticism, pp. 151 and 205, finds forms of a Protestant magisterium among Evangelicals based on the priesthood of all believers and in the pronouncements of exalted Evangelical leaders.

[26] In a differenc chapter of his book, pp. 117-122, Father Breck himself includes an inspiring section on faith but apparently does not see its affinity to the patristic ##

[27] John Breck, The Power of the Word, pp. 32 and 35. Fathe Breck himself, p. 31, defines the classic Protestant position as “charismatic,” that is, anchored on the principle of the personal illumination by the Holy Spirit, Which is to be applied o he ongregation s well as the preacher during the sermon.

[28] For Example, Gregory of Nyssa, prior to the controversy with Eunomios and his followers, practiced mostly allegorical exegesis. But the controversy led him to a much more precise and contextual approach to the biblical text on the basis of a more sophisticated understanding of epistemology and the philosophy of language.

So Mariette Canevet, Gregore de Nysse et l’hermeneutique biblique: Etude des rapports entre le langage et la conaissance de Dieu (Paris: Etudes Augustiniennes, 1983). I owe this reference to my colleague Nicholas Constas.

[29] The emphasis is Father Breck’s in The Power of the Word, p. 104. CF. pp. 110-113.

[30] In Part II of his Power of the Word, Father Breck includes lengthy chapters on creedal formulations on the New Testament and the liturgical tradition but oddly does not raise the question of the hermeneutical role of doctrine, that is, the quest for normative truth. Thus, Part I on “Interpreting the Word” and Part II “Living the Word” seem essentially unconnected> Father Breck’s connection of course is ## as the only hermeneutical key.

The erroneous impression remains that the “living word” occurs only in worship and not other areas of ministry, for example, biblical teaching, which is part of theology’s burden for the world. In his later article “Orthodoxy and the Bible Today,” pp. 149-150, Father Breck does include and incipient discussion of how doctrinal formulations should “determine hermeneutic presuppositions,” an issue that needs far greater attention.

[31] A Comprehensive statement of his position may be found in his lengthy article Critical Examination of the Applications of Theology,” in Proces Verbaux du deuxieme congress de Theologie Orthodoxe, ed.  Savas Ahouridis (Athens, 1978), pp. 413-441. Father Romanides many years ago was my first theology professor at Holy Gross Greek Orthodox School of Theology, and he opened my eyes to exciting heological nsights and to the necessity of paying close attention to “presuppositions.

To him I owe my foundational theological thinking, albeit qualified by critical historical scholarship of the Bible and the Church fathers. Father Romanides is now retired but still active in Greece and abroad.

[32] Ibid., p. 423 and more broadly pp. 421-426.

[33] Father Romanides time and again confidently parallels his theological and hermeneutical approach to the ecpermental method of the hard and soft sciences, involving both interdependent theorizing and actual testing by observable and measurable standards, pp. 413, 423, 432, and 436-437.

[34] Ibid., p. 433. See also pp. 432-433.

[35] Ibid., p. 413, 416, 418-421.

[36] Ibid., p. 427 and 432.

[37] J. Pelikan, The Christian Tradition 2: The Spirit of Eastern Christendom (600-1700) (Chicago: University of Chicago Press, 1974), p. 33, Writes that, according to the Eastern fathers, “Theology was ont a Science of divine ontology but of divine revelation.

“The patristic emphasis on faith and Scripture, rather than on reason and philosophical speculation – while viewing the two perspectives as complementary and mutually supportive, not antithetical – is more fully laid out by Pelican in his Christianity and Classical Culture.

In contemporary Orthodox theology, biblical and partristic personalism as contrasted to Greek philosophica; ontology is the touchstone of the work of John D. Zizioulas, Being as Communion (Crestwood: St. Vladimir’s Seminary Press, 1985) and Christos Yannarars, The Freedom of Morality, trans. Elizabeth Briere (Crestwood: St. Vladimir’s Seminary Press, 1984).

[38] See Kallistos Ware, “The Spiritual Father in Orthodox Christianity, “CC Summer/Fall, 1974), pp. 296-312, and Irenee Hausherr, S. J., Spirtual Direction in the Early Christian East (Kalamazoo: Cistercian Publication, 1990), with a foreword by Kallistos Ware.

Douglas Burton-Chrisrie, The Word in the Desert, ends his study on the ancient monastic use of Scripture by underscoring the significance of persons who lived Scripture and were “Christ-bearers” and “mediators of God to Humanity.” His ending sentence reads: “The ultimate expression of the desert hermeneutic was a person [his emphasis], one who embodied the sacred texts and who drew others out of themselves into a world of infinite possibilities,” p.300.

[39] One can understand but not accept the interpretation of some Church fathers, going back to Origen, that peter and paul simulated the conflict in order to teach a lesson to Jewish and Gentiles Christians. But, on the premise of the dignity and unfailing agreement between apostles, would not thes Christians also be offended even by a simulated conflict, just as later Christians were apparently offended who took the disagreement as real?

[40] Theological Orations, 1.2; 2.3, and 2.14.

[41] Theological Oration, 1.5.

[42] 7W., 211.

[43] See Fullness to reasoning: The Five Theological Orations of Gregor of Nazianzen by Frederick W. Norris who lifts up the following Gregorian citation, p.v: “When we abandon faith to take the power of reason as our shield when we use philosophical enquiry to destroy the credibility of the Spirit, the reason gives way in the face of the vastness of realities… Give way it must… [being] the frail organ of human understanding.

What happens then? The frailty of our reasoning looks like a frailty in our creed. Thus it is that as Paul too Judges smartness of argument is revealed as a nullifying if die Cross. Faith, in fact, is what gives fullness to our reasoning” (Oration 29.21).

[44] C. J. deCatanzaro, trans., Symeon the New Theologian: Discourses, p. 354.

مسألة التأويل في الأرثوذكسية الشرقية

أزمة التأويل في المسيحية الغربية

أزمة التأويل في المسيحية الغربية 

أزمة التأويل في المسيحية الغربية

في القرون الأخيرة، انكسرت رؤية التأويل الآبائية بعاملين: الإصلاح والتنوير. الإصلاح، كحركة احتجاج على الانتهاكات والتمزقات المُلاحظة في تقليد المسيحيّة الغربيّة، وضع المبدأ الأساس للـ “الكتاب وحده (sola scriptura)، وتالياً رفض بشكل مبدئي التوافق (interdependence) بين الكتاب المقدس والتقليد. نحن الآن نعرف، بالطبع، أنّ المبدأ الكتابيّ البروتستانتيّ هو دفاعي وتصحيح للمغالاة في التقليد ولا موقع له بذاته.

فلا الكتاب ولا الإيمان ولا النعمة ولا المسيح له موقع كل بذاته. الأولية نعم أم التفرد فلا. السبب بسيط وهو ضرورة وجود الإنسان المتلقّي وضرورة التفسير اللتين تقودان المفسّر بشكل حتميّ إلى اكتساب تقليده في التفسير بجهد متواصل، عن وعي أو من دونه.

المصلحون برفضهم سلطة الكنيسة من جهة، وبتشديدهم بشكل مزدوج من جهة أخرى على sola scriptura وحق الأفراد بالتفسير، خلقوا تقليداً جديداً بالواقع تقاليد تفسيرية كثيرة كما تطورت التجزئة في التيار البروتستانتيّ.

بالطبع، الكنيسة الغربية في العصور الوسطى كانت أصلاً قد خرقت التوافق بين الكتاب المقدس والتقليد في ترجيحها كفة التقليد ما خنق صوت الكتاب. يصبح هذا التوافق غير مقنع وبلا معنى في الممارسات عندما تنأى معتقدات الكنيسة، سواء الشرقيّة أو الغربية، وممارساتها عن شهادة الكتاب وتفقد التوافق معه.

لقد تفكّر اللاهوتيون الأرثوذكس فيما إذا كان ممكناً لحركة الإصلاح أن تتمّ في المسيحية الشرقية. من منظار أرثوذكسي، موقف الإصلاح في التأويل جذّاب ولكنه غير متوازن. من جهة أخرى، واضح أن لوثر وكالفن سجلا عودة إلى التأويل الآبائي الكلاسيكي[1].

واستعادا سلطة الكتاب ومركزيته في حياة الكنيسة وثبّتا الهدف المركزي ككتاب ووحدته التي حدّداها في المسيح. لقد شدّدا على أوليّة قراءة الكتاب في إطاره على ضوء الكتاب نفسه. وكشفا عن تفاعل بي الروح والحرف، بين النظرية المجردة والحكمة الروحية، على أساس ضرورة مقاربة سر الله بإيمان وصلاة من دون إمكانية تحويله إلى نظام فكريّ. لقد اعترفا بمبدأ التكيّف وطوراه، أيّ أن الكتاب، إلى جانب وجهه الموحى به، يعكس أيضاً المحدوديات البشريّة.

من جهة أخرى، أدّى رفض سلطة الكنيسة في أمور الإيمان إلى أزمة في التأويل، هذه السلطة لا يُعبر عنها بحكم بابويّ بل بالمجامع التمثيلية التي تعلن التمييز العقائدي لكلّ الكنيسة. مبدأ “الكتاب وحده” وحق التفسير الشخصي الملازم له، يدقّان إسفيناً بين سلطة الكتاب والتقليد اللاهوتيّ الموحد للكنيسة، وبهذا يخلقان مأزقاً في التأويل. مشكلة التأويل، التي يُعبر عنها بتعابير بروتستانتية بشكل مميّز، نشأت كمشكلة لاهوتية وكنسيّة عسير المعالجة.

يُظهر تاريخ البروتستانتية بشكل واضح أن التقاليد البروتستانتية المخلفة أسّست رؤاها التي عبرها قرأت الكتاب من دون أن تجد طريقة للحفاظ على الوحدة في التنوع. إعادة اكتشاف الإصلاح للكتاب مرحب بها، لكن الموقف العقائدي على أساس “الكتاب وحده” يثير كثيراً من المشكلات. المبدأ الكتابيّ بدون توازن مع مبدأ كنسي ينقلب على نفسه ويصبح غالباً للكنيسة. إنه يدمر كل إمكانيّات وجود علم تفسير شامل، إذ في غياب سلطة تفسيريّة عليا يصبح التفسير الشخصي الحاكم الأعلى.

يظهر التنوع التفسيري والتشوش في البروتستانتية عبر التطورات التاريخية فيها، بما فيها التقليدية، الطهريّون، الروحيّون، الألفيّون، التقويّون كما الفرق المعاصرة والجماعات المتعصبة.

لقد انكسرت الرؤية التفسيريّة الآبائية بطريقة أخرى وأكثر جذريّة مع التنوير، عبر تأثيره على الدراسات اللاهوتية والكتابيّة البروتستانتية[2]. يستند كل من العقلانيّة التنويرية الناشئة والنقد الكتابي إلى مبدأ التناظر العلميّ. وبوجه خاصّ، أثار تلاقيهما مسألة التأويل بشكل مختلف وأكثر جذريّة. بالسابق، تركّزت هذه المسألة على موضوع الكشف الكنسي أو الفردي كحكم نهائي. الآن، تحولت مسألة التأويل إلى موضوع الوحي أو العقل كمقياس نهائي في هذا العلم.

في تراث التنوير، وبخاصة المنطق غير الملجوم الذي حذّر منه لوثر بشكل لافت للنظر، أدت عملياً إلى رفض سلطة الكتاب المقدس الموحى بها بالكامل. “فضح” لاسنغ (Lessing) الزيف الذي في الحقائق الرئيسية في الكتاب لأنه كان “رجلاً متنوراً من القرن الثامن عشر” وقد رأى صورة بشعة وخندقاً بين ادعاءات الوحي في الكتاب والتفكير الجديد عند أمثاله.

مع تقدم العلوم ونشوء النقد التاريخي مقلداً الطريقة العلمية وعلمنة الحضارة الغربيّة، أدى التكيف التدريجي مع فكر التنوير إلى تقويض سلطة الكتاب المقدس بشكل تدريجي وافتتح “أزمة مبدأ الكتاب بين البروتستانت”[3].

لتأثير التنوير التفسيري على البروتستانتية نتائج محطمّة. فقد ظهرت تشقّقات عميقة بين البروتستانت المحافظين والليبراليّين، وتالياً برزت الفروقات تبعاً لدرجة قبول التفكير الجديد أو رفضه. من جهة، التقليد الديني الغربي، عبر نظراته الصلبة وتحكمه السلطوي في المجتمع، غذّى التساؤل الجديد حول السلطة والرغبة في التحرير. من جهة أخرى، تشكّلت المجادلة الكتابية بين المحافظين والليبراليين، بحسب[4] Walter Brueggnam، في فئات الدقّة العلميّة أو التاريخية التنويريّة، التي كانت غريبة عن الكتاب وعن التقليد الآبائي الكلاسيكيّ.

فيما يشترك الطرفان ضمنياّ بالافتراضات ذاتها، استفاض أحدهما بالاستنساب في سلطة الكتاب بينما استفاض الطرف الآخر بجعلها مطلقة. لقد برز التنوع الضمنيّ أو الظاهريّ فيما تحوّلت البروتستانتيّة بشكل مخيف إلى مجموعات أصولية، محافظة أو إنجيلية، وليبراليّة مع فروقات بينها[5]. يصعب جداً تقويم النتائج بدقّة، منها الاتهامات التي وجّهها كارل بارث وغيره إلى الليبراليين بالهرطقة[6]. كما أن منها أسئلة حول قدرة البروتستانتية على الحياة ومستقبلها في العالم الحديث وما بعد الحديث[7].

قد يظن البعض أنه كان بإمكان البروتستانت الليبراليّين أن يقدموا علم تفسير متكامل على أساس الفكر النقديّ، لكن هذا لم يتم. على العكس، هناك تحلّل افتراضيّ في التأويل عند تقليد البروتستانت الليبراليّين حيث تحوّلت فردية الإصلاح إلى شكل أكثر وحشيّة من الفردية التي في تشديد التنوير على العقل المستقلّ (العقل وحده)[8]. في السابق مزّقت كنيسة القرون الوسطة التكافل المتبادل بين الكتاب والكنيسة، إلا أنّ الإصلاح قام بالأمر ذاته بطريقة معاكسة. لاحقاً، توصّل طغيان الكنيسة إلى طغيان الأكاديميا على صوت الإنجيل[9].

من الواضح أنه إذا تم وضع خندق ليسنغ البشع بين الفكرين الكتابي والمعاصر بتعابير واقعيّة، فلن تكون هناك أي طريقة منطقيّة لردم الهوة بسبب وجود رفض مسبق لما قد يتم برهانه. لقد جعل الإصلاح مسألة التأويل عسيرة المعالجة برفضه الأساس الكنسيّ لمصلحة الأساس الكتابيّ. وجعل التنوير هذه المسألة أكثر عسراً في المعالجة برفض الأساس الكتابيّ ذاته، أي الوحي والإيمان كطريقتين أمينتين للمعرفة، لمصلحة العقل المستقل على أنه المقياس لكي حقيقة.

يجب أن نشير إلى أن التنوير في تأثيره على التأويل، يوجه ليس فقط العلماء البروتستانت بل أيضاً الكاثوليك بقدر ما يقعون تحت تأثير افتراضاته المسبقة عن وعي أو عن غيره.

عمل بعض كبار علماء التفسير في التقليد الليبراليّ أمثال F. Schleiermacher، R. Bultmann، على ردم الهوّة المفتَرَضة بين الكتاب والفكر الحديث، غير راضين بأن يقوم المتطرفون من العقلانيّين برمي الإنجيل بين ركام الميثولوجيا القديمة. هذه الجهود الاستثنائيّة، المثيرة للإعجاب فكرياً والمشجعة بحد ذاتها، لم تؤدِّ إلى نتائج ملزمة ولا دائمة لأن هؤلاء وهبوا الكثير من الأرضية الفلسفّية للتنوير.

فبعد أن تنازلوا عن النظرة المسيحيّة الكلاسيكيّة التي تقول أنّ الإنجيل يقدّم معرفة كافية وحقيقيّة عن الله وأهدافه، عجزوا عن إظهار الفرق بنظريات لاحقة في التأويل. انقاد هذه النظريات والاقتراحات الجديدة على يد H. Gadamer، P. Ricoau، D. Tracy يعوض التعادل من طريق التأكيد على أهميّة حوار بين التأويل وموضوع الكتاب اللاهوتيّ[10].

على أيّ حال، في التقليد الليبراليّ عينه، تبدو هذه الاقتراحات الإصلاحية وكأنها تمنح وزناً زائداً لما سمّي “المسافة”، لا الثقافيّة فقط إنّما اللاهوتية أيضاً، بين الكتاب المقدّس والفكر الحديث، وهذا ما يفترض أنّه المسألة الأولى في التأويل. وما يزال هناك إبهام غير مقبول حول حقيقة الكتاب ومقاربة التأويل المعياريّة له. هذه الاقتراحات المحسّنة مقنعة كنظريّات ابيستيمولوجيّة، لأنها تشرّع ديناميكيّات تحوّل المعنى بعبارات بشريّة عقلانيّة.

مع ذلك، لا تعطي انتباهاً كافياً لسلطة الكتاب الإعلانية في علاقته مع الكنيسة، كما لدور الإيمان والروح القدس كعنصرين أساسيّين في تلقّي رسالة الكتاب المقدس الخلاصيّة وتفعيلها.

لقد تابع الليبراليّون أنفسهم التساؤل حول مجمل مشروع النقد الكتابيّ والتأويل الظاهر والمخبّأ فيه[11].

في السنوات الأخيرة، تتابعت دراسة نظرات مختلفة في هذا العلم، بعضها مترابط والبعض الآخر لا. تتمثّل إحدى مجموعات الجهود المختلفة في “النقد الأدبيّ الحديث”، كالبنيويّة والقصصيّة وتلك الموجّهة نحو القارئ، على مثال السابقين في دراسة الأدب[12]. هدفهم هو منح نوع من استقلال النص عن الكتاب واستعادة معنى الكتاب كأدب دينيّ في محيد القرّاء المعاصرين. مجموعة أخرى من الجهود يمثّلها الفكر الأنثويّ والفكر التحرريّ تدعى “التأويل التأييدي” بسبب تأصّله الإيديولوجيّ في الصراعات المعاصرة السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية[13].

تسعى كلّ هذه المقاربات بطرائقها الخاصّة إلى تقريب المسافة المفترضة بين الكتاب والقارئ المعاصر، ولكن بمعزل عن اهتمام التنوير بالتحقيق العلميّ للحقيقة. مع هذا، ما زالوا يعملون على، إما أوليّة العقل وإما اهتمامات أيدولوجيّة معاصرة، بهدف تحصيل أيّ معنى مناسب قد يجدونه في الإنجيل، معتبرين أنّ سلطته الثقافية ثابتة كأحد الروائع الكلاسيكية أو كمصدر تاريخيّ لقيم متعددة.

لقد أُضيفت الآن هذه الاتجاهات الجديدة إلى التعدديّة في التأويل. قيمتها هي في أنّها تصحيحيّة أكثر منها تصويريّة. فيما يبقى تأثيرها الدائم متوقّعاً، لم تقدّم أي نظرة متكاملة في التأويل. كالجهود الليبراليّة السيزيفوسيّة السابقة، تبدو هذه الاتجاهات وكأنها تدفع إلى أعلى الجبل بنسخة معدّلة من إبيستيمولوجيا التنوير، إلى أن تعود صخرة التأويل لتتدحرج مجدّداً إلى أسفل.

 

[1] D. H. Kelsey, “Protestant Attitudes Regarding Methods of Biblical Interprctation, “in Scripture, ed, by F. E. Greenspahn, pp. 134-141: D. G. Bloesh, Holy Scripture, pp. 192-195, and Donald K. Mckim, “Biblical Authority and the Protestant eformation, “ABD, Vol. 5, PP. 1032-1035.

[2] See the relevant remarks and bibliography on the academic use of Scripture and biblical scholarship in Chapters Two and Five.

[3] The expression is W Pannenbcrg’s, a chapter title in his Basic Questions in Theology, Vol. 1, trans. G. H. Kehm (Philadelphia: Westminster, 1970), p. 1. For a sketch of the complex story of how Scripture’s authority was both overemphasized and then undermined by developments chiefly among Protestants, see H. G. Revendow, “Biblical Authority in the Wake of the Enlightenment,” ABD, Vol 5 pp. 1035-1049.

[4] Walter Brueggemann, “Biblical Authority in the Post- Critical Periok, “ABD, Vol. 5, p. 1050.

[5] For a typology of current Protestant approaches to Scripture, see D. H. Kelsey, “Protestant Attitudes Regarding Methods of Biblical Interpretation, “in Scripture, ed. F. E. Greenspahn, pp. 151-161. For the commonalities, diversity, and dynamics among Evangelicals, see Mark A. Noll, Between Faith and Criticism, pp 142-185

[6] Cited with approval by Carl E. Braatcn, a mainline Lutheran, in his “Response to Manfred K. Bahmann, “LF2S (3, 1994), p. 11. Of course. Fundamentalists and Evangelicals consistently view liberal Protestantism as heresy. Gordon D. Fee, Gospel and Spirit, takes into view heresies by conservatives as well and writes the following: “To put it baldly, where there is no appreciation for tradition… [that is, “historic orthodoxy,” p.25], Protestantism has spawned a mass of individual heresies, all vying for center stage as the single truth of God, ” p.80.

[7] For a recent discussion from an Evangelical perspective, see Alister McGrath’s, Evangelicalism dr the future of Christianity (Downers Grove: InterVarsiry Press, 1995), who perceives that the future belongs to Evangelicalism by its stand on enduring scriptural values, whereas liberal Protestantism has enfeebled itself by its very accommodation to rapidly changing culture.

[8] As Reflected in the accounts afHans W. Frei, The Eclipse of Biblical Narrative: A Study in Eighteenth and Nineteenth Century Hermeneutics (New Haven: Yale University Press, 1974) and David H. Kelsey, The Uses of Scripture in Recent The Ology (Philadephia: Fortress, 1975).

Dennis Nineham, The Use and Abuse of the Bible (New York: Harper & Row, 1977) seems to debunk all hermeneudcal attempts by conservative and liberal Protestants alike as futile and useless in demonstrating any authoritative relevance of the Bible for the present. He Opts for a view of the Bible as a document of the ancient past whose world view canot be genuinely recovered in modern society.

[9] W. Brueggemann, “Scriptural Authority in the Post-Critical Period, “ABD, Vol. 5, p. 1053.

[10] For a concise presentation of these new proposals, see David Tracy’s contribution in part 2 of the revised and enlarged edition of A Short History of the Interpretation of the Bible by R. M Grant and D. Tracy, pp. 153-187.

[11] For Example, P. Stuhlmacher in his Historical Criticism and Theological Interpretation of Scripture, M. Hengel in his reflection on the same topic in Acts and the History of Early Christianity, pp. 127-136, and B. S. Childs in his several books.

See also the manifesto by P. C. Mcglasson, Another Gospel with a supportive foreword by B. S. Childs. Of course, the critiques from conservative Protestants continue unabated as reflected in the works of C. H. Pinnock, D. G. Blocsch, D. A- Carson, J. D. Woodbridge, J. I. Pacher, and others.

From the Roman Catholic Side, Raymond Brown in his many works has strongly supported historical biblical criticism as the primary took for biblical study; however, he has also on the one hand rejected its Enlightenment rationalistic freight and on the other hand supported, while qualifying, the interpretive authority of the magisterium.

See especially R. Brown, Biblical Exegesis and Church Doctrine, where he both answers traditionalists and critiques radicals, as he carves out a “centrist position” in line with and officially supported by the Church.

[12] See T. J. Keegan, Interpreting the Bible and E. V. McKnight, Post-Modern Use of the Bible.

[13] A strong challenge is presented by Elisabeth Schiissler Fiorenza, “Toward a Feminist Biblical Hermeneutics: Biblical Interpretation and Liberation Theology, “in A Guide to Contemporary Hermeneutics, ed. D. K. Mckim (Grand Rapids: Eerdmans, 1986), pp. 358-381. See also her books bread Not Stone and Searching the Scriptures: A Feminist Introduction.

أزمة التأويل في المسيحية الغربية

مسألة التأويل في الكنيسة قديما

مسألة التأويل في الكنيسة قديما

مسألة التأويل في الكنيسة قديما

لقد أحاط الإنجيليّون (أي: الذين كتبوا في العهد الجديد) بشكل لا مفرّ منه بالقوى المحركة للتأويل، لكنّهم نادراً ما أثاروا مشكلة هذا العلم بشكل واعٍ، وتالياً فقد أثاروها بشكل غير مباشر عند تعاطيهم مع الاختلافات فقط. على سبيل المثال، تمييز الرسول بولس بين الحرف والروح (2كورنثوس 3: 6)، في قراءة العهد القديم هو تأمّل تفسيريّ بدائي. مع أنّه يرث هذا التمييز من خلفيّته اليهوديّة، إلا أنّه يطبّقه على طريقته. لكنّه لا يُدخل أي اعتبار نظريّ حول الأسس اللاهوتيّة والطرائق التفسيريّة.

أنه يعلن ببساطة أن غشاءً حاجباً للنظر يعيق اليهود غير المؤمنين عن الفهم الصحيح للتوراة، عائق ممكن إزاحته فقط بالإيمان بيسوع وبقوة الروح القدس (2كورنثوس 3: 14-18).  في الدعوة إلى إنهاء الناموس الموسويّ وبأنه لم يعد هناك لا يهوديّ ولا يونانيّ (غلاطية 3: 23-28)، يعرف بولس أيضاً أنّ عدداً من اليهود والمسيحيّين المعاصرين هم على اختلاف شديد (غلاطية 2: 4-5، 11-14، وأعمال 15: 1-2). يسعى بولس إلى إظهار ما يدعو إليه عبر التحليل والتفسير الكتابيّ (غلاطية 3: 6-29).

ولكن مفتاح تفسيره العشوائيّ يقوم إلى حدّ بعيد على خبرته الإيمانيّة مع المسيح (غلاطية 1: 11-17) كما أنّ أرضيّة تفسير دعوته تقوم على حقيقة جماعات الأمميّة. المعنى الرئيس في التفسير للحقيقة الكنسيّة أكثر ما يظهر بوضوح في مجمع الرسل (أعمال 15: 1-29). للحفاظ على الوحدة بين المسيحيّين من اليهود والأمم، أخذ الاجتماع في أورشليم ما يمكن مساواته بموقف تفسيريّ آنيّ من الناموس الموسويّ، مزيلاً حمل الالتزام عن المسيحيّين الذين من الأمم، وبّرر قراره بالقول “لقد ظهر حسناً للروح القدس ولنا” (أعمال 15: 28)[1].

تدريجيّاً، اكتسبت مسألة التأويل مستوى التأمّل الواعي في التقليد الآبائيّ. بسبب المجادلات العقائدية المستمرّة، التي تضمّن أغلبها تفسيراً كتابيّاً، طوّر آباء الكنيسة تمييزات معقدة في التأويل تتعلق بطبيعة الكتاب ودوره وتفسيره في الكنيسة، كما طوّروا طرائق ومبادئ تفسيريّة مناسبة[2].

في المجادلات مع اليهود والماركيونيّين حول العهد القديم كشاهد للمسيح، صاغ القدّيس يوستينوس الشهيد أوّل تقويم منهجيّ لوحدة الكتاب المقدّس، أي تصنيفه الثلاثيّ للعهد القديم كنبوءة وكناموس أخلاقيّ وكنظام تاريخي مؤقت لليهود[3]. يمثّل الأخير من هذه العناصر الثلاثة أوّل نسبة معلنة لسلطة الكتاب الموروثة من اليهود[4].

القديس إيريناوس، بعد قرن من يوستينوس، الذي يحمل شهادة واضحة لكنيسة مسيحيّة عالميّة وإنجيل مسيحيّ مؤلّف من العهدين القديم والجديد، وضع مبادئ لاهوتيّة مهمّة حول وحدة الكتاب المقدّس وتفسيره[5]. بالنسبة إلى إيريناوس، المسيح هو مبدأ التأويل المركزيّ في كلّ الكتاب. هذا المبدأ يثّبت وحدة الكتاب كما قابليّة الحياة لتفسير العهد القديم رمزيّاً. على المستوى عينه من الأهميّة، هو اللجوء إلى قانون الإيمان كمنظار تفسيريّ.

وهو أساساً لجوء إلى معنى الكنيسة العقائدي كأساس في التأويل جوهريّ جداً في التاريخ المسيحيّ. إنّ إنجازه الثابت هو الربط الواقعي بين الكتاب والكنيسة التي تشكل الإطار الموافق لتفسير الكتاب ككتاب مقدّس.

بلغ التفكير في التأويل إحدى ذراه في القرن الثالث مع أوريجنس العظيم الذي كان عالم لغة ومفسّراً وواعظاً ولاهوتياّ وفيلسوفاً[6]. كرجل كتاب وكنيسة، تأثر أوريجنس كثيراً بغنى المسيحيّة الكتابيّ ونجاحها التبشيريّ. وقد أنشأ رؤية منهجيّة للتربية المسيحيّة المتمحورة حول المسيح في استعماله أدوات زمانه الفكريّة وتوجهه إلى كلّ المفكرين. وقد رأى أوريجنس في المسيح مركز الكتاب المقدّس ومفتاح تفسيره.

ومع أنّه قد غالى في المجازيّة وبعض التأملات الوهميّة مما سمح لمفسّرين، قدامى وجدد، بالحطّ من قدره، وغالباً بطرائق غير عادلة وتنطوي على مفارقات تاريخيّة، إلا أن الكلّ مدينون له بشيء ما. لم ينجز أحد ما يوازي ما أنجزه في الدراسات النصيّة وتحقيق الشهادة الكتابيّة التفسيريّة.

قيمته في التأويل لا تكمن في مجرّد صياغته نظريّة مميّزة قائمة على الجسد والنفس والروح، كما يعتقد الكثير من المفكرّين، وهو لم يتبع هذه النظرية بشكل ثابت، إنّما بالتحديد في تجانس رؤيته التفسيريّة واللاهوتيّة التي دمجت طرائق الدراسة في ذلك العصر بسلطة الكتاب والكنيسة وتحدّيات زمانه. في إطار هذه الرؤية، أثبتت رؤية الأساس التاريخيّ للإعلان أنّه أداة فعّالة في تقديم الشهادة الكتابيّة بين المؤمنين والوثنيّين.

يرى يوحنّا باناغوبولوس أن أوريجنس هو مفكّر مخلص ولامع في تعاطيه مع تيارات التأويل المتفاعلة في اليهوديّة والمسيحيّة والهلينيّة. وهو يكتب هذه الكلمات المميّزة عن هذا الإسكندري العظيم: “كان أوريجنس ويبقى مؤسس التأويل الكتابيّ ورائده، النبع الذي لا ينضب للتفسير الكتابيّ الصحيح[7].

بعد أوريجنس، استمرّ تعقيد التأويل، شرقاً وغرباً، بالتطور وقد أربك آباء الكنيسة والهراطقة معاً حول صحّة التفسير الكتابيّ المناسب لفحواه. الآباء والمفسّرون أمثال ذيوذوروس الطرسوسيّ وثيوذودوس المبسويستيّ في التقليد الشرقيّ، وأوغسطين وإيرونيموس في التقليد الغربيّ، انشغلوا في شؤون محدّدة من المنهجية التفسيريّة والعبارات التقنيّة والترجمة وقوانين التفسير[8]. إحدى ثمار التأويل كانت صياغة معنى الكتاب الرباعيّ: الأدبيّ والمجازيّ والأخلاقيّ والأخرويّ، التي ظهرت أولاً عند يوحنا كاسيانوس [9]الذي كان شرقياً وغربياً.

نجد عند الآباء الكبادوكيّين سعياً فلسفياً واعياً في التأويل للحفاظ على توازن نقديّ بين الإيمان والعقل، وبين البعدين الاختباريّ والمنطقيّ للاهوت، بما فيها “الجهد للتسوية بين المعلومات اللاهوتيّة والفكر العلميّ في عصرهم[10]. من سمات التراث الآبائي التنوع الغنيّ في المنهجية والتفسير، لكنه تنوّع في إطار الوحدة الواسعة للعقيدة والحياة في الكنيسة.

من ناحية التأويل، الموضوع كان، ولم يزل، لا المنهجيّة أو تعدد التفاسير، إنّما العلاقة بين سلطة الكتاب وسلطة الكنيسة أي حسّ الكنيسة العقائدي فيما يتعلق بأمور التفسير المثيرة للانقسامات. كما أشرنا سابقاً، في الفترة المسيحيّة الكلاسيكيّة، كان الكتاب المقدّس والتقليد متوقفين أحدهما على الآخر ومؤيّدين أحدهما الآخر[11]. بحسب R. Geer، كان للكتاب المقدس المسيحي السلطة فقط حين قُرئ على ضوء قانون أيمان الكنيسة[12].

لكن النظرة إلى قانون الإيمان ورسالة الكتاب المركزيّة كانت على أنهما مترابطان صميمياً ومتماهيان. في العصور المسيحيّة الأولى، لم تكن هناك خطوط عريضة محدّدة للكتاب أو لقانون الإيمان. يلوح التقليد الرسوليّ، الشفويّ والمكتوب، حقلاً واسعاً. وكما يشير Geer، بمعنى ما كان لقانون الإيمان السلطة لأنه كان متجانساً مع رسالة الكتاب المركزيّة، وبمعنى آخر، قانون الإيمان الذي كان في مرحلة التطور هو من حدّد بشكل أساس مقبوليّة الكتابات المقدّسة، وهكذا خلق الإنجيل المسيحيّ.

ينبغي أن نشير بشكل أكثر وضوحاً من Geer على أن، عملياً، العامل الأساس في التأويل، في كلا الحالتين، كان تقليد الكنيسة الكبرى الحيّ والمستمر والقابل للامتداد وتمييزها العقائدي. هذا التقليد كان حتميّة تاريخيّة ولاهوتيّة بقدر ما كان تقليداً رسولياً، مع منحه أهميّته الأساسية، لم يكن ممكناً للتقليد من ذاته أن يُنقل ويحدّد بمعزل عن هويّة الجماعة المؤمنة الذاتية وقراراتها التفسيرية. على هذا الضوء، يمكننا أن نوافق مع نقطتي Geer العامتين والثابتتين في مناقشة التأويل الناشئة من تراث الآباء التفسيريّ. بكلمات Geer:

أولاً، لم تفتكر الكنيسة لغاية القرن الخامس بسلطة الكتاب المقدّس بمعزل عن علاقته بالتقليد اللاهوتي المعبّر عنه في دستور الإيمان أو بمعزل عن استعماله في العبادة المسيحيّة. لقد كان سلطة الكتاب المقدس مرتبطة بحياة الكنيسة. لم يكن التعامل مع الكتاب المقدّس والتقليد والعبادة يتم وكأنها اختياريّة للانطلاق إلى صياغة معنى الإيمان، ولا كان يُنظر إليها كسلطات اختيارية ممكن وضعها الواحدة إزاء الأخرى. ثانياً، معنى هذه المقاييس المتعلٌّقة بالسلطة في الإيمان والممارسة، كان يُنوى منه تثبيت وحدة الكنيسة وحدة لا تماثل فيها[13].

 

[1] According to the sketchy account in Acts, which no doubt omits a full exchange of views for and against the obligation of Law observance by Gentile Christians. The hermeneutical question is indirectly raised again and again in the Fourth Gospel Where the correct understanding of Christ and his ministry is frequently at the forefront, (e.g., Jn 6: 44-45; 7: 16-17; 12: 37-40; 16: 12-15).

Interestingly, the declarative mod of divine revelation in the Fourth Gospel is accompanied by references to the role of the Holy Spirit as hermeneutical stance of the Johannine community.

[2] انظر الفصل الرابع لنظرة الآباء للكتاب ومنهجيتهم التفسيرية والمراجع

[3] Dial, 44.2.

[4] Justin’s concern was to maintain the authority of the Old Testament as a Christian book, while allowing for partial relativization of its authority through acknowledgment that the ritual Law was temporary and no longer binding on Christians. What was implicit in St. Paul’s thought (Gal 3) becomes explicit in Justin’s.

See further Hans von Campenhausen, The Formation of the Christian Bible, Crans, bu J. A. Baker (Philadelphia. Fortress, 1972). Pp. 88-102, and Theodore Stylianopoulos, Justion Martyr and the Mosaic Law, (Missoula: Society of Biblical Literature, 1975), pp. 51-68 and 153-163.

[5] See J. L. Kugel and R. A. Greer, Early Biblical Interpretation, pp. 109-113; F. Sadowski, The Church Fathers on the Bible, pp. 27-44, and B. de Margerie, The Greek Fathers, pp. 51-77.

[6] A Recent Brief evaluation of this great but controversial figure is provided bu B.de Margerie, The Greek Fathers, pp. 95-116. For Origen’s texts in English translation see K. Frochlich, Biblical Interpretation in the Early Church, pp. 48-78; J. W. Trigg, Biblical Interpretation, pp. 71-115; and F. Sadowdki, The Church Fathers on the Bible, pp. 89-125.

[7] John Panagopoulos, ‘H ‘## Vol. 1, p. 280.

[8] K. Frochlich, Biblical Interpretation in the Early Church, pp. 82-132; J. W. Trigg, Biblical Interpretation. Pp. 163-295; and F. Sadowski, The Church Fathers on the Bible, 143-243.

[9] K. Froehlich, Biblical Interpretation in the Early Church, p. 28. The standard example was Jerusalem which literally is the Jewish city, allegorically die Church tropologically die soul, and anagogically the heavenly Jerusalem of die Kingdom, according to Cassian’s Conferences 14.8. SE&John Gwian: Confirmees, trans. Colm Luihheid (Mahwah: Paulics, 1985), p. 160.

[10] The Quoted statement is by J. Danielou, cited by B. de Margerie, The Greek Fathers, p.219. See further the extensive discussion by J. Pelikan, Christianity and Classical Culture, pp. 215-230. Entitled “Faith as the Fulfillment of Reason, “and more Recently J. A. McGuckin, “Perceiving Light from Light in Light” (Oration 31: 3): The Trinitarian Theology of Saint Gregory the Theologian,” (7077? 39 (1-2, 1994), pp. 32.

Philip Rousseau Basil of Caesarea, pp. 106-111 and 322-323, undersores Basil’s sensitivity toward clever dialectics against which the Cappadocian guarded by relying on a literal interpretation of authoritative Scripture and then accommodating all other Knowledge.

[11] See the discussion under “Scripture and Tradition” in Chapter two.

[12] Rowan A. Greer, “Biblical Authority in the Early Church,” ABD, Vol. 5.p. 1027.

[13] Ibid., pp. 1026-1027. Historical scholarship has gradually compelled many Protestants conservatives as well as liberals, to acknowledge the role of tradition in the canonization of Scripture, a rather significant issue in hermeneutics and ecclesiology.

For example. Gordon D. Fee, Gospel and Spirit, p. 17, writes: “What most evangelicals tend conveniently to ignore is that it was tradition in this sense that was responsible, under the guidance of the Spirit, for the canonization of the [scriptural] tradition”.

مسألة التأويل في الكنيسة قديما

مسألة التأويل: عرض نقدي – مشكلة أو مشكلات؟

مسألة التأويل: عرض نقدي – مشكلة أو مشكلات؟

 

مسألة التأويل: عرض نقدي – مشكلة أو مشكلات؟

تحمل مسألة التأويل بشكل عامّ تناقضاً ظاهرياً في وقت هي مشكلة قائمة. من جهة أخرى، يتعلق التأويل الكتابي بالإبيستيمولوجيا أي بطبيعة دراسة الكتاب المقدس وتفسيره. فيما يوصَف التأويل بفنّ الفهم[1]، يسعى هذا العلم إلى إيضاح كيف ولماذا نفعل ما نفعل بالكتاب المقدس.

فهو يسعى إلى خلق نظرية متماسكة من التواصل (كيفيّة استخراج المعنى والقيمة من الكتاب وتطبيقها في الحياة)[2] عبر التفكير المنظّم حول طرائق الدارسة الكتابيّة وأسسها ومحركاتها. إلى هذا، فإنّ التأويل مكتَنَف ظاهرياً بأسئلة غير محلولة واقتراحات متضاربة. تكشف عن قراءة أدب هذا العلم تنوّعاً من العروضات والمقاربات التي تجعل حتى من تحددي مشكلة التأويل مهمّة محيّرة. النظريات المثيرة للاهتمام التي قدمّها مفكّرون لامعون من سلايرماخر إلى غادامر أتت ومضت.

في عصرنا، قدّمت اقتراحات بول ريكور Ricoeur، دايفيد ترايسي، وغيرهما من منظّري النقد الأدبيّ الجديد، ولكن من دون إجماع منظور عليها. يستنتج W. Randolph Tate أنّ مهمّة التأويل [3]… غير مكتملة… ولكنها متغيّرة بشكل دائم وغير منتهية، ويرافقها ذعر دائم لا يمكن تلافيه. وفي مطالعة الوضع الحاليّ، يشبّه رايموند براون السعي إلى طريقة لتفسير الكتاب بالسعي إلى الكأس المقدّس، أي أنّه سعي لا يموت لكنّه يبدو وكأنه بلا جدوى[4]. إنها بالواقع لمفارقة أن ينشأ كل هذا التشويش عن حقل يهدف أصلاً إلى الإيضاح.

إلى هذا، ينبغي شرح هذا الإرباك المسيطر في التأويل عبر العوامل المعقّدة والمتحركة الي تتعلّق بالكتاب وقرّائه والإطار الحياتي الذي يُقرأ فيه ويطبّق. وفيما يتعلّق بالكتاب المقدّس، هناك استفهامات عديدة حول أصوله التاريخيّة والأدبيّة، تنوّع تعاليمه ومؤسساته، وجهيه البشريّ والإلهيّ، دوره وسلطته في الكنيسة وفي الحضارة عبر الأجيال.

كيف يتمّ الوصول إلى إرادة الله في إطار تنوّع الشهادات الكتابيّة وتعدّد طرائق التفسير في التاريخ؟ فيما يتعلّق بالقرّاء، هناك العدد ذاته من الاستفهامات حول اهتماماتهم الشخصيّة وانحيازاتهم، خلفيّاتهم الكنسيّة والحضاريّة، رؤاهم للوحي والإعلان، كما لمبادئهم الضمنّية أو المُعلّنَة من التفسير. على أساس أيّة محرّكات وأسس يسعى القارئ إلى فهم الكتاب وتفسيره وتطبيقه؟ أمّا بخصوص الإطار الحياتيّ، فمن المسلّم به أنّ عدداً من القضايا الملحّة ينشأ في أوقات مختلفة.

بالنسبة إلى الرسول بولس والكنيسة في القرون الأولى، ودور الناموس الموسويّ والعلاقة بين اليهود واليهود المسيحيّين والمسيحيّين من الأمم. في القرن الرابع، انشغل الجميع بالمناظرات حول الثالوث. في نهاية القرن العشرين، نوقشت المسائل السياسيّة – الاجتماعية حول الدولة والدين والجنس والعلاقات الجنسيّة والأخلاق الطبيّة وحقوق الإنسان. كيف تؤثّر قراءة الكتاب المقدس على أمور حساسة يوميّة وكيف تؤثّر هذه الأمور بدورها على نوعية تفسير الكتاب ودوره؟

تشير هذه الاعتبارات إلى أنّ مشكلة التأويل ليست واحدة بل مشكلات عدّة في آن واحد. كما تؤدي عوامل معقّدة وقوى مختلفة دوراً في تحديد طبيعة السعي المحيّرة في التأويل. ما يمكن أن يشكّل مشكلة كبيرة لدى قارئ ما أو جماعة دينيّة أو جيل، قد لا يشكل أيّة مشكلة لغيره. قد يتمتّع أحد القراء في ادّعاء الكتاب أنّ الله أظهر نفسه شخصياً لأشخاص محدّدين مثل إبراهيم والرسول بولس، فيما يشكّك غيره بالأمر.

قد يبني أحد المفسّرين نموذجاً للتأويل على سلطة الكتاب والكنيسة، فيما يبني آخر نموذجاً يقوم على رفض السلطتين. تستند استعمالات مختلفة للكتاب، كنسيّة وأكاديميّة، إلى علوم تفسير مختلفة سواء ضمنياً أو علنياً، فيما تنشأ أمور ملموسة وتنمو المجادلات في عصر ما، تصبح العمليّة التفسيريّة أكثر تحديداً وصقلاً. قد يصنّف المنظّرون عناصر توافق أو اختلاف، لكن مناقشة التأويل مؤهلة لأن تكون ضيّقة أيضاً وتقنية ومجرّدة إلى درجة تصبح فيها معزولة عن النصّ الكتابيّ كما عن اهتمام أغلب القرّاء.

إذاً، التحدي هو في تحديد المسعى التفسيريّ أي تحددي الأبعاد الأساسيّة والنقاط الرئيسة للتلاقي والتباعد بهدف تأسيس بعض التجانس والوضوح في البحث التفسيريّ.[5]

 

 

[1] Bernard C. Lacegan, “Hermeneutics,” ABD, Vol, 3, p. 149.

[2] Gordon D. Fee, Gospel and Spirit, correctly stresses and provides numerous illustrations of the connection between hermeneutics and the actual use of Scripture, Which is very often selective on all sides.

According to Fee, hermeneutics significantly involves both “the meaning and application of Scripture,” a matter of daily challenge, Since all Christian life and ministry necessarily presuppose  hermeneutics, or as Fee puts it, “thinking about and reflecting on Scripture in such a way that one brings it to bear on all aspects of human life,” p. 24, Hermeneutics, Whether implicit or explicit, is inescapable and must be articulated with utmost care, responsibility, and consistency.

Unfortunately, many hermeneutics thinkers seem to deal with the subject in terms of abstractions, as if building casdes in the sky, with no tangible connections to the biblical texts and the reality of everyday life.

[3] W. Randolph Tare, Biblical Interpretation, p. 212.

[4] R. Brown, “Hermeneutics,” NJBC, p. 1158.

[5] See also the preliminary discussion of hermeneutics in Chapter Three.

مسألة التأويل: عرض نقدي – مشكلة أو مشكلات؟

البحث الكتابي المعاصر

 البحث الكتابيّ المعاصر

البحث الكتابي المعاصر

قراءة الكتاب المقدّس قراءة عالمة ومسؤولة لا تستطيع أن تتجاهل تحديّ البحث العلميّ. منذ وُجدت الحضَارة، كان هذا البحث عمليّة مثمرة جداً ومستحقّةً الثناء عندما يكون مركّزاً ودراساً نظامياً. لقد كان للمصريّين القدامى والبابليّين معلّمو حكمة. اليهود، الإغريق والرومان أعطوا أيضاً قيمة كبيراً جداً للتعلُّم والتربيّة[1]. الكتاب المقدّس هو نتيجة بحث ويعطي إثباتاً لنشاطات عمليّة فيه. مثلاً، يحدّد كتاب سيراخ علناً أحد معلّمي إسرائيل الذي عيّن مدير مدرسة وألّف كتابه الذي تُرجِم لاحقاً إلى اليونانيّة على يد ابن أخيه[2].

إنجيل متّى الذي كتبه معلّم مسيحيّ أخرج من كنزه “ما هو قديم وما هو جديد” (متى 52:13)، يعطي إثباتاً حول العمل الفكريّ الدؤوب الذي يقف خلف تجميعه تعاليم يسوع في عظات طويلة كتلك التي على الجبل (متّى 5-7)[3]. الرسول بولس، كان فرّيسيّاً سابقاً خبيراً في البحث المتعدّد اللغات في القانون، كان قادراً على الحاججات الطويلة في أمور مثيرة للجدل بين اليهود والمسيحيّين، كما يتّضح من رسائله إلى الرومانيّين والكورنثّيين والغلاطيّين.

شجّع آباء الكنيسة البحث العلميّ على أساس الكتاب المقدس والتراث الكلاسيكيّ معاً. رغم سؤال ترتليان التشكيكيّ الشهير: “ما لأثينا مع أورشليم؟”، فقد احترم الآباء التقليد الكلاسيكيّ وعزّزوا التربية بحسب وسائل زمانهم وحاجته.

تستمرّ الدراسات الكتابيّة الحديثة في الجامعات والكلّيات في هذا التقليد الواسع. يعمل الباحثون الكتابيّون المعاصرون في ظروف عصريّة ومنهجيّات حديثة. تكمن أهدافهم الأساسيّة في صقل المعرفة، كلّ في حقله، وتحسين مسيرة الحضارة. ليس مفاجئاً أنّهم يستعملون، كما فعل الآباء في زمانهم، القوى العقليّة واللغة والمنهجيّات بالإضافة إلى أمور عصورهم الاجتماعيّة والسياسيّة.

ومع هذا، يجب الاعتراف بأنّه، مع وجود النتائج اللامعة والثابتة، سبّبت أوجه البحث الكتابي الحديث، بشكل مباشر أو غير مباشر، تشويشاً كبيراً وعلى القدر عينه بين الطلاّب والرعاة والمؤمنين العاديّين. لقد أثار علماء الكتاب أنفسهم مسائل حول طبيعة النقد الكتابيّ الحديث وروحه[4].

فالنقطة الحاسمة في المسألة ذات وجهين. من جهة، يقترح النقد الكتابيّ اكتشاف الكتاب المقدّس وتفسيره في كلّ غناه وتنوّعه بهدف تسليط الضوء على قيمته كتراث أدبيّ ودينيّ وحضاريّ. لكن من الجهة الأخرى، غالباً ما يعطى النقد الكتابيّ الانطباع بأنّه نقد سلبيّ يفكّك الكتاب المقدّس ويرفض جذرياً عناصر الشهادة الأساسيّة.

فبدل أن يظهر البحث العلميّ تقديراً عادلاً للكتاب المقدّس وتعاطفاً معه، غالباً ما يقدّم صورة مشوّشة لمنهجيّات متفرّقة ونتائج متضاربة، شديدة التأثّر بافتراضات فلسفيّة ومواقف أيديولوجيّة غريبة في الكتاب. من هنا، نظرة متوازنة إلى نقاط القوّة والضعف في الدراسة الأكاديميّة السائدة هي أمر حاسم متعلّق بحريّة البحث العلميّ وطبيعة الحقيقة كما بأهميّة الكتاب المقدّس بالنسبة إلى الكنيسة.

ما يحدّد خُلُق النقد الكتابيّ الحديث وروحه، إيجابيّاً وسلبيّاً في آن معاً، هو تراث أصوله ومنهجيّاته. تاريخ النقد الكتابيّ طويل ولا فائدة هنا من محاولة سرد تاريخ وصفيّ للبحث الكتابيّ[5]. عموماً، هذا الحقل متنوّع جداً ومطبوع بالتحليل النقديّ الموضوعيّ كما بالانحراف، بالإنجازات الحقيقيّة كما بالتوجّهات الخاطئة، وبالنتائج المثبتة كما بالمشكلات التي لا سبيل إلى فهمها ظاهريّاً. فيما حقّقت الدراسة الكتابيّة مساهمات قيّمة في فهمنا الأدبيّ والتاريخيّ للكتاب المقدّس، فقد كانت في أزمة مستمرّة في ما يتعلّق بمقاربات التأويل والإجماع اللاهوتيّ. في هذا الفصل، ننوي تقديم تقويم واسع للبحث العلميّ من طريق تسليط الضوء على بعض المميّزات الأساسيّة في ثلاثة مجالات:

ا) المصادر التاريخية في البحث الكتابي المعاصر

ب) منهجيات البحث الكتابي المعاصر

ج) نقاط القوة والضعف في البحث الكتابي المعاصر

[1] H. I. Marrou, A History of education in Antiquity, trans. G. Lamb (New York: Sheed and ward, 1964) and William Barclay, Educational Ideals in the Ancient World (Grand Rapids: Baker Book, 1974).

[2] See the interesting prologue of Sirach and Sir 39:1-11; 50:27; and 51:23.

[3] The other discourses are in Mathew, chaps. 10,13,18m23, and 24-25.

[4] For example, Walter Wink, The Bible in Human Transformation; Stuhlmacher, Historical Criticism and Theological Interpertation of Scripture; Martin Hengel, “Historical Methods and the Theological Interpretation of the New Testament,” in his Acts and the History of Earliest Christianity, pp.127-136; and Eta Linnemann, Historical Criticism of the Bible: Methodology or Ideology? The last carries the subtitle “Reflections of a Bultmannian turned evangelical.”

[5] For such accounts, see the relevant articles on biblical criticism in The Anchor Bible Dictionary and The New Jerome Biblical Commentary. For the New Testament, see further S. Neil and T. Wright, The Interpretation of the New Testament 1881-1986; E.J. Epp and G. W MacRae, eds., The New Testament and Its Modern Interpreters; and W. G. Kummel, The New Testament: The History of the Investigation of its Problems, trans. S. Maclean Gilmour and H. C. Kee (New York: Abingdon, 1970).

البحث الكتابي المعاصر نقاط القوة والضعف

البحث الكتابي المعاصر نقاط القوة والضعف

البحث الكتابي المعاصر نقاط القوة والضعف

تقويم البحث الكتابي تقويماً عادلاً يجب أن يأخذ في الاعتبار نقاط الضعف ونقاط القوة في هذا الحقل. نقاط القوة في هذا الحقل. نقاط القوة في الدراسات الكتابية الحديثة بديهية ومتعددة. تضع اللائحة التالية نصب عينيها إنجازات الدراسات الكتابية من وجهة نظر المقاربة التاريخية – النقدية التي سادت منذ القرن التاسع عشر.

1) إحدى أهم نقاط القوة عند البحث الكتابي هي مثاله في البحث الصادق النقدي عن الحقيقة عبر معايير موضوعية وتاريخية ولغوية. هناك شيء خلاق ومنعش في المقاربة التاريخية – النقدية للنصوص القديمة وطبقات التقليد المتراكم. تنطبق هذه المقاربة، من حيث المبدأ، على كل حقول اللاهوت بشكلٍ متساوٍ، بما فيها الدراسات الكتابية، الآبائيات، التاريخ الكنسي، العقائد والليتورجيا. مع أن الموضوعية المطلقة مستحيلة، فإن النتائج العلمية الإيجابية في هذه الحقول تُثبت أنها في الواقع ممكنة.

فيما يمكن جود عنصر سلبي أو مؤٍذ في الروح النقدية، قد أثبتت هذه الروح أن لها أيضاً تأثيرا تطهيرياً على التقاليد الدينية ينير رؤاها الأكثر عمقاً ويلطف ميولها الصلبة والأصولية. ما ينبغي تأكيده هو أن الدور الإيجابي لملكة الإنسان النقدية في اكتشاف الحقيقة قد رفعه آباء الكنيسة العظماء كالكبادوكيين[1]. الوظيفة النقدية هي وجه أساس من اللاهوت كنظام بصير، وليس فقط مكرر، يسعى إلى التمييز بين الحق والباطل. فيما قام النقد الكتابي بادعاءات جنونية وأخطاء جسيمة، فإن المقاربة النقدية أثبتت أيضاً قدرةً مميزة في النقد الذاتي وتصحيح الذات وهما عنصران داخليان وثابتان في البحث العلمي الصحيح.

2) نجاح النقد الكتابي في الدراسات اللغوية والنصية لا يقبل الجدل. لقد كرس الباحثون انتباهاً غير محدود للغات أسفار الكتاب الأصلية للتحليل المقارن لآلاف الوثائق الكتابية[2]. فأنتجوا نصاً نقدياً من الكتاب بحسب الأصل. هذا ما يخدم كأساس لكل الترجمات المعاصرة المفَتَرضة على يد خبراء كتابيين[3]. ثمار هذا العمل البحثي اللغوي تتضمن أيضاً مجموعة مذهلة من القواعد، المعاجم، الفهارس، وغيرها من الأمور التي تساعد على الدراسة النظامية للكتاب المقدس.

3) لقد أدت الدراسة الكتابية إجمالاً إلى كم هائل من المعرفة حول الكتاب ومحتوياته وأصول اليهودية والمسيحية وتطورها، كما حول الثقافات والأديان المحيطة بهما. يوجد اليوم عدد من المعاجم والموسوعات والتعليقات والكتب والمجلات التي تعالج دراسة الكتاب[4].

4) أوضحت الدراسات الكتابية النقدية عدداً من المؤسسات والمفاهيم والأفكار الكتابية، كالاختيار والعهد والنبوءة وملكوت الله والآخرة. نحن الآن نعرف عن هذه المواضيع أكثر من أي وقت مضي. إلى هذا، فالدراسات الكتابية ألقت ضوءً غير متوقع على أمور رئيسة قسمت المسيحيين تقليدياً، على سبيل المثال: الكتاب المقدس والتقليد، الناموس والإنجيل، الكلمة والسر، والإيمان والأعمال.

بفضل الدراسة التاريخية النقدية، يتمكن المنقبون، بطريقة منفتحة وصادقة، من أن يحققوا مستوى مفاجئاً من الإجماع اليوم[5]. هذا الوجه المسكوني من الدراسة الكتابية سهل الحوار، ليس فقط بين الكنائس، إنما أيضاً مع اليهودية والأديان الأخرى.

5) برفع النقاب عن التعقيدات التاريخية الكامنة وراء الكتاب المقدس، كشفت الدراسة الكتابية، تنوع المؤسسات وتطورها في التقاليد المعلَنَة اليهودية والمسيحية. حقيقة النمو والتنوع التي لا تُنكَر في الكتاب المقدس رفعت معرفتنا بالأوجه التجسدية والبشرية في الكتاب معززَة النظرة الديناميكية للوحي والإعلان. إن نوعاً من التواضع المعرفي تجاه الدعاءات المبنية على الكتاب كان نتيجة جانبية صحية، اعترافاً بإمكانية حسن استعمال الكتاب أو الإساءة في التطبيق.

مثلاً، باستعمال نصوص مختلفة، يمكن الدفاع عن حرية المضطهدين وتحريرهم، تماماً كما يمكن الدفاع عن إخضاع الآخرين والسيطرة عليهم، وحتى عن الحرب المقدسة، استناداً إلى ادعاءات دينية. بالطبع، هذا يصور استعمالاً شريراً للكتاب المقدس. إن الاعتدال العلمي نحو تعقيد تاريخ الكتاب وعمق موضوعه المطلَق، أي سر الإله الحي، يقود كثيرين من العلماء إلى أن يدركوا أن أحداً لا يملك كل الأجوبة، حتى خبراء الكتاب أنفسهم.

أيضاً، يحب أن يُقاس البحث الكتابي المعاصر بنقاط ضعفه الجلية تماماً كنقاط قوته. يمكن الإشارة إلى عدد من مواطن الضعف، مع خطر التعميم، في وسط تنوع البحاثين الذين لا يظهرون جميعاً خطر هذه الضعفات بالطريقة ذاتها أو على الدرجة عينها، حتى إن البعض لا يظهرها أبداً. ومع هذا، عند مراقبة هذا الحقل، تظهر ثلاث دوائر من الضعف تحدد الأوجه السلبية في الدراسات الكتابية الحديثة في التقليد الليبرالي السائد. تتضمن دوائر الضعف هذه عناصر مهمة من لاهوت الكتاب وروحانيته وحقيقته.

 

1) التحليل التاريخي – النقدي

قوة عظيمة في العلم وقد تحول أيضاً إلى دين ثقيل. لقد نحا التحليل النقدي إلى التركيز على التفاصيل التاريخية والأدبية في النصوص وخلفيتها حتى بدون تحليل مناسب وعلى الأغلب بعجز عن تقديم تحليل مناسب للكتاب. فقد البحث الكتابي رؤية الشهادة الخلاصية في الكتاب أي جوهر اللاهوت. يمكن اتهام البحث الكتابي بالتسويق للخلاص ليس بالنعمة بل بأعمال التحليل النقدي مع أن الظاهر هو أنه لم يجد الخلاص قط. لقد تحول فرع لاهوتي، بتناقض ظاهري، إلى فرع تاريخي. وتغير الكتاب من مصدر للغذاء الرعائي إلى متحف معقد، من المعلومات الأدبية والتاريخية والدينية.

الاعتراض على أن الباحثين الكتابيين يجب أن يحللوا في حين يلتقط الآخرون الأجزاء وينهمكوا في لاهوت الكتاب، هو موقف يصعب الدفاع عنه، كما يراه الاختصاصيون الآخرون والإكليروس والطلاب والعلمانيون العاديون. منذ أكثر من عقد، كتب جورج فلوروفسكي بحثه “الفكر الكتابي المفقود”، وفيه، على عكس آباء الكنيسة، يبدو الباحثون المعاصرون وكأنهم يتعاملون مع خرائط أكثر من الأمور الحقيقية الرئيسة في الكتاب المقدس[6].

إنه يحض على التركيز على كامل حقيقة الإنجيل، وعلى المسيح ودساتير الإيمان الكلاسيكية والكنيسة. مهما كانت نقاط القوة في الدراسة الكتابية، فالحقل موسوم بالفوضى عند مقاربة قيمة الكتاب المقدس الدينية واللاهوتية. حيث كان آباء الكنيسة الأقوى، أي ما نسميه لاهوت الكتاب المتمحوِر حول المسيح، يكون البحث العلمي الأضعف. إن الدراسات الكتابية الحديثة بحاجة ملحة إلى تصحيح الانطباع بأنها أصبحت لاهوتياً غير مناسبة ومفلسة، وهي في الظاهر تبدو كأنها تغرف في بحر من الأمواج التاريخية والأدبية التي صنعها هذا الحقل بذاته.

2) موطن الضعف الثاني والشديد الخطورة في الدراسة الكتابية هو ذاك النوع من الاختصاص الذي يعجز عن إنصاف روحانية الكتاب. هناك احترافية صحية تستند إلى إجراءات مؤسساتية ومعايير ذرائعية عبرها يتابع الخبراء عملهم ويحققون قيمة حقلهم. الاحتراف غير الصحي يبدأ عندما يصبح الخبراء كثيري الانغلاق على أنفسهم ومستحوَذين بمهاراتهم ومنهجياتهم وكثيري العمى أو قليلي الاهتمام بالدقة النهائية وبقيمة عملهم بالمقارنة مع فحوى موضوع دراستهم.

الإنجيل هو ثمرة خبرة الله وهو يحملها. إنه مصدر الفرح الواثق والوعد المتأمل في الحياة في وسط ألم هذا العالم وفساده. أين تسمع أغنية الكتاب في أعمال الخبراء؟ ألا يصح توقع أن يؤدي الموسيقيون روائع الألحان كما يحللونها؟ أليس مطلوباً الشيء ذاته من هؤلاء العلماء، إذا أردنا العدل، نحو الأبعاد الروحية في الكتاب؟

اعتبر القديس باسيليوس بعض مفسري عصره الذين تمسكوا بالحرف ولم يتوصلوا إلى الروح أنهم “تقنيون” أكثر منهم لاهوتيين [7]. بالنسبة إليه كما لغيره من الآباء، دراسة الكتاب تصحبها الصلاة والحياة المسيحية في إطار حياة الكنيسة. الملتزمون بهذا الارتباط هم أصحاب دعوة إلى الخدمة وتالياً يبرزون كزعماء للكنيسة. بالواقع، أغلب مفسري الكنيسة العظماء في القديم كانوا من الأساقفة. لقد كان اللاهوت مسألة إيمان شخصي عميق مكرس لتغذية حياة الكنيسة.

على العكس، الدراسات اللاهوتية المعاصرة تجد بيتها في الصفوف ومؤسسات التعليم العالي، حيث التركيز أقل على الصلاة والحياة المسيحية وأكثر على إتمام البرامج الأكاديمية ومنح الدراسات العليا. نحن نبدو، أساتذة وطلاباً معاً، محتَجَزين في احتراف أو اختصاص لا مفر منه رغم تذمر الكثيرين المتكرر. الجوع الشخصي للتعابير عن الإيمان وللروحانية لا يُشبَع حتى في المعاهد. في احتفالات التخرج، نصفق للإنجازات الأكاديمية ونادراً ما يسأل أحد ما إذا كان خريج المدرسة اللاهوتية قد تعلم الصلاة.

مرة أخرى، الاحتجاج بأن الإيمان أو الروحانية الشخصية لا يفترض بهما أن يشعا عبر أعمال الفرد في مؤسسات المجتمع التعددي بخاصة الكليات العلمانية وجامعات الدولة، يمثل حجة ضعيفة عند الاحتراف السيئ. أليس مسموحاً لمنظر سياسي ماركسي أن يدافع عن الماركسية وأن يعلن قناعاته الشخصية، بشكل مباشر أو غير مباشر، في هذه المؤسسات؟

أليس ممكناً للفيلسوف أن ينشد المدائح لرؤية أفلاطون للحياة الجيدة في صفوف الكلية؟ طبعاً، إن دراسة مادة عن اليهودية على يد أستاذ يهودي عالم وملتزم، أو مادة عن الإسلام على يد أستاذ مسلم مطِلع ومخلِص، هو أمر أكثَر تحدياً فكرياً وأكثر تطلباً من الالتزام الشخصي مما لو كانت المادة مع عالم حيادي أو غير متعاطف. أيس من الإيجابي تعريف طلاب جامعاتنا بروحانية الكتاب وغيره من النصوص المقدسة معاً إلى جانب دراستها الأكاديمية؟

إلى هذا، هناك معايير مهنية مؤسساتية قادرة على أن تؤمن الصف من المفسرين غير الجديرين أو المقتنصين أو المتعصبين، في حال أُعطيت ليونة معقولة. إن إطار مؤسسات التعليم العالي الأكاديمي يؤمن منتدى ممتازاً للتبادل الحر للأفكار والقناعات التي تُناقش منطقياً.

في هذه الأجواء الأكاديمية، كل حقيقة جوهرية لكل موضوع لها الحظ في أن تحقق مكاناً في قلوب الناس المفكرين في ممارستهم حقهم في حريتهم الشخصية في مجتمع متعدد. من هذا المنظار، لقد أُفقد الكتاب من قيمته، حتى في المداس اللاهوتية، على يد علماء الكتاب الذين غالباً ما لم يرتفعوا إلى مستوى مهمة الإمساك بكنوز الكتاب الروحية.

في الواقع، يشوب الاحتراف في الدراسات الكتابية نوع من السلبية والسخرية التي تفسر بمكر العمل العلمي والصف، وهذا تيار يكشفه الطلاب بسهولة ويبدو أن الخبراء يهملونه غافلين. هذه السلبية تتخطى التحفظ العرضي الذي قد يظهره أحياناً أحد الاختصاصيين في تشديده على اختصاصه أو على مواقفه أكثر مما يبدو مناسباً.

هذه السلبية تتخطى حتى الحياد المهني، الرطانة، والتخمينات المفرطة والتأملات الفارغة والمقاربة المتمحورة حول المسألة والعبارات الاستفزازية مثل “المسيح الخرافة”، “عدم وحدة العهد الجديد” و”تشريح” هذا أو ذاك من الكتاب المقدس. هذه كلها، بدون شك، تربك الطلاب وتصيبهم بالخيبة وهم قد انضموا إلى الصفوف الكتابية مفكرين بإيجاد بعض الاكتفاء الذاتي والقيمة الحياتية في هذه الصفوف التي يعلمها خبراء، لكن بدون طائل.

علاوة على هذه العوائق المهنية كلها، يكتشف المرء أحياناً بين بعض العلماء عداءً لصلب الموضوع عينه أي الإنجيل ودعواته. ممكن أن نرى هذا في اللذة الفاسدة، سواء المخبأة أو العلنية، في هز إيمان الطلاب الضعيف أو القليل المعرفة[8]. وراء هذه المواقف، تقف شؤون الباحث الشخصية غير المحلولة في الإيمان الديني والأشمال المختلفة من عقدة النقص في وجه المذهب العقلي السائد، وحتى نوع من مقت النفس بسبب حقل لا يحبه العالم ولا يؤمن بأنه مفيد لأي كان.

فالطالب الذي انضوي في هذا الحقل بحماس معتبراً انضواءه تلبية لنداء، قد يفقد في جو علمي من هذا النوع إيمانه الشخصي وتالياً يصبح “ابنا لجهنم مضاعفا” (متى 15:23). هذا بالحقيقة هو اختصاص مؤذٍ ومدمر يسيء بشكل عظيم إلى الإنجيل ولكل الذين يدرسونه أكاديميا.

3) وجه الضعف الثالث في الدراسات الكتابية المعاصرة مرتبط بالوجه الثاني وهو مصدر أكبر المشكلات. هنا نتعاطى مع افتراضات التنوير الفلسفية المسبقة التي كان لها زمام استعبادي على أغلبية ممارسي النقد الكتابي الليبرالي منذ Herman Samuel Reimarus (1694-1768) إلى المشاركين الحاليين في منتدى يسوع (Jesus Seminary).

ما هو في صلب الموضوع ليس أقل من السؤال الجوهري حول حقيقة يسوع والإنجيل والكنيسة والمسيحية ككل. في تنصيب العقل المستقل كحَكَم على الحقيقة ككل، أصبحت نظرة التنوير على العالم كثيرة الانحراف نحو التجريبية (empiricism) والوضعية المنطقية (logical positivism). لا تكتفي هاتان الفلسفتان بمجرد التساؤل حول حقيقة الأحداث الكتابية والعجائب، إنما تعتبر أيضاً بشكل بديهي حقيقة تدخل إله حي في التاريخ وفي حياة البشر مستحيلة.

بهذه الطريقة، وبعشوائية فلسفية، يجعل الفلاسفة الكتاب غير مناسب ليكون مصدراً للحقيقة الخلاصية ويضربون قلب إيمان الجماعات الدينية المستند إلى تقاليد إعلانية كاليهودية والمسيحية.

بالتأكيد، في علم اللاهوت الحديث، غالباً ما يختبئ تراث التنوير بمكر خلف الدعوات إلى العقلانية والموضوعية والتجرد في البحث. كما أنه مدموج بسهولة مع استعمال اللغة التقليدية التي تُفهَم مجازياً وإنسانيا. الكلام على “قصص” أو “روايات” لكتاب هي عبارة مفضلة عند بعض الباحثين الكتابيين. فيما هذه طريقة مناسبة ومفيدة لتفسير الكتاب للقارئ المعاصر، إلا أن العلمية كلها تصبح جوفاء إن لم يكن هناك أساس من الوحي خلف قصص الكتاب ورواياته.

أنها مسألة ذات خطورة إذا كانت القصة الإنجيلية مؤسسة على أحداث من الوحي أو هي مجرد خلاصة للأوضاع الدينية البدائية للشعوب القديمة. بطريقة مماثلة، يتحدث الباحثون عن “التصنيف المنهجي” أي التحليل العلمي للنصوص وتفسير القصص بدون طرح سؤال الصحة. أيضاً، فيما هذه الوسيلة المنهجية قد تؤدي إلى فهم دقيق للنصوص القديمة، يصبح كل المجهود سطحياً بدون الإشارة إلى الحقيقة الخلاصية اللاهوتية أي مسألة اللقاء مع الإله الحي وهي الأكثر أهمية.

مهما يكن الوضع، يجب كشف موقف التنوير العقلاني لما هو عليه في عمقه المظلم: نوع من النزوة الشيطانية اعتباطي وعَرَضي مصمم على محو الإيمان بالله عن الأرض وعلى تدمير حتى أدنى أثر للحقيقة الموحى بها التي تطالب بها البشرية. هذا العنصر الذي يخرب ما يسمى بالفكر المعاصر، هو بالحقيقة الاتكال الإنساني على العقل المستقل كمفتاح للحقيقة المفهومة، كنظام مغلق، قد أضعفت الفلسفة والفيزياء الثقة به.

لقد فشل أيضاً في تحقيق أهدافه الطنانة كما تثبت أزمة الحضارة المعاصرة. كما في انبعاث الروح الدينية المقموعة “ما بعد الحداثة” التي غالباً ما تجد التعبير في أِكال شاذة. مع هذا، ما تزال افتراضات التنوير تشود على فكر الكثيرين من المفكرين في الأكاديميات مستمرة في نشر التشوش والظلمة في الصفوف والحضارة المعاصرة. للأسف، الشيء ذاته يصح في الدراسة الكتابية الليبرالية التي رغم مساهماتها الإيجابية سببت أزمة عميقة في البروتستانتية من طريق تقليلها من دور الإيمان وسلطة الكتاب.

يجب عدم تأويل تعليقات السابقة على أنها دعوة للاستغناء عن الدراسة النقدية المعاصر لأنها عديمة الفائدة وذات خطورة. الدراسة الكتابية موسومة بنقاط قوة لا تُنكَر كما بنقاط ضعف فاضحة. نقاط قوتها مؤسسة على الملاحظات المحققة موضوعياً والمعايير التي تشحذ بصيرتنا وتُغني معرفتنا بالعالم الكتابي. نقاط ضعفها هي مبالغات ممكن تصحيحها أو اتجاهات خاطئة ممكن التراجع عنها أو تصويبها.

كما هي الحال في كل الحقول، ليس هناك من مسألة التخلي عن الدراسات النقدية لصالح قراءة الكتاب غير النقدية لا بالنسبة إلى القارئ غير الملم ولا بالنسبة إلى الكنيسة. التحدي الحقيقي هو تحدي الدراسة الإيجابية السليمة التي بدون أن تعيق الاختلافات الصادقة تسعى إلى توازن مناسب بين مهمات التحليل النقدي والشهادة اللاهوتية لنصوص الكتاب من جهة، والادعاءات الأصلية للجماعات الدينية التي تشكل النصوص بالنسبة إليها الكتاب المقدس من جهة أخرى. هذا التوازن ممكن تحقيقه بأخذ مسألة التأويل في الاعتبار بشكل وافٍ.

 

[1] The speculative, critical, and world-surveying faculty of the soul is its peculiar property by virtue of its very nature, and thereby the soul preserves within itself the image of divine grace.” So states Gregory of Nyssa reporting a dialogue with his sister Macrina and cited by J. Pelikan, Christianity and Classical Culture, p. 128. Pelikan, ibid., pp. 215-230, provides an excellent account of the relationship between faith and reason according to the Cappadocian fathers.

[2] For a fascinating account of the comparative study of New Testament manuscripts, see Bruce M. Merzeger, The Text of the New Testament (New York: Oxford University Press, 1992).

[3] In the case of the New Testament, the scientific critical text, which has had a long history, is currently edited by Kurt Aland and others. The Greek New Testament (United Bible Societies, 1993, 4th revised edition) and the same text is also published under the title Novum Testamentum Graece (Stuttgart, 1993, Nestic Aland 27th edition). This text is based primarily on two fourth-century manuscripts, Vaticanus and Sinaiticus. A number of conservative Protestant scholars support an alternative critical text based on the majority of extant, later manuscripts of the new Testament, which derive from the Byzantine tradition.

See Maurice A. Robinson and William G. Pierpont. The New Testament in the Original  Greek According to the Byzantine/Majority Text/arm (Atlanta: The Original Word Publishers, 1991) and Zane C. Hodges and Arthur. Farstad, The Greek New Testament According to the Majority Text (Nashville: Thomas Nelson, 1982). A critical text based on a limited number of Byzantine manuscripts had been previously prepared by the Orthodox biblical scholar Vasilios Amoniadis and published by the Ecumenical Patriarchate of Constantinople in 1912.

[4] Two recent monumental achievements of biblical scholarship are The Anchor Bible Dictionary in six volumes and The New Interpreter’s Bible, which will appear complete in more than a dozen volumes.

[5] For bibliography on several topics of ecumenical discussion, see Chapter Three, note 12.

[6] G. Florovsky, “The Lost Scriptural Mind,” in his Bible, Church, Tradition: As Eastern Orthodox View, pp. 9-16, originally published under the title “As the Truth Is in Jesus” in The Christian Century, December 19, 1951. See:

الأب جورج فلوروفسكي، الفكر الكتابي المفقود، الفصل الأول من “الكتاب المقدس والكنيسة والتقليد، وجهة نظر أرثوذكسية نقله إلى العربية الأب ميشال نجم، (بيروت: منشورات النور، 1984)، ص. 9-18.

[7] St. Basil, Letter 90, Loeb Classical Library: St. Basil, Letters, Vol. 2, crans. R. J. Deferrari (Cambridge: Harvard University Press, 1962), p. 124. So also St. Gregory of Nyssa in his SecondBook Against Eunomius.

[8] For example, C. Jack Einchhorst, a Lutheran pastor, bitterly laments “all the efforts in Lutheran colleges and seminaries to knock the stuffings of pietistic or fundamentalistic views of the Scripture out of students… [a] critical overkill that has produced… skepticism, cynicism and rank unbelief about the Bible… I now find myself to be part pf a church where ultimately the Bible is trashed more than trusted, pious rhetoric notwithstanding, and belittled more than believed,” in “There Is a Deep Spiritual Sickness”, LF28 (3, 1994), pp. 25-26.

البحث الكتابي المعاصر نقاط القوة والضعف

Exit mobile version