كتاب مفاهيم رهبانية – الأنبا مكاريوس الأسقف العام PDF

كتاب مفاهيم رهبانية – الأنبا مكاريوس الأسقف العام PDF

كتاب مفاهيم رهبانية – الأنبا مكاريوس الأسقف العام PDF

كتاب مفاهيم رهبانية – الأنبا مكاريوس الأسقف العام PDF

تحميل الكتاب PDF

 

كتاب أعجوبة نقل جبل المقطم PDF – قراءة جديدة في مخطوط سير البيعة المقدسة – شريف رمزي

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

الأنبا مكاريوس: هناك أجهزة تستجيب للمتشددين وتغلق الكنائس.. وأقول للرئيس: نثق بك

الأنبا مكاريوس: هناك أجهزة تستجيب للمتشددين وتغلق الكنائس.. وأقول للرئيس: نثق بك

الأنبا مكاريوس: هناك أجهزة تستجيب للمتشددين وتغلق الكنائس.. وأقول للرئيس: نثق بك

 

المصدر: مصراوي

اتهم الأنبا “مكاريوس”، أسقف عام كنائس المنيا وأبو قرقاص، بعض الأجهزة بالاستجابة للمتشددين عبر غلق الكنائس، وانتقد في حوار أجراه معه “مصراوي”، بيان محافظة المنيا الأخير ضده ردا على بيانه الذي تحدث فيه عن غلق 3 كنائس بالمحافظة، وقال: نتعرض لظلم منذ فترة، وأعطينا فرصة للأجهزة المحلية أسبوعين لحل الأزمة دون جدوى.

وناشد “مكاريوس” الرئيس عبد الفتاح السيسي بالتدخل لرفع الظلم عنهم، بعد أن أغلقت الأجهزة المعنية أبوابها في وجوههم، قائلًا: “الأقباط في نفوسهم مرارة، نرجو أن تزيلها، ونحن واثقون بك”.

نتعرض لظلم منذ فترة.. والأقباط في نفوسهم مرارة ونرجو من الرئيس أن يزيلها

وخلال الحوار، طالب أسقف عام كنائس المنيا وأبو قرقاص، الدولة بفرض “هيبتها وقوتها”، قائلا: “نحن في دولة ولسنا في مكان آخر، حتى يفرض متشدد أو متطرف رأيه.. ويغلق مكان للعبادة”…. وإلى نص الحوار:

– ما الذى دفعك لإصدار بيان عن إغلاق كنائس في المنيا؟

المطرانية تركت فرصة أسبوعين لكافة الأجهزة المعنية بالمحافظة، لفتح الكنائس دون جدوى .

– تعني أنهم رفضوا فتح الكنائس الثلاثة؟

نعم، وأعتقد أن مدة أسبوعين كافية، الأقباط يضغطون على الكنيسة، ويطرحون الأسئلة علينا ليل نهار، ولو تركت المجال أكثر من ذلك للقيل والقال، لحدثت مشكلة، التزمنا الصمت بما يكفي، وكان لابد من الخروج ببيان وحديث إلى الناس يوضح الحقائق، ويرد الحق إلى أهله، نحن لم نعتد ولم نظلم، بل نحن مظلومون ومعتدى علينا، وتم الإساءة إلينا.

– البعض انتقد الزج باسم الرئيس السيسي في بيانك؟

ذكر اسم الرئيس، لأنه اب للعائلة المصرية، ولا يصمت على ظلم، ويعطى الناس حقهم وقدرهم، ويحمى الضعيف، ويرد الظالم عن ظلمه، ونحن نتعرض لظلم منذ فترة ونصمت حرصا على الوطن، وذكر اسم الرئيس أمر مألوف في مثل هذه القضايا، بعد أن أغلقت كل أبواب الحل، وأقول للرئيس “الأقباط في نفوسهم مرارة، نرجو أن يزيلها، ونحن واثقون فيه”.

أرسلت قائمة بالكنائس المغلقة لمجلس الوزراء .. وأتحفظ على ألفاظ وردت ببيان المحافظة ضدي

– هل تحدث معك مسئول بعد البيان؟

هناك تواصل مع كافة الأجهزة لحل الأزمة، والذي أتمنى أن يكون قريبا، ونحن نتابع الأمر معهم أولا بأول .

– ما هي المؤسسات والأجهزة التي ترفض فتح الكنائس بالمنيا؟

معروفة للجميع بدون ذكر أسماء .

– ما ردك على بيان المحافظة الذي نفى جملة وتفصيلا ما جاء في بيانك؟

أنا متحفظ على بعض الجمل والكلمات التي وردت ببيان محافظة المنيا، ولا داعٍ للحديث عنها الآن، لكن ما ذكرته هو الحقيقة وتستطيع أي وسيلة إعلامية التوجه إلى الكنائس الثلاثة، ورؤيتها لمعرفة ما إذا كانت مغلقة أم مفتوحة، وأود أن أقول إن حديثي نابعٌ من القلب، وآمل في حل المشكلة وليس الإعلان عنها أو تفاقمهما، خاصة وأن الكنائس الثلاثة مدرجة في قائمة مرسلة إلى مجلس الوزراء بناء على طلب المجلس، ولدى أمل في استجابتهم.

– ما عدد الكنائس المغلقة على مستوى المحافظة والتي وردت بالقائمة المرسلة لمجلس الوزراء؟

لا داعى لذكر الرقم الآن .

– البعض يرى في بيانك تشدد في الأزمة، فما ردك؟

رد متعجبا: أنا، لا يمكن طبعا، نحن لم نعتدي ونظلم أو نغلق مكان للعبادة، ولسنا في صراع متكافئ، ولسنا أجهزة تستجيب للأسف الشديد لمتطرفين ومتشددين، وتغلق كنائس وتؤيدهم فيما يطرحونه من أفكار متشددة تجاه الأقباط، نحن مجني علينا، ونأمل في رفع الظلم عنا، هل هذا طلب صعب؟

– لكن الأجهزة في المنيا استجابت وفتحت بعض الكنائس، فكيف تستجيب لمتشددين في وقت آخر؟

هذا سؤال يوجه إليهم، عندما يتوجه متطرفون الى كنيسة ويغلقونها، ونطالب الأجهزة بفتحها فترفض، ما معنى هذا؟

– قد تكون التقديرات الأمنية تقول إن فتحها يسبب أزمة في هذا الوقت؟

لا نسمع من الاجهزة المعنية هذا الكلام، ولو سمعناه سنقدر الظرف الأمني، ولكن الأجهزة لا تتحدث عن موعد لفتحها أصلا، وتبقي الوضع على ما هو عليه، وهو أمر أصبح مرفوض بالنسبة لشعب الكنيسة، الدولة يجب أن تفرض هيبتها وقوتها، نحن في دولة ولسنا في مكان آخر، حتى يفرض متشدد أو متطرف رأيه وقوته على مؤسسات وملايين الناس، ويغلق مكان للعبادة.

 

الباترولوجي والكتاب المقدس

الباترولوجي والكتاب المقدس

الباترولوجي والكتاب المقدس

لكتابات الآباء في تفسير الكتاب المقدس أهمية خاصة ولاسيما في توضيح العقيدة الكتابيّة السليمة، وطريقة تعاملهم مع الفصل الكتابيّ باعتباره وحدة واحدة لا تتجزأ، فلا يمكن فهم آية أو فصل كتابيّ منفصلاً عن باقي الكتاب المقدس كعادة الهراطقة، فالتفسير الصحيح للكتاب المقدس مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة السليمة.

كذلك نجد ارتباطاً بين الكتاب المقدس وحياة الآباء، الذين عاشوا الإنجيل في صلواتهم وتسابيحهم وليتورجايتهم كحياة، وليس كطقس جاف، حسب قول معلمنا بولس الرسول: “فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيِل الْمَسِيحِ” (في 27:1)..

كما أنهم لم يتعاملوا مع الإنجيل ككتاب فلسفة أو كتاب أدبيّ لكنهم عاشوه روحاً وحياة، لقد حفظوا الوصية “إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فِاحْفَظُوا وَصَايَايَ” (يو 15:14)، لكن الحفظ لم يكن فقط عن ظهر قلب ولكنهم حفظوها وعملوا بها، وهذا ما لم يستطعُ الشاب الغنيّ صنعه، فما أن قال السيد المسيح “يَعُوزُكَ أَيْضاً شَيْءٌ. بعْ كُلَّ مَا لَكَ وَوَزِّعْ عَلَى الْفُقَرَاء فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي الْسَمَّاءِ وَتَعَاْلَ اتْبَعْنِي” (لو 22:28) إلاّ وقد مضى حزيناً لأنه حفط الوصية نظرياً وليس عملياً.

مكانة الكتاب المقدس عند الآباء:

الكتاب المقدس هو صوت الله:

الكتاب المقدس كَتَبه أُناس الله القديسين بوحي من الروح القدس الذي دفعهم وحثهم على الكتابة، ألهمهم بالموضوع وعَصمَهم من الخطأ، فيقول معلمنا بولس الرسول: “كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحي بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعلِيمِ والتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ” (2تي 16:3)، فيقول بابياس ” إن الكلمة المكتوبة حَلّتْ محل صوت الآباء” كما يقول القديس إيريناؤس “إن الكتب المقدسة كاملة، إذ هي صادرة من الله وروحه، حتى وإن عجزنا عن إدراك أسرارها”.

كذلك يقول القديس أثناسيوس الرسوليّ: “في كلمات الكتاب الرب هناك”، كما يعطي الطريقة الصحيحة لفهم أقوال الله وهي الأعمال الصالحة وتهيئة الذهن وتنقيته، لذلك يقول “إن دراسة الكتب المقدسة ومعرفتها معرفة حقيقية تتطلبان حياة صالحة ونَفْساً طاهرة وحياة الفضيلة التي بالمسيح، ذلك لكي يستطيع الذهن باسترشاده بها أن يصل إلى ما يتمناه، وأن يدرك بقدر استطاعة الطبيعة البشرية ما يختص بالله الكلمة”[1].

يقول العلاَّمة أوريجانوس: “بالنعمة الإلهيّة ينصح الله سامعيه، سواء عن طريق الكتاب المقدس كله أو عن طريق المعلمين”[2].

يقول القديس يوحنا ذهبيّ الفم” “في الكتب المقدسة لن نتردد مثقال ذرة أو نقطة، إنما يلزمنا أن نبحث كل شيء، فأن الروح القدس الذي نطق بالكل، وليس شيء من المكتوب جاء بغير فائدة”[3].

ويقول القديس أثناسيوس الرسوليّ: “أن تعليم الحق يكون أدق ما يمكن حينما نستمده من الكتاب المقدس وليس من مصادر أخرى”[4].

يقول القديس أمبروسيوس: “بأننا نكلّم الله حينما نصلي، وهو يكلمنا عندما نقرأ الكتاب المقدس، نكلمه في صلاتنا، ونستمع إليه عندما نطالع أقوال الله”[5].

ضرورة قراءة الكتب المقدسة:

حياة الآباء وكتاباتهم كانت إنجيلاً معاشاً، فكل – أب  لكونه عضواً في جسد المسيح – عاش الإنجيل واهتم به، حيث كان يسبق قداس المؤمنين قراءات من الأنبياء والرسل والمسيح “الأناجيل”، ثم الإفخارستيا وذلك ماوصفه يوستين الشهيد في القرن الثاني الميلاديّ[6].

يقول القديس بوليكاربوس أسقف أزمير في رسالته إلى فيليبي: “إنني واثق بأنكم درستم جيداً الكتب المقدسة ولذلك لا يُخفَى عليكم شيء” (فيلبي12). يَتضح لنا من خلال أقواله، أن الشعب على درايةِ تامةِ بالأسفارِ المقدسةِ، وأن الكتابَ المقدسَ هو مَنبعُ المعرفةِ الحقيقيةِ حيث يفترض الآباء عند عظاتهم حفظ الشعب لقطع كبيرة من الكتاب المقدس..

كذلك نجد القديس أيرونيموس يطالب الأطفال بحفظ المزامير وحفظ قطع من الكتاب المقدس[7]،  كما نجد القديس يوحنا ذهبيّ الفم يوبخ شعبه على عدم اكتراثهم بالكتاب المقدس قائلاً: “أخبروني، إن سألتُ أحد الحاضرين أن يتلو مزموراً واحداً أو جزءاً من الكتب المقدسة عن ظهر قلب، هل أجد مَن يقدر؟ لا أجد..”[8].

جاء في حديث يوستينوس الشهيد مع تريفو الثاني على لسان تريفو: “إنني واعٍ إلى تعاليمك الأخلاقيّة فيما يُسمَّى بالإنجيل، فهي رائعة وعظيمة جداً، إنني أظن أنه لا أحد يستطيع اتباعها، ولكنني قرأتُها بعناية”[9].

القديس أكْلِمَنْضُس السكندريّ يتحدث عن قراءة الإنجيل يومياً قبل الوجبة الرئيسية، كما طالب الزوجين أن يدرساه معاً كل يوم.

يقول العلاّمة أوريجانوس في ختام عظته الثانية على سفر إرميا: “فلنجمع على قدر ما نستطيع كلمات الكتاب المقدس ولنضعها بأمانة في قلوبنا، ولنحاول أن نطبقها في حياتنا حتى نكون أطهار قبل موعد رحيلنا، فإذا ما أعددنا أعمالنا بما يتناسب مع هذا الرحيل، فسوف نكون مستحقين أن نُحسب مع الأبرار[10]

 ونستحق الخلاص بالمسيح يسوع الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين”[11]، وفي العظة الرابعة على نفس السفر يقول: “إن التوبة الحقيقية إذاً هي أن نقرأ الكتب القديمة (أي كتب العهد القديم)، ونعرف مَنْ هم الأبرار ونتمثل بهم، ونعرف مَن هم الخُطاة ونتحاشى السقوط في أخطائهم، أن نقرأ كتب العهد الجديد وكلام الرسل وبعد القراءة نكتب ما قرأناه في قلوبنا ونطبقه في حياتنا حتى لا يُعطَى لنا نحن أيضاً كتاب طلاق، ولكن حتى نستطيع أن نبلغ إلى الميراث السماويّ”[12]

 أي أن الكتاب المقدس هو جوهر ونبراس حياتنا وقائدنا في استحقاقات الخلاص.

يقول القديس أثناسيوس الرسوليّ في رسالته لصديقه مرسلينوس: “عرفت من حامل الرسالة أنك تصرف وقتك في قراءة الكتاب المقدس كله ولا سيما سفر المزامير. وإني أمتدحتك لإني أنا أيضاً مثلك أجد لذَّتي العُظمى في قراءة المزامير بل والكتاب كله أيضاً”[13].

يقول القديس باسيليوس الكبير في رسالة إلى صديقه إيويتاثيوس في سباستيا: “أول كل شيء فعلتهُ لأُصلح مساري القديم في الحَيَاة هو: إنني أختلط بالفقراء، وأمكث أقرأ في الكتاب المقدس”[14].

كذلك ينصح القديس جيروم المؤمنين: “بعودتهم المتواترة إلى قراءة الكتب المقدسة، لأنه يجهل المسيح مَنْ يجهل هذه الكتب”[15].

ويتكلم القديس مقاريوس المصريّ في (العظة46) عن الذين يسمعون ولا يعملون فيقول: “إن الإنسان العالميّ الذي تملكته الرغبات الجسدية إذا حدث أن سمع كلمة فأنه يختنق ويصير كمَن لا عقل له، وذلك لأنه اعتاد على خداعات الخطية”، ويقول أيضاً في (العظة39) عن الذين يسمعون ولا يعملون بالكلمة “كما أن الملك يكتب رسائل لأولئك الذين يشاء أن ينعم عليهم بعطايا ومواهب خصوصية، ويقول لهم بادروا بالمجيء إليّ سريعاً لتنالوا مني الهبات الملوكية..

فإذا لم يذهبوا ويأخذوها فإن مجرد قراءة الرسائل لا تفيدهم شيئاً، بل بالعكس يكونون مُعَرّضين للموت لأنهم رفضوا أن يأتوا لينالوا الكرامات من يد الملك، هكذا الله الملك الحقيقيّ قد أرسل الكتب المقدسة منه للبشر، وهو يُعلن عن طريقها للناس أنهم ينبغي أن يأتوا إلى الله ويدعوه بإيمان ويسألوا ويأخذوا الموهبة السماوية من اللاهوت نفسه، ولكن أن لم يأتِ الإنسان ويسأل وينل، فإنه لا يستفيد شيئاً من قراءة الكتاب، بل بالأحرى يكون في خطر الموت، لأنه لم يرِدْ أن يأخذ عطية الملك السماويّ، التي بدونها لا يمكن الحصول على الحَيَاة الأبدية”..

وهذا ما عبر عنه القديس إيلاري قائلاً: “أن الكتاب المقدس ليس بقراءته بل بفهمه”[16]، كرَّر هذا القول أيضاً القديس جيروم[17]، كما يقول القديس أغسطينوس أيضاً عن الوعاظ الذين لا يعملون بكلمة الله: “واعظاً باطلاً في الخارج لكلمة الله مُن لا يُصغي لها في الداخل”[18].

من الأمور الهامة التي أهلّتْ البابا بطرس خاتم الشهداء (قبل أن يجلس على كرسيّ مارِمرقس) لرئاسة مدرسة الإسكندرية، أنه عرف كيف ينسحب من حين لآَخر عن العمل الكهنوتيّ للدراسة في الكتاب المقدس، حتى تأهل أن يكون مديراً لمدرسة الإسكندرية اللاهوتيّة[19]، كما استحق لقب “المعلّم البارع في المسيحية”[20].

يقول يوحنا الدمشقيّ:

“يحسن ويفيد جداً البحث في الكتب الإلهيّة، فمثل الشجرة المغروسة على مجاري المياه، النفس المرتوية من الكتاب الإلهيّ، فتتغذى وتأتي بثمر ناضج، أعني الإيمان المستقيم، وتزهو بأوراقها الدائمة الاخضرار، أعني بها أعمالها المرضية لله، ونحن إذا سرنا على نور الكتاب المقدس نخطو في طريق السيرة الفاضلة والاستنارة الصافية، فنجد فيها مدعاةً لكل فضيلة ونفورا من كل رذيلة … فلنقرع باب الكتب المقدسة، الفردوس الأبهى الذكيّ الرائحة، الفائق العذوبة الجزيل الجمال، والمُطرب آذاننا بمختلف أنغام طيوره العقلية اللابسة الله، النافذ إلى قلبنا فيعزيه في حزنه ويريحه في غضبه ويملأه فرحاً لا يزول”[21].

ينصح القديس كيرلس عمود الدين بقراءة كتب تفسيرية مُعينة فيقول: “أعتقد أن الذين يدرسون الأسفار المقدسة، يمكنهم الإستعانة بكل الكتابات الأمينة والصالحة الخالية من الأخطاء، وهكذا يجمعون أفكار الكثيرين في وحدة واحدة لخدمة الرؤيا وإدراك الحق، هؤلاء يرتفعون إلى مستوى جيد من المعرفة ويتشبهون بالنحلة أو المرأة الحكيمة النشيطة التي تجمع شهد العسل الذي للروح القدس”[22]، كذلك يُوصي بأن تستمر الكنيسة في تفسير الكتب المقدسة، فيقول “على المرء أن يفسر الكتب المقدسة حتى ولو سبقه آخَرونَ”[23].

اقتبس الآباء كثيراً من الكتاب المقدس ولا سيِمّا العهد الجديد، أمثال القديس أكْلِمَنْضُس الرومانيّ والقديس بوليكاربوس أسقف أزمير والقديس أغناطيوس الأنطاكيّ وهرماس صاحب كتاب الراعي، لدرجة أن قال ج. هارولد جرينلي: “إن هذه الاقتباسات واسعة جداً لدرجة أن العهد الجديد يمكن إعادة تكوينه منها دون استخدام مخطوطاته”[24]، فلو فرض أن ضاع أحد أسفار الكتاب المقدس لأمكننا أن نعيد كتابته من الاقتباسات الكثيرة الواردة في كتابات الآباء الأولين.

فاعلية كلمة الله في حياتنا:

كلمة الله لها فاعلية في حياتنا فيقول الله: “هَكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. لاَ تَرْجِعُ إِلَيَّ فَارِغَةً بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ وَتَنْجَحُ فِي مَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ” (إش 11:55)، فهي تقدس النفس وتُنقيها “أَنْتُمُ الآنَ أَنْقِيَاءُ لِسَبَبِ الْكلاَمِ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ” (يو 3:15)، فمن الفروق الهامة بين الفلسفة الأخلاقيّة وتعاليم ووصايا المسيحيّة، أن الفلسفة الأخلاقيّة تقف عند حد النصيحة مع توضيح إيجابيات الفضيلة، وسلبيات الرزيلة، بينما وصايا الإنجيل مُعَضّدة بقوة إلهية، فيقول معلمنا القديس بولس الرسول: “لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالِةٌ وَأَمْضَى مِنْ كلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَق النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ” (عب 12:4)، كذلك نصلي في ليتورجية المعمودية قائلين: “أيها السيد يسوع المسيح، الذي طأطأ السموات ونزل إلى الأرض، الذي يُحطم كلامه الصخور أكثر من السيوف..”[25].

كما نجد أن القديس أكْلِمَنْضُس السكندريّ يتناول دور الكتاب المقدس وفاعليته كمصدر تعليم وتدريب في حياتنا قائلاً: “مُقدَسةٌ هي هذه الكتب التي تُقَدِس …ليس إنسان هكذا يتأثر بنصائح أيّ قديس من القديسين كما يتأثر بكلمات الرب نفسه محب البشر، لأن هذا هو عمله الوحيد خلاص الإنسان، لهذا يحثهم على الخلاص ويفرح …الإيمان يقودك فيه، والتقليد يعلمك، والكتاب المقدس يُدرِبك”[26].

كذلك من خلال عظات القديس يوحنا ذهبيّ الفم يوضح أن الإنجيل كالنسيج الذي يتخلل كل تفاصيل الحَيَاة، ففي إحدى عظاته عن الكتاب المقدس يقول: “لقد سمعتم الصوت الرسوليّ أن بوق السماء هو قيثارة الروح، نعم إن قراءة الكتاب المقدس هي روضة.. هي فردوس لا يقدم زهوراً عطرة فقط بل وثماراً تقدر أن تقوت النفس، نحن نشبه أناساً يصهرون ذهباً مستخرجاً من المناجم لا بإلقائه في فرن، بل إيداعه في أذهانهم، لا بإشعال نار أرضية بل بالتهاب الروح”[27]

 ويقول أيضاً: “طوبى للرجل الذي في ناموس الرب مسرته، وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً، لأن مَن يجلس قرب ينبوع الكتاب المقدس مرتوياً من مياهه على الدوام يتقبل في نفسه ندى الروح القدس”، كما يُشبّه الكتاب المقدس بالأنهار التي لا نعرف أعماقها، فيقول: “يكفينا أن نميل ونشرب منها ونرتوي ونبحر فيها عوض أن نُفسد أذهاننا في قياس أعماقها بينما نحن نموت ظمأً”[28].

كذلك يقول أيضاً “كلمة واحدة من الكُتب الإلهيّة هي أكثر فاعلية من النار! إنها تُلَيّن النفس وتُهيئها لكل عمل صالح”[29]، كما يقول أيضاً “معرفة الكتب المقدسة تُقوي الروح، وتنقي الضمير وتنزع الشهوات الطاغية، وتعمق الفضيلة، وتتسامى بالعقل، وتُعطي قدرة لمواجهة المفاجآت غير المنتظرة، وتحمي من ضربات الشيطان، وتنقلنا إلى السماء عَيْنِها، وتحرر الإنسان من الجسد، وتهبه أجنحة للطيران”[30].

القديس باسيليوس الكبير يصف الكتاب المقدس بالمرشد الحقيقيّ، فيقول: “إن أفضل مرشد إلى الطريق الصحيح تستطيع أن تجده، هو دراسة الكتاب المقدس بجدية، وفيه نجد الأساس الذي يبني حياتنا، ففيه حياة الشخصيات العظيمة التي عاشت مع الله، وهي تشجعنا للاقتداء بها”[31].

يقول القديس أُغسطينوس: “ومن أجل ذلك يجب أن نخضع، وأن نقبل سلطان الكتب المقدسة التي لا يمكن أن تخدع أو تُخدّع، يُخبرنا بوسيدوس – تلميذ القديس أُغسطينوس الذي دوّن سيرته – أن القديس أُغسطينوس كَتَبَ مزامير التوبة وثبتها أمامه على الجدار وكان يقرأها والدموع تنحدر بغزارة من عينيه”[32].

يقول القديس ثيئوفيلس (القرن الثاني): “وصوت الإنجيل مازال يٌعلّم بإلحاح فيما يتعلق بالطهارة قائلاً: ” وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةِ لِيَشْتهِيَهَا فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ”[33].

لأهمية الكتاب المقدس، قام الآباء بترجمات الكتاب المقدس للاتينية وللسريانية وللقبطية التي قام بها بنتيوس في منتصف القرن الثاني، كما تزيد عدد النسخ المخطوطة للعهد الجديد عن أربعة آلاف نسخة وهي أكثر من أيّ كتاب في العالم.

ظهرتْ كتبٌ الأناجيل والرسائل لبابيوس، أكْلِمنْضُس السكندريّ، أوريجانوس، القديس ديديموس الضرير، القديس باسيليوس الكبير، القديس كيرلس عمود الدين والقديس يوحنا ذهبيّ الفم.

[1]  – تجسد الكلمة – ترجمة د. جوزيف موريس – 2003 – الفصل 57 – ص 167.

[2] – Contra Calsus 6:75.

[3] – In Joan. Hom. 36:1

[4]  – الدفاع عن قانون الإيمان النيقوي 32.

[5]  – “في واجبات الخدمة” 1: 20: 88: مجموعة آباء الكنيسة اللاتينية. 50:16.

[6]  – الدفاع الأول 6:3.

[7] – Epis 107.

[8] – In Mat, hom 2:9.

[9] – Dialogue of Justin with Trypho, Chap. X

[10]  – (مت 1:22).

[11]  – العلاّمة أوريجانوس – عظات على سفر إرميا – الناشر كنيسة مارجرجس باسبورتنج – الطبعة الأولى 2006 – ص 24.

[12]  – العلاّمة أوريجانوس – نفس المرجع السابق – ص 32.

[13]  الرسالة إلى مارسيليوس :1.

[14]  – الطريق إلى الفردوس – القديس باسيليوس الكبير – مترجم عن كتاب Gateway to Paradise  إصدار: أبناء البابا كيرلس 1996 ص9.

[15]  – تفسير إشعياء، التوطئة: مجموعة آباء الكنيسة اللاتينية. 17:24.

[16]  – إلى كونستانس 9،2 PL. 10,570  عن د.جوزيف موريس – الآباء والكتاب المقدس – مقدمة لكتاب شرح وتفسير آباء الكنيسة لأناجيل واحاد السنة التوتية . ص24.

[17]  – الحوار ضد لوكيفاروس، 28 ، مجموعة الآباء اللاتين مين 23، 190-19.

[18]  – القديس أغسطينوس: العظة 1:179  PL.38,966.

[19] – Jurgens: The Faith of the Early Fathers, 1970, p 259.Guettee: Histoire de I’Eglise, Paris et Bruxelles, 1886 t. II, p 228.

[20]  – إيريس حبيب المصريّ: قصة الكنيسة القبطية، ج 1، ص 118.

[21]  – المئة مقال في الإيمان الأرثوذكسيّ – المقالة 17:90 – ص1176-1180 ، عربه عن النص اليونانيّ الأرشمندريت أدريانوس شكور ق ب – ص 250.

[22]  – القديس كيرلس الكبير – شرح إنجيل يوحنا – ترجمة مركز دراسات الآباء يناير 1989 .ص 13 .

[23]  – تفسير سفر إشعياء PG. 71 .12A

[24] -Josh McDwell the New Evidence That Demands A Verdict 43

[25]  – صلوات الخدمات – مكتبة المحبة – صلوات جحد الشيطان – 2004 . ص32.

[26] – Exhortation to the Heathen عن القمص تادرس يعقوب ملطي – رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيوثاوس – ص 46  

[27]  – د. جوزيف موريس – أ. جورج عوض – الآباء والكتاب المقدس – دورية مركز دراسات الآباء يناير 1998.

[28]  – تفسير الرسالة الأولى إلى تيوثاوس عظة 80.

[29] – In matt. , hom 2:9.

[30]  – De Stud . paes P . G . 63:485 عن القمص تادرس يعقوب ملطي – رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيموثاوس ص 46.

[31]  – الطريق إلى الفردوس – القديس باسيليوس الكبير – مترجم عن كتاب Gateway to Paradise  مرجع سابق – ص9.

[32]  – نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص272.

[33] – Theophilus to Autolycus, Chap. XIII

الباترولوجي والكتاب المقدس

القديس مقاريوس الكبير ع2 – عن ملكوت الظلمة – أي ملكوت الخطيئة

القديس مقاريوس الكبير ع2 – عن ملكوت الظلمة – أي ملكوت الخطيئة

القديس مقاريوس الكبير ع2 – عن ملكوت الظلمة – أي ملكوت الخطيئة

 

العظة الثانية

الإنسان العتيق والإنسان الجديد

“عن ملكوت الظلمة – أي ملكوت الخطيئة – وان الله هو القادر وحده أن ينزع منا الخطيئة ويخلصنا من عبودية رئيس الشر”.

 

القديس مقاريوس الكبير | العظة الثانية: عن ملكوت الظلمة – أي ملكوت الخطيئة – وان الله هو القادر وحده أن ينزع منا الخطيئة ويخلصنا من عبودية رئيس الشر

 1- أن ملكوت الظلمة أي الرئيس الشرير، لما أسر الانسان في البدء، قد غمر النفس وكساها بقوة الظلمة كما يكسو الإنسان انساناً غيره. “لكيما يجعلوه ملكاً، ويلبسونه الملابس الملوكية من رأسه إلى قدمه” ([1]) وبنفس هذه الطريقة قد كسا الرئيس الشرير، النفس وكل جوهرها بالخطيئة. ولوثها بكليتها، وأخذها بكليتها أسيرة إلى ملكوته، ولم يدع عضواً واحداً منها حراً منه، – لا الأفكار، ولا القلب، ولا الجسد، بل كساها كلها بأرجوان الظلمة.

 لأنه كما أن الجسد لا يتألم منه جزء أو عضو بمفرده، بل الجسد كله يتألم معاً، هكذا النفس بكليتها تألمت بأوجاع الشقاء والخطيئة. فالشرير كسا النفس كلها التي هي الجزء أو العضو الأساسي في الانسان، كساها بشقائه الخاص، الذي هو الخطيئة، ولذلك أصبح الجسد قابلاً للألم والفساد (الاضمحلال).

الإنسان العتيق:

 2- لأنه عندما يقول الرسول: “اخلعوا الإنسان العتيق” ([2])، فهو يقصد انساناً بتمامه، فيه عيون مقابل عيون، وآذان مقابل آذان، وأيدي مقابل أيدي، وأرجل مقابل أرجل.

لأن الشرير قد لوث الإنسان كله، نفساً وجسداً، وأحدره، وكساه “بانسان عتيق”، أي انسان ملوث، نجس، في حالة عداوة مع الله، “وليس خاضعاً لناموس الله” ([3])، بل هو بكليته خطيئة، حتى أن الإنسان لا يعود ينظر كما يشاء هو بل ينظر بعين شريرة، ويسمع بأذن شريرة، وله أرجل تسرع إلى فعل الشر، ويديه تصنع الإثم، وقلبه يخترع شروراً. لذلك فلنتوسل إلى الله أن ينزع منا الإنسان العتيق، لأنه هو وحده القادر على نزع الخطيئة منا، لأن الذين قاموا بأسرنا ولا يزالون يستبقوننا في مملكتهم، هم أقوى منا.

ولكنه قد وعدنا بأن يحررنا من هذه العبودية المؤلمة. فعندما تكون هناك شمس ساخنة وتهب معها الريح فان كل من الشمس والريح لها كيان وطبيعة خاصة بها، ولكن لا يستطيع أحد أن يفصل بين الشمس والريح الا الله الذي يستطيع وحده أن يمنع الريح من الهبوب وبنفس المثال، فان الخطيئة ممتزجة بالنفس، مع أن كل منهما له طبيعته الخاصة.

 3- فمن المستحيل الفصل بين النفس والخطيئة، أن لم يوقف الله ويسكت الريح الشرير، الذي يسكن في النفس وفي الجسد.

 وكما أن الإنسان إذا رأى عصفوراً يطير، فانه يشتاق أن يطير هو ايضاً، ولكنه لا يستطيع، لأنه لا يملك أجنحة يطير بها. كذلك أيضاً فان ارادة الإنسان حاضرة ([4]) وقد يشتهي أن يكون نقياً، وبلا لوم، وبلا عيب، وان لا يكون في شيء من الشر، بل أن يكون دائماً مع الله، ولكنه لا يملك القوة ليكون كذلك. وقد تكون شهوته هي أن يطير إلى الجو الإلهي، وحرية الروح القدس ولكن لا يمكنه ذلك الا إذا اعطيت له أجنحة (لتحقيق هذه الغاية).

فلنلتمس من الله أن ينعم علينا “بأجنحة الحمامة” – أي الروح القدس لكيما نطير إليه “ونوجد في الراحة” ([5])، ولكي يفصل الريح الشرير ويقطعه من نفوسنا وأجسادنا، ذلك الريح الذي هو الخطية الساكنة في أعضاء نفوسنا وأجسادنا. ليس أحد إلا هو (الروح القدس) الذي يستطيع أن يفعل هذا الأمر.

يقول الكتاب “هو ذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” ([6]) انه هو وحده الذي أظهر هذه الرحمة لأولئك الأشخاص الذين يؤمنون به، إذ انه يخلصهم من الخطيئة، وهو يحقق هذا الخلاص الذي لا ينطق به لأولئك الذين ينتظرونه دائماً ويضعون رجاءهم فيه ويطلبونه بلا انقطاع.

  4- وكما انه يحدث في أحد الليالي المظلمة الكئيبة أن تهب ريح عاصفة وتحرك وتفتش كل الزروع والنباتات وتهزها، هكذا حينما يسقط الإنسان تحت سلطة ظلام ليل الشيطان، ويصير في الليل والظلمة، فانه يتكدر بواسطة ذلك الريح المرعب ريح الخطيئة الذي يهب (عليه) فيهزه ويقلبه ويفتش أعماق طبيعته كلها: نفسه وأفكاره، وعقله، ويهز أيضاً كل أعضاء جسده، ولا ينجو عضو سواء من أعضاء النفس أو أعضاء الجسد ويبقى بمأمن من الخطية الساكنة فينا.

وبالمثل فهناك نهار النور والريح الالهي، ريح الروح القدس، الذي يهب وينعش النفوس التي تكون في نهار النور الالهي. والروح القدس ينفذ في جوهر النفس كلها وفي أفكارها وكل كيانها، وكذلك ينعش ويريح كل أعضاء الجسد براحة الهية تفوق الوصف. وهذا هو ما أعلن عنه الرسول عندما قال “لسنا أبناء ليل أو ظلمة، بل جميعنا أبناء نور وأبناء نهار”([7]).

الإنسان الجديد:

 وكما انه هناك في الحالة الأولى – حالة الخطيئة والسقوط – فإن الإنسان القديم لبس انسان الفساد بكليته، أي لبس ثوب مملكة الظلمة، ورداء التجديف وعدم الايمان، وعدم المبالاة والمجد الباطل والكبرياء والجشع والشهوة، وكل الفخاخ الأخرى الوسخة غير الطاهرة البغيضة التي لمملكة الظلمة، هكذا يحدث هنا أن كل الذين خلعوا الإنسان العتيق، الذي هو من تحت – من الأرض – كل الذين خلع عنهم يسوع رداء مملكة الظلمة – قد لبسوا الإنسان الجديد السماوي – أي يسوع المسيح – بكل عضو مقابل (العتيق)، عيون مقابل عيون، آذان مقابل آذان، رأس مقابل رأس، ليكون الإنسان كله نقياً بارتدائه الصورة السماوية.

 5- هؤلاء قد ألبسهم الرب لباس ملكوت النور الذي لا ينطق به، لبس الايمان والرجاء والمحبة، والفرح والسلام والصلاح واللطف وكل الملابس الأخرى الالهية الحية التي لنور الحياة، ملابس الراحة التي لا يعبر عنها، حتى كما أن الله نفسه هو محبة وفرح وسلام ولطف وصلاح، فكذلك يكون الإنسان الجديد بالنعمة.

وكما أن مملكة الظلمة والخطيئة تبقى خفية في النفس إلى يوم القيامة، الذي فيه سوف تغمر أجساد الخطاة أيضاً بالظلمة المختفية الآن في النفس، هكذا مملكة النور، والصورة السماوية – يسوع المسيح – يضيء الآن سراً داخل النفس، ويملك في نفوس القديسين ولكنه مخفي عن عيون الناس، وعيون النفس فقط هي التي ترى المسيح حقاً حتى يأتي يوم القيامة، الذي فيه سيغمر الجسد أيضاً بنور الرب ويتمجد به، ذلك النور المختفي الآن في نفس الانسان، ليملك الجسد أيضاً مع النفس التي تنال منذ الآن ملكوت المسيح وتستريح مستنيرة بالنور الأبدي.

فالمجد لمراحمه وحنانه وشفقته، لأنه هكذا يعطف على عبيده وينيرهم، وينقذهم من مملكة الظلمة ويمنحهم نوره الخاص وملكوته الخاص. له المجد والقدرة إلى الأبد آمين.

 

 

([1]) الاقتباس – لم يذكر مصدره – وهو ليس اقتباساً من الكتاب المقدس، والقصد منه – على أي حال، هو اعطاء فكرة التغطية الكلية بالملابس.

([2]) كو 3 : 9.

([3]) رو 9 : 7.

([4]) رو 7 : 8.

([5]) مز 55 : 6.

([6]) يو 1 : 29.

([7]) 1تس 5 : 5.

القديس مقاريوس الكبير ع2 – عن ملكوت الظلمة – أي ملكوت الخطيئة

القديس مقاريوس الكبير ع1 – تفسير مجازي للرؤيا الموصوفة في سفر حزقيال النبي

القديس مقاريوس الكبير ع1 – تفسير مجازي للرؤيا الموصوفة في سفر حزقيال النبي

 

القديس مقاريوس الكبير ع1 – تفسير مجازي للرؤيا الموصوفة في سفر حزقيال النبي

العظة الأولى

النفس عرش الله وهو قائدها

“تفسير مجازي للرؤيا الموصوفة في سفر حزقيال النبي”

          1- يقص حزقيال النبي المبارك الرؤيا المجيدة الملهمة التي رآها، ووصفه لهذه الرؤيا يبين أنها مليئة بالأسرار التي لا ينطق بها.

          لقد رأى مركبة الشاروبيم وهي عبارة عن أربعة كائنات روحانية حية، لكل منها أربعة أوجه، واحد منها وجه أسد، وآخر وجه نسر، وآخر وجه ثور، والرابع وجه انسان. ولكل وجه أجنحه بحيث لا توجد أجزاء خلفية لي واحد منهم. وظهورهم مملؤة عيوناً، وكذلك بطونهم مشحونة ومزدحمة بالعيون، وليس فيهم أي جزء لم يكن مملوءاً عيوناً. وكان أيضاً لكل وجه بكرات، بكرة في وسط بكرة وكان الروح في البكرات.

          ورأى حزقيال منظر شبه انسان قدميه كمنظر حجر العقيق (الياقوت) الأزرق. ومركبة ([1]) الشاروبيم والكائنات الحية كانت تحمل الرب الذي جلس فوقهم. وحيثما شاء أن يسير فإنه يسير والوجه إلى الأمام. ورأى تحت الشاروبيم كمثل يد انسان تسند وتحمل.

          2- وهذا الذي رآه النبي كان في جوهره حقيقياً وأكيداً، ولكنه يشير كظل مسبق إلى شيء آخر، سري والهي – السر المكتوم بالحقيقة منذ الدهور ومنذ الأجيال ([2])، ولكنه أظهر في الأزمنة الأخيرة ([3]) بظهور المسيح. فإن السر الذي رآه هو سر النفس التي كانت ستستقبل ربها وتصير هي ذاتها عرشاً لمجده ([4]).

لأن النفس التي تتمتع بامتياز الاشتراك في روح ونور الله وتتشرب بأشعة جمال مجده غير الموصوف، وهو الذي هيأها لتكون كرسياً ومسكناً له، فإنها تصير كلها نوراً وكلها عيناً! ولا يكون فيها أي جزء غير مملوء بعيون النور الروحانية. أي ليس فيها جزء مظلم بل تصير بكليتها نوراً وروحاً، وتمتلئ كلها عيوناً، فلا يكون لها جزء خلفي بل في كل اتجاه يكون وجهها إلى الأمام بواسطة الجمال الذي يفوق التعبير الذي لمجد نور المسيح الجالس والراكب عليها.

          وكما أن الشمس هي بكليتها ذات شبه واحد، بدون أي جزء من الخلف أو من أسفل، بل هي مكسوة بالنور من كل ناحية، وهي بالحقيقة كلها نور، بدون اختلاف بين اجزائها، أو كما ان النار، أي نفس نور النار، هي متشابهة كلها، وليس فيها أول أو آخر، أو أكبر وأصغر،

هكذا أيضاً النفس التي تتشبع تماماً بالجمال الذي لا يوصف جمال مجد نور وجه المسيح وتكون في شركة تامة مع الروح القدس وتنال الامتياز بأن تكون محل سكن الله وعرشاً له، فانها تصير كلها عيناً، وكلها نوراً، وكلها وجهاً، وكلها مجداً، وكلها روحاً، والمسيح الذي يقودها، ويرشدها، ويحملها ويسندها، هو الذي يصنعها ويجعلها هكذا وينعم عليها ويزينها هكذا بالجمال الروحاني، لأن الكتاب يقول: ويد انسان كانت تحت الشاروبيم ([5]) لأنه هو ذاك الذي يركب عليها ويوجهها.

الشاروبيم رمز لقوى النفس:

          3- والكائنات الحية الأربع التي حملت المركبة انما كانت رمزاً للملكات (أي القوى) الحاكمة للنفس. فكما ان النسر هو ملك الطيور والأسد ملك الوحوش الضارية، والثور ملك الحيوانات المستأنسة، والإنسان ملك المخلوقات عامة، هكذا فإن النفس أيضاً لها ملكاتها الحاكمة. وهذه الملكات هي الإرادة، والضمير، والعقل، وملكة الحب فهذه الملكات تضبط مركبة النفس، وعليها يستريح الله وبحسب تفسير آخر فإن الرمز يشير إلى كنيسة القديسين في السماء.

فكما يقال هنا ان الكائنات الحية كانت مرتفعة جداً، ومملوءة عيوناً وانه لم يستطع احد ان يدرك عدد العيون أو الارتفاع، لأننا لم نعط عنها معرفة، وكما أنه – قد المعطي لجميع الناس – فيما يخص نجوم السماء، ان ينظروا النجوم ويتعجبوا منها، ولكن لم يعط لهم ان يعرفوها ويدركوا عددها، فهكذا أيضاً الحال فيما يخص كنيسة القديسيين في السماء، فالدخول اليها، والتمتع بها قد أعطي لكل الذين يرغبون ويجاهدون في طلبها، أما كيفية رؤية وإدراك العدد الذي فيها، فهذا خاص بمعرفة الله وحده.

فالراكب اذن تنقله وتحمله مركبة أو عرش الكائنات الحية التي كلها عيوناً، أو بمعنى آخر تحمله النفس التي أصبحت عرشاً له وكرسياً، وهي الآن عين ونور. أنه يصعد عليها ويحكمها بزمام الروح ويقودها بحسب فكره هو. وكما ان الكائنات الروحانية الحية، لم تذهب إلى حيث شائت بل إلى حيث يعرف ويشاء ذاك الذي يجلس عليه ويوجههم، هكذا الحال هنا، فإنه هو نفسه الذي يمسك الزمام ويقود قوى النفس بروحه، حينما تتجه للسير في السماء، فهي تسير حسب قيادته وليس بحسب مشيئتها الخاصة.

فأحياناً يطرح الجسد، ويقود النفس ويأخذها بالفكر إلى السماء، وأحياناً – حينما يشاء هو – يأتي بها للعمل في الجسد وشئونه، – وأحياناً – حينما يشاء هو – يأتي بها إلى أقاصي الأرض ويشكف للنفس أسراراً بلا حجاب. آه، يا لسموه وصلاحه، ذلك القائد الحقيقي الوحيد (للنفس)!. وبنفس الطريقة، فإن أجسادنا أيضاً ستنال الإمتياز في القيامة، بعد أن تكون النفس قد سبقت وتمجدت منذ الآن على الأرض وامتزجت مع الروح في الحياة الحاضرة.

أنتم نور العالم:

          4- وأما ان نفوس الأبرار تصير نوراً سماوياً، فهذا هو ما أعلنه الرب للرسل، عندما قال “أنتم نور العالم” ([6]) لأنه صيرهم نوراً أولاً، ثم بعد ذلك أمر بأن يستنير بهم العالم إذ يقول “لا يوقدون سراجاً ويضعونه تحت الميكال، بل على المنارة فيضيء، لكل من في البيت. فليضيء نوركم هكذا قدام الناس”([7]).

          وبمعنى آخر، لا تخفوا الموهبة التي قبلتموها مني، بل أعطوا لكل الذين يرغبون ان ينالوها. وقال أيضاً “سراج الجسد هو العين فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيراً. وان كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلماً. فإن كان النور الذي فيك ظلاماً فالظلام كم يكون” ([8])، فكما ان العينين هما نور الجسد – وطالما هما بحالة جيدة – فالجسد كله يكون نيراً، ولكن ان حدث لهما حادث فاظلمتا، يصير الجسد كله في ظلمة، هكذا قد جعل الرسل ليكونوا عيوناً ونوراً للعالم كله.

لذلك فإن الرب أمرهم بهذا القول. فأنتم الذين هم نور الجسد، إن كنتم تثبتون ولا تنصرفون عني، فحينئذ يستنير جسد العالم كله، وأما أن كنتم وانتم النور تكونون مظلمين فما أعظم تلك الظلمة، التي هي ليست شيئاً أقل من العالم. وهكذا فإن الرسل إذ كانوا هم أنفسهم نوراً، فقد أعطوا النور لأولئك الذين آمنوا، إذا أناروا قلوبهم بذلك النور السماوي – نور الروح الذي كانوا هم أنفسهم مستنيرين به.

الملح والذبيحة والكاهن:

          5- واذا كانوا هم أنفسهم ملحاً، فانهم حفظوا وملحوا كل نفس مؤمنة بملح الروح القدس، لأن الرب قال لهم “أنتم ملح الأرض” ([9]) ويقصد بالأرض قلوب الناس. انهم اعطوا لنفوس الناس من الداخل الملح السماوي – ملح الروح – فيملحونهم ويجعلونهم أحراراً من الفساد والتعفن، بدلاً من تلك الحالة الكريهة التي كانوا فيها.

ان اللحم، ان لم يملح، يفسد ويمتلئ برائحة كريهة، حتى ان الناس كلهم يبتعدون من الرائحة العفنة، ويدب الدود في اللحم الفاسد ويسكن فيه ويتغذى عليه ويختبئ فيه، ولكن حينما يلقى عليه الملح يموت الدود الساكن فيه وتنتهي الرائحة الكريهة لأن هذه هي خاصية الملح ان يقتل الدود ويزيل الرائحة الرديئة.

          وبنفس الطريقة فإن كل نفس لا تصلح وتملح بالروح القدس ولا تشترك في الملح السماوي الذي هو قوة الله فانها تفسد وتمتلئ برائحة الأفكار الرديئة الكريهة حتى ان وجه الله يتحول عن الرائحة المرعبة النتنة رائحة أفكار الظلمة الباطلة وعن الشهوات التي تسكن في مثل هذه النفس. والدود الشرير المرعب، الذي هو أرواح الشر وقوات الظلمة، تتمشى وتتجول فيها، وتسكن هناك، وتختبئ وتدب فيها وتأكلها وتأتي بها إلى التحلل والفساد. كما يقول المزمور “قد انتنت وقاحت جراحاتي” ([10]).

          ولكن حينما تهرب النفس إلى الله لأجل الخلاص وتؤمن وتطلب ملح الحياة الذي هو الروح الصالح المحب للبشر، فحينئذ يأتي الملح السماوي ويقتل تلك الديدان المرعبة ويزيل الرائحة النتنة، ويطهر النفس بعمل قوته الفعال، وهكذا تصير النفس سليمة صحيحة وحرة من الاضمحلال بواسطة ذلك الملح الحقيقي وترد وتعاد لتكون نافعة لخدمة السيد السماوي وهذا هو السبب الذي من أجله أمر الله، في الناموس مستعملاً الرمز ان كل ذبيحة ينبغي ان تملح بملح([11]).

          6- فالذبيحة ينبغي أولاً ان تذبح بواسطة الكاهن، وتموت، ثم تقطع قطعاً قطعاً وتملح، وبعد ذلك توضع على النار. فان لم يذبح الكاهن الخروف أولاً ويموت، فإنه لا يملح ولا يقرب كقربان محرقة للرب. هكذا نفسنا ايضاً ينبغي ان تأتي إلى المسيح رئيس الكهنة الحقيقي ليذبحها، وتموت عن هوى فكرها الخاص وعن حياة الخطية الشريرة التي كانت تعيشها قبلاً. يجب ان تخرج منها الحياة حياة الأهواء الشريرة.

كما ان الجسد اذا خرجت منه النفس يموت، ولا يعود يعيش بالحياة التي سبق ان عاشها، فلا يسمع ولا يمشي كذلك المسيح، رئيس كهنتنا السماوي – حينما يذبح نفسنا بنعمة قوته، ويميتها عن العالم فانها تموت عن حياة الشر التي كانت تعيشها قبلاً. يجب ان تخرج منها الحياة حياة الأهواء الشريرة.

كما ان الجسد اذا خرجت منه النفس يموت، ولا يعود يعيش بالحياة التي سبق ان عاشها، فلا يسمع ولا يمشي كذلك المسيح، رئيس كهنتنا السماوي – حينما يذبح نفسنا بنعمة قوته، ويميتها عن العالم فانها تموت عن حياة الشر التي كانت تعيشها، فلا تعود تسمع أو تتكلم أو يكون لها شركة وتوطن في ظلمة الخطيئة لأن حياتها – التي هي الأهواء الشريرة قد خرجت منها بواسطة النعمة. والرسول يصرح قائلاً “قد صلب العالم لي وأنا صلبت للعالم” ([12]).

          فالنفس التي لا تزال تحيا في العالم وفي ظلام الخطيئة ولم تمات بواسطة المسيح ولا يزال روح الخبث في داخلها أعني نشاط ظلمة أهواء الشر، التي تتحكم فيها فإن هذه النفس لا تنتمي إلى جسد المسيح لا تنتمي إلى جسد النور، بل هي في الحقيقة جسد الظلمة ولا تزال جزءاً لا ينفصل من الظلمة، أما الذين لهم حياة روح النور، أعني قوة الروح القدس فإنهم جزء لا ينفصل من النور.

          7- ولكن قد يسألني أحدكم قائلاً: كيف تدعو النفس بلقب جسد الظلمة في حين انها لم تخلق من الظلمة؟ اصغ الي، وافهمني جيداً. كما ان ثوبك الذي تلبسه قد صنعه آخر غيرك، وانت تلبسه، وكما ان بيتك قد بناه آخر وأنت تسكن فيه، هكذا حينما تعدى آدم وصية الله وأطاع الحية الخبيثة، صار مباعاً أو باع نفسه للشيطان فاكتست النفس – تلك الخليقة الحسنة التي صورها الله على صورته الخاصة – اكتست بنفس الشرير مثل رداء.

لذلك يقول الرسول “اذ جرد الرياسات والسلاطين، ظفر بهم في الصليب” ([13])، وهذا هو الغرض الذي من أجله جاء الرب (الى العالم)، لكيما يطرحهم خارجاً ويسترجع بيته وهيكله، أي الانسان. لهذا السبب تسمى النفس جسد ظلمة الخبث طالما ان ظلمة الخطية موجودة فيها، لأنها تحيا لعالم الظلمة الشرير، وهي ممسوكة بشدة هناك.

لذلك يسميها الرسول جسد الخطيئة أو جسد الموت، قائلاً “ليبطل جسد الخطيئة” ([14])، وأيضاً: “من ينقذني من جسد هذا الموت” ([15])، ومن الجهة الأخرى فان النفس التي قد آمنت بالرب وانقذت من الخطية واميتت عن حياة الظلمة وقد نالت نور الروح القدس كحياة لها، وبهذه الطريقة قد انتقلت إلى الحياة حقاً، فانها تصرف زمانها بعد ذلك في نفس هذه الحياة، لأنها تكون هناك ممسوكة بشدة بقوة نور اللاهوت.

فان النفس في ذاتها لا هي من طبيعة اللاهوت، ولا هي من طبيعة ظلمة الخبث، بل هي خليقة عاقلة، جميلة، عظيمة، وحسنة كمثال وصورة الله. وانما عن طريق التعدي دخل فيها خبث أهواء الظلمة.

ضرورة المجيء إلى المسيح لنموت ونحيا:

          8- اذن فما تختلط به النفس فانها تكون متحدة معه في حركات ارادتها، فإما يكون لها نور الله في داخلها، وبذلك، تعيش في النور، في كل الفضائل، وتنتسب إلى نور الراحة. وإما يكون لها ظلمة الخطيئة فستجد الدينونة. فالنفس التي تشتهي ان تعيش مع الله في الراحة والنور الأبدي يجب ان تأتي، – كما قلنا سابقاً – إلى المسيح رئيس الكهنة الحقيقي لتنذبح وتموت عن العالم وعن حياة ظلمة الخبث السابقة. وتنتقل إلى حياة أخرى والى سيرة الهية.

وكما يحدث عندما يموت انسان في مدينة ما فانه لا يسمع صوت الناس الساكنين فيها ولا أحاديثهم ولا الضوضاء التي يصنعونها، بل هو يصير ميتاً مرة واحدة، وينتقل إلى منطقة أخرى حيث لا يوجد أصوات ولا صرخات من تلك المدينة التي خرج منها…

كذلك النفس ايضاً حينما تنذبح مرة وتموت عن مدينة الأهواء الشريرة التي تسكن وتعيش فيها فانها لا تعود تسمع في داخلها صوت أفكار الظلمة، ولا يعود يسمع فيها حديث وصراخ المنازعات الباطلة الشريرة أو ضجيج أرواح الظلمة بل تنتقل إلى مدينة مملوءة بالصلاح والسلام، إلى مدينة نور اللاهوت وتعيش هناك، وتسمع وتستوطن وتتكلم وتشارك، وهناك تعمل اعمالها الروحانية التي تليق بالله.

فلنصل لكي ننذبح بقوته:

          9- لذلك فلنصلي لكي ننذبح بواسطة قوته ونموت عن عالم الظلمة الخبيث ولكي تموت فينا روح الخطية، ولكيما نلبس وننال حياة الروح السماوي، وننتقل من حيث الظلمة إلى نور المسيح، ولكي نستريح في الحياة إلى مدى الدهور. فكما ان المركبات تتسابق في الميدان والمركبة التي تسبق الأخرى تصير لها مانعاً وحاجزاً وعائقاً، حتى انها لا تستطيع ان تتقدم وتصل إلى النصرة، وهكذا ايضاً سباق أفكار النفس والخطيئة في الانسان.

فاذا حدث ان سبق فكر الخطيئة فانه يعوق النفس ويحجزها ويمنعها، حتى انها لا تستطيع ان تقترب إلى الله وتنال النصرة منه. ولكن حيث يركب الرب ويمسك بزمام النفس بيديه فانه دائماً يغلب لأنه بمهارة يدير ويقود مركبة النفس إلى ذهن سماوي ملهم كل حين.

وهو – أي الرب – لا يحارب ضد الخبث اذ له دائماً القوة الفائقة والسلطان في نفسه، بل هو يصنع النصرة بنفسه. فالكاروبيم اذن لا تسير حيث تشاء من نفسها ان تسير بل إلى حيث يقودها ويوجهها الراكب عليها. وهي تسير حيث يريد هو، وهو يسندها لأن الكتاب يقول “ويد انسان كانت تحتها” ([16]).

          فهذه النفوس المقدسة تنقاد وتسير بروح المسيح الذي يمسك بزمامها ويقودها إلى حيث يشاء – فاحياناً يشاء ان تقيم في التأملات السماوية، واحياناً يشاء ان تلبث في الجسد، وهكذا حيثما يشاء هو فانها تقوم بالخدمة.

          وكما ان أجنحة الطائر هي له بمثابة الرجلين كذلك فان النور السماوي أي نور الروح يحمل اجنحة افكار النفوس المستحقة، ويقودها ويدبرها كما يعرف هو انه الأحسن لها.

أنظر إلى نفسك جيداً:

          10- لذلك فحينما تسمع بهذه الأشياء أنظر إلى نفسك جيداً، هل انت حاصل على هذه الاشياء ومالك لها بالفعل والحق في داخل نفسك أم لا؟ فانها ليست مجرد كلمات تقال بل هي فعل الحق الذي يحدث في داخل نفسك. فان لم تكن مالكاً لها بل انت معدم من مثل هذه الخيرات الروحانية، ينبغي لك ان تكتئب وتحزن وتسعى بلهفة كانسان لا يزال ميتاً ومنفصلاً عن الملكوت وكانسان مجروح اصرخ دائماً إلى الرب واطلب منه بايمان ان يمنحك انت شخصياً هذه الحياة الحقيقية.

          وحينما صنع الله جسدنا هذا فانه لم يمنحه ان تكون له حياة لا من طبيعة الله الخاصة ولا ان يحيا الجسد بذاته، وهكذا دبر له الطعام والشراب واللباس والأحذية، وهكذا عين الله له ان يأخذ كل حاجات الحياة من الخارج اذ انه صنع الجسد نفسه عرياناً ولا يمكن للجسد ان يعيش بدون الاشياء الخارجة عنه أي بدون الطعام والشراب واللباس فان حاول ان يعتمد على طبيعته وحدها دون ان يأخذ شيئاً من الخارج فانه يضمحل ويموت.

وهذا هو نفس الحال بالنسبة للنفس ايضاً فهي لا تملك النور الالهي رغم انها مخلوقة على صورة الله وهكذا نظم الله احوالها وقد سر بأن لا تحصل على الحياة الأبدية من طبيعتها الخاصة، ولكن من لاهوته، أي من روحه ومن نوره. تنال طعاماً وشراباً روحانياً، ولباساً سماوياً وهذه هي حياة النفس، أي الحياة بالحقيقة.

          11- وكما رأينا ان حياة الجسد ليست من ذاته، ولكن من خارجه، أي في الأرض، وبدون الأشياء التي من خارجه لا يمكنه ان يعيش هكذا أيضاً النفس أن لم تولد الآن إلى “أرض الأحياء” ([17]) وتستمد غذاء روحياً منها وتنمو نمواً روحياً أمام الرب وتكتسي من اللاهوت بحلل الجمال السماوي التي تفوق الوصف، فانها بدون ذلك القوت لا يمكنها أن تعيش من نفسها في فرح وراحة.

أن الطبيعة الالهية فيها خبز الحياة الذي قال “أنا هو خبز الحياة”([18])، “والماء الحي”([19])، “والخمر التي تفرح قلب الانسان”([20])، “وزيت الابتهاج”([21]) وجميع أصناف طعام الروح السماوي ولباس النور السماوي تلك التي تأتي من الله. وفي هذه الأشياء تكون حياة النفس الأبدية.

ويل للجسد حينما يعتمد على طبيعته الخاصة لأنه حينئذ يضمحل ويموت، وأيضاً ويل للنفس أن استندت على طبيعتها الخاصة ولم تضع ثقتها في شيء سوى أعمالها الخاصة، ولم تنل شركة روح الله، فانها تموت اذ انها لم تحصل على حياة اللاهوت الأبدية الممنوحة لها. ففي حالة المرضى بالجسد، بمجرد أن يفقد الجسد القدرة على تقبل الغذاءن لا يعود هناك أمل في هؤلاء المرضى ويبدأ أصدقاؤهم الحقيقيون وأقرباؤهم ومحبيهم في البكاء وذرف الدموع.

وبنفس الطريقة فان الله والملائكة يبكون على النفوس التي لا تتغذى بطعام الروح السماوي، ولم تأت إلى الحياة في عدم الفساد. ومرة أخرى أقول: أن هذه الأشياء ليست مجرد كلمات تقال، بل هي عمل الحياة الروحانية، عمل الحق الذي يتحقق في النفس الأمينة المستحقة.

ليكن لنا حس سريع:

          12- فاذا كنت قد صرت عرشاً لله، وجلس فوقك الراكب السماوي، ونفسك كلها قد صارت عيناً روحانية، وصارت نفسك كلها نوراً، واذا كنت قد تغذيت بذلك الغذاء، غذاء الروح القدس، وان كنت قد سقيت من ماء الحياة، وان كنت قد لبست ملابس النور الذي لا يوصف، وثبت انسانك الداخلي في اختبار هذه الأمور بملء الثقة واليقين، فانك بذلك تكون حياً، انك تحيا الحياة الأبدية بالحقيقة، وان نفسك هي في الراحة مع الرب منذ الآن فصاعداً.

انظر فها أنت قد قبلت هذه الأشياء من الرب وامتلكتها بالحق، لكيما تحيا الحياة الحقيقية. ولكن اذا وعيت نفسك ووجدت انه ليس عندك شيء من هذه الأشياء (التي سبق ذكرها) فحينئذ يلزم أن تبكي وتنوح وتحزن لأنك حتى الآن لم تجد الغنى السماوي الأبدي.

          لذلك ينبغي أن تتوجع بسبب فقرك المدقع، وتتضرع إلى الرب ليلاً ونهاراً لأنك قد سقطت في فقر الخطيئة المرعب.

          يا ليت كل انسان يصير له احساس سريع وتوجع بسبب فقره، ولا نسير في الحياة بلا مبالاة، مكتفين كأننا قد امتلأنا!، لأن الذي يحس بشدة فقره، ويأتي إلى الرب ويسأله بالصلاة باستمرار، فانه حالاً يحصل على الفداء والكنوز السماوية، كما قال الرب في ختام حديثه عن القاضي الظالم والأرملة “أفلا ينصف الله الذين يصرخون إليه ليلاً ونهاراً، نعم أقول لكم انه ينصفهم سريعاً” () الذي له المجد والقوة إلى الأبد آمين.

 

([1]) حزقيال النبي لم يستعمل كلمة “مركبة” في الأصحاح الأول ولكن الكلمة استعملت في النسخة السبعينية في سفر حزقيال اصحاح 43 عدد 3.

([2]) كولوسي 1 : 26.

([3]) 1 بطرس 1 : 10.

([4]) مت 25 : 31.

([5]) حزقيال 1 : 8 يفسر القديس مقاريوس “الإنسان” هنا بأنه المسيح ويد انسان كانت تحت الشاروبيم لأنه هو الذي يركبها ويوجهها.

([6]) مت 5 : 14.

([7]) مت 5 : 15، 16.

([8]) مت 6 : 22، 23، لو 11 : 34.

([9]) مت 5 : 13.

([10]) مز 38 : 5.

([11]) لا 2 : 13، انظر مرقس 9 : 49.

([12]) غلاطية 6 : 14.

([13]) كولوسي 2 : 15.

([14]) رومية 6 : 6.

([15]) رومية 7 : 24.

([16]) حزقيال 1 : 8.

([17]) مز 27 : 13.

([18]) يو 6 : 35.

([19]) يو 4 : 10.

([20]) مز 104 : 15.

([21]) مز 45 : 7.

القديس مقاريوس الكبير ع1 – تفسير مجازي للرؤيا الموصوفة في سفر حزقيال النبي

Exit mobile version