اكليمندس الأسكندرى (2) (150 ـ 215م) – د. موريس تاوضروس

اكليمندس الأسكندرى (2) (150 ـ 215م) – د. موريس تاوضروس 

اكليمندس الأسكندرى (2) (150 ـ 215م) – د. موريس تاوضروس

اكليمندس الأسكندرى (2) (150 ـ 215م) – د. موريس تاوضروس

تحدثنا فى العدد السابق عن: البيئة الثقافية للقديس اكليمندس الأسكندرى، وأهم مؤلفاته فى مواجهة الفكر الغنوسى: 1ـ نصائح إلى اليونانيين. وسوف نتكلّم فى هذه العدد عن الكتابين الثانى والثالث: المربى، والمتفرقات.

 

2 ـ المربى PaidagwgÒj ويشمل ثلاثة كتب هى:

الكتاب الأول: ويتضمن الحديث عن:

+ وظيفة المربى، وأشار إلى أن المربى يقوم بمهمة عملية وليست مجرد تعليمية، وهدفه هو إصلاح النفوس وليس مجرد تعليمها، ويهدف إلى تدريبها على ممارسة الفضائل.

+ أشار إلى كيف يتعامل المسيح المربى مع الخطاة.

+ تحدث عن إنسانية المربى (محبة البشر).

+ قال إن الرجال والنساء جميعهم يخضعون لرعاية المربى.

+ أبان أن جميع الذين يسيرون حسب الحق هم أبناء الله.

+ تحدث عن المربى، من هو،وعلى ضرورة الالتزام باحترام تعاليمه.

+ ضد هؤلاء الذين يعتقدون أن ما هو عادل فهو ليس حسنًا.

+ اسلوب التعليم عند المربى.

+ إن الله نفسه، بنفس الكلمة، يضبط الخطية بالوعيد، ويخلّص البشر بالنصح.

+ إن الكلمة تُعلّم بواسطة الناموس والأنبياء.

+ إن المربى يتسم بالصراحة والرحمة التي للمحبة الأبوية.

الكتاب الثانى: ويتضمن الحديث عن:

+ الطعام

+ الشرب

+ الأوعية الثمينة

+ كيف نسلك في الأعياد

+ عن الكلام البذئ

+ توجيهات لمن يعيشون معًا

+ عن الدهون

+ في النوم

+ في الملابس

+ في الأحذية

+ ضد الإسراف المبتذل لاقتناء وسائل الزينة.

الكتاب الثالث: ويتحدث عن:

+ الجمال الحقيقي

+ تزيّين الجسد

+ ضد من يزيّنون أنفسهم

+ مع مَن يجب أن نجتمع

+ السلوك في الحمامات

+ المسيحى وحده هو الغنى

+التدبير (الاقتصاد) هو خير مؤونة للمسيحى.

+ المماثلة والمُثل هو جزء هام من التعليم الصحيح.

+ الحديث عن نظافة النفس والجسد معًا.

+ الرياضات المناسبة للصحة الجيدة.

+ نظرة مجملة للحياة المسيحية.

+ مناقشة بعض نصوص من الكتاب المقدس[1].

ويتضّمن كتاب المربى أنشودة للسيد المسيح كمعلّم يقول فيها:

” يا ملك القديسين

أنت مخضع الكل، كلمة الآب الأعلى، أمير الحكمة،

مشدّد الضعفاء، ومملوء بالفرح الدائم،

أنت مخلّص الجنس البشرى

يسوع الراعى. أنت الحرّاث والزارع وماسك الزمام

أنت الجناح السماوى لكل القطيع المقدس

أنت ضياء الناس الذين يُنْتشَلون من بحر الخطية

يا من تجذب الصيد المقدس من الأمواج المعادية، بموعد الحياة البهيج، فلنسبح معًا أغانى نقية وأناشيد مستمرة للمسيح الملك”.

إنه الجعالة المقدسة لقانون الحياة.

فلنرافق بنفس واحدة الابن العظيم.

المولودون من المسيح هم جوقة السلام.

فلنسبح معًا كشعب واعٍ لإله السلام[2].

 

3 ـ المتفرقات: ويتضمن ثمانية كتب، نقدم ملخصًا لكل منها.

الكتاب الأول[3]:

1 ـ مواجهة الغنوسية الإسكندرانية التي كانت ثمرة لنمو مشوش للأفلاطونية Pseudo – Platonism، على نحو ما أوضحنا سابقًا.

2ـ يتحدث عن بنتينوس ومدرسة الأسكندرية التي يرجع إنشاؤها إلى بداية العصر المسيحى، ويذكر إرسالية البابا ديمتريوس لبنتينوس إلى الهند حيث وجد نسخة من إنجيل متى باللغة العبرية وأحضرها معه، ومن ذلك يتبين أن المسيحية كانت قد انتشرت في الهند قبل ذهابه إليها، ويتحدث عن عظمة آباء الأسكندرية، ومعرفتهم لعلم الفلك وتحديدهم لزمن عيد الفصح، وكانت رئاسة بابا الأسكندرية تمتد إلى ليبيا والمدن الخمسة. وكانت هناك سلطة مماثلة وموازية لهذه السلطة، ولهم نفس الامتيازات، وذلك في روما وأنطاكية، حيث تتمتع السلطات الدينية بنفس الامتيازات.

3 ـ يتحدث عن التقليد فيقول: إن الرسل يميّزون بين نوعين من التقليد: تقليد اليهود الزائف وتقليدهم المسيحى الخاص، ويشير إلى الشواهد التالية:(2تي13:1ـ14، 2تي2:2، 1كو2:11، 2تس15:2، 6:3، 1كو8، 2:16) ومن بين هذه التقاليد المسيحية يذكر:

أ ـ صحة وقانونية الكتب المقدسة التي كتبها الرسل.

ب ـ العبارات الليتورجية.

ج ـ التنظيمات الخاصة بالاحتفال بالعشاء الربانى وبالمعمودية.

د ـ عيد الفصح المسيحى ويوم الرب الأسبوعى.

هـ ـ الموقف من السبت اليهودى والعبادة اليهودية أثناء وجود الهيكل.

و ـ قبلة المحبة ومسائل أخرى تتصل بالعبادة الجمهورية.

ز ـ الأغابى والتنظيمات الخاصة بالأرامل وهكذا.

وكان الاحتفال بالعشاء الربانى يتم بعد انصراف الموعوظين،ويشترك الحاضرون في تناول جسد الرب ودمه.

4ـ يتحدث عن التعليم فيشير إلى أن المسيحيين جميعهم كانوا يتلقون كل ما هو ضرورى للخلاص، ويدرسون الكتاب المقدس كله ويقفون على التقاليد الرسولية. على أنه في حضور الوثنيين، كان المسيحيون يتذكرون كلمات الرب يسوع أن لا نلقى الدرر للكلاب، كما فعل بولس الرسول، فإنه عندما وقف أمام الملك أغريباس فإنه كان يشرح له طريق الرب بطريقة عملية وبالنسبة للمسيحيين البسطاء فإنه يقدم لهم اللبن طعامًا خفيفًا، أما بالنسبة للناضجين روحيًا فإنه يقدّم لهم لحم كلمة الله ويفرق بين هؤلاء الذين فقط يتذوقون كلمة الله، وبين الغنوسيين المسيحيين الحقيقيين الذين يطلبون المعرفة الكاملة عن المسيح، ويجب أن يحتفظ بهذين المستويين من التعليم، فسواء أطفال مدارس الأحد أو الذين يدرسون بالكلية اللاهوتية، فهؤلاء وأولئك يأخذون نفس الحقائق المسيحية ولكن مع مراعاة هذين المستويين.

5 ـ وعن التبرير: إن اكليمندس لا يتصور إمكانية حصول التبرير بدون استحقاق المسيح. ولكن بالطبع فإن كلمة التبرير لا تُناقش في المفهوم اللاهوتى الذي تُناقش فيه اليوم بين الأرثوذكسية والبروتستانت. ولقد كان يرى أن الناموس كان يمهد اليهود للإيمان بالمسيح كما كانت أيضًا الفلسفة اليونانية تمهد الوثنيين للإيمان بالمسيح.

6ـ بالنسبة للفلسفة: هو يعتبرها من الله وإن كانت ليست بطريق مباشر. ولكن من ناحية أخرى يشير إلى أن الكتب المقدسة هى أسبق وأكثر حقيقة من الكتب الفلسفية.

7ـ ويتحدث عن فيض الروح، ويرى اكليمندس أن أى عمل صحيح يجب أن يتم خلال محبة الله كما يرى أن كل عمل يصدر عن وثنى هو شرير، لأنه لا يكفي أن يكون العمل سليمًا، ولكن أيضًا إن موضوع العمل وغايته يجب أن يكون سليمًا.

8ـ يتحدث أيضًا عن تعاطف الله مع الفقراء والبائسين ومع الطفولة ومع جهل الناس، كما يتحدث عن الإيمان باعتباره هو بذرة الخردل.

9ـ يشير إلى أن التعاليم المسيحية ليس فيها ما يمكن إخفاؤه عن الذين لهم آذان للسمع، فليس بشئ يمنع إلاّ عن الخنازير التي تنكر اللآلئ التي تكون لدى الغنوسى المسيحى الحقيقي. وهذا هو نفس المبدأ الرحيم الذي استعمله السيد المسيح مع بيلاطس فظل صامتًا، وكذلك انصرف عن المدن التي لم تكن مؤهلة لقبول رسالته.

10 ـ إنهم حصلوا على بعض “الحكمة” كحافز طبيعى من الله، فهم نالوا من الله أجزاءً صغيرة من الحق ـ وليس معرفة كاملة ـ وادعوا أن ما نالوه هو تعاليمهم الخاصة، واكتشفوا بعض أمور أخرى، إذ ربما يكون عندهم “روح حكمة” (انظر خر3:28).

 

الكتاب الثانى

1ـ يشير إلى جماعة اليونانيين الذين جاءوا إلى فيلبس (يو23:12ـ26) وطلبوا أن يروا يسوع كجزء من تاريخ بشارة الإنجيل وهكذا دعى اليونانيين ليشاركوا في انتشاره. ويبدو هنا اكليمندس أنه الإنسان الذي يؤمن بتدبير الله وعنايته، والذي يعطى معنى كبيرًا لبذرة الإيمان التي تنمو في العالم الوثنى.

2ـ ويعود أيضًا للحديث عن الفلسفة باعتبارها تمهيد للإيمان بالمسيح. وعلى العموم فإن نظرة اكليمندس إلى الفلسفة كما وردت في كل كتاباته يمكن أن تلخص في الآتى: “قبل مجيء الرب كانت الفلسفة ضرورية لليونان كى يمارسوا العدالة، وهى الآن مفيدة للتقوى، وهى تمهيد ضرورى للذين يأتون إلى الإيمان عن طريق الاستدلال. إن الله مصدر كل حقيقة ولكن من الحقائق ما يصدر عنه بصفة أولية مثل حقائق العهد القديم والعهد الجديد؛ ومنها ما يصدر عنه بصفة ثانوية مثل الحقائق الفلسفية، التي وإن كانت تصدر عن الله، ولكنها تتحقق من خلال موسى وكنيسة العهد القديم. إن الفلسفة هى “كعهد” لليونانيين[4]، وتمهيدًا للإيمان المسيحى”.

هذا نص جامع لمزايا الفلسفة. وكان اكليمندس يتوخى أغراضًا عدة من استعمال الفلسفة في الدين: كان يريد أن يبيّن للوثنيين أن عقيدة المسيح لا تقل شأنًا عن أى علم إنسانى، وكان يريد أن يدحض الغنوسيين. ولم يكن ذلك ليتسنى له بغير مقارنة فلسفتهم الباطلة بالفلسفة الحقة. وكان يرى أن واجب المسيحى المثقف نحو نفسه يقضى عليه بالتفقه في الدين ـ وأن الفلسفة خير أداة لتحقيق هذه الغاية.

وفي بيان هذه النقطة الأخيرة يذهب إلى نوع من الغنوسية لا بأس منه على العقيدة تغاير الغنوسية المنحرفة التي علّم بها الغنوسيون الأسكندريون. فقد كان طلاب مدرسة الأسكندرية يقسمون إلى طائفتين: السذّج والكُمّل، وكان هؤلاء يغالون في التعالى على العامة ويقولون بوحى شخصى يفيض على المسيحى العارف بحقائق الإيمان. هذه الحقائق غير مكتسبة بالنظر العقلي وممتنعة على العامة. غير أن اكليمندس كان يصحح هذه النزعة باعترافه أن الفلسفة ليست ضرورية للإيمان، وأن المرء يصير مسيحيًا كاملاً حال نواله المعمودية، وأن الإيمان الأول لا يختلف فى ماهيته عن كماله وتمامه. فنحن هنا إزاء غنوسية حريصة على الاستمساك بالسنَّة والطاعة للكنيسة”.

” والفلسفة في نظر اكليمندس ليست كل ما قال فلاسفة اليونان، ولكنها كل ما قيل من حق في أى مذهب كان. والأفلاطونية عنده خير المذاهب.

وأفلاطون هو “صديق الحقيقة الملهم من الله أو الذي يكاد يكون ملهمًا “. ويقصد أفلاطون صاحب تلك الآراء المتفقة مع المسيحية والتي يصطنعها هو بالفعل، وهو ينقل عنه نصوصًا مُطّولة، ومصدره الأكبر كتب فيلون.

ثم هو يفيد مما وجد عند الرواقيين من تحليل دقيق للفضائل والرذائل، وينبذ سائر آرائهم. أما أرسطو فلم يعرفه إلاّ بالوساطة، وهذه الوساطة كانت سيئة نقلت إليه أن أرسطو فيلسوف طبيعى يجعل من الله والعالم كيانًا واحدًا، ويقصر العناية الإلهية على العالم العلوى، فيلزم أن العناية شاملة للعالم أجمع. وقد أخذ عليه أيضًا رأيه بأن خيرات الجسم والخيرات الخارجية حتمية لتمام السعادة. وقال إنه مدين لأستاذه أفلاطون بأحسن أفكاره.

أما أبيقور فهو أمير المادية والإلحاد، مؤله اللذة لا يستحق غير الازدراء. وكذلك المذاهب الفلسفية التي سبقت سقراط، فإنها فلسفة مشوهة فاسدة. وهكذا كان مجال تخيره مقصورًا على الأفلاطونية والرواقية”[5].

3ـ ويقول اكليمندس إن الغنوسيين رفضوا الرسالتين المرسلتين إلى تيموثاوس، على الأخص بسبب نص (1تي20:6) “ يا تيموثاوس احفظ الوريقة معرضًا عن الكلام الباطل الدنس ومخالفات العلم الكاذب الاسم“. وقد نسب هذا الرفض للغنوسى باسيليدس الذي قيل إنه رفض الرسائل الرعوية والرسالة إلى العبرانيين. وهكذا كان اكليمندس يواجه هذه الأفكار المنحرفة ويرد عليها ليثبت الإيمان، وكان لابد له أن يقابل الوثنيين على نفس أرضهم ويحاججهم بنفس منهج تفكيرهم، ويتيح للمؤمنين أن يحاربوا بأسلحة الإيمان، وهكذا كان يعرف ما يجب أن يتسلّح به الدارسون في مدرسة الأسكندرية من أسلحة. ولقد كان لاكليمندس في هذا أثره فيمن جاءوا بعده من المعلّمين.

 

الكتاب الثالث

1ـ في هذا الكتاب يعرض اكليمندس لآراء أتباع باسيليدس الغنوسى ولآراء آخرين ممن أفسدوا تعاليم المسيح.

2ـ أشار إلى الفهم الخاطئ لمفهوم المحبة مبينًا أن المحبة الأصيلة ترجع إلى تعاليم الرسل (انظر 2بط13:2، يه12، 1كو21:11).

3ـ يشير إلى تعاليم الماركونيين الذين نبذوا الزواج لأنهم كانوا يعتبرون أن العالم المادى شر فى ذاته.

4ـ يشير إلى أن النيقولاويين قد أساءوا استخدام اسم نيقولاوس وكلماته. ويشير بوجه عام إلى تعاليم الغنوسيين الذين يسمون أنفسهم خطأ بالغنوسيين، وهو يُجرم الغنوسيين بأدلة وبراهين عقلية ونقلية ويدين أيضًا حذفهم لبعض أجزاء من الكتب المقدسة.

5 ـ وفى مقاومته للهرطقات، صنفهم تحت هاتين الفئتين:

أ ـ الذين يدعون إلى حياة طائشة.

ب ـ الذين لا يلتزمون بحياة التقوى.

6ـ وبالنسبة لهذه الفئة الثانية من الهراطقة، كان يلوم الذين يحتقرون شريعة الله، الذين يفتخرون بالعفة الكاذبة ويحتقرون الزواج المقدس وتكوين أسرة، ويعتمدون على بعض أقوال أبوكريفية. وكان هناك من الغنوسيين من يفتخر أنه يتمثل بالمسيح فى النظرة إلى الزواج على أنه من عمل الشيطان، ويقول إن السيد المسيح خطب الكنيسة كعروس له.

7ـ يبنى اكليمندس تعاليمه، ليس فقط على تعاليم الرسل وإيليا وصموئيل والسيد المسيح نفسه، ولكنه يتخذ من حياة الرسل أمثلة لتعاليمه فيشير إلى بطرس المتزوج، وكذلك فيلبس الشماس وبناته المتزوجات.

8ـ يتحدث عن سمو العفة المسيحية ويعلو بها عن ضبط النفس الذى يمتدحه الرواقيون وغيرهم من الفلاسفة. إن الله وحده هو فقط الذى يمكّن الإنسان من ممارسة العفة الأصيلة التى لا تدخل فقط فى منازعة مع الشهوات الفاسدة، بل تستأصلها.

9ـ يناقش أحيانًا بعض المفاهيم الخاطئة عند الغنوسيين فى مفهومهم لبعض الآيات الكتابية.

10ـ بالنسبة لكتب أبوكريفا العهد الجديد، مثل إنجيل العبرانيين وإنجيل المصريين، فإن الباحثين يؤكدون أنه لم يطّلع عليها ولم يقتبس منها، فهو مثلاً لم يعرف العبرية حتى يمكن أن يُقال إنه قرأ إنجيل العبرانيين، وما يقتبسه من المرجح أنه لم يأخذه مباشرة من أصل هذا الإنجيل. ويعلق أحد الباحثين فيقول: إذا كان اكليمندس وهو المشهور بسعة اطلاعه ووقوفه على الكثير من الكتب، لم يعرف كتب الأبوكريفا، فبالأولى فإن هذه الكتب لم تلق اهتمامًا كبيرًا عند عموم المسيحيين.

11 ـ وفى براعة وحذق يطبق اكليمندس قول السيد المسيح ” إن اجتمع اثنان أو ثلاثة أكون فى وسطهم” يطبقه على الأسرة المسيحية: الزوج والزوجة والأولاد. فالأسرة المسيحية تنعم بهذا الوعد، وتمثل ” الكنيسة التى فى البيت“. هناك الصلاة العائلية، الصلاة قبل الأكل وبعده، التراتيل الروحية. إن إشعال المصابيح فى المساء والصلاة عند وقت النوم، هذه كلها مظاهر لتحقيق وعد الله بأنه يكون مع الاثنين أو الثلاثة الذين يجتمعون باسمه.

12ـ يشرح المفهوم العام للزواج، ويخلّص الزواج من التفسير الهرطوقى الخاطئ لقول موسى النبى: ” كونوا مستعدين لليوم الثالث لا تقربوا امرأة” (خر15:19). ويشير إلى قول الرسول بولس: ” لذلك اخرجوا من وسطهم واعتزلوا يقول الرب ولا تمسوا نجسًا فأقبلكم” (2كو17:6)، ويقول إن هذا القول دعوة للمسيحى حتى يبتعد عن ادناس الوثنيين وعن تعاليم الهراطقة الذين يسيئون فهم كلمة الله، ويؤكد طهارة الزواج ونقاء الحياة الزوجية مشيرًا إلى 1كو3:7ـ5: ” ليوف الرجل المرأة حقها الواجب وكذلك المرأة أيضًا الرجل. ليس للمرأة تسلط على جسدها بل للرجل، كذلك الرجل ليس له تسلط على جسده بل للمرأة. لا يسلب أحدكم الاخر إلاّ أن يكون على موافقة إلى حين لكى تتفرغوا للصوم والصلاة ثم تجتمعوا أيضًا معًا لكى لا يجربكم الشيطان لسبب عدم نزاهتكم“.

13 ـ يشجب الزواج للمرة الثانية.

14 ـ يرفض فكرة أفلاطون عن الوجود السابق للنفس البشرية.

15 ـ رفض ما يقول به الغنوسيون من أن المسيح جاء فى جسد خيالى.

16ـ يكرر القول ضد الغنوسيين الذين يعتقدون فى أنفسهم المعرفة الحقيقية ويسمون أنفسهم ” الغنوسيون الحقيقيون”، بينما هم فى حقيقة الأمر أعداء الحقيقة.

 

الكتاب الرابع:

+ يشبِّه اكليمندس كتابه “المتفرقات” بالحقل الملئ بأنواع النباتات المختلفة ويمكن للإنسان إذا فتش أن يجد كل ما يطلبه (2:4).

+ يشير اكليمندس أن البعض كان يطلب الاستشهاد حتى أنه يقوم بأعمال تدفع للقبض عليه، على أن اكليمندس انتقد هذا النوع من الاستشهاد واعتبر أن الذى يطلب مثل هذا الاستشهاد فيسعى لترك الحياة ليس هو شهيد، بل هو يكره الخالق ” وكان اكليمندس يؤمن بأن الاستشهاد الصحيح هو الذى يتحمله الإنسان عندما لا يكون هناك مفر منه فى نهاية حياة كُرّست بتمامها لمحبة الله، فالمحبة لله تتطلب الألم، وفى نفس الوقت تتطلب حفظ وصاياه وتفهمها. ولهذا فالاستشهاد عند اكليمندس هو عمل يومى يتضّمن الكلمات والحياة والسلوك؛ كل الإنسان”، ومن السهل تمامًا ـ كما يعلق على ذلك دكتور لورمى (فى كتابه تاريخ الكنيسة ـ الجزء الثانى) ـ أن ندرك أن هذه الكلمات كانت هى البذار الذى أنتج حياة الزهد والحركة الرهبانية، التى أُطلق عليها ” الاستشهاد الأبيض”[6]. ولقد لَقب اكليمندس الغنوسى الحقيقى الذى يعيش فى شركة مع الله، “شهيدًا” (12:4). (يتبع)

[1] The Ante – Nicene Fathers, vol. 7, CL. Alex. The Instructor.

[2] د. كرافت: المرجع السابق ص42ـ43.

[3] The Ante – Nicene Fathers, Clem. Alex vol. 7 , Stromata Elucidations, P. 342 … etc..

[4] يقصد اكليمندس أنه كما أعطى الله عهدًا للعبرانيين هو العهد القديم، فإنه تعامل بطريقة ما مع اليونانيين قبل المسيح بواسطة بعض الإنارة للفلاسفة اليونانيين مما يمكن أن يُعتبر تمهيدًا للإيمان المسيحى.

[5] يوسف كرم: نفس المرجع ص 271ـ272.

[6] ص 55.

اكليمندس الأسكندرى (2) (150 ـ 215م) – د. موريس تاوضروس 

الباترولوجي والكتاب المقدس

الباترولوجي والكتاب المقدس

الباترولوجي والكتاب المقدس

لكتابات الآباء في تفسير الكتاب المقدس أهمية خاصة ولاسيما في توضيح العقيدة الكتابيّة السليمة، وطريقة تعاملهم مع الفصل الكتابيّ باعتباره وحدة واحدة لا تتجزأ، فلا يمكن فهم آية أو فصل كتابيّ منفصلاً عن باقي الكتاب المقدس كعادة الهراطقة، فالتفسير الصحيح للكتاب المقدس مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة السليمة.

كذلك نجد ارتباطاً بين الكتاب المقدس وحياة الآباء، الذين عاشوا الإنجيل في صلواتهم وتسابيحهم وليتورجايتهم كحياة، وليس كطقس جاف، حسب قول معلمنا بولس الرسول: “فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيِل الْمَسِيحِ” (في 27:1)..

كما أنهم لم يتعاملوا مع الإنجيل ككتاب فلسفة أو كتاب أدبيّ لكنهم عاشوه روحاً وحياة، لقد حفظوا الوصية “إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فِاحْفَظُوا وَصَايَايَ” (يو 15:14)، لكن الحفظ لم يكن فقط عن ظهر قلب ولكنهم حفظوها وعملوا بها، وهذا ما لم يستطعُ الشاب الغنيّ صنعه، فما أن قال السيد المسيح “يَعُوزُكَ أَيْضاً شَيْءٌ. بعْ كُلَّ مَا لَكَ وَوَزِّعْ عَلَى الْفُقَرَاء فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي الْسَمَّاءِ وَتَعَاْلَ اتْبَعْنِي” (لو 22:28) إلاّ وقد مضى حزيناً لأنه حفط الوصية نظرياً وليس عملياً.

مكانة الكتاب المقدس عند الآباء:

الكتاب المقدس هو صوت الله:

الكتاب المقدس كَتَبه أُناس الله القديسين بوحي من الروح القدس الذي دفعهم وحثهم على الكتابة، ألهمهم بالموضوع وعَصمَهم من الخطأ، فيقول معلمنا بولس الرسول: “كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحي بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعلِيمِ والتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ” (2تي 16:3)، فيقول بابياس ” إن الكلمة المكتوبة حَلّتْ محل صوت الآباء” كما يقول القديس إيريناؤس “إن الكتب المقدسة كاملة، إذ هي صادرة من الله وروحه، حتى وإن عجزنا عن إدراك أسرارها”.

كذلك يقول القديس أثناسيوس الرسوليّ: “في كلمات الكتاب الرب هناك”، كما يعطي الطريقة الصحيحة لفهم أقوال الله وهي الأعمال الصالحة وتهيئة الذهن وتنقيته، لذلك يقول “إن دراسة الكتب المقدسة ومعرفتها معرفة حقيقية تتطلبان حياة صالحة ونَفْساً طاهرة وحياة الفضيلة التي بالمسيح، ذلك لكي يستطيع الذهن باسترشاده بها أن يصل إلى ما يتمناه، وأن يدرك بقدر استطاعة الطبيعة البشرية ما يختص بالله الكلمة”[1].

يقول العلاَّمة أوريجانوس: “بالنعمة الإلهيّة ينصح الله سامعيه، سواء عن طريق الكتاب المقدس كله أو عن طريق المعلمين”[2].

يقول القديس يوحنا ذهبيّ الفم” “في الكتب المقدسة لن نتردد مثقال ذرة أو نقطة، إنما يلزمنا أن نبحث كل شيء، فأن الروح القدس الذي نطق بالكل، وليس شيء من المكتوب جاء بغير فائدة”[3].

ويقول القديس أثناسيوس الرسوليّ: “أن تعليم الحق يكون أدق ما يمكن حينما نستمده من الكتاب المقدس وليس من مصادر أخرى”[4].

يقول القديس أمبروسيوس: “بأننا نكلّم الله حينما نصلي، وهو يكلمنا عندما نقرأ الكتاب المقدس، نكلمه في صلاتنا، ونستمع إليه عندما نطالع أقوال الله”[5].

ضرورة قراءة الكتب المقدسة:

حياة الآباء وكتاباتهم كانت إنجيلاً معاشاً، فكل – أب  لكونه عضواً في جسد المسيح – عاش الإنجيل واهتم به، حيث كان يسبق قداس المؤمنين قراءات من الأنبياء والرسل والمسيح “الأناجيل”، ثم الإفخارستيا وذلك ماوصفه يوستين الشهيد في القرن الثاني الميلاديّ[6].

يقول القديس بوليكاربوس أسقف أزمير في رسالته إلى فيليبي: “إنني واثق بأنكم درستم جيداً الكتب المقدسة ولذلك لا يُخفَى عليكم شيء” (فيلبي12). يَتضح لنا من خلال أقواله، أن الشعب على درايةِ تامةِ بالأسفارِ المقدسةِ، وأن الكتابَ المقدسَ هو مَنبعُ المعرفةِ الحقيقيةِ حيث يفترض الآباء عند عظاتهم حفظ الشعب لقطع كبيرة من الكتاب المقدس..

كذلك نجد القديس أيرونيموس يطالب الأطفال بحفظ المزامير وحفظ قطع من الكتاب المقدس[7]،  كما نجد القديس يوحنا ذهبيّ الفم يوبخ شعبه على عدم اكتراثهم بالكتاب المقدس قائلاً: “أخبروني، إن سألتُ أحد الحاضرين أن يتلو مزموراً واحداً أو جزءاً من الكتب المقدسة عن ظهر قلب، هل أجد مَن يقدر؟ لا أجد..”[8].

جاء في حديث يوستينوس الشهيد مع تريفو الثاني على لسان تريفو: “إنني واعٍ إلى تعاليمك الأخلاقيّة فيما يُسمَّى بالإنجيل، فهي رائعة وعظيمة جداً، إنني أظن أنه لا أحد يستطيع اتباعها، ولكنني قرأتُها بعناية”[9].

القديس أكْلِمَنْضُس السكندريّ يتحدث عن قراءة الإنجيل يومياً قبل الوجبة الرئيسية، كما طالب الزوجين أن يدرساه معاً كل يوم.

يقول العلاّمة أوريجانوس في ختام عظته الثانية على سفر إرميا: “فلنجمع على قدر ما نستطيع كلمات الكتاب المقدس ولنضعها بأمانة في قلوبنا، ولنحاول أن نطبقها في حياتنا حتى نكون أطهار قبل موعد رحيلنا، فإذا ما أعددنا أعمالنا بما يتناسب مع هذا الرحيل، فسوف نكون مستحقين أن نُحسب مع الأبرار[10]

 ونستحق الخلاص بالمسيح يسوع الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين”[11]، وفي العظة الرابعة على نفس السفر يقول: “إن التوبة الحقيقية إذاً هي أن نقرأ الكتب القديمة (أي كتب العهد القديم)، ونعرف مَنْ هم الأبرار ونتمثل بهم، ونعرف مَن هم الخُطاة ونتحاشى السقوط في أخطائهم، أن نقرأ كتب العهد الجديد وكلام الرسل وبعد القراءة نكتب ما قرأناه في قلوبنا ونطبقه في حياتنا حتى لا يُعطَى لنا نحن أيضاً كتاب طلاق، ولكن حتى نستطيع أن نبلغ إلى الميراث السماويّ”[12]

 أي أن الكتاب المقدس هو جوهر ونبراس حياتنا وقائدنا في استحقاقات الخلاص.

يقول القديس أثناسيوس الرسوليّ في رسالته لصديقه مرسلينوس: “عرفت من حامل الرسالة أنك تصرف وقتك في قراءة الكتاب المقدس كله ولا سيما سفر المزامير. وإني أمتدحتك لإني أنا أيضاً مثلك أجد لذَّتي العُظمى في قراءة المزامير بل والكتاب كله أيضاً”[13].

يقول القديس باسيليوس الكبير في رسالة إلى صديقه إيويتاثيوس في سباستيا: “أول كل شيء فعلتهُ لأُصلح مساري القديم في الحَيَاة هو: إنني أختلط بالفقراء، وأمكث أقرأ في الكتاب المقدس”[14].

كذلك ينصح القديس جيروم المؤمنين: “بعودتهم المتواترة إلى قراءة الكتب المقدسة، لأنه يجهل المسيح مَنْ يجهل هذه الكتب”[15].

ويتكلم القديس مقاريوس المصريّ في (العظة46) عن الذين يسمعون ولا يعملون فيقول: “إن الإنسان العالميّ الذي تملكته الرغبات الجسدية إذا حدث أن سمع كلمة فأنه يختنق ويصير كمَن لا عقل له، وذلك لأنه اعتاد على خداعات الخطية”، ويقول أيضاً في (العظة39) عن الذين يسمعون ولا يعملون بالكلمة “كما أن الملك يكتب رسائل لأولئك الذين يشاء أن ينعم عليهم بعطايا ومواهب خصوصية، ويقول لهم بادروا بالمجيء إليّ سريعاً لتنالوا مني الهبات الملوكية..

فإذا لم يذهبوا ويأخذوها فإن مجرد قراءة الرسائل لا تفيدهم شيئاً، بل بالعكس يكونون مُعَرّضين للموت لأنهم رفضوا أن يأتوا لينالوا الكرامات من يد الملك، هكذا الله الملك الحقيقيّ قد أرسل الكتب المقدسة منه للبشر، وهو يُعلن عن طريقها للناس أنهم ينبغي أن يأتوا إلى الله ويدعوه بإيمان ويسألوا ويأخذوا الموهبة السماوية من اللاهوت نفسه، ولكن أن لم يأتِ الإنسان ويسأل وينل، فإنه لا يستفيد شيئاً من قراءة الكتاب، بل بالأحرى يكون في خطر الموت، لأنه لم يرِدْ أن يأخذ عطية الملك السماويّ، التي بدونها لا يمكن الحصول على الحَيَاة الأبدية”..

وهذا ما عبر عنه القديس إيلاري قائلاً: “أن الكتاب المقدس ليس بقراءته بل بفهمه”[16]، كرَّر هذا القول أيضاً القديس جيروم[17]، كما يقول القديس أغسطينوس أيضاً عن الوعاظ الذين لا يعملون بكلمة الله: “واعظاً باطلاً في الخارج لكلمة الله مُن لا يُصغي لها في الداخل”[18].

من الأمور الهامة التي أهلّتْ البابا بطرس خاتم الشهداء (قبل أن يجلس على كرسيّ مارِمرقس) لرئاسة مدرسة الإسكندرية، أنه عرف كيف ينسحب من حين لآَخر عن العمل الكهنوتيّ للدراسة في الكتاب المقدس، حتى تأهل أن يكون مديراً لمدرسة الإسكندرية اللاهوتيّة[19]، كما استحق لقب “المعلّم البارع في المسيحية”[20].

يقول يوحنا الدمشقيّ:

“يحسن ويفيد جداً البحث في الكتب الإلهيّة، فمثل الشجرة المغروسة على مجاري المياه، النفس المرتوية من الكتاب الإلهيّ، فتتغذى وتأتي بثمر ناضج، أعني الإيمان المستقيم، وتزهو بأوراقها الدائمة الاخضرار، أعني بها أعمالها المرضية لله، ونحن إذا سرنا على نور الكتاب المقدس نخطو في طريق السيرة الفاضلة والاستنارة الصافية، فنجد فيها مدعاةً لكل فضيلة ونفورا من كل رذيلة … فلنقرع باب الكتب المقدسة، الفردوس الأبهى الذكيّ الرائحة، الفائق العذوبة الجزيل الجمال، والمُطرب آذاننا بمختلف أنغام طيوره العقلية اللابسة الله، النافذ إلى قلبنا فيعزيه في حزنه ويريحه في غضبه ويملأه فرحاً لا يزول”[21].

ينصح القديس كيرلس عمود الدين بقراءة كتب تفسيرية مُعينة فيقول: “أعتقد أن الذين يدرسون الأسفار المقدسة، يمكنهم الإستعانة بكل الكتابات الأمينة والصالحة الخالية من الأخطاء، وهكذا يجمعون أفكار الكثيرين في وحدة واحدة لخدمة الرؤيا وإدراك الحق، هؤلاء يرتفعون إلى مستوى جيد من المعرفة ويتشبهون بالنحلة أو المرأة الحكيمة النشيطة التي تجمع شهد العسل الذي للروح القدس”[22]، كذلك يُوصي بأن تستمر الكنيسة في تفسير الكتب المقدسة، فيقول “على المرء أن يفسر الكتب المقدسة حتى ولو سبقه آخَرونَ”[23].

اقتبس الآباء كثيراً من الكتاب المقدس ولا سيِمّا العهد الجديد، أمثال القديس أكْلِمَنْضُس الرومانيّ والقديس بوليكاربوس أسقف أزمير والقديس أغناطيوس الأنطاكيّ وهرماس صاحب كتاب الراعي، لدرجة أن قال ج. هارولد جرينلي: “إن هذه الاقتباسات واسعة جداً لدرجة أن العهد الجديد يمكن إعادة تكوينه منها دون استخدام مخطوطاته”[24]، فلو فرض أن ضاع أحد أسفار الكتاب المقدس لأمكننا أن نعيد كتابته من الاقتباسات الكثيرة الواردة في كتابات الآباء الأولين.

فاعلية كلمة الله في حياتنا:

كلمة الله لها فاعلية في حياتنا فيقول الله: “هَكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. لاَ تَرْجِعُ إِلَيَّ فَارِغَةً بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ وَتَنْجَحُ فِي مَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ” (إش 11:55)، فهي تقدس النفس وتُنقيها “أَنْتُمُ الآنَ أَنْقِيَاءُ لِسَبَبِ الْكلاَمِ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ” (يو 3:15)، فمن الفروق الهامة بين الفلسفة الأخلاقيّة وتعاليم ووصايا المسيحيّة، أن الفلسفة الأخلاقيّة تقف عند حد النصيحة مع توضيح إيجابيات الفضيلة، وسلبيات الرزيلة، بينما وصايا الإنجيل مُعَضّدة بقوة إلهية، فيقول معلمنا القديس بولس الرسول: “لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالِةٌ وَأَمْضَى مِنْ كلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَق النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ” (عب 12:4)، كذلك نصلي في ليتورجية المعمودية قائلين: “أيها السيد يسوع المسيح، الذي طأطأ السموات ونزل إلى الأرض، الذي يُحطم كلامه الصخور أكثر من السيوف..”[25].

كما نجد أن القديس أكْلِمَنْضُس السكندريّ يتناول دور الكتاب المقدس وفاعليته كمصدر تعليم وتدريب في حياتنا قائلاً: “مُقدَسةٌ هي هذه الكتب التي تُقَدِس …ليس إنسان هكذا يتأثر بنصائح أيّ قديس من القديسين كما يتأثر بكلمات الرب نفسه محب البشر، لأن هذا هو عمله الوحيد خلاص الإنسان، لهذا يحثهم على الخلاص ويفرح …الإيمان يقودك فيه، والتقليد يعلمك، والكتاب المقدس يُدرِبك”[26].

كذلك من خلال عظات القديس يوحنا ذهبيّ الفم يوضح أن الإنجيل كالنسيج الذي يتخلل كل تفاصيل الحَيَاة، ففي إحدى عظاته عن الكتاب المقدس يقول: “لقد سمعتم الصوت الرسوليّ أن بوق السماء هو قيثارة الروح، نعم إن قراءة الكتاب المقدس هي روضة.. هي فردوس لا يقدم زهوراً عطرة فقط بل وثماراً تقدر أن تقوت النفس، نحن نشبه أناساً يصهرون ذهباً مستخرجاً من المناجم لا بإلقائه في فرن، بل إيداعه في أذهانهم، لا بإشعال نار أرضية بل بالتهاب الروح”[27]

 ويقول أيضاً: “طوبى للرجل الذي في ناموس الرب مسرته، وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً، لأن مَن يجلس قرب ينبوع الكتاب المقدس مرتوياً من مياهه على الدوام يتقبل في نفسه ندى الروح القدس”، كما يُشبّه الكتاب المقدس بالأنهار التي لا نعرف أعماقها، فيقول: “يكفينا أن نميل ونشرب منها ونرتوي ونبحر فيها عوض أن نُفسد أذهاننا في قياس أعماقها بينما نحن نموت ظمأً”[28].

كذلك يقول أيضاً “كلمة واحدة من الكُتب الإلهيّة هي أكثر فاعلية من النار! إنها تُلَيّن النفس وتُهيئها لكل عمل صالح”[29]، كما يقول أيضاً “معرفة الكتب المقدسة تُقوي الروح، وتنقي الضمير وتنزع الشهوات الطاغية، وتعمق الفضيلة، وتتسامى بالعقل، وتُعطي قدرة لمواجهة المفاجآت غير المنتظرة، وتحمي من ضربات الشيطان، وتنقلنا إلى السماء عَيْنِها، وتحرر الإنسان من الجسد، وتهبه أجنحة للطيران”[30].

القديس باسيليوس الكبير يصف الكتاب المقدس بالمرشد الحقيقيّ، فيقول: “إن أفضل مرشد إلى الطريق الصحيح تستطيع أن تجده، هو دراسة الكتاب المقدس بجدية، وفيه نجد الأساس الذي يبني حياتنا، ففيه حياة الشخصيات العظيمة التي عاشت مع الله، وهي تشجعنا للاقتداء بها”[31].

يقول القديس أُغسطينوس: “ومن أجل ذلك يجب أن نخضع، وأن نقبل سلطان الكتب المقدسة التي لا يمكن أن تخدع أو تُخدّع، يُخبرنا بوسيدوس – تلميذ القديس أُغسطينوس الذي دوّن سيرته – أن القديس أُغسطينوس كَتَبَ مزامير التوبة وثبتها أمامه على الجدار وكان يقرأها والدموع تنحدر بغزارة من عينيه”[32].

يقول القديس ثيئوفيلس (القرن الثاني): “وصوت الإنجيل مازال يٌعلّم بإلحاح فيما يتعلق بالطهارة قائلاً: ” وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةِ لِيَشْتهِيَهَا فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ”[33].

لأهمية الكتاب المقدس، قام الآباء بترجمات الكتاب المقدس للاتينية وللسريانية وللقبطية التي قام بها بنتيوس في منتصف القرن الثاني، كما تزيد عدد النسخ المخطوطة للعهد الجديد عن أربعة آلاف نسخة وهي أكثر من أيّ كتاب في العالم.

ظهرتْ كتبٌ الأناجيل والرسائل لبابيوس، أكْلِمنْضُس السكندريّ، أوريجانوس، القديس ديديموس الضرير، القديس باسيليوس الكبير، القديس كيرلس عمود الدين والقديس يوحنا ذهبيّ الفم.

[1]  – تجسد الكلمة – ترجمة د. جوزيف موريس – 2003 – الفصل 57 – ص 167.

[2] – Contra Calsus 6:75.

[3] – In Joan. Hom. 36:1

[4]  – الدفاع عن قانون الإيمان النيقوي 32.

[5]  – “في واجبات الخدمة” 1: 20: 88: مجموعة آباء الكنيسة اللاتينية. 50:16.

[6]  – الدفاع الأول 6:3.

[7] – Epis 107.

[8] – In Mat, hom 2:9.

[9] – Dialogue of Justin with Trypho, Chap. X

[10]  – (مت 1:22).

[11]  – العلاّمة أوريجانوس – عظات على سفر إرميا – الناشر كنيسة مارجرجس باسبورتنج – الطبعة الأولى 2006 – ص 24.

[12]  – العلاّمة أوريجانوس – نفس المرجع السابق – ص 32.

[13]  الرسالة إلى مارسيليوس :1.

[14]  – الطريق إلى الفردوس – القديس باسيليوس الكبير – مترجم عن كتاب Gateway to Paradise  إصدار: أبناء البابا كيرلس 1996 ص9.

[15]  – تفسير إشعياء، التوطئة: مجموعة آباء الكنيسة اللاتينية. 17:24.

[16]  – إلى كونستانس 9،2 PL. 10,570  عن د.جوزيف موريس – الآباء والكتاب المقدس – مقدمة لكتاب شرح وتفسير آباء الكنيسة لأناجيل واحاد السنة التوتية . ص24.

[17]  – الحوار ضد لوكيفاروس، 28 ، مجموعة الآباء اللاتين مين 23، 190-19.

[18]  – القديس أغسطينوس: العظة 1:179  PL.38,966.

[19] – Jurgens: The Faith of the Early Fathers, 1970, p 259.Guettee: Histoire de I’Eglise, Paris et Bruxelles, 1886 t. II, p 228.

[20]  – إيريس حبيب المصريّ: قصة الكنيسة القبطية، ج 1، ص 118.

[21]  – المئة مقال في الإيمان الأرثوذكسيّ – المقالة 17:90 – ص1176-1180 ، عربه عن النص اليونانيّ الأرشمندريت أدريانوس شكور ق ب – ص 250.

[22]  – القديس كيرلس الكبير – شرح إنجيل يوحنا – ترجمة مركز دراسات الآباء يناير 1989 .ص 13 .

[23]  – تفسير سفر إشعياء PG. 71 .12A

[24] -Josh McDwell the New Evidence That Demands A Verdict 43

[25]  – صلوات الخدمات – مكتبة المحبة – صلوات جحد الشيطان – 2004 . ص32.

[26] – Exhortation to the Heathen عن القمص تادرس يعقوب ملطي – رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيوثاوس – ص 46  

[27]  – د. جوزيف موريس – أ. جورج عوض – الآباء والكتاب المقدس – دورية مركز دراسات الآباء يناير 1998.

[28]  – تفسير الرسالة الأولى إلى تيوثاوس عظة 80.

[29] – In matt. , hom 2:9.

[30]  – De Stud . paes P . G . 63:485 عن القمص تادرس يعقوب ملطي – رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيموثاوس ص 46.

[31]  – الطريق إلى الفردوس – القديس باسيليوس الكبير – مترجم عن كتاب Gateway to Paradise  مرجع سابق – ص9.

[32]  – نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص272.

[33] – Theophilus to Autolycus, Chap. XIII

الباترولوجي والكتاب المقدس

Exit mobile version