حقيقة وجود الله ج2 – القس إبراهيم القمص عازر PDF

حقيقة وجود الله ج2 – القس إبراهيم القمص عازر PDF

حقيقة وجود الله ج2 – القس إبراهيم القمص عازر PDF

حقيقة وجود الله ج2 – القس إبراهيم القمص عازر PDF

تحميل الكتاب PDF

كتب القس إبراهيم القمص عازر

الأدلة الدامغة على ضلال مدرسة الإلحاديين

الأدلة الدامغة على ضلال مدرسة الإلحاديين

الأدلة الدامغة على ضلال مدرسة الإلحاديين

 

6- ما هي الأدلة الدامغة على ضلال مدرسة الإلحاديّين؟

ج: كثيرة هي الأدلة الدامغة على ضلال الإلحاد ومدرسته، فالكون يشهد بوجود الله، وكذلك الإنسان في تكوينه، والمادة ليست أزلية، ووجود الحياة والموت والعقل والضمير والخيال والعواطف يكذّب أن الإنسان مجرد مجموعة مواد لا غير، وعدم إدراك الله بالحواس لا يعنى عدم وجوده، بل إن هناك شعورًا خفيًا بوجود الله، ووجود الله لا يلغى وجود ولا كرامة الإنسان، أما الكتاب المقدَّس فهو كتاب الله المُوحى به من أجل حياة أفضل للإنسان والذين يؤمنون به تؤيدهم السماء بالمعجزات. فهم أعظم شاهد عملي لوجود الله:

أ- الكون يشهد بوجود الله
ب- تكوين الإنسان يشهد بوجود الله
ج- المادة ليست أزلية
د- كيف تفسر الحياة والموت والعقل والضمير والخيال والغرائز والعواطف وما بعد الموت؟
ه- عدم إدراك الله بالحواس لا يعني عدم وجوده
و- الشعور الداخلى بوجود الله
ز- وجود الله لا يلغى وجود ولا كرامة الإنسان
ح- الكتاب المقدس
ط- وصايا الإنجيل
ى- صلابة الإيمان

أ- الكون يشهد بوجود الله:

لكل صنعة صانع، ولكل جبلة جابل، ولكل خلقة خالق، ولكل متحرّك مُحرّك، ولكل معلول علة، فمن هو خالق هذا الكون العجيب بهذه الدقة المتناهية؟ وقال أفلاطون “إن كل حادث له سبب أحدثه ولا يُعقَل حدوث شيء بلا سبب، ومن المعلوم بالضرورة أن العالم (المحسوس) حادث.. وكل ما هو محسوس يمكن إدراكه بواسطة الحواس فهو حادث ومصنوع، أما الذي أحدث هذا العالم فلابد أن يكون كائناَّ عالي العظمة فائق الَجبروت سامي الحكمة.. ذا قوة لا تضعف وإرادة مطلقة وحكمة لا تستقصى”(1)، وإن كان لكل متحرّك مُحرّك، فعند تتبع الحركة لن نصل إلى ما لا نهاية، إنما سنتوقف عند مُحرّك أو ثابت لا يحركه أحد، وهذا هو الله، وإن كان لكل معلول علة، فعند تتبع التسلسل لن نصل إلى ما لا نهاية، إنما سنتوقف عند العلة الأولى، والعلة الأولى هي الله.

وإن كان من المستحيل أن نجد عمارة ضخمة وليدة الصدفة، لأنه لا بد من وجود مهندس قام بالتصميم، وآخر قام بالإشراف على التنفيذ، مع عدد ليس بقليل من العمال المهرة ذوي التخصصات المختلفة قد قاموا بأعمال الأساسات، والخرسانات، والمباني، والكهرباء، والسباكة، والسيراميك، والنجارة، والطلاء، والديكورات، والتأثيث… إلخ.، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وأيضًا من المستحيل أن ترى طائرة تسبح في الهواء فنقول أنها وليدة الصدفة، وإن كنا من الممكن أن نتعرف على الفنان من خلال أعماله الفنية، فهكذا ندرك بسهولة ويسر وجود الله من خلال مخلوقاته، فالطبيعة الخلابة والكون الفسيح والفضاء الشاسع ونظامه العجيب في الربط بين الشموس والكواكب والنجوم، مع العدد الضخم من المجرات.. كل هذا ألا يخبرنا عن الله الخالق ضابط الكل..؟!! حقًا قال الكتاب لمن يعقلون وليس لمن طمس الشيطان بصيرتهم “السموات تحدث بمجد الله. والفلك يخبر بعمل يديه” (مز 19: 1). ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم “لو كان الله أعلمنا ذاته من خلال كتب وحروف فقط، لصار الذين يعرفونه هم المثقفون فقط، ولكنه أعلمنا ذاته من خلال الطبيعة أيضًا، ليعرفه الجميع”(2). وقال أحد الفلاسفة إن الكون هو كتاب اللاهوت الذي قرأه الفلاسفة فكان لهم إنجيلًا، وهو مرآة الله التي نظروا بها صورته الجميلة(31). ولذلك كان الآباء يُدرّسون علم الفلك في الكليات اللاهوتية، لأنه دليل قوي على وجود الخالق ضابط الكل.

حقًا إن الكون العجيب الذي نعيش فيه يخبرنا بدقة عن وجود الله، فالأرض التي تدور حول محورها بسرعة 1000 ميل/ ساعة لو انخفضت سرعتها إلى 100 ميل/ ساعة لأصبح الليل والنهار عشرة أضعاف، أي لصار النهار 240 ساعة وكذلك الليل، ويترتب على هذا احتراق النباتات التي تتعرض للشمس طوال هذا الوقت، وتجمد الكائنات التي تجوز هذا الليل الطويل. أما لو اقتربت الشمس التي تصل حرارتها إلى 12000 درجة إلى الأرض أكثر من هذا لاحترقت كل الخلائق التي تدب على الأرض والنباتات وتلاشت الحياة تمامًا، ولو بعدت الشمس عن الأرض أكثر من هذا لغطى الجليد سطح الأرض ولاستحالت الحياة. وإذا اقترب القمر منا حتى صارت المسافة 50 ألف ميل لغرقت أرضنا مرتين كل يوم بفعل المد والجذر، ولو انحرفت الأرض والقمر عن الشمس لأدى ذلك لارتفاع درجات الحرارة حتى إن جزءًا من الأرض قد يحترق، وآخر يغرق، وثالث يتجمد، ولو إن المحيطات كانت أعمق من مستواها الحالي لامتصت ثاني أكسيد الكربون والأكسجين، وهلم جرا.. أليس هذا دليل فيه الكفاية على وجود مهندس الكون الأعظم؟!

ويقول نيافة المتنيح الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي “نظرة أخرى إلى النجوم والكواكب والأقمار بل وإلى المجرات في السماء والتي تجمع ملايين الملايين من النجوم في كون مهول جبار.. من الصانع لهذا كله..؟! وهل يمكن لعقل بشري أن يتصوَّر أن هذا صنع نفسه من غير صانع..؟ أو قد صنعته الصدفة العمياء؟ هل يمكن لعقل أن يتصوَّر شيئًا من هذا القبيل ولو كان حلمًا من أحلام الخيال. لقد صدق القديس أغسطينوس إذ قال في اعترافاته “سألتُ الأرض فقالت لي: لستُ إلهك، وكذلك أجابني كل حي على سطحها، سألت البحر وأغواره والكائنات الحيَّة التي تسرح فيه وتمرح، فأجابتني: لسنا نحن إلهك، فاسأل عنه ما فوقنا، وسألتُ الرياح العاتية.. سألتُ السماء والشمس والقمر والنجوم فأجابت كلها: لسنا نحن أيضًا الإله الذي تبحث عنه. إذ ذاك قلتُ للكائنات كلها التي تحيط بأبواب حواسي: حدثيني عن إلهي طالما لستِ إلهي. قولي لي شيئًا عنه، فهتفت جميعها بصوت عالٍ: هو الذي خلقنا”(3).

وعندما قال “جاجارين ” أول عالم فضاء روسي هبط على سطح القمر إنني جلت في الفضاء بحثًا عن الله فلم أجده، في الحقيقة هو لم يعمل فكره، بينما عالم الفضاء الأمريكي “نل هارمسترونج” أول رائد فضاء هبط على سطح القمر قال لقد رأيت الله من خلال مصنوعاته، وكان العالم الشهير “نيوتن ” يسير حاسر الرأس، وعندما سألوه عن السبب قال: إجلالًا وتوقيرًا لخالق الطبيعة.. حقًا قال أيوب الصديق في القديم “فاسأل البهائم فتعلمك وطيور السماء فتخبرك. أو كلّم الأرض فتعلمك ويحدثك سمك البحر. من لا يعلم من كل هؤلاء أن يد الرب صنعت هذا؟!! الذي بيده نفس كل حي وروح كل بشر” (أي 12: 7- 10). وقال معلمنا بولس الرسول “لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مُدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى إنهم بلا عذر. لأنهم لما عرفوا الله لم يمجّدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا في أفكارهم واظلم قلبهم الغبيُّ. وبينما هم يزعمون إنهم حكماء صاروا جهلاء” (رو 1: 20- 22).

وقال إسحق نيوتن “إني رأيت الله في أعمال ونواميس الطبيعة التي تؤكد وجود حكمة وقوة لا تختلط بالمادة”(4). كما قال أيضًا “لا تشكُّوا في الخالق، فإنه مما لا يُعقل أن تكون الضرورة وحدها هي قاعدة الوجود. لأن ضرورة عمياء متجانسة في كل مكان وزمان، لا يُعقل أن يصدر عنها هذا التنوع في الكائنات ولا في الوجود كله، بما فيه من ترتيب أجزاءه وتناسبها مع تغييرات الأزمنة والأمكنة. بل إن كل هذا لا يُعقل إن كان لا يصدر إلاّ من كائن لما له من حكمة وإرادة”(5).

والعالم الأمريكي “إديسون ” Edison (1847- 1931م) الذي اخترع المصباح الكهربائي عندما زار المهندس الفرنسي “إيفل” Eiffel الذي صمم برج إيفل بباريس كتب في السجل الذهبي يقول “إلى السيد إيفل، من إديسون الذي يكن أعمق احترام وإعجاب للمهندسين جميعًا، وعلى رأسهم المهندس الأعظم (الله)”(6).

والعالم الإيطالي “ماركوني” Marconi (1874- 1937م) مخترع اللاسلكي يقول “إن كل رجل علم يعلم تمامًا أن هناك أسرارًا لا تقبل الحل، والإيمان بوجود كائن أسمى يقف منه موقف الطاعة والاحترام، إنما هو وحده الذي يحفزنا إلى دراسة أسرار الحياة بقوة وشجاعة”(7).

والعالم الألماني “أينشتين ” Einstein (1879- 1955م) الذي وضع نظرية النسبية ونظرية المغناطيسية الكهربائية قال “إن العقل البشري مهما بلغ من عظيم التدريب وسمو التفكير عاجز عن الإحاطة بالكون، فنحن أشبه الأشياء بطفل دخل مكتبة كبيرة ارتفعت كتبها حتى السقف، فغطت جدرانها. وهي مكتوبة بلغات كثيرة، فالطفل يعلم أنه لا بد أن يكون هناك شخص قد كتب تلك الكتب، ولكنه لا يعرف من كتبها، ولا كيف كانت كتابته لها، وهو لا يفهم اللغات التي كُتبت بها. ثم إن الطفل يلاحظ أن هناك طريقة معينة في ترتيب الكتب ونظامًا خفيًا لا يدركه هو، ولكنه يعلم بوجود علمًا مبهمًا، وهذا على ما أرى موقف العقل الإنساني من الله مهما بلغ ذلك العقل من السمو والعظمة والتثقيف العالي”(8).

والعالم الإنجليزي “أدينجتون” Eddington الذي درس أحوال النجوم قال “إنني لأعلم حق العلم إن الله موجود، كما أعلم تمامًا إن أصدقائي موجودون. فلست بحاجة إلى إثبات وجوده بقدر ما أنا في غير حاجة إلى إثبات وجودهم”(9).

وعالم الحيوان “فابر ” Fabre قال “إن ثمة عقلًا لا متناهيًا يحكم العالم، وكلما أمعنت النظر، استطعت أن أبصر ذلك العقل الذي يشع خلف أسرار الأشياء. إنني أعلم أن البعض قد يجد في هذا القول مدعاة للسخرية، ولكن هذا لا يعنيني في كثير أو قليل.. لن تستطيعوا أن تنزعوا من عقلي إيماني بالله، استغفر الله، فإنني لا أؤمن بالله بل أنا أراه”(10).

وكان المسيحيون في رومانيا الشيوعية يتحدثون عن وجود الله بطريقة بسيطة فيقولون “لنفرض أنك دُعيت إلى وليمة تحتوي على جميع أنواع الأطعمة اللذيذة، فهل تصدق أنه لم يوجد أي طاه لهذه الأطعمة؟ فالطبيعة هي وليمة هُيئت لأجلنا.. فمن هو الذي هيأ كل هذه الأشياء للناس؟ فالطبيعة عمياء، وإن كنت لا تؤمن بوجود الله، فكيف نستطيع إذًا أن تفسر أن الطبيعة العمياء قد نجحت في تهيئة جميع ما نحتاجه نحن من هذه الأشياء المتعددة المتنوعة”(11). وفي إحدى المرات مرّ أحد المسيحيين مع شخص ملحد على الطبيعة الخلابة من نهر وأشجار وحيوانات، فسأل المسيحي: من خلق كل هذا؟

الملحد: لا تضايقني بحديثك السخيف عن الله.. إنها وليدة الصدفة.

وبعد عدة أيام زار الأخ الملحد صديقه المسيحي، وإذ رأى لوحة فنية أعجبته سأل: من رسم هذا اللوحة؟

المسيحي: أتريد أن تدخلني في حديث ديني سخيف.. إنها وليدة الصدفة، فالصدفة هي التي جاءت باللوحة وأسستها بالبطانة، وأحضرت مواد التلوين، ورسمتها، وأيضًا وضعتها على الجدار.

فتضايق الملحد، فقال له صديقه المسيحي: إن كنت تعتقد أن الطبيعة الخلابة التي تفوق هذا “التابلوه” آلاف المرات هي وليدة الصدفة، فلماذا لا تصدق أن تكون هذا اللوحة أيضًا وليدة الصدفة..؟! حقًا صدق أفلاطون عندما قال “إن العالم آية فنية غاية في الجمال ولا يمكن أن يكون ما فيه من نظام نتيجة الصدفة. بل لا بد من وجود عقل كامل ومهندس أزلي صنع كل شيء ورتبه بقصد”(12).

ب- تكوين الإنسان يشهد بوجود الله:

الإنسان هو عالم صغير، وأجهزة الجسم تشهد بقوة على وجود خالق قدير قوي حكيم عظيم، ولذلك فإن علم التشريح يعطي فرصة للإنسان للتلامس مع مقدرة الله وحكمته وقال أحد الفلاسفة “كلما تقدم علم التشريح إزداد الإنسان إيمانًا بالله”(13). وأفقر إنسان في الوجود يمتلك نحو 45 مليونًا من الدولارات الأمريكية، هي قيمة أعضاء جسده التي وهبها الله له. بل إن إبهام اليد يشهد بوجود الخالق وعظمته، فبصمة الإنسان التي تختلف عن بصمات الملايين من البشر تحدثنا عن قدرة الله الغير محدودة.

ويقول نيافة الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي “لو أنه (الإنسان) تأمل ذاته، ونظر إلى أي عضو من أعضاء جسده، ونظر إلى تركيبه وعمله ووظيفته لهاله الأمر، وأدركه الذهول من روعة التركيب وحكمته. أنظر إلى عين الإنسان وتركيبها من مقلة تحميها، ومن قزحية وقرنية وعدسة وشبكية وعصب بصري.. إلى غير ذلك من أجزاء وجزيئات وما بها من أهداب وشعيرات وشرايين وأوردة فضلًا عن العضلات والأنسجة والغدد.. ولكل جزء منها وظيفة وعمل واختصاص، وتتعاون كلها ويكمل بعضها عمل بعض بصورة عجيبة..

وما نقوله عن العين نقوله عن القلب، هذا العضو العجيب الذي يعمل بلا توقف ليلًا ونهارًا، وينبض سبعين مرة في الدقيقة الواحدة، ولا يستريح لحظة واحدة عن العمل المتواصل.. أرني آلة صنعها الإنسان يمكن أن تعمل بلا توقف وبلا راحة كما يعمل القلب، وهو يحمل عبء الجسم كله.. ولا يقتصر عمله على بيولوجيا الجسم بل إنه أيضًا مركز العواطف من حب وكراهية، ومركز الانفعالات السارة والحزينة من فرح إلى حزن وهم إلى خوف وخجل وحماس ويأس.. وما قلناه عن العين والقلب نقوله عن المخ، هذا العضو العجيب حقًا الذي يتقبل إشارات

ويرسل إشارات غيرها، يستقبل ويصدر، ويحكم جميع أجهزة الجسم وعلى رأسها الجهاز العصبي.. ثم هو يتقبل المعارف والخبرات ويرتبها ويصنفها ويحتجزها للانتفاع بها في مستقبل الأيام. فكيف يختزن المعرفة على تنوعها في كافة ميادين العلم وتشعباته وفروعه؟! وكيف يحتفظ باللغات ومفرداتها وقواعدها وأساليبها..؟ وكيف لا تختلط هذه المعلومات ببعضها؟ وكيف يخرجها عند الاقتضاء واضحة متميزة مستقلة عن بعضها؟ وكيف مع ذلك يمكنه أن يقارن بينها ويوازن بينها ويوفق بينها ويعارض بينها وينقدها ويفحصها ويحكم على صدقها أو على زيفها؟ فكيف عند اللزوم يجمع بينها حين يحاضر أو يتحدث أو يكتب كتابًا أو يحرر مقالًا أو بحثًا مستعينًا بها كما يشاء مثله في ذلك مثل الطباخ الذي يجمع ما يلزمه من مواد مختلفة ليصنع من مجموعها معًا، وبمقاييس مضبوطة، طبخة شهية! ما هذه الآلة العجيبة التي تسمى المخ؟ ومنْ من العلماء يمكنه أن يصنع مثلها أو يركِّب نظيرها؟

فإذا قالوا لقد صنع الإنسان العقل الإلكتروني، قلنا أولًا إن العقل الإلكتروني ليس على نظير المخ البشري أنه آلة حاسبة تعمل بشرط أن تقدم لها مادة أو مجموعة مواد.. ثم هذا الحاسب الإلكتروني لم يصنع نفسه، وإنما صنعه صانع وهو الإنسان. وهذا دليل على أنه حتى الحاسب الإلكتروني لا بد أن يكون له صانع عقل، فكم وكم يجب أن يكون للمخ البشري صانع، والمخ البشري معجزة لا يُقاس بإزائها الحاسب الإلكتروني..

زد على ذلك سر الحياة نفسها وسر النمو والتكيف والتغذية وتمثيل الغذاء واحتراقه.. وبالإجمال كل شيء في الإنسان جسمًا ونفسًا وعقلًا وروحًا ينطق بأدلة صارخة على وجود الله.. وإذا قلنا هذا عن الإنسان فنقول مثله بالنسبة للحيوان، خذ مثلًا البيضة المُلَقحة التي يخرج منها بعد قليل كتكوت صغير يتحرك بالحياة وينبض بالوجود. كيف لبيضة بها صفار وبياض يخرج منها كائن حي هو الكتكوت له عينان وأذنان وجناحان ورجلان ومنقار وعضلات وغضاريف وغدد، وله معدة وكبد وأمعاء، وله جهاز عصبي وغيره عضلي وغدّي ودموي وتنفسي وبولي وتناسلي..؟ وكيف له ريش متنوع وملون بحسب صنفه وجنسه ونوعه تبعًا لقوانين الوراثة وقوانين البيئة؟ هل لو اجتمع كل المهندسين في العالم وكل الرسامين وكل الأطباء بتخصصاتهم وكل الكيميائيين وكل الصنَّاع وكل علماء الجمال وكل أصحاب الحرف والمهن والزخرفة.. لو اجتمع هؤلاء جميعًا، هل ينجحون في صنع كتكوت حي واحد كهذا الذي تخرجه الطبيعة في كل يوم بالعشرات والمئات والآلاف والملايين؟!”(14).

ج- المادة ليست أزلية:

لو كانت المادة أزلية لا بداية لها، ولا يوجد خالق لها، فمن ذا الذي وضع قوانين الطبيعة التي تحكم الكون كله في انسجام يفوق الإدراك..؟! وكيف تلاحمت عناصر المادة رغم اختلاف الطبائع فالتراب ضد الهواء والماء ضد النار؟! ومن الذي حفظ للخلائق توازنها، فبالرغم من أن نسبة توالد الذئاب إلى الحملان 10: 1 فإن الحملان وبقية الحيوانات المستأنسة مازالت موجودة، والوحوش الضارية لم تختف من الوجود.

وتعبير أن المادة أزلية هو تعبير غير منطقي لأن المادة قابلة للتغيير، وليس من المعقول أن المتغير يكون أزليًا، والمادة تحمل في طياتها عنصر الضعف، وليس من المعقول أن الضعيف يكون أزليًا وقال أحد علماء اللاهوت “هذا العالم إما أن يكون أزليًا أو محدثًا، ولا يمكن أن يكون أزليًا لأنه متغير.. والتغير صورة من صور الاضمحلال، والاضمحلال يدل على الحدوث، وحيث إن هذا العالم مُحدَث، فلا بد له يكون له مُحدِث أحدثه”(15). ومن المعروف أن الشمس ككتلة ملتهبة تستنزف مادتها إذ تتحول المادة إلى طاقة، فلو كانت هذه الشمس أزلية لاستنزفت بالكامل ولم يعد هناك شمس ولا أرض ولا حياة ولا كواكب، ومن المعروف أيضًا أن الهيدروجين يتحول بمرور الزمن إلى هيليوم، فلو كان الهيدروجين منذ الأزل لتحول كله إلى هيليوم، وهلم جرا.. ويقول العالم “إدوارد لوثر كيل ” Edward Luther Kiel أستاذ علم الأحياء “أننا نستطيع أن نستنتج أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليًا، وإلّا لاستهلكت طاقته منذ زمن وتوقف كل نشاط في الوجود، وهكذا توصلت العلوم دون قصد إلى أن لهذا الكون بداية، وهي بذلك تثبت وجود الله لأن ما له بداية لا يمكن أن يكون قد بدأ بنفسه، ولا بد من مبتدئ أو من محرك أول أو من خالق وهو الله”(16).

كما أن تعبير أن المادة أوجدت نفسها تعبيرًا غير منطقي، إذ كيف تُوجِد المادة نفسها وهي أصلًا غير موجودة؟!

وعندما قال ماركس “أن المادة ديالكتيكية لها قوة قادرة على الفعل، رد عليه “بردياييف ” الملحد بعد عودته للإيمان فقال إن عبارة ماركس هذه بها تناقض لفظي، لأنه كيف يمكن للمادة الصلدة الجامدة أن يكون لها قوة قادرة على الفعل؟! ويقول “د.جورج ايريل دافيز ” George Earl عالم الطبيعة “فالمنطق الذي نستطيع أن نأخذ به، والذي لا يمكن أن يتطرق إليه الشك هو أنه ليس هناك شيء مادي يستطيع أن يخلق نفسه، وإذا سلمنا بقدرة الكون على خلق نفسه فإننا بذلك نصف الكون بالألوهية، ومعنى ذلك إننا نعترف بوجود إله”(17).

وردًا على القائلين بأن الصدفة أوجدت الحياة التي تطورت وصارت كما نراها، نقول لهم إن كانت الصدفة والارتقاء نجحا في إيجاد رجل بكل تركيباته العجيبة وأجهزته التي تفوق الخيال، فهل يمكن أن الصدفة والارتقاء ينجحا في إيجاد كائن مماثل للرجل ومخالف له في الجهاز التناسلي وهو المرأة، حتى تستمر الحياة على وجه الأرض؟!.

وعندما قالوا إن الكتكوت يخرج من البيضة التي ليس بها حياة، كان هذا مغالطة، لأن ليس كل بيضة يخرج منها كتكوت. إنما يخرج الكتكوت من البيضة المُلقحة فقط بعد أن دخلت إليها الحياة عن طريق التلقيح. كما إن البكتريا التي يحملها الهواء إلى اللحوم المتعفنة هي التي تمثل بذرة الحياة، ومنها تخرج الديدان لأنها وجدت البيئة المناسبة، وأيضًا تعبير أن المادة وُجِدت بالصدفة تعبير غير منطقي وغير علمي، فالصدفة لا تُوجِد كائنات حية، ويقول “د. توماس دافبر باركس ” أستاذ الكيمياء “إنني أقر النظام والتصميم في كل ما يحيط بي من العالم غير العضوي ولا أستطيع أن أُسلم بأن يكون كل ذلك قد تم بمحض الصدفة العمياء التي جعلت ذرات هذا الكون تتآلف بهذه الصورة العجيبة. إن هذا التصميم يحتاج إلى مبدع، ونحن نطلق على هذا المبدع الله”(18). كما يقول “د. جون وليامز كلونس ” عالم الوراثة “إن هذا العالم الذي نعيش فيه قد بلغ من الإتقان والتعقيد درجة تجعل من المحال أن يكون قد نشأ بمحض الصدفة.. ومن التعقيدات الطريفة في هذا الكون ما نشاهده من العلاقات التوافقية الاضطرارية بين الأشياء أحيانًا، ومن أمثلتها العلاقة بين فراشة “اليوكاو” ونبات “اليوكا” وكذلك العلاقة بين نبات التين ومجموعة من الزنابير الصغيرة، وهناك كثير من الأزهار تسجن الحشرات داخلها وإن النبات بعد أن يتم التلقيح لا يهتم بخروج الحشرة من الزهرة المؤنثة لأنها تكون قد أدت رسالتها، أما عند دخول الحشرة إلى زهرة مذكرة فإنه يُسمح لها بالخروج لأنها لا تكون قد أدت رسالتها. أفلا تدل كل هذه الشواهد على وجود الله؟ إن من الصعب على عقولنا أن نتصوَّر أن كل هذا التوافق العجيب قد تم بمحض الصدفة. أنه لا بد أن يكون نتيجة توجيه لحكم احتياج إلى قدرة وتدبير”(19).

وإن قال فيلسوفهم “هلباخ ” أن المادة في حركة دائبة مستمرة، نقول له إن الحركة في الجماد تختلف عنها في الكائنات الحية، فالحركة في الجماد لا يمكن للإنسان أن يوقفها، بينما يمكن للإنسان التحكم في حركة الكائنات الحية، وأيضًا الكائنات الحية عندما تتعرض للموت تكف عن الحركة فالمادة الصلدة لا تموت، وأخيرًا نقول للذين يؤلّهون المادة: هل عندما يعبث الإنسان بالمادة يعبث بإلهكم؟!!

ومن الأمور الطريفة إن أحد الملحدين ألقى محاضرة على عدد كبير من العمال وأخذ يدلل فيها على إن الإنسان ما هو إلّا مادة، فاستأذن أحد العمال لإبداء رأيه وما أن سُمح له حتى رفع الكرسي وألقى به على الأرض، ثم توجه إلى المحاضر وصفعه على وجهه، فهاج المحاضر وماج وطالب رفاقه الشيوعيين اعتقال هذا العامل وهو يصرخ في وجهه: كيف تجرؤ على صفعي؟ وما هو السبب؟ فأجابه العامل المؤمن “لقد أثبت لنا على أنك كاذب يا أستاذ. فقد قلت أن كل شيء في الوجود هو مادة لا أكثر ولا أقل، لقد رفعت الكرسي ورميت به أرضًا، لكنه لم

يغضب حيث أنه مادة بالفعل. ولكنني لما صفعتك على خدك لم تفعل أنت ما فعله الكرسي، فقد اختلف رد فعلك عنه، فالمادة لا تغضب ولم تحنق كما فعلت أنت. لذلك أيها الأستاذ الرفيق، إنك على خطأ جسيم، فالإنسان هو أكثر من المادة. نحن شخصيات روحية”(20).

أما نظرية الملحد “تشارلز روبرت دارون ” الخاصة بالنشوء والارتقاء، فقد كان لهذه النظرية أثرها البالغ على المفاهيم الفلسفية والسياسية والعلاقات السائدة بين البشر، وترتب على نظرية “الانتخاب الطبيعي ” ظهور فلسفة الاعتداء والعنف والاغتصاب التي تحمس لها الألماني “نيتشه” وأدخلت هذه النظرية البشرية في حروب طويلة، فكلِ يريد أن يثبت أنه الأقوى والأصلح، وتمخضت هذه النظرية عن شعار سيادة الجنس الآري على جميع الأجناس الأخرى مما تسبب في حرب السبعين عامًا، بل في الحرب العالمية الأولى والثاني، وتم نقد نظرية دارون، فقال العلماء:

1-أغلبية التغييرات التي طرأت على الكائنات الحية هي تغييرات جسيمة ضئيلة وضعيفة، ولا تؤدي بالضرورة إلى استمرار نوع من الحياة وانقراض نوع آخر.

2-التنازع على البقاء، أو تغذي حيوان كالأسد على حيوان آخر كالغزال لم يؤدي لانقراض النوع الأخير.

3-هذه النظرية لا تفسر كيفية اختفاء الزواحف الضخمة مثل الديناصورات في العصر الترياسي حقب الحياة الوسطى.

4-تعجز النظرية عن تفسير الظهور الفجائي للصفات(32).

5-أثبت علماء الجيولوجيا أن الكائنات منذ وجودها على الأرض لم تشوش ولم تختلط، فكل كائن حافظ على جنسه ونوعه، وتحقق القول الإلهي في النباتات “فأخرجت الأرض عُشبًا وبقلًا يبذر بذرًا كجنسه وشجرًا يعمل ثمرًا بذره فيه كجنسه” (تك 1: 12) ، وبالنسبة للطيور “وكل طائر ذي جناح كجنسه” (تك 1: 21) ، والحيوانات “فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها والبهائم كأجناسها وجميع دبابات الأرض كأجناسها” (تك 1: 25). أما الإنسان فقد جُبل على صورة الله ومثاله “وقال لهم أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض” (تك 1: 28) وإن كان الإنسان قد نجح في تزاوج الحصان مع الحمار لتقاربهما ونتج عنهما البغل، إلّا أن البغل ليس له إمكانية التناسل.

6-الحيوانات الدنيئة ما زالت هكذا منذ خلقتها لم يحدث لها أي ارتقاء.

7-لو كانت النباتات قد ارتقت في زمن ما إلى الحيوانات، والحيوانات إلى الإنسان، فليس من المعقول أن يكون هذا الارتقاء قد تم فجأة. بل لا بد أنه مرَّ بمراحل متوسطة، ولم تعثر الحفريات قط على صورة هذه المراحل المتوسطة، فلا يوجد مثلًا كائنًا به جزء من النبات وبقيته من الحيوان، أو كائنًا نصفه حيوان ونصفه إنسان، فمثل هذه الصور لا وجود لها على الإطلاق إلّا في الخيال المريض.

8-قال “الدارونيون” إن الخلية الأولى استغرقت عدة ملايين من السنين حتى ظهرت منها هذه الكائنات بأنواعها المختلفة، والحقيقة إن علماء الجيولوجيا قالوا أنه منذ زمن لا يزيد عن ربع مليون سنة كانت الأرض كتلة غازية ملتهبة، تستحيل الحياة عليها.. فأين إذًا نشأت الخلية الأولى؟ هل في كوكب آخر..؟! إن النشوء من العدم شيء محال، ونشوء الحياة الحيوانية من الحياة النباتية، أو نشوء الحياة البشرية من الحياة الحيوانية ما هو إلّا ضرب من الخيال.

9-وردًا على الذين قالوا إن الإنسان نشأ وتطور عن القردة، وإن الإنسان أصله قردًا، وأخذوا يدللون على قولهم

هذا بأدلة واهية. تقف أمامهم عقبات كثيرة مثل:

أ- هناك تفاوت كبير بين دماغ القردة ودماغ الإنسان، فدماغ الغوريلا وهي أعظم القردة (30,5 قيراط- 500 سم3) يبلغ ثلث دماغ سكان أستراليا الأصليين وهم أقل جميع البشر (3/1 99 قيراط- 1500 سم3).

ب- للإنسان إمكانية الابتكار والارتقاء، وتشهد بهذا الثورة العلمية الرهيبة التي نعيشها الآن وهي أشبه بمعجزة عظيمة جدًا يصعب تصديقها لمن عاش على أرضنا هذه منذ مائة عام فقط، بينما الحيوان عاجز تمامًا عن هذا الارتقاء والابتكار.

ج- يقد الإنسان أن يربط الظواهر بالأسباب لأنه يعقل الأمور ويتفهمها فهو قادر على التعليل، والتمييز، والنطق.. إلخ بينما يعجز الحيوان في هذا.

د- لدى الإنسان الميل الطبيعي والشعور الخفي للبحث عن الخالق وعبادته، لأن الله كتب فيه صورته. أما الحيوان فلا يشعر بمثل هذا الاحتياج.

ه- سفه العلماء هذا الرأي واعتبروه ضربًا من الجنون، فقال العالم الألماني “فون باير” إن الرأي القائل بأن النوع الإنساني متولد من القردة هو بلا شك ضرب من الجنون، حيث ينثل إلى أخلاقنا جميع الحماقات الإنسانية مطبوعة بطابع جديد، كما إنه لا يوجد دليل على هذا الرأي المضحك من جهة الاستكشافات الحفرية. وقال أستاذ علم الأنثروبولوجيا “فيركو ” يجب عليَّ أن أُعلن بأن جميع الترقيات الجسيمة التي حدثت في علم الأنثربولوجيا السابقة على التاريخ تجعل القرابة المزعومة بين الإنسان والقردة تبعد عن الاحتمال بعدًا كاملًا. فإذا درسنا الإنسان الحفري في العهد الرابع فهو الذي يجب أن يكون الإنسان الأقرب إلى أسلافه، نجده إنسانًا مشابه لنا كل الشبه، فإن جماجم جميع الرجال الحفريين تثبت بطريقة لا تقبل المنازعة أنهم كانوا يؤلفون مجتمعًا محترمًا للغاية، وكان حجم الرأس فيهم على درجة يعتبر الكثير من معاصرينا أنفسهم سعداء إذا ما كان لهم رأس مثله. والعلامة “فيفرت” قال “إن مذهب دارون لا يمكن تأييده. إنه رأي من آراء الصبيان”(33).

د- كيف تفسر الحياة والموت والعقل والضمير والخيال والغرائز والعواطف وما بعد الموت؟

الإلحاديون الذين يدَّعون إن الإنسان ما هو إلّا حفنة من المواد يعجزون عن الإجابة على السؤال السابق، فغير الحي لا يخلق حيًّا.. كيف تهب المادة الصلدة الجامدة روحًا وحياة للكائنات الحيَّة؟ من أين أتت الحياة للمادة؟ وإن قالوا إنها أتت من الخلية الأولى التي وجدت بالصدفة منذ ملايين السنين، فإننا نقول لهم كيف عاشت الخلية الأولى بينما كانت الأرض في صورتها الأولى منذ ملايين السنين عبارة عن ذوبان ناري تتراوح حرارتها بين 1500- 3000 درجة. ثم إن العلم عجز حتى الآن وسيعجز للأبد عن خلق هذه الخلية الأولى.. فمن أين أتت؟ ولو أن الخلية الأولى هي مصدر الحياة، وبالتطور وصلت إلى ما وصلت عليه الآن، فكيف تطورت في شكل الإنسان الذي يشمل على 80 تريليون خلية، وبالمخ 10 بليون خلية؟ كيف تجمعت كل هذه الخلايا لتكون الإنسان بوظائفه الحيوية؟ هل بمجرد الصدفة العمياء، وهل ظهر كائن قبل الإنسان أقل تطورًا فكان مثلًا نصفه إنسان والنصف الآخر حيوان؟ ولماذا لم يظهر كائن آخر أكثر تطورًا من الإنسان الذي يعيش على الأرض منذ خلقته؟! وهل يمكن أن يكون وضع الجينات المتناهية الصغر في الإنسان محض الصدفة..؟! إن دراسة علم الوراثة يكشف لنا عن عظمة الخالق. قال أحد الملحدين بعد أن اهتدى للإيمان “إنني لم أكن أعرف الله، وما كنت أؤمن بوجوده بل كنت أسخر من الإيمان وأكرز بالكفر، وكنت ألقي محاضرات ضد وجود الله، ولكنني التقيت بالله في الحياة.. ومن الحياة تعلمت أن هناك الله”(21). وغير العاقل لا يخلق إنسانًا عاقلًا له ضمير ومشيئة.. كيف تهب المادة غير العاقلة عقلًا للكائنات الحيَّة؟! ومن ذا الذي وضع في الإنسان قوة التفكير والتدبير والتخيل. قال بردياييف “إن الماركسيين لم يحاولوا أبدًا أن يفسروا كيف يمكن للوجود المادي أن يتحول إلى تفكير ووجدان؟!”(22) ، وأيضًا كيف تُخرج لنا المادة الصماء البكماء إنسانًا ناطقًا؟!

ومن وضع في الإنسان والحيوان الغرائز الطبيعية..؟ فلولا غريزة الجوع، وغريزة الخوف، وغريزة حب البقاء لهلك الإنسان والحيوان.. من علم الطيور المهاجرة والثعابين النيلية مسلكها في الهجرة والعودة عبر آلاف الأميال؟!.

وأيضًا فشل الإلحاديون في تفسير ظاهرة الموت، بل وقفوا أمامها مرتعبين، فماركس رغم غزارة إنتاجه الأدبي إلّا أنه لم يتكلم عن الموت إلّا بسبب موت ابنه فقال “يبدو أن الموت انتصر انتصارًا قاسيًا”(23). كما قال “إن موت ولدي آلمني كثيرًا حتى إنني أشعر بمرارة فقده كما في اليوم الأول”(34)(24). وارتعب يا روسلاتسكي أمام الموت قائلًا “احرقوا كل كتبي. انظروا أنه هنا ينتظرني. احرقوا كل مؤلفاتي”(25).

وبينما فشل الإلحاديون في الإجابة عما بعد الموت فإن مسيحيِّ رومانيا الشيوعية كانوا يثبتون لهم الحياة بعد الموت بطريقة بسيطة، فيقولون “لنفرض أنك استطعت أن تخاطب جنينًا في رحم أمه، وأن تقول له أن حياة الجنين هي لمدة قصيرة فقط، تليها حياة حقيقية طويلة الآن، فماذا يكون جواب الجنين؟ أنه يجيب بمثل ما تجيبوننا تمامًا أنتم الملحدين عندما نتحدث إليكم عن السماء وجهنم، فيقول الجنين أن الحياة في رحم أمه هي الحياة الوحيدة، وكل شيء آخر فهو حماقة دينية، ولكن لو استطاع الجنين أن يفكر لقال لنفسه: ينمو لي هنا ذراعان لست بحاجة إليهما، كما إني لا أقدر أن أمدهما، فلماذا تنمو إذًا؟ ربما كان ذلك لحقبة قصيرة من الزمن في مستقبل حياتي حين يجب أن أشتغل بهما. كما إن رجلي تنموان أيضًا. لكن عليَّ أن أبقيهما منحنيتين نحو صدري، فلماذا تنموان؟ ربما سنلحق الحياة في عالم واسع وعليَّ أن أنسى آنذاك. كذلك العينان تتكونان أيضًا، ولكن حيث أنني محاط بظلمة شاملة فليس لي حاجة إليهما. فلماذا تنمو لي عينان؟ ربما سيخلف فيما بعد عالم نور وألوان.. وهكذا، فلو استطاع الجنين أن يتأمل نموه لعرف عن حياة خارج رحم أمه دون أن يراها. وهذا هو حالنا نحن أيضًا، فما دمنا صغار السن فلنا حيوية، إنما بلا عقل، لاستخدامها بصورة صحيحة، ولكن عندما ننمو في المعرفة والحكمة على مر السنين، ينتظرنا النعش ليوصلنا إلى القبر. فلماذا كان ضروريًا لنا أن ننمو في المعرفة والحكمة اللتين لا نستطيع استخدامها فيما بعد؟! ولماذا تنمو للجنين ذراعان ورجلان وعينان؟!

الجواب هو: تحضيرًا لما سيأتي! وهكذا هو حالنا نحن أيضًا هنا على الأرض. فنحن ننمو هنا في الخبرة، والمعرفة والحكمة استعدادا لما سيأتي في المستقبل، فنحن نتهيأ لخدمة أسمى بعد الوفاة”(26).

ه-عدم إدراك الله بالحواس لا يعني عدم وجوده:

عقل الإنسان المحدود يعجز عن إدراك الله الغير محدود، وإن كان عقل الإنسان المحدود ما زال عاجزًا عن إدراك أسرار وعجائب الطبيعة، فهل نطلب منه أن يدرك ويحوي ويحد الله؟ ولذلك قال الفيلسوف توما الأكويني “إن الله ليس كما نتصورّه أو نفهمه بمداركنا العاجزة، فإذا عرفنا أن الله بمفهومنا يكُف عن أن يكون إلهًا. فالعقل البشري أضيق من أن يحد اللامحدود، ولكننا نستطيع أن نعرفه فقط، لا أن نصل إلى إدراكه”(27). وقال الفيلسوف الهندي مانو “الإله هو الكائن الذي لا يمكن أن تحويه الحواس المادية، وليس بمقدور العقل أن يدركه على ما هو عليه. وذلك لاستحالة الكائن الجزئي أن يحوي الكائن الكلي”(28).

ويقول نيافة الأنبا موسى الأسقف العام “العقل والإيمان، إن العقل ليس ضد الإيمان، ولا الإيمان ضد العقل!! الإيمان لا يصادر العقل أو يلغيه، ولكنه يؤكد على محدودية العقل، ثم يكمل هو -أي الإيمان- المشوار معنا. تمامًا مثل التلسكوب، والعين المجردة. فالعين المجردة محدودة في إبصارها، ترى حتى مسافة معينة، ولا تستطيع أن تدرك تفاصيل الأمور البعيدة، مثل القمر مثلًا، العين تراه قرصًا جميلًا طالما تغزَّل فيه الشعراء، أما التلسكوب فيستطيع أن يُقرب الأمور البعيدة، ويجعلنا نرى الكثير من التفاصيل والتضاريس في هذا القمر، الأمر الذي تعجز عنه العين المجردة المحدودة. العقل مثل العين المجردة.. محدود، والإيمان مثل التلسكوب.. يُكمل لنا المشوار، ويقرب لنا الحقائق البعيدة وغير المحدودة، مثل الله والأبدية، لهذا يقول معلمنا بولس الرسول “بالإيمان نفهم أن العالمين أُتقنت بكلمة الله” (عب 11: 3) أي إن الإيمان يشرح لنا ما لا يستطيع العقل إدراكه، فالعقل محدود، والله غير محدود، وهيهات للمحدود أن يحتوي غير المحدود. هكذا يكون المنطق!..

إذًا فنحن نعرف الله بالروح بعد أن يتأمل العقل في أمور كثيرة، ويجد أنه محدود، وإنها أبعد منه وفوقه، فيسلم القيادة للروح، التي تسلم بدورها القيادة لروح الله، وهنا يدرك العقل محدوديته، ويسجد أمام اللامحدود واللانهائي.. أي أمام الله!

اللانهاية.. حقيقة منطقية. لا شك إن العقل محدود، بينما الأرقام غير محدودة، وأقصد رقم “اللانهاية ” فإذا ما حلقنا بالفكر في أفاق المستقبل لنحصي سنوات ما بعد سنة 2003 سوف نقول 2004 ثم 2005 ثم 2006 لنصل إلى “مستقبل لا نهائي غير محدود ” هو “الأبدية ” إذ يستحيل أن نجد حدودًا للأرقام، أو نهاية لها. فإذا ما رجعنا بفكرنا إلى الأعوام الماضية فسوف نقول 2002 ثم 2001 ثم 2000.. وسوف نصل أيضًا إلى ماضي سحيق لا نهائي.. هو “الأزلية ” إذًا هناك كائن أزلي (لا بداية له) أبدي (لا نهاية له) وهذا الكائن اللانهائي هو الله، مهندس الكون الأعظم، واجب الوجود، الحياة المانحة للحياة، والخالق الذي خلق الكل.. بالله الأصل، علة كل المعلولات، وأساس كل الموجودات.. الوجود الأول، واجب الوجود، وخالق الجميع”(29).

ورغم أن العقل عاجز عن إدراك الله لكن المسيحية لا تحتقر هذا العقل ولم تلغه كما فعلت الشيوعية، فقد سأل أحد مؤمني رومانيا أسيرًا روسيًا مهندسًا: هل تؤمن بالله؟ فأجابه “ليس لدي أمر عسكري بهذا الشأن لأؤمن، فلو كان لي أمر لأمنت”(30).

وكم من الأمور التي لا يراها الإنسان بالحواس الجسدية، ولكنه يشعر بتأثيرها ويؤمن بوجودها؟ وأكبر مثل على هذا القوة المغناطيسية والكهربائية والموجات الصوتية.. إلخ، فبالرغم إننا لا نرى الكهرباء لكننا نراها في المصباح المضيء، ونحس بها في حرارة المدفأة، ونشعر بها في حركة الموتور، وكم من كائنات دقيقة لا نراها بالعين المجردة ولكننا نراها تحت المجهر، وكم من أصوات خافتة لا نسمعها بالأذن المجردة ولكن نستطيع أن نستمع إليها من خلال الأجهزة المتخصصة، فعين النسر ترى ما لا نراه نحن إذ ترى الفريسة على بعد ثلاثة أميال، وأذن الغزال تلتقط حركة الزلزال قبل حدوثه بعشرين دقيقة. بل إن هناك فرقًا بين عالم الحقيقة وعالم الظواهر، فالسراب هو من عالم الظواهر وليس بحقيقة، والملعقة في كوب الماء نراها وكأنها مكسورة وهي ليست كذلك، ونرى للسماء لونًا وهي ليست كذلك.. إلخ.

فعدم رؤيتنا لله لا يعني عدم وجوده، ومن الطرائف التي تُذكر أن أحد الفلاسفة الملحدين في إحدى محاضراته لمجموعة من البسطاء قال إننا نرى أمورًا كثيرة، ولكننا لا نرى الله.. لماذا؟ لأن كل شيء موجود نراه، أما الله فلأنه غير موجود فلا نراه. فقال له أحد البسطاء: هل ذهبت إلى اليابان؟

أجابه الملحد: لا.

المؤمن البسيط: إذًا أنت لم ترَ اليابان، ولكنك تؤمن بوجودها ووجود اليابانيين لأنك ترى صنائعهم.

الملحد: نعم.

المؤمن البسيط: هكذا إن كنا لا نرى الله بالعين الجسدية، لكننا ندرك وجوده من خلال مصنوعاته.

وفي إحدى المرات أرادت مُدرسة أن تلقن البنات الصغار درسًا لا ينسونه عن إنكار وجود الله، فسألت إحدى البنات: ماذا ترين هناك؟

أجابت الصغيرة: شجرة.

المعلمة: كلنا نرى شجرة.. إذًا الشجرة موجودة.

وكرَّرت المعلمة السؤال عدة مرات عن أمور أخرى مثل الماء، والعصفورة والمنزل.. إلخ ثم سألت الفتاة الصغيرة: هل ترين الله؟

فقالت الفتاة: لا أراه.

المعلمة: نعم إننا لا نرى الله، لأن الله غير موجود، ولا يوجد شيء اسمه الله.

فتصدت لها فتاة أخرى صغيرة السن عظيمة الإيمان، واستأذنت أن توجه هي الأسئلة لصديقتها الصغيرة، فسألتها عن الشجرة والعصفورة والماء.. إلخ. ثم سألتها: هل ترين عقل المدرسة؟ فأجابتها: لا أرى عقل المدرسة، فقالت: إننا لا نرى عقل المدرسة، فهل معنى هذا إن المدرسة بلا عقل؟! وضحكت الفتيات، وعقبت هذه الفتاة المؤمنة: نحن لا نرى عقل المدرسة ولكننا نصدق أن لها عقلًا، وهكذا مع إننا لا نرى الله بأعيننا المادية، فإننا نؤمن بوجوده.

و- الشعور الداخلى بوجود الله:

عندما خلق الله الإنسان على صورته ومثاله وضع بداخله حقيقة وجوده، ولذلك تجد الإنسان يسعى دائمًا نحو الله، وما الديانات القديمة إلا هي محاولات بحث الإنسان عن الله، ولو تجولت في ربوع التاريخ فقد تجد أمورًا أساسية عاش الإنسان بدونها مثل المسكن المستقر، وعملات التعامل، والمدارس والمستشفيات والمحاكم. إلخ. ولكنه لم يستغن قط عن دور العبادة ولو في أبسط صورها.. حقًا قال الكتاب المقدَّس ” جعل الأبدية في قلبهم التي بلاها لا يدرك الإنسان العمل الذي يعمله الله من البداية إلى النهاية” (جا 3: 11) وقال القديس أوغسطينوس ” إن الله نصب في داخل الإنسان ديونًا جعل العقل قاضيًا، والضمير مدعيًا، والفكر شاهدًا، وكتب بإصبعه آيات وجوده، ووحدانيته، وأزليته، وعنايته بالعالم(35) وقال الفيلسوف ديكارت ” تتبع فكرة اله نبعًا طبيعيًا في النفس كأنها علامة الصانع على صنعه(36) وقال الفيلسوف الألماني ” كانت ” عن هذا الشعور الباطني إن هناك ” شيئان يملأن نفسي روعة وإعجابًا لا يفتآن يتجددان وهما السماء ذات النجوم فوق رؤوسنا، والشريعة الأدبية في داخلنا(37) فالإنسان جمع بداخله ما هو زمني بما هو أبدى، وما هو أبدى في الإنسان يسعى نحو الله الأبدي، والإحساس بوجود الله يعطى الإنسان ضبطًا لنفسه، فلا يملك مثل الأبقوريين الذين قالوا ” لنأكل ونشرب فإننا غذًا نموت ” ويقول ديستوفسكى ” إن لم يكن الله موجودًا فكل شيء مباح”(38).

صلى شاب ملحد قائلًا ” أللهم، أنا متأكد أنك غير موجود ولكن إن شاءت الأقدار أنك موجود، مع إننى أتحداها، فليس من واجبى عندئذ أن أعتقد بك، إنه من واجبك أنت أن تعلن ذاتك لي”(39) ورغم إلحاد ” لينين ” رئيس وزراء الإتحاد السوفيتي، فإنه عند تفاقم المشاكل أمامه أخذ يصلى لله، وعندما إلتقى ريشار وورمبراند مع مقدم روسي وضابطة روسية ملحدان في أحد الحوانيت، ولأن صاحب الحانوت لا يعرف الروسية فقد تفضل ريشار بالقيام بدور المترجم، ثم دعاهما للغذاء في بيته، وعندما جلسوا إلى المائدة قال لهما ” أنتما في بيت مسيحي، وقد اعتدنا أن نصلى على المائدة وبعد الصلاة انهمكا في الحديث عن الله والكتاب المقدَّس حتى آمنا قبل أن يتناولا طعامهما(40) وكان المسيحي إبان الحكم الشيوعي يثبت حقيقة شخصية السيد المسيح ببساطة فيقول ” فمن أين جاء عام 1970م؟ هل جاء من شخص لم يعش أو لم يلعب دورًا هامًا في التاريخ؟ فأنت تقول إن يسوع المسيح لم يعش، ولكنك تعد السنين من يوم ولادته! طبعًا كان الوقت موجودًا قبله، ولكنه لما جاء إلى العالم بدا الناس وكأن كل ما سبقه لم يكن له أي قيمة وإن الوقت الحقيقي بدأ عند ولادته. فصحيفتك الشيوعية هذه لهى الدليل الأعظم على إن المسيح عاش حقًا وإنه لم يكن خيالًا(41). حقًا قال القديس أغسطينوس ” يا إلهي سيظل القلب مضطربًا، ولن يجد راحته إلا فيك”(42)(43).

ز- وجود الله لا يلغى وجود ولا كرامة الإنسان:

ح- الكتاب المقدس:

ليس الكتاب المقدَّس مؤلف أسطوري كما قال أهل الإلحاد، إنما هو كتاب الحياة الموحى به من الروح القدس، ويحمل علامات صدقه داخله، فما حواه من نبوءات تحقق معظمها، والآخر في طريقه للتحقق لهو أعظم شاهد على صحة الكتاب المقدَّس، فقد حوى هذا الكتاب العجيب ليس نبوة أو بعض نبوءات، إنما حوى مئات النبوءات العجيبة والتي كان يصعب تصديقها لحظة النطق بها، وهناك فقط نحو ثلثمائة نبوءة نطق بها أنبياء مختلفين، ذوى ثقافات مختلفة، وأعمال وأعمار متباينة، وفي عصور متتالية، وفي عدة أماكن وجميعها تتعلق بشخص السيد المسيح، وقد تحقق معظمها، حتى إنه خلال الأربعة والعشرين ساعة الأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض تحقق نحو ثلاثين نبؤة، ويقول ” د. بيتر سوفر ” أحد علماء الرياضيات في إحدى جامعات أمريكا إن احتمال تحقق 48 نبوءة على شخص واحد هو احتمال ضئيل جدًا جدًا، ولو حسب بلغة الأرقام فإنه يساوى 1:10(17)، أي واحد إلى واحد على يمينه 18 صفرًا، ولتقريب المعنى قال لو غطينا أرض تكساس بالكامل بدولارات فضية بسمك 60 سم، وفي كل هذا الكم الهائل وضعنا علامة على دولار واحد، فإن الفرصة عثورنا على هذا الدولار لأول مرة نبحث عنه هي فرصة ضئيلة جدًا جدًا وتساوى 1:10(17).

كما إن الآثار تثبت يومًا فيومًا صحة كل ما جاء في الكتاب المقدَّس(55). أما تأثير الكتاب العجيب في تغيير النفوس فهو شاهد عظيم على سماوية هذا الكتاب، فعندما قام ” تشارلز داروين ” صاحب نظرية ” النشوء والارتقاء ” بجولة حول العالم وعرف تاريخ الأمم، كتب في جرناله (يومياته)(56) يقول إنه لم يكن هناك بلدًا أسوا من نيوزيلاند قبل إيمانها، وعندما عاد إلى إنجلترا وجدهم يفتقدون بشدة المبشرين ما قد صار في نيوزيلاندا من إلغاء الذبائح البشرية التي تقدم تحت سيطرة كهنوت وثنى لم ير العالم مثيلًا له في الشر، ومنع (الإيمان بالمسيح) قتل الأطفال، وأنهى الحروب الدموية التي لم تكن تشفق على طفل ولا على امرأة، وقلل الغش والسكر والفحشاء، وذلك بإدخال المسيحية فيها، ولو ارتطمت سفينة على جزيرة غير معروفة لصلى الإنسان صلاة حارة وتمنى أن يكون أهلها قد سمعوا بتبشير المبشرين حتى يطمئن على حياته..

إن عمل المبشر هو بمثابة عصا الراقي، فترى البيوت تبنى والحقول تحرث والأشجار تغرس بأيادي نفس النيوزيلانديين. إن التحسن المطرد الناتج عن انتشار الإنجيل في جزر البحر الهادي لهى من النوادر في التاريخ(57).

وأيضًا المعجزات التي تصاحب المؤمنين بالكتاب المقدس من جيل إلى جيل هي شاهد عيان على حقيقة وجود الله وصحة كتابه المقدس، ومهما أنكر الإلحاديون المعجزات فلم ولن ينجحوا في هذا، وعندما أراد أحد أساتذة الشيوعيين أن يعطى مثلًا عمليًا في أحد الاجتماعات على تكذيب معجزة قانا الجليل، أحضر ماء، ووضع فيه مسحوق أحمر فتحول الماء إلى اللون الأحمر وقال ” هذه هي المعجزة بكاملها، فقد خبأ يسوع في كمه مسحوقًا من هذا النوع، وادعى أنه حول الماء إلى خمر بتلك الصورة العجيبة! ولكنني أستطيع أن أفوق عمل يسوع، فأنا أقدر أن أعيد هذا الخمر إلى ماء مرة أخرى(58) ثم وضع مسحوقًا آخر فعاد الماء إلى اللون الأبيض، ثم عاد ووضع من المسحوق الأول فتحول اللون إلى الأحمر ثانية.. فقال له أحد المؤمنين: حقًا لقد أدهشتنا أيها الأستاذ الرفيق بما استطعت أن تفعله، ونحن نسألك الآن أن تفعل شيئًا واحدًا فقط، ألا وهو أن نشرب جرعة واحدة من خمرك.

الأستاذ: هذا ما لا قبل لي أن أفعله لكون المسحوق مادة سامة.

المؤمن: هذا هو الفرق الشاسع بينك وبين يسوع، فقد وهبنا يسوع بخمره رمز الفرح السماوي لمدة ألفى سنة تقريبًا، فيما حاولت أنت أن تسممنا بخمرك، فألقى القبض على هذا الشاهد الشجاع وطرح في غياهب السجن.

ودائما وأبدًا كان الكتاب المقدَّس هو العدة والسلاح في الحرب ضد الإلحاد.. انظر ما كتبه ريشار وورمبرلد وهو يلتمس من مسيحي أوربا أن يرسلوا إلى الدول الشيوعية الكتاب المقدَّس كلمة الله، فيقول ” لا تتخلوا عنا! لا تنسونا! لا تهملونا! قدموا لنا العدة التي نحتاج إليها! لأننا مستعدون أن ندفع ثمن استعمالها.. إنني أتكلم باسم الكنيسة التي خنق صوتها. الكنيسة الخفية الخرساء، التي لا صوت لها كي تتكلم. اسمعوا أصوات إخوانكم وأخواتكم في بلاد شيوعية! إنهم لا ينشدون الهرب، أو يطلبون حماية أو حياة سهلة، إنهم يطلبون العتاد فقط لكيما يحموا شباب الجيل القادم من سم الإلحادية. إنهم يطلبون الكتب المقدسة لكي ينشروا كلمة الله، فكيف يمكنهم أن ينشروها إن لم تكن في حوزتهم.

تشبه الكنيسة السرية جراحًا كان يسافر في قطار، فاصطدم القطار بقطار آخر، وترك وراءه مئات الجرحى على الأرض بحالة رضوض وكسور وموت، فأخذ هذا الجراح يتعثر بين هؤلاء المصابين وهو يصرخ آه، لو كانت عدتي معي!.. آه، لو كانت عدتي معي!.. فلو عدته معه لاستطاع هذا الطبيب أن ينقذ حياة كثيرين، لأنه كان مستعدًا أن يقوم بالعمل، ولكن.. لكن نقصته عدة الطبابة. لذلك بقى مكتوف اليدين. هذا هو واقع الكنيسة الخفية، فهي مستعدة أن تضحى بكل ما تملك! وهي مستعدة بالتالي أن تستشهد في سبيل المسيح، وهي مستعدة أن تجازف بحياة سنين طويلة في سجون شيوعية! ولكن.. لكن جميع استعداداتها لا تأتى بنتيجة إن لم تملك عدة العمل. فتوسل الأمناء والشجعان في الكنيسة السرية إليكم أنتم الأحرار هو هذا: قدموا لنا العدة من كتب مقدسة، بشائر وكتب مسيحية أخرى(59)..

ووصل إلى ريشار كتب مقدسة مهربة عبر الأسوار المنيعة، وفي أحد الأيام جاء إليه رجلان قادمين من إحدى القرى للعمل في المدينة لاكتناز بعض المال بغية شراء كتاب مقدس قديم، ولم يصدقا أعينهم عندما قدم لهم ريشار كتابًا جديدًا ومجانًا، وبعد أيام قليلة استلم ريشار رسالة شكر حارة موقع عليها من ثلاثين شخصًا قسموا الكتاب المقدَّس إلى ثلاثين جزءًا استبدلوها فيما بينهم، فأن الشخص في الدول الملحدة كان مستعدًا أن يتنازل عن بقرته التي تمثل كل ثروته مقابل الحصول على كتاب مقدس، وأحد الأشخاص استبدل خاتم زواجه بعهد جديد(60).

ط- وصايا الإنجيل:

تنفيذ وصايا الإنجيل في الظروف القاسية دليل قوى على صحة هذا الإنجيل، ويقول ريشار وورمبرلد ” ومع إنني أمقت النظام الشيوعي مقتًا شديدًا، فأنا أحب الشيوعيين أنفسهم. أجل، إنني أحبهم من كل قلبي، ومع إن الشيوعيين يستطيعون أن يفتكوا بالمسيحيين، غير أنهم ليس بإمكانهم أن يقتلوا محبتهم نحو قاتليهم، فليست لدى أية مرارة أو ضيق نحو الشيوعيين أو نحو الذي عذبوني(61) كما يقول “قابلت مؤمنين حقيقيين في سجون شيوعية مثقلة أرجلهم بسلاسل حديدية يزيد وزنها على خمسة وعشرين كيلو غرامًا، معذبين بأسياخ حديدية محماة بالنار، مرغمين على ابتلاع كميات من الملح دون أن يقدم لهم الماء فيما بعد، جياعًا مجلودين ومتألمين من البرد، ولكن بذات الوقت كانوا يصلون بحرارة من أجل معذبيهم الشيوعيين. هذا ما لا يمكن للعقل البشرى أن يفسره، فهو محبة المسيح التي انسكبت في قلوبنا بالروح القدس(62).

وعندما سمح لأحد المحكوم عليهم بالإعدام بمقابلة زوجته قبل تنفيذ الحكم قال لها “عليك أن تعرفي يا زوجتي العزيزة إنني أحب قاتلي، فهم لا يعلمون ماذا يفعلون، وطلبي إليك هو أن تجيبهم أنت أيضًا. لا تسمحي للمرارة أن تستقر في قلبك ضدهم باعتبارهم سفاحي زوجك المحبوب”(63).

ومقابل ما تحمله المسيحيون من جلاديهم، قدموا لهم الخير، وأهم ما قدموه لهم هو كلمة الله، فكان ريشار وورمبراند يرسل ابنه الصبي “ميهاى” مع بعض رفاقه يحملون في السر أجزاء من الكتب المقدسة للجنود الروس المنتشرين في شوارع وحدائق رومانيا، وهؤلاء الجنود الذين طالما حرموا من أولادهم لسنين طويلة بسبب انشغالهم بالحروب، كانوا يفرحون بهؤلاء الأولاد ويأخذون منهم البشائر ويقدمون لهم الحلوى، وبواسطة كلمة الله عرف عدد كبير من الجنود الملحدين لله وآمنوا به، وفي عيد استشهاد بطرس وبولس الرسولين شق ريشار طريقه إلى المعسكر الروسي بحجة شراء بعض الساعات من الجنود الروس، فالتف حوله بعض الجنود يعرضون ما معهم من ساعات، فأخذ يتعلل: هذه باهظة الثمن وهذه صغيرة وتلك كبيرة. ثم سألهم بنوع من المزاح: من منكم اسمه بطرس أو بولس؟ فوجد منهم من تسمى بهذا الاسم أو ذاك، فقال لهم: هل تعلمون من هو بطرس أو بولس؟ فأجابوه بالنفي، فأخذ يقص عليهم ” فقال أحدهم: أنت لم تأت من أجل الساعات بل من أجل البشارة بالمسيح، وهؤلاء الجنود محل ثقة، فاستمر في حديثك، وإذا أقبل أحد الجنود غير الموثوق فيهم سأضع يدي على ركبتي فتحدث عن الساعات، حتى إذا ذهب هذا الشخص ورفعت يدي، يمكنك أن تستكمل حديثك، وتكررت اللقاءات حتى آمنوا.

ورغم إنه كان غالبًا عضوًا من كل أسرة من أهل رومانيا يلقى في غياهب السجون يلاقى الأهوال، ولا يعرفون عنه شيئًا، ورغم ضيق اليد للمؤمنين الذين حافظوا على إيمانهم سرًا، فإن الكارزين بالمسيح كانوا يقفون في الشوارع يرنمون ويعظون، وقبل أن تصلهم الشرطة إليهم كانوا يختفون عن الأنظار، وكان البعض يجاهر بإيمانه متحملًا تبعة ذلك من عذابات تصل إلى حد الموت، ففي إحدى المرات اندفع شخصان نحو رئيس الحكومة “جورجيو ديج” وشهدا أمامه عن المسيح فأمر بالزج بهما في السجن، ولكن شهادتهما أثمرت لأن جورجيو وهو في نهاية حياته طريح الفراش عاد إلى الإيمان بالمسيح، وكان المؤمنون يطيعون النبذات التي تحمل صور كارل ماركس، وتحت عنوان ” الدين أفيون الشعوب ” وعلى الصفحات الأولى اقتباسات عن ماركس ولينين وستالين، ثم تحمل الصفحات التالية رسالة الخلاص، وطالما قاموا ببيع هذه النبذات وسط المظاهرات الشيوعية، واختفوا عن الأنظار قبل القبض عليهم.

ى- صلابة الإيمان:

لقد فعل الشيطان وجنوده وأعوانه كل ما يستطيعون أن يفعلوه بأبناء الله الأمناء، فيكفى اعتراف الإنسان بأنه مسيحي ليزج به في سجون سيبيريا حيث يلاقى الأهوال حتى الموت، أما إذا كان صاحب شخصية مرموقة فإنهم يكتفون بنفية خارج البلاد، وقصص الشهداء والمعترفين في الدول الملحدة التي لا حد لها تسيل الدموع وتدمى القلوب، وإذ أجدني مدفوعًا بقوة لا تقاوم أقدم لك يا صديقي أمثلة قليلة مشرفة من هؤلاء الأبطال الذين دفعوا ثمن الإيمان بالعذاب والعرق والدم والموت، وإليهم يرجع الفضل في القضاء على الإمبراطورية الشيوعية، كما قضى آباؤهم في الإيمان منذ القديم على الإمبراطورية الرومانية الوثنية.

لقد أغلق الشيوعيون الملحدون عددًا كبيرًا من الكنائس، وتركوا القليل كنوافذ للضبط والمراقبة للمؤمنين، وكان معظم رعاة هذه الكنائس من عملاء البوليس السري يتعاونون مع الشيطان ضد أبنائهم، ولكن قليل من هؤلاء الرعاة كانوا أمناء لدرجة الموت، ففي إحدى المرات ذهب ضابط ليقابل قسًا في هنغاريا بمفرده، فلما اقتاده هذا القس إلى غرفة وأغلق الباب، التفت الضابط للصليب المعلق على الجدار، وقال للقس محتدًا “إنك تعلم أن هذا الصليب هو كذب وبهتان، فهو ليس أكثر من مجرد خدعة تستخدمونها أنتم أيها القسوس لتغشوا هذا الشعب المسكين.. اعترف لي إنك لم تؤمن يومًا أن يسوع المسيح هو ابن الله الحي.

فابتسم القس وقال: أنا أؤمن بأن يسوع المسيح هو ابن الله الحي أيها الشاب المسكين، فهذه هي الحقيقة، وصرخ الضابط وقد صوب مسدسه نحو القس قائلًا: إن لم تعترف لي أن هذا كذب لسوف أطلق النار عليك.

القس: أنا لا أستطيع أن أعترف بذلك لأنه غير صحيح، فربنا يسوع المسيح هو ابن الله بالحق والصدق.

فألقى الضابط بمسدسه على الأرض واحتضن القس والدموع تترقرق في عينيه قائلًا ” هذا هو عين الحق والصواب. هذا هو الصدق، فأنا أيضًا أؤمن بذلك، ولكنني متشككًا فيما إذا كان الناس مستعدين أن يستشهدوا في سبيل إيمانهم هذا، إلى أن تحققت من ذلك بنفسي. آه، إنني لشاكر لك، فقد قويت إيماني، والآن فأنا أستطيع أن أموت من أجل المسيح، فقد أريتني كيف يمكن أن يكون ذلك(64).

ويصف ريشار وومبراند شيئًا من العذابات التي تعرض لها أبطال الإيمان في البلاد الملحدة فيقول ” عذب ” فلورسكو ” أحد قسوس الكنيسة بواسطة أسياخ حديدية محماة بالنار وبالسكاكين أيضًا، وقد عذبوه بضراوة، ثم أطلقوا جرذانًا جائعة بواسطة أنبوب حديدي إلى غرفة سجنه، فلم يستطع النوم بتاتًا إذ حاول أن يدافع عن نفسه بطردها عنه، ومتى توقف قليلًا كانت الجرذان تهاجمه وتنهش جسمه، ولقد اضطر أن يقف على رجليه لمدة أسبوعين كاملين.. لمدة أسبوعين كاملين ليلًا ونهارًا، فقد أراد الشيوعيون أن يرغموه على تسليم إخوانه في الإيمان، ولكنه قاوم تعذيبهم بشدة وصبر.

وفي النهاية أحضروا ابنه الذي كان له من العمر أربع عشرة سنة فقط، وأخذوا يجلدونه أمامه بسياطهم قائلين له إنهم سيستمرون بضربه إلى أن يعترف لهم بما أرادوه منه، فكاد الرجل المسكين أن يجن، وقد تحمل قدر استطاعته، ولكنه لما عجز عن الاحتمال نظر إلى المتألم وقال له (يا ولدى أسكندر، على أن أعترف لهم بما يريدونه، فلا أستطيع أن أراهم يضربونك فيما بعد) فأجابه ابنه (يا والدي لا تظلمني بجعل نفسك والدًا خائنًا. أثبت يا والدي، فإن قتلوني فسأموت على شفتي الكلمات يا يسوع ومسقط رأسي) وعلى إثر ذلك جن جنون الشيوعيين وانهالوا يكيلون للابن الضربات القاسية إلى أن أزهقوا روحة الطاهرة، والدم يتناثر على جدران الغرفة في السجن. لقد مات وهو يحمد الله (أيها الفتى إسكندر أطلب من أجل ضعفي).

لقد كبلوا أيدينا بقيود حديدية ذات أسنان حادة من الداخل، فهي لا تؤثر علينا إن لم نأت بحركة، ولكن عندما كانت غرفنا باردة وارتعدنا من البرد القاسي، نهشت تلك الأسنان أيدينا إلى أن مزقت جلودنا.

وقد علق بعض المؤمنين الآخرين بحبال رأسًا على عقب، وضربوا بوحشية ضارية مما جعل جسمهم يتأرجح ذات اليمين وذات الشمال بسبب عنف الضربات، ووُضِعَ مؤمنون آخرون في صناديق للثلج وقد غشاها الجليد من الداخل، وقد وضعوني أنا أيضًا في إحداها بثياب رقيقة جدًا، وكان أطباء السجون يراقبون السجناء داخلها من خلال ثقوب صغيرة في جوانبها، وما أن لاحظوا مظاهر التجلد المميت علينا حتى نادوا الحراس لكي يخرجونا منها بسرعة ويدفئوننا مرة أخرى، حتى إذا ما نلنا قسطًا من الدفء أعادونا إليها ثانية لتجليدنا، وقد أعادوا الكرة مرارًا وتكرارًا.. وهذا ما يجعلني أخشى اليوم أن أفتح ثلاجة الطعام.

وضعونا نحن المؤمنين في صناديق خشبية أكبر من حجمنا بشيء زهيد جدًا، مما لم يترك لنا مجالًا للحراك أبدًا، وقد دقوا في هذه الصناديق من كل جهاته عشرات المسامير تبلغ رؤوسها من الداخل حدة الموس. كان الأمر سهلًا إذا وقفنا بسكون تام، ولكنهم أرغمونا على الوقوف في هذه الصناديق لمدة عدة ساعات طويلة، وعندما شعرنا بالتعب والإعياء وألقينا جسمنا على جوانب الصندوق طلبًا للراحة غرزت هذه المسامير في أجسادنا.. فما صنعه الشيوعيون بالمؤمنين يفوق وصف العقل البشرى وإدراكه. شاهدت الشيوعيين يعذبون المؤمنين وقد تألقت وجوههم بالبهجة، وكانوا يصرخون في وجوههم وهم يعذبونهم “نحن الأبالسة!”. إننا لا نحارب مع لحم أو دم، بل مع الرياسات والسلاطين وقوات الشر الجهنمية(65)..

وإحدى الفتيات كانت توزع بعض البشائر وتعلم الأولاد عن المسيح سرًا، فقرروا اعتقالها، ولكنهم أجلوا الاعتقال إلى يوم زفافها، وفي يوم زفافها هرع البوليس السري إلى داخل بيتها فمدت يديها ليكبلوها بالقيود، وهي تقبل السلاسل وتقول “أشكر عريسي السماوي يسوع من أجل هذه الدرة التي قدمها لي في يوم زفافي. أشكره لأنه حسبني أهلًا أن أتألم من أجله، بينما الأهل يولولون والعريس يتحسر لوعة، فهم يعرفون أهوال سجن الإلحاد، وبعد خمس سنوات أفرج عنها وكأنها أكبر من سنها بثلاثين عامًا، وكان عريسها في انتظارها، وهي تقول له إن ذلك كان أقل ما يمكنها أن تفعله من أجل المسيح(66).

ويقول ريشار وورمبراند أنه أثناء التحقيق معه ” استمر التعذيب والوحشية دون هوادة، وعندما فقدت وعيي وأصبحت كالثمل بحيث لم أستطع أن أقدم لمعذبي أية اعترافات، اقتادوني إلى غرفتي مرة ثانية. وهناك تركوني ملقى على الأرض دون عناية وشبه ميت، إلى أن استعدت بعض قواي ونشاطي ليعودوا إلى مرة أخرى للاستجواب. لقد قضى كثيرون نحبهم عند هذا الحد، ولكن قوتي عادت إلى بصورة غريبة، وفي الأعوام التي تلت، والتي قضيتها في سجون عديدة، كسروا أربع فقرات من عمودي الفقري وعظامًا أخرى كثيرة، وقد نقروا في جسمي اثنتي عشرة نقرة بالسكاكين وفتحوا فيه ثماني عشرة ثغرة آخرة كيًا بالنار.. فقد ضربوني بوحشية ولكموني بقسوة ضارية! هانوني واستهزأوا بى! أجاعوني، ضغطوا على واستجوبوني(67) وبعد ثماني سنوات ونصف أفرجوا عنه سنة 1965م لمدة أسبوعين ألقى خلالها عظتين مثبقًا للمؤمنين حاملًا في جسده سمات الرب يسوع، ثم عادوا وقبضوا عليه ليقضى ثلاث سنوات أخرى في ظروف أصعب وأشد ضراوة، وبلغ إجمالي ما قضاه في سجن الإلحاد أربعة عشر عامًا. أما زوجته فقد قبض عليها وذاقت الأهوال حتى أكلت العشب كالثيران، وترك ابنه “ميهاى” بدون عائل، وكانت مساعدة عائلات الشهداء والمساجين تعتبر جريمة، فعندما قدمت سيدتان المعونة للصبي الصغير ميهاى تعرضتنا للضرب المبرح حتى أصيبنا بالشلل الدائم، وعندما استضافت سيدة أخرى ميهاى ضربت حتى تساقطت جميع أسنانها، وعندما اهتز إيمان الصبي ميهاي، وهو في سن الحادية عشر من عمره، وعمل كعامل صغير لكيما يجد لقمة العيش، وإذ سمح له بمقابله أمه من وراء القضبان الحديدية وظهرت في حالة يرثى لها نحيلة ومتسخة وهي ترتدي ملابس السجن البالية ويديها خشنتين من قسوة العمل، فتعرف عليها بصعوبة بالغة، وكانت أول كلماتها لابنها ” آمن بيسوع يا ميهاى ” ولم يسمح لها الحراس بأكثر من هذا، إذ جذبوها بوحشية وجروها بعيدًا عن ابنها الذي راح يبكى، ومن هذه اللحظة اشتد إيمانه بالله قائلًا ” لنفرض أنه لا توجد للمسيحية أية حجج سوى تلك التي ملكتها أمي فهذا الأمر يكفيني(68).

وكانوا يعذبون المساجين بالجوع الشديد، فيقدمون لهم قطعة خبر كل أسبوع حتى صاروا أشبة بهياكل عظمية، وصاروا كالمعتوهين، حتى إن ريشار لم يقو على تلاوة الصلاة الربانية، فكانت صلاته عبارة عن كلمتين فقط هما ” أحبك يا يسوع ” والأمر المدهش أن هؤلاء المساجين كانوا يقدمون العشور من ضروراتهم.. كيف؟ كان يتخلون عن قطعة الخبز الخاصة بهم في الأسبوع العاشر لمن هو أضعف منهم.

حقًا إن هؤلاء الأبطال لم يحبوا حياتهم حتى الموت، فالشاب “ماتشيفي” في سجن “تيرجو أوكتا” الذي كان له من العمر ثمانية عشر عامًا وقد أصيب بمرض السل بسبب التعذيب وصعوبة السجن، وعندما علمت أسرته أرسلت له العلاج، فأعلمه ضابط السجن وطلب منه مقابل تسليمه الدواء الذي سينقذ حياته أن يعطيه بعض المعلومات عن زملائه المؤمنين، فقال له تبرغوا أنني لا أريد أن أبقى حيًا فاستحى برؤية وجه خائن في مرآة. فأنا لا أستطيع أن أقبل هذا الشرط. أنني أفضل الموت على ذلك، ومات تبرعوا بطلًا شهيدًا.

وعندما تسلمت ” كولموندة ” جثة زوجها الذي قتل في السجن وترك لها أربعة أطفال صغار، لاحظت علامات الاصفاد التي كبلت يديه، والحروق التي لحقت بيداه وأصابعه والأقسام السفلى من رجليه، ووخز السكاكين على القسم الأسفل من معدته، وانتفاخ رجله اليمنى، وعلامات الضرب التي برزت على رجليه الاثنين، فقد كانت الجثة كلها مشوهة بسبب الضرب، وتجمع المؤمنون نحو 1500 شخصًا في مسيرة ضخمة لتوديعه وكل منهم يعلم أن نهايته ربما تكون هي نهاية هذا الشهيد، وأكثر من هذا أنهم حملوا لافتات كتب عليها ” لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح” (في 1: 21).. ” لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها” (مت 10: 28).. “رأيت تحت المذبح نفوس الذين قتلوا من أجل كلمة الله” (رؤ 6: 9).

ويقول ريشار وورمبراند ” والنساء المسيحيات يلاقين عذابًا يفوق عذاب الرجال في السجن، فقد اغتصبت الفتيات من حراس وحشيين، والسخرية، بالإضافة إلى المناظر القبيحة، لهو أمر مرعب، وقد أجبروا النساء على العمل الشاق في حفر القنوات، وكان عليهن أن يقمن بالعمل كالرجال.. وقد أقاموا عليهن بعض المراقبات الساقطات الزانيات، فتسابقن في تعذيب المؤمنات، وقد أكلت زوجتي العشب كالثيران لتبقى حية. وكذلك أكل السجناء الجرذان والحيات عند حفر قناة ليبقوا أحياء، وكان من أبهج تسليات الحرس أيام الآحاد هي أن يلقوا النساء في نهر الدانوب ليخرجن من الماء مرة أخرى فيسخرون بهن بنظرهم إلى أجسامهن المبتلة. وقد أعادوا الكرة مرارًا وتكرارًا، وهكذا فعلوا بزوجتي أيضًا(69).

وأشارت الصحف الروسية في إحدى المرات إلى القبض على اثنين وثمانون مؤمنًا بالمسيح ووضعهم في مستشفى الأمراض العقلية، وتحت وطأة العذاب مات أربعة وعشرون منهم فأشارت الصحف الروسية أن هؤلاء ماتوا بسبب الصلوات الطويلة.. فهل لنا أن نتصور ما عاناه هؤلاء الشهداء؟!، وأشارت صحيفة “سوجتسكايس روسيا” في 4 يونيو 1963م إلى سيدة مؤمنة عدم ليس الطليعة الحمراء(70).

وكان القبض على مؤمن في بلاد الإلحاد يعنى تجويع أسرته فيقول ريشار وورمبراند “فما أن يعتقل أحد أعضاء الكنيسة السرية، حتى تلسع عائلته دراما مؤلمة، فيصبح إعانتها ممنوعة قانونيًا منعًا باتًا. هذا هو مخطط الشيوعيين المدروس لكي يضيفوا إلى آلام الزوجة المنكوبة وأولادها الذين تركهم الزوج خلفه، وعندما يساق المؤمن إلى السجن وغالبا إلى العذاب والموت لا تكون الآلام إل في طورها البدائي، أما عائلته فتتعذب إلى ما لا نهاية، وأقول لكم الحق أنه لولا المؤمنون العاديون في البلدان الحرة والذين أرسلوا لي ولعائلتي المعونات المتنوعة، ما أمكننا أن نعيش لنكون بينكم ونسجل هذه الأسطر!

هناك في هذا الوقت بالذات (1966م) موجة اعتقال شاملة ضد المؤمنين في روسيا وغيرها أيضًا في البلدان الشيوعية، ويتصاعد عدد الشهداء يومًا بعد آخر. ومع أنهم يمضون إلى قبورهم، وبالتالي إلى مكافأتهم السماوية، غير أن عائلاتهم تعيش في أحوال يرثى لها، فنحن نستطيع، بل ويجب علينا، أن نساعدهم..

عندما ضربوني على باطن قدمي صرخ لساني، ولماذا صرخ لساني؟ فهو لم يضرب! صرخت لأن اللسان والرجلين جزء لا يتجزأ من الجسم الكامل، وأنتم أيها المؤمنون الأحرار، أنتم جزء من ذات جسد المسيح الذي يتألم الآن في السجون الشيوعية، والذي يستشهد من أجل المسيح.. لقد برزت إلى الوجود مرة أخرى الكنيسة الأولى بكل جمالها، تضحيتها، وتكريسها في البلدان الشيوعية.. أخوتنا هناك، لوحدهم وبدون أية معونة، يخوضون أعظم معركة عرفها القرن العشرون، تضاهى في بطولتها الكنيسة الأولى وتكريسها(71).

وكان ثمن كرازة السجين لزملائه الضرب المبرح، وفرح الكارزون السجناء بالكرازة، وفرح الشيوعيون بضربهم، فكانت صفقة بين الطرفين، فأحد الأشخاص ضبطوه يكرز لزملائه فلم يدعوه يستكمل جملته، وحملوه إلى غرفة الضرب، ثم أعادوه مرضضًا داميًا، وما أن استعاد قدرته على الكلام حتى أكمل جملته وحديثه لزملائه الذي التفوا حوله، ورأوا فيه صلابة الإيمان بالمسيح.

وتحول المؤمنون الأحرار إلى كارزين في الخفاء ” تعترف الصحف الشيوعية أن الجزارين يضعون النشرات المسيحية ضمن الأوراق التي يلفون بها للحوم المباعة (للمؤمنين) وكذلك تعترف الصحافة الروسية بأن المؤمنين العاملين في دور النشر الشيوعية، يعودون إلى مطابعهم في الليل لطبع ألوف النشرات المسيحية، ثم يغلقونها مرة أخرى قبل شروق الشمس، وتعترف الصحافة الروسية أيضًا أن بعض الأولاد قد حصلوا على أجزاء من الإنجيل.. ووضعوها في جيوب معاطف أساتذتهم المعلقة في غرف المعاطف في المدرسة، فجميع أعضاء الكنيسة من رجال ونساء وأولادهم هم قوة إرسالية عظيمة، أشداء، نشيطون ورابحون للنفوس في كل بلد شيوعي(72).

وهكذا كانت الكنيسة قوية في هذه الظروف الرهيبة، فيقول ريشار وورمبراند “ومع أن الكنيسة السرية في البلاد الشيوعية فقيرة ومتألمة، ولكنها لا تضم أعضاء فاترين. وإن اجتماعًا دينيًا فيها لأشبه باجتماع في تاريخ الكنيسة في القرن الأول، فالواعظ لا يجيد العلوم اللاهوتية.. الآيات الكتابية غير معروفة كما يجب في البلدان الشيوعية، لأنك قل ما تجد كتابًا مقدسًا فيها. أضف إلى هذا كلمة، فقد يكون الواعظ رجلًا قضى سنين عديدة في السجن بلا كتاب مقدس(73) وكانوا يصلون في الغابات المنعزلة “لقد استبدلت زقزقة الطيور الجميلة موسيقى الأرغن، وكان شذا الورود العطرة بخورًا لنا.. وكانت شموعنًا متمثلة بالقمر والنجوم التي أضاءتها الملائكة. إنني أعجز عن وصف هذه الكنيسة وجمالها، وكم من مرة ألقى القبض على المؤمنين بعد اجتماع سرى وزجوا في السجن! وهنا يتقلد المؤمنون السلاسل الحديدية على أعناقهم بسرور كما تتقلد العروس حليها الجميلة والمقدمة لها من حبيبها. كما إنك تحصل في السجن على قبلات يسوع وعناقه، فلا تستبدل مكانك بقصور الملوك، والحق يقال فأنا لم أجد مؤمنين سعداء بالحق إلا في الكتاب المقدَّس وفي الكنيسة السرية وفي السجون الشيوعية(74).

وانتصر الإيمان بالمسيح على كل تحديات الشيطان، وكم نحن سعداء إذ أبصرنا صرح الشيوعية ينهار على يد ميخائيل جربتشوف، وعاد نور الإيمان يشع من جديد في كل بلاد الإلحاد.

_____

(1) القمص بولس عطية- دراسات في علم اللاهوت ص 12.

(2) أورده القس انجيلوس جرجس- وجود الله وصور الإلحاد ص 30.

(3) نيافة الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي- الإلحاد المعاصر وكيف نجابهه ص 38.

(4) القمص بولس عطية- دراسات في علم اللاهوت ص 15.

(5) القمص بولس عطية- دراسات في علم اللاهوت ص 23، 24.

(6) الإلحاد المعاصر وكيف نجابهه ص 60.

(7) المرجع السابق ص 60.

(8) الإلحاد المعاصر وكيف نجابهه ص 61.

(9) المرجع السابق ص 62.

(10) المرجع السابق ص 62.

(11) ريشار وورمبلاند- العذاب الأحمر ص 123، 124.

(12) القمص بولس عطية- دراسات في علم اللاهوت ص 15.

(13) نيافة الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي- الإلحاد المعاصر وكيف نجابهه ص 37.

(14) الإلحاد المعاصر وكيف نجابهه ص 33- 37.

(15) القمص بولس عطية- دراسات في علم اللاهوت ص 11.

(16) الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي- الإلحاد المعاصر وكيف نجابهه ص 67.

(17) الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي- الإلحاد المعاصر وكيف نجابهه ص 64.

(18) الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي- الإلحاد المعاصر وكيف نجابهه ص 66.

(19) المرجع السابق ص 66، 67.

(20) العذاب الأحمر ص 133- 134.

(21) نيافة الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي- الإلحاد المعاصر وكيف نجابهه ص 33.

(22) القس انجيلوس جرجس- وجود الله وصور الإلحاد ص 48.

(23) المرجع السابق ص 80.

(24) أورده القمص تادرس يعقوب- تفسير سفر التكوين ص 54.

(25) القس انجيلوس جرجس- وجود الله وصور الإلحاد ص 79.

(26) ريشار وورمبلاند- العذاب الأحمر ص 124، 125.

(27) القس انجيلوس جرجس- وجود الله وصور الإلحاد ص 38، 39.

(28) المرجع السابق ص 38.

(29) جريدة وطني 27/4/2003 القيامة والعلم (1) ص 4.

(30) ريشار وورمبلاند- العذاب الأحمر ص 12.

(31) راجع القمص بولس عطية- دراسات في علم اللاهوت ص 58.

(32) راجع علم الأحياء للثانوية العامة 2002/ 2003 ص 284- 286.

(33) راجع القمص بولس عطية- دراسات في علم اللاهوت ص 28، 29.

(34) كوستي بندلي- الإله الإلحاد المعاصر ص 51.

(35) أورده القس انجيلوس جرجس – وجود الله وصور الإلحاد ص 30.

(36) المرجع السابق ص 30.

(37) القمص بولس عطية – دراسات في علم اللاهوت ص 29.

(38) القس انجيلوس جرجس – وجود الله وصور الإلحاد ص 78.

(39) ريشار وورمبرلد – العذاب الأحمر ص 90.

(40) ريشار وورمبرلد – العذاب الأحمر ص 19.

(41) المرجع السابق ص 125.

(42) الاعترافات كتاب 1 فصل 1.

(43) الإلحاد المعاصر وكيف تجابهه ص 27.

(44) القس انجيلوس جرجس-وجود الله وصور الإلحاد ص 97.

(45) المرجع السابق ص 96، 97.

(46) القس انجيلوس جرجس-وجود الله وصور الإلحاد ص 76.

(47) المرجع السابق ص 99.

(48) ريشار وورمبرلد – العذاب الأحمر ص 118.

(49) المرجع السابق ص 127.

(50) المرجع السابق ص 126.

(51) أريل البردويل – صوت من الأنقاض ص 74، 75.

(52) القص انجيلوس جرجس – وجود الله وصور الإلحاد ص 76.

(53) العذاب الأحمر ص 138.

(54) المرجع السابق ص 76.

(55) راجع كتابنا: أسئلة حول صحة الكتاب المقدس – طبعة ثانية ص 194 – 199.

(56) ص 404، 425.

(57) ابريل البردويل – صوت من الأنقاض ص 54.

(58) ريشار وورمبرلد – العذاب الأحمر ص 132.

(59) العذاب الأحمر ص 183، 184.

(60) العذاب الأحمر ص 187، 188.

(61) العذاب الأحمر ص 69.

(62) المرجع السابق ص 72.

(63) العذاب الأحمر ص 55.

(64) ريشار وورمبراند – العذاب الأحمر ص 140.

(65) العذاب الأحمر ص 41-43.

(66) راجع العذاب الأحمر ص 46، 47.

(67) العذاب الأحمر ص 49، 50.

(68) المرجع السابق ص 60.

(69) العذاب الأحمر ص 58، 59.

(70) العذاب الأحمر ص 170، 171.

(71) العذاب الأحمر ص191-194.

(72) العذاب الأحمر ص 146، 147.

(73) المرجع السابق ص 107.

(74) المرجع السابق ص 121، 122.

 

الأدلة الدامغة على ضلال مدرسة الإلحاديين

إيجاد مساحة للإله – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

إيجاد مساحة للإله – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

إيجاد مساحة للإله – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

إيجاد مساحة للإله – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

Finding Space for God

في المشهد الأول من مسرحية ماكبث Macbeth لشكسبير، وهي إحدى أشهر مسرحياته، يواجه ماكبث وبانكو Banquo وهما إثنان من الجنرالات في الجيش الملكي ثلاثة من الساحرات، حيث تتحدث إليهما الساحرات ثم يختفين. يقول بانکو «الأرض لها فقاعات كما أن للماء فقاعات، وهؤلاء فقاعات كذلك، أين اختفين؟ يرد ماكبث: «في الهواء، ما بدا لك أنه جسد تبخر كهواء في الريح». إنه مسرح ترفيهي وأدب جميل، وفكرة الشخص الذي يختفي «كما الهواء في الريح» نادرا ما تشكل مشكلة لمشاهدي المسرح والأدب، ولكنها في السابق، مثلت عقبة حقيقية للفلاسفة في سعيهم إلى «إتباع الدليل أينما قادهم».

 

لا يوجد أحد هناك There’s No One There

في كتابي «الإله والفلسفة»، وفي منشورات لاحقة له، ذكرت بأن تصور الإله غير متماسك، لأنه يفترض أن الإله روح معنوية حاضرة في كل مكان وزمان، ووجهة نظري كانت مباشرة. الإنسان كما نفهمه بالمعنى المعتاد مكون من لحم ودم، ولذلك فإن قولنا إن «شخص من دون جسد يبدو بلا معنى له مثل قافية الأبيات المنسوبة إلى هنز ميرنز Hughes Mearns:

وأنا أسيرفوق الدرج

قابلت شخصا لم يكن هناك

ولم يكن هناك اليوم أيضا

أه كم أتمنى أن يذهب بعيدا

 أن تقول بأن هناك شخص من دون جسد» مشابه جدا لقولك «هناك شخص ما ليس موجودا هناك». إذا كنا نريد التعرف على شخص من دون جسد، فلابد أن نمتلك وسائل مناسبة للتعرف على ما نسميه «شخص». أستمر الفلاسفة المتأخرون من أمثال بيتر ستراوسن Peter Strawson وبيدي راندل Bede Rundle في تطوير هذا النقد. وفي الآونة الأخيرة، وجدنا نسخة من هذه الحجة في أعمال جون غاسكين John Gaskin أستاذ الفلسفة والزميل في كلية الثالوث بدبلن. فقد كتب غاسکین «غياب الجسد ليس فقط مبرر واقعي للشك في أصل وجود الشخص (لا شخص هناك)، بل هو أيضا مبرر للشك في أن هذا الكيان غير المادي يمكن أن يكون فاعلا[1]. تم الرد على هذا النقد من قبل الموحدين، وقد شهدت فترة الثمانينات والتسعينات صحوة للتوحيد في أوساط الفلاسفة التحليليين. قام العديد من هؤلاء المفكرين بدراسات مطولة عن الخصائص المرتبطة بالإله مثل مفهوم الخلود.

تم الرد على هذا النقد من قبل الموحدين. وقد شهدت الثمانينات والتسعينات نهضة إيمانية في التوحيد في أوساط الفلاسفة التحليليين. قام العديد من هؤلاء المفكرين بدراسات مطولة عن الصفات المرتبطة تقليدية بالإله مثل الخلود.

تصدى اثنان من هؤلاء المفكرين، وهما توماس تريسي Thomas Tracy وبراين ليفتو Brian Leftow بمنهجية المسؤولية الدفاع عن تماسك فكرة «روح معنوية حاضرة في كل زمان ومكان». ففي حين تناول تريسي السؤال عن كيفية تعريف كائن لا مادي، حاول ليفتو أن يبين أن الإله يجب أن يكون خارج المكان والزمان وكيف يمكن أن يتصرف الكائن غير المادي في الكون.

 

كمال الفاعلية The Perfection Of Agency

في كتابه «الإله والفعل والتجسيد» و«الإله الفاعل»، أجاب تريسي باستفاضة على سؤالي كيف يمكن أن يكون هناك شخص دون جسد وكيفية تعريف شخص كهذا. أعتبر تريسي أن الأشخاص (البشري والإلهي) الفاعلين يفعلون عن قصد. وهو يرى الإنسان كفاعل عضوي، كجسد قادر على الفعل القصدي. ولكن على الرغم من أن كل الفاعلين المتجسدین (كأشخاص البشر) يجب أن يكونوا وحدات نفسية (وليست عقول زائد أجساد)، وأنه لا يجب أن يكون كل الفاعلين غير متجسدين.

لا توجد حجة مضادة للثنائية تبين أن الجسد هو شرط ضروري لكينونة الفاعل، طالما أن الشرط الوحيد لكينونة الفاعل هو أن يكون ببساطة قادرة على الفعل القصدي. يرى تريسي أن الإله فاعل، لأن كل أفعاله قصدية. التحدث عن الإله كشخص، هو تحدث عن فاعل يقوم بأفعاله عن قصد. قدرة الإله على الفعل متميزة، والأفعال التي تعزى إلى الإله لا يمكن من حيث المبدأ أن تنسب للفاعلين الأخرين. على سبيل المثال، الإله عبر فعله القصدي، فهو الفاعل الذي يمنح الوجود لكل الكائنات.

لاحظ تريسي أنه يمكن تعريف الإله من خلال النمط الفريد لطريقة فعله. «إذا تصورنا الإله باعتباره الفاعل الكامل، فإنه يمكن القول إن الإله هو فاعل موجد لذاته، وتتبدى حياته كوحدة كاملة من القصد، وهو خالق كل شيء وعلى كل شيء قدير». «أن نقول إن الله يحب، فكأننا نقول إن الله يظهر هذا الحب في أفعاله، وهذه الأفعال تمثل هويته كفاعل. ولكن الله فاعل بحيث أن نمط حياته وقدرته تختلف بشكل جوهري عنا. «بما أن نطاق ومحتوى فعل الإله مميز، فكذلك ستكون خاصية حبه وصبره وحكمته». هذا الفهم للأفعال الإلهية يساعد في إعطاء محتوی لوصفنا للإله بأنه محب أو حكيم، ومع ذلك لا بد أن نعترف بأن فهمنا محدود للغاية[2].

 

التجهيزات الحقيقة للعالم The Real Furniture Of The World

براين ليفتو، وهو أستاذ بجامعة أكسفورد، يعالج هذه الأفكار في كتابه «الزمان والخلود» Time and Eternity. في نقاشي معه، أشار ليفتو إلى أن فكرة الإله الخارج عن الزمان والمكان تتوافق مع نظرية النسبية الخاصة[3] Special relativity. يقول ليفتو «هناك الكثير من الحجج التي يمكن عرضها لبيان أن الإله خارج الزمان. الشيء الذي أثر على أنك إذا أخذت النسبية الخاصة بشكل جاد جدا، فستعتقد بأن كل شيء في الزمان هو أيضا في المكان. إنه مجرد اتصال للأبعاد الأربعة. ليس هناك موحد يقول إن الإله موجود في المكان بالمعنى الحرفي. إذا لم يكن الإله في المكان، وكل من في الزمان هو في المكان، فهذا يعني أن الإله ليس في الزمان. السؤال إذا يصبح هكذا: ما هو المعنى الذي يمكن تصوره لكائن مشابه للشخص خارج عن الزمان؟

يستمر لفتو بالقول «حسنا، الكثير من المحمولات الشخصية لن تنطبق. الإله لا ينسى، أنت تنسى ما هو في الماضي. الإله لا يتوقف عن فعل شيء، أنت تستطيع فقط أن تتوقف عن فعل ما هو في الماضي. ولكن هناك محمولات شخصية، لا يبدو أن مرجعيتها الأساسية: الزمان -الأشياء مثل العلم Knowing، الذي يمكن أن يكون حالة من الميل دون مرجعية زمانية. وسأجادل بأن القصد هو أيضا كذلك. القصد هو حالة من الميل بحيث لو كان شيئا ما سيقع، فإنك ستفعل شيئا ما. ولذلك أنا أميل للاعتقاد بأن هناك أسبابا للاعتقاد بأن الإله خارج الزمان. وأيضا أميل للاعتقاد بأنه يمكننا العثور على معنى من هذا القبيل دون الغوص في مستنقع الوحل.

السؤال الثاني الذي تصدى له ليفتو كان هو: كيف يمكن أن نتكلم عن روح حاضرة بكل زمن ومكان تقوم بممارسة العمل في المكان أو الكون:

«إذا كان الإله غير زماني، فإن أي شيء يفعله سوف يفعله دفعة واحدة[4]، فلا يمكنه أن يفعل شيئا ما أولاً ثم يفعل الثاني بعد ذلك، وإنما هو فعل واحد له تأثير في أزمان مختلفة. قد يقوم الإله بفعل إرادي واحد، بأن يقول بكلمة واحدة أن الشمس سوف تشرق اليوم، وسوف تشرق غداً، إلا أن هذا الشروق يظهر اليوم ثم يظهر غداً. مع ذلك، هذا ليس هو السؤال الأساسي.

السؤال الأساسي هو كيف يمكن أن يكون هناك رابط سببي بين كائن لا زماني ولا مكاني وبين الكون الزماني -المكاني[5]؟ قدرتك على تقديم معنى لذلك يعتمد على تصورك للسببية[6]. إذا كنت تعتقد أن تصور السبب يستبطن بشكل أساسي مرجعية زمانية -مثال: إذا وقع حدث ما، استتبعه حدث أخر وبينهما علاقات معينة-فإن هذا المعنى للسبب سوف يتم استبعاده. ولكن هناك تحليل لا يتضمن مرجعية زمانية أساسية. أنا شخصيا أميل إلى أن تصور السبب لا يحمل تحليلا لأنه مفهوم أولي، والسببية علاقة أولية. إنها جزء من أثاث (تجهيزات العالم. إذا لم يكن لتصور السبب تحليل، فليس ثمة شيء يمكن أن تقتلعه منه عن طريق تحليل ما يستبعد الربط السببي الأولي بين الإله اللازماني والزمان بأسره[7].

إمكانية متماسكة A Coherent Possibility

على أقل تقدير، بينت دراسات تريس وليفتو أن فكرة الروح الحاضرة في كل زمان ومكان ليست غير متماسكة في جوهرها إذا نظرنا إلى هذه الروح خارج الزمان والمكان حيث تقوم بأفعالها القصدية بطريقة خاصة في المتصل الزماني المكاني. السؤال عما إذا كانت هذه الروح موجودة، كما نرى، يقع في صلب حجج وجود الإله.

إما بالنسبة لصلاحية، هذه الحجج فأنا أتفق مع استنتاج كونوي الذي قال فيه: «إذا كان منطق الفصل السابق صحيحا، فإنه لا توجد حجة فلسفية جيدة تنفي وجود الإله لتكون تفسيرا للكون المنظم الذي يظهر لنا. وإن كان الأمر كذلك، فلا يوجد سبب يمنع الفلاسفة للعودة مرة أخرى للتصور الكلاسيكي لموضوعهم، بشرط ألا يكون هناك طريق أخر للظفر بالحكمة»[8].

 

 

[1] John Gaskin, Gods, Ghosts and Curious Persons, unpublished paper.

[2] Thomas F. Tracy, God, Action and Embodiment (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1984), | 147, 153. See also The God Who Acts, ed. Thomas F. Tracy (University Park: Pennsylvania State University Press, 1994)

[3] النظرية النسبية الخاصة أو نظرية التغير the invariant theory، كما كان يسميها أينشتين، وهي التسمية الأكثر دقة، هي نظرية فيزيائية للقياس في إطار مرجعي اقترحها ألبرت أينشتين عام ۱۹۰۵. كبديل عن نظرية نيوتن في الزمان والمكان لتحل بشكل خاص مشاكل النظرية القديمة فيما يتعلق بالأمواج الكهرومغناطيسية عامة، والضوء خاصة. وهي تدعى «خاصة «لأنها تعالج حالة خاصة تتعلق بحركة المراجع المختبرات) بالنسبة لبعضها البعض بسرعة منتظمة وفي خط مستقيم.

[4] يذكرنا هذا بقوله تعالى : وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصرة (سورة القمر، ۵۰).

[5] وهي معضلة تناولها فلاسفة الإسلام ببحث عميق تحت عنوان « ربط القديم بالحادث»، أنظر: «أصول الفلسفة والمنهج الواقعي» للسيد الطباطبائي، وتعليق الشيخ المطهري، المقالة الحادية عشرة، والمقالة الرابعة عشرة.

[6] وهذا بالضبط ما قدمه صدر الدين الشيرازي، عند طرح نظريته في مناط احتياج المعلول إلى العلة، وبين أن مناط تلك الحاجة أن المعلول هو عين الربط والتعلق بالعلة، وليس شيئا يعرض له الربط والتعلق بالعلة.

[7]Brian Leftow, personal conversation with the author, Oriel College, Oxford University, October 2006.

[8] David Conway, The Rediscovery of Wisdom (London: Macmillan, 2000), 134.

أليس هذا تفسيرك أنت؟ حوار تخيلي مع ملحد

أليس هذا تفسيرك أنت؟ حوار تخيلي مع ملحد

أليس هذا تفسيرك أنت؟ حوار تخيلي مع ملحد

أليس هذا تفسيرك أنت؟ حوار تخيلي مع ملحد

الملحد: حسناً، لقد عدت وقرأت هذا الكتاب كله كما طلبت، ولكني لا أظن أنك نجحت في بناء قضية قوية لصالح المسيحية.

المسيحي: لماذا؟

الملحد: لأنه تفسيرك أنت.

المسيحي: طبعاً هو تفسيري أنا، ولكن ذلك لا يعني أن تفسيري خطأ.

الملحد: أنا أقول إنه خطأ.

المسيحي: هل هذا تفسيرك أنت؟

الملحد: إذن أنت تقلب عليّ الطاولة؟

المسيحي: نعم، كل الاستنتاجات تشتمل على تفسير، بما فيه تفسيرك. ولكن تعرف ما إذا كان تفسيري (المسيحية) خطأ موضوعياً، يجب أن تعرف ما هو صحيح موضوعياً. فما هو إذن ذلك التفسير الصحيح؟

الملحد: ليس هناك تفسيرات موضوعية.

المسيحي: سامحني لأني سأفعل ذلك ثانية. ولكن هذا ذلك تفسير موضوعي؟

الملحد: كف عن ذلك!

المسيحي: أكف عن ماذا؟ عن أن أكون منطقياً؟ أنا فقط استخدم خطية “رود رنر” من الفصل الأول. عندما تقول شيئاً متناقضاً يفند نفسه، أشعر أني مجبر على إبرازه. فكيف يمكنك أن تقدم تفسيراً موضوعياً يقول بعدم وجود تفسيرات موضوعية؟

الملحد: موافق، إذن محتمل أن هناك تفسيرات موضوعية.

المسيحي: نعم هناك تفسيرات موضوعية. رغم أنك قد تفسر الأدلة ثم تستنتج أن المسيحية خاطئة، يمكنني أن أفعل نفس الشيء وأستنتج أنها صحيحة. ولكن بما أن الشيء وضده لا يمكن أن يكونا صحيحين، مؤكد أن واحداً منا فقط على صواب، والآخر مخطئ. فمن على صواب؟

الملحد: أنا.

المسيحي: لماذا؟

الملحد: أنا أعتقد أني على صواب.

المسيحي: ولكن هذا مجرد تأكيد. ينبغي أن تقدم أدلة ولا تكتفي بإطلاق التأكيدات. ونحن في هذا الكتاب لم نطلق تأكيدات تقول بأن المسيحية صحيحة، ولكننا قدمنا أدلة في كل خطوة على الطريق، بدءًا بمسألة الحق وانتهاء بوحي الكتاب المقدس. فما أدلتك على صحة الإلحاد؟

الملحد: الشر والعلم.

المسيحي: تلك ليس أدلة إيجابية على الإلحاد ولكنها مجرد أشياء يعتبرها البعض عقبات تحول دون الاعتقاد في المسيحية. وكما رأينا. وجود الشر لا يدحض وجود الله (الملحق الأول) والاكتشافات العملية تؤيد فعلياً المنظور المسيحي (الفصول 3-6).

الملحد: ولكن إن كانت المسيحية صحيحة، فهي تستبعد العديد من الناس. فمها كان، ملايين الناس ليسوا مسيحيين.

المسيحي: ولكن ذلك لا يحدد ما إذا كانت المسيحية صحيحة أم لا. فمهما كان الحق لا يحدد بعدد من يصدقونه. ولكن الحق يكتشف بالنظر إلى الأدلة، هل تفسيرك (أن المسيحية خاطئة) خطأ بالضرورة لأنه يستبعد ملايين المسيحيين؟

الملحد: لا.

المسيحي: ولا تفسيري أيضاً. بالإضافة إلى أنه كما رأينا عندما تكلمنا عن الشر، المسيحية لا تستبعد الناس، ولكن الناس يستبعدون أنفسهم من المسيحية. الجميع يعرفون أن الله موجود. ولكن لأننا جميعاً نملك إرادة حرة. البعض يختارون أن يخمدوا تلك المعرفة لكي يتمكنوا من اتباع رغباتهم. وبولس يتحدث عن ذلك في رومية أصحاح1.

الملحد: ممكن، ولكني أرى استنتاجك عبارة عن حكم إدانة شديد التطرف. ويجب ألا تحكم.

المسيحي: سامحني مرة أخرى، ولكن إن كان يجب ألا نحكم، فلماذا تحكم عليّ لأني أحكم؟

الملحد: ما هذا يا عم القديس؟ هل تفضل أن تلعب ألعاباً منطقية على أن تصدق ما قاله يسوع؟

المسيحي: ليست لعبة ولكنها ملاحظة عن واقع الأمور. فأنت تناقض نفسك عندما تقول لي: «يجب ألا تحكم» لأن هذه الجملة نفسها حكم. وأنت أيضاً تحكم عندما تقول إن المسيحية ليست صحيحة!

الملحد: موافق. ولكن ماذا عن نقطتي الثانية؟ ألا تصدق ما قاله يسوع؟

المسيحي: لماذا تستشهد بالكتاب المقدس؟ هل تؤمن الآن أنه صحيح؟

الملحد: لا، ولكنك أنت تؤمن به. فلماذا لا تصدق ما قاله يسوع؟

المسيحي: أنا أصدقه. ولكن المشكلة أنك لا تعرف ما قاله. فيسوع لم يوصنا ألا نحكم. ولكنه ببساطة أوصانا ألا نحكم حكماً مرائياً. فقد قال: «لا تدينوا لكي لا تدانوا، لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم» (متى 7: 1، 2). ثم استطرد وقال: «اخرج أولاً الخشبة من عينك، وحينئذ تبصر جيداً أن تخرج القذى من عين أخيك» أي أنك عندما تحكم، لا تحكم برياء. والكتاب المقدس يوصينا أيضاً أن نحكم عندما يقول لنا أن «نمتحن كل شيء» (1تسالونيكي 5: 21)، وألا «نصدق كل روح» (1يوحنا 4: 1) لكن نؤمن بيسوع المسيح لنوال الحياة الأبدية (يوحنا 3: 16).

الملحد: انتهيت؟

المسيحي: لا. عندي نقطة أخرى: مستحيل أن تعيش طويلاً إن لم تحكم بين الخير والشر. فأنت تتخذ مئات القرارات البالغة الأهمية كل يوم التي يمكن أن تضرك أو تنفعك. وعندما تتخذ تلك القرارات تصدر أحكاماً.

الملحد: حسناً. فهمت أن الجميع يحكمون. وأنت تحكم عندما تفسر الكتاب المقدس بهذه الطريقة. فمن الذي يحدد ما إذا كان تفسيرك صحيحاً؟

المسيحي: يجب أن تنظر إلى سياق النص لكي تكتشف معناه الموضوعي.

الملحد: إن كانت التفسيرات الموضوعية ممكنة، فما السر في تعدد التفسيرات المختلفة للكتاب المقدس؟

المسيحي: لماذا يخطئ الكثيرون في مسائل الرياضيات؟ أليس هناك حلول صحيحة للمسائل الحسابية؟

الملحد: اللغة مختلفة. أظن أن هناك الكثير من التفسيرات الصحيحة لنفس الجملة أو الآية الكتابية. وهذا ما يفسر تعدد الطوائف.

المسيحي: إذن أنت تقول إن الجمل يمكن تفسيرها بطريقة واحدة فقط.

الملحد: لا!…. ألم تسمع ما قلته تواً؟ قلت إن العكس تماماً هو الصحيح. هناك الكثير من التفسيرات المقبولة.

المسيحي: إن كان هناك الكثير من التفسيرات المقبولة، فلماذا صححت كلامي لأني أسأت تفسير ما قلته؟

الملحد: هل فعلت ذلك؟

المسيحي: نعم، لقد أخبرتني تواً أني أسأت فهمك. وهذا يعني أنك قلت إن تفسيري خطأ! لماذا فعلت ذلك إن كان هناك الكثير من التفسيرات المقبولة؟

الملحد: لأني أعرف ما أعنيه، وكان يجب أن يكون واضحاً لك.

المسيحي: لك حق. إذن دعني أسألك: لماذا تتوقع من الآخرين أن يعرفوا ما تعنيه أنت عندما تقول جملة تقديرية، ولكن عندما يقول الله جملة تقريرية في الكتاب المقدس، تعطي نفسك الحق أن تصب فيها أي معنى تريد؟

الملحد: حسناً، من المحتمل أن هناك تفسيرات موضوعية. ولكن إن كان الأمر كذلك، فما السر في وجود العديد من الطوائف؟

المسيحي: لنفس السبب وجود الكثير من غير المسيحيين. لا لأنهم لا يدركون الحق، ولكن لأنهم لا يقبلون الحق. أي أننا نؤمن بتقاليدنا ورغباتنا أكثر مما نؤمن بكلمة الله. وهو ما تكلم يسوع ضده بكل قوة (متى 15: 23).

الملحد: حسناً. سأصارحك بكل شيء.

المسيحي: آن الأوان لذلك.

الملحد: مشكلتي الحقيقية مع المسيحية أنها تؤدي إلى رفض الاختلاف. فأنتم المسيحيين تعتقدون كلكم أن عندكم الحق!

المسيحي: ألم تلاحظ أن كل واحد يعتقد أن عنده الحق؟ من يقولون إن المسيحية خاطئة يعتقدون أن عندهم ذلك الحق. حتى من يقولون إن كل الأديان صحيحة يعتقدون أن ذلك هو الحق.

الملحد: موافق، موافق، أنت على صواب. أنا أعتقد أن الألحاد صحيح. ولكني لا أرفض الاختلاف مثل معظم المسيحيين.

المسيحي: حتى إن كان المسيحيون يرفضون الاختلاف، فهذا لا يعني أن المسيحية خاطئة.

الملحد: أنا أدرك ذلك، ولكنها لا تزال مشكلة عملية.

المسيحي: كيف؟

الملحد: لأن من يعتقدون أن عندهم الحق يريدون أن يفرضوا ذلك الحق على الآخرين؟

المسيحي: هل تقصد سياسياً؟

الملحد: نعم.

المسيحي: عندي خبر لك: كل من يعمل في السياسة، بما فيهم كل غير المسيحيين يحاول أن يفرض ما يعتقد أنه الحق. فما هي نقطتك؟

الملحد: نقطتي أن المسيحيين يريدون أن ينزعوا حقوق البشر.

المسيحي: الحقيقة أن المسيحية إحدى المنظورات الفلسفية الحياتية القليلة التي تقدر أن تقدم تبريراً لحقوق الإنسان المطلقة لأنها تؤكد أن تلك الحقوق ممنوحة لنا من الله. وكما أقر مؤسسو الولايات المتحدة، ليس الهدف من الحكومات أن تمنح الحقوق أو تنزعها، ولكن الهدف من الحكومات أن تكفل الحقوق التي يمتلكها الناس أصلاً. وهذا ما أكدناه في إعلان استقلالنا.

الملحد: ولكن ماذا عن قبول الاختلاف؟

المسيحي: المسيحية إحدى المنظورات الحياتية القليلة التي لا تبيح قبول الاختلاف على المستوى الديني فحسب، بل تناصره. فبما أن الله لا يجبر أحداً على الإيمان (الحقيقة أن غرض هذه الحياة هو الاختيار الحر)، معظم المسيحيين يقرون أن الحكومة أيضاً يجب ألا تحاول أن تفرض الإيمان.

الملحد: ولكن أثناء الحملات الصليبية، واضح أن بعض المسيحيين كان لهم رأي مختلف.

المسيحي: ربما سموا أنفسهم مسيحيين، ولكن مؤكد أنهم لم يتبعوا تعاليم المسيح. فيسوع لم يقبل مطلقاً هذا السلوك.

الملحد: أظن أن الحكومة العلمانية الصرف هي الأكثر قبولاً للاختلاف. فمهما كان، البلدان العلمانية في أوربا تتمتع بالحرية الدينية.

المسيحي: تلك البلدان موجودة بالفعل، ولكن معظمها تعيش على بقايا المنظور المسيحي للأجيال السابقة. فما مقدار الحرية الدينية المتاحة في البلدان التي تعلن إلحادها صراحة مثل الصين، أو مقدار الحرية التي كانت متاحة في الاتحاد السوفيتي السابق؟ ليس كثيراً. وإن ذهبت إلى بلاد بعينيها اليوم، ستجد أيضاً أن مقدار الحرية الدينية ضئيل جداً. وعلى حد علمي حتى الآن أن الكنائس ممنوعة في هذه البلاد وبعض البلدان الأخرى تعامل المسيحيين كمواطنين من الدرجة الثانية.

الملحد: قد يكون هذا صحيحاً بخصوص قبول الاختلاف الديني، ولكن معظم المسيحيين لا يقبلون الاختلاف كثيراً بخصوص قضايا أخلاقية معينة.

المسيحي: هل تعتقد أن قبول الاختلاف واجب أخلاقي مطلق؟

الملحد: أنت تحاول ثانية أن تربط الواجبات الأخلاقية بالله. أليس كذلك؟

المسيحي: لأنه ليس هناك ارتباط آخر. كما رأينا في الفصل السابع، ليس هناك واجبات أخلاقية ولا صواب أخلاقي إلا إذا كان الله موجوداً. فلماذا يجب على أي شخص أن يقبل الاختلاف إن لم يكن هناك واجب أخلاقي يحتم قبول الاختلاف؟

الملحد: لأنه الصواب.

المسيحي: هذا تأكيد آخر. بصفتك ملحداً لا يمكنك أن تبرر لماذا يجب على أي شخص أن يقبل الاختلاف.

الملحد: ربما. ولكنك بصفتك مسيحياً تستطيع أن تبرر ذلك. فلماذا لا تؤمن أنه يجب علينا أن نقبل الاختلاف؟

المسيحي: الحقيقة أن أعلى واجب أخلاقي هو الحب، لا قبول الاختلاف. قبول الاختلاف يقول: «سد مناخيرك واحتمل الآخرين». والحب يقول: «اذهب وساعد الآخرين».

الملحد: ما المانع أن تقبل الاختلاف وتحب في نفس الوقت؟

المسيحي: لا مانع، ولكن أحياناً الحب يتطلب ألا تقبل الاختلاف. فمثلاً أليس قبول القتل أو الاغتصاب أو السرقة أو العنصرية ضد الحب؟

الملحد: أظن ذلك.

المسيحي: عظيم، ولكننا خرجنا عن الموضوع قليلاً. فالمسيحية تركز على الخلاص الروحي لا الخلاص الاجتماعي. ورغم أنه من المؤكد أن المسيحيين عليهم واجبات اجتماعية، المسيح جاء ليحررنا من خطايانا، لا ليحررنا من “الرومان”.

الملحد: إن هذا لا يظهر في سلوك بعض المسيحيين اليوم.

المسيحي: تقصد أنه لا تعجبك آراؤهم الكتابية بخصوص القضايا الأخلاقية مثل الإجهاض والجنس المثلي؟

الملحد: نعم.

المسيحي: وأين المشكلة؟

الملحد: ماذا تقصد بأين المشكلة؟ تلك القضايا مهمة بالنسبة لي!

المسيحي: هل تلك القضايا مهمة جداً بالنسبة لك لدرجة أنك مستعد أن تضحي بالحق نفسه في سبيل الاحتفاظ بها؟

الملحد: ما هذا الذي تتحدث عنه؟

المسيحي: القضية هي الحق، لا ما تراه جذاباً على المستوى السياسي أو الشخصي. هل تظن أنه يجب أن تصدق ما هو صحيح؟

الملحد: طبعاً. أي شخص عاقل سيقول نعم!

المسيحي: إذن إن كانت المسيحية صحيحة. يجب أن تؤمن بها بغض النظر عما تظن من تأثيرها على السياسة أو القضايا الأخلاقية أو أي جانب آخر من جوانب حياتك.

الملحد: هذا صعب.

المسيحي: ممكن. ولكن الأصعب كثيراً على المدى البعيد أن تؤمن بالخطأ. والمسيح قال: «إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني. فإن من أراد أن يخلص نفسه يهلكها ومن يهلك نفسه من أجلي يجدها. لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟» هل فعلاً تريد أن تستبدل نفسك الأبدية بمواقف سياسية أو استحسانات شخصية زمنية؟

الملحد: إن كانت المسيحية صحيحة، فهذه هي الخيارات المتاحة أمامي.

المسيحي: نعم. والله يريدك أن تختاره. ولكنه من محبته لك يحترم اختيارك أياً كان. ولكن تذكر أن أي اختيار سيكون له عواقب هنا وفي الأبدية. وهذا ليس مجرد تفسيري أنا.

كيف يمكن للعلوم والرياضيات ان تقنع الملحد Douglas Ell أن هناك الله ؟

كيف يمكن للعلوم والرياضيات ان تقنع الملحد Douglas Ell أن هناك الله ؟

كيف يمكن للعلوم والرياضيات ان تقنع الملحد Douglas Ell أن هناك الله ؟

كيف يمكن للعلوم والرياضيات ان تقنع الملحد Douglas Ell أن هناك الله ؟

نشأ دوجلاس في ولاية كونيتيكت ,وتخرج من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) ونال مؤهلة في الرياضيات والكيمياء .ثم ذهب الي جامعة ميريلاند وحصل علي درجة الماجستير في الرياضيات النظرية .وذهب ايضاً الي كلية الحقوق وتخرج بامتياز .بعد ذلك بدأ حياته المهنية كمحامي وقد مثل العديد من الشركات الهامة والاتحادات .وقد حقق علي الصعيد الوطني نجاحاً كبيراً واقنع الكونجرس الامريكي لاجراء تغييرات هامة في القوانين واستحقاقات الموظفين .

كان في الطفولة يذهب الي الكنيسة حتي وصل الي سن المراهقة ووجد أن ايمانه يقل ثم يقل (1)حتي وصل في نهاية المطاف الي الالحاد .(2)

ويقول كنت طفلاً مهوساً احب ان أكتب ارقام طويلة كنوع من الرفاهية .وكنت اقرأ الكتب حول الموضوعات الفكرية .كنت أحب الدنياصورات وايضاً التاريخ وكل شئ علمي (3) .

وعندما التحقت بالمدرسة الثانوية لم اعد اعتقد بوجود الله .مما جعل القس يعطيني كتاب .ولكني لم اطلع عليه .وبعد مرور عده سنين حصلت علي شهاده في القانون وكنت قوياً وظللت ادعم الالحاد .علي أن الالحاد يفسر كل شئ بطريقةعلمية ومنطقية .وبدأت اقول ان الله ليس له مكان في عالمنا المعاصر . وكنت اتعامل مع الله وكأنه نكته (4) .

في اوائل الثلاثين حصلت علي ابناً وذهبت انا وزوجتي الي الكنيسة وكنت اتعامل مع الكنيسة كنادي اجتماعي أكثر من كونها مكان عباده .فبالتاكيد انا غير مؤمن ولا اري الكنيسة سوي مجموعة من العائلات ودية قد تخلق بيئة هامة لتنمية ابني .ولكن ما لاحظته أن المصليين كان لديهم سلام داخلي ملحوظ جداً .احسدهم عليه في الوقت نفسة فشلت في رؤية سبب هذا .وبعد سنوات في بداية الاربعين من عمري كان لي العديد من الالتزامات المهنية .وكنت قد بدأت قراءة العلوم والرياضيات بأكثر عمق وايضاً الدين .وكلما قرأت وجدت ان هناك صلة بين العلم والرياضيات والدين .وهذا كان منعطفاً كبيراً في حياتي الخاصة .وكانت بداية طعنه فكرية في فكري .كان هناك العديد من الطرق أن اري العلوم والرياضيات تدعم ركائز وجود الرب .

اولاً وجود ادلة علي وجود بداية للكون

ثانياً هناك ضبط للكون بشكل واضح

ثالثاً تعقيد الحياة وعدم قدرتنا علي اكتشاف تفسير طبيعي لهذا التعقيد .

رابعاً التكنولوجيا المستقبلية الموجوده في حياتنا

خامساً وجود أدلة متزايده ضد التطور الدارويني متجدده

سادساً الخصوصية التي تتمتع بها الارض

سابعاً الطبيعة الرياضية للكون

هذه الامور تمثل خنجر في عمق قلب الحادي .فحتي نظرية التطور كنظرية علمية هي ليست حكراً علي الملحدين بل ايضاً يوجد عدد لا بأس به من المسيحين من يقبلون تفسير نظرية التطور مثل مجموعة Biologos التي اسسها فرانسيس كولينز الذي تحول من الالحاد للمسيحية .فانا لم اذهب فقط للايمان بوجود الله لكن ايضاً صدق المسيحية .من خلال العديد من الحجج التي اقنعتني ان المسيحية حقيقية .وقد ساهم في ايمان دوجلاس العلوم والرياضيات ودراسة التصميم وان الكون ليس صدفة .وكان دوجلاس جالس لتناول العشاء مع صديقة بيتر فيشر رئيس الفيزياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (5)وقال انه بعد تفكير طويل وكتابة الملاحظات قال دوجلاس لفيشر “لقد وجدت العلم الحديث يؤكد بقوة الايمان بالله .

وكان دوجلاس قد كتب كتباً عن وجود الله مثل

all this evidence of design

 واشار الي قوة التصميم وخصوصاً في البيولوجيا البشرية مثل وجود 30 تريليون خلية مترابطة بشكل رائع .ولدينا المذيد من الاجهزه المذهلة .مثل الساقين والذراعين والقلب والعينين والاذنين .ولدينا الحواس وتناسق العضلات .والوعي البشري والعقل ولدينا نظام تشغيل كامل من البكتيريا وجميع اشكال الصيانة واعاده تجديد الحياة وهكذا اصبح دوجلاس يؤمن بأن العلم قاده الي معرفة وجود الله (6) ويعطي حالياً محاضرات عن هذا الامر .

  1. Proslogion. 2015. Counting To God: Another Atheist Who Became a Christian. Available.
  2. Premier Christianity. 2016. How studying science led this atheist to God. Available.
  3. YouTube. 2015. Doug Ell’s Personal Journey Counting To God. Available.
  4. Ell, D. 2014. Counting To God: A Personal Journey Through Science to Belief. p. 19.
  5. YouTube. 2015. Ibid.
  6. Attitude Media. About Doug Ell. Available.

كيف يمكن للعلوم والرياضيات ان تقنع الملحد Douglas Ell أن هناك الله ؟

كريج كينر – أستاذ العهد الجديد يحكي لنا عبوره من الالحاد إلى المسيحية – ترجمة: توماس نبيل

كريج كينر – أستاذ العهد الجديد يحكي لنا عبوره من الالحاد إلى المسيحية

كريج كينر – أستاذ العهد الجديد يحكي لنا عبوره من الالحاد إلى المسيحية – ترجمة: توماس نبيل

كريج كينر – أستاذ العهد الجديد يحكي لنا عبوره من الالحاد إلى المسيحية – ترجمة: توماس نبيل

(ترجمة: توماس نبيل)

كريج كينر هو أستاذ العهد الجديد بكلية اسبروي اللاهوتية، لقد حصل على الدكتوراه في دراسات العهد الجديد والأصول المسيحية من جامعة دوك. قبل التحاقه بكلية اسبروي اللاهوتية، كان استاذاً للعهد الجديد في معهد بالمر اللاهوتي بالجامعة الشرقية لمدة 15 عاماً تقريباً، وكان ايضاً أحد الكهنة المساعدين بالكنيسة المعمدانية الامريكية-الافريقية في فيلادلفيا.

وقد ألّف عدد من التفاسير لأسفار العهد الجديد بالإضافة الي مجموعة من الكتب التي تغطي موضوعات شاملة عن يسوع والقديس بولس الرسول وإثبات المعجزات والكنيسة الامريكية الافريقية.                       

ارجو منكم ان تعرفوا انني أدرك ان قصة أي شخص غير مسيحي قرر ان يتبع يسوع هي شيء مميز جداً. انا فقط ببساطة اروي قصة اختباري مع المسيح. عندما كنت في التاسعة من عمري، كنت ملحداً بالكامل. على الرغم أنّي في هذا الوقت ظننت ان لدي أسباب فلسفية قوية لمعتقدي، لم احتقر كل الأديان (بل على العكس استمتعت بدراسة الديانات الاغريقية والمصرية القديمة) ذلك أنى ظننت ان من يتّبع تلك الأديان (الاغريقية والمصرية) لديه أسبابه المقنعة.

حتى الان شعرت أنه من بين كل الأديان التي كنت اعرفها، كان المسيحيون وحدهم هم الذين لم يأخذوا ايمانهم بجدية (وجهة نظر استنتجتها للأسف من افتراض ان كل الشعب الأمريكي كان مسيحياً) لقد فكرت انه لو كان هناك شخص يؤمن حقاً بوجود الله، لكان على هذا الشخص ان يقدم لله كل ما يملك ويسلم له كل حياته.                                                               

لقد ظننت دائماً ان الالحاد اختيار ذكي، عندما كانت جدتي تجادل بحجة المُسبب الأول، (أي أن كل شيء في الكون لابد أن له مسبب) كنت أرد عليها بافتراض اننا سنظل نعود الي عدد لانهائي من المسببات (تكبري في ذلك الوقت جعلني غير مُدرك ان حجتي تلك تعارض ما اكتشفته الفيزياء الحديثة) وتلك المسببات مازالت غير معروفة لي، جدتي (من جهة أبي) وأختي وأخت العائلة كانوا جميعاً يصلون من اجل عائلتي.

عندما كنت في الثالثة عشر من عمري، قرأت مؤلفات أفلاطون مما جعلني أفكر في الحياة بعد الموت، ولكن إجابات افلاطون لم تكن كافية. عندها أدركت أن كائناً غير محدود هو وحده من يملك الأمل في وجود حياة أبدية.

إلى الان لو ان هذا الكائن موجود بالفعل، لم يكن هناك أي سبب حتى يهتم لحياتي، حتى لو ان هذا الكائن كان مُحباً لدرجة أنه وهب لنا الحياة. كنت أنانياً غير قابل للشفاء وغير مستحق لاهتمام كائن مُحب مثل الله. لقد شعرت انني لو تظاهرت بحب هذا الكائن، كان هذا سيكون مجرد هدف لخدمة مصلحتي لأجذب في النهاية اهتمام هذا الكائن (الله). هكذا وقبل ان اُتم الخامسة عشر بدأت انادي في سري “يا الله لو كنت حقاً موجوداً.. اظهر لي نفسك” ولكن مرت شهور بدون أي استجابة.

اخيراً، يوماً ما وانا ذاهب في طريقي من المدرسة للبيت، قابلت بعض الطلاب من معهد الانجيل الأساسي، حيث سألوني لو كنت اعلم اين سأذهب حين أموت. عندها جادلت معهم لمدة 45 دقيقة وهم يخبرونني عن موت المسيح على الصليب وقيامته مما خلصنا من خطايانا، أشياء كانت كلها بلا معني بالنسبة لي.

واخيراً سألتهم سؤالاً ظننت ان سيكون السؤال الأخير “لوكان الله موجوداً، من اين أتت عظام الديناصورات؟” لم أكن اعلم انه عندما تسأل سؤالاً ساذجاً غالباً ما تحصل على إجابة ساذجة ايضاً. فهؤلاء الطلاب ردوا ان الشيطان وضعهم هناك. لقد كنت متضايقاً بشدة لدرجة أنني بدأت ابتعد عنهم، وهم حذروني انني لو ظللت أقسّي قلبي ضد الله، فسوف انتهي في الجحيم.                                                                         

برغم أنني حاولت اضعاف حجتهم، وجدت نفسي مرعوباً طوال الطريق الي المنزل. فبالرغم من جهلهم بعلم الحفريات (أي كذبهم بخصوص وضع الشيطان لعظام الديناصورات)، لكنه تكلموا معي عن يسوع بصدق. لقد اردت من الله ان يعطيني دليلاً تجريبياً، لكن الله بدلاً من ذلك واجهني بحقيقة حضوره الخاص. لقد درست العديد من الأديان والفلسفات من الموسوعات، لكن ما اختبرته ذلك اليوم كان مختلفاً تماماً. عندما وصلت لغرفتي، كنت مغلوباً بفكرة وجود الله مما يجب ان احدد حياتي بين اتجاهين فقط: إما ان اقبل أو أرفض طلب الله، ويسوع لم يكن سيتركني قبل ان اقرر ماذا سأفعل.                                                                               

في أحد الأيام التوت ركبتي تحت قدمي، فصرخت ” يا الله، انا لا افهم كيف ان موت يسوع وقيامته من الأموات تستطيع ان تخلصني-لكن لو كان هذا كلامك، فسأصدقه. لكن يا الله انا لا اعرف كيف أخلص. لذا لو أردت ان تخلصني فيجب عليك ان تفعل ذلك بشخصك”. فجأة شعرت بشيء ما يمر خلال جسدي لم اشعر به من قبل. في الواقع هذا الشيء أخافني! ولم اعلم ما حدث بالضبط، ولكن الان عرفت ان الله حقيقي واني يجب الان ان اعطي الله كل ما املك وان أسلم له حياتي.                

هذه كانت بداية حياتي المسيحية، قبل ثلاثين عاماً. بعدها بيومين ذهبت الي كنيسة وهناك سألني أحد الكهنة لو كنت متأكداً انني خلُصت حقاً. بما أنى لم أكن متأكداً أنى قبلت المسيح بطريقة صحيحة ام لا، صليت مرة آخري لكن هذه المرة مع الكاهن. بعد ذلك شعرت أنى مملوء من مجد الله العظيم مرة اخري، لكن هذه المرة لم أكن خائفاً. الله كان عظيماً لدرجة انني عرفت أنى لم أستطع تمجيد الله التمجيد اللائق إلا إذا الروح القدس أعطاني القوة اللازمة لذلك.  في البداية، هذا التمجيد بدأ يخرج مني بصورة غريبة، ولكن هذا كان رائعاً.                                                  

على مدار السنين التالية، جعلت خمسين شخصاً اخرين يتّبعوا يسوع، من ضمنهم أحد اخوتي الصغار. معرفتي بشقاء الحياة بدون الله، جعلني ممتلئاً بالشغف ان أوصل الآخرين الي يسوع المسيح.  الشغف لخدمة الله الذي دخل حياتي ليرسمها من جديد ويعطيني أمل في وقت لم أكن اعرف معني الامل، استمر في تشجيعي خلال السنوات التالية بينما كنت كاهناً في الكنيسة ومعلماً للكهنة والمعلمين وكاتباً مسيحياً.

كريج كينر – أستاذ العهد الجديد يحكي لنا عبوره من الالحاد إلى المسيحية

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

يبقى أن سارتر لم يستطع أو لم يشأ أن يميز الإله الحي عن التصورات الصنمية التي يكونها الإنسان عنه، فرفض الله لكي يوجد الإنسان، أو بعبارة أخرى ليكون الإنسان حراً، إذ أن الحرية والوجود هما في نظر سارتر أمر واحد. رفض الله، بالنسبة لسارتر، يطلق حرية الإنسان، لأنه عند ذاك مرغم أن يخلق ذاته وأن يخلق القيم إذ ليس له ما يستند إليه خارج اختياره. بهذا المعنى قال سارتر: “لقد كتب دوستويفسكي: لو كان الله غير موجود، فكي شيء يكون مسموحاً. هذا هو نقطة انطلاق الوجودية. بالفعل كل شيء مسموح إذا كان الله غير موجود، وإذاً فالإنسان متروك لأنه لا يجد لا في ذاته، ولا خارج ذاته إمكانية التعلق بشيء”.

هكذا فحرية الإنسان هي، بنظر سارتر، المرجع الوحيد لكل شيء لم يعد للإنسان نموذج إلهي يعود إليه في تقييم أموره وفي تحقيق ذاته، إنما صار عليه أن “يخترع” ذاته والقيم، وهكذا بقبوله تلك العزلة يبلغ إلى ملء قامته كإنسان ويحافظ على أثمن ما لديه، على تلك الحرية التي هي مرادفة لوجوده.

ولكن ما هي تلك الحرية التي يجعل فيها سارتر كل كرامة الإنسان؟ إنها فراغ ظهر في ملء الكون. إنها “عدم”، يقول سارتر، ويعني بذلك أنها غير موجودة ولكنها مجرد قوة نفي ورفض، بها ينفصل الإنسان عن أوضاعه ليتجاوزها. ولكن يتجاوزها إلى أين وبالرجوع إلى أية مقاييس؟ ليس للحرية مقاييس بنظر سارتر وليس لها ما يستقطبها. إنها لذاتها المقياس والمرجع والهدف الوحيد. لا مبرر لها ولا غاية. تظهر يوماً إلى حيز الوجود ثم تتلاشى كلياً بالموت دون أن يكون لوجودها أو تلاشيها من معنى: “كل حي يولد دون مبرر ويستمر عن ضعف ويموت صدفة”. وهكذا يكون الإنسان “شهوة لا جدوى لها”. إن حريته تعطي للأشياء معاني ولكنها هو ووجوده لا معنى لهما. لذا فالحرية عبء على الإنسان لأنها فراغ دائم عبثاً يفتش الإنسان فيه عن كيانه ليستريح إليه، الإنسان “محكوم عليه بالحرية”.

تلك هي الحرية التي يعطيها سارتر قيمة مطلقة. ولكن فلنتساءل إذا كان مفهومه هذا للحرية يشكل جواباً مرضياً على مشكلة الإنسان. أمران يبدوان لنا عند ذاك، أولهما أن هذا المفهوم للحرية لا يخلو من متناقضات جوهرية، والثاني أنه تشويه وبتر للحرية الحقة.

1 – المفهوم السارتري للحرية لا يخلو من متناقضات جوهرية

 يقول سارتر إن الكون والوجود الإنساني لا معنى لهما ولا مبرر، ولكنه من جهة أخرى يقرر بأن الإنسان في سعي مستمر إلى المعنى وأنه تحديداً كائن يعكي للأشياء ولأعماله معاني. ولكن السؤال الذي يبقى دون جواب في هذا المنظار السارتري هو الآتي: إذا كان الوجود كله، بما فيه الوجود الإنساني، لا معنى له، فمن أين للإنسان ذلك التوق إلى المعنى؟ من أين له تلك الحرية التي همها أن توجد معاني؟ كيف يُعقل وجود تلك الحرية التائقة إلى المعنى وسط عالم لا معنى له بتاتاً؟ من أين أتت تلك الحرية؟ كيف برزت في كون غريب عنها بالكلية؟ هذا ما عبر عنه جان لاكروا بقوله: “إذا كان العالم مجرداً من كل معنى، وإذا كان للإنسان تطلباً للمعنى، فمن أين يأتي هذا التطلب الإنساني، من أين يأتي الإنسان؟”

أضف إلى ذلك أن تقرير اللامعنى في الكون وفي الوضع الإنساني يفترض وجود معنى نحتكم إليه في تقريرنا هذا. فاللامعنى لا يحدد إلا بالنسبة لمعنى يتطلع الإنسان إليه ويصبو. وإلا لقبلنا الوجود على أنه واقع ليس إلا. لكن طالما ان الحرية تنتصب أمام الكون لتحكم عليه بأنه لا معنى، فهذا يفترض أن هناك معنى يستقطبها وإليه تعود في حكمها هذا، وإنها بالتالي لا يمكن أن تكون مجرد فراغ لا مبرر له ولا غاية. هذا ما عبر عنه مثلاً رينه حبشي في مؤلفاته، وقد لخص الدكتور جميل صليبا موقف هذا المفكر فيما يلي: “…. إذا كان الإنسان يدرك ما في وجوده الواقعي من نقص، فمرد ذلك إلى شعوره بالكمال. وإذا كان يدرك المحال المتجلي في حطام الوجود، فمرد ذلك إلى شعوره بإمكان الخروج منه”.

هذا المعنى الذي تسمو به الحرية الإنسانية على الوجود لتقيم بالقياس إليه الوجود لا يمكن أن ينبع إلا من الله، قاعدة الوجود وغايته. لذا فتقرير عبثية الوجود يفترض ضمناً الرجوع إلى ذلك القياس الإلهي الذي تنفيه عبثية سارتر وغيره: تلك هي المفارقة كما بينها مثلاً بول افدوكيموف بقوله: “إن أكبر مفارقة هي أن اليأس في ذروته يعود حتماً إلى المطلق المعلنة استحالته… وفي النهاية غياب الله هو الذي يجعل العالم عبثاً ويائساً، إنه وحده يبرر المواقف القصوى التي تقفها الوجودية… إن الله، ولو سلبياً، يستخدم هنا كمقياس: كل شيء يقيم بالإضافة إلى غياب المعنى الإلهي”.

مجمل الكلام، أن الحرية السارترية بحاجة إلى الله لكي تقرر أن الكون لا معنى له وتنفي بالتالي وجود الله. لذا فالإلحاد السارتري تراوده، شاء أم أبى، فكرة الله، وما تهالكه على نفي الله، كما يتجلى مثلاً في مسرحية “الشيطان والله”، حيث يدوي اسم الله في كل صفحة، سوى محاولة للتخلص من “شبح” ذاك الذي تصور أنه “قتله”.

ثم أن سارتر ينسب للحرية قدرة على أن توجد الإنسان. فالإنسان “ليس في البدء شيئاً. لن يوجد إلا فيما بعد، وعند ذاك يكون كما صنع نفسه… الإنسان هو فقط، ليس كما يتصور نفسه وحسب، بل كما يريد نفسه… ليس الإنسان سوى ما صنع نفسه”. لا شيء إذاً، في هذا المنظار، مفروض على الإنسان. فالحرية تتخطى كل ضغط الأوضاع البيولوجية والاجتماعية والظروف المعيشية، تتخطى ذلك كله لتوجد الإنسان كما يشاء هو أن يكون. فالإنسان صنيعة نفسه، صنيعة حريته وحسب، لا وليد الأوضاع التي وُجد فيها. هذا التأكيد على الحرية الإنسانية، على ما فيه من مبالغة، هو من أنبل مظاهر الفكر السارتري. ولكن التناقض يبدو بين تلك القدرة الخلاقة التي تُنسب إلى الحرية، من جهة، وبين كون تلك الحرية، من المنظار السارتري، مجرد فراغ يبرز لحظة وبلا مبرر في ملء الوجود لكي يتلاشى بالكلية دون أن يكون لوجوده هدف أو غاية. كيف يمكن للفراغ الذي لا معنى له أن يكون خلاقاً وأن يصنع أسمى المعاني وأنبلها؟ إذا كانت الحرية مجرد ثغرة في كثافة الكون، كما يعتبرها سارتر، فأنى لها أن تبدع في الكون وتغير وجه الأرض؟ بالطبع يرفض سارتر الإجابة على هذا السؤال لأن من ورائه سعياً إلى اكتشاف منطق في الوجود، فيما أن الوجود بنظره لا منطق فيه ولا مبرر له. هذا ما يدعوه سارتر في كتابه “الكائن والعدم”، وكأنه يقول: الأمور هكذا لأنها هكذا. ولكن هذا الموقف يشكل انتحاراً للعقل الذي لا بد له أن يفتش عن علة الأشياء. لذا فإذا رأينا أن الحرية تحرر الإنسان من عبودية نواميس الكون وقيوده، وجب علينا أن نفتش عن أصلها خارج الكون وأن نعتبرها مساهمة منحت للإنسان في سيادة سيد الكون ومبدعه. يقول الفيلسوف الوجودي ياسبرز أن من اختبر حقاً حريته وعن تجذره في الله: “عندما نقرر بحرية، ويتخذ كل شيء معناه لنا و…. نمتلك حياتنا، نعي بأننا لسنا مدينين بكياننا لنا وحدنا.

“على قمم الحرية، عندما يبدو لنا عملنا ضرورياً، لا بضغط خارجي صادر عن حتمية طبيعة لا تلين، بل بموافقة كياننا الداخلية… نعي أننا لأنفسنا، في حريتنا، هدية من التعالي. كلما كان الإنسان حقيقة حراً، كلما كان متيقناً من الله. عندما أكون حقيقة حراً، أكون متيقناً بأنني لست هكذا بنفسي”.

وبالمعنى نفسه، وبالاستناد إلى ياسبرز، كتب المفكر الأرثوذكسي بول افدوكيموف: “يجب الاعتراف بعظمة الوجودية التي ركزت كل تفكيرها على الحرية. تلك الحرية، التي هي بداهة أساسية للفكر البشري، تشكل شرط النشاط الإنساني الخلاق. ولكن هذه الوظيفة لا يمكن أن تأتي، إلا، إلا إذا ناقضت نفسها، من العالم، من مجموعات التبعيات والقيود التي تكونه. من البديهي أن الحرية تتعالى على الكون، وأن مصدرها خارج الكون، وأنها تقدم كهبة ملوكية. لذا، ففي فلسفة كارل باسبرز العميقة، الحرية تشير بوضوح إلى الواهب، تشهد بقوة لوجود الله. إن فضل ياسبرز الكبير هو أنه اكتشف في الحرية الإنسانية برهان الوجود الإلهي…”.

الله وحده وطن الحرية الإنسانية. منه تستمد وجودها، ولكنها أيضاً إياه تبتغي لأنها به وبه وحده تحقق ذاتها. الحرية دون الله وهم وسراب. هذا ما بقي علينا أن نوضحه تجاه المفهوم السارتري للحرية.

2 – الحرية السارترية مشوهة، مبتورة

إن المفهوم السارتري للحرية يجعل منها المرجع الوحيد للإنسان، فلا أصل لها تستند إليه ولا غاية تتجه نحوها، إنما تخرج من لا شيء وتذهب إلى لا شيء. وبذلك تفقد تلك الحرية كل معنى، ويفقد الإنسان معها معناه، فيصبح، وهو الذي أراده سارتر موجوداً برفض الله، غير موجود بالحقيقة لأن وجوده لا طائل له ولا هدف. وبذلك تكون تلك الحرية قيداً على الإنسان لأنها أغلقت عليه في عزلة مميتة وحصرته في عدمه ولا معناه.

يجعل سارتر من الحرية قوام الوجود الإنساني، ولكن الصحيح أن أعمق ما في الإنسان هو السعي إلى المعنى، إلى اكتشاف معنى لوجوده ولحريته نفسها. لذا نرى موريس مارلو بونتي، وهو قطب آخر من أقطاب الوجودية الملحدة، يؤكد بأن الإنسان محكوم عليه بالمعنى. ويعلق بول افدوكيموف على هذا التأكيد بقوله: “يقول مارلو بونتي، راداً على سارتر: إن الإنسان ليس محكوماً عليه بالحرية، إنما هو محكوم عليه بالمعنى، وهذا يعني أن محكوم عليه بأن يكتشف معنى الوجود، وقبل كل شيء معنى الحرية نفسها”.

لا حرية حقة إذا كان الإنسان أسير اللامعنى. كيف نسمي حراً ذلك الإنسان الضائع، المبعثر، الذي يحيا دون أن يدرك للحياة معنى؟ إن إنساناً كهذا تائه في صحراء، وهل يُعقل أن نسمي التيه في الصحراء حرية؟ يقول الكاتب الفرنسي الكبير أنطوان دي سان اكسوبري: “هل تدعو حق التيه في الفراغ، حرية؟!”

تلك الحرية الجوفاء وصفها لنا الكاتب نفسه – ولم يكن مؤمناً – كمرض من أمراض الإنسانية المعاصرة. فصورها لنا مثلاً في كتابه الرمزي “الأمير الصغير” بشكل مسافرين يتنقلون في القطار من مكان إلى مكان دون هوادة ودون هدف. فعندما يسأ الأمير الصغير عامل السكة الحديدية عن ركاب قطار مر أمامه: “إنهم مسرعون كثيراً. فإلى ما يسعون؟”، يجيب العامل: “إن رجل القاطرة نفسه يجهل ذلك”. وفي إحدى رسائله كتب سان اكسوبري سنة 1943 واصفاً الإنسانية المعاصرة: “أنا مغتم من أجل جيلي، الفارغ من كل جوهر إنساني… أكره زمني من كل قواي لأن الإنسان يموت فيه عطشاً… هناك مسألة واحدة ليس إلا، مسألة واحدة في العالم، ألا وهي أعادة معنى روحي للناس… لم يعد بوسعنا أن نحيا من البرادات والسياسة والميزانيات والكلمات المتقاطعة… لم يعد بوسعنا أن نعيش دون شعر ولون وحب”. إنه في تلك الرسالة، يلاحظ “اليأس الروحي” الذي ينتاب البشر من جراء فقدان معنى وجودهم و”صحراء الإنسان” التي يتيهون فيها، ويقول: “ليس هناك سوى مسألة، مسألة واحدة: أن يكتشف الإنسان من جديد أن هناك حياة للروح أسمى من حياة الفكر نفسها، وأنها وحدها ترضي الإنسان”.

ضياع معنى الوجود عند الكثيرين في أيامنا يفسر إلى حد ما رواج فلسفة سارتر. لقد بين الطبيب النفسي الشهير رودولف الليرس التجاوب القائم بين تلك الفلسفة من جهة وعجز الكثيرين في أيامنا عن معرفة مكانهم في الوجود، من جهة أخرى، وأضاف: “لم يعد البشر يجدون مكانهم لأنهم لم يعودوا يعرفون ما هم. لا يمكن فهم المحدود إلا بالإضافة إلى اللامحدود. الصورة لا تأخذ معناها إلا كانعكاس الأصل. لكي يفهم الإنسان نفسه، يجب عليه أن يدرك من جديد، وبمجموعة كيانه، إنه مصنوع على صورة خالقه ومثاله”.

إن سارتر يرفض بالضبط أن يكون للإنسان هذا المرجع الإلهي، ولذا فالحرية التي ينادي بها محكوم عليها بأن تخبط خبط عشواء. لا يمكنها أن تستنير بقيم لأنها هي مخترعة القيم. لذا، “فسيّان، يقول سارتر، بين ان يسكر المرء وحده أو أن يقود الشعوب”. نعم لقد حاول سارتر أن يبني مناقبية على تلك الحرية المعتبرة مرجعاً لكل شيء، فقال بوجوب العمل على إقامة نظام سياسي واجتماعي يضمن الحرية للجميع، إذ أن الحرية هي أثمن ما في الإنسان. ولكن أسس تلك المناقبية ضعيفة، إذ ما الذي يمنع الحرية، وهي القيمة المطلقة التي لا مرجع لها سوى ذاتها، من أن تختار تأكيد ذاتها عن طريق التسلط واستعباد الغير. ما الذي يمنعها أن تجد نشوتها، إن شاءت، في تحطيم ومحو ذاتها؟ ما الذي يمنعها أن تعتمد سلوكاً لا إنسانياً طالما هي وحدها ترسم، بقرار منها، الحدود بين ما هو إنساني وما هو غير إنساني؟

تلك الحرية الفاقدة المعنى، السائرة على غير هدى، إنما هي عبء لا يطاق على الإنسان، لا لكونها تنافي ميله إلى الراحة والطمأنينة وحسب، كما يبدو لسارتر الذي يعتبر قذراً كل من رفض الحرية التي يبشر بها، بل لكونها تناقض أعمق ما في إنسانية الإنسان، ألا وهو عطشه إلى معنى يقيّم به وجوده، معنى يكشف له من هو وما هو مكانه في الكون. فلا عجب، والحالة هذه، أن يحاول الإنسان التخلص من عبء تلك الحرية بانضوائه تحت لواء مذهب شمولي يستعبد نفسه له كلياً، وبخضوعه الأعمى لزعيم سياسي مؤله، مفضلاً طغيانه وارهابه على ممارسة حرية لا طائل لها ولا هدف. هذا بعض ما يفسر نجاح النازية والفاشية والستالينية في عصرنا. إن سارتر نفسه لم ينج من تلك التجربة كما بين بول افدوكيموف بقوله: “إن هاوية الحرية تثير، بشكل غريب جداً، الدوار والغثيان. وكأن لا بد من دفع ثمن الخداع. هذا ما توقعه دوستويفسكي عندما قال إن الإنسان لن يستطيع أبداً أن يحتمل نير الحرية وأن الماركسية تقدم أقصى الإمكانية للتجرد من هذه الهبة الملوكية. أن سارتر يقر بذلك: “لا أصل لشيء، لا يمكنني فكري من أن أبني شيئاً، إذاً لم يعد من حل سو الماركسية” (نقد العقل الجدلي).

إن الحرية، تلك “الهبة الملوكية”، عبء، على كل حال على الإنسان لأنه ينزع إلى الطمأنينة الرخيصة، ولكنها تصبح زوراً لا يحتمل إذا جردت من معناها كما هو الحال في المفهوم السارتري لها. (هذا ما يسميه افدوكيموف “ثمن الخداع”). إن هذا المعنى وحده ينقذ الحرية من فراغها ويجعل منها حرية أصيلة، لا قيداً يضاف إلى قيود الإنسان. لقد قال الرب يسوع: “ستعرفون الحق، والحق يحرركم” (يوحنا 8: 32). يقابل بول افدوكيموف تلك الكلمة الإلهية بتأكيد مارلو بونتي على ضرورة المعنى للإنسان، ويقول: “حسب الإنجيل، ما يجعل الإنسان حراً هو الحق أي المعنى”.

هذا المعنى الذي لا بد منه كي تكون الحرية أصيلة، لا يتحقق إلا إذا كانت الحرية تعني تحرير الإنسان من كل أغلاله. أن أكون حراً، هذا يعني، في الأعماق، أن أحطم قيودي وأتخلص من محدوديتي وأحقق ذاتي على أكمل وجه. وإلا لاقتصرت الحرية على اختيار قد يسمح لي بشيء من الشعور بالاستقلال ولكنه يفقد الكثير من معناها إذا بقيت جوهرياً أسير عجزي وفراغي. يقول سان اكسوبري: “ما أسميه حرية هو تحريرك”. أما سارتر، “فالحرية التي يتحدث عنها هي مطلق فارغ، إنها محصورة بالاختيار”.

يقول سارتر إن الحرية مرادفة لجاوز الذات المستمر الذي يتميز به الإنسان. ولكن هذا التجاوز مستقطب، وإلا لما كان. الحرية ليست، كما يتصورها سارتر، مجرد رفض لما هو قائم، هذا هو وجهها السلبي فقط. ولكن الإنسان لا يرفض الوضع الراهن إلا بسبب سعيه إلى الأفضل والأكمل. لا وجود لحرية الإنسان لولا المطلق الذي يستقطبها ويعطي لحركتها المستمرة وقلقها الذي لا ينتهي غاية ومعنى. ولكن ما معنى هذا التجاوز للذات، في مفهومه السارتري، الذي هو أفقي محض وممتد من عدم إلى عدم، من العدم الذي يخرج منه الإنسان إلى العدم الذي ينتهي إليه ويتلاشى فيه؟ ما معنى هذا التجاوز للنفس الذي يبقي الإنسان نهائياً على عزلته وشقائه وشروره وفنائه؟ ما معنى هذا التجاوز طالما الإنسان يبقى أسير ذاته وهزالتها؟

ولكن الإنسان لا ينجو من هزالته إلا بالآخر. هذا ما تثبته لنا الخبرة الإنسانية اليومية. الإنسان يكتمل بالحب، عندما يسلم ذاته لآخر عند ذاك يجد نفسه. الرجل والمرأة يكملان أحدهما الآخر في الحب الزوجي الذي يجمعهما، وكما يقول ميللر “في اللحظة التي يكونان فيها منجذبين خارج ذواتهما إلى أبعد حد، باندفاع الحب، في الحياة الزوجية المشتركة، في تلك اللحظة عينها يحس الرجل والمرأة أنهما يبلغان الحرية الحقة”. كذلك يكتمل الرجل بالأبوة – روحية كان أو جسدية – والمرأة بالأمومة، إذا عاشاها في أصالتها المعطاء. لم ير سارتر في الآخر إلا ذاك الذي يسلبني وجودي، ولم يتصور العلاقة بيني وبينه سوى صراع بين عزلتين. ولكن هذه النظرة القاتمة إلى العلاقات الإنسانية لا تأخذ بعين الاعتبار سوى جزء من الواقع. يقول روبير كوفي: “نعلم أن الإنسان، بالرغم من رغبته، لا يستطيع أبداً أن يتغلب على عزلته بشكل تام، ولكننا نعلم أيضاً بالاختبار أن الشركة ولو كانت محدودة وناقصة، تبقى حقيقة واقعية. نظر الأم يوقظ الحياة والحب. نظر الخطيبة والخطيب والزوج والزوجة والصديق يخلق الآخر… إن سارتر لا يشوه الإنسان وحسب، إنما يبدو جاهلاً للوقائع”. خبرة العلاقات الإنسانية، إن لم نبترها بتحيزنا، تعلمنا أن الآخر ليس هو مجرد تهديد لوجودي، إذ إنني به أوجَد. من هذه الخبرة الإنسانية الأصيلة انطلقت الفلسفة المظهرية الحديثة، لتبين “أن الإنسان لا يكتمل كإنسان إلا في الشركة، إلا في الحياة مع الآخرين. عوض “الأنا” يوجد “النحن”، تجاه “الأنا” يوجد “الأنت” ليعطيه معناه. وهكذا يبدو كيف أن إسلام الذات للآخر هو على خط الشخصية والحرية الحقة”.

هذا صحيح بالأحرى بالنسبة لعلاقة الإنسان بالله، إذا كان الإنسان لا يحقق ذاته إلا الآخر الإنساني، فإنه بالأحرى لا يحقق ذاته إلا بذلك الآخر الإلهي الذي منه يستمد كيانه. رفضه الله يعنى انفصاله عن جذور كيانه وينبوع وجوده. في هذا الانفصال لا يجد إلا العدم وحرية زائفة هي حرية العدم، حرية هي بمثابة انتحار كياني. يقول روبير كوفي: “لقد قتل سارتر الله. النتيجة الطبيعة لذلك هو أنه يؤله الإنسان. إنه يأتي من لا شيء ويذهب إلى لا شيء. إنه ليس سوى ومضة في ليل الأشياء. وفي هذا اللحظة الهزيلة التي تدعى الوجود، عليه أن يمثل أمام الإنسان الذي يقاضيه دون ان يعرفه والذي لا يعرف الرحمة والحب”.

“حرية” الزهرة، لو صح التعبير، ليس بأن تستقل عن الجذع فتذبل، بل أن تتصل به صميمياً، لأنها عند ذاك تحقق ملء وجودها كزهرة. كذلك “حرية” السمكة ليست بأن تخرج من الماء الذي يكتنفها، بل أن تبقى ملازمة له. هكذا، يقول شارل ميللر، فالإنسان “يجد حريته الحقة في عودته إلى القوى التي أعطته الحياة والتي تعطيه إياها باستمرار، في العمق”، ولذا “فالعمل الذي به ينفتح الإنسان إلى النعمة هو بمثابة عمل ذاك الذي بعود فيغطس في الماء المحيي. الزهرة المقطوعة تموت إذا بقيت وحدها، أما إذا غطست من جديد في الماء، فإنها تعد زهرة، تعود إلى أصالتها. العمل الذي يقتبل به الإنسان نعمة الإيمان النوارنية ليس سوى ذلك.” من آمن به، يقول يسوع، تجري من جوفه أنهار ماء حي”.

وجود الإنسان مستمد من آخر، وبعبارة أخرى وجوده نعمة، أي عطية حب، يقول الأب دانيالو: “أنا لست موجوداً إلا لأنني محبوب. ولذا أن أوجد يعني بالنسبة لي أن أحب بدوري، أن أجيب على النعمة بالشكر… منذ البدء أدخلت في دورة الحب، دورة النعمة والشكر. لا يسعني أن أنفصل. لأنني إذا انفصلت أدخل في نطاق…. اللامحدود. إنها لمفارقة جديرة بالاهتمام، إنني بقدر ما أريد الاكتفاء بذاتي أهدم ذاتي، فيما أؤكد ذاتي إذا اعترفت بعد كفايتي”.

على الإنسان إذاً أن يعترف بأنه ليس مصدراً ومحوراً لوجوده وأن يدخل في “دورة الحب” التي ذكرنا. عند ذاك يتقبل الوجود عطية حب من ربه، فيحقق ذاته بذلك الحب المحيي ويبلغ إلى الحرية الحقة. ولكن الإنسان قد يرفض ذلك، لأن “شهوته أن يملك ذاته. إنه يكره… أن يقبل بأن ينال كلياً في كل لحظة من آخر…لهذا السبب فإنه، إذا قاده ثقب نظره الماورائي إلى الاعتراف بأن كل خير آت من الله، يرتضي خطيئته، وبأن كل سعادة آتية من الله، يرتضي شقاءه، وبأن كل كينونة آتية من الله، يرتضي عدمه. لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي لديه لرفض الله، إذا كان كل ما هو كائن آتياً من الله وإذا كان قبول الكينونة اعترافاً بعدم الاستقلال”.

إن سارتر يفضل حرية العدم والفراغ على قبول الوجود من آخر عطية حب مجانية. ولا عجب في ذلك، فمن كان كسارتر لا يرى في الحب البشري سوى العبودية والاستعباد، لا يمكنه أن يفقه شيئاً في سر النعمة، لا يمكنه أن يفهم أن اتجاه الله نحو الإنسان، ذلك الاتجاه الذي شبهه الكتاب، في الأنبياء ونشيد الأنشاد وأمثال الإنجيل ورسائل بولس ورؤيا يوحنا، بالحب الزوجي، إن ذلك الاتجاه يمنح وحده الإنسان الحرية الحقة لأنه وحده يمده بطاقة تمكنه من تحقيق ذاته كلياً.

لقد ميز أوغسطينوس المغبوط بين ما دعاه “الحرية الصغرى”، ألا وهي حرية الاختيار، وما سماه “الحرية الكبرى”، وهي الاتحاد بالله. وقد حدد أحدهم الحرية الحقة بأنها” قدرة على الاختيار في خدمة قدرة على الاكتمال”. ذلك هو المفهوم الكتابي للحرية، تلك الحرية التي أعلنها الكتاب على أنها موهبة الله ودعوته للناس: “فأنتم، أيها الأخوة، إنما دعيتم إلى الحرية” (غلاطبة 5: 13)، “لقد حررنا المسيح لكي ننعم بهذه الحرية: فاثبتوا إذاً فيها ولا تعودوا ترتبطون بنير العبودية” (غلاطية 5: 1). ولكن الحرية، في المنظار الكتابي، لا تتحقق إذا شاءت أن تكتفي بذاتها وتنفصل، بل إذا قبلت بأن تدخل في “دورة الحب” المحيية. الحرية، بنظر الكتاب، لا تنفصل عن حياة الشركة، الشركة مع الله والشركة مع الناس التي تترجم وتحقق الأولى. ولذا فالخطيئة، حسب التعليم الكتابي، عدوة الحرية اللدود، لأنها، تحديداً، تلك الاكتفائية القتالة التي بها يفص الإنسان الشركة ينفصل عن ينبوع وجوده وكيانه، فيجف ويذبل ويصبح أسير عدمه وفراغه.

لذا قال الرب: “إن كل من يعمل الخطيئة هو بعد للخطيئة” (يوحنا 8: 34). لذا أيضاً فبعد أن قال الرسول بولس: “فأنتم أيها الأخوة، إنما دعيتم إلى الحرية”، أضاف: “ولكن لا تجعلوا هذه الحرية قرصة للجسد (أي، في لغة بولس، للإنسان المكتفي بذاته، المنفصل)، بل كونوا بالمحبة خداماً بعضكم لبعض” (غلاطية 5: 13). وكأنه يقول: يجب ألا تقودكم حرية الاختيار (وهي “الحرية الصغرى”) إلى الاكتفائية التي بها تزول حريتكم بالمعنى الكامل لهذا العبارة (وهي “الحرية الكبرى”، تحرر الإنسان من هزالته بدخوله في الشركة الإلهية)، تلك الحرية التي لا تتحقق إلا بالحب. الحرية، في الكتاب، هي ثمر الروح الإلهي الذي به يوجد الإنسان بوبه يتحقق ملء وجوده: “الرب هو الروح، وحيث يكون روح الرب، فهناك الحرية” (2كورنثوس 3: 17).

لذا فرفض الأبوة الإلهية يجعل الإنسان في عزلة وفراغ، أما العلاقة البنوية المعاشة بينه وبين خالق فإنها تمده “بمجد الله” أي بزخم الحياة الإلهية التي بها يتحرر من هزالة وضعف وعزلة وشر وموت. تلك هي الحرية التي حددها الرسول بولس على أنها تحرر من “الخضوع للباطل” ومن “عبودية الفساد”، حرية أبناء الله الذين تحرروا، بتلك البنوة عينها، من المحدودية والشر والموت، فأشاعوا تلك الحرية في الكون كله: “إن الخليقة ستعتق، هي أيضاً، من عبودية الفساد إلى حرية مجد أبناء الله” (رومية 8: 21).

هؤلاء الأبناء متصلون بالله دون أن يكون في ارتباطهم الصميمي به أي أثر للعبودية. ذلك لأن الله ليس كياناً غريباً مفروضاً على كيانهم، بل إنهم به، وبه وحده، يجدون ذواتهم. فالله هو الكائن المتعالي كلياً، ولكنه بآن أقرب إلى الإنسان من ذاته، حتى أن الإنسان لا يقترب من ذاته، الأصيلة، محققاً كل طاقاته، إلا بمقدار اقترابه من الله، من ذاك الذي أشار إليه الشاعر الكبير المعاصر بول كلوديل بقوله: “من هو فيّ أكثر أنا مما أنا”.

الخاتمة

فضل سارتر علينا، في نقده للدين، أنه يساعدنا على التحرر من مواقف دينية زائفة كثيراً ما نخلط بينها وبين الإيمان الأصيل. منها مثلاً ذلك الموقف السلبي في الدين الذي يعطل به الإنسان تفكيره ويتخلى عن كل مبادرة، ادعاء منه بأنه يطيع الله، فيما يكون منقاداً انقياداً أعمى للتقاليد وعوائد بشرية تجنته مشقة تحمل مسؤولياته واتخاذ موقف ملتزم، واع.

منها تلك الجبرية التي بموجبها نستسلم لما ندعي أن الله قد “كتبه” لنا، فنلقي هكذا على الله، أو بالأحرى على صنم نطلق عليه ذلك الاسم المعبود، مسؤولية جبننا وخنوعنا وتخاذلنا. ومنها أيضاً تحويلنا الأخلاق إلى مجموعة من الأوامر والنواهي ننقاد لها بشكل سلبي، أعمى، دون أن نعي ارتباطها الصميمي بمتطلبات كياننا العميقة، فنستعيض عن الضمير الحي، الواعي، الدائم اليقظة والانطلاق، بشريعة ملصقة بنا من الخارج، جامدة، مائتة، خائفة، تجنبنا حرفيتها الضيقة قلق الالتزام الحر وتحمينا من الدخول في مجازفة الحب الذي لا يقف عند حد. ومنها تجنب التفكير في أمور الحقيقة الإلهية (ألا يدعي البعض أن الغوص في شؤون الدين كفر؟)، كأن العقيدة الموحاة وجدت لتعفينا من التفكير، لا لتكون ملهمة ومغذية لفكر حيّ خلاق. ومنها أيضاً تلك الاتكالية التي هي صورة كاريكاتورية عن الثقة بالله والتي يحاول بها الإنسان أن يحمي نفسه من مجابهة الواقع ومن صعوبة وخطر النضال في سبيل تغيير أوضاع تنافي الكرامة الإنسانية.

يقول شارل ميللر بأن هناك نوعا ًمن الاتكال على الله هو طريقة للقبول بمصائب الناس وللحصور على طمأنينة رخيصة، بأن هنا عادة خبيثة تدفعنا إلى تشجيع نفوسنا بقولنا أن كل شيء سيجري على ما يرام، ويضيف: “كل شيء يدعوه سارتر سوء نية، ولكن المسيحي يدعوه خطيئة”. إنه خطيئة لأنه هروب وتخدير ونوم واستكانة أنانية جبانة، فيما تطلب المحبة منا يقظة وشجاعة ومجابهة والتزام: “يسوع في نزاع إلى منتهى الدهر، لذا لا ينبغي أن ننام في هذا الوقت.”

المسيحية، في أصالتها، بعيدة عن الاستكانة بعد السماء عن الأرض. يقول ميللر: “…. إن نعمة الله لا تطالنا (كما يتصور سارتر) بشكل دعوة للاستقالة والانقياد. إنها تدخل فينا بمثابة سيف، تمنعنا من النوم، تلزمنا على يقظة غير منقطة، المسيحي هو الساهر في “ليلة الفصح”، تلك الليلة التي لا ينبغي النوم فيها، إذ يجب ترقب “عبور الرب”.

المسيحية انطلاقاً لا نهاية لها لأنها اندماج الإنسان في الحياة الإلهية التي لا حد لها. من عرف الله حقيقة لا يمكنه أن يقف عند حد، لا يمكنه أن يرضى عن ذاته في حال من الأحوال، بل يحقق ذاته بتجاوز مستمر لذاته. كلما حالو الإنسان الاقتراب من الله، كلما ازداد شعوره ببعده عن ذلك الكائن اللامتناهي الذي يدعوه، وكلما ازداد بالتالي قلقه واشتياقه. هذا ما اختبره بنوع خاص كبار الروحيين: فقد تحدث غريغورس النيصصي مثلاً ذلك الخروج اللامتناهي من الذات نحو غور الله الذي لا يسبر عمقه.

“لقد وصف غريغوروس النيصصي وصفاً بديعاً ذلك اليأس الذي يعتري النفس الساعية إلى الله، التي ترجو في البدء أن تمسكه كله وتغتم لأنها تراه يفلت منها دوماً. ولكن “حجاب الحزن هذا ينزع عنها عندما تتعلم أن التمتع بالمحبوب هو بالضبط في هذا التقدم والارتقاء الدائمين، إذ أن الرغبة تلبى في كل لحظة فتنشئ رغبة بما لم يبلغ بعد” (تعليق على نشيد الأنشاد). هكذا فالنفس التي تنمو في حياة النعمة يملؤها الله دوماً على قدر طاقتها ولكن النعمة المعطاة لها توسع طاقتها وتجعلها قابلة لنعم جديدة. هكذا فالخبرة الصوفية قوامها امتلاك ورغبة بآن… إنها، يقول غريغوريوس، حركة وراحة، بئر مياه حية، ساكنة ومتفجرة بآن”.

يقول النيصصي: “حيث أن الجمال المطلق يكشف ذاته أكثر فأكثر، فعلى قدر التقدم يزداد اكتشاف الألوهة. وبسبب الغزارة الفائقة، غزارة الخيرات التي تكتشفها النفس باستمرار فيما يفوق الطبيعة، يبدو لها أنها لم تزل في أول ارتقائها. لذا يردد الكلمة لتلك التي سبقت فنهضت: “انهضي” ولتلك التي سبقت فأنت: “تعالي”. فإن الذي ينهض حقيقة عليه أن ينهض أبداً، والذي يركض نحو الرب لن يعوزه أبداً الفضاء الواسع ليتابع فيه جريه الإلهي. لأنه ينبغي للمرء أن ينهض دوماً وألا ينقطع أبداً عن الاقتراب ركضاً. لأن الذي يقول: انهض وتعال، يمنح فيك كل مرة نعمة ارتقاء أفضل”، وأيضاً: “والذي يرتقي لا يتوقف أبداً، بل ينطلق من يده إلى بدء، ماراً ببداءات لا تنتهي أبداً”.

الحياة الروحية خروج مستمر، السلاح دائم عن الذات تتحقق به الذات، لأنه انسلاخ عن محدوديتنا، كما أن النمو الطبيعي انفصال مستمر عن الأوضاع القديمة وحدودها لبلوغ حياة أوفر وأكمل. ليست محافظة شحيحة، خائفة، على كياننا، بل هي قبول بأن يضيع هذا الكيان لكي يوجد: “من أراد أن يخلص نفسه أضاعها، ومن أضاع نفسه من أجلي وجدها” (متى 16: 25). إنها خروج دائم للنفس من ذاتها لتجد ذاتها في من هو أعظم من ذاتها، كما قال أوغسطينوس: “لقد أخرجت نفسي، سكبت نفسي خارج ذاتها، إن بقيت نفسي في ذاتها لا تستطيع أن تجد إلا ذاتها”.

إنها فصح دائم، والفصح يعني عبوراً واجتيازاً، يعني اقتبالاً لصليب الانسلاخ الدائم عن “الإنسان القديم” (كولوسي 3: 9 ورومية 6: 6) المكتفي بذاته، المرتاح إلى حدوده (كما كان العبرانيون مرتاحين إلى عبودية فرعون، يحنون إليها) لكي نفسح مجالاً (لجدة الحياة) (رومية 6: 4 تتفجر فينا وتحولنا. هذا ما عناه الأرشمندريت الياس مرقص بقوله: “الحياة الروحية حركة فصحية نحو الله والآخرة” ، وقد كتب أيضاً بهذا الصدد: “نحن نطلب الحياة والحياة لنا هي بالضبط تلك الحركة الاشتياقية اللانهائية حو مصدر الوجود”، وأيضاً: “الله فيّ، في الداخل، في الطبيعة نحن لا محدودون كالله، مخلوقون على صورة لا محدودية الله. ولكن الله غير محدود “فعلاً” أما نحن فبالمصير. الوهتنا أن نتحول، أن نصير الله على الدوام. إن كوننا نتغير – نصير – يعطينا أجنحة على حد قول غريغوريوس النزينزي، وهذا مصدر كياننا. إن الخلق لا يزال جارياً بالنسبة لنا وسيزال إلى الأبد. نحن ننال أنفسنا كل لحظو من الله. “أبي حتى الآن يعمل”…

“…. الخروج من الذات هو بالنتيجة رجوع إلى الذات، إلى الروح العميقة التي في الذات تدعونا إلى الآب…”.

أين هذه الحياة الروحية المتحركة دوماً في تجاوز للذات لا متناه من الاستكانة والنوم اللذين يبدوان لسارتر جوهر التدين. غريب حقاً كون سارتر لم يستطع أن يميز بين الحياة الدينية الأصيلة وانحرافاتها. و”كأنه يقول ميللر، لم يقرأ أبداً نصاً انجيلياً واحداً، كتاباً واحداً لأحد الصوفيين”.

يعتقد سارتر أن نظر الله يسمر الإنسان، يجمده، يحول بينه وبين هذا التجاوز المستمر لذاته الذي هو مرادف لوجوده الإنساني الأصيل. هذا ما يبدو مثلاً في رواية “سبل الحرية” حيث نرى دانيال، وهو منحرف جنسياً، يحاول أن يتخلص من مسؤوليته، فيتجه إلى الله ويتصوره “نظراً محدقاً إليه”، فيقنع نفسه بأنه، كما أن الإنسان بنظره إلى الطاولة يحددها على أنها طاولة، ولا يسعها هي إلا أن تتقبل هذه التحديد، هكذا فالله بنظره إليه يحدده على أنه منحرف، على أن هذه طبيعته، ولم يبق له إذاً سوى تقبل هذا التحديد والعمل بموجبه دون أية مسؤولية. “ولكن المؤمن الأكثر فتورة، يقول ميللر، يعلم جيداً أن “نظر الله” هو نظر حب؛ وأنه، عوض أن يجمدنا، دعوة لنا، ضربة سيف تنفذ إلى مفصل النفس والروح لتعيد إلينا شعورنا بالمسؤولية، لتوقظ فينا حرية ماتت بالخطيئة”. هذا النظر الإلهي تجلت لنا نوعيته في يسوع المسيح.

يروي لنا الإنجيلي مرقص أن إنساناً أتى إلى يسوع سائلاً عما يجب أن يعمله ليرث الحياة الأبدية، “فحدق إليه يسوع، وأحبه؛ وقال له: “أمر واحد ينقصل: امض وبع كل ما لك، وأعطه للفقراء، فيكون لك كنز في السماء؛ ثم تعال اتبعني” (مرقص 10: 20). هكذا كانت نظرة يسوع إلى هذا الشاب؛ نظرة الحب الذي يوقظ المحبوب إلى حياة أوفر وأغنى، ويفتح أمامه آفاقاً لا حد لها، آفاق تحقيق ملء الوجود بتجاوز كل امتلاك، لأن الإنسان مملوك مما يملكه، اسير ممتلكاته وخيراته التي تشده إليها وتحصره فيها وتحول دون تفجر طاقة الحب التي بها، وبها وحدها، يحيا ويحقق ذاته.

قضيتنا مع الله ليست أنه يريد تقييدنا وتجميدنا فيما نحن نثور لندافع عن حريتنا المهددة. الواقع هو العكس تماماً. فهمّ الله أن يوقظنا إلى أبعد حد؛ دعوته الدائمة إلينا أن نتجاوز ذواتنا لانهائياً بتلك الحياة الإلهية، حياته، التي يبثها فينا إن شئنا أن نتقبلها. همه أن يعطينا ذاته لكي نتجاوز كل الحدود ونصبح آلهة، وبذلك نصبح حقيقة أحراراً.

الله طموح بالنسبة إلينا فوق ما نستطيع أن نتصور: “ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر ما أعده الله للذين يحبونه” (1كورنثوس 2: 9). ولكننا نحن نرهب هذا الطموح. ذلك أن الحرية الحقة هي تحرر من محدوديتنا، أما نحن فنطمئن إلى حدودنا، لا نريد أن نتغير جذرياً، لا نريد أن نتجاوز حدود هذا الأنا الضيق المألوف الذي نرتاح إليه، لا نريد أن نتسع إلى اللانهاية.

نرهب الحرية لأنها مقلقة، خطرة، كمن يبقى على الشاطئ لأنه لا يجرؤ على خوض عرض البحر واكتشاف عوالم جديدة. نحن في النهاية نرفض الله أو نستعيض عنه بصنم ندعو باسمه (وهذا أيضاً مظهر من مظاهر الرفض)، لأننا نرفض الحرية التي يدعونا إليها، تلك الحرية التي هي بآن انسلاخ جذري عن الذات. وتحقيق للذات بما يفوق الوصف. نرفض الله لأننا نخاف أن نتحول إلى آلهة. هذا ما عبر عنه الأب جان كاردونيل بقوله:

“الله لا يسلمنا هدية. إنه لا يعطينا شيئاً ما، لأن في ذلك ترفعاً، الله يعطينا شخصاً، وهذا الشخص هو شخصه. الله يعطي ذاته. في الصداقة، لا يعطي المرء شيئاً ما، ولكن شخصاً هو شخصه. كثيراً ما يكون إعطاء شيء تعبيراً عن عجز جذري عن إعطاء الذات. لذا فالله يسعى إلى الحوار معنا. الله يريد آلهة.”

“ولكن كوننا مخلوقات تود أن تبقى هكذا لتكون في اطمئنان، يجعلنا نرهب مصيرنا كآلهة. فنشك في كلية عطاء الله. ننسب لله نية مبينة، فنصور أنه لا يهبنا إلا جزءاً من مجاله ويحتفظ بالقس المفضل من ملكه.”

“الله يريد نفسه صديقاً لنا. يسعى إلى حوار الصداقة، اما نحن، فننتظر بكسل أوامر ننفذها. الله يكلمنا كصديق ونحن نجيبه كرعايا….”

“كثيراً ما يتصور المرء الله كأنه الصانع الأسمى. ولكن الله لا يصنعنا، إنه خالقنا. إنه يخلقنا بعدوى كيانية. ينظر إلينا نظرة صداقة، نظرة طموح. إنه يدعونا لنكون، ولتزداد دوماً كينونتنا.”

“الله لا يسيطر علينا، الله يوقظنا….”

“…. الله هو الرب بمعنى أن الموقظ الأسمى. إن مجده يشع ويسطع بقدر ما يكون الناس أكثر بلوغاً ورشداً. الله هو الله بقدر ما يكون البشر بشراً….”

خلاصة القول إن سارتر كان مصيباً في مطالبته بحرية الإنسان، في دعوته إلى نبذ كل خنوع وتخاذل واستكانة وإلى تحرير الوجود الإنساني من التبعية الطفيلية ليصبح جديراً ببالغ يتعهد مصيره تعهداً مسؤولاً. لقد كان مصيباً في تشهيره لكل مظاهر التدين الزائف التي تتخذ الله ذريعة للتهرب من المسؤولية والاقدام والالتزام.

لكن الالتباس المريع القائم في فكره حول نوعية علاقة الله بالإنسان، والذي غذته بلا شك تلك المظاهر الزائفة للدين التي ذكرناها، قاده إلى رفض الله وبالتالي إلى بتر الحرية نفسها وتشويهها. قد ردها إلى مظهرها السلبي، جعل منها قدرة على الرفض وحسب، وأفرغها من مضمونها، شأنه في ذلك شأن المراهق الذي يعجز عن تجاوز العناصر السلبية في ثورته ليجعل من تلك العناصر مرحلة في بناء نفسه والكون.

إن الحرية السارترية ترفض، تعارض، تنقد، تهدم، ولكنها لا تستطيع أن تبني شيئاً. إنها أسيرة فراغها. الله وحده يحرر الحرية، شرط أن نعرفه على حقيقته، لا كما تتصوره أهواءنا بل كما كشف ذاته لنا في يسوع المسيح، لا طاغية ومستبداً كجوبيتر “الذباب” بل عطاء كلياً وانعطافاً غير متناه، لا ملغياً وجودنا بل مؤكداّ له بإمداده من وجوده، لا مبطلاً حريتنا بل داعياً إيانا إلى الاشتراك في حريته بالتأله.

عند ذاك، إذا عرفنا أبوة الله، لا تبعية خانقة بل علاقة محيية، موقظة، محررة، استطعنا أن نجمع إلى شدة البالغين (“لا تكونوا اطفالاً مضطربين….”، “كونوا رجالاً، تشددوا….” يقول الرسول) تلك الطفولة الروحية التي يدعو إليها الإنجيل (“إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السماوات”) والتي هي موقف تقبل كياني وانفتاح بي وإسلام حر لذاك الذي به وحده نحقق ذواتنا لأنه أقرب إلينا من ذواتنا.

مأزق الإلحاد السارتري – الحرية الفراغ – كوستي بندلي

برهان الفيزياء: الكون في خطر جـ1 – لي ستروبل

برهان الفيزياء: الكون في خطر جـ1 – لي ستروبل

برهان الفيزياء: الكون في خطر جـ1 – لي ستروبل

برهان الفيزياء: الكون في خطر جـ1 – لي ستروبل

من الصعب مقاومة انطباع ان التركيبة الحالية للكون – التي يتضح أنها حساسة للغاية تجاه تغيرات طفيفة في العدد – كانت مدروسة جيداً… فالتزامن المعجزي الذي يبدو بالنسبة لهذه القيم العددية لا بد أن يظل أعظم دليل للتصميم الكوني.

الفيزيائي بول يديفيز[1]

ألا يكون الأمر غريباً إن كان كون بلا هدف قد خلق بالصدفة بشر منقادين تماماً بالهدف؟

سير جون تمبلتون[2]

 

صار متشككاً روحياً حين تعلم الدارونية وهو طالب. وعمل لفترة وجيزة في صحيفة كبرى في شيكاغو ثم التحق بكلية التخرج في جامعة Ivy League. وفيما تحفز بمسيحية زوجته، بدأ فيما بعد في تحري دليل وجود خالق. وبذهن منفتح للحقائق، انتهى به الأمر بالتخلي عن إلحاده وقبول الله، وأخيراً كتب كتاباً سرد رحلته العقلية إلى الإيمان.

إن بدا أن هذه تشبه قصتي، فليكن[3]، لكنها أيضاً – بمحض الصدفة – قصة باتريك جلين؛ وهو مفاوض سابق في لجنة التحكم في الأسلحة في إدارة الرئيس ريجان، وهو الآن المدير المساعد لمعهد جامعة واشنطن للدارسات السياسية في واشنطن العاصمة.

واجه جلين النظرية التطورية للمرة الأولى عندما كان طالباً في مدرسة الإيبارشية، وأدرك على الفور أنها لا تتماشى مع الكتاب المقدس. وفيما استدعى ذاكرته قال: “وقفت في الفصل، وقلت هذه كله للراهبة المسكينة”.

وفيما كان مقتنعاً بأن العقل هو “الطريق الوحيد إلى الحق”، أصبح جلين ملحداً مزمناً حين تسلم درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد في السبعينات. وقال: “لقد أوضح دارون أنه ليس ضرورياً حتى أن نفترض وجود إله لتفسير أصل الحياة. فالحياة والفصائل البشرية ذاتها كانت نتاج تقنيات عشوائية أساساً تعمل على الأيونات”.

وبعد أن تزوج بزوجة مسيحية، ووجد نفسه في مناقشات متكررة معها في الأمور الروحية، قال جلين أن عقله “أصبح منفتحاً بشكل كاف”، ولهذا كان مستعداً لفحص ما إذا كان هناك أي دليل عقلي لوجود الله. وأعد نفسه تماماً لما سوف يتعلمه:

“أدركت تدريجياً أنه في فترة العشرين عاماً منذ أن آثرت الإلحاد الفلسفي، ظهر أدب نظامي منتشر لم يكتفي بمجرد القضاء على الشك العميق، لكنه فند أيضاً نظرتي الإلحادية من أي منظور عقلاني بطريقة مؤثرة…. واليوم يبدو لي أنه ليس هناك سبب مقنع يمكن أن يتبناه إنسان ذكي لقبول خداع الإلحاد أو اللا أدرية، وارتكاب نفس الأخطاء العقلية التر ارتكبتها أنا”[4].

ما الدليل الذي كان مسؤولاً عن هذا التحول الروحي المذهل؟ كان من بين أكثر الاكتشافات المؤثرة التي قابلها في بحثه هو ما يسمى بـ “المبدأ الإنساني anthropic Principle” وقد صاغ هذه المصطلح – المستخرج من الكلمة اليونانية Anthropos بمعنى إنسان – فيزيائي جامعة كامبردج براندون كارتر الذي قدم بحثاً مثيراً بعنوان “تزامنات العدد الكبير والمبدأ الإنساني في علم الكونيات” في مؤتمر علمي حافل في العام 1973.

يقول هذا المبدأ أساساً – كما تعلم جلين – إن “كل الثوابت التي تبدو أنها كيفية وغير متصلة في الفيزياء بها شيء غريب مشترك – فهذه هي القيم التي تحتاجها تحديداً إذا أردت أن يكون لديك كوناً قادراً على إنتاج حياة”.

في كتابه اللاحق “الله: الدليل”، يصدق جلين بأن التعدي المدهش للكون بمثابة أحد الأسباب الرئيسية لاستنتاجه بأن الكون لا بد وأنه كان عمل مصمم فائق[5].

قال: “منذ خمسة وعشرين عاماً، فإن إنساناً مفكراً يزن الأدلة العلمية البحتة المرتبطة بالموضوع من المحتمل أن يكون في جانب التشكك. ولكن لم تعد هذه هي القضية. فالبيانات المادية اليوم تشير بقوة نحو فرضية الله. وهذا أبسط وأوضح حل للغز الإنساني”[6].

الدليل الكافي The Prima Facie Evidence

ألستر ماكجراث – العلامة اللاهوتي الذي درس فيزياء الأحياء الجزيئية في جامعة أكسفورد، وكتب سلسلة طموحة من ثلاثة مجلدات بعنوان “اللاهوت العلمي Scientific Theology” – لديه ميل لاختراق قلب القضايا المعقدة. وفيما يخص موضوع المبدأ الإنساني، تمكن من تلخيص التحدي الأساسي في سؤالين موجزين وضعهما في صيغة تصريح بريطاني مكتوم: “هل من الصدفة البحتة أن قوانين الطبيعة تفيد بأن الحياة ممكنة؟ ألا يمكن أن يكون هذا مفتاحاً مهماً للطبيعة ومصير الإنسانية؟”[7]

وقد شكل هذان السؤالان خريطة طريقي فيما كنت أسعى نحو إجابات قوية تخص كيف ولماذا تفيد الفيزياء بطريقة مشكوك فيها للغاية بأن الحياة في خطر. أما أنا فقد عرفت بالطبع أن عدداً متزايداً من العلماء والفلاسفة كانوا يتتبعون مفاتيح الحل التي تقودهم إلى استنتاجاتهم الخاصة في العقود الأخيرة، بما فيها “بعض الأبرياء من أي تأثير من وجهة نظر دينية تقليدية” كما عبر الفيزيائي واللاهوتي جون بولكينجهورن[8].

“من السهل جداً أن نفهم لماذا غيّر كثير من العلماء آراءهم في الأعوام الثلاثين الماضية، متفقين على أن الكون لا يمكن تفسيره باعتباره حادثاً كونياً، وهذا ما قاله والتر برادلي الذي شارك في تأليف كتاب “لغز أصل الحياة The Mystery of Life Origin“: “إن دليل وجود مصمم ذكي يفرض نفسه باستمرار كلما ازداد فهمنا لموطننا المُعد بحرص”[9].

على سبيل المثال، فإن المتشكك السابق بول ديفيز – الأستاذ السابق للفيزياء النظرية في جامعة أديلايد – مقتنع الآن بأنه لا بد أن يكون هناك هدف من وراء الكون.

وقال في كتابه “ذهن الله The Mind of God“: “توصلت من خلال عملي العلمي إلى الإيمان بقوة متزايدة بأن الكون الطبيعي موضوع ببراعة مدهشة للغاية حتى إنني لا يمكنني قبوله كحقيقة صماء. وأضاف: “لا يمكنني أن أؤمن بأن وجودنا في هذا الكون مجرد دعابة قدر، أو حادث تاريخ، أو مجرد صورة عرضية في الدراما الكونية العظيمة”[10].

عبر عالم الفيزياء الفلكية اللامع سير فريد هويك[11] عن ذلك هكذا: “لست أؤمن أن أي علماء فحصوا الدليل يمكنهم أن يخيبوا عن التوصل إلى استنتاج أن قوانين الفيزياء النووية قد صممت عمداً فيما يتعلق بالنتائج التي تحدثها داخل النجوم”[12].

دفعت تلك الملحوظة، وأخرى مثلها من هويل، أستاذ الفلك من هارفارد أوين جنجريتش – الفلكي الأعلى مقاماً في مرصد سميثونيان الفيزيائي الفلكي – للتعليق: “اختلف مع فريد هويك في كثير من النقاط، لكننا نتفق في هذا النقطة: فالفهم العام والتفسير المرضي لعالمنا يوحي باليد المصممة لذكاء فائق”[13].

قال جون ليزلي الذي تعلم في جامعة أكسفورد، والذي يصور أمثلة إنسانية كثيرة في كتابه المذهل الذي نُشر في العام 1989 “الأكوان Universes” إنه يؤمن بأنه إن كان كوننا هو الكون الوحيد الموجود – وأنه ليست هناك بيانات علمية تثبت وجود أية أكوان أخرى – يكون التعديل إذاً “دليلاً حقيقياً…. أن الله حقيقي”[14].

وفي كتابهما “القصة الجديدة للعلم The New Story of Science”، لخص روبرت أوغروس، وجورج ستانشيو الالتقاء المذهل لـ “التزامنات” التي تجعل الحياة ممكنة في الكون. وقالوا: “إن كوناً يهدف لإنتاج الإنسان يتضمن عقل يوجهه. ومع أن الإنسان ليس في المركز الطبيعي للكون، إلا أنه يبدو في مركز هدفه”[15].

وبوضع تلك الاستنتاجات جانباً، كنت أبحث عن إجاباتي الشخصية عن الأسئلة الأساسية التي وضعها ماكجراث. لم أكن أريد مجرد استكشاف الدليل العلمي لفعل توازن الكون المشكوك فيه. بل أيضاً رؤية ما إذا كان المبدأ الإنساني يمكنه الصمود أمام تحدي فرضية – طبقاً لبعض المتشككين – يمكن اعتبارها مهجورة.

بينما كنت أقوم بدراسة موضوع التعديل، صادفتني كتابات فيلسوف شهير تدرب في علم الفيزياء، وقام بعمل بحثه الأصلي الخاص في هذا الموضوع. وقد راقت لي سمعته بشكل خاص؛ فقد كان معروفاً بحرصه وتحفظه في حساباته، وعدم استعداده لإصدار الأحكام التي تفوق حدود البيانات. باختصار، ما كنت أبحث عنه.

وبعد بضعة مكالمات، كنت على طائرة متجهة إلى بنسلفانيا، حيث حرم جامعي رائع من مباني من الطوب الأحمر ليست أبعد شمالاً من ساحة قتال جيتسرج للحرب الأهلية.

اللقاء الرابع: روبين كولينز – دكتوراه في الفيزياء

عندما كان روبين كولينز طالباً في الصف السابع، انطلق يطلب كتيبات مجانية كثيرة من وكالة الطاقة الذرية، وهكذا ولد عاشق للفيزياء. وأصل مسيرته للحصول على درجات علمية في الفيزياء والرياضيات في جامعة ولاية واشطن (بمتوسط درجات أقل من الدرجة النهائية بـ 0,07)، ثم دخل برنامج الحصول على الدكتوراه في الفيزياء في جامعة تكساس في أوستن.

أما حبه الآخر فكان الفلسفة؛ ففي الواقع، كانت مادته الثالثة في الكلية. وقد استفاد من هذه الخبرة بينما كان يعمل للحصول على درجة الدكتوراه في مكتب تشاركه مع مجموعة من الطلبة الخريجين تضمنت ملحداً ولا أدرياً. أما كولينز فقد كان مسيحياً منذ عامه الأخير في المدرسة الثانوية.

كان الأربعة يسهرون لوقت متأخر من الليل يتجادلون حول قضايا فلسفية ولاهوتية، والتي وجدها كولينز محفزة جداً لدرجة أنه قرر أن يسعى للحصول على درجة دكتوراه في الفلسفة في جامعة نوتردام. وقد أشرف على رسالته الأسطوري ألفين بلانتينجا؛ الذي ريما يكون أفضل فيلسوف أمريكي في العصور الحديثة.

كان تعليق عابر قاله بلانتينجا في الفصل ذات يوم هو الذي دفع كولينز لأول مرة لموضوع تعديل الكون. وعندما أسرته الفكرة، تعمق في الموضوع، وسرعان ما اكتشف ارتباطاً كاملاً بين خبرته في الفيزياء وفي الفلسفة.

إن تدريبه في الفيزياء لم يؤهله فقط لفهم المعادلات الرياضية المعقدة أحياناً في هذا المجال – ذاك التدريب الذي دفعه أحياناً لتصحيح أخطاء دارسين أكثر شهرة بكل احترام – بل إن خبرته في الفلسفة قد عاونته على صياغة حجج دقيقة من الدليل. والآن، بعد سنوات من البحث والتحليل، صار واحداً من أكثر الأصوات معرفة وإقناعاً في المبدأ الإنساني.

كتب كولينز كتب عدة عن الموضوع، بما فيها “الله والعلم: المجادلة الغائية والعلم الحديث God and Science: Teleological Argument and Modern Science؛ ورشد الإيمان بالله The Rationality of Theism؛ والله يهم: القراءة في فلسفة الدين God Matters: Reading in The Philosophy of Religion؛ والفلسفة والدين: القارئ والدليل Philosophy and Religion: A Reader and Guide؛ والسبب المتضمن للأمل Reason for the Within. وبمنحة مدعمة من مؤسسة Pew، يُنهي حالياً كتاباً بعنوان الكون المنغم جيداً: الله، ضبط، وقوانين الطبيعية The Well-Tempered Universe: God, Fine-Tuning, and the Lows of Nature. وبالإضافة إلى ذلك، تحدث في ندوات ومؤتمرات كثيرة في بيل، وكونكورديا، وبيلور، وستانفورد، وغيرها، بما فيها خطاباً في المؤتمر الأمريكي الروسي كامل العدد في نوتردام في العام 2003، والذي كان حول موضوع الله وعلم الكونيات الطبيعي.

وبعد عمله كزميل بعد حصوله على درجة الدكتوراه في جامعة نورث ويسترن، قضى كولينز العقد الأخير في البحث والكتابة والتدريس في كلية المسيا، التي يعمل بها أستاذاً مساعداً للفلسفة. وهناك قابلته في ظهيرة دافئة ذات يوم سبت.

كان مكتب كولينز مكدساً عن آخره بأكوام وأرفف وصناديق الكتب لدرجة أنه لم يكن هناك مكان لنجلس فيه، ولهذا شغلنا غرفة مؤتمرات قريبة. كان الغرفة تسودها أشعة شمس الظهيرة التي تسللت من خلال نافذة كبيرة، وشكلت برك متراقصة من الضوء على السجاد.

خلع كولينز معطفه الرياضي الأخضر، ووضعه فوق مقعد فيما تهيأنا للبداية. كولينز له شعر متجعد داكن، ولحية، وبنية عدّاء (فهو يعدو تقريباً 90 دقيقة يومياً للتدريب والتأمل). جلسنا مقابل منضدة غير مزخرفة، وكان كولينز يحتسي شرابه المفضل: كوكتيل من شاي نصف أخضر ونصف أسود.

كنت مشتاقاً للبدء. فقد قال كولينز ذات مرة إن الحقائق المتعلقة بشروط الكون المميزة بمصطلح “بكل دقة” يتم تقديرها على نطاق واسع بصفتها “أكثر الحجج الحالية إقناعاً لوجود الله”[16] – وهي جملة وضعت معياراً عالياً. سحبت مذكرتي، وطلبت منه بداية أن يقدم لي فكرة عامة عن ماهية تعديل الكون.

انطباع التصميم

قال كولينز: “عندما يتحدث العلماء عن تعديل الكون، فإنهم يُشيرون بصورة عامة إلى التوازن الاستثنائي للقوانين الأساسية، ومعاير الفيزياء، والشروط المبدئية للكون. وعقولنا لا يمكنها استيعاب دقة البعض منها. وتكون النتيجة كون له الشروط الصحيحة لتدعيم الحياة. فالتزامنات ببساطة مذهلة للغاية لدرجة تجعله لا يمكن أن يكون نتيجة صدفة – وهذا ما قاله بول ديفيز: “إن انطباع التصميم ساحق”[17].

أحب ان أستخدم تشابه هبوط رواد الفضاء على المريخ، وعثورهم على محيط حيوي مغلق يشبه البناء ذات القبة الذي بني في أريزونا منذ بضع سنوات. في لوحة التحكم يجدون أن كل أرقام بينتها مهينة تماماً للحياة. فنسبة الأوكسجين تامة، ودرجة الحرارة 70، والرطوبة 50٪، وهناك نظام لإعادة تزويد الهواء، وأنظمة لإنتاج الغذاء، وتوليد الطاقة، والتخلص من الفضلات. وكل رقم له مدى واسع من الأوضاع الممكنة، ويمكنك أن تفهم ما إذا كان عليك أن تضبط قليلاً واحداً أو أكثر منها، فسوف تفقد البيئة قدرتها على العمل، وسوف تستحيل الحياة. ماذا تستنتج من هذا؟

كانت الإجابة واضحة. فقلت: “إن شخصاً ما اهتم اهتماماً كبيراً في تصميمها وبنائها”.

فأجاب: “هذا صحيح. سوف تستنتج ان هذا المحيط الحيوي لم يكن هناك بالصدفة. فالبراكين لم تثر فقذفت مركبات صحيحة تصادف أنها قد جمعت نفسها في المحيط الحيوي. فهناك كائن ذكي صممه وأعده لتدعيم الكائنات الحية. وهذا تشابه لكوننا”.

“طوال الثلاثين عاماً الماضية، اكتشف العلماء أن كل شيء تقريباً حول البنية الأساسية للكون متزنة في وضع خطر للوجود. إن التزامنات من الروعة بمكان حتى إننا لا يمكن أن ننسب هذا إلى مجرد صدفة، أو ندعي أنه لا يحتاج إلى تفسير. فالأرقام موضوعة بدقة بالغة للقطع باستحالة وجود صدفة عشوائية. وقد ذكر فريد هويل أن شخصاً ما كان يتدخل في الفيزياء”[18].

كان هذا من أروع الاكتشافات العلمية في القرن العشرين. فتساءلت: “من لاحظ ذلك أولاً؟”

“لنرجع إلى أواخر الخمسينات، تحدث هويل عن العملية الدقيقة التي ينتج عنها الكربون والأوكسيجين بنسبة معينة داخل النجوم. فإن كنت تعمل بغير براعة بالحالات الرنينية من الكربون، فلن تحصل على المواد التي تحتاجها لبناء الحياة بالمصادفة، توضح الدراسات الحديثة التي قام بها الفيزيائي هاينز أوبرهامر وزملائه أن مجرد تغير نسبة 1٪ في القوة النووية القوية سوف يكون له أثر من 30 إلى 1000 ضعف على إنتاج الأوكسجين والكربون في النجوم. وطالما أن النجوم تعطي الكربون والأوكسيجين المطلوب للحياة على الكواكب، فإن أبعدت ذلك التوازن، فإن الشروط في الكون ستكون أقل تهيئاً بشكل كبير لوجود الحياة”.

“على أية حال، عودة إلى سؤالك، فإن معظم الأبحاث والكتابات عن التعجيل حدثت منذ أوائل الثمانينيات. فقد كُتبت عنها مئات المقالات والكتب من المنظور التقني والشعبي”.

من الممكن أن تصير الفيزياء معقدة جداً بسرعة مدهشة. ولهذا عندما طلبت كولينز أن يصف لي واحداً من أحب الأمثلة لديه، سُررت لأنه اختار واحداً من أسهلها.

قال: “لنتحدث عن الجاذبية. تخيل مسطرة، أو مؤشر راديو من طراز قديم يعبر الكون. ستتحطم إلى مقادير من بوصة واحدة، وهذا معناه أن ستكون هناك بلايين وبلايين وبلايين من البوصات”.

“إن اللوحة بأكملها تمثل مدى قدرات القوة في الطبيعة، حيث الجاذبية أضعف قوة، والقوة النووية القوية التي تربط البروتونات والنيوترونات معاً في النواة الأقوى، فهي تبلغ عشرة آلاف بليون بليون بليون مرة أقوى من الجاذبية[19]. ومدى الأوضاع الممكنة لقوة الجاذبية يمكن اعتبارها على الأقل كبيراً كالمدى الكلي لقدرات القوة”.

والآن دعنا نتخيل أنك تريد أن تحرك اللوحة من مكانها الحالي. فحتى إن كنت ستحركها بمقدار بوصة واحدة، فإن التأثير على الحياة في الكون سيكون رهيباً”.

“بوصة واحدة تُقارن بالكون كله؟ أي نوع من التأثير سيكون هذا؟”

“إن هذا الضبط البسيط للوحة سيزيد الجاذبية بنسية بليون ضعف”.

“أوه، هذا يبدو كثيراً”.

“في الواقع، ليس كثيراً. فبالنسبة للوحة الراديو كلها – أي المدى الكامل لقدرات القوة في الطبيعة – فإنها صغير بشكل استثنائي، مجرد جزء واحد من عشرة آلاف بليون بليون بليون”.

“واو، هذا سيضعه في منظور. فماذا سيحدث للحياة عندئذ؟”

“ستُسحق الحيوانات في أي مكان والتي يقترب حجمها لحجم الكائنات البشرية. وكما قال عالم الفيزياء الفلكية مارتن ريز: “في عالم من الجاذبية القوية الخيالية، حتى الحشرات ستحتاج إلى أرجل كثيفة لتسندها، ولا يمكن للحيوان أن ينمو أكبر مما هو عليه”[20]. وفي الحقيقة، فإن كوكباً له قوة سحب جاذبية أكثر ألف مرة مما للأرض سيكون قطره 40 قدماً فقط، وهي نسبة غير كافية لدعم نظام حيوي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن النجوم التي تصل أعمارها إلى أكثر من بليون سنة – مقارنة بعمر شمسنا الذي يصل إلى عشرة بلايين سنة – لا يمكنه أن يوجد إن زودت الجاذبية فقط بمقدار ثلاثة آلاف مرة”.

وكما ترى، مقارنة بالمدى الكلي لقدرات القوة في الطبيعة، إن الجاذبية لها مدى ضيق غير مفهوم لوجود الحياة. ومن بين كل الأوضاع الممكنة على اللوحة، من أحد جوانب الكون إلى الآخر، يحدث أنه يقع في الكسر الصحيح المضبوط من بوصة كي يجعل كوننا قادراً على تدعيم الحياة”.

والجاذبية مجرد معيار واحد درسه العلماء. فقد قال خبير إنه يوجد أكثر من ثلاثين معياراً فيزيائياً أو كونياً منفصلاً تتطلب تدريجاً دقيقاً لإنتاج كون داعم للحياة[21].

أما بالنسبة لكولنيز، فهو يحب التركيز على الجاذبية، ومجموعة من الأمثلة الأخرى التي تحراها شخصياً، ويؤمن بأنها كافية في حد ذاتها لتقرير الدفاع عن مصمم. قررت أن أسأل كولينز عن معيار آخر – والذي يُسمى بـ “الثابت الكوني” – وهو ظاهرة محيرة للغاية لدرجة انها ترعب ذهن أحد أكثر العلماء المتشككين.

تسديد الأسهم على ذرة

عبر الفيزيائي ستيفن وينبرج، الحائز على جائزة نوبل، والذي يعترف بإلحاده، عن دهشته إزاء الوضع الذي عليه الثابت الكوني – كثافة طاقة الفراغ – “منضبطة جيداً بصورة ملحوظة في صالحنا”[22]. إن الثابت – الذي هو جزء من معادلة أينشتين للنسبية العامة – كان من الممكن أن تكون له أية قيمة، إيجابية أو سلبية، “ولكن من المبادئ الأولى سيخمن المرء أن هذا الثابت يجب أن يكون كبيراً للغاية”. وهذا ما قاله وينبيرج.

وأضاف أنه من حسن الحظ ليس كذلك.

إن كان الثابت الكوني كبيراً وإيجابياً، فسوف يعمل كقوة كريهة تزداد مع المسافة، وهي قوة ستمنع المادة من أن تتجمع معاً في الكون المبكر، وهذه العملية كانت الخطوة الأولى في تكوني المجرات والنجوم والكواكب والناس. وإن كان الثابت الكوني كبيراً وسلبياً، فسوف يعمل كقوة جاذبة تزداد مع المسافة، وهي قوة ستعكس فوراً وغالباً تمدد الكون وتتسبب في إعادة انهياره.[23]

في كلا الحالتين تفقد الحياة زماناً طويلاً. ولكن لدهشتنا، فإن هذا ليس هو ما حدث.

“في الواقع، كما قال وينبرج، فإن الملاحظات الفلكية تبين أن الثابت الكوني صغير للغاية، بل أصغر بمراحل مما كنا نتصور من المبادئ الأولى”[24].

وعندما سألت كولينز عن ذلك، قال لي إن الوضع الدقيق غير المتوقع، والمضاد للحدس، والمدهش للثابت الكوني “يتم اختباره على نطاق واسع بصفته المشكلة العظمى الوحيدة التي تواجه الفيزياء وعلم الكونيات اليوم”.

“وما مدى دقتها؟”

فقلب كولينز عينيه، وقال: “حسناً، ليست هناك طريقة تمكننا من فهمها حقاً. فالتعديل تم تقديره بصورة محافظة على الأقل بصفته جزء من مائة مليون بليون بليون بليون بليون بليون. أي عشرة متبوعة بـ 53 صفراً. وهذا دقيق للغاية”.

كان كولينز على صواب، فلم أتمكن من تخيل رقم مثل هذا. فسألته: “هل يمكنك أن تقدم لي شرحاً لذلك؟”

كان كولينز على صواب؛ فلم أتمكن من تخيل رقم مثل هذا. فسألته: “هل يمكنك أن تقدم لي شرحاً لذلك؟”

“فكر في الأمر هكذا. لنقل إنك انطلقت إلى الفضاء، وكان عليك أن ترمي سهماً بطريقة عشوائية نحو الأرض. فنسبة أن تصيب عين ثور بنجاح ستكون جزء من ترليون من البوصة في القطر. وهذا يقل حجماً عن ذرة واحدة”.

فجالت بخاطري كلمة مدهش. رائع. وقلت له: “لا شك أن العلماء قد اندهشوا إزاء هذا”.

من وجهة نظري، إن كان الثابت الكوني هو المثال الوحيد للتعديل، وإن لم يكن له تفسير طبيعي، فسوف يكون آنذاك كافياً في حد ذاته أن يقرر التصميم بقوة”.

كان عيلّ أن أوافق. فقد رأيت الأمر هكذا: إن كان الكون في وضع محاكمة بتهمة أنه قد صُمم، وأن الثابت الكوني هو الدليل الوحيد الذي تقيمه جهة الادعاء، سأصرح قائلاً: “مذنب”، على افتراض عدم وجود تفسير طبيعي مستتر. واحصائياً، سيكون هذا دفاعاً أقوى بكثير حتى من دليل الحامض النووي DNA الذي يُستخدم لإثبات الجريمة في محاكمات جنائية كثيرة اليوم.

استطرد كولينز: “الآن، فكر أن تضيف معاً دليل العاملين اللذين ناقشتهما حتى الآن؛ وهما الثابت الكوني، وقوة الجاذبية. فهذا سيكون دفاعاً أقوى بصورة لا يمكن تصورها. فعندما تربط الاثنين معاً، سيكون التعديل بالغ الدقة بمقدار جزء من مئة مليون ترليون ترليون ترليون ترليون ترليون ترليون. وهذا سيكون معادلاً لذرة واحدة في الكون المعروف بأسره!”

ولم يكتفي كولينز بهذا، فأضاف: “هناك أمثلة أخرى للتعديل. فمثلاً، هناك الاختلاف في الكتلة بين النيوترونات والبروتونات. فإن زودت كتلة النيوترون بحوالي جزء واحد من 700 جزء، سوف يتوقف الاندماج في النجوم. ولن يكون هناك مصدر طاقة للحياة”.

“وإذا كانت القوة الكهرومغناطيسية أقوى أو أضعف بدرجة طفيفة، لاستحالت الحياة في الكون. أو فكر في القوة النووية القوية. تخيل إنقاصها بمقدار 50٪؛ وهي نسبة قليلة – جزء من عشرة ألاف بليون بليون بليون بليون، مقارنة بالمدى الكلي لقدرات القوة”.

“ماذا سيحدث لو تعاملت معها بهذه الكمية؟”

“كما ان الشحنات تقاوم، فإن القوة النووية القوية ستكون ضعيفة للغاية عن منع القوة المقاومة بين البوتونات ذات الشحنات الموجبة في النواة الذرية من تفتيت كل الذرات ما عدا الهيدروجين. وبغض النظر عما يمكنهم أن يُظهروه في عرض Star Trek، لا يمكن أن تكون لديك أشكال حياة ذكية مبنية على الهيدروجين. فببساطة ليس لديها تعقيد ثابت بدرجة كافية”.

كنت أعلم أن كولينز يمكنه الاستمرار طويلاً في ذلك الموضوع، ولكني كنت بحاجة إلى طريقة لتصوير تضمينات هذه المفاهيم المجردة بشكل متزايد. قلت له: “عد إلى المحيط الحيوي للمريخ”.

“حسناً، ضع جانباً قضية كيف ظهر المحيط الحيوي في المقام الأول. ولنقل إنه عندما وجدته، كانت هناك 12 لوحة كانت تتحكم في الشروط داخل القبة. وكانت كل لوحة بها مدى ضخم من الأوضاع الممكنة. وعندما رحلت، تركت اللوحات تعمل بطريقة عشوائية، ونتيجة هذا لم تكن هناك حياة ممكنة في المحيط الحيوي”.

“ثم عدت بعد عام. وعندما تنظر إلى اللوحات، ستندهش عندما تجد ان كل واحدة منها تهيأت بحرص للوضع الصحيح، ولهذا فإن الحياة تنتعش في القبة. 12 لوحة، 12 عاملاً مختلفاً – الكل مهيأ للحياة”.

“هل تعرف ماذا ستكون عناوين الصحف الرئيسية في اليوم التالي؟” ستكون هكذا: وجود حياة خارج الأرض. وسوف نتخذ هذا كدليل على أن كائناً ذكياً قد هبط وضبط هذه اللوحات بالدقة المطلوبة للحياة”.

“أقول إن اللوحات للخواص الأساسية للكون قد ضُبطت هكذا في الواقع، فإن الدقة ستكون أعلى قدراً وسيكون هذا أمراً غير متوقع بالمرة بحساب نظرية أن الفرصة العشوائية كانت مسؤولة. ومع ذلك، ليس من غير المتوقع أن يكون هناك مصمماً عظيماً”.

 

[1] Paul Davies, God and the New Physics (New York: Simon and Schuster, 1983), 189.

[2] John Templeton, The Humble Approach: Scientists Discover God (Philadelphia: Templeton Foundation, 1997), 19.

[3] For a description of the dynamics between Christian and non-Christian spouses, based on the experiences that Leslie and I had during the era when she was a Christian and I was an atheist, see Lee and Leslie Strobel, surviving a Spiritual Mismatch in Marriage (Grand Rapids, Mich.: Zondervan, 2002).

[4]  See: Patrick Glynn, “The Making and Unmaking of an Atheist,” in: God: The Evidence (Rocklin, Calif.: Forum, 1997), 1-20.

[5] Ibid., 22.

[6] Ibid., 55,53.

[7] Alister McGrath, Glimpsing the Face of God (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 2002), 19.

[8] John Poldinghorne, Belief in God in an Age of Science (New Haven: Yale University Press, 1998), 10.

[9] Walter L. Bradley, “The <Just So> Universe,” in William A. Dembski and James M. Kushiner, Signs of Intelligence, 170.

[10] Paul Davies, The Mind of God (New York: Touchston, 1992), 16, 232.

[11] Edward Harrison, Masks of The Universe (New York: Collier, 1985), 263, 252.

[12] Quoted in John Barrow and Frank Tipler, The Anthropic Cosmological Principle (Oxford: Oxford University Press, 1986),22.

[13] Owen Gingerich, “Dare a Scientist Belive in Desing?” in John M. Templetion, editor, Evidence of Purpose (New York: Continuum, 1994), 25.

[14] John Lislie, Universes (New York: Toutledge, 1989), 198.

[15] Robert M. Augros and George N. Stanciu, The New Story of Science, 70.

[16]Robim Collins, “Acientific Argument for the Existence of God: The Fine-Tuning Dwsing Argument,” in Michael J. Murray, editor, Reason for the Hope Within (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 1999), 48.

[17] Paul Davies, The Cosmic Blueprint: New Discoveries in Nature’s Creative Ability to Order the Universe (New York: Simon asn Schuster, 1988), 203.

[18] Collins (and Gingerich in his earlier quote) was referring to a well-Known Comment by Sir Fred Hoyle: “A common sense interpretation of the facts suggests that a superntellect has monkeyed with the physics, as well as with chemistry and biology, and that there are no blind forces worth speaking about in nature. The numbers one calculates from the facts seem to me so overwhelming as to put this conclusion almost beyond question”. Fred Hoyle, “The Universe: Past and Present Refliction,” Engineering & Science (November 1981).

[19] The relative strength of the four forces in nature-gravity, electromagnetism, the weak force, and the strong nuclear force is typically specified by a widely used dimensionless measure, which can roughly be thought of as the relative strengths of the respective forces between two protons in a nucleus. See: John Barrow and Frank Tipler, The Anthropic Cosmoligical Principle (Oxford: Oxford University Press, 1986), 2995.

[20] Martin Rees, Just Six Numbers: The Forces That Shape the Universe (New York: Basic, 2000), 30.

[21] Stephen C. Meyer, “Evidence for Design in Physics and Biology” in Michael J. Beche, William A. Dembski, and Stephen C. Meyer, editors, Science and Evidence for Design in the Universe (San Francisco: Ignatius, 2000), 60.

[22] Steven Weinberg, “A Designer Universe?” New York Review of Boods (October 21, 1999).

[23] Ibid.

[24] Ibid.

برهان الفيزياء: الكون في خطر جـ1 – لي ستروبل

برهان الفيزياء: الكون في خطر جـ2 – لي ستروبل

برهان الفيزياء: الكون في خطر جـ2 – لي ستروبل

برهان الفيزياء: الكون في خطر جـ2 – لي ستروبل

برهان الفيزياء: الكون في خطر جـ2 – لي ستروبل

استعد، صوب، سدد!

هناك مفاهيم قليلة توسع الذهن كمفهوم تعديل الكون. فمثلاً، قال فيزيائي جامعة أكسفورد روجر بنروز إن معياراً واحداً، وهو “الفراغ الفضائي الأصلي” استلزم تعديلاً لدقة مقدارها جزء من عشرة بلايين مضروبة في نفسها 123 مرة. وأشار بنروز إلى أنه سيكون من المستحيل حتى كتابة هذا الرقم كاملاً، لأنه سيتطلب أصفاراً أكثر من عدد الجزيئات الأولية في الكون بأكمله! وقد أوضح هذا، كما قال “مدى الدقة المطلوبة لضبط الكون في مساره”[1].

وكما تعجبت مجلة Discover: “الكون عجيب. عجيب جداً. عجيب بدرجة عميقة ومذهلة”[2].

في ضوء الأرقام ن غير المجدي محاولة تفسير كل هذا التعديل على أنه مجرد نتاج الصدفة العشوائية.  الشاذة متناهية الصغر للحصول على كل الأوضاع الصحيحة للوحات بالنسبة لثوابت الفيزياء، وقوى الطبيعة، والقوانين الفيزيائية الأخرى، والمبادئ الضرورية للحياة، يبدو أنه م

قال كولينز: “طالما أننا نتحدث عن الاحتمالات، فلا يمكنك نظرياً أن تعلن إمكانية، مهما كانت بعيدة، أن هذا يمكن أن يحدث بالصدفة”.

“ومع ذلك، فإنني إذا راهنتك على ألف دولار بأنني أستطيع أن أقلب عملة وأحصل على صورة الملك خمسين مرة. وأبدأ في فعل هذا، فلن تقبل مني ذلك. فسوف تعلم أن الشواذ ضد ذلك غير محتملة جداً – حوالي فرصة واحدة في مليون بليون – وهذا غير محتمل حدوثه. وحقيقة أنني كنت أستطيع أن أقوم بهذا ضد مثل هذه الشواذ الضخمة ستكون دليلاً قوياً لك بأن اللعبة قد ضُبطت لمصلحة اللاعب. ونفس الأمر صحيح بالنسبة لتعديل الكون – فقبل أن تستنتج أن الصدفة العشوائية كانت مسؤولة، ستستنتج أن هناك دليلاً قوياً على أن الكون قد ضبط. أي إنه قد صمم”.

“سأعطيك توضيحاً آخر. تخيل أنني كنت أتجول في الجبال، وصادفت صخوراً مرتبة بطريقة مكنتني من أن أقرأ العبارة “مرحباً بك يا روبين كولينز على الجبال”. فرضية ستكون أن الصخور تصادف فحسب أن تكون مرتبة بهذا الشكل، ربما نتيجة زلزال أو تدحرج صخري. لا يمكنك استبعاد هذا تماماً. لكن فرضية أخرى ستكون أن أخي، الذي كان يزور هذه الجبال من قبلي، قد نظم الصخور بهذه الطريقة”.

“من الطبيعي جداً أن معظم الناس سيقبلون نظرية زيارة أخي على نظرية الصدفة. لماذا؟ لأن الأمر يدهشنا باعتباره غير محتمل بدرجة كبيرة أن تترتب الصخور بالصدفة هكذا، ولكن ليس بنفس قدر عدم الاحتمالية أن يكون أخي قد وضعها هكذا. وهذا افتراض معقول تماماً”.

“وبالمثل، من غير المحتمل على الإطلاق أن تعديل الكون من الممكن أن يكون قد حدث بطريقة عشوائية، لكنه ليس من غير المحتمل على الإطلاق أن يكون عمل مصمم ذكي. ولهذا فمن المعقول جداً أن نختار نظرية التصميم أكثر من نظرية الصدفة. إننا نفكر في الأمر طوال الوقت. هل كانت بصمات المتهم على المسدس بسبب تكون كيماويات بالصدفة، أم بسبب أنه لمس المسدس؟ المحلفون لا يترددون في الاستنتاج الواثق بأنه لمس المسدس إن كانت الأرقام الشاذة ضد الصدفة أرقام فلكية للغاية”.

بينما كانت نظرية الصدفة العشوائية غير كافية لتفسير “التزامنات” الإنسانية، فربما كانت هناك بدائل أخرى تؤدي للاستنتاج بأن الكون كان عمل مصمم. وقد حان الوقت لاختبار بعض هذه البدائل.

“ماذا يحدث إن كان هناك مبدأ غير مكتشف يجعل الكون على ما هو عليه؟ فربما نظرية كل شيء المراوغة التي كان الفيزيائيون يبحثون عنها لمدة طويلة سيتضح أنها تتطلب معايير الفيزياء كي تكون لها تماماً القيم التي للفيزياء”.

فلم يرتبك كولينز إزاء هذه الفكرة. فأجاب: “هذا لا يزعجني على الإطلاق. فببساطة سيحرك مؤشر عدم احتمالية التعديل درجة واحدة”.

“ماذا تعني؟”

“سيكون الأمر مدهشاً حقاً لو أن هذه “النظرية الموحدة الضخمة Grand Unified Theory” قد تمكنت – خارج إطار مدى الاحتمالات المذهل – من إجبار كل لوحات التعديل للانتقال إلى المكان الذي تصادف وخلقت فيه كوناً داعم للحياة. وسوف يشبه ذلك قانوناً معد سابقاً في بداية الكون تسبب في وضع كل شيء في مكانه، ولهذا عندما وصلت إلى الجبل، رأيت الصخور موضوعة بطريقة مكنتني من قراءة هذه الجملة “مرحباً بك يا روبين كولينز على الجبال”.

“ولذل فإن هذا لن يقضي على حجة التصميم الذكي؟”

“العكس تماماً. إنها ستضخمها، لأنها ستوضح أن المصمم كان مبدعاً أكثر مما اعتقدنا أولاً. وكما أنه من الصعوبة تعديل كون بضبط كل اللوحات الفردية، فسوف يكون من الأصعب خلق قانون ضمني للطبيعة أجبر كل اللوحات آنذاك على هذه الأوضاع المحددة. وكل ما سيفعله هذا هو أن يجعلني حتى أكثر إحساساً بالرهبة بوجود الخالق”.

هاجم بعض المتشككين حجة التعديل من اتجاه آخر، وأثاروا ما أصبح معروفاً بـ “المبدأ الإنساني الضعيف Weak Anthropic Principle”. وطبقاً لهذه الفكرة، إن لم يكن الكون معدلاً للحياة، فالبشر لن يكونوا موجودين لملاحظة ذلك. ونتيجة لهذا يؤكدون ان التعديل لا يتطلب تفسيراً.

“يجب أن تعترف أن هناك جاذبية بديهية لهذا الأمر”.

“أعتقد أن جون ليزلي لديه أفضل إجابة على هذا الموضوع. افترض أنك كنت واقفاً أمام مجموعة مدربة على إطلاق النار مكونة من خمسين قناصاً مدرباً على أعلى مستوى كانوا جميعاً يصوبون بنادقهم إلى صدرك من مسافة قصيرة. وسمعت الأمر: “استعد!، صوب!، سدد!”، لكنك لم تشعر بأي شيء تتخلص من العصابة التي على عينيك، وترى أنك ما زلت حياً. ولم تصيبك حتى رصاصة واحدة”.

“والآن لن تسمح للمتشكك برفض الموقف قائلاً: “حسناً لو كانوا قد أطلقوا عليك النار، لما كانت هنا للتعليق على الموقف”. كلا – فالظروف ما زالت مدهشة ولا تزال تتطلب تفسيراً. هل اتفقوا معاً على ألا يضربونك؟ هل كان إعداماً ساخراً؟ ونفس الشيء ينطبق على تعديل الكون. فهو لا يزال يتطلب تفسيراً وفي تقديري أن أفضل تفسير هو وجود مصمم”.

ومع ذلك، رغم ثقة كولينز، أثار علماء تهديداً أكثر حدة على حجة تعديل الكون في السنوات الأخيرة. يقول علماء كثيرون إن ما يُسمى بـ “فرضية الأكوان الكثيرة” تلوح كما لو أنها أكبر تحدي للاستنتاج القائل بأن الكون قد صنع بدقة فائقة بواسطة مصمم فائق. فقررت أن هذا سيكون استفساري التالي.

 

 

 

باب الهروب الميتافيزيقي

المتشكك الروحي مارتن ريز – الذي أصبح أستاذاً للفلك في جامعة كامبردج عندما كان في الثلاثينات من عمره، وأطلقت عليه الملكة إليزابيث في العام 1995 لقب “الفلكي الملكي” – لم يستطع أن يتجاهل كيف أن المعيارات الكونية متناغمة بدرجة مذهلة لخلق كون تتلاءم فيه الحياة. وقال إن كانت الأرقام الستة التي تُشكل أساس الخواص الفيزيائية الأساسية للكون قد تبدلت “حتى ولو إلى أدنى درجة، فلن تكون هناك نجوم، ولا عناصر معقدة، ولا حياة”[3].

وصرح: “إن سرعة الامتداد، والمحتوى المادي للكون، وقدرات القوى الأساسية، يبدو أنها قد كانت متطلباً أساسياً لظهور هذا الموطن الكوني الملائم الذي نعيش فيه”[4].

لخص مؤلف ببراعة هذا المثال من ريز:

“لكي يوجد الكون، يستلزم الأمر أن يتحول الهيدروجين إلى هيليوم بطريقة دقيقة ولكن مدهشة؛ أي بطريقة تحول نسبة 0,007 من كتلتها إلى طاقة خفّض هذه القيمة قليلاً من 0,007٪ إلى 0,006٪ مثلاً، ولن يحدث أي تحول: فالكون سيتكون حينئذٍ من هيدروجين فقط. ارفع القيمة قليلاً جداً إلى 0,008٪، وسوف تكون الوصلة قوية جداً حتى أن الهيدروجين سيتزود بمخزون كبير منذ أن أستهلك. وفي كلا الحالتين، فمع أدنى تغيير للأرقام، فإن الكون الذي نعرفه ونحتاجه لن يكون موجوداً[5].

قال ريز إنه عندما نأخذ في الاعتبار الأعداد الخمسة الأخرى التي تمثل ” القوة العميقة التي تُشكل الكون”، فسوف تصبح بنية الكون “غير محتملة لدرجة كبيرة”[6].

هل ما زال ريز مندهشاً بفعل توازن الكون المتقن للغاية والمشكوك فيه؟ لا. هل يومن أن التعديل يشير إلى مصمم؟ لا على الإطلاق. لماذا؟ يُجيب على ذلك باستخدام توضيح متجر ملابس كبير للمقاسات الخاصة.

قال: “إن كانت هناك مجموعة مكدسة من الملابس، فليس عليك أن تندهش إذا وجدت فيها بذلة تناسبك. وإن كانت هناك أكوان كثيرة، كل منها تحكمه مجموعة مختلفة من الأرقام، سيكون واحد منها فيه مجموعة خاصة من الأرقام الملائمة للحياة. ونحن موجودون فيه”[7].

يمكن تلخيص هذه الحجة هكذا: “كان من الممكن أن تكون هناك ملايين وملايين من الأكوان المختلفة، خُلق كل منها بأوضاع رقمية مختلفة من النسب والثوابت الأساسية، كثير جداً في الواقع لدرجة أن الوضع الصحيح قد ظهر بالصدفة البحتة. وقد تصادف أن نكون الأوضاع المحظوظة”[8].

وبمعنى آخر، إن كان كوننا هو الكون الوحيد في الوجود، فسوف يكون التعديل دليلاً قوياً – أو دليلاً حاسماً كما يقول كثيرون – على أن ذكاء قد تدخل بالأرقام. ولا يبدو أن هناك إمكانية معقولة أخرى. لكن هذا الرأي يتلاشى إن كانت هناك أكوان كثيرة، أو عدداً محدداً منها. ومع دوران رقمي عشوائي، ستكون الشواذ أنه على الأقل واحداً – كوننا نحن –  سيربح اليانصيب الكوني، وسيصبح موطئاً ملائماً للحياة.

ريز ليس المتشكك الوحيد الذي يهرب من التضمنيات الإيمانية للكون المعدل بالتأمل في وجود عوالم أخرى. في الواقع، هذا هو المدخل الذي اتخذه وينبيرج بعدما عبّر عن دهشته إزاء الشكوك غير المتوقعة للثابت الكوني[9].

يؤيد فيزيائيون كثيرون فكرة الكون المتعدد، أو بما يُسمى بنظرية “multiverse”، مع أن آخرين يسخرون منها، متهمين بأنها أكثر من مجرد هروب ميتافيزيقي لتجنب دليل التعديل المؤيد لوجود مصمم. قال كاتب:

لقد اقترحت فرضية العوالم الكثيرة في الأصل لأسباب علمية بحتة كحل لما يُسمى بمشكلة قياس الكم في علم الفيزياء. ورغم أن تأثيرها كتفسير داخل إطار الفيزياء الكمية ما زال مثيراً للجدل بين الفيزيائيين، إلا أن استخدامها في هذا المجال له أساس تجريبي. ومع ذلك، تم توظيفها في الفترة الأخيرة لتكون بديلاً لا إيماني لتعديل الثوابت الفيزيائية. وهذا الاستخدام [للفرضية] لا يبدو أنه يخدع التهور الميتافيزيقي.

في لقاء مع ويليام لين كريج[10]، الذي اشترك في تأليف كتاب الإيمان بالله، علم دراسة الأكوان الانفجار الكبير والإلحاد Theism, Atheism and Big Bang Cosmology، قال لي: “إنها مفهوم بحت، فكرة بحتة، بلا برهان علمي. انظر، إنها ميتافيزيقا بحتة.[11] فلا يوجد سبب حقيقي لتصديق وجود مثل هذه العوالم المتوازية. وحقيقة ان المتشككين عليهم الخروج بنظرية غريبة كهذه هو أن تعديل الكون يشير بقوة إلى مصمم ذكي – وهناك بعض الناس سيفترضوا أي شيء لتجنب الوصول إلى هذا الاستنتاج”[12].

بالمثل دعا بولكنجهورن – أستاذ سابق للفيزياء الرياضية في كامبردج – هذه الفرضية “علماً كاذباً”، و”تخميناً ميتافيزيقياً”[13]. وقال في كتابه “العلم واللاهوت Science and Theology”: “إن مسألة العوالم الكثيرة تقدم أحياناً كما لو كانت علمية تماماً، ولكن في الواقع، فإن مستنداً كافياً لأكوان مختلفة يمكنه أن ينشأ بعمليات تأملية تتخطى ما يمكن أن يؤكده العلم بأمانة”[14].

استنتج ديفيز أن “نظرية الأكوان الكثيرة يمكنها في أفشل الأحوال أن تفسر مجرى مدى محدود من السمات، هذا إن أضاف المرء بعض الافتراضات الميتافيزيقية التي لا تبدو أنها أقل مغالاة من التصميم”[15]. وقال كليفورد لونجلي: “إن منظر الملحدين العلميين وهم يتعلقون بمثل هذا القش اليائس قد وضع وثبة جديدة في طريق المؤمنين”[16].

اعترف ريز بالطبيعة الهشة لنظرية الأكوان المتعددة في مقابلة مع صحفي علمي في العام 2000. فقد صرح بأن الحسابات “تحكمية بدرجة عالية” (رغم أنه يقترح أنها ستكون غير ذلك يوماً ما)، وأن النظرية نفسها “معلقة على افتراضات”، وتبقى تأملية، وغير مهيأة للبحث المباشر. وقال: “إن الأكوان الأخرى غير متاحة لنا، تماماً كما أن داخل حفرة مظلمة غير متاح”. وأضاف أننا لا يمكننا حتى أن نعرف ما إذا كانت الأكوان نهائية أو لا نهائية في العدد. ومع ذلك، قال إن نظرية الأكوان المتعددة “تقع أصلاً في نطاق العلم”[17].

كان كل هذا يدور في ذهني بينما كنت أتهيأ لسؤال كولينز عن إمكانية أن سيناريو الأكوان المتعددة يمكنه القضاء على دليل وجود مصمم لكوننا. كنت أشعر حقاً بحب الاستطلاع: هل يمكن أن تكون هذه الفرضية ملاذاً معقولاً للمتشككين الذين يُصدمون بفكرة الله؟ أم أن الحجة الإنسانية ستواجه هذه التحدي؟

فكرة الهوكي الكوني

لا بد أن أعترق بأنني اندهشت من إجابة كولنز المبدئية حين سألته عن قابلية فرضية الأكوان الكثيرة للتطبيق.

قال: “حسناً، إن معظم هذه الافتراضات تأملية تماماً، ولها أساس ضعيف في الفيزياء. إنها لا تستحق التفكير. ومع ذلك، فإن أكثر نظرية شيوعاً – وهي الكوزمولوجيا التضخمية – لها مصداقية أكثر. لا بد أن أقول إنني على الأقل متعاطف معها. فأنا أحاول أن يكون ذهني مفتوحاً”.

كان كولنز يشير إلى نموذج “الكون التضخمي ذاتي الإنتاج” الذي اقترحه أندريه ليندي من جامعة ستانفورد، وهو مبني على مبادئ متقدمة من فيزياء الكم. وقد كانت هذه هي النظرية التي استشهد بها وينبيرج عندما حاول تفسير التعديل الظاهر للثابت الكوني. وفي مثال مذهل، قال كاتب علمي إن مفهوم ليندي “تتحدى التصور السهل”[18]. ومع ذلك، مع خطورة السهولة المفرطة، يمكن استخدام توضيح أساسي.

يفترض ليندي وجود فضاء خارق قبل الوجود يتمدد بسرعة. وجزء صغير من هذا الفضاء الخارق ينفجر بمجال تضخمي نظري، انفجر بحسب نظرية التضخم، تماماً كفقاعات الصابون التي تشكل محيطاً لا نهائياً مليئاً بمنظف أطباق. وكل فقاعة تصير كوناً جديداً. وهذا ما يُعرف باسم “نظرية التضخم الفوضوي”، وعدد ضخم من هذه الأكوان تولد عشوائياً بفضل التذبذبات الكمية، عبر نقاط مختلفة من الفضاء الخارق. وهكذا، فإن كل كون له بداية، وحجمه محدود، في حين أن الفضاء الخارق الأكبر لا متناه في الحجم، ويبقى إلى الأبد.

ذكرت لكولينز أنه في لقاء سابق عن الكونيات، استخدم وليم لين كريج هذه النظرية استخداماً محدوداً. فقال كولينز: “موافق، إنها تأملية بدرجة عالية. وفيها قدر مرعب من النهايات غير الدقيقة. ولكن طالما إنها النظرية الأكثر شيوعاً اليوم – وأعتقد أنه لابد من اتخاذها بجدية – دعنا لا ننتقدها الآن. لنفترض أنها حقيقية”.

فقلت وأنا أومئ: “حسناً. هذا جيد”.

“والآن، إليك فكرتي المهمة جداً: حتى إن كانت نظرية ليندي استطاعت أن تفسر وجود أكوان كثيرة، فهذا لن يقضي على الدفاع عن التصميم. بل إنها ستغير المسألة قليلاً. في الواقع، أعتقد أنها تشير إلى التصميم”.

كانت هذه لفتة مذهلة! فسألته: “لماذا تعتقد ذلك؟”

فقال: “سأستخدم مثالاً من الحياة اليومية. لديّ مع زوجتي آلة لصنع الخبز. وهي الآن عاطلة عن العمل، لكننا اعتدنا على استخدامها. ولعمل خبر جيد كنا نحتاج أولاً إلى هذه الماكينة جيدة التصميم، التي كانت بها الدارة الكهربائية الصحيحة، والعنصر الحراري الصحيح، والمؤقت الصحيح، إلخ. ثم كان علينا أن نضع المكونات الصحيحة بالنسب الصحيحة وبالترتيب الصحيح – ماء، ولبن، ودقيق، زبدة، وملح، وسكر، وخميرة. كان يجب أن يحتوي الدقيق على الكمية الصحيحة من مادة البروتين التي تسمى الجلوتين، وإلا كان المطلوب أن تُضاف[19]. كل شيء يجب أن يكون مضبوطاً لإنتاج رغيف من الخبز – وإلا ستحصل على قص هوكي محترق”.

“والآن دعنا نواجه النظرية: فمسألة كون أكثر تعقيداً من رغيف خبز. أقصد أنه إذا كانت آلة تصنيع الخبز تستلزم معاير محددة مرتبة لعمل الخبز، فلا بد أيضاً أن تكون هناك عملية أو تقنية عالية التصميم لعمل أكوان عملية. أي أنه بغض النظر عن أية نظرية تعدد أكوان تستخدمها، ففي كل حالة ستحتاج إلى “مولد اكواناً متعددة”؛ وهذا ما يستلزم البنية الصحيحة، والتقنية الصحيحة، والمكونات الصحيحة لإخراج أكوان جديدة”.

“وإلا سينتهي بك المطاف بقرص هوكي كوني!” قالها ضاحكاً.

آلة الأكوان المتعددة

دفع كولينز مقعده للخلف متجهاً نحو سبورة على الحائط، وقال وهو يرسم رسماً كارتونياً غريباً لآلة تصنيع بها مدخنة متكتلة، وسير يُدخل المواد الخام ثم يخرج أكواناً جديدة طازجة من الجانب الآخر: “عندما أرسم “مولد أكوان متعددة” يندهش طلابي”.

وقال وهو يضع اللمسات الأخيرة على رسمه: “هذه الآلة يمكنها فقط أن تنتج أكواناً داعمة للحياة إن توفرت لها التقنيات والمكونات الصحيحة”.

التفت وتفحصت رسمه، وسألته: “ما الذي ستحتاج إليه مثلاً في ظل نظرية ليندي؟”

فقال كولينز فيما استعاد نظام جلسته: “أولاً، ستحتاج إلى تقنية لمد الطاقة المطلوبة للأكوان الفقاعية. وسوف يكون هذا هو مجال التضخم الذي افترضه هو، والذي يعمل بفعالية كمستودع طاقة غير محدودة. ثانياً، سيحتاج إلى تقنية لتكوني الفقاعات. وسوف تكون هذه معادلة اينشتين عن النسبية العامة. فبسبب شكلها المتميز، فمن المفترض أن يتسبب هذا في تشكيل الأكوان الفقاعية واستمرار المحيط في التمدد”.

“ثالثاً، سيحتاج إلى تقنية لتحويل طاقة مجال التضخم إلى الطاقة/ الكتلة العادية التي نجدها في كوننا. رابعاً، سيحتاج إلى تقنية للسماح بالتنوع الكافي في ثوابت الفيزياء بي الأكوان المتعددة. وبمعنى آخر، سيحتاج إلى طريقة لتنويع ثوابت الفيزياء حتى يمكنه بالصدفة العشوائية أن ينتج بعض الأكوان، مثل كوننا نحن، الذي ينعم بالتعديل الصحيح لتدعيم الحياة”.

“هل هناك مرشحاً لهذه التقنية؟”

“نعم؛ نظرية الخيط الفائق Superstring Theory. قد تنجح في ذلك رغم أن الوقت ما زال مبكراً جداً للحكم عليها”.

وعندما سألته لماذا ذكر الخيوط الفائقة، قال: “طبقاً لنظرية الخيط الفائق، فإن المكونات النهائية للمادة هي خيوط من الطاق تخضع لاهتزازات الكم في 10 أو 11 بعداً من الزمن الفضائي. ستة أو سبعة من هذه الأبعاد “تصل” إلى حجم متناهي الصغر. وبلغة نظرية الخيط الفائق، يُقال إنها مندمجة. وشكلها يحدد طرق اهتزازات الخيوط. وهذا بدوره يحدد أنواع وكتل الجزيئات الأساسية، وصفات القوى بينها. ولهذا ستكون لها ثوابت مختلفة من الفيزياء والقوانين التي تحكم القوى”.

“هذا يبدو مشكوك فيه تماماً”.

“كل من علم الكونيات التضخيم ونظرية الخيوط الفائقة تأمليان إلى حد كبير. في الواقع، قال الفيزيائي النظري ميشيو كاكو مؤخراً إنه ولا حتى “جزء من دليل تجريبي” قد اكتشف لتأكيد الخيوط الفائقة[20]. إن علماء الفيزياء على مسافة بعيدة من حتى عمل معادلات. والآن فهي مجرد نظرية مزاياها الوحيدة هي أنها رائعة رياضياً، وتحتوي على وعد توحيد ميكانيكيات الكم والنسبية العامة، وهما فرعان في الفيزياء ناضل علماء الفيزياء للتوفيق بينهما لما يزيد على خمسين عاماً”. لخصت كل ما قاله كولينز حتى الآن، وقلت: “ولهذا فإن مولد الأكوان المتعددة سيتطلب كل هذه العوامل إن كان يرجو أن يُنتج كوناً عملياً”.

فأجاب: “هذا صحيح، فمثلاً إن لم تعمل معادلة اينشتين مع مجال التضخم بانسجام، فلن تعمل. ولو خضع الكون لنظرية نيوتن في الجاذبية بدلاً من نظرية اينشتين، فلن يعمل. ولكن لي هذا هو كل شيء”.

“لا بد أيضاً أن تكون لديك القوانين الخلفية الصحيحة في مكانها. فمثلاً، بدون ما يسمى بمبدأ الكم، فإن كل الالكترونات في ذرة ستمتص في نواة ذرة. وهذا ما يجعل الذرات مستحيلة. والأهم من ذلك، كما قال فيزيائي برنستون اللامع فريمان دايسون إنه بدون مبدأ استثناء بول Pauli-exclusion prinicile، فسوف تشغل الالكترونات أكثر مدار انخفاضاً حول النواة، وهذا سيجعل الذرات المعقدة مستحيلة[21]. وأخيرً، فإنه لا يمكن أن تتكون النجوم أو الكواكب. وإن كان واحد فقط من هذه المكونات مفقوداً أو مختلفاً، فمن غير المحتمل بدرجة كبيرة إمكانية إنتاج أية أكوان تسمح بوجود حياة.

وأضاف: “وتذكر أنك ستكون بحاجة أن تضع تريليونات فوق تريليونات فوق تريليونات من الأكوان ليك تُزيد الشواذ التي سيخرجها الثابت الكوني مرة واحدة على الأقل، وطالما أنها معدلة لدرجة مذهلة. وهذا مجرد معيار واحد”.

“ما استنتاجك إذاً؟”

من غير المحتمل بدرجة كبيرة أن نظام مولداً للكون كهذا ستكون فيه المكونات والمقادير الصحيحة في مكانها بالصدفة العشوائية، تماماً كما أن الصدفة العشوائية لا يمكنها تفسير كيف تستطيع ماكينة الخبر إنتاج خبز جيد. ولهذا، إن كان نظام توليد أكوان متعددة موجوداً، فسوف يكون أفضل تفسير له هو وجود تصميم”.

فقلت: “وهذا معناه أنه عندما تروق للعلماء فكرة الوجود النظري لأكوان كثيرة لتجنب تضمينات تعديل كوننا، فهم لا يزالوا عاجزين علو الهروب من التصميم”.

“تماماً. فالمؤمنون ليس لديهم ما يخشونه من فكرة أنه ربما تكون هناك أكوان متعددة. ستكون هناك حاجة مستمرة لوجود مصمم ذكي كي يجعل العملية المولدة للكون تستمر في العمل. ولتعديل جملة من الفيلسوف فريد دريتسكي: فإن هذه أزمنة تضخمية، وثمن الإلحاد قد ارتفع”.

العقل الفائق

فكرت للحظات في تفسير كولينز. وبالتأكيد كان من المعقول أن الأكوان المتولدة سوف تستلزمن التقنيات الصحيحة، والمقادير الصحيحة، والدقة السليمة – وكلها علامات مميزة لوجود تصميم ذكي. لكني كنت لا أزال أتصارع ذهنياً مع شيء آخر. فبالنسبة لي، وأعترف أنني لست بفيزيائي، كانت فكرة الأكوان المتعددة بأكملها تبدو سخيفة.

وجدت نفسي متفقاً مع الناقد جرج ايستربورك – محرر مساعد في الأطلسي الشهري ِAtlantic Monthly، الذي بحث اكتشافات ونظرات العلم الحديث. كان حاداً بصفة مميزة في تقريره. فقد كتب: “إن فكرة الأكوان المتعددة تقوم على افتراضات تدعو للسخرية إن كانت قد جاءت من نص ديني. [فالنظرية] تتطلب تأجيلاً طويلاً من عدم الإيمان كأية ديانة. انضم للكنيسة التي تؤمن بوجود أشياء غير منظورة عرضها 50 بليون مجرة!”[22]

كما ذكرت تشككي أما كولينز، استمع باهتمام، وقال: “هناك سبب ما يجعلك تشعر هكذا. فمع تساوي كل شيء آخر، نميل لتفضيل الفرضيات التي هي استقراءات طبيعية لما نعرفه فعلاً”.

لم أدرك ما كان يقصده، فسألته: “هل يمكنك أن تقدم توضيحاً على ذلك؟”

فقال: “بكل تأكيد. لنفترض أنك عثرت على بعض عظام ديناصور. واعتبرتها بتلقائية دليلاً قوياً جداً أن الديناصورات قد عاشت في الماضي. لماذا؟ لأنه حتى إن كان لا أحد قد رأى ديناصورات، فلدينا خبرة عن حيوانات أخرى تركت ورائها بقايا متحجرة. وبهذا يكون تفسير الديناصور استقراء طبيعي من خبرتنا العامة. وهكذا يصير الأمر له معنى”.

“ومع ذلك، لنفترض أنه كان هناك متشكك من وجود الديناصورات. وكان يحاول تفسير وجود العظام التي عثرت عليها. ولنفترض أنه ادعى أنه استطاع تفسير وجود العظام باقتراح أن “مجال إنتاج عظام ديناصور” تسبب ببساطة في اخراج هذه العظام من الهواء المتباعد”.

“هذا أمر سخيف”.

“وهذا تماماً ما ستقوله للمتشكك. ستقول له: “مهلاً؛ ليست هناك قوانين معروفة في الفيزياء تسمح لهذا المجال بإنتاج عظام من العدم”. لكنه سيكون مستعداً للرد عليك. سيرد قائلاً: ” إننا لم نكتشف هذه القوانين بعد.  امنحنا المزيد من الوقت، يا لي Lee، ويقيني أننا سنتوصل إليها”.

“أخمن أن لا شيء يمكنه أن يمنعك عن استنتاج أن الديناصورات كان موجودة، لأن هذا سيكون استقراء طبيعياً مما تعرفه. ومن الناحية الأخرى، يحتاج المتشكك أن يخترع مجموعة كاملة جديدة من التقنيات التي ليست استقراء طبيعياً من أي شيء نعرفه أو اختبرناه. وأنت لن تقبل قصته. مستحيل”.

“تقصد إذاً أن مصمماً ذكياً هو استقراء طبيعي لما نعرفه حقاً”.

“نعم. فكر في الأمر، يا لي Lee، نحن نعلم أن العقول الذكية تنتج وسائل معدلة. انظر إلى مكوك الفضاء. انظر إلى جهاز تلفزيون. انظر إلى موتور احتراق داخلي. نحن نرى عقولاً تنتج أجهزة معقدة دقيقة طوال الوقت”.

“ولهذا فإن افتراض وجود عقل فائق – أو الله – كتفسير لتعديل الكون له معنى مقبول في العالم. وسوف يكون ببساطة استقراء طبيعياً لما نعرفه عما تستطيع العقول أن تفعله. والأهم، أنه على خلاف الفرضية القائلة بوجود أكوان كثيرة، لدينا دليل مستقل على وجود الله، كاختبار شخصي عن الخالق، والدليل الآخر الذي تتحدث عنه في كتابك”.

 

 

جمال الفيزياء

ارتشف كولينز آخر رشفة من الشاي في نفس الوقت الذي انتهيت فيه من شرب كوب الماء. وقال لي وهو يشير لي بأن أتبعه عبر البهو: “لنذهب لإحضار عبوات جديدة”.

كان المبنى هادئاً بصورة مخيفة كونه بلا طلاب أو كلية، وكانت أصواتنا تتردد صداها قليلاً بينما نزلنا الممر الفارغ. فقلت بينما وصلنا إلى مطبخ شخصي: “إن النهار جميل جداً بينما قضينا وقتاً طويلاً بالداخل”.

“نعم، إنه نهار مثالي للجري”.

ملأت كوبي بالماء بينما أعد هو مشروب الشاي. ساد الصمت للحظات، ثم قال كولينز: “إن الحديث عن الجمال يُذكرني باتجاه آخر من التفكير يشير إلى مصمم”.

“حقاً؟ أخبرني عنه”.

فأجاب ونحن عائدون إلى غرفة المؤتمرات: “فكر في الجمال الاستثنائي، والفخامة، والانسجام، والابداع الذي نجده في قوانين الطبيعة”.

“لقد كُتبت كتب كاملة عنه. كتب وينبيرج فصلاً كاملاً يشرح كيف أن معايير الجمال والفخامة استخدمت لإرشاد الفيزيائيين لصياغة القوانين الصحيحة.[23]قال الفيزيائي النظري آلان جوث إن البنية الأصلية لنظريات القياس في الفيزياء الجزيئية الأساسية “تحفزت أساساً بفخامتها الرياضية”[24].

“واحد من أكثر العلماء تأثيراً في القرن العشرين، بول ديراك، الحائز على جائزة نوبل من كامبردج نادى بأن: “أن يكون هناك جمال في معادلات شخص ما أهم من أن تناسب هذه المعادلات التجربة”[25]. وقال مؤرخ إن الجمال الرياضي كان جزءاً متكاملاً من استراتيجية ديراك. وقال إن ديراك كان يعتقد أن الفيزيائيين “كان عليهم أن يختاروا أولاً أجمل الرياضيات – ليست بالضرورة تلك المرتبطة بالأسس الموجودة لفيزياء النظرية – ثم يفسرونها بمصطلحات فيزيائية”[26].

هل ترى جمالاً في قوانين ومبادئ الطبيعة؟”

“نعم، بالتأكيد. إنها جميلة، وفخمة أيضاً في بساطتها. ومن المدهش أن يحدث هذا. عندما يحاول العلماء صياغة قانون جديد للطبيعة، يبحثون عن أبسط قانون يفسر البيانات بطريقة كافية”.

فقاطعته باعتراض: “أليس الجمال في عين الرائي؟ فما هو جميل يبدو أمراً ذاتي تماماً”.

“الذاتية لا يمكنها تفسير نجاح معيار الجمال في العلم. فلا يمكننا أن نتوقع ذاتية بحتة لتكون بمثابة أساس النظريات التي تقوم بتنبؤات عالية الدقة، كنجاح الديناميكا الكهربية الكمية في التنبؤ بالتصحيح الكمي لعامل g في الالكترون”.

“علاوة على ذلك، ليس كل الجمال ذاتياً؛ فهناك أيضاً ملامح موضوعية منه، على الأقل بالمعنى الكلاسيكي. في كتابه “تحليل الجمال The Analysis of Beauty” المكتوب في منتصف القرن الثامن عشر، قال وليم هوجراث إن الصفة المحددة للجمال أو للفخامة هي “البساطة مع التنوع”. وهذا ما وجده العلماء – عالم فيه البساطة الجوهرية تصل إلى تعقيد هائل المطلوبة للحياة”.

فطرحت بديلاً آخر قائلاً: ربما يكون مفهوم الجمال مجرد نتاج التطور. وربما تكون له قيمة باقية، ولهذا فإن إحساسنا بما هو جميل يكون قد تشكل بالاختيار الطبيعي”.

“هذا يمكن تطبيقه فقط على الأشياء التي يمكن أن نراها، أو نلمسها، أو نسمعها؛ الأشياء الموجودة في عالمنا اليومي والضرورية للبقاء. لكن التطور لا يمكنه تفسير الجمال الموجود في العالم المستتر للقوانين والرياضيات الفيزيائية”.

“في الفيزياء يمكننا أن نرى درجة ممتازة من التناغم، والتآلف، والتناسب. ونرى شيئاً أدعوه “إمكانية الاستكشاف”. وأقصد به أن قوانين الطبيعة يبدو أنها قد ترتبت بعناية لدرجة أنه يمكن اكتشافها من قبل كائنات لها نفس مستوى ذكائنا. وهذا لا يتفق فقط مع فكرة التصميم، لكنه يقترح أيضاً فكرة وجود قصد إلهي للبشرية حتى نتعلم عن مواطننا، وننمي العلم والتكنولوجيا”.

وقد ذكر كولنز أن ديفيز قد علق أيضاً على جمال الطبيعة في كتابه “القوة الفائقة Superforce”. وفيما بعد وجدت الفقرة:

أحد ردود الفعل الشائعة بين الفيزيائيين إزاء الاكتشافات الرائعة… هو مزيج من السرور تجاه رقة وفخامة الطبيعة، والاندهاش: “لم أفكر إطلاقاً في عملها بهذه الطريقة”. إن كانت الطبيعة “ماهرة” جداً حتى يمكنها استفلال التقنيات التي تدهشنا بإيداعها، أليس هذه دليلاً مقنعاً على وجود تصميم ذكي وراء العالم المادي؟ إن كانت أفضل عقول العالم يمكنها حل أسرار الطبيعة بصعوبة، فكيف يُفترض أن هذه الأسرار مجرد حادث غبي، نتاج صدفة بحتة؟ …… إن كشف قوانين الفيزياء يشبه تكملة [لغز] كلمات متقاطعة بعدة طرق…  ففي حالة الكلمات المتقاطعة، لن يحدث لنا أبداً أن نفترض بأن الكلمات قد سقطت فحسب في نموذج متداخل بالصدفة[27].

استطرد كولينز: “من وجهة نظر إلحادية، ليس هناك سبباً لتوقع أن القوانين الأساسية ستكون جميلة أو فخمة، لأنها بسهولة كان يمكن أن تكون غير ذلك. وحتى وينبيرج الملحد اعترف أنه “أحياناً ما تبدو الطبيعة أجمل من المطلوب”[28].

“ومع ذلك، فإن التعديل من أجل البساطة، والجمال، والفخامة يشكل معنى في فرضية الله. فكر في الإدراك الكلاسيكي عن الله؛ فهو الكائن الأعظم الممكن، ومن ثم فهو كيان يتمتع بحس مطلق من الجمال. ولن يكون من المدهش على الإطلاق بالنسبة لله أن يريد أن يخلق عالماً ذات جمال ورقة عظيمة في مستواه الأساسي”.

“كل النظريات الأخرى ناقصة”

عدنا إلى غرفة المؤتمرات، عالمين أننا على وشك الانتهاء. استند كولينز على الحائط، وكان كوب في يد، واليد الأخرى ممتدة عبر صدره، بينما جلست على طرف مقعد.

كانت نقطة الالتقاء بين الإيمان والفيزياء ملتقى رائع بالنسبة لي، وكنت مهتماً بمعرفة تأثير بحث كولينز على حياته الشخصية.

“ماذا أسهمت دراستك حول تعديل الكون لإيمانك؟”

فوضع كولينز كوب الشاي، وأجاب: “لقد شددته بالتأكيد. ومثل أي شخص آخر، اجتزت أوقاتاً عصيبة في الحياة، وكانت كل الدلائل العلمية على وجود الله مرساة مهمة بالنسبة لي”.

بدا في هذا أن العلم يحل محل الإيمان. فسألته: “أليس من المفروض أن يكون هذا هو دور الإيمان؟”

فأصر قائلاً: “إني أتكلم عن الإيمان. فالله لا يظهر عادة بطريقة فائقة للطبيعة في مكان ما، ويقول: “هاأنذا” لكنه يستخدم الوعاظ ليوصلوا للناس رسالة الفداء في المسيح. وأحياناً يستخدم وسائل طبيعية. تخبرنا رومية 1: 20 أن قوة الله السرمدية وطبيعته الإلهية يمكن رؤيتهما وفهمهما من خلال المصنوعات، ولهذا فالبشرية بلا عذر. إني أرى الفيزياء وكأنها تزيح الستار عن دليل بصمة الله في مستوى أكثر عمقاً مما كان يحلم به الأقدمون. لقد استخدم الفيزياء لتمكنني من رؤية حضوره وقدرته على الخلق. والسماء تعلن حقاً مجد الله، وهذا ما يلاحظه بمستوى أوضح متدرب الفيزياء بعيونه البشرية. وقد كان هذا تشجيعاً مذهلاً بالنسبة لي”.

“وبالطبع فإن التعديل في حد ذاته لا يمكنه ان يخبرنا ما إذا كان الله شخصياً أم لا. علينا أن نكتشف هذا بطرق أخرى. لكنه يساعدنا في استنتاج أنه موجود، وأنه خلق العالم، ومن ثم هناك قصد من وراء الكون. لقد خلقه بعناية فائقة وبدقة بالغة كموطن للحياة الذكية”.

“كيف تُقّيم إقناع الدليل الإنساني؟”

“إنه ليس حاسماً بنفس حسم الرياضيات بأن 2+2=4. ومع ذلك، فهو حجة تراكمية. فالتعديل الاستثنائي لقوانين وثوابت الطبيعة، وجمالها، وإمكانية اكتشافها، وذكائها، كل هذا يتحد معاً لجعل فرضية الله أكثر اختيار معقول لدينا. وكل النظريات الأخرى ناقصة”.

التقطت قصاصة صحفية من الطاولة، ثم قلت لكولينز: “نشرت صحيفة New York Times مؤخراً هذا الاقتباس الشهير للفيزيائي فريمان دايسون الذي بحث في دليل التعجيل وقال: “لا بد أن الكون بشكل ما قد علم أننا قادمين”. لكن المؤلف أضاف قائلاً: “هذه الفكرة ترعب بعض الفيزيائيين الذين يشعرون أن رسالتهم هي إيجاد تفسير رياضي للطبيعة لا يترك مجالاً للصدفة أو لهوى الخالق”. ومن الواضح أنك لا تنظر إلى مهمة الفيزياء هكذا، أليس كذلك؟”[29]

“كلا على الإطلاق. فهذا الاتجاه يعكس تحيزاً تناقضياً. وأنا لا أمانع العلماء وهم يحاولون إيجاد تفسيرات طبيعية، لكني لن أقول بأن مهمة الفيزياء هي تفسير كل شيء من الناحية الطبيعية. فمهمة الفيزياء هي تتبع تفسير طبيعي بقدر الإمكان، ولكن طالما أن الفيزياء يمكنها فقط تفسر مجموعة واحدة من القوانين باستدعاء مجموعة قوانين أكثر جوهرية، فلا يمكنها بنفسها أن تفسر القوانين الأكثر جوهرية. فتفسير هذه القوانين بمثابة انتقال الإنسان من الفيزياء [علم الطبيعة] إلى الميتافيزيقا [ما وراء الطبيعة]. ورغم أن الاستشهاد بفكرة الله ربما لا يكون جزءاً حاسماً من العلم، فإن العلم في جوهره هو تتبع الدليل وتضميناته حيثما تقودنا. ولا يجب أن نخشى من فرضية الله إذا كانت هي ما تناسبها الحقائق”.

لم يكن لوحده في منظوره هذا. فقد قال جنجريتش من جامعة هارفارد: أؤمن أن …. كتاب الطبيعة، بتفاصيله المذهلة – مسطحات عشبية، أو Conus cedonulli، أو رنين مستويات ذرة الكربون – يقترح وجود إله قصد وإله تصميم. وأعتقد بأن عقيدتي لا تجعلني بأقل من عالم”[30].

وآنذاك خطل سؤال أخير على ذهني، فقلت له: “بينما تتعمق أكثر فأكثر في الفيزياء، هل لديك شعور بالتعجب والرهبة لما تكتشفه؟”

فقال مبتسماً: “نعم، هذا صحيح. ليس فقط مع التعديل، بل أيضاً في مجالات كثيرة، مثل تقنيات الكم، وقدرة عقولنا على فهم العالم. فكلما نتعمق بحثاً، كلما نرى أن الله أكثر رقة، وأكثر ذكاءً، وأكثر إبداعاً مما كنا نعتقد. وأعتقد ان هذه هي الطريقة التي خلق بها الله الكون لنا – أن يكون مملوءً بالمفاجآت”.

ملك أم كتابة

أينما نظرت من حولي، كان استنتاج التصميم يبدو أنه لا يمكن الهروب منه. فإن كان كوننا هو الكون الوحيد في الوجود، وهذا استنتاج منطقي مبني على الدليل، فإن تعديله المتطور يعلن وجود مصمم. ومن الجانب الآخر، إن ثبتت صحة نظريات الفيزيائيين الغامضة، وصار كوننا واحداً من أكوان كثيرة، فإن الحاجة إلى تقنية مولدة لكون ستستلزم أيضاً وجود مصمم.

في كلا الحالتين يكسب الخالق.

لخصت فيرا كيستياكوفسكي – أستاذ فيزياء على المعاش في معهد ماساشوستس، والرئيس السابق لجمعية نساء العلم – تضمينات الدليل: “إن الترتيب الرائع الذي يعرضه فهمنا العلمي عن العالم المادي يدعو إلى السماويات”[31].

كان هذا الاستنتاج أيضاً هو الذي أزال إلحاد باتريك جلين. فقد قال إن الدليل الإنساني….

…. يقدم إشارة قوية في نفس قوة المنطق والعلم التي يمكنها إثبات وجود الله…. ومن المفارقة أن صورة الكون التي سُلمت لنا من خلال أكثر علوم القرن العشرين تقدماً قريبة في جوهرها من الرؤية المقدمة في سفر التكوين أكثر من أي شيء قدمه العلم منذ كوبرنيكوس[32].

حتى الآن، بعد لقائي مع كريج، وكولينز، كان الدليل يشير بوضوح إلى هذا الاتجاه. وفي الواقع، افتتن خيالي بتضمين مميز.

في “القضية…. المسيح” وصفت الدليل التاريخي لمعجزات يسوع الناصري، وخاصة قيامته من الأموات. فالقدرة على التدخل بطريقة فائقة للطبيعة في أمور العالم العادية، وذلك لإرجاء العمل الطبيعي للكون هو إثبات قوي حقاً على أنه ابن الله.

ومع ذلك، فيما سمعت عن التعديل بالغ الدقة لقوانين الطبيعة، أدرك الآن أن عمل الكون اليومي، في حد ذاته، نوع من المعجزة المستمرة. فـ “التزامنات” التي تسمح للخواص الأساسية للمادة أن تقدم بيئة صالحة للسكنى غير محتملة لدرجة بعيدة، وصعبة التصديق جداً، ومدارة ببراعة بالغة حتى إنها تحتاج إلى تفسير سماوي.

وبكلمات أخرى، فإن الإلغاء السريع لقوانين الطبيعة بطريقة فجائية، ومرئية، ومباشرة – وهو ما نسميه عادة “معجزة” – يشير بوضوح نحو إله كلي القدرة. ومع ذلك، حتى لو أن الله لا يتدخل بطريقة فائقة للطبيعة، فإن تعديل الفيزياء الذي يصعب تفسيره، الذي يعمل يوماً بعد يوم منذ بداية الخليقة، يبدو أنه يؤكد أيضاً كلمة “إعجازي”.

والمعجزات هي دائرة اختصاص الله.

كنت أتأمل في هذا التفكير بينما خرجت مع كولينز من المبنى، وتنفسنا الصعداء من هواء الخريف المنعش، واستمتعنا بأشعة الشمس. عندما رفعت عيني، رأيت الشمس المشرقة على جانب واحد من السماء الزرقاء، والقمر الباهت على الجانب الآخر. وتحول تفكيري من عالم الفيزياء النظري إلى الكواكب والأقمار والنجوم والمجرات التي تملأ الكون.

تساءلت عن أدلة التعديل الأخرى التي ربما تكون في الكون؟ هل يمكن أن يخبرنا وجودنا على صخرة داعمة للحياة على ضواحي مجرة الطريق اللبني شيئاً عن الخالق الذي اقترحه حتى الآن بقدر كبير علم الكونيات وعلم الفيزياء؟

وقد اتخذت قراري وأنا في طريق خروجي من المبنى: حان الوقت لمشاورة أحد الفلكيين عما يمكن أن نتعلمه من غموض وعظمة السماوات.

 

[1] Roger Penrose. The Emperors New Mind (New York: Oxford, 1989), 344, quoted in Stephen C. Meyer, “Evidence for Design in Physics and Biology” in Michael J. Behe, William A. Dembski, and Stephen C. Meyer, editors, Science and Evidence for Design in the Universe, 61.

[2] Brad Lemley,”Why Is There Life?” Discover (November 2002) imphasis added.

[3] Ibid. Also see Martin Rees, Just six Nnmbers: The Deep Forces That Shape the universe.

[4] Quoted in Larry Witham, By Design (San Francisce: Encounter, 2003), 55.

[5] Bill Bryson, A Short History of Nearly Everything, 16.

[6] Brad Lemley, “Why Is There Life?”

[7] Ibid.

[8] Clifford Longley, “Focusing on Theism,” London Times (January 21, 1989).

[9] Steven Weinberg, “A Designer Universe?”

[10] Michael J, Behe, William A. Dembske, and Stephen C. Meyer, Science and Evidence for Design in the Universe, 104, Referencing Clifford Longley, “Focusing on Theism”.

[11] Paul Davies offers this definition of metaphysics: “In Greek Philosophy, the term <metaphysics> originally meant <that which comes after physic. It refers to the fact that Aristotle’s metaphysics was found, unfilled, placed after hid treatise on physics. But metaphysics soon came to mean those topics that lie beyond physics (we would today say beyond science) and yet may have a bearing on the nature of scientific inquiry.

So metaphysics means the study of topics about physics (or science generally), as opposed to the scientific subject itself. Traditional metaphysical problems have included the origin, nature, and purpose of the universe, how the world of appearances presented to our senses relates to its underlying <reality> and order, the relationship between mind and matter, and the existence of free will. Clearly Science is deeply involved in such issues but empirical  science alone may not be able to answer them, or any <meaning – of – Life> questions.” (Paul Davies, The Mind of God, 31).

[12] Lee Strobel, The Case for Faith, 78, 79.

[13] John Polkinghorne, Serous Talk: Science and Religion in Dialogye (London: Trinity Press International, 1995), 6.

[14]John Polkinghorne, Science and Theology (Minneapolis: Fortress Press, 1998), 38.

[15] Paul Davies, The Mind of God, 220.

[16] Clifford Longley, “Focusing on Theism.”

[17]Brad Lemley, “Why Is There Life?” In a subsequent interview, Rees said it’s helpful for physicists to contemplate the possibility of other universes He added: “I don’t believe, but I think it’s part of science to find out.” See Dennis Overbye, “A New View of Our Universe: Only One of Many,” New Yord Times (October 29, 2002).

[18] Ibid.

[19] According to The Bread Factory Book, produced by Sanyo: “Bread flour made from Hard wheat is high in the Protein substance called gluten. When Mixed and Kneaded, the gluten stretches and incorporates air bubbles to produce a light, fine textured loaf.” In making whole – wheat bread, up to four tablespoons of gluten needs to be added to increase the Height of the loaves.

[20] Michio Kaku, Introduction to Superstrings and M-Theory (New York: Springer Verlag, Second edition, 1999), 17.

[21] Freeman Dyson, Disturbing the Universe (New York: Harper and Row, 1979), 251.

[22] Gregg Easterbrook, “The New Convergence,” Wired (December 2002) emphases added.

[23] See: “Chapter Six: Beautiful Theories,” in steven Weinberg, Dreams of a Final Theory (New York, Vintage Books, 1992).

[24] Alan Guth, The Inflationary Universe (New York: Helix, 1997), 124.

[25] Paul Dirac, “The Evolution of the Physicist Picture of Nature,” Scientific American (May 1963).

[26] Oliver Darrigol, From c-Numbers to q-Numbers: The Classical Analogy in The History of Quantum Theory (Los Angeles: University of California Press 1992), 304.

[27] Paul Davies, Superforce: The Search for a Grand Unified Theory of Nature (New York: Simon and Schuster, 1984), 235-36.

[28] Steven Weinberg, Dreams of a Final Theory, 250.

[29]Dennis Overbye, “A New View of Our Universe: Only one of Many”.

[30] Owen Gingerch, “Dare A Scientist Believe in Design?” in John M. Templeton, Editor, Evidence of Purpose (New York: Continuum, 1994), 32.

[31] Vera Kistiakowsky, “The Exquisite Order of the Physical World Calls for the Divine,” in Henry Margenau and Roy Abraham Varghese, Cosmos, Bios, Theos (Chicago: Open Court, 1992), 52.

[32] Patrick Glynn, God: The Evidence, 55, 56.

برهان الفيزياء: الكون في خطر جـ2 – لي ستروبل

حوار ملحد ومؤمن عن السببية

حوار ملحد ومؤمن عن السببية

ذهب ملحد ومؤمن في جولة الي الغابة وهناك وجدوا كره زجاجية قطرها حوالي 8 قدم. وتساءل كلاهما من اين جاءه هذه الكره هنا. واتفقوا انه لابد ان يكون شخص ما وضعها هنا. وسأل المؤمن سؤالاً “إذا كانت الكره قطرها 16 قدم. هل سيكون ايضاً هناك تساءل عن سبب وجودها ههنا. فقال بالطبع سيكون هناك تساءل. فرد الملحد قائلاً ” إذا كنا تساءلنا عن الكرات الصغيرة وسبب وجودها. كيف لا نسأل عن كره كبيره.

فقال المؤمن “ماذا لو كانت الكره قطرها ثمانية آلاف ميل. هل لا تزال في حاجة الي سبب.

فرد الملحد وقال نعم إذا كانت الكره الصغيرة نبحث عن سبب لوجودها وايضاً الكبيرة. فما بالك بالكبيرة حقاً بالطبع تحتاج الي ان نبحث عن سبب. ثم قال المؤمن ” ماذا لو علمت ان الكره الكبيرة هي الكون …! هل ما زلت تعتقد انها تحتاج الي سبب. فرد الملحد قال بالطبع لا ” فالكون هو موجود ” لا يحتاج لسبب.

 

المرجع:

  1. Norman Geisler, If God, Why Evil?, p. 15.
Exit mobile version