ظهور الرب وقت المعمودية – عظة 11 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ظهور الرب وقت المعمودية – عظة 11 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ظهور الرب وقت المعمودية – عظة 11 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

 

(لو3: 21ـ 23) “ وَلَمَّا اعْتَمَدَ جَمِيعُ الشَّعْبِ اعْتَمَدَ يَسُوعُ أَيْضًا. وَإِذْ كَانَ يُصَلِّي انْفَتَحَتِ السَّمَاءُ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ الرُّوحُ الْقُدُسُ بِهَيْئَةٍ جِسْمِيَّةٍ مِثْلِ حَمَامَةٍ. وَكَانَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً: أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ. وَلَمَّا ابْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلاَثِينَ سَنَةً “.

 

هيا بنا أيضًا، لكي نركز أذهاننا عن قصد على الكتب الإنجيلية، وذلك لكي ننظر جمال الحق. تعالوا بنا لنوجه عيون عقولنا الفاحصة المدققة نحو سر المسيح، ولننظر بدهشة مهارة التدبير الإلهي العجيب: فإننا بهذا سنرى مجده. وعندما نعمل هذا فإنه يهبنا حياة لنفوسنا كما أكد لنا هو نفسه حينما كان يتحدث إلى الآب السماوي بقوله ” هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته” (لو17: 3). إذًا فكيف أُرسِل؟ وما هي طريقة مجيئه إلينا؟ لأنه إذ هو بالطبيعة الله الذي يملأ الكل، فكيف كما يقول المبارك يوحنا الإنجيلي، ” إنه كان في العالم” (يو1: 10)، وهو نفسه الرب؟ وكيف أُرسل من الآب، في حين أنه كإله هو خالق كل الأشياء وحافظها؟ لأن المخلوقات قد تأسست بواسطته.

إن الحكيم يوحنا الإنجيلي يعلمنا قائلاً: ” والكلمة صار جسدًا“. ولكن ربما يقول أحد “ماذا إذًا؟ هل كف عن أن يكون هو الكلمة؟” وهل تغيَّر الجسد؟ هل سقط من جلاله؟ وهل جرى له تحول إلى شيء لم يكن عليه سابقًا؟ إننا نقول ليس الأمر هكذا، حاشا من ذلك، لأنه بالطبيعة غير قابل للتغيُّر، لذلك فبقوله ” الكلمة صار جسدًا” (يو1: 14)، فإن الإنجيل يعني أنه صار إنسانًا مثلنا، لأننا نحن أنفسنا أيضًا كثيرًا ما نُدعى جسدًا، لأنه مكتوب: “ويبصر كل جسد خلاص الله” (إش40: 5س)، ويعني به إن كل إنسان سيبصر خلاص الله، لذلك فبينما هو يحتفظ بما كان عليه بدون تغيير، إلا أنه إذ صار في حالتنا فإنه أخذ شبهنا، ولذلك يُقال إنه قد صار جسدًا.

انظروه إذًا كإنسان، وهو يحتمل معنا الأمور التي تختص بحالة الإنسان، انظروه وهو يكمَّل كل بر، لأجل خطَّة الخلاص، وهذا أنت تتعلمه مما يقوله الإنجيل: ” وحدث أنه لما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع أيضًا وصلَّى” فهل كان هو أيضًا في احتياج إلى المعمودية المقدسة. وأية منفعة تحصل له منها؟ إن كلمة الله الوحيد هو قدوس من القدوس. وهكذا يدعونه السيرافيم في تسابيحهم، وهكذا يدعوه الناموس في كل مكان، ومحفل الأنبياء القديسين يتفقون في هذا مع كتابات موسى.

ما الذي نحصل عليه نحن من المعمودية المقدسة؟ واضح أنه غفران خطايانا، ولكن يسوع لم يكن فيه شيء من الخطية “ لأنه لم يفعل خطية ولم يوجد في فمه غش” (1بط2: 22)، كما يقول الكتاب “وهو قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات” (عب7: 26). بحسب كلمات بولس الرسول.

ولكن ربما يقول أحد من غير المتدربين في الإيمان: “هل هو إذًا كلمة الله الذي اعتمد؟ هل كان هو محتاجًا أن يصير مشتركًا في الروح القدس؟” أبدًا بالمرة، لذلك فهذا هو ما نؤكده أن الجسد الذي كان من نسل داود، والذي صار واحدًا معه، هو الذي اعتمد ونال الروح.

إذًا فأنتم الذين تقولون بغير هذا قد قسمتم غير المنقسم، إلى ابنين، وتقولون، لأنه اعتمد في سن الثلاثين سنة فقد صار مقدسًا بواسطة المعمودية. فهل هو إذًا لم يكن مقدسًا إلى أن وصل إلى سن الثلاثين؟ من الذي يوافقكم على هذا، إذ أنتم تفسدون الإيمان المستقيم الذي بلا لوم؟

لأنه يوجد ” رب واحد يسوع المسيح” (1كو8: 6)، كما هو مكتوب. ولكننا نؤكد هذا أنه لم يكن منفصلاً عنه، وكان هو نفسه حينما اعتمد وصار مشتركًا في الروح القدس، لأننا نعرف أنه الله، وبلا عيب، وقدوس من قدوس، لأننا نعترف أننا ” من ملئه جميعًا أخذنا” (يو1: 16). لأن الروح القدس ينبثق حقًّا من الله الآب، ولكنه خاص بالابن أيضًا. وكثيرًا ما يُدعى روح المسيح، رغم أنه منبثق من الآب. وهذا ما يشهد به بولس قائلاً: ” الذين في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله، أما أنتم فلستم في الجسد، بل في الروح إن كان روح الله ساكنًا فيكم، ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس للمسيح” (رو8: 8ـ9).

وأيضًا يقول ” بما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا أيها الآب أبانا” (غل4: 6). لذلك فالروح القدس ينبثق حقًّا من الله الآب كما قلت، ولكن كلمته الوحيد، لكون بالطبيعة هو الابن حقًّا، وهو يلمع بأمجاد الآب، فإنه يعطيه (الروح القدس) للخليقة. ويمنحه لأولئك الذين يستحقون. لذلك فقد كان حقًّا ما قاله: “ كل ما للآب هو لي” (يو16: 15).

ولكن فلنرد على أولئك الذين يقلبون الإيمان الصحيح، بهذا السؤال “كيف يستطيع ذاك الذي نال الروح، إن كان هو حسب قولكم إنسانًا منفصلاً بنفسه، كيف يستطيع أن يعمِّد بالروح القدس ويعطي الروح القدس للذين يعتمدون؟” لأن القدرة مع غيرها من الصفات الأخرى هي خاصية مميزة لله القدير وحده، ولكن ذلك الذي أعطى الروح كان إنسانًا، لأن يوحنا الحكيم يقول: “ يأتي بعدي رجل صار قدامي لأنه كان قبلي. هو سيعمدكم بالروح القدس ونار” (يو1: 3؛ لو3: 16).

فكما أنه غير لائق بالله الكلمة، بصفته الله الكلمة أن يقترب من المعمودية المقدسة ويصير مشتركًا في الروح، هكذا بنفس الطريقة فإنه لا يُصدَّق إطلاقًا، بل بالحرى أنه من المستحيل أن نؤمن بأن القدرة على تعميد الناس بالروح القدس هي من عمل مجرد إنسان لا يزيد عنَّا في أي شيء. 

كيف إذًا يكون السر حقيقيًّا؟ إنَّه لأجل مساعدتنا اتخذ نوعًا من التكيُّف، فالكلمة الإلهي صار إنسانًا، كما يقول بولس الحكيم جدًّا: “الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخذ صورة عبد صائرًا في شبه الناس، ووضع نفسه إلى الفقر”. فابحثوا إذًا، مَن هو ذلك الذي كان أولاً في صورة الله الآب، وهو في الحقيقة مساوٍ له، ولكنه أخذ صورة عبد، وحينئذ صار إنسانًا، وإلى جانب ذلك جعل نفسه فقيرًا. هل هو الذي من نسل داود كما يجادلون، الذي يعتبرونه منفصلاً بنفسه كابن آخر، مختلفًا عن كلمة الله الآب؟

إن كان كذلك فدعهم يبيِّنون متى كان مساويًا للآب؟ دعهم يبيِّنون كيف اتخذ صورة عبد؟ أو ماذا سنقول عن ماهية صورة العبد تلك؟ وكيف أخلى نفسه؟ فهل يوجد ما هو أفقر من الطبيعة البشرية؟ لذلك فالذي هو صورة الله الآب وشبهه والتعبير الواضح عن شخصه، والذي يشع ببهاء في مساواة معه، والذي هو بالطبيعة حُر، ونير ملكوته موضوع على كل الخليقة، هذا هو نفسه الذي اتخذ صورة عبد، أي صار إنسانًا، وجعل نفسه فقيرًا إذ رضى أن يحتمل هذه الأمور البشرية ما عدا الخطية.

إنهم يعارضون قائلين: ولكن كيف اعتمد ونال الروح أيضًا؟ فنجيبهم: إنه لم يكن محتاجاً للمعمودية المقدسة إذ هو كلي النقاوة وبلا عيب، وقدوس من قدوس، كما أنه لم يكن محتاجًا للروح القدس، لأن الروح المنبثق من الآب هو معه ومساوٍ له في الجوهر، ولذلك يجب أن نستمع الآن إلى شرح التدبير أي خطة الله. إن الله في محبته للإنسان زوَّدنا بطريق للخلاص والحياة، لأننا بالإيمان بالآب والابن والروح القدس وباعترافنا بهذا الإقرار أمام شهود كثيرين، فأننا نغسل كل وسخ الخطية ونغتني بالحصول على الروح القدس ونصير شركاء الطبيعة الإلهية، وننال نعمة التبني.

لقد كان ضروريًّا إذًا أن كلمة الآب حينما وضع نفسه إلى الإخلاء وتنازل ليتخذ شكلنا، كان ضروريًّا أن يصير من أجلنا نموذجًا وطريقًا لكل عمل صالح، فالذي هو الأول في كل شيء ينبغي أيضًا أن يضع نفسه مثالاً في هذا. لذلك فلكي نعرف قوة المعمودية المقدسة نفسها والنعمة العظيمة التي نحصل عليها بالإقبال إليها، فإنه يبدأ هذا العمل (المعمودية) بنفسه، وحينما اعتمد صلَّى لكي تتعلموا أنتم يا أحبائي أن الصلاة بلا انقطاع هي أمر مناسب جدًّا لأولئك الذين حسبوا أهلاً للمعمودية المقدسة.

ويقول الإنجيلي إنَّ السماء قد انفتحت كما لو كانت مغلقة طويلاً، وقد قال المسيح “مِن الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان” (يو1: 51)، لأن الجمهور الذي فوق والجمهور الذي تحت قد صارا الآن واحدًا، وصار رئيس رعاة واحدًا للكل، والسماء قد انفتحت والإنسان على الأرض جُعل قريبًا من الملائكة القديسين، والروح أيضًا نزل، إذ كبداية ثانية لجنسنا جاء الروح على المسيح أولاً وقد ناله ليس لأجل نفسه، بل لأجلنا، لأننا بواسطته (المسيح) وفيه نغتني بكل الأشياء.

لذلك فإنه مناسب جدًّا لتدبير النعمة أن يحتمل معنا الأمور الخاصة بحالة الإنسان. وفي أي وضع آخر سنراه في إخلاء، ذلك الذي بطبيعته الإلهية هو الملء نفسه؟ وكيف صار فقيرًا مثلنا إن لم يتطابق مع فقرنا؟ وكيف أخلى نفسه إن كان يرفض أن يحمل مقاييس صغر الإنسان؟

لذلك فإذ قد اتخذنا المسيح كمثال لنا، فلنقترب من نعمة المعمودية المقدسة، ليكما نحصل على دالة الصلاة بلا انقطاع، ونرفع أيادي مقدسة إلى الله الآب، لكي ما يفتح السماء علينا نحن أيضًا، ويرسل علينا الروح القدس، ولكي يقبلنا كأبناء. لأنه تحدَّث عن المسيح في وقت المعمودية المقدسة، كما لو كان قد قَبِل الإنسان بواسطته وفيه إلى البنوة قائلاً: “ هذا ابني الحبيب الذي به سررت“.

فالذي هو الابن بالطبيعة والحق، وهو الوحيد الجنس، فإنه حينما صار مثلنا أعلن خاصة أنه ابن الله، لا كأنه ينال هذا لنفسه، لأنه كما قلت إنَّه كان ولا يزال دائمًا هو الابن ذاته، ولكنه يُعطي المجد لنا نحن، لأنه قد جُعِلَ باكورتنا، والبكر، وآدم الثاني. ولهذا السبب كُتِب أنَّ: ” كل الأشياء صارت جديدة فيه” (2كو5: 15)، لأنَّنا إذ قد خلعنا القِدَم الذي كان في آدم، فقد حصلنا على الجدَّة التي في المسيح، الذي به ومعه، لله الآب المجد والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

ظهور الرب وقت المعمودية – عظة 11 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المعمدان والمسيح – عظة 8، 9، 10 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المعمدان والمسيح – عظة 8، 9، 10 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المعمدان والمسيح – عظة 8، 9، 10 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عظة (8، 9)

(لو 3: 10ـ 14) ” وَسَأَلَهُ الْجُمُوعُ قائِلِينَ: فَمَاذَا نَفْعَلُ؟ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: مَنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيُعْطِ مَنْ لَيْسَ لَهُ، وَمَنْ لَهُ طَعَامٌ فَلْيَفْعَلْ هكَذَا. وَجَاءَ عَشَّارُونَ أَيْضًا لِيَعْتَمِدُوا فَقَالُوا لَهُ: يَا مُعَلِّمُ، مَاذَا نَفْعَلُ؟ فَقَالَ لَهُمْ: لاَ تَسْتَوْفُوا أَكْثَرَ مِمَّا فُرِضَ لَكُمْ. وَسَأَلَهُ جُنْدِيُّونَ أَيْضًا قَائِلِينَ: وَمَاذَا نَفْعَلُ نَحْنُ؟ فَقَالَ لَهُمْ: لاَ تَظْلِمُوا أَحَدًا، وَلاَ تَشُوا بِأَحَدٍ، وَاكْتَفُوا بِعَلاَئِفِكُمْ “.

إن لوقا المغبوط قد قدم ثلاث أنواع من الناس يسألون يوحنا المعمدان وهم الجموع، والعشارون وثالثاً الجنود، وكما أن الطبيب الماهر يقدم لكل نوع من المرض العلاج المناسب والملائم له، هكذا أيضًا المعمدان قد أعطى لكل طريقة في الحياة مشورة نافعة ولائقة طالبًا من الجموع في طريق توبتهم أن يمارسوا الرحمة المتبادلة. والعشارون يمنعهم من الطمع ومن أخذ ما هو أكثر من المفروض، وبحكمة عظيمة يخبر الجنود ألاَّ يظلموا أحداً وأن يكتفوا بأجورهم. 

 

عظة (10)

المعمدان والمسيح

(لو 3: 15ـ 17) ” وَإِذْ كَانَ الشَّعْبُ يَنْتَظِرُ، وَالْجَمِيعُ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ عَنْ يُوحَنَّا لَعَلَّهُ الْمَسِيحُ، أَجَابَ يُوحَنَّا الْجَمِيعَ قِائِلاً: أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ، وَلكِنْ يَأْتِي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ. الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ، وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ، وَيَجْمَعُ الْقَمْحَ إِلَى مَخْزَنِهِ، وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأُ “.

من المسلّم به أن ” الأب البار يربي أولاده حسنًا جدًا“. لأن أولئك الذين يكتسون بمجد البـِر الذي بواسطة المسيح ويعرفون وصاياه المقدسة، سوف يدربون أولاده في الإيمان بتقوى وبطريقة ممتازة، إذ يعطونهم ليس الخبز المادي الأرضي بل الخبز الذي من فوق، أي من السماء. وهذا الخبز يذكره المرنم العجيب حيث يقول ” خبز يسند قلب الإنسان، وخمر تفرح قلب الإنسان” (مز104: 15). لذلك تعالوا بنا الآن لنسند قلوبنا، وليكن إيماننا بالمسيح يقينيًا وذلك بفهمنا لمعنى هذه الكتابات الإنجيلية التي قُرئت علينا الآن فهمًا صحيحًا فيقول الإنجيل: “إذ كان الشعب ينتظر والجميع يفكرون في قلوبهم عن يوحنا ألعلَّه المسيح” أجابهم بالكلمات التي قرأناها حالاً.

لقد لاحظوا بإعجاب جمال طريقة حياة يوحنا الذي لا يقارن، ولمعان سلوكه، وتقواه الفائقة التي لا تجارى، لأنه كان عظيمًا جدًّا ومثيرًا للإعجاب حتى أن الجمهور اليهودي بدأوا يفكرون عنه هل هو المسيح نفسه الذي وصفه الناموس لهم في ظلال وسبق الأنبياء القديسين فأخبروا عنه. ولأن البعض تجرأوا أن يُفكروا هكذا لذلك نرى المعمدان يقطع ظنونهم في الحال مقدمًا كعبد، الكرامة التي تليق بالسيد وناسبًا المجد لذلك الذي يفوق الكل أي المسيح، لأنه كان يعرف أن المسيح أمين لأولئك الذين يخدمونه، وما يعترف به يوحنا إنما هو الحق تمامًا لأن المسافة التي تفصل بين الله والإنسان تفوق القياس. لذلك فهو يقول “أنتم أنفسكم تشهدون لي أني قلت لست أنا المسيح، بل إنِّي مُرسَل قدامه” (يو3: 28). ولكن أين سنجد القديس المعمدان يتكلم هكذا؟ هذا نجده في إنجيل يوحنا الذي كتب عنه هكذا “وهذه هي شهادة يوحنا حين أرسل الكتبة والفريسيون في أورشليم ليسألوه إن كان هو المسيح؟ فاعترف ولم ينكر وأقر أني لست أنا المسيح. ولكنني مُرسل أمامه” (يو1: 19). لذلك فإنه عظيم بالحقيقة ومثير للإعجاب هو يوحنا السابق للمسيح الذي ظهر كنور الفجر قبل ظهور نور المخلص الساطع، وهو المقدمة لنور النهار الروحي. وهو جميل كنجم الصبح ويدعى مصباح الله الآب (انظر إش62: 1).

وبعد أن أعلن عن نفسه أنه ليس هو المسيح، فإنه الآن يقدم براهين ـ ينبغي أن نتناولها بالضرورة ـ ومن هذه البراهين يمكن أن نعرف المسافة الشاسعة جدًّا التي تفصل بين الله والإنسان، بين العبد والرب، بين الذي يخدم وذاك الذي تُقدم له الخدمة، بين الذي يتقدم كخادم والذي يضئ ساطعًا بالكرامة الإلهية. والآن ما هو البرهان؟

أولاً: يقول المعمدان: “أنا أعمدكم بماء، ولكن يأتي بعدي من هو أقوى مني الذي لست مستحقًّا أن أنحني وأحل سيور حذائه”.

وكما قلت فإن الاختلاف لا يمكن مقارنته، والعلو لا يمكن قياسه، وذلك لأن المعمدان المبارك، وهو عظيم جدًّا في الفضيلة يُعلن أنه غير مستحق حتى أن يلمس حذاءه. إن إعلان المعمدان هذا هو حق وصدق، لأنه إن كانت القوات العقلية في السماء: الرئاسات والعروش، والربوبيات، والسيرافيم المقدسين أنفسهم الذين يقفون حول العرش الإلهي وهم رتبة الخدام، كل هؤلاء يباركونه بتسابيح بلا انقطاع كرب الكل، فهل يستحق ساكن الأرض حتى أن يقترب من الله؟ فرغم أنه يحب الإنسان وهو حليم لطيف لكن ينبغي أن نعترف بضعف طبيعتنا.

وبعد هذا يقدم المعمدان برهانًا ثانيًا قائلاً أنا أعمدكم بماء، أما هو فسيعمدكم بالروح القدس ونار.

وهذا أيضًا له أهمية عظيمة لكي يبرهن ويوضّح أن يسوع هو الله والرب. لأن هذه هي الخاصية الوحيدة والمميزة للجوهر الذي يفوق الكل[1]. وهي أن يكون في استطاعته أن يمنح للناس سكنى الروح القدس، ويجعل أولئك الذين يقتربون منه شركاء للطبيعة الإلهية. وهذه الخاصية موجودة في المسيح لا كشيء اكتسبه أو انتقل إليه من آخر، بل كخاصيته التي يملكها وهي التي تخص جوهره وهي أن يعمِّد بالروح القدس. إذًا فالكلمة، الذي صار إنسانًا يتضح أنه الله، ومن جوهر الآب، ولكن ربما يعترض على هذا (التعليم) أولئك الذين يقسمون المسيح الواحد إلى ابنين، وأنا أعني بهم أولئك الذين يقول عنهم الكتاب: إنَّهم “نفسانيون، ومعتزلون، ولا روح لهم” (يه19:1)، فيعترضون بالقول إن الذي يعمِّد بالروح هو كلمة الله وليس هو الذي من نسل داود. فأي جواب نقدم على هذا؟ نعم! ونحن أيضًا نؤكد، بدون أن نخاف أي تناقض، أن الكلمة لكونه إله يعطي من ملئه الروح القدس لأولئك الذين يستحقونه، ولكنه لا يزال يفعل هذا حتى حينما صار إنسانًا، لكونه الابن الوحيد مع الجسد المتحد به بطريقة تعلو على الفحص وتفوق الفهم. ولذلك فإن المعمدان المبارك بعد أن قال أولاً ” لست مستحقاً أن أنحني وأحل سيور حذائه“، أضاف بعدها مباشرة “هو سيعمدكم بالروح القدس ونار“. وهو هنا يستعمل لفظ الحذاء ليعني به القدمين، لأن ليس أحد له عقل يقظ يمكن أن يقول إنَّ الكلمة حينما كان بدون جسد ولم يكن قد صار مثلنا بعد يمكن أن يكون له قدمان وحذاء. ولكن صار له هذا فقط حينما صار إنسانًا، لكنه استمّر إلهًا كما هو. وحينما صار في الجسد عمل الأعمال اللائقة باللاهوت وذلك بأن أعطى الروح لأولئك الذين يؤمنون به لأنه هو نفسه بشخصه الواحد هو إله وإنسان في نفس الوقت.

لكنه يعترض[2]قائلاً: إن الكلمة عمل أعمال اللاهوت بواسطة ذلك الذي هو من نسل داود. فإن كنت تجادل هكذا فنحن سنرد عليك بكلمات يوحنا نفسه لأنه قال لليهود: “ يأتي بعدي رجل صار قدامي لأنه كان قبلي وأنا لم أكن أعرفه، لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي، الذي ترى الروح نازلاً ومستقرًّا عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس، وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله” (يو1: 30، 33، 34). انظروا إذًا كيف يدعوه إنسانًا بكل وضوح إذ يقول: “رجُل قدامي” وأنه كان قبله لأنه بكل وضوح يسبقه بطبيعته الإلهية والتي بمقتضاها أيضًا قال هو نفسه بكل وضوح لليهود ” الحق أقول لكم قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن” (لو8: 58). ثم يقول يوحنا أيضًا إن الروح أتى عليه من السماء، فهل هم يدّعون أن الروح أتى على كلمة الله حينما كان مجردًا وبدون جسد؟ وهل يعتبرون الذي يعطي الروح (أي كلمة الله)، أنه يحصل على روحه الخاص؟ أم بالحري فإن المعنى أنه قد حصل على الروح في طبيعته البشرية، وأنه في طبيعته الإلهية يعمِّد بالروح القدس؟ لأنه هو نفسه فريد ووحيد وحده، وهو بالحقيقة ابن الله الآب كما شهد عنه المعمدان المبارك متعلمًا من الله وقائلاً: ” وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله“.

وهل تريدون برهانًا ثالثًا، بالإضافة إلى ما سبق؟ انظروا أنه يقول: ” رفشه في يده، ويجمع القمح إلى المخزن وأما التبن، فيحرقه بنار لا تطفأ“. لأنه يقارن أولئك الذين على الأرض بسنابل القمح أو بالحرى ببيدر الدراسة والقمح الذي فيه. لأن كل واحد منا ينمو مثل سنبلة القمح. والرب حينما كان يكلِّم الرسل القديسين عمل مقارنة مماثلة عن حالتنا، إذ قال: ” الحصاد كثير ولكن الفعلة قليلون فاطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده” (لو10: 2)، لذلك فنحن الذين على الأرض نُدعى سنابل قمح ونسمَّى بالحصاد. وهذا الحصاد هو مِلكٌ لله فوق الكل لأنه هو رب الكل. ولكن انظروا! فإن المعمدان المبارك يقول إنَّ البيدر يخص المسيح إذ هو ملك له، ولذلك فهو الذي ينقيه إذ يزيل ويفصل التبن من القمح لأن القمح يشير إلى الأبرار الذين لهم إيمان ثابت وراسخ. أما التبن فيشير إلى ضعاف الفكر والذين يُغوى قلبهم بسهولة. وهم خائفون وجبناء ويُحمَلون بأي ريح، ويقول إنَّ القمح حينئذ يُجمع في المخزن أي يحسب مستحقًّا للأمان في يد الله ومستحقًّا للرحمة والحماية والحب، أما التبن فيُحرق في النار كمادة لا نفع لها.

لذلك فبكل طريقة يمكن أن نلاحظ ونعرف أن الله، حتى حينما صار إنسانًا فإنه مع ذلك استمر كما هو ابنًا واحدًا لأنه يمارس الأعمال التي تخص اللاهوت، إذ هو يملك جلال ومجد اللاهوت بغير انفصال. فإن كنا نؤمن هكذا فسيكلِّلنا بنعمته، الذي به وله مع الله الآب المجد والسلطان مع الروح القدس إلى الدهر الدهور آمين.

[1] أي جوهر الله.

[2] غالباً يقصد بالمعترض نسطور.

المعمدان والمسيح – عظة 8، 9، 10 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

أعدوا طريق الرب – عظة 6، 7 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

أعدوا طريق الرب – عظة 6، 7 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

أعدوا طريق الرب – عظة 6، 7 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عظة (6)

أعدُّوا طريق الرب

 (لو2:3ـ6) ” كَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ عَلَى يُوحَنَّا بْنِ زَكَرِيَّا فِي الْبَرِّيَّةِ. فَجَاءَ إِلَى جَمِيعِ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأُرْدُنِّ يَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ: صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً. كُلُّ وَادٍ يَمْتَلِئُ وَكُلُّ جَبَلٍ وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ وَتَصِيرُ الْمُعْوَجَّاتُ مُسْتَقِيمَةً وَالشِّعَابُ طُرُقاً سَهْلَةً. وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلاَصَ اللهِ “.

إن إشعياء المبارك لم يكن يجهل هدف كرازة يوحنا، بل منذ القديم قَبْل مجيء الزمان بكثير شهد عن هذا الهدف إذ دعا المسيح رباً وإلهاً. أما يوحنا فقد وصفه إشعياء بأنه خادم المسيح، وقال عنه إنه سراج يتقدم أمام النور الحقيقى، أي نجم الصباح الذي يُبشِّر بإشراق الشمس، معلنًا مقدمًا مجيء اليوم الذي سيشرق بأشعته علينا. وقال عنه إنه صوت وليس كلمة، يأتى سابقًا ليسوع كما يسبق الصوت الكلمة.

 (لو4:3) ” أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً “.

يوحنا قد أُختيرَ ليكون رسولاً ولكنه أيضًا آخر الأنبياء. ولأن الرب لم يكن قد أتى بعد، لذلك فهو يقول: ” أعدُّوا طريق الرب“. وما معنى أعدُّوا طريق الرب؟ المقصود هو استعِدُّوا لقبول أي شيء يريد المسيح أن يفعله، حرِّروا قلوبكم من ظل الناموس، وكفُّوا عن الرموز، ولا تفكروا فيما بعد تفكيرًا منحرفًا. “ اصنعوا سبل الله مستقيمة” لأن كل طريق يقود إلى الصلاح هو مستقيم وممهد وسهل، ولكن الطريق الآخر المعوج فإنه يقود الذين يسيرون فيه إلى الشر والضلال.

الذين كُتب عنهم ” الذين طرقهم معوجة وهم ملتوون في سبلهم” (أم15:2). لذلك فاستقامة العقل هي مثل طريق مستقيم ليس فيه اعوجاج. وهكذا كانت صفة المرنم الذي كان يرتل قائلاً: ” لا يلصق بي قلب معوج ” (مز4:101). ويشوع بن نون عندما يحث الشعب يقول لهم: ” اجعلوا قلوبكم مستقيمة مع إله إسرائيل” (يش23:24 سبعينية). بينما يوحنا يصرخ ” اجعلوا سبلكم مستقيمة“.

وهذا معناه أن النفس ينبغي أن تكون مستقيمة فتُظهِر إدراكها الطبيعي كما خُلق، وهي قد خُلقت جميلة ومستقيمة، ولكن حينما تنحرف جانبًا وتنقلب حالتها الطبيعية فإن هذا يُسمَّى رذيلة وانحراف للنفس. لذلك فالأمر ليس صعبًا، لأنه إن كنا نستمر كما خُلقنا فإننا سنكون فاضلين، ولكن حينما يصيح بنا أحدهم معترضًا قائلاً: كيف نُعد طريق الرب؟ أو كيف نجعل سبله مستقيمة؟ فإنه توجد عوائق كثيرة في طريق أولئك الذين يسعون أن يعيشوا حياة مستقيمة ـ فهناك الشيطان الذي يبغض كل ما هو جميل.

وكذلك حشد الأرواح الشريرة، وأيضًا هناك ناموس الخطية نفسه الذي يعمل في أعضائنا الجسدية، والذي يقاوم ميول العقل نحو الصلاح، وشهوات أخرى كثيرة تسيطر على عقل الإنسان ـ إذن فماذا نفعل ـ وهناك مِثل هذه الصعوبات العظيمة تضغط علينا؟ إن كلمة النبوة ترُدُّ على هذه الاعتراضات قائلة: ” كل وادٍ يمتلئ، وكل جبل وأكمة ينخفض وتصير المعوجات مستقيمة والشعاب طرقًا سهلة، ويبصر كل بشر خلاص الله“.

 (لو6:4) ” وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلاَصَ اللهِ “.

وكل جسد يبصر خلاص الله أي الخلاص الذي من الآب، لأنه أرسل ابنه ليكون مخلِّصًا لنا. وعبارة “كل جسد” يقصد بها الإنسان عمومًا أي كل الجنس البشرى، لأنه هكذا سيُبصر كل جسد خلاص الله، ليس إسرائيل فقط بل كل بشر، لأن لطف المخلص رب الكل ليس له حدود. وهو لم يخلَّص أمَّة واحدة فقط، بل بالحري احتضن العالم كله في شبكته، وقد أنار على كل الذين في الظلمة. وهذا ما رتَّلت به قيثارة المرنِّم: ” كل الأمم الذين صنعتَهُم يأتون ويسجدون أمامك يا رب” (مز9:86). وفي نفس الوقت فإن بقية إسرائيل تخلص، وذلك كما سبق أن أعلن موسى العظيم منذ القِدَم قائلاً: ” تهللوا أيها الأمم مع شعبه ” (تث43:32).

عظة (7)

كرازة يوحنا المعمدان

(لو7:3) ” وَكَانَ يَقُولُ لِلْجُمُوعِ الَّذِينَ خَرَجُوا لِيَعْتَمِدُوا مِنْهُ: يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي؟ “.

 

نحن نؤكد أن المعمدان المبارك ـ لأنه كان ممتلئًا من الروح القدس ـ لذلك لم يكن يجهل الأعمال الجسورة التى كان الشعب اليهودى سيجرؤ على القيام بها ضد المسيح. لأنه سبق فعرف أنهم سوف لا يؤمنون به وأنهم سيستخدمون ألسنتهم المملوءة سمًا، ليسكبوا شكاواهم واتهاماتهم ضده، متَّهمينه مرة بأنه مولود من زنى، ومرة أخرى أنه يجرى المعجزات بقوة بعلزبول رئيس الشياطين (لو15:11)، ومرة أخرى أيضًا أنَّ به شيطان وأنه ليس أفضل مِن سامرى. لذلك فإذ كان يعرف هذا فإنه يدعو حتى أولئك الذين يتوبون أشرارًا. وهو يوبِّخهم لأنهم رغم أن عندهم الناموس الذي يتكلم إليهم بسر المسيح، ورغم نبوات الأنبياء عنه، إلا أنهم رغم ذلك صاروا ثقيلي السمع، وغير مستعدين للإيمان بالمسيح مخلِّص الجميع. لأنه يقول ” من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي؟” أليس الكتاب الموُحىَ به هو الذي يخبر بسعادة أولئك الذين يؤمنون بالمسيح، ولكنه يحذر مسبقًا أولئك الذين لا يؤمنون والذين هم أصحاب الجهالة، أنهم سوف يدانون بعقاب شديد لا مفر منه؟

(لو8:3) ” فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ “.

وأيضًا فإن ثمر التوبة هو بالدرجة القصوى، الإيمان بالمسيح، ثم يأتى بعده منهج الحياة الإنجيلية. وعلى وجه العموم كل أعمال البِر المضادَّة للخطية، التي ينبغي على التائب أن يصنعها كثمار لائقة بالتوبة.

ثم أضاف قائلاً: ” لا تبتدئوا تقولون في أنفسكم لنا إبراهيم أبًا لأنى أقول لكم إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم“.

ها أنتم ترون كيف يحطُّ من كبريائهم الرديء بمهارة عظيمة، ويُبيِّن أن ولادتهم من إبراهيم حسب الجسد هي بلا فائدة ولا منفعة. لأن أيَّة منفعة هناك مِن نُبل المولد إن كان الناس لا يمارسون نفس الأعمال الحسنة التي لوالديهم ولا يتمسكون بفضيلة أجدادهم؟ لأن المخلِّص يقول لهم ” لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم” (يو39:8). إن علاقة القرابة التي يطلبها الله هي في الصفات والأخلاق، ولذلك فإنه أمْر باطل أن يفتخر أحد بقداسة وصلاح والديه، بينما هو نفسه مختلف عنهم وقاصر عن فضيلتهما.

ويتساءل اليهود قائلين إن كان الأمر هكذا، فبأية طريقة يتكاثر نسل إبراهيم، وكيف يكون الوعد الذي أعطاه له الله صحيحًا عندما قال له إنه سوف يكثّر نسله كنجوم السماء؟ الجواب أيها اليهودى هو بدعوة الأمم، لأنه قيل لإبراهيم نفسه إنه ” بإسحق يُدعى لك نسل” (تك12:21)، وأيضًا ” قد جعلتك أبًا لأمم كثيرة” (تك4:17)، ولكن عبارة “بإسحق” تعني، بحسب الوعد. لذلك فهو قد جُعل أبًا لأمم كثيرة بالإيمان، أي في المسيح. وعن هؤلاء أيضًا تكلم الله بصوت حزقيال قائلاً: ” وأنزع قلب الحجر من لحمهم وأعطيهم قلب لحم، لكي يعرفوا أنِّي أنا الرب” (حز19:11) والمعمدان المبارَك يدعو الأمم بوضوح “الحجارة”، لأنه لم يكونوا بعد يعرفون الذي هو بالطبيعة الله، بل كانوا في ضلال، وفي حماقتهم العظيمة قد عبدوا المخلوق بدل الخالق. ولكنهم مع ذلك قد دُعوا من الله وصاروا أبناء إبراهيم. وبإيمانهم بالمسيح اعترفوا بالذي هو إله بالطبيعة.

ولكن لكي يفيد سامعيه بدرجة أكبر فإن المعمدان المبارك يقول لهم شيئًا أكثر: “ والآن قد وُضعت الفأس على أصل الشجرة” (لو9:3)، ولكنه في هذه العبارة يشير بكلمة “الفأس” إلى غضب الله الشديد الذي أنزله الله الآب على اليهود بسبب شرهم ضد المسيح وعنفهم وتهوُّرهم، لأن الغضب أتى عليهم مثل فأس. وهذا ما شرحه لنا زكريا النبي بقوله: “ويكون النوح في أورشليم كالنوح على بستان الرمان المقطوع في الوادي” (زك12: 11س). وإرميا يخاطبها هكذا “دعا الرب اسمكِ زيتونه خضراء جميلة الصورة. وعند امتلائها أوقد ناراً عليها فانكسرت أغصانها وكان النواح عليها عظيماً. ورب الجنود غارسك قد تكلم عليكِ شرًّا” (إر11: 16، 17).

ويمكن أن نضيف إلى هذا أيضًا المَثَل الوارد في الإنجيل عن شجرة التين غير المثمرة ولم تعد من نوع جيد، فإن الله قطعها. ومع ذلك فهو لا يقول إن الفأس قد وُضع في أصل الشجرة، بل على أصل الشجرة أي بالقرب من الأصل. لأن الأغصان قد قُطعت أما الشجرة فلم تُخلع من جذورها، ذلك لأن بقية إسرائيل قد خلصت ولم تهلك بالمرة.

أعدوا طريق الرب – عظة 6، 7 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

سمعان الشيخ – عظة 4 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

سمعان الشيخ – عظة 4 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

سمعان الشيخ – عظة 4 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لوقا25:2ـ35) وَكَانَ رَجُلٌ فِي أُورُشَلِيمَ اسْمُهُ سِمْعَانُ، وَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ بَارًّا تَقِيًّا يَنْتَظِرُ تَعْزِيَةَ إِسْرَائِيلَ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ كَانَ عَلَيْهِ. وَكَانَ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ أَنَّهُ لاَ يَرَى الْمَوْتَ قَبْلَ أَنْ يَرَى مَسِيحَ الرَّبِّ. فَأَتَى بِالرُّوحِ إِلَى الْهَيْكَلِ. وَعِنْدَمَا دَخَلَ بِالصَّبِيِّ يَسُوعَ أَبَوَاهُ، لِيَصْنَعَا لَهُ حَسَبَ عَادَةِ النَّامُوسِ، أَخَذَهُ عَلَى ذِرَاعَيْهِ وَبَارَكَ اللهَ وَقَالَ: الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ. وَكَانَ يُوسُفُ وَأُمُّهُ يَتَعَجَّبَانِ مِمَّا قِيلَ فِيهِ. وَبَارَكَهُمَا سِمْعَانُ، وَقَالَ لِمَرْيَمَ أُمِّهِ: هَا إِنَّ هذَا قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ، وَلِعَلاَمَةٍ تُقَاوَمُ. وَأَنْتِ أَيْضًا يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ، لِتُعْلَنَ أَفْكَارٌ مِنْ قُلُوبٍ كَثِيرَةٍ “.

يقول إشعياء النبي، ” ما أجمل أقدام المبشِّرين بالخيرات” (إش7:52). وهل هناك شيء أحلى من أن تتعلَّم أن الله خلَّص العالم بواسطة ابنه وذلك بأن صار إنسانًا مثلنا؟ كما هو مكتوب ” يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح، الذي بذل نفسه فدية لأجلنا” (1تي2: 5و6).. لأنه من تلقاء نفسه نزل إلى فقرنا لكي يجعلنا أغنياء بحصولنا على ما هو له.

انظروه إذن، كإنسان مثلنا وهو يُقدَّم إلى الآب، انظروه وهو يطيع ظلال الناموس ويقدَّم ذبيحة بحسب ما كانت العادة حينئذ، رغم أن هذه الأمور قد تمَّت بواسطة والدته حسب الجسد. فهل لم يتعرف عليه أحد بالمرَّة في أورشليم في ذلك الوقت؟ وهل لم يعرفه أحد من سكانها؟ كيف يمكن أن يكون هذا؟ فإن الله الآب قد سبق وأعلن بواسطة الأنبياء القديسين أن الابن سيظهر في الوقت المعيَّن ليخلِّص الذين هلكوا ولينير على الذين كانوا في الظلمة. وقد قال بواسطة أحد الأنبياء القديسين ” برِّى يأتي سريعًا ورحمتي تُعلن وخلاصي يـتَّقد كمصباح” (إش62: 1). ولكن الرحمة والبر هما المسيح، لأننا به حصلنا على الرحمة والبر، إذ قد غُسِلنا من شرورنا الدنسة بالإيمان به. وكما يضئ المصباح أمام أولئك الذين يسيرون في الليل والظلمة هكذا صار المسيح لأولئك الذين في الكآبة والظلمة العقلية، غارسًا فيهم النور الإلهي. ولأجل هذا السبب أيضًا صلَّى الأنبياء لكي يصيروا شركاء نعمته العظيمة قائلين: “ أرنا يا رب رحمتك وأعطنا خلاصك” (مز7:85).

حُمِلَ المسيح إذن إلى الهيكل وهو بعد طفل رضيع على صدر أمه، وسمعان المبارك إذ كان قد مُنِح نعمة النبوة أخذه على ذراعيه، وبارك الله وهو ممتلئ بأعظم فرح قائلاً: ” الآن يا سيدي تطلق عبدك بسلام حسب قولك لأن عيني قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته أمام وجه جميع الشعوب، نور إعلان للأمم، ومجدًا لشعبك إسرائيل“.

لأن سر المسيح قد أُعدَّ من قَبْل تأسيس العالم، ولكنه أُظهر في الأزمنة الأخيرة، وصار نورًا لأولئك الذين في الظلمة والضلال بسقوطهم تحت يد إبليس. هؤلاء هم الذين كانوا يعبدون ” المخلوق بدلاً من الخالق” (رو25:1)، عابدين التنِّين مصدر الشر والشياطين النجسة التي يُقدِّمون لها الكرامة اللائقة بالله، ومع ذلك فقد دُعوا الآن من الله الآب ليعرفوا الابن الذي هو النور الحقيقى. وبإشفاق قال عنهم بصوت النبي: ” سوف أصنع لهم آيات، وأقبلهم لأني سأفديهم، ويكثرون كما كثروا، وسأزرعهم بين الشعوب. والذين هم بعيدون سيذكرونني” (زك10: 9،8س).

فكثيرون هم الذين كانوا بعيدين، ولكنهم قد دُعوا بواسطة المسيح. وأيضًا هم كثيرون كما كانوا من قبل. لأنهم قد قُبِلوا وافتُدوا، إذ قد حصلوا من الله الآب على التبنِّي في عائلته وعلى النعمة التي بالإيمان بيسوع المسيح، وذلك كعلامة للسلام. والتلاميذ الإلهيون قد زُرعوا باتساع بين الشعوب. وماذا كانت النتيجة؟ إن أولئك الذين كانوا بعيدين من الله قد صاروا قريبين. والذين يُرسل إليهم بولس الإلهي رسالة قائلاً: ” أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح” (أف13:2). وإذ قد جُعلوا قريبين فإنهم يجعلون المسيح هو فخرهم ومجدهم. ولأن الله الآب قد قال عنهم أيضًا ” سأُقوِّيهم بالرب إلههم فيفتخرون باسمه يقول الرب” (زك12:10 سبعينية). وهذا أيضًا ما يعلنه المرنم المبارك كما لو كان يتحدث إلى المسيح مخلِّص الجميع فيقول: ” يا رب في نور وجهك سيسلكون وباسمك سيبتهجون اليوم كله، وبيدك سيرتفعون لأنك فخر قوَّتهم” (مز89: 16،15). ونجد إرميا النبي يدعو الله قائلاً: ” يا رب قوَّتي وعوني وملجإي في يوم الضيق، إليك تأتي الأمم من أطراف الأرض ويقولون، آباؤنا اتخذوا لأنفسهم آلهة كاذبة لا يوجد فيها عون” (إر19:16).

لذلك فالمسيح صار نورَ إعلانٍ للأمم، ولكنه صار أيضًا مجدًا لإسرائيل. لأنه رغم أن البعض منهم تغطرسوا وعصوا وكانت لهم عقول لا تفهم، إلا أنه كانت هناك بقية قد خلُصْت وأُدخِلتْ إلى المجد بالمسيح، وباكورة هؤلاء البقية هم التلاميذ الإلهيون الذين أشرق نور شهرتهم لينير العالم كله.

وهناك معنى آخر لكون المسيح “مجدًا لإسرائيل”، وذلك أنه جاء منهم حسب الجسد رغم أنه هو ” الكائن فوق الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد آمين” (رو5:9).

وسمعان الشيخ بارك العذراء كخادمة للمشورة الإلهية، وأداة للولادة التى لا تخضع لقوانين الطبيعة البشرية. فقد ولدت وهي عذراء وذلك بدون رجل، بل بحلول قوة الروح القدس عليها.

وماذا يقول سمعان النبي عن المسيح؟ ” ها إن هذا الطفل قد وُضع لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيل ولعلامة تُقاوَم“. لأن عمانوئيل قد وُضع من الله الآب لأجل أساسات صهيون. إذ هو ” حجر زاوية مختار كريم” (1بط6:2)، والذين وثقوا به لم يخزوا. ولكن أولئك الذين لم يؤمنوا ولم يستطيعوا أن يعرفوا السر الخاص به سقطوا وتهشَّموا. لأن الله الآب قال أيضًا في موضع آخر ” ها أنا ذا أضع في صهيون حجر صدمة وصخرة عثرة والذي يؤمن به لن يخزى” (إش16:28 سبعينية). ولكن ” كل مَن يسقط عليه هذا الحجر فإنه يسحقه” (لو18:20) ولكن النبى يدعو الإسرائيليين ليكونوا آمنين بقوله: ” قدِّسوا الرب نفسه وهو يكون خوفكم، وإن وثقتم به يكون هو تقديسكم، ولن تصطدموا به كما بحجر صدمة وصخرة عثرة” (إش8: 14،13س). ولكن لأن إسرائيل لم يقدسِّوا عمانوئيل الذي هو الرب وهو الله، ولم يريدوا أن يؤمنوا به فإنهم اصطدموا كما بحجر بسبب عدم الإيمان. وهكذا تهشَّم إسرائيل وسقط. ولكن كثيرين من بينهم قاموا ثانية، وأقصد بهم الذين آمنوا به. هؤلاء تحوَّلوا من عبادة ناموسية إلى عبادة روحية، تغيَّروا من روح العبودية الذي فيهم واغتنوا بذلك الروح الذي يجعل الإنسان حرًّا، أي الروح القدس. وقد صاروا شركاء الطبيعة الإلهية وحُسبوا أهلاً أن يكونوا أبناء بالتبنِّي، ويحيوا على رجاء الحصول على المدينة العليا. أي أن يكونوا مواطنين في ملكوت السموات.

أمَّا “العلامة التي تُقاوم” فيقصد بها الصليب الثمين الذي يقول عنه بولس الحكيم جدًا إنه ” عثرة لليهود وجهالة لليونانيين” (1كو23:1). وأيضًا يقول عن كلمة الصليب إنها “ للهالكين جهالة، أما عندنا نحن المخلَّصين فهي قوة الله” (1كو18:1). لذلك فالعلامة التي تُقاوم تبدو جهالة بالنسبة لأولئك الهالكين بينما هي خلاص وحياة للذين يعرفون قوة الصليب.

ويقول سمعان بعد ذلك للعذراء القديسة: ” وأنتِ أيضًا يجوز في نفسك سيف“، ويقصد بالسيف الألم الذي ستعانيه لأجل المسيح حينما تراه مصلوبًا، وهي لا تعرف أنه سيكون أقوى جدًا من الموت، ويقوم من القبر. ولا تتعجبوا أن العذراء لا تعرف هذا، فإننا سنجد أن الرسل القديسين أنفسهم لم يكونوا مؤمنين بهذا في البداية، بل وتوما بعد القيامة لو لم يضع يديه في جنبه، ويتحسَّس آثار المسامير في يديه لم يكن ليصدق التلاميذ الآخرين حينما أخبروه أن المسيح قد قام وأنه قد أظهر نفسه لهم.

ولذلك فإن البشير الحكيم جدًّا ـ يُعلِّمنا ـ من أجل منفعتنا كل الأمور التى احتملها الابن من أجلنا ونيابة عنا، حينما صار إنسانًا وقَبِل أن يحمل فقرنا، وذلك كي نمجده كفادينا، وكسيدنا وكمخلصنا، وكإلهنا، الذي له مع الآب والروح القدس المجد والقوة إلى دهر الدهور آمين.

سمعان الشيخ – عظة 4 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عيد الختان – عظة 3 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عيد الختان – عظة 3 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عيد الختان – عظة 3 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو21:2ـ24) “وَلَمَّا تَمَّتْ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ لِيَخْتِنُوا الصَّبِيَّ سُمِّيَ يَسُوعَ، كَمَا تَسَمَّى مِنَ الْمَلاَكِ قَبْلَ أَنْ حُبِلَ بِهِ فِي الْبَطْنِ. وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا، حَسَبَ شَرِيعَةِ مُوسَى، صَعِدُوا بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِيُقَدِّمُوهُ لِلرَّبِّ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: أَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ فَاتِحَ رَحِمٍ يُدْعَى قُدُّوسًا لِلرَّبِّ. وَلِكَيْ يُقَدِّمُوا ذَبِيحَةً كَمَا قِيلَ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: زَوْجَ يَمَامٍ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ “.

الجمع الذي اجتمع هنا كثير جدًّا، والسامعون شغوفون ـ فنحن نرى الكنيسة ممتلئة ـ ولكن المُعلِّم فقير، ومع ذلك فالذي يعطي الإنسان فمًا ولسانًا، سوف ينعم علينا بأفكار صالحة. إذ يقول الرب نفسه في مكان ما ” أفغر فاك وأنا أملأه” (مز10:81) حيث إنكم جميعًا قد اجتمعتم معًا باهتمام بمناسبة هذا العيد المفرِح الذي للرب، لذلك فلنحتفل بالعيد بمشاعر البهجة وبأنوار ساطعة، ولنشغل أنفسنا في التفكير فيما تحقق في هذا اليوم بطريقة إلهية، جامعين لأنفسنا من كل ناحية ما يثبِّتنا في الإيمان والتقوى.

ولكننا ـ منذ فترة وجيزة رأينا عمانوئيل مضطجعًا كطفل في المذود وملفوفًا بشكل بشري في الأقماط، ولكنه مُجِّد كإله بتسابيح جمهور الملائكة القديسين، لأنهم بشَّروا الرعاة بميلاده، إذ أن الله الآب قد منح لسكان السماء الامتياز الخاص بأن يكونوا أول مَن يبشِّر به. واليوم أيضًا نراه مطيعًا لقوانين موسى، أو بالأحرى قد رأينا ذاك الذي هو المُشرِّع يخضع لقوانينه التي شرَّعها. والسبب في هذا يُعلِّمنا إياه بولس الحكيم جدًّا بقوله: ” لمَّا كنا قاصرين كنا مستعبَدين تحت أركان العالم، ولكن حين جاء ملءُ الزمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس” (غل3:4ـ5).

لذلك فالمسيح افتدى من لعنة الناموس أولئك الذين بوجودهم تحت الناموس كانوا عاجزين عن تتميم قوانينه. وبأي طريقة افتداهم؟ بتتميم الناموس أو بعبارة أخرى: إنه لكي يُكفِّر عن ذنب معصية آدم، فقد أظهر نفسه مطيعًا وخاضعًا من كل الوجوه لله الآب عوضًا عنه، لأنه مكتوب: ” كما بمعصية الإنسان الواحد جُعل الكثيرين خطاة هكذا أيضًا بإطاعة الواحد سيُجعل الكثيرون أبرارًا” (رو19:5). لذلك فقد أحنى عنقه للناموس مشترِكًا معنا. لأن هذا ما استلزمته خطَّة الخلاص. لأنه هكذا يليق أن يكمِّل كل بـِر. لأنه إذ قد اتخذ صورة عبد، وقد حُسب بين أولئك الخاضعين للنير بسبب طبيعته البشرية، بل أنه مرة دفع نصف الشاقل للذين يجمعون الجزية، رغم أنه حر بالطبيعة، وكابن لم يكن مفروضًا عليه أن يدفع ضريبة. لذلك حينما تراه يحفظ الناموس، فلا تتعثَّر، ولا تضع الحُر بين العبيد، بل بالحري تأمل في عمق تدبير الخلاص. لذلك فعند وصول اليوم الثامن، الذي جرت العادة أن يتم فيه الختان في الجسد بحسب أمر الناموس، نجده يُسمَّى باسم يسوع الذي تفسيره يشير إلى خلاص الشعب. لأنه هكذا أراد الله الآب أن يُسمِّي ابنه، حينما يولَد بالجسد من امرأة. لأنه عندئذ صار خلاص الشعب بنوع خاص، وليس خلاص واحد فقط، بل كثيرين، وبالحري كل الشعب بل والعالم كله. إذن فقد أخذ اسمه في نفس الوقت الذي خُتِن فيه.

ولكن تعالوا ودعونا نفتش ونرى، ما هو اللغز، وما هي الأسرار التي يقودنا إليها هذا الحادث. لقد قال بولس المبارك ” ليس الختان شيئًا، وليست الغرلة شيئًا” (1كو19:7). وربما يعترض البعض على هذا قائلين هل أَمَر إله الكل ـ بواسطة موسى الحكيم ـ بشيء لكي يُحفظ رغم أنه لا قيمة له، بل ويصحب الأمر بهذا الشيء عقاب على الذين يخالفون هذا الأمر؟ أقول نعم لأنه فيما يخص طبيعة ذلك الشيء الذي يتم في الجسد فهو ليس شيئًا، ومع ذلك فهو يحمل مثالاً جميلاً للسر، أو بالحري يحتوي على المعنى الخفي لإظهار الحق. لأن المسيح قام من بين الأموات في اليوم الثالث وأعطانا الختان الروحي. لأنه أوصى الرسل القديسين قائلاً: ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس“. ونحن نؤكد أن الختان الروحى يتم بصورة رئيسية في وقت المعمودية المقدسة حينما يجعلنا المسيح مشتركين في الروح القدس. وقد كان يشوع القديم الذي جاء بعد موسى مثالاً أيضًا لهذا، لأنه قاد بنى إسرائيل أولاً عبر الأردن، وبعد ذلك مباشرة ختنهم بسكاكين من صوان. هكذا نحن حينما نعبر الأردن فإن المسيح يختننا بقوة الروح القدس، ليس لتطهير الجسد بل بالحري لقطع النجاسة التي في نفوسنا.

لذلك خُتن المسيح في اليوم الثامن وأخذ اسمه كما قُلت، لأنه حينئذ خَلُصْنا بواسطته وفيه كما هو مكتوب ” وفيه خُتنتم ختانًا غير مصنوع بيد بخلع جسم خطايا البشرية بختان المسيح، مدفونين معه في المعمودية التي فيها أُقمتم أيضًا معه” (كو11:2). لذلك فإن موته كان من أجلنا. وهكذا أيضًا كانت قيامته وكان ختانه. لأنه قد مات حتى أننا نحن الذين مُتنا معه في موته لأجل الخطية، لا نعود نحيا للخطية. ولهذا السبب قيل: ” إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضًا معه” (2تى11:2). وقد قيل إنه قد مات لأجل الخطية ليس لأنه قد أخطأ، ” لأنه لم يفعل خطية ولا وُجِدَ في فمه غش” (1بط22:2). بل بسبب خطيتنا. لذلك فكما مُتنا معه حينما مات، هكذا أيضًا نقوم معه.

وأيضًا حينما كان الابن حاضرًا بيننا، فرغم أنه هو بالطبيعة الله ورب الكل، فإنه لا يحتقر حالتنا بسبب ذلك، بل يُخضِع نفسه معنا لنفس الناموس، رغم أنه كإله كان هو نفسه مشرِّع الناموس. وقد خُتِنَ ـ مثل اليهود ـ في سن ثمانية أيام لكي يبرهن على خروجه من نفس أصلهم. وذلك لكي لا ينكروه. لأن المسيح كان هو نسل داود المنتظََر، وقدم لهم البرهان على هذه العلاقة. ولكن إن كان رغم ختانه يقولون عنه “وأما هذا الإنسان فلا نعلم من أين هو” (يو29:9)، فربما كان يصير لهم بعض العذر في إنكارهم لو لم يكن قد خُتِنَ في الجسد وحَفظ الناموس.

ولكن بعد ختانه أبطل طقس الختان بمجيء ما كان يرمُز له وأعني به، المعمودية. ولهذا السبب فإننا لم نعد نختتن، لأنه يبدو لي أن الختان قد حقَّق ثلاثة أغراض: فأولاً ـ أنه أفرز نسل إبراهيم بنوع من العلامة والختم، وميَّزهم عن بقية الشعوب. وثانيًا أنه كان يشير مقدَّمًا إلى نعمة وفاعلية المعمودية الإلهية، لأنه كما كان في القديم، يُحسب المختون ضمن شعب الله بواسطة ذلك الختم، هكذا أيضًا فإن من يعتمِد يُدرَج ضمن عائلة الله بالتبنِّي، إذ قد تصوَّر في نفسه المسيح الختم. وثالثًا، أنه رمز للمؤمنين حينما يتأسَّسون في النعمة. حينما يقطعون ويميتون شغب اللذات الجسدية والشهوات بسكين الإيمان الحاد وبأعمال النسك، وهم لا يَقطعون الجسد، بل يُنقُّون القلب ويصيرون مختونين بالروح وليس بالحرف، الذي مَدْحه ليس من الناس بل من فوق كما يشهد بولس الإلهي (رو29:2).

وبعد ختانه تنتظر العذراء إلى وقت تطهيرها، وحينما تكتمل الأيام وتصل إلى ملء الأربعين يومًا، فإن الله الكلمة الجالس على عرش الآب، يُحمَل إلى أورشليم ويأتون به إلى حضرة الآب بطبيعة بشرية مثلنا وبواسطة ظل الناموس يُحسب في عداد الأبكار. لأنه منذ قبل التجسد كان الأبكار مقدَّسين، ومكرَّسين لله، ويقدَّمون لله بحسب الناموس. آه! كم هو عظيم وعجيب تدبير الخلاص! ” يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه” (رو33:11). فإن ذلك الذي هو في حضن الآب، الابن المشارِك له في عرشه والمساوي له في الأزلية، الذي به خُلقت كل الأشياء في الوجود نراه رغم ذلك يخضع لمقياس الطبيعة البشرية، بل ويُقدَّم كتقدمة لأبيه رغم أنَّه يُكرَّم ويُمجَّد معه من الجميع. وماذا قدَّم هو؟ إنه كبكر وذَكَر قدَّم زوج يمام أو فرخي حمام حسب أمر الناموس. ولكن إلى ماذا يشير اليمام؟ وأيضًا إلى ماذا يشير الحمام؟ تعالوا إذن ودعونا نبحث هذا الأمر، فالواحد منهم هو أكثر طيور الحقل في إصدارها للأصوات، أما الآخر فهو مخلوق هادئ ووديع. هكذا صار مخلِّص الكل بالنسبة لنا مُظهرًا أكمل وداعة ولطف من نحونا. وأيضًا مثل اليمام، فإنه يهدئ العالم، ويملأ حقله الخاص الذي هو نحن المؤمنين به بنغم صوته الحلو. لأنه مكتوب في نشيد الأنشاد ” صوت اليمامة سُمِع في أرضنا” (نش12:2)، لأن المسيح قد كلَّمنا برسالة الإنجيل الإلهية التي هي لخلاص العالم كله.

إذن فقد قدَّم اليمام أو الحمام حينما قُدِّم للرب. وفي هذا يمكن أن نرى التقاء الحقيقة والرمز معًا في نفس الوقت. والمسيح قدَّم نفسه رائحة طيِّبة لله، لكي يُقدِّمنا نحن بواسطة نفسه وفي ذاته لله الآب، وهكذا يلاشي العداوة الناشئة عن عصيان آدم، ويبطل الخطية التى استعبدتنا جميعًا، لأننا نحن الذين كنا نصرخ منذ زمن طويل قائلين: ” التفت إليَّ وارحمني” (مز16:25).

عيد الختان – عظة 3 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ميلاد المسيح بالجسد – عظة 2 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ميلاد المسيح بالجسد – عظة 2 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ميلاد المسيح بالجسد – عظة 2 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

لو (8:2 ـ18) ” وَكَانَ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ رُعَاةٌ مُتَبَدِّينَ يَحْرُسُونَ حِرَاسَاتِ اللَّيْلِ عَلَى رَعِيَّتِهِمْ، وَإِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ وَقَفَ بِهِمْ، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَضَاءَ حَوْلَهُمْ، فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا. فَقَالَ لَهُمُ الْمَلاَكُ: لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ. وَهذِهِ لَكُمُ الْعَلاَمَةُ: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا مُضْجَعًا فِي مِذْوَدٍ. وَظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الْمَلاَكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ مُسَبِّحِينَ اللهَ وَقَائِلِينَ: الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ. وَلَمَّا مَضَتْ عَنْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ الرجال الرُّعَاةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لِنَذْهَبِ الآنَ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ وَنَنْظُرْ هذَا الأَمْرَ الْوَاقِعَ الَّذِي أَعْلَمَنَا بِهِ الرَّبُّ. فَجَاءُوا مُسْرِعِينَ، وَوَجَدُوا مَرْيَمَ وَيُوسُفَ وَالطِّفْلَ مُضْجَعًا فِي الْمِذْوَدِ. فَلَمَّا رَأَوْهُ أَخْبَرُوا بِالْكَلاَمِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ عَنْ هذَا الصَّبِيِّ. وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوا تَعَجَّبُوا مِمَّا قِيلَ لَهُمْ مِنَ الرُّعَاةِ “.

أبدأ حديثي إليكم بما هو مكتوب في سفر المزامير: ” هلم نسبح الرب، ونرنم لله مخلصنا” (مز1:95) لأنه هو رأس عيدنا، ولذلك فلنخبِر بأعماله العظيمة، ونروي طريقة ذلك التدبير الذي خطَّطه تخطيطًا جميلاً، والذي بواسطته خلص العالم، ووضع نير ملكوته على كل واحد منا. هذا التدبير يستحق أن يكون موضوع إعجابنا. ” يا جميع الأمم صفقوا بأيديكم“، ويضيف أيضًا: ” رتلوا بفهم لأن الله ملك على جميع الأمم” (47: 7،1) لأن هذا السر المقدس قد تم بحكمة فائقة جدًّا بالمسيح، إن كان حقًّا، وحق هو بالتأكيد، أن الرب رغم أنه هو الله، ظهر لنا. ورغم أنه في صورة الآب وهو ذو تفوُّق فائق وشامل، فقد أخذ شكل عبد. ولكن رغم هذا فإنه هو إله ورب. فإنه لم يزل كما كان (قبل أن يتجسد).

 

إن جماعة الأنبياء القديسين قد سبقوا فأخبروا بميلاده بالجسد، وباتخاذه شكلنا في الوقت المعيَّن، الآن قد تحقق هذا الرجاء، فإن قوات السماء تأتي بالأخبار المفرحة عن ظهوره في هذا العالم للرعاة قبل الجميع في بيت لحم، وبذلك كانوا أول من حصل على معرفة السر. والرمز هنا يشير إلى الحقيقة، لأن المسيح يعلن نفسه للرعاة الروحيين لكي يبشِّروا به الآخرين، كما حدث من الرعاة أيضًا عندما تعلَّموا سره من الملائكة القديسين، وأسرعوا ليحملوا الأخبار المفرحة للآخرين، لذلك فالملائكة هم أول من بشَّر به وأعلنوا مجده كإله مولود في الجسد من امرأة بطريقة عجيبة.

 

ولكن ربما يعترض أحد على هذا، فيقول ” إن الذي وُلد الآن كان طفلاً وكان ملفوفًا بالأقماط ومضجعًا في مذود، فكيف نقول إنَّه تُسبِّحه القوَّات العلوية كإله؟ وردًّا على هذا الاعتراض نقول بحسم: أيها الإنسان عمِّق السر فإن الله صار في شكل منظور مثل شكلنا. رب الكل في شكل عبد، ومع ذلك فإن مجد الربوبية غير منفصل عنه. افهم أن الابن الوحيد صار جسدًا، وأنه احتمل أن يولد من امرأة من أجلنا، لكي يُبطل اللعنة التي حُكم بها على المرأة الأولى، فقد قيل لها، “ بالوجع تلدين أولادًا” (تك16:3) فإنها كأنها تلد للموت. ولذلك ذاقوا أي أولاد المرأة لدغة الموت. ولكن لأن امرأة قد وَلَدَت في الجسد، عمانوئيل، الذي هو الحياة فإن قوة اللعنة قد أُبطلت. ومع إبطال الموت أُبطلت أيضًا الأوجاع[1]التي تحتملها الأمهات الأرضيات في الولادة.

 

أتريد أن تتعلَّم سببًا آخر لهذا الأمر؟ تذكَّر ما كتبه بولس الحكيم جدًّا عنه: ” لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه، لأنه كان ضعيفًا بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية دان الخطية في جسده، لكي يَتم حُكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد، بل حسب الروح” (رو8: 4،3). فما معنى قوله إن الابن أُرسل في شبه جسد الخطية؟ هذا هو المعنى: أن ناموس الخطية يكمن مختفيًا في أعضائنا الجسدية مصاحباً تحرك الشهوات الطبيعية المخجلة، ولكن حينما صار كلمة الله جسدًا، أي إنسانًا، واتَّخذ شكلنا، فإنَّ جسده كان مقدسًا ونقيًّا نقاوة كاملة، وهكذا كان حقًّا في شبه جسدنا، ولكن ليس بنفس مستواه. لأنه كان حرًّا من ذلك الميل الذي يقودنا إلى ما هو ضد الناموس.

 

لذلك فحينما ترى الطفل ملفوفًا بالأقماط لا تُركز فكرك على ميلاده في الجسد فقط، بل ارتفع إلى تأمل مجده الإلهي، ارفع عقلك عاليًا، اِصعد إلى السماء، وهكذا سوف تنظره في أعلى تمجيد، وهو صاحب المجد الفائق، سوف تراه: “جالسًا على عرش عالٍ ومرتفع” (إش1:6)، سوف تسمع السيرافيم يمجدونه بتسابيح، ويقولون إن السماء والأرض مملوءتان من مجده، نعم بل حتى على الأرض قد حدث هذا، لأن مجد الله أضاء على الرعاة، وكان هناك جمهور من الجنود السماويين يخبرون بمجد المسيح. فهذا ما سبق أن أخبر به موسى منذ القديم ” افرحي معه أيتها السموات، وليسجد له كل أبناء الله” (تث43:32 سبعينية) لأن أنبياء قديسين كثيرين قد وُلدوا على مرِّ الأزمنة، ولكن لم يُمجَّد أي واحد منهم بأصوات الملائكة، لأنهم كانوا بشرًا، وكانوا على نفس القياس مثلنا. كانوا خدام الله الحقيقيين وحاملي كلماته، أما المسيح فلم يكن هكذا: لأنه إله ورب، وهو مرسِل الأنبياء القديسين. وكما يقول المرنِّم: ” مَن في السماء يعادل الرب، مَن يشبه الرب بين أبناء الله” (مز1:89) لأن لقب البنوة قد مُنح لنا كنعمة حلَّت علينا نحن الذين تحت النير، ونحن بطبيعتنا عبيد، أما المسيح فهو الابن الحقيقي، أي أنه ابن الله الآب بالطبيعة، حتى حينما صار جسدًا: لأنه استمر على ما كان عليه منذ الأزل، رغم أنه اتخذ ما لم يكن له[2].

والنبي أيضًا يؤكد لنا أن ما أقوله صحيح، بقوله: ” ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل، زبدًا وعسلاً يأكل قبل أن يعرف أن يختار الشر. هو يُفضِّل الخير: لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يعرف الخير والشر فهو لا يطيع الشر بل يختار الخير” (إش14:7ـ16 سبعينية) أليس واضحًا للجميع أن الطفل حديث الولادة لا يستطيع بسبب صغره وضعفه، أن يفهم أي شيء، وهو غير كفء بعد لمُهمَّة التمييز بين الخير والشر، لأنه لا يعرف شيئًا على الإطلاق. أما في حالة المسيح مخلصنا فقد أكل الزبد والعسل رغم أنه كان لا يزال طفلاً، ولأنه كان إلهًا وصار جسدًا بطريقة تفُوق الفهم فإنه عرف الخير فقط، وكان منزهًا عن الفساد الذي في البشر، وهذه أيضًا صفة للجوهر الفائق، لأن ما هو صالح بالطبيعة، هو خاص به بثبات وبغير تغيير، وهو خاص به وحده: ” ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله” (لو19:18) وكما قال مخلِّصنا نفسه.

 

أتريد أن تعرف فضيلة أخرى لهذا الطفل؟ أتريد أن ترى أنه بالطبيعة إله، ذاك الذي وُلد في الجسد من امرأة؟ انظر ما يقوله إشعياء النبي عنه: ” فاقتربتُ إلى النبية، فحبلت وولدت ابنًا. فقال لي الرب ادع اسمه: ” أسرع وأسر، وأتلَف بسرعة” (إش8: 4،3). لأنه في نفس توقيت ميلاد المسيح أُتلِفَت قوة الشيطان، لأنه في دمشق كان الشيطان هو موضوع الخدمة الدينية، وكان له هناك عابدون، ولكن حينما وَلدت العذراء القديسة انكسرت قوة الطغيان، إذ أن الوثنيين انجذبوا إلى معرفة الحق وكان باكورتهم وقادتهم المجوس الذين جاءوا من المشرق إلى أورشليم، الذين كان معلِّمتهم هي السماء وأستاذهم هو النجم.

 

لذلك لا تنظر إلى المُضطجِع في المذود على أنه مجرد طفل، بل في فقرنا انظر ذاك الذي هو غني كإله. وفي مستوى بَشَريتنا انظر ذاك الذي يفوق سكان السماء، ولذلك فإنه يمجَّد من الملائكة القديسين. وما أرفع تلك التسبحة: ” المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرة!” لأن الملائكة ورؤساء الملائكة والعروش والسيادات، وأعلى منهم السيرافيم، هم يحفظون رتبهم المعيَّنة، وهم في سلام مع الله. لأنهم لا يتعدّون إرادته الصالحة أبدًا بأي طريقة. بل هم ثابتون وراسخون في البر والقداسة. أما نحن المخلوقات البائسة، فقد وضعنا أنفسنا في موضع الأعداء بالنسبة للرب، لأننا وضعنا شهواتنا الخاصة ضد مشيئته. ولكن المسيح قد أبطل كل هذا! ” لأنه هو سلامنا” (أف14:2) لأنه قد وحَّدنا مع الله الآب بواسطة نفسه إذ قد رفع سبب العداوة من الوسط وأعني به الخطية، وهكذا هو يبرِّرنا بالإيمان، ويجعلنا قديسين وبلا لوم، والذين كانوا بعيدين يدعوهم قريبين إليه. وإلى جانب ذلك، فقد خلق الشعبين في إنسان واحد جديد، صانعًا سلامًا ومصالحًا الاثنين في جسد واحد مع الآب. لأنه قد سر الله الآب أن يجمع فيه كل الأشياء (أف10:1) في واحد جديد متكامل، وأن يربط الأشياء السفلى مع الأشياء التي فوق، ويجعل الذين في السماء والذين على الأرض رعية واحدة. لذلك فالمسيح قد صار لنا سلامًا ومسرَّة، الذي به ومعه لله الآب المجد والكرامة والقدرة مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

[1] ربما يقصد القديس كيرلس أن العذراء القديسة في ولادتها للمسيح ولدت بدون وجع.

[2] واضح أن القديس كيرلس يقصد أن المسيح استمر إلهًا كما كان منذ الأزل رغم أنَّه أخذ الجسد الذى لم يكن له أصلاً بل أخذه من العذراء مريم.

 

ميلاد المسيح بالجسد – عظة 2 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ولادة المسيح في بيت لحم – عظة 1 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ولادة المسيح في بيت لحم – عظة 1 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ولادة المسيح في بيت لحم – عظة 1 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

 

وُلد المسيح في بيت لحم في الوقت الذي أمر فيه أوغسطس قيصر أن يتم الاكتتاب (الإحصاء) الأول. ولكن ربما يسأل واحد، ما هي الضرورة التي جعلت البشير الحكيم جدًّا أن يذكر هذا الأمر بنوع خاص؟ أجيب: نعم، إنه كان أمرًا نافعًا كما أنه أمر ضروري أن يُحدِّد الفترة التي وُلد فيها المخلِّص. لأنه قد قيل بصوت رئيس الآباء: ” لا يزول رأس من يهوذا، ولا مشترع من بين رجليه حتى يأتي الذي جعل له. وهو انتظار الشعوب” (تك10:49 سبعينية).

 

وذُكِرَ هذا الأمر أيضًا لكي نعرف أن الإسرائيليين لم يكن لهم في ذلك الوقت مَلِك من عشيرة داود، وأن حكامهم الذين من أمَّتهم قد سقطوا. فهو لسبب مناسب يذكر أوامر قيصر. فإن اليهود وبقية الأمم كانوا تحت سلطان حكمه. فهو إذ كان حاكمًا لهم أَمَر أن يُجرى هذا الإحصاء.

 

(لو4:2) ” لِكَوْنِهِ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ وَعَشِيرَتِهِ “.

إن الأناجيل المقدسة بإرجاعها نسب المسيح إلى يوسف، الذي من بيت داود، قد أثبتت من خلال يوسف أن العذراء أيضًا كانت من نفس عشيرة داود. ذلك أن الناموس الإلهي قد أمر أن التزاوج ينبغي أن يكون محصورًا بين أشخاص من نفس العشيرة. ومُفسِّر التعاليم السماوية، الرسول العظيم بولس يُعلن الحق بوضوح، فهو يشهد أن الرب خرج من سبط يهوذا (عب14:7).

 

إن الطبائع التى اجتمعت إلى هذا الاتحاد الحقيقى هي مع ذلك مختلفة عن بعضها، ولكن من الاثنين معًا (أي من الطبيعتين) هو واحد، أي الله الابن دون أن يُضيع تمايز الطبيعتين بسبب الاتحاد. لأنه قد صار اتحاد من الطبيعتين، ولذلك فنحن نعترف بمسيح واحد، ابن واحد، ونحن بالإشارة إلى فكرة الاتحاد هذه بدون اختلاط، فإننا نعترف بالقديسة العذراء أنها والدة الإله. لأن الله الكلمة أخذ جسدًا وصار إنسانًا، وبالحبل به في بطنها وجد الهيكل الذي اتخذه منها بنفسه.

 

فإننا نرى أن طبيعتين ـ بواسطة اتحاد لا انفصال فيه ـ قد اجتمعتا معًا فيه بدون اختلاط وبدون انقسام، لأن الجسد هو جسد وليس لاهوتًا رغم أنه قد صار جسد الله، وبنفس الطريقة أيضًا فإن الكلمة هو إله وليس جسدًا رغم أنه بسبب التدبير قد جعل الجسد جسده. ولكن رغم أن الطبائع التى اجتمعت في تكوين الاتحاد هي مختلفة إحداها عن الأخرى كما أنها غير متساوية بعضها مع بعض، إلا أن ذلك الذي تكوَّن من الطبيعتين معًا هو واحد فقط. ونحن لا نفصل الرب الواحد يسوع المسيح إلى إنسان وحده وإله وحده، بل نحن نؤكد أن المسيح يسوع هو واحد، وهو نفسه، معترفين بالتمايز بين الطبيعتين بدون أن نخلطهما الواحدة مع الأخرى.

 

(لو5:2) ” مَعَ مَرْيَمَ امْرَأَتِهِ الْمَخْطُوبَةِ وَهِيَ حُبْلَى “.

يقول القديس البشير إنَّ مريم كانت مخطوبة ليوسف، لكي يُبيِّن أن الحمل حدث وهي مخطوبة فقط، وأن ولادة عمانوئيل كانت معجزية، ولم تكن بحسب قوانين الطبيعة. لأن العذراء القديسة لم تحمل من زرع إنسان. والسؤال هو لماذا حدث هذا؟

 

المسيح، الذي هو باكورة الجميع، وهو آدم الثاني حسب الكُتب، قد وُلد من الروح لكي ينقل هذه النعمة (نعمة الولادة الروحية) إلينا نحن أيضًا. فنحن أيضًا قد أُعد لنا أن لا نحمل فيما بعد اسم أبناء البشر بل بالأحرى نولَد من الله وذلك بحصولنا على الميلاد الجديد من الروح الذي تم في المسيح نفسه أولاً، لكي يكون هو “متقدمًا بين الجميع” (كو15:1) كما يُعلن بولس الحكيم جدًّا. إن فرصة الإحصاء كانت سببًا مناسبًا جدًّا لكي تذهب العذراء إلى بيت لحم لكي نرى نبوة أخرى تتحقق.

لأنه مكتوب: “وأنتِ يا بيت لحم أفراتة وأنتِ صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطًا على إسرائيل” (ميخا2:5)، ولكن أولئك الذين يجادلون ويقولون، إن كان هو قد جاء في الجسد فتكون العذراء قد فسدت، وإن لم تكن قد فسدت فإنه يكون قد جاء بطريقة خيالية فقط. هؤلاء نقول لهم إن النبي يُعلِن ” أن الرب إله إسرائيل قد دخل وخرج، والباب يظل مغلقًا” (حز2:44)، وأيضًا إن كان الكلمة قد صار جسدًا بدون تزاوج جسدي، إذ أنه حُمل به بدون زرع بشر، فإنه إذن وُلد دون أن تُمس عذراويتها.

 

(لو2: 7،6) ” وبينما هما هناك تمَّت أيامها لتلد، فولدت ابنها البكر وقمطته وأضجعته في المزود

ما هو معنى بكرها؟ إنَّ معنى البكر هنا ليس أنه الأول بين إخوة عديدين، بل هو ابنها الأول والوحيد، فإن هذا هو المعنى من بين المعاني التي تُفسَّر بها كلمة “البكر”. لأن الكتاب المقدس أحيانًا يسمِّي الوحيد بالأوَّل كما هو مكتوب: ” أنا الله، أنا الأوَّل وليس هناك آخر معي” (إش6:44 سبعينية).

فلكي يتَّضح أن العذراء لم تلد مجرد إنسان، لذلك أُضيفت كلمة “البكر”، وحيث أنها ظلت عذراء فلم يكن لها ابن آخر إلاَّ ذلك هو من الله الآب، والذي بخصوصه أعلن أيضًا الله الآب بصوت داود ” أنا أيضًا أجعله بكرًا، أعلى من ملوك الأرض” (مز27:89).

 

ويقول عنه بولس الكلِّي الحكمة أيضًا: ” متى أَدخل البكر إلى العالم يقول، ولتسجد له كل ملائكة الله” (عب6:1) فكيف إذن دخل إلى العالم؟ لأنه منفصل عن العالم، ليس من جهة المكان بقدر ما هو من جهة الطبيعة. فإنه يختلف عن سكان العالم في الطبيعة، ولكن دخل إلى العالم بأن صار إنسانًا، وبذلك صار جزءًا من العالم بالتجسد. ورغم أنه هو الابن الوحيد من جهة ألوهيته، إلاَّ أنه لكونه صار أخًا لنا، فقد أصبح له اسم ” البكر”، ولكي يصير هو الباكورة لتبنِّي البشرية، فإنه يمكنه أن يجعلنا أيضًا أبناء الله.

 

لذلك لاحظوا، أنه يُدعى البكر من جهة التدبير[1]، لأنه من جهة ألوهيته هو الابن الوحيد. وأيضًا فإنه الابن الوحيد من جهة كونه كلمة الآب الذي ليس له إخوة بالطبيعة ولا يوجد أي كائن مشترك معه. لأن ابن الله المساوي للآب، هو واحد ووحيد، ولكنه يصير بكرًا بتنازله إلى مستوى المخلوقات.

 

لذلك حينما يُدعى الابن الوحيد، فإنه يُدعى هكذا دون أن يكون هناك سبب آخر لكونه الابن الوحيد إذ هو الإله الوحيد الجنس الذي في حضن الآب (يو18:1) ولكن حينما تدعوه الكتب الإلهية ” بالبكر” فإنها تضيف حالاً علَّة السبب الذي من أجله حمل هذا اللقب فتقول الكتب ” البكر بين إخوة كثيرين” (رو29:8)، وأيضًا ” البكر من الأموات” (كو18:1)، ففي المرَّة الأولى دُعي ” بكرًا بين إخوة كثيرين” بسبب أنه صار مثلنا في كل شيء ما عدا الخطية، وفي المرة الثانية دُعي ” البكر من الأموات” لأنه هو الأول الذي أقام جسده إلى حالة عدم الفساد.

 

وأيضًا هو كان دائمًا منذ الأزل الابن الوحيد بالطبيعة، لكونه الوحيد المولود من الآب، إله من إله، وحيد من وحيد، إله أشرق من إله، نور من نور، ولكنه هو “البكر” لأجلنا نحن حتى عندما يُدعى بكرًا للمخلوقات فإن كل مَنْ يشابهه يخلص بواسطته.

فإن كان هو بالضرورة يصير “البكر” فبالتأكيد لابد أن يكون هناك أولئك الذين يكون هو بكرًا لهم. ولكن إن كان ـ كما يقول يونوميوس ـ إنه يُدعى بكر الله المولود الأول بالنِّسبة لكثيرين، وإنَّه هو أيضًا بكر العذراء، ففي هذه الحالة إذن يلزم أن يصير هو الأول قبل طفل بعده بالنسبة لها. ولكن إن كان يُدعى بكر مريم باعتباره الابن الوحيد وليس هناك من يأتون بعده، إذن فهو أيضًا بكر الله لا كالأول بين كثيرين، بل هو المولود الواحد الوحيد.

 

وبالإضافة إلى ذلك إن كان الأول يُعترف به أنه عِلَّة الثاني، فإن الله هو الأول، وحينئذ فالابن هو علَّة أولئك الذين نالوا لقب الأبناء، لأنهم بواسطته قد حصلوا على هذه التسمية، لذلك وهو علَّة وجود الأبناء الذين أتوا بعده فإنه يُدعى البكر بحق، لا لأنه هو أولهم، بل لكونه العلَّة الأولى لحصوله على لقب التبنِّي.

وكما أن الآب يُدعى الأول لأنه يقول: ” أنا الأول وأنا بعد هذه الأشياء” (إش4:41)، وهو بالتأكيد لا يريدنا أن نعتبره أنه مشابه في الطبيعة لأولئك الذين يأتون بعده، هكذا أيضًا فرغم أن الابن يُدعى بكر الخليقة، أو البكر قبل كل خليقة، فهذا ليس معناه أنه واحد من الأشياء المخلوقة، بل كما أن الآب قال ” أنا الأول” لكي يُوضح أنه أصل كل الأشياء، فبنفس المعنى يُدعى الابن أيضًا بكر الخليقة “ فإن كل الأشياء خُلقت به” (يو3:1). فكخالق وصانع للعالم، هو بداية كل الأشياء المخلوقة وأصلها.

 

(لو7:2) ” وَأَضْجَعَتْهُ فِي الْمِذْوَدِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي الْمَنْزِلِ “.

لقد وجد أن الإنسان قد تدنَّى إلى مستوى الحيوانات، لذلك فإنه وُضع مثل علف في المزود، لكي حينما نخلع حياتنا الحيوانية، نرتفع إلى درجة العقل والبصيرة التي تليق بطبيعة الإنسان. وبينما كنا متوحشين في نفوسنا، فإننا الآن باقترابنا من المزود، أي “مائدته الخاصة”[2]، فإنا لا نجد علفًا بعد، بل الخبز الذي من السماء الذي هو جسد الحياة.

 

[1] اصطلاح “التدبير” يستعمله القديس كيرلس وكل الآباء ليعبِّروا عن خطة الله وقصده لتتميم خلاص الإنسان عن طريق مجيء ابن الله في الجسد واتحاده بطبيعتنا وتتميمه الفداء بالموت والقيامة.

[2] واضح أن القديس كيرلس يتحدث عن تناول الإفخارستيا التي يشترك فيها المؤمنون نتيجة التجسد.

 

ولادة المسيح في بيت لحم – عظة 1 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عظة تمهيدية على بعض آيات الأصحاح الأول – انجيل لوقا – القديس كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عظة تمهيدية على بعض آيات الأصحاح الأول – انجيل لوقا – القديس كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عظة تمهيدية على بعض آيات الأصحاح الأول – انجيل لوقا – القديس كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو2:1) ” الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ “.

عندما سيقول البشير لوقا إن الرسل كانوا شهود عيان لذات الكلمة المحيي، فإنه بذلك يتفق مع البشير يوحنا، الذي يقول إن “ الكلمة صار جسدًا، وحل فينا، ورأينا مجده مجدًا كما لوحيد من الآب” (يو14:1). فالكلمة أصبح من الممكن رؤيته بسبب الجسد الذي هو منظور وملموس وصُلب، بينما الكلمة ذاته غير منظور. ويوحنا أيضًا يقول في رسالته: ” الذي كان من البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة، فإن الحياة أُظهِرَت” (1يو1:1).

 

ألا تسمعونه يتحدث عن الحياة على أساس أنها يمكن أن تُلمس؟ وهو يقول هذا لكى تفهموا أن الابن صار إنسانًا وصار منظورًا من جهة الجسد، ولكنه غير منظور من جهة لاهوته.

 

(لو51:1) ” صَنَعَ قُوَّةً بِذِرَاعِهِ. شَتَّتَ الْمُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ “.

الذراع يشير رمزيًّا إلى الكلمة الذي وُلد من العذراء، وتعني مريم بالمستكبرين: الشياطين الأردياء الذين سقطوا مع رئيسهم بواسطة الكبرياء. ويعني أيضًا حكماء اليونانيين، الذين رفضوا أن يقبلوا كرازة الإنجيل التي عندهم جهالة، وأيضًا اليهود الذين لم يؤمنوا والذين تشتتوا بسبب تصوراتهم غير اللائقة عن كلمة الله. وتقصد “بالأعزاء” الكتبة والفريسيين الذين يسعون للكراسي الأولى. ومع ذلك فإنه أقرب إلى المعنى، أن يقصد “بالأعزاء” الشياطين الأردياء، فإن هؤلاء حينما ادَّعوا السيادة على العالم فإن الرب شتَّتهم بمجيئه إلينا، ونقل أولئك الذين كانوا أسرى لهم إلى سيادته وملكوته هو. فإن كل هذه الأشياء حدثت بحسب نبوءة العذراء بأنه:

 

(لو52:1) ” أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ “.

فإن كبرياء هؤلاء الشياطين الذي شتَّتهم هو كبرياء فظيع وهكذا أيضًا كبرياء فلاسفة اليونانيين، وكذلك الفريسيين والكتبة كما ذكرت. ولكنه هو أنزلهم، ورفع أولئك الذين تواضعوا تحت يده القوية، وأعطى هؤلاء السلطان أن يدوسوا الحيات والعقارب، وعلى كل قوة العدو. وأبطل مؤامرات هذه الكائنات المستكبـِرة ضدنا. اليهود الذين كانوا يفتخرون سابقًا بمملكتهم نُزعت منهم بسبب عدم إيمانهم، بينما الوثنيين الذين لم يكونوا يعرفون الله رفعهم ومجَّدهم بسبب إيمانهم.

 

(لو53:1) ” أَشْبَعَ الْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ وَصَرَفَ الأَغْنِيَاءَ فَارِغِينَ “.

وهي تعني “بالجياع” الجنس البشري. إذ أنه فيما عدا اليهود كان الجميع مجروحين بالجوع، فاليهود كانوا أغنياء بإعطائهم الناموس وبتعليم الأنبياء القديسين. فقد كان لهم “التبنِّي والعبادة والاشتراع والمواعيد” (رو4:9) ولكنهم تلهّوا بالطعام الكثير، انتفخوا بالمنزلة التي أُعطيَت لهم ولأنهم رفضوا أن يقتربوا باتضاع من الكلمة المتجسد، فقد صُرفوا فارغين، لا يحملون معهم شيئًا لا الإيمان ولا المعرفة ولا الرجاء في البركات الآتية، فإنهم بالحقيقة صاروا منبوذين من أورشليم الأرضية وأيضًا غرباء عن حياة المجد التى ستُعلَن في المستقبل، لأنهم لم يقبلوا رئيس الحياة، بل صلبوا رب المجد، وتركوا ينبوع الماء الحي واعتبروا الخبز النازل من السماء أنه لا شيء، ولهذا السبب فقد أتى عليهم جوع أشد من أي جوع آخر، وعطشٌ أكثر مرارة من كل عطش آخر. فإنه لم يكن جوع إلى الخبز المادي ولا عطش إلى الماء، ولكنه “جوع لاستماع كلمة الله” (انظر عاموس11:8).

 

ولكن الأمم الذين كانوا جياع وعطشى بنفوسهم الهزيلة البائسة، فقد امتلأوا بالبركات الروحية، لأنهم قبلوا الرب. فإن كل امتيازات اليهود قد نُقلِتْ إليهم.

 

(لو54:1) ” عَضَدَ إِسْرَائِيلَ فَتَاهُ لِيَذْكُرَ رَحْمَةً “.

عَضَد إسرائيل ـ ليس إسرائيل حسب الجسد الذي يفخر بمجرد الاسم، ولكن ذلك الذي هو بالروح وبحسب المعنى الحقيقي للاسم ـ ذلك الذي ينظر إلى الله، ويؤمن به، وينال تبنِّي البنين بواسطة الابن بحسب الكلمة التي أُعطيَت، والوعد المعطَى للأنبياء والبطاركة (رؤساء الآباء) القدماء. ولكن كلمة إسرائيل لها انطباق حقيقي أيضًا على إسرائيل الجسدي، فإن آلاف وربوات من بينهم قد آمنوا. ولكنه قد ذكر رحمته كما وعد إبراهيم. وقد تمَّم ما قاله له بأن ” في نسلك تتبارك جميع قبائل الأرض” (تك18:22). فإن هذا الوعد كان في طريقه إلى التحقُّق بميلاد مخلِّصنا المسيح الذي كان على وشك الحدوث، الذي هو نسل إبراهيم الذي فيه تتبارك الأمم، لأنه أمسك بنسل إبراهيم كما تقول كلمات الرسول (انظر عب16:2). وهكذا تحقق الوعد الذي أعطَى للآباء.

 

(لو69:1) ” وَأَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلاَصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ “.

إن كلمة ” قرن” تشير لا إلى القوة فقط بل إلى الملوكية. ولكن المسيح الذي هو المخلِّص الذي جاء لنا من بيت وجنس داود هو القوة والملك معًا، لأنه هو ملك الملوك وهو قوة الآب غير المغلوبة.

 

(لو72:1) ” لِيَصْنَعَ رَحْمَةً مَعَ آبَائِنَا “.

المسيح هو رحمة وعدل ” بر” لأننا نلنا رحمة بواسطته، وتبرَّرنا إذ قد غُسلنا من أوساخ خطيتنا بالإيمان به.

 

(لو73:1) ” الْقَسَمَ الَّذِي حَلَفَ لإِبْرَاهِيمَ أَبِينَا “.

لا ينبغي لأحد حينما يسمع أن الله أقسم لإبراهيم، لا ينبغى له أن يسمح لنفسه بأن يُقسِم، وكما أن الغضب حينما يُقال على الله هو ليس غضبًا ولا يعني الانفعال، ولكن يُقصد به القوة التي تظهر في العقاب أو أي حركة مشابهة. هكذا أيضًا فالقَسَم بالنسبة له ليس قسمًا. لأن الله لا يقسم بل يشير إلى يقينية الحدث ـ أي أنَّ ما يقوله سيحدث بالضرورة، لأن قَسَم الله هو كلمته الخاصة التي تحُث الذين يسمعونه حثًّا كاملاً، وتعطي كل واحد الاعتقاد بأن ما قد وعد به الله وقاله لابد أن يحدث بالتأكيد.

(لو76:1) ” وَأَنْتَ أَيُّهَا الصَّبِيُّ نَبِيَّ الْعَلِيِّ تُدْعَى، لأَنَّكَ تَتَقَدَّمُ أَمَامَ وَجْهِ الرَّبِّ لِتُعِدَّ طُرُقَهُ “.

أرجو أن تلاحظوا هذا أيضًا، أن المسيح هو العليِّ الذي كان يوحنا سابقًا له في ميلاده وكرازته لإعداد الطريق، فماذا يتبقى إذًا، لكي يقول أولئك الذين يقلِّلون من لاهوته؟ ولماذا لا يفهمون أنه حينما قال زكريا ” وأنت نبي العلي تُدعى“، إنما كان يقصد بهذا الكلام أنه نبي ” الله” مثل أنبياء الله السابقين له.

 

(لو79:1) ” لِيُضِيءَ عَلَى الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ “.

كان المعمدان بالنسبة لأولئك الذين تحت الناموس الساكنين في اليهودية، كأنه سراج سابق للمسيح، وهكذا تكلم عنه الله سابقًا ” هيأت سراجًا لمسيحى” (مز17:131). والناموس يُعطي إشارة عنه بالمنارة التي في المسكن الأول، التي أوصى بأن تكون موقَدة دائمًا. ولكن اليهود، بعد أن سُرُّوا به فترة قصيرة مندفعين أفواجًا إلى معموديته، ومعجبين بطريقة حياته، فإنهم سريعًا ما جعلوه يرقد رقاد الموت مجتهدين أن يطفئوا المصباح الدائم الاشتعال. لذلك تحدث عنه المخلِّص أيضًا: ” كان هو السراج الموقد المنير وأنتم أردتم أن تبتهجوا بنوره ساعة” (يو5: 35).

 

لِكَيْ يَهْدِيَ أَقْدَامَنَا فِي طَرِيقِ السَّلاَمِ “.

لأن العالم في الواقع كان تائهًا في الضلال، يعبد المخلوق بدلاً من الخالق، وكأن الليل قد سقط على عقول الجميع فلا يدعهم يبصرون ذاك الذي هو بالطبيعة وبالحقيقة الله.

 

ولكن رب الكل جاء للإسرائيليين مثل نور ومثل شمس.

 

عظة تمهيدية على بعض آيات الأصحاح الأول – انجيل لوقا – القديس كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

كتاب المسيح واحد – القديس كيرلس الإسكندري PDF

كتاب المسيح واحد – القديس كيرلس الإسكندري PDF

كتاب المسيح واحد – القديس كيرلس الإسكندري PDF

كتاب المسيح واحد – القديس كيرلس الإسكندري PDF

 

تحميل الكتاب PDF

الوهية الروح القدس – القديس كيرلس الإسكندري – د. سعيد حكيم

الوهية الروح القدس – القديس كيرلس الإسكندري – د. سعيد حكيم

الوهية الروح القدس – القديس كيرلس الإسكندري – د. سعيد حكيم

الوهية الروح القدس – القديس كيرلس الإسكندري

الروح القدس يخلق ويُجدّد:

إن كان الروح يستطيع أن يُؤله وأن يهب المخلوقات رتبة أسمى من الخليقة فهو أسمى من حيث الطبيعة، والكرامة، فإذا كان يستطيع أن يؤله النفس، فكيف يمكن أن يكون مخلوقًا وليس إلهًا، طالما أنه يؤله؟

إن كنا نؤمن بأن الله قد أتى إلينا، بواسطة سكنى الروح القدس داخلنا، فكيف يمكن أن يكون (الروح) مخلوقًا؟ لأنه من غير الممكن أن يُقيم الله داخلنا بواسطة مخلوق، إذ أن الله يسمو على الكون (المخلوق). لأنه كما انه بسكنى الله داخلنا، نصبح شركاء الطبيعة الإلهية، وليس شركاء الطبيعة المخلوقة، هكذا فإذا سكن داخلنا مخلوق، فلن نكون بعد شركاء الطبيعة الإلهية، بل شركاء الطبيعة المخلوقة. إذًا فالروح هو إله، طالما أن الله يسكن فينا بالحقيقة من خلاله.

فكل شيء يأتي من العدم إلى الوجود، يعتبر عبد للذي خلقه، ويكون في مكانة الخادم، بينما نحن إذ قد صرنا شركاء الروح القدس وصرنا أحرارًا، وهذا معناه على كل حال أن الروح القدس بحسب طبيعته حر، وليس بمخلوق، ولا عبدًا، كما في حالة الخليقة، بل هو الطبيعة التي هي فوق كل نير وكل حرية.

إن كان الروح يعمل فينا المواهب الإلهية كما يشاء، لأن هذا ما يقوله المطوب بولس: ” الله واحد الذي يعمل الكل في الكل[1]، إذًا فالروح إله، إذ أنه ينبثق من الله بالطبيعة.

والمطوب داود يُرنم لله مخلص الجميع، من اجل كل ما هو موجود على الأرض قائلاً: ” تُرسل روحك فتخلق وتجدد وجه الأرض[2]، لكن هذا الذي تجّدد، قد تجّدد هكذا كما كان في البداية، وهذا هو فعل القوة ذاتها، التي أتت به إلى الوجود منذ البدء، وعندما فسد هذا المخلوق، أعادته تلك القوة مرة أخرى إلى حالته الأولى. الروح يُجدد الخليقة، لأن الخليقة لم تُخلق من قِبل مخلوق، وعندما فسدت لم تتجدد بمخلوق، بل من الله. إذًا فالروح القدس إله، ويأتي من الله بحسب الطبيعة.

إن كانت المخلوقات في مجموعها قد خُلقت بنسمة فم الله، كما يُصلي داود[3]، وان كان الروح مخلوق (كما يدّعي البعض)، فليقل لنا هؤلاء الذين يُؤمنون بذلك، إلى أي شيء يستند هذا الإيمان. وإن كان الروح حقًا طبيعة مخلوقة، وهو الذي يُثبت الخليقة، فهذا معناه أن الخليقة تُثبّت نفسها، وليس لها احتياج لله على الإطلاق. لكن حين تؤمن بهذا الكلام، وتتحدث به، فهذا أمر يدعو للدهشة والغرابة، لأننا نتحد بالله عن طريق الروح القدس، وكلام المزمور كلام حقيقي: ” بكلمة الرب صُنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها[4].

إذًا فالروح من طبيعة الله، ويأتي من الله، وعلى أية حال فهو ذو طبيعة مختلفة عن الخليقة، التي تعتمد في وجودها عليه. فذاك الذي هو أسمى من الخليقة، ومن طبيعة مختلفة عن المخلوقات، هو بالتأكيد إله، وليس شيئًا آخر.

روح الحكمة والقوة:

لقد جعلنا الله حكماءً، بل وأقوياءً، عن طريق الابن، بالروح القدس. لأنه يُدعى روح الحكمة، وروح القوة. إذًا كيف يمكن أن يكون روحًا مخلوقًا؟ لأنه لو كان ذلك أمرًا صحيحًا، فمن الواضح أنه لا يوجد شيء يمكن أن يُعوقنا عن أن نفكر على هذا النحو: أن الله حكيم وقوي من خلال المخلوقات، وحكمته حكمه مخلوقة. وفي هذه الحالة يكون الكون هو الذي يضفي جمالاً على الله وليس العكس. لكن أن تؤمن بهذا، أو تقوله فهذا كفر. وبناءً على ذلك فإن الروح إله، وينبثق من الله بحسب الطبيعة، وبواسطته يعطي الله الحكمة للخليقة ويشدّدها. وعن الابن قال المطوب بولس: ” وأما الرب فهو الروح[5]. أيضًا الابن نفسه قال: ” الله روح[6].

إذًا عندما يُدعى الروح القدس بالآب مرةً، وأيضًا بالابن مرة أخرى، فكيف لا يكون واحد في الجوهر معهما؟ كما أن الخليقة في طبيعتها غير مؤلهة. إذًا فإن كان من غير الممكن أن نشترك في طبيعة الله أو نصير شركاء الطبيعة الإلهية، إلاّ فقط من خلال الروح القدس، فكيف يُعتبر الروح خارج الألوهه، ذاك الذي بذاته يجعل أولئك الذين يأتي إليهم، شركاء الطبيعة الإلهية؟

أن نقول بأن الخليقة، أو أي مخلوق من المخلوقات، هو مساو في العمل والقوة مع الله، فهذا يُمثل دليلاً واضحًا على الكفر. لكن لأن الروح القدس له نفس الطاقة أو العمل مع الآب والابن، فمن الواضح أنه إله من إله من حيث طبيعته، حتى أنه يستطيع أن يعمل ما يعمله الله.

والدليل على كل ما يُقال، هو هذا الذي طرحه القديس بولس بكل وضوح، قائلاً: ” فأنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد. وأنواع خدم موجودة ولكن الرب واحد. وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد الذي يعمل الكل في الكل[7]. ولأن الآب يُعطي حياة، والابن أيضًا بنفس القدر يُعطي حياة، الروح القدس هو أيضًا يُحيي. يكتب إذًا المطوب بولس: ” أوصيك أمام الله الذي يُحيي الكل[8]. بل إن الابن نفسه قال: ” خرافي تسمع صوتي وأنا اعرفها فتتبعني وأنا أعطيها حياة أبدية [9].

وأما أن الروح يُحيي، سيُبرهن على ذلك المخلص نفسه بقوله: ” الروح هو الذي يُحيي. أما الجسد فلا يفيد شيئًا. الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة[10]. بل والمطوب بولس يكتب ” وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيُحيي أجسادكم المائتة بروحه الساكن فيكم[11]. إذًا فذاك الذي يمكنه أن يعمل أعمال مساوية في الكرامة للأعمال التي يعملها الله، هو بالحقيقة إله، ويأتي من الله بحسب الطبيعة.

لقد وبّخ ربنا يسوع المسيح جموع اليهود قائلاً: ” أعمالاً كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي. بسبب أي عمل منها ترجمونني[12]. وأيضًا ” الآب الحال فيّ هو يعمل الأعمال[13]. بل إنه أقر، بأنه بروح الله يُخرج الشياطين.

إذًا طالما أن أعمال الروح هي أعمال الآب، ومن الواضح أنها أعماله هو أيضًا، فكيف يكون من الممكن أن يكون الروح مخلوقًا؟ لأنه لو كان هذا الأمر حقيقي (أى أن الروح مخلوق)، فعندئذ يتمجد الآب من خلال المخلوق، بل والابن يتمجد بالمخلوق، طالما أن المعجزات يصنعها بواسطة الروح، إلاّ أن هذا أمرًا غير معقول. إذًا فالروح إله، وهو من طبيعة الله، طالما أنه يعمل أعمال الآب والابن.

الروح القدس يملأ كل المسكونة:

حين يعرض المطوب بولس للعهد الجديد الذي للمسيح، يعرضه بصورة أكثر مجدًا من العبادة الناموسية، قائلاً: ” إن كانت خدمة الدينونه مجدًا فبالأولى كثيرًا تزيد خدمة البر في مجد[14]. إذًا الناموس كان لخدمة الدينونة، بينما البشارة الإنجيلية كانت لخدمة البر. لكن خدام العهد القديم، الذين أدانهم، كانوا يتحدثون بعبارات مثل ” يقول الرب “، وخدام العهد الجديد، الذين بررهم، قالوا: ” الروح القدس يقول “.

إذًا هل خدام العهد الذين أدانهم أسمى من خدام العهد الثاني (أي الجديد)؟ لأن خدام العهد القديم خدموا بكلام الله، فلو أن الروح القدس هو مخلوق فهذا معناه أن خدام العهد الجديد خدموا بكلام المخلوق. وكيف تكون بعد، خدمة البر في مجد؟ لأنه ما هو الأكثر مجدًا، أن يخدموا بكلام الله أم بكلام المخلوق؟ لكن خدام العهد الأول (القديم) ليسوا أسمى ولا هم أكثر بهاءً من خدام العهد الجديد.

وبناء على ذلك فعندما قالوا إن: ” الروح القدس يقول “، فهم أيضًا يُخدَمون بكلام الله، لأن روح الله، هو إله، ويأتي من الله بحسب طبيعته. أما أن خدمة خدام العهد الثاني (الجديد) هي أكثر بهاءً من خدمة خدام العهد الأول (القديم). فهذا ما أكده المخلص، قائلاً للرسل القديسين: ” الحق أقول لكم إن أنبياء وأبرارًا كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا ” لكن أنتم ” طوبى لعيونكم لأنها تُبصر ولأذانكم لأنها تسمع[15].

وقال لتلاميذه القديسين: ” وتساقون أمام ولاة وملوك من اجلي… فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون لأنكم تُعطَون في تلك الساعة ما تتكلمون به. لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم[16].

أيضًا يقول المطوب بولس: ” إذًا أنتم تطلبون برهان المسيح المتكلم فيّ[17]. إذًا عندما يتكلم المسيح في القديسين، فالروح هو الذي يتكلم، فكيف يمكن أن يكون مخلوقًا ذاك الذي يوجد داخلنا ويتكلم المسيح من خلاله، والذي من الله بحسب الطبيعة، وواحد في الجوهر مع الابن؟ والمطوب موسى قال في سفر التكوين: ” فخلق الله الإنسان على صورته[18]. بل وخالق الجميع قال بفم إشعياء: “ أنا صنعت الأرض وخلقت الإنسان عليها[19].

وطالما أن هذا صواب، فإن المطوب أيوب يقول: ” روح الله صنعني[20]. فإن كان روح الله مخلوقًا، فهذا معناه أننا خُلقنا من مخلوق. وإذا كان كذلك فلماذا يقول الكتاب: ” وجبل الرب الإله ادم ترابًا من الأرض[21]. وبناء على ذلك فمن الأمور الأكثر غرابة أن ننسب مجد الخالق للمخلوق، فالروح خالق، إذًا فهو إله وهو من الله بحسب طبيعته.

فلو أن الأصغر يُبَارك من الأكبر[22]، وفقًا لكلام القديس بولس، ولو أن الخليقة المدركة تتبارك، وتتقدس من الله بواسطة الروح، فإنها تتبارك وتتقدس من ذاك (أي الروح) الذي هو أسمى بحسب طبيعته من كل شيء. وإن كان هذا صحيحًا، إذًا فالروح القدس ليس مخلوقًا. لأن الأكبر لا يتبارك من الأصغر.

 

الروح يُحيي إذ هو الحياة:

فإن كانت المخلوقات تُدرك في مكان محدد، ومن خلال بعض الصفات، وإن كان الروح القدس لا يُدرك هكذا، لأنه مكتوب: ” روح الرب ملأ المسكونة[23]، بل وداود يُرنم قائلاً: ” أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب[24]، فكيف يمكن أن يكون ذاك الذي يملأ المسكونة، مخلوقًا، لأنه بالنسبة للابن، كتب ” الذي نزل هو الذي صعد أيضًا فوق جميع السموات لكي يملأ الكل[25]. والآب نفسه قال لليهود في موضع ما ” السموات كرسيّ والأرض موطئ قدميّ أين البيت الذي تبنون وأين مكان راحتي[26]، وأيضًا: ” أما أملأ أنا السموات والأرض يقول الرب [27].

وفي موضع آخر قال الله لليهود الذين تحرروا من بابل ” واعلموا فإني معكم … وروحي قائم في وسطكم[28]، أي انه في وسطكم قائم الله بحسب الطبيعة والحقيقة. كيف يمكن أن يُعد مخلوقًا، وليس إلهًا، إنه من الله بحسب الطبيعة، طالما أنه بذاته يحقق الحضور الإلهي؟

مكتوب: “ بكلمة الرب صنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها[29]. والمؤكد أن قوة الخلق تليق بالله، وليس بالمخلوق، فكيف يمكننا أن نتشكك في ذلك؟ لكن لو أن الروح حقًا مخلوق، وهو الذي يثبّت الخليقة، فحينئذٍ تكون الخليقة هى التي تحفظ ذاتها لكي تكون في حالة حسنة، دون أن تحصل أو تأخذ أي شيء من الله لأجل هذا الأمر، وإن كان يجب أن أقول شيئًا غير لائق، فإن الخليقة بهذه الرؤية لها طبيعة سامية، طالما إنها تعمل من تلقاء ذاتها، وبهذا تصير موضع إعجاب لدى المرء.

لكن هذا أمر غريب، لأن الروح يُثبت السموات، ويُشدّد الخليقة. إذًا فهو طبيعة أسمى من الخليقة، إذ هو إله. فإن كان الروح يُحيي، وهو الحياة، وفقًا لكلام المخلص[30]، فكيف يمكن أن يكون مخلوقًا؟ ولهذا فلو لم يكن موجودًا قبلاً، فليس هو حياة، أي لو أنه خُلق مع أشياء أخرى، أي تلك التي أتت للوجود من العدم. إن الكلام عن خلق الروح، بهذه الطريقة هو كلام غير لائق، لأن الروح هو بالحقيقة حياة، ويُحيي. إذًا فهو لم يُخلق، بل كان موجودًا قبل الدهور، لأنه من الله بالطبيعة، وهو إله.

الطبيعة الإلهية غير المائتة، طبيعة بسيطة وغير مركبة، وهى التي تأتي بكل المسكونة إلى الوجود، وتكملّها بالروح. فلو أن الروح القدس هو مخلوق، كما يدّعي المضادون، فستكتمل عندئذٍ أعمال الألوهة عن طريق مخلوق. ولأن الله من جهة طبيعته بسيط، فكيف يمكن لروحه أن يكون مُركبًا؟ لأنه ليس هناك بين المخلوقات ما هو بسيط من حيث طبيعته. نعم، كما قال هؤلاء الذين يشتكون على مجد الروح القدس، الروح القدس هو من الله، ويُقدس الخليقة من الله. لأن المخلص قال عنه: ” يأخذ مما لي[31].

إن ما يُمنح ويأتي من خارج، من آخر، يمكن على أية حال أن يُنزع، وما ليس لنا بالطبيعة، يمكن أن يُفقد. إذًا هل سيفقد الروح القدس ذات مرة قوة التقديس؟ برغم أنه من المؤكد أن له صفة تدل على جوهره، والذي يؤكد على أنه كائن، وليس مجرد رتبه ما، أو امتياز، كما هو الحال بالنسبة للسلطة والعرش، والسيادة. لأن هذه الألقاب لا تعبر عن جوهر هؤلاء الذين يحملونها، بل تُعلن درجة كرامة كل رتبة على حدة. ولكن في الثالوث القدوس اسم الآب والابن والروح القدس، لا يُظهر امتيازًا ما، بل يُوضح ماهية كل واحد من هذه الأسماء.

قدوس بطبيعته:

فإن كان اسم الروح القدس يُعلن عن جوهره، أي يُعلن عن ماهيته من جهة طبيعته (لأنه دُعي قدوس)، فالله قدوس أيضًا[32]، (إذ هكذا تُسبّحه القوات السمائية لا كأنه اكتسب القداسة، بل لأنه قدوس بطبيعته، وبحسب الجوهر)، ولن يكون الروح غريبًا عنه من حيث جوهره. لأنه هو بطبيعته قدوس، طالما أنه يأتي من قدوس، ومتحد بالله القدوس بحسب طبيعته.

هؤلاء الذين يقولون إن الروح القدس مخلوق لا يدركون، إذ هم عميان، أن كل خدمه تتصف بالعبودية، هي اقل أو أدنى من الخدمة الذاتية أو الشخصية. مثلما حدث على سبيل المثال عندما أُعطى الناموس للقدماء، والذي أُخبر به بترتيب ملائكة، وبواسطة موسى، الكامل في الحكمة.

لكن الذي أعلن الناموس قديمًا، هو نفسه أرسل لنا النعمة بواسطة الإيمان. ولهذا فإن خدمة المسيح نفسه هي أكثر مجدًا، من خدمة موسى. إذًا لو أن الروح يُقدسنا كخادم، فمن الذي تقدّس أكثر من قِبل الآب؟ إنه ذاك الذي لا يتقدس، إلاّ عن طريق الروح القدس فقط. إن أعلى وأسمى درجات البركة الإلهية هو التقديس بواسطة الروح. وبناء على ذلك فالروح لا يُقدس الخليقة كعبد، ولا كواهب غريب (عن طبيعة الله)، بل إن الله ذاته بروحه هو الذي يصنع هذا بطريقة ما.

يهبنا شركة الطبيعة الإلهية:

المسيح له المجد يقول في موضع ما: ” إن أحبني احد يحفظ كلامي ويحبه أبي واليه نأتي وعنده نصنع منزلاً[33]. وبأي طريقة يتحقق فينا هذا الوعد، الكلمة الإلهية تعلّمنا ذلك بوضوح. بالحقيقة يقول المطوب يوحنا البشير: ” وبهذا نعرف أنه يثبت فينا من الروح الذي أعطانا[34]. والكامل في الحكمة بولس يقول: ” أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم[35]. إذًا كيف يكون الروح مخلوقًا طالما صرنا بواسطته شركاء مع الآب والابن؟ لأنه لم يكن ممكنًا بواسطة مخلوق، أو واحد من الملائكة القديسين، أن نصير شركاء الطبيعة الإلهية. وهكذا فإن الله يوجد داخلنا عن طريق الروح الذي هو إله.

الكتاب يقول، إن الروح القدس كان حاضرًا في شمشون، طالما كان غير حليق الشعر، ثم يقول الكتاب ” الرب قد فارقه[36]، وذلك عندما حلق شعره بطريقة سيئة. إذًا كيف يكون الروح مخلوقًا، طالما أنه بطبيعته هو الرب؟ لأن ذاك الذي هو حر، وسيد حقًا، لا ينتسب أو ينتمي للمخلوقات.

عندما قرر ربنا يسوع المسيح أن يصعد إلى السماء، عزى رسله القديسين قائلاً: ” لا أترككم يتامى. إني أتي إليكم[37]. وتمم وعده، وأرسل لنا المعزي من السماء، أو من الأفضل أن تقول، إنه أتى إلينا بواسطة الروح. إذًا كيف يكون الروح مخلوقًا، وهو الذي بواسطته تُقيم بيننا الطبيعة غير المخلوقة، “الكلمة” الذي خلق المسكونة؟

الروح القدس واحد في الجوهر مع الآب والابن:

إن الذين يتجرأون على أن يقولوا أو يؤمنوا، بأن الروح القدس مخلوق، يكفرون كثيرًا. لأنه كما أن الإنسان، ليست روحه غريبة عن ماهيته. هكذا فإن الروح ليس غريبًا عن الله بالطبيعة وبالحقيقة، وإن كان يُدرك كموجود بذاته، أي مثل الآب ذاته، وبالطبع مثل الابن، فمن المؤكد انه عندما يكون الروح داخلنا، يكون الابن داخلنا أيضًا، بسبب وحدة الجوهر بينهما ولأن الروح هو روحه بالطبيعة، وهذا ما يؤكده لنا المطوب بولس قائلاً:

الذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله. وأما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح إن كان روح الله ساكنًا فيكم. ولكن إن كان احد ليس له روح المسيح فذلك ليس له. وإن كان المسيح فيكم فالجسد ميت بسبب الخطية. وأما الروح فحياة بسبب البر[38]. إذًا فهو يؤكد أن الروح يُدعى روح الله، ويُشير أيضًا إلى المسيح، بسبب وحدة الجوهر بينهما.

إذًا عندما يوجد المسيح داخلنا، فكيف يمكن أن يكون روحه مخلوقًا، طالما أن الابن من حيث طبيعته هو إله، وواحد في الجوهر مع الآب؟ المطوب بولس، تكلّم عن أولئك الذين يتنبأون في الكنيسة متّبعين النظام الخاص بذلك، أى كل واحد بمفرده، يقول إن مَن ينظر إليهم، يقول إن الله داخلهم بالحقيقة. لكن من جهة هؤلاء الذين يتكلمون بألسنة غير مفهومة، يقول عنهم إنهم لا يُكلمون الناس، بل الله[39].

ها هو إذًا يقول بكل وضوح، إن هؤلاء يتنبأون ملهمين بالروح، والله يوجد داخلهم، وان هؤلاء الذين يتكلمون بلسان غير مفهوم، يتحدثون مع الله[40]. إذًا فالروح القدس هو إله.

كل شيء مخلوق، هو على كل الأحوال اقل من سمو الله، ويأتي في مرتبة أقل بكثير من المجد الأسمى. لأنه لا يمكن أبدًا لمَن هو عبد، أن يكون له نفس استحقاقات السيد، ولا المخلوق له نفس استحقاق الخالق أو نفس القيمة مع الخالق.

وبناء على ذلك فإن إله الجميع يُبرر أولئك الذين يخطئون، مادام له السلطان على غفران الخطايا. بل والروح القدس أيضًا يُبرر بنفس الدرجة. لأن القديس بولس يقول:” لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا [41]. إذًا طالما أن الروح يُبرر بنفس القدر مع الله، فكيف لا يكون واحدًا معه في الجوهر؟ لأن المخلوق لا يمكن أن يبررنا. ذلك الذي له نفس القدرة مع الله الآب، هو على كل الأحوال واحد في الجوهر معه. إذًا مادام الله الآب مُحيي، فإن الروح القدس وبنفس القدر هو روح مُحيي.

أو من الأفضل أن نقول إن الآب يُحييّ بواسطة الروح القدس. هذا ما يؤكده القديس بولس وهو يكتب لتلميذه تيموثاوس: ” أوصيك أمام الله الذي يُحيّ الكل والمسيح يسوع… أن تحفظ الوصية بلا دنس ولا لوم [42].

لكن في موضع أخر يقول: ” وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيُحيي أجسادكم المائته أيضًا بروحه الساكن فيكم[43]. إذًا من المؤكد أن الله الآب يُعطي حياة للأموات، كما قلت، لكنه يعطيهم هذه الحياة بواسطة الروح القدس. إذًا كيف يكون مخلوقًا؟ فالآب لا يُعطي حياة عن طريق مخلوق، بل بالروح القدس الذي هو واحد معه في الجوهر.

قال الله ذات مرة لموسى: ” من صنع للإنسان فمًا؟ أو من يصنع اخرسًا أو أصمًا أو بصيرًا أو أعمى؟ أما هو الرب؟ فالآن اذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به[44]. بل أيضًا ربنا يسوع المسيح وعد رسله القديسين، عندما كانوا يذهبون إلى ولاة، أنه سيعطيهم فمًا وحكمة[45].

أيضًا كُتب في سفر أعمال الرسل: ” وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم. وامتلأ الجميع من الروح القدس وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا[46]. إذًا ها هو مرة أخرى يُعطي فمًا للإنسان، وبنفس الطريقة يُعطيه الروح القدس أيضًا. إذًا فذاك الذي له نفس الطاقة والقوة، والسلطة مع الله بالطبيعة، كيف لا يكون واحدًا معه في الجوهر وليس مخلوقًا؟

فإن كان يُسجد لطبيعة واحدة للثالوث القدوس الواحد في الجوهر، كيف يكون الروح القدس مخلوقًا؟ لأنه لا يكون ثالوثًا بعد، وكمال الثالوث سيكون ناقصًا، إن كان الروح القدس يُحصى مع المخلوقات، وإن كان المطوب بولس يعد الروح القدس مع الآب والابن بالضرورة. لأنه يكتب لأهل كورنثوس قائلاً: ” نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم[47]. لأنه لا يُصلي لأجل الذين امنوا، لكي يصيروا شركاء لمخلوق، بل لكي يتقدسوا مشتركين في الطبيعة الإلهية.

يقول النبي المطوب إشعياء: ” رأيت السيد جالسًا على كرسي عال ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل. السيرافيم واقفون … وهذا نادى ذاك وقال قدوس قدوس قدوس[48]. ثم يُضيف ” ثم سمعتُ صوت السيد قائلاً من أُرسل؟ ومن يذهب من اجلنا؟ فقلت هاأنذا أرسلني فقال اذهب وقل لهذا الشعب اسمعوا سمعًا ولا تفهموا وأبصروا إبصارًا ولا تعرفوا[49]. لكن المطوب بولس يقول أن هذا الكلام يأتي من الروح القدس.

وقد كُتب في سفر الأعمال ما يلي عن الروح القدس، في إشارة لليهود ” فانصرفوا وهم غير متفقين بعضهم مع بعض لما قال بولس كلمة واحدة انه حسنًا كلّم الروح القدس آبائنا بإشعياء النبي. قائلاً اذهب إلى هذا الشعب وقل ستسمعون سمعًا ولا تفهمون وستنظرون نظرًا ولا تبصرون[50]. إذًا حين تكلم رب الصباؤوت، كان الروح القدس هو المتكلم، فكيف يكون مخلوقًا؟ هذا الرأى (بأن الروح مخلوق) ليس له أية علاقة بالحقيقة. بل هو روح رب الصباؤوت وهو واحد معه بالطبيعة، وتكلّم بما لله.

وعندما يقول الله الآب: ” أما أملأ أنا السموات والأرض يقول الرب[51]، بل والمطوب بولس يكتب عن الابن قائلاً: ” الذي نزل هو الذي صعد أيضًا فوق جميع السموات[52]، وهذا الذي يملأ المسكونة هو الروح، لأنه مكتوب: ” روح الرب ملأ المسكونة[53]، إذًا فالروح القدس ليس غريبًا عن طبيعة الله الآب، ومن المؤكد أنه ليس غريبًا عن طبيعة الابن، بل إن حفظ الخليقة يتم من الآب بالابن في الروح القدس، الذي هو فوق الخليقة. لأن الخليقة لا تشترك في ذاتها، بل هي تشترك في ذاك الذي هو بحسب الطبيعة فوق الخليقة، أي الله بواسطة الروح.

الروح يُدعى ربًا وإلهًا:

المطوب إشعياء قال ذات مرة للإسرائليين: ” كبهائم تنزل إلى وطاء روح الرب أراحهم. هكذا قدت شعبك لتصنع لنفسك اسم مجد[54]، وموسى أيضًا يقول في سفر التثنية: ” هكذا الرب وحده اقتاده وليس معه إله أجنبي[55]. إذًا ها هو الروح القدس، يُدعى الرب وبوضوح، ويدعى إلهًا وليس غريبًا. أما لو كان مخلوقًا وغريبًا عن طبيعة الله، فلن يكون له المجد الحقيقي، وسيكون إلهًا غريبًا. إلاّ أنه من غير اللائق أن تؤمن بهذا وان تقوله. لأنه دُعي ربًا وإلهًا، وليس غريبًا. إذًا فهو إله وهو من الله بحسب الطبيعة.

وأما أن الروح هو رب وإله، فهذا ما سنعرفه أفضل من خلال كلمات نشيد موسى، لأنه قال: ” اذكر لا تنسى كيف أسخطت الرب إلهك في البرية[56]. والمطوب إشعياء يقول: ” في كل ضيقهم تضايق. وملاك حضرته خلّصهم. بمحبته ورأفته هو فكهم ورفعهم وحملهم كل الأيام القديمة. ولكنهم تمردوا وأحزنوا روح قدسه. فتحول لهم عدوًا وهو حاربهم[57]. إذًا ها مرة أخرى، بينما يقول الكامل في الحكمة موسى “أسخطت الرب إلهك”، يقول إشعياء النبي إن الروح حزن. لأنه ليس غريبًا عن الرب، وروحه هو بحسب طبيعة الله، أي قدوس.

وهؤلاء الذين لهم إيمان مستقيم، يقولون إن الروح القدس إله. لأنه مكتوب، أن روح الله جبلني. أما الذين لهم رؤية ملتوية، ويقولوا إن الروح مخلوق، فقد اظهروا بدعًا كثيرة بطرق مختلفة، وقالوا، نعم الروح يُدعى (لاهوت)، ليس لأنه هو بالحقيقة من الله، أو لأنه إله، بل أنه هكذا مثلما يمكن أن يُقال عن الإنسان أنه إلهي. وفي هذا الشأن نقول الأتي: إن المطوب بولس دعا إله الجميع، لاهوت، فقد كتب إلى أهل أثينا، قائلاً:

” فإذ نحن ذرية الله لا ينبغي أن نظن أن اللاهوت شبيه بذهب أو فضة أو حجر نقش صناعه أو اختراع إنسان”[58]. قائلاً “اللاهوت” بدلاً من “الله”. بل في رسالته إلى أهل رومية، يكتب عن الله: ” لأن أمور غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركه بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى إنهم بلا عذر[59]. إذًا فإن ما يقوله المعارضون، إن الروح القدس يُدعى (لاهوت)، مثلما يمكن لأحدنا أن يُدعى إنسانًا إلهيًا أو من طبيعة إلهية، يعتبر كلامًا باطلاً.

يقول ربنا يسوع المسيح: ” إن عطش أحد فليقبل إلىّ ويشرب. من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي[60]. ثم بعد ذلك يُضيف المطوب يوحنا البشير: ” قال هذا عن الروح القدس الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه[61].

إذًا فالروح حيّ، وفقًا لكلام المخلص. لكننا نرى أن إله الجميع يقول بفم إرميا أيضًا: ” أبهتي أيتها السموات من هذا واقشعري وتحيري جدًا يقول الرب. لأن شعبي عمل شَرّين. تركوني أنا ينبوع المياه الحية لينقروا لأنفسهم أبارًا مشققة لا تضبط ماء[62]. إذًا عندما يُسمي إله الجميع نفسه “ينبوع المياه الحية”، ويُسمي الروح القدس “ماء حيّ”، كيف لا يكون إلهًا بالطبيعة، ذاك الذي له مع الله نفس الطاقة المحييّة؟

يكتب المطوب بولس: ” تطلبون برهان المسيح المتكلم فيّ[63]. وربنا يسوع المسيح نفسه، يتوجه إلى رسله القديسين قائلاً: ” لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم[64]. إذًا طالما أنه عندما يتكلم المسيح، يتكلم الروح، فكيف يمكن أن يكون روح الكلمة الذي خلق المسكونة، مخلوقًا؟ لأن: ” كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان[65]. لكن ذاك الذي خلق كل المسكونة، هو على كل الأحوال مُختلف بحسب طبيعته عن كل الأشياء، ويتميز عن الخليقة لأنه إله.

وأما أن الروح القدس إله، وينبثق من الله بالطبيعة، فهذا ما يُعلمنا إياه المطوب بطرس قائلاً: ” لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس وتختلس من ثمن الحقل… أنت لم تكذب على الناس بل على الله[66]. إذًا طالما أن الذي يكذب على الروح القدس يكذب على الله، فكيف لا يكون الروح إلهًا بطبيعته؟

المطوب بولس دعا نفسه عبدًا ليسوع المسيح، والمدعو رسولاً، وقال أنه تعيّن لخدمة إنجيل الله[67]. وأيضًا يُعلن نفس الأمر بطريقة أخرى، عندما كتب عن الله ” الذي جعلنا لأن نكون خدام عهد جديد لا الحرف بل الروح[68]. إذًا طالما أنه يُسمي إنجيل الله، عهد الروح، الذي تعيّن لخدمته، فكيف لا يكون الروح القدس إلهًا؟

يقول أيضًا: ” لأنه من عرف فكر الرب فيُعلمه. وأما نحن فلنا فكر المسيح[69]. إذًا عندما يُدعى (أي الروح)، فكر المسيح، فكيف يكون واحدًا من المخلوقات، طالما أن الطبيعة الإلهية غير المائتة، لا تقبل أن يكون فيها شيئًا من تلك الأمور التي هي خارج جوهرها؟

يكتب الرسول بولس إلى أهل غلاطية، قائلاً: ” يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضًا حتى يتصور المسيح فيكم[70]. إذًا طالما أن المسيح يتصور داخلنا، ويُعيد صياغتنا على شبهه بعمل الروح، ويجعلنا روحيين بواسطة كل فضيلة، إذًا فروح المسيح هو إله. وقد ورد في الأناجيل، أن شخصًا أتى إلى ربنا يسوع المسيح وقال له: ” أيها المعلم الصالح “. أجابه المسيح وقال له: ” لماذا تدعوني صالحًا. ليس احد صالحًا إلا واحد وهو الله[71].

إذًا بينما يقول المسيح، إن الصالح بالحقيقة وبحسب الجوهر هو واحد، يقول المرنم ” روحك الصالح يهدي في ارض مستوية[72]. إذًا فبما أن الصالح هو واحد، والروح هو صالح، فمن الواضح جدًا أن الروح من طبيعة الله، المتحقق فيها الصلاح.

المطوب بولس حدد النواميس من جهة المرأة، قائلاً: ” المرأة مرتبطة بالناموس مادام رجلها حيًا. ولكن إن مات رجلها فهي حرة لكي تتزوج بمن تُريد في الرب فقط. ولكنها أكثر غبطة إن لبثت هكذا بحسب رأيي وأظن إني أنا أيضًا عندي روح الله[73]. إذًا ما هي النتيجة التي نخرج بها من هذا؟ النتيجة هي إن كان يليق بالله وحده أن يُشرّع، لكن بولس أيضًا يُشرّع، لأن عنده روح الله، إذًا فالروح الذي في داخله هو إله، والذي يُقنعه أن يُحدد النواميس أيضًا.

الروح هو الحق:

في الأناجيل يقول المخلص عن نفسه في موضع ما: ” أنا هو الحق[74]. بل والمطوب يوحنا يساوي بين الروح وبين الآب والابن من جهة الجوهر، ويقول: “روح الحق الذي من عند الآب ينبثق[75]. بينما في رسالته الأولى يقول: ” الروح هو الحق[76]. إذًا فذاك الذي ينبثق من الآب، وهو روح الحق، وله كل هذا القدر من التساوي مع الابن، بسبب وحدة الجوهر، حتى أنه يُدعى أيضًا “الحق”، كيف يكون مخلوقًا؟ هذا كلام غير لائق. إذًا الروح هو إله، طالما أنه “الحق” وينبثق من الآب.

ناموس موسى يفرض عقابًا لا مفر منه على أولئك الذين يجدفون على الله. هكذا أعطى الله أمرًا أن يُرجم ابن الإسرائيلية في البرية، من كل الجماعة. لأنه أورد اسمه، كما هو مكتوب، وتجرأ أن يقول عليه شيئًا ممنوعًا[77]. بل إن ربنا يسوع المسيح ذاته، يصون كرامة الطبيعة الإلهية، قائلاً: ” من قال كلمة على ابن الإنسان يُغفر له. وأما من قال على الروح القدس فلن يُغفر له لا في هذا الدهر ولا في الآتي[78].

فإن كان الروح مخلوقًا، وليس واحد مع الله في الجوهر، ولم يكن إلهًا مع الآب والابن، فكيف يكون التجديف عليه، يحمل هذا القدر الكبير من العقاب، الذي يُعاقب به الذين يجدفون على الله؟ إذًا من الواضح أنه إله، وينبثق من الله، وهو مع الله ويُكرّم في الكتب المقدسة كإله، وهو هكذا بحسب الطبيعة.

فإن كان كما يقول المخلص: ” المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح[79]. إذًا فالروح بحسب الطبيعة إله، الذي يلد القديسين مرة ثانية، باتحادهم مع الله، بأن يسكن فيهم، ويجعلهم شركاء في طبيعته. وهذا الذي هو قديس بسبب الشركة (مع الروح)، يُشبه إناءً للقداسة قد أصبح يمتلكه (الروح)، بينما هو قائم بطبيعته كإنسان.

إذًا فليقولوا لنا هؤلاء الذين يتجرأون على القول، إن الروح قدوس بسبب شركته مع الله الآب، وليس بحسب طبيعته، مَن هو الروح في ذاته، بعيدًا عن الآب والابن. لكننا لم نسمع شيئًا أخر من الكتب المقدسة. إذًا فهو قدوس ليس عن طريق الشركة، بل لأنه قدوس بحسب طبيعته وجوهره، ولكي أتكلم عنه أقول إنه فعل الألوهة الذي لله الآب، مثل الحلاوة لعسل النحل، ومثل الرائحة الذكية للأزهار.

كتب القديس بولس إلى أهل رومية عن المسيح مخلصنا يقول: ” وتعين ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات. يسوع المسيح ربنا[80].

قوة الله تستعلن بالروح:

إذًا إن كان قد قام من الأموات، وبقوة الروح القدس المحييّة قد فك قيود الموت، وتعيّن المسيح حقًا ابن الله، وهو كذلك، فلا يمكن أن يكون مخلوقًا ذاك الذي بواسطته صار إعلان القوة الإلهية، أي الروح، لكي لا يظهر أن المسيح قد تعين بطريقة ما، بواسطة مخلوق، بل بالأحرى استخدم قوته، تلك التي للروح الواحد في الجوهر. ويقول: ” إذ أُخضعت كل الخليقة للبطل. ليس طوعًا بل من اجل الذي أخضعها على الرجاء[81]. إذًا لو أن الروح القدس مخلوق، فيلزم أن نعترف بالضرورة أن الروح أيضًا خضع للبطل، ويئن مع الخليقة ويتمخض، والآن هو يوجد كما لو كان في حالة عبودية، وسيتحرر لكي يصل إلى حرية مجد أولاد الله[82].

ويقول أيضًا القديس بولس في حالة أخرى: ” إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبا الآب[83]. فلو كان الروح القدس عبدًا، كمخلوق، فكيف نصرخ به “يا أبا الآب”؟ لكنه حرر الذين حل فيهم من العبودية، وبالأحرى جعلهم أبناءً أحرارًا، مُظهرًا إياهم شركاءً في طبيعته. فذاك الذي ليس بمخلوق، والذي لا ينتمي لنظام أو طبقة العبيد، هو خاص بالجوهر الإلهي في كل الأحوال.

وعن الإنجازات أو العطايا التي صارت من مخلصنا لمنفعة الأمم، بواسطة الروح، يفتخر الرسول بولس قائلاً: ” فلي افتخار في المسيح يسوع من جهة ما لله. لأني لا أجسر أن أتكلم عن شيء مما لم يفعله المسيح بواسطتي لأجل إطاعة الأمم بالقول والفعل. بقوة وآيات وعجائب بقوة روح الله[84].

إذًا طالما أن المسيح يصنع الآيات والعجائب بواسطة بولس، بقوة الروح القدس، كطاقة طبيعية وحية، وكفعل لألوهية الابن، فكيف يكون ذاك الذي هو في الله، وينبثق من الله بطريقة طبيعية، مخلوقًا؟ وكيف يكون مخلوقًا ذاك الذي بقوته يعمل الابن (في القديسين)، الأمر الذي يعد كفرًا بمجرد النطق به؟ يُعلّم القديس بولس عن الكرازة المخلّصة، أنها لا تحتاج إلى الكلمة القاسية أو المفزعة، إذ يكتب في رسالته إلى أهل كورنثوس: ” وأنا كنت عندكم في ضعف وخوف ورعدة كثيرة. وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع بل ببرهان الروح والقوة. لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله[85].

ها هو يسمى برهان الروح، أي عمل الروح، قوة الله. لأنه من الله ومع الله، الروح يصنع كل شيء بطريقة طبيعية، كيف إذًا يكون مخلوقًا، ذاك الذي هو واحد في الجوهر مع الله، والذي يُعرف أو يُستعلن لنا على قدر استيعابنا، كما لو كنا ننظر في مرآه في لغز[86].

أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله[87]. إذًا عندما نصير مسكن وهيكل لله، بسكنى الروح القدس فينا، فكيف لا يكون للروح طبيعة إلهية، وكيف سيُحصى بين المخلوقات، في اللحظة التي يتضح فيها، أنه لا يوجد بين الأشياء المخلوقة، ما يُقال عنه أنه يسكن في هيكل كإله، بل إن هذه الصفة مع صفات أخرى، هي الخاصية التي تُُميز الطبيعة الإلهية وحدها؟

فبكل سرور افتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل علىّ قوة المسيح[88]. فإن كان الروح هو الذي يحل ويسكن فينا، ومن خلاله يسكن المسيح فينا، إذًا فالروح القدس هو قوة المسيح. وإن كان الأمر هكذا، فكيف يكون مخلوقًا مَن هو بالطبيعة كائن في الابن؟ ويمكنهم أيضًا أن يقولوا إن الله الكلمة الذي ليس فيه ازدواجية أو ثنائية، هو مُركب من اثنين، أى من طبيعة مولودة ومن طبيعته الذاتية (الإلهية).

لكن إن كان كل هذا هو أمر غير لائق، فإن الروح ليس مخلوقًا، لكنه من الجوهر الإلهي غير المُدرك، كقوة له، وبمعنى ما كطاقة طبيعية. والرسول بولس يتكلم عن المسيح مخلّصنا، فيقول: ” الذي فيه أيضًا انتم إذ سمعتم كلمة الحق إنجيل خلاصكم الذي فيه أيضًا إذ أمنتم ختمتم بروح الموعد القدوس. الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتني لمدح مجده[89].

يوزع المواهب الإلهية:

فإن كنا قد خُتمنا بالروح القدس، وأُعيد تشكيلنا لله، فكيف يمكن اعتبار الذي بواسطته حُفرت في داخلنا أيقونة الجوهر الإلهي، وبقيت فينا علامات الطبيعة غير المخلوقة، مخلوق؟ لأن الروح بالطبع عندما يكون محددًا للصورة فقط فهو لا يرسم فينا جوهر الله، لو أنه كان مختلفًا عن جوهر الله، ولا بهذه الطريقة يقودنا لنصير على شبه الله.

ولكن هذا ما يحدث، فهو لأنه إله وينبثق من الله، لذلك ينطبع في قلوب أولئك الذين قبلوه كختم كما على شمع، وبالشركة معه، والتشبه به، تُستعلن الصورة مرة أخرى، في الطبيعة بحسب جمالها الأول. إذًا كيف يكون مخلوقًا، ذاك الذي بواسطته تتجلى الطبيعة، بأن تصير لها شركة مع لله؟ ” تعقلوا واصحوا للصلوات. ولكن قبل كل شيء لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا. كونوا مُضيفين بعضكم لبعض بلا دمدمة. ليكن كل واحد بحسب ما أخذ موهبة يخدم بها بعضكم بعض كوكلاء صالحين على نعمة الله المتنوعة [90].

لاحظ من فضلك أنه بينما يوزع الروح القدس المواهب الإلهية، ويقسّمها لكل قديس، بسلطان وكما يُريد، فإن القديس بطرس يؤكد بكل ثقة أن أنواع هذه النعمة، والهبات تصير من الله، وأن الروح ليس غريبًا عن الطبيعة الإلهية. إذًا طالما أن القديس بطرس يدعو الروح، إلهًا، فكيف لا يكون كافرًا ومختل العقل من يجعله في عداد المخلوقات، ويتجرأ ويخاطر بأن يناقض بشارة الرسل القديسين؟

من هو الذي يغلب العالم إلاّ الذي يؤمن أن يسوع هو ابن الله هذا هو الذي أتى بماء ودم يسوع المسيح. لا بالماء فقط بل بالماء والدم. والروح هو الذي يشهد لأن الروح هو الحق. فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد. والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم واحد. إن كنا نقبل شهادة الناس فشهادة الله أعظم لأن هذه هي شهادة الله التي شهد بها عن ابنه[91].

لاحظ إذًا مرة أخرى، أن الكارز بالحقيقة، يُسمي الروح، إلهًا، ومنبثقًا من الله بالطبيعة. لأنه قال، إن الروح هو الذي يشهد، ويتقدم قليلاً، قائلاً: ” شهادة الله أعظم “. إذًا كيف يكون الروح مخلوقًا، وهو منبثق من الله بالطبيعة، ومُتمم للثالوث القدوس؟

يعيد ولادتنا للخلاص:

أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس[92]. من حيث إنه يستطيع أن يخلق، فهذا أمر يتعلق بالطبيعة الإلهية وحدها، وهذا الأمر بالإضافة إلى جوانب أخرى، يؤكد على ما للروح القدس من رتب إلهية موقرة، ومتميزة تمامًا، وأن الروح الإلهي يخلق داخل هيكل العذراء، وفقًا للكتب، إذًا من يقول أن الروح مخلوق، ألا يُعد هذا كفرًا وهوسًا؟

لأنه يوجه إتهامًا للجوهر الاسمي من كل شيء، ويتدني به، ويحسبه في عِداد المخلوقات، والتي هى حديثة العهد في وجودها، وليس منذ البدء. لكن الله بالنسبة لنا، ليس حديث العهد، بحسب ما كُتب في المزامير[93]. إذًا لم تخلق الطبيعة الإلهية النقية، لكن بالأحرى هي موجودة منذ البدء. فإن كان الأمر هكذا، فكيف يمكن أن يقال إن الروح القدس، الروح الإلهي، قد خُلق، بينما هو موجود في الله الآب؟

وأما الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه. الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله[94]. فإن كان الروح هو الذي يُعيد ولادتنا للخلاص بالإيمان بالمسيح، حتى أنه بواسطته نصير مولودين من الله، فكيف يكون ممكنًا ألا يكون الروح إلهًا؟ بل إننا نحن الذين آمنا، قد صرنا مولودين من الروح. وهذا ما أكده المخلص لنيقوديموس قائلاً: ” الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها لكنك لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب.

هكذا كل من ولد من الروح[95]. ” ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أن إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي[96]. فإن كان الروح القدس ينبثق من الله الآب، وواحد معه في الجوهر، وإن كان الآب غير مولود ولا مخلوق، فكيف يمكن أن يكون الروح الذي ينبثق من الآب، مولودًا؟ وكيف صرنا نحن هيكل الله، بسكنى الروح القدس، إن لم يكن إلهًا؟

 

[1] 1كو 12: 6.

[2] مز 4: 1- 30.

[3] مز 32: 6.

[4] مز 32: 6.

[5] 2كورنثوس 3: 17.

[6] يوحنا 4: 24.

[7] 1كو 12: 7.

[8] 1تيمو 6: 13.

[9] يوحنا 10: 27 – 28.

[10] يوحنا 6: 63.

[11] رو 8: 11.

[12] يوحنا 10: 32.

[13] يوحنا 14: 10.

[14] 2كورنثوس 3: 9.

[15] متى 13: 17,16.

[16] متى 10: 19 – 20.

[17] 2كورنثوس 13: 3.

[18] تك 1: 27.

[19] أش 45: 12.

[20] أيوب 33: 4.

[21] تك 2: 7.

[22] عب 7:7.

[23] حكمة سليمان 1: 7.

[24] مز 139: 7.

[25] أف 4: 10.

[26] أش 66: 1.

[27] أر 23: 24.

[28] حجي 2: 4 – 5.

[29] مز 33: 6.

[30] يوحنا 6: 36.

[31] يوحنا 16: 15.

[32] أش 6: 3.

[33] يوحنا 14: 23.

[34] 1يوحنا 3: 24.

[35] 1كو 3: 16.

[36] قض 16: 20.

[37] يوحنا 14: 18.

[38] رو 8: 8 – 10.

[39] 1كو 14: 23 – 26.

[40] 1كو 2: 1.

[41] 1كو 6: 11.

[42] 1تيمو 6: 13 – 14.

[43] رو 8: 11.

[44] خر11:4.

[45] متى 10: 19 – 20.

[46] أعمال الرسل 2: 2 – 4.

[47] 2كورنثوس 13: 14.

[48] إش 6: 1 – 3.

[49] إش 6: 8 – 9.

[50] أعمال الرسل 28: 25 – 26.

[51] أر 23: 24.

[52] أف 4: 10.

[53] حكمة سليمان 1: 7.

[54] أش 63: 14.

[55] تث 32: 12.

[56] تث 9: 7.

[57] أش 63: 9 – 10.

[58] أعمال الرسل 17: 29.

[59] رو 1: 20.

[60] يوحنا 7: 37 – 38.

[61] يوحنا 7: 39.

[62] أر 2: 12 – 13.

[63] 2كورنثوس 13: 3.

[64] متى 10: 20.

[65] يوحنا 1: 3.

[66] أعمال الرسل 5: 4.

[67] رو 1: 1.

[68] 2كورنثوس 3: 6.

[69] 1 كو 2: 16.

[70] غل 4: 19.

[71] متى 19: 16.

[72] مز 143: 10.

[73] 1كو 7: 39 – 40.

[74] يوحنا 14: 6.

[75] يوحنا 15: 26.

[76] 1يوحنا 5:7.

[77] لا 24: 10 – 23.

[78] متى 12: 32.

[79] يوحنا 3: 6.

[80] رو 1:4.

[81] رو 8: 20.

[82] رو 8: 21.

[83] رو 8: 15.

[84] رو 15: 17 – 19.

[85] 1كو 2: 3 – 5.

[86] 1كو 13: 12.

[87] 1كو 6: 19.

[88] 2كورنثوس 12: 9.

[89] أف 1: 13 – 14.

[90] 1بط 4: 7 – 10.

[91] 1يوحنا 5: 5 – 9.

[92] متى 1: 18.

[93] مز 81: 7.

[94] يوحنا 1: 12 – 13.

[95] يوحنا 3: 8.

[96] يوحنا 15: 26.

الوهية الروح القدس – القديس كيرلس الإسكندري – د. سعيد حكيم

Exit mobile version