من هو الرب عند المسيحيين؟ لماذا يؤمن المسيحيون بأن المسيح هو الله؟
من هو الرب عند المسيحيين؟ لماذا يؤمن المسيحيون بأن المسيح هو الله؟
في الواقع إذا رجعنا الى العهد الجديد سنجد أن تلاميذ المسيح وهم أصلا من اليهود المؤمنين بوحدانية الله امنوا بألوهية المسيح بمنتهى السهولة. هم كيهود عندهم الوصية الأولى في تثنية ٦ تقول (اسمع يا إسرائيل، الرب الهنا رب واحد) ومع ذلك امنوا بألوهية المسيح وأعلنوا ذلك. فبطرس أعلن أن المسيح ابن الله الحي.
في الواقع إذا رجعنا الى العهد الجديد سنجد أن تلاميذ المسيح وهم أصلا من اليهود المؤمنين بوحدانية الله امنوا بألوهية المسيح بمنتهى السهولة. هم كيهود عندهم الوصية الأولى في تثنية ٦ تقول (اسمع يا إسرائيل، الرب الهنا رب واحد) تث ٦:٤ ومع ذلك امنوا بألوهية المسيح وأعلنوا ذلك. فبطرس أعلن أن المسيح ابن الله الحي.
وتوما قال (ربي والهي) واستفانوس قال له (أيها الرب يسوع اقبل روحي) وبولس قال عنه انه الله حين تحدث الى قسوس كنيسة أفسس قائلا: (لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه) ألوهية المسيح إذن قد امن بها المسيحيون الأوائل ولا زلنا نؤمن جميعا بثقة ويقين انه هو الله. ولأسباب لذلك كثيرة اذكر بعضها
أولا: لأنه حمل لقب اسم (الله):
لقب المسيح باسم (الله) احدى عشرة مرة في العهد الجديد فيوحنا (1: 1) يقول (في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله) يوحنا 1: 1 وأيضًا (الكلمة صار جسدا وحل بيننا) يوحنا 1: 14
في تيطس نقرأ القول (منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح) تيطس 2: 23 فيسوع المسيح هو الله العظيم (المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلها مباركا الى الأبد آمين) رومية ٩:٥ ومتى يقول (يدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا) مت 1: 23 ويوحنا يضيف (ربي وإلهي) يو 20: 28.
ولقب المسيح بابن الله خمسين مرة في العهد الجديد، وهذا اللقب لا يعني التناسل، حاشا لان الله روح ولا مجال للتناسل في الروح. وهذا اللقب لا يعني أيضًا أسبقية الآب عن الابن وهذا يغاير البنوة في الجسد لأنه في حياة البشر لا يسمى الإنسان أبا إلا لحظة أن يولد له ابن. ابن الله إذا لا يعني تناسلا ولا يعني أسبقية في الزمن، ولكنه يعني الوحدة الكاملة بين الآب والابن، يعني المساواة المطلقة بينهما، ويعني التمثيل الحقيقي للاب في شخصية الابن.
لقب المسيح بالرب ٦٥٠ مرة في العهد الجديد، فهو رب المجد (لو عرفوا لما صلبوا رب المجد) ١كو 2: 8.
يسوع المسيح رب الأرباب (هؤلاء سيحاربون الخروف والخروف يغلبهم لأنه رب الأرباب وملك الملوك) رؤ 17: 14.
يسوع المسيح رب الكل (هذا هو رب الكل) أعمال الرسل 10:36
يسوع المسيح رب السبت (فإن ابن الإنسان هو رب السبت أيضًا) مت 8:12
لقب المسيح (أنا هو) وهو ذات لقب الله (يهوه): يطلق هذا اللقب على الله وحده كما جاء في خروج 14:3 وتثنية 39:32 وإشعياء 10:43
قد تكلم الرب يسوع عن نفسه بذات اللقب الأمر (بسلطان) الذي معه سقط المخاطبون به للوراء أمام جلال الذات الإلهية فيه يوحنا 6:18 & يوحنا 8: 24، 28، 58 & يوحنا 4: 26 ويوحنا 9: 37
ثانيًا: نؤمن أن المسيح هو الله، لان له الصفات التي تخص (الله) الذات الإلهية فقط:
يسوع المسيح كلي القدرة:
على المرض يشفيه (الذي جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس) أعمال 10: 38
وعلى الطبيعة هدأ عاصفتها (فقام وانتهر الريح وتموج الماء فانتهيا وصار هدوء) لوقا 8: 24
وعلى الأرواح الشريرة طردها (فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان فشفى الغلام من تلك الساعة) متى 17: 18
وعلى الموت إذ أقام الموتى (فقال أيها الشاب لك أقول قم) لوقا 7: 14
وأقام نفسه (انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاث أيام أقيمه) يوحنا 2: 19.
يسوع المسيح كلي العلم، فهو موجود في كل مكان (لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم) مت 18: 20 أينما يكونون، في أي مكان في العالم
يسوع المسيح موجود في كل زمان (ها أنا معكم كل الأيام الى انقضاء الدهر) مت 20: 28
يسوع المسيح أزلي أبدي (أنا هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي القادر على كل شيء) رؤيا 1: 8 (كنت ميتا وها أنا حي الى ابد الأبدين) رؤ 1: 18.
يسوع المسيح لا يتغير (يسوع المسيح هو هو أمسًا واليوم والى الأبد) عبرانيين 13: 8.
ثالثًا: انه عمل أعمال تخص (الله) الذات الإلهية فقط:
يسوع المسيح أوجد الخليقة: (فانه فيه خلق الكل ما في السماوات وما على الأرض ما يرى وما لا يُرى … الكل به ولد وله قد خلق) كولوسي 1: 16
يسوع المسيح يحفظ الخليقة (حامل كل الأشياء بكل قدرته) عبرانيين ١:٣
يسوع المسيح يعطي الحياة (كما أن الآب يقيم الأموات ويحي كذلك الابن أيضًا يحي من يشاء) يوحنا 5: 21 وأيضًا (تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون) يو 5: 25
يسوع المسيح يغفر الخطايا ولا يغفر الخطايا إلا الله وحده (قال للمفلوج يا بني مغفورة لك خطاياك)٢٩ مرقس 2: 5 بينما الخطية أساسا ضد الله (إليك أخطأت والشر قدام عينيك صنعت) مز٥١ وهو غفر الخطية الموجهة الى الله لأنه هو الله
يسوع المسيح يعطي الخلاص (تدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم) متى 21:1
يسوع المسيح يعطي الروح القدس (هذا هو الذي يعمد بالروح القدس) يوحنا 33:1
يسوع المسيح هو الديان: (الرب يسوع المسيح العتيد أن يدين الأحياء والأموات)2 تيموثاوس 1:4
رابعًا: انه أقر بنفسه أنه معادلا لله:
شهد المسيح قائلا (أنا والآب واحد) يوحنا 10: 30 وأيضًا (قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن) يوحنا 58:8 وكلمة أنا كائن هي أهيه وهو اسم الله بحسب (خروج 3: 14). وفي سفر الرؤيا قال المسيح (أنا هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتي القادر على كل شيء)٣٦ رؤيا 1: 18 وقال أيضًا (أنا هو الأول والآخر) رؤيا ٣٧ ١-١٧وهي صفة لا يتصف بها إلا الله كما نقرأ في سفر إشعياء (هكذا يقول الرب ملك إسرائيل وفاديه رب الجنود. أنا الأول والآخر ولا إله غيري) إشعياء ٣٨ ٤٤-٦
حين يقول (تعالوا الي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم) ٣٩ متى 11: 38 أو حين يقول (أنا هو القيامة والحياة) يوحنا 11: 2 (أنا هو الحق) (أنا هو خبز الحياة) يوحنا 6: 35 (أنا هو الطريق والحق والحياة) يوحنا 6: 14 (أنا هو الباب) يوحنا 9:10 فكل هذه الأقوال لا يقوى على قولها إلا الله.
فاذا لم يكن المسيح هو الله بينما نسب الى نفسه الألوهية فهو لابد أن يكون مجنونا أو محتالا وهو طبعا ليس كذلك ولا يستطيع أحد حتى من أعدائه أن يتهمه بذلك. إذا لم يبق إلا أن يكون هو الله فعلا وحقا.
خامسًا: انه الوحيد المعصوم من الخطأ: وقد شهد بذلك أعداؤه أيضًا قبل أصدقائه.
زوجة بيلاطس قالت لزوجها (إياك وذلك البار) مت٤٤ ٢٧-١٩
بيلاطس نفسه قال (إني لا أجد علة في هذا الإنسان) لوقا ٤٥ ٢٣ -٤
قائد المئة قال (حقا كان هذا الإنسان ابن الله) مرقس ٤٦ ١٥-٣٩
هو نفسه تحدى العالم كل فقال (من منكم يبكتني على خطية) يوحنا 8: 46.
(هو الذي لم يعرف خطية) ٢كورنثوس 21:5
(الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر) بطرس الأولى 2: 22.
سادسًا: تحققت فيه النبوات المتعلقة به، والتي جاءت في العهد القديم:
نبوات عن ميلاده من عذراء (إشعياء ٧: ١٤)
نبوات عن ميلاده في بيت لحم (ميخا ٥: ٢)
عن دخوله أورشليم على جحش (زكريا ٩: ٩)
عن صلبه بين لصين (اشعياء٥٣: ١٢)
عن موته ودفنه في قبر مستعار (إشعياء ٥٣: ٩)
عن قيامته (هو ٦: ٢)
كل هذه النبوات تحققت بحذافيرها فيه، وقد قيلت قبل أن يأتي بمئات السنين، ألا يحق لنا أن نؤمن به الهًا؟
سابعًا: تحققت وتتحقق نبواته هو:
ولقد أعطانا علامات تنبا بها عن نهاية العالم ن ونراها تتم في وسطنا وأمامنا كل يوم لتؤكد لنا انه هو الله الذي يعرف النهاية قبل أن تأتي، الذي يعرف الزمن كله لأنه أكبر من الزمن.
ميلاده العذري، معجزاته الخارقة، قيامته الإعجازية، كل هذه تؤكد لنا ألوهيته، هو الله الذي ظهر في الجسد وقد جاء إلينا في الجسد باحثاً عنا. فدعونا نأتي إليه، دعونا نؤمن به إلهاً نسلطه على حياتنا ونخضع له ونتبعه حيثما يقودنا.
لو طلب أحدهم من مجموعة من الخبراء الدينيين الذين ينتمون إلى عقائد أو ديانات مختلفة أن يشاركوا في ندوة عن طبيعة الله وكيفية إعلانه عن ذاته، لحصل على آراء مختلفة تصل في عددها إلى عدد هؤلاء الأشخاص، وسوف تتناقض إجابات البعض مع إجابات الآخرين. وإذا افترضنا أن الحقيقة غير نسبية، فلا يمكن أن تكون جميع هذه الإجابات صحيحة. على سبيل المثال إذا قال أحدهم بأن الله إله شخصي، وقال آخر بأنه غير شخصي فمن الواضح أن أحدهما مخطئ. فمَنْ يستطيع أن يقول القول الفاصل عن طبيعة الله؟ لابد أن يكون هذا الشخص الوحيد هو الله نفسه.
لكن ماذا يحدث لو وقف أحد هؤلاء الأعضاء المشاركين في الندوة وقال: “حتى أُزيل كل هذا الارتباك وسوء الفهم حول الله، فأنا أُعلن لكم أني أنا الله! أنا هو الطريق والحق والحياة!”
يدخل بنا مثل هذا الزعم إلى دائرة الأمور التي يمكن التحقق منها. فإما أن يكون هذا الشخص مصاباً باضطراب عقلي – مثل أن يعاني من جنون العظمة – وإما أن يكون مخادعاً يحاول أن يجعل الناس يصدقون أكبر كذبة في التاريخ، وإما أن يكون هو الله بالفعل.
هذا هو ما قاله يسوع عن نفسه تماماً، فليس بمقدورنا أن نقول إن يسوع كان ((مجرد)) إنسان صالح، أو ((مجرد)) معلِّم صالح. فالمعلِّمون الأخلاقيون الصالحون لا يكذبون، سواء كانوا متعمدين أو غير متعمدين خاصة إذا كان الموضوع يتعلق بكونهم الله العلي. كذلك هؤلاء لا يجعلون أنفسهم موضوعاً للإيمان والعبادة، ويجعلون ألوفاً لا تُحصى من الناس تموت من أجل إيمانها باسمهم. دعونا نضع هذه الأفكار نصب أعيننا ونحن ندرس بعض الطرق التي يمكننا بواسطتها أن نقرر ما هو حق بالنسبة لله.
الله معلَن
يؤمن مؤلف هذا الكتاب بأن الله أعلن عن نفسه بطرق متنوعة، لكن يمكن اختبار كل طريقة منها اختباراً موضوعياً من خلال أسمى إعلانين له، وهما: الكتاب المقدس، وشخص يسوع.
فيما يتعلق بالكتاب المقدس، فإنه يختلف عن غيره من الكتابات المقدسة الأخرى في أنه يقول بشكل قاطع لا يحتمل اللَّبس إنه وحده كلمة الله. ومعظم الأشخاص المهتمين بموضوع ألوهية المسيح يقبلون الكتاب المقدس كوحي من الله، ولهذا سوف نفترض، لأغراض كتابنا هذا، أن الكتاب المقدس موثوق به تاريخياً، وأنه كلمة الله لنا، وانه الدليل الوحيد الصادق لتحديد ما إذا كان المسيح بالفعل هو الله المتجسد أم لا.
لنكن صريحين حول سبب إحساسنا بأهمية هذه النقطة بالذات .. فالغالبية العظمى من الجماعات التي تُنكر لاهوت المسيح، على الرغم من امتداحها للكتاب المقدس امتداحاً شفوياً غير قلبي، تضع عادة كُتبها المقدسة في نفس مركز الكتاب المقدس أو فوقه. وبهذا يفكر هؤلاء نفس ما يدّعون الإيمان به، ألا وهو المصدر التاريخي الرئيسي لكل تعاليم يسوع، العهد الجديد.
لماذا تدّعي انك مسيحي، أو متعاطف مع المسيحية إلا إذا كنت مستعداً لتصديق ما علّمه يسوع حقاً؟
يقول بعضهم بأنه تم تلطيف أو تخفيف الكتاب المقدس عبر القرون مما خلق حاجة لظهور إعلانات جديدة ضرورية. غير أن هذا موقف لا يمكن الدفاع عنه أيضاً. فهناك ما يزيد عن 24600 مخطوطة جزئية أو كاملة من مخطوطات العهد الجديد. (ثاني افضل مخطوطة تاريخية موثقة هي ((الإلياذة والأوديسا)) التي كتبها هوميروس. وليس هناك منها إلا 643 مخطوطة فقط).
وحتى لو دُمرت كل مخطوطات العهد الجديد، فإنه بإمكاننا إعادة تجميع أو صياغة كل العهد الجديد، باستثناء حوالي إحدى عشر آية، من كتابات آباء الكنيسة الأولى قبل عام 325م. كذلك فحتى المؤرخون غير المسيحيين ملزمون للاعتراف بأن الكتاب المقدس، حسب كل المقاييس العلمية والتاريخية المطبقة على أية وثيقة تاريخية، دقيق بنسبة تزيد عن تسع وتسعين في المائة .. فيمكن لأي شخص أن يختلف مع رسالته، لكن ليس مع صحته تاريخياً.
يصرّح الكتاب المقدس بأنه صاحب السلطان الأخير في تقرير الأمور العقائدية الصحيحة؛ إذ يقول الوحي الإلهي في رسالة تيموثاوس الثانية 3: 16-17 ((كل الكتاب هو موحى به من الله، ونافع لتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر، لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح.))
ويعتقد المسيحيون أنه يجب رفض أي كتاب أو تعليم من شأنه تغيير مضمون الكتاب المقدس. وتؤكد كلمة الله هذه النقطة، إذ كتب يهوذا (آية 3) قائلاً: ((أكتب إليكم واعظاً أن تجتهدوا لأجل الإيمان المسَلَّم مرة للقديسين.)) ولا يسمح الكتاب المقدس بوجود أية تعاليم أخرى من شأنها أن تغير من الكتاب المقدس أو تضيف إليه. يقول بولس رسول المسيح: ((ولكن إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم به، فليكن أناثيما (ملعوناً))) (غلاطية 1: 8) قارن أيضاً رؤيا 22: 19، مع تثنية 4: 3) ((وإن كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة، ومن المدينة المقدسة، ومن المكتوب في هذا الكتاب.))
فإذا أرادت مصادر أخرى أن تدّعي لنفسها الوحي الإلهي كما يفعل الكتاب المقدس، فإن عليها قبول أن تقاس في ضوء الكتاب المقدس، فالله لا يمكن أن يناقض نفسه. وهكذا لا يجب أن يتناقض أي شئ مما كتبه أو قاله الأشخاص الذين جاءوا بعد المسيح مع ما قاله الكتاب المقدس الذي نعرف أنه صحيح. وإذا حدث مثل هذا التناقض، فإنه يصبح واضحاً لنا أنهم لا يتكلمون بوحي من الله سواء كان ذلك كتابةً أو شفاهةً.
وفي دراستنا لألوهية المسيح، فإن القضية ليست ما إذا كانت ألوهية المسيح أمراً يسهل الإيمان به أو حتى فهمه، لكن القضية هي ما إذا كانت كلمة الله تُعلّم هذا الأمر أم لا. فإذا بدت لنا الفكرة لأول وهلة غير متفقة مع المنطق أو الفهم البشري فذلك لا يلغي بشكل تلقائي إمكانية صحتها. فعالمنا ملئ بأشياء يصعب علينا كبشر فهمها الآن (كالجاذبية الأرضية وطبيعة الضوء) لكنها تظل صحيحة وحقيقية.
يُعلِّم الكتاب المقدس أن العقل البشري لا يستطيع أن يستوعب الله (أيوب 11: 7؛ 42: 2-6؛ مزمور 145: 3؛ إشعياء 40: 13؛ 55: 8، 9)؛ ((لأن أفكاري ليست أفكاركم، ولا طرقكم طرقي يقول الرب. لأنه كما علت السموات عن الأرض هكذا علت طرقي عن طرقكم، وأفكاري عن أفكاركم.))، كما يقول في رومية 11: 33-36: ((يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه، ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء؛ لأن مَنْ عرف فكر الرب أو مَنْ صار له مشيراً أو مَنْ سبق فأعطاه فيكافأ؛ لأن منه وبه وله كل الأشياء له المجد إلى الأبد … آمين.)) لهذا يجب أن يسمح لله بأن يقول الكلمة الفاصلة عن نفسه، سواء استطعنا أن نفهم ما يقوله فهماً كاملاً أم لا.
يقول الكتاب المقدس فيما يتعلق بإعلان الله عن نفسه في شخص يسوع في عبرانيين 1: 1-3:
((الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثاً لكل شئ، الذي به أيضاً عمل العالمين، الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته)).
يسوع المسيح هو كلمة الله الحي، وهو في شخصه يعلن الآب لنا ويجعله أكثر وضوحاً. فعندما طلب منه أحد أتباعه قائلاً: ((أرنا الآب وكفانا)) أجاب يسوع: ((أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني …؟ الذي رآني فقد رأى الآب)) (يوحنا 14: 8-9). كما دعى بولس الرسول يسوع ((صورة الله غير المنظور)) (كولوسي 1: 15). وهكذا فإن النظر والاستماع إلى يسوع بمثابة النظر والاستماع إلى الله.
ما هي القضايا المطروحة؟
إذا كان المسيح هو الله في هيئة إنسان، فإنه دون غيره من رجال التاريخ، يستحق إصغاءنا وإجلالنا بل عبادتنا. فهذا يعني أن الله الذي خلق المجرات والسديم والنجوم ونثر ألوف الشموس في الفضاء، أصبح إنساناً عاش ومشى على أرضنا، ومات على أيدي خليقته. وهذا يعني أيضاً أن موته أكثر بكثير من مجرد موت إنسان صالح. لأنه سيكون اسمى ذبيحة على مر العصور تُظهر محبة لا يمكن سبر غورها، أو استقصاء أبعادها. وأن تعاملنا مع يسوع على أنه مجرد إنسان (أو حتى إله) تحت هذه الظروف سيكون تجديفاً. وإذا لم يستطع المرء أن يُكيف حياته حسب تعاليمه، فإن هذا يعني أن معنى الحياة سيفوته.
ومن ناحية أخرى، إذا لم يكن يسوع هو الله، وكان مجرد كائن أدنى من الله فيمكن للمرء أن يشعر بالعرفان له من أجل حياته وموته وتعاليمه.
لكن توجيه العبادة له سوف يكون خطأً جسيماً؛ لأنه في هذه الحالة سيصبح صنماً يحتل مكان الله.. والكتاب المقدس واضح حول موضوع عبادة الأصنام والأوثان. فالله يقول بأنه لا يعطي مجده لآخر ((أنا الرب هذا اسمي، ومجدي لا أعطيه لآخر، ولا تسبيحي للمنحوتات)) (إشعياء 42: 8؛ 48: 11)، وبأنه ليست هناك أية آلهة غيره (إشعياء 45: 5، 21، 22؛ إرميا 10: 6؛ 1كورنثوس 8: 4-6)، وبأن علينا أن نعبد الله وحده (تثنية 6: 13، 14؛ متى 4: 10). إذاً، فإما أن يكون يسوع هو الله أو لا يكون، وإما أن يكون الإيمان به على نحو خاطئ سيكون إما شكلاً من أشكال التجديف أو عبادة الأوثان.
كذلك يمكن أن يصبح النقاش أكثر تعقيداً اعتماداً على ما تعلّمه الشخص، ويمكن أن تُقدم الحجج على ألوهية المسيح أو ضدها. فمثلاً إذا عُلِّم شخص بأن الله هو شخص، أو أقنوم واحد، وأن يسوع المسيح كائن مخلوق فسوف يخبر هذا في قراءته الأولى للكتاب المقدس نصوصاً تدعم هذا الموقف. لكن، إذا عُلّم هذا الشخص بأن الله كائن سامٍ له أقانيم الآب والابن والروح القدس، وبأن الابن تخلى عن مركز المساواة ضمن الذات الإلهية ليصبح إنساناً في شخص يسوع المسيح، فسوف يجد فقرات كتابية تُدعِّم هذا الموقف.
إذاً القضية ليست أي منهما يمكن الدفاع عنه بوضوح، بل هي بالأحرى أي موقف منهما تدعمه أفضل الأدلة، وأي موقف منهما هو ما يعلمه لنا الكتاب المقدس.
وفي اعتبارنا لكلا الموقفين، فإننا نؤمن بأننا قادرون على إعطاء ردود أكثر من كافية على جميع الآيات المستخدمة للتدليل على أن يسوع هو الله. وسنُظهر أن الكتاب المقدس ينسب للمسيح كل اسم رئيسي وصفه ولقب مما ينسبه لله، ومن الكتاب المقدس نثبت أن يسوع قَبِل العبادة، ووُجهت إليه الصلوات، ونقدِّم ردوداً على كل الحجج المضادة الرئيسية. وسنُوَثق من تاريخ الكنيسة (قبل مجمع نيقية في عام 325م، وأصبح الإيمان بألوهية المسيح منذ انعقاده هو الفكر الرسمي للكنيسة) بأن الإيمان بألوهية المسيح كان دائماً وأبداً هو الفكر التقليدي المستقيم.
ومن الواضح أنه لا يمكن أن يكون كلا الموقفين صحيحاً. وكان من الممكن أن يكون الأمر أكثر سهولة لو كانت القضية مجرد فضية إخلاص، لكنها ليست كذلك. فهي قضية أي الموقفين هو الصحيح.. ((لأنني أشهد لهم أن لهم غيرة لله، ولكن ليس حسب المعرفة)) (رومية 10: 2).
تعريف المصطلحات
إن وجود تعريفات صحيحة لطبيعة الله، وطبيعة الثالوث، وشخص يسوع المسيح وطبيعته شرط مُسبق ضروري لفهم كثير من الفقرات الكتابية المتعلقة بألوهية المسيح.
الله: يقول الكتاب المقدس بأن الله كائن ذو وجود شخصي، وهو عاقل ومحب وعادل وأمين وأبدي وخالق، وأنه في تفاعل حيوي مع خليقته. ويمكن تلخيص صفات الله إلى مجموعتين: صفات جوهرية، وصفات أدبية أخلاقية. يقول روبرت باسا نتينو: “إن الله (حسب صفاته العامة) فريد، وأبدي، وغير متغير، وكُلي القدرة، وكُلي العلم والوجود، وثالوثي الأبعاد، وهو روح، وذو وجود شخصي.” ويضيف بأن “صفات الله الأدبية الأخلاقية تتضمن قداسته وبره ومحبته وحقه.” وتُعلّم المسيحية بأن الله يحفظ الكون ويضبطه بشكل كامل السيادة وأنه، كما سنُبين، تجسد في شخص يسوع الناصري.
الثالوث: من بين ما هو واقع وموجود الله وحده ثلاثي الشخصية أو ثالوثي. وحين نقول إن الله ثالوث فإننا بذلك نعطي وصفاً لنظرة الكتاب المقدس إلى الله، تلك النظرة المشتقة من مشاهد متلاحقة من الفقرات الكتابية التي تصف طبيعة الله الشخصية. ونعني بكلمة ثالوثي، التي نشتق منها مصطلح الثالوث الأقدس، بأن الله يُعلن ذاته باستمرار على أنه موجود منذ الأبد في ثلاثة أقانيم (أشخاص): الآب، والابن، والروح القدس. وتكون الأقانيم الثلاثة الذات الإلهية أو الله، غير أنه لا يوجد إلا إله واحد.
بذلك نحن لا نعني ما يلي:
هناك إله واحد وثلاثة آلهة.
هناك إله واحد وأقنوم واحد بثلاثة أسماء، أو حالات يتجلى فيها.
هناك إله واحد وأقنوم واحد صار ثلاثة أقانيم منفصلة متتابعة.
هناك ثلاثة آلهة يشكلون عائلة واحدة.
هناك إله واحد مصاب بانفصام الشخصية.
ويمكن تلخيص عقيدة الثالوث الأقدس الكتابية كما يلي: الله الحقيقي الواحد كما هو واضح في إشعياء 43: 10؛ تثنية 6: 4، هو الآب والابن والروح القدس، وكل عضو في الذات الإلهية هو “الله”.. فالآب يحمل اسم “الله” (غلاطية 1: 1؛ تيطس 1: 4). والابن أو الكلمة يُسمى بشكل متكرر “الله” في يوحنا 1: 1، 14؛ أعمال 20: 28؛ تيطس 2: 13؛ عبرانيين 1: 8، والروح القدس يُعرّف على أنه “الله” في مواضيع مختلفة من الكتاب المقدس (أعمال 5: 3، 4؛ 1يوحنا 4: 2، 3؛ عبرانيين 10: 15، 16). ونرى مفهوم الوحدة ضمن الثالوث في آيات مثل متى 28: 19، حيث يشكل الآب والابن والروح القدس “اسمًا واحدًا” (بصيغة المفرد في اللغة اليونانية).
لكن هدف هذا الكتاب، لا ان نحاول الدفاع عن عقيدة الثالوث الأقدس، فعندما يؤمن المرء بلاهوت المسيح، لا يصبح الإيمان بوجود الله كالآب والابن والروح القدس في العادة مشكلة. أما بالنسبة للشخص الذي يريد أن يبحث فيما يقوله الكتاب المقدس عن الثالوث فهناك آيات كثيرة يمكن دراستها، ونذكر منها عدداً قليلاً (متى 3: 16، 17؛ مرقس 1: 9-11؛ أعمال 2: 32، 33، 38، 39؛ رومية 15: 16، 30؛ 1كورنثوس 12: 4-6؛ 2كورنثوس 3: 4-6؛ 13: 14، أفسس 1: 3-14؛ 2: 18-22؛ 3: 14-17؛ 4: 4-6؛ 2تسالونيكي 2: 13، 14؛ 1تيموثاوس 3: 15، 16؛ عبرانيين 9: 14؛ 10: 7، 10-15؛ 1بطرس 1: 2).
يسوع المسيح: ((يسوع المسيح)) اسم ولقب في نفس الوقت. اسم يسوع مشتق من الصيغة اليونانية للاسم ((يشوع)) الذي يعني ((الله المُخلِّص))، أو ((الرب يُخلص)). ولقب المسيح مشتق من الكلمة اليونانية للمسيا (أو يسوع المسيح: مشتق من الصيغة العبرية – دانيال 9: 26) وتعني ((الممسوح)). ويتضمن استخدام لقب المسيح وظيفتين هما الملك والكاهن. ويُشير هذا اللقب إلى يسوع كالكاهن الموعود، والملك في نبوءات العهد القديم.
كما نؤمن أن ليسوع طبيعتينك بشرية وإلهية، وهكذا فإننا نؤمن بأن يسوع كامل الألوهية (في طبيعته) وكامل الإنسانية.. فهو الله الذي ظهر في هيئة بشرية.
ويصف الكتاب المقدس طبيعة يسوع كإله وإنسان معًا على النحو التالي:
((فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضاً، الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسةً أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد صائرًا في شبه الناس. وإذ وُجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفعه الله أيضًا وأعطاه اسمًا فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممَنْ في السماء ومَنْ على الأرض ومَنْ تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب)) (فيليبي 2: 5-11).
سنحاول بعد هذه التعريفات لله والثالوث ويسوع، أن نجيب عن سؤال آخر قبل أن نبدأ في دراسة البراهين الكتابية على ألوهية المسيح.
لماذا أصبح الله إنساناً؟
كيف يمكن لكائنات بشرية محدودة مثلنا أن تفهم الله غير المحدود؟ من الصعب على أي منا أن يستوعب معاني أو أفكاراً مجرد مثلك الحق، أو الخير (الصلاح)، أو الجمال بدون وجود أمثلة منظورة لها. فنحن نعرف الجمال عندما نراه في شئ جميل، والصلاح عندما نراه مُركّزًا في شخص صالح، وهكذا. لكن بالنسبة لله، كيف يمكن لأي شخص أن يفهم طبيعته
يمكننا ذلك إلى حد ما إذا قام الله بطريقة ما بتحديد نفسه في شكل إنسان يمكن للكائنات البشرية أن تفهمه. وعلى الرغم من أن هذا الإنسان لن يعبِّر عن أبدية الله ووجوده الكُلي لعدم توفر الوقت، أو المجال لذلك فإنه سيستطيع أن يُعبِّر تعبيراً منظوراً عن طبيعة الله. هذه هي رسالة العهد الجديد، قال بولس عن المسيح: ((فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديًا)) (كولوسي 2: 9). لقد أصبح يسوع إنسانًا حتى يتمكن البشر من أن يفهموا الله اللامتناهي، ولو بقدر محدود.
هناك سبب آخر جعل الله يختار أن يصبح إنسانًا، وهو أن يعبر الهوة بين الله والجنس البشري. فإذا كان يسوع المسيح إنسانًا فقط، أو مجرد كائن مخلوق، لبقيت تلك الهوة الواسعة السحيقة بين الله والإنسان، بين اللامحدود والمحدود، بين الخالق والمخلوق، بين القدوس والفاجر. فما كان لنا أن نعرف الله لو لم ينزل إلينا، وما كان في مقدور أي كائن مخلوق أن يعبر الهوة الهائلة بين الله والبشر، أكثر مما هو في مقدور قطعة فخار أن تطمح إلى فهم الفخاري الذي صنعها، زالوصول إلى مستواه. لقد نزل الله إلينا مدفوعاً بمحبته، لأنه أراد أن يفتح طريقاً به يعطي مجالاً لجميع الناس أن يعرفوه.